المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحمام والغربان



فاطمة ابراهيم
31-10-2006, 09:50 PM
الحمـــــام والغـــربان
قصة للأطفال
بقلم / فاطمة إبراهيم عبد العزيز
كانت الحمام تعيش على أرض يانعة تسمى أرض الزيتون ، فمزارع الزيتون ولكروم تنمو فى جنباتها ورائحة الموالح تعطر جوها .
نشأت الطيور الوديعة فى أعشاشها فوق الأشجار ، تطير من غصن إلى غصن وتحلق فى سماء وطنها فى حرية وأمان ، وتغرد بالحانها الجميلة صباح مساء ، فكان البدر يسطع ، وينير الدنيا حولها ، وكل شئ هادئ وديع .
وبينما الطيور تعيش جميعها فى أمن وسلام ، الحمام تحلق بأجنحتها فى السماء ، وتعود الى أبراجها فى المساء ، بعدما تلتقط البذور من الأرض ، وترتوى من ماء النهر ، وتفعل الطيور مثلها .
وفى يوم من الأيام إذا بسرب من الغربان السوداء تحلق بأجنحتها ، وتغير على سماء هذه الأرض الآمنة .
كانت الطيور تطير سعيدة مبتهجة حين أبصرت الغربان مقبلة ، ووجهها يملؤه الشر ، وسمعتها وهى تردد بجشع : " ما هذا ؟ أرض خضراء واسعة ، يعيش عليها الحمام مع الطيور الأخرى فى محبة وارتياح ، ونحن الغربان ليس لنا وطن ، وكلما أردنا الاستقرار فى أرض طردتنا طيورها ، لنعود نحلق فى السماء ، لقد تعبنا من الطيران ، وحرارة الشمس ، وبرد الشتاء وصقيعه ، إلى متى نظل بلا أعشاش مثلها ، ولماذا نترك كل هذا الخير ، لتلك الطيور الضعيفة الغبية ، علينا أن نغير على هذه الأرض ، ونهاجم الحمام ، كل الطيور بمخالبنا الحادة ، لقد ذقنا الجوع والعطش سنوات طويلة ، والحمام يأكل ويشرب ، ويلعب ، ويطير ، ونحن الغربان السود ، بلا أرض ، إن لنا أسرابا منتشرة هنا وهناك ، تعبت هى الأخرى ، تعبت من الصقور والنسور والصقيع ، تعبت من كراهية الطيور لها ، هنا نعيش ، هنا تكبر وتقوى ، ثم نطرد هذه الطيور الغبية ، بينما يكتب حكماؤنا كتابا بل كتبا عن أصلنا القديم فى هذه الأرض ، ويصطنعون لنا جدودا ، لنخلع هذه الطيور عن هذه الأرض ، هيا أحلمى معى أيتها الغربان " .
قال غراب نحيل ، وذيله طويلة : " إذاَ هذه أرضنا ، وليست أرضها ؟ " ، وقال غراب شديد السواد ، وهو يقهقه بصوته الكريه : " فليسألوا الدنيا كم ذبحنا منها بمخالبنا هذه ، وحطمنا أعشاشها " .
اهتز غراب شاحب الوجه ، ومنقاره حاد ، ونعق : " إذا ، فلنعش هنا ، ونبنى اعشاشا لنا فوق الأشجار مثلها " .
فى ذات مساء تلبدت السماء بسحاب أسود كثيف ، أخذ يقترب من الأرض شيئا فشيئا ، حتى هبط إلى الأرض فإذا بغربان تتحرك فى كل اتجاه ، علت الأشجار غير عابئة بالطيور النائمة ، وأخذت تنعق بصوت مزعج : " غاق .. غاق .. غاق .
صحت الطيور ، ونظرت فى دهشة إلى الغربان ، وقالت : " ما الذى أتى بك إلى هنا ، فى أرضنا أيتها الغربان ؟ " .
صوبت الغربان مخالبها الحادة فى وجه الطيور ، وعيونها يتطاير منها الشرر ، فأشاعت الخوف والذعر بين الطيور الوديعة ، وعاشت معها فى أرضها ، رغم أنفها ، وبينما الطيور تنتظر الوقت الذى ترحل فيه الغربان عن أرضها ، كانت الغربان تتكاثر كل يوم ، وتتضاعف أعدادها ، فكانت الطيور تراها كالسيل مقبلة ، تحجب السماء عن النظر ، فنادت الحمام على بعضها ، وقالت فيما بينها : " لم يعد أمامنا سوى أن نرضى بما حدث لنا ، ونعيش معها ، فكلنا طيور على كل حال " .
ذهبت أسراب الحمام مرة أخرى الى الأشجار التى تقف عليها الغربان : " ونادت عليها أيتها الغربان لقد دخلت أرضنا بالحيلة والقوة ، وزاد بطشك بنا ، فلم لا يسود الود والمحبة بيننا مثل كل الطيور فى أرض الله الواسعة ؟ " .
أجابت الغربان : " أجل ، إنه كلام جميل ، من الآن سنعيش معا فى سلام " .
مضى وقت قصير على هذا الاتفاق الذى تم بين الحمام والغربان ، لكن حقد الغربان وغلها كان يشتعل ويكبر ، فعلا نعيقها ، وهتفت : " لدينا المخالب القوية ، ولنا الأقارب فى كل الدنيا ينتشرون فلم لا نعيش نحن على أرض هذا الوطن ، ونطرد هذه الطيور الضعيفة ؟ " .
