المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من صفحات مكتبتي ..



عبير جلال الدين
02-09-2006, 07:41 AM
الجاحظ

أبو عثمان (عمرو بن بحر بن محبوب الكناني البصري) أعظم ناثري العصر العباسي وأكثر بلغائه تصنيفاً وكتابةً وأثراً.
جمع بين علوم الأوائل والأواخر, وأتقن رواية أهل النقل ودراية أهل العقل, وانحاز في كتابته إلى العقل الذي رآه حجة الله على خلقه, وسبيلهم إلى صنع حياتهم بإرادتهم الحرة, فمضى في طريق علماء الكلام الذين وُصفوا بأنهم فرسان العقل, وأن ما يحسنونه من علوم الدين في وزن ما يحسنونه من معارف الفلسفة, واختط لنفسه سبيلاً بينهم, مجتهداً لا متّبعاً, فتميز بآراءٍ نُسبت إليه, وجماعة تحلّقت حوله تحت مسمى: (الجاحظيّة).
وكانت كتابته الإبداعية الوجه الآخر من كتابته الفكرية, إعلاءً من شأن العقل الذي يبتدع لغاته الكاشفة عن وعوده, واحتفاء بالجذور العربية الأصيلة المنفتحة على كل جديدٍ يضيف إليها بالقدر الذي تضيف إليه, وتأكيدا للمعنى الإنساني الذي فتح أفق الهوّية على علوم وفنون المعمورة البشرية بأسرها دون تعصب أو تحيز, ومن غير اتباع أو تقليد, طلباً للحكمة التي هي ـ كالمعرفة والفن ـ ضالة المؤمن. وكان ذلك تجسيداً لحلم التنوع البشري الخلاّق, وسعياً إلى تتميم ما لم يقل فيه السابقون على مجرى عادة اللسان وسنة الزمان وخصوصية المكان .

ولد الجاحظ بمدينة البصرة, موطن المعتزلة, حوالي سنة 150 هـ (=767م). وأفاد من انفتاح علمائها على معارف الدنيا القديمة التي أصبحت ميسورة لأمثاله باللسان العربي. وأكسبه نهمه المعرفي المذهل صفة الموسوعية التي دفعته إلى الكتابة في كل مجال, كما لو كان حريصاً على أن يستحضر في كتبه ورسائله كل ما في الدنيا حوله, وكما لو كان يريد لكتاباته المتنوعة إلى درجة غير مسبوقة أن تكون مرايا متغايرة الخواص, ينعكس عليها التعدد اللانهائي لحضور الإنسان في الكون, ذلك الحضور الذي يجعل من الإنسان العالم الأصغر الذي ينطوي على العالم الأكبر.
هكذا, كتب عن معنى التوحيد والعدل وحجج النبوة ونظم القرآن,
كما كتب عن النخل والزرع والمعادن وأنواع الحيوان,
وعن تعدد الأجناس الموجود في زمنه (الترك, والسودان, والهند والسند, والفرس)
وتعدد اتجاهات الفكر (الشيعة بعامة والزيدية بخاصة, والرافضة, والخوارج, والعباسية, والعثمانية) وعن الحرف والطوائف (المعلمين, والكتاب, والصناع, والزراع, والقيان, والجواري, والخصيان) وعن العوائد والأخلاق والملامح النفسية للنماذج والأنماط البشرية, فكتب عن الحب والعشق, الكره والحسد, الجد والهزل, المعاد والمعاش, فضلا عن محبة الأوطان.
ولم تفُتْه الكتابة عن النبيذ أو رواية الُملَح والنوادر بلهجاتها, واصلاً ما كتبه عن الغلمان بما كتبه عن البخلاء, غير مفلتٍ حتى لصوص الليل ولصوص النهار, بل البرصان والعرجان والعميان, من مرايا رسائله وكتاباته التي انعكس عليها كل شيء في زمنه .

عبير جلال الدين
02-09-2006, 07:43 AM
الإنسانِ


تسميةُ الإنسانِ بالعالَم الأصْغر

أوَ ما علمتَ أنّ الإنسان الذي خُلقت السمواتُ والأرضُ وما بينَهما من أجْله كما قال عزَّ وجلَّ: سَخَّرَ لَكُمْ مَا في السَّمَوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ جميعاً مِنْهُ إنَّما سمَّوه العالَم الصغير سليلَ العالَم الكبير, لمَا وجَدوا فيه من جَميع أشكالِ ما في العالم الكبير, ووجدْنا له الحواسَّ الخمسَ ووجدُوا فيه المحسوساتِ الخمس, ووجدُوه يأكل اللَّحم والحَبَّ, ويجمعُ بينَ ما تقتاته البهيمةُ والسبع, ووجدَوا فيه صَولةَ الجمل ووُثوبَ الأسد, وغدْرَ الذئب, ورَوَغان الثعلب, وجُبْن الصِّفْرِد, وجَمْعَ الذَّرَّةِ, وصنْعةَ السُّرْفة , وجُودَ الديكِ, وإلفَ الكلب, واهتداءَ الحمام. ورَّبما وجدوا فيه ممَّا في البهائم والسباع خُلُقَيْن أو ثلاثة, ولا يبلغُ أن يكون جملاً بأن يكون فيه اهتداؤه وغَيرته, وصَولته وحِقدُه, وصبرُه على حمْل الثِّقْل, ولا يلزَم شبهُ الذئبِ بقدْر ما يتَهَيَّأ فيه من مِثل غدْرِه ومكْرِه, واسترواحه وتوحُّشه, وشدَّة نُكْره. كما أن الرجلَ يصيبُ الرأىَ الغامضَ المرّةَ والمرَّتين والثلاثَ, ولا يبلغُ ذلك المقدارُ أن يقال له داهيةٌ وذو نَكراء أو صاحبُ بزلاء يخطئ الرجل فيفحُش خَطَؤُه في المرَّة والمرَّتين والثلاث, فلا يبلغ الأمرُ به أن يقال له غبيٌّ وأبلهُ ومنقوص.

وسمَّوه العالَمَ الصغيرَ لأَّنهم وجدُوه يصوَّر كلَّ شيءٍ بيده, ويحكي كلَّ صوتٍ بِفَمه. وقالوا: ولأنَّ أعضاءَه مقسومةٌ على البروج الإثنى عشر والنجومِ السبعة, وفيه الصفراء وهي من نِتاج النار, وفيه السوداء وهي من نِتاج الأرض, وفيه الدمُ وهو من نِتاج الهواء, وفيه البلغَمُ وهو من نِتاج الماء. وعلى طبائعه الأربع وضعت الأوتاد الأربعة.

فجعَلوه العالَمَ الصغير, إذ كانَ فيه جميعُ أجزائِه وأخلاطِهِ وطبائعه. ألا تَرَى أنَّ فيه طبائعَ الغضبِ والرضَا, وآلة اليقين والشكِّ, والاعتقاد والوقف وفيه طبائعُ الفطنةِ والغَباوة, والسلامة والمكر, والنصيحةِ والغِشِّ, والوَفاء والغدر, والرياء والإخلاص, والحب والبُغْض, والجِدِّ والهزْل, والبخْل والجُود, والاقتصادِ والسّرَف, والتواضع والكبر, والأنسِ والوحشة, والفكرة والإمهال, والتمييز والخبْط, والجبْن والشجاعة, والحزم والإضاعة, والتبذير والتقتير, والتبذل والتعزز, والادِّخار والتوكُّل, والقَناعة والحِرْصِ, والرغبة والزُّهْد, والسُّخْط والرِّضا, والصبر والجزَع, والذِّكر والنسيان, والخوفِ والرجاء, والطمَعِ واليأس, والتنزُّه والطبَع, والشكِّ واليقين, والحياء والقِحَة, والكتْمانِ والإشاعة, والإقرار والإنكار, والعلم والجهل, والظلم والإنصاف, والطلب والهَرب, والحقْد وسرْعة الرضا, والحْدَّةِ وبُعْدِ الغَضب, والسرُّور والهمّ, واللَّذةِ والألَمَ, والتأميلِ والتمنِّي, والإصرارِ والنَّدَم, والجِمَاحِ والبَدَوات, والعيِّ والبلاغَة, والنطْق والخرَس, والتصميمِ والتوقف, والتغافُلِ والتفاطُن, والعفوِ والمكافأة, والاستطاعةِ والطبيعة وما لا يحصى عدده, ولا يُعرَف حَدُّه.

[من (كتاب الحيوان)]

عبير جلال الدين
02-09-2006, 07:45 AM
طبائع الخَلْق

اعلمْ أنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤه خَلَق خلْقه, ثمَّ طبعهم على حبِّ اجترار المنافع , ودفع المضارّ, وبُغض ما كان بخلاف ذلك. هذا فيهم طبعٌ مركَّب, وجِبِلّة مفطورة, لا خلافَ بين الخلْق فيه; موجودٌ في الإنس والحَيَوان, لم يدعِ غيره مدعٍ من الأوَّلين والآخرين. وبقدر زيادةِ ذلك ونُقصانه تزيد المحبَّة والبغضاء; فنقصانُه كزيادته تميل الطَّبيعة معهما كميلِ كفَّتي الميزان, قلَّ ذلك أو كثُر.

وهاتان جملتان داخلٌ فيهما جميع محَاَبِّ العباد ومَكارههم. والنَّفس في طبعها حبُّ الراحة والدَّعة, والازدياد والعلوّ, والعزّ والغَلبة, والاستطراف والتنوق , وجميع ما تستلذ الحواسُّ من المناظر الحسنة, والروائح العَبقة, والطعوم الطَّيِّبة, والأصوات المونقة, والملامس اللَّذيذة. ومما كراهيتُه في طباعهم أضدادُ ما وصفتُ لك وخلافه.

فهذه الخلالُ التي تجمعها خَلتان غرائز في الفِطَر, وكوامن في الطَّبع; جِبِلَّةٌ ثابتة, وشيمة مخلوقة. على أنَّها في بعضٍ أكثرُ منها في بعضٍ, ولا يعلم قدرَ القلَّة فيه والكثرة إلاَّ الذي دبَّرهم.

فعِلم اللهُ أنهم لايتعاطفون ولايتواصلون ولاينقادون إلا بالتأديب, وأنَّ التأديب ليس إلاَّ بالأمر والنَّهي, وأن الأمر والنهي غير ناجعَين فيهم إلاَّ بالترغيب والترهيب اللذَين في طباعهم. فدعاهم بالتَّرغيب إلى جَنّته, وجعلها عوضاً مما تركوا في جنب طاعته, وزجَرهم بالتَّرهيب بالنار عن معصيته, وخوَّفهم بعقابها على ترك أمره. ولو تَرَكهم جلَّ ثناؤه والطِّباعَ الأوّل جرَوْا على سنَنَ الفِطرة, وعادة الشِّيمة.

ثم أقامَ الرَّغبة والرَّهبةَ على حدود العَدل, وموازين النَّصَفة, وعدَّلهم تعديلاً متفقا, فقال: فمن يَعْمل مِثقالَ ذرّةٍ خيراً يَرَهُ. ومَن يَعمل مِثقالَ ذرّةٍ شرًّا يره ثم أخبر الله تبارك وتعالى أنَّه غير داخلٍ في تدبيره الخللُ, ولا جائزٌ عنده المحاباة; ليعملَ كلُّ عاملٍ على ثقةٍ ممَّا وعَده وواعَده, فتعلَّقت قلوبُ العباد بالرغبة والرَّهبة, فاطرَّدَ التدبير, واستقامت السِّياسة, لموافقتهما ما في الفِطرة, وأخذهما بمجامع المصلحة.

فإذا كانوا لم يصلحوا لخالقهم ولم ينقادوا لأمره إلاَّ بما وصفتُ لك من الرغبة والرَّهبة, فأعجزُ الناسِ رأياً وأخطؤهم تدبيراً, وأجهلُهم بموارد الأمور ومصادرها, مَنْ أمَّل أو ظنّ أو رجاَ أنَّ أحداً من الخلْق ـ فوقه أو دونه أو من نظرائه ـ يصلح له ضميره, أو يصحُّ له بخلاف ما دبرهم الله عليه.

[من (رسالة المعاش والمعاد)]

عبير جلال الدين
02-09-2006, 07:46 AM
كون الاجتماع ضرورياً


ثمَّ اعلمْ, رحِمَك الله تعالي, أنّ حاجةَ بعض الناس إلى بعضٍ, صفةٌ لازمةٌ في طبائِعهم, وخِلقةٌ قائمِةٌ في جواهرِهم, وثابتةٌ لا تُزايلُهم, ومُحيطةٌ بجماعتهم, ومشتملةٌ على أدناهم وأقصاهم, وحاجَتُهُمّ إلى ما غاب عنهم ـ مما يُعيِشُهم ويُحْييهم, ويُمسِك بأرْماقِهم, ويُصلحُ بالهم, ويجْمع شملَهم, وإلى التعاونِ في درْكِ ذلك, والتوازُرِ عليه ـ كحَاجَتِهم إلى التعاون على معرفة ما يضرُّهم, والتوازرِ على مايحتاجون من الارتفاق بأمورهم التي لم تَغِبْ عنهم, فحاجَةُ الغائِبِ موصوُلةٌ بحاجةِ الشاهد, لاحتياج الأدنَي إلى مَعرِفةِ الأقصى, واحتياجِ الأقصى إلى مَعرفةِ الأدنى, معانٍ متضمنةٌ, وأسبابٌ متَّصلة, وحبالٌ منعقدة. وجعل حاجتنَا إلى معرفة أخبارِ منْ كان قبلَنا, كحاجةِ من كان قبلَنا إلى أخبارِ منْ كان قبلَهم, وحاجةِ من يكُونُ بعدَنا إلى أخبارِنا; ولذلك تقدَّمت في كتب الله البِشاراتُ بالرُّسل, ولم يسخِّر لهم جميعَ خلْقِه, إلا وهُم يحتاجُون إلى الارتفاق بجميع خلْقه. وجعلَ الحاجَةَ حاجَتَين: إحداهما قِوامٌ وقُوت, والأخرى لذةٌ وإمْتاعٌ وازديادٌ في الآلَة, و في كلِّ ما أجذَلَ النفوس, وجمع لهم العَتاد. وذلكَ المقدارُ منْ جميع الصنْفَين وفقٌ لكثرةِ حاجاتهم وشهَواتهم, وعلى قدْر اتساعِ معرفتهم وبُعْدِ غَوْرِهم, وعلى قدْر احتمال طبعِ البشريَّة وفطرةِ الإنسانيَّة. ثم لم يقطعِ الزيادةَ إلا لعجْزِ خلقِهم عن احتمالها, ولم يجز أن يفرق بينهم وبين العجْزِ, إلا بعدَم الأعيان, إذ كان العجزُ صفةً من صفاتِ الخلق, ونعتاً من نُعوتِ العبيد.

لم يخلق اللّه تعالى أحداً يستطيعُ بلوغَ حاجَتهِ بنفسه دونَ الاستعانة ببعضِ من سُخِّرَ له, فأدناهم مُسخَّرٌ لأقصاهِم, وأجلُّهم ميسَّر لأدقِّهم. وعلى ذلك أحوَجَ الملوكَ إلى السوقةِ في بابٍ,
وأحوَجَ السُّوقَةَ إلى الملوك في باب, وكذلك الغنيُّ والفقير, والعبدُ وسيدُه. ثمَّ جعلَ الله تعالى كلَّ شيءٍ للإنسان خَوَلاً, وفي يدِه مُذللاً مُيسَّرًا إما بالاحتيالِ له والتلطفِ في إراغَتِه واستمالتِه, وإما بالصَّوْلةِ عليه, والفتكِ به, وإما أنْ يأتيه سهواً ورهواً. على أنّ الإنسانَ لولا حاجَتُهُ إليها, لما احتالَ لها, ولا صَالَ عليها. إلا أنّ الحاجةَ تفتَرِق في الجنس والجهةِ والجِبِلَّة, وفي الحظِّ والتقدير.

ثمَّ تعبَّدَ الإنسان بالتفكرِ فيها, والنظرِ في أمورِها, والاعتبارِ بما يَرَى, ووَصَل بينَ عُقولهم وبَيْنَ معرفةِ تلك الحكَم الشريفة, وتلك الحاجاتِ اللازمة, بالنظرِ والتفكير, وبالتنقيب والتنْقير, والتثبّت والتوقُّف; ووَصَلَ معارفَهم بموَاقعِ حاجاتِهم إليها, وتشاعُرِهم بمواضع الحكم فيها بالبيانِ عنها.

