الدكتورمحمدعبدالغني
04-11-2006, 09:47 AM
ه
هل يجوز للمرأة أن تطلق نفسها ؟
غير أنه ليس معنى كون الطلاق بيد الرَّجُل وله وحده أنه لا يجوز لها أن تطلق نفسها، بل إنّ الصلاحية له وحده أصلاً وإطلاقاً دون أي تقييد بحالة من الحالات والزوجة لها أن تفسخ وتحل عقد الزوجية في حالات معينة نصّ عليها الشَّرْع منها:
1. إذا جعل الزوج أمر طلاقها بيدها أو اشترطت لنفسها الطلاق منذ بداية العقد برضى الرَّجُل فإن لها أن تطلق نفسها حسب ما ملكها إياه فتقول طلقت نفسي من زوجي فلان أو تخاطب قائلة طلقت نفسي منك ولا تقول طلقتك أو أنت طالق لأن الطلاق يقع على المرأة لا على الرَّجُل حتى لو صدر الطلاق منها وإنما جاز أن يجعل الزوج أمر الطلاق بيد الزوجة لأن رسول الله خير نساءه ولإجماع الصحابة على ذلك( ).
2. إذا امتنع الزوج عن الإنفاق على زوجته وهو موسر وتعذر عليها الوصول إلى ماله للانفاق بأي وجه من الوجوه، فإن لها أن تطلب التطليق وعلى القاضي أن يطلق عليه في الحال دون إمهال عند الجمهور لقوله تعالى: وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ( ) وإمساك المرأة بدون إنفاق عليها إضرار بها وقوله تعالى: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ( ) وليس من الإمساك بالمعروف أن يمتنع عن الإنفاق عليها ولقوله : « امرأتك ممن تعول تقول أطعمني وإلا فارقني»( ) ( ) ولأن عمر رضي الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم أن يأخذوهم أن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى (2). ولقول أبو الزِّنَاد( ) سألت سعيد بن المُسَيِّب عن الرَّجُل لا يجد ما ينفق على امرأته أيفرق بينهما؟ قَالَ: نعم قلت له: سنّة؟ قَالَ: سنة وقول سعيد، سنّة يعني سنّة رسول الله وخالف في التفريق الحَنَفِيَّة والإمامية والراجح رأي الجمهور لقوة أدلتهم ودفعاً للضرر عن المرأة ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام( ).
3. إذا علمت أن في الزوج علّة أو عيباً تحول دون الدخول كالجب( ) والعُنّة( ) والخصاء، وكانت سالمة من مثلها فإن لها في مثل هذه الحالة أن تطلب فسخ نكاحها منه عند الجمهور والإمامية لأنها عيوب غير قابلة للزوال، فالضرر فيها دائم ولا يتحقق معها المقصود الأصلي من الزواج وهو التوالد والتناسل والإعفاف من المعاصي، فكان لا بد من التفريق بشرط تحقيق الحاكم في ادعاء وجود العيب وعدم وجوده لأن الزوجين يختلفان في ادعاء وجود العيب وعدم وجوده، فإذا تحقق الحاكم من وجود العيب بالجب فرق بين الزوجين في الحال، ولم يؤجله لعدم الفائدة في التأجيل، أما العنين والخصي فيؤجله الحاكم سنة من تاريخ الخصومة، أي الدعوى والترافع فقد روي أن ابن منذر تزوج امرأة وهو خصي، فقَالَ له عمر : أعلمتها ، قَالَ : لا، قَالَ: أعلمها ثم خيرها وروى أن عمر أجّل العنين سنة( ).
4. إذا ظهر للزوجة قبل الدخول أو بعده أن الزوج مصاب بمرض من العيوب المنفرة والأمراض التي لا يمكن الإقامة بها معه بلا ضرر كالجذام والبرص والزُّهَريّ والسّل أو طرأ عليه مثل هذه الأمراض، فإن لها أن تراجع القاضي وتطلب التفريق بينها وبين زوجها، ويجاب طلبها إذا ثبت وجود هذا المرض وعدم إمكان البرء منه في مدّة معينة وخيارها دائم وليس بمؤقت وذلك لما ورد في الموطأ عن مالك أنه بلغه عن سعيد بن المُسَيِّب أنه قَالَ: « أيمـا رجـل تـزوج امـرأة وبـه جنـون أو ضرر فإنـها تُخيـَّر، فإن شاءت قرت وإن شاءت فارقـت»( ).
5. إذا جنّ الزوج بعد عقد النكاح، فللزوجة أن تراجع القاضي وأن تطلب تفريقها منه والقاضي يؤجل التفريق مدة سنة، فإذا لم تزل الجنّة في هذه المدة وأصرت الزوجة يحكم القاضي بالتفريق لحديث الموطأ السابق.
6. إذا سافر الزوج إلى مكان بعد أو قرب ثم غاب وانقطعت أخباره وتضررت الزوجة من غيبته وخشيت على نفسها الفتنة وتعذر عليها النفقة، فإن لها أن تطلب التفريق منه بعد بذل الجهد في البحث والتحري عليه( ) لقول الرسول عن الزوجة تقول لزوجها «أطعمني و إلا فارقني»( ) فجعل عدم الإطعام علّة للفراق ولأن عمر رضي الله عنه كتب في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا( ).
7. إذا ظهر بين الزوجين نزاع وشقاق شديد بسبب الطعن في الكرامة أو إيذاء الزوج لزوجته بالقول أو بالفعل كالشتم المقذع والتقبيح المخل بالكرامة، والضرب المبرح والحمل على فعل ما حرّم الله والإعراض والهجر من غير سبب يبيحه ونحوه، أجاز المالكية التفريق منعاً للنـزاع وحتى لا تصبح الحياة الزوجيـة جحيمـاً وبـلاء لقـولـه : « لا ضرر ولا ضرار »( )، فإن لها أن ترفع أمرها للقاضي فإن أثبت الضرر أو صحة دعواها طلقها منه وإن عجزت عن إثبات الضرر، رفضت دعواها فإن كررت الادعاء بعث القاضي حكمين: حكماً من أهلها وحكماً من أهل الزوج لفعل الأصلح من جمع وصلح أو تفريق لقوله تعالى :وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ( ) والمجلس العائلي هذا يصغي إلى شكاوى الطرفين ويبذل جهده للإصلاح وإن لم يمكن التوفيق بينهما يفرق هذا المجلس بينهما على الوجه الذي يراه مما يظهر له من التحقيق عند المالكية وينفذ قول الحكمين في الفرقة والاجتماع بغير توكيل الزوجين ولا إذن منهما بدليل ما رواه مالك عن علي بن أبي طالب أنه قَالَ في الحكمين: « إليهما التفرقة بين الزوجين والجمع »( ).
ولم يجز الحَنَفِيَّة والشَّافِعِية والحنابلة التفريق للشقاق أو للضرر مهما كان شديداً لأن دفع الضرر يكون برفعه إلى القاضي والحكـم على الرَّجُل بالتأديـب حتـى يرفـع عـن الإضـرار بـها( ).
من خلال ما سبق يتبين النِّظَام المتكامل في شرعة الله للطلاق الذي يتعرض له الزوجان، فهو طلاق إما أن يتم من خلال إرادتي الزوجين ولا إشكال فيه وطلاق يتم بإرادة واحدة مخالفة الإرادة الأخرى سواء من الرَّجُل أو المرأة وهذا هو الطلاق الذي تلاحظ فيه ضرورة إقامة ميزان العدل بين الطرفين.
فالطلاق الذي يتم برغبة مزاجية من الزوج دون الزوجة يجعل المهر كاملاً من حق الزوجة، ولا يعود منه إلى الزوج المطلق بشيء وعلى أن تضاف إلى ذلك «متعة» يقرر القاضي مقدارها وعلى أن يستمر في الإنفاق عليها إلى أن تنـتهي العدة إلاّ في حالة النشوز فلذلك حكم آخر يتناسب والحالة هذه.
والطلاق الذي يتم برغبة مزاجية من الزوجية يجعل المهـر جزئيـاً أو كامـلاً وهـذا مـا يُسمـى بالخلـع.
وهذا النِّظَام يحفظ لكل من الرَّجُل والمرأة حقه في شركة عادلة، نظام كامل متكامل «إذ ليس من المنطق ولا المصلحة إبقاء الرابطة الزوجية بعد أن ظهر عدم الفائدة من بقائها أو ظهر أن بقاءها مضر ولهذا نجد الدول الغَرْبيّة تقرر جواز الطلاق المدني لأن الكنائس لا تجيزه وحتى إيطاليا التي كانت إلى عهدٍ قريب تأخذ بالتفريق الجثماني بين الزوجين عند وجود أسبابه ومعناه أن الزوجين يعيشان منفردين ولكن يعتبر كل منهما زوجاً للآخر بحكم القانون، ولا يحق لأحدهما الزواج لأن الرابطة الزوجية تعتبره قانوناً إلا أنها أجازت الطلاق أخيراً بموجب القوانين التي شرعتها»( ).
ومن المعلوم أن إقدام الرَّجُل في الغَرْب على الزواج لا يُكلفه أي مغرم ولا يحمله أي تبعية فلا مهر ولا نفقة واجبة عليه لها، وإذا طلق كما هو واقع النِّظَام في أمريكا فإنّ الزوجة تضع يدها على نصف ممتلكاته غير أن أحداً من الأزواج المطلقين لا يقع تحت طائلة هذا القانون الوضعي ذلك لأن الطلاق ليس أكثر من فراق غير معلن يقرره الزوج من طرفه مما جعل الطريق إليه سهلاً لا يكلفه أي غرم ولا يحمله أي تبعية « وهذا هو الذي يفسر الصعود المطّرد لنسبة الطلاق في أمريكا والتي تجتاوزت في نهاية عام 1994م 70% ولعل البقية الباقية تتمثل فيمن بلغ من الكبر عتيا فلا مأرب لهم إلا الركون مع زوجته وقضاء البقية الباقية من حياته»( ).
ومثل ذلك ما نشرته جريدة الشرق الأوسط من دراسة بريطانية حول العلاقات الاجْتِمَاعِيَّة وظاهرة تصاعد نسبة الطلاق التي بلغت 70% بين النساء البريطانيات( ).
وهذا الذي يفسر كثرة القتل والضرب المبرح للزوجة التي لا يتمكن من طلاقها حسب القانون، فالرَّجُل يمل من الارتباط بزوجته أو صديقته ويندم بالعيش معها فيصطفي من دونها من يشاء من الحسناوات، فتضيق الزوجة أو الصاحبة بهذا الأمر ذعراً وتجرب المسكينة حظها في الإنكار عليه بالرجاء آناً والوعيد أحياناً، فينهال الزوج أو الخليل لكماً وضرباً لهذه العقبة الكؤود في حياته ويورث المجتمع عندئذ ملايين النساء المطلقات والعوانس والمنكوبات مع ذيول محزنة من ملايين الأطفال الذين لا يحنو عليهم إلاّ الملاجئ.
وإليك نموذج من ثمار هذه الحَضَارَة الزائفة ( نشرت مجلة التايم ):
- إنّ ستة ملايين زوجة في أمريكا يتعرضنّ لحوادث الضرب من جانب الزوج كل عام.
- إن ألفين إلى أربعة آلاف امرأة يتعرضنّ للضرب الذي يؤدي إلى الموت.
- إنّ رجال الشرطة يقضون 33 % من وقتهم للرّد على مكالمات العنف المنـزلي( ).
ونشر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي عام 1979م( ):
- إن 40 % من حوادث قتل النساء بسبب المشكلات الأسرية.
- إن 25 % من محاولات الانتحار التي تقدم عليها الزوجات يسبقها نزاع عائلي.
وذكر تقرير للشرطة الأمريكية عام 1978م( ):
- إنّ 40 % من إصابات رجال الشرطة و 20% من حوادث قتل رجال الشرطة في أوروبا وأمريكا تقع بسبب وجودهم في أماكن حدوث نزاع عائلي.
وفي إحصائية عامة أظهرت أنّ نسبة الطلاق في الغَرْب 70 % وفي البلاد الإسْلاميَّة لا يتجاوز 10% ( ).فهذا هو البديل الماثل أمام أبصارنا على المسرح الحضاري اليوم، فيا ترى هل في العقلاء من يقول أن هذا الخيار الغَرْبيّ هو الأجدى في تحقيق العَدالَة وهو الأمثل لإنصاف المرأة وضمان حقوقها؟
هل الأكرم للمرأة أن ترتفع نسبة الطلاق المفروض عليها إلى 70 % ؟
إذن فلماذا ينقد مدعو تحرير المرأة والمدافعون عن حقوقها كما يزعمون هذا الطلاق ويتأففون منه عندما تكون نسبته من بين 5 و 10 % ؟
وهل الأكرم للمرأة إذا طلقت أن تخسر المرأة كلاً من الزوج والمال معاً لأن زواجها يوم لم يكن قد ارتبط بأي ضمانة مالية لها؟
إذن فالعلاج عندنا في الشَّرِيعَة الإسْلاميَّة الغراء.
إنّ الإسلام يشرع لواقع الحياة حتى تكون حياة آمنة مطمئنة تسودها الألفة والمودة والرحمة ولذلك ينبغي أن يكون إلى الفرقة سبيل وأن لا يُسد ذلك من كل وجه لأن سدّ باب الفرقة كليّة يقتضي وجودها من الضرر والفساد والخلل، وهي أمور لا يمكن دفعها إلا
بالطلاق عند تعذر الوفاق( )،فالحق إن مشروعية الطلاق أصون لكرامة المرأة مما لو كان محرماً،فإن امرأة تحرص على كرامتها ترفض أن تظل مفروضة على زوج لا يريدها ولا تريده.
هل يجوز للمرأة أن تطلق نفسها ؟
غير أنه ليس معنى كون الطلاق بيد الرَّجُل وله وحده أنه لا يجوز لها أن تطلق نفسها، بل إنّ الصلاحية له وحده أصلاً وإطلاقاً دون أي تقييد بحالة من الحالات والزوجة لها أن تفسخ وتحل عقد الزوجية في حالات معينة نصّ عليها الشَّرْع منها:
1. إذا جعل الزوج أمر طلاقها بيدها أو اشترطت لنفسها الطلاق منذ بداية العقد برضى الرَّجُل فإن لها أن تطلق نفسها حسب ما ملكها إياه فتقول طلقت نفسي من زوجي فلان أو تخاطب قائلة طلقت نفسي منك ولا تقول طلقتك أو أنت طالق لأن الطلاق يقع على المرأة لا على الرَّجُل حتى لو صدر الطلاق منها وإنما جاز أن يجعل الزوج أمر الطلاق بيد الزوجة لأن رسول الله خير نساءه ولإجماع الصحابة على ذلك( ).
2. إذا امتنع الزوج عن الإنفاق على زوجته وهو موسر وتعذر عليها الوصول إلى ماله للانفاق بأي وجه من الوجوه، فإن لها أن تطلب التطليق وعلى القاضي أن يطلق عليه في الحال دون إمهال عند الجمهور لقوله تعالى: وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ( ) وإمساك المرأة بدون إنفاق عليها إضرار بها وقوله تعالى: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ( ) وليس من الإمساك بالمعروف أن يمتنع عن الإنفاق عليها ولقوله : « امرأتك ممن تعول تقول أطعمني وإلا فارقني»( ) ( ) ولأن عمر رضي الله عنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم يأمرهم أن يأخذوهم أن ينفقوا أو يطلقوا فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى (2). ولقول أبو الزِّنَاد( ) سألت سعيد بن المُسَيِّب عن الرَّجُل لا يجد ما ينفق على امرأته أيفرق بينهما؟ قَالَ: نعم قلت له: سنّة؟ قَالَ: سنة وقول سعيد، سنّة يعني سنّة رسول الله وخالف في التفريق الحَنَفِيَّة والإمامية والراجح رأي الجمهور لقوة أدلتهم ودفعاً للضرر عن المرأة ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام( ).
3. إذا علمت أن في الزوج علّة أو عيباً تحول دون الدخول كالجب( ) والعُنّة( ) والخصاء، وكانت سالمة من مثلها فإن لها في مثل هذه الحالة أن تطلب فسخ نكاحها منه عند الجمهور والإمامية لأنها عيوب غير قابلة للزوال، فالضرر فيها دائم ولا يتحقق معها المقصود الأصلي من الزواج وهو التوالد والتناسل والإعفاف من المعاصي، فكان لا بد من التفريق بشرط تحقيق الحاكم في ادعاء وجود العيب وعدم وجوده لأن الزوجين يختلفان في ادعاء وجود العيب وعدم وجوده، فإذا تحقق الحاكم من وجود العيب بالجب فرق بين الزوجين في الحال، ولم يؤجله لعدم الفائدة في التأجيل، أما العنين والخصي فيؤجله الحاكم سنة من تاريخ الخصومة، أي الدعوى والترافع فقد روي أن ابن منذر تزوج امرأة وهو خصي، فقَالَ له عمر : أعلمتها ، قَالَ : لا، قَالَ: أعلمها ثم خيرها وروى أن عمر أجّل العنين سنة( ).
4. إذا ظهر للزوجة قبل الدخول أو بعده أن الزوج مصاب بمرض من العيوب المنفرة والأمراض التي لا يمكن الإقامة بها معه بلا ضرر كالجذام والبرص والزُّهَريّ والسّل أو طرأ عليه مثل هذه الأمراض، فإن لها أن تراجع القاضي وتطلب التفريق بينها وبين زوجها، ويجاب طلبها إذا ثبت وجود هذا المرض وعدم إمكان البرء منه في مدّة معينة وخيارها دائم وليس بمؤقت وذلك لما ورد في الموطأ عن مالك أنه بلغه عن سعيد بن المُسَيِّب أنه قَالَ: « أيمـا رجـل تـزوج امـرأة وبـه جنـون أو ضرر فإنـها تُخيـَّر، فإن شاءت قرت وإن شاءت فارقـت»( ).
5. إذا جنّ الزوج بعد عقد النكاح، فللزوجة أن تراجع القاضي وأن تطلب تفريقها منه والقاضي يؤجل التفريق مدة سنة، فإذا لم تزل الجنّة في هذه المدة وأصرت الزوجة يحكم القاضي بالتفريق لحديث الموطأ السابق.
6. إذا سافر الزوج إلى مكان بعد أو قرب ثم غاب وانقطعت أخباره وتضررت الزوجة من غيبته وخشيت على نفسها الفتنة وتعذر عليها النفقة، فإن لها أن تطلب التفريق منه بعد بذل الجهد في البحث والتحري عليه( ) لقول الرسول عن الزوجة تقول لزوجها «أطعمني و إلا فارقني»( ) فجعل عدم الإطعام علّة للفراق ولأن عمر رضي الله عنه كتب في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا( ).
7. إذا ظهر بين الزوجين نزاع وشقاق شديد بسبب الطعن في الكرامة أو إيذاء الزوج لزوجته بالقول أو بالفعل كالشتم المقذع والتقبيح المخل بالكرامة، والضرب المبرح والحمل على فعل ما حرّم الله والإعراض والهجر من غير سبب يبيحه ونحوه، أجاز المالكية التفريق منعاً للنـزاع وحتى لا تصبح الحياة الزوجيـة جحيمـاً وبـلاء لقـولـه : « لا ضرر ولا ضرار »( )، فإن لها أن ترفع أمرها للقاضي فإن أثبت الضرر أو صحة دعواها طلقها منه وإن عجزت عن إثبات الضرر، رفضت دعواها فإن كررت الادعاء بعث القاضي حكمين: حكماً من أهلها وحكماً من أهل الزوج لفعل الأصلح من جمع وصلح أو تفريق لقوله تعالى :وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ( ) والمجلس العائلي هذا يصغي إلى شكاوى الطرفين ويبذل جهده للإصلاح وإن لم يمكن التوفيق بينهما يفرق هذا المجلس بينهما على الوجه الذي يراه مما يظهر له من التحقيق عند المالكية وينفذ قول الحكمين في الفرقة والاجتماع بغير توكيل الزوجين ولا إذن منهما بدليل ما رواه مالك عن علي بن أبي طالب أنه قَالَ في الحكمين: « إليهما التفرقة بين الزوجين والجمع »( ).
ولم يجز الحَنَفِيَّة والشَّافِعِية والحنابلة التفريق للشقاق أو للضرر مهما كان شديداً لأن دفع الضرر يكون برفعه إلى القاضي والحكـم على الرَّجُل بالتأديـب حتـى يرفـع عـن الإضـرار بـها( ).
من خلال ما سبق يتبين النِّظَام المتكامل في شرعة الله للطلاق الذي يتعرض له الزوجان، فهو طلاق إما أن يتم من خلال إرادتي الزوجين ولا إشكال فيه وطلاق يتم بإرادة واحدة مخالفة الإرادة الأخرى سواء من الرَّجُل أو المرأة وهذا هو الطلاق الذي تلاحظ فيه ضرورة إقامة ميزان العدل بين الطرفين.
فالطلاق الذي يتم برغبة مزاجية من الزوج دون الزوجة يجعل المهر كاملاً من حق الزوجة، ولا يعود منه إلى الزوج المطلق بشيء وعلى أن تضاف إلى ذلك «متعة» يقرر القاضي مقدارها وعلى أن يستمر في الإنفاق عليها إلى أن تنـتهي العدة إلاّ في حالة النشوز فلذلك حكم آخر يتناسب والحالة هذه.
والطلاق الذي يتم برغبة مزاجية من الزوجية يجعل المهـر جزئيـاً أو كامـلاً وهـذا مـا يُسمـى بالخلـع.
وهذا النِّظَام يحفظ لكل من الرَّجُل والمرأة حقه في شركة عادلة، نظام كامل متكامل «إذ ليس من المنطق ولا المصلحة إبقاء الرابطة الزوجية بعد أن ظهر عدم الفائدة من بقائها أو ظهر أن بقاءها مضر ولهذا نجد الدول الغَرْبيّة تقرر جواز الطلاق المدني لأن الكنائس لا تجيزه وحتى إيطاليا التي كانت إلى عهدٍ قريب تأخذ بالتفريق الجثماني بين الزوجين عند وجود أسبابه ومعناه أن الزوجين يعيشان منفردين ولكن يعتبر كل منهما زوجاً للآخر بحكم القانون، ولا يحق لأحدهما الزواج لأن الرابطة الزوجية تعتبره قانوناً إلا أنها أجازت الطلاق أخيراً بموجب القوانين التي شرعتها»( ).
ومن المعلوم أن إقدام الرَّجُل في الغَرْب على الزواج لا يُكلفه أي مغرم ولا يحمله أي تبعية فلا مهر ولا نفقة واجبة عليه لها، وإذا طلق كما هو واقع النِّظَام في أمريكا فإنّ الزوجة تضع يدها على نصف ممتلكاته غير أن أحداً من الأزواج المطلقين لا يقع تحت طائلة هذا القانون الوضعي ذلك لأن الطلاق ليس أكثر من فراق غير معلن يقرره الزوج من طرفه مما جعل الطريق إليه سهلاً لا يكلفه أي غرم ولا يحمله أي تبعية « وهذا هو الذي يفسر الصعود المطّرد لنسبة الطلاق في أمريكا والتي تجتاوزت في نهاية عام 1994م 70% ولعل البقية الباقية تتمثل فيمن بلغ من الكبر عتيا فلا مأرب لهم إلا الركون مع زوجته وقضاء البقية الباقية من حياته»( ).
ومثل ذلك ما نشرته جريدة الشرق الأوسط من دراسة بريطانية حول العلاقات الاجْتِمَاعِيَّة وظاهرة تصاعد نسبة الطلاق التي بلغت 70% بين النساء البريطانيات( ).
وهذا الذي يفسر كثرة القتل والضرب المبرح للزوجة التي لا يتمكن من طلاقها حسب القانون، فالرَّجُل يمل من الارتباط بزوجته أو صديقته ويندم بالعيش معها فيصطفي من دونها من يشاء من الحسناوات، فتضيق الزوجة أو الصاحبة بهذا الأمر ذعراً وتجرب المسكينة حظها في الإنكار عليه بالرجاء آناً والوعيد أحياناً، فينهال الزوج أو الخليل لكماً وضرباً لهذه العقبة الكؤود في حياته ويورث المجتمع عندئذ ملايين النساء المطلقات والعوانس والمنكوبات مع ذيول محزنة من ملايين الأطفال الذين لا يحنو عليهم إلاّ الملاجئ.
وإليك نموذج من ثمار هذه الحَضَارَة الزائفة ( نشرت مجلة التايم ):
- إنّ ستة ملايين زوجة في أمريكا يتعرضنّ لحوادث الضرب من جانب الزوج كل عام.
- إن ألفين إلى أربعة آلاف امرأة يتعرضنّ للضرب الذي يؤدي إلى الموت.
- إنّ رجال الشرطة يقضون 33 % من وقتهم للرّد على مكالمات العنف المنـزلي( ).
ونشر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي عام 1979م( ):
- إن 40 % من حوادث قتل النساء بسبب المشكلات الأسرية.
- إن 25 % من محاولات الانتحار التي تقدم عليها الزوجات يسبقها نزاع عائلي.
وذكر تقرير للشرطة الأمريكية عام 1978م( ):
- إنّ 40 % من إصابات رجال الشرطة و 20% من حوادث قتل رجال الشرطة في أوروبا وأمريكا تقع بسبب وجودهم في أماكن حدوث نزاع عائلي.
وفي إحصائية عامة أظهرت أنّ نسبة الطلاق في الغَرْب 70 % وفي البلاد الإسْلاميَّة لا يتجاوز 10% ( ).فهذا هو البديل الماثل أمام أبصارنا على المسرح الحضاري اليوم، فيا ترى هل في العقلاء من يقول أن هذا الخيار الغَرْبيّ هو الأجدى في تحقيق العَدالَة وهو الأمثل لإنصاف المرأة وضمان حقوقها؟
هل الأكرم للمرأة أن ترتفع نسبة الطلاق المفروض عليها إلى 70 % ؟
إذن فلماذا ينقد مدعو تحرير المرأة والمدافعون عن حقوقها كما يزعمون هذا الطلاق ويتأففون منه عندما تكون نسبته من بين 5 و 10 % ؟
وهل الأكرم للمرأة إذا طلقت أن تخسر المرأة كلاً من الزوج والمال معاً لأن زواجها يوم لم يكن قد ارتبط بأي ضمانة مالية لها؟
إذن فالعلاج عندنا في الشَّرِيعَة الإسْلاميَّة الغراء.
إنّ الإسلام يشرع لواقع الحياة حتى تكون حياة آمنة مطمئنة تسودها الألفة والمودة والرحمة ولذلك ينبغي أن يكون إلى الفرقة سبيل وأن لا يُسد ذلك من كل وجه لأن سدّ باب الفرقة كليّة يقتضي وجودها من الضرر والفساد والخلل، وهي أمور لا يمكن دفعها إلا
بالطلاق عند تعذر الوفاق( )،فالحق إن مشروعية الطلاق أصون لكرامة المرأة مما لو كان محرماً،فإن امرأة تحرص على كرامتها ترفض أن تظل مفروضة على زوج لا يريدها ولا تريده.