المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكايات الأمثال ...



عبير جلال الدين
06-09-2006, 08:24 AM
حكايات الأمثال ::

عالم له وقعه الساحر،

وخيال يلامس الواقع الانساني عبر العصور المتلاحقة.

عالم من الامثال والحكم تحكي لنا تجارب قائليها.

معبرة عن ذوق رفيع وامتداد حضاري.


اكثر من الصديق فانك على العدو قادر


أول من قال هذا المثل هو أبجَرُ بن جابر العجلي.
وكان من خبره أنّ ابنه حجاراً كان نصرانياً، فرغب في الاسلام، فأتى أباه أبجر
فقال له: يا ابت انّي ارى قوماً دخلوا في هذا الدين ليس لهم مثل قدمي، ولا مثل آبائي فَشَرُفوا.
فقال: يا بُنَيَّ اذا أزمعت على هذا فلا تعجل حتى أقدم معك على عمر، فاوصيه بك.
وإن كنتَ لابدَّ فاعلاً، فخذ منى ما أقول لك: ايّاك وأن تكون لك همّةٌ دون الغاية القصوى وايّاك والسآمة.
فأنّك إن سئمت قد فتك الرجالُ خلف أعقابها.

واذا دخلت مصراً، فأكثر من الصديق، فأنّك على العدو قادر.

واذا حضرت باب السلطان، فلا تَنازعَنَّ بوّابَهُ على بابه, فأنَّ ايسَر ما يلقاك منه أنْ يعلَقَك اسماً يَسُبُّك به الناس.
واذا وصلت الى اميرك، فَبَوِّي لنفسك منزلاً يجملُ بك.
وايّاك أنْ تجلسَ مجلساً يقصرُ بك.
وإنْ أنتَ جالست اميرك، فلا تجالسه بخلاف هواه, فانك إن فعلت ذلك لم آمنْ عليك وإنْ لم تعجل عقوبتك أنْ ينفر قلبه عنك، فلا يزال منك منقبضاً.
وإيّاك والخُطَبَ، فإنها مشوا كثير العثار.
وإيّاك حلواً، فَتُزدَرَد، ولا مُرّاً فتُلفظُ.
واعلم أنّ أمثل القوم تقيةً الصابرُ عند نزول الحقائق الذّابُّ عن الحرب.

المشرف العام
07-09-2006, 11:15 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الابنة / حورية البحر
كالعادة موائدك دسمة وكريمة ومتنوعة وشهية.
هنيئاً لنا في " منتديات العز الثقافية " وجود هذه الموسوعة الثقافية التي تسمي نفسها بحورية البحر وهي نفس البحر بمكوناته وعالمه و مكنوناته.
بارك الله فيكِ وزادك علماً ونفعنا به.

عبير جلال الدين
07-09-2006, 05:25 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

الأُستَاذ أحمد عبد الباقي

بل هنيئاً لى تواجدى بينكم

هنيئاً لى بين من يقدر الكلمة والمعلومة

دائماً يشرفنى تواجدك فى صفحاتى

شكراً لكَ

عبير جلال الدين
07-09-2006, 05:28 PM
أَتْبِعِ الفرسَ لِجامَها

ذكر المُفَضَّلُ الضَّبِّيُّ رحمه الله أنَّ ضِرارَ بن عمرو الضبي أغار على كلب بن وبرة فسبى يومئذ سلمى بنت وائل امة عمرو بن ثعلبة.
فأدركه عمرو بن ثعلبة، وكان صديقاً له،
فقال له: أُنشدُكَ الاخاء والمودة، ألا رددت علىَّ أهلي.
فجعل ضرارٌ يردُّ عليه شيئا فشيئا، حتى بقيت سلمى، وكانت قد أعجبت ضراراً، فأبى أنْ يرُدَّها.
فقال له عمرو: يا ضرار! أتْبِعِ الفَرسَ لِجامَها.
فأرسلها مثلا.
وقيل: إنَّ ضرار بن عمرو المذكور آنفاً قاد قبيلة الى الشام، فأغار على قبيلة كلب بن وبرة، فأصاب فيهم وغنم وسبى الذراري.
فكان في السبي الرائعة، وهي قينة لعمرو بن ثعلبة وبنت لها تدعى سلمى بنت عطية بن وائل.
فسار ضرار بالغنائم والسبي الى نَجْد.
وقدم عمرو بن ثعلبة على قومه من سفر كان فيه، فأخبر خبر الغارة، فطلب بني ضبَّة, فلحقهم قبل أنْ يصلوا الى نَجْد،
فقال لضرار: رُدَّ علىَّ أهلي ومالي.
فاستجاب له.
ثم قال له: رُدَّ عليَّ قيناتي.
فرَدَّ عليه الرائعة، وحبس ابنتها سلمى.
فقال له عمرو: يا ابا قبيصة أَتْبِعِ الفرسَ لِجامَها.
فمضت مثلا.

المشرف العام
09-09-2006, 03:57 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


ويستمر طرح الفكر والعلم لنشر الوعي والثقافة.
هنا نلتقي لنرتقي.

عبير جلال الدين
09-09-2006, 08:15 AM
لقد كُنْتُ وما يُقادُ بِيَ البعيرُ

أوَلُّ مَنْ قالَهُ سَعْدُ بنُ زيدِ مناة مِن تميمٍ، وهو الفِزْرُ،
على ما ذكَرَه محمدُ بنُ حبيب.
يُضْرَبُ لِمَنْ ضَعُفَ بَعد قُوَّة.
ومِنْ خَبَرِهِ أنَّه كبِرَ حتَّى كان لا يُطيقُ رُكُوبَ البَعيرِ،
ولا يملِكُ رأسَهُ، إلّا أنْ يُقادَ بِهِ،
فقالَ ذلك لابنهِ صَعْصَعةَ وهو يقودُ بهِ، فذهبتْ مثلاً.

عبير جلال الدين
09-09-2006, 08:17 AM
تشمرت مع الجاري

يقال: تشمرت السفينة، اذا انحدرت مع الماء، وشمرتها انا اذا ارسلتها.
يضرب لما يستهان به وينسى.
اول من قاله كعب بن زهير بن ابي سلمى الشاعر ومن خبره ان كعبا واباه ركبا البحر في سفر، فانشد الاب ابنه قصيدته التي مطلعها:
أمِن اُمّ اوفى دفنة لم تكلَّمِ
وقال لابنه: دونك فاحفظها.
فقال: نعم
وامسيا، فلما اصبحا قال له: يا كعب ما فعلت العقيلة؟
يعني القصيدة.
قال: يا ابت انَّها تشمَّرت مع الجاري.
يعني نسيتها، فمرت مع الماء.
فاعادها عليه، وقال: ان شمرتها يا كعب شمَّرت بك على اثرها.
الجابة هي اسم المصدر من الاجابة، مثل الطاعة، والطاقة من الاطاقة.
وهذا المثل يضرب لمن يجيب على غير فهم.
واول من قاله سهيل بن عمرو.
واصله انّه كان لسهيل هذا ابن مضعوف من زوجه صفية بنت ابي جهل فسأله الاخنس بن شريف يوماً: أين أمّك؟ اي: اين تؤُمُ؟ والأمُّ هو القصد.
فظنه يقول له: اين أُمُّك؟
فقال له: ذهبت لتشتري دقيقاً.
فقال ابوه سهيل: اساء سمعاً فأساء جابةً.
فأرسلها مثلا.
فلما انصرف الى زوجه صفية أخبرها بما قال ابنها،
فقالت له: انت تبغضه.
فقال لها:

أشبَهَ امرؤ بعضَ بَزِّه.

فأرسلها مثلاً ايضا.
والبَزُّ هو ضربٌ من الثياب.

د. عمر هزاع
10-09-2006, 03:11 AM
يا سلاااااااااام

روعة .. روعة مواضيعك يا حورية
لا حرمناك أختاه ..

عبير جلال الدين
10-09-2006, 07:02 AM
المشرف العام
الأٍُستَاذ أحمد عبد الباقي
د. هزاع

مرحباً بكم


ويستمر طرح الفكر والعلم
لنشر الوعي والثقافة.
هنا نلتقي لنرتقي.

هذا ما نأمل له جميعاَ

تحياتِ الخالصة لكم

عبير جلال الدين
16-09-2006, 08:35 AM
إنَّ الجَبانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوقِهِ

الحتف: الهلاك، ولا يُبْنى مِنه فِعلٌ.
وخَصَّ هذه الجهة، لأنَّ التحرُّزَ مِمَّا يَنْزِلُ منَ السَّماءِ غيرُ مُمكِن.
يشير الى إنَّ الحتفَ الى الجَبانِ أسرَعُ مِنهُ الى الشُّجاع، لأنَّهُ يأتيهِ مِنْ حيثُ لا مَدْفَعَ له.
يُضرَبُ في قِلَّةِ نَفْعِ الحَذَرِ مِنَ القَدر.
أوَّلُ مَنْ قالَهُ عمرو بن أُمامة على ما قالَ ابنُ الكلبيّ.
وَمِنْ خَبَرِهِ أنَّ المُنذِرَ بنَ امرِئِ القَيْسِ تَرَوَّجَ هِنَد بِنتَ اكِلِ المُرار، فولدتْ له أولاداً منهم عَمْرو بنُ هندٍ المَلِكُ.
ثُمَّ تَزَوَّجَ أُختَها أُمامةَ، فَوَلَدَتْ له ابناً سَمّاهُ عَمْراً.
فلمّا ماتَ المُنذِرُ مَلَكَ بعدَهُ ابنُهُ عَمْرو بنُ هِندٍ، وقَسَمَ لِبَنِي أُمِّهِ مَمْلكَتَهُ، ولم يُعْطِ ابنَ أُمامةَ شيئاًَ.
فقصد ملِكاً مِنْ مُلوك حمير، لِيأخُذَ له بِحَقِّهِ، فأرسَلَ معه مُراداً، فلمّا كانوا بِبَعض الطريقِ تآمَروا وقالوا: مالنا نذهبُ ونُلقي أنْفُسَنا للهلكة.
وكان مُقَدَّم مرادٍ هُبيرة بن عبدِ يَغُوثَ المَكشُوحُ.
وَنَزلوا بِوادٍ يُقالُ له قَضِيب من أرضِ قَيْس عيلان في تِهامةَ، فثارَ المَكشُوحُ ومَنْ مَعَهُ بِعَمْرو بنِ أمامَةَ وهو لا يَشْعُرُ،
فقالت له زَوجُهُ: يا عَمْرو أُتِيتَ أُتِيتَ، سالَ قَضيبٌ بماءٍ أو حَديدٍ.
فَذَهبتْ مثلاً.
وكان عَمرُوٌ في تلك الليلةَ قد أعرْسَ بجاريةٍ مِنْ مُرادٍ،
فقالَ لها: غَيري نَفِّرِي.
أي: أنَّكَ قُلْتَ ما قُلْتِ لِتُنَفِّرِيني بِهِ.
فقالَ قَيْسٌ: يا أبا عَمْرٍو، ما بَعْدَ هذا عليكَ مِنْ لَوْم.
وَلَهِيَ عنه.

عبير جلال الدين
27-09-2006, 04:18 AM
إنَّ العَصا مِنَ العُصَيَّةِ

إنَّ العَصا مِنَ العُصَيَّة.

يضرب في تشبيه
أول مَنْ قاله الأفعى الجُرْهَميّ.

وذلك أنَّ نزاراً لمّا حضرته الوفاة جمع بنيه مُضَرَ واياداً وربيعة وأنمارا،
فقال لهم: يا بَنِيَّ هذه القبة الحمراء- وكانت مِن أدَم- لِمُضَر.
وهذا الفرس الأدهم والخباء الأسود لربيعة.
وهذه الخادِم- وكانت شمطاءَ- لإياد.
وهذه البَدَرةُ والمجلس لأنمارٍ يجلسُ فيه.
فإنْ أشكَلَ عليكم كيف تقتسمون، فائتوا الأفعى الجرهمي، ومنزله بنجران.
فتشاجروا في ميراثه، فتوجهوا الى الأفعى الجرهمي.
فبيناهم في مسيرهم إليه إذ رأى مُضَر أثر كلأً قد رُعِيَ،
فقال: إنَّ البعيرَ الذي رَعى هذا لَأعوَر.
قال ربيعة: إنّه لَأزوَر.
قال إياد: إنّه لَأبتَر.
قال أنمار: إنّه لَشَرود.
فساروا قليلاً، فإذا هم برجل ينشد جملة، فسألهم عنه.
فقال مضر: أ هُوَ أعور؟
قال: نعم.
قال ربيعة: أ هو أزوَر.
قال: نعم.
قال إياد: أ هو أبتَر؟
قال: نعم.
قال أنمار: أ هو شَرود؟
قال: نعم، وهذه واللهِ صفة بعيري، فَدلّوني عليه.
قالوا: واللهِ ما رأيناه.
قال: هذا واللهِ الكذب.
وتعلق بهم،
وقال: كيف أُصدقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته؟
فساروا حتى قدموا نجران، فلمّا نزلوا نادى صاحب البعير:
هؤلاء أخذوا جملي، ووصفوا لي صفته،
ثُمّ قالوا: لم نره.
فاختصموا الى الأفعى- وهو حكم العرب- فقال: كيف وصفتموه ولم تروه؟
قال مُضر: رأيته رعى جانباً، وترك جانباً، فعلمت أنَّه أعوَر.
وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والاخرى فاسِدَته، فعلمت أنّه أزوَر، لإنّه افسده بشدة وطئة لِازوارِه.
وقال إياد: عرفت أنَّه أبتَر، باجتماع بَعره، ولو كان ذيّالاً لَمَصع به.
وقال أنمار: عرفت أنَّه شَرود، لأنّه كان يرعى المكان المُلتفَّ نبته، ثُمَّ يَجوزه الى مكان أرَقَّ منه وأخبث نبتاً.
فقال الأفعى للرجل: ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه.
ثم سألهم: مَنْ أنتم؟
فأخبروه، فرحَّبَ بهم.
ثُمَّ أخبروه بما جاء بهم،
فقال: أتحتاجون إليَّ وأنتم كما أرى؟
ثُمَّ أنزلهم، فذبح لهم شاة، وأتاهم بخمر.
وجلس لهم حيث لا يُرى وهو يسمع كلامهم.
فقال ربيعة: لم أرَ كاليوم لحماً أطيب منه لولا أنَّ شاتَهُ غُذِيت بلبن كلبه.
فقال مضر: لم أرَ كاليوم خمراً أطيب منه لولا أنَّ حُبْلَتها نبتت على قَبر.
فقال إياد: لم أر كاليوم رجلاً أسرى منه لولا أنَّه ليس لأبيه الذي يُدعى له.
فقال أنمار: لم أرَ كاليوم كلاماً أنفعَ في حاجتنا مِن كلامنا.
وكان كلامهم بأذنه،
فقال: ما هؤلاء إلّا شياطين.
ثُمَّ دعا القهرمان، فقال: ما هذه الخمر؟ وما أمرها؟
قال: هي مِن حبلةٍ غرستها على قبر أبيك لم يكن عندنا شراب أطيب من شرابها.
وقال للراعي: ما أمر هذه الشاة؟
قال: هي عَناقٌ أرضعتها بلبن كلبة، وذلك أنَّ أُمَّها كانت قد ماتت، ولم يكن في الغنم شاة ولدت غيرها.
ثُمَّ أتى الأفعى إلى أُمِّه، فسألها عن أبيه.
فأخبرته أنّها كانت تحت ملك كثير المال، وكان لا يولد له.
قالت: فخفتُ أنْ يموت ولا ولد له، فيذهب الملك، فامكنت من نفسي ابن عم له كان نازلاً عليه.
فخرج الأفعى إليهم، فقصوا عليه قصتهم، وأخبروه بما أوصى به أبوهم.
فقال: ما أشبه القبة الحمراء من مال، فهو لِمُضر.
فذهب بالدنانير والإبل الحمر، فَسُمِيَّ مُضَرَ الحمراء لذلك.
وقال: وأمّا صاحب الفرس الأدهم والخِباء الأسود، فله كل شيء أسود.
فصارت لربيعة الخيل الأدهم، فقيل: ربيعةُ الفرس.
وقال: وما أشبه الخادم الشمطاء، فهو لإياد، فصار له الماشية البُلقُ مِن الحَبلَّق والنقد، فُسمِّيَ إياد الشمطاء.
وقضى لأنمار بالدراهم وبما فَضَل، فُسمِّيَ أنمار الفضل.
فصدروا مِن عنده على ذلك.
فقال الأفعى: إنَّ العَصا مِنَ العُصَيَّة، وإن خُشَيناً مِنْ أخشن، ومساعدة الخاطِلُ تَعدُّ مِنَ الباطل.
فأرسلهُنَّ مثلاً.
وخُشَين وأخشن جبلان: أحدهما أصغر مِنَ الآخر.
والخاطل: الجاهل، والخطل في الكلام اضطرابه.
والعُصَيَّة: تصغيرُ تعظيمِ مثل أنا عُذيقها المُرَجَّب وجُذَيلُها المُحكَّك والمراد أنَّهم يشبهون أباهم في جودة الرأي.

وقيل: إنَّ العَصا اسمُ فَرسٍ، والعُصَيَّة اسم أُمِّه.

يراد أنَّه يحكي الأمَّ في كَرم العرق وشرف العِتق.

المشرف العام
27-09-2006, 09:57 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سبق منذ فترة طويلة جدا أن قرأت هذه القصة، ويبدو أني نسيت كل تفاصيلها
وكأني أقرأها لأول مرة، فعرفت قصة هذا المثل.
بارك الله فيكِ وفي كل ما تقدمين.

وكـُـلِّ عـَـــام وأنـْتـُــــمْ بـِخـــــــــــــيــرْ.