[من (كتاب الحيوان)]

عبير جلال الدين
02-09-2006, 07:47 AM
أثر المدن في روائح الأشياء


وقد علمنا أنّ لرائحة الطَّيب فضيلةً إذا كان بالمدينة, وأنّ الناسَ إذا وجدُوا ريح النَّوى المنقَعِ بالعرِاق هَرَبوا منه. وأشراف أهل المدينة ينتابُون المواضِعَ التي يكون فيها ذلك, التماساً لطيب تلك الرائحة. ويزعم تُجَّار التُبَّتِ ممن قد دخَلِ الصيِّن والزَّابج وقلَّب تلك الجزائر, ونَقَّب في البلاد, أنّ كلَّ من أقام بقصبة تُبَّت اعتراه سُرورٌ لا يدري ما سببُه, ولا يزال مبتسماً ضاحكاً من غير عجب حتى يخرجَ منها.

ويزعمون أنّ شِيرازَ من بين قُرى فارس, لها فغمَةٌ طيبة. ومَن مَشَى واختلف في طُرقات مدينة الرَّسول صلي الله عليه وسلم, وجَدَ منها عَرْفاً طيّباً وبَنّةً عجيبَة لا تخفَى على أحدٍ, ولايستطيع أنْ يسمِّيَها.

ولو أدخلتَ كلَّ غالية وكلَّ عطر, من المعجونات وغير المعجونات, قَصبة الأهواز أو قصبة أنطاكية لوجدتَه قد تغيَّر وفسَد, إذا أقام فيها الشَّهرين والثَّلاثة.

[من (كتاب الحيوان)]

عبير جلال الدين
02-09-2006, 07:51 AM
العشق والحب والهوى


والعِشقُ داءٌ لا يُملَك دفعه, كما لا يُستطاع دفعُ عوارضَ الأدواء إلاّ بالحِمية, ولا يكاد يُنتَفع بالحميّة مع ما تولِّد الأغذية وتزيد في الطبائع بالازدياد في الطُّعم.

وأنا واصفٌ لك حدَّ العشق لتعرف حدَّه: هو داءٌ يُصيبُ الرُّوح ويشتمل على الجسم بالمجاورة, كما ينال الروح الضعفُ في البطش والوهنُ في المرء ينهكه.
وداء العشق وعمومه في جميع البدن بحسب منزلة القلب من أعضاء الجسم.
وصعوبة دوائه تأتي من قبل اختلاف عِلله, وأنّه يتركّب من وجوهٍ شتَّى, كالحَّمى التي تَعرِض مركبَةً من البرد والبلغم.
فمن قصدَ لعلاج أحد الخِلطينِ كان ناقصاً من دائه زائداً في داء الخلط الآخر, وعلى حسب قوّة أركانه يكون ثُبوتُه وإبطاؤه في الانحلال.
فالعشق يتركّب من الحُبّ والهَوَى, والمشاكلة والإلف, وله ابتداءٌ في المصاعَدة, ووقوفٌ على غاية, وهبوطٌ في التوليد إلى غاية الانحلال ووقف الملال.

والحبّ اسمٌ واقع على المعنى الذي رُسم به, لا تفسير له غيره;
لأنه قد يقال: إن المرء يحبُّ الله, وأنّ الله جلّ وعزّ يحبّ المؤمن, وإن الرجل يحبُّ ولدَه, والولد يحبّ والدَه ويحبُّ صديقَه وبلدَه وقومَه, ويحبُّ على أي جهة يريد ولا يسمَّى ذلك عشقاً.
فيُعلَم حينئذ أن اسم الحبّ لا يُكتفى به في معنى العشق حتّى تُضاف إليه العللُ الأخر إلاّ أنه ابتداء العشق, ثم يتبعه حبُّ الهوى فربّما وافق الحقّ والاختيار, وربّما عَدَل عنهما.
وهذه سبيل الهوى في الأديان والبُلدان وسائر الأمور.
ولا يميل صاحبه عن حجّته واختياره فيما يهوي.
ولذلك قيل: (عَينُ الهوى لا تصْدُق),
وقيل: (حبُّك الشيءَ يُعمي ويُصمّ).
يتخذون أديانهم أرباباً لأهوائهم.
وذلك أنّ العاشق كثيراً ما يعشق غير النهاية في الجمال, ولا الغاية في الكمال, ولا الموصوف بالبراعة والرشاقة,
ثم إن سُئل عن حُجّته في ذلك لم تقُمْ له حُجّة.

ثم قد يجتمع الحبُّ والهوى ولا يسمَّيان عشقاً, فيكون ذلك في الولد والصديق والبلد, والصِّنفِ من اللِّباس والفُرش والدوابّ.
فلم نر أحداً منهم يسقم بدنه ولا تتلف روحُه من حبّ بلده ولا ولده, وإن كان قد يصيبه عند الفراق لوعةٌ واحتراق.

وقد رأينا وبلغَنا عن كثير ممن قد تَلِفَ وطال جُهده وضَناه بداء العشق.

فعلم أنّه إذا أضيف إلى الحبّ والهوى المشاكلةُ, أعني مشاكلةَ الطبيعة, أي حبّ الرجالِ النساءَ وحبَّ النساءِ الرجالَ, المركَّبَ في جميع الفحول والإناث من الحيوان, صار ذلك عشقاً صحيحاً.
وإن كان ذلك عشقاً من ذكر لذكرٍ فليس إلا مشتقًّا من هذه الشهوة, وإلا لم يسمَّ عشقاً إذا فارقَت الشهوةُ.

ثم صارت قلّة العِيان تزيد فيه وتُوقِد نارَه, والانقطاعُ يسعِّره حتى يُذهَل العقلُ ويُنْهَكُ البدنُ, ويشتغل القلبُ عن كلِّ نافعة, ويكون خيال المعشوق نُصبَ عين العاشق والغالبَ على فكرته, والخاطرَ في كلِّ حالة على قلبه.

وإذا طال العهدُ واستمرَّت الأيام نقص على الفرقة, واضمحلَّ على المطاولة, وإن كانت كلومه وندوُبه لا تكاد تعفو آثارُها ولا تدرس رسومُها.

فكذلك الظَّفَر بالمعشوق يُسرِع في حَلِّ عِشقِه. والعلّة في ذلك أنّ بعض الناس أسرعُ إلى العشق من بعض; لاختلاف طبائع القلوب في الرِّقّة والقسوة, وسرعة الإلف وإبطائه, وقلّة الشَّهوة وضعفها

[من (كتاب القيان)]

عبير جلال الدين
02-09-2006, 07:54 AM
عن الهزْل والمزْح
أوّل ما أذكرُ من خِصال الهَزْل, ومن فضائل المزْح, أنَّه دليلٌ على حُسنِ الحالِ وفراغِ البال, وأنَّ الجِدَّ لا يكون إلا من فضل الحاجة, والمَزْحَ لا يكون إلاَّ من فَضْلِ الغِنَى, وأنَّ الجِدَّ نَصَب, والمْزَحَ جَمَام, والجدَّ مبْغَضَةٌ والمَزْحَ محبَّة.

وصاحبُ الجدِّ في بلاءٍ ما كان فيه, وصاحب المزح في رخاءٍ إلى أنْ يَخرُجَ منه.

والجِدُّ مؤْلم وربَّما عرَّضَك لأشدِّ منه, والمزْح مُلذُّ وربّما عرَّضك لألذِّ منه. فقد شاركَه في التِّعريض للخير والشَّرِّ, وباينَهَ بتعجيل الخَيْر دون الشرّ.

وإنما تشاغَلَ الناس ليَفرُغوا, وجَدُّوا ليَهْزِلوا, كما تذَللوا ليعزُّوا, وكدُّوا ليستريحوا, وإنْ كان المِزاح إنما صار معيباً, والهزلُ مذموماً, لأنَّ صاحبَه لا يكون إلاَّ معرَّضاً لمجاوزة الحَدَّ, ومُخاطراً بمودّة الصديق.

فالجِدُّ داعيةٌ إلى الإفراط, كما أنَّ المزاح داعيةٌ إلى مجاوزة القدر والتجاوز للجدِّ قاطع بين الفريقين في جميع النوعين .

فقد ساواه المزح فيما هو له وبايَنَه فيما ليس له. وإن كان المزْح إنَّما صار قبيحاً لأنَّ الذي يكون بعده جد، ولم يَصِر الجدُّ قبيحاً لأنّ الذي يكون بعده مَزْح, وكان الجِدُّ في هذا الوزن أقبح, وكان المزح على هذا التقدير أحسن, لأنَّ ما جعل الشيءَ قبيحاً أقبحُ من الشيءِ, كما أنَّ ما جعل الشيءَ حسناً أحْسَنُ من الشيءِ.

فأمَّا الذي عَدَل بينهما فإنَّه زعمَ أنَّ المِزاحَ في موضعه, كالجدِّ في موضعه, كما أنَّ المنْع في حقِّهِ كالبذْل في حقِّه.

قال: ولكلِّ شيءٍ موضعٌ, وليس شيءٌ يصلُح في كلِّ موضع. وقد قَسَّم الله تعالى الخِيَرة على المعْدَلة, وأجرى جميعَ الأمور إلى غاية المصْلحة, وقسَّط أجزاءَ المثُوبة على العزيمةِ والرُّخصة وعلى الإعلان والتَّقِيَّة, وأمَر بالمداراة كما أمر بالمباداة وجوَّز المعاريضَ كما أمَر بالإفصاح, وسوَّغ المُباحَ كما شدَّد أمرَ المفْروض وجعل المُباحَ جَماماً للقلوب, وراحةً للأبدان, وعوناً على معاودة الأعمال, فصار الإطلاقُ كالحَظْر, والصبْرُ كالشكر.

فليس للإنسان من الخِيَرَة في الذِّكر شيءٌ إلاَّ وله في النسيان مثلُه, ولا في الفِطنِة شيءٌ إلاَّ وله في الغَفْلة مثله, ولا في السَّرَّاء إلا وله في الضَّرَّاءِ مثلُه. ولو لم يرزُق الله تعالى العبادَ إلاَّ بالصَّواب مَحْضاً, وبالصدق بَحْتاً, وبمُرِّ الحقِّ صفحاً
لهلَكت العوامُّ, ولانتقض أمرُ الخاصّ. ولو ذكَر الإنسانُ كلَّ ما أُنسِيَه لشَقِىَ, ولَوْ جَدَّ في كلِّ شيءٍ لانتكث.

وقد يكون الذِّكر إلى الهَلَكة سُلَّما كما يكون النسْيانُ للسلامة سبباً. وسبيلُ المزاح والجِدِّ كسبيل المنْع والبذل. وعلى ذلك يجري جميعُ القَبْض والبسط.

فهذا وما قبله جُمَلُ أقاويلِ القوم.

ونحنُ نعوذُ باللّه أن نجعل المزاح في الجملة كالجدِّ في الجملة, بل نزعُم أنَّ بعض الْمَزحِ خيرٌ من بعضِ الجِدِّ, وعامة الجِدِّ خيرٌ من عامَّة الهزل. والحقُّ أن ينضَح عن بعض المزْح, ويُحتجّ لجمهور الجِدِّ, وكيف لنا بذمِّ جميعِ المزْح مع ما نحن ذاكرون.

وقد مَزَح رسولُ الله صلي الله عليه وسلم. ولا يقال: كان فيه مُزاح, ولا يقال مَزَّاح. وكذا الأئمَّة ومن تبذَّل في بعض الحالاتِ من أهل الحِلْم والوقار.

وقال عُمرُ رضوان الله تعالى عليه: (إنَّا إذا خَلَوْنا كُنَّا كأحَدِكم). وقد كان عُمَرُ عبوساً قطوباً.

وكان زيادٌ مع كُلوحِهِ وقُطوبِهِ , يمازِح أهلَه في الخَلاَ كما يَجِدُّ في الملاَ.

وكان الحجَّاج مع عُتوِّه وطُغيانه, وتمُّردِه وشدَّة سلطانه, يُمازِح أزواجَه ويرقِّص صِبيانِه.
وقال له قائل: أيمازح الأميرُ أهلَه?
قال: (والله إنْ تَرَوْني إلاَّ شيطاناً? والله لربَّما رأيتُنِي وإنِّى لأقبِّل رِجْلَ إحداهنّ!).

فقد ذكرنا خَير العالَمين, وجِلَّةً من خيار المسلمين, وجبّاراً عَنيداً, وكافراً لعيناً.

وبعدُ فمن حرَّم المِزاحَ وهو شُعبةٌ من شعب السُّهولة, وفَرْعٌ من فروع الطَّلاقة. وقد أتانا رسولُ الله صلي الله عليه وسلم بالحنيفيَّة السَّمْحة, ولم يَأتْنا بالانقباض والقَسْوة, وأمرَنَا بإفشاءِ السلام, والبِشْرِ عند الملاقاة, وأمرَنَا بالتوادُدِ والتَّصافح والتَّهادي.

[من (كتاب التربيع والتدوير)]

عبير جلال الدين
02-09-2006, 07:57 AM
عتاب واستعطاف
جُعِلْتُ فِداك. ليس من أجل اختياري النَّخَل على الزَّرع أقصيتَني, ولا على ميل إلى الصَّدقة دون إعطائي الخراجَ عاقبتَنِي, ولاً لبُغضي دفْعَ الإتاوة والرضا بالجِزية حَرمتَني.

ولستُ أدري لم كرِهتَ قُربي وهَوِيت بُعدي, واستثقلتَ روحي ونَفْسي واستطلتَ عُمري وأيامَ مُقامي. ولِمَ سرَّتك سيّئتي ومصيبتي وساءتك حسنتي وسلامتي, حتّى ساءكَ تجمُّلي بقدر ما سَرَّك جزَعي وتضجُّري, وحتى تمنَّيتَ أنْ أخطئ عليك فتجعل خطئي حجّة لك في إبعادي, وكرِهتَ صوابي فيك خوفاً من أن تجعله ذريعةً لك إلى تقريبي.

فإن كان ذلك هو الذي أغضبكَ, وكان هو السببَ لموجِدتك فليس ـ جُعلت فداكَ ـ هذا الحقدُ في طبقة هذا الذَّنب, ولا هذه المطالبة من شكل هذه الجريمة.

ولو كان إذ لم يكن في وزنه وقَع قريباً, وإذْ لم يكن عِدلَه وقعَ مُشْبها كانَ أهونَ في موضع الضَّرر, وأسهلَ في مخرج السَّماع.

فأىَّ شيءٍ بقَّيْتَ للعدوّ المكاشِف والمنافق الملاطف, وللمعتمد المصرِّ وللقادر المدلّ.

ومَن عاقبَ على الصَّغير بعقوبة الكبير, وعلى الهفوة بعقوبة الإصرار, وعلى الخطأ بعقوبة العَمَد, وعلى معصية المتَستِّر بعقوبة معصية المعلِن, ومن لم يفرق بين الأعالي والأسافل, وبين الأقاصي والأداني, عاقبَ على الزّنى بعقوبة السَّرَق, وعلى القتل بعقوبة القَذْف. ومن خرج إلى ذلك في باب العقاب خرج إلى مثله في باب الثَّواب. ومن خَرجَ من جميع الأوزان وخالف جميعَ التعديل, كان بغاية العقاب أحقَّ, وبه أولى.

والدَّليلُ على شدّة غيظكِ وإلَيان صدرِك قُوّةُ حركتك وإبطاء فترتك وبُعد الغاية في احتيالك. ومن البرهان على ثبات الغضَب, وعلى كظم الذنب تمكُّن الحقد ورسوخ الغيظ, وبُعد الوثبة وشدّة الصَّولة.

وهذا البرهان صحيحٌ ما صحّ النظم, وقام التعديل, واستوت الأسباب. ولا أعلم ناراً أ بلغَ في إحراق أهلها من نار الغيظ, ولا حركة أنقض لقوّة الأبدان من طلب الطوائل مع قلة الهدوء والجهل بمنافع الجَمَام وإعطاء الحالات أقسامَها من التدبير. ولا أعلم تجارة أكثرَ خُسراناً ولا أخفَّ ميزاناً من عَداوة العاقل العالم, وإطلاقِ لسان الجليس المُداخِل, والشعارِ دونَ الدِّثار , والخاصِّ دون العامّ.

والطالبُ ـ جُعِلتُ فداك ـ بعُرْض ظَفَرٍ ما لم يَخرج المطلوب, وإليه الخيار ما لم تقع المنازلة. ومن الحزم ألاَّ تخرج إلى العدوّ إلاّ ومعك من القُوى ما يغمر الفَضْلة التي ينتجها له الإخراج. ولابدّ أيضاً من حزمٍ يحذّرك مَصارعَ البغْي, ويخوّفك ناصر المطلوب.

وبَعدُ ـ أبقاك الله ـ فأنت على يقينٍ من موضع ألم الغيظ من نفسك, والغيظ عذاب. ولربّما زاد التشفِّي في الغيظ ولم ينقص منه. ولستُ على يقين من نفوذ سهمك في صَيْدك كما أيقنت بموضع الغيظ من صدرك. والحازم لا يلتمس شفاءَ غيظه باجتلاب ضِعْفِهِ, ولا يطفئ نارَ غضبه تأخرُ عقوبةِ من أغضَبه, ولا يسدِّد سهمَه إلاَّ والغرضُ ممكن, والغاية قريبة, ولا يهرب إلاّ والمهرب مَعجزة.

والحازم لا يلتمس شفاءَ غيظه باجتلاب ضِعْفِهِ, ولا يطفئ نارَ غضبه تأخرُ عقوبةِ من أغضَبه, ولا يسدِّد سهمَه إلاَّ والغرضُ ممكن, والغاية قريبة, ولا يهرب إلاّ والمهرب مَعجزة.

إنَّ سلطان الغيظ غَشوم, وإنّ حكم الغضَب جائر, وأضعف ما يكون العزم عن التصرُّف أضعفَ ما يكون الحزم. والغضب في طِباع شيطان, والهوى يتصوَّر في صورة امرأة, فلا يُبصر مَساقط العيب ومواقعَ الشَّرف إلاّ كلُّ معتدلِ الطباع, ومعتدلِ الأخلاط مستوي الأسباب.

والله لقد كنت أكره لك سرفَ الرضا مخافةَ جواذبِه إلى سرَف الهوى. فما ظنُّك بسرف الغضب, وبغلَبة الغيظ, ولا سيّما ممّن قد تعوّدَ إهمالَ النَّفس ولم يعوِّدها الصبر, ولم يعرِّفْها موضعَ الحظّ في تجرُّع مرارة العفو, وأن المراد من الأمور عواقبها لا عواجلها.

ولقد كنت أشفِق عليك من إفراط السُّرور فما ظُّنك بإفراط الغيظ. وقد قال بعض الناس: لا خير في طول الرَّاحة إذا كان يُورث الغفلة. ولا في الكفاية إذا كان يؤدِّي إلى المعَجَزة, ولا في كثرة الغِنى إذا كان يخرج إلى البلدة.

جُعلتُ فداك. إنّ دَاء الحزنِ وإن كان قاتلاً فإنه داءٌ مُماطِل, سقمه سقم مُطاوِل, ومعه من التمُّهل بقدر قسطه من أناة المِرَّة السوداء. وداء الغْيظ سفيهٌ طيَّاش, وعَجولٌ فحَّاش, يُعجِل عن التوبة, ويقطع دون الوصيّة, ومعه من الخُرْق بقدر قسطِه من التهاب المِرَّة الحمراء. والعَجول يخطىء وإن ظِفر, فكيف به إذا أخفق. على أنَّ إخفاقَه يزيد في حقيقة خطئه كما أنَّ ظفَره لا ينتقص من مقدار زلـله. وأنت روحٌ كما أنت وحشيّ من قرنِك إلى قدمِك. وعمل الآفة في الدِّقاق والعتاق أسرع, وحدُّها عن الغلاظ الجُفاة أكَلُّ; فلذلك اشتدَّ جزعي لك من سُلطان الغيظ وغَلَبته.

إنَّ الخير ـ أبقاك اللّه ـ في أيام كثرتهِ كان قليلاً فما ظنُّك به في أيام قِلَّته, وإن الشرَّ في أيام قِلّته كان كثيراً فما ظنُّك به في أيّام كثرته, وأنت غَريبٌ في المصطَنِعين. وأنا غَريبٌ في الصنائع, والغريب للغريب نسيب, ونسب المشاكلة وقرابة الطبيعة الموافِقة, أقربُ من نَسَب الرحمِ; لأنّ الأرحامَ مُولعةٌ بالتحاسد, لهِجة بالتقاطع, وأن التحابَّ على طبع المشاكلة. والتلاقي على وفاقٍ من الطبيعة, أبعد من التفاسد, وأبعد من التعادي. وسببُ التعادي عَرَض في طبائع الغرباء, وجوهرٌ في طبائع الأقرباء.

واعلمْ أنّك لا تزال في وحشة إلى وحشة, وفي غربة إلى غُربة, وفي تنكُّر العيش وتسخُّط الحال, حتى تجد من تشكو إليه بَثَّك, وتُفضِي إليه بذاتِ نفسك.ومتى رأيت عجباً لم تضحكك رؤيتك له بقدر ما يضحكك إخبارُك إياه. فمَنْ أغلبُ عليك ممَّن كانت هذه حالهَ منك, وموقعه من نفسك.

ولو أنَّ شيبتي التي بها استعطفتُك, وكَبرة سنّي التي بها استرحمتك, اللتان لم يحدُثا عليَّ إلاَّ وأنا في ذَراك, ولم يُحلاَّ بي إلاَّ وأنا في ظلِّك, لكان في شفاعة الكَبرة, واسترحام الضَّعف والوَهْنة, ما يَردعُك عنّى أشدَّ الردع, ويؤثِّر في طباعك أبينَ الأثر. فكيف وقد أكرمتني جديداً, ثم تريد أن تُهينني خَلَقاً, وقوَّيت عظمي أغلظَ ما كان, ثم تريد أن توهنه أرقَّ ما كان. وهل هرِمتُ إلاّ في طاعتك, وهل أخلَقني إلاّ معاناة خدمتك!.

[من (رسالة في الجد والهزل)]

عبير جلال الدين
02-09-2006, 08:06 AM
صورة
كان لنا بالبَصرة قاضٍ يُقال له عبدُ الله بن سَوَّار, لمْ يَرَ النَّاسُ حاكماً قطُّ ولا زِمِّيتاً ولا ركيناً , ولا وقوراً حليماً, ضبَط من نفسه وملَكَ من حركته مثلَ الذي ضبَط وملَك.
كان يصلِّي الغداةَ في منزله, وهو قريب الدَّار من مسجده, فيأتي مجلسَه فيحتبي ولا يتَّكئ, فلا يزالُ منتصباً لا يتحرَّك له عضوٌ, ولا يلتفت, ولا يحلُّ حُبْوَته ولا يحوِّل رِجْلاً عن رجل, ولا يعَتمد على أحد شِقَّيه, حَتَّي كأنّه بناءُ مبنيُّ, أو صخرةٌ منصوبة.
فلا يزال كذلك, حتّى يقوم إلى صلاة الظهر ثمّ يعودُ إلى مجلسهِ فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى العصر, ثمَّ يرجع لمجلسه, فلا يزال كذلك حَتى يقوم لصلاة المغرب, ثمَّ رُبما عاد إلى محلِّه, بل كثيراً ما كان يكون ذلكَ إذا بقي عليه من قراءة العهود والشُّروط والوثائق, ثمَّ يُصلِّي العشاء الأخيرة وينصرَف
فالحقّ يقال: لَمْ يقُمْ في طول تلك المدَّةِ والوِلايةِ مَرَّةً واحدةً إلى الوضوء, ولا احتاجَ إليه, ولا شرِبَ ماءً ولا غيرَه من الشّراب.
كذلك كانَ شأنُه في طوال الأيام وفي قصارها, وفي صيفها وفي شتائها.
وكان مع ذلك لا يحرِّك يدَه, ولا يُشيرُ برأسِه.
وليس إلاّ أن يتكلمَ ثمَّ يوجز, ويبلغ بالكلام اليسير المعاني الكثيرة.
فبينا هو كذلك ذاتَ يوم وأصحابه حواليه, وفي السِّماطين بينَ يديه, إذْ سقطَ على أنفِه ذبَابٌ فأطال المكث, ثمَّ تحوّل إلى مُؤْقِ عينه, فرام الصَّبر في سقوطه عَلَى المؤق, وعلى عضِّه ونفاذِ خرطومه كما رَام من الصبر عَلى سقوطه عَلَى أنفه من غير أن يحرِّك أرنبَته, أو يغضِّن وجهَهُ, أو يذبّ بإصبعه. فلمّا طال ذلك عليهِ من الذبَاب وشغَله وأوجعَه وأحرقَهُ, وقصدَ إلى مكانٍ لا يحتمل التّغافُلَ, أطبَق جفنَهُ الأعْلى عَلَى جفنِه الأسفلِ فلم ينهض, فدعاه ذلك إلى أن وَالى بينَ الإطباقِ والفتْح, فتنحَّى ريثماَ سكنَ جفنُهُ, ثمَّ عاد إلى مؤقِه بأشدَّ من مرَّته الأولى فَغَمَسَ خرطومهُ في مكان كان قد أوهاهُ قبلَ ذلك, فكان احتماله له أضعف, وعجزُه عن الصَّبر في الثانية أقوى, فحرَّك أجفانَهُ وزاد في شدَّة الحركة وفي فتح العين, وفي تتابعُ الفتْح والإطباق, فتنحَّى عنهُ بقدْرِ ما سكَنَتْ حركتهُ ثمَّ عاد إلى موضِعِه, فما زالَ يلحُّ عليه حتى استفرغَ صبْرَه وبَلغَ مجهُوده. فلم يجدْ بُدًّا من أن يذبَّ عن عينيهِ بيده, ففعل, وعيون القوم إليه ترمُقه, وكأنّهم لايَرَوْنَه, فتَنحَّى عنه بقدْر ما رَدَّ يدَه وسكَنتْ حركته ثمَّ عاد إلى موضعه, ثمَّ ألجأه إلى أن ذبَّ عن وجْهه بطَرَف كمه, ثم ألجأه إلى أن تابَعَ بين ذلك, وعلم أن فِعلَه كلّه بعيْن مَنْ حَضَره من أمنائه وجلسائه. فلمَّا نظروا إليه
قال: أشهد أنَّ الذّباب ألَحُّ من الخنفساء, وأزهى من الغراب! وأستَغفر الله! فما أكثر مَن أعجبَتْه نفسُه فأراد الله عزَّ وجلَّ أن يعرِّفه من ضعْفِه ما كان عنهُ مستوراً! وقد علمت أنِّي عند الناسِ مِنْ أزْمَتِ الناس , فقد غلَبَني وفَضَحَني أضعفُ خلْقِه!.

[من (كتاب الحيوان)]

عبير جلال الدين
02-09-2006, 08:09 AM
الشك واليقين

اعرفْ مواضع الشّكّ, وحالاتها الموجبةَ له; لتعرف بها مواضع اليقين والحالات الموجبة له, وتعلم الشَّكّ في المشكوك فيه تعلُّما.
فلو لم يكن في ذلك إلاّ تعرّفُ التوقُّف ثمَّ التثبُّت, لقد كان ذلك ممّا يحتاج إليه.

ثمّ اعلم أنَ الشكّ في طبقات عند جميعهم. ولم يُجمعوا على أنّ اليقينَ طبقات في القوٍّة والضّعف.

ولمّا قال ابن الجهم للمَكِّيِّ: أنا لا أكاد أشكُّ! قال المكّيّ: وأنا لا أكادُ أوقن! ففخر عليه المكّيّ بالشّكّ في مواضع الشّك, كما فخر عليه ابنُ الجهم باليَقين في موَاضع اليقين.

وقال أبو إسحاق: نازعت [من] الملْحِدين الشاكّ والجاحد فوجدتُ الشُّكَّاك أبصرَ بجوهر الكلام مِن أصحاب الجحود.

وقال أبو إسحاق: الشاكُّ أقربُ إليك من الجاحِد, ولم يكنْ يقينٌ قط حتى كان قبله شَكٌ, ولمْ ينتقل أحدٌ عن اعتقادٍ إلى اعتقاد غيره حتّى يكونَ بينهما حالُ شكٌ.

وقال ابنُ الجهم: ما أطمعَني في أوْبة المتحيِّر! لأنّ كل من اقتطعه عن اليقين الحيرة فضالّته التبيُّن, ومَنْ وَجد ضالّته فرِح بها.

وقال عمرو بن عُبيد: تقرير لسانِ الجاحد أشدُّ من تعريفِ قلب الجاهل.

وقال أبو إسحاق: إذا أردتَ أن تعرِف مقدار الرّجُل العالمِ, وفي أيِّ طبقةٍ هو, وأردت أن تدخِله الكورَ وتنفخ عليه; ليظهرَ لكَ فيه الصّحٍّةُ من الفساد, أو مقدارُه من الصّحَّة والفَساد, فكن عالما في صورة متعلِّم, ثم أسألْه سؤالَ مَن يَطمعُ في بلوغِ حاجتهِ منه.

والعوامُّ أقلُّ شكوكاً من الخواص; لأنهم لا يتوقفون في التصديق والتكذيب ولا يرتابون بأنفسهم, فليس عندهم إلاَّ الإقدامُ على التِّصديق المجرّد, أو على التكذيب المجرد, وألغوا الحال الثالثة من حال الشَّكّ التي تشتَمل على طبَقات الشك, وذلك على قدر سُوء الظّنِّ وحُسن الظّن بأسباب ذلك, وعلى مقادير الأغلب.
من (كتاب الحيوان)

عبير جلال الدين
02-09-2006, 08:11 AM
سخرية وتهكُّم

كان أحمد بن عبد الوهّاب مُفرط القِصَر ويدعي أنه مفرط الطول, وكان مربعاً وتحسِبه لسَِعة جُفْرته واستفاضة خاصِرته مدوَّرًا; وكان جعْد الأطراف قصيرَ الأصابع, وهو في ذلك يدعي السَّباطة والرَّشاقة وأنه عتيقُ الوجه أخمصُ البطن معتدِلُ القامة تامُّ العظْم; وكان طويلَ الظهر قَصيرَ عظْم الفَخِذ, وهو مع قِصَر عظْم ساقه يدّعي أنه طويل الباد رفيعُ العمِاد عاديُّ القامة عظيمُ الهامَة, قد أعطِيَ البَسْطَةَ في الجِسم والسَّعةَ في العِلم; وكان كبير السّنّ متقادِمَ الميلاد, وهو يدّعي أنه معتدلُ الشباب حديثُ الميلاد.

وكان ادّعاؤُه لأصناف العِلم على قدْر جهله بها, وتكلُّفُه للإبانة عنها على قدر غَباوته عنها; وكان كثير الاعتراض لهجاً بالمِراء شديدَ الخِلاف كَلِفاً بالمجاذبة متتايِعاً في العُنود مُؤثرًا للمغالبة, مع إضلال الحُجّة والجهلِ بموضع الشُّبهة والخطْرَفة عند قَصْر الزاد والعَجْز عند التوقُّف والمحاكمة مع الجهل بثمرة المراء ومغبَّةِ فساد القلوب ونكد الخلاف وما في الخوْض من اللغْو الداعي إلى السهْو وما في المعاندة من الإثم الداعي إلى النار وما في المجاذبة من النكْد وما في التغالب من فقْدان الصواب.

وكان قليل السَّماع غُمْراً وصُحُفِيًّا غُفْلاً, لا ينطِق عن فِكر ويثق بأوّل خاطر, ولا يفصِل بين اعتزام الغُمْر واستبصار المُحِقْ; يَعُدّ أسماءَ الكُتُب ولا يَفهم مَعانَيها, ويحسُد العلماء من غير أن يتعلّق منهم بسبب; وليس في يده من جميع الآداب إلا الانتحال لاسم الأدب.

فلما طال اصطبارُنا حتى بلغ المجهود منّا وكدنا نعتاد مذهبَه ونألفُ سبيلَه, رأيتُ أن أكشِف قِناعه وأبديَ صفحتَه للحاضر والبادي وسُكّان كلّ ثغْر وكل مصر, بأن أسأله عن مائة مسألة أهزأُ فيها وأعرِّفُ الناسَ مقدارَ جهله, وليسأله عنها كلّ مَن كان في مكّة ليكفّوا عنّا منْ غرْبهِ, وليردّوه بذلك إلى ما هو أولى به.

أطال اللّه بقاءك وأتم نعمته عليك وكرامته لك. قد علمت حفظك اللّه, أنك لا تُحسد على شيء حسدك على حسن القامة, وضخم الهامة, وعلى حور العين وجودة القدّ, وعلى طيب الأحدوثة والصنيعة المشكورة. وأن هذه الأمور هي خصائصك التي بها تكلف, ومعانيك التي بها تلهج... وبعد, أبقاك اللّه فأنت في يدك قياس لا ينكسر, وجواب لا ينقطع, ولك حدّ لا يفلّ, وغرب لا ينثني وهو قياسك الذي إليه تنسب, ومذهبك الذي إليه تذهب, أن تقول: وما عليّ أن رآني الناس عريضاً وأكون في حكمهم غليظاً, وأنا عند اللّه طويل جميل, وفي الحقيقة مقدود رشيق. وقد علموا, أبقاك اللّه, أن لك مع طول البادّ راكباً طول الظهر جالساً. ولكن بينهم فيك إذا قمت اختلاف, وعليك لهم إذا اضطجعت مسائل, ومن غريب ما أعطيت وبديع ما أوتيت أنّا لم نرَ مقدوداً واسع الجفرة غيرك, ولا رشيقاً مستفيض الخاصرة سواك, فأنت المديد, وأنت البسيط, وأنت الطويل, وأنت المتقارب. فيا شعراً جمع الأعاريض, ويا شخصاً جمع الاستدارة والطول! بل ما يهمك من أقاويلهم ويتعاظمك من أختلافهم, والراسخون في العلم والناطقون بالفهم يعلمون أن استفاضة عرضك قد أدخلت الضيم على ارتفاع سُمكك, وإن ما ذهب منك عرضاً قد استغرق ما ذهب منك طولاً. ولئن اختلفوا في طولك لقد اتفقوا في عرضك, وإذ قد سلموا لك بالرّغم شطراً ومنعوك بالظلم شطراً, فقد حصلت ما سلّموا وأنت على دعواك فيما لم يسلموا. ولعمري أن العيون لتخطئ وأن الحواس لتكذب وما الحكم القاطع إلاّ للذهن, وما الاستبانة الصحيحة إلاّ للعقل, إذ كان زماماً على الأعضاء وعياراً على الحواسّ....

من (كتاب التربيع والتدوير)

عبير جلال الدين
02-09-2006, 08:12 AM
حَسَد العلماء

إنه لم يخْلُ زمنٌ من الأزمان فيما مضى من القرون الذاهبة إلاّ وفيه علماء محِقُّون, قد قرءوا كتب مَن تقدَّمهم, ودارسوا أهلها, ومارسوا الموافقين لهم, وعانَوُا المخالفين عليهم, فَمَخَضوا الحكمة وعجموا عيدانها, ووقفوا على حدود العلوم, فحفظوا الأمَّهات والأصول, وعرفوا الشرائع والفروع, فَفَرقوا ما بين الأشباه والنظائر, وصاقبوا بين الأشكال والأجناس, ووصلوا بين المتجاور والمتوازي, واستنبطوا الغامض الباطن بالظاهر البيِّن, واستظهروا على الخفيِّ المشكل بالمكشوف المعروف, وعُرفوا بالفهم الثَّاقب والعلم الناصع, وقضت لهم المِحنة بالذكاء والفطنة, فوضعوا الكتب في ضُروب العلوم وفنون الآداب لأهل زمانهم, والأخلافِ من بعدهم. يزدلفون بذلك إلى الممتنّ عليهم بفضل المعرفة التي ركَّبها الله فيهم, وأبانهم من غيرهم, وفضَّلهم عليهم, ويباهون به الأمم المخالفة لهم, ويتبارون بذلك فيما بينهم. ولهم حُسّادٌ معارضون من أهل زمانهم في تلك العلوم والكتب, منتحلةٌ يدَْعون مثلَ دعاويهم, قد وسَموا أنفسَهم بسمِات الباطل, وتسمَّوْا بأسماء العلم على المجاز من غير حقيقة, ولبسوا لباس الزُّور متزخرفين متشِّبعين بما لا محصول له يحتذون أمثلة المحقِّين في زيِّهم وهَديهم, ويقتفون آثارهم في ألفاظهم وألحاظهم, وحركاتهم وإشاراتهم, ليُنسَبوا إليهم ويُحَلُّوا محلَّهم, فاستمالوا بهذه الحيلة قلوبَ ضعفاءِ العامّة, وجهلاءِ الملوك, واتَّخَذهم المعادُون للعلماء المحقِّين عُدّةً يستظهرون بهم عند العامّة. وحمل المدِّعيةَ للعلم المزوَّرِ الحسدُ على بَهْت العلماء المحقِّين, (...) وجرّأهم على ذلك ما رأوْا من صَغْو ضَعَفة القلوب وأذلّة الناس إليهم, وميل جهلاء الملوك معهم عليهم, وأمَّلوا أن ينالوا بذلك بشاشة العامة, وتستويَ لهم الرِّياسة على طَغام الناس ورَعَاعهم, ويستخولوا رُعَاتَهم وقومَهم, (...), وكشفوا أغطية الجهل عن أنفسهم, وهتكوا ستراً كان مُسدَلاً عليهم بالصَّمت. فقد قيل: (الصمت زَينُ العالم, وسِتْر الجاهل); طمعاً في الرياسة وحبًّا لها. وقد قيل:

حبُّ الرياسة داءٌ لا دواء له وقلَّما تَجدُ الراضين بالقسَمِ


ولم يخل زمنٌ من الأزمنة من هذه الطبقة ولا يخلو. وهلاك من هلك من الأمم فيما سلف بحبِّ الرياسة. وكذلك من يهِلك إلى انقضاء الدّهر فبحبِّ الرياسة.

وقد قيل: هلاك الناس منذ كانوا إلى أن تأتيَ الساعةُ بحبِّ الأمر والنَّهي, وحبِّ السَّمع والطاعة.

فأشكل على العامّة أمرُ العالم الحقيقيّ والمدَّعى المجاري المنتحل للزُّور والباطل; ثم ترادفَ عليهم من هذه العلل التي يعمى لها السبيل الواضح والطَّريق المنشأ, على الجاهل المستعضف; وذي الغَبَاء المسترهَف.

من (كتاب فصل بين العداوة والحسد)

عبير جلال الدين
04-09-2006, 01:25 AM
زُبَيْدة بنِ حُمَيْد


وأما زُبَيْدَةَ بنُ حُمَيدٍ الصَّيرفي, فإنَّه استلف مِن بَقَّال كان على باب داره درْهمين وقيراطا. فلمَّا قضاه بعد ستّة أشهر, قضاه درهمين وثَلاَثَ حبّاتِ شَعِير. فاغتاظ البقَّالُ,
فقال: سبحان الله! أنت ربُّ مائةِ ألفِ دينار, وأنا بقّال لا أملِك مائة فَلْسٍ, وإنّما أعيش بكَدِّي, وباسْتِفْضال الحبّة والحبّتين. صاح على بابك حَمّالٌ, والمال لم يَحْضُرك, وغاب وكيلُك, فَنَقَدتُ عنك دِرهمين وأربعَ شعِيرات. فقضيتَني بعدَ ستَّة أشهر درهمين وثلاثَ شعيرات.
فقال زُبَيْدَةَ: يا مجنون! أسلفتنِي في الصيف, فقضيتُك في الشتاء. وثلاثُ شعِيرات شَتْوِيَّة نَدِيَةٍ, أرْزَنُ من أربع شعيرات يابسة صَيْفيّة. وما أشكُّ أنّ معك فَضْلا!

وحدّثني أبو الأصْبَغِ, بن ربْعيّ,
قال: دخلتُ عليه بعد أن ضرب غِلْمانه بيوم,
فقلت له: ما هذا الضرب المُبَرِّح وهذا الخُلُق السَّيِّىء? هؤلاء غِلمان, ولهم حُرْمة وكفاية وتربية. وإنما هم وَلَد. هؤلاء كانوا إلى غير هذا أحْوَجَ.
قال: إنك لست تَدْري أنّهم أكلوا كل جُوارِشْنٍ كان عندي!.

قال أبو الأصْبَغِ: فخرجتُ إلى رئيس غِلمانه,
فقلتُ: وَيْلَك! مالَكَ وللجُوَارِشْنِ? وما رَغْبتُك فيه?
قال: جُعِلتُ فِداك! ما أقِدر أن أكَلِّمك من الجوع إلا وأنا مُتَّكِئ! الجُوَارِشْنُ! ما أصنعُ به? هو نَفْسُه ليس يُشْبِع, ولانحْتاج إلى الجُوارِشْنِ, ونحن الذين إنّما نسمع بالشِّبَع سماعا مِن أفواه الناس! ما نَصْنَعُ بالجُوارِشْن?

واشتدَّ على إلمانه في تَصْفِية الماء, وفي تَبْريده وتزميله لأصحابه وزُوّاره.
فقال له غَازِى أبو مُجَاهد: جُعِلتُ فِدَاك! مُرْ بتزميل الخبز وتكثيره, فإن الطعام قبْلَ الشراب.

وقال مَرَّةً: ياغلام, هاتِ خُوان النَّرْد, وهو يريد تَخْتَ النرْد.
فقال له غازي: نحن إلى خِوان الخبز أحْوَجُ.

وسَكِرِ زُبيدةُ ليلةً فكسا صديقاً له قميصاً. فلما صار القميصُ على النديم خاف البَدَوَاتِ وعلم أن ذلك مِن هَفَوَاتِ السُّكْر. فمضى مِن ساعته إلى منزله, فجعله بَرْنكَاناً لامرأته.

فلما أصبح سأل عن القميص وتَفَقَّده
فقيل له: إنَّك قد كَسَوْته فُلانا. فبعث إليه, ثم أقبل عليه,
فقال: ما علمتَ أنَّ هِبَة السّكرِان وشِراءَهُ وبَيْعَهُ وصدقته وطَلاَقه لا يجوز?.

وبعدُ, فإنّي أكره ألاّ يكون لي حَمْدٌ, وأن يُوَجِّه الناس هذا مِنِّي على السكر. فرُدَّه عليّ, حتى أهَبَهُ لك صاحياً عن طيب نفس; فإنّي أكره أن يذهب شيء من مالي باطِلا.

فلما رآه قد صَمّم, أقبل عليه فقال: يا هَنَاه ! إنّ الناس يَمزْحُون ويلعبون, ولايؤُاَخَذُون بشيء من ذلك. فرُدَّ القميص, عافاك الله!
قال له الرجل: إنّي والله قد خِفتُ هذا بعينه; فلم أضَعْ جَنْبي إلى الأرض حتى جيبَّته لامرأتي. وقد زدتُ في الكُمَّين, وحذفتُ المقَادِيم . فإن أردتَ بعد هذا كلِّ أن تأخذه فخُذْه.
فقال: نعم آخذُه, لأنّه يصلُح لامرأتي كما يصلُح لأمرأتك.
قال: فإنّه عند الصّبّاغ.
قال: فَهَاتِه.
قال: ليس أنا أسلمتُه إليه.

فلما علم أنّه قد وقع قال: بأبي وأمي رسولُ الله صلّي الله عليه وسلّم,
حيث يقول: جُمِع الشَّر كلّه في بيتٍ وأغلقَ عليه, فكان مفْتاحه السُّكْر.

عبير جلال الدين
04-09-2006, 01:28 AM
تَمَّامِ بنِ جَعْفَر

كان تَمَّامِ بنُ جَعّفَر بخيلاً على الطعام, مُفْرِطَ البُخْل. وكان يُقْبِل على كلِّ منْ أكَلَ خُبْزَه بكلّ عِلَّة وَيُطَالُبه بِكُلِّ طائِلةٍ , وحتَّى ربَّما استخرج عليه أنّه لابِنٌ, جلاَّدُ الدم.

وكان إنْ قال له نديمٌ له: ما في الأرض أحَدٌ أمْشَى مِنِّي, ولا على ظهرها أحدٌ أقْوى على الحُضِر منِّي! قال: وما يمنعك منْ ذَلك, وأنت تأكُل أكْلَ عَشَرة? وهل يَحِمْلُ الرِّجّلَ إلاَّ البَطْنُ? لا حَمَدَ اللهُ منْ يَحْمَدُك!

فإنْ قال: لا والله إنْ أقْدرُ أنْ أمْشِيَ, لأني أضعف الخَلْقِ عنْه, وإنّي لأنْبَهرُ مِنْ مَشْى ثلاثينَ خَطْوة!
قال: وكيف تمشي وقد جعلت في بطنك ما يحمِله عِشرون حمالا! وهل ينْطَلقُ الناسُ إلاَّ مع خِفَّة الأكْل? وأيُّ بَطِينٍ يقْدرُ على الحَرَكة? وإنَّ الكَظِيظَ ليَعْجِزُ عن الرُْكوع والسُّجود, فكيفَ بالمَشْىِ النَّكِير!

فإنْ شَكَا ضِرْسَه وقال: ما نِمْتُ البارحَةَ مع وَجَعِه وضَرَبَانِه ,
قال: عجبتُ كيف اشتكيتَ واحداً, وكيف لم تَشْتَكِ الجميع! وكيف بقَيتْ إلى اليوم في فيك حَاكَّة ! وأيُّ ضِرْس يقْوَي على الدَّرْس والطَّحن! والله إنَّ الأرْحاء السُّورِيَّة لتَكِلُّ, وإنّ الميجانَ لغليظ لَيُتْعِبُه الدقُّ! ولقد استبطأتُ لك هذه العِلّة! ارفُقّ, فإن الرِّفق يُمْن, ولا تَخْرقْ بنفسك, فإنّ الخُرْق شُؤْم!

وإنْ قال: لا والله, إن اشتكيتُ ضِرساً لي قَطُّ, ولا تَجلْجَلَ لي سِنٌّ عن مَوْضعِه منذُ عرفتُ نَفْسي,
قال: يا مجنون! لأن كثرة المَضْغَ تشُدُّ العُمُورَ , وتُقَوِّي الأسنان, وتدْبُغُ ولأنّك تَكْنزُ في جوفك كنزاً لا يجد الماءُ معه مدْخلاً والعجبُ لا تَتَّخِمُ ; لأنَّ منْ لا يشرب الماء على الخُوان لا يدْري مقدارَ ما أكل, ومنْ جاوزَ مقْدارَ الكفاية كان حريًّا بالتُّخَمَة.

فإنْ قال: ما أنام الليلَ كلَّهُ, وقد أهلكني الأرَقُ,
قال: وتدعُك الكظَّة والنَّفْخَة والقرّقَرَة أن تنام? والله لو لم يكن إلا العَطشُ الذي يُنَبِّهُ الناسَ لمَا نمْتَ. ومَنْ شَرِبَ كثيراً باَلَ كثيراً. ومَنْ كان الليلَ كلَّه بين شُرْب وبَوّلٍ كَيْفَ يأخُذُه النَّوم?

فإن قال: ما هو إلاَّ أنْ أضَعَ رأْسي, فإنَّما أنَا حَجَرٌ مُلْقىً إلى الصُّبح,
قال: ذلك لأنَّ الطعام يُسَكِّنُ ويُخَدِّر ويُحَيِّر, ويبُلُّ الدِّماغ, ويَبُلُّ العُرُوق, ويَسْتَرْخي عليه جميعُ البدن. ولو كانَ في الحق, لكان ينبغي أن تَنَام الليلَ والنّهارَ!

فإن قال: أصبحتُ وأنا لا أشتهي شيئاً,
قال: إيَّاك أن تأكل قليلاً ولا كثيراً; فإنَّ أكْلَ القليلِ على غيْر شَهْوة, أضَرُّ من الكثير مع الشَّهْوة.

قالَ الخوانُ ويل لي ممن قال: وكيف تشتهي الطعام اليومَ, وأنتَ قد أكلتَ بالأمّسِ طعامَ عَشَرة! وكان كثيراً ما يَقُول لنُدَمَائه: إيَّاكُمْ والأكْلَ على الخُمَار, فإنّ دَواءَ الخُمَار الشراب.

عبير جلال الدين
04-09-2006, 01:29 AM
أحمد بن الخاركي

كان أحمد بن الخارَكيّ بخيلاً, وكان نَفَّاجا . وهذا أغْيَظُ ما يكون. وكان يتخّذ لكلّ جُبّة أربعةَ أزرار, ليُرىَ الناسَ أن عليه جُبّتين, ويشتري الأعْذاق والعَراجين والسَّعَف من الكَلاَّءِ ; فإذا جاء الحمَّالُ إلى بابِه تركه ساعةً, يُوهِمُ الناس أنّ له من الأرَضِينَ ما يحتمل أن يكون ذلك كلُّه منها.

