الاسطوانات أو الأعمدة " تتمة 1"
ومع هذه الزيادات المتلاحقة في المسجد الشريف ظلت الأساطين المبنية في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) محافظة على أماكنها، حيث تحرى ذلك كل من زاد أو رمم في المسجد الشريف على مرالتاريخ، خاصة الأعمدة المشهورة الواقعة في الروضة الشريفة، التي ارتبط اسمها بمآثر مدونة في كتب الحديث والتاريخ، وهي:
1 - أسطوانة السيدة عائشة: وتقع في وسط الروضة الشريفة، وقد اتخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) مكانها مصلى بعد تحويل القبلة مدة، ثم تحول إلى مصلاه، وكان أفاضل الصحابة والتابعين يفضلون الجلوس عندها.
وسبب تسميتها بأسطوانة عائشة (رضي الله عنها) أن بعضًا من الصحابة (رضي الله عنهم) كانوا جلوسًا عند عائشة (رضي الله عنها)، ومعهم ابن أختها التابعي الفقيه (عروة بن الزبير)، فقالت عائشة (رضي الله عنها): "إن في المسجد أسطوانة لو عرفها الناس لاستهموا على الصلاة عندها بالأسهم"، فسألوها عنها فأبت أن تعينها لهم ثم بعد قيامهم أسرَّت ابن الزبير بشيء، ثم قام واتجه إلى هذه الأسطوانة وصلى عندها.
وكان بعض أولئك الصحابة يرقب ماذا سيفعل، فلما صلى عندها جاءوا وصلوا في مكانه؛ فسُميت هذه الأسطوانة بعد ذلك (أسطوانة عائشة) كما هو مكتوب الآن في أعلاها، كما سميت أيضًا بأسطوانة القرعة لرواية (لاقترعوا عليها بالسهام). وروى بعض التابعين عن زيد بن أسلم أنه رأى موضع جبهة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عند هذه الأسطوانة، وأنه رأى بعد ذلك موضع جبهة أبي بكر الصديق دونها، ثم رأى موضع جبهة عمر دون موضع جبهة أبي بكر رضي الله عنه عن الجميع، وهو ما يؤكد أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا يعرفان فضل الصلاة عند هذه الأسطوانة.
2 - أسطوانة الوفود: وهي ملاصقة لشباك الحجرة الشريفة، وهي الأسطوانة التي كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يجلس عندها لوفود العرب القادمة عليه لكي تبايعه على الإسلام، وهي التي وقع عندها نداء بني تميم من وراء الحجرات، حيث نادوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقالوا: "يا محمد اخرج لنا نفاخرك"؛ فأنزل اللَّه تعالى في شأنهم قوله: "إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ" (الحجرات: 4-5).
وعند هذه الأسطوانة أيضًا قدم على النبي (صلى الله عليه وسلم) ضمام بن ثعلبة وافدًا عن بني سعد بن بكر، فلما أقبل ووقف على الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه ولم يكن يعرف الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أنا ابن عبد المطلب، فقال له ضمام: محمد يا بن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدنَّ في نفسك، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا أجد في نفسي، قل عما بدا لك". فقال ضمام: أنشُدك الله إلهك، وإله مَن كان قبلك، وإله مَن هو كائن بعدك؛ آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئًا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال صلى الله عليه وسلم: اللهم نعم، قال ضمام: فأنشدك الله إلهك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك؛ آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس؟ فقال (صلى الله عليه وسلم): اللهم نعم، ثم جعل ضمام يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة وبالأسلوب نفسه، ثم قال في النهاية: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف إلى بعيره راجعًا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة"، وكم عند هذه الأسطوانة حصلت مناسبات! وكم جرى من حوار بين النبي (صلى الله عليه وسلم) ووفود العرب؛ كالذي وقع بينه وبين وفد نجران وغيره.
3 - أسطوانة التوبة: وتسمى أيضًا أسطوانة أبي لبابة، وموقعها الرابعة شرق المنبر، وهي الأسطوانة التي ربط فيها الصحابي الجليل "أبو لبابة" الأنصاري (رضي الله عنه) نفسه، وظل فيها أسيرًا، وقال: "والله لا أفك هذا الأسر عن نفسي حتى يتوب الله عليَّ، ويحلني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيده".
وقصة أبي لبابة هذه سببها أن النبي (صلى الله عليه وسلم) عندما حاصر اليهود بني قريظة بعد غدرهم بعهده وانضمامهم إلى معسكر الأحزاب، وطال عليهم الحصار، وامتلأت قلوبهم من الرعب، وضاقت الأرض بهم، وجهلوا النكاية التي سوف تحل بهم طلبوا من النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يبعث إليهم أبا لبابة (رضي الله عنه)؛ لأنه كان حليفًا لهم قبل الإسلام لكي يتفاوض معهم، فلما جاء إليهم أرسلوا الصبيان في وجهه يجأرون وصاحت نساؤهم مستعطفة لرحمته، ثم حاولوا استغلال عاطفته فقالوا له: ماذا ترى؟ أننزل على حكم محمد؟ فقال لهم: إن نزلتم على حكم محمد (وأشار بيده إلى حلقه) يعني سوف يذبحكم. فقال أبو لبابة: "فوالله ما تحركت قدماي حتى علمت أني خُنْت الله ورسوله"، فلم يعد إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم)، بل ذهب مسرعًا إلى المسجد النبوي وربط نفسه في هذه الأسطوانة. التتمة >>>