فاطمة ابراهيم
18-09-2006, 11:53 PM
قصة قصيرة
وكانت أحلام
تـأليـف
فاطمة إبراهيم عبد العزيز
وكانـــت أحلام
كنا نحلم ، بيد أن أحلامه تبدو مغايرة بعض الشىء عن أحلامى أنا ، فذاك ابن عمتى الذى يحلم وهو يقظان ، مدرك بحواسه لكل ما يدور حوله ، بينما أحلم وأنا نائمة ، تائهة فيما وراء هذا الوجود الشاسع الذى احتارت قوالب عقلى فى فلسفته فيما يسمى " بالميتا فيزيقا " لم اكتف بالمواد المقررة فى منهج الفلسفة الوجودية ، وغيرها من الفلسفات ، فإذا بى أسير ، لم أدر سوى بقدمى مخترقة الباب الزجاجى ، ويدى عابثة بين الكتب الضخمة الرابضة على أرفف مكتبة الكلية ، حاملة إياها ، أجتاز الممر الطويل عائدة إلى المدرج ، بعد أيام قلائل اعيدها ، وفى التو أنظر أمامى أثناء المحاضرة ، وإذا باسم فيلسوف أخر برزت حروفه على مجلد الكتاب هل أسير بلا وعى ؟ أم اعتادت حواسى على حب الإطلاع ، فأصبحت تلك عادة ، اعتادت قدماى الانسياق إليها ؛ أدركت فى النهاية اننى اختزنت فى الانا تجارب الوجود حيث تعبر بدورها مسارب الذاكرة ، طفحت الأحلام فى مجرى اللاشعور ، أصبحت أحلم ، أبنى قصورى ، أشيد مملكتى ، أسبح فى الفضاء بطائرة صغيرة وحدى دون غيرى .
أما هو ، اتسعت ضفاف العمر الزمنى بينى وبينه ، اعهده واقعى النظرة ، يحلم وهو متيقظ السريرة ، جالس بيننا ، مشارك بأفكاره ، وفلسفته الواقعية فى حل مشكلات أسرية تعترضنا جميعاً ، كفرد فى الأسرة الكبيرة .
أدرك نقطة البدء ، اتخذ مساره على خط مستقيم ، شاخصا ببصره نحو نقطة النهاية تسمى الهدف ، اجل الهدف الذى يشع بالبريق ، انه على بعد خطوات ، تقدم ، لا تنحرف ، اسرع ، برافو وصلت .. ! سنوات مقروحة الجفن من السهر والجلد . انتهى من المرحلة الثانوية ، إذ بشوكة برية تستوقفه ، تعترض مساره الانسيابى ، تراجع إلى الخلف ، إلى ذات العام باعثا أنينه إلى الطبيعة التى أنجبته يا ربى .. أربعة من عشرة فى المائة تحرمنى من الالتحاق بالكلية التى عشقها قلبى ؛ عدد كبير من الطلبة يدخلها كل سنة ... ولم ادخلها انا ؟ القدر ، نعم هو القدر الذى أراد اختبار إرادته ، صلده أم هينة رخوة ؟ لا .. بل على العكس ، أنها شديدة البأس !!
حمل كتبا بينها وبينه ود كبير ، صعد إلى سطح المنزل ، اتخذ من القش كوخا صغيرا لا يتسع لسواه ، احتضن النخيل الشامخ فى الجرن القريب بناظريه ، مصافحا ، تنسم خرير النهر الذى يتهادى فى مشيته ، تحفة عناقيد الكروم الخضراء فى عيد ميلاده ، مطروحا اهتز على سياجه المعدنى بطول الطريق ، ذاك إعلان عن عودة الحياة من جديد إلى القرية الهادئة ، تناثرت أسراب الحمام على الأسطح المجاورة ، ناشرا هديله فى سيمفونية عبقرية ، يدغدغ الأمل فى أوصاله ، يغوص بصره فى كتاب مهترئة أطرافه ، وبأنامله يضبط إيقاعها ، وهو يستعيد ذاكرته الحادة : أجل ، سأدخل كلية الطب وأكون دكتور بارع بإذن الله ، بإذن الله ..... فرد الغروب جناحيه ، ابتلع قرص الشمس ، الذى تراجع رويدا رويدا خلف كتلة ضباب رمادية ، توارت خلف النخيل راحلة الى زوال .
نهض هابطا الدرج ، قاصدا حجرته ليكمل ما بدأ .
تواردت الأيام والليالى ، الوقت يشحذ همته ، ويزوى على كفيه الدرب الشاسع أمامه ، انظر شموع مضاءة على الطريق ، تناوئها العواصف تود لو تطفئها ، الله ، انها ما زالت مضيئة .. لك وحدك .. دنوت من اخر العام الحمد لله ، بذلت ما فى وسعى ، يارب ، لم أترك كتابا إلا وقرأته ... أيام تمر . طرق على الباب الخارجى ، زغاريد تقطع الصمت ، تنساب عبر البيوت والنخيل والنهر ، وطيور الحقل ، فتفيض جيرانا وأولاد عم ، تتناثر فراشات ، وتتلاقى مهنئة .
صبى فى زى ريفى فاغرا فاه ، يعلن بصوت كالمواء : خالد هايبقى دكتور يا عمتى .. ألف مبروك ، عايزين الشربات .
يجيبه صوت من جوف البيت ، لشاب فى مقتبل العمر مستطردا : كل شىء جاهز علشان اخويا خالد ...
أوشكت الإجازة الصيفية على الانتهاء ، حزم أمتعته ، اعد حقيبة سفره ، ودع قريته الصغيرة ، تحسس القبلة الحانية التى طبعتها أمه على جبينه وخديه ، اعترضته بقرة تلوك عيدان البرسيم ، سحبتها من فوق ظهر الحمار الذى يسير خلفها ، غير عابئة بالصبى الصغير القابع على ظهره الذى يتمايل برأسه .. باعثا بصفيره شطر النهر ، ممسكا بعصى من جريد النخيل الرفيع ، يلكزه من جنب لأخر : امشى يا حمار .. انت ماشى تدلع ولا ايه ؟ بينما البط الأسود يقود المسيرة على الحافة الموازية للنهر ، ولا يكف عن الصياح : كاك .. كاك .. كاك .. كاك . منحدرا يعبر الحشيش المنزلق إلى الماء فى بقعة ميسورة لعبور البط والأوز مهدها لنفسه .
حملق فى الكوبرى بسوره الاسمنتى ، لابد من انتظار السيارة بعض الوقت ، هكذا الحياة كلها انتظار ، علينا بالمثابرة ، اراح راحتيه من ثقل الحقيبة ، ارتكن إلى الجدار خلفه ، سبح فى متاهات الذاكرة ، الاسبوع الماضى التقى بخاله رنين وصاياه يدوى فى الأذن ، مركزه مرموق ، ليتنى مثله ، حفظت نصائحه .
" احنا فى سنة أولى ، لا وقت للفكاهة والمرح ولعب العيال .. المذاكرة .. المذاكرة .. مش عايزين سنة تانية تضيع من عمرك ياسى خالد " .
" نعم يا خالى .. هأحقق لك ما تتمنى انت وخالى فريد " .
" على بركة الله يا بنى " .
ها نحن على مشارف القاهرة الكبرى ، طفق يحلم ، وهو يمسح الدروب ، ويقطع الأميال بمقلتيه شاردا ، ولكنه يحلم ، وسيظل يحلم ، ويحلم أن يكون طبيبا ، طبيبا بمعنى الكلمة !!
أما أن ، يتراءى لى نفس الحلم ، فى منامى منذ أعوام يتغلغل إلى جدران الذاكرة اللاشعورية ، نبع عميق تنحدر مياهه إلى بعيد ، وأنا رابضة على صخرة من صخور شاطئة المعشوشب ، يتعاقب تياره الغض ، فيحملنى على سطحه ، فأخاف أن يجرفنى إلى هواه بلا قرار ، يد فعنى بالقرب من الشاطئ والمياه تندفع بين قدمى ، لكنى اتخذت من الصخور الصغيرة مركزا لاتزان أفقى ، فإذا بى المح أسرابا من الأسماك الكبيرة الحجم ، فضية البريق ، وصغيرة كمتحف من الألوان الربانية ، وانا كالصياد أغوص بين الامواج ، تتلاحق انفاسى ، تتحسس قدماى بحثا عن الصخور خشية الانحدار إلى الهوة الجارفة ، والقى بما ظفرت به يداى من الاسماك إلى الشاطئ ، أعاود الصيد مرات ومرات ، البهجة تسبقنى ، كأننى والأسماك على موعد ، فهى لا تحاول الهرب منى ، وإذ بالشاطئ خلفى حديقة من الإسماك !!