عبير جلال الدين
17-10-2006, 12:11 AM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

الأستاذ أحمد عبد الباقى

كثيرا ما نقرأ أشياء مرّ على قراءتها فترة من الزمن

وحين نعيد قراءتها نراها بأفق أوسع وخيال أخصب

مرحبا بك دائماً

فى حكاياتى

تحياتى لكَ

عبير جلال الدين
17-10-2006, 12:17 AM
إنَّ البَيْعَ مُرْتَخَصٌ وغَالٍ

قالوا: أوَّلُ مَنْ قالَهُ أُحَيْحَةُ بنُ الجُلاح الأوْسِيُّ سيِّدُ يَثْرِب.
وخَبَرُهُ أنَّ قَيْسَ بنَ زُهيرٍ العَبْسِيَّ أتى أُحَيْحَةَ- وكان صديقاً له- لمَّا وقَعَ الشَّرُّ بينَهُ وبينَ عامِر، وخَرجَ الى المدينةِ، لِيتَجَهَّزَ لِقِتالِهِم حيثُ قَتَلَ خالِدُ بنُ جعفر زُهيرَ بن جَذيمَة، فقالَ قيسٌ لأحيحة: يا أبا عَمْرٍو نُبِّئْتُ أنَّ عِنَدكَ دِرْعاً فَبِعْنيِها أو هَبْها لي.
فقال: يا أخا بني عَبَسٍ، ليسَ مثلي يبيعُ السِّلاحَ ولا يفضل عنه.
ولولا أنِّي أكْرَهُ أنْ أسْتَلْئِمَ إلى بني عامِرٍ لَوَهَبْتُها لكَ، ولَحَمَلْتُكَ على سوابِقِ خَيْلي.
ولكِنِ اشْتَرِها بابْنِ لَبُونٍ فإنَّ البيعَ مُرْتَخَصٌ وغالٍ.
فأرْسَلَها مثلاً.
فقال له قيس: وما تْكرَهُ مِنْ استِلامك إلى بني عامِر؟
قالَ: كيفَ لا أكْرَهُ ذلكَ وخالِدُ بنُ جعفرٍ يقول:
إذا ما أرَدْتَ العِزَّ في دار يَثْرِبٍ
فَنادِ بصَوْتٍ يا أُحيحةُ تُمْنَعِ
رأينا أبا عَمْرٍو أُحيحةَ جارُهُ
يَبِيتُ قَرِيرَ العَيْنِ غيرَ مُرَوَّعِ
ومَنْ يأتِهِ مِنْ خائِفٍ يَنْسَ خَوْفَهُ
ومَنْ يأتِهِ مِنْ جائعِ البَطْنِ يَشْبَعِ
فضائلُ كانَتْ لِلْجُلاحِ قَديمة
وأكْرِمْ بفخرٍ مَنْ خِصالِكَ أرْبَعِ
.
.

عبير جلال الدين
20-11-2006, 06:12 AM
اسعَ بجَدِّكَ لا بكدِّكَ

اولُ من قال: اسعَ بجَدِّك لا بكدِّك هو حاتم بن عميرة الهمداني.

وهو يضرب لمن حظي بشيء دون سعي فيه، أو لمن أخفق في طلب شيء اجتهد فيه كثيراً.
وقصته أنَّ قائله حاتم بن عميرة الهمداني بعث ابنيه الحس وعاجنة في تجارة لوجهين مختلفين.
فلقي الحسلَ قومٌ من بني أسد اخذوا ماله وأسروه، ولم تنفعه مهارته في العيافة وزجر الطير شيئا.
وسار اخوه عاجنة الذي ليس له من معرفة الحسل وفطنته شيء، فوقع على مال غزير قبل أنْ يبلغ موضع متجره، فأخذه ورجع الى اهله، فتباشروا به، وانتظروا أخاه الحسل كثيراً غير أنَّه لم يعد اليهم.
وإذ أبطأ عليهم قلقوا وبعث أبوه اخاً له آخر من أبيه يدعى شاكراً، فجَدَّ في البحث عنه، حتى أخبرَ بمكانه، فاشتراه بأربعين بازلا، وهو ما أكمل الثامنة من الابل.
فلما رجع به خاسراً وهو العارف النبيه
قال له أبوه ساعةَ رآه: إسعَ بجَدِّك لا بكدِّك.
فذهبت كلمته مثلا.
وهذا المثل من أمثال القصص يشبه مثلاً من أمثال الحكم قاله الامام علي رضى الله عنه

هو: إذا أقبلت الدنيا على احد اعارَتْهُ محاسنَ غيره وإذا ادبرت عنه سلبتْهُ محاسنَ نفسه.
.
.

عبير جلال الدين
20-11-2006, 06:19 AM
إيّاكِ أعْني واسمَعي يا جارة

يضرب في التعريض بشيء والمراد غيره.
أوَّلُ مَنْ قاله نهشل بن مالك الفزاري.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ويُروى عن بعض العلماء أنَّ المثل لشهل بن مالك الفزاري قاله لأُخت حارثة بن لَأْمٍ الطائي.
وقال أبو عبيد البكري: إنّما هو نهشل بن مالك.
وقيل: لِسهلِ بن مالك.
وليس في العرب شهل بالشين، الّا شهل بن شيبان، وهو الفند الزمانيّ.
وكان مِنْ خبر نهشل بن مالك هذا أنّه خرج يريد النعمان بن المنذر، فمرَّ ببعض أحياء طيِّء، فسأل عن سيد الحي،
فقيل له: حارثة بن لَأْم.
فَأمَّ رَحْلَه، فلم يصبه شاهدا.
فقالت له أُخته: انزل في الرَّحب والسعة، حتى يلحق حارثة.
فنزل فأكرمت مثواه، وأحسنت قراه.
ورآها خارجة مِنْ خباء إلى خباء، فرأى جمالاً بهره وكمالاً فتنه.
وكانت عقيلة قومها، وسيدة نسائها.
فجعل لا يدري كيف يُعلمها بما في نفسه، ولا بما يوافقها مِنْ ذلك.
فجلس بفناء الخباء يوماً، وجعل ينشد:

يا أُختَ خيرِ البدوِ والحضارة
كيف تَرَيْنَ في فتى فزارة
أصبح يهوى طفلةً مِعطارة
إيّاكِ أعني واسمَعي يا جارة
فعرفت أنّه يعنيها،
فقالت: ما هذا بِقولِ ذي عقلٍ أريب، ولاذي رأيٍ مُصيب، ولا أنفٍ نجيب.
فأرسلها مثلاً أيضاً.
قال سعيد: فاني اردت تجربتك.
ثم كشف له عن الكبش، وأخبره بما لقي مِنْ إخوانه وثقاته، وماردُّوا عليه.
فقال خُزَيم: سَبَقَ السّيفُ العَدْلَ.

فذهبت مثلاً.
.
.

عبير جلال الدين
20-11-2006, 06:24 AM
أصبرُ مِنْ ذي ضاغِطٍ مُعَرَّك عن مضر

هذا المثل صدر بيت مِنَ الشعر، فهو مِنَ الأمثال الشعرية، ويضرب في تحمُّل الفوادح.
وأول مَنْ قاله سعيد بن أبان بن عيينة بن حصن الفزاري.
وحكايته أنَّ كلباً أوقعت ببني فزارة يوم العاه قبل اجتماع الناس على عبد الملك بن مروان، وقتلوا منهم نيفاً وخمسين رجلاً.
فبلغ ذلك عبد العزيز بن مروان، فأظهر الشماته، وكانت أُمُّه كلبية وهي ليلى بنت الأصبغ بن زبان.
فقال لأخيه بشر- وأُمُّه قطبة بنت بشر بن عامر بن مالك بن جعفر الفزارية أما علمت ما فعل أخوالي بأخوالك؟
قال بشر: وما فعلوا؟
فأخبره الخبر.
فقال: أخوالك أضيقُ أستاهاً مِنْ ذلك.
فجاء وفد فزارة الى عبد الملك يخبرونه بما صنع بهم، وأنَّ الحارث بن بجدلٍ الكلبي أتاهم بعهد مِنْ عبد الملك أنَّه مصدق، فسمعوا له وأطاعوا، فاغترهم فقتل منهم نيفاً وخمسين رجلا.
فأعطاهم عبد الملك نصف الحمالات، وضمن لهم النصف الباقي في العام المقبل فخرجوا، ودسَّ إليهم بشر بن مروان مالاً، فاشتروا السلاح والكراع.
ثُمَّ اغتروا كلباً ببنات قَيْن، فتعدّوا عليهم في القتل.
فخرج بشر حتى أتى عبد الملك وعنده عبد العزيز بن مروان، فقال له: أما بلغك ما فعل أخوالي بأخوالك؟
فأخبره الخبر.
فغضب عبد الملك لإخفارهم ذِمَّته وأخذِهم ماله، وكتب الى الحجاج يأمره إذا فرغ مِنْ أمر ابن الزيبر أنْ يوقع ببني فزارة.
فلمّا فرغ الحجاج مِنْ أمر ابن الزبير نزل ببني فزارة، فأتاه حَلحَلة بن قيس بن أشيم وسعيد بن أبان بن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، وكانا رئيسي القوم، فأخبراه أنَّهما صاحبا الأمر، ولاذنب لغيرهما.
فأوثقهما وبعث بهما الى عبد الملك.
فلمّا أُدخلا عليه قال: الحمد لله الذي أقاد منكما.
قال حلحلة: أما والله ما أقاد منِّي. ولقد نفضت وتري، وشفيت صدري وبردت وحري.
قال عبد الملك: مَنْ كان له عند هذين وتر يطلبه، فليقم إليهما.
فقام إليهما سفيان بن سويد الكلبي- وكان أبوه فيمن قتل يوم بنات قَيْن- فقال: يا حلحلة هل حسست لي سُوَيدا؟
قال: عهدي به يوم بنات قَيْن وقد انقطع خُرؤه في بطنه.
قال: أما واللهِ لأقتلنَّك.
قال: كذبتَ واللهِ. ما أنت تقتلني، وإنّما يقتلني ابنُ الزرقاء.
والزرقاء
فقال بشر: صبراً حَلحَل.
فقال حلحلة: إي والله.
أصبَرُ مِنْ عَودٍ بجنبه الجلب قد أثَّر البطان فيه والحقَب ثمّ التفت الى ابن سُوَيد، فقال: يا ابن استِها أجِد الضربة. فقد وقعتْ منّي بأبيك ضربةٌ أسلحَتَه.
فضرب ابنُ سُوَيد عنقه.
ثمّ قيل لسعيد بن أبان نحو ما قيل لِحَلحَلة، فردَّ مثلَ جوابه، فقام إليه رجل مِنْ بني عليم، ليقتله.
فقال له بِشر: صبراً يا سعيد.
فقال:
أصبرُ مِنْ ذي ضاغِطٍ مُعَرَّك
ألقى بَوانِيَ زَوْرِهِ للمَبْرَك
فذهب قوله مثلاً.
فضُربت عنقه، وأُلحق بصاحبه.
ويُروى مِنْ ذي ضاغط عركرك.
والمُعرَّك والعركرك هو البعير الغليظ القوي.
والضاغط هو الورم في إبط البعير شبه الكيس يضغطه.
ويقال: فلان جيِّد البَواني، إذا كان جيّدِ القوائمِ والأكتاف.
.
.
.

عبير جلال الدين
02-12-2006, 07:05 AM
أفتَجمعين خِلابةً وصُدودا

الخِلابة: الخِداع.
والصُّدود: يضرب في الجمع بين شرين.

أول مَنْ قاله جرير بن عطية بن الخَطَفى.
ومِن خبره أنّ الحجاج أراد قتل جرير
فمشت إليه مُضر،
فقالوا: أصلَحَ الله الأميرُ لسانَ مُضر وشاعرها. هبه لنا.
فوهبه لهم.
وكانت هند بنت أسماء بن خارجة
مِمَّن طلب فيه، فقالت للحجاج: إئذن
لي، فاسمع من قوله.
قال: نعم.

فأمر بمجلس له جلس فيه هو وهند، ثم بعث إلى جرير، فدخل وهو لا يعلم بمكان الحجاج،

فقالت له هند: يا ابن الخَطَفى. انشدني قولك في التشبيب.

قال: والله ما شببت بإمرأة قط، وما خلق الله شيئاً أبغضَ إليَّ مِن النساء.
ولكنِّي أقول في المديح ما بلغت، فان شئت اسمعتُكِ.

قالت: يا عدو نفسه فأين قولك:

يجري السِّواكُ على أغَرَّ كأنَّه ..... بَرَدَ تَحدَّر مِن متون غَمامِ

طرقتكَ صائدةُ القلوبِ وليس ذا ...... وقتَ الزيارة فارجعي بسلام

لو كنتِ صادقةَ الذي حدَّثتِنا ....... لَوصلتِ ذاك فكان غيرُ رِمامِ

قال جرير: لا واللهِ ما قلت هذا، ولكنِّي أقول:

لقد جَرَّدَ الحجّاج بالحقِّ سيفَهُ ....... ألا فاستقيموا لا يميلَنَّ مائلُ

ولا يستوي داعي الضلالةِ والهُدى .... ولا حُجَّةُ الخَصَمينِ حقٌّ وباطِلُ

فقالت هند: دع ذا عنك، فأين قولك:

خليلَيَّ لا تستشعرا النومَ إنَّني .... أُعيذُكُما باللهِ أنْ تجدا وَجدي

ظَمِئتُ إلى بَرْدِ الشرابِ وغَرَّني ..... جَدا مُزْنةٍ يُرجى جداها وما تُجِدي

قال جرير: بل أنا الذي أقول:

ومَنْ يأمنَ الحَجّاجَ أمّا عِقابُهُ ........ فَمَرٌّ وأمّا عَقْدُهُ فَوَثيقُ

لَخِفْتُكَ حتى أنزلَتنْي مخافَتي ....... وقد كان مِنْ دوني عَمايَةُ نِيقُ

يُسِرُّ لكَ البَغضاءُ كُلُّ مُنافِقٍ ........ كما كُلُّ ذي دينٍ عليكَ شفيقُ

قالت: دع ذا عنك ولكنْ هات قولك:

يا عاذِلَيَّ دعا الملامَةَ واقصِرا ..... طال الهوى وأطَلتُما التَفنيدا

إنِّي وجدتُكِ لو أردتِ زيادةً ........... في الحب منِّي ما وجدتِ مزيدا

أخَلِبْتِنا وصَدَدْت أُمَّ مُحَمَّدٍ ............ أفَتَجْمَعينَ خِلابةً وصُدُودا

لا يستطيع أخو الصَّبابةِ أنْ يُرى ..... حَجَراً أصَمَّ وأنْ يكونَ حَديدا
.
.

عبير جلال الدين
02-12-2006, 07:14 AM
آكُلُ لَحْمي ولا أدعهُ لِآكل

هذا المثل يضرب لمن ينتصر لذي صلة به وإن كان كارهاً له.

أوَّلُ مَنْ قاله العيار بن عبد الله الضبِّي، ثم أحد بني السيد بن مالك بن بكر بن سعد بنِ ضبَّة.
وكان من حديثه فيما ذكر المفضل أنّ العيّار وفد هو وحبيش بن دلف وضرار بن عمرو الضبيان على النعمان، فأكرمهم وأجرى عليهم نزُلا.
وكان العيار رجلاً بطّالاً يقول الشعر ويُضحك الملوك، وكان قد قال:
لا أذبح النازيَ الشَّبوب ولا أسلخ يوم المقامة العُنُقا.
وكان منزلهما واحداً، وكان النعمان باديا، فأرسل اليهم بِجُزُر فيهن تَيْسٌ، فأكلوهنَّ غير التيسِ، فقال ضرار للعيار- وهو أحدثهم سناً-: إنّه ليس عندنا مَنْ يسلخ هذا التيس، فلو ذبحته وسلخته، وكفيتنا ذلك.
قال العيار: ما أُبالي أنْ أفعل ذلك.
فذبحه وسلخه.
فانطلق ضرار الى النعمان، فقال له: أبيتَ اللعن، هل لك في العيار يسلخ تيساً؟
قال النعمان: أبعدَ ما قال؟
قال: نعم.
فأرسل اليه النعمان، فوجده الرسول يسلخ تيساً، فأتى به النعمان،
فقال له: أين قولك:
لا أذبح النازي الشَّبوب ولا أسلخ يوم المُقامةِ العُنُقا.
فخجل العيار وضحك النعمان منه ساعة.
وعرف العيار أنّ ضراراً دهاه.
واعتاد النعمان أنْ يجلس في الهاجرة في ظل سُرادقه، ويؤتى بطعامه.
وكان كسا ضراراً حُلّة مِنْ حُلله وهو شيخ اعرج بادن كثير اللحم.
فتربَّص العيار حتى كانت الساعة التي يجلس فيها النعمان في ظل سُرادقه، ويؤتى بطعامه، فعمد الى حُلّة ضرار تلك، فلبسها، وخرج يعارج، فلما صار بحيال النعمان كشف عن عورته فَخَرِئ.
فقال النعمان إذا رآه: مالضرار قاتله الله لايهابني عند طعامي؟
وغضب عليه وهَمَّ به،
فقال ضرار: أبيتَ اللعن. ما فعلت هذا، ولكنه العيار فعله لما ذكرت لك مِنْ سَلخهِ التيس.
فصدقه النعمان، وأنكر العيارُ، فوقع بنيهما كلام حتى تشاتما عند النعمان، ثم افترقا.
وبعد مدة اختصم ابو مرحب اليربوعي وضرار بن عمرو، وتناول اليربوعي ضراراً عند النعمان والعيار شاهد، فشتم اليربوعي وزجره،
فقال له النعمان: أتفعل هذا بأبي مرحب في ضرار وقد سمعتك تقول له شرّاً من قول ابي مَرحب؟
فقال العيار: أبيت اللعنَ وأسعدكَ إلاهُك آكُلُ لَحمي ولا أدعهُ لِآكل.
فأرسلها مثلاً.

فقال النعمان: لا يملك مولىً لمولىً نصرا.
فأرسلها مثلاً أيضاً.

وتقديره: لا يملك مولىً تَرْكَ نصرٍ لمولاه أو ادخاره له.
أي أنّه يغضب له، فلا يملك نفسه في ترك نصرته.

عبير جلال الدين
02-12-2006, 07:22 AM
إنَّ أخاك مَنْ آساكَ

يقال: آسيَتُ فلاناً بمالي أو غيره، إذا جعلته أسوة لك.
وواسيت: لغة ضعيفة فيه بَنَوها على يواسي.
ومعنى المثل هو أنَّ أخاك حقيقة هو مَنْ قدَّمك وآثرك على نفسه.
وهذا المثل يضرب في مراعاة الإخوان.
وأول مَنْ قاله خزيم بن نوفل الهمداني.
وخبره أنَّ النعمان بن ثواب العبدي ثُمَّ الشنِّي كان له ثلاثة أبناءهم: سعد، وسعيد، وساعدة.
وكان أبوهم ذا شرف وحكمة، وكان يوصيهم ويحملهم على أدبه.

أمّا ابنه سعد، فكان شجاعاً بطلاً من شياطين العرب لا يقام لسبيله ولم تفته طلبته قطّ، ولم يفر عن قرن.

وأمّا سعيد، فكان يشبه أباه في شرفه و سؤدده.

وأمّا ساعدة، فكان صاحب شراب ونَدامى وإخوان.

فلمّا رأى الشيخ حال بنيه دعا سعداً الذي هو صاحب حرب، فقال له: يا بُنَّي إنّ الصارم ينبو، والجواد يكبو، والأثر يعفو.
فإذا شهدتَ حرباً، فرأيت نارها تستعر، وبطلها يخطر، وبحرها يزخر، وضعيفها ينصر، وجبانها يجسر، فاقلل المكث والانتظار، فإنَّ الفرار غير عار إذا لم تكن طالب ثار، فإنّما يُنصرون هم.
وإيّاك أنْ تكون صيد رماحها، ونطيح نَطّاحها.

وقال لإبنه سعيد- وكان جواداً سيداً-: يا بُنَيَّ لا يبخل الجواد، فابذل الطارف والتلاد، وأقلِل التلاح، تُذكر عند السماح.
وابلُ إخوانك، فإنَّ وفيهم قليل.
واصنع المعروف عند مُحتمله.

وقال لإبنه ساعدة- وهو صاحب شراب-: يا بُنَّيَ إنَّ كثرة الشراب تفسد القلب، وتقلل الكسب، وتجدُّ اللعب.
فأبصِر نديمك، واحمِ حريمك، وأعِنْ غريمك.
واعلم أنَّ الظمأ القامح خير مِنَ الرِّيِّ الفاضح.
وعليك بالقصد فإنَّ فيه بلاغا.

ثُمَّ إنَّ أباهم النعمان بن ثواب توفي، فقال ابنه سعيد- وكان جواداً سيداً-: لآخذن بوصية أبي، ولأبلونَّ إخواني وثُقاتي في نفسي.
فعمد الى كبش فذبحه، ثُمّ وضعه في ناحية خِبائه، وغشاه ثوباً، ثُمَّ دعا بعض ثُقاته،
فقال: يا فلان إنَّ أخاك مَنْ وفى لك بعهده، وحاطك بِرِفده ونصرك بودِّه.
فقال ثقته: صدقتَ، فهل حدث أمر؟
قال: نعم، إنِّي قتلتُ فلاناً، وهو الذي تراه في ناحية الخباء، ولابُدّ مِنَ التعاون عليه حتى يوارى.
فما عندك؟
قال: يالها سوأة وقعت فيها.
قال: فإنَّني أُريد أنْ تُعينني عليه حتى أُغَيِّبه.
قال: لست لك في هذا بصاحب.
فتركه وخرج.
فبعث الى آخر مِنْ ثُقاته، فأخبره وسأله معونته، فردَّ عليه مثل ردِّ الأول، حتى بعث الى عدد منهم، كُلٌّ منهم أجاب جواب الأول.
ثُمَّ بعث الى رجل مِنْ إخوانه يقال له: خزيم بن نوفل، فلمّا أتاه قال له:
يا خزيم مالي عندك؟
قال: ما يسرُّك. وماذاك؟
قال: إنِّي قتلت فلاناً، وهو الذي تراه مُسجّى.
قال: أيسرُ خَطْبٍ. فتريد ماذا؟
قال: أريد أنْ تُعينني حتى أُغَيِّبَه.
قال: هانَ ما فَزعتَ فيه الى أخيك.
وكان معهما غلام لسعيد،
فقال خزيم: هل اطَّلع على هذا الأمر أحدٌ غير غلامك هذا؟
قال: لا.
قال: أُنظر ما تقول.
قال: ما قُلتُ إلّا حقّاً.
فأهوى خزيم الى غلام سعيد بالسيف فقتله،
وقال: ليسَ عبدٌ لكِ بأخٍ.
فأرسلها مثلاً.
وارتاع سعيد وفزع لقتل غلامه، فقال: ويحك ما صنعت؟
وجعل يلوم خزيما.
فقال خزيم: إنَّ أخاك مَنْ آساكَ.

عبير جلال الدين
02-12-2006, 07:26 AM
إنَّ أخي كان مَلِكي

فقال: أوّلُ مَنْ قاله أبو حنش التَّغلَبي.

قال أبو عمرو: إنَّ أباحنش التغلبي لمّا أدرك شرحبيل عَمَّ امرِئ القيس،

وكان شرحبيل قتل أخا أبي حنش قال: يا أبا حنش اللَبَن اللَبَنَ.

أي: خُذْ منِّي الدِّيةَ.

فقال له أبو حنش: هَرَقْتَ لَبناً كثيراً.

أي: قَتلتَ أخي.

فقال شرحبيل: أمَلِكاً بِسُوقة؟

أي: أتقتلُ مَلِكاً بدلَ سوقةٍ؟

فقال أبو حنش: إنَّ أخي كان مَلِكي.
.
.

حسام الهوبي
02-12-2006, 11:45 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

ما شاء الله زادك الله من علمه وبراكاته فتح عليك بالخير

عبير جلال الدين
04-12-2006, 10:44 PM
ابو سيف الدين

باركَ الله فيكَ

شكراً لكَ مرورك

تابعنا
.
.
.

عبير جلال الدين
13-12-2006, 06:51 AM
إن الشقيَّ وافِدُ البراجِم

البراجم جمع البُرجُمة، وهي مفصل الإصبع الذي بين الأشجع والراجبة،
وهو رأس السُّلامية مِنْ ظهر الكف إذا قبض القابض كفه نشز وارتفع.

والبُرجمة الإصبع الوسطى مِنْ كلِّ طائر.
والبراجم أحياء مِنْ بني تميم من ذلك.

وذلك أنَّ اباهم قبض أصابعه،
وقال: كونوا كبراجم يدي هذه،
أي: لا تفرقوا وذلك أعزُّ لكم.
قال أبو عبيدة: خمسة مِنْ أولاد حنظلة بن مالك بن عمرو بن تميم يقال لهم البراجم.
قال ابن الأعرابي: البراجم في بني تميم: عمرو، وقيس، وغالب, وكلفة، وظليم.
وهم بنو حنظلة بن زيد مناة تحالفوا على أنْ يكونوا كبراجم الأصابع في الاجتماع.
وهذا المثل يضرب في ما يجتلبه الإنسان على نفسه من البلاء.
وأوَّلٌ مَنْ قاله ملك الحيرة عمرو بن هند.
وكان مِنْ خبره أنْ سويد بن ربيعة التميمي قتل سعداً أخا الملك وهرب.
فحلف عمرو لَيُحرقنَّ بأخيه سعد مئة مِنْ تميم، فقتل تسعة وتسعين مِنْ بني دارِمٍ، وأحرقهم، وكان نازلاً في ديار بني تميم.
فمر رجل مِنْ البراجم، وراح رائحة حريقهم، فحسبه قُتار الشواء، فحال اليه.
فلمّا رآه عمرو قال له: مِمَّنْ أنت؟
قال: مِنَ البراجم.
فقال: فما جاء بك إلينا؟
قال: سطع اله الدخان وكنت قد طويت منذ أيام، فظننته طعاماً.
فقال عمرو: إنَّ الشقيَّ وافدٌ البَراجم.

فذهبت مثلاً.
وأمر به فأُلقي في النار، فَبَرَّتْ به يمينه.
ولُقِّبَ بالمحرق.

وكان الحارث بن عمرو ملك الشام مِنْ آل جَفْنة يُدعى بالمُحَرِّق أيضاً، وهو أوّلُ مَنْ حَرَّقَ العربَ في ديارهم.
وهكذا كان امرؤ القيس بن عمرو بن عدي اللخمي يُدعى.
وقال بعضهم: ما بلغنا أنَّه أصاب مِنْ بني تميم غيره، وإنّما أحرقَ النساء والصبيان.
وهذا يُردُّ على أبي عبيد القاسم بن سلام في أمثاله وأبي عبيد البكري في شرحه تلك الأمثال الموسوم بفصل المقال
قولهما: إنَّ تمام المئة كان امرأة هي الحمراء بنت ضمرة بن جابر.
.
.

عزووزي
19-12-2006, 09:45 PM
بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شكراً لك اخي الكريم على هذا المقال
معك اخوك عزوزي

عبير جلال الدين
21-12-2006, 03:36 AM
عزوزى

شكرا لمرورك

واهلا بك فى العز

نتمنى تفاعلك معنا ومشاركتك

تحياتى لك

عبير جلال الدين
21-12-2006, 03:46 AM
إنَّ العاشِيةَ تَهيجُ الآبِيةَ
معناه أنَّ الإبلَ التي لا تشتهي العشاء إذا رأت الإبل التي تتعشى اشتهت فأكلت معها.

وهو يضرب فيمن ينشط بنشاط صاحبه.

أوّلُ مَنْ قاله يزيد بن رُويم الشيبانيّ.

روى أبوبكر بن الأنباري

قال: حدثني أبي، حدثنا أبوبكر العبدي وأحمد بن عبيد

قالا: حدثنا ابنُ الأعرابي عن المُفضَّل

قال: خرج السُّلَيكُ يريد أنْ يغير في أُناسٍ مِنْ أصحابه،

فمرَّ على بني شيبان في ربيع والناس مُخصِبون في عشية فيها ضباب ومطر،

فإذا هو ببيتٍ قد انفرد مِنَ البيوت عظيم، وقد أمسى،

فقال لأصحابه: كونوا بمكانِ كذا حتى آتي هذا البيت، فلعلِّي أُصيب لكم خيراً أو آتيكم بطعام.

فانطلق إليه وقد أمسى، فإذا البيت بيت يزيد بن رُويم الشيباني،

وهو جد حوشب بن يزيد بن الحارث بن رُويم.

وإذا الشيخ وامرأته بفناء البيت، فاحتال السليك حتى دخل البيت مِنْ مؤخَّرِه،

فلم يلبث أنْ راح ابن الشيخ بإبلِه،

فلما رآه الشيخ غضب وقال: هَلّا كنتَ عشَّيتها ساعةً مِنَ الليل.

قال ابنه: أبت العشاء.

فقال الشيخ: إنَّ العاشِيةَ تَهيجُ الآبِية.

فأرسلها مثلاً.

ثُمَّ نفض الشيخ ثوبه في وجوهها، فرجعت الى مرتعها،

وتبعها الشيخ، حتى مالت لأدنى روضة فرتعت فيها.

وقعد الشيخ عندها يتعشّى، وقد خنس وجهه في ثوبه مِنَ البرد.

وتبعه السليك، فلمّا رآه مغتراً ضربه بالسيف مِنْ ورائه، فأطَنَّ رأسه وأطرد الإبلَ.

وقد بقي أصحاب السليك سيِّئةً ظنونهم، فإذا به يطرد الإبل، فأطردوها معه، وقال السليك في ذلك:

وعاشية رُحٍّ بِطانٍ ذَعَرتُها ..... بِثوبِ قَتيلٍ وَسْطَها يَتَسيَّفُ

كأنَّ عليه لونَ بُردٍ مُحَبَّرٍ ....... إذا ما أتاه صارخٌ مُتَلَهِّفُ

فبات له أهلٌ خلاءٌ فناؤهُم ........ ومَرَّت لهم طَيرٌ فلم يتعيَّفوا

وباتوا يظنون الظُّنونَ وصُحبتي ..... إذا ما عَلَوا نشزاً أهَلُّوا وأوجَفُوا

وما نِلتُها حتى تَصعْلَكَت حِقْبةً ......... وكِدتُ لأسبابِ المَنِيَّةِ أعرِفُ

وحتى رأيتُ الجوعَ بالصيفِ ضَرَّني ...... إذا قُمتُ غشاني ظِلالٌ فأُسدِفُ

الرحُّ: الواسعة الأخفاف.
ويتسيف: يضرب بالسيف، وكذلك يتسوط: تضرب بالسوط، وتتعصى: تضرب بالعصا.
لون بُردٍ مُحبَّر: مِنَ الدَّمِ.
والمتلهف: الذي يتلهف عليه لمّا وقع به مِنَ القتل.
وأهلُّوا: رفعوا أصواتهم.
وأوجفوا: استحثوا إبلهم. ووجف البعير وأوجف: أسرع.
ولأسباب المنية أعرف، أي: أصبر.
وما يكاد يجوع في الصيف لكثرة اللبن.
وأسدف: يظلم بصري مِنْ شدة الجوع.

ريمه الخاني
21-12-2006, 10:24 AM
السلام عليكم دائما بصمتك رائعة
سلمت يداك

عبير جلال الدين
29-12-2006, 03:14 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أم فراس ..

يسعدنى تواجدك فى أطروحاتى

صباحك مبدع دائما كما أنتِ
.

.

عبير جلال الدين
29-12-2006, 03:28 PM
إنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْراً
قاله النبي صلى الله عليه وسلم حين وَفَدَ عليه عَمْرو بن الأهتم والزِّبْرِقَانُ بن بدر
وقَيْسُ بن عاصم،
فسأل عليه الصلاة والسلام عمرَو بن الأهتم عن الزِّبْرِقان،
فقال عمرو‏:‏ مُطَاع في أَدْنَيْه ‏ شدِيدُ العارِضة، مانعٌ لما وَرَاء ظهره،
فقال الزبرقان‏:‏ يا رسول اللّه إنه لَيَعْلَم مني أكثَرَ من هذا، ولكنه حَسَدني،
فقال عمرو‏:‏ أما واللّه إنه لَزَمِرُ المروءة، ضَيّق العَطَن، أحمق الوالد، لئيم الخال،
واللّه يا رسول اللّه ما كَذَبْتُ في الأولى، ولقد صدقْتُ في الأخرى،
ولكني رجل رَضِيت
فقلت أحسنَ ما علمت، وسَخِطْتُ فقلت أقبحَ ما وجدت،
فقال عليه الصلاة والسلام
‏"‏إنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْراً‏"
‏ يعني أن بعض البيان يعمل عمل السحر،
ومعنى السحر‏:‏ إظهار الباطل في صورة الحق،
والبيانُ‏:‏ اجتماعُ الفصاحة والبلاغة وذكاء القلب مع اللسَنِ‏.

‏ وإنما شُبِّه بالسحر لحدَّة عمله في سامعه وسرعة قبول القلب له‏.‏

يضرب في استحسان المنطق وإيراد الحجَّة البالغة‏.‏

عبير جلال الدين
29-12-2006, 03:35 PM
إنَّ البُغَاثَ بأَرْضِنَا يَسْتَنْسِرُ

البغاث‏:‏ ضربٌ من الطير،
وفيه ثلاث لغات‏:‏ الفتح، والضم، والكسر، والجمع بِغْثَان،
قالوا‏:‏ هو طير دون الرَخمة،
واستنسر‏:‏ صار كالنسر في القوّة عند الصيد بعد أن كان من ضعاف الطير

يضرب للضعيف يصير قويا، وللذليل يعزّ بعد الذل‏.‏


إنَّ المُعَافَى غَيْرُ مَخْدُوعٍ

يضرب لمن يُخْدَع فلا يَنْخَدع والمعنى أن مَنْ عوفي مما خدع به لم يَضُره ما كان خُودِع به‏.‏

وأصلُ المثل أن رجلا من بني سُلَيم يسمى قادحا كان في زمن أمير يكنى أبا مظعون، وكان في ذلك الزمن رجل آخر من بني سليم أيضا يقال له سُلَيْط، وكان عَلِقَ امرأة قادح، فلم يزل بها حتى أجابته وواعدته، فأتى سُلَيْطٌ قادحاً وقال‏:‏ إني ‏ ‏ علقت جارية لأبي مظعون، وقد واعدتني، فإذا دخلتَ عليه فاقْعُدْ معه في المجلس، فإذا أراد القيامَ فاسبقه، فإذا انتهيت إلى موضع كذا فاصفر حتى أعلم بمجيئكما فآخذ حَذَري، ولك كل يوم دينار، فخدعه بهذا،
وكان أبو مظعون آخر الناس قياما من النادي ففعل قادح ذلك، وكان سُلَيْط يختلف إلى امرأته، فجرى ذكر النساء يوما، فذكر أبو مظعون جواريه وعَفَافهن،
فقال قادح وهو يعرض بأبي مظعون‏:‏
ربما غُرّ الواثق، وخُدِع الْوَامق، وكذب الناطق، ومَلَّتِ العاتق،
ثم قال‏:‏
لا تَنْطِقَنَّ بأمرٍ لا تَيَقَّنُهُ * ياعمرو، إنَّ المُعَافى غيرُ مخدوعِ

وعمرو‏:‏ اسم أبي مظعون، فعلم عمرو أنه يعرّض به، فلما تفرق القوم وثَب على قادح فخنقه وقال‏:‏ اصدقني، فحدثه قادح بالحديث، فعرف أبو مظعون أن سُلَيطا قد خدَعه،
فأخذ عمرو بيد قادح ثم مر به على جَوَاريه فإذا هن مُقْبلات على ماوكلن به لم يفقِدْ منهن واحدةً، ثم انطلق آخذا بيد قادح إلى منزله فوجد سُلَيطا قد افترش امرأته،
فقال له أبو مظعون‏:‏ إن المعافى غير مخدوع، تهكما بقادح،
فأخذ قادح السيفَ وشدَّ على سُلَيط، فهرب فلم يدركه،
ومال إلى امرأته فقتلها‏.‏

عبير جلال الدين
06-01-2007, 04:28 PM
إنَّ الدَّوَاهِيَ في الآفاتِ تَهْتَرِس
ويروى ‏"‏ترتهس‏"‏ وهو قلبُ تهترس من الهَرْسِ، وهو الدقّ،

يعني أن الآفات يموج بعضها في بعض ويدق بعضها بعضاً كثرة‏.‏

يضرب عند اشتداد الزمان واضطراب الفتن‏.‏

وأصله أن رجلا مر بآخر وهو

يقول‏:‏ يا ربِّ إما مهرةً أو مهراً،

فأنكر عليه ذلك، وقال‏:‏ لا يكون الجنين إلا مهرةً أو مهراً،

فلما ظهر الجنين كان مُشَيَّأَ الْخَلْقِ مختلفه،

فقال الرجل عند ذلك‏:‏

قَدْ طَرَّقَتْ بجنينٍ نصفُهُ فَرَسٌ

* إن الدواهِيَ في الآفاتِ تهترس *

عبير جلال الدين
06-01-2007, 04:36 PM
إنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ

هذا من كلام عِمْرَان بن حصين‏.‏
والمعاريض‏:‏ جمع الْمِعْرَاض،

يقال‏:‏ عرفتُ ذلك في معراض كلامه، أي فَحْوَاه‏.