وكان يكتري قُدُور الخمَّارين التي تكون للنبيذ, ثم يتحرّى أعظمَها, ويَهرُبُ من الحمّالين بالكراء; كي يصيحوا بالباب: يشترون الدّاذِيَّ والسَّكَرَ , ويحبِسون الحمّالين بالكرِاء! وليس في منزله رطل دِبْس وسمِع قولَ الشاعر:

رأيـتُ الخُبزَ عزَّ لديك حتّى حِسبتُ الخُبزَ في جو السحابِ
ومـا روّحتنـا لتـذُبَّ عنـا ولـكن خِفـْتَ مَرْزئةَ الذُّباب


فقال: ولمِ ذَبَّ عنهم? لعنه الله! ما أعلم إلاَّ أنّه شهَّى إليهم الطعامَ, ونظف لهم القِصَاعَ, وفرَّغهم له, وسخّرهم عليه! ثم ألاَ تركها تقع في قصاعهم, وتسقط على آنافهم وعيونهم! هو والله أهلٌ لما هو أعظمُ من هذا! كم تَروْن من مرّة قد أُمرت الجاريةَ أن تُلقي في القصعة الذّبابةَ والذبابتين والثلاثة, حتى يتقزّز بعضهم, ويكْفِيَ اللهُ شرَّه!

قال: وأمّا قوله: (رأيتُ الخبزَ عزَّ لديك حتّي)
قال: فإن لم أعِزّ هذا الشيءَ الذي هو قوامُ أهل الأرض, وأصلُ الأقواتِ, وأميرُ الأغذية, فأىَّ شيء أعِزُّ? إي واللهِ, إني أعزّه وأعِزّه وأعِزّه وأعِزّه, مدى النَّفَسِ, ما حملتْ عيني الماءَ

عبير جلال الدين
09-09-2006, 04:27 PM
ذِكْر اختلاف طبائع الحيوان وما يعتريها من الأخلاق

الذئب لا يطمع فيه صاحبهُ, فإذا دَميَ وثب عليه صاحبهُ فأكلَه, وإذا عضَّ الذِّئبُ شاةً فأفلتت منه بضربٍ من الضروب, فإنَّ عادة الغنم إذا وجدَتْ ريحَ الدمِ أن تَشمَّ موضع أنياب الذئب, وليس عندها عند ذلك إلاّ أن ينضَّم بعضها إلى بعض; ولذلك قال جريرٌ لعَمر بن لجأ التَّيميّ:

فلا يضغمَنَّ الليْثُ تيماً بِغِرّةٍ وتَيمٌ يَشَمُّونَ الفَريسَ المَنَيَّبا


فذكر أنهم كالغنم في العجز والجُبن. وإذا دَميَ الحمارُ ألقي نفسَه إلى الأرض وامتنع ممن يريده بالعضّ وبكلِّ ما قدر عليه, غير أنه لا ينهض ولا يبرحُ مكانَه. وإذا أصاب الأسدَ خَدْش أو شَحْطة بعد أن يَدْمى مكانهَ فإنَّ ذبَّان الأسد تلحُّ عليه, ولا تُقْلع عنه أبداً حتى تقتله.

وللأسود دِبَّانٌ على حدة, وكذلك الكلاب, وكذلك الحمير, وكذلك الإبل, وكذلك الناس.

وإذا دَمِيَ الإنسانُ وشَمَّ الذئبُ منه ريحَ الدَّم فما أقَلَّ من يَنْجُو منه وإن كان أشدَ الناس بدَناً وقلباً, وأتَمَّهم سلاحا, وأثقفَهم ثقافة.

وإذا دَمِيَ الببْر استكلب فخافه كلُّ شيء كان يسالمهُ مِن كبار السِّباع كالأسود والنمور, والببر على خلاف جميع ما حكينا.

وإذا أصاب الحية خدشٌ فإنَّ الذرَّ يطالبه أشدّ الطلب, فلا يكاد ينجو, ولا يعرف ذلك إلا في الفَرْط.

وإذا عضَّ الإنسانَ الكلبُ الكلِبُ فإنَّ الفأر يطالبه ليبولَ عليه, وفيه هَلَكَتهُ, فهو يحتال له بكلِّ حيلة.

وربما أغَدَّ البعير فلا يعرف ذلك الجَمَّالُ حتى يرى الذّبّانَ يطالبه.

وإذا وضعت الذِّئبةُ جَرْوَها فإنه يكون حينئذ ملتزقَ الأعضاء أمْعَطَ كأنه قطعة لحم, وتعلم الذِّئبة أن الذرَّ يطالبه, فلا تزال رافعةً له بيديها, ومحوِّلةً له من مكانٍ إلى مكان, حتى تفرج الأعضاء, ويشتدّ اللحم.

وإذا وضعت الهرَّة جروَها فإنْ طرَحُوا لها لحماً من ساعتها أو رُوبة أو بعض ما يشبه ذلك فأكلته, لم تكد تأكل أجراءها, لأن الهرة يعتريها عند ذلك جُوعٌ وجُنون وخفّة.

والأجناس التي تحدث لها قوَّةٌ على غير سبب يعرف في تقدير الرأي منها الذِّئبُ الضعيف الواثبُ على الذِّئب القوىّ إذا رأى عليه دما, والهِرَّةُ إذا سفِدها الهرُّ, فإنها عند ذلك تشدُّ عليه وهي واثقةٌ باستخذائه لها, وفضْل قوَّتها عليه, والجُرذ إذا خصِي فإنّه يأكل الجرذان أكلا ذريعاً ولا يقوم له شيءٌ منها.

فأمَّا الفيل والكركدَّن والجمل, عند الاغتلام وطلَب الضِّراب, فإنها وإن تركت الشُّرْبَ والأكل الأيامَ الكثيرة فإنّه لا يقوم لشيءٍ منها شيء من ذلك الجنس وإن كان قوياً شاباً آكلا شاربا.

وأما الغيرانُ والغَضبان والسَّكران والمُعاين للحرب, فهم يختلفون في ذلك على عللٍ قد ذكَرْناها في القول في فضيلة المَلَك على الإنسان, والإنسانِ على الجانّ. فإنْ أردتَه فالتمسْهُ هناك. فإنَّ إعادة الأحاديث الطوال والكلامَ الكثيرَ مما يُهجَر في السَّماع, ويهجِّن الكتب.

من كتاب الحيوان

عبير جلال الدين
09-09-2006, 04:34 PM
مسألة الهدهد
وإذْ قد ذكرْنَا بَعض الكلامِ, والمسائلَ في بعْض الكلام, فسنذكر شأنَ الهدهُد والمسألة في ذلك.
قال الله عزَ وجَلَّ: وَتَفَقَّدَ الطيْرَ فقَالَ مَاليَ لا أرَى الهدْهدَ أمْ كانَ مِنَ الغَائبينَ. لأعذبنَّه عذاباً شديداً أوْ لأذْبحَنَّهُ أوْ ليَأتيِني بسُلْطَانٍ مُبِينٍ ,
ثم قال: فمَكثَ غيْرَ بَعيدٍ يعني الهدهُد.
فقال لسليمان المتوعد له بالذَّبح عقوبة له ـ والعقوبة لا تكون إلاّ على المعصية لبشريٍّ آدميّ لم تكن عقوبته الذَّبح, فدلّ ذلك على أنّ المعصية إنما كانت له, ولا تكون المعصيةُ لله إلاّ مّمن يعرف الله, أو مّمن كان يمكنه أن يعرفَ الله تعالى فَترَكَ ما يجب عليه من المعرفة ـ
وفي قولِه لسليمان: أحَطْتُ بمَا لمْ تحط به وجئْتكَ منْ سَبَإٍ بنبإٍ يقينٍ. إنِّي وجدْتُ امْرَأةً تمْلكُهُمْ وأوتيتْ منْ كُلِّ شيْءٍ ولهَاَ عَرْشٌ عظيمٌ .
ثمّ قال بعد أنْ عرفَ فصْل ما بين الملوك والسُّوقة, وما بين النِّساء والرجال, وعرف عظَم عرشِها, وكثرةَ ما أوتيَت في ملكها,
قال: وَجَدْتها وَقَوْمَها يسْجدُونَ للشّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وزيّن لهُمُ الشّيْطِانُ أعْمالَهُمْ فصَدَّهُمْ عن السبيِلِ فهُمْ لا يَهْتَدُون , فَعَرَف السُّجود للشمس وأنْكَرَ المعاصي.
ثمْ قال: ألاَّ يسْجدُوا للّه الذِي يُخْرجُ الخَبْءَ في السمواتِ والأرضِ ويعْلمُ مَا يخْفونَ ومَا يُعْلنونَ ويتعجَّب من سجودهم لغير الله. ثمَّ علم أن الله يعلم غيبَ السمواتِ والأرض, ويعَلم السِّرَّ والعلانية.
ثمَّ قال: اللّهُ لا إلهَ إلا هُو ربُّ العَرْشِ العَظيم , وهذا يدلُّ على أنّهُ أعلَمُ من ناسٍ كثيرٍ من المميزين المستدليِّن الناظرين.
قال سليمان: سنَنْظرُ أصَدَقْتَ أمْ كنْتَ منَ الكَاذِبِينَ
ثمَّ قال: اذهبْ بكِتَابي هذا فألْقِهْ إليْهمْ ثمَّ توَلَّ عنْهُمْ فانْظرْ ماَذَا يرْجِعُونَ.
قالت يَا أيهّا الملأُ إنِّي أُلقِيَ إليَّ كِتابٌ كرِيمٌ.
إنّهُ منْ سُليمْانَ وإنّه بسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ.
ألاَّ تَعْلُوا عَلَي وأْتونىِ مُسْلمينَ فَلَمَّا جاءَ سُليمانَ
قالَ أتُمدُّونني بمالٍ فما آتاني اللهُ خيرٌ مما آتاكمْ بلْ أنتمْ بهَديَّتكُمْ تَفْرحُونَ وذلك أنها
قالت:

"إنَّ المُلوكَ إذا دخَلُوا قرْيَةً أفسَدُوها وجَعَلوا أعزَّةَ أهْلِهَا أذِلَّة وكذلِك يَفْعَلون.
وإني مُرسِلةٌ إليهمْ بِهَدِيةٍ فنَاظرَةٌ بم يَرجْعُ المُرْسلونَ"

يتبع

عبير جلال الدين
09-09-2006, 04:43 PM
ثمَّ قال سليمان للهدهد:
" ارْجعْ إليْهمْ فلَنَأتيَنهُمْ بجُنودٍ لا قِبَلَ لهُمْ بها ولنخْرِجنَّهُمْ منهَا أذِلةً وهُمْ صاغِرُون"
وقال:
" يا أيُّها الملأ أيُّكمْ يَأتِيني بعَرْشهَا قبْلَ أنْ يأتوني مُسْلمينَ. قَالَ عفْريتٌ من الجنِّ أنَا آتيك بهِ قبْلَ أنْ تَقُومَ منْ مَقَامكَ وإني عليْهِ لقَويٌّ أمينٌ. قالَ الذي عنْدهُ علمٌ منَ الكِتابِ أنَا آتيكَ بهِ قبْلَ أنْ يرتْدَّ إليكَ طرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُستْقرًّا عندَه قالَ هذا منْ فضْلِ ربي ليبْلونيِ ءَأشكُر أمْ أكُفرُ وَمَنْ شكَرَ فإنَّما يَشْكُرُ لنَفْسِهِ ومَنْ كفرَ فإنْ ربي غنيٌّ كريمٌ ."
فطعن في جميع ذلك طاعنون, فقال بعضهم: قد ثبتَ أنّ الهدهد يحتمل العقاب والعتاب, والتَّكليف والثّواب, والوِلاية , ودخولَ الجنّة بالطّاعة, ودخولَ النار بالمعصية; لأنَّ المعرفةَ تُوجِب الأمرَ والنهيَ, والأمرَ والنهيَ يوجبان الطاعةَ والمعصية, والطاعةَ والمعصيةَ يوجبان الوَلاَية والعَداوة, فينبغي للهدهد أنْ يكون فيها العدوُّ والوليُّ, والكافر والمسلم, والزِّنديق والدَّهريّ . وإذا كان حُكمُ الجنس حُكماً واحداً لزم الجميعَ ذلك. وإن كان الهدهدُ لا يبلغ عندَ جميع الناس في المعرفة مبلغَ الذرّة, والنملة, والقملة, والفيل, والقرد, والخنزير, والحمام ـ وجميع هذه الأممَ, تُقدِّمُهَا عليه في المعرفة ـ فينبغي أن تكونَ هذه الأصنافُ المتقدِّمَة عليه, في عقول هذه الأمَّة والأنبياء.

وقد رأينا العلماء يتعجَّبون من خرافات العَرَب والأعراب في الجاهليَّة ومن قولهم في الدِّيك والغراب, ويتعجَّبون من الرِّواية في طوق الحمام; فإنّ الحمام كان رائد نوح على نبينا وعليه السلام.

وهذا القول الذي تؤمنون به في الهدهد, من هذا النوع.
قلنا: إنّ الله تعالى لم يقُل: وتَفَقَّدَ الطّير فقال ما لي لا أرى هدهدًا من عُرْض الهداهد, فلم يوقع قولَه على الهداهد جُملة, ولا على واحدٍ منها غير مقصودٍ إليه, ولم يذهب إلى الجنس عامَّة,
ولكنَّهُ قالَ: وتَفَقّدَ الطّيْرَ فَقَالَ مَاليَ لاَ أرَى الهدْهُدَ فأدخلَ في الاسم الألِفَ واللاّم, فجعله معرّفة فدلَّ بذلك القصد على أنه ذلك الهدهدُ بعينه. وكذلك غرابُ نوح, وكذلك حمارُ عُزَير, وكذلك ذِئب أهبانَ بنِ أوس; فقد كان لله فيه وفيها تدبيرٌ, وليجعَل ذلك آية لأنبيائه, وبرهاناً لرسله.

ولا يستطيع أعقلُ الناس أن يعملَ عمل أجرأ النَّاس, كما لا يستطيع أجرأُ الناس أن يعملَ أعمال أعقلِ الناس. فبأعمال المجانينِ والعُقلاءِ عرَفنا مقدارهما من صحّة أذهانهما وفسادها, وباختلاف أعمالِ الأطفالِ والكهول عرفْنا مقدارَهما في الضعْف والقوَّة, وفي الجهل والمعرفة. وبمثل ذلك فصَلنا بين الجماد والحيوان, والعَالِمِ وأعْلمَ منه, والجاهلِ وأجْهلَ منهُ. ولو كان عند السباعِ والبهائمِ ما عند الحكماء والأدباء, والوزَراء والخلفاء والأممِ والأنبياء, لأثمرت تلك العقول, باضطرار, إثمارَ تلك العقول.

من كتاب الحيوان

عبير جلال الدين
09-09-2006, 04:50 PM
فى وفاء الكلب

وأنشد أبو الحسن بن خالويه عن أبي عُبيدة لبعض الشعراء:

يُعرِّدُ عنـهُ جارُهُ وشـقيقُه وينبش عنه كلْبُهُ وهو ضارِبُهْ

قال أبو عبيدة: قيل ذلك لأنَّ رجلاً خرج إلى الجَبّان ينتظر رِكابَه فأتبعه كلبٌ كان له, فضرب الكلبَ وطردَه, وكرِه أن يتبعه, ورماه بحجر, فأبي الكلبُ إلاَّ أن يذهب معه, فلما صار إلى الموضع الذي يريد فيه الانتظار, ربضَ الكلبُ قريباً منه, فبينما هو كذلك إذ أتاهُ أعداءٌ لهُ يطلبونه بطائلةٍ لهم عنده, وكان معه جار لَهُ وأخوه دِنْياً, فأسلماه وهربا عنه, فجرح جراحاتٍ ورُمي به في بئرٍ غيرِ بعيدة القعر, ثم حَثَوْا عليه من التراب حتى غطَّي رأسَه ثم كُمِّمَ فوقَ رأسِه منه, والكلبُ في ذلك يزجُم ويهِرُّ, فلمَّا انصرفوا أتى رأس البئر; فما زال يَعوي وينبث عنه ويحثُو الترَابَ بيده ويكشف عن رأسه حتى أظهر رأسَه, فتنفّس ورُدَّتْ إليه الروحُ وقد كاد يموتُ ولم يبق منه إلاّ حُشاشة, فبينا هو كذلك إذْ مرّ ناس فأنكروا مكان الكلب ورأوه كأنّه يحفرِ عن قبْر, فنظروا فإذا هم بالرجُلِ في تلك الحال, فاستشالوه فأخرجوه حيًّا, وحملوه حتَّى أدَّوه إلى أهله, فزعم أنّ ذلك الموضعَ يُدْعى ببئر الكلب. وهو مُتيامِن عن النجف.

