أحمد سعد الدين
13-01-2005, 10:42 AM
المسرحية العربية تعنى هذه المقالة بالمسرحية العربية باعتبارها نصاً أدبياً أُلِّف أو ترجم أو اقتبس أو أُعدَّ بغرض عرضه على المسرح. ويدخل في ذلك الحديث عن موضوعاتها المختلفة وسمات بنائها النصيِّ وخصائصها الفنية.
العناصر الدرامية في المسرحية العربية
العناصر الدرامية للمسرحية العربية باعتبارها نصاً أدبياً لا تختلف عن العناصر الدرامية للنص المسرحي الأوروبي. وهي الفكرة، والحبكة، والشخصية، والحوار. وتكاد تكون هذه العناصر لازمة في كل نص مسرحي مهما كان إطاره الفني باستثناء بعض الأطر التجريبية الحديثة التي قد تلغي واحداً أو أكثر من هذه العناصر. وتتأثر الأهداف النهائية للنص الدرامي بهذه العناصر وبالتركيز على بعضها دون الآخر. وتتمثل هذه الأهداف في الوصول إلى قيم جمالية وعاطفية وفكرية وأخلاقية.
الفكرة. الفكرة هي ما يريد المؤلف المسرحي إيصاله للمتلقي من مواقف المؤلف الجمالية والأخلاقية والعاطفية ومجمل تصوراته وإدراكه للكون والعالم والحياة والعلاقات الرابطة لكل ذلك. ويختلف أسلوب طرح الفكرة من كاتب إلى آخر ومن نص إلى غيره، فقد يطرح الكاتب الفكرة مكتملة من وجهة نظره محاولاً تعميمها وفرضها باعتبارها الحقيقة النهائية، وقد يطرح كاتب آخر أفكاره باعتبار أنها وجهات نظر قابلة للأخذ والرد، وقد يطرح ثالث قضايا عامة للنقاش مع المتلقي دون تحديد مسبق لوجهة النظر.
وقد كانت الفكرة المسيطرة على المسرحية العربية لدى روادها الأوائل هي فكرة المغزى الأخلاقي الداعي إلى الاستمساك بكريم القيم والتسابق إلى الفضائل والمكرمات بتزكية النفس على المستوى الفردي. وبرزت أيضاً فكرة البعث القومي العربي بالنظر إلى حاضر العرب غير المشرِّف ومحاولة تذكيرهم بمجدهم التليد بغية إيقاظ هممهم وشحذ إرادتهم للتخلص من صنوف الاستعمار المختلفة. ثم تطوّر أسلوب طرح الفكرة من الوعظي الخطابي المباشر الموجه للأفراد بغرض الإصلاح السلوكي إلى أسلوب التصدي لمواطن الفساد في المجتمع، وتعرية العناصر المنحرفة، والثورة على حراس الرذيلة. وقد بدأ هذا الاتجاه بعد زمن قليل من بداية المسرحية العربية عند الرائد الثالث للمسرحية العربية يعقوب صنوع، ثم وصل قمته في مرحلة المسرح الاجتماعي الواقعي في خمسينيات القرن العشرين وستينياته. ومن الأساليب التي برزت في طرح الأفكار أيضاً أسلوب توفيق الحكيم ـ الذي تبناه عن بعض المدارس المسرحية الأوروبية ـ في نقاش القيم والمبادئ والقناعات نقاشاً ذهنياً مطلقاً يتم في عقل الشخصية المسرحية وبالتالي في عقل المتلقي. وهنا تكون الفكرة عنصراً طاغياً على عناصر الحبكة والشخصية والحوار. ومنذ ستينيات القرن العشرين أخذت تسيطر على المسرحية العربية فكرة محاربة الاستبداد السياسي للحكام الطغاة الفاسدين، وأحياناً محاربة الاستعمار والإمبريالية عندما تتسع نظرة الكاتب لتشمل الحديث عن معاناة الإنسان أينما كان. ونظراً لبطش الحكام وجبروتهم فقد لجأ كثير من الكُتّاب إلى استلهام القصص الشعبي أو التاريخ الإسلامي أو العربي وتوظيفه توظيفاً رمزياً يحقق هدف تحريض الجماهير على الثورة ويجنِّب الكاتب بطش السلطات المستبدة القاهرة في معظم أقطار الوطن العربي وقتها. وفي بعض الأحيان لم ينج بعض الكتاب من شيء من صنوف هذا البطش.