‏ قلت‏:‏ أجود من هذا أن يقال‏:‏ التعريض ضدُّ التصريح،

وهو أن يُلْغِزَ كلامه عن الظاهر، فكلامه مَعْرض، والمعاريض جمعه‏.

‏ ثم لك أن تثبت الياء وتحذفها، والْمَندُحة‏:‏ السَّعَة، وكذلك النُّدْحَة،

يقال‏:‏ إن في كذا نُدْحَةً‏:‏ أي سَعَة وفُسْحة‏.‏

يضرب لمن يحسب أنه مضطر إلى الكذب



إنَّ السَّلاَمَةَ مِنْهَا تَرْكُ ما فيها

قيل‏:‏ إن المثل في أمر اللَقطة توجَد،

وقيل‏:‏ إنه في ذم الدنيا والحثِّ على تركها، وهذا في بيت أولهُ‏:‏

والنفسُ تَكْلَفُ بالدنيا وقد علمت .... أنَّ السلامة منها تَرْكُ ما فيها



إنَّ الهَوَان لِلَّئيمِ مَرْأمَة

المَرْأَمة‏:‏ الرِّئْمَانُ، وهما الرأفة والعطف‏.

‏ يعني إذا أكرمْتَ اللئيم استخفَّ بك، وإذا أهنته فكأنك أكرمته،

كما قال أبو الطيب‏:‏

إذا أَنْتَ أكرمْتَ الكريمَ ملكتَهُ .... وإنْ أَنْتَ أكرمْتَ اللئيمَ تمرَّدَا


وَوَضْعُ النَّدَى في مَوْضِع السيفِِ بالعُلاَ .... مُضِرّ كوضعِ السيف في موضع النَّدَى
.
.

عبير جلال الدين
03-09-2007, 10:04 PM
ألاَ مَنْ يَشْترِي سَهَراً بِنَوْمٍ‏

قالوا‏:‏ إن أول مَنْ قال ذلك ذو رُعَيْن الْحِمْيَري، وذلك أن حِمْيَر تفرقت على ملكها حسان، وخالفت أمره لسوء سيرته فيهم،

ومالوا إلى أخيه عمرو، وحملوه على قَتْل أخيه حَسَّان وأشاروا عليه بذلك ورغبوه في المُلْك، ووَعَدوه حسن الطاعة والموازرة، فنهاه ذو رُعَيْن من بين حمير عن قتل أخيه،

وعلم أنه إن قتل أخاه ندم ونَفَر عنه النوم وانتقض عليه أموره، وأنه سيعاقِبُ الذي أشار عليه بذلك، ويعرف غشهم له، فلما رأى ذو رُعَيْن أنه لا يقبل ذلك منه وخشي العواقب قال هذين البيتين وكتبهما في صحيفة وختم عليها بخاتم عمرو،

وقال‏:‏ هذه وديعة لي عندك إلى أن أطلبها منك، فأخذها عمرو فدَفَعها إلى خازنه وأمَرَه برفعها إلى الخزانه والاحتفاظ بها إلى أن يَسْأل عنه، فلما قَتَلَ أخاه وجلس مكانه في الملك مُنِعَ منه النومُ، وسُلِّط عليه السهر، فلما اشتد ذلك عليه لم يَدَعْ باليمن طبيبا ولا كاهنا ولا منجما ولا عرّافا ولا عائفا إلا جمعهم، ثم أخبرهم بقصته، وشكا إليهم ما به،

فقالوا له‏:‏ ما قَتَلَ رجل أخاه أو ذا رَحِم منه على نحو ما قتلت أخاك إلا أصابه السهر ومنع منه النوم، فلما قالوا له ذلك أقبل على مَنْ كان أشار عليه بقتل أخيه وساعده عليه من أقْيَال حِمْير فقتلهم حتى أفناهم، فلما وصل إلى ذي رُعَين

قال له‏:‏ أيها الملك إن لي عندك بَرَاءة مما تريد أن تصنع بي،
قال‏:‏ وما براءتك وأمانك‏؟‏
قال‏:‏ مُرْ خازنك أن يخرج الصحيفة التي استودعتكها يوم كذا وكذا، فأمر خازِنه فأخرجها فنظر إلى خاتمه عليها ثم فَضَّها
فإذا فيها‏:‏


ألاَ مَنْ يَشْتَري سَهَراً بِنَوْمٍ =سَعِيدٌ مَنْ يبيتُ قَرِيرَ عَيْنِ
فإمَّا حِمْيَر غَدَرَتْ وخانت= فَمَعْذِرَةُ الإله لِذِي رُعَيْنَ


ثم قال له‏:‏ أيها الملك قد نَهيتك عن قتل أخيك، وعلمتُ أنك إن فعلت ذلك أصابك الذي قد أصابك، فكتبت هذين البيتين بَرَاءة لي عندك مما علمت أنك تصنع بمن أشار عليك بقتل أخيك، فقبل ذلك منه، وعفا عنه، وأحسن جائزته‏.‏

يضرب لمن غمط النعمة وكره العافية‏.‏

( من كتاب مجمع الأمثال )

.
..
.

عبير جلال الدين
03-09-2007, 10:10 PM
بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبَى‏


هي جمع زُبْيَة‏.‏ وهي حُفْرة تُحْفَر للأسد إذا أرادوا صَيْده،

وأصلُها الرابية لا يَعْلُوها الماء، فإذا بلغها السيلُ كان جارفا مُجْحفاً‏.‏ يضرب لما جاوز الحد‏.‏

قال المؤرج‏:‏ حدثني سعيد بن سماك بن حَرْب عن أبيه عن ابن النعتنر

قال‏:‏ أُتِيَ مُعاذُ بن جبل بثلاثة نَفَر فتلهم أسد في زُبْيَة فلم يدر كيف يفتيهم،

فسأل علياً رضي الله عنه وهو مُحْتَبٍ بفِناء الكعبة،

فقال‏:‏ قُصُّوا عليَّ خبركم،

قالوا‏:‏ صِدْنا أَسَداً في زُبْية، فاجتمعنا عليه، فتدافع الناسُ عليها، فَرَمَوُا برجل فيها، فتعلق الرجل بآخَرَ، وتعلق الآخر بآخر، فَهَووْا فيها ثلاثتهم،

فقضَى فيها عليٌّ رضي الله عنه أن للأول رُبُعَ الدية، وللثاني النصف، وللثالث الدية كلها، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بقضائه فيهم،

فقال‏:‏ لقد أَرْشَدَكَ الله للحق‏.‏

( من كتاب مجمع الأمثال )
.
..
.

عبير جلال الدين
03-09-2007, 10:41 PM
أَبْلَغُ مِنْ قُسٍّ‏


هو قُسُّ بن ساعدة بن حُذَافة بن زُهَير ابن إياد بن نِزَار، الإيادي، وكان من حكماء العرب، وأَعْقَلَ من سُمِع به منهم،

وهو أول من كَتَب ‏"‏من فلان إلى فلان‏"
‏ وأول من أَقَرَّ بالبعث من غير علم،
وأول من قال ‏"‏أما بعد‏"‏
وأول من قال ‏"‏البينة على مَنْ ادَّعَى والميمينُ عَلَى من أنكر‏"‏

وقد عُمِّر مائةً وثمانين سنة،

قال الأعشى‏:‏


وَأَبْلَغُ من قُسِّ وأَجْرَى مِنَ الذي = بِذِي الغيل مِنْ خفَّانَ أَصْبَحَ خَادِرَا

وأخبر عامر بن شَرَاحيل الشعبيُّ عن عبد الله بن عباس أن وَفْدَ بكر بن وائل قَدِمُوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فَرَغ من حوائجهم

قال‏:‏ هل فيكم أحد يعرف قُسَّ بن ساعدة الإيادي ‏؟
‏ قالوا‏:‏ كلنا نعرفه،
قال‏:‏ فما فَعَلَ ‏؟‏
قالوا‏:‏ هلَكَ،

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ كأني به على جَمَل أحمر بعُكَاظ قائماً

يقول‏:

""‏ أيها الناس، اجْتَمِعُوا واسْتَمِعُوا وَعُوا، كل مَنْ عاش مات، وكل مَنْ مات فَاتَ، وكل ما هو آتٍ آت، إن في السماء لَخَبراً، وإن في الأرض لَعِبَراً، مِهَاد مَوْضُوع، وَسَقْف مَرْفوع، وبِحار تَمْوج، وتجارة تَرُوج، ولَيْل دَاجٍ، وسماء ذاتُ أَبْرَاجٍ، أَقْسَمَ قُسٌّ حقا لئن كان في الأرض رِضاً ليكونَنَّ بعده سخط، وإن للّه عَزَّتْ قُدْرته دِيناً هو أَحَبُّ إليه من دينكم الذي أنتم عليه، مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون ‏؟‏ أَرَضُوا فأقاموا، أو تُرِكُوا فناموا ‏؟ ""

‏ ثم أنشد أبو بكر رضي الله عنه شعراً حَفِظه له، وهو قوله‏:‏


في الذاهبين الأوَّلِيـ = ـنَ ‏ من القُرُونِ لنا بَصَائرْ
لما رأيت مَوَارِدا = للمَوْتِ ليس لها مَصَادِرْ
ورأيت قومي نَحْوَها = يَسْعَى الأصاغرُ والأكابرْ
لا يَرْجِعُ الماضي إِلىَّ = ولا من الباقين غَابِرْ
أَيْقَنْتُ أني لا مَحَـــــا =لَةَ حيثُ صار القومُ صائرْ

( من كتاب مجمع الأمثال )
.
..
.

أم سلمى
03-09-2007, 11:03 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تعلمين ولعى بالأمثال وحكاياتها
ومؤخرا نقلت هذا الموضوع
الفارق بين المثل والحكمة (http://www.al3ez.net/vb/showthread.php?t=23655)

ثم أضفت له حكاية مثل
أخطب من سحنان وائل

أستأذنك فى وضع رابط هذا هناك
بارك الله فيك
موسوعة جديدة تضيفيها للعز
بالتوفيق

بنت الرسالة
03-09-2007, 11:16 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موضوع روعة أختي العزيزة عبير جلال الدين ..

تستهويني هذه المواضيع :rolleyes:

اظممي سأكون من المتابعين و المترقبين هنا

لك كل الشكر

بنت الرسالة

عبير جلال الدين
04-09-2007, 07:20 AM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

العزيزة أم سلمى

مرحبا بكِ دائما

سعدت بتواجدك مع حكايات الأمثال

شكرا لكِ إضافة الرابط

تعلمى حرصى على أن يجد المتصفح

مبتغاه بسهولة ويسر

تابعينا مع تلك الحكايات لبلاغة وحكمة

من ملكوا نواصى اللغة وبديعها

.
..

بنت الرسالة

يالها من رسالة تنبئين بها

تابعى .. وتابعينا .. فإنا متابعيكِ

لعلها تكون وصلت الرسالة

خالص تقديرى لكِ
.
..
.

عبير جلال الدين
04-09-2007, 01:25 PM
أبْصَرُ مِنْ زَرْقَاءِ اليَمَامَةِ‏


واليَمَامة‏:‏ اسمُها، وبها سمي البلد، وذكر الجاحظ أنها كانت من بنات لُقْمَان ابن عاد،

وأن اسمها عنز، وكانت هى زَرْقَاء وكانت الزبَّاء زَرْقَاء، وكانت البَسُوس زرقاء،

قال محمد بن حبيبَ‏:‏ هى امرأة من جَدِيس، يعني زرقاء،

كانت تُبْصِر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام، فلما قَتَلَتْ جَدِيس طَسْماً خرج رجل من طَسْم إلى حَسَّان بن تُبَّع، فاستجاشه ورَغَّبه في الغنائم، فجهَّز إليهم جيشا، فلما صاروا من جَوّ على مسيرة ثلاث ليلٍ صعدت الزرقاء فنظرت إلى الجيش وقد أُمِرُوا أن يحمل كل رجل منهم شجرة يستتر بها ليلبِّسُوا عليها،

فقالت‏:‏ يا قوم قد أتتكم الشَّجَر، أو أتتكم حمير، فلم يصدقوها،

فقالت على مثال رجز‏:‏


أقْسِمُ باللّه لقد دَبَّ الشَّجَرْ = أو حِمْيَر قد أخَذَتْ شيئا يجر

فلم يصدقوها،

فقالت‏:‏ أحلف باللّه لقد أرى رَجُل، يَنْهَسُ كتْفاً أو يَخْصِفُ النعل فلم يصدقوها،

ولم يستعدُّوا حتى صَبَّحهم حَسَّان فاجتاحهم،

فأخذ الزرقاء فشقّ عينيها فإذا فيهما عُرُوق سود من الإثمِدِ، وكانت أولَ من اكتحل بالإثمد من العرب،

وهي التي ذكرها النابغة في قوله‏:‏


وَاحْكُمْ كَحُكْمِ فَتَاةِ الحيِّ إذْ نَظَرَتْ= إلى حمامٍ سِرَاعٍ وارِدِ الثَّمَدِ
.
..
.

أ/ محمد الغامدي
07-09-2007, 12:25 AM
أختي الكريمة عبير جلال الدين أهدي لك هذه الابيات :ـ
إنما الدنيا عبير ++++++++++++بين مبدأها ومحتضرها
فإذا ولت عبير ++++++++++++ولت الدنيا على أثرها


كل من في الأرض من عرب ++++++++++++*بين باديه إلى حضره
مستعير منها مكرمة++++++++++++++++++++++++يكتسيها يوم مفتخرة


والشكر موصول لكِ وللجميع

ملاحظة ( أصل الأبيات للشاعر علي بن جبلة يمدح فيها أبو دلف )

عبير جلال الدين
07-09-2007, 02:49 PM
إنما الدنيا عبير=بين مبدأها ومحتضرها

فإذا ولت عبير=ولت الدنيا على أثرها

كل من في الأرض من عرب=بين باديه إلى حضره

مستعير منها مكرمة=يكتسيها يوم مفتخرة

الأستاذ / كراع النمل

أكرمك الله أخجلتنى والله ...

وإكراما لصاحب تلك الأبيات الشاعر علي بن جبلة وللمدوح بها أبو دلف

أضيف أبيات المدح


يا دواء الأرض أن فسدت=ومديل اليسر من عسره
كل من فى الأرض من عرب=بين باديه إلى حضره
مستعير منك مكرمة=يكتسبها يوم مفتخره
إنما الدنيا أبو دلف=بين مبداه ومحتضره
فإذا ولى أبو دلف= ولت الدنيا على أثره

جزاك الله خيرا
.
..
.

عبير جلال الدين
07-09-2007, 02:54 PM
تَحْسَبُها حَمْقَاءَ وَهْيَ باخِسٌ‏


ويروى ‏"‏باخسة‏"‏ فمن روى باخس أراد أنها ذات بَخْس تَبْخَسُ الناسَ حقوقَهم،

ومن روى ‏"‏باخسة‏"‏ بناه على بَخَسَتْ فهي باخسة‏.

يقال‏:‏ إن المثل تكلم به رجلٌ من بني العَنْبَر من تميم، جاورته امرأة فنظر إليها
فحسبها حمقاء لا تعقل ولا تحفظ ولا تعرف مالها،

فقال العنبري‏:‏ ألا أخْلِطُ مالي ومَتَاعي بمالها ومتاعها ثم أقاسمها فآخذ خيرَ متاعها
وأعطيها الرديء من متاعي،

فقاسمها بعد ما خَلَط متاعه بمتاعها،

فلم ترض عند المُقَاسَمة حتى أخَذَتْ متاعها، ثم نازعته وأظهرت له الشكوى حتى افْتَدَى منها بما أرادت، فعُوتِبَ عند ذلك،

فقيل له‏:‏ اخْتَدَعْتَ امرأة، وليس ذلك بِحَسَنِ،

فقال‏:‏ تحسَبُها حَمْقَاء وهي باخسة‏.‏

يضرب لمن يتباله وفيه دهاء‏.‏

( من كتاب مجمع الأمثال )
.
..
.

