المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفيلسوف الطائر



محمد آيت حنا
03-06-2006, 07:29 PM
الفيلسوف الطائر
((... comme l’oiseau soliloque ironique…))
- Gilles Deleuze -


أمضى الفيلسوف الفرنسي " جيل دلوز " ليلته حائراً يقلب عينيه في سماء غرفته محاولا فك رموز قضية كانت تشغله... هب واقفا وقطع عرض غرفته جيئة وذهابا في خطوات متثاقلة... كان الليل قد جاوز منتصفه بقليل، و هي ساعة مناسبة لطرح السؤال: ما الفلسفة؟ لكن السؤال عن ماهية الفلسفة لم يكن الأمر الذي يؤرق بال الفيلسوف.
كان قد قام في الصباح الباكر بجولة في حدائق باريس استمتع فيها - على عادته – بمشاهدة الطيور، إذ كان الفيلسوف مولعا بتتبع الطيور ودراسة أحوالها، بل وغالبا ما كان يحلو له أن يقرن بينها وبين " المفاهيم " التي أوقف حياته على دراستها. ومنذ أن عاد من جولته هذا الصباح، استبدت به تلك القضية/ الخاطرة الغريبة. كان قد استحضر من جديد العلاقة القائمة بين الطائر والمفهوم، لكنها بدت له هذه المرة غريبة ومختلفة عما كان قد ألفه، إذ دخل عليها عنصر ثالث جعلها محكومة بمفارقة عجيبة. كان يعلم أن هناك عنصرا ناقصا هو الذي من شأنه أن يمثل الرابط بين العنصرين السابقين، لكنه لم يكن يدري كنه هذا العنصر. ودخول هذا العنصر الجديد جعل العلاقة تبدو أكبر وأوسع مما كانت عليه، لكن كونه مجهولا جعلها تبدو ناقصة بعد أن كانت شبه تامة. أن يكون الناقص أكبر من التام، تلك هي المفارقة.
ماذا عساه يكون هذا العنصر؟ أعياه التفكير وملّ حركته المنتظمة كالبندول، فتوقف للحظة ثم اتجهت يده بشكل تلقائي إلى رف الكتب واستخرجت كتابه " ما الفلسفة؟ " فتحه بشكل عشوائي وقرأ: (( المفاهيم نيازك )). أقفل الكتاب ثم أعاد فتحه من جديد وقرأ: (( التحليق هو حالة المفهوم)). أعاد العملية عدة مرات وكل مرة كانت عيناه تقعان على كلمات لها علاقة بالطائر وبالتحليق من قبيل: السماء/ الطائر/ السرعة/ الإرتفاع... لكنه لم يستخلص من ذلك أية نتيجة. أحس بالضجر فأعاد الكتاب إلى مكانه ثم عاد يذرع الغرفة جيئة وذهابا. تذكر فجأة أنه قرأ شيئاً عن ذلك عند الفيلسوف المسلم " إبن سينا " لكن أين ومتى، سهى البال عن ذكر ذلك.
اقترب من الشرفة بعدما أرهقه التفكير، وراح يتأمل صمت الضوضاء الباريسية. تنازعته خواطر متضاربة حاول جاهدا إبعادها عن نفسه... وفجأة أشرقت في باله تلك الفكرة/ الحل. لقد اكتشف أنه هو نفسه العنصر الثالث، البعد الثالث في العلاقة. إنه هو خالق المفهوم، وهو الذي يمنحه القدرة على الطيران، بل إنه هو الذي يحمله ويحلق به قاطعا الأقاليم و طاوياً المسافات. إن الفلاسفة طيور بالمعنى الحقيقي للكلمة، وليس ذلك قطعاً على سبيل المجاز.
وفي إحدى لحظات حياته الأكثر تألقاً أحس أن بإمكانه أن يحلق عاليا، فاقترب من حافة شرفته حتى حاذاها ثم اسلم نفسه للريح، وحلق عاليا. عاليا... ملتحقا ب: " اسبينوزا " وباقي الأصدقاء...

* * *

وصبيحة اليوم الموالي، كان الخبر المهيمن على عناوين الصحف الفرنسية هو خبر انتحار الفيلسوف الفرنسي " جيل دلوز "



- J Brel : Je suis un soir d’été

د. عمر هزاع
07-06-2006, 01:53 AM
تمت إستعادة النص هنا بمعرفتي
وكل الشكر لمشرفنا المميز : المودني
للمتابعة الدائمة
ولي عودة ثانية
تحيتي للجميع

عبدالسلام المودني
07-06-2006, 10:01 PM
الفاضل د. هزاع
شكراً لك على إنصاف هذا العمل الجميل

لي عودة قريبة للنص
مودتي
عبدالسلام المودني