وهذا العملُ يدل علَي وَفَاءٍ طبيعيّ وإلْفٍ غريزي ومحاماةٍ شديدة, وعلى معرفةٍ وصبرٍ, وعلى كرم وشكر, وعلى غناءٍ عجيب ومنفعةٍ تفوق المنافع; لأنّ ذلك كلَّه كان من غير تكلّف ولاتصنٌُّعٍ.

والكلب يعرِف وجهَ ربِّه من وجه عبده وأمَتِه, ووجهَ الزائر. حتَّى ربَّما غاب صاحب الدار حوْلاً مجرَّماً, فإذا أبصرَه قادماً اعتراه من الفرَح والبصبصة, والعُواء الذي يدلُّ على السرور, وعلى شدِّة الحنين, مالا يكون فيه شيءٌ فوقه.

وخبَّرني صديقٌ لي قال: كان عندنا جروُ كلب, وكان لي خادمٌ لهجٌ بتقريبه, مولعٌ بالإحسان إليه, كثيرُ المعاينة له, فغاب عن البَصرة أشهراً, فقلت لبعضِ منْ عنْدى: أتظنون أنّ فلانا (يعني الكلب) يُثبت اليومَ صورةَ فلان (يعني خادمَه الغائب) وقد فارقَه وهو جرو, وقد صار كلباً يشغَر ببوله?
قالوا: ما نشكُّ أنّه قد نسيَ صورتَه وجميعَ برِّه كان به.
قال: فبينما أنا جالسٌ في الدار إذ سمعت من قِبَلِ بابِ الدار نُباحَه, فلم أرَ شِكْلَ نباحه من التأنُّب والتعثيث والتوعّد, ورأيت فيه بَصبصةَ السُّرور, وحَنين الإلْف. ثمَّ لم ألبَث أن رأيتُ الخادمَ طالعاً علينا, وإنَّ الكلبَ ليلتَفُّ على ساقيه, ويرتفِع إلى فخذيه, وينظُر في وجهه, ويصيح صياحاً يستَبين فيه الفرحُ. ولقد بلَغ من إفراط سُرورهِ أنِّى ظُننتُ أنه عُرض. ثمَّ كان بعد ذلك يغيب الشهرين والثلاثة, أوْ يمضي إلى بغدادَ ثم يرجع إلى العسكر بعد أيَّام, فأعرِف بذلك الضّرْب من البصبصة, وبذلك النوع من النُّباح, أنَّ الخادمَ قدِم. حتّى قلتُ لبعض من عندي: ينبغي أن يكون فلان قد قدم, وهو داخل عليكم مع الكلب.

وزعم لي أنّه ربَّما أُلْقيَ لهذا الجرو إلى أن صار كلبا تامًّا, بعضُ الطعام فيأكل منه ما أكل, ثم يَمضى بالباقي فيخبّؤُه. وربَّما ألقِيَ إليه الشيءُ وهو شَبْعان فيحتمله, حتَّى يأتيَ به بعضَ المخابىء فيضعه هناك, حتّى إذا جاع رجَع إليه فأكله.

عبير جلال الدين
09-09-2006, 04:54 PM
طباع القرد

والقرد يَضْحكُ ويَطْرَب, ويَقْعي ويَحكي, ويتناولُ الطعامَ بيديه ويضعه في فيه, ولهُ أصابعُ وأظفار, ويَنقيّ الجوز, ويأنس الأنْسَ الشدَّيد, ويُلقَّنُ بالتلقين الكثير, وإذا سقَط في الماء غرِق ولم يسبَحْ; كالإنسان قبل أنْ يتعلمَ السِّباحة. فلم تجد الناسُ للذي اعترى القِرْد من ذلك ـ دونَ جميعِ الحيوان عِلّةً ـ إلا هذه المعاني التي ذكرتها, من مناسبَة الإنسانِ من قبَلِها.

ويُحكى عنه من شدَّة الزواج, والغَيرةِ على الأزواج, ما لا يحكى مثله إلا عن الإنسان; لأنِّ الخنزيرَ يَغَارَ, وكذلك الجملُ والفرَسُ, إلاّ أنها لا تزاوج. والحمارُ يَغارُ ويحمي عانَتَهُ الدَّهر كُلَّهُ, ويضرِبُ فيها كضربه لو أصابَ أتاناً من غيرها. وأجناس الحمام تزاوج ولا تَغار.

واجتمَع في القرد الزّواج والغَيرة, وهما خَصلتانِ كريمتان, واجتماعهما من مفاخرِ الإنسانِ على سائر الحيوان. ونحن لم نرَ وجْهَ شيءٍ غيرِ الإنسان أشبَهَ صورةً وشَبَهًا, على ما فيه من الاختلاف, ولا أشبَهَ فماً ووجْهاً بالإنسان, من القرْد. ورُبّما رأيْنا وجهَ بَعْضِ الحمر إذا كان ذا خطْمٍ, فلا نَجِدُ بَيْنهُ وبين القِرْدِ إلاَّ اليسيرَ.

من كتاب الحيوان

المشرف العام
09-09-2006, 05:21 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مكتبة المثقفة يجب أن تكون قيمة.
وقد قدمتِ لنا وجبات خفيفة من موائدك الدسمة.
بارك الله فيكِ.

ويستمر طرح الفكر والعلم لنشر الوعي والثقافة.
هنا نلتقي لنرتقي.

عبير جلال الدين
11-09-2006, 02:37 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

الأُستَاذ أحمد عبد الباقي

يسعدنى تقديرك لصفحاتي

خالص دعواتكم لنا

شكراً لكَ

عبير جلال الدين
11-09-2006, 02:38 PM
جبران
واجه جبران خليل جبران (1883 - 1931) عصره; فتعارفا وكان صراع .. سافر شاعرًا في أبعاد العصر ليبلور الحكمة الكامنة, علّه يدفع بالإنسان نحو ذاته الفضلى.

من (بشرِّي) لبنان (1883 - 1895), حيث ولد وحيث تفتح وجدانه وخياله, انتقل إلى (بوسطن) (1895 - 1898) التي كانت تشهد -آنذاك- نهضة فكرية, وعاد إلى (بيروت) (1898 - 1902) ليعيش نكبات شرقه وتخلّفه, بينما كان يستزيد من تعلم العربية في بلاده. ثم إلى (بوسطن) ثانية (1902 - 1908), ليعيش تجربة الموت الذي حصد أسرته (1902 - 1904), ثم إلى (باريس) (1908 - 1910) ليسبر عمق التحول الثقافي والفني الذي كانت تشهده, وبعدها (نيويورك) (1911 - 1913), حيث يدرك معنى المدينة الحديثة في أوسع مفاهيمها.

ووسط (العالم الجديد), يناديه التاريخ في الحواضر العريقة فيسيح في مصر وفلسطين وسورية (1903), وتجذبه روما ولندن; فيقرأ فيهما نموّ الوعي الخلاّق في رحم التاريخ.

وتقدم الحرب العالمية الأولى لجبران أغزر وأغنى مادة للتأمل الجذري في طبيعة القوة وماهية الضعف في النفس البشرية. وينتهي إلى اكتشاف مكنون إنساني أعمق وأبعد من ظواهر القوة والضعف, هو قدرة الإنسان الروحية اللامتناهية, التي رأى التوصل إليها ممكنًا عبر الحوار الباطني مع النفس ومع الإنسانية.

كان ذلك الحوار هو طريق جبران إلى التجربة الصوفية, وكان -أيضًا- مصدر تحوّله من الرومنسي إلى رافض الحَرْفية والأنظمة الفكرية والفلسفية, ليركن إلى شاعرية الحكمة.

منذ أوّل مقال نشره بعنوان (رؤيا), وأول معرض للوحاته (1904) حتى اليوم, تتشاسع مدارات انتشار نتاج جبران; فيزداد -باضطراد- عدد ترجمات مؤلفه (النبي) ليتجاوز الثماني والعشرين لغة. وتقف العواصم الحضارية بإجلال أمام أعماله التشكيلية التي يقتنيها عدد من أهم متاحف العالم.

ويتكثف حضور جبران: الشاعر, والحكيم و(خلاّق الصور) كما كان يسمي نفسه. ويتفرّد نتاجه بمخيلة نادرة, وبإحساس خلاق مرهف, وبتركيب بسيط. وبهذه الخصائص, تبلور في لغته العربية -كما في الإنكليزية- فجر ما سيُدعى - فيما بعد- (القصيدة النثرية) أو (الشعر الحديث).

ويمكن تبيّن أربع مراحل في إنتاج جبران:

الرومنسية: كما تنعكس في كتيب (نبذة في الموسيقى) (1906), وأقصوصات (عرائس المروج) (1906), و(الأرواح المتمردة) (1908), و(الأجنحة المتكسرة) (1912), ومقالات (دمعة وابتسامة) (1914), والمطوّلة الشعرية (المواكب) (1919).

الثورية الرافضة: تتصعّد الرومنسية لتنتهي إلى اكتشاف أن القوة الإنسانية تكمن في الروح الخاص والعام, كما في مقالات وأقصوصات وقصائد (العواصف) (1920), و(البدائع والطرائف) (1923), وفي كتابه بالإنكليزية (آلهة الأرض) (1931).

الحِكَمية: تعتمد المثل أسلوبًا, كما في ثلاثيته إنكليزية اللغة: (المجنون) (1918), (السابق) (1920), و(التائه) (1923).

التعليمية: وفيها يختصر جبران خلاصات تجاربه وتأمله الحياة, والإنسان, والكون والعلاقات المتسامية. وهي المرحلة التي تُعَدّ ذروة نضجه الذي يتبدّى في ثلاثية أخرى باللغة الإنكليزية: (النبي) (1923), (يسوع ابن الإنسان) (1928), و(حديقة النبي) (1933).

ويكاد هذا النتاج / الموقف أن يكون علامة فارقة في تراث تباينت حوله الآراء, لكن كان هناك دائمًا إجماع على شموليته الإنسانية التي تروحن الغرب بحكمتها الصوفية, وتُخرج الشرق من المطلقات المسبقة إلى التجربة الشخصية الحية باتجاه المطلق.

منقول

عبير جلال الدين
11-09-2006, 02:41 PM
صوت الشاعر


القوة تزرع في أعماق قلبي.

وأنا أحصد وأجمع السنابل وأعطيها أغمارًا للجائعين.

الروح يُحيي هذه الجفنة الصغيرة,

وأنا أعصر عناقيدها وأسقيها للظامئين.

السماء تملأ هذا السراج زيتا,

وأنا أُنيرُه وأضعه في نافذة بيتي من أجل العابرين في ظلمة الليل.

أنا فاعِلٌ هذه الأشياءَ لأنَّني أحيا بها.

وإذا منعتني الأيام, وغلَّت يدي الليالي, طلبت الموت...

البشر يضجون كالعاصفة,

وأنا أتنهد بسكينة,

لأني وجدت عنف العاصفة يزول وتبتلعه لجة الدهر,

أما التنهدة فتبقى ببقاء الله.

البشر يلتصقون بالمادة الباردة كالثلج,

وأنا أطلب شعلة المحبة لأضمَّها إلى صدري فتتآكل ضلوعي وتُبرى أحشائي,

لأني ألفيتُ المادَّة تُميت الإنسان بلا ألم والمحبَّة تُحييه بالأوجاع.

البشر ينقسمون إلى طوائف وعشائر,

وينتمون إلى بلاد وأصقاع.

وأنا أرى ذاتي غريبًا في بلد واحد,

وخارجًا عن أمة واحدة...

فالأرض كلها وطني

والعائلة البشرية عشيرتي...

لأني وجدت الإنسان ضعيفًا ومن الصغر أن ينقسم على ذاته,

والأرض ضيقة ومن الجهل أن تتجزَّأ إلى ممالك وإمارات.

البشر يتكاتفون على هدم هياكل الروح,

ويَتَعاوَنُون على بناء معاهد الجسد, وأنا وحدي واقف في موقف الرثاء,

على أنني أصغي فأسمع من داخلي صوت الأمل

قائلاً: مثلما تحيي المحبة القلب البشري بالأوجاع

مثلما تحيي المحبة القلب البشري بالأوجاع

كذا تعلّمه الغباوَةُ سُبُلَ المعرفة;

فالأوجاع والغباوة تؤول إلى لذَّةٍ عظيمة ومعرفة كاملة

لأن الحكمة السرمدية لم تخلق شيئًا باطِلاً تحت الشمس

من مقال في كتاب "دمعة وابتسامة

عبير جلال الدين
11-09-2006, 02:43 PM
الشاعر


أنا غريب في هذا العالم.

أنا غريب وفي الغربة وحدة قاسية ووحشة موجعة,

غير أنها تجعلني أفكر أبدًا بوطن سحري لا أعرفه,

وتملأ أحلامي بأشباح أرض قصية ما رأتها عيني.

أنا غريب عن أهلي وخلاني, فإذا ما لقيت واحدًا منهم

أقول في ذاتي:

من هذا? وكيف عرفته?

وأي ناموس يجمعني به? ولماذا أقترب منه وأجالسه?

أنا غريب عن نفسي, فإذا سمعت لساني متكلمًا تستغرب أذني

صوتي. وقد أرى ذاتي الخفية ضاحكة, باكية, مستبسلة,

خائفة... فيعجب كياني بكياني,

وتستفسر روحي روحي,

ولكنني أبقى مجهولاً مستترًا,

مُكتَنَفًا بالضباب,

محجوبًا بالسكوت.

أنا غريب عن جسدي, وكلما وقفت أمام المرآة أرى في

وجهي ما لا تشعر به نفسي, وأجد في عيني ما لا تُكِنُّه أعماقي.

أسير في شوارع المدينة فيتبعني الفتيان صارخين:

هوذا الأعمى فلنعطِه عكازة يتوكأ عليها, فأهرب منهم مسرعًا.

ثم ألتقي سربًا من الصبايا فيتشبَّثن بأذيالي قائلات:

هو أطرش كالصخر فلنملأ أذنيه بأنغام الصبابة والغزل, فأتركهنَّ راكضًا.

ثم ألتقي جماعة من الكهول فيقفون حولي قائلين:

هو أخرس كالقبر فتعالوا نقوّم اعوجاج لسانه, فأغادرهم خائفًا.

ثم ألتقي رهطًا من الشيوخ فيومئون نحوي بأصابع مرتعشة قائلين:

هو مجنون أضاع صوابه في مسارح الجن والغيلان.

أنا غريب في هذا العالم.

أنا غريب وقد جُبتُ مشارق الأرض ومغاربها, فلم أجد

مسقط رأسي ولا لقيت من يعرفني ولا من يسمع بي.

أستيقظ في الصباح فأجدني مسجونًا في كهف مظلم

تتدلَّى الأفاعي من سقفه وتدب الحشرات في جنباته, ثم

أخرج إلى النور فيتبعني خيال جسدي.

أَمَّا نفسي فتسير أمامي إلى حيث لا أدري, باحثة عن

أمور لا أفهمها, قابضة على أشياءَ لا حاجة لي بها.

وعندما يجيء المساء, أعود وأضطجع على فراشي

المصنوع من ريش النعام وشوكِ القَتَاد, فتراودني أفكار

غريبة, وتتناوبني ميول مزعجة, مفرحة, موجعة, لذيذة...

وعندما ينتصف الليل تدخل عليّ, من شقوق الكهف,

أشباح الأزمنة الغابرة,

وأرواح الأمم المنسية...

فأحدّق إليها وتحدّق إليّ,

وأخاطبها مستفهمًا فتجيبني مبتسمة.

ثم أحاول القبض عليها فتتوارى مضمحلة كالدخان.

أنا غريب في هذا العالم.

أنا غريب وليس في الوجود من يعرف كلمة من لغة نفسي.