فى الصباح أبحث عن أمى ، أود لو تعطينى تفسيرا لهذا الحلم الذى يطاردنى منذ الطفولة حتى الان فتزف إلى البشرى : " أنت من السعداء " وتبحر سفينة الأيام ، أحيانا ترسو بى على جزيرة بديعة ، فأهتف بالحلم السعيد ، فإذا بى أرتقى على سلم المجد ؛ والنبع ليس نهرا فى نظرى فقط ، بل ربما نبعا صافيا تترقرق فيه المعانى المجردة كالخير والعدل والجمال وهى أسمى أنواع الينابيع التى تحقق للإنسان ذاته فى عيون الأخرين ، طفقت أسرد أحلامى لأمى ، وهى تعتصر الذهن لكى تبلل ظمأى بتفسير شاف .
فى يوم من الأيام التقيت بنبع رائق ، غمرتنى نفحاته ، وصدى خريره الهادئ ، احتفى بى ، قدم لى زورقا بديعا ، صعدت إليه فإذا بى ألمح به وجها ملائكيا ، حديثه عذب . ظللنا نطوف فى هذا النهر وهو يلوح لى : " انظرى يا عزيزتى ، هناك جنة تنتظرك ، وأنا رفيق لك حتى تصلين إليها " . ابتهج فؤادى ، أجل أنه ملاك هبط من السماء ، وطفق النهار يلملم شعاعاته ، واطل الغسق بظلاله الحالمة ، فجأة عصفت بى رياح عاتية ، اهتز الزورق ، خف وزنه ، ارتعدت أوصالى خوفا من الانحدار نحو الهوة ، غلفتنى سحابة من الحيرة المظلمة ، نظرت حولى ، لم أجد سوى نفسى فى الزورق فى بحر هائل بلا شطآن ، توارى النهر الصغير : " أين الملاك .. أين ذهب .. أين النبع ؟
إنه الوهم ، ليتنى مثلك يا خالد أدرك ماهية الوجود ، أحدد الهدف ، أنظر إليه من بؤرة مصقولة ، لا تبعثر أهدافى ، تجمع ماهيتى فى حيزها الضيق " . وتمضى الأعوام ، عبر خالد إلى السنة الرابعة ، آتى لزيارتنا فى المدينة الصاخبة ، التى تفوح بالضوضاء ، يعاتبنا على عدم قضاء شطر من الإجازة فى القرية ، بين الأقارب والأصدقاء . وعدناه بالزيارة ، وفى نهاية شهر يونيو سافرنا إلى القرية ، هناك منزلنا الكبير ، تحتضنه الحقول من كل جانب ، تتدلى على أعمدته البيضاء أوراق الكرم البكر ، حديقة صغيرة تفوح منها رائحة اليوسفى والجوافة فى مهد عهدها .
جلس كل منا على كرسى من الخيزران المطلى باللون الأبيض ، أتى الأقارب للترحيب بنا ، الضحكات تنساب إلى الغيطان الخضر ، همهمات ، سيل من النكات والمواقف المضحكة ، أطفال تجرى فى الفراغ الشاسع المحيط بالبيت ، مبتهجة بفرحة اللقاء ، فجأة بزغ من جوف الشجيرات وجه ملوحا بعينيه الخضراوين ، انفرجت شفتاه عن ابتسامة عريضة ، عبر بين المقاعد محملقا فى الجالسين من الصبية والفتيات ، هتف : "وزير الصحة وصل" . تنهد وحط على كرسى شامخا بوجهه الأشقر . همهمت ابنة خاله ضاحكة : "يا شيخ روح ... وزير الصحة بحاله ، دا أنت لسه تلميذ فى كلية الطب .. روح العب" .
قطب جبينه متحديا ، غمز بطرفه لأخته داليا الصغيرة باسما : "هاتشوفوا بعدين وتثبت لكم الأيام" .
عبث فى جيبه ، أخرج سماعة ، وضع طرفيها على أذنيه ، مشيرا بها تجاه الأولاد والبنات : "مين عايزنى اكشف عليه دلوقتى" ؟ .
صمت الجميع ، رقصت أسارير وجوههم بابتسامة متهكمة : "جبتها منين السماعة دى يا خالد" ؟ .
: "ماحدش يسألنى .. مين عيان فيكم الأول" ؟ .
مد بصره إلى الباب الداخلى للمنزل ، لمح أمه تتهادى بخطى مثقلة نهض مسرعا : "بتشعرى بايه يا أمى الحبيبة .. يا أم الدكتور" ؟ .