ومع محاولات كُتّاب المسرحية العربية الكتابة في الأطر المسرحية الحديثة في أوروبا فقد برزت أفكار جديدة من قبيل التساؤل عن جدوى الوجود الإنساني مع الوعي بمرور الزمن وحتمية الموت، والاعتقاد بعبثية الحياة مع التكرار الميكانيكي لأحداث الحياة اليومية. وتلك الأفكار التي تنبني على النظر إلى الحركة داخل النفس الإنسانية وربطها بمظاهر الطبيعة والسلوك الاجتماعي الزائف في بعض الأحيان. وبصورة مجملة فإن الفكرة في المسرحية العربية هي الفكرة في كافة الأجناس الفنية للتعبير الإنساني بحسب الحقب السياسية والاجتماعية للعالم العربي.
الحبكة. الحبكة عنصر خفي من عناصر النص الدرامي، وهي مما يدرك عقلياً ولا يحس به كبقية العناصر. وهي عملية تخطيط وترتيب منظم يقصد المؤلف من خلالها إلى إحداث تأثير قوي على المتلقي يتمثَّل في الإدهاش وإثارة العواطف الإنسانية.
اشتملت المسرحية العربية في مختلف أطوارها وفي شتى الأطر التي كتبت فيها على عنصر الحبكة، وقويت هذه الحبكة وضعفت بحسب قدرات الكاتب؛ فقد حشد لها بعض الكُتَّاب بواعث الصراع الداخلي ومكامنه، واصطنعوا لها تأجيج العواطف أو همودها. وبهذا تجد الكاتب يقود المتلقي المندهش بتلاحق الأحداث ومقولات الأشخاص المبثوثة في ثنايا الحوار، والمضامين المتحركة المتدافعة في تطور تصاعدي متلاحق يبلغ به قمة العقدة المسرحية. وهو في كل ذلك قد أثار فيه لذة التطلع والترقب إلى نهاية المسرحية بعد أن مكَّنه من مداخل الشخصيات ومفاتيح الأحداث ليتيح له الدخول إلى عالمه الذي يرمي إلى تصويره وأهدافه التي يسعى إلى التبشير بها بعد أن يبدأ في حل العقدة رويداً رويدا.
وقد تحقق ذلك بدرجات متفاوتة في المسرحية العربية وبلغ مداه في مسرحيات الميلودراما. غير أن الأطر الحديثة للمسرحية العربية فيما عرف بالمسرح التجريبي المتبنية لبعض التجارب الأوروبية الحديثة قد ضعف فيها عنصر الحبكة بل وانعدم تماماً في بعض الأعمال.
الشخصية. لابد لكل نص من شخصيات تحمل سمات العالم الدرامي الذي يدور في ذهن المؤلف. ويتوقف تكوين الشخصيات على نوعية المسرحية ومنهج الكاتب في المعالجة، غير أن أقوى الشخصيات عادة في الأعمال الدرامية هي الواضحة الملامح والطباع والمميزات، والممثلة للأبعاد المرادة من توظيفها سواء أكانت طبيعية أو خرافية أو مصورة لحالات نفسية مقصورة لذاتها.
وقد أفلح بعض كُتّاب المسرحية العربية في تكوين شخصياتهم المسرحية فكانت متوازنة طوال المسرحية متحركة في انسجام مع الانطباع الأول عنها أخلاقياً ونفسياً، ما لم يقتض التطور الدرامي تغيُّرها. وعلى العكس تماماً فقد كوَّن بعضهم شخصيات مهتزة تتحرك بلا دوافع طبيعية وتتصرف في غير عفوية فتبدوا وكأنها شخصيات مصنوعة أرجوزية تتحرك بفعل الكاتب لا بتلقائيتها.
وفي الفترة التي سيطرت فيها مسرحية الميلودراما على التاليف المسرحي ا لعربي فقد برزت شخصيات البطل والبطلة والشرير والمهرِّج. وغالباً ما يكون البطل شخصية تاريخية مهيبة توافر لها التقدير العام بحكم السيرة التاريخية الناصعة، أو محباً نبيلاً يسمو في طهر ملائكي على دسائس ا لحساد الذين يمثلهم الشرير، وشجاعاً قوياً يصارع فيصرع الأهوال التي يسوقها الشرير في طريقه ويضحي بنفسه بطريقة مثيرة للعواطف ضارباً مثلاً رائعاً للمحِّب الوفي ومبشِّراً بانتصار الحب النبيل ولو بعد حين. أما الشرير الذي تدفعه الأثرة ويسوقه حب الذات وكره الخير والحسد والغيرة إلى تحقيق رغائبه محطماً كل شيء فإن الخيبة هي عاقبة رجائه ومنتهى سعيه.
ومن شخصيات المسرحية العربية شخصيات توفيق الحكيم في مسرحه الذهني، فقد كانت بعيدة عن الملامح الإنسانية الواقعية وإنما كانت رموزاً تجسم مفاهيم ذهنية خالصة.
وأبرز كُتَّاب الدراما الاجتماعية الواقعية الشخصية النمطية التي تمثل نماذج داخل المجتمع تعبِّر عن تناقضاته وصراعه الطبقي. وغالبًا ما لا تكون هناك شخصيات رئيسية وأخرى ثانوية، وإنما تتقاسم المجموعة كلها بطولة المسرحية، حيث يعمد المؤلف إلى إبراز ملامحها بوضوح شديد بما يعرض له من تفاصيل حياتها اليومية الراتبة بكل دقائقها العادية. وهذه الشخصيات إلى جانب تميزها أو فرديتها إلا أنها يمكن أن تكون اختزالاً حياً للإنسان في وضعية اجتماعية أو فكرية معينة.
أما في المسرحية العربية التجريبية والمكتوبة وفق بعض الأطر المسرحية الحديثة فقد نجد أشكالاً غريبة للشخصية المسرحية؛ فهي أحياناً تكون شبيهة بالدمى ذات الحركة الميكانيكية، أو هي تجسيد للمواقف الإنسانية بلا فردية ولا تحديد لهويات ثابتة كما في مسرح العبث واللامعقول.
الحوار. الحوار عنصر واضح في النص الدرامي؛ وهو بناء من الألفاظ والجمل والتراكيب والعبارات والأصوات المكونة للنص، ومن عمليات ترابطها وتقاطعها وتقابلها وتكرارها تتكون وحدة منسجمة تبلور مجمل رؤية الكاتب. وتتفاوت درجات جودة الحوار بتفاوت درجات قدرة الكاتب على إبراز التعبير المشحون بالصورة الدرامية، والمصوِّر لمواقف الشخصية وأبعادها النفسية.
والحوار أداة الكاتب الأساسية في الإفصاح عما يحسّ ويريد التعبير عنه للمتلقي في شكل الصدمة أو الإدهاش أو الإقناع والبرهنة. وبوساطة الحوار يدفع الكاتب نبرة الصراع الدرامي صعوداً أو هبوطاً، ويحدد ملامح الشخصيات بأبعادها الاجتماعية والنفسية والجسمانية.