عبير جلال الدين
13-09-2007, 08:59 PM
تَجُوعُ الحُرَّةُ وَلاَ تَأكُلُ بِثَدْيَيْهَا‏

أي لا تكون ظِئْراً وإنْ آذاها الجوع، ويروى ‏"‏ولا تأكل ثدييها‏"‏

وأول من قال ذلك الحارث بن سليل الأسَدِي، وكان حليفا لعَلْقَمَة بن خَصَفة الطائي،

فزارَُه فنظر إلى ابنته الزَّبَّاء - وكانت من أجمل أهل دهرها - فأعْجِبَ بها،
فقال له‏:‏ أتيتُكَ خاطبا، وقد ينكح الخاطب، ويدرك الطالب، ويمنح الراغب،
فقال له علقمة‏:‏ أنت كُفْءٌ كريم، يقبل منك الصَّفْو، ويؤخذ منك العَفْو، فأقِمْ ننظر في أمرك،
ثم انكفأ إلى أمها
فقال‏:‏ إن الحارث بن سليل سيدُ قومه حَسَبا ومَنْصِباً وبيتا، وقد خطب إلينا الزبَّاء فلا ينصرفَنَّ إلا بحاجته،
فقالت امرأته لابنتها‏:‏ أيُّ الرجالِ أحبُّ إليك‏:‏ الكَهْلُ الجَحْجَاح، الواصِلُ المَنَّاح، أم الفتى الوَضَّاح ‏؟
‏ قالت‏:‏ لا، بل الفتى الوضاح،
قالت‏:‏ إن الفتى يُغِيرُك، وإن الشيخ يَمِيرُك، وليس الكَهْل الفاضل، الكثيرُ النائِل، كالحديث السنِّ، الكثير المَنِّ،
قالت‏:‏ يا أمتاه إن الفَتَاة تحبُّ الفتى كحبِّ الرعاء أنِيقَ الكَلاَ،
قالت‏:‏ أي بُنَية إن الفتى شديد الحِجاب، كثير العِتاب،
قالت‏:‏ إن الشيخ يُبْلِي شبابي، ويدنس ثيابي، ويُشْمت بي أترابي،
فلم تزل أمها بها حتى غلبتها على رأيها، فتزوجها الحارث على مائة وخمسين من الإبل وخادم وألف درهم، فابْتَنَى بها ثم رَحَل بها إلى قومه، فبينا هو ذاتَ يوم جالسٌ بفِناء قومه وهي إلى جانبه إذ أقبَلَ إليه شَبَابٌ من بني أسد يعتلجون فتنفَّست صُعَداء، ثم أرْخَتْ عينيها بالبكاء،
فقال لها‏:‏ ما يُبْكِيكِ‏؟‏
قالت‏:‏ مالي وللشيوخ، الناهضين كالفُرُوخ،
فقال لها‏:‏ ثَكِلَتْكِ أمُّكِ تَجُوع الحرة ولا تأكل بثدييها‏.‏
قال أبو عبيد‏:‏ فإن كان الأصل على هذا الحديث فهو على المثل السائر ‏"‏لا تأكل ثدييها‏"‏ وكان بعضُ العلماء يقول‏:‏ هذا لا يجوز، وإنما هو ‏"‏لا تأكل بثدييها‏"‏
قلت‏:‏ كلاهما في المعنى سَوَاء، لأن معنى ‏"‏لا تأكل ثدييها‏"‏ لا تأكل أجْرَةَ ثدييها،
ومعنى ‏"‏بثدييها‏"‏ أي لا تعيش بسبب ثَدْييها وبما يُغِلاَّن عليها‏.‏

ثم قال الحارث لها‏:‏ أما وأبيك لرُبَّ غارةٍ شهدتها، وسَبِيَّة أردفتها، وخَمْرة شربتها،
فالحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك،
وقال‏:‏


تَهَزَّأت أنْ رَأتْنِي لابساً كِبَراً= وغايةُ الناس بين المَوْتِ والكِبَرِ
فإن بقيتِ لقيتِ الشَّيْبَ راغمَةً =وفي التعرُّفِ ما يمضي من العِبَرِ
وإن يكن قد عَلاَ رأسي وغَيَّره= صَرْفُ الزمانِ وتغييرٌ من الشَعرِ
فقد أرُوحُ للذَّاتِ الفَتَى جَذِلا= وَقَدْ أصِيبُ بها عِيناً من البَقَرِ
عَنِّي إليكِ فإني لا تُوَافِقُنِي= عُورُ الكلام ولا شُرْبٌ على الكَدَرِ

يضرب في صيانة الرجل نفسه عن خسيس مكاسب الأموال‏.‏

( من كتاب مجمع الأمثال )
.
..
.

عبير جلال الدين
03-10-2007, 11:20 PM
تَجْمَعِيَن خِلاَبَةً وَصُدُوداً‏

يضرب لمن يجمع بين خَصْلَتَيْ شَرٍّ‏.‏

قالوا‏:‏ هو من قول جرير بن عطية، وذلك أن الحجاج بن يوسف أراد قتله، فمشت إليه مُضَرُ
فقالوا‏:‏ أصلح الله الأمير ‏!‏ لسانُ مضر وشاعرُها، هَبْه لنا، فوهَبه لهم، وكانت هند بنت أسماء بن خارجة ممن طلب فيه،
فقالت للحجاج‏:‏ ائذن لي فأسْمَعَ من قوله،
قال‏:‏ نعم، فأمر بمَجْلِسٍ له وجلس فيه هو وهند، ثم بعث إلى جرير فدخل وهو لا يعلم بمكان الحجاج،
فقالت‏:‏ يا ابن الْخَطَفَى أنْشِدْنِي قولَك في التشبيب،
قال‏:‏ واللّه ما شَبَّبْتُ بامرأة قطُّ، وما خلَق اللّه شيئاً أبْغَضَ إليّ من النساء، ولكني أقول في المديح ما بلغكِ، فإن شئت أسمعتُكِ،

قالت‏:‏ يا عدوَّ نفِسه فأين قولك‏:‏


يَجْرِي السواكُ على أغَرَّ كأنَّهُ = بَرَدٌ تحدَّرَ من مُتُونِ غَمامِ
طَرَقَتْكَ صائدةُ القلوبِ ولَيْسَ ذا = وَقْتَ الزيارة فَارْجِعِي بسلام
لو كُنْتِ صَادِقَةَ الذِي حَدَّثْتِنَا = لَوَصَلْتِ ذاك فكان غيرَ رِمَامِ


قال جرير‏:‏ لا والله ما قلت هذا، ولكني أقول‏:‏


لقد جَرَّدَ الحجاجُ بالحقِّ سيفَه = ألا فاسْتَقِيُموا لا يَمِيلَنَّ مَائِلُ
ولا يَسْتَوِي دَاعِي الضلالةِ والْهُدَى= ولاَحُجَّة الخصمين حَقٌّ وبَاطِلُ

فقالت هند‏:‏ دَعْ ذا عنك، فأين قولك


خليليّ لاَ تَسْتَشْعِرَا النومَ، إنني = أعيذُكُما باللّه أن تَجِدَا وَجْدِي
ظَمِئْتُ إلى بَرْدِ الشَّرَابِ وغَرَّني= جَدَامُزْنَةٍ يُرْجَى جَدَاها وَمَا تُجْدِي


قال جرير‏:‏ بل أنا الذي أقول‏:‏


ومَنْ يأمَن الحجَّاجَ، أما عِقَابُهُ= فَمُرّ، وأما عَقْدُه فَوَثِيقُ
لَخِفْتُكَ حَتَّى أنْزَلَتْنِي مَخَافَتِي= وَقَدْ كانَ مِنْ دُونِي عَمَايَة نِيق
يُسِرُّ لك البَغْضَاء كلُّ مُنَافِقٍ= كما كلُّ ذِي دِينٍ عليك شَفِيقُ


قالت‏:‏ دَعْ ذا عنك، ولكن هات قولك‏:‏


يا عاذليّ دَعَا المَلاَمة وَاقْصِرَا= طَالَ الهَوَى وأطَلْتُمَا التَّفِنيدَا
إني وَجَدْتُكِ لَوْ أرَدْتِ زِيَارةً= في الحبِّ مِنِّي ما وَجَدْتِ مَزِيدَا
أخَلَبْتِنَا وَصَدَدْتِ أمَّ محمدٍ=أفَتَجْمَعِيَن خِلاَبةً وصُدُودَا
لا يستطيعُ أخو الصبابة أن يُرَى=حَجَراً أصمَّ وأن يكون حَدِيدَا
.
..
.

عبير جلال الدين
11-10-2007, 08:36 PM
أَتْيَهُ مِنْ فَقِيدِ ثَقِيفٍ‏

قالوا‏:‏ كان بالطائف في أول الاسلام أخَوَانِ فتزوَّج أحدُهما امرأةً من كُنَّة ثم رامَ سفَرا فأوصى الأخَ بها، فكان يتعهَّدُها كل يوم بنفسه، وكانت من أحسن الناس وَجْهاً، فذهبت بقلبه فَضَنِىَ وأخذت قوته حتى عجز عن المشي، ثم عجز عن القعود،
وقَدِمَ أخوه فلما رآه بتلك الحال قال‏:‏ مالك يا أخي‏؟‏ ما تجد‏؟‏

قال‏:‏ ما أجد شيئاً غير الضعف فبعث أخوه إلى الحارث بن كَلْدَةَ طبيبِ العرب، فلما حضر لم يجد به علَّة من مرض، ووقع له أن ما به من عشق، فدعا بخمر
‏ وفَتَّ فيها خبزا، فأطعمه إياه ثم أتبعه بشَرْبة منها، فتحرك ساعةً ثم نغص رأسه ورفع عَقيرتَه بهذه الأبيات‏:‏


ألمَّا بي على الأبْيَا = تِ بِالْخِيفِ نَزُرْهُنَّهْ
غَزَالٌ ثَم يَحْتَلُّ = بها دُورَ بني كُنَّهْ
غَزَال أحْوَرُ الْعَيْنَيْ=ن فِي مَنْطِقِةِ غُنَّهْ
فعرف أنه عاشق، فأعاد عليه الخمر، فأنشأ يقول‏:‏
أيها الجِيَرةُ اسْلَمُوا = وَقِفُوا كي تَكَلَّمُوا
خرجت مزنة من الـ= ـبَحْرِ ‏ رَيَّا تُحَمْحِمُ
هِيَ مَا كُنَّتِي وتز= عُمُ أنِّي لَهَا حَمُ


فعرف أخوه ما به،
فقال‏:‏ يا أخي هي طالق ثلاثا فتزوجْهَا،
فقال‏:‏ هي طالق يوم أتزوجها، ثم ثاب إليه ثائب من العقل والقوة ففارق الطائف حضرا،
وهاَمَ في البر فما رُؤي بعد ذلك،
فمكث أخوه أياما ثم مات كَمَداً على أخيه، فضرب به المثل، وسمى فقيد ثقيف‏.‏
.
..
.

عبير جلال الدين
11-10-2007, 09:28 PM
جاوِرِينَا وَاخْبُرِينَا‏

قال يونس‏:‏ كان رجلان يتعشَّقان امرأةً، وكان أحدُهما جميلا وَسيما، وكان الآخر دَميما تقتحمه العين،

فكان الجميلُ منهما يقول‏:‏ عاشرينا وانظري إلينا،
وكان الدميم يقول‏:‏ جاوِرِينا واخْبُرِينا،

فكانت تُدْنِي الجميلَ، فقالت‏:‏ لأختبرنَّهما،

فقالت لكل واحد منهما أن يَنْحَر جَزُورا، فأتتهما متنكرة، فبدأت بالجميل فوجَدَتْه عند القِدْرِ يَلْحَس الدسَم ويأكل الشحم، ويقول‏:‏ احتفظوا كلَّ بيضاء لِيَهْ، يعني الشحم، فاستطعمته فأمر لها بِثَيْلِ الجَزور، فوضع في قصعتها،

ثم أتت الدَّمِيم فإذا هو يَقْسِم لحم الجزور ويُعْطي كل مَنْ سأله، فسألته فأمر لها بأطايِبِ الجزور، فوضع في قصعتها،

فرفعت الذي أعطاها كلُّ واحدٍ منهما على حِدَة، فلما أصبحا غَدَوَا إليها فوضَعَت بين يدي كل واحد منهما ما أعطاها، وأقصت الجميل، وقربت الدميم، ويقال‏:‏ إنها تزوجته‏.‏

يضرب في القبيح المنظر الجميل المَخْبَر‏.‏
.
..
.

(من كتاب مجمع الأمثال )

عبير جلال الدين
15-10-2007, 04:39 PM
جَوِّعْ كَلْبَكَ يَتْبَعْك‏


ويروى ‏"‏أجِعْ كلبك‏"‏ وكلاهما يضرب في معاشرة اللئام وما ينبغي أن يعاملوا به‏.‏

قال المفضل‏:‏ أول من قال ذلك مَلِك من ملوك حِمْيَر كان عنيفا على أهل مملكته‏:‏
يَغْصِبُهم أموالهم، ويَسْلُبهم ما في أيديهم، وكانت الكَهَنة تخبره أنهم سيقتلونه، فلا يَحْفِل بذلك، وإن امرأته سمعت أصوات السؤال

فقالت‏:‏ إني لأرْحَم هؤلاء لما يَلْقَوْن من الجَهْد، ونحن في العيش الرَّغد، وإني لأخاف عليك أن يصيروا سِبَاعا، وقد كانوا لنا أتباعا، فرد عليها

‏"‏جَوِّعْ كلبك يتبعك‏"‏
وأرسلها مثلا،
فلبث بذلك زمانا، ثم أغزاهم فغنموا ولم يَقْسِمْ فيهم شيئا، فلما خرجوا من عنده قالوا لأخيه وهو أميرهم‏:‏ قد ترى ما نحن فيه من الجَهْد، ونحن نكره خروجَ المُلْكِ منكم أهلَ البيت إلى غيركم فساعِدْنا على قتل أخيك، واجلس مكانه، وكان قد عَرَف بَغْيه واعتداءه عليهم،

فأجابهم إلى ذلك، فوثَبوا عليه فقتلوه، فمر به عامر بن جذيمة وهو مقتول وقد سمع بقوله

‏"‏جوع كلبك يتبعك‏"‏

فقال‏:‏ ربما أكل الكلب مؤدِّبه إذا لم ينل شبعه ، فأرسلها مثلا‏.‏

.
..
.

عبير جلال الدين
19-10-2007, 02:44 PM
الحَدِيثُ ذُو شُجُون‏

أي ذو طُرُقٍ، الواحدُ شَجْنٌ بسكون الجيم،
والشواجن‏:‏ أودية كثيرة الشجر، الواحدةُ شَاجِنة،
وأصلُ هذه الكلمة الاتصالُ والالتفاف، ومنه الشجنة،
والِشَّجْنَةُ‏:‏ الشجرة الملتفة الأغصان‏.‏
يضرب هذا المثل في الحديث يُتَذَكر به غيره‏.‏

وقد نظم الشيخ أبو بكر علي بن الحسين القهستاني هذا المثَلَ ومثلاً آخر في بيت واحد،
وأحسن ما شاء، وهو‏:‏


تَذَكَّرَ نَجْداً والحديثُ شُجونُ = فَجُنَّ اشْتِيَاقاً والجُنُوُنُ فُنُونُ

وأول من قال هذا المثل ضَبَّة بن أدّ ابن طابخة بن إلياس بن مُضَر ، وكان له ابنان يقال لأحدهما سَعْد وللآخر سعيد، فنقرت إبل لضبة تحت الليل،
فَوَجَّه ابنيه في طَلَبها، فتفرقا فوجَدَها سَعْد، فردَّها، ومضى سعيد في طلبها فلقيه الحارث بن كعب، وكان على الغلام بُرْدَانِ فسأله الحارث إياهما، فأبى عليه، فقتله وأخذ بُرْدَيْه، فكان ضبة إذا أمسى فرأى تحت الليل سَوَاد
ا قال‏:‏ أسَعْد أم سعيد‏؟‏ فذهب قوله مثلا يضرب في النجاح والخيبة ،
فمكث ضبة بذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم إنه حجَّ فوافى عُكَاظ فلقي بها الحارث بن كعب ورأى عليه بُرْدَىْ ابنه سعيد، فعرفهما،
فقال له‏:‏ هل أنت مُخْبِرِي ما هذان البردان اللذان عليك‏؟‏
قال‏:‏ بلى لقيتُ غلاما وهما عليه فسألتهُ إياهما فأبى علي فقتلته وأخذتُ بُرْدَيه هذين،
فقال ضبة‏:‏ بسيفك هذا‏؟
‏ قال‏:‏ نعم،
فقال‏:‏ فأعْطِنِيه أنظر إليه فإني أظنه صارما، فأعطاه الحارث سيفه، فلما أخَذَه من يده هَزَّهُ، وقال‏:‏ الحديثُ ذو شجون، ثم ضربه بِهِ حتى قتله،
فقيل له‏:‏ يا ضبة أفي الشهر الحرام‏؟
‏ فقال‏:‏ سَبَقَ السيف العذل ، فهو أول مَنْ سار عنه هذه الأمثال الثلاثة‏.

‏ قال الفرزدق


لاتأمنَنَّ الحربَ إنَّ اسْتِعَارَها =كَضَبَّةَ إذ قال‏:‏ الْحَدِيثُ شُجُونُ‏
.
..
.