: "حسه بصداع يا خالد يا بنى من ساعة الضهرية" .
: "معقول .. سلامتك يا أمى .. ادخلى الأوضة التانية .. ثوانى واكشف عليك" .
غاب عدة دقائق ، ثم ظهر ، ودون روشتة العلاج ، هرع إلى صيدلية القرية .
تمضى الساعات وكل واحد من الجالسين يفتح موضوعا ، أو يعرض حادثة أو موقفا فاكها ، حتى أدركنا المؤذن فى المسجد القريب ، رافعا عقيرته : الصلاة .. هلموا إلى الصلاة عباد الله . تمضى الأمسيات الحلوة مجلوة كالأفق الساطع ، وأحيانا نعبر الطريق الممتد بين الحقول ، يتسابق الأطفال الصغار من حولنا فى نزهة ريفية ، حاملين كيزان الذرة ، وفى العودة نعرج على حقلنا الذى يبعد مسافة ليست ببعيدة عن منزلنا الكبير الذى شيد على طراز حديث لاستقبالنا كلما اشتقنا لرؤية أرضنا من حوله ، وجنى المحصول منها . يا للأيام ، تعبر بنا مسرعة حاجز الزمان ، الذى يخط بمرقمة مرتسما تجاعيد باهته تحت الجفون ، وتحول الخصلات السوداء إلى نوار أبيض يكمن فى شعر الرأس كالضيف الجديد .. أنها لعبة الزمان الذى يتأرجح بنا من حين لأخر !!
اقتربت الساعة من العاشرة مساء ، فإذا بجرس التليفون يرن بإصرار ، هرع زوجى ملتقطا السماعة . وإذا بالمتحدث يعلن : "خالد فى المستشفى دلوقتى .. فى العناية المركزة" .
"مين معايا" ؟
"أنا زميله فى الدراسة والسكن" !! .
"إيه اللى حصل ، أتكلم .. أنا خاله" .
بعد هنيهه إذا بجرس الشقة يدق هو الأخر ، اندس بسرعة داخل الشقة وجه يمشى صاحبه إلى جوف دوامة ، تكاد تبتلعه ، وخلفه أخو زوجته يتبعه فى خطواته المثقلة بالهموم . هرع الجميع إلى القاهرة . حملته سيارة الإسعاف المجهزة إلى مستشفى مرموقة
" ايه اللى جرى يا خالد " ؟
سؤال محفوف بالدهشة !
" كان بيضحك مع أصدقائه ، بعدما أنهى المواد الأولى من الامتحان .. لا شىء ، صداع مفاجئ ، نزيف فى شريان دقيق فى المخ ، النبض طبيعى ، وجهه فى استدارة البدر ، مستبشر بالأمل .
أجهزة عديدة : "كنا بنجهز للأفراح والليالى الملاح الشهر الجاى" .
كان صوت أبيه متهدجا ، مدغدغا بالألم . اعتصرنى الألم أنا الأخرى .
تحركت عضلات وجهه ، تعلق بأنامل أمه المنتحبة ، التى هرعت إلى المستشفى ، شاكية فى امتعاص : " دا كانت صحته زى الفل من كام يوم وشرب العصير من ايدى دول .. إيه اللى حصل لابنى يا دكتور " ؟ .
ابتهلنا إلى الله بالصلوات والدعاء له بالشفاء .
وأنا الأخرى مازلت أحلم ، رغم الألم الذى يعتصرنى : مالك يا أحلام تصاحبينى ، تلازمين حياتى ثم تغيبين فجأة ؟
ألمح عن كثب شعاعا ساطعا ينير الكون من حولى ، أملى بدأ يتحقق ، التقطه براحتى !!
ليال طويلة تمر ، فإذا بى أتجول فى فردوس رحيب ، ابصرت فيه خالدا ، أتانى مصافحا : "أنا جيت هنا من النهارده" .
ألح الرنين فى اليوم التالى ، كنا صباحا ، الرعب يسيطر على لماذا ... ؟ يبدو الرنين مخيفا هذه المرة ... ؟ أتقدم ، ارفع السماعة بيد مرتعشة : " ألو .. وعليكم السلام .. بتقول ايه ؟ خالد مات" .
خانتنى قدماى ، ونسيت الكلام ، والصوت يتردد من السماعة ألو .. ألو ، وأنا عاجزة تماما عن تصور المشهد ، وسرعان ما علا هاتف : اذكرى مصابك فى رسول الله .. أذكرى ............. !!
" انتـــهت "
وكانت أحلام
تـأليـف
فاطمة إبراهيم عبد العزيز
وكانـــت أحلام
كنا نحلم ، بيد أن أحلامه تبدو مغايرة بعض الشىء عن أحلامى أنا ، فذاك ابن عمتى الذى يحلم وهو يقظان ، مدرك بحواسه لكل ما يدور حوله ، بينما أحلم وأنا نائمة ، تائهة فيما وراء هذا الوجود الشاسع الذى احتارت قوالب عقلى فى فلسفته فيما يسمى " بالميتا فيزيقا " لم اكتف بالمواد المقررة فى منهج الفلسفة الوجودية ، وغيرها من الفلسفات ، فإذا بى أسير ، لم أدر سوى بقدمى مخترقة الباب الزجاجى ، ويدى عابثة بين الكتب الضخمة الرابضة على أرفف مكتبة الكلية ، حاملة إياها ، أجتاز الممر الطويل عائدة إلى المدرج ، بعد أيام قلائل اعيدها ، وفى التو أنظر أمامى أثناء المحاضرة ، وإذا باسم فيلسوف أخر برزت حروفه على مجلد الكتاب هل أسير بلا وعى ؟ أم اعتادت حواسى على حب الإطلاع ، فأصبحت تلك عادة ، اعتادت قدماى الانسياق إليها ؛ أدركت فى النهاية اننى اختزنت فى الانا تجارب الوجود حيث تعبر بدورها مسارب الذاكرة ، طفحت الأحلام فى مجرى اللاشعور ، أصبحت أحلم ، أبنى قصورى ، أشيد مملكتى ، أسبح فى الفضاء بطائرة صغيرة وحدى دون غيرى .
أما هو ، اتسعت ضفاف العمر الزمنى بينى وبينه ، اعهده واقعى النظرة ، يحلم وهو متيقظ السريرة ، جالس بيننا ، مشارك بأفكاره ، وفلسفته الواقعية فى حل مشكلات أسرية تعترضنا جميعاً ، كفرد فى الأسرة الكبيرة .
أدرك نقطة البدء ، اتخذ مساره على خط مستقيم ، شاخصا ببصره نحو نقطة النهاية تسمى الهدف ، اجل الهدف الذى يشع بالبريق ، انه على بعد خطوات ، تقدم ، لا تنحرف ، اسرع ، برافو وصلت .. ! سنوات مقروحة الجفن من السهر والجلد . انتهى من المرحلة الثانوية ، إذ بشوكة برية تستوقفه ، تعترض مساره الانسيابى ، تراجع إلى الخلف ، إلى ذات العام باعثا أنينه إلى الطبيعة التى أنجبته يا ربى .. أربعة من عشرة فى المائة تحرمنى من الالتحاق بالكلية التى عشقها قلبى ؛ عدد كبير من الطلبة يدخلها كل سنة ... ولم ادخلها انا ؟ القدر ، نعم هو القدر الذى أراد اختبار إرادته ، صلده أم هينة رخوة ؟ لا .. بل على العكس ، أنها شديدة البأس !!
حمل كتبا بينها وبينه ود كبير ، صعد إلى سطح المنزل ، اتخذ من القش كوخا صغيرا لا يتسع لسواه ، احتضن النخيل الشامخ فى الجرن القريب بناظريه ، مصافحا ، تنسم خرير النهر الذى يتهادى فى مشيته ، تحفة عناقيد الكروم الخضراء فى عيد ميلاده ، مطروحا اهتز على سياجه المعدنى بطول الطريق ، ذاك إعلان عن عودة الحياة من جديد إلى القرية الهادئة ، تناثرت أسراب الحمام على الأسطح المجاورة ، ناشرا هديله فى سيمفونية عبقرية ، يدغدغ الأمل فى أوصاله ، يغوص بصره فى كتاب مهترئة أطرافه ، وبأنامله يضبط إيقاعها ، وهو يستعيد ذاكرته الحادة : أجل ، سأدخل كلية الطب وأكون دكتور بارع بإذن الله ، بإذن الله ..... فرد الغروب جناحيه ، ابتلع قرص الشمس ، الذى تراجع رويدا رويدا خلف كتلة ضباب رمادية ، توارت خلف النخيل راحلة الى زوال .
نهض هابطا الدرج ، قاصدا حجرته ليكمل ما بدأ .
تواردت الأيام والليالى ، الوقت يشحذ همته ، ويزوى على كفيه الدرب الشاسع أمامه ، انظر شموع مضاءة على الطريق ، تناوئها العواصف تود لو تطفئها ، الله ، انها ما زالت مضيئة .. لك وحدك .. دنوت من اخر العام الحمد لله ، بذلت ما فى وسعى ، يارب ، لم أترك كتابا إلا وقرأته ... أيام تمر . طرق على الباب الخارجى ، زغاريد تقطع الصمت ، تنساب عبر البيوت والنخيل والنهر ، وطيور الحقل ، فتفيض جيرانا وأولاد عم ، تتناثر فراشات ، وتتلاقى مهنئة .
صبى فى زى ريفى فاغرا فاه ، يعلن بصوت كالمواء : خالد هايبقى دكتور يا عمتى .. ألف مبروك ، عايزين الشربات .
يجيبه صوت من جوف البيت ، لشاب فى مقتبل العمر مستطردا : كل شىء جاهز علشان اخويا خالد ...
أوشكت الإجازة الصيفية على الانتهاء ، حزم أمتعته ، اعد حقيبة سفره ، ودع قريته الصغيرة ، تحسس القبلة الحانية التى طبعتها أمه على جبينه وخديه ، اعترضته بقرة تلوك عيدان البرسيم ، سحبتها من فوق ظهر الحمار الذى يسير خلفها ، غير عابئة بالصبى الصغير القابع على ظهره الذى يتمايل برأسه .. باعثا بصفيره شطر النهر ، ممسكا بعصى من جريد النخيل الرفيع ، يلكزه من جنب لأخر : امشى يا حمار .. انت ماشى تدلع ولا ايه ؟ بينما البط الأسود يقود المسيرة على الحافة الموازية للنهر ، ولا يكف عن الصياح : كاك .. كاك .. كاك .. كاك . منحدرا يعبر الحشيش المنزلق إلى الماء فى بقعة ميسورة لعبور البط والأوز مهدها لنفسه .
حملق فى الكوبرى بسوره الاسمنتى ، لابد من انتظار السيارة بعض الوقت ، هكذا الحياة كلها انتظار ، علينا بالمثابرة ، اراح راحتيه من ثقل الحقيبة ، ارتكن إلى الجدار خلفه ، سبح فى متاهات الذاكرة ، الاسبوع الماضى التقى بخاله رنين وصاياه يدوى فى الأذن ، مركزه مرموق ، ليتنى مثله ، حفظت نصائحه .
" احنا فى سنة أولى ، لا وقت للفكاهة والمرح ولعب العيال .. المذاكرة .. المذاكرة .. مش عايزين سنة تانية تضيع من عمرك ياسى خالد " .
" نعم يا خالى .. هأحقق لك ما تتمنى انت وخالى فريد " .
" على بركة الله يا بنى " .
ها نحن على مشارف القاهرة الكبرى ، طفق يحلم ، وهو يمسح الدروب ، ويقطع الأميال بمقلتيه شاردا ، ولكنه يحلم ، وسيظل يحلم ، ويحلم أن يكون طبيبا ، طبيبا بمعنى الكلمة !!
أما أن ، يتراءى لى نفس الحلم ، فى منامى منذ أعوام يتغلغل إلى جدران الذاكرة اللاشعورية ، نبع عميق تنحدر مياهه إلى بعيد ، وأنا رابضة على صخرة من صخور شاطئة المعشوشب ، يتعاقب تياره الغض ، فيحملنى على سطحه ، فأخاف أن يجرفنى إلى هواه بلا قرار ، يد فعنى بالقرب من الشاطئ والمياه تندفع بين قدمى ، لكنى اتخذت من الصخور الصغيرة مركزا لاتزان أفقى ، فإذا بى المح أسرابا من الأسماك الكبيرة الحجم ، فضية البريق ، وصغيرة كمتحف من الألوان الربانية ، وانا كالصياد أغوص بين الامواج ، تتلاحق انفاسى ، تتحسس قدماى بحثا عن الصخور خشية الانحدار إلى الهوة الجارفة ، والقى بما ظفرت به يداى من الاسماك إلى الشاطئ ، أعاود الصيد مرات ومرات ، البهجة تسبقنى ، كأننى والأسماك على موعد ، فهى لا تحاول الهرب منى ، وإذ بالشاطئ خلفى حديقة من الإسماك !!
فى الصباح أبحث عن أمى ، أود لو تعطينى تفسيرا لهذا الحلم الذى يطاردنى منذ الطفولة حتى الان فتزف إلى البشرى : " أنت من السعداء " وتبحر سفينة الأيام ، أحيانا ترسو بى على جزيرة بديعة ، فأهتف بالحلم السعيد ، فإذا بى أرتقى على سلم المجد ؛ والنبع ليس نهرا فى نظرى فقط ، بل ربما نبعا صافيا تترقرق فيه المعانى المجردة كالخير والعدل والجمال وهى أسمى أنواع الينابيع التى تحقق للإنسان ذاته فى عيون الأخرين ، طفقت أسرد أحلامى لأمى ، وهى تعتصر الذهن لكى تبلل ظمأى بتفسير شاف .
فى يوم من الأيام التقيت بنبع رائق ، غمرتنى نفحاته ، وصدى خريره الهادئ ، احتفى بى ، قدم لى زورقا بديعا ، صعدت إليه فإذا بى ألمح به وجها ملائكيا ، حديثه عذب . ظللنا نطوف فى هذا النهر وهو يلوح لى : " انظرى يا عزيزتى ، هناك جنة تنتظرك ، وأنا رفيق لك حتى تصلين إليها " . ابتهج فؤادى ، أجل أنه ملاك هبط من السماء ، وطفق النهار يلملم شعاعاته ، واطل الغسق بظلاله الحالمة ، فجأة عصفت بى رياح عاتية ، اهتز الزورق ، خف وزنه ، ارتعدت أوصالى خوفا من الانحدار نحو الهوة ، غلفتنى سحابة من الحيرة المظلمة ، نظرت حولى ، لم أجد سوى نفسى فى الزورق فى بحر هائل بلا شطآن ، توارى النهر الصغير : " أين الملاك .. أين ذهب .. أين النبع ؟
إنه الوهم ، ليتنى مثلك يا خالد أدرك ماهية الوجود ، أحدد الهدف ، أنظر إليه من بؤرة مصقولة ، لا تبعثر أهدافى ، تجمع ماهيتى فى حيزها الضيق " . وتمضى الأعوام ، عبر خالد إلى السنة الرابعة ، آتى لزيارتنا فى المدينة الصاخبة ، التى تفوح بالضوضاء ، يعاتبنا على عدم قضاء شطر من الإجازة فى القرية ، بين الأقارب والأصدقاء . وعدناه بالزيارة ، وفى نهاية شهر يونيو سافرنا إلى القرية ، هناك منزلنا الكبير ، تحتضنه الحقول من كل جانب ، تتدلى على أعمدته البيضاء أوراق الكرم البكر ، حديقة صغيرة تفوح منها رائحة اليوسفى والجوافة فى مهد عهدها .
جلس كل منا على كرسى من الخيزران المطلى باللون الأبيض ، أتى الأقارب للترحيب بنا ، الضحكات تنساب إلى الغيطان الخضر ، همهمات ، سيل من النكات والمواقف المضحكة ، أطفال تجرى فى الفراغ الشاسع المحيط بالبيت ، مبتهجة بفرحة اللقاء ، فجأة بزغ من جوف الشجيرات وجه ملوحا بعينيه الخضراوين ، انفرجت شفتاه عن ابتسامة عريضة ، عبر بين المقاعد محملقا فى الجالسين من الصبية والفتيات ، هتف : "وزير الصحة وصل" . تنهد وحط على كرسى شامخا بوجهه الأشقر . همهمت ابنة خاله ضاحكة : "يا شيخ روح ... وزير الصحة بحاله ، دا أنت لسه تلميذ فى كلية الطب .. روح العب" .
قطب جبينه متحديا ، غمز بطرفه لأخته داليا الصغيرة باسما : "هاتشوفوا بعدين وتثبت لكم الأيام" .
عبث فى جيبه ، أخرج سماعة ، وضع طرفيها على أذنيه ، مشيرا بها تجاه الأولاد والبنات : "مين عايزنى اكشف عليه دلوقتى" ؟ .
صمت الجميع ، رقصت أسارير وجوههم بابتسامة متهكمة : "جبتها منين السماعة دى يا خالد" ؟ .
: "ماحدش يسألنى .. مين عيان فيكم الأول" ؟ .
مد بصره إلى الباب الداخلى للمنزل ، لمح أمه تتهادى بخطى مثقلة نهض مسرعا : "بتشعرى بايه يا أمى الحبيبة .. يا أم الدكتور" ؟ .
: "حسه بصداع يا خالد يا بنى من ساعة الضهرية" .
: "معقول .. سلامتك يا أمى .. ادخلى الأوضة التانية .. ثوانى واكشف عليك" .
غاب عدة دقائق ، ثم ظهر ، ودون روشتة العلاج ، هرع إلى صيدلية القرية .
تمضى الساعات وكل واحد من الجالسين يفتح موضوعا ، أو يعرض حادثة أو موقفا فاكها ، حتى أدركنا المؤذن فى المسجد القريب ، رافعا عقيرته : الصلاة .. هلموا إلى الصلاة عباد الله . تمضى الأمسيات الحلوة مجلوة كالأفق الساطع ، وأحيانا نعبر الطريق الممتد بين الحقول ، يتسابق الأطفال الصغار من حولنا فى نزهة ريفية ، حاملين كيزان الذرة ، وفى العودة نعرج على حقلنا الذى يبعد مسافة ليست ببعيدة عن منزلنا الكبير الذى شيد على طراز حديث لاستقبالنا كلما اشتقنا لرؤية أرضنا من حوله ، وجنى المحصول منها . يا للأيام ، تعبر بنا مسرعة حاجز الزمان ، الذى يخط بمرقمة مرتسما تجاعيد باهته تحت الجفون ، وتحول الخصلات السوداء إلى نوار أبيض يكمن فى شعر الرأس كالضيف الجديد .. أنها لعبة الزمان الذى يتأرجح بنا من حين لأخر !!
اقتربت الساعة من العاشرة مساء ، فإذا بجرس التليفون يرن بإصرار ، هرع زوجى ملتقطا السماعة . وإذا بالمتحدث يعلن : "خالد فى المستشفى دلوقتى .. فى العناية المركزة" .
"مين معايا" ؟
"أنا زميله فى الدراسة والسكن" !! .
"إيه اللى حصل ، أتكلم .. أنا خاله" .
بعد هنيهه إذا بجرس الشقة يدق هو الأخر ، اندس بسرعة داخل الشقة وجه يمشى صاحبه إلى جوف دوامة ، تكاد تبتلعه ، وخلفه أخو زوجته يتبعه فى خطواته المثقلة بالهموم . هرع الجميع إلى القاهرة . حملته سيارة الإسعاف المجهزة إلى مستشفى مرموقة
" ايه اللى جرى يا خالد " ؟
سؤال محفوف بالدهشة !
" كان بيضحك مع أصدقائه ، بعدما أنهى المواد الأولى من الامتحان .. لا شىء ، صداع مفاجئ ، نزيف فى شريان دقيق فى المخ ، النبض طبيعى ، وجهه فى استدارة البدر ، مستبشر بالأمل .
أجهزة عديدة : "كنا بنجهز للأفراح والليالى الملاح الشهر الجاى" .
كان صوت أبيه متهدجا ، مدغدغا بالألم . اعتصرنى الألم أنا الأخرى .
تحركت عضلات وجهه ، تعلق بأنامل أمه المنتحبة ، التى هرعت إلى المستشفى ، شاكية فى امتعاص : " دا كانت صحته زى الفل من كام يوم وشرب العصير من ايدى دول .. إيه اللى حصل لابنى يا دكتور " ؟ .
ابتهلنا إلى الله بالصلوات والدعاء له بالشفاء .
وأنا الأخرى مازلت أحلم ، رغم الألم الذى يعتصرنى : مالك يا أحلام تصاحبينى ، تلازمين حياتى ثم تغيبين فجأة ؟
ألمح عن كثب شعاعا ساطعا ينير الكون من حولى ، أملى بدأ يتحقق ، التقطه براحتى !!
ليال طويلة تمر ، فإذا بى أتجول فى فردوس رحيب ، ابصرت فيه خالدا ، أتانى مصافحا : "أنا جيت هنا من النهارده" .
ألح الرنين فى اليوم التالى ، كنا صباحا ، الرعب يسيطر على لماذا ... ؟ يبدو الرنين مخيفا هذه المرة ... ؟ أتقدم ، ارفع السماعة بيد مرتعشة : " ألو .. وعليكم السلام .. بتقول ايه ؟ خالد مات" .
خانتنى قدماى ، ونسيت الكلام ، والصوت يتردد من السماعة ألو .. ألو ، وأنا عاجزة تماما عن تصور المشهد ، وسرعان ما علا هاتف : اذكرى مصابك فى رسول الله .. أذكرى ............. !!
" انتـــهت "