وبدأت الغربان حملاتها ، فيوم تنقر غصون الأشجار ، فتنهار الأعشاش ، وتموت الصغار ، ويتحطم البيض ، فتنزوى الطيور بعيدا تاركة أشجارها ، فتسكنها الغربان ، ويوم آخر تصوب الغربان مخالبها ومناقيرها فى وجه الطيور ، وتزيحها ، وتضيق عليها أرزاقها ، فتقطع عليها الطريق حتى كادت أن تكون الأرض والسماء للغربان فقط .
لكن الحمام الوديع لم يستسلم ، ولم يسكت على فعل الغربان ، فشن الحرب عليها ، وبادل الضرب بالضرب ، والنقر بالنقر ، ولأن الحمام يحب السلام والعيش فى وداعة ، فقد دعا الغربان لعقد صلح فيما بينها ، حتى لا يعتدى غراب على حمامة ، ولا يسرق طعامها ، فكان رد الحمام على الغربان الموافقة ، ولكن بشروط .
قالت الحمام : " وما شروطك ؟ ".
أجابت بغرور : " نأخذ نصف أرضك ، لكى تعيش الطيور جميعها فى سلام " .
سكتت الطيور أمام هذا المطلب الصعب ، أنها أرض الطيور البريئة ، التى لم تقدم للغربان أى سوء ، ولكن الغربان أصرت على شرطها ، بل وفرضته فرضا ، فلم يكن أمام الطيور إلا الموافقة ، وهى تقول : " إنه ثمن السلام ، كى نبتعد عن سفك دماء بعضنا البعض " .
لكن الغربان لم تكتف بما سلبته من الطيور ، ففى كل يوم تزيد من اعتدائها على الطيور ، وتدخل الأبراج الآمنة لتطردها بالقوة ، وتنزع ريشها ، وتطردها من أشجارها ، وتستولى على أعشاشها ، ولم يعد سوى جزء صغير تعيش فيه الطيور ، والغربان لا تتوقف عن إلحاق الأذى بها ، والطيور تقاوم ، مرة بالمناقير ، ومرة بجمع الحصى ، وإلقائها فى وجه الغربان التى تشعل النيران من كل جانب ، لتحرق موطن الطيور ، وتقتل أفراخها الصغار ، سعيدة برؤية دماء الطيور ، وبكائها ، وعجزها .
حاولت الطيور الغريبة من كل أنحاء الأرض التدخل ، ورد الغربان إلى صوابها ، ولكن دون جدوى ، لقد فقدت الغربان عقلها تماما .
قالت الطيور وهى عائدة إلى موطنها : " أنها غربان مجنونة ، تسئ الى الحمام التى قبلتها فى أرضها ، وارتضت العيش معها ، لقد نسيت معروف الطيور ، ها هى ذى كل يوم تبطش بها ، أجل ، لقد لعنها الله ، ولعن أجدادها من قديم الأزل ، فجللها بالسواد .
عقدت الطيور اجتماعا سريا ، وفكرت فى حالها الذى يسوء يوما بعد يوم : " ما العمل ؟ لقد ذهبت أفراخها ضحية لهذا العدو الخبيث الذى مكث ذمنا على أرضها " .
قالت حمامة مطوقة : " الى متى نحتمل هذا الظلم أيتها الحمام ، انه سيل من الطغيان علينا من كل جانب ، لقد تكاثرت أعداد الغربان ، وصمت آذانها عن أى صوت يتكلم عن الحق ، لقد أنذرتها الطيور بنهاية أليمة ، أن السلام هو الحب والأمان ، ولكن دون جدوى ، ما رأيك فى أن نقاومها بنفس القوة التى تسلطها علينا ؟ " .
نظرت الحمام إليها فى انتباه ، ثم قالت : " ماذا تعنى يا أختاه ؟ " .
أجابت المطوقة فى حزم : " نشعل الأشجار والأعشاش ، وننزع ريشها ، ونبعثره فى الهواء نذيقها من نفس الكأس التى أذاقتنا منها حقبا من الزمن " .
رفرف الحمام بأجنحته فى همة وحماس ، وطار ينثر هديله أعلى الأفق ، وقد استراح لهذه الفكرة القادمة ، والجديدة الحاسمة ، ومن تلك اللحظة والحمام ينظم جماعات تقدم أرواحها فداء للوطن ، فتشعل الحرائق فى جنح الليل فى أعشاش الغربان ، وتختفى خلف الأشجار ، وهى تشاهد مصرع الطيور السوداء ، وقد تبعثرت أشلاء أجسامها ، وتطاير ريشها حتى ملأ السماء ، فخرجت تصرخ : " غاق .. غاق . تبكى موت أفراخها الصغار بأيدى جماعات الحمام الفدائية التى ضحت بحياتها من أجل الوطن ، ووقفت تنوح ، وأعلنت الثأر لأرواح أبنائها الغربان ، وبينما هى فى غضبها وهياجها فكرت فى أفراخها ، والمصير . المنتظر لها ، فالحمام قد أزداد قوة ، وعرف أن الغربان من السهل . أبادتها ، فجمعت شملها ، وتربصت لها فى كل مكان متأهبة . للدفاع عن نفسها ، وعن وطنها ، وليس هناك شئ أجمل وأغلى من الوطن .
سكنت ثورة الغربان عندما زارتها جيرانها الطيور ، وقدمت لها العزاء فى موت أفراخها ، وطالبتها بالهدوء والسكينة ، وعاتبتها على عدم سماعها لندائها السابق ، ومراعاتها لحقوق الحمام الذى يعيش معها فى أرضها الغالية ، فقد لمحت لها على أنها التى أشعلت النار فلماذا تبكى الآن ؟ عليها أن تلوم نفسها أولا !!