عبير جلال الدين
19-10-2007, 02:55 PM
الحَرْبُ سِجَالُ

المُسَاجلة‏:‏ أن تَصْنَع مثلَ صنيع صاحبك من جرى أو سقى،
وأصله من السَّجْل وهو الدَّلْو فيها ماء قل أو كثر،
ولا يقال لها وهي فارغة سَجْل،

قال الفضل بن العباس بن عُتْبة ابن أبي لَهَب‏:‏


منْ يُسَاجِلْنِي يُسَاجِلْ ماجدا = يَمْلأَ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ

وقال أبو سفيان يوم أحد بعد ما وقعت الهزيمة على المسلمين‏:‏ اعْلُ هُبَلُ اعْلُ هُبَلُ،
فقال عمر‏:‏ يا رسول اللّه ألا أجيبه‏؟
‏ قال‏:‏ بلى يا عمر،
قال عمر‏:‏ اللّه أعْلى وأجَلّ،
فقال أبو سفيان‏:‏ يا ابن الخطاب إنه يومُ الصَّمْت يوما بيوم بدر،
وإن الأيام دُوَل، وإن الحرب سِجَال.
فقال عمر‏:‏ ولا سَوَاء، قَتْلاَنا في الجنة وقَتْلاَكم في النار،
فقال أبو سفيان‏:‏ إنكم لتزعمون ذلك، لقد خِبْنَا إذَنْ وخَسِرْنا‏.
.
..
.
(من كتاب مجمع الأمثال‏)

عبير جلال الدين
02-11-2007, 07:23 PM
أَحْمَقُ مِنْ حُجَا‏

هو رجل من فَزَارة، وكان يكنى أبا الغُصْن‏.‏

فمن حُمْقه أن عيسى بن موسى الهاشمي مَرَّ به وهو يَحْفر بظهر الكوفة مَوْضِعاً،
فقال له‏:‏ مالَكَ يا أبا الغُصْن‏؟‏
قال‏:‏ إني قد دَفَنْتُ في هذه الصحراء دراهمَ ولستُ أهتدي إلى مكانها،
فقال عيسى‏:‏ كان يجب أن تجعل عليها عَلاَمة،
قال‏:‏ قد فعلتُ،
قال‏:‏ ماذا‏؟‏
قال‏:‏ سَحَابة في السماء كانت تُظِلها، ولستُ أرى العلامة‏.‏


ومن حمقه أيضاً أنه خرج من منزله يوما بغَلَس فعَثَر في دِهْليز منزِلِه بقتيل،
فضَجِرَ به وجَرَّه إلى بئر منزله فألقاه فيها، فنُذِرَ به أبوه فأخرجه وغَيَّبه وخَنَق كبشاً حتى قَتَلَه وألقاه في البئر،
ثم إن أهل القتيل طافُوا في سِكَك الكوفة يبحثون عنه،
فتلقَّاهم جُحَا فقال‏:‏ في دارنا رجلٌ مقتول فانظروا أهو ‏ صاحبكم، فعَدَلُوا إلى منزله وأنزلوه في البئر، فلما رأى الكبش ناداهم
وقال‏:‏ يا هؤلاء، هل كان لصاحبكم قَرْن‏؟‏ فضحكوا ومروا‏.‏


ومن حمقه أن أبا مُسْلم صاحبَ الدولة لما ورَد الكوفة
قال لمن حوله‏:‏ أيكم يعرف جُحَا فيدعوَهُ إلي‏؟‏
فقال يقطين‏:‏ أنا، ودعاهُ، فلما دخل لم يكن في المجلس غير أبي مسلم ويقطين،
فقال‏:‏ يا يقطين أيكما أبو مسلم‏؟‏

.
..
.

عبير جلال الدين
02-11-2007, 07:37 PM
خَالِفْ تذْكَرْ‏

قال المفضل بن سلمة‏:‏ أول من قال ذلك الحُطَيئة، وكان ورَد الكوفة فلقي رجلا

فقال‏:‏ دُلَّني على أفتى المصر نائلا،
قال‏:‏ عليك بعُتَيْبَةَ بن النَّهَاس العِجْلي، فمضى نحو داره‏.‏ فصادفه،
فقال‏:‏ أنت عتيبة‏؟
‏ قال‏:‏ لا،
قال‏:‏ فأنت عَتَّاب‏؟
‏ قال‏:‏ لا،
قال‏:‏ إن اسمك لشَبِيه بذلك،
قال‏:‏ أنا عتيبة فمن أنت‏؟
‏ قال‏:‏ أنا جَرْوَل،
قال‏:‏ ومن جَرْوَل‏؟
‏ قال‏:‏ أبو مُلَيكة،
قال‏:‏ والله ما ازْدَدْت إلا عَمًى،
قال‏:‏ أنا الحُطَيئة،
قال‏:‏ مرحَباً بك،
قال الحطيئة‏:‏ فحدِّثْنِي عن أشعر الناس مَنْ هو،
قال‏:‏ أنت،
قال الحطيئة‏:‏ خالِفْ تُذْكَرْ، بل أشعر مني الذي يقول‏:‏


ومَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ من دون عِرْضِهِ= يَفِرْهُ، ومَنْ لا يَتَّقِ الشتمَ يُشْتَمِ

ومن يَكُ ذا فَضْلٍ فَيَبْخَلْ بفَضْلِهِ= على قومِهِ يُسْتَغْنَ عنه ويُذْمَمِ

قال‏:‏ صدقت، فما حاجتك‏؟‏
قال‏:‏ ثيابك هذه فإنها قد أعجبتني، وكان عليه مُطْرَف خزوجبة خز وعمامة خز‏.‏ فدعا بثيابٍ فلبسها ودفع ثيابه إليه،
ثم قال له‏:‏ ما حاجتك أيضاً‏؟
‏ قال‏:‏ مِيرَةُ أهلي من حَبٍّ ‏ وتمر وكسوة، فدعا عَوْناً له فأمره أن يَمِيرَهم وأن يكسو أهله،
فقال الحطيئة‏:‏ العَوْدُ أَحْمَدُ ثم خرج من عنده
وهو يقول‏:‏


سُئِلْتَ فلم تَبْخَلْ ولَمْ تُعْطِ طَائِلاً = فسِيَّانِ لا ذَمٌّ عَلَيْكَ ولا حَمْدُ‏‏

.
..
.

عبير جلال الدين
18-11-2007, 07:12 PM
خَيْرُ الغِنَى القُنُوعُ، وَشَرُّ الفَقْرِ الْخُضُوعُ‏


قاله أوس بن حارثة لابنه مالك،

قالوا‏:‏ يراد بالقُنُوع القَنَاعة، والصحيح أن القُنُوع السؤال والتذلل للمسألة،
يقال‏:‏ قَنَعَ - بالفتح - يَقْنَعُ قُنُوعا،

قال الشماخ‏:‏


لَمَالُ الْمَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِى=مَفَاقِره أعَفُّ مِنَ الْقُنُوعِ

يعني من مسألة الناس،
وقال بعض أهل العلم‏:‏ القُنُوعُ يكون بمعنى الرضا،

وأنشد


وقَالُوا قد زُهِيتَ فقلْتُ كَلاَ=ولكنِّي أعَزَّنيَ القُنُوعُ

والقانع‏:‏ الراضي، قال لبيد‏:‏


فمنهم سَعِيدٌ آخِذٌ بنَصِيبه=ومنْهُمْ شَقِيٌّ بالمعيشة قَانِعُ

قال‏:‏ ويجوز أن يكون السائلُ سمى قانعاً لأنه يرضى بما يُعْطَى قل أو كثر،
فيكون معنى القناعة والقنوع راجعا إلى الرضا‏

( من كتاب مجمع الأمثال )
.
..
.

عبير جلال الدين
18-11-2007, 07:40 PM
ذَكَّرْتَنِي الطَّعْنَ وكُنْتُ نَاسِياً‏

قيل‏:‏ إن أصله أن رجلا حَمَلَ على رجل ليقتله، وكان في يد المحمول عليه رُمْح فأنساه الدهش والجزَعُ ما في يده،

فقال له الحامل‏:‏ ألْقِ الرمْحَ،
فقال الآخر‏:‏ إنَّ معي رمحا لا أشعر به‏؟‏ ذكَّرْتَنِي الطَّعْنَ وكُنْتُ نَاسِياً‏ ،
وحمل على صاحبه فطعنه حتى قتله أو هَزَمه،

يضرب في تذكر الشيء بغيره‏.‏

يقال‏:‏ إن الحامل صَخْر بن مَعَاوية السُّلَمي، والمحمول عليه يزين بن الصَّعِق‏.‏

وقال المفضل‏:‏ أول من قاله رهيم بن حزن الهلالي، وكان انتقل باهله وماله من بلده يريد بلدا آخر، فاعترضه قوم من بني تغلب فعرفوه وهو لا يعرفهم،

فقالوا له‏:‏ خَلِّ ما معك وانجُ،
قال لهم‏:‏ دونَكم المال ولا تعرضوا للحُرَم،
فقال له بعضهم‏:‏ إن أردْتَ أن نفعل ذلك فألقِ رمحك،
فقال‏:‏ وإنَّ معي لَرُمْحاً‏؟‏ فشدَّ عليهم فجعل يقتلهم واحداً بعد واحد وهو يرتجز
ويقول‏:‏

رُدُّوا علي أقْرَبِهَا الأقاصِيَا

إنَّ لها بِالْمَشْرَفِّي حَادِياَ

ذكَّرْتَنِي الطَّعْنَ وَكُنْتُ نَاسِيَا
.
..
.
( من مجمع الأمثال )

عبير جلال الدين
01-12-2007, 10:01 PM
ذَهَبَ أَمْسِ بِمَا فِيهِ‏

أول من قال ذلك ضَمْضَم بن عمرو اليَرْبُوعي ،
وكان هَوِىَ امرأةً، فطلبها بكل حيلة، فأبت عليه، وقد كان غر بن ثعلبة ابن يربوع يختلف إليها، فاتبع ضمضمٌ أثَرَهما وقد اجتمعا في مكان واحد فصار في خَمَر إلى جانبهما يراهما ولا يريانه، فقال غر‏:‏


قديماً تُوَاتِيِني وتأبى بنفسها = على المرء جَوّاب التَّنُوفَةِ ضَمْضَمِ

فشد عليه ضمضم فقتله، وقال‏:‏


ستعلم أني لست آمن مبغضا =وأنَّكَ عَنْهَا إن نأيْتَ بمَعْزِلِ

فقيل له‏:‏ لِمَ قتلت ابن عمك‏؟‏ قال‏:‏ ذهب أمس بما فيه ، فذهب قولُه مثلاً‏.‏


اذْكُرْ غَائِباً يَقْتَرِبْ‏

ويروى ‏" ‏اذْكُرْ غائبا تَرَه ‏"‏ قال أبو عبيد‏:‏ هذا المثل يروى عن عبد اللّه بن الزبير أنه ذكر المُخْتَار يوما وسأل عنه،
والمختار يومئذ بمكة قبل أن يَقْدَمَ العراق، فبينا هو في ذكره إذ طَلَع المختار،

فقال ابن الزبير‏:‏ اذْكُرْ غائبا يَقْتَرِبْ‏ .‏
.
..
.
( من مجمع الأمثال )

عبير جلال الدين
01-12-2007, 10:25 PM
رُبَّ أَخٍ لَكَ لَمْ تَلِدْهُ أمُّكَ‏

يروى هذا المثلُ لِلُقْمَان بن عَاد، وذلك أنه أقبل ذاتَ يومٍ فبينا هو يسير إذ أصابه عَطَش،
فهجَم على مِظَلَّة في فنائها امرأة تُدَاعب رجلا، فاستسقى لقمان،
فقالت المرأة‏:‏ اللبَنَ تَبْغِي أم الماء‏؟‏
قال لقمان‏:‏ أيهما كان ولا عِدَاء ، فذهبت كلمته مثلا،
قالت المرأة‏:‏ أما اللبن فخَلْفك وأما الماء فأمامَكَ،
قال لقمان‏:‏ المَنْعُ كان أوْجَزَ ، فذهبت مثلا،
قال‏:‏ فبينا هو كذلك إذ نظر إلى صبي في البيت يَبْكي فلا يُكْتَرَث له ويَسْتَسقِى فلا يُسْقى،
فقال‏:‏ إنْ لم يكن لكم في هذا الصبي حاجة دفَعْتُمُوه إلي فكَفَلْته،
فقالت المرأة‏:‏ ذاك إلى هانئ، وهانئ زوجها،
فقال لقمان‏:‏ وهانئ من العَدَد ‏؟‏ فذهبت كلمته مثلا،
ثم قال لها‏:‏ مَنْ هذا الشاب إلى جَنْبك فقد علمته ليس ببَعْلك‏؟‏
قالت‏:‏ هذا أخي،
قال لقمان‏:‏ رُبَّ أخٍ لك لم تلده أمك ، فذهبت مثلا،
ثم نظر إلى أثر زوجها في فَتْل الشعر فعرف في فتله شَعْرَ البِناء أنه أعْسَر،
فقال‏:‏ ثكلَتْ الأعَيْسِرَ أمه، لو يعلم العِلْمَ لطال غَمُّه ، فذهب مثلا،
فذُعِرَتِ المرأة من قوله ذعراً شديداً، فعرضت عليه الطعام والشراب، فأبى
وقال‏:‏ المبيت على الطَّوَى حتى تَنَالَ به كريمَ المَئْوَى خيرٌ من إتيان ما لا تَهْوَى ، فذهبت مثلا،


ثم مضى حتى إذا كان مع العشاء إذا هو برجل يسوق إبلَه وهو يرتجز ويقول‏:‏


رُوحِي إلى الحيِّ فإنَّ نَفْسِي =رَهِينَةٌ فيهم بِخَيْرِ عِرْسِ
حُسَّانَةُ المُقْلَةِ ذَاتُ أنْسِ = لا يُشْتَرَى اليومُ لها بأمْسِ

فعرف لقمان صوته ولم يَرَه، فهتف به‏:‏
يا هانئ، يا هانئ، فقال‏:‏ ما بالُكَ‏؟‏ فقال‏:‏


يَا ذَا البِجَادِ الحلكة = والزَّوْجَةِ المُشْتَركَهْ
عِشْ رُوَيْداً أبْلُكَهْ = لَسْتَ لِمَنْ لَيْسَتْ لَكَهْ

فذهبت مثلا، قال هانئ‏:‏ نَوِّرْ نَوِّرْ، لله أبوك،
قال لقمان‏:‏ عليَّ التنوير، وعليك التَّغيير، إن كان عندك نكير، كل امرئ في بيته أمير ، فذهبت مثلا،
ثم قال‏:‏ إني مَرَرْتُ وبي أُوَام فَدُفِعْتُ إلى بيت فإذا أنا بامرأتك تغازل رجلا، فسألتها عنه، فزعَمَتْهُ أخاها، ولو كان أخاها لجلَّى عن نفسه وكفاها الكلام،
فقال هانئ‏:‏ وكيف علمت أن المنزل منزلي والمرأة امرأتي‏؟‏
قال‏:‏ عرفت عَقَائِقَ هذه النوق في البناء، وبوهدة الخلية في الفِناء، وسَقْب هذه الناب، وأثَرِ يدك في الأطناب،
قال‏:‏ صدقتني فِدَاك أبي وأمي، وكذبتني نفسي، فما الرأي‏؟‏
قال‏:‏ هل لك علم‏؟‏
قال‏:‏ نعم بشأني،
قال لقمان‏:‏ كل امرئ بشأنه عليم ، فذهبت مثلا،
قال له هانئ‏:‏ هل بقيَتْ بعد هذه‏؟
‏ قال لقمان‏:‏ نعم،
قال‏:‏ وما هو‏؟‏
قال‏:‏ تَحْمِي نفسك، وتحفظ عِرْسَك،
قال هانئ‏:‏ أفعل،
قال لقمان‏:‏ مَنْ يَفْعلِ الخير يَجِد الخبر ، فذهبت مثلا،
ثم قال‏:‏ الرأيُ أن تقلب الظهرَ بَطْناً والبَطْنَ ظهراً، حتى يستبين لك الأمر أمراً،
قال‏:‏ أفلا أعاجِلُها بِكَيَّةٍ، توردها المنية،
فقال لقمان‏:‏ آخر الدَّوَاء الكَيُّ ، فأرسلها مثلا، ثم انطلَقَ الرجلُ حتى أتى امرأته فقصَّ عليها القصة، وسل سيفه فلم يزل يضربها به حتى بَرَدَتْ‏.‏

.
..
.
( من مجمع الأمثال )

عبير جلال الدين
09-12-2007, 04:21 AM
رَجَعَ بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ‏

قال أبو عبيد‏:‏ أصلُه أن حُنَيناً كان إسكافا من أهل الحِيرة، فساوَمَه أعرابي بخُفَّين،
فاختلفا حتى أغْضَبه، فأراد غَيْظَ الأعرابي، فلما ارتَحَلَ الأعرابي أخذ حنينٌ أحدَ خفيه وطَرَحه في الطريق، ثم ألقى الآخر في موضع آخر،

فلما مرَّ الأعرابي بأحدهما قال‏:‏ ما أشبه هذا الْخفَّ بخف حنين ولو كان معه الآخر لأخذته، ومضى، فلما انتهى إلى الآخر نَدِمَ على تركه الأولَ، وقد كَمنَ له حنينٌ، فلما مضى الأعرابي في طلب الأول عمد حنينٌ إلى راحلته وما عليها فذهب بها، وأقبل الأعرابي وليس معه إلا الخُفَّانِ، فقال له قومه‏:‏ ماذا جئت به من سفرك‏؟‏ فقال‏:‏ جئتكم بِخُفَّيْ حُنَين، فذهبت مثلاً‏.‏

يضرب عند اليأس من الحاجة والرجوع بالخيبة‏.‏
وقال ابن السكيت‏:‏ حنين كان رجلا شديداً ادَّعَى إلى أسد بن هاشم بن عبد مناف فأتى عبد المطلب وعليه خُفَّانِ أحمرانِ فقال‏:‏ يا عم أنا ابنُ أسد بن هاشم، فقال عبد المطلب‏:‏ ‏
لا وثيابِ ابن هاشم، ما أعرف شمائل هاشم فيك، فارجع، فرجَع،
فقالوا‏:‏ رجع حنين بخفيه ، فصار مثلا‏.‏
.
..
.

عبير جلال الدين
25-12-2007, 08:48 PM
ذَاكَ أَحَدُ الأحَدِينَ‏

قال ابن الأعرابي‏:‏ هذا أبْلَغُ المَدْحِ،
قال‏:‏ ويقال ‏"‏إحدى الإحَدِ‏"‏ كما تقول‏:‏ واحد لا نَظِيرَ له،
ويقال‏:‏ فلان وَاحدُ الأحَدِينَ، ووَاحِدُ الآحادِ،
وقولهم ‏"‏هذا إحْدَى الإحَدِ‏"‏ قالوا‏:‏ التأنيث للمبالغة، بمعنى الداهية،

وأنشدوا‏:‏


عَدُّونِيَ الثَّعْلَبَ فِيمَا عَدَّدُوا= حَتَّى اسْتَثَارُوا بِيَ إحْدَى الإحَدِ


يضرب لمن لا نهاية لدهائه، ولا مِثْلَ له في نَكْرَائه‏.‏



اسْتَرَاحَ مَنْ لاَ عَقْلَ لَهُ‏

يقال‏:‏ إن أول مَنْ قال ذلك عمرو بن العاص لابنه،

قال‏:‏ يا بني،
والٍ عادلٌ خير من مطر وابل، وأسد حَطومٌ خير من والٍ ظلوم، ووالٍ ظلومٌ خير من فتنة تدوم‏.‏

يا بني عَثْرَة الرِّجْلِ عَظْم يُجْبَرُ، وعثرة اللسان لا تُبْقِي ولا تَذَر، وقد استراح من لا عقل له‏.‏

قال الراعي‏:‏ ‏


أَلِفَ الهمومُ وِسَادَهُ وَتَجَنَّبَتُ = كَسْلاَنَ يُصْبِحُ في المَنَامِ ثَقِيلاَ


وقال بعض المتأخرين‏:‏ مستراح من لا عقل له‏.‏
.
..
.