وتراوحت لغة الحوار المسرحي العربي بين الشعر والنثر؛ فقد كانت المسرحيات الأولى التي كتبها الرواد الأوائل شعراً ركيكاً خلط أحياناً بالنثر المسجوع كما في بعض أعمال أبي خليل القباني، أو نثراً يميل إلى العامية المهلهلة واقحام الزجل فيه أو بعض النصوص الشعرية بلا مسوغ فني. ولم تبلغ لغة الحوار الشعري نصاعتها ورصانتها إلا في أعمال أحمد شوقي في نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات من القرن العشرين؛ إذ توافرت لهذه اللغة ميزة القدرة التصويرية التي تسهم فنياً في البناء المسرحي العام بقدر ليس كبيراً جعل بعض النقاد يقولون إن نصيب مسرحيات شوقي من الشاعرية أوفر من نصيبها من قواعد البناء الدرامي. وبلغت لغة الحوار الشعري مستوى آخر من الجودة على أيدي شعراء التفعيلة ولاسيما في أعمال صلاح عبدالصبور الذي غالباً ما كان يستخدم الشعر لغة للحوار بين الشخصيات والنثر لغة للراوي في المسرحية. ولقد كان الشعر الجديد بحسب رأي بعض النقاد يحمل من الطاقات الفنية الجديدة ما يجعله وعاءً جيداً للحوار المسرحي؛ ذلك أن السطر الشعري في شعر التفعيلة قادر على أن يقدِّم جملة حوارية كاملة دون قطعها بسبب اكتمال وحدة البيت كما في الشعر الجاري على نظام البحر.
أما النثر باعتباره لغة للحوار فقد بدأ مع إحساس بعض الكُتّاب بالحاجة إليه للاقتراب بالنصوص المسرحية من الفهم والتفاعل الجماهيري العام بعد أن طغت لغة الشعر الجزلة الفخمة على الأعمال الكلاسيكية المؤلفة على نسق التراجيديا اليونانية. وقد بدأت كتابة المسرحية نثراً قبل ذلك إلا أنه كان عامية مبتذلة لا تليق بجلال الموضوعات التي بدأ طرحها كتاب الواقعية الاجتماعية. ومع هذه المرحلة بدأت محاولات ما عرف بتفصيح العامية واللغة الثالثة. ولقد كان توفيق الحكيم أحد المهمومين بهذه القضية. ويرى بعض النقاد أن لغة الحوار النثري لدى كُتاب الواقعية الاجتماعية كانت غنية بشاعرية جعلتها لغة موحية تفضي بالمتلقي إلى عالم من التأثر البالغ بتلك الحكمة المفعمة بالمعاني.
عاب بعض النقاد على بعض كُتّاب المسرحية العربية انطاق شخصيات من التاريخ البعيد بلغة عصرية، أو تحدث شخصيات عادية بلغة شعرية متينة النسج بما لا يناسب الأبعاد الأخرى لهذه الشخصيات. وردَّ عليهم آخرون بأنه لا غضاضة في ذلك؛ إذ ليس المراد هو محاكاة لغة عصر تاريخي بذاته، أو لغة شريحة اجتماعية معينة بقدر ما أن المراد هو إبراز أحداث تتلاحق وتتراكم مصورة صراعاً درامياً تسهم لغة الحوار بما فيها من إيحاءات وإيماءات ورموز في تأجيجه بحيث يأخذ بأنفاس المتلقي تحقيقاً لأهداف التشويق والإثارة.
والحوار في الأطر المسرحية الحديثة تختلف مهمته ولغته وشكله عما كان عليه في الأطر التقليدية؛ فهو مثلاً في المسرحية الملحمية إسقاط لا شعوري لعوامل توترية، أو منولوج داخلي ينقل كل تعقيدات العالم الداخلي للإنسان. وهو في مسرحية العبث تمتمات متقطعة وجمل مبتورة وتوتر وصمت وتداع، وقد أصابه التهشيم الذي أصاب كافة العناصر الدرامية في هذا اللون من المسرحية.
وبشكل عام فإن الحوار المسرحي قد تراوح بين النجاح والإخفاق في أداء مهمته داخل النص؛ فقد نجح أحياناً في تصوير الملامح الواضحة للشخصيات، ودفع الحوادث باتجاه التصاعد في توازن وتنظيم بلا قفزات ولا اندفاع، وفي اطلاق الصراع أو تقييده، وتأجيجه أو إهماده. وقد أخفق حيناً آخر؛ فكان جملاً باردة أو مكررة. أو كان استطراداً لا يقتضيه حدث ولا موقف. وشمل ذلك كافة الأطر المسرحية وكافة فترات تطور المسرحية العربية في كافة أقطار الوطن العربي التي عرفت التأليف المسرحي.