أسير في البرّيَّة الخالية, فأرى السواقي تتصاعد

متراكضة من أعماق الوادي إلى قمة الجبل, وأرى

الأشجار العارية تكتسي وتزهر وتثمر وتنثر أوراقها في

دقيقة واحدة, ثم تهبط أغصانُها إلى الحضيض وتتحوَّل

إلى حياتٍ رقطاء مرتعشة. وأرى الأطيارَ تنتقل

متصاعدة, هابطة, مغردة, مولوِلة, ثم تقف وتفتح

أجنحتها وتنقلب:

نساء عاريات,

محلولات الشعر,

ممدودات الأعناق...

ينظرْنَ إليّ من وراءِ أجفانٍ مكحولةٍ بالعشق,

ويبتسمن لي بشفاه ورديَّةٍ مغموسةٍ بالعسل,

ويمدُدْنَ نحوي أيديا بيضاء, ناعمة, معطرة بالمر

واللبان, ثم ينتفضن ويختفين عن ناظري ويضمَحْلَلْنَ

كالضباب تاركات في الفضاء صَدَى ضَحِكِهِنَّ منّي واستهزائِهِنَّ بي.

أنا غريب في هذا العالم.

أنا شاعر أنظم ما تنثره الحياة

وأنثر ما تنظمه.

ولهذا أنا غريب وسأبقى غريبًا حتى تخطفني المنايا وتحملني إلى وطني

مقال في كتاب (العواصف)

عبير جلال الدين
11-09-2006, 02:46 PM
أمام عرش الجمال


هربتُ من الاجتماع وهِمْتُ في ذاك الوادي الواسع...

مصغيًا إلى محاورات العصافير... وجلستُ أسامِرُ وَحْدَتي وأناجي نفسي.

نفس ظامئة رأت كل ما يرى سرابًا وكل ما لا يرى شرابًا.

ولما انطَلَقَتْ عاقِلَتي من محبس المادة إلى فضاء الخيال,

التفتُّ فإذا...

حورية لم تتخذ من الحلي والحلل سوى غصن من الكرمة تستر

به بعضَ قامَتِها, وإكليلٍ من الشقيق يجمع شعرها الذهبي...

وإذ عَلمَتْ من نظراتي أنني مسلوب الفجأة والحيرة,

قالت:

أنا ابنة الأحراج فلا تجزع.

... أنا رمز الطبيعة.

أنا العذراء التي عبدها آباؤك فبنوا لها مذابح وهياكل في بعلبك وأفقا وجبيل...

أما ألوهيتي فهي مستمدة من جمال تراه كيفما حولت عينيك.

جمال هو الطبيعة بأسرها.

جمال كان بدء سعادة الراعي بين الربى,

والقروي بين الحقول,

والعشائر الرحل بين الجبل والساحل.

جمال كان للحكيم مرقاة إلى عرش حقيقة لا تجرح.

قلتُ ودقاتُ قلبي تقول ما لا يعرفه اللسان:

إن الجمال قوة مخيفة رهيبة.

فقالت وعلى شفتيها ابتسامة الأزهار,

وفي نَظَرِها أسرارُ الحياة:

أنتم البشر تخافون كل شيء حتى ذواتكم.

تخافون السماء وهي منبع الأمن.

تخافون الطبيعة وهي مرقد الراحة...

وبعد سكينة مازَجَتْهَا الأَحلامُ اللَّطيفة سألتها:

ما هذا الجمال...?

قالت:

هو ما كان بنفسك جاذب إليه.

هو ما تراه وتودُّ أن تُعطِي لا أن تأخذ.

هو ما شَعَرْتَ, عند ملقاه, بأيد ممدودةٍ لضمّه إلى أعماقك.

هو ما تحسبه الأجسام محنة والأرواح منحة.

هو ألفة بين الحزن والفرح.

هو ما تراه محجوبًا وتعرفه مجهولاً وتسمعه صامتًا.

هو قوة تبتدئ في قدس أقداس ذاتك وتنتهي فيما وراء تخيلاتك...

واقتَرَبَت ابنَةُ الأحراج منِّي,

ووضعت يدها المُعَطَّرة على عيني,

ولما رَفَعَتْهَا رأيْتُنِي وحيدًا في ذلك الوادي.

فرجعت ونفسي مردّدة:

إن الجمال هو ما تراه وتود أن تعطي لا أن تأخذ

فقرات من مقال في كتاب (دمعة وابتسامة

عبير جلال الدين
11-09-2006, 02:49 PM
أيتها الموسيقى!

يا (أوتربي) المقدسة.

لقد رقصت أَخَوَاتُكِ الفنونُ فيما غبر من الأجيال زمنًا

وَوُضِعْن في معاقل النسيان آخر...

وأنتِ تهزئين بهنّ,

ولم تتنازلي عن مسرح النفس يومًا واحدًا,

كأنَّك صدى القبلة الأولى التي وضعها آدم على شفتيْ حوَّاء.

صدًى له صدًى له صدى تتناقل وتتناسخ وتكتنف الكلّ وتحيا بالكلّ...

يا بْنة النفس والمحبة.

يا إناء مرارة الغرام وحلاوته.

يا أخيِلةَ القلب البشري.

يا ثمرَةَ الحزن وزهرةَ الفرح.

يا رائحةً متصاعدة من طاقة زهور المشاعر المضمومة.

يا لسان المحبين ومذيعة أسرار العاشقين.

يا صائغة الدموع من العواطف المكنونة.

يا موحِيَةَ الشّعر ومنظّمَةَ عقودِ الأوزان.

يا موحّدة الأفكار مع نتف الكلام,

ومؤلّفةَ المشاعر من مؤثِّرات الجمال...

ياأيتها التموّجات الأثيريَّة الحاملة أشباح النفس...

إلى أمواجِكِ نُسَلّم أنفُسَنَا

وفي أعماقك نستودع قلوبنا,

فاحمليها إلى ما وراء المادّة

وأَرِينَا ما تُكِنُّه عوالم الغيب

فقرات كتاب (الموسيقى)

عبير جلال الدين
13-09-2006, 08:17 PM
حفنة من رمال الشاطئ


كآبةُ الحُبّ تترنم.

وكآبة المعرفة تتكلم.

وكآبة الرغائب تهمس.

وكآبة الفقر تندب.

ولكن,

هناك كآبة أعمق من الحب,

وأنبل من المعرفة,

وأقوى من الرغائب,

وأمرُّ من الفقر....

غير أنها خرساء لا صوت لها; أما عيناها

فمشعشعتان كالنجوم.

عندما تشكو مُصَابًا لجارك تَهَبُهُ جزءًا من

قلبك, فإن كان كبير النفس شكرك.

وإن كان صغيرها احتقرك.

ليس التقدُّمُ بتحسين ما كان

بل بالسير نحو ما سيكون.

المسكنة نقابُ ملامِحِ الكبرياء.

والدعوى قِناعٌ يغشِّي وجه البلاء.

عندما يجوع المتوحّش يقطف ثمرة من

شجرة ويأكلها. وعندما يجوع المتمدّن يشتري

ثمرة مِمَّن اشتراها ممَّنِ اشتراها مِمَّنِ اشتراها

مِمَّن قَطَفَهَا من الشجرة.

بعضُ الناس يستحثُّونَنِي على الأمانة إليهم ليتمتَّعوا

بلذَّةِ السماح عَنّي.

ما أدركت طوية امرئ إلاّ حسبني مديونًا له.

عين الإنسان مجهر تُبَيِّن له الدنيا أكبَرَ ممَّا هي حقيقته.

أنا بريء من قومٍ يحسبون القحة شجاعة واللِّينَ جبانة.

وأنا بريء مِمن يتوهَّم الثرثرة معرفة والصمت جهالة والتصنُّع فنًّا.

قد يكون في استصعابنا الأمرَ أَسْهَلُ السبل إليه.

يقولون لي:

إذا رأيت عبدًا نائمًا فلا تنبِّههُ

لعلَّه يحلم بحريته.

وأقول لهم:

إذا رأيت عبدًا نائمًا نبهته

وحدَّثْتُهُ عن الحرية.

المُعَاكَسَةُ أدنى مراتب الذكاء.

الجميل يأسرنا أما الأجمل فيُعْتِقُنَا حتى ومن ذاته.

الحماسة بركان لا تنبت على قِمَّتِه أعشابُ التَّردُّد.

يظل النهر جادًّا نحو البحر,

انكسر دولاب المطحنة أم لم ينكسر.

تأكلُ مسرِعًا وتمشي متباطئًا, فهلاَّ

أَكَلْتَ برجلِك وَمَشَيْتَ على كفَّيك?

ما تَعَاظَمَ فرحك أو حزنُكَ إِلاَّ صَغُرَتِ

الدُّنيا في عينيك.

العِلمُ يستنِبتُ بذورَك ولا يُلقي بك بذورًا.

ما أَبْغَضْتُ إلاَّ وكان البُغْضُ سِلاَحًا أدافِعُ بهِ عَن نفسي,

ولكن: لو لم أكن ضعيفًا لما اتَّخَذْتُ هذا النوع من السلاح.

يحسبونني حَادَّ النَّظَر ثاقِبَه لأنَّني أَرَاهُمْ من خلال شبكة الغربال.

لم أشعر بألم الوحشة حتى مدح الناس عيوبي الثَّرثارَة وطعنوا في حسناتي الخرساء.

بين الناس قَتَلَةٌ لم يسفكوا دمًا قط, ولصوص لم يسرقوا شيئًا البتَّةَ وكَذَبَةٌ لم يقولوا إِلاَّ الصحيح.

الحقيقة التي تحتاج إلى برهان هي نصف حقيقة.

ألا فأبعدوني عن الحكمة التي لا تبكي, وعن الفلسفة التي

لا تضحك وعَنِ العَظَمَةِ التي لا تحني رأسها أمام الأطفال.

صُنِع الأديبُ من الفكرِ والعاطفةِ, ثمّ وُهِبَ الكلام.

أما الباحث فقد صُنِعَ من الكلام, ثم أُعطِيَ قليلاً من الفكر والعاطفة.

الفنُّ خطوة من المعروف الظاهر نحو المجهول الخفي.

أيُّها الكونُ العاقل, المحجوب بظواهر الكائنات, الموجود

بالكائنات وفي الكائنات وللكائنات... أنت تسمعني لأنك

حاضري ذاتي. وإنك تراني لأنك بصيرَةُ كلِّ شيءٍ حيّ.

ألْقِ في روحي بذرة من بذورِ حكمتك لتنبُتَ نَصْبَةً في

غابتك وتُعطي ثمرًا من أثمارك.

آمين

مختارات من مقال في كتاب (البدائع والطرائف)

عبير جلال الدين
13-09-2006, 08:20 PM
نفسي مثقلة بأثمارها


نفسي مثقَلَةٌ بأثمارِها, فهل من جائعٍ يجني ويأكل ويشبع?

أليس بين الناس من صائِمٍ رؤوفٍ يفطر على

نتاجي ويُرِيحُنِي من أعباء خصبي وغزارتي?

نفسي رازحة تحتَ عبءٍ من التِّبر واللّجَين

فهل بين الناس من يملأ جيوبه ويخفّف عَنّي حملي?

نفسي طافحة من خمرة الدّهور فهل من ظامئ

يَسْكُبُ وَيشرَبُ ويرتوي?

هوذا رجل واقف على قارعة الطريق يبسط

نحو العابرين يدًا مفعمة بالجواهر ويناديهم قائلاً:

ألا فارحموني وخذوا مني.

أَشفِقُوا عليَّ وخذوا ما معي.

أمَّا الناس فيسيرون ولا يلتفتون.

ألاّ ليتَهُ كانَ شحَّاذًا مُتَسِّولاً يمدّ يدًا مرتعشةً نحو

العابرين ويُرجِعُهَا فارِغَةً مرتعشة.

ليته كان مُقعَدًا أعمى يمرُّ به الناس ولا يحفلون.

... هوذا ابنَةُ الملك الأكبر قد استيقظت

من رقادها, وهبَّت من مضجعها, وقامت فتردَّت

بأرجوانها وبرفِيرها, وتزيَّنَتْ بلؤلؤها وياقوتها,

ونَثَرَتِ المِسكَ على شعرها, وغمست بذوب

العنبر أصابعها ثم خرجت إلى حديقتها ومشت

وقطراتُ النّدى تُبَلّل أطرافَ ثوبها.

في سكون الليل سارت ابنة الملك الأكبر

في جنَّتها تبحث عن حبيبها. ولكن:

لم يكن في مملكة أبيها من يُحبّها.

ألاّ ليتَهَا كانتِ ابنَةَ زرّاع ترعى أغنام

أبيها وتعودُ مَسَاءً إلى كوخه وعلى قدميها

غبارُ المنعكفات, وبين طيات ثوبها رائِحَةُ الكروم

حتى إذا ما جَنَّ الليل, ونامَ سكّانُ الحي, اختلست

خطواتها إلى حيث يترقبها حبيبها.

... ليتها كانت عجوزًا مُسِنَّة تجلس مستدفئة, في

أشعة الشمس, بمن تقاسموا صباها, فذاك

خيرٌ من أن تكون ابنَةَ الملك الأكبر وليس في

مملكةِ أبيها من يأكل قلبها خبزًا ويشرب دَمَهَا خمرًا.

... ألا ليتني كنتُ شجرة لا تُزهِر ولا تُثمِر;

فأَلَمُ الخِصبِ أمرُّ من أَلَمِ العُقم,

وأوجاعُ ميسور لا يؤخَذُ منه أشدُّ هولاً من قنوطِ فقيرٍ لا يُرزَق.

... ليتني كنت قَصَبَةً مرضوضةً تدوسُهَا الأقدام

فذاك خير من أن أكون قيثارَةً فِضّيَّةَ الأوتار

في منزلٍ ربُّه مبتورُ الأصابع وأهلُهُ طرشان.

نفسي مثقلة بأثمارها,

فهل في الأرض جائِعٌ يجني ويأكل ويشبع?

نفسي طافِحة بخمرها,

فَهَل من ظامئٍ يسكب ويشرب ويرتَوِي?

من مقال في كتاب (البدائع والطرائف)

عبير جلال الدين
27-09-2006, 04:32 AM
حكم وأمثال للمتنبي


وهَبنــي قلـت: هـذا الصبـحُ لَيـلٌ ::: أَيعمــى العــالَمونَ عَـن الضّيـاء؟


وإذا خَــفيتُ عــلى الغَبِـيِّ فَعـاذِرٌ ::: أنْ لا تَـــراني مُقْلَـــةٌ عَمْيــاءُ


صَغُـرْتَ عَـنِ المـديحِ فقُلْـتَ أُهجَـى ::: كــأَنَّكَ مـا صَغُـرْتَ عَـنِ الهِجـاءِ


مــا الخِــلُّ إِلا مَــن أَودُّ بِقَلبِــهِ ::: وأَرَى بِطَــرفٍ لا يَــرَى بِسَــوائِهِ


تَعــذُل المُشــتاقَ فــي أَشـواقِهِ ::: حــتّى يَكُـونَ حَشـاكَ فـي أَحشـائِه


فَـالمَوْتُ أَعْـذَرُ لـي والصَّبْرُ أَجْمَلُ بي ::: والــبَرُّ أَوْسَــعُ والدُّنْيـا لِمَـنْ غَلَبـا


أظْمَتْنِـــيَ الدُّنْيــا فَلَمَّــا جئْتُهــا ::: مُستَسِــقياً مَطَــرَتْ عَـلَيّ مَصائِبـا


فــالمَوْتُ تُعْـرَفُ بالصِّفـاتِ طِباعُـهُ ::: لــم تَلْــقَ خَلْقــاً ذاقَ مَوْتـاً آئِبـا


كَثِــيرُ حَيــاةِ المَـرْءِ مِثْـلُ قَلِيلِهـا ::: يَــزُولُ وبـاقي عَيشِـهِ مِثْـلُ ذاهِـبِ


وقــد فــارَقَ النـاسَ الأَحِبَّـةُ قَبلَنـا ::: وأَعيــا دواءُ المَــوت كُـلَّ طَبِيـبِ


إِذا اســتقبَلَتْ نَفسُ الكَــرِيمِ مُصابَهـا ::: بِخُــبثٍ ثَنَــتْ فاسـتَدبَرَتْهُ بِطِيـبِ


وفـي تَعـبٍ مَـن يَحسُدُ الشَمسَ نُورَها ::: ويَجــهَدُ أَنْ يَــأتي لَهــا بِضَـرِيبِ

المشرف العام
27-09-2006, 10:02 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مكتبة المثقفة سوف تنتقل إلى صفحات " منتديات العز الثقافية " بكل أريحية من الكريمة / حورية البحر
حورية البحر / كريمة مثل البحر تعطي بسخاء وبلا تردد.