عبير جلال الدين
27-12-2007, 04:28 PM
رُبَّ رَمْيَةٍ مِنْ غَيْرِ رَامٍ‏


أي‏:‏ رُبَّ رميةٍ مصيبة حَصَلت من رام مخطئ، لا أن تكون رمية من غير رام، فإن هذا لا يكون قط‏.‏
وأول من قال ذلك الْحَكَم بن عَبْد يَغُوث المنقري ، وكان أرمى أهلِ زمانه، وآلى يمينا ليذبَحَنَّ على الغَبْغَبِ مَهَاة، ويروى ليدجنَّ، فحمل قوسَه وكِنانته، فلم يصنع يومه ذلك شيئاً، فرجع كئيباً حزيناً، وبات ليلته على ذلك، ثم خرج إلى قومه فقال‏:

‏ ما أنتم صانعون فإني قاتلُ نفسي أسفاً إن لم أذبحها اليوم‏؟‏ ويروى أدجها،

فقال له الحُصَيْن بن عبد يَغُوث أخوه‏:‏ يا أخي دج مكانها عَشْراً من الإبل ولا تقتل نفسك،

قال‏:‏ لا واللاتِ والعُزَّى لا أظلم عاترة، وأترك النافرة،

فقال ابنه المُطْعِمُ بن الحكم‏:‏ يا أبة احملني معك أرْفِدْكَ،

فقال له أبوه‏:‏ وما أحمل من رعش وَهِلْ، جَبَان فشل،

فضحك الغلام وقال‏:‏ إن لم تر أوْدَاجَها تخالط أمشاجها فاجعلني وداجها،
فانطلقا، فإذا هما بمَهَاة فرماها الحكمُ فأخطأها، ثم مرت به أُخرى فرماها فأخطأها،

فقال‏:‏ يا أبة أعْطِنِي القوسَ، فأعطاه فرماها فلم يخطئها،

فقال أبوه‏:‏ رُبَّ رميةٍ من غير رَامٍ‏.‏ .
..
.

عبير جلال الدين
02-02-2008, 09:31 PM
رُبَّ ساعٍ لِقاعِدٍ‏


ويروى معه ‏ " ‏وآكِلٍ غير حامد ‏"‏
يقال‏:‏ إن أول من قاله النابغة الذبياني، وكان وفَدَ إلى النعمان بن المنذر وفودٌ من العرب فيهم رجل من بني عَبْس يقال له شقيق، فمات عنده، فلما حبا النعمانُ الوفودَ بعث إلى أهل شقيق بمثل حِباء الوَفْد،
فقال النابغة حين بلغهُ ذلك‏:‏ ربَّ ساعٍ لقاعد،

وقال للنعمان‏:‏


أبقيْتَ للعَبْسِيِّ فَضْلاً ونعْمَةً= ومَحْمَدَةً من باقيات المَحَامِدِ

حباء شقيق فَوْقَ أعْظُمِ قَبْرِهِ=وكان يُحْبَى قبلَه قبرُ وافِدِ

أتى أهْلَهُ منه حِبَاءٌ ونعمة = ورُبَّ امرئ يَسْعَى لآخَرَ قَاعِدِ


ويروى ‏"‏لسْلَمِى أمَّ خالد، رب ساع لقاعد‏"‏

قالوا‏:‏ إن أول مَنْ قال ذلك معاوية ابن أبي سفيان ، وذلك أنه لما أخَذَ من الناس البيعةَ ليزيد ابنهِ

قال له‏:‏ يا بني، قد صيرتك وليَّ عهدي بعدي، وأعطيتك ما تمنيت، فهل بقيَتْ لك حاجة أو في نفسك أمر تحب أن أفعله‏ ؟

‏ قال يزيد‏:‏ يا أمير المؤمنين، ما بقيَتْ لي حاجة ولا في نفسي غُصَّة ولا أمرٌ أحبُّ أن أناله إلا أمر واحد ،

قال‏:‏ وما ذاك يا بني ‏؟‏

قال‏:‏ كنت أحِبُّ أن أتزوج أم خالد امرأةَ عبد اللّه بن عامر بن كريز، فهي غايتي ومُنْيَتي من الدنيا،

فكتب معاوية إلى عبد اللّه بن عامر فاستقدمه، فلما قدم عليه أكرمه وأنزله أياماً، ثم خلا به فأخبره بحال يزيد ومكانه منه وإيثاره هَوَاه‏.
‏ وسأله طلاقَ أم خالد على أن يطعمه فارسَ خمسَ سنين، فأجابه إلى ذلك، وكتب عهده، وخَلَّى عبدُ اللّه سبيلَ أم خالد، فكتب معاوية إلى الوليد ابن عُتْبَة وهو عامل المدينة أن يعلم أم خالد أن عبد اللّه قد طَلَّقها لتعتدَّ، فلما انقضَتْ عدتُها

دعا معاويةُ أبا هريرة فدفع إليه ستين ألفاً،
وقال له‏:‏ ارْحَلْ إلى المدينة حتى تأتيَ أمَّ خالد فتخطبها على يزيد، وتعلمها أنه وليُّ عهد المسلمين، وأنه سَخِيٌّ كريم، وأن مهرها عشرون ألف دينار، وكرامتها عشرون ألف دينار، وهديتها عشرون ألف دينار،

فقدم أبو هريرة المدينةَ ليلا، فلما أصبح أتى قبرَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فلقيه الحسنُ بن علي، فسلم عليه
وسأله‏:‏ مَتَى قدمت‏ ؟؟؟
قال‏:‏ قدمتُ البارحةَ،
قال‏:‏ وما أقْدَمَك‏؟‏
فقصَّ عليه القصة،
فقال له الحسن‏:‏ فاذْكُرْنِي لها،
قال‏:‏ نعم، ثم مضى،
فلقيه الحسينُ بن علي وعبيدُ اللّه بن العباس رضي اللّه تعالى عنهم، فسألاه عن مَقْدَمه فقصَّ عليهما القصة،
فقالا له‏:‏ اذكرنا لها،
قال‏:‏ نعم،
ثم مضى فلقيه عبدُ اللّه بن جعفر بن أبي طالب وعبدُ اللّه ابن الزبير وعبد اللّه بن مُطيع بن الأسود، فسألوه عن مَقْدَمه فقصَّ عليهم القصة،
فقالوا‏:‏ اذكرنا لها،
قال‏:‏ نعم،
ثم أقبل حتى دخل عليها، فكلَّمها بما أمر به معاويةُ،

ثم قال ‏ لها‏:‏ إن الحسَنَ والحسين ابني علي وعبدَ اللّه ابن جعفر وعبيدَ اللّه بن العباس وابنَ الزبير وابنَ مطيع سألوني أن أذكرهم لك،

قال‏:‏ أما هَمِّي فالخروج إلى بيت اللّه والمجاورة له حتى أموت أو تشير علي بغير ذلك، قال أبو هريرة‏:‏ أمّا أنا فلا أختار لك هذا،

قالت‏:‏ فاختر لي،
قال‏:‏ اختاري لنفسك،
قالت‏:‏ لا، بل اخْتَرْ أنت لي،
قال لها‏:‏ أما أنا فقد اخْتَرْتُ لك سيدَيْ شبابِ أهل الجنة،
فقالت‏:‏ قد رضيتُ بالحسن بن علي، فخرج إليه أبو هريرة فأخبر الحسنَ بذلك وزوَّجَها منه، وانصرف إلى معاوية بالمال، وقد كان بلغ معاوية قصته، فلما دخل عليه قال له‏:‏ إنما بَعَثْتُك خاطباً ولم أبعثك محتسباً،
قال أبو هريرة‏:‏ إنها استشارتني والمستشار مؤتمن،
فقال معاوية عند ذلك‏:‏ اسْلَمِي أم خالد، رب ساع لقاعد، وآكل غير حامد، فذهبت مثلا‏.‏
.
..
.

عبير جلال الدين
14-03-2008, 09:25 PM
رُبَّ زَارِعٍ لِنَفْسِهِ حاصِدٌ سِوَاهُ‏


قال ابن الكلبي‏:‏
أول مَنْ قال ذلك عامر بن الظَّرِب، وذلك أنه خَطَب إليه صَعْصَعة بن معاوية ابنَته،

فقال‏:‏ يا صعصعة إنك جئْتَ تشترِي مني كَبِدِي وأرْحَمَ ولدي عندي منَعْتُك أو بعتك، النكاحُ خيرٌ من الأيْمَة، والحسيب كفء الحسيب، والزوج الصالح يعد أبا، وقد أنكحتك خَشْيَةَ أن لا أجد مثلك، ثم أقبل على قومه

فقال‏:‏ يا معشرَ عَدْوَان أخرجت من بين أظهركم كريمَتكم على غير رَغْبة عنكم، ولكن مَنْ خُطَّ له شيء جاءه، رب زارع لنفسه حاصد سواه ، ولولا قَسْم الحظوظ على غير الحدود ما أدرك الآخر من الأول شيئاً يعيش به، ولكن الذي أرسل الْحَيَا أنبت المَرْعَى ثم قسمه أكْلاً لكل فَمٍ بَقْلَة ومن الماء جرعة، إنكم ترون ولا تعلمون، لن يرى ما أصِفُ لكم إلا كلُّ ذي قلب وَاعٍ، ولكل شيء راعٍ، ولكل رزق ساعٍ، إما أكْيَسُ وإما أحْمَق، وما رأيت شيئاً قط إلا سمعت حِسَّه، ووجَدْتُ مَسَّه، وما رأيت موضوعاً إلا مصنوعاً، وما رأيت جائيا إلا داعيا ولا غانما إلا خائبا، ولا نعمة إلا ومعها بؤس، ولو كان يميت الناسَ الداءُ لأحياهم الدواء، فهل لكم في العلم العليم‏؟‏

قيل‏:‏ ما هو‏؟‏ قد قلتَ فأصبت، وأخبرتَ فصدقت،

فقال‏:‏ أموراً شَتَّى، وشيئاً شيا، حتى يرجعع الميت حياً، ويعود لاشيء شيئاً، ولذلك خلقت الأرض والسماء، فتولوا عنه راجعين،

فقال‏:‏ وَيْلُمِّها نصيحةً لو كان مَنْ يقبلها‏.‏
.
..
.

عبير جلال الدين
14-03-2008, 09:32 PM
سُقطَ فِي يَدِهِ

يضرب لمن نَدِم‏.‏

وقال الأخفش‏:‏ يقال سُقِط في يده أي نَدِم، وقرأ بعضُهم ‏(‏ولما سُقِط في أيديهم‏)‏ كأنه أضمر الندم، وجوز أُسْقِطَ في يده،

وقال أبو عمرو‏:‏ لا يقال ‏"‏أسْقِطَ‏"‏ بالألف على ما لم يُسَمَّ فاعلُه،

وكذلك قال ثعلب، وقال الفراء والزجاج‏:‏ يقال سُقِط وأُسْقِطَ في يده، أي ندم‏.
‏ قال الفراء‏:‏ وسُقِط أكثر وأَجْوَد،
وقال أبو القاسم الزجاجي‏:‏ سُقِط في أيديهم نَظْم لم يسمع قبل القرآن، ولا عَرَفَتْهُ العرب، ولم يوجد ذلك في أشعارهم، والذي يدل على ذلك أن شعراء الإسلام لما سمعوا هذا النظم واستعملوه في كلامهم، خفي عليهم وجهُ الاستعمال، لأن عاداتهم لم تَجْرِ به،

فقال أبو نواس‏:‏

ونَشْوَة سُقِطْتُ مِنْهَا في يدي*

وأبو نُوَاس هو العالم النحرير، فأخطأ في استعمال هذا اللفظ، لأن فُعِلْتُ لا يبنى إلا من فعل يتعدَّى، لا يقال رُغِبْتُ ولا يقال غُضِبْت،

وإنما يقال‏:‏ رُغِبَ فيَّ وغُضِبَ عليَّ،
قال‏:‏ وذكر أبو حاتم‏:‏ سَقَطَ فلان في يده أي ندم، وهذا خطأ مثل قول أبي نواس، هذا كلامه،
قلت‏:‏ وأما ذكر اليد فلأن النادم يعضُّ على يديه، ويَضْرِبُ إحداهما بالأخرى تَحَسُّراً
كما قال ‏(‏ويومَ يعضُّ الظالم على يَدَيْه‏)‏
وكما قال ‏(‏فأصْبَحَ يُقَلِّبُ كفيه على ما أنفق فيها‏)‏ فلهذا أضيف سقوط الندم إلى اليد‏.‏

.
..
.

عبير جلال الدين
28-03-2008, 08:17 PM
أَسَاءَ سَمْعاً فأَساءَ جَابَةً


ويروى ‏"‏سَاءَ سَمْعاً فأساءَ إجابة‏"‏ وساءَ في هذا الموضع تعمل عمل بئس،
نحوقوله تعالى ‏(‏ساء مثلا‏)‏ ونصب سمعاً على التمييز، وأساء سمعاً نصب على المفعول به،

تقول‏:‏ أسأت القولَ وأسأت العمل،
وقوله‏" ‏فأساء جابة‏"‏ هي بمعنى إجابة، يقال‏:‏ أجابَ إجابةً وجَابة وجَوَابا وجَيْبةً ‏.
‏ ومثل الجابة في موضع الإجابة‏:‏ الطَّاعَة والطَّاقَة والغَارة والعَارَة،

قال المفضل‏:‏ هذه خمسة أحرف جاءت هكذا ‏.
‏قلت‏:‏ وكلها أسماء وُضِعت موضع المصادر‏.
‏ قال المفضل‏:‏ إن أول من قال ذلك سُهَيل بن عَمْرو أخو بني عامر بن لؤي ، وكان تزوج صفية بنت أبي جهل بن هشام، فولدت له أنَسَ بن سُهْيل، فخرج معه ذات يوم وقد خرج وَجْهُه، يريد الْتَحَىِ، فوقفا بحَزَوَّرَة مكة، فأقبل الأخنس ابن شَرِيق الثقفي،
فقال‏:‏ مَنْ هذا‏؟‏
قال سهيل‏:‏ ابني،
قال الأخنس‏:‏ حَيَّاكَ اللّه يا فتى،
قال‏:‏ لا واللّه ما أمي في البيت، انطلَقَتْ إلى أم حنظلة تَطْحَنُ دقيقاً،
فقال أبوه‏:‏ أساء سَمْعاً فأساء جَابة، فأرسلها مثلا،
فلما رجَعا قال أبوه‏:‏ فَضَحَني ابنُكَ اليوم عند الأخنس قال كذا وكذا،
فقالت الأم‏:‏ إنما ابني صبي،
قال سهيل‏:‏ أشْبَهَ امرؤٌ بعضَ بَزِّه، فأرسلها مثلا‏.‏ .
..
.

عبير جلال الدين
28-03-2008, 08:37 PM
سَمِّنْ كَلبْكَ يَأْكُلْكَ

ويروى ‏"‏أسْمِنْ‏"‏
قالوا‏:‏ أول من قال ذلك حازم بن المنذر الحمَّاني ، وذلك أنه مر بمحلة هَمْدَان فإذا هو بغلام ملفوف في المَعَاوِز ‏(‏المعاوز‏:‏ جمع نعوز - بوزن منبر - وهو الثوب الخلق‏)‏، فرحِمَه وحَمَله على مُقَدَّم سَرْجه حتى أتى به منزله وأمر أمةً له أن ترضعه، فأرضعته حتى فطم وأدرك وراهق الحُلم، فجعله راعيا لغنمه وسَمَّاه جُحَيْشاً، فكان يرعى الشاء والإبل، وكان زاجرا عائفا، فخرج ذاتَ يومٍ فعرَضَت له عُقَاب، فعافها، ثم مر به غدَاف فزجره،
وقال‏:‏


تُخْبِرُنيِ شواحِجُ الغُدْفَانْ = والخُطْبُ يَشْهَدْنَ مع العِقْبَانْ
‏(‏الخطب‏:‏ جمع أخطب، وهو الصرد والصقر‏)‏


أني جُحَيْش مَعْشرِى هَمْدانْ = ولَسْتُ عَبْداً لبني حَّمانْ

فلا يزال يتغنى بهذه الأبيات، وإن ابنةً لحازم يقال لها رَعُوم هَوِيَت الغلام وهَوِيَهَا،
وكان الغلام ذا منظر وجمال، فتبعه ذاتَ يوم حتى انتهى إلى موضع الكلأ فسرح الشاء فيه واستظلَّ بشجرة واتكأ على يمينه وأنشأ يقول‏:‏


أمَالَكَ أم فُتدْعَى لَهَا = ولا أنت ذُو وَالِدٍ يُعْرَفُ‏؟‏
أرى الطَّيْرَ تُخْبِرُنِي أنَّنِي = جحيش وأنَّ أبى حرشف
يقولُ غُرَابٌ غدا سَانِحاً =وشاهده جاهدا يَحلِفُ
بأنِّى لهَمْدَانَ في غرّهَا= وَمَا أنا جاَفٍ ولا أهْيَفُ
ولكنَّنِي من كرام الرجال =إذا ذكر السَّيِّدُ الأشْرَفُ


وقد كَمنتْ له رَعُوم تنظر ما يصنع، فرفع صوته أيضاً يتغنى ويقول‏:‏


يا حَبَّذَا رَبِيبَتِي رَعُومُ =وحَبَّذَا مَنْطِقُهَا الرَّخِيمُ
وَرِيحُ مَا يأتي بهِ النَّسِيمُ = إنِّي بها مكلّفٌ أهِيمُ
لو تعلمين العلم يا رَعُومُ= إنَي مِنْ هَمْدَانِهاَ صَميمُ


فلما سمعت رَعُومُ شعره ازدادت فيه رغبة وبه إعجابا، فدنت منه وهي تقول‏:‏


طار إلَيْكُمْ عَرَضاً فُؤَادِي = وقَلَّ من ذِكْرَاكُمُ رُقاَدِي
وَقَدْ جَفَا جَنْبي عن الوِسَادِ =أبيتُ قَدْ حاَلَفنِي سُهَادِي


فقام إليها جُحَيش فعانقها وعانقته، وقعدا تحت الشجرة يتغازلان، فكانا يفعلان ذلك أيَّاماً، ثم إن أباها افْتَقَدَها يوماً وفَطِنَ لها فرصَدَها، حتى إذا خرجت تبعها فانتهى إليهما وهما على سوأة، فلما رآهما

قال‏:‏ سَمِّنْ كَلْبَكَ يأكلك ، فأرسلها مثلا،
وشدَّ على جُحَيش بالسيف فأفلت ولحق بقومه هَمْدان، وانصرف حازم إلى ابنته

وهو يقول‏:
‏ مَوْتُ الْحُرَّة خيرٌ من العَرَّة ، فأرسلها مثلا،

فلما وصل إليها وجدها قد اختنقت فماتت،

فقال حازم‏:‏ هَان عَلَيَّ الثُّكْل لسوء الفعل ، فأرسلها مثلا،

وأنشأ يقول‏:‏


قَدْ هَانَ هذَا الثُّكْلُ لَوْلاَ أَّننِي = أحْبَبْتُ قَتْلكِ بالُحساَم الصَّارِمِ
ولقد هَمَمْتُ بذاك لولا أنني =شَمَّرْتُ في قتل اللَّعِينِ الظالم
فَعَلَيْك مَقْتُ الَلهِ مِنْ غَدَّارةٍ = وعَلَيْكِ لَعْنَتُهُ ولعنة حَازِمِ

....