العناصر الدرامية في المسرحية العربية
العناصر الدرامية للمسرحية العربية باعتبارها نصاً أدبياً لا تختلف عن العناصر الدرامية للنص المسرحي الأوروبي. وهي الفكرة، والحبكة، والشخصية، والحوار. وتكاد تكون هذه العناصر لازمة في كل نص مسرحي مهما كان إطاره الفني باستثناء بعض الأطر التجريبية الحديثة التي قد تلغي واحداً أو أكثر من هذه العناصر. وتتأثر الأهداف النهائية للنص الدرامي بهذه العناصر وبالتركيز على بعضها دون الآخر. وتتمثل هذه الأهداف في الوصول إلى قيم جمالية وعاطفية وفكرية وأخلاقية.
الفكرة. الفكرة هي ما يريد المؤلف المسرحي إيصاله للمتلقي من مواقف المؤلف الجمالية والأخلاقية والعاطفية ومجمل تصوراته وإدراكه للكون والعالم والحياة والعلاقات الرابطة لكل ذلك. ويختلف أسلوب طرح الفكرة من كاتب إلى آخر ومن نص إلى غيره، فقد يطرح الكاتب الفكرة مكتملة من وجهة نظره محاولاً تعميمها وفرضها باعتبارها الحقيقة النهائية، وقد يطرح كاتب آخر أفكاره باعتبار أنها وجهات نظر قابلة للأخذ والرد، وقد يطرح ثالث قضايا عامة للنقاش مع المتلقي دون تحديد مسبق لوجهة النظر.
وقد كانت الفكرة المسيطرة على المسرحية العربية لدى روادها الأوائل هي فكرة المغزى الأخلاقي الداعي إلى الاستمساك بكريم القيم والتسابق إلى الفضائل والمكرمات بتزكية النفس على المستوى الفردي. وبرزت أيضاً فكرة البعث القومي العربي بالنظر إلى حاضر العرب غير المشرِّف ومحاولة تذكيرهم بمجدهم التليد بغية إيقاظ هممهم وشحذ إرادتهم للتخلص من صنوف الاستعمار المختلفة. ثم تطوّر أسلوب طرح الفكرة من الوعظي الخطابي المباشر الموجه للأفراد بغرض الإصلاح السلوكي إلى أسلوب التصدي لمواطن الفساد في المجتمع، وتعرية العناصر المنحرفة، والثورة على حراس الرذيلة. وقد بدأ هذا الاتجاه بعد زمن قليل من بداية المسرحية العربية عند الرائد الثالث للمسرحية العربية يعقوب صنوع، ثم وصل قمته في مرحلة المسرح الاجتماعي الواقعي في خمسينيات القرن العشرين وستينياته. ومن الأساليب التي برزت في طرح الأفكار أيضاً أسلوب توفيق الحكيم ـ الذي تبناه عن بعض المدارس المسرحية الأوروبية ـ في نقاش القيم والمبادئ والقناعات نقاشاً ذهنياً مطلقاً يتم في عقل الشخصية المسرحية وبالتالي في عقل المتلقي. وهنا تكون الفكرة عنصراً طاغياً على عناصر الحبكة والشخصية والحوار. ومنذ ستينيات القرن العشرين أخذت تسيطر على المسرحية العربية فكرة محاربة الاستبداد السياسي للحكام الطغاة الفاسدين، وأحياناً محاربة الاستعمار والإمبريالية عندما تتسع نظرة الكاتب لتشمل الحديث عن معاناة الإنسان أينما كان. ونظراً لبطش الحكام وجبروتهم فقد لجأ كثير من الكُتّاب إلى استلهام القصص الشعبي أو التاريخ الإسلامي أو العربي وتوظيفه توظيفاً رمزياً يحقق هدف تحريض الجماهير على الثورة ويجنِّب الكاتب بطش السلطات المستبدة القاهرة في معظم أقطار الوطن العربي وقتها. وفي بعض الأحيان لم ينج بعض الكتاب من شيء من صنوف هذا البطش.
ومع محاولات كُتّاب المسرحية العربية الكتابة في الأطر المسرحية الحديثة في أوروبا فقد برزت أفكار جديدة من قبيل التساؤل عن جدوى الوجود الإنساني مع الوعي بمرور الزمن وحتمية الموت، والاعتقاد بعبثية الحياة مع التكرار الميكانيكي لأحداث الحياة اليومية. وتلك الأفكار التي تنبني على النظر إلى الحركة داخل النفس الإنسانية وربطها بمظاهر الطبيعة والسلوك الاجتماعي الزائف في بعض الأحيان. وبصورة مجملة فإن الفكرة في المسرحية العربية هي الفكرة في كافة الأجناس الفنية للتعبير الإنساني بحسب الحقب السياسية والاجتماعية للعالم العربي.
الحبكة. الحبكة عنصر خفي من عناصر النص الدرامي، وهي مما يدرك عقلياً ولا يحس به كبقية العناصر. وهي عملية تخطيط وترتيب منظم يقصد المؤلف من خلالها إلى إحداث تأثير قوي على المتلقي يتمثَّل في الإدهاش وإثارة العواطف الإنسانية.
اشتملت المسرحية العربية في مختلف أطوارها وفي شتى الأطر التي كتبت فيها على عنصر الحبكة، وقويت هذه الحبكة وضعفت بحسب قدرات الكاتب؛ فقد حشد لها بعض الكُتَّاب بواعث الصراع الداخلي ومكامنه، واصطنعوا لها تأجيج العواطف أو همودها. وبهذا تجد الكاتب يقود المتلقي المندهش بتلاحق الأحداث ومقولات الأشخاص المبثوثة في ثنايا الحوار، والمضامين المتحركة المتدافعة في تطور تصاعدي متلاحق يبلغ به قمة العقدة المسرحية. وهو في كل ذلك قد أثار فيه لذة التطلع والترقب إلى نهاية المسرحية بعد أن مكَّنه من مداخل الشخصيات ومفاتيح الأحداث ليتيح له الدخول إلى عالمه الذي يرمي إلى تصويره وأهدافه التي يسعى إلى التبشير بها بعد أن يبدأ في حل العقدة رويداً رويدا.
وقد تحقق ذلك بدرجات متفاوتة في المسرحية العربية وبلغ مداه في مسرحيات الميلودراما. غير أن الأطر الحديثة للمسرحية العربية فيما عرف بالمسرح التجريبي المتبنية لبعض التجارب الأوروبية الحديثة قد ضعف فيها عنصر الحبكة بل وانعدم تماماً في بعض الأعمال.
الشخصية. لابد لكل نص من شخصيات تحمل سمات العالم الدرامي الذي يدور في ذهن المؤلف. ويتوقف تكوين الشخصيات على نوعية المسرحية ومنهج الكاتب في المعالجة، غير أن أقوى الشخصيات عادة في الأعمال الدرامية هي الواضحة الملامح والطباع والمميزات، والممثلة للأبعاد المرادة من توظيفها سواء أكانت طبيعية أو خرافية أو مصورة لحالات نفسية مقصورة لذاتها.
وقد أفلح بعض كُتّاب المسرحية العربية في تكوين شخصياتهم المسرحية فكانت متوازنة طوال المسرحية متحركة في انسجام مع الانطباع الأول عنها أخلاقياً ونفسياً، ما لم يقتض التطور الدرامي تغيُّرها. وعلى العكس تماماً فقد كوَّن بعضهم شخصيات مهتزة تتحرك بلا دوافع طبيعية وتتصرف في غير عفوية فتبدوا وكأنها شخصيات مصنوعة أرجوزية تتحرك بفعل الكاتب لا بتلقائيتها.
وفي الفترة التي سيطرت فيها مسرحية الميلودراما على التاليف المسرحي ا لعربي فقد برزت شخصيات البطل والبطلة والشرير والمهرِّج. وغالباً ما يكون البطل شخصية تاريخية مهيبة توافر لها التقدير العام بحكم السيرة التاريخية الناصعة، أو محباً نبيلاً يسمو في طهر ملائكي على دسائس ا لحساد الذين يمثلهم الشرير، وشجاعاً قوياً يصارع فيصرع الأهوال التي يسوقها الشرير في طريقه ويضحي بنفسه بطريقة مثيرة للعواطف ضارباً مثلاً رائعاً للمحِّب الوفي ومبشِّراً بانتصار الحب النبيل ولو بعد حين. أما الشرير الذي تدفعه الأثرة ويسوقه حب الذات وكره الخير والحسد والغيرة إلى تحقيق رغائبه محطماً كل شيء فإن الخيبة هي عاقبة رجائه ومنتهى سعيه.
ومن شخصيات المسرحية العربية شخصيات توفيق الحكيم في مسرحه الذهني، فقد كانت بعيدة عن الملامح الإنسانية الواقعية وإنما كانت رموزاً تجسم مفاهيم ذهنية خالصة.
وأبرز كُتَّاب الدراما الاجتماعية الواقعية الشخصية النمطية التي تمثل نماذج داخل المجتمع تعبِّر عن تناقضاته وصراعه الطبقي. وغالبًا ما لا تكون هناك شخصيات رئيسية وأخرى ثانوية، وإنما تتقاسم المجموعة كلها بطولة المسرحية، حيث يعمد المؤلف إلى إبراز ملامحها بوضوح شديد بما يعرض له من تفاصيل حياتها اليومية الراتبة بكل دقائقها العادية. وهذه الشخصيات إلى جانب تميزها أو فرديتها إلا أنها يمكن أن تكون اختزالاً حياً للإنسان في وضعية اجتماعية أو فكرية معينة.
أما في المسرحية العربية التجريبية والمكتوبة وفق بعض الأطر المسرحية الحديثة فقد نجد أشكالاً غريبة للشخصية المسرحية؛ فهي أحياناً تكون شبيهة بالدمى ذات الحركة الميكانيكية، أو هي تجسيد للمواقف الإنسانية بلا فردية ولا تحديد لهويات ثابتة كما في مسرح العبث واللامعقول.
الحوار. الحوار عنصر واضح في النص الدرامي؛ وهو بناء من الألفاظ والجمل والتراكيب والعبارات والأصوات المكونة للنص، ومن عمليات ترابطها وتقاطعها وتقابلها وتكرارها تتكون وحدة منسجمة تبلور مجمل رؤية الكاتب. وتتفاوت درجات جودة الحوار بتفاوت درجات قدرة الكاتب على إبراز التعبير المشحون بالصورة الدرامية، والمصوِّر لمواقف الشخصية وأبعادها النفسية.
والحوار أداة الكاتب الأساسية في الإفصاح عما يحسّ ويريد التعبير عنه للمتلقي في شكل الصدمة أو الإدهاش أو الإقناع والبرهنة. وبوساطة الحوار يدفع الكاتب نبرة الصراع الدرامي صعوداً أو هبوطاً، ويحدد ملامح الشخصيات بأبعادها الاجتماعية والنفسية والجسمانية.
وتراوحت لغة الحوار المسرحي العربي بين الشعر والنثر؛ فقد كانت المسرحيات الأولى التي كتبها الرواد الأوائل شعراً ركيكاً خلط أحياناً بالنثر المسجوع كما في بعض أعمال أبي خليل القباني، أو نثراً يميل إلى العامية المهلهلة واقحام الزجل فيه أو بعض النصوص الشعرية بلا مسوغ فني. ولم تبلغ لغة الحوار الشعري نصاعتها ورصانتها إلا في أعمال أحمد شوقي في نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات من القرن العشرين؛ إذ توافرت لهذه اللغة ميزة القدرة التصويرية التي تسهم فنياً في البناء المسرحي العام بقدر ليس كبيراً جعل بعض النقاد يقولون إن نصيب مسرحيات شوقي من الشاعرية أوفر من نصيبها من قواعد البناء الدرامي. وبلغت لغة الحوار الشعري مستوى آخر من الجودة على أيدي شعراء التفعيلة ولاسيما في أعمال صلاح عبدالصبور الذي غالباً ما كان يستخدم الشعر لغة للحوار بين الشخصيات والنثر لغة للراوي في المسرحية. ولقد كان الشعر الجديد بحسب رأي بعض النقاد يحمل من الطاقات الفنية الجديدة ما يجعله وعاءً جيداً للحوار المسرحي؛ ذلك أن السطر الشعري في شعر التفعيلة قادر على أن يقدِّم جملة حوارية كاملة دون قطعها بسبب اكتمال وحدة البيت كما في الشعر الجاري على نظام البحر.
أما النثر باعتباره لغة للحوار فقد بدأ مع إحساس بعض الكُتّاب بالحاجة إليه للاقتراب بالنصوص المسرحية من الفهم والتفاعل الجماهيري العام بعد أن طغت لغة الشعر الجزلة الفخمة على الأعمال الكلاسيكية المؤلفة على نسق التراجيديا اليونانية. وقد بدأت كتابة المسرحية نثراً قبل ذلك إلا أنه كان عامية مبتذلة لا تليق بجلال الموضوعات التي بدأ طرحها كتاب الواقعية الاجتماعية. ومع هذه المرحلة بدأت محاولات ما عرف بتفصيح العامية واللغة الثالثة. ولقد كان توفيق الحكيم أحد المهمومين بهذه القضية. ويرى بعض النقاد أن لغة الحوار النثري لدى كُتاب الواقعية الاجتماعية كانت غنية بشاعرية جعلتها لغة موحية تفضي بالمتلقي إلى عالم من التأثر البالغ بتلك الحكمة المفعمة بالمعاني.
عاب بعض النقاد على بعض كُتّاب المسرحية العربية انطاق شخصيات من التاريخ البعيد بلغة عصرية، أو تحدث شخصيات عادية بلغة شعرية متينة النسج بما لا يناسب الأبعاد الأخرى لهذه الشخصيات. وردَّ عليهم آخرون بأنه لا غضاضة في ذلك؛ إذ ليس المراد هو محاكاة لغة عصر تاريخي بذاته، أو لغة شريحة اجتماعية معينة بقدر ما أن المراد هو إبراز أحداث تتلاحق وتتراكم مصورة صراعاً درامياً تسهم لغة الحوار بما فيها من إيحاءات وإيماءات ورموز في تأجيجه بحيث يأخذ بأنفاس المتلقي تحقيقاً لأهداف التشويق والإثارة.
والحوار في الأطر المسرحية الحديثة تختلف مهمته ولغته وشكله عما كان عليه في الأطر التقليدية؛ فهو مثلاً في المسرحية الملحمية إسقاط لا شعوري لعوامل توترية، أو منولوج داخلي ينقل كل تعقيدات العالم الداخلي للإنسان. وهو في مسرحية العبث تمتمات متقطعة وجمل مبتورة وتوتر وصمت وتداع، وقد أصابه التهشيم الذي أصاب كافة العناصر الدرامية في هذا اللون من المسرحية.
وبشكل عام فإن الحوار المسرحي قد تراوح بين النجاح والإخفاق في أداء مهمته داخل النص؛ فقد نجح أحياناً في تصوير الملامح الواضحة للشخصيات، ودفع الحوادث باتجاه التصاعد في توازن وتنظيم بلا قفزات ولا اندفاع، وفي اطلاق الصراع أو تقييده، وتأجيجه أو إهماده. وقد أخفق حيناً آخر؛ فكان جملاً باردة أو مكررة. أو كان استطراداً لا يقتضيه حدث ولا موقف. وشمل ذلك كافة الأطر المسرحية وكافة فترات تطور المسرحية العربية في كافة أقطار الوطن العربي التي عرفت التأليف المسرحي.