وكـُـلِّ عـَـــام وأنـْتـُــــمْ بـِخـــــــــــــيــرْ.

عبير جلال الدين
27-09-2006, 03:26 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أُستاذ أحمد عبد الباقي

لم أجد فى لغوياتى ما يسعفنى بالرد

فلم أجد الا ما قال المتنبى ::

أَرَى كُلَّنــا يَبغِــي الحَيــاةَ لِنَفْسِـهِ ::: حَرِيصـاً عليهـا مُسْـتَهاماً بِهـا صَبَّـا

فحُــبُّ الجَبــانِ النَفْسَ أَورَدَهُ البَقــا ::: وحُـبُّ الشُـجاعِ الحَـرْبَ أَورَدَهُ الحَرْبا

ويَخــتَلِفُ الرِزْقــانِ والفِعـلُ واحِـدٌ ::: إلـى أَنْ تَـرَى إِحسـانَ هـذا لِـذا ذَنْبا

عبير جلال الدين
28-10-2006, 04:26 AM
كان ينقصنا حاضر

لنذهب كما نحن
سيدة حرة وصديقا وفيا،
لنذهب معا في طريقين مختلفين
لنذهب كما نحن متحدين
ومنفصلين
ولا شيء يوجعنا
لا طلاق الحمام ولا البرد بين اليدين
ولا الريح حول الكنيسة توجعنا
لم يكن كافيا ما تفتح من شجر اللوز
فابتسمي يزهر اللوز أكثر
بين فراشات غمازتين

وعما قليل يكون لنا حاضر آخر
ان نظرت وراءك لن تبصري
غير منفى وراءك
غرفة نومك،
صفصافة الساحة،
النهر خلف مباني الزجاج،
ومقهى مواعيدنا .. كلها ، كلها
تستعد لتصبح منفى، اذا
فلنكن طيبين

لنذهب كما نحن
انسانة حرة
وصديقا وفيا لناياته،
لم يكن عمرنا كافيا لنشيخ معا
ونسير الى السينما متعبين
ونشهد خاتمة الحرب بين لأثينا وجاراتها
ونرى حفلة السلم ما بين روما وقرطاج
عما قليل
فعما قليل ستنتقل الطير من زمن نحو آخر،
هل كان خذا الطريق هباء
على شكل معنى، وسار بنا
سفرا عابرا بين أسطورتين
فلا بد منه، ولا بد منا

غريبا يرى نفسه في مرايا غريبته؟
"لا ، ليس هذا طريقي الى جسدي
"لا حلول ثقافية لهموم وجودية
"أينما كنت كانت سمائي
حقيقية
" من أنا لأعيد لك الشمس والقمر السابقين
فلنكن طيبين

لنذهب كما نحن
عاشقة حرة
وشاعرها.
لم يكن كافيا ما تساقط من
ثلج كانون، فابتسمي
يندف الثلج قطنا على صلوات المسيحي،
عما قليل نعود الى غدنا ، خلفنا،
حيث كنا هناك صغيرين في لأول الحب،
نلعب قصة روميو وجولييت
كي نتعلم معجم شكسبير
طار الفراش من النوم
مثل سراب سلام سريع
يكللنا نجمتين
ويقتلنا في الصراع على الاسم
ما بين نافذتين
لنذهب ، اذا
ولنكن طيبين

لنذهب ، كما نحن
انسانة حرة
وصديقا وفيا،
لنذهب كما نحن . جئنا
مع الريح من بابل
ونسير الى بابل …
لم يكن سفري كافيا
ليصير الصنوبر في أثري
افظة لمديح المكان الجنوبي
نحن هنا طيبون . شمالية
ريحنا، والأغاني جنوبية
هل أنا أنت أخرى
و أنت أنا آخر ؟
" ليس هذا طريقي الى أرض حريتي
ليس هذا طريقي الى جسدي
وأنا، لن أكون " أنا" مرتين
ةقد حل أمس محل غدي
وانقسمت الى امرأتين
فلا أنا شرقية
ولا أنا غربية
ولا أنا زيتونة ظللت آيتين
لنذهب، اذا
"لا حلول جماعية لهواحس شخصية
لم يكن كافيا أن نكون معا
لنكون معا
كان ينقصنا حاضر لنرى
أين نحن . لنذهب كما نحن،
انسانة حرة
وصديقا قديما
لنذهب معا في طريقين مختلفين
لنذهب معا،
ولنكن طيبين

عبير جلال الدين
28-10-2006, 04:32 AM
محمود درويش - سماء منخفضة

هنالك حب يسر على قدميه الحريريتين
سعيدا بغربته في الشوارع
حب صغير فقير يبلله مطر عابر
فيفيض على العابرين
هدايا أكبر مني
كلو حنطتي
واشربوا خمرتي
فسمائي على كتفي و أرضي لكم
هل شممت دم الياسمي المشاع
وفكرت بي
و انتظرت معي طائرا أخضر الذيل
لا اسم له ؟

هنالك حب فقير يحدق في النهر
مستسلما للتداعي : الى أين تركض
يا فرس الماء ؟
عما قليل سيمتصك البحر
فامش الهوينى الى موتك الاختياري
يا فرس البحر

هل كنت لي ضفتين
وكان المكان كما ينبغي أن يكون
خفيفا على ذكرياتك
أي الأغاني تحبين
أي الأغاني ؟ أتلك التي
تتحدث عن عطش الحب،
أم عن زمام مضى ؟

هنالك حب فقير ، و من طرف واحر
هادئ هادئ لا يكسر
بلور أيامك المنتقاة
ولا يوقد النار في قمر بارد
في سريرك
لا تشعرين به حين تبكين من هاجس ،
ربما بدلا منه ،
لا تعرفين بماذا تحسين حين تضمين
نفسك بين ذراعيك
أي الليالي تريدين ، أي الليالي
و ما لون تلك العيون التي تحلمين
بها عندما تحلمين ؟
هنالك حب فقير ، و من طرفين
يقلل من عدد اليائسين
ويرفع عرش الحمام على الجانبين
عليك ، اذا، أن تقودي بنفسك
هذا الربيع السريع الى من تحبين
أي زمان تريدين، أي زمان
لأصبح شاعرة ، هكذا هكذا : كلما
مضت امرأة في المساء الى سرها
وجدت شاعرا سائرا في هواجسها
كلما غاص فس نفسه شاعر
وجد امرأة تتعرى أمام قصيدته


أي منفى تريدين ؟
هل تذهبين معي أم تسيرين وحدك
في اسمك منفى يكلل منفى
بلألا ئه ؟


هنالك حب يمر بنا ،
دون أن ننتبه ،
فلا هو يدري ولا نحن ندري
لماذا تشردنا وردة في جدار قديم
وتبكي فتاة على موقف الباص ،
تقضم تفاحة ثم تبكي وتضحك
" لا شئ لا شئ أكثر
من نخلة عبرت في دمي

هنالك حب فقير يطيل
التأمل في العابرين ، ويختار
أصغرهم قمرا : أنت في حاجة
لسماء أقل ارتفاعا ،
فكن صاحبي تتسع
لأنانية اثنين لا يعرفان
لمن يهديان زهورهما
ربما كان يقصدني ، ربما
كان يقصدنا دون أن ننتبه

هنالك حب

عبير جلال الدين
28-10-2006, 04:37 AM
الدكتورة سعاد محمد الصباح

قد كان بُوسعي،

- مثل جميع نساء الأرضِ

مغازلةُ المرآة

. . .

قد كان بوسعي،

أن أحتسي القهوة في دفء فراشي

وأُمارس ثرثرتي في الهاتف

دون شعورٍ بالأيّام.. وبالساعاتْ

. . .

قد كان بوسعي أن أتجمّل..

أن أتكحّل

أن أتدلّل..

أن أتحمّص تحت الشمس

وأرقُص فوق الموج ككلّ الحوريّاتْ

. . .

قد كان بوسعي

أن أتشكّل بالفيروز، وبالياقوت،

وأن أتثنّى كالملكات

. . .

قد كان بوسعي أن لا أفعل شيئاً

أن لا أقرأ شيئاً

أن لا أكتب شيئاً

أن أتفرّغ للأضواء.. وللأزياء.. وللرّحلاتْ..

. . .

قد كان بوسعي

أن لا أرفض

أن لا أغضب

أن لا أصرخ في وجه المأساة

قد كان بوسعي،

أن أبتلع الدّمع

وأن أبتلع القمع

وأن أتأقلم مثل جميع المسجونات

. . .

قد كان بوسعي

أن أتجنّب أسئلة التّاريخ

وأهرب من تعذيب الذّات

. . .

قد كان بوسعي

أن أتجنّب آهة كلّ المحزونين

وصرخة كلّ المسحوقين

وثورة آلاف الأمواتْ ..

. . .

لكنّي خنتُ قوانين الأنثى

واخترتُ مواجهةَ الكلماتْ ..

عبير جلال الدين
15-11-2006, 07:11 AM
من حكم المتنبى

وكَــاتِمُ الحُـبِّ يَـوْمَ البَيْـنِ مُنهَتِـك .... وصــاحِبُ الـدمعِ لا تَخْـفَى سـرائِرهُ


إنّـــي لأعلَــمُ وَاللبيــبُ خــبيرُ .......... أَنَّ الحيَــاةَ وإِنْ حَــرصْتُ غُــرورُ


وَقَنِعـــتُ باللُّقيـــا وأَوَّلِ نظــرَةٍ .......... إن القَليــلَ مِــنَ الحَــبيبِ كَثـيرُ


ذَرِ النَّفْسَ تَــأخُذْ وُسْـعَها قَبْـلَ بيْنِهـا ..... فمُفْــتَرِقٌ جــارانِ دارُهُمـا العُمْـرُ
وَلا تحْسَــبنَّ المَجْــدَ زِقًّــا وقيْنَـةً ....... فَمـا المَجْـدُ إلا السَّـيْفُ والفَتْكـة البِكْرُ


إِذا الفَضْـلُ لـم يَرْفَعكَ عَن شُكْرِ ناقصٍ ..... عـلى هِبَـةٍ فـالفَضْلُ فيمَـنْ لهُ الشُّكرُ
ومَـنْ يُنْفِـق السَّـاعاتِ فـي جَمْعِ مالِهِ ...... مَخافَــةَ فَقْــر فـالَّذي فَعَـلَ الفَقْـرُ

وإِنِّـي رأَيـتُ الضُّـرَّ أحسَـنَ مَنْظَـرًا ....... وأَهْـوَنَ مِـن مَـرْأَى صَغـيرٍ بِـهِ كِبْرُ


فَــلا تَــرَجَّ الخَــيْرَ عِنـدَ امْـرِئ ....... مَــرَّتْ يَــدُ النَخَّــاسِ فـي رَأسِـهِ
وَإِن عَــراكَ الشَــكُّ فــي نَفْسِــهِ ...... بِحالِـــهِ فــانْظُر إلــى جِنســهِ


عَلَيــكَ إِذا هــزِلْتَ مــعَ الليـالِي ..... وحَــولَكَ حـينَ تَسـمَنُ فـي هِـراشِ
.
.

فادي الفلسطيني
16-02-2007, 07:11 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عبير جلال الدين
27-03-2007, 08:52 PM
فادى الفلسطينى

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

مرحباً بكَ فى منتدى العز

.
.
.

عبير جلال الدين
27-03-2007, 08:56 PM
الشاعرة المصريه

إيمان البكرى

مفيش حاجة

مانيش عايز خلاص حاجة ولا محتاج انا لحاجة

ولو عايز صحيح حاجة مخليتوليش ولا حاجة

عموماً بصوا فيه حاجة …… هقولها بس محتاج لعقول تفهم..

ولو حاجة مهيش مفهومة او حاجة ….نفسرها بكام حاجة ..

نوضحها بكام حاجة وأهى حاجة مع حاجة هتظهر وتبان لنا حاجة

وانا ما بخفش من حاجة مانيش مسنودولا حاجة

لكن ما بخفش من حاجة لكن فرضاً لو هقول حاجة هيحصل إيه …

ولا حاجة .. هيعملوا إية…. ولا حاجة ولو بعد الشر ..

بعد الشر لو واحد من القاعدين من السامعين من الضالين فِهِم حاجة هَيعملوا إيه ؟؟؟؟

اكيد برضُه ولا حاجة ….فنتوكل على الستار لوجه الله نقول حاجة فيه

ناس بتعيش علشان حاجة وناس بتموت علشان حاجة وناس بتموت على الحاجة

وناس تديلك الحاجه وهى ليها محتاجه وناس تديلك الحاجه و تاخد قصادها ميت حاجه

وناس تكبر تكون حاجه و ناس تصغر علشان حاجه

وناس منظر ومش حاجة وتلقاه كبير حرس ونفير عليه منظر…

وهو جبان وشيخ منصر ولا يبـنش عليه حاجة

كلامى يا خلق فيه حاجة … لحد دلوقتى فيه حاجه؟ كلام عادى وبسيط جداً ..

ولا فِهشِ ولا حاجة

ما انا ما أقدرش أقول حاجه صحيح نفسى أقول حاجه وميت حاجه

لكن مش قادر اقول حاجة

لأنى لو هقول حاجه ..

هييجى ناس بتوع حاجه وياخدونى ورا الحاجة وهو لو سمع حاجه

هيعملوهالى ميت حاجه

عموما … بصو لو حد من القاعدين عايزنى أبلغه بحاجة يقول مايخفش من حاجة

نعم …… فيه إيه؟ …لالالالالأ مافيش سرقه ولا تهليب ولا تهريب ولا حاجة

وبتقول إيه…مصمصوا إيه…. وخصخصوا إيه….

ده كله كلام مفيش حاجه … قضية إيه … ياشيخ روح خلاص مافيش حاجه

حرامى إيه … ولَكّح إيه … وهرّب إيه؟ شــفـافـيـه مافيش حاجة

وبتقول إيه … لالالآلأ عـــيب لافيه تدليس ولاترقيص ولا تدبيس ولا حاجه

سمع مع هووووس انا حاسس انه فيه حاجة دقيقة سكات لَتبقى حداد

انا حاسس انه فيه حاجه

زمنكوا ياخلق فيه حاجه ولازموا كام وميت حاجه ده لو يعنى

إذا كان فيه حاجة انا عن نفسى مش حاسس ولا بحاجة ولا متضايق ولا حاجة

سعادتك برضه مش زَيـىِ مافيش حاجة ؟ …..

أهـه بيقول مافيش حاجة جنابك برضه مش زَيـىِ وعلشان زَيـىِ مافيش حاجة ..

أهـه بيضحك بيقول مافيش حاجة

ما أنا قولتلكو من الأول مافيش حاجة عليا النعمه يا اخوانّا مافيه حاجة

ورحمة ابويا ويّا أبوك على إللّى جابوك ما فيه حاجه

وعهد الله . وعهد الله. وعهد الله ما خللولنا ولا حاجه

بقولك إيه خـــلاص خلّص وفركش يا اخوانا

.
.

عبير جلال الدين
30-03-2007, 03:04 PM
قال الأصمعى:

أول العلم الصمت...والثانى حسن الإستماع...

والثالث جودة الحفظ.....والرابع احتواء العلم...

والخامس إذاعته ونشره...



قال بن تيمية:

ما يصنع أعدائى بى؟؟؟

أنا جنتى....وبستانى فى صدرى....وإن رحت فهى معى لا تفارقنى....

إن حبسى خلوة...وقتلى شهادة....وإخراجى من بلدى سياحة....


قال أبو الدرداء:

أنصف أذنك من فيك....

فإنما جُعلت لك أذنان وفم واحد....لتسمع أكثر مما تتكلم به...

قال أحد الحكماء:

يا بنى ذقت الطيبات كلها فلم أجد أطيب من العافية..

وذقت المرارات كلها فلم أجد أمر من الحاجة إلى الناس...

ونقلت الحديد والصخر فلم أجد أثقل من الدين..


سُئل لقمان يوما:


ممن تعلمت الحكمة؟؟

فقال من الجهلاء ... فكلما رأيت فيهم عيبا.. تجنبته...