وقال قوم‏:‏ إن رجلا من طَسْم ارتَبَطَ كلبا، فكان يُسَمنه ويطعمه رجاء أن يصيدَ به، فاحتبس عليه بطعمه يوما، فدخل عليه صاحبُه فوثَب عليه فافترسه،
قال عوف بن الأحوص‏:‏


أرَانِي وعَوْفاً كالْمُسَمِّنِ كَلْبَهُ = فخدشه أنيابه وأظافره

وقال طرفة‏:‏


ككَلْب طَسْم وَقَدْ تَرَبَّبَهُ = يَعُلهُ بالْحَليِب فِي الْغَلَسِ
طلَّ عَلَيْه يَوماً بقَرْقَرَةٍ = إنْ لاَ يَلْغِ فِي الدماء يَنْتَهِسِ

.
..
.

عبير جلال الدين
04-04-2008, 11:06 PM
أشأَمُ مِنْ غُرَابِ الْبَيْنِ‏


إنما لزِمه هذا الاسم لأن الغراب إذا بان أهلُ الدَّار للنُّجْعة وقَع في موضع بيوتهم يتلمس ويتقمم، فتشاءموا به، وتطيروا منه، إذ كان لا يعترى منازلهم إلا إذا بانوا، فسموه غراب البين،
ثم كرهوا إطلاق ذلك الاسم مخافة الزجر والطيرة، وعلموا أنه نافذ البصر صافي العين، حتى قالوا‏:‏ أصفى من عين الغراب،
كما قالوا‏:‏ أصفى من عين الديك، وسموه ‏"‏الأعور‏"‏ كنايةً،
كما كنوا طيرةً عن الأعمى فكنوه ‏"‏ أبا بصير‏"
‏ وكما سموا الملدوغ والمنهوس ‏"‏ السليم‏"
وكما قالوا للمَهَالك من الفيافي ‏"‏المَفَاوز‏"
وهذا كثير، ومن أجل تشاؤمهم بالغراب، اشتقوا من اسمه الغُرْبَة والاغتراب والغَرِيب، وليس في الأرض بَاوِح، ولا نَطِيح، ولا قَعِيد، ولا أَعْضَب، ولا شيء مما يتشاءمون به إلا والغُرَابُ عندهم أنكَدُ منه، ويرون أن صياحه أكثر أخباراً، وأن الزجر فيه أعمُّ،

قال عنترة‏:‏


خَرق الْجَنَاح، كأنَّ لَحْيَيْ رَأْسِهِ= جَلمَاَنِ، بالأخْبَارِ هَشٌّ مُولَعُ

وقال غيره‏:‏


وصَاحَ غُرَابٌ فَوْقَ أَعْوَادِ بَانَةٍ =بأَخْبَارِ أَحْبَابِي فقسَّمَنِي الفِكْرُ ‏
فَقُلْتُ غُرَابٌ باغْتِرابٍ وَبَانَة= تبينُ النَّوَى، تِلْكَ العِيَافَةُ وَالزَّجْرُ
وَهَبَّتْ جَنُوبٌ باجْتِنَابِيَ مِنْهُمُ= وَهَاجَتْ صَباً قُلْتُ‏:‏ الصَّبَابَةُ وَالْهَجْرُ


وقال آخر‏:‏


تَغَنَّى الطَّاِئرَان بِبَيْنِ سَلْمَى= عَلَى غُصْنَيْنِ مِنْ غَرَبٍ وَباَنِ
فكَانَ الْبَانُ أَنْ بَانَتْ سُلَيْمَى= وَفِي الغَرَب اغْتِرَابٌ غَيرُ دَانِ


وقال آخر‏:‏


أقُولُ يَوْمَ تَلاَقَيْنَا وَقَدْ سَجَعَتْ = حَمَامَتَانِ عَلَى غُصْنَيْنِ مِنْ باَنِ
الآن أعلم أن الْغُصْنَ لِي غَصَصٌ = وأنما الْبَانُ بَيْنٌ عَاجِلٌ دَانِ
فَقُمْتُ تَخْفِضُنِي أَرْضٌ وَتَرْفَعُنِي =حَتَّى ونيت وَهَدَّ السَّيْرُ أرْكَانِي


فهذا نَمَطُ شعرهم في الغُرَاب لا يتغير، بل قد يزجرون من الطير غيرَ الغُرَاب على طريقين‏:‏ أحدهما على طريق الغراب في التشاؤم، والآخر على طريق التفاؤل به،

قال الشاعر‏:‏


وقَاُلوا‏:‏ تَغَنَّى هُدْهُدٌ فوق بَانَةٍ = فقلْتُ‏:‏ هُدًى يَغْدُو به ويَرُوحُ


وقال آخر‏:‏


وقالوا‏:‏ عُقَاب، قُلْتُ‏:‏ عُقْبَى مِنَ النَّوَى
دَنَتْ بَعْدَ هَجْرٍ منهمُ ونُزُوحِ


وقال آخر‏:‏


وقالوا‏:‏ حَمَامٌ، قُلْتُ‏:‏ حُمَّ لِقَاؤُهَا= وَعَادَ لَنَا رِيحُ الْوِصَالِ يَفُوحُ


فهذا إلى الشاعر، لأنه إن شاء جعل العُقَاب عُقْبى خير، وإن شاء جعلها عُقْبَى شر، وإن شاء جعل الْحَمَام حِمَاما،
وإن شاء قال‏:‏ حُمَّ اللقاء، والهدهد هُدًى وهِدَاية، والْحُبَارى حُبُورا وحبرة، والبان بَيَانا يلوح، والدَّوْم دَوَام العهد، كما صارت الصَّبا عنده صبابة، والجنوب اجتنابا، والصُّرَد تَصْريدا، إلا أن أحداً منهم لم يزجر في الغراب شيئاً من الخير، هذا قول أهل اللغة‏.‏


وذكر بعضُ أهل المعاني أن نَعِيبَ الغُرَاب يُتَطير منه، ونَغِيقه يتفاءل به،

وأنشد قول جرير‏:‏


إن الغُرَاب بِمَا كَرِهْت لمَوُلَعٌ = بِنَوَى الأحِبَّةِ دَائِمُ التّشْحَاِج
لَيْتَ الْغُرَابَ غَدَاة يَنْعَبُ دَائِباً = كان الغُرَابُ مُقَطَّعَ الأوْدَاج


وقول ابن أبي ربيعة‏:‏


نَعَبَ الْغُرَابُ بِبَيْنِ ذَاتِ الدُّمْلُجِ =لَيْتَ الْغُرَابَ بِبيَنْهِا لَمْ يَشحَجِ ‏

ثم أنشدوا في النغيق‏:‏


تَرَكْتُ الطَّيْرَ عَاكِفَةً عَلَيْهِمْ= وَلِلْغِرْبَانِ من شبع نَغِيقُ

قال‏:‏ ويقال ‏"‏ نَغَقَ الغرابُ نَغِيقا‏"‏ إذا قال‏:‏ غيق غيق، فيقال عندها ‏"‏نغق بخير‏"‏ ويقال ‏"‏ نَعَبَ نَعيبا‏"‏ إذا قال‏:‏ غاق ‏[‏غاق‏]‏، فقال عندها ‏"‏ نَعَبَ بشر‏"‏ قال‏:‏ ومنهم من يقول ‏"‏نغق ببين‏"‏


وزهير منهم وأنشد له‏:‏


ألقَى فِرَاقُهُمُ فِي الْمُقْلَتَيْنِ قَذًى= أمْسَى بِذَاكَ غُرَابُ الْبَيْنِ قَدْ نَغَقَا

وقال من احتج للغراب‏:‏
العربُ قد تتيمن بالغراب فتقول‏:‏

هم في خير لا يَطيرُ غُرابه، أي يقع الغراب فلا يُنَفَّر لكثرة ما عندهم، فلولا تَيَمُّنُهُمْ به لكانوا ينفرونه،

فقال الدافعون لهذا القول‏:‏ الغرابُ في هذا المثل السَّوَاد، واحتجوا بقول النابغة‏:‏



ولرهْطِ حَرَّابٍ وَقَدّ سَوْرَةُ = في الْمَجْدِ لَيْسَ غُرَابُهَا بِمُطَارِ


أي مَنْ عرض لهم لم يمكنه أن ينفر سوادهم لعزهم وكثرتهم ‏.‏

عبير جلال الدين
06-04-2008, 09:55 PM
أَشْأَمُ مِنَ البَسُوسِ


هي بَسُوس بنت منقذ التميمية خالَةُ جَسَّاس بن مُرَّة بن ذُهْل الشيباني قاتل كليب، وكان من حديثه أنه كان للبسوس جارٌ من جَرْم يقال له سعد بن شمس، وكانت له ناقة يقال لها سَرَاب، وكان كليب قَدْ حَمَى أرضاً من أرض العالية في أنف الربيع، فلم يكن يرعاه أحدٌ إلا إبل جساس لمصاهرة بينهما، وذلك أن جليلة بنت مرة أختَ جَسَّاس كانت تحت كليب، فخرجت سَرَابُ ناقةُ الجرمي في إبل جَسِّاسٍ ترعى في حمى كليب، ونظر إليها كليبٌ فأنكرها فرماها بسَهْم فاختلَّ ضَرْعها فولَّت حتى بركَتْ بفناءِ صاحبها وضَرْعُها يَشْخُب دماً ولبناً، فلما نظر إليها صرخ بالذل، فخرجت جارية البَسُوس ونظرت إلى الناقة فلما رأت ما بها ضَرَبَتْ يدها على رأسها

ونادت‏:‏ وَا ذُلاَّه، ثم أنشأت تقول‏:‏



لعمرك لو أصْبَحْتَ في دار مُنْقِذٍ= لما ضِيمَ سعدٌ وهو جارٌ لأبْيَاتِي
ولَكِنَّنيِ أصْبَحْتُ في دار غُرْبَةٍ = مَتَى يَعْدُ فيها الذئبُ يَعْدُ على شَاتِي
فيا سعدُ لا تُغْرَرْ بنفسكَ وَارْتَحلْ= فإنَّك في قومٍ عن الجارِ أمْوَاتِ
ودُونَكَ أذْوَادِي فإنيَ عنهمُ = لَرَاحِلةٌ لا يُفْقِدني بُنَيَّاتِي


فلما سمع جساس قولها سكنها وقال‏:‏ أيَّتُهَا المرأة ليقتلَنَّ غداً جملٌ هو أعظم عَقْراً من ناقة جارك، ولم يزل جساس يتوقَّع غِرَّةَ كليب حتى خَرَجَ كليبٌ لا يخاف شيئا، وكان إذا خرج تباعَدَ عن الحي، فبلغ جساسا خروجُه، فخرج على فرسه وأخذ رمحه واتبعه عمرو بن الحارث فلم يدركه حتى طعن كليبا ودَقَّ صُلْبه، ثم وقف عليه فقال‏:‏ يا جساس اغثني بشَرْبَة ماء‏.‏فقال جساس‏:‏ تركْتَ الماء وراءك، وانصرف عنه، ولحقه
فقال‏:‏ يا عمرو أغثني بشربة، فنزل إليه فأجْهَزَ عليه، فضرب به المثل فقيل‏:‏


المستجِيرُ بَعْمرٍو عند كربيه= كالمستجير من الرَّمْضَاء بالنار

قال‏:‏ وأقبل جساس يركُضُ حتى هَجَم على قومه، فنظر إليه أبوه وركبته بادية
فقال لمن حوله‏:‏ لقد أتاكم جساس بداهية،
قالوا‏:‏ ومن أين تَعْرف ذلك‏؟‏
قال‏:‏ لظهور ركبتيه فإني لا أعلم أنها بَدَتْ قبل يومها،
ثم قال‏:‏ ما وراءك يا جساس‏؟‏
فقال‏:‏ واللّه لقد طَعَنْتُ طعنةً لتجمعن منها عجائز وائل رقصا،
قال‏:‏ وما هي ثكلتك أمك‏؟‏ قال‏:‏ قتلت كليبا، قال أبوه‏:‏ بئس لعمر اللّه ما جَنَيْتَ هلى قومك‏!‏
فقال جساس‏:‏


تأهَّبْ عنكَ أهْبَةَ ذي امتناعٍ=فإن الأمْرَ جَلَّ عن التَّلاَحِي
فإني قد جَنَيْتُ عليك حَرْباً = تُغصُّ الشيخَ بالماءِ القَرَاحِ

فأجابه أبوه


فإن تَكُ قَدْ جَنَيْتَ علي حَرْباً = فَلاَ وَانٍ وَلا رَثُّ السِّلاَح
سألبسُ ثَوْبَهَا وأذبّ عَنِّي = بها يَوْمَ الَمَذَّلةِ والفضاح


قال‏:‏ ثم قَوَّضُوا الأبنية، وجمعوا النَّعَم والخيول، وأزمعوا للرحيل، وكان همام بن مرة أخو جساس نديماً لمهلهل بن ربيعة أخي كليب، فبعثوا جاريةً لهم إلى همام لتعلمه ‏ لخبر، وأمروها أن تسره من مهلهل، فأتتهما الجارية وهما على شَرَابهما، فسارَّت هماما بالذي كان من الأمر، فلما رأى ذلك مهلهل سأل هماما عما قالت الجارية، وكان بينهما عهد أن لا يكتم أحدهما صاحبه شيئاً،
فقال له‏:‏ أخبرتني أن أخي قتل أخاك،
قال مهلهل‏:‏ أخوك أضْيَقُ اسْتاً من ذلك، وسكت همام، وأقبلا على شَرَابهما، فجعل مهلهل يشرب شُرْبَ الآمِنِ، وهمام يشرب شرب الخائف، فلم تلبث الخمرُ مهلهلا أن صَرَعَتْه، فانْسَلَّ همام فرأى قومه وقد تحملوا فتحمل معهم، وظهر أمرُ كليبٍ،
فقال مهلهل لنسوته‏:‏ ما دها كن ‏؟‏
قلن‏:‏ العظيم من الأمر، قَتَلَ جساسٌ كليبا، ونَشِبَ الشر بين تغلب وبكر أربعين سنة كلها يَكون لتغلب على بكر، وكان الحارث بن عُبَاد البكري قد اعْتَزَل القومَ، فلما استحَرَّ القتلُ في بكر اجتمعوا إليه
وقالوا‏:‏ قد فَنِيَ قومُك، فأرسَلَ إلى مهلهل بجيراً ابْنَه
وقال‏:‏ قل له أبو بُجَيْر يقرئك السلام، يقول لك‏:‏ قد علمتَ أني اعتزلْتُ قومي، لأنهم ظَلَموك وخَلَّيتك وإياهم وقد أدركت وِتْرَكَ فأنشدك اللّه في قومك، فأتى بجيرٌ مهلهلاً وهو في قومه، فأبلغه الرسالَةَ
فقال‏:‏ من أنت ياغلام‏؟
‏قال‏:‏ بجير بن الحارث بن عُبَاد، فقتله،
ثم قال‏:‏ بُؤْبِشِسْعِ كليب، فلما بلغ الحارثَ فعلُه
قال‏:‏ نعم القتيلُ بجير إن أصْلَح بين هذين الغارين قتلُه وسكنت الحرب به، وكان الحارثُ من أحلم الناسِ في زمانه
فقيل له‏:‏ إن مهلهلا قال له حين قتله بُؤْبِشِسْعِ كليب فلما سمع هذا خرجَ مع بني بكر مقاتلا مهلهلا وبني تغلب ثائراً ببجير وأنشأ يقول‏:‏


قَرِّباَ مَرْبِطَ النَّعَامَةِ منِّي= إنّ بَيْعَ الكريمِ بالشِّسْعِ غَالِي
قَرِّباَ مَرْبِطَ النعامة مِنِّي= لَقِحَتْ حَرْبُ وائِلٍ عن حِيَالِ
لم أكن من جُنَاتِهَا عَلِمَ الَّل= هُ َوإنِّي بِشَرِّها الْيَوْمَ صَالِي


ويروى‏"‏ بِحَرِّهَا‏"‏ والنعامة‏:‏ فرسُ الحارث،
وكان يقال للحارث‏:‏ فارس النَّعَامة، ثم جمع قومه والتقى وبنو تغلب على جبل يقال له قضة فهزمَهم وقتلهم ولم يقوموا لبكر بعدها‏.‏

.
..
.

كتاب مجمع الأمثال