المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الكلمة واخواتها في القرآن الكريم



أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:41 PM
الكلمة واخواتها في القرآن الكريم

للدكتور الشيخ أحمد الكبيسي

( قناة دبى الفضائية )

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:42 PM
باب حرف الألف

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:43 PM
منظومة أبّ

أب – والد

كلمة أب ووالد ومثلها كلمة أم ووالدة تدخل في نفس معنى هذه المنظومة.

أبّ : كلمة أبّ في القرآن الكريم لها معناها الخاصّ بها والذي يؤدي المعنى المطلوب في الآيات القرآنية. وكلمة أبّ تدلّ على الأبوة بحكم تربية الأب لأولاده والأبوّة هي باعتبار قدرة الإنسان على تربية أولاده ومسؤوليته عنهم ورعايته لهم وكذلك الأم تُسمّى أماً باعتبار رعايتها لأولادها وتربيتها لهم وقيامها بواجباتها نحوهم ولذا جاء في الحديث (الجنّة تحت أقدام الأمهات) ولم يقل الوالدات. والأبوّة فيها اختلاف ولا يتساوى اثنين في أبوّتهم لأبنائهم فهناك الأب الحنون والأب الظالم والأب المتسامح والأب المفرّط والأب الفوضوي وغيرهم إذن فالأبوة غير منضبطة وهي أمر خاص بكل إنسان. ويسمى كل من كان سبباً في إيجاد شيء أو صلاحه أو ظهوره أباً ولذلك سمّي النبي r أبا المؤمنين ولهذا قال تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) ويُقال أبو الأضياف لتفقده لحالهم. ويُسمى العم مع الأب أبوين (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت فقال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وأله أبائك إبراهم وإسماعيل وإسحق إلهاً واحدا) سورة البقرة آية 133 واسماعيل لم يكن من آبائهم وإنما كان عمّهم، وكذلك الأم مع الأب (وورثه أبواه) سورة النساء آية 11 والمقصود الأب والأم، وكذلك الجدّ مع الأب (واتبعت ملة آبائي ابراهيم واسحق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) سورة يوسف آية 38. وكذلك تطلق كلمة أبّ على معلّم الإنسان كما في قوله تعالى (وجدنا آباءنا على أمة) بمعنى علماؤنا الذين ربّونا بالعلم (ربنا إنا أطعنا ساداتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) سورة آية. وفي قوله تعالى (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) إنما هو نفي الولادة وتنبيه أن التبني لا يجري مجرى البنوة الحقيقية.

ويقال في اللغة أبوت القوم إذا كنت لهم أبا.

وكما يقال للأب يقال للأم ولهذا قيل لحواء أمنا وإن كان بيننا وبينها أزمان وأجيال عديدة. واستعملت كلمة الأم في القرآن لللوح المحفوظ (وإنه في أم الكتاب) ولمكة المكرمة (ولتنذر أم القرى ومن حولها) وتُسمّى الفاتحة أم الكتاب. ومن لفظ الأم جاءت الأميّ أي كما ولدته أمه لا يقرأ ولا يكتب.

والد: كلمة والد في القرآن الكريم تعني كل من هو قادر على الإنجاب.وهي إذن باعتبار قدرة الله تعالى في الإنسان بأنه سبحانه خلق في الإنسان القدرة على الإنجاب ولا يفعل ذلك إلا ربّ. وأي رضل قادر على الإنجاب يُسمّى والداً وأي امرأة قادرة على الإنجاب تُسمّى والدة. إذن الوالدية منضبطة وفيها يتساوى كل القادرين على الإنجاب والكل ينجب بنفس الطريقة والكل متساوون من حيث كونهم والدين. وليس كل والد أبّ وليس كل والدة أم. ومن هذا المعنى لكلمة الأب والأم والوالد والوالدة نفهم الآن الحكم الشرعي في قوله تعالى (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما* واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) سورة الإسراء آية 23 و 24، لأن البِّر يجب أن يكون للوالدين الذين أنجبا مهما حسنت تربيتهما لأولادهما أو ساءت ولو قال تعالى بالأبوين إحسانا لما استحق كل الآباء والأمهات البِّر إذن الحكم الشرعي هو البر بالوالدين حتى لو لم يُحسنوا تربية الأولاد وحتى لو جاهدا أولادهم على الشرك والمعصية. وفي قوله تعالى (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير) سورة لقمان آية 14 أنه عنى سبحانه الوالد الذي ولده وفي القرآن آيات كثيرة وردت فيها كلمة والد وجاء الحثّ على رعاية الوالدين بعد الإيمان بالله والتوحيد لأنهما كانا سبباً في إيجاد الأولاد ولهم عليهم حق الطاعة وإن كانوا كافرين أو جاهدوا على الكفر بالله. وفي قصة مريم علها السلام وعيسى عليه السلام قال تعالى في سورة مريم على لسان عيسى (وبرّاً بوالدتي) وجاء في آية أخرى (وأمّه صدّيقة) في وصف مريم عليها السلام لأنها أحسنت تربية عيسى عليه السلام وكانت رائعة ومتفانية في تربيته فجاء بكلمة (أم) للدلالة على ذلك. وفي قوله تعالى في سورة البلد (ووالد وما ولد) أقسم سبحانه بمطلق قدرته على جعل هذا المخلوق والداً يلد الأولاد وهذا يشمل كل من هو قادر على الإنجاب وهو لفظ أعمّ من الأبوة.

والوالدية مُطلقة وعليه فيجب البر بالوالدين ولو كانوا مشركين أما الأبوة فهي خاصة وكل أب وأم تختلف تربيتهما لأولادهما عن غيرهم.

ومما سبق نلاحظ أنه بدون التفريق بين الكلمات وأخواتها في القرآن الكريم لا يمكننا الوصول إلى حقيقة الحكم الشرعي

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:43 PM
منظومة أبّ (الفاكهة)

أبّ – فاكهة

أبّ : تقال كلمة الأب لفاكهة الحيوان. (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) سورة عبس آية 31. والأبّ هو المرعى المتهيء للرّعي والجزّ ويقال أبّ لكذا بمعنى تهيأ له. وكذلك القول: أبّ لسيفه إذا تهيأ لسلّه. ولم ترد هذه الكلمة في القرآن الكريم كله إلا في هذه الآية.

فاكهة: تطلق على فاكهة الإنسان. (وفواكه مما يشتهون). وفي القرآن الكريم آيتين تدلان على الفرق بين معنى الكلمتين بوضوح شديد: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) سورة عبس آية 31 و32. فالفاكهة جاءت دلالتها في كلمة لكم والأبّ جاءت دلالتها في كلمة لأنعامكم. وهذا الأسلوب في القرآن الكريم هو ما يُعرف في اللغة بأسلوب الطيّ والنشر. (لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ) سورة يس آية 57، (فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ) سورة الرحمن آية 11،(وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ) سورة الطور آية 22، (فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) سورة المؤمنون آية 19، (لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ) سورة الزخرف آية 73، والفرق بين هاتين الآيتين الأخيرتين حرف الواو في (ومنها) في آية المؤمنون لأن الكلام في السورة عن الحياة الدنيا ورزقها والإنسان يأكل من الفاكهة وقد يصنع منها شراباً أو حلويات أو غيرها أما في آية سورة الزخرف فالكلام عن الجنة وما فيها من فاكهة وفاكهة الجنة تؤكل فقط.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:44 PM
منظومة أبى

أبى – امتنع - رفض

أبى : أبى بمعنى امتنع لذاته (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) سورة البقرة آية 34 وأبى تعني امتناع لا رجوع بعده وشدة الامتناع (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) سورة البقرة آية 282 بمعنى لا يمتنع امتناعاً مطلقاً بغير عذر . ومنها كلمة الأبيّ بمعنى الرجل الممتنع من تحمّل الضيم. (كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) سورة التوبة آية 8هم قوم لم يسلموا أو يؤمنوا أبداً. (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) سورة التوبة آية 32 اتخذوا الأسباب ولكن الله متم نوره وهذه بشرى للمؤمنين أن الله متم نوره. (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) سورة الكهف آية 77، (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا) سورة الإسراء آية 89.

امتنع: هو الامتناع بعذر معيّن وقد يعود ويوافق بعد أن امتنع. (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخ++++*جُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) سورة الحشر آية 2

رفض: ذهب بعيداً عن الشيء

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:44 PM
منظومة أبق

أبق – فرّ- هرب - انهزم - ولّى

أبق : لا تطلق إلا على هروب العبد من سيّده عصياناً. (إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) سورة الصافّات آية 140.

فرّ: ترك المكان الذي هو فيه خوفاً ويقال أفتر فمه عن ابتسامة بمعنى انكشفت الشفة عن الأسنان. (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) سورة الكهف آية 18، (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) سورة الذاريات آية 50، (فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ) سورة الشعراء آية 21، (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) سورة عبس آية 34، (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) سورة الجمعة آية 8، (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا) سورة الأحزاب آية 16.

هرب: إذا كان الفرار بسرعة هائلة، وأن يختفي الفارّ عن عدوّه يسمى هرباً. (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا) سورة الجنّ آية 12

هزم: لا تكون إلا إذا اصطدمت مع العدو فتغلّب عليك فكسرك يقال هزمك. ويقال هزيم الرعد لأنه يكسر. والهزيمة هي الإنكسار من العدو بعد لقائه والإصطدام معه. (فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) سورة البقرة آية 251، (جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ) سورة ص آية 11، (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) سورة القمر آية 45.

ولّى وأدبر: يقال ولاّه دبره بمعنى انهزم (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ) سورة طه آية 10، (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) سورة طه آية 80، (وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) سورة الأنفال آية 16، (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) سورة الكهف آية 18، (تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ) سورة المعارج آية 17

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:45 PM
منظومة أثاث

أثاث – متاع

أثاث : ما تناسق وجدّ من أثاث البيت. وهو متاع البيت الكبير وأصله من أثّ أي كثُر وتكاثف ويقال للمال لإذا إذا كثُر أثاث. وليس لكلمة الأثاث مفرد. وإنما يقال أثاث للمفرد والجمع. (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) سورة النحل آية 80، (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا) سورة مريم آية 74.

متاع: أدوات تجعل من الحياة في البيت مرفّهة. وليس لكلمة المتاع مفرد كما في اثاث فهي تُطلق على المفرد والجمع. ويطلق المتاع على ما يُستخرج من الأرض كالحديد والنحاس والقصدير. وتطلق على ما ينتفع به في البيت من متاع (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ) سورة الرعد آية 17، وتطلق على كل ما ينتفع به من طعام وغيره (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ) سورة النحل 80، (لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) سورة النور آية 29، (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ) سورة الواقعة آية 73، (مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) سورة النازعات آية 33. ويطلق على ما يُعطى للمطلقة لتنتفع به مدة عدتها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) سورة الأحزاب آية 49 وآية 28 (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا)، ومتعة الحج ضمّ العمُرة اليه (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) سورة البقرة آية 196. والمتاع لغة هو انتفاعٌ ممتد الوقت.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:45 PM
منظومة آثار

آثار- أطلال - رسوم - علامات - آية

آثار : أثر الشيء حصول ما يدلّ عليه وهو كل شيء تركه الأولون والآخرون شرط أن يكون على نفس الحال الذي تُرك عليها. والآثار هي كل ما يدلّ على وجود شيء مسبق على شرط أن يكون كما هو على حقيقته،(فانظر إلى آثار رحمة الله) أي كاملة موجودة وعليك أن تتأمل فيها لتنتقل إلى ما يريد الله تعالى أن تنتقل إليه وتقال للطريق المستدلّ به على من تقدّم (قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) سورة طه آية 84،. ولا يقال مثلاً لقصر من القصور القديمة أثراً إلا إذا كان ما زال على حاله مثل الأهرامات وغيرها من الآثار التي ما زالت على نفس الحال التي تركت عليه مع مرور الزمن. وكل شيء تركه لك أبوك فهو أثر.

والآثار تشمل أيضاً كل أحوال الأمم السابقة من ديارهم وقصصهم المسموعة والمشاهدة وقد وُظّفت هذه في القرآن الكريم في سبيل العبرة والعظة والصبر على الإيمان والثبات وفي القرآن الكريم شواهد كثيرة على أحوال الأمم السابقة التي هي آثار لنا للعبرة والتفكّر. فالآثار وثائق وبراهين وآيات وهي في القرآن الكريم مقسمة إلى أنةاع حسب الهدف المطلوب منها:

الآثار دليل الوحدانية: (فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) سورة الروم آية 50 ، وفي هذا دليل على قدرة الله تعالى في إحياء الموتى.
الآثار تأكيد على الإيمان وتقويته: (وكأين من آية في السموات والأرض) تعني الآثار القديمة والجديدة من مجرّات وكواكب وعلامات ونجوم يهتدي بها البشر، وهذه كلها آيات تدل على الخالق العظيم وتقوي الإيمان به وتوحيده.
الآثار والصمود على العقيدة: مثال قصة طالوت وجالوت في القرآن الكريم ومفادها أن بتي إسرائيل كانوا يقدّمون بين أيديهم في حروبهم التابوت الذي فيه آثار من موسى u وهارون ومنها عصى موسى وثوب وقميص هارون وبعض شحر لحيته وآثار من نبيّهم موسى وأخوه هارون، وكان الله تعالى ينصرهم ببركة هذا التابوت ثم استولى العماليق عليه فخسر بنو اسرائيل وأصاب العماليق الطاعون فقرروا أن يردّوه لبني اسرائيل فجعلوه على عربة جرّتها الملائكة بقدرة الله تعالى إلى باب طالوت فقدّمه لبني اسرائيل فانتصروا.( وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) سورة البقرة آية 248وخلاصة هذه القصة أن آثار الأنبياء والمرسلين كانت من أسباب تبات بني إسرائيل على العهد لأنهم يرون هذه الآثار أمامهم فتعينهم وتعين غيرهم ممن لم يكونوا على عهد موسى من اليقين بصحة وصدق الدعوة. وكذلك قصة سبأ والسد الذي أنقضه اله تعالى بفأر وفي هذا عبرة وعظة لمن نظر وتدبّر في هذه الآثار ومدلولاتها. ولنتخيل أننا أمة الإسلام وبين أيدينا آثار نبينا r ألا يثبت ذلك إيماننا وتصديقنا بأنه حق وأنه فعلاً كان موجوداً بين المسلمين في جزيرة العرب لأعوام عديدة. فكيف لو كان بيته ما زال موجوداً ودار الندوة وغيرها من الآثار؟! ولهذا السبب ولما يعلمه الغربيون من أن تمسكنا بتاريخنا المجيد والآثار الإسلامية هو سبب قوتنا لما أقدموا على طمس حقائق التاريخ وتزييفه وسرقة الآثار الإسلامية من بلاد المسلمين. فأين توجد أو مخطوطات القرآن الكريم وعمامة الرسول r وعصاه وسيفه وغيره؟ في المتاحف الغربية للأسف.
فالآثار عموماً هي من أساليب الله تعالى في توثيق الحدث، العبرة، العظة، الهداية، الإنتماء وتثبيت الإيمان. وهي وثيقة وشرعية وأصالة وكتاب اثبات وعبر هائلة.

(أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى) سورة طه آية 128 تدل على آثار التاريخ القريب والآثار الثقريبة وهو خطاب للرسول r لأنه أدرك من رأى وعاصر هذه المرحلة فجاء الخطاب في الآية باستخدام (كلمة أفلم وكلمة قبلهم)، أما في الآية الأخرى في القرآن الكريم (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ) سورة السجدة آية 26 تدل على الآثار البعيدة والماضي والتاريخ البعيد بدليل استخدام كلمة (أولم وكلمة من قبلهم). ونلاحظ في كل الآيات القرآنية التي تدل على الآثار أو الآيات يأتي الخطاب للناس بقوله تعالى أفلا تسمعون (للأخبار والآثار المسموعة) ، أفلا تبصرون (للآثار المشاهدة) أفلا تتفكرون و أفلا تعلقون (للآثار والدلائل التي فيها عبر وعظات) يجب أن يتفكر فيها الإنسان حتى يتعلم منها العبر والعظة.

أطلال: إذا كان الأثر قد بلِيَ ولم يبق منه إلا شخوص ولا يتبيّن فيه الحقيقة الكاملة لما كان عليه سابقاً كأن يكون فيه جدران متآكلة يسمى طلول وجمعها أطلال. والأطلال إذن هي الآثار القديمة التي تآكلت وأصابها البلى ولم تعد تعطي صورة كاملة عمّا مضى. والطلّ هو المطر الخفيف الذي لا يترك تشعر به ولا يكاد يترك أثراً.

رسوم: إذا ذهبت حتى الأطلال ولم يبق إى خطوط مرسومة في الأرض يقال لهذا الأثر رسماً.

علامة: وهي كل ما يدل على الفرق بين اثنين ويمّز أحد الشيئين على الآخر كالعلامات بين المدن التي تحدد بداية المدينة ونهايتها. (وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) سورة النحل آية 16.

آية: هي كل هذه الأمور التي سبقت من أثر أو طلل أو رسم أو علامة سواء كانت مشاهدة أو مسموعة كقصص الغابرين أو مقروءة . والآية هي كل ما يُثبت أمراً عقائدياً أو فكرياً أو مادياً. وقد سمًى القرآن الكريم آثار ثمود وعاد بالآيات (وهي آيات مشاهدة) والقرآن الكرم يدعو إلى معرفة الحقائق من جرّاء استخدام الحواسّ (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) سورة يوسف آية 105.

والآيات في القرآن الكريم عديدة ومتنوعة:

آيات كونية: وهي آيات خلق الله تعالى وقدرته في الكون تُرى وتشاهد في كل لحظة (يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) سورة النحل آية 11 و آية 13
الآيات المعجزات التي جاءت للأنبياء كالآيات التي جاءت على يد موسى وناقة ثمود ومعجزات عيسى u (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخ++++*جْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى) سورة طه آية 22، (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) سورة الأنبياء آية 91، (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخ++++*جْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) سورة النمل آية 12
آيات بيّنات: آيات واضحات أي توضّح شيئاً غامضاً (سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) سورة النور آية 1
آيات مبيّنات أي مبصرة وهي التي توضح أمراً لا يمكن ان يختلف فيه عقلاً لكنه يختلف فيه عناداً مثل التوحيد (فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ) سورة النمل آية 13. آيات مبيّنات (وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) سورة النور آية 34.
آيات مقروءة: وهي آيات القرآن الكريم (وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ) سورة البقرة آية 99 و (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) آية 129

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:46 PM
منظومة أجر

أجر –ثمن –عطاء - جزاء– ثواب – وفاء - فضل

كلمات هذه المنظومة تدلّ على بدل عين أو بدل منفعة.

ثمن : الثمن هو بدل العين أي تعطيني عين فأعطيك ثمنها وهو العملة في البيع والشراء كالدينار والدرهم، أو العِوض إذا لم يكن مالاً. (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين) سورة يوسف آية 20. وقد يقلّ الثمن وقد يزيد وقد يُخدع البائع أو المشتري. إذا كان الثمن بقدر العين تماماً يُسمى قيمة (مثال قيمة هذا الشيء درهم واحد بالضبط) وقد أبيعه بدرهمين أو أقل وهذا هو الثمن.

أجر: أهم كلمة في المنظومة وهي تستخدم للمنفعة. كأن تأتي بأجير فتعطيه مقابل منفعة يقضيها لك. والأجر لا يكون إلا عن واجب متفق عليه سابقاً وفي القرآن الكريم استخدم لفظ الأجر لبيان المقابل على الفروض التي افترضها الله تعالى علينا سلفاً أما أجر النوافل فيسمى فضلاً لأن النوافل زيادة عن الفرض. والأجر لا يُعطى إلا إذا أُتقن العمل فالأجر إذن على عمل مقبول والقبول هو شأن صاحب العمل أو يكون وفق شروط مسبقة. ومن لوازم الأجر أن يكون عادلاً ويُدفع فور انتهاء العمل (أعط الأجير أجره قبل ان يجفّ عرقه) حديث، فالحسنات مثلاً يُكتب أجرها بمجرد النية وهذا من كرم الله تعالى وكلّ فرض من الفروض يؤديها العباد يُعجّل الله تعالى لهم الأجر في الدنيا قبل أن يكتب أجرها في الآخرة ومنها أجر الإستغفار كما في الحديث الشريف: من لزم الإستغفار جعل الله لم من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجا). فالأجر إذن هو بدل المنفعة وشروط قبوله الإيمان والإخلاص فيه وأهم ما في الأجر أن يكون حسن الأداء فإذا نقص يكون قبول فقط مصداقاً لقوله تعالى (إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا)، (وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) سورة التوبة آية 121، (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) سورة النحل آية 96 و97. والأجر هو دواعي النظام الإلهي يفرض الله تعالى الفروض ويؤجِر عليها.

وقد وُصف الأجر في القرآن الكريم بأوصاف عديدة:

أجر كبير: أي كبير بذاته وما من عطاء أكبر من أجر الفرض إذا أُحسن أداؤه (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) سورة هود آية 11،

أجر عظيم أي بالغ الأهمية والمؤثّر الذي ينقل المُعطى من حال إلى حال (وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيمًا) سورة النساء آية 67،

أجر كريم أي نفيس كالدرر واللؤلؤ (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) سورة الحديد آية 18،

أجر غير ممنون أي بلا منّة (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ) سورة القلم آية 3،

أجر حسن (قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) سورة الكهف آية 2.

جزاء: هو المكافئ وفيه الكفاية ويرضى عنه الناس. (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) سورة يوسف آية 22، (إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى) سورة طه آية 15. والجزاء هو من دواعي عدل الله تعالى فيعطي على الحسنة عشر أمثالها والسيئة بمثلها.

وفاء: وفّى بمعنى بلغ التمام. (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) سورة آل عمران آية 25 و(بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) آية 76، (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ) سورة هود آية 15 و(فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـؤُلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ)سورة هود آية 109، ومنها ايفاء الكيل (أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ) سورة الشعراء آية 181. والوفاء دلالة صدق العهد من الله تعالى.

إيتاء: الإيتاء شيء عظيم نادر صعب المنال ويتمنّاه الإنسان (لَّـكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَـئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا) سورة النساء آية 162 (أولئك يؤتون أجورهم) حتى العامل لم يكن يتوقع هذا الأجر فيكون اجر غير منقوص (أجرهم غير منقوص) ويرضى به العامل ، ومستمر لا ينقطع (عطاء غير مجذوذ) أي لا خوف من انقطاعه.

الفضل: الأجر والجزاء والوفاء هي كلها على الفريضة والواجب أما الفضل فيكون على النوافل ولا أحد يستطيع أن يعلم مقداره فالفضل أبقى من الأجر فإذا أراد الإنسان أن ينجو بنفسه فعليه أن يُكثر من النوافل (لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) سورة فاطر آية 30. (وإسألوا الله من فضله) لأنه لا نهاية له. درجات الجنة تُعطى بالأجر أما منزلة الإنسان في درجته في الجنة وقيمته فيها فتُعطى بالفضل (وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) سورة النور آية 14.

ثواب: الفضل والأجر كله ثوابا فالثواب يشمل الأجر المتفق عليه مسبقاً والفضل الذي هو عطاء من عند الله تعالى. والثواب لغة هو العسل والرياح الطيّبة فلأن عطاء الله تعالى حلو كالعسل والرياح الطيّبة تأتي بالغيث الذي فيه الخير كله سُميّ ثواب الدنيا والآخرة. والإثابة هي الرجوع وهو دليل العطاء الكثير والمتكرر والله تعالى بكرمه وفضله يزيد المؤمنين زيادة لا حصر لها ولا نهاية.

وأضيف كلمة خَراج (وخراج ربك) في هذه المنظومة والله أعلم

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:46 PM
منظومة أتى

أتى –جاء –أقبل - حضر

أتى : هو أول الوصول من بعيد بمعنى أعرف أنك مقبل من بعيد ولكن لا أعلم المكان الذي أتيت منه وما هي نقطة انطلاقك فما دمت تلوح لعيني ولم تصل إليّ بعد يقال أتيتَ. وأوضح الآيات في الفرق بين أتى وجاء هي في قصة سيدنا موسى u ففي سورة القصص: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) آية 30 و في سورة طه آية 11 (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى) وفي سورة النمل آية 8 (فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) . ففي سور القصص ما إن لاح موسى من بعيد وقبل أن يصل تلقّى التعليمات وآداب المقابلة ونودي بأن يخلع نعليه فهم لم يصل بعد والآية تدل على أن الخطاب لموسى خطاب عام وفي هذا تأكيد من الله تعالى لموسى بأنه ليس واهماً ولم يصبه شيطان وإنما هو الله تعالى الذي يخاطبه (إني أنا ربك)، أما في سورة النمل فقد وصل وأصبح قريباً وأصبح الخطاب مباشراً وتلقى الرسالة من الله في هذا الموقف (فلما جاءها) أي وصل إليها. وهكذا في القرآن كله حيثما وردت كلمة أتى يكون هذا هو المعنى (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (18)) سورة محمد آية 18 الساعة نفسها بدأت بالمجيء لكنها لم تصل بعد أشراطها الصغرى جاءت لكن أشراطها الكبرى لم تصل بعد مصداقاً لقول الرسول r (بُعثت أنا والساعة كهاتين). (فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فريا) أتت به من بعيد لأنها كانت في مكان قصيّ فلمّا وصلت ورأوا الصبي قاولا لقد جئت شيئاً فريا تعني لما وصلت إليهم ورأوه. (وإذن في الحج يأتوك رجالا) سورة الحج آية 27 الناس يأتون من كل مكان إلى الحج كما في الحديث أن الله تعالى أمر ابراهيم بالنداء للحج وهو تكفل بإسماع الناس فمن لبّى كان ممن سيحجّ. (ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) سورة الصفّ آية 6 الرسول r لم يصل بعد لكنه آت. (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) سورة النحل آية 1 الأمر أتى من الله وهو في طريقه للوصول ثم تحقق وجاء بعد سنوات. (واللآتي يأتين الفاحشة من نسائكم) هذه فئة قليلة جداً فمن من المسلمات من تأتي بالفاحشة أمام أربعة شهود، الأمر لم يحصل وورود كلمة نسائكم دلالة على نساء المسلمين ولم يقل من الناس لآن الفاحشة جاءت ممن هم غير المسلمات فسبحان الذي أحكم آياته.

جاء: إذا اقتربت حتى جلست معي يقال جئتَ. وهناك فرق بين جاء وحضر وهو واضح في آيات القرآن الكريم: (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفّته رسلنا وهم لا يفرطون) سورة آية هنا الموت جاء ووصل بخلاف الآية الثانية (حتى إذا حضر أحدكم الموت ) سورة المائدة آية 106 فتدلّ على أنه كان جاهلاً فانتبه وعلِم.

حضر: إذا كان هناك موضوع اتفقنا عليه سابقاً وجئنا لأجله فقط يقال حضر. وحضر في الغالب تدلّ على جهد فكري ثقافي معرفيّ يتعلق بالعقل منها كلمة الحاضرة (واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) سورة الأعراف آية 163 والحضارة هي ضد البداوة وفيها يكون النشاط الفكري والحضاري والفلسفة ووردت كلمة حضر في القرآن الكريم مشيرة إلى حركة ذهنية وعقلية (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ) سورة الأحقاف آية 29 بمعنى أن الجنّ حضروه للعلم.

أقبل: والإقبال لا يكون إلا بعد التدابر كنا مدبرين فأقبلنا. يُقبل الناس على بعضهم لأن لهم شأناً مشتركاً يريدون مناقشته (وأقبل يعضهم على بعض يتساءلون) سورة الصافّات آية 27، (وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون) سورة القلم آية 30 حصل شيء خطأ واجتمعوا لمناقشته وتصحيحه.

وأضيف على هذه الكلمات كلمة (ورد) والله أعلم:

ورد: تقال لقصد الماء كما في قوله تعالى (ولمّا ورد ماء مدين) سورة القصص آية 23، وكما في قوله تعالى في قصة فرعون (فأوردهم النار وبئس الورد المورود) سورة هود آية 98.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:47 PM
منظومة آتى

آتى –أعطى –وهب - أهدى

آتى والإيتاء : عندما يكون الأمر خطيراً ولا يقدر الإنسان على الإتيان بمثله مثل إيتاء الكتب السماوية لا يقدر عليها إلا الله تعالى لذا وردت الآيات في القرآن الكريم بكلمة آتينا للكتب السماوية (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظم) سورة الحجر آية 87، ( وآتينا داوود ++++ورا) سورة آية، وكذلك إيتاء الملك (تؤت الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) سورة آل عمران آية ، والرحمة (وآتاني رحمة من عنده) سورة آية ، والمال (وآتى المال على حبّه) دليل على عظم حب المال بحيث يسمى اعطاؤه اتيان، والإيتاء يحتاج إلى قوة هائلة كما في قصة سليمان (انا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك و(أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) سورة النمل آية ولهذا أيضاً جاءت كلمة آتى مع الزكاة ( وآتوا الزكاة) لأنها تكون من خير الأموال والأفضل وفيه جهد أن يُزكي الإنسان بماله لحبّه الشديد للمال وعلى نسبة الإيتاء تكون الدرجات والجزاء من الله تعالى. والإيتاء يحتمل النزع من المؤتي فالله تعالى يؤتي الملك من يشاء وينزعه عمن يشاء.

أعطى والعطاء: ناول والمناولة والتناول (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فيه مناولة، (إنا أعطيناك الكوثر) فهذا عطاء من الله تعالى لرسوله الكريم r وهذا حصل في رحلة الإسراء والمعراج أن أعطى الله تعالى لنبيه الكوثر وكذلك قوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) سورة الضحى لأن الله تعالى يوم القيامة يعطي الرسول r الشفاعة حين يسجد تحت عرش الرحمن يدعو الله لأمته فيقول تعالى: إسأل تعطى واشفع تشفّع. والعطاء لا يمكن نزعه لأنه أصبح ملك المعطى إليه كما في قوله تعالى (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب).

وهب والهبة: يكون عن سؤال واحتياج فالهبة لا تكون إلا عند الإستحقاق والحاجة فلما سأل موسى u ربه (واحعل لي وزيراً من أهلي) جاء رد الله تعالى (ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا) وكذلك دعاء المؤمنين (ربنا هب لنا من أزواجنا) والردّ يأتي (يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور) وكون الله وهّاب يهب الناس على قدر استحقاقهم وحاجتهم وفي الغالب لا ينتظر الواهب الردّ من الموهوب إليه.

إهدى والهدية: دليل المحبة وليس هناك احتياج لها فالانسان لا يهب للملوك وانما تهدي للملوك. الرسول كان يقبل الهدية والهدية لا بد ان تُرد (وإني مرسلة لهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون) سورة النمل.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:47 PM
منظومة إبل

إبل –بعير

إبل : الإبل يقع على البعران الكثيرة وهو جمع لا واحد له ومفردها ناقة أو جمل وهذه تُجمع على إبل (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) سورة الغاشية آية 17. والإبل تطلق على مجموعة الإبل من حيث تجمّعها (وأرسل عليهم طيراً أبابيل) سورة الفيل آية 3، بمعنى متفرقة كقطعات الإبل والواحد منها أبيل. وفي الإبل إعجاز كبير. والإبل تخدم صاحبها إذا أحسن خدمتها واعتنى بها وإذا أساء لها تتربص به حتى تؤذيه، وركوبه أصعب من ركوب الخيل لأن الراكب يحتاج إلى مهارة ليسقر على ظهر الإبل، وأطلق لفظ ركاب على الإبل في القرآن الكريم: (وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) سورة الحشر آية 6.

بعير: جمعها بُعرتن باعتبار بعره لأن بعر البعير فيه دلالة عليه ويعطي معلومات عن طعامه وحاله ومن أين جاء وكم مشى وغيرها كما يقال في المثل: (البعرة تدلّ على البعير)، وقوله تعالى: (وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَـذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ) سورة آية 65 و(قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ) آية 72.

ناقة وجمل: هي مفردات لكلمة الإبل. (فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها) سورة الشمس آية 12، (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) سورة الأعراف آية 40.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:48 PM
منظومة أنصت

أنصت – إستمع – سمع

هذه المنظومة هي في كيفية التعامل مع القرآن الكريم

أنصت والإنصات: هو عدم الكلام والسكوت لإعجاب المستمع بحديث المتكلم فيسكت ويستمع للاستفادة والفهم. (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {204} الأعراف) و (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ {29} الأحقاف).

سمِع والسمع: حدث غير مقصود بمعنى حدث السمع بدون قصد من السامع ولم يكن في نيته السمع. (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ {26} فصلت) و (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ {55} القصص).

استمع والاستماع: هو سماع مقصود ومخططٌ له من قبل المستمع ويصل بالمستمع إلى التأمل في المعاني التي يستمع إليها بقصد الفهم والتعلم والاستفادة. (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {204} الأعراف) و (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ {29} الأحقاف) و (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ {18} الزمر).

ومن هنا ننتبه إلى الفرق بين السكوت ومرادفاته أيضاً:

السكوت: هو عدم الكلام لالتقاط الأنفاس وهو حركة من قوانين التنفّس.

الصمت: هو عدم الكلام تجنباً أو ترفّعاً عن الرد على كلام ما أو ترفّع عن جهل المتكلِّم.

الكظم: هو السكوت عند الغيظ.

الإفلاس: عند المناقشة بحيث يأتي أحد المتناقشين بحجّة لا تستطيع الرد عليها.

بهت: عندما يأتيك المتكلِّم بحجة تجعلك تبدو غبياً.

الإنصات: وهو السكوت لإعجابك بحديث المتكلِّم فتنصت لقوله لتفهم.

والقرآن الكريم بجب علينا قرآءته (وهي القراءة العادية) وتلاوته (أي تدبّر آياته) وهذه قراءة العلماء والمفكرين والمفسرين لسبر أغوار هذا الكتاب العزيز (اتل ما أُوحي إليك من الكتاب) وقد امتدح الله تعالى الذين يتلون القرآن فقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ {29} لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ {30}‏ فاطر).

ويختلف الناس باختلاف تعاملهم مع القرآن الكريم (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ {32} فاطر) فمنهم:

ظالم لنفسه: الذي تعلّم القرآن ولم ينتفع به أو ينفع غيره به إنما تعلّمه سمعة ورياء ومرآءاة.

مقتصد: وهو الذي تعلّم القرآن ولم يعلّمه لغيره لكنه لم يُقصّر فيه.

ربّانيون: وهم الذين تعلموا القرآن وعلّموه لغيرهم وهم أهل القرآن وخاصته وحاملوا القرآن والمتخصصين به.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:48 PM
منظومة آزر

آزر –أمدّ – أعان – أيّد - نصر

آزر: شدّ واستقام بحيث لا عوج فيه .

أيّد: اُشعر بالقوة (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {26} الأنفال).

أمدّ مدد على التوالي دفعة دفعة كالإمداد بالملائكة يوم غزوة بدر (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ {9} الأنفال). وتستخدم أمدّ بالخير ومدّ بالشر.

نصر: عند إلتحام الجيوش أو الحرب بين الحق والباطل (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ {123} آل عمران).

إعانة: إعانة على مهنة ما أو حِرفة ما أو عمل ما (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً {95} الكهف).

بعث: بمعنى إثارة الشيء وتوجيهه (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً {5} الإسراء)

والتسلسل في القرآن لهذه الكلمات جاء على الشكل التالي:

بعث – آزر – أيّد – أمدّ - نصر

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:49 PM
منظومة أجّ وأُجاج

أُجاج – ملح-

هاتان الكلمتان ليستا بمعنى واحد وهناك فرق بين الملح وبين الأُجاج.

أُجاج: شديد الملوحة والحرارة بحيث تكون الملوحة حارقة. فالإُجاج ليس الملح المطلق وإنما هو أخصّ من الملح. فكل أُجاج ملح وليس كل ملح أُجاج. وأجّ مأخوذة من أجيج النار. (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً {53} الفرقان). وكلمة مرج لها 12 معنى ومن هذه المعاني اشتعل ناراً كما في قوله تعالى (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ {15} الرحمن) .

وأجّ يؤجّ بمعنى أسرع واليأجوج مشتق من أجّ يؤجّ إذا هرول الإنسان وعدّى عليه (في حديث فتح خيبر لما قال الرسول r لأعطينّ الراية غداً... فدخل علي بن أبي طالب فأعطاه الراية إلى أن قال فذهب يؤجّ بها). ويأجوج ومأجوج فيها اشتقاقان : من أجّ يؤج بمعنى أشعل ناراً أو أوقد فتنة أو أحدث ارباكاً فهي مصروفة ويأجوج (فاعول) وقد تكون علَماً على قوم معينين فهي غير مصروفة . ويأجوج ومأجوج شُبّهوا بالنار المضطرمة والمياه المتموجة لكثرة اضطرابهم. (وللدكتور وقفات في يأجوج ومأجوج نوردهما إن شاء الله قريباً بعد الإنتهاء من تفريغ محتوى الحلقة وتنقيحها).

ملح: هو الطعم المعروف الذي يجعل الماء متجمداً. تغلب على الماء الملوحة فيصبح ملحاً ثم يُطلق على الماء المالح وإن لم يكن متجمداً والكلمة ليست عربية ولهذا انتقُد الشافعي لأنه استعمل كلمة كلمة مالح. يُقال مملح وليس مالح.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:50 PM
منظومة إثم

ذنب –خطيئة – سوء وسيئات – فحشاء – إثم – معصية – جُرم - مُنكر - ضلالة

هذه المنظومة هي كل ما يتعلق بالذنب ومرادفاته في القرآن الكريم وكل كلمة لها معنى يختصّ بها.

الذنب: هو كل شيء يجعلك في مؤخرة الناس. وهو مشتق من الذَنَب وهو أخسّ شيء في الحيوان. وهو يستعمل في كل فعل يُستوخم عقباه اعتباراً بذَنَب الشيء ولهذا يُسمى الذنب تبِعة اعتباراً لما يحصل من عاقبته. (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ {11} آل عمران) (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ {40} العنكبوت).

الخطيئة: هي كل عمل قبيح يصدر عن عمل مُباح في الغالب. وأكثر ما تقال الخطيئة فيما لا يكون مقصوداً إليه في نفسه بل يكون القصد سبباً لتولّد ذلك الفعل منه كمن يرمي صيداً فيصيب إنساناً (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به). ويُسمى الذنب خاطئة (والمؤتفكات بالخاطئة) بمعنى الذنب العظيم. هناك خطأ بالإرادة أنت تريد شيئاً غير صحيح فهذا هو الخطأ التام وهو المأخوذ به الإنسان، خطيء يخطأ خِطأ (إن قتلهم كان خِطئاً كبيرا) و (إن كنا لخاطئين). وهناك خطأ في التنفيذ كأن يريد الإنسان أن يُحسّن فعله ولكن يقع منه خلاف ما يريد فيقال أخطأ إخطاء فهو مخطئ وهنا تكون الإرادة مشروعة لكن تصير خطأ أي أنه أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل كأنك تريد أن تضرب عصفوراً فتصيب به إنساناً خطأ وهذا النوع من الخطأ معفو عنه بنسب معينة (ومن قتل مؤمناً خطئاً فتحرير رقبة) (نغفر لكم خطاياكم) (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) وجاء في الحديث الشريف: " رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان" و "من اجتهد فأخطأ فله أجر" " كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابين". وهناك نوع آخر أن يريد ما لا يحسن فعله ويتفق مع خلافه فهذا مخطيء في الإرادة ومصيب في الفعل فهو مذموم بقصده وغير محمود على فعله وهناك نوع آخر من الخطأ وهو الخطأ في العقيدة.

فالخطأ هو الذي يصدر عن مباحات وأكثر ما يقع في العبادات كالحب يتطور إلى أن يصير وداً ثم عشقاً ثم يبالغ العاشق حتى يصل إلى المبالغة والمغالاة التي قد تكون مقبولة محمودة وقد لا تكون حتى يصل إلى البدعة أي خرج من مشروع إلى غير مشروع كما فعل النصارى بعيسى حتى ألّهوه من شدة حبهم له. بينما قد يكون هذا الحب محموداً كما أحب صحابة رسول الله r الرسول r فمنهم من عشق النبي r عشقاً عظيماً وكان الرسول r قد أمر أصحابه أن لا يقوموا له عند دخوله عليهم لتواضعه r فلم يستطع أحد الصحابة ذلك وبقي يقوم للرسول r فلمّا سأله قال:

قيامي للحبيب عليّ فرض إلى أن قال: عجبت لمن له عقل ولُبّ يرى هذا الجمال ولا يقوم.

وكذلك بنو اسرائيل أخطأوا في العبادات (نغفر لكم خطاياكم) وقوم نوح (مما خطيئاتهم أُغرقوا) فقد كانوا مؤمنين موحّدين وكانوا من نسل شيث ثم بعد 400 سنة تقريباً كان بينهم أناس صالحون هم ودّ وسواع ويعوق وازداد حب الناس لهؤلاء الصالحين حتى صنعوا لهم تماثيل ثم انتهى بهم الأمر إلى عبادتهم دون الله تعالى. هذه خطيئات وهكذا تبدأ في العبادات غالباً. وفي حياتنا اليومية يقع الكثير من الأخطاء وهذا ما يُغفر . والخطيئة التي تكون في العقيدة هي التي تُخرج من المِلّة كالفرق الضّالة التي تتطور أفكارها حتى تخرج من الملّة.

وكلمة خطايا هي جمع كثرة (نغفر لكم خطاياكم) بينما كلمة خطيئاتكم جمع قلة (نغفر لكم خطيئاتكم).

السوء والسيئات: هو المُستقبح إما طبعاً أو عقلاً أو شرعاً. وهو كل ما يغُمّ الإنسان من الأمور الدنيوية والأخروية ومن الأحوال النفسية والبدنية والخارجية. والشيئة هي أفعال قبيحة تترك للإنسان سمعة سيئة عند الناس وهي ضد الحسنة (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من شيئة فمن نفسك) وقال r : "يا أنس أتبع السيئة الحسنة تمحها" لذا يجب أن نحرص على الإسراع في الأعمال الحسنة لتمحو السيئات. والحسنة والسيئة نوعان أحدهما باعتبار العقل والشرع كما في قوله تعالى (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يُجزى إلا مثلها) وهناك حسنة وسيئة بحسب اعتبار الطبع وذلك ما يستخفّه الطبع وما يستثقله (فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطّيروا بموسى ومن معه) و (ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة).

وهناك فرق بين السوء وظُلم النفس قال تعالى (ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه) والفرق هنا أن السوء قد يعود ببعض النفع على الإنسان كالذي يشرب الخمر أو يزني أو السارق فهو يشعر باللذة ولو للحظات أما ظلم النفس فهو لا يعود على الإنسان بأي نفع كالذي يشهد الزور لغيره دون أن يعود عليه الأمر بالنفع أو كالذي يقتل أحداً لأجل غيره من الناس فالفائدة هنا لا تعود على الشخص نفسه وإنما على غيره وهذا هو ظلم النفس.

الفحشاء: هو كل فعل من الأفعال يترك في القلب والنفس شعوراً بالتدني كالقتل والزنى وما إلى ذلك. والفحشاء هي أكثر من الفاحشة وأعمال الفحشاء ثلاثة: الزنى (ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا) واللواطة (إنهم كانوا يأتون الفاحشة ما سبقهم بها من أحد من العالمين) وإتيان المحارم (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا).

الإثم: هو الذنب الذي يجعلك تشعر بالنقص وبالحقارة والخِسّة كشهادة الزور فبعد أن يرجع شاهد الزور إلى بيته ونفسه ويُفكّر فيما أقدم عليه يشعر بالحقارة وفي منتهى السوء وأنه أقل قيمة من غيره مع نفسه. (ومن يفعل ذلك يلق أثاما). والإثم هو الإقصاء والتبديل (فمن بدّله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم). والإثم هو ما حاك في الصدر وكرهت أن يطّلع عليه الناس (ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبينا) كأن تصوّب على غزال فتقتل إنساناً (هذه خطيئة) ثم تتهم غيرك بالقتل (هذا إثم) والكذب فرع منه ويُسمى الكذب إثماً لكونه من جملة الإثم. والإثم شعور خفي (أخذته العزة بالإثم) يشعر بالحقارة وبأنه وضيع لكن تأخذه العزة (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) يشعر بالحقارة إذا كتم الشهادة. وقوله تعالى (كفّار أثيم) هذا في الذي كان يكذب على الرسول r وبه خِسّة.

إذن الإثم هو كل شيء يُشعرك في داخل النفس وتُنقص من قدر نفسك وأنك لست كريماً بذلك الفعل يُسمة إثماً وهذه ذنوب الجبناء.

والإثم أعمّ من العدوان (يسارعون في الإثم والعدوان) والعدوان فيه اعتداء على حقوق الآخرين وهو أن يكون لي حق عليك فأتجاوزه وهناك البغي وهو أن أسلبك حقك بالقهر أو بالسلاح وهناك الظلم وهو أن ألسبك حقك سِلماً.

المعصية: نوعان إما أن لا تفعل أمراً فتتمرد عليه (ولا أعصي لك أمراً) وإما أن ترتكب أمراً منهياً عنه (وعصى آدم ربه) وهذه تحصل ساعة صدور الأمر بافعل أو لا تفعل. يقال لك إفعل فلا تفعل أو يقال لك لا تفعل فتفعل. ولا تُسمى عاصياً إلا إذا لم تُطبق الأمر ساعة صدوره إليك (لا يعصون الله ما أمرهم) (فإن عصوك فقل إني بريء).

والكفر أنواع: كفر العقيدة وهو أن تجعل لله نداً وهو خلقك وهناك كفر لا يُخرج من المِلة كما جاء في بعض الأحاديث عن الرسول r "النياحة على الميت كفر" و "الحلِف بغير الله كفر". وهناك كفر النعمة بأن لا تشكرها لكنك لا تعتدي بها على غيرك وهناك شكر النعمة أن تشكر الله عليها وهناك بطر النعمة وهو أن لا تشكر النعمة وأن تعتدي بها على غيرك من الناس لتأخذ حقوقهم.

وهناك كفر وشرك وكفر وإلحاد. والكفر في القرآن يعني المشرك المحارب (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) والشرك هو أن تجعل لله نداً وهو خالقك. أما الإلحاد والرياء والنفاق منظومة واحدة: فالرياء هو أن اُجوّد العمل لأسمع المديح من غيري (كالذي يُحسّن صلاته أمام الناس فقط) وهذا رياء العمل فالمرائي قلبه مؤمن، وهم الذين جاء فيهم الحديث أنهم أول من تُسعّر بهم النا عالم وشهيد ومُنفق كل منهم فعل ما فعل ليقول الناس عنه أنه كذا. أما النفاق فهو إبطان الكفر وإظهار الإسلام إما خوفاً أو جبناً (لا يصلي إلا إذا رأى الناس) وهذا المنافق يعمل لغير الله تعالى، وهناك الإلحاد وهو نوع من النفاق الصادق من وجهة نظر صاحبه كالمسلم الذي يُصلي ويصوم ولكنه يُحب الشيوعية، فهو إذن اعترتفك بالشيء الصواب لكنك تضيف عليه ما ينافي العقيدة (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) وعليه لا يُقال للمسيحي الذي يُثلّث أو اليهودي أنه ملحد (إن الذين يلحدون في أسمائه) هؤلاء يؤمنون بالله لكنهم يجعلون له أسماء غير التي هي له.

أما الفسق فهو الخروج عن طاعة والدخول في كبيرة كالذي كان يصلي ثم توقف عن الصلاة أو لم يكن زانياً فأصبح زانياً. وهناك فسق عمل وفسق عقيدة (سأوريكم دار الفاسقين).

وهنالك الفجور: إذا صار الفسق ديدناً يُسمى فجوراً. فإذا أصبح الفسق فيه إدمان صار فاجراً كالذي يشرب الخمر بشكل مستمر ولو شرب مرة واحدة وتاب يُعاقب وينتهي الأمر (ولا يلدوا إلا فاجراً كفّارا) لأنهم اعتادوا على الفسق.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:50 PM
الضلال والضلالة: هو كل طريق لا يؤدي إلى المقصود كالذي يدور في حلقة مفرغة (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدّا). متى ما سلك الإنسان سبلاً أخرى غير السبيل الصحيح فهو لن يصل إلى المقصود فهو ضالّ لأنه لا بد من الإتجاه نحو الهدف عن طريق السبيل الصحيح (قل هذه سبيلي) (ولا تتبعا السبل فتفرّق بكم عن سبيله). والضلال نسبي وقد يُصاب به الصالحون كما جاء على لسان موسى u (وما أنا من الضالين)، ومطلق وهو ضلال العقيدة كعبادة الأصنام ونحوها ويُطلقها تعالى على الكافرين غير الموحّدين (واغفر لأبي إنه كان من الضالّين). وقد تأتي ضلّ بمعنى تاه (الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) لم يكن سعيهم في الطريق المرسوم.

الجُرم: هناك فرق بين الجَرم الذي هو من الحسم والجزم من أنواع القطع فهناك قطع سريع ونوع بتر ونوع قطع فرعي (لا جَرَم أنهم في الآخرة من الخاسرين) هذا قطع نهائي قد يكون هناك قطع يمكن أن يلتحم بعده المقطوع أما النهائي فهو ما لا يمكن أن يلتحم ويعود كما كان.

أما الجُرم والمجرم والجريمة: فالمجرم هو الذي بفعله انقطع عن مجتمعه انقطاعاً كاملاً فهو منذ وجوده يسعى لأن يكون هو في ناحية والمجتمع كله في ناحية أخرى بحيث أن كل سعيه ينحصر بأن يتميّز عنهم ولا يكون بينهم وبينه صلة بل يقضي عمره كله في مكره بهم. والجريمة لغة من بعض معانيها النواة فالإنسان عندما يأكل التمرة يرمي بالنواة ولا يبقى بينه وبينها صلة. ولو علم الناس كلمة مجرم لفهموا معناها فهناك إجرام نسبي لا يأخذ الحد الكبير في الإجرام لكنه ذنب لا يمحوه الصلاة والصوم ومن الإجرام النسبي تعسّف الأزواج مع زوجاتهم أو أبنائهم بضربهم إل حد العوَق فهذا مجرم قطع ما بين نفسه وبين زوجه وأولاده ويوم القيامة يعاقبه الله تعالى عقاباً شديداً، وإجرام مطلق كالحاكم الذي عزل نفسه عن شعبه وكان ماكراً بهم ويتسلط عليهم فهو مجرم جبار متكبر ظالم متسلط هذا الذي يعامله الله تعالى بصغار (سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون) والمكر هو التفاف الأغصان بعضها على بعض بحيث لا يعرف الناس أي ورقة تنتمي لأي غصن، والإجرام المطلق مثل فرعون مثلاً الذي سخّر كل الناس لخدمته وتفنن في مكره بهم فالمجرم لا بد في النهاية من أن يُخذل قبل أن يموت (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون) مفرعون والنمرود وغيرهم حتى في التاريخ المعاصر. والعذاب أنواع هناك عذاب أليم وعظيم وشديد ومهين وكل عذاب يليق بأحد الناس فالعذاب المهين مثلاً يكون على القيم والكرامة فلو أُلقي القبض على أحدهم بتهمة صك مزور وكان هذا المزور تاجراً كبيراً عظيماً أو عاملاً بسيطاً أما هذا الأخير فقد يُسجن أياماً قليلة ثم يفرج عنه أما التاجر فيهان لأن الإهانة عنده تساي السجن عشرات السنين. وقوله تعالى (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها) يدل على أن حساب يوم القايمة عذاب مهين ومن هذه الإهانة أن لا يُسأل المجرم عن ذنبه وهذا إمعان في إهانته واحتقاره بحيث أنه لم يُعطى حتى المجال أن يدافع عن نفسه وهذا منتهى الصّغار للمجرم، ولهذا جاء في قوله تعالى (يومئذ لا يُسأل عن ذنبه إنس ولا جان) وهذا لا يتعارض مع قوله تعالى (تالله لتسئلن عما كنتم تعملون).

المُنكر: هو الذي ينكره المجتمع أو العرف الصالح وهو عكس الحسن وهذا يتغير من جيل إلى جيل ولهذا يُراعى العُرف ما دام صالحاً لذا لا ينبغي أن يخرج أحدهم عن العرف.أو هو الأمر الذي تُقبّحه الشريعة فهناك ذنوب تُقبّحها الشريعة لكنها في عرف الناس أخفّ والعكس صحيح.

البغي غير الظلم فالظلم كما قلنا هو أخذ حق الغير بدون قهر والبغي أخذ حق غيرك بالقوة والتعسّف كأن يكون للشخص نفوذاً وقوة فيأخذ بها حقوق الآخرين. والتفرق بين المسميات هذه يترتب عليه أن لكل نوعاً من هذه الذنوب علاج خاص به وعقوبة خاصة به أيضاً. فيجب معرفة نوع الذنب لإيجاد العلاج المناسب الخاص به. ولذلك نلاحظ أن الأنبياء جاءوا لأقوام كل قوم منهم عنده عيب معين خاص به فأعطى تعالى لكل قوم علاجاً خاصاً بهم. فإذا كثرت الآثام في القوم يكون العلاج بالنزاهة وتطهير النفس بحيث يأنف من هذه الذنوب التي تترك في نفسه أثراً وشعوراً بالتدني. والخطيئة في العبادات وهي كل خطيءة ناتجة عن عمل مشروع أصلاً كالصلاة مثلاً يطوّرها الإنسان حتى يخرج بها عن عن المشروع، هنا العلاج يكون بتعليم الإتّباع الصحيح حق الإتّباع (فاتّبعوني يحببكم الله( فلا يجب أن يُسفّه القوم المبتدعون وعلى الداعية أن يُبيّن لهم السنّة الصحيحة ويعلمهم الإتباع الصحيح حتى يعرفوها حق المعرفة ويعرفون حكم الشرع فيها، والخطيئة مثل العاطفة والهوى التي تسوق الإنسان، وقد جاء في الحيث :"لاتكونا عون الشيطان على أخيكم" "لا يؤمن أحدكم إلا أن يكون هواه.." فيجب عدم المبادرة إلى تسفيه المبتدعين واتهامهم بالكفر (ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) (وقولا له قولاً ليّنا)فالمؤمن يُخطئ عن حسن نيّة. أما السوء والسيئات فهي تسبب لصاحبها حزناً ولذلك فإن علاجها يكون بالدرء أي الحث على عمل الحسنات التي تمحو السيئات (ويدرؤون بالحسنة السيئة) وكما جاء في الحديث عن الرسول r "أتبع الحسنة السيئة تمحها" فمن عمل سوءاّ ترك في نفسه نوعاً من الحزن والكآبة يعالج الأمر بعمل الحسنات مكانها حتى يدرأها.

وأضيف على هذه الكلمات كلمة لمم (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) وكلمة زلل (وإن زللتم من بعد ما جاءتكم البيّنات) والله أعلم أنها تدخل في هذه المنظومة.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:51 PM
أسئلة المشاهدين خلال الحلقة:

سؤال: وصف الله تعالى قوم لوط بأنهم أهل فاحشة (أهل لواطة) والفاحشة في القرآن هو كل ما يزيد عن حده فيقال طول فاحش إذا زاد عن الحدّ، وجاء في القرآن الكريم كما قلنا سابقاً الفاحشة بأنها إما الزنى أو نكاح المحارم أو اللواطة . والفواحش هي من الذنوب التي لا تُخلّد في النار والأنبياء جاءوا لأقوامهم لمرحلتين أولاً التوحيد وثانياً تخليصهم من الذنوب مثل اللواطة وتطفيف الكيل والميزان فعندما عاقب الله تعالى آل لوط في الدنيا لا لارتكابهم الفواحش وإنما أخذهم بالكفر والشرك وإن كانوا من أهل الفواحش فلو آمن قوم لوط بلوط لكان عاقبهم عاقبة اللواط في الدنيا فقط ولكانت العقوبة حدّية كحدّ الزنى أو غيره وطالما أقيم عليه الحد وتاب وكفّر عن سيئاته لا يُعاقب. والله تعالى يعاقب الذين يحبهم في الدنيا بحيث لا يخرجون من الدنيا وعليهم ذنب فيعاقب على الجرائم الدنيوية حتى لا يبقى عليهم عذاب أو حساب في الآخرة كما جاء في الحديث القدسي (وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي عذابين أو أمنين أو خوفين) أو كما جاء في الحديث (إذا أحبّ الله عبداً أصاب منه)، أما الكافر فله عذابين (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر) (النار يُعرضون عليها غدواً وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب).

وبالمناسبة فإن تسمية الفاحشة باللواطة نسبة إلى لوط u أمر لم يرد في القرآن والتسمية خطأ أصلاً لكن ما جاء في القرآن عن هذه الفعلة القبيحة هو (الفاحشة) ولكن لأن قوم لوط هم الذين فعلوا هذه الفاحشة أطلق الناس على الفاحشة إسم اللواطة وهذا لا يجوز.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:51 PM
سؤال: ما فائدة تكرار كلمة خلقنا في آية سورة المؤمنون أما كلمة جعل فجاءت مرة واحدة فقط؟

قال تعالى في سورة المؤمنون (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ {12} ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ {13} ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ {14}) هناك فرق بين الجعل والخلق فالجعل هو أن تُغيّر الصيرورة فنقول جعلت الماء ثلجاً أي أنه لم يكن فصار كما جاء في قوله تعالى (واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي) لم يكن هارون وزيراً من قبل فصار وزيراً. أما الخلق فهو مرحلة مستقلة عن غيرها والخلق هو من مادة بخلاف الإبداع الذي هو من عدم بدليل قوله تعالى (والجان خلقناه من قبل من نار السموم) النار مخلوقة قبل الجان. وقوله تعالى (إني خالق بشراً من طين) استخدام حرف من يفيد أن الطين موجود وخلق آدم من مادة موجودة هي الطين أما قوله تعالى (جاعل في الأرض خليفة) لم يكن فيها خليفة فصار فيها.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:52 PM
سؤال: هل كان آدم موجوداً قبل عملية الأنسنة؟

هناك فرق بين البشر والإنسان فالبشر يدخل في المملكة الحيوانية أي أنه يتّحد مع الحيوانات في الصفات العضوية أما الإنسان هو الذي لديه العلوم الإنسانية.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:52 PM
سؤال: ما الفرق بين اصطفى واختار؟

الإختيار هو أن تختار من غير متشابهات كأن أختار قلماً من بين ورقة وكتاب وقلم (وربك يخلق ما يشاء ويختار). أما الإصطفاء فهو أن أختار من بين أشياء متناظرة متشابهة (إن الله اصطفى آدم) اصطفاه من متناظرين كان هناك مخلوقات مشابهة لآدم

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:52 PM
سؤال: يقول تعالى عن المؤمنين: (سيماهم في وجوههم )ما هي سمات الكافرين يوم القيامة؟

يُعرف الكافرون بسيماهم (يُعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام) وسيماء الكافرين يوم القيامة هي وجوههم السوداء الزرقاء التي فيها شيء من البهت (وجوههم مسودة) وهذا هو سواد الخوف لا سواد لون البشرة لأنه لا فرق عند الله بين أبيض وأسود (يوم يُحشر المجرمون إلى جهنم زرقا).

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 01:53 PM
باب حرف الباء

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:06 PM
منظومة بتر

بتر– بتك-

بتر : بمعنى قطع وهي عادة تُطلق على قطع الذنَب ثم أُطلق على قطع العَقِب فيقال فلان أبتر أي مقطوع من الولد ويقال مقطوع ذكره عن الخير كلّه (إن شانئك هو الأبتر) سورة الكوثر آية 3.

بتك: هو قطع الأعضاء والشعر مما لا ينبغي تفريقه مثل الأذن والشعر والأنف ولهذا سمّي السيف الباتك ومنه قوله تعالى (فليبتكنّ آذان الأنعام). وهنا لا بد من التفريق بين تغيير خلق الله وتبديل خلق الله: أما تغيير خلق الله فالمقصود منه هو التغيير الجزئي مع الإبقاء على أصل المخلوق كتغيير جنس الإنسان من ذكر إلى أنثى أو العكس. أما تبديل خلق الله فهو وضع أحد البديلين مكان الآخر.

قطع: هو فصل الشيء مدرَكاً بالبصر كالأجسام أو مدركاً بالبصيرة كالأشياء المعقولة ومن ذلك قطع الأعضاء كما في قوله تعالى (لأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف) وقوله (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وقوله (وسقوا ماءً حميماً فقطّع أمعاءهم) وتقال لقطع الثوب (فالذين كفروا قُطّعت لهم ثياب من نار). وقطع الوصل هو الهجران وقطع الرحم يكون بالهجران ومنع البِرّ (وتقطعوا أرحامكم) (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل). وقطع الأمر بمعنى فصله (ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون) سورة النمل، وقطع دابر الإنسان هو إفناء نوعه (فقطع دابر الذين ظلموا) (وأن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين)، وقوله (إلا أن تُقطّع قلوبهم) إما ندماُ على تفريطهم أو بالموت.

بتّ: تقال لقطع الحبل والوصل ولم ترد هذه الكلمة في القرآن الكريم.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:08 PM
منظومة البِرّ

البر - التفضل - الإنعام - الإحسان- المنّة- الرحمة

قال تعالى : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مم تحبون و ما تنفقوا من شيء فإن لله به عليم ) [ سورة آل عمران : 93].

و أخوات البر في القرآن الكريم البر ـ الإحسان ـ التفضل .

والبر هو العمل الواجب الشاق جداً فكل عمل سواء كان عبادة أو جهاداً أو إكراماً أو إنفاقاً يكون براً إذا كان واجباً لا هوادة فيه و كان شاقاً جداً و هو دليل الصدق لا يعرف صدقك عند الله إلا بالفتنة و الابتلاء قال تعالى : ( ألم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين ) [سورة العنكبوت 3].

قال تعالى : ( ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب و ما كان الله ليطلعكم على الغيب و لكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) [ سورة آل عمران : 179] .

هذا بالعمل الشاق إذا أديته فقد نلت البر .

قال تعالى :( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مم تحبون ) ، فأنت عندك عدة أموال و لكن أحبها إليك المال الفلاني فتفقه في سبيل الله إنفاقاً واجباً و هذا هو البر .

الإحسان : هو السلوك الشاق مندوب أي ليس وجباً فمثلاً كظم الغيظ على من أغاظك و أنت قادر على إنفاذ غيظك و إنما تكظمه لوجه الله ندباً و ليس فرضاً و لمشقته الزائدة فإن هذا من الإحسان قال تعالى ( الذين ينفقون في السراء و الضراء و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس و الله يحب المحسنين ) [ سورة آل عمران : 134] .

قال تعالى :( و جزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا و أصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين ) [سورة الشورى : 40] .

و العفو ليس سهلاً و لكن في غاية المشقة .

الإنعام : هو ابتداء النعمة قبل أن يسألها احد منك ، أنت أعلى ممن تنعم عليه و النعمة لا تكون إلا من الأعلى إلى الأدنى ، فتكون من أمير إلى رعيته فينعم عليها إنعاماً ابتدائيا لا يسأل فيه إلى رعيته فينعم عليهم ، فالنعمة من الأعلى إلى الأدنى ، أما إذ سألتها فليست نعمة .

أما التفضل : هو تمييز أحد الناس بميزة لكي يتميز عن غيره ، أنت تخص واحداً من الناس بميزة معينة و بالتالي أنت لا تكون إلا ذا شأن إذا كنت ذا شأن فأكرمت واحداً من الناس إكراماً لكي يتميز عن بقية أقرانه فهذا هو التفضل .

قال تعالى : ( و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً ) [سورة الإسراء: 70].

و قال تعالى : ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض و بما أنفقوا من أموالهم ) [سورة النساء : 34].

أما المنة :المنعة لا يستطيع أحد أن يفعلها إلا صاحب تلك المنة ، أن تهب واحداً حياته ، أو أن تنقظه من الغرق أو أن تعفوا عنه و قد حكم عليه بالإعدام و هذا في الدنيا لا يفعلها إلا الملوك أصحاب النفوذ الواسع و رب العالمين هو أولى الناس بها و لا تليق إلا بالله تعالى و لقد من الله على سيدنا موسى قال تعالى: ( و لقد مننا عليك مرة أخرى ) [ سورة طه : 37].

و لقد منّ علينا بسيدنا محمد صلى الله عليه و سلم قال تعالى : ( لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث منهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) [ سورة آل عمران : 164 ] .

و هذه منه عظيمة لا يستطيع أحد أن يفعلها إلا الله سبحانه و تعالى و لقد عرفنا في هذه العجالة الموجزة الفرق الدقيق بين هذه الكلمات التي تبدوا في الظاهر كأنها واحدة ، فنقول بررت بأبيك ، و تفضل إليك أخوك ، و أنعم عليك الملك ، و تفضل عليك رئيسك و منَّ الله عليك.

كلها عطاء و لكن لكل كلمة جرساً و همساً و نفساً و لفتة و دقة تختلف عن الكلمة الأخرى قطعاً ، نعود الآن لكي نشرح الكلمات كلمة كلمة ، و نبين كيف أستعملها القرآن الكريم و كيف وظفها ذلك التوظيف الهائل الذي يعطي ذلك التوظيف موضوعاً كاملاً تستطيع أن تكتب فيه بحثاً هائلاً بمجرد اختيار كلمة واحدة فالله سبحانه و تعالى قال: ( و كان فضل الله عليك عظيماً ) و لم يقل إنعامه عليك فالله منّ على الناس منّاً و تفضل على محمد تفضلاً لأن محمد متميز أفضل الناس .

نبدأ بكلمة البر : البر هو العمل الصالح الشاق بكل أنواعه مادام واجباً و إذا صار البر منك سجية و دأباً و عادة فأنت بَرٌ قال تعالى : ( إن كنا ندعوه إنه هو البر الرحيم )[سورة الطور : 28].

فالبَر هو كثير البِر بالآخرين و ما من أحد أكثر براً بعباده من الله

و لو قال أنا أبر والدتي لما كانت لتعطي نفس المعنى لكنا نبر بأمهاتنا و لكن قد يحدث منا شيء في يوم من الأيام قد يعكر صفوها ونحن بارون بأمهاتنا و لكننا لم نصل إلى الحد أن نكون بَراً، البَر مطلق و البر نسبي فرب العالمين و هو بر فبره مطلق ، فسيدنا عيسى عليه السلام من معجزاته كان بَراً مطلقاً بأنه و لم يسيء إليها يوماً هذا البر و حينئذ البر مأخوذ من البر ضد البحر و البر واسع و لو أن واقع الحال أن المياه أكثر من اليابسة و لكن كما نعرف أن المحيطات و البحار مساحتها أكبر من اليابسة و لكن ما قيمة ذلك إذا كانت حركتك في البحر محدودة أن لا تتحرك داخلها إلا في الفلك ، فحركتك في البحار على سعة البحار هي حركة محدودة أما في البر فأنت تركد قال تعالى :( اركض برجلك هذا مغتسل بارد و شراب )[سورة ص: 42 ].

و قال تعالى :( الم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها )[سورة النساء : 97].

فمن البر و سعة البر أستخدم الله سبحانه و تعالى هذه الكلمات على كل الأعمال التي ينبغي أن يكون أداؤها واسعاً لاحظ دقة الآيات الكريمة ، طبعاً نحن كلنا يعرف أن الأعمال متنوعة منها أعمال فروض و منها أعمال أركان وواجبات و منها سنن و هناك أوليات ، رب العالمين يحدثنا عن الأمم لا تأبه بصغائر الأعمال تؤديها كيفما أتفق لا تقف عندها طويلاً لأنها مشغولة بأداء المهام العظمى فإذا رأيت الأمة تنشغل بصغائر الأمور فأعلم أن هذا دليل على عجزها ، عاجزة ، بليدة متخلفة جبانة ، شحيحة تنشغل بصغائر الأمور :

قال الشاعر :

و تعظم في عين الصغير صغارها و تصغر في عين العظيم العظائم

العظيم يرى في مهام الأمور أنها سهلة و يقوم بها و كأنها سهلة و لكن الصغير ينشغل بالتفاهات و الصغائر .

لاحظ في القرآن لما حول الله القبلة وهو له المشارق و المغارب كيف ضج الناس من يهود و نصارى و مشركين قال تعالى :( سيقول السفهاء ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق و المغرب يهدي من يشاء على صراط مستقيم ) [سورة البقرة : 142]. فجعلوا منها نقاش ومشكلة كبيرة و كأن الدنيا قامت و هذا دليل التفاهة قال تعالى : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ولكن البر من آمن بالله و اليوم الآخر و الملائكة و الكتاب و النبيين و آتى المال على حبه ذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل والسائلين و في الرقاب و أقام الصلاة و آتى الزكاة و الموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء و الضراء و حين البأس أولئك الذين صدقوا و أولئك هم المتقون )[سورة البقرة : 177].

فنلاحظ في هذه الآية أنها جمعت العمل الصالح الشاق من ألفه إلى يائه ، ابتداءً بالإيمان بالله و انتهاءً باليوم الآخر و ما بينهما من إيمان بالرسل و الغيب .

قال تعالى : ( و آتى المال على حبه ذو القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل ..).هذه كلمة عظيمة إياك أن تعتبرها إنشاء ، فمثلاً واحد عنده مال هو أغلى من عينيه و المال أغلا من النفس من النفس يوم يبذل نفسه في سبيل ماله و لا يبذل ماله في سبيل نفسه و كم من إنسان قتل في سبيل ماله قال صلى الله عليه و سلم : (من قتل دون ماله فهو شهيد ) [سنن النسائي : 1898].

و هنا ( آتى المال على حبه ) أي يحب المال حب عظيم و على ذلك يعطيه ذوي القربى و اليتامى و المساكين و ابن السبيل و السائلين و في الرقاب ثم أقام الصلاة و آتا الزكاة ، فقد يقول قائل هل تسقط الزكاة نقول : لا ...الزكاة هي الحد الأدنى المفروض عليك في الحالات . و إعطاء المساكين و ابن السبيل و اليتامى و ذو القربى هذه فرض كفاية أما إيتاء الزكاة فهي فرض عين ، فهي فرض كفاية على كل من يجد قريب فقير أو مسكين أو يجد منقطع أو ابن سبيل و هو في حاجة ماسة و في غير أيام الزكاة فعليك أن تعطيه من حر مالك و هذا فرض كفاية إذا كان أبناء المجتمع لم يقوموا به فالكل آثم و لو قام به بعضهم سقط عن الباقين .

و قال تعالى : ( و الموفون بعهدهم إذا عاهدوا )

العهود : هي كل علاقة بين اثنين طالب و أستاذ , جندي ضابط ، بائع و مشتري .

قال تعالى : ( الصابرين في البأساء و الضراء و حين البأس ..

و هذه كلها تصب في هذه الخانة و قلنا أن البر هو الأعمال الشاقة فأنت أصبت بأمراض جسدية لها ألم هائل فقلت الحمد لله أو أصبت بخسائر اقتصادية كبيرة أو فقر أو جوع و قال الحمد لله حين البأس في الحرب و هو صابر قال تعالى : ( أولئك الذين صدقوا ) .

ولو قرأنا تاريخ السير النبوية و تاريخ الأجيال الأولى المباركة ، لا تراهم انشغلوا بما انشغلت به الآن ، الناس في العالم الإسلامي منذ 15 سنة مشتغلون بما هو قاسم لها كيف يكون حجم اللحية كيف تسفط اللحية ، ما سمعنا أن اثنين من الصحابة قالوا هذا . كم طول الثوب ؟...... ناس تجعله فوق الكعب شبراً و ناس شبرين و ناس إصبعين .... و لقد أنشغل الناس بهذه الأمور التي هي أقل من تحويل القبلة و قال تعالى : (ليس البر أنو تولوا وجوهكم قبل المشرق و المغرب ....)

قال صلى الله عليه و سلم :( عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر و إن البر يهدي إلى الجنة و ما يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقاً و إياكم و الكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور و إن الفجور يهدي إلى النار و ما يزال العبد يكذب و يتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذباً)[سنن الترمذي :2038و قال حديث حسن صحيح ]. ‏

و لقد أنشغل الصحابة بالأمور العظام قال تعالى : ( و الذين تبوؤوا الدار و الإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا و يؤثرون على أنفسهم و كان بهم خصاصة و من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) [سورة الحشر: 9].

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:08 PM
الإحسان : هو السلوك الاجتماعي المندوب الشاق الذي يكون غير ملزم إنما مندوب .

قال تعالى : ( و السابقون الأولون من المهاجرين و الأنصار و الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم و رضوا عنه وأعد لهم جناة تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم )[سورة التوبة : 100]. فالمندب أفضل من الفرض من حيث الأجر فالذي يرفع الدرجات هو المندوب و ليس الفرض و الفرض ينقذك من النار فالصوم في رمضان ينقذك من النار أما أن تحسن الصوم فهذا يرفع الدرجات و الصلاة هكذا فالركوع و قراءة الفاتحة و السجود تنقذك من النار لكن خشوعها و اطمئنانها ترفع درجاتك فالنوافل إذاً أرجى من الفروض و لذلك قال الله تعالى ( إن الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون .)[سورة النحل : 90].

والإحسان هو أفضل من العدل مع أن العدل واجب ، فالإحسان هو زيادة على العدل ، فأنت تعفوا عمن ظلمك هذا ليس عدلاً بل هو إحسان فالعدل أن آخذ حقي منه لكن الأجر و رفع الدرجات بالعفو عنه ، لذلك الله سبحانه قال (و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و إن الله لمع المحسنين )[سورة العنكبوت : 69] .

فمثلاً أنت شيخ أو أمير ثم يعتدي عليك أحد بكلام أو سفاهة أو ما شاكله ذلك من مآمرة أو تخريب ، ثم تعفوا و أنت قادر على أخذ حقك أن لا يمكن أن تفعل ذلك إلا لله فالإحسان أن تعفوا عمن ظلمك و أن تعفوا و أن تعطي من حرمك و أن تصل من قطعك . الناس تأبى هذا و هي مجبولة على الانتقام و حب التعالي ، أن تتواضع و تعفوا لله تعالى فالله معك : قال تعالى ( من كظم غيظاً و هو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا و إيماناً) [كنز العمال : 5822] فالإحسان يقابل البر في السلوك و لكنه مندوب وليس فرضاً .لذلك قال تعالى ) لن تنالوا البر حتى تنفقوا مم تحبون ..) فالصحابة بادروا كل واحد عنده مال غالى عليه أنفقه، أما الحجر المبرور لمشقتة الحج من الصعب جداً أن تؤديه كما أراد الله ، ففي كل عام لو قمنا بإحصاء كم من الناس أدنى مناسك الحج كما قال

تعالى : (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج و ما تفعلوا من خير يعلمه الله و تزودوا فإن خير الزاد التقوى و اتقون يا أولي الألباب ) [سورة البقرة : 197] تجدهم قلة.

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :( إني جبان و إني ضعيف ! فقال هلم إلى جهاد لا شوكة فيه : الحج ) [مجمع الزوائد :5257]. و لهذا كم من الحجاج يكون حجه مبروراً ...

و سيدنا يوسف لما كان في السجن قال له أصحابه (و دخل معه السجن فتيان قال أحداهما إني أراني أصر خمراً و قال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ) [سورة يوسف : 36] فقد كان يداوي المريض و يعطي المحتاج و قد أوقف نفسه لتخفيف ويلات المسجونين المادية و المعنوية و هو ليس ملزماً بهذا و بمشقة هذا العمل .

الله سبحانه و تعالى امرنا بالإحسان للولدين قال تعالى : (و إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله و بالوالدين إحساناً ) [سورة البقرة : 82]. و لم يقل لله بالوالدين براً ، فعلينا أن نفهم القرآن ، و لهذا هذا البرنامج يعطينا أسلوباً دقيقاً للتعامل مع كتاب الله لو رب العالمين قال فقط بروا الوالدين أي إذا جاعا أن تطعمها طعاماً و إذا عريا أن تعطيهما ثياباً ....لا ..... قال ( بالوالدين إحساناً ) و في آية أخرى و قال ( حسنا ) أي حسناً و إحساناً أي حسناً بالقول و إحساناً بالفعل لذلك بكل السلوكيات الأخلاقية عليك أن تتعامل مع أمك و أتيك و ليس فقط بالبر قال صلى الله عليه و سلم :

عن جابر بن عبد الله أن رجلاً قال : يا رسول الله ! إن لي مالاً وولداً . و إن أبي يريد أن يجتاح مالي . فقال : ( أنت و مالك لأبيك )[سنن ابن ماجة: 2291 ].

وإذاً إحسان وليس بر و البر لا يقتضي هذا و عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان تحتي امرأة و كنت أحبها ، و كان عمر يكرهها ، فقال لي : طلقها ، فأبيت ، فأتى عمر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه و سلم فذكر ذلك له ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " طلقها " قال الترمذي حديث حسن صحيح . [ البخاري : 5973].

قال تعالى : ( و لا تقل لهما أفٍ ) هذا إحسان ،

عن عبد الله بن عمرو قال : ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم يستأذنه في الجهاد فقال :ألك والدان ؟ قال : نعم ، قال : ففيهما فجاهد ) [سنن الترمذي : 1722] حسن صحيح .

و جاء رجلٌ النبي صلى الله عليه و سلم و قال : يا رسول الله ! ما حق الوالدين علي ولدهما ؟ قال ( هما جنتك ونارك ..)[سنن ابن ماجة: 3662 ].

و إذا غضب عليك أحد أبويك لا يقبل منك عمل و لهذا إن هذه الآمة المباركة التي كرمها الله سبحانه و تعالى بالإسلام و شاعت فيها الأسرة الرائعة بحيث ما من أمة في الدنيا لها من الأسرية المترابطة مثل هذه الأمة لأن بدت فيها في هذا العصر عصر المادة عصر الإنترنت و العولمة ظواهر بسيطة و لكن يجب القضاء عليها فوراً و هو شيوع دار المسنين عند بعض الدول العربية حيث نسمع مثلاً أن أحد الأبناء يذهب بأبيه و يلقيه في دار العجزة على هذا الابن أن يعلم أنه لن يقبل منه عمل و لن تقبل منه توبة و سوف لن ييسر الله نطق الشاهدتين عند الموت ، و قد يكون الأبناء قادرون و لكن زوجة الابن تتضايق من أبيه فيذهب الابن و يلقي بأبيه في مأوى العجزة ، إن هذه ظواهر و حالات قليلة في مجتمع مليار مسلم و لكن خطيرة و هذه الأمة لا ينبغي أن تصل لهذا الدرك أبداً ، لأن هذه أخطر ما يمكن أن توسم به هذه الأمة بأخلاقياتها ، قد نكون ضعفاء قد نكون فقراء قد نكون..... قد نكون ...و لكن لا أحد يتهمنا بسوء الأخلاق ، هذه أمة مترابطة عرضها كامل و شرفها كامل و ترابطها الأسري كامل فالثوب الأبيض تؤثر فيه قطرة حبر ، و هذه بقعة حبر في ثوب الأمة إذا شاع بين الناس أن يذهبوا بآبائهم و أمهاتهم إلى دور العجزة عليه أو المسنين و هذه قد تكون نادرة و لم تصبح ظاهرة حتى الآن و لكنها موجعة فلكل من له أب أو أم و ألقى بهما في دار العجزة عليه أن يذهب غليهما و إلا هلك ، لأن الله لا يبارك له في رزقه ، و لا في عمره ، ولا في ذريته سوف يفعل أبناؤه كما فعل بأبيه .

قال صلى الله عليه وسلم : ( بروا آباؤكم تبركم أبناؤكم ) [الجامع الصغير للسيوطي : 3138].

و لذلك قال الله عز و جل أحسنوا ولم يقل بروا فإنه مطلوب في كل شيء حتى في القتل قال صلى الله عليه و سلم " و إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة " .

وعن رب العالمين ربط زيادة الرزق و زيادة العمر بالبر بالوالدين و الأرحام . قال صلى الله عليه وسلم " من أحب أن يوسع له في رزقه وأن ينسأ له في أثره ، فليصل رحمه "[متفق عليه ] . لهذا يأبى كرم الله و يأبى حياء الله سبحانه و تعالى أن يعذب عبداً و أبوه و أمه راضيان عنه و تأبى غيرة الله أن ينعم صالحاً أو صحابياً أو ولياً و أمه أو أبوه غضبان عليه.

الإنعام : قال تعالى : ( و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ) [سورة إبراهيم : 34].

أي أنكم قد تقصرون في شكر نعمي و لكن بما أنتم من أهل القبلة فأغفر لكم بعض التقصير و لهذا من قال عندما يصبح أو يمسي اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك الحمد و لك الشكر حتى ترضى فقد أدى شكر يومه ، و من قال حين يمسي فقد أدى شكر ليله.

التفضل : قال تعالى : ( و لقد فضلنا بعض النبيين على بعض و آتينا داود ++++ورا) [سورة الإسراء : 55] . و قال تعالى : ( و لقد كرمنا بين آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) [سورة الإسراء: 70] .

قطاً ما من مخلوق إلا و قد فضل عليه ابن آدم و لهذا جعله الله المخلوق الوحيد المختار و سخر كل ما في هذا الكون له من أجل هذا فإن صالحي البشر أفضل من صالحي الملائكة لأنهم ليسوا مجبرين .

المنة : هي النعمة التي لا يستطيعها غير المنان سبحانه و تعالى و المنة هي النعمة التي لا يسأل المنعم عن ثوابها قال تعالى : ( قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين ) فالمن هي النعمة العظمى التي لا يستطيع أحدٌ غير معطيها أن يعطيها و امن بالمعنى الآخر هي التذكير بها على الممنون عليه ، و هذه لا تليق إلا بالله وهي من البشر مفسدة و عيب .

الرحمة : هي إعطاء النعمة لمن لا يستحقها و أن يرفع العقوبة عن من يستحقها و لذلك هذه الرحمة تالية لن الله سبحانه و تعالى يحب فلاناً فيعطيه نعمة لا يستحقها لم يقدم أسبابها و لم يباشر لها عملاً جاءته هكذا أو كان يستحقها عقاباً معيناً فعفا عنه رحمة به .

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:08 PM
منظومة بعُد

بعُد- أعرض - نأى – شطّ - ولّى - طرد – هزم –هرب – جفا - اجتنب

البعد هو مصيبة المصائب و ما من مصيبة أعظم من البعد في الدنيا و الآخر إلا في حالة واحدة قال تعالى : ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ) [ سورة الأنبياء : 101 ] .

و ما عدى هذا فالبعد سلبي .

فالبعد في القرآن له منظومة عجيبة ، فقد أستعملها القرآن استعمالاً ليبين لنا وجهاً من أوجه الإعجاز من حيث أن الله سبحانه و تعالى أختار الكلمة المناسبة في هذه المنظومة لكي يعطيك معناً إضافياً أختار الكلمة المناسبة يتجاوز المعنى اللفظي للكلمة فعندنا : بَعَدَ ، أَعرَضَ ، نأى ، شط ـ ولى ـ طرد كلها بمعنى البعد و لكل نوع من أنواع البعد كلمة ترسم زاوية دقيقة من زوايا صورة البعد و البعد صورٌ متعددة و إلا فالبعد هو ضد القرب و ليس للبعد و القرب حدّ أدنى و لا أعلى و لكنه مختلف متباين و لكن إذا أطلق فهو يعني شيئاً عظيماً قال تعالى: ( ألا بعداً لمدين ) [سورة هود ] .

و قال تعالى ألا بعداً للقوم الظالمين ) [سورة المؤمنون 41].

و لذلك هذا البعد باختلاف بسيط في نوعه و شكله يأخذ كلمة أخرى .

أعرض : أبتعد عن شيء معين مع رفض والإعراض : أن تعلن بعدك و رفضك . (وأعرض عنهم وعظهم) والإعراض جهر بالرفض واستنكار.

نأى : بعد مع استقباح وتنزيه عما ابتعدت عنه .

قال تعالى : ( و إذا أنعمنا على الإنسان أعرض و نأى ) [ الإسراء 83 ] .

فهنا نزه نفسه عن ذلك أي أنه ليس المسؤل عن ذلك و لا يجب الاقتراب منه .

يقال : فلان نأى بنفسه عن المجرم ، ليس كل بعدٍ نأي و كل نأي بعد .

شط : هو البعد عن الصواب بالذات ، كل شيء صواب إذا ابتعدت عنه يسمى شططا. (فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط)

و لهذا سمي الشط شطا ً لبعد حافتيه عن الماء .

و معروف أهمية المياه و أنها مصدر للحياة و كذلك حافتا النهر تبعدان عن الماء فلكل بعد عن شيء قيم هو شطط .

قال تعالى : ( لن ندعوا من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططا)[ سورة الكهف : 14 ) أي قولا بعيداً عن الصواب .

و قال تعالى : ( و أنه كان يقول سفيهنا عن الله شططاً ) [ سورة الجن : 4 ] .

ولى : بعد بسرعة قال تعالى : ( فلما رآها تهتز كأنها جانٌ ولّى مدبراً و لم يعقب) [سورة النمل: 10] .

و قال تعالى ( و إن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ) [ سورة آل عمران : 111] .

طرد : ابتعاد مستمر لا ينقطع يقال كلام مطّرد أي مستمر .

أنهزم أو هزم :هرب بعد أن بدأت المعركة يبتعد قال تعالى : ( فهزموهم بإذن الله ) [ سورة البقرة : 251 ] .

جفا: الجفا كما يعرفه المحبون و الشعراء ، فالجفا : هو بعد مع كراهية أو ملك حبيب يحب حبيباً فكرهه .

قال صلى الله عليه و سلم ( من بدا جفا ) [ الجامع الصغير : 8557] . معنى الحديث أي من سكن البادية غلظ طبعه لقلة مخالطة الناس .

قال تعالى : ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً و طمعاً و مم رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ) [ السجدة : 16] .

هذا الكلام لمصلي الليل من نوع خاص حيث تعودت جنوبهم عن عدم المنام مع كراهيتهم للفراش ، فقد أنس بالله و أشرقت نفسه بمجالسة الله تعالى و بالعكس بدأ يكرهه و سأم منه لأنه ذاق حلاوة الحضور مع الله تعالى أي أصبحت صلاتهم بالليل دأبهم و ديدنهم بحيث أنهم كرهوا النوم .

وأضيف كلمتي هرب واجتنب مع هذه المنظومة:

هرب: الهروب هو الابتعاد قبل أن تبدأ المعركة وتلتحم الجيوش.

اجتنب: والإجتناب هو عدم الإقتراب أصلاً فهو بُعد مع توقّي (يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) بمعنى يبتعدون ابتعاداً تنزيهياً مع الإستنكار وهو تحريم مع وجوب البُعد.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:09 PM
منظومة بعد

بعد- وراء- خلف - خلاف

بَعََدَ : بعد يبعد بعداً فالبعد مصدر لبعد ، قال تعالى : ( ألا بعداً لمدين ، كما بعدت ثمود ) .

البعد : نوعان بعد نسبي و بعد مطلق ، فحينما جاء قوله ( ذلك هو الضلال البعيد ) [ سورة إبراهيم : 18] فهو الشرك.

وعن عمار بن ياسر قال: صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فقال: "آمين آمين آمين". فلما نزل قيل له، فقال:

"أتاني جبريل صلى الله عليه وسلم فقال: رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يغفر له، قل: آمين، فقلت: آمين. ورغم أنف امرئ أدرك أبويه فلم يدخلاه الجنة فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين. ورجل ذكرت عنده فلم يصلي عليك فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين". رواه البزار وفيه من لم أعرفهم.[ مجمع الزوائد : كتاب الأدعية ] .

البعد : هنا بعد دائم لا عودة فيه .

السبب في ذلك أن بر الوالدين و صوم رمضان و الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم من أرجى الأعمال يوم القيامة فهي من أسباب القرب من الله يوم القيامة .

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول من صلى عليّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً.[ صحيح مسلم : 1/291].

بعد : يقال : دخل فلان بعد فلان

و دخل فلان وراء فلان

و دخل فلان خلف فلان

قال تعالى : (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي )[ سورة البقرة : 133].

قال تعالى: ( قال رب أغفر لي و هبني ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي )[ سورة آل عمران : 170].

و قال تعالى : ( و يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ) [سورة آل عمران : 170].

و قال تعالى : ( و من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) [ المؤمنون :100].

و قال تعالى : ( فبشرناه بإسحاق و من وراء إسحاق يعقوب ) [ هود: 71] .

و قال تعالى : ( و إذا سألتموهم متاعاً فسئلوهن من وراء حجاب ) [ الأحزاب : 53].

كلمة بعد عكسها قبل فهي زمانية و القبل و البعد لا يجتمعان .

خلف و عكسها أمام : مكانية فالخلف و الأمام قد يكونان في آن واحد ، فأنا خلف الطاولة و أنا أمامها . (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) وتستعمل كلمة (خلاف) بمعنى مخالفة كما في قوله تعالى (فرح المخلفين بمقعدهم خلاف رسول الله) وفي قوله (لأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خِلاف) بمعنى إحداهما من جانب والأخرى من جانب آخر. والخالفة هي المرأة المتأخرة عن المرتحلين وجمعها الخوالف كما في قوله تعالى (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) سورة التوبة.

من خلفهم : بمعنى عند غيابهم. قال تعالى ( فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ) [سورة مريم : 59] .

القرآن فيه مشترك و ليس فيه مترادف ، أي قد يكون للكلمة الواحدة عدة معاني و لا يكون لها مرادفات أي خلفوا بعضهم في عصر واحد .

الوراء : للمهانة ـ استتار واختفاء مريب وغامض للحسرة والإذلال.

قال تعالى : ( فنبذوه وراء ظهورهم ) [ آل عمران : 187] و هنا إهانة و إذلال .

قال تعالى : ( لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر ) [ سورة الحشر : 14].

و قال تعالى : ( و من أبتغى وراء ذلك ) كل ماعدا ذلك من الزواج و ملك اليمين كله مريب .

الإمام الغزالي أشار إلى البعد و القرب فذكر البعد الأعظم و هو بعد إبليس فيقول لما أمر الله تعالى إبليس بالسجود فأمتنع فأعقبه الله تعالى بالبعد إشارة إلى أن السجود علامة من علامات القرب و الامتناع عنه علامة من علامات البعد . قال تعالى ( فأسجد و أقترب )

قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( أقرب ما يكون العبد من ربه و هو ساجد فأكثروا الدعاء ) [ سنن أبي داود : 873].

و من كرم الله تعالى على عباده أن جعل أعظم الثواب بأيسر الأعمال قال صلى الله عليه وسلم :

(من صام رمضان إيماناً ـ تصديقاً بأنه فرض ـ و احتسابا ـ أي طلباً للثواب ـ غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر ) [ سنن النسائي : كتاب الصيام ] .

المدح : إظهار الثناء على المثنى عليه لمزية فيه دون أن يكون من دون بدوا فضل لنا .

الشكر : بعد الفضل .

عن أبي أمامة رضي الله عنه ( أنه سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم أي العمل أفضل قال : عليك بالصوم فإنه لا عدل له ) [سنن النسائي :كتاب الجنائز].

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:10 PM
منظومة بيّنة

بيّنة- ـ آية - ـ آلاء- برهان- حجّة - بصائر

البينة :هي إقامة دليل على المدعي ، فهناك آية، حجة ، برهان ،آلاء ، بصائر ، كل كلمة هي أسلوب من أساليب التبيان

قال تعالى: ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ) [ سورة البينة : 1 ] .

فالبينة إذاً أسلوب لإثبات ما تدعي ، و هذه الأساليب تبدأ بالآية و ثانياً بالحجة ، قال تعالى : ( و إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم و بقية مما ترك آل موسى و هارون ) [ سورة البقرة : 248].

الحجة : قال تعالى : ( و تلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) [سورة الأنعام : 83].

البرهان : قال تعالى : ( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربتكم ) [ سورة النساء : 174].

بصائر: قال تعالى: (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ)

[سورة الجاثية : 20].

آلاء : قال تعالى : ( فبأي آلاء ربكما تكذبان) [سورة الرحمن : 18 ].

البينة : هي شيء مطلوب من كل صاحب دعوة فكل صاحب دعوة ليس معه بينة لا قيمة لدعواه . " البينة على المدعي و اليمني على من أنكر ".

الآية : أسلوب من أساليب البينة ثابت باهر محسوب بالحواس و هكذا الحجة إلا أن الفرق بينهما أن الآية تساق ابتداءً لكي يعلمك الحق قال تعالى إن في خلق السماوات و الأرض و اختلاف الليل و النهار لآيات لأولي الألباب ) [سورة آل عمران : 190].

بعكس الحجة التي لا تكون إلا بين خصمين ، أما الآية فهي تساق لكل من يتعلم فالآية للتعليم و الحجة لإسقاط مدعي الخصم قال تعالى : ( و تلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ) [سورة الأنعام : 83].

أما الخلاف الثاني : لا يشترط في الآية أن تعرفها بحذافيرها و أما الحجة لا تكون حجة إلا إذا كانت واضحة لك تماماً بحيث تسكت تماماً ، و الحجة إذا كانت من ملك إلى أتباعه تسمى آلاء .

آلاء : هي الأدلة التي يصدرها الملك إلى عبيده و أتباعه .

البرهان : هو حسن عرض الحجة ، فالبرهان هو أعلى درجات الإثبات قال تعالى : ( كذلك برهان من ربك ) [ سورة النساء :174].

البصائر : هي كل هذه البراهين و الحجج و آيات إذا كانت محسوسة بالحواس فهي بصائر .

والآيات : تطلق على البناء العالي قال تعالى : ( أتبنون بكل ريع آية تعبثون )[سورة الشعراء : 128] كما تطلق على كل جملة قرآنية تنتهي بفاصلة .

الفرق بين آية محمد صلى الله عليه و سلم و آية موسى و عيسى و الأنبياء من قبلهم أن آية موسى و عيسى كانت في زمان واحد آمن به من عاصروها من رأوها ، بينما آية محمد كلامية في المستقبل سوف تأول إلى معجزات محسوسة قال تعالى : ( الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها ) [سورة النمل : 93].

الحجة : هي محاولة إثبات أحد النقيضين و تكون بين خصمين وتكون بين حق و باطل و لا يمكن أن تكون بين حقين

وأضيف كلمة دليل على هذه المنظومة هذا والله أعلم.

الدليل: والدلالة هي ما يتوصل به إلى معرفة الشيء سواء كان بقصد ممن يجعله دلالة أو بغير قصد (ما دلّهم على موته إلا دابة الأرض) (ثم جعلنا الشمس عليه دليلا)

آداب المخاصمة :

1 ـ أن تحتج من منطلق قوة فإياك أن تحتج بحجة ضعيفة فِإذا حاججت خصماً فأسقط حجتك فكل حججك الأخرى سوف يصيبها الوهن فعليك من البداية أن تكون حجتك قوية .

2 ـ أن لا تحاجج الخصم جماهيرياً لأنه عندما تحاجج أحداً لوحده فإنك تلزمه بأخطائه أما عندما يكون جماهير فالجهل و الغوغاء تغلب العلم .

3ـ أن يكون الذي يريد أن يحاجج له هدف لأن أي احتجاج ليس له هدف يصبح تهريج .

يسمى هذا ( تحرير محل النزاع ) .

يقول الشافعي : ( ما حاججت أحداً إلا تمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه ) .

إذاً البرهان : هو حسن عرض الحجة ـ الرجل الأبره: هو ذو اللون الأبيض النقي ، فكلما وضحت الحجة صارت برهاناً . قال تعالى : ( أم اتخذوا من دون الله آلهة ، قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) [سورة البقرة : 111].

و الدعاء عند رؤية الآية مقبول .

-قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن لله أهلين من الناس فقيل من أهل الله منهم قال أهل القرآن هم أهل الله وخاصته).[ مسند الإمام أحمد :المجلد الثالث ].‏

و إن من إجلال الله إكرام حفظة القرآن قال تعالى : ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم )[سورة العنكبوت : 49] .

و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( حامل القرآن حامل راية الإسلام )[فيض القدير : 3660] .

و قال ابن مسعود ( إن لله لا يعذب جسداً هو وعاء للقرآن ) من أجل هذا لا ينبغي للمسلم أن يذهل عن حفظ الزهراوين

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:10 PM
منظومة بعث

بعث– أرسل-

بعث: أصل البعث إثارة الشيء وتوجيهه، والبعث نوعان بشريّ كبعث البعير وبعث الإنسان في حاجة وآخر إلهي وهذا أيضاً له نوعان: وهو الذي يختص به الله تعالى من بعث الأجناس والأنواع وإيجادها ولا يقدر عليه أحد والثاني هو إحياء الموتى وهذا المعنى لا يدخل في هذه المنظومة وإنما يأتي مع منظومة الإحياء. وكلمة بعث دليل على أهمية الشخص المبعوث (بعثنا فيهم رسولا) وهي منّة من الله تعالى بالرسول r.

أرسل: أصل الرِسل الإنبعاث على التؤدة وتقال للناقة إذا كانت سهلة السير. والإرسال يقال في الإنسان وفي الأشياء المحبوبة والكروهة وقد يكون ذلك بإرسال الرياح والمطر (وأرسلنا السماء عليهم مدرارا) ومنها إرسال الرُسُل (ويرسل عليكم حفظة) (إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا) سورة الجنّ. والإرسال دلالة على أهمية الرسالة نفسها (أرسلنا رسولاً) منّة على العباد بارسال الرسالة. والإرسال يقابل الإمساك (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده).

والرسول r هو المبعوث رحمة للعالمين وهذا إشارة إلى مكانته r وهو الرسول الذي أرسله الله تعالى بالرسالة وهذا دليل على أهمية الرسالة فجمع بين الأمرين r. ولعل الفرق يبدو واضحاً بين الكلمتين في مشهدين من قصة موسى u مع فرعون: (قالوا أرجه وابعث في المدائن حاشرين* يأتوك بكل سحّار عليم) سورة الشعراء آية 36 و37، و(قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين * يأتوك بكل ساحر عليم) سورة الأعراف آية 111 و112، فوردت كلمة (سحّار) مع كلمة ابعث في الأولى وكلمة(ساحر) مع كلمة أرسل في الثانية وفي هذا إشارة إلى أن البعث أهمّ من الإرسال.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:11 PM
منظومة بعض

بعض– جزء- قسم – نصيب – حظ – كِفل - قِطّ

بعض: هي الطائفة من الشيء الذي إذا ذهب لا يتأثر الشيء نفسه. يقال مثلاً شعب الإمارات بعض الأمة العربية. ولا يلزم منه انعدام الشيء. وقد يكون أقلّ من النصف ولكنه ليس محدداً ولا معروفاً. (بعضكم لبعض عدو) (وكذلك نولّي بعض الظالمين بعضاً) (ويلعن بعضكم بعضا) (ولأبيّن لكم بعض الذي تختلفون فيه) (ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات) تأتي في مقابلة الآخر. (يصبكم بعض الذي يعدكم ) من حِلم الله تعالى يأبى أن يُعاقب الناس جميعاً عقاباً مطلقاً وإنما يعاقب كل إنسان بما عمله. (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت السموات والأرض) وجود قوتين متصارعتين حماية للأرض أن القوة الوحيدة تهدد الأرض أما أن يكون معها قوة متصارعة فهذا يخفف من سيطرة القوة الواحدة الكلّية على الأرض. (قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم) (لقد استزلهم الشيطان ببعض ما اكتسبوا) (وقد أفضى بعضكم إلى بعض ) (ويذيق بعضكم بأس بعض) كلا الطرفين ظالم ول كان الصراع بين الحق والباطل لزهق الباطل. (يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) الإيحاء هو الخفية والإنسان مخيّر لذلك يفعل هذا ولو لم يكن مخيّراً لما فعلوه. (أو يأتي بعض آيات ربّك) مثل الأعاصير والطوفان التي تأتي بدون سابق إنذار عقوبة من الله تعالى. (ذرية بعضها من بعض) دليل على تماسك الأسرة. (فضّل به بعضهم على بعض) تكامل الأسرة والمجتمع. (يؤمنون ببعض الكتاب) (بعضهم أولياء بعض) دلالة على وحدة الهدف. (نظر بعضهم إلى بعض) تحريض. (والله فضّل بعضكم على بعض في الرزق) تنافس اقتصادي. (بعضكم لبعض فتنة) اختبارات.

جزء: جزء الشيء هو ما يتقوّم به جُملته كأجزاء البيت وأجزاء الساعة، فالدقيقة جزء الساعة لأنه متوقف وجودها على كل دقيقة. كل ما يتوقف عليه بقاء الآخر يُسمّى جزءاً. (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا) (لكل باب منهم جزء مقسوم) (وجعلوا له من عباده جزءا)

قسم: هو إفراز النصيب والقِسمة كقسمة الميراث والغنيمى بمعنى تفريقهما على أربابهما. (لكل باب منهم جزء مقسوم) (ونبئهم أن الماء قسمة بينهم).

نصيب: مكافأة أو نتيجة القسمة (يقال لما هو محبوب) وهو الحظ المنصوب أي المُعيّن (أم لهم نصيب من الملك) (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب)

حظ: النصيب الطيّب المحبوب وهو النصيب المقدّر. مال المرأة يُعدّ حظاً والحظّ هو النصيب للمؤمنين. (فنسوا حظاً مما ذكروا به) (للذكر مثل حظ الإنثيين).

كِفل: النصيب المساوي ومنها المِثل. وهو النصيب غير المحبوب أو الرديء، والكِفل بمعنى النعمة أو الرحمة والكفل هي من الكلمات المشتركة (يكون لها أكثر من معنى واستعمال). ( يكن له كفل منها) (يؤتكم كفلين من رحمته)

وأضيف إلى هذه المجموعة كلمتي قسط وقِطّ وخلاق (فاستمتعتم بخلاقكم) وذَنوب (فإن للذين ظلموا ذَنوباً) وكِسَف (أو تسقط علينا كِسَفاً من السماء) والله أعلم:

قِسط: هو النصيب بالعدل كالنَّصف والنِّصَفة (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط) (وأقيموا الوزن بالقسط) والقِسط هو أن يأخذ قسط غيره وذلك جور، والإقساط هو أن يعطي غيره وذلك إنصاف.

قِطّ: هو النصيب المفروز. (وقالوا ربّنا عجّل لنا قِطّنا قبل يوم الحساب).

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:11 PM
منظومة بعل

بعل– زوج- سيّد - صاحب

كل مفردات هذه المنظومة لها معنى خاص بها ومنها يُستوحى حقوق معينة.

بعل: يُطلق على الذكر في العلاقة الزوجية، تُطلق عندما يُشار إلى خاصيّة الفحولة الجنسية للرجل (مرتبطة بالعملية الجنسية الحلال بين الرجل والمرأة) والبعولة آنيّة، والغيرة تتعلق بالبعولة. (وهذا بعلي شيخا) (وبعولتهن أحق بردّهنّ) والبعل هو المكان المرتفع العالي الذي لا يناله السيل وأُخذ من استعلاء الرجل على المرأة فهو سائسها والقائم عليها. وهو النخل الذي لا يُسقى بالماء ولكنه يمتصّ الماء بعروقه، والبعل هو الأُجرة التي يدفعها صاحب الزرع لمن يسقيه وهو الشديد الوطأة على غيره.

سيّد: عندما يصبح الأمر والنهي والملك هو المحكّم بين الزوجين. وسمّي الزوج سيداً لسياسة زوجته (وألفيا سيّدها لدى الباب). كل امرأة كفؤ لأيّ رجل وليس كل رجل كفؤاً لأيّ امرأة. يقال سيّد القوم الذي يتولّى الجماعة وتطلق على كل من كان فاضلاً في نفسه.

زوج: يقال لكل واحد من القرينين من الذكر والأنثى في كل المخلوقات (فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى) (ومن كل شيء خلقنا زوجين). قانون الموجودات في الكون كلّه. الزوجية تقتضي فناً في حسن السلوك اليومي فيما بين الزوجين وتجاوز عن الأخطاء ليبقى التوآؤم في الحياة الزوجية. (يا أيها النبي قل لأزواجك) توحي الحقوق والمودّة وهي أرقى الدرجات في العلاقة الزوجية وهي الصحبة والزوجية، (اسكن أنت وزوجك الجنّة).

صاحب: الصاحب هو رفيق الطريق وهو الملازم والمصاحبة قد تكون بالبدن أو بالعناية والهِمّة والمصاحبة تقتضي طول اللبث (وصاحبته وبنيه). والإصطحاب أوسع من الإجتماع فكل اصطحاب اجتماع وليس كل اجتماع اصطحاب. الإصطحاب يلزم أُنساً وموآساة وائتمان وثقة وأمن.

في القرآن الكريم إذا وردت كلمة (امرأة) فهي تشير إلى علاقة رسمية تنعدم فيها المودّة (امرأة نوح وامرأة فرعون).

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:12 PM
منظومة البغي

بغي– عدوان- طغيان – ظُلم – جور – حيف - جنف

كل مفردات هذه المنظومة تدلّ على نوع من أنواع انتهاك العدالة.

بغي وبغى: هو تجاوز الحدّ في طلب الحق (فمن اضطر غير باغ ولا عاد). وهناك بغي بحقّ (كقطع يد سارق سرق ربع دينار مثلاً( وهي تعني الزيادة في الحق وهي مشروعة (المحصن إذا زنى يُرجم بالحجارة حتى يموت لأنه اعتدى على نظام الحياة العام). وهناك بغي بغير حقّ (ويبغون في الأرض بغير الحقّ)

عدوان: (عاد) الذي يعدو البديل أو تجاوز البديل. مثال شخص قتل شخصاً فيحكم الشرع بالبدائل كان عنده عدة بدائل فلم يأخذ واحداً منها. و (عادٍ) أن لا يكون له بديل (فمن اضطر غير باغ ولا عاد) (يسبوا الله عدواً بغير علم) أي يسبّوا الله تعالى مباشرة أي تجاوزوا البديل.

طغى وطغيان: عندما تتجاوز الحدّ في عدم الطاعة. إنسان يُؤمر فلا يُطيع مثل فرعون الذي جاوز الحدّ في العصيان . والطغيان هو عصيان الأمر حتى يُصبح ديدنه.

ظُلم: هو عكس الطغيان. وهو نقصان في إعطاء الحقّ أو الحرمان من الحقّ كليّاً.

جور: محصور في مخالفة النصّ الشرعي. كل من خرج بالحكم عن النصوص كالإمام الجائر الذي يحكم خارج النصّ الشرعي.

الجور والطغيان والظلم قد يكون لطرف واحد.

حَيف: إذا مال الحاكم بين اثنين إلى أحد الطرفين.

جَنَف: هو الظلم الناتج عن شهوة أو عن حُبّ (فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً). كأن يوصي الشخص بكل ماله لشخص واحد ويحرم الآخرين محبة بهذا الشخص.

وأضيف كلمة القسط لهذه المجموعة والله أعلم.

قِسط والإقساط: هو أن يأخذ قِسط غيره وذلك جور (وأما القاسطون فكانوا لجهنّم حطبا).

الظلم عن كُره يُسمى إثماً (يُحرم الشخص من حقه من شدة كره غيره له) كأن يحرم الموصي شخصاً من إرثه لشدة كرهه له ويُسمى إثماً.

والظلم ثلاثة أنواع:

ظلم بين الإنسان والله تعالى وهو الشرك وهو أعظم أنواع الظلم (إن الشِرك لظلم عظيم).
ظلم بين الناس: وينقسم إلى نوعين: ظلم الأعلى للأدنى أي المسؤول لموظفّيه مثلاً، وظلم الندّ عن قصد (الظلم بين الشركات والشركاء) أو بغير قصد (ظلم الأقران)
ظلم النفس: (ومنهم ظالم لنفسه)
(لا يُحب الله الجهر بالسوء إلا من ظُلم)

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:12 PM
منظومة البقاء

بقاء– دوام- استمرار - خلود – مُكث- ثوى -

بقاء: ثبات الشيء عند تخلّف الآخر أو ابتعاده. لا يكون البقاء صفة إلا إذا كان مقابله فناء أو ايتعاد أو طرد (وجعلنا ذريته هم الباقين) (كل من عايها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) لأن الله تعالى هو الباقي بنفسه. (وثمود فما أبقى) ما بقي منهم واحد حياً ولم ينجو منهم أحد. (والباقيات الصالحات) كل شيء سيذهب إلا نفائس الأعمال هي التي تبقى بعد أن يفنى كل عمل آخر. وهذه النفائس تغني عن الكثير ومن هذه النفس دمعة واحدة تخرج من العين عندما يذكر الإنسان ربّه خالياً، ومن نفائس الأعمال: الذكر، حب الرسول r، الصلاة في الليل، قضاء الحوائج، البكاء من خشية الله، تربية اليتيم، وتسمّى نفائس الأعمال (بقيّة) كما في قوله تعالى (بقيّت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين) فالبقية تنفع المؤمنين وبركة شيء قليل جداً تقوم مقام شيء كبير جداً والبركة تكون في الزمان والمكان. (بقية من آل موسى)

دوام: حضور الشيء أو الشخص في موقع وظيفته أو عمله الدوري بغضّ النظر عن ما يفعله بين ذلك. كدوام الموظفين أو الطلاب. والمداوم حاضر والدوام ضده الإنقطاع (ما دمت فيهم) (إلا المصلّين الذين هم على صلاتهم دائمون) خاصّة بأهل المساجد المداومين على الصلاة في المساجد، في وقت حلول الصلاة في المسجد بمعنى دوام جغرافي. (أُكلها دائم وظلّها) الدوام ليس تطوراً. الصلاة المفروضة دوام في الدنيا الأكل يتطور أما في الجنّة فالأكل دائم ثابت لا تطوّر فيه لأنه خلق الله خلقه بيده منذ أول يوم. أما النوافل فتطور وقد تختلف عدد ركعاتها فمنها صلاة الكسوف والتراويح والضحى والوتر والحاجة. ويقول الرسول r في الحديث: أحبّ العمل إلى الله أدومه وإن قلّ.

استمرار: مستمر في صلاته بمعنى ضد قطعها. (في يوم نحس مستمر) أي اسستمرارية على وتيرة واحدة بدون انقطاع.

خلود: يمكث الشيء على حاله مدة طويلة بدون أن يفسد أو يتغيّر أو يتلف سواء كان الخلود مطلقاً أو نسبياً. ويقال خَلَد الدماغ لأنه آخر عضو يتلف في الإنسان فهو أطول الأعضاء خلوداً ومكوثا. والخلود في الجنّة بقاء الأشياء على حالها من غير اعتراض الفساد عليها ومنها قوله تعالى (يطوف عليهم ولدان مخلّدون) أي مبقون على حالتهم لا يعتريهم استحالة، (أولئك أصحاب الجنّة هم فيها خالدون) خلود نسبي، أما (خالدين فيها أبدا) خلود أبدي. والخلود لأهل الجنّة مطلق ولا يخلد في النار مع قول لا إله إلا الله أحد.

وأضيف هذه المفردات التي لم يذكرها الدكتور أحمد في الحلقة وقد تدخل في منظومة البقاء وهي والله أعلم: مكث وثوى وحلّ او أحلّ.

مكث: هو الثبات مع الإنتظار. (فمكث غير بعيد) ، (إنكم ماكثون) ، (فقال لأهله امكثوا).ً

ثوى والثواء: هي الإقامة مع الإستقرار. (وما كنت ثاوياً في أهل مدين) سورة القصص، (أليس في جهنم مثوى للمتكبرين)، (النار مثوى لهم) (النار مثواكم).

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:13 PM
منظومة بصُر

بصُر – رأى - نظر

رأى: هو أول ما يُرى الشيء بعد أن كان غير موجود.(فإما تريّن من البشر أحداً) وقال تعالى (ربنا أرنا الذين أضلانا من الجنّ والإنس).

وأضيف ما ورد في كتاب المفردات في غريب القرآن للأصفهاني عن كلمة رأى: والرؤية إدراك المرئي وهي على عدة أوجه:

بالحاسّة وما يجري مجراها كما في قوله تعالى: (لترونّ الجحيم * ثم لترونها عين اليقين) وكقوله تعالى (وقل اعلموا فسيرى الله عملكم) وهنا أُجري مجرى الحاسّة لأن الحاسّة لا تصح على الله تعالى عن ذلك وكقوله: (أنه يراكم هو وقيبله من حيث لا ترونهم)
والثاني: بالوهم والتخيّل (ولو ترى إذا يتوفّى الذين كفروا)
بالتفكّر: (إني أرى ما لا ترون)
بالعقل: (ما كذب الفؤاد ما رأى) (ولقد رآه نزلة أخرى)
إذا تعدّى فعل رأى إلى مفعولين دلّ على معنى العلم (ويرى الذين أوتوا العلم) (إن ترن أنا أقل منك مالاً )
بصُر: هو وقع النظر على شخص أو شيء مُعيّن ومنها غضّ البصر. والبصر جمعها أبصار وهو عمل العين ويقال للجارحة الناظرة ( وإذ زاغت الأبصار) (ما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم) ( ربنا أبصرنا وسمعنا)، أما بصيرة فجمعها بصائر وهي عمل القلب (بل الإنسان على نفسه بصيرة) (أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتنّبعني). (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) يُرفع الغطاء عن البصر في الآخرة فيُبصر الإنسان كل ما كان محجوباً عنه ولم يكن يراها من قبل. (ما زاغ البصر وما طغى) وإنما نظر إلى ما أراده الله أن ينظر إليه ولم يتعداه لأي شيء آخر مع ما كان في رحلة المعراج من مناظر وأحداث مبهرة وهذا من أدب الرسول r.

نظر: بحث بين الأشياء ليحدد ما يُريد كأن ينظر إلى جمعٍ من بعيد ليرى شخصاً ما يعرفه (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربّها ناظرة). وهو تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته. وقد يُراد به التأمل والتفحّص (قل انظروا ماذا في السموات والأرض) بمعنى تأملوا. (أفلا ينظرون إلى الإبل)، ونظر الله تعالى إلى عباده بمعنى إحسانه اليهم وإفاضة نعمته عليهم (ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة).

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:13 PM
منظومة بطُن

بطُن - أخفى - يع++++ - ـ ستر- أسرّ – كتم - ـ حجب - ـ أكنّ

لا نزال في باب الباب والطاء والكلمة التي لدينا اليوم هي كلمة بطن قال تعالى : (وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ )(الأنعام: من الآية151)

و الكلمات التي ترد في هذا الباب بطن، وأخفى قال تعالى : (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) (طـه:7)

ستر : قال تعالى : (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ) (فصلت:22)

وعندنا حجب مثلاً : قال تعالى : (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) (المطففين:15)

قال تعالى : (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلّاً بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) (لأعراف:46)

وأسر : قال تعالى : (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) (الرعد:10).

كتم : قال تعالى : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة:114)

أكنّ : قال تعالى : (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) (النمل:74)

يع++++: قال تعالى : ( وما يع++++ عن ربك من مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) [سورة يونس : 10] .

هذه الكلمات كلها تبدو في الظاهر وكأنها إخفاء شيء وكذلك إذا بحثت في القاموس تجدها بمعنى خفي وهذا غير صحيح، ولكن لو تأملت بها تأملاً لغوياً عقلانياً حسياً وكيف وردت في القرآن، القرآن الكريم هو الذي يأتيك بالكلمة في جملة أو آية هي تعطي معناها الدقيق .

بطن : بطن وظهر هما شيء واحد وكل شيء له وجهان وجه ظاهر يعرف به، ووجه غامض، فالغامض من كل شيء باطن قال تعالى : (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد:3)

.الظاهر ما نعرفه أما الباطن فهو الوجه الآخر، وهكذا كل شيء له ظاهر وباطن، فعندنا ظاهر الإثم وباطن الإثم، والفواحش فيها ظاهر وفيها باطن .

خفي : قال تعالى : (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى) (طـه:7) .

الخفي : هو كل شيء لا يصل إليه فلكك العقلي فمثلاً : أنت تريد أن تغتالني فهذا يخفي علي فالخفي إذاً على العقل بينما الستر يكون على الحواس فرب العالمين يقول (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ) (فصلت:22) ، أي تستترون عن الناس والناس يرونكم بالحواس فتقتلون وتزنون .

الحجاب : الستر والحجاب كلاهما امتناع عن الحواس، والفرق الدقيق بينهما أنك إن كنت مستور لا تمنع من الدخول عليك لا تمنع من يتعرف عليك أما أن تكون محجوباًُ فهنالك حاجب يمنع ظهورك كأن يكون على بابك حاجباً يمنع الناس من الدخول عليك . قال تعالى : (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) (المطففين:15)

مثلاً : لو قلنا أن هذه المرأة مستورة أي هي شريفة وكريمة، ولكن لا يمنع ذلك من أن يراها الناس أما عندما نقول عنها أنها محجبة فذلك يعني أنه لا يراها أحد .

و نجد أن الآيات القرآنية التي تتعلق بالخفاء عن العقل تنتهي بقوله تعالى : السميع العليم أما الآيات التي تتعلق بالخفاء عن الحواس فهي تنتهي بقوله تعالى : السميع البصير . ولهذا فإن الكلمات التي تنتهي بها الآيات هي التي تبين معناها وهنا الإعجاز، فنهايات الآيات هي التي تقود إلى معناها .

ورد أن أعرابياً أمامه أحدهم هذه الآيات : (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (المائدة:38) . وقد انتهت بقوله غفور حكيم بدلاً من عزيز حكيم، فقال الأعرابي هذا ليس بقول الله سبحانه لأن الذي يغفر لا يحكم وإنما عز فقدر فحكم .

أسر : أي الكلام لا يسمعه غيره ا, يسمع به واحد بشكل خاص قال تعالى : (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) (الرعد:10) وقال تعالى : ( وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)(البقرة: من الآية283).

أكنّ : قال تعالى : ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ)(النحل: من الآية81) وقال تعالى : (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) (النمل:74)

الكن : الإكنان هو الشيء النفيس الخاص بك والذي يملؤك سعادة عظيمة وتخفيه على الناس، كما يقال الدر المكنون، فالدر المكنون لشدة نفاستها تمنعها عن أن يراها الناس .

قال تعالى : (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَع++++*وفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (البقرة:235) .

فمثلاً أحدهم خطب امرأة ما فهي أغلى عنده من الدرة لا يريد أحد أن يراها . فانظر إلى دقة القرآن الكريم لماذا أختار في خطبة النساء الإكنان، طبعاً لا يوجد في حياة الإنسان أيام أجمل من حياة الخطوبة، فأستعمل القرآن هنا أكننتم فالإكنان هو الإخفاء لشيء نفيس جميل تحرص عليه فهذه منظومة الإخفاء وكل خفاء خفاء، وكل خفاء له معنى كما أن اللون الأبيض له مئة تدرج لوني، هنالك : باطن، وهناك ستر وهناك حجاب وهناك كنٌ وهكذا ......

قال تعالى : ( وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ )(الأنعام: من الآية151)

وقال تعالى : (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْأِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ) (الأنعام:120)

وقال تعالى : (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) (الشورى:37)

وقال تعالى : (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) (الاسراء:32)

فمرة قال فلا تقربوا ومرة ذروا ومرة يجتنبون ...فأقول له مثلاً : لا تقرب هذا ...... ذر هذا .... أجتنب هذا ...

ولكل منها له معنى مختلف عن الآخر فلا تقربوا الزنا أي لا تتدخلوا في المقدمات أي لا تختلي ولا تقبل والخ....

و قال تعالى : ( وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)(البقرة: من الآية35).فأنت لما تقترب فسوف تأكل فإياك من الاقتراب .

و قال تعالى : (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ)(الأنعام: من الآية152) أي أبتعد عنه لأنك عندنا تتصرف به ربما تهلكه فتهلك إذاً أبتعد عنه .

و قال صلى الله عليه وسلم : ( ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ) .

هذا عدم الاقتراب يأخذ طريق الاجتناب . لكن ما هو الاجتناب ؟ .

التجنيب هو عندما يولد الفرس ويداه ورجلاه مقوستان لا تلتقيا أي لا يمكن أن يصفهما أي أنها بالولادة مقوسة نحو الخارج ولا يمكن أن يصفها، يعني الابتعاد هنا قدر والاقتراب مستحيل كاليدين المجنبتين .

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:14 PM
الوذر : قال تعالى : (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْأِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ) (الأنعام:120).

الوذر : هو الابتعاد النهائي قال تعالى : (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً) (مريم:72)

قال تعالى : (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً) (المزمل:11)

إذاً : عندنا قضيتين إثم له ظاهر وباطن وفواحش لها ظاهر وباطن .

الفواحش في القرآن هي الجرائم الجنسية وليس هناك شيء آخر يطلق عليه فاحشة إلا القضايا الجنسية . فالفاحشة سواء كانت زنا، قال تعالى : (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) (الاسراء:32)

اللواط : وهي أن يأتي الذكر الذكر قال تعالى : (وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ) (لأعراف:80) .

نكاح المحارم :قال تعالى : (وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً) (النساء:22)

و كما أنه يوجد فواحش معلنة ظاهرة كذلك هناك فواحش باطنة غير معلنة مثلاً : كل العقود غير الصحيحة التي تكون بين الزوج وزوجته مثل العقد الفاسد والعقد الموقوف ... فمثلاً : أحدهم تزوج امرأة على عقد مؤقت عند من لا يقولون بهذا وهم جمهور المسلمين فهذا صحيح تزوجها وهنا عقد وهو ليس زنا لكنه ليس زواجاً صحيحاً أو أتى الزوج زوجته وهي حائض أو مثلاً الطلاق غير المنفر كثيراً من الرجال يطلق بدون أي اكتراث فهناك أناس يحلفون بالطلاق وهم يلعبون بالطاولة والطلاق عندهم لعبة، فهو هنا طلق زوجته ولم يدري أنه طلقها وبالتالي بينه وبينها هناك فاحشة ولكنها خفية فالكل يعلم أن هذه زوجته ولكن هناك فاحشة خفية ...

عندنا كذلك الظهار : هناك كثير من الرجال من يقول لزوجته أنت مثل أمي أو مثل أختي فعند جمهور المسلمين يقع هذا ظهاراً لكن حقيقةً أنا مع الرأي القائل أنه لا يقع ظهاراً إلا إذا كان المظاهر يعرف الظهار وأحكام الظهار ونوى ظهاراً عند ذلك فقط يقع الظهار، فعلى هذا الرأي إنها فاحشة خفية .

وعندنا زنا ينشأ حرمة مؤبدة وذلك إذا زنا الزوج مع أصول زوجته أو العكس إذا زنت الزوجة مع ابن الزوج أو مع أبيه هذا الزنا زنا أحد الزوجين مع أصول الطرف الآخر أو مع فروعه يجعلهما متفرقين تلقائياً ويحرم أحدهما على الآخر حرمة مؤبدة فربما يحدث هذا وهم لا يدرون إذاً هنا فاحشة خفية .

عندنا مثلاً حرمة الرضاع فكثير من الناس لا ينتبهون أنه يوجد رضاع بين اثنين وقد سألني أحدهم أنه تزوج من أخته من الرضاع وعنده منها طفلة والآن هو محتار.

وكذلك الردة توقع الفرقة بين الزوجين تلقائياً ومن الردة أن تسب الخالق فبعض الناس سواء كان زوج أو زوجة في ساعة غضب يسب الخالق أو تسب الخالق ... وهذه الظاهرة على الرغم من أنها غير منتشرة كثيراً في العالم الإسلامي إلا أنها ظاهرة منتشرة عند بعض الشعوب فبالتالي عندما يرتد هذا يجب أن يعقد على زوجته من جيد لأنهما تفرقا تلقائياً، وقد يكون الزوج أو الزوجة لا يعلم أو تعلم أنهما أصبحا متفرقين فيكون بينهما فاحشة خفية .

الملاعنة : وهذه فاحشة خفية إذاً هناك الكثير من الفواحش الباطنة علينا أن نتجنبها كذلك أن يأتي الزوج زوجته من الدبر فجمهور الفقهاء يحرم ذلك وهناك رأي عند بعض المالكية والشيعة مخالف له . على رأي من لا يجوز ذلك فهنا الرجل يرتكب الفاحشة مع زوجته وهو لا يدري وهنا فاحشة خفية .

نعود إلى مسألة الإثم طبعاً الإثم غير الفاحشة والإثم مختلف عنه .ما هو الإثم ؟....

كثير من الفقهاء من قال كذا.... وكذا... في تعريف الإثم ... وخلاصة القول أن الإثم هو كل ما عدا الفاحشة من الذنوب نسميه الإثم ومثال ذلك شرب الخمر والميسر ...وهناك ذنوب وآثام خفية مثلاً النفاق ظاهره الإيمان وباطنه الكفر، وهذا إثم خفي والرياء هو شرك خفي، خيانة الأموال التي تسلم تسليماً شرعياً مثلاً أن أعطيك تبرعات لفلان جماعة فتبقي لك قسماً منها .. ، وكذلك الغلول أو خيانة الأمانة أو التلاعب بأموال الأوصياء، وكذلك الغيبة، وكذلك ذكر الحسنة لكي يمدحك الناس وكل عبادة تقوم بها ليك يمدحك الناس فهذا إثم باطن قال : صلى الله عليه وسلم : ( أول من تسعر به النار يوم القيامة عالمٌ ومنفقٌ وشهيد )[ لم أجد له تخريجاً] . فهذا كله عبادة ترجوا منها مكسباً دنيوياً ولا تفعلها إلا لهذا فهذا إثم باطن قال صلى الله عليه وسلم : ( شر الناس من طلب الدنيا بعمل الآخرة ) [لم أجد له تخريجاً]. فمثلاً إذا رأى في المسجد مثلاً أقاربه أو أصحاب شأن يحسن من صلاته من أجلهم وهذا إثم باطن وهكذا ...

وعندنا مثلاً الإستخفاق بإمام عادل، حقيقة ً العرب جميعاً منذ انتهاء الخلافة الراشدة باستثناء عمر بن عبد العزيز إلى هذا اليوم والعرب عندهم عقدة من الحاكم منذ أن أصبح الحكم عضوضاً وكان الشعار من قال هكذا قلنا له بالسيف هكذا وهكذا .. بالرغم من التفاوت بينهم فهناك حكام عضوضين لكنهم فتحوا وأقاموا الممالك وعمروها، ولكن استأثروا بالحكم وقتلوا أعدائهم، فلما صار الحكم ملكياً كما قال صلى الله عليه وسلم ملوك على الأسرة كما في البخاري .. الناس انفصلوا عن الحاكم وأصبحوا يكرهونه لكبتهم ولهذا كان الناس يستخفون بالحاكم ولو كان عادلاً هذا من النفاق.قال صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق : ذو شيبة في الإسلام، وذو العلم، و إمام مقسط ) [ سنن ابن ماجة 3966]. وهذا نفاق صريح بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم .

كذلك من تلبيسات الشيطان نرى بعض الناس يبحث عن عبادة ضعيفة جداً والمسلمون لا يعملونها فيتعمد فعلها لكي يشق صف المسلمين وهذا نراه كثيراً وقد تكون هذه العبادة مرجوحة أما إذا كان مقصده إحياء سنة ميتة فهو مأجور .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:15 PM
منظومة بدا

بدا – ظهر – طلع – بزغ - برز

بدا: تُقال إذا كان الشيئ خفيّاً ثم يظهر بجلاء ظهوراً غير متوقع. والكلمة مأخوذة من البادية (من بدا جفا) والبادية تكون على مدّ البصر لا ترى شيئاً من حولك وعلى حين غرة ترى رجلاً ينتصب أمامك واضحاً وليس هناك ما يستتر به عنك. وقد ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة الزمر (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (48)) وهي تدل على أنه على غفلة رأى كل أعماله وسيرى شيئاً لم يكن يخطر بباله، وفي سورة الأعراف (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)) وسورة طه (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)) بدت لهما سوءاتهما على غفلة وفجأة وبدون سابق توقّع منهما. (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) آل عمران)، (إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) النساء)، (بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) الأنعام)، (وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (33) الجاثية)، (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) النور)

ظهر: إذا كان الشيء متوقعاً يُقال له ظهر وهي عكس بدا. (وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) الأنعام)، (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33) الأعراف)، (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) التوبة)، (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20) الكهف)، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) الفتح)، (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) الروم)

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:15 PM
طلع: عندما تقع عينك على الشيء لأول مرة. كأن نقول للشمس أول ما تظهر نقول طلعت الشمس فإذا ارتفعت يُقال أشرقت. (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17) الكهف)، (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130) طه)، (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) القدر)

بزغ: إذا بدا من الشيء رأسه وتُقال لسنّ الطفل ساعة يشق اللثة. وتُقال للشمس أول ما تبرز في السماء بزغت الشمس. وفي قوله تعالى في قصة ابراهيم في سورة الأنعام (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)) هذا يدل على أن ابراهيم u كان يسخر من قومه لعبادتهم، فهو ما إن بزغ القمر والنجم والشمس قال مقولته ولم ينتظر إلى أن تكبر هذه النجوم وتذهب في الأفق وهذا يدل على حكمة ابراهيم u.

برز: مأخوذة من البِراز أو الفضاء ويُقال تبرّز بمعنى تغوّط والأصل فيه أن يذهب الإنسان لقضاء حاجته لوحده دون أن يكون معه أو يراه أحد. ويُقال برز فلان لفلان في المعركة بمعنى أن يخرج من كل جيش مقاتل يبارز مقاتلاً آخر من العدو بدون أن يساعدهما أحد. وفي القرآن الكريم قال تعالى (وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) ابراهيم) أي برزوا جميعاً لله تعالى ليس معهم شيء ولا أحد ليس معه مؤيّد ولا ناصر. (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) البقرة)، (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154) آل عمران)، (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) النساء)، ، (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) الكهف)، (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) الشعراء)، (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) غافر).

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:16 PM
باب حرف التاء

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:17 PM
منظومة تمّ

أتم – أكمل – أتقن - أحسن

أتم : من فعل تمّ كما في قوله تعالى (ثم أتموا الصيام إلى الليل) سورة البقرة . ويقال فلان تام الخُلًق أي ليس فيه نقص كمّي فكل تام يسبقه نقص . النقص هنا يكون كمّاً.

أكمل: وكامل مثل كامل الخلق هو تام مضاف إليه جمال وعكسها ناقص، والنقص هنا يكون كيفاً بمعنى معنوي أو حسّي أو سلوكي وكل كامل يسبقه قًبح. وكل كامل تام وليس كل تام كامل فالإنسان الكامل تمّ خلقه ثم زيد. فالكمال زيادة على أصل الخِلقة وهذا يقتضي عنصرين/ الإتقان والحُسن.

أتقن والإتقان: هو الإحكام وهو ربط القواعد الكلّية بجزئياتها، ويقال رجل تقن أي الرجل الحاذق. والتقن هو ما تقوم به الحياة من المعادن النفيسة (صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون) سورة النمل.

أحسن والحُسن: هو الإحسان أي تجميل الشيء. (حسن ثواب الآخرة)

يُسمّى الشيء كاملاً إذا كان متقناً وجميلاً. ويقال أتممت الشيء بمعنى كان ناقصاً فأتممته. وإذا أتقنت الشيء وأحسنته فهو كامل. والتمام شرع والكمال ذوق.

لكي تتم الصلاة لا بد من أن لا تُنقص منها ركعة أو ركناً ولكي تكمل الصلاة يجب أن لا تنقص كيفاً أي يكون فيها لإتقان وأحسّنه. وتمام الدين للجميع أما كماله فلا يكون إلا لبعد الصالحين المحسنين فالناس لا يتفاوتون بالتمام (فمثلاً الصلاة كل الناس متساوون بها وكذلك الصيام) ولذا جاءت الأحكام في القرآن الكريم بكلمة أتموا (وأتموا الصلاة، ثم أتموا الصيام، وأتموا الحج والعمرة) ولكن يتفاوتون بالكمال لأن كل إنسان يتقن عبادته بشكل يختلف عن غيره.

(والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) سورة البقرة آية تأتي الآية بكلمة كاملاً للدلالة على كيفية الإرضاع لا على كيته لأن الإتمام عُرف أنه سنتان.

(وكلوا واشربوا .. ثم أتموا الصيام إلى الليل) سورة البقرة ، التمام في الآية تمام عددي من الفجر إلى المغرب وهو تمام شرع في هذه الآية أما في قوله (ولتكملوا العدة) فهو يعني حتى يكون رمضان كفارة لكل الذنوب، لا فيه غيبة ولا نميمة وفيه طعام حلال وكل ما يُحسّن الصوم. فالتمام إذن لإسقاط الفرض (وهو تمام عددي) والكمال هو للترقي في الجنّة (مثل كيفية الصيام) مصداقاً لقوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) سورة آل عمران ، أكملت فلا مزيد وأتممت فلا نقص.

وتمام الصلاة أداؤها بأركانها المعروفة فما نقص عن ذلك تبطل الصلاة. أما الكمال في الصلاة فهو الخشوع فيها والمحافظة عليها بعدم ارتكاب الكبائر التي تحبطها والمداومة على الصلاة بصلاتها في موضع الجماعة. والحديث الشريف: الصلاة إلى الصلاة كفارة يتحقق إذا كانت الصلاة كاملة. وصلاة الليل كاملة لكلّ من صلاّها وترفع الدرجات لكل من صلاّها.

تمام الزكاة بمعنى أن تؤدى نسبتها وهي 2.5% وما أجمع عليه الشرع. أم كمال الزكاة أن تختار أفضل ما عندك لتتصدق به وتقدمه في الزكاة كتقديم أفضل شاة في القطيع بدل أن تكون عرجاء أو غيرها.

() سورة البقرة آية، تمام الحج من حيث العدد وقوله تعالى (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة) ليس نقصاً لكن هذه أيام من كمالها كيفاً تنوب عن الفداء.

بر الوالدين، كظم الغيظ، العفو عن الناس، الإيثار، القناعة، الصدق في التعامل، إكرام الزوجة، النفقة على الزوجة، كل هذه الأعمال لا تكون إلا كاملة

وفي قصة سيدنا موسى u (على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك) هذا تمام عددي.

وإتمام النعمة هو كل ما احتاج الإنسان إلى نعمة أتمّها الله تعالى عليه.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:17 PM
منظومة التوبة والاستغفار

تاب – أناب – آب – أسف – رجع – انتهى - فاء

كل كلمة في هذه المنظومة تمثّل نوعاً من أنواع الرجوع عن نوع من أنواع الخطايا.

استغفر: الاستغفار هو بداية السالكين إلى الله تعالى لذا يأتي الاستغفار دائماً قبل التوبة. والاستغفار يعني طلب التوبة والمغفرة.

تاب : تأتي بعد الاستغفار فبعد أن نستغفر نتعهد الله تعالى بأنّا مذنبون ونادمون فإذا غفر الله لنا لن نعود للمعصية مع الإقرار بالذنب. ومراحل التوبة هي: أولاً يأتي الإعتراف بالذنب ثم الندم عليه ثم العزم على عدم العودة للذنب ولذا جاء في قوله تعالى (غافر الذنب وقابل التوب) سورة غافر ففالمفغرو تأتي قبل التوبة، والتوبة هي الأسباب الموجبة لطلب المغفرة. والتوبة عكس الإعتذار فالمعتذر يبرر خطأه ويقدم العذر أما التائب يقول لا عذر لي يعترف بأنه مذنب ذنباً مطلقاً وفيه تسليم كامل لأن فيه ذلاً من العبد لله رب العالمين.

أناب: الإنابة هي السرعة في التوبة. وكل منيب تأئب وليس كل تائب منيباً. المنيب هو الذي يذنب الذنب فيسارع في التوبة ومنها جاءت كلمة النوبة القلبية لأنها تصيب الإنسان بسرعة. والمنيب سريع التذكّر (وإذا جاءك الذين يؤمنون...ثم يتوبون من قريب) (وما يذّكر إلا من ينيب) كلما أذنب أعقبها توبة سريعة.

آب: الأوبة والإياب: وأوّاب هو الرجوع في القضايا الفكرية. كان له فكر معيّن ثم أثّر عليه قوم آخرون بفكر جديد فيرجع إلى فكره الأول يقال له يؤوب (نعم العبد إنه أوّاب). الإياب هو الرجوع إلى نقطة الإنطلاق وإلى نفس المكان الذي كلن فيه وهو عكس الذهاب.

أفاء: الفيء: هو خاص بالحركات التي تعتبر من الفتن ومن ضمنها البغي (فإن فاءت فأصلحوا بينهما) وهو التمرن على الشرعية. وفتنة أخذت قوماً من الفيء (الظلال). والفيء هو كل ما جاء للبلاد من غنائم من غير قتال. والفيء هو أن تعود لوضعك الصحيح الأصلي الذي كنت عليه.

انتهى: الإنتهاء هو استقامة العقل. العقل يقول أنه خطأ وكل عقل (النهى) هو الذي ينهى صاحبه عن الخطأ. ولهذا سُمي العقل نهى. (قل للذين كروا ينتهوا ) (إن في ذلك لآيات لأولي النهى) عقلهم ينهاهم عما هم فيه من خطأ.

أسِف: الأسف تقال للماعة وهو تعني التوبة الجماعية بمعنى أن ترجع إلى الله عن فعل الآخرين. (رجع إلى قومه غضبان أسفا)

والتسلسل في مراحل التوبة كما أسلفنا هو على النحو التالي:

مستغفر – تائب – منيب – أواب – يفيء – منتهي – آسف.

التوبة: هي الطريق الذي يوصل إلى الله تعالى بعد الاستفغار بمعنى يذنب العبد فيستغفر فيتوب فيتوب الله تعالى عليه. وهي من أول العبادات (فتلقى آدم من رب كلمات فتاب عليه) وما هلك عبد مع الاستغفار وكل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابين لأن المخطئ لو أن الله تعالى لا يغفر له ولا يقبل توبته لاستمر في المعصية . (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب) فالله سبحانه وتعالى غفّار رحيم وتوّاب رحيم، تواب بأن يقبل التوبة ورحيم بأنه يعطي على التوبة والاستغفار عطاء غير مجذوذ ثم لا يُحلسب بعدها على الذنب ولا يمنّ على عباده فيمسح الذنب من الصحائف. وصفة الله تعالى بأنه توّاب دلّت على أن العبد يذنب أكثر من ذنب وكل من يرتكب ذنباً إنما يرتكبه بجهالة لأنه لا يزني الزاني وهو عالم إنما جاهل ولو مؤقتاً لكن عليه الإستغفار من كل ذنب وخطيئة. فعلى المسلمين أن يبشرّوا المخطئين بأن الله تواب رحيم ومفغرته وسعت كل شيء طالما كان العبد مؤمناً موحّداًً له (إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وفي الحديث: من لزم الاستغار جعل الله له من كل همّ فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب. (ولله أفرح بتوبة العبد من صاحب الراحلة) والتائب حبيب الله والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والتوبة واجبة على الفور حتى لا يبقى الذنب مستعصياً أو مزمناً. والتوبة المستمرة لها أثر هائل على النفس البشرية فلو أهمل العبد التوبة صاؤ الذنب ديدنه وران على قلبه وتعلق بالذنب واستسهله.

الذنوب نوعان: ذنوب قلب وهي أشد أنواع الذنوب مثل الكِبر والحقد والإيثار والبغض والحسد والنفاق والغيبة والنميمة والكراهية، وذنوب جوارح وتركها سهل.

ومن حيث الحق هناك ذنوب تتعلق بحق الله تعالى مثل التقصير في العبادات كالصلاة والصوم، وذنوب تتعلق بحق العباد مثل أكل مال اليتيم والرشوة والقتل وهتك الأعراض وظلم القاضي والحكم الظالم الجائر والسرقة وغيرها. والظلم الفوقي (ظلم القاضي أو الحاكم) أعظم من ظلم الأقران (كالأخ والمعلم والار وغيرهم) وفي حال الذنوب في حق العباد لا بد من ارجاع الحقوق للعباد قبل الموت. فالشرك بالله لا يُغفر، وحقوق الله تُغفر أما حقوق العباد فلا تُترك ويجب أن توفّى وفي قوله تعالى (إن الله يقبل التوبة من عباده) تعني عندما يتوب العبد بذاته وفي قوله (إن الله يقبل التوبة عن عباده) فتعني عندما يدعو العبد لأخيه بظهر الغيب وكان الرسول r يستغفر للمؤمنين والمؤمنات في كل يوم.

أنواع التائبين:

السابقون أصحاب النفوس المطمئنة وهؤلاء هم قلّة.
الصالحون: يتوبون عن الكبائر والفواحش ولكن قد يرتكب بعض الصغائر عرَضاً وليس مقصوداً ويندم إذا ارتكبها وهم أصحاب النفوس اللوامة.
رجل مستقيم تأتيه فترات يضعف ثم يتوب وهذا يُخشى عليه أن يأتيه الموت وهو في ساعة ضعفه ووهنه وهو في معصية.
(وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) سورة النور آية 22، هذه الآية تدعو المسلمين للعفو عمن ظلمهم والصفح عنهم والاستغفار لهم حتى يغفر الله لنا جميعاً وكل من عفا عمن ظلمه يغفر الله تعالى له. ومن الأدعية قبل النوم في كل ليلة: اللهم اعفو عن كل من ظلمني.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:18 PM
منظومة التيه

تاه – ضاع – ضلّ - فُقِد

تاه : ومنه التيه في الأرض بمعنى تيهان (يتيهون في الأرض) ومنه التيه في العقيدة (تائه). وهو المتحير الذي لا يعرف المكان الذي هو فيه ولا كيف يتوجّه وأين فهو تائه وتيهان.

ضاع: عندما يذهب من الشخص شيء لقلة وعيه واستهتاره به وعدم رعايته (ضاع الولد) والضياع لا يكون إلا بالإهمال (أضاعوا الصلاة) (إني لا أضيع عمل عامل منكم) بمعنى لا أستهتر بأي عمل مهما كان بسيطاً.

فقد: والفقدان هو زوال الشيء عنوة وهو عزيز. والفقد لا يكون إلا لعزيز غالي وقع عليه فجأة أو ما فُقِد باختياره بل فُقِد عنوة لأن المفقود يكون غالياً (ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك) وصواع الملك هنا كلن غالياً لذا لم تأتي الآية بكلمة ماذا أضعتم. والضائع لا يعود والمفقود يعود. ويُطلق الفاقد على كل امرأة تتزوج بعد أن مات زوجها.

ضلّ: والضلال هو الخروج عن طريق مستقيم واضح إلى طريق متعرج مجهول. وفي القرآن الكريم تطلق كلمة ضلّ والضلال على الكفر والشرك بالله () سورة آية ، وعلى النسيان (أن تضل إحداهما) سورة البقرة ، وعلى الخطأ البسيط (إن أبانا لفي ضلال ) سورة يوسف .

الضلال البعيد: كل ضلال بعيد في القرآن الكريم ه كفر وشرك والضآلون مخلدون في النار (إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد) ، (ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد) ، (بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد) .

الضلال عن سواء السبيل (ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضلّ سواء السبيل) . ضلال في سبيل الله بمعنى كان مؤمناً فتحيّر فارتدّ مشركاً فكل من ضلّ عن سواء السبيل هو من الرتدين.

الضلال المبين: هو آخر فرصة للضآل قبل أن تأتيه العقوبة وتُطلق على الكافرين المشركين الخالدين في النار (ومن يعص الله ورسوله ..ضلال مبين) (تالله إن كنا لفي ضلال مبين) والعقوبة في هذه الحال تكون أثناء الضلال أو بعده مباشرة.

يُضلّ الله من يشاء: الناس تمرض وتشفى بفعل رب العالمين وقد ترك فينا سبحانه فينا عوامل إذا أهملناها مرضنا مثل الجراثيم والبكتيريا وغيرها فإذا استعملنا عناصر الله تعالى التي خلقها بنا بطريقة صحيحة نُصيب أنفسنا بالمرض والأذى والضرر. فإذا باشرنا أسباب الصحة نصح وإذا باشرنا أسباب المرض نمرض وهكذا في كل الأمور فالذي يُضرب عن الطعام مثلاً يقتل نفسه جوعاً مع توفر الغذاء من الله تعالى. والله تعالى سبحانه جعل فينا خصائص عجيبة فيضلّ الإنسان بعناصر خلقها الله تعالى فيه مثل التعود على العمل المُضل.

وقوله تعالى (ومن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يُضله يجعل صدره ضيقاً) سورة آية ، والصدر فيه قابلية للشرح والضيق وهذه خصائص وضعها الله تعالى فينا فمن الناس من يوظّف انشراح صدره لما فيه خيره. ونحن نستعمل أدوات الخير والشر التي خلقها الله تعالى فينا وفي كل الحالات نستعمل الخصائص التي وضعها سبحانه فينا. فالله تعالى لا يُضل الناس سبحانه تقست صفاته وأسماؤه ولكن الضلال يأتي بسوء استخدام وتوظيف الخصائص والأدوات التي وضعها الله تعالى فينا. (وما يُضل به إلا الفاسقين) فسق باستعماله لأدوات الله تعالى استعمالاً سيئاً

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:18 PM
منظومة ترك

اترك – دع – ذر - تولّى- أعرِض

اترك اوالترك : التخلي عن شيء بلا عودة مطلقة (واترك البحر رهواً) وهو ترك نهائي ( كم تركوا من جنّات وعيون) (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم) (إني تركت ملّة قوم لا يؤمنون بالله) سورة يوسف بمعنى أن سيدنا يوسف تركه القوم بلا رجعة، (أصابه وابل فتركه صلدا) سورة البقرة بمعنى أن هذا العمل ليس له أجر في الآخرة فالرياء يُحبط العمل، (لعلي أعمل صالحاً فيما تركت) من خوفه وفزعه يعلم أنه لن يعود لما ترك لكنها كلمة هو قائلها، (وتركوك قائما) بمعنى تركوك بلا عودة وقصتها أن النبي r كان يخطب فتركه قومه ولم يعودوا، (أيحسب الإنسان أن يُترك سدى) للتخلي بلا عودة إطلاقاً، (وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم)

دع: هناك أولويات نأتي بعدها واو عطف بمعنى دع أمراً والتفت لغيره مما هو أهم منه (ودع أذاهم وتوكل على الله) بمعنى ترك مؤقت لشيء هو أولى من هذا الأمر، والأذى هنا هو كل ما يُعكّر النفس والمزاج. تدع الشيء لحساب شيء أهمّ ولا يمنع من العودة إليه بعد أن تتم الشيء المهم مثال دع الكسل وصلّي.

ذر: التخلي عن شيء لتفاهته (وذروا ما بقي من الربا). والذر مأخوذ من الوذر بمعنى الشيء التافه. والوذر لغة هي القطعة التي تقطع في عملية الختان وهي ترمز إلى تفاهة الشيء. (وذروا الذين يلحدون في أسمائه) (بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة) استهتاراً واستهانة بها. (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا) سورة نوح آية ، (ونذر الذين لا يرجون لقاءنا) للإستهانة بهم فالكافر أهون على الله تعالى من الحجر، (قل الله ثم ذرهم في طغيانهم يعمهون) الدعوة لله للكافرين والعلم للمؤمنين لذا ينبغي الحِلم مع المؤمن ولا ينبغي مع الكافر، (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) اللواط والزنا واتيان الحائض أو اتيان المرأة من دُبُرها، (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) سورة الجمعة آية أي ربح وتجارة ونحوها فهو تافه إذا ماقورن بصلاة الجمعة ويقتضي الذر، (ذرني ومن خلقت وحيدا) آية نزلت في الالوليد ابن المغيرة بمعنى اتركني معه وانشغل بغيره لتفاهته.

تولّى: ذهب بسرعة ومنها ولّى دبره (ثم تولّى إلى الظل) في قصة موسى u مع ابنتي شعيب سقى لهما أولاً ثم ذهب بسرعة لأدبه وحيائه، (فتولوا عنه) بمعنى هربوا وتخلوا عنه.

أعرض: والإعرض هو التخلي عن الشيء لقبحه ترفعاً عنه (يوسف أعرض عن هذا) باشمئزاز وتكبّر. (ومن أظلم ممن ذُكّر بآيات ربه فأعرض عنها) والإعراض هنا تأتي بمعنى التحدي واحتقار الحُرمة، (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) سورة طه آية ، (فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما) وهنا تنبيه بعدم التعرّض للتائب بعد توبته والترفّع عن التعيير.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:19 PM
منظومة تعِس

تعِس – نكس- سُحق

تعس وتعساً : عندما يُلقى بالإنسان من علو شاهق فينزل على وجهه وأنفه، والتعس هو السقوط على الوجه والأنف.

نكس والنكس: عندما يقع الإنسان على رأسه

سُحق والسُحق: الذي يتفتت تفتيتاً حتى يصير مسحوقاً سحقاً. والسحيق هو الوادي العميق الذي يُسحق ما يقع فيه.

وأضيف هذه الكلمات التي قد تدخل في هذه المنظومة: تباً وبُعداً وتبّر (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً {7}) و(وَكُلّاً ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلّاً تَبَّرْنَا تَتْبِيراً {39}) وثبور (لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً وادعوا ثبوراً كثيرا) هذا والله أعلم.

تباً: خسر خسارة ليس فيها ربح (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ {1} )

بُعد بعُد، يبعد، بعداً ضد القُرب، وبعِد يبعد، بُعداً بمعنى هلك هلاكاً لا مجال للنجاة منها (ألا بعداً للقوم الظالمين).

وكل هذه المرادفات وردت في القرآن الكريم في عذاب الكفار الذين يُسحقون في النار، والنار يوم القيامة سوداء مظلمة كالليل وقدرة احتراقها مئات بل آلاف المرات قدرة احتراق النار الدنيوية على الحرق، (إنها ترمي بشرر كالقصر) والشرارة الواحدة كالحصون والمدائن في ضخامتها.

عمق جهنم: هو بُعد سبعين سنة ضوئية وقيل إن (ويل) هو وادي في جهنم يهوي فيه الكافر سبعين خريفاُ قبل أن يبلغ قعره (حديث شريف). والويل في القرآن الكريم ورد للكافرين والمطففين والمكذبين والمصلّين الذين هم عن صلاتهم ساهون أي تاركوها قطعاً.

صعود: (سأرهقه صعودا) هو جبل من نار كلما مسّته يد الكافر أصبح ناراً.

غيّ: (فسوف يلقون غيّا) هو وادي في جهنم يُقذف فيه الكافر الذي يتّبع الشهوات.

جب الحزن: واد في جهنم تتعوّذ منه جهنم وهو للمنافقين.

هوى: قصر في جهنم يُرمى الكافر فيه من أعلاه ويصل إلى قعره بعد 40 سنة ضوئية.

وجَبّة: صوت السقوط.

أثام بئر في جهنم من القيح والصديد (يلقى أثاما)

المهل: هو درديء الزيت (كالمهل يغلي في البطون)

غسّاق: من طينة تسيل من صديد أهل النار.

غوطة: بئر لمدمن الخمر المسلم الذي يموت ولم يتب وهو في نار المؤمنين وهي غير النار المعدّة للكافرين

الزّقوم: حطام أهل النار من الكفّار.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:20 PM
منظومة تلا (من التلاوة)

تلا - قرأ – رتّل

صاحب القرآن هو الذي تلا وقرأ ورتّل وعمل بالقرآن.

قرأ (القراءة) : هي صحة نطق الكلمة والحروف وحسن أداء الكلمة والجملة (فاقرأوا ما تيسر من القرآن) وهذه القرآءة توصل إلى الإتّباع (فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه)، (فأولئك يقرأون كتابهم) المؤمنون يقرأون كتابهم بمنتهى الفصاحة وحُسن النطق للكلمات، (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) يجب أن تكون القرآة صحيحة وواضحة والكلمات كلها منظومة بشكل صحيح.

والقرآءة عموماً تشمل الكلمة القرآنية والجملة القرآنية بشكل صحيح، (إقرأ باسم ربك الذي خلق) عند بدء نزول القرآن الكريم لم يكن هناك عدة آيات لتلاوتها إنما نزلت بضع آيات لذا وجب استخدام كلمة (إقرأ) بدل أُتل. وكل تلاوة قرآءة وليست كل قرآءة تلاوة.

تلا يتلو تلاوة: قراءة الآيات بنسق متتالي من أول القرآن لآخره وهو الإتّباع بدون فاصلة (والقمر إذا تلاها) أي جاء بعدها مباشرة كخليفة. (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق) القصة متسلسلة لذا اقتضى السياق استعمال كلمة (أُتل)، (قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم) ، (تلك آيات الله نتلوها عليكم) ،(يتلو عليهم آياتك) ، (يتلون الكتاب) ، (يتلونه حق تلاوته) تسلسل مع فهم وادراك وتأمّل فيه ومعرفة بأحكامه، (فاتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) اتلوها كلها من أولها إلى آخرها لدقة استعمال كلمة اتوها في القرآن الكريم.

رتّل والترتيل: هو حُسن تنسيق الأسنان يسمى رتل ( بمعنى متسلسلة بدون خلل) ويُطلق لفظ رتل على كل شيء حسن التنسيق. وفي القرآن الكريم تعني حُسن تنسيق الآيات في موضوع واحد وكل آيات القرآن الكريم منسّقة تنسيقاً حسناً ومتتالية بدون خلل فيها فهي مرتّلة.والترتيل هو اتّباع أحكام القرآن فهو أنيق في التلاوة طاهر الفم طيّب الرائحة.

إذا جُمعت القرآءة والتلاوة والترتيل يُصبح القارئ من أصحاب القرآن (حافظه عن ظهر قلب).

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:20 PM
منظومة تترا

تترا - متتابع

ليس في القرآن الكريم غير كلمة تترا ومتتابعين أو تبيعا في منظومة التتابع هذه.

تتراً: ليس لها مرادف في القرآن الكريم إلا كلمة متتابع. وهي كناية عن الترتيب العددي واحداً واحدا أو وتراً وترا 1/3/5/7 وهي من المواترة أي المتابعة ولا يؤخذ في الإعتبار المسافات التي قد تفصل بين الواحد والآخر كما في قوله تعالى في سورة المؤمنون (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ {44}) فالمسافة بين الرسل المرسلين مختلفة فقد طالت أحياناً وقصرت أحياناً أخرى لكن المعنى أن الرسل أرسلوا واحداً واحداً وبينهما زمن قد يطول وقد يقصر. وقد يخطر ببال البعض أن موسى وهارون أرسلوا معاً وهذا ينافي ما قلناه فنقول إن موسى كان رسول ربه أما هارون فكان وزيره ونائبه (واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي) سورة طه، ولم يُرسله الله تعالى إلى قوم برسالة معينة وإنما كان وزير موسى في تبليغ فرعون وقومه ودليل ذلك قوله تعالى على لسان موسى وهارون في سورة (إنا رسول ربك).

متتابع: هو ترتيب زمني بغض النظر عن العدد أي لا يفصل بيهما فاصل زمني. وهذا ما ورد في آيات الأحكام في كفارة القتل الخطأ والظِهار الجماع في نهار رمضان كما ورد في سورة النساء (‏ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً {92}) وفي سورة المجادلة (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ {4})، فالصيام في هذه الحالة هو شهرين متتابعين ليس بينهما فاصل أبداً فإذا صام أحد تسعاً وخمسين يوماً ثم أفطر يوماً بعدهم وجب عليه إعادة صوم شهرين متتابعين من جديد.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:21 PM
باب حرف الثاء

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:22 PM
منظومة ثبّت

أيّد – أمدّ – نصر – أعان – مكّن - ثبّّت – آزر - بعث

هذه الكلمات كلّها في منظومة ألطاف الله تعالى على عباده وهي خاصة بالمؤمنين لأنها من عطاء الألوهية فالله تعالى يُمدّ ويؤيّد وينصر ويمكّن المؤمنين.

أيّد والتأييد : عندما يعطي الله تعالى عبده من لطفه الإلهي قوة خارقة لا يملكها إلا هو سبحانه. (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون) (فآواكم وأيدكم بنصره) أيدهم بالملائكة في بدر. والأيد لغة هي الشدّة والصلابة وهي القوة الخارقة. (واذكر عبدنا داوود ذا الأيد) (فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم )سورة الصفّ، (والله يؤيد بنصره من يشاء) ، (وإذ أيدتك بروح القدس) ، (فأنزل الله سكينته عليه وأيده) ، (وأيدهم بروح منه).

أمد والمدد: هو إرسال المدد من غير أن تكون معه بمعنى المدد مستمر ومنه كلمة تمدد وقد يمدّ اللع تعالى عباده على دفعات ومراحل مثل الإمداد بالملائكة في بدر، فالله تعالى يُعطي بعض عباده مدداً في العلم والمال أو الولد مستمر (يمددكم ربكم بألف من الملائكة مردفين) سورة الأنفال آية ، والمدّ يكون عادة في الشر (نمدّ له من العذاب مدا) وأمدّ تكون بالخير. وإمداد الله تعالى قد يكون بالملائكة أو بنعمه سبحانه وتعالى. يقال مد الظل ومد العذاب بمعنى مستمر بلا توقف، وقوله تعالى (والأرض مددناها) يعني رزقها إلى يوم القيامة) فالمدّ مستمر مدة طويلة والمدد يكون على مدة متتابعة.

نصر: المدد تعني إرسال الغير أما النصر فيجب أن تذهب بنفسك وتدخا مرة واحدة لحسم الموقف بمعنى أن يُنجينا الله تعالى بنفسه (إلا تنصروه فقد نصره الله ) تدخل مباشر من الله تعالى والنصر لا يكون إلا عند وشوك الهزيمة فيأتي النصر من عند الله بعد أن يستنفذ البشر كل الوسائل المتاحة لهم (إن تنصروا الله ينصركم) (وإن استنصروكم فعليكم النصر) مثل المسلمين المستضعفين في الأرض علينا نصرهم إذا استنصرونا وهذا أمر إجباري وليس اختياري.

أعان والإعانة: إذا كان المدد إلهياً، إذا كان النصر ليس عسكرياً يكون عوناً (أعينوني بقوة) في بناء السدّ والعون والإعانة هي من أنواع المدد لكن ليس جهداً عسكرياً وهو كالتبرعات وغيرها.

مكّن والتمكن: هو أن تبسط نفوذك على مكان فيصبح ملكك، هناك صراع طويل ثم في النهاية يُحسم الموقف لصاحنا (وكذلك مكّنا ليوسف ) أي بعد طول صراعات مع إخوته وامرأة العزيز والملك وفي النهتية حُسم الموقف لصالحه وأصبح ممكناً في الأرض، (ألم نمكّن لكم حرماً آمناً) ، (ونمكّن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان) مكّن لهم في الأرض ولم يحدد المكان بمعنى حيث حلّوا يعيثون فساداً في كل بلد( وما من مجتمع حلّ فيه اليهود إلا تمكنوا فيه ثم عاثوا فيه فساداً وهذه من سنن الله تعالى في خلقه أن لا يكون لليهود وطن. (وإذ تأذن ربكم ليبعثنّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب) بمعنى أنه كلما تمكنوا في مكان بعث الله تعالى عليهم من يسومهم سوء العذاب وهذا إعلان من الله تعالى مستمر إلى يوم القيامة.

ثبّت والتثبيت: شخص صالح بدا له شيء من الزلزلة كالمسلم جاءته فتنة أو شكت أن تعصف به ثم يأتيه أحد الصالحين فيثبته بعد أن أوشك أن يتزلزل ( ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا) ، والتثبيت هو منع الإنهيار كما في سورة الكهف في قصة الجدار جاءت الآية (فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقضّ فأقامه) ولم يقل ثبّت وهذا دليل على أن الحائط وقع فعلاً لو لم يقع وكان الحادثة في بداية انهيار الجدار وتداعيه لجاءت الآية بلفظ ثبّت. والتثبيت يكون في حالتي الحرب أو السلم وعند بداية زلزلة موقف ما. (يُثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا) سورة ابراهيم آية ، وفي استعراض الآيات التي قبل هذه الآية وبعدها في سورة ابراهيم نلاحظ أن كلمة يثبت جاءت في مقابل كلمة اجتثّت، هناك نظريتين: نظرية الكفر (فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت)، ونظرية الإيمان: الكلمة الطيبة والقول الثابت وهو (لا إله إلا الله) فالمؤمن أصوله ثابتة بـ (لا إله إلا الله) كاشجرة تماماً أصلها ثابت وفرعها في السماء مهما تمايل يبقى الأصل ثابتاً والفرع هو بمثابة العمل وبدون لا إله إلا الله لا يصلح العمل، كما في قوله (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) كل عمل مربوط بحينه ولا إله إلا الله في كل حين.

حصل انفراد للمؤمن (محمد رسول الله r) في أمور كثيرة بكلمة لا إله إلا الله: أُسري به – طاهر الثوب - عفيف العِرض – يذكر الله – يدعو الله – الآذان - الصلاة - هاجسه من الكبيرة – رحيم بعدوّه.

آزر: قوّى وشدّ وأعان واستقام بحيث لا عوج فيه. وأصله من شدّ الإزار, والأزر هو القوة الشديدة. والآزر يكون عادة من الأقارب كما أورد اقرآن الكريم على لسان موسى u (أشدد به أزري) أي أتقوى به (كزرع أخرج شطئه فآزره).

بعث: هو في الأصل إثارة الشيء وتوجيهه، والله تعالى يبعث للناس الرسل مبشرين ليعينوهم على التوحيد والنجاة من النار (ولقد بعثنا في كل إمة رسولا) وهذا من باب الإعانة لآنه لو لم يبعث الله تعالى الرسل والأنبياء لما استعان الناس على الإيمان بالله وتوحيده ولما اهتدوا للحق. (بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار) سورة الإسراء آية 5 وفي الآية بعث الله تعالى لعباده المؤمنين لمحاربة اليهود المغضوب عليهم وفي هذا البعث إمدام وتأييد للمؤمنين ونصرتهم على أعدائهم من بني إسرائيل.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:23 PM
منظومة ثنى

ثنى – عطف – عِوَج - قَلَبَ– طوى – لوى

ثنى : ثنيت الثوب بمعنى جعلته نصفين وجعلت النصف فوق النصف الآخر. يُقال ثتيّة الوادي هي الطريق التي تُشكل رقم سبعة. (ألا أنهم ليثنون صدورهم ليستخفوا منه) بمعنى انحنوا انحناء كاملاً كأنهم نصفين متساوين الرأس على القدم تماماً من شدة الهروب من الشيء، وقد يكون الثني معنوياً فيدلّ على شدة الإغلاق والإحكام لأن الصدر مكان الهداية، وهم فوق الإنثناء يضعون ثابهم على وجوههم بحيث لا تُرى ملامحهم (يستغشون ثيابهم) لأنه ما من إنسان يسمع كلام اله تعالى إلا وظهر أثر ذلك في مجهه وملامحه. وقوله تعالى (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم) ويقصد بها الفاتحة لأن نصفها للعبد ونصفها لله تعالى فهي مثنيّة، تحمد الله وتمجّد الله وتثني عليه وتدعوه بالهداية فيجيب الله تعالى على كل منها كما ورد في الحيث القدسي. ووالثني باعتبار العدد او باعتبار التكرير الموجود أو باعتبارهما معاً (ثاني اثنين إذ هما في الغار) وقال (مثنى وثلاث ورباع) وقوله (اثنتا عشرة عيناً).

عطف: عندما يستقيم الطريق إذا رجع رجوعاً كاملاً حادّاً يُسمى رجع، وإذا انحرف انحرافاً يُسمى عطف، وإذا رجع رجوعاً جزئياً يُسمى عوج.

عوج: انحناء ملتصق. عَوَج تقال للأشياء مثل الطريق والقلم وغيره، أما عِوَج فتقال للفكر والنظريات (قرآناً عربياً غير ذي عِوج) بمعنى لا يمكن لأي شيء فيه أن ينحني، وقوله تعالى (يصدون عن سبيل الله ويبغونها عِوجاً وهم بالآخرة كافرون) هم أصلاً من أهل الكتاب أي النصارى وغيرهم، وفي الآية الآخرى (يصدون عن سبيل الله ويبغونها عِوجاً وهم بالآخرة هم كافرون) هم أصلاً مُلحدون كافرون، ولم تأتي الآية بـ (يجعلونها عوجا) وإنما جاءت (يبغونها عوجا) بمعنى يحاولون ويريدون أن يتهموا الإسلام اتهامات باطلة. (قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله وتبغونها عوجا وأنتم تشهدون) ، (الحمد لله الذي أنزل الكتاب على عبده ولم يجعل له عوجا) سورة الكهف، آية 1.

قلب: تغيير حال الشيء إلى عكسه (ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم) ، (لا يغرنّك تقلب الذين كفروا ) ، (يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار) ، (فأصبح يقلب كفّيه) ، (ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ) سورة الكهف . والقلب والتقليب في الأشياء المادية هو وضع الشيء على عكس حاله أما في الأشياء الحسّية كالقلوب فالله تعالى يعلم المعادن ويعلم ما في القلوب والتقليب قد يكون من الباطل إلى الحق ومن الكفر إلى الإيمان.

لوى: من الليّ وهي فتل الحبل وتعني الإمالة (لووا رؤوسهم) أي أمالوها ولوى لسانه بكذا كناية عن الكذب وتخرّص الحديث كما في قوله تعالى (يلوون ألسنتهم بالكتاب) وقال تعالى (ليّاً بألسنتهم) ويقال فلان لا يلوي على أحد بمعنى إذا أمعن في الهزيمة كما في قوله (إذ تصعدون ولا تلوون على أحد).

طوى: طويت الشيء طيّاً كطيّ الدَرَج كما في قوله تعالى (يوم نطوي السماء كطيّ السجل للكتب) ومنه يقال طويت الفلاة ويعبّر بالطيّ عن مُضي العمر أو هلاكه (والسموات مطويات بيمينه)، وقوله تعالى (إنك بالوادي المقدّس طوى) قال المفسرون هو إسم الوادي وقال آخرون أن موسى u طوى عليه مسافة لو احتاج أن ينالها في الإجتهاد لبعُد عليه.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:23 PM
منظومة ثوب

ثوب –لباس – جلباب – كساء – خِمار – سربال – ريش – سابغ - مزّمّل

ثوب : هو الثوب الظاهر الذي يستر العورة والذي تقابل به الناس وقد استعملها القرآن الكريم بمعنياها المعنوي (مروءة، نيّات، خُلُق رفيع) والمادي (ما نلبسه). وهناك فرق بين العورة والسوءة، فالعورة هي كل شيء تستره عن الناس لجماله، والسوءة هو كل ما تستره عن الناس لقبحه. وجمعه أثواب وثياب والثياب توضع وضعاً برفق وسهولة. (وثيابك فطهّر) سورة المدثّر آية بمعنى الأعمال الصالحة والأخلاق والتقوى والعلم والعمل، والسورة جاءت فيها قواعد التقوى في الخمس آيات الأولى. وفي الحديث: يُبعث الميّت بثوبه، أي بعمله.

لباس: هو كل شيء خفي سواء كان مادياً أو معنوياً يسمى لباس، وهو الخفي الذي يستر السوءة وليس العورة فالعورة قد تُستر بسياج عال حول البيت. واللباس يُنزع نزعاً لأنه يكشف السوءة ولا يُنزع إلا بالقوة وللضرورة فقط (ينزع عنهما لباسهما ليريهما سؤتهما). واللباس يدل على الستر المادي والمعنوي. أما الستر المعنوي ففي قوله تعالى: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهنّ) وهذا أمر بعدم إظهار سيئات الزوج أو الزوجة، وفي قوله: (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) سورة النحل آية تدل على أن القرية كانت منيعة لكن عندها إحساس خفيّ بالجوع والخوف وكلما ازدادت قوة الدول ازداد شعورها بالجوع والخوف كما هو هاجس الدول العظمى الآن من التلوث النووي والإشعاعات وغيرها على رغم قوتهم. واللباس جاء هنا بمعنى نظرية وهذا يعود إلى سوء استعمال الوسائل وسوء استعمال القوة لأنه كلما توفر لدى الإنسان ما لم يتوفر عند غيره أرهقه ذلك وأخافه. (وأنزلنا عليكم لباساً يواري سؤاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير) والتقوى هي أن تجعل بينك وبين الله وقاية. (وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها) وكلمة التقوى هي لا إله إلا الله، ولباس التقوى هو كل عبادة فيها جانب خفيّ ووقار (الشعور الخفيّ وتوقير العبادة) وهذا امتحان للتقوى (أولئك الذين امتحن قلوبهم بالتقوى). واللباس يواري السوءة الحسّية والمعنوية، ومن سوء العبادة أن تؤديها مفضوحة والأفضل أن تؤديها خالصة لله تعالى وقلبك مخلص لله بدون مراءاة، (أقم الصلاة لذكري) عند ذكر الله يجب قول سبحانه وتعالى أو جلّ جلاله أو لا إله إلا هو. (وتعزّروه وتوقّروه) للرسول r وهو غض الصوت عنده والصلاة عليه عند ذكر اسمه r. (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) وهذا هو وقار الصلاة. وكل ما سبق هو من ضمن لباس التقوى وتأدية العبادة بوقار كامل.

جلباب: ثوب له أكمام ويُقفل من الأمام. (وقل للمؤمنات يدنين عليهن من جلابيبهن)

كِساء: هو الثوب الذي يُلقى على الكتف إلقاءً. () سورة المائدة آيو 89، () سورة النساء آية 5، ومنها قوله تعالى () سورة المؤمنون آية 14.

خِمار: غطاء الرأس. (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) سورة آية .

سربال: كل شيء غليظ يقيك من الحر أو البرد أو الضرب. (سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم) يلبس الحديد عادة للحرب.

ريش: هو ما يدل على الترف وهو حلال ما دام لا يؤدي بلابسه إلى الخيلاء والزهوّ. (وأنزلنا عليكم لباساً يواري سؤاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير)

سابغ: كل شيء واسع وتامّ ومريح ومنها اشتّق إسباغ الوضوء و(أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة)

مزّمّّل: طريقة لبس الكساء إذا لفّ الإنسان نفسه بكسائه. (يا أيها المزّمّل) سورة المزمل آية 1

إزار

غطاء

دثار: (يا أيها المدثّر) سورة المدثر آية 1، والمدثر هو المتدرّع دثاره.

فراش

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:24 PM
باب حرف الجيم

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:25 PM
منظومة الجوع

جوع – خصاصة – مخمصة – مسغبة

كل هذه الكلمات تنتمي الى منظومة الجوع وكل منها لها معنى خاص بها ولا يصح استبدال كلمة بكلمة وإلا تغير المعنى كلياً. وكل هذه المرادفات تعني الجوع وتدل على خلو البطن من الطعام لكن لكل منها معناها الخاص المتفرد الذي لا يصح المعنى بدونها ولا يغني عنه استعمال كلمة أخرى

الجوع : هو ألم البطن الأولي لفراغ المعدة من الطعام وهو أول درجات خلو البطن من الطعام. فكل يوم نصاب بالجوع وهو من قوانين البشر كما نظمأ منشرب ونتسخ فنغتسل وكذلك نجوع فنأكل. فقد نشعر بالجوع صباحاً فنفطر ونجوع ظهراً فنتغدى ونجوع مساءً فنتعشى. وقد قال تعالى في كتابه العزيز:

(لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ) (الغاشية:7)

)الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش:4)

(ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال و الانفس والثمرات وبشر الصابرين) ( سورة البقرة: 155)

خصاصة: إذا استمر الجوع في الانسان او في مجموعة من الناس لمدة أطول كأسبوع او اسبوعين او شهر او اكثر يسمى خصاصة. والخص هو نبات من القش أصفر وضعيف وهزيل، فإذا أدى الجوع بالانسان الى اصفرار لونه ولا يشبع مما يأكل ولكنه لم يصل بعد الى درجة المجاعة إنما الطعام قليل فيظهر على الوجوه عدم الشبع وهو ما يعرف بمصطلح العصر بـ(سوء التغذية) تسمى هذه الحالة خصاصة وهكذا كان أهل المدينة المنورة من الأنصار لقلة الطعام عندهم بعدما تقاسموا مع المهاجرين طعامهم وآثروهم على أنفسهم في كثير من الأحيان. قال الله تعالى:

وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر:9)

مخمصة: إذا تطور الجوع بحيث أدى إلى تشويه في الوجه والجسد كأن تصبح العيون غائرة والبطن مخسوف وغائر إلى حد مشوه فعندها يسمى مخمصة (غار الوجه بحيث تبدو الجمجمة ظاهرة والبطن عظامها ظاهرة) كما نرى في صور من أصابتهم المجاعة في أفريقيا ودول العالم الثالث الفقيرة. ويقال أخمص القدم إذا تشوهت القدم من الاسفل اي حدث فيها خسف غلى الداخل. هذه الحالة تسمة مخمصة وهي الحالة التي فيها يحق لصاحبها ان يأكل مما حرم الله عليه كما في قوله تعالى:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة:3)

)مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (التوبة:120)

(فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم) والآية هنا لا تعني من كان في سفر قصير ولم يجد طعاماً حلالاً وجاع فالإنسان يمكنه البقاء بدون طعام مدة من الزمن وذلك لوجود الدهون والشحوم في جسده التي تذوب عند الاحساس بالجوع وتغطي احساس الجوع الذي يشعر به الانسان، وعندما تنفذ هذه الدهون ويصفر الوجه ويهزل الجسم وتغور البطن وتصبح حياة الانسان مهددة، عندها يجوز أكل المحرمات فقط. ولهذا يجب مراعاة هذه النقطة لئلا نقع في المحظورات لمجرد سوء فهم معنى الكلمة (مخمصة)

مسغبة: إذا صادف مع هذه المخمصة حالة من التعب والعناء والحالة المزرة تسمى مسغبة. والله سبحانه وتعالى عنده عبادات تكفي عن كل العبادات مثل الشهادة في سبيل الله فكأن كل طاعات الشهيد الاخرى اختزلت في هذه الشهادة. كذلك الذي يطعم في مسغبة فالحال هنا تشابه حال المحكوم بالاعدام ثم تفكه او عبد مملوك فتعتقه وتحرره (فك رقبة) وكذلك الاطعام هنا يجب ان يكون له مزية وليس باطعام ما تبقى لدينا من طعام في يوم ذي حصار شديد ومعاناة شديدة وتعب شديد ثم يصبح عندك طعام فتطعمه هذا الذي يحاسب الله تعالى عليى بما شاء سبحانه.

أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ) (البلد:14)

الجوع له جانبان:

جانب ايجابي عظيم وهو الجوع الاختياري او الجوع لهدف عظيم

وجانب سلبي لئيم كالجوع الاجباري كأن تجوع لأن غيرك استولى على حقك بالغذاء.

وللجوع عدة انواع منها:

الجوع العظيم: وهو الصوم الذي يعتمد على الجوع اولاً وهو أعظم العبادات (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) فالصوم يطهر الشمائل ويكفر الذنوب وما من حسنة وفضيلة في الانسان إلا الصوم اساسها ولما أراد الله تعالى أن يقابل موسى ليكلمه طلب منه الصوم فصام موسى 40 يوماً فارتقت نفسه عن الغرائز والشهوات. وفيما يروى أن الله تعالى خلق العقل فقال ما خلقت أفضل منك فقال له أقبل فأقبل ثم قال له تعالى أدبر فأدبر فقال له الله تعالى من أنا قال: انت الله لا اله إلا انت، وخلق الله تعالى النفس فقال لها ما خلقت أشر منك فقال لها من أنا قالت أنت أنت وأنا أنا ففرض عليها الصوم ثم دعاها فأقبلت قال من أنا قالت: أنت الله لا اله إلا انت. والله أعلم. ولأهمية الصوم وعظم ثوابه وحسناته كان كفارة للذنوب، فكفارة القتل الخطأ صيام شهرين متتابعين وكفارة اليمين الكاذب صوم ثلاثة أيام وكفارة الحلق للمحرم صيام عشرة أيام وكفارة ترك معاشرة الزوجة الصوم أيضاً ولولا ثوابه العظيم وما يفيد النفس البشرية لما فرضه الله تعالى علينا وجعله كفارة لذنوبنا. وقد وصف الله تعالى الصوم بالصبر في قوله (واستعينوا بالصبر والصلاة).

الجوع الإجباري: هو أسوأ انواع الجوع بأن يحرمك غيرك من حقك بالطعام فالتجويع من شر الأعمال على الأرض فما من شر أشد من أن تتعمد ان تجيع فرداً او مجتمعاً او شعباً بأكمله كما يحصل في الحصارات للبلاد العديدة كما حصل في العراق وغيره من البلاد التس يتسلط عليها من يجوعها ويمنع الطعام عنها. وصدق الرسول الكريم r في حديثه (امرأة دخلت النار في قطة حبستها وأجاعتها)

الجوع الرحيم: كأن تجوع لغيرك كما فعل أهل المدينة من الأنصار، جاعوا هم ليطعموا اخوانهم من المهاجرين.

الجوع الكريم: او جوع العفة كما في قوله تعالى: (للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الارض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس الحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم) (البقرة:273) حتى ولو كان بهم جوع لا يسألون أحداً الطعام لشدة عفتهم وعزة نفوسهم مع انهم يتضورون جوعا.

الجوع الوسيم: هو ما يفعله الناس من جوع بهدف الرشاقة واللياقة او ما يفعله بعض فرق الكوماندوس الذين يتدربون دريباً قاسياً ويتبعون حمية معينة فلا يأكلون أي شيء يريدون متى شاؤوا.

الجوع اللئيم: وهو شعور الجوع الذي يشعر به من لا يثق بالله تعالى (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) (النحل:112) يخاف الناس من الجوع القادم لأنهم لا يثقون بالله الرزاق العليم.

الجوع السقيم: وهو جوع المرض او الخوف او الكآبة فكل هؤلاء يفقد شهيته للطعام.

الجوع العظيم: وهو الابتلاء (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين) ولنتوقف قليلاً عند هذه الآية: الخائف لا يتلذذ بشيء فالأمن والغذاء هما أساس كون الإنسان صالح للحركة، الجائع حركته خاطئة والخائف حركته خاطئة (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)(قريش:3-4) وفي حديث الرسول r: (لعن الله من أخاف مسلماً). وهنا ينبغي أن نفرق بين البلاء والفتنة والامتحان.

الابتلاء يكون بما تكره (الجوع، الخسف، الخوف..) ويكون لجلاء الصبر. (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين)

الفتنة تكون بما تحب كالمال والسلطة والنساء والأولاد وهي لجلاء الشكر وليرى الله تعالى مدى شكرك له وكيف تستعمل هذه النعم بالكفر او الشكر.

الامتحان هو الامتحان بما يخفى وهو اختبار الكفاءة.

الخوف والجوع متلازمان والفرق بين الخوف والجوع أن الجوع يزول بلحظة ما إن تأكل الطعام حتى يتلاشى الاحساس بالجوع حتى ولو استمر الجوع لسنين. أما الخوف فلا يزول. كما في قصة بني اسرائيل مع فرعون، فمن كثرة ما أخافهم فرعون وارهبهم لم يصدقوا ان الله نجاهم مع موسى في البحر وأغرق فرعون وجنوده فلما قال لهم موسى ادخلوا الارض قالوا لموسى إن فيها قوماً جبارين. ولكي يزول الخوف من شعب أو أمة يجب أن يزول الجيل بكامله ولأجل هذا بقي بنو اسرائيل تائهين أربعين عاما حتى نشأ جيل جديد لا يخاف.

في النعمة فقد قدم الله تعالى الطعام على الأمن (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف).

أما في النقمة فقد قدم سبحانه الخوف على الجوع (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين)

والصوم هو ابتلاء من رب العالمين ليعلم صبرنا، اما تجويع الناس فهو من فعل الناس(ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) وليس من فعل الله عز وجل فقد قال تعالى: (لنبلونكم بشيء من الخوف والجوع)

ولا بد من الشعور بشيء من الخوف لجلاء الصبر والتحمل عند مواجهة العدو جعل الله تعالى الجوع والخوف والتضحية جعلها في أيدينا.

فلسفة الجوع الإيجابي:

· قال يحيى بن معاذ وهو من صالحي هذه الأمة: جوع الراغبين منبهة الذين يرغبون بالتقرب الى الله. مثل سيدنا موسى عليه السلام صام أربعين يوماً حتى صفت نفسه وطهرت من الغازات والتجشؤ وغيره من أدران الجسد. وجوع التائبين تجربة (عندما يتوب المذنب من ذنوبه ويريد أن يكون عبداً صالحاً يجب أن يجرب الجوع هتى يعود نفسه على حسن العبادة وعلى الصبر)

· وقال سعد بن سهل: أفضل العبادة ترك فضول الطعام اقتداء بالرسول r.

· وضعت الحكمة والعلم في الجوع والمعصية والجهل في الشبع وما وصل الصالحون إلا باخماص البطون.

· من جوّع نفسه انطعت عنه الوساوس.

· اقبال الله على العبد بالجوع

· سألوا حكيماً: بأي قيد أقيّد نفسي؟ قال: قيّدها بالجوع والعطش، وذلّلها بإخمال الذكر وترك العز، وصغّرها بوضعها تحت أقدام الصالحين.

· قال ابن القيم رحمه الله: عندما صام سيدنا موسى ثلاثين يوماً فأتمها بعشر مع أنه كان صائماً وجائعاً لم يشكو تعباً ولا جوعاً وفي قصته مع العبد الصالح خرج مع فتاه وقال له آتنا غدائنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:26 PM
منظومة جعل

جعل – خلق- سوّى – أبدع – أنشأ – صنع – عدل –عمل - فعل

أبدع: إيجاد الشيء من العدم (بديع السموات والأرض) لم تكن موجودة قبل.

خلق: الخلق من شيء موجود (خلق الإنسان من طين). تقدير الشيء قبل إيجاده كالتصميم قبل البناء فالتصميم هو الخلق والخلق هو التصميم. خلق الله تعالى الإنسان قبل أن يكون طيناً (ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم).

سوّى: إذا وُجد الخلق صار تسوية مثال عندما ينفّذ التصميم فيصبح بناءً.

عدل: هذه التسوية ليس لنفر واحد وإنما لميارات الناس فحقق العدل بين البشر جميعاً كلهم بنفس المواصفات متناظرين عدول طيبون (ابن آدم طيّب في خَلقه وخُلقه) يقال اعتدل الطقس أي صار طيباً جميلاً.

صنع: الصناعة هي حسن الخلق وحسن التسوية (ولتصنع على عيني) المصنع فيه نماذج وهياكل تتطور فتصبح صناعة متطورة. والصنع هو اتقان الشيء (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم) بما صنعوا: لاتقان الشيء وحسن إيجاده الأسلحة العظيمة بدأت تتغلب على أصحابها لشدّة ما ظلمت العالم. هؤلاء القوم جاءهم صلح الحديبية فانقضّ عليهم المسلمون ودخل الناس في دين الله وجاءتهم بدر. وجاءت لفظة (لا يزال) هنا للدلالة على الإستمرارية ليوم القيامة، والقارعة من القرع الشديد بخلاف النقر.

أنشأ: أي نمّاه من طفل إلى شاب (أومن يُنشّأ في الحلية) وقوله (وينشيء السحاب الثقال). فالتنشأة هي التنمية الفكر ينمو والعقل ينمو فهي أطوار مع حسن تربيتها وتنميتها.

جعل: بعد أن يخلق الله تعالى الشيء يهديه إلى وصف جديد أو صفة جديدة. عندما يهدي سبحانه وتعالى المخلوقات الحيّة إلى وظيفتها يسسمى جعلاً (واجعل لي وزيراً من أهلي) أضاف إلى هارون وصفاً جديداً وظّفه توظيفاً جديداً سلباً أو إيجاباً. (وجعل لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها)

(ومن آياته..وجعل بينكم مودة ورحمة):

خلق: قدّر الله تعالى الرجل والمرأة وخلق من الرجل امرأة وبعد أن قدّر الله الرجل والمرأة أضاف الله تعالى لهما وظيفة جديدة بأن جعل بينهما مودة ورحمة وهذا يسمى جعلاً. وقال لتسكنوا إليها والسكون ضد الحركة وهو سكون مادي ومعنوي وهناك ثلاثة أسباب لسكون نفس المؤمن:

صلاة النبي r على أمته.(وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)

البيت الطيّب (ومساكن طيبة) أي مريحة وآمنة

المرأة سكن زوجها.

جعل بينكم مودة ورحمة: الحب للفعل (أحبه لأنه كريم أو شجاع) ولا يمنع أن يكره الشخص لشيء آخر. الكره يكون لفعل في الشخص وليس لذاته، أما المودة فلذاتك كما تودّ أباك وأمك وأقاربك بغض النظر عن أفعالهم صالحة كانت أو غير ذلك. ومهما أساؤوا إليك تبقى المودة لقرابة الدم وما من مخلوق يدخل في هذه المنظومة والمودة إلا المرأة.

(وعاشروهن بالمعروف) والمعروف هو عرف الناس الصالح الواقعي على كل من الزوجين أن يتعامل مع الآخر على أساس ما هو رجل وامرأة فلا يعامل الزوج زوجته كما يعامل صديقه أو عامله. (وما خلق الذكر والأنثى* إن سعيكم لشتى) لا يجب أن تتطابق المرأة والرجل في كل الأمور لأنه هذا يتنافى مع طبيعتهما التي خلقهما الله تعالى عليها.

(إنا جعلناه قرآناً عربياً) النسخة التي بين أيدينا من القرآن هي النسخة التي يسّرها الله تعالى للناس. (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله) هذا الإنزال بالصيغة الأصلية للقرآن فهو لم يكن عربياً إنما جعله الله تعالى عربياً لييسره للناس (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر).

عمل: أي أثّر في الشيء

فعل: جزئيات العمل تسمى فعلاً. كل فعل عمل وليس كل عمل فعل.

وأضيف هذه الكلمات التي قد تدخل في المنظومة ولم يذكرها الدكتور الكبيسي في الحلقة وهي والله أعلم: صوّر وبرأ

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:27 PM
منظومة جلّ

الجليل – الكبير – العظيم – السيّد - الوجيه

هذه الكلمات كلها في ألقاب الرؤساء والملوك وهي صفات تطلق على الناس وهي مختلفة تماماً عن صفات الله تعالى التي تحمل نفس الإسم لأنه سبحانه ليس كمثله شيء.

الكبير: كل من هو رأس يسمى كبيراً سواء كان عادلاً او ظالماً يسمى كبير بلا منازع (كبير الدولة، كبير المهنة، كبير العشيرة) (كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها)

العظيم: إذا لم يكن الكبير فوقه أحد أعلى منه يقال له صاحب العظمة وهذه صفة تطلق على الرؤساء والحكام الذين ليس فوقهم أحد. ولا حرج من اطلاق صفة صاحب العظمة على ملك. وقد استخدمت لفظة عظيم في القرآن لأمور عدة منها: للفوز: (فوز عظيم) بمعنى ليس بعده فوز. وللعذاب (عذاب عظيم) أي ليس هناك أعظم منه.

والكبير والعظيم ليس فيهما مدح أو ذمّ.

السيّد: إذا أردت أن تمدح الكبير أو العظيم تقول السيّد وهو أعظم أوصاف الملوك ولذا وُصف الرسول r بأنه سيّد الخلق (أنا سيّد ولد آدم) والسيّد تعني الملك المحبوب من شعبه لأنه يسيد سوادهم وهو قليل في التاريخ.

الجليل: صاحب الجلالة أو الجليل تطلق على عظيم القدر المستحق الحمد لسنّه وعمله ومقامه وله تعظيم خاص وتوقير خاص ومهابة لأن له رهبة في القلب. الجلالة هي عظيم القدر المستحق للمدح والحمد. الحمد يلي النعمة أما لمدح فقد يكون بدون تقديم نعمة فقد يكون الشخص مستحقاً للمدح لصفاته. كل سيّد يستحق الحمد والمدح يسمى جليلاً فلا يطلق على كل ملك صاحب الجلالة إنما يطلق على الملك الوقور الحليم الناصح لشعبه.

صاحب الجلالة ذو الجلال: تعني الهيبة، إذا بلغت الجلالة غايتها ولا تطلق إلا على الله تعالى.

الوجيه: جليل ووجيه عند الله يشفع عند الله (كسيّد الأوس الذي وصفه الرسول r) وكما وصف الله تعالى سيدنا عيسى u بالوجاهة اي له وجه وهو أوّل القوم وعظيمهم وسيدهم (وجيهاً في الدنيا والآخرة). كل حاكم عادل هو سيد قومه ورئيسهم وحاكمهم يحبهم ويحبونه فهو وجيه عند الله كما هو وجيه في الدنيا ويشفّعه الله تعالى بهم يوم القيامة. الملأ والوجهاء هم القوم المبرّزون في مجتمعاتهم كأصحاب العلم والمهن الرفيعة والسياسة ولهم رأي مسموع وشفاعة.

سيد القوم وصفاً ممدوحاً لعظيم القوم و لا تقال سيد القوم إلا على كريم في باب المدح. ولكي يكون الإنسان سيّداً عليه أن:

يفوق غيره بالعقل والدفع عن شعبه ويجلب لهم النفع ولا يمالئ أحداً عن شعبه ولا يضر بمصالح شعبه إنما هو سيف مسلّط على عدو شعبه.

هو المعين بنفسه أي يذهب بنفسه لنصرة أو مشاركة شعبه في السراء والضراء وليس خيلاً على شعبه فأمواله مفتوحة للكل.

الذي لا يغلبه غضبه فلا يحكم في ساعة غضب فهو حليم لا يحكم إلا بعد زوال غضبه.

وهو الورع الحليم ولا يسارع في العقوبةوهو المقهور على نفسه وماله كما كان سيد تميم (قيس بن الأحنف) يُشتم في مجلسه فيبتسم وليس له رد فعل وكذلك سيد الأنصار سعد بن معاذ.

جمع سيد الأسياد (السيد الحالي) وسادة (للأسياد المستقبلون) الذين سيصبحون ملوكاً لاحقاً ومستقبلاً.

صفات الحاكم الذي يكون سيد قومه:

من أكابر القوم معروف الأصل والنسب.

يعل بين أفراد شعبه.

لا يكذب عليهم أو يغشهم. (اول من يدخل النار ملك كاذب)

أن يقضي حوائجهم العامة والخاصة.

أن ينصح لهم في معيشتهم فيصلح حالهم من أسباب المعيشة.

يجهد نفسه ويبذل كل وسعه في إصلاح حالهم.

لا يحتجب عنهم ولا يمنع عنه قومه.

أن لا يولي على قومه شرار الناس فلا يولي قاضياً ظالماً بمعرفته وعلمه وعليه حسن الإختيار فإذا علم بسوء الولاة عزلهم وولّى غيرهم ممن شهد لهم بالعدل وحسن الخلق.

كل ابن آدم سيد فالرجل سيد في بيته والمرأة سيدة في بيتها (حديث شريف). وفي الآية (ألفيا سيدها لدى الباب) كانت مواصفات العزيز مع زليخا زوجته هي مواصفات السيد الكريم والزوج عندما يكون سيداً يكون: المنفق عليها من فضله، يباشر تعليمها وتربيتها وتنشئتها إذا لم تكن متعلمة فيرفعها إلى مستواه وهذا هو مفهوم التأديب وليس بالضرب، والتجاوز عن أخطائها وهفواتها ما لم تكن ماسّة بالحياء. والخطيئة ماسّة بالحياء كما فعلت زليخا فإذا كنت سيدها وليس بعلها عليك أن تبادر بالعقوبة إنما تبحث فس الأسباب، فالعزيز فكّر بالأمر وأين بدأ سبب الخطيئة ورجّع الأسباب لنفسه لأنه يعلم أن له زوجة شابة وجميلة وليس لها ولد وأحضر إلى بيته شاباً جميلاً كيوسف u وقال لها أكرمي مثواه ولم يزجرها سابقاً من الجلوس مع يوسف فعلم أن السبب كان فراغ كامل وشباب متوهج فقال لها: استغفري لذنبك إنك كنت من الخاكطئين فقط لأنه سيدها وليس بعلها.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:27 PM
منظومة جمّ

جمّ – لمّ – شديد - كثير

ما ورد في القرآن الكريم يتحدث عن أسلوب غير المؤمنين في التعامل مع المال. والمال هو من الأشياء التي تحبها النفس البشرية حباً جماً ولمّاً شديداً لكن الإسلام هذّب هذه النفس المؤمنة. أما غرائز الكافرين فهي باطلة وهم يتعاملون مع المال بغرائزهم فقط كقوله تعالى (وأكلهم السحت) (وأكلهم الربا وقد نهوا عنه). فالمال عند اليهود إله يحبونه حباً جماً وليس لأحد غيرهم حق فيه.

الجمّ: اجتماع الشيء في مكان واحد، تقال للماء جمّ الماء إذا اجتمع في حفرة واحدة بحيث لا يسيل ولا يحق لأحد أن ينتفع به حتى يأسن. ومنه الجمّ الغفير للناس يجتمعون في مكان واحد ، ومنه الاستجمام عندما يتعب الإنسان يذهب إلى مكان ليستجمّ ويرتاح في مكان واحد بلا حركة.

حب المال حباً جماً هو الحب بحيث لا يُنفق في الخير. يجمع المال لأجل الجمع فقط وليس للإنفاق في سبيل الله وهذا الحب ينتج عنه الكنز والبخل والشح والمنع يمنعون الناس حقوقهم ويكنزونه ويبخلون به حتى يصبح شحاً. والله تعالى خاطب الكافرون بهذه الصفات (وتحبون المال حباً جماً)

اللمّ: جمع المال لا تبالي من أي جهة تأخذه من ربا أو اغتصاب أو استيلاء على ثروات او أي طريق باطلة. اللمّ في حالى اكتساب المال من مصادره والمؤمن لا ينبغي له جمع المال إلا من مصادر حلال. وبعد أخذه من مصادر متعددة يُجمع ولا ينفق وهذا ينافي وظيفة المال في الإسلام التي هي من أرقى العبادات. والجمّ واللمّ هي طبيعة جمع المال.

الشديد: (وإنه لحب الخير لشديد) الخير هنا بمعنى المال. والشديد هي صفة الذي يجمع المال وهناك فرق بيم من يجمع المال من حرام أو حلال ومن يجمعه من حلال يتكاسل الإنسان في جميع الأمور إلا في حال جمع المال فتراه شديداً.

التكاثر: التفاضل (ألهكم التكاثر) صاحب المال في الإسلام ليس وجيهاً ومن يوجهه المال فهو منافق والفرق بين الغني والفقير كالفرق بين العالم والجاهل.

(وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم) وهي غير الصدقة فالصدقة قد تكون قليلة لكن الإنفاق للجهاد ونصرة الدين بكل المال كما يجاهد بالنفس كلها في الجهاد. وكما يستعد المؤمن لإعطاء نفسه في سبيل الله يجاهد بكل ماله في سبيل الله ايضاً. والغني الشاكر خير من الفقير الصابر فالغني جمع المال وأنفقه في سبيل الله (مثل سيدنا عثمان الذي أنفق ماله كله في سبيل الله) مصداقاً لقوله تعالى: ويطعمون الطعام على حبه . يحب المال لكن لا يحبه حباً غرائزياً إنما حباً يقربه من طاعة الله ورضوانه بإنفاقه في وجوهه المشروعة. المسلم يعطي ولا يأخذ (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) والمسلم لا يملك المال ولكنه مستخلف عليه لأنه مال الله أساساً. خذ حلال المال ولا تنفق على حرام ولا تبذّر. وفي الحديث الشريف: التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء.

الفرق بين الصدقة والنفقة: الصدقة هي إعطاء جزء من مالك لغيرك قد يكون قليلاً أو كثيراً والقليل يجزئ ويسمى صدقة ولو كان درهما. أما النفقة أو الإنفاق فهو أن يكون المال تحت الطلب متى شاءت لظروف أو احتاجها أحد بذلت في سبيل الله ولذا جعل الله تعالى الجزاء للمنفقين (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله) . والإنفاق في سبيل الله له أعظم الأجر في الآخرة وهو من أعظم العبادات في الدنيا. والإنفاق هو الصفة المشتركة في ثلاثيات المتقين والمحسنين وأهل الليل كما وصفهم القرآن الكريم: (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) وهذا هو الإنفاق، وفي الآية الأخرى: وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم. تدل هنا على حق الزكاة لأن نسبتها من المال معلومة بـ 2.5 %. وكذلك ورد ذكر المنفقين في ثلاثية العادل (ولأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون). فالإسلام دين إنفاق وليس دين صدقة فقط. والمال ليس مال المسلم وإنما هو مال الله استخلف المسلمين عليه. والزهد هو زهد المالكين هو أن تملك المال وتزهد فيه لا أن تكون فقيراً لا تملك شيئاً وتزهد. وقد قيل الكرم شجاعة وقول الحق شجاعة وتربية الأولاد شجاعة.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:28 PM
منظومة جمال

جمال وجميل – حسن – وسامة – زينة - نضارة

الجمال: هو الكمال في عضو واحد من الأعضاء قد يكون الإنسان جميلاً إذا كان أنفه جميل ولا يمنع من وجود القبح في ناحية أخرى. فالجمال عكس القبح.

حُسن: إذا كان كله جميلاً أي كل ما في الإنسان جميل. والدمامة عكس الحُسن لأن الدميم ليس فيه جزء من جمال. (ولله الأسماء الحسنى) لأنها مطلقة عامة ومن صنع الله تعالى.

فالجمال نسبي والحُسن عام مطلق وفي الغالب الحُسن من صنع الخالق سبحانه والجمال من فعل الإنسان (صبر جميل).

زينة: هو كل ما الذي يجعل القبيح جميلاً كأدوات الزينة والمال والبنون زينة الحياة الدنيا، والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة.

وسيم/ وسامة: هو كل أثر في الوجه تركه موسوماً محدداً، من سمة (سيماهم في وجوههم من أثر السجود). وهو شيء فيك تستلذه النفس ويميزك عن غيرك (كخال في الخد أو غمازة أو رموش العين أو شامة أو غيره) والوسمي هو الإخضرار في الأرض بعد المطر.

جميل: الجمال كمال مطلوب وهو نوعان إما كمال لذاته (إنسان جميل فأمتدحه) وإما جمال يستحق الحمد (هجر جميل) ومن هنا جاء الحديث الشريف: إن الله جميل يحب الجمال. من كثرة صفاته التي يجب أن يُحمد عليها مع المدح.

وصفات الحمد هي الجليلة التي يصيب الإنسان منها الخير. والجميل هو الفعل الطيب من غيرك الذي نفعك به وهذا هو الجميل الذي يحبه الله تعالى. ومن صفات الله الجميلة: المنعم، المعطي، الغفار. والأسماء الحسنى بكمالها تعتبر حسناً منقطع النظير لأنها عامة وليست خاصة.

هناك ما يسمى قبح الجمال وجمال القبح: فقد يكون القبح جمالاً والجمال قبحاً. الجمال القبيح هو الجمال الذي يؤدي إلى مفسدة. والجمال المتفرّد هو أرقى أنواع الجمال كما جاء في الحديث: إن في الجمال المتفرد رجل يذكر الله في قلبه في السوق، ذاكر الله بين الغافلين والثابت بين الفارّين.

والغربة جمال ما بعده جمال أن تكون وحدك على الحق والباقي كله على الباطل بل هو حسن شامل كامل مطلق.

والرسول r هو أجمل من على الأرض للأسباب التالية:

1. ورفعنا لك ذكرك: لا يُقبل التوحيد ولا الشهادة إلا بذكر الرسول الكريم r.

2. ما خاطب الله تعالى رسوله إلا بـ (يا أيها النبي، يا أيها الرسول) وما من بشر أقسم الله تعالى به إلا الرسول r (لعمرك أنهم في سكرتهم يعمهون)

3. النهي عن زواج نسائه من بعده، والنهي عن رفع الصوت على صوته.

4. أخذ الله تعالى العهد على كل الأنبياء أن يؤمنوا به إذا أدركوه.

كلمة جميل في القرآن الكريم:

يقال صفح جميل وصبر جميل وهجر جميل. سرحوهن سراحاً جميلاً: المفروض أن يفارق المرء زوجته على حالة رضى ووفاق فقد يكون الخلاف على أمر معين ولكن على الزوجين أن لا ينسوا الفضل بينهم.

الصفح الجميل: صفح بدون عتاب أو منّة.

وكل سلوك المؤمن يجب أن يكون جميلاً.

التوسّم: هي جماليات الأمة. فالأمة أنسابها ثابتة ولا تشرك رحيمة بعدوها، أعراضها طاهرة كما قال تعالى : كنتم خير أمة أخرجت للناس. والتوسم نوع من أنواع الوحي وليس وحياً، كما أوحي إلى أم موسى وهو من نوع الخاطرة. فالله تعالى يعطي بعض عباده قدرة على التوسم في الأشخاص وقد قال الرسول r في الحديث: إتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله.

المال والبنون زينة الحياة الدنيا: الحياة قبيحة بدون مال وبنين فتزينها بالمال والبنين. وقمة الزينة في الحياة الدنيا أن يجتمع للإنسان المال والبنون والمال دائماً يقدّم على البنين. (وأمددناكم بأموال وبنين)

الجمال جزئي في عو ما والحُسن شامل والزينة تزيين ما ليس جميلاً ليكون جميلاً والوسامة أثر من جرح أو غمزة أو شامة أو خال تزيد الجمال جمالاً ويعرف الوسيم بشيء ليس في غيره.

النضارة: هي الجمال المترف عكس الجمال البدوي عينان واسعتان وفيه جفاف البادية وظروف عيشها. والنضارة هي حُسن المترفين (تعلاف في وجوههم نضرة النعيم) ويقال روض نضير بمعنى عشب أخضر مترف. ويقال غض نضير بمعنى غصن مترف أخضر بالكامل. والنضارة تطلق على الجمال عندما يكون فيه بهاء واشراق وهو الجمال المترف.

النضارة عكسها الجفاف، والزينة عكسها التعطيل، والوسامة ليس لها نقيض.

الحِلية: هي من أدوات الزينة والزينة من وسائل الجمال. (أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين).

الجمال نوعان: مادي ومعنوي وهناك جمال قبح وقبح جمال

والجمال نسبي وحتى يكون الجمال متكامل كما عند الرسول r فهو جميل حسن وحسنه لا يعتره النقص من جانب. وله أكمل الجمال والحُسن فهو حسن الخلق وحسن الخُلُق وحسن الأقوال والأفعال. فإذا توفرت كل هذه الصفات يكون الإنسان جميلاً متكامل الجمال وهذا لا ينطبق إلا على الرسول r.

ومن صفات جمال الرسول r:

حسن الخلق:

لا عيب فيه كامل متكامل (اعتدال الصورة والأعضاء).

السكينة الباعثة على هيبته تبعث على طاعته والإقبال عليه.

حسن القبول الجالب للقلوب فتميل القلوب إليه حتى أعداؤه لم يقدروا عليه فكان مقبولاً لدى الجميع.هذا يؤدي إلى أن الجميع من حوله يتفانون في خدمته حتى في أشد الظروف وأشد الساعات عسراً.

حُسن الخُلُقوإنك لعلى خلق عظيم) أكبر تأكيد على حسن خُلق الرسول r وعناصر كونه على خلق عظيم:

رجاحة عقله لا يُستغفل ولا يُزدرى به ولا يقول كلاماً غير لائق.

ثباته في الشدائد وصبره الثابت فلم يعرف الخوف قلبه.

زهده في الدنيا والزهد هو زهد من يملك الدنيا.

تواضعه للناس مع أنه سيدهم وإمامهم.

الحلم والوقار ما غضب النبي لنفسه أبداً إلا أن تنتهك حرمة الله.

قوة قلبه في الحروب، منتهى القوة مع منتهى الرقّة.

حفظه للعهود والوفاء بها.

صدق الحديث الذي كان يوجد في وجهه نضارة

أوتي جوامع الكلم.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:29 PM
منظومة الجنّ

الجنّ – الأبالسة – العفاريت - الشياطين

الجنً عامة هو الستر ولذلك سُمّي الجنين جنيناً.

الجنّ: مقابل الإنس وهو أقوام لا يُرون بالحواس والجان هو أبو الجنّ كما أن آدم هو أبو الإنس.والكلمات جني، عفريت، ابليس، شيطان كلها من مرادفات جنيّ ولكل واحدة منها معنى خاص بها.

ابليس: إسم لشيطان واحد أو جنّي واحد، وكان إسمه عزازيل أطلق عليه اسم ابليس عندما طُرد من الجنة بعدما عصى الله تعالى بعدم السجود لآدم واعترض على أمر الله تعالى. والإبلاس لغة هو اليأس التّام. ويقال مبلسون أي آيسون من رحمة الله تعالى يأساً كاملاً. ()

شيطان: الشيطان من شطن أو شيط أي احترق من الغضب.

وشيطان بمعنى من ابتعد عن الحق ابتعاداً لا عودة فيه من شطن. أو من احترق من الغضب عندما يرى المؤمنين يعبدون الله تعالى شيطان صفة تطلق على كل ذي صفة ذميمة للإنسان أو الجنّ حتى لو كان حيواناً.

عفريت: هم أبطال الجنّ. كل من بلغ القمّة والإبداع في عمله يسمى عفريتاً عند الجن. كما نسمي الأبطال عند الإنس. ولهذا جاء في قصة داوود (قال عفريت من الجنّ أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك ) العفريت يأتي بقدرات هائلة ليست بمعجزة كما فعل الذي عنده علم من الكتاب في القصة نفسها (الذي عنده علم من الكتاب استخدم ما يعرف في عصرنا الحالي بالإنتقال الضوئي).

شيطان مارد: الذي ينفلت عن نظامه ويكون في عصيانه رأساً (وحفظاً من كل شيطان مارد) يطلع للسماء مرة أو مرتين متجاوزاً للتوعد فبعث الله تعالى له شهباً يحرقه. وإذا طغى الجنّ يسمى مارداً مثل الطاغية عند الإنس.

شيطان مريد: هو الشيطان المستمر في العصيان (ويتبع كل شيطان مريد) وهو الذي يتلبس الإنسان لأن همّه إفساد البشر.

شيطان رجيم: هو اشيطان المطرود عن الخيرات ومنازل الملأ الأعلى (فاخرج منها فإنك رجيم) (وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ) (الحجر:17)

الجنّ: اختلف المفسرون في معناها وقيل أن كل العوالم المستترة تسمى جنّاً حتى الملائكة. وكل ملك جنّي وليس كل جنّي ملك. والنورانيون ملائكة والأشرار شياطين وبينهما الجنّ كما قال الراغب (وإن منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا) كما يقابل الإنس المقربون وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال.

الجِنّة: هم جماعة الجنّ (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) سورة الصافّات آية 158. أو من يصاب بالجنون من تأثير الجِنّ (أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ) سورة سبأ آية 8 . (وقالوا معلّم مجنون) و(لشاعر مجنون) تدل على إصابة الجنّ له.

الشياطين عموماً لها عدة وظائف، والجن يوسوس في الصدور والقلوب وقد ثبت علمياً وطبياً أن للقلب دماغه كما أن للرأس دماغه فالقلب ليس عضلة فقط تضخ الدم إنما له دماغه وله تناسق مع الدماغ في الرأس.

الجِنّ: تعاملهم مع الإنس ممكن جداً برغم أنهما من أصلين مختلفين. خلق الله تعالى الجن من نار عندما كانت الأرض كرة ملتهبة فعاشوا فيها ثم لمًا بردت الأرض خلق الله تعالى آدم.

خلق الله تعالى الجن وسخّرهم لخدمة الإنس والتلبس دليل على ضعف البشر فإذا كان الإنس قوياً وسخّر الجنً له يضعف الجن وينقاد ويخدم الإنس خدمة تامة. فإذا ضعف الإنس قوي الجنّ وأخذ يتلاعب به كما يشاء. فالخوف إذا تمكن من الإنسان صعب أن يزول إلا بالإستعاذة ولذا قدّم الله تعالى الخوف على الجوع في الآية: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص في الأموال والأنفس والثمرات). والجن هو مخلوق موجي يستطيع أن يتحرك كيفما شاء وأينما شاء ولا يحول بينه وبين الإنسان جدار أو حائط أو سد أو غيره. (يا معشر الجنّ الإنس أن استطعتم أن تنفذوا في أقطار السموات والأرض لا تنفذون إلا بسلطان) والسلطان هو غاية القدرة والنفوذ. يدعونا الله تعالى في القرآن إلى اقتحام الجن ونهانا عن الإستعاذة بهم لأنهم ضعفاء أمام الإنسان القوي.

الشياطين هم أشرار الجنّ والكافرون منهم. مهمة الكافرون من الشياطين إكمال مهمة ابليس، فمنهم الذين بفسدون عقيدة الإنس (وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم) والمهمة الثانية هي للذنوب كالخمر والميسر والفرار عند الحرب والتبذير. فالشياطين يوسوسون (وسوسة) ويُضلون (إضلال) ويُغوون (إغواء).

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:29 PM
منظومة جنح

جنح – مال – زاغ – زيغ - جنف – حنف – راغ – عَدَلَ – زلّ - لحد- نَكَبَ

منظومة جنح هذه تشمل كل أنواع الميل وهذه المنظومة كلها صغائر تدلّ على أن الفعل المحرّم لم يُرتكب.

الميل: