المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحمد أمين وقطري بن الفجاءة



شمه
13-10-2006, 10:23 PM
السلام عليكم

اريد موضوع عن الاديب أحمد أمين أو عن قطري الفجاءة
اذا ممكن باجر الله يخليكم واذا عندكم مواقع اقدر اظهر منهم عطوني
السموحه على الازعاج

المشرف العام
14-10-2006, 03:37 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تم تغيير العنوان مع نقل السؤال للقسم المختص.

وكـُـلِّ عـَـــام وأنـْتـُــــمْ بـِخـــــــــــــيــرْ.

أديب فؤاد
14-10-2006, 04:03 AM
الكاتب الموسوعي "أحمد أمين"


الذي بدأ حياته أزهريا، واستطاع بعد محاولات أن يخلع هذا الزي، ثم عمل مدرسا بمدرسة القضاء الشرعي سنوات طويلة، ثم جلس على كرسي القضاء ليحكم بين الناس بالعدل، فصار العدل رسما له إلى جانب رسمه، ثم أصبح أستاذا بالجامعة، فعميدا رغم أنه لا يحمل درجة الدكتوراة!، ثم تركها ليساهم في إنشاء أكبر مجلتين في تاريخ الثقافة العربية

هما:"الرسالة" و"الثقافة"، ثم بدأ رحلة من البحث والتنقيب في الحياة العقلية للعرب،
فجاء بعد عناء طويل بـ"فجر الإسلام" و"ضحى الإسلام" و"ظُهر الإسلام".

النشأة والتكوين
وُلد أحمد أمين إبراهيم الطباخ في (2 من محرم 1304هـ= 11 من أكتوبر 1886م) في القاهرة، وكان والده أزهريا مولعا بجمع كتب التفسير والفقه والحديث، واللغة والأدب، بالإضافة إلى ذلك كان يحفظ القرآن الكريم ويعمل في الصباح مدرسا في الأزهر، ومدرسا في مسجد الإمام الشافعي، وإماما للمسجد، كما كان يعمل مصححا بالمطبعة الأميرية؛ فتفتحت عيناه على القرآن الكريم الذي يتلوه أبوه صباح مساء.
واهتم والده به منذ صغره، وساعده في حفظ القرآن الكريم، وفرض عليه برنامجا شاقا في تلقي دروسه وعوده على القراءة والإطلاع، كما كان الأب صارما في تربية ابنه يعاقبه العقاب الشديد على الخطأ اليسير؛ وهو ما جعل الابن خجولا، وعُرف عنه أيضا إيثاره للعزلة، فاتجه إلى الكتب بدلا من الأصحاب؛ فنَمَتْ عقليته على حساب الملكات الأخرى.
ودخل أحمد أمين الكُتَّاب وتنقل في أربعة كتاتيب، ودخل المدرسة الابتدائية، وأعجب بنظامها إلا أن أباه رأى أن يلحقه بالأزهر، ودرس الفقه الحنفي؛ لأنه الفقه الذي يعد للقضاء الشرعي.

مدرسة القضاء الشرعي
وقد نشأت في تلك الفترة مدرسة القضاء الشرعي التي اختير طلابها من نابغي أبناء الأزهر بعد امتحان عسير، فطمحت نفس أحمد إلى الالتحاق بها، واستطاع بعد جهد أن يجتاز اختباراتها، ويلتحق بها في (1325هـ= 1907م)، وكانت المدرسة ذات ثقافة متعددة دينية ولغوية وقانونية عصرية وأدبية، واختير لها ناظر كفء هو "عاطف باشا بركات" الذي صاحبه أحمد أمين ثمانية عشر عاما، وتخرج في المدرسة سنة (1330هـ= 1911م) حاصلا على الشهادة العالمية، واختاره عاطف بركات معيدا في المدرسة فتفتحت نفس الشاب على معارف جديدة، وصمم على تعلم اللغة الإنجليزية فتعلمها بعد عناء طويل، وفي ذلك يقول: "سلكت كل وسيلة لتحقيق هذه الغاية".
وشاءت الأقدار أن يحاط وهو بمدرسة القضاء الشرعي بمجموعة من الطلاب والأساتذة والزملاء لكل منهم ثقافته المتميزة واتجاهه الفكري؛ فكان يجلس مع بعضهم في المقاهي التي كانت بمثابة نوادٍ وصالونات أدبية في ذلك الوقت يتناقشون، واعتبرها أحمد أمين مدرسة يكون فيها الطالب أستاذا، والأستاذ طالبا، مدرسة تفتحت فيها النفوس للاستفادة من تنوع المواهب.
وكان تأثير عاطف بركات فيه كبيرا؛ إذ تعلم منه العدل والحزم والثبات على الموقف، كان يعلمه في كل شيء في الدين والقضاء وفي تجارب الناس والسياسة، حتى إنه أُقصي عن مدرسة القضاء الشرعي بسبب وفائه لأستاذه بعدما قضى بها 15 عاما نال فيها أكثر ثقافته وتجاربه؛ لذلك قال عن تركها: "بكيت عليها كما أبكي على فقد أب أو أم أو أخ شقيق".

القضاء والعدل
شغل أحمد أمين وظيفة القاضي مرتين الأولى سنة (1332هـ= 1913م) في "الواحات الخارجة" لمدة ثلاثة شهور، أما المرة الثانية فحين تم إقصاؤه من مدرسة "القضاء الشرعي" لعدم اتفاقه مع إدارتها، بعد أن تركها أستاذه عاطف بركات، وأمضى في القضاء في تلك الفترة أربع سنوات، عُرف عنه فيها التزامه بالعدل وحبه له، حتى صار يُلقب بـ"العدل"، واستفاد من عمله بالقضاء أنه كان لا يقطع برأي إلا بعد دراسة وتمحيص شديد واستعراض للآراء والحجج المختلفة، ولم تترك نزعة القضاء نفسه طيلة حياته بدءا من نفسه حتى الجامعة.

الجامعة
بدأ اتصال أحمد أمين بالجامعة سنة (1345هـ= 1926م) عندما رشحه الدكتور "طه حسين" للتدريس بها في كلية الآداب، ويمكن القول بأن حياته العلمية بالمعنى الصحيح آتت ثمارها وهو في الجامعة؛ فكانت خطواته الأولى في البحث على المنهج الحديث في موضوع المعاجم اللغوية، وكانت تمهيدا لمشروعه البحثي عن الحياة العقلية في الإسلام التي أخرجت "فجر الإسلام" و"ضحى الإسلام".
وتولى في الجامعة تدريس مادة "النقد الأدبي"، فكانت محاضراته أولى دروس باللغة العربية لهذه المادة بكلية "الآداب"، ورُقِّي إلى درجة أستاذ مساعد من غير الحصول على الدكتوراة، ثم إلى أستاذ فعميد لكلية الآداب سنة (1358هـ= 1939م)، واستمر في العمادة سنتين استقال بعدهما؛ لقيام الدكتور "محمد حسين هيكل" وزير المعارف بنقل عدد من مدرسي كلية الآداب إلى الإسكندرية من غير أن يكون لأحمد أمين علم بشيء من ذلك، فقدم استقالته وعاد إلى عمله كأستاذ، وهو يردد مقولته المشهورة: "أنا أصغر من أستاذ وأكبر من عميد".
وفي الجامعة تصدَّع ما بينه وبين طه حسين من وشائج المودة؛ إذ كان لطه تزكيات خاصة لا يراها أحمد أمين صائبة التقدير، وتكرر الخلاف أكثر من مرة فاتسعت شُقَّة النفور، وقال عنه طه: "كان يريد أن يغير الدنيا من حوله، وليس تغير الدنيا ميسرا للجميع".
وقد عد فترة العمادة فترة إجداب فكري، وقحط تأليفي؛ لأنها صرفته عن بحوثه في الحياة العقلية.

الجامعة الشعبية
وفي سنة (1365هـ= 1945م) انتُدب للعمل مديرا للإمارة الثقافية بوزارة المعارف، وهي إدارة تعمل دون خطة مرسومة واضحة؛ فليس لها أول يُعرف ولا آخر يُوصف تساعد الجاد على العمل، والكسول على الكسل، وفي توليه لهذه الإدارة جاءت فكرة "الجامعة الشعبية"؛ حيث رأى أن للشعب حقا في التعلم والارتواء العلمي، وكان يعتز بهذه الجامعة اعتزازا كبيرا ويطلق عليها "ابنتي العزيزة"، وهي التي تطورت فيما بعد إلى ما سُمي بقصور الثقافة، وكان آخر المناصب التي شغلها بعد إحالته إلى التقاعد منصب مدير الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية.

لجنة التأليف والترجمة والنشر
أشرف أحمد أمين على لجنة التأليف والترجمة والنشر مدة أربعين سنة منذ إنشائها حتى وفاته، وكان لهذه اللجنة أثر بالغ في الثقافة العربية؛ إذ قدمت للقارئ العربي ذخائر الفكر الأوروبي في كل فرع من فروع المعرفة تقديما أمينا يبتعد عن الاتجار، كما قدمت ذخائر التراث العربي مشروحة مضبوطة، فقدمت أكثر من 200 كتاب مطبوع.
وكانت الثقة في مطبوعات اللجنة كبيرة جدا؛ لذلك رُزقت مؤلفات اللجنة حظا كبيرا من الذيوع وتخطفتها الأيدي والعقول، كما أنشأت هذه اللجنة مجلة "الثقافة" في (ذي الحجة 1357هـ = يناير 1939م)، ورأس تحريرها، واستمرت في الصدور أربعة عشر عاما متوالية، وكان يكتب فيها مقالا أسبوعيا في مختلف مناحي الحياة الأدبية والاجتماعية، وكانت ثمرة هذه الكتابات كتابه الرائع "فيض الخاطر" بأجزائه العشرة.
وامتازت مجلة الثقافة بعرضها للتيارات والمذاهب السياسية الحديثة، وتشجيعها للتيار الاجتماعي في الأدب وفن الرواية والمسرحية، وعُنيت المجلة بالتأصيل والتنظير.
كما كان يكتب في مجلة "الرسالة" الشهيرة، وأثرى صفحاتها بمقالاته وكتاباته، وخاض بعض المحاورات مع كبار كتاب ومفكري عصره على صفحات الثقافة، ومنها محاورته مع الدكتور "زكي نجيب محمود"، الذي كتب مقالا نعى وانتقد فيه محققي التراث العربي ونشر ذخائره، ورأى أن الفكر الأوروبي أجدر بالشيوع والذيوع والترجمة من مؤلفات مضى زمانها، وأطلق على كتب التراث "الكتاب القديم المبعوث من قبره"، ثم قال: "سيمضي الغرب في طريقه، وهو يحاول الصعود إلى ذرى السماء، ونحن نحفر الأجداث لنستخرج الرمم".
فأثارت هذه الكلمات المجحفة للتراث أحمد أمين؛ فرد على ما قيل، وأكد أن الغرب أسس نهضته ومدنيته على الحضارة الرومانية واليونانية، وأكد أيضا أن المستشرقين هم أول من اهتم بالتراث العربي فنشروا أصوله وذخائره.

المجامع اللغوية
وقد أصبح عضواً بجمع اللغة العربية سنة (1359هـ= 1940م) بمقتضى مرسوم ملكي، وكان قد اختير قبل ذلك عضوا مراسلا في المجمع العربي بدمشق منذ (1345هـ= 1926م)، وفي المجمع العلمي العراقي، وبعضويته في هذه المجامع الثلاثة ظهرت كفايته وقدرته على المشاركة في خدمة اللغة العربية.
وكان رأيه أن المجمع ليست وظيفته الأساسية وضع المصطلحات وإنما عمله الأساسي هو وضع المعجم اللغوي التاريخي الأدبي الكبير، ويضاف هذا الإسهام الكبير في مجمع اللغة العربية إلى رصيده في خدمة الثقافة، كما اختير عضوا في المجلس الأعلى لدار الكتب سنة (1358هـ= 1939م).

السياسة
كانت السياسة عند أحمد أمين تعني الوطنية لا يرى فرقا بينهما، وترجع معرفته بالسياسة وأقطابها إلى أستاذه عاطف بركات، وقد أُعجب الزعيم سعد زغلول به وبوطنيته، وبدقة تقاريره التي كان يكتبها عن أحوال مصر إبان ثورة 1919، ورغم ميله للوفد فإنه لم يشارك في السياسة بقدر كبير خوفا من العقوبة، وفي صراحة شديدة يقول: "ظللت أساهم في السياسة وأشارك بعض من صاروا زعماء سياسيين، ولكن لم أندفع اندفاعهم، ولم أظهر في السياسة ظهورهم لأسباب، أهمها لم أتشجع شجاعتهم؛ فكنت أخاف السجن وأخاف العقوبة".
ولما قارب سن الإحالة إلى المعاش اعتذر عن رئاسة تحرير جريدة "الأساس" التي اعتزم السعوديون إصدارها، وكان في ذلك الوقت منصرفا لأعماله الثقافية والفكرية المختلفة؛ لذلك كان بعده عن السياسة موافقا لهوى في نفسه من إيثار العزلة، واستقلال في الرأي وحرية في التفكير.

شخصية لا تعطي لونا واحدا
كانت المعرفة والثقافة والتحصيل العلمي هي الشغل الشاغل لأحمد أمين، حتى إنه حزن حزنا شديدا على ما ضاع من وقته أثناء توليه المناصب المختلفة، ورأى أن هذه المناصب أكلت وقته وبعثرت زمانه ووزعت جهده مع قلة فائدتها، وأنه لو تفرغ لإكمال سلسلة كتاباته عن الحياة العقلية الإسلامية لكان ذلك أنفع وأجدى وأخلد.
وقد امتازت كتاباته بدقة التعبير وعمق التحليل والنفاذ إلى الظواهر وتعليلها، والعرض الشائق مع ميله إلى سهولة في اللفظ وبعد عن التعقيد والغموض؛ فألّف حوالي 16 كتابا، كما شارك مع آخرين في تأليف وتحقيق عدد من الكتب الأخرى، وترجم كتابا في مبادئ الفلسفة.

فجر الإسلام والحياة العقلية
أما شهرته فقامت على ما كتبه من تاريخ للحياة العقلية في الإسلام في سلسلته عن فجر الإسلام وضحاه وظهره؛ لأنه فاجأ الناس بمنهج جديد في البحث وفي أسلوبه ونتائجه، فأبدى وجها في الكتابة التحليلية لعقل الأمة الإسلامية لم يُبدِه أحدٌ من قبله على هذا النحو؛ لذلك صارت سلسلته هذه عماد كل باحث جاء من بعده؛ فالرجل حمل سراجًا أنار الطريق لمن خلفه نحو تاريخ العقلية الإسلامية.
غير أنه كتب فصلا عن الحديث النبوي وتدوينه، ووضع الحديث وأسبابه، لم يتفق معه فيه بعض علماء عصره العظام، مثل: الشيخ محمد أبو زهرة، والدكتور مصطفى السباعي؛ فصوبوا ما يحتاج إلى تصويب في لغة بريئة وأدب عف، وقرأ أحمد أمين ما كتبوا وخصهم بالثناء، إلا أن البعض الآخر قال: إنه تلميذ المستشرقين، واتهموه بأنه يشكك في جهود المحدثين.
والواقع أن كتابا كـ "فجر الإسلام" يقع في عدة أجزاء كبار عن تاريخ الحياة العقلية في الإسلام منذ ظهوره وحتى سقوط الخلافة العباسية، تعرّض فيه كاتبه لآلاف الآراء، ومئات الشخصيات، لا بد أن توجد فيه بعض الأمور والآراء التي تحتاج إلى تصويب، دون أن يذهب ذلك بفضله وسبقه وقيمته.
وقد وجد أحمد أمين صعوبة كبيرة في تحليل الحياة العقلية العربية، ويقول في ذلك: "لعل أصعب ما يواجه الباحث في تاريخ أمته هو تاريخ عقلها في نشوئه وارتقائه، وتاريخ دينها وما دخله من آراء ومذاهب".
وفي كتابه "ضحى الإسلام" تحدث عن الحياة الاجتماعية والثقافية ونشأة العلوم وتطورها والفرق الدينية في العصر العباسي الأول، وأراد بهذه التسمية (ضحى الإسلام) الاعتبار الزمني لتدرج الفكر العلمي من عصر إلى عصر، واستطاع بأسلوب حر بليغ أن يمزج السياسة بالفكر عند الحديث عن الظواهر الجديدة في المجتمع الإسلامي، وكذلك تدرّج اللهو بتدرَج العصور؛ إذ بدأ ضئيلا في العهد الأول، ثم استشرى في العصور التالية، وحلل الزندقة وأسباب ظهورها وانتشارها وخصائص الثقافات الأجنبية من فارسية وهندية… إلخ، وهذا الكتاب من أَنْفَس ما كتب، وهو من ذخائر الفكر الإسلامي دون نزاع.
أما كتابه "زعماء الإصلاح في العصر الحديث" فاشتهر اشتهارا ذائعا؛ لأنه قُرِّر على طلاب المدارس عدة سنوات، فكثرت طبعاته وتداولتها الأيدي على نطاق واسع.
وكتاب "فيض الخاطر" جمع فيه مقالاته المختلفة في "الرسالة" و"الثقافة"... وغيرهما، وبلغت حوالي 900 مقالة في عشرة أجزاء. وكتاب "حياتي" الذي دوّن فيه سيرته الذاتية، ويقول عن هذا الكتاب: "لم أتهيب شيئا من تأليف ما تهيبت من إخراج هذا الكتاب"، ونشر قبل وفاته بأربع سنوات.
أما كتبه الأخرى فهي: "ظُهر الإسلام"، و"يوم الإسلام"، و"قاموس العادات والتقاليد المصرية"، و"النقد الأدبي"، و"قصة الأدب في العالم"، و"قصة الفلسفة"... وغيرها.
وتعاون مع بعض المحققين في إصدار كتاب "العقد الفريد" لـ "ابن عبد ربه"، و"الإمتاع والمؤانسة"، لـ "أبي حيان التوحيدي"، و"الهوامل والشوامل"، و"البصائر والذخائر"، و"خريدة القصر وفريدة العصر".

النهاية
وقد أصيب أحمد أمين قبل وفاته بمرض في عينه، ثم بمرض في ساقه فكان لا يخرج من منزله إلا لضرورة قصوى، ورغم ذلك لم ينقطع عن التأليف والبحث حتى توفاه الله في (27 من رمضان 1373هـ= 30 من مايو 1954م)، فبكاه الكثيرون ممن يعرفون قدره.
ولعل كلمته: "أريد أن أعمل لا أن أسيطر" مفتاح هام في فهم هذه الشخصية الكبيرة.

أهم الكتب التي تحدثت عنه
محمد رجب البيومي: أحمد أمين- مؤرخ الفكر الإسلامي
فيهم حافظ الدناصوري: أحمد أمين وأثره في اللغة والنقد الأدب
لمعي المطيعي: هذا الرجل من مصر

أديب فؤاد
14-10-2006, 04:21 AM
قطري بن الفجاءة

كان قطري من فرسان الأزارقة الشراة وشجعانهم، وحينما توفي زعيمهم سنة 68 للهجرة بايعه الأزارقة أميراً عليهم، ولشجاعته وبسالته في المعارك سموه أمير الموت.
شريف سيد وفارس شجاع مقدام وخيب بليغ وشاعر حماسي وفلق، تميمي، مازني من ذوي النجدة والمروءة أهل القرن الهجري الأول.
عابه خروجه على سلطان المسلمين وجماعتهم وعنجهيته البدوية الصلفة وقاده خروجه إلى محاربة السلطان ومقارعة جنوده و –إن صح- تقتيله أطفال ونساء الجماعة وسبيه للمال والذرية على أن خطبه ورسائله تنم عن تقى وصلاح دين.

كان قطري من فرسان الأزارقة الشراة وشجعانهم اشترك في حروبهم وأيامهم حين شهروا السيف على مصعب من الزبير بالعراق وخرجوا عن طاعته في خلافة عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما. وحينما توفي زعيمهم سنة 68 بايعه الأزارقة أميراً عليهم فسلموا عليه بالخلافة ودعوه أمير المؤمنين حتى مقتله سنة 77 أو 78 أو 79 على أقوال. ولشجاعته وبسالته في المعارك سموه أمير الموت.

قاد قطري بن الفجاءة فرسان الأزارقة بدءاً من إمارته عليهم وواجه بهم قواد الزبيريين أمثال الصناديد عمر بن عبيدالله بن معمر التيمي والمهلب بن أبي صفرة الأزدي وأبنائه المفضل والمغيرة ويزيد ومدرك وعتّاب بن ورقاء الرياحي الميمي وعبدالرحمن بن مخنف سيد الأزد بالعراق وعبدالرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي وغيرهم فاستطاع هؤلاء القواد تنحيته شرقاً عن البصرة والكوفة بعد كرٍّ وفرٍّ –جماعات ووحدانا- وحينما انشغل مصعب بن الزبير بأهل الشام حين نشوء الخلافة المروانية واستعدادها استرداد العراق وكل الأمر إلى المهلب لمحاربة الأزارقة الذين اشتدت شوكتهم فأصبحوا على مشارف البصرة وهددوا بسقوطها فحث المهلب الناس للدفاع عنها فتجمع أهل البصرة وقادهم المهلب في مواجهة خطر ابن الفجاءة وفرسانه وبعد عناء من الحرب الطويلة والمضنية استطاع المهلب إزاحة قطري والأزارقة عن ضواحي المدينة إلى أصفهان، وفي أرضها وأرض الأهواز وكرمان أقام قطري بن الفجاءة دولة وجبى الأموال فاجتمعت إليه جموع كبيرة فقوي أمره وصار يتطلع إلى الاستيلاء على البصرة وأخذ المهلب في مطاولته لكبح جماحه، وصار المهلب يكاتب أهل اصطخر والقرى المجاورة سراً فعلم قطري فهجم على اصطخر وهدمها على أهلها وأراد مثل ذلك بمدينة فسا فاشتراها منه أزاذمَرْد بن الهِرْبذ بمائة ألف درهم فلم يهدمها

ولما تولى بشر بن مروان ولاية العراق من قبل أخيه عبدالملك بن مروان -أمير المؤمنين- تولى محاربة الأزارقة عدد من قواد الأمويين فانهزم بعضهم وقتل بعض فجاشت فرسان الأزارقة حتى أصبحوا على مشارف الكوفة والبصرة مما حير عبدالملك فولى المهلب محاربتهم مرة أخرى، وكان بشر عزله عن ذلك، فدافعهم المهلب عن العراق سنة 74 ولكنه لم يستطع إنجاز هزيمتهم حتى ولى الحجاج بن يوسف العراق بسبب ذلك فصار يمد المهلب بالمال والسلاح والرجال ويتابع حثه وتوجيهه فواجههم المهلب في معركة شديدة سنة 75 قتل فيها ساعده الأمير عبدالرحمن بن مخنف الأزدي وكادوا يطالون المهلب نفسه فشد وحزم أمره وعزم على مناجزتهم فلاقاهم في وقائع كبيرة والحجاج يمده بالرجال والسلاح حتى أزاحهم إلى طبرستان بعد وقعة البستان من أرض كرمان ثم أوقع بهم في معركة يوم سابور وهي الواقعة التي وصفها كعب الأشقري، من جماعة المهلب،

بقوله من قصيدة طويلة:


حتى اجتمعنا بسابور الجنود وقد= شبّت لنا ولهم نارٌ لها شرر
نلقى مساعير أبطالاً كأنهم =جنٌّ نقارعهم ما مثلهم بشر
نسقى ونسقيهم سمّاً على منقٍ = مستأنفي الليل حتى أسفر السحر

ثم عاد المهلب إلى العراق وولي ولاية. أما الأزارقة فبعد هزيمتهم دب الخلاف بينهم وانقسموا على قطري حتى ضعف أمره وانتهى بمقتله في معركة بينه وبين جيش أموي يقود القائد الفذ الشهير سفيان بن الأبرد الكلبي وكان ذلك سنة 77 أو 78 كما في الطبري أو سنة79 كما في تاج العروس. وكان المتولي قتله سورة بن أبجر البارقي أو هو سورة بن الجبر الدارمي، من بني أبان بن دارم


قال الجاحظ: كان يدين (قطري بن الفجاءة) بالاستعراض والسباء وقتل الأطفال
قلت: وهذا من بدع الأزارقة التي أجمعت عليها الكتب إلا أن الملطي صاحب كتاب التنبيه والرد يخالف غيره من المؤرخين فيما ذكر من بدعهم، فيراهم أقل الخوارج شراً إذ كانوا لا يرون سفك الدماء ولا نهب الأموال ولا سبي الذراري

وهناك العديد من المصادر التي تناولت أقوال وأحاديث قطري مع أصحابه ما يدل على شدته وتسلطه في الرأي وصلابته فيما يريد مع أنه يتخذ مواقف لينه أحياناً ولم يكن مغالياً في أحكامه إذ لا يصعب عليه إيجاد ما يبرر إرادته.

نسبه:
إنه مشهور جداً باسمه ولقب أبيه فقيل: قطري بن الفجاءة، وهو إشارة إلى زعيم فاعل من زعماء الخوارج كان شديد الغلو في الدين، شديد البأس في المواجهة والبطش وهو خطيب مصقع قليل هم الذين يركبون الكلام مثل تركيبه وحلاوة شبكه وهو شاعر مفلق مجيد. أما تفصيل نسبه فهو عند الكاتبين ما يلي:
-ذكر السرقسطي بأنه: قطري بن جعد المازني
، وذكر ابن منظور أنه: قطري ابن فجاءة المازني، وقال ابن عبدربه: قطري بن الفجاءة، من بني مازن ابن عمرو بن تميم، وذكره الجاحظ أنه: قطري بن الفجاءة، أحد بني كنانة ابن حرقوص بن مازن

وقال الزبيدي: قطري بن الفجاءة، أحد أبطال الخوارج، شاعر من بني مازن ابن مالك بن عمرو بن تميم، واسم الفجاءة جعْوَنَة. ويظهر النسب أكثر وضوحاً وأكثر اهتماماً من الإشارات عند ابن حزم حيث سلسل نسبه حتى تميم بقوله:
والخارجي الأزرقي الذي سلم عليه بالخلافة عشرين سنة وهو قطري بن الفجاءة، والفجاءة لقب لأبيه لأنه عاب إلى اليمن، ثم أتى قومه فجأة، واسمه جَعْوَنة بن يزيد بن زياد بن خنثر بن كابية بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، وأخوه جُرْمُوز بن الفجاءة كان على السنة، وكان يقاتل أخاه
. ولا يختلف الدارقطني في سلسلة نسبه كثيراً عن ابن حزم على أنه يجعل جده الأدنى مازناً ويزيداً هو جده الثاني، ويذكر حنثراً (بالحاء المهملة) بدلاً من خنثر (بالخاء المعجمة) كما وردت عند ابن حزم، ويقول الدارقطني إنه: قطري بن الفجاءة جعونة بن مازن بن يزيد بن زياد ين مالك بن عمرو بن تميم
ويتبين من ذلك أن لفظه قطري هي اسم صريح له وليس كما يتوهم البعض فجعلوها نسبة لبلدة في السواحل الشرقية من الجزيرة العربية، وأن الفجاءة هو لقب لأبيه جعونة. ولا يسلم بصحة اسم جعد كما ورد عند السرقطي ولكن لا نعلم أهو تصحيف في اصل المخطوطة أم من جراء طبع الكتاب. كما أن الظن وارد في صحة كنانة كما عند الجاحظ بدلاً من كابيه كما هي عند ابن حزم والدارقطني.

وزعم بعضهم أن أصل اسم قطري مأخوذ من قطري النعال, ولا أرى ذلك مصيباً بل أراه من قولهم: قطر فلان فلاناً: صرعه صرعة شديدة. فهذا من ضروب الشجاعة، أو هو من قطر الثوب: خاطه، وهنالك مري بن قطري، تابعي.
يكنى قطري بن الفجاءة: أبا محمد وأبا نعامة وأبا حنظلة
وذكر الجاحظ أنه كانت له كنيتان، كنية في السلم وهو أبو محمد، وكنية في الحرب وهو أبو نعامة. وهذا مشهور متعارف.

وأشار ابن قتيبة أنه لا عقب لقطري
، بينما أشير إلى أن له حفيدة أصبحت أباظية فيما بعد.
ووصفه ابن حبيب أنه من البرص الأشراف
وكانت الجماعة، أهل السنة يسمونه سيد الكفار،

قال رجل من أصحاب المهلب، من عبدالقيس:

سائل بنا عمرو القنا وجنوده= وأبا نعامة سيد الكفار


شجاعته:

ذكره ابن عبدربه أنه أحد فرسان العرب في الإسلام وقرنه بشجاعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والزبير وطلحة وعبدالله بن خازم السلمي وعباد بن الحصين وعمير بن الحباب والحريش بن هلال السعدي وشبيب الحروري.
قلت: فأما شجاعة هؤلاء وفروسيتهم فلا شك فيها وأما قول إنهم فرسان العرب في الإسلام وحدهم ففيه نظر، وفرسان العرب آنذاك أكثر.

وقال عبيدة بن هلال اليشكري في شجاعة قطري: يطاعن في قبل، ويحمى في دبرٍ
وروى ابن قتيبة، قال، قال الزبيري: ما استحيا شجاع أن يفر من عبدالله بن خازم السلمي وقطري بن الفجأة
وحدث رجل من العرب، قال: انهزمنا من قطري وأصحابه فأدركني رجل على فرس فسمعت حساً منكراً خلفي، فالتفت فإذا أنا بقطري فيئست من الحياة، فلما عرفني قال: أشدد عنانها وأوجع خاصرتها قطع الله يديك، قال: ففعلت فنجوت منه

وتتجلى شجاعة قطري وفروسيته في بعض أشعاره التي تعد لهيباً من البطولة وجأش النفس وبأس الإقدام على أنه كثير ما كان يتفادى اللقاء والمواجهة المباشرة مع أبطال أمثال المهلب بن أبي صفرة أو عمر بن عبيدالله بن معمر أو حتى سفيان ابن الأبرد، فهو شجاع داهية حذر، وفي إحدى هزائمه أمام أحد هؤلاء يقول الشاعر:

لما استباحوا رب عبد عرّدت =بأبي نعامة أمّ رأل خيفق



شاعريته:
وهو أحد أشهر شعراء الحماسة والحرب والإقدام على مستوى التاريخ العربي وليس على مستوى زمنه فحسب، ولا أظن كلاماً يعبر عن جودة شعره مثل قصائده فهي خير ما يصف ويبرهن على فحولته، وسعره كثير متفرق في كتب الأدب والتاريخ وسنأتي بعيون منها.
يقول واصفاً شجاعته وإقدامه:

يا رُبَّ ظل عقاب قد وقيت بها =مهري من الشمس والأبطال تجتلد
ورُبَّ يوم حمىً أرعيت عقوته = خيلي اقتصاراً وأطراف القناقصد
ويوم لهوٍ لأهل الخفض ظل به = لهوي اصطلاء الوغى ناره تقد
مشهّراً موقفي والحرب كاشفة =عنها القناع وبحر الموت يطّرد
ورب هاجرة تغلي مراجلها = مخرتها بمطايا غارةٍ تخد
تجتاب أودية الأفزاع آمنة =كأنها أسدٌ تقتادها أسد
فإن أمُت حتف أنفي لا أمت كمداً = على الطعان وقصر العاجز الكمد
ولم أقل لم أساق الموت شاربه= في كأسه والمنايا شُرَّعٌ ورد
وقال أيضاً:
إلى كم تعاديني السيوف ولا أرى = مضاربها تهدي إليّ حِماميا
أقارع عن الخلود ولا أرى = بقاءً على حالٍ لمن ليس باقيا
ولو قرّب الموت القراع لقد أنى= لموتي أن يدنو لطول قراعيا
أغادي جلاد المعلمين كأنني= على العسل الماذي أصبحت غاديا
وأدعو الكماة للنزال إذا القنا =تحطم فيما بيننا من طعانيا
ولست أرى نفساً تموت إذا دنت=من الموت حتى يبعث الله داعيا
إذا استلب الخوف الرجال قلوبهم = حبسنا على الموت النفوس الغواليا
حذار الأحاديث التي لوم غبّبها= عقدن بأعناق الرجال المخازيا
وقوله::
يا نفس لا يلهينك الأمل =فربما أكذب المنى الأجل
وقوله:
ألا أيها الباغي البراز تقربن = أساقك بالموت الزعاف المقتشبا
فما في تساقي الموت في الحرب سبّة = على شاربيه فاسقني منه واشربا
وقوله:
لا يركنن أحد إلى الإحجام = يوم الوغى متخوفاً لحمام
فلقد أراني للرماح دريئة= من عن يميني مرةً وأمامي
حتى خضبت بما تحدّر من دمي= أكناف سرجي أو عنان لجامي
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب =جذع البصيرة قارح الإقدام


ولقطري بن الفجاءة القصيدة العينية السائرة التي تعد واحدة من قصائد حمل النفس على المكروه، القليلة في الشعر العربي. وهي حربية نادرة مؤثرة وصفها ابن خلكان بأنها تشجع أجبن خلق الله. يقول فيها:

أقول لها وقد طارت شعاعاً=من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنك لو سألت بقاء يومٍ = على الأجل الذي لك لن تطاعي
فصبراً في مجال الموت صبراً = فما نيل الخلود بمستطاع
ولا ثوب البقاء بثوب عزٍ = فيطوى عن أخي الخنع اليراع
سبيل الموت غاية كل حيٍّ = فداعيه لأهل الأرض داعي
ومن لا يعتبط يسأم ويهرم = وتسلمه المنون إلى انقطاع
وما للمرء خيرٌ في حياةٍ = إذا ما عد من سقط المتاع

خطابته:

تنم خطب ورسائل قطري بن الفجاءة عن فحولة بلاغية وجملٍ جياشة رنانة خالية من حوشي الكلام وتكلفه، وهي مع هذا تدل على إيمان عميق زاهد بدنيا وحذر من عاقبة أخروية وهي أيضاً على نقيض تام مما أشيع وعرف عنه من استحلال دماء المسلمين وسبي ذراريهم وتقتيل أطفالهم –والله أعلم بحاله، وقد أشار الجاحظ إلى أنه من خطباء الخوارج وأن له خطبة طويلة مشهورة وكلاماً كثيراً محفوظاً وسنأتي بنصوص بعض خطبه ورسائله ومنها الخطبة الطويلة المشهورة التي ذكرت في كتب الأدب والتاريخ.
-خطبة له ذكر فيها الدين قالوا: من أشد منا قوة فقال: حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا، وأنزلوا فلا يدعون ضيفانا، وجعلوا لهم من الضريح أجبتنا، ومن التراب أكفانا، ومن الرفات جيرانا، فهم جيرة لا يجيبون داعيا، ولا يمنعون ضيفا، إن أخصبوا لم يفرحوا، أو أقحطوا لم يقنطوا، جميع أوحاد، وجيرةٌ أبعاد، لا يزورون ولا يزارون. فاحذروا ما حذركم الله، وانتفعوا بمواعظه واعتصموا بحبله
-قال الجاحظ: كتب الحجاج بن يوسف إلى قطري بن الفجاءة: "سلام عليك. أما بعد فإنك مرقت من الدين مروق السهم من الرمية. قد علمت حيث تجرثمت ذلك أنك عاص لله ولولاة أمره، غير أنك أعرابي جلف أمي تستطعم الكسرة وتشتفي بالتمرة والأمور عليك حسرة.
خرجت لتناول شبعة فلحق بك طغام صلوا بمثل ما صليت به من العيش، يهزون الرماح، ويستنشئون الرياح، على خوف وجهد من أمورهم، وما أصبحوا ينتظرون أعظم مما جهلوا معرفته، ثم أهلكهم الله بنزحتين والسلام".
فأجابه قطري بن الفجاءة:"من قطري بن الفجاءة إلى الحجاج بن يوسف. سلام على الهداة من الولاة الذين يرعون حريم الله ويرهبون نقمه. فالحمد لله على ما أظهر من دينه، وأطلع به أهل السفالة، وهدى به من الضلالة، ونصر به عند استخفافك بحقه. كتبت إليّ تذكر إني أعرابي جلف أمي أستطعم الكسرة وأشتفي بالتمرة، ولعمري يا ابن الحجاج أنك لميت في جبلتك، مطلخم (متكبر) في طريقتك، واه في وثيقتك، لا تعف الله، ولا تجزع في خطئتك، يئست واستيأست من ربك: فالشيطان قرينك لا تجاذبه وثاقك، ولا تنازعه خناقك، فالحمد لله الذي لو شاء أبرز لي صفحتك، وأوضح لي طلعتك، فوالذي نفس قطري بيده لعرفت أن مقارعة الأبطال ليس كتصدير المقال مع أني أرجو أن يدحض الله حجتك، وأن يمتعني مهجتك.
-قال الجاحظ: صعد قطري بن الفجاءة منبر الأزارقة.. فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: "أما بعد فغني أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة، حفت بالشهوات وراقت بالقليل وتحببت بالعاجلة وحليت بالآمال وتزينت بالغرور، ولا تدوم حبرتها ولا تؤمن فجعتها، غرّارة ضرارة خوّانة غدّارة، وحائلة زائلة ونافذة بائدة، أكالة بذلة نقالة، لا تعدو إذا هي تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا عنها أن تكون كما قال الله تعالى: (كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً). مع أن امرؤاً لم يكن منها في حيرة إلا أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهراً، ولم تطله غيثة رخاء إلا أهطلت عليه مزنة بلاء. وحري إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له خاذلة متنكرة، وإن جانب منها اعذوذب وأحلولى أمر عليه جانب وأوبى، وإن أتت امرؤاً من غضارتها ورفاهتها نعماً أرهقته من نوائبها تبعاً، ولم يمس أمرؤ منها في جناح أمن إلا أصبح منها على قوادم خوف، غرّارة غرور ما فيها، فانٍ ما عليها، لا خير في شيء من زادها إلا التقوى. من أقل منها استكثر مما يؤمنه ومن استكثر مما يوبقه ويطيل حزنه ويبكي عينيه. كم واثق بها قد أفجعته وذي طمأنينة إليها قد صرعته وذي اختيال فيها قد خدعته وكم من ذي أبهة بها قد صيرته حقيراً وذي نخوة قد ردته ذليلاً وكم من ذي تاج قد كبته لليدين والفم، سلطانها دول وغيثها رنق وعذبها أجاج وحلوها صبر وغذاؤها سمام وأسبابها رمام وقطافها سلع، حيها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم ومنيعها بعرض اهتضام، مليكها وعزيزها مغلوب وسليمها منكوب وجامعها محروب، مع أن وراء ذلك سكرات الموت وهول المطلع والوقوف بين الحكم العدل، ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ألستم في مساكن من كان أطول منكم أعماراً وأوضح منكم آثاراً وأعد عديداً أكثف جنوداً وأعند عنوداً، تعبدوا للدنيا أي تعبد وآثروها أي إيثار وظعنوا عنها بالكره والصغار، فهل بلغكم أن الدنيا سمحت لهم نفساً بفدية أو أغنت عنهم فيما قد أهلكتهم بخطب، بل قد أرهقتهم بالقوادح وضعضعتهم بالنوائب، وعقرتهم بالمصائب، وقد رأيتم تنكرها لمن زان لها وأخلد إليها حين ظعنوا عنها لفراق الأبد إلى آخر المسند، هل زودتهم إلا الشقاء وأحلتهم إلا الضنك أو نورت لهم إلا الظلمة أو أعقبتهم إلا الندامة، أفهذه تؤثرون أم على هذه تحرصون أم عليها تطمئنون. يقول الله:{من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون}. فبئست الدار لمن أقام فيها فاعملوا وأنتم تعلمون إنكم تاركوها لابد، فإنما هي كما وصفها الله باللعب واللهو وقد قال الله تعالى : (أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون)
والخطبة تلك مطولة في العقد الفريد أيضاً.
ما مضى هو بعض من أخبار قطري بن الفجاءة المازني الفارس الشجاع والشاعر الخطيب الملهب وهو ما أعجبني فيه، بينما أتوقف عن ما ذكروا من عقيدته فإن اجتهد فقد بالغ وغالى فمرق كما قالوا والله أعلم بحاله.
ومهما يكن فإنه معدود بين فرسان العرب وشجعانها وشعرائها وخطبائها وكان معدوداً في حيز تاريخي مهم من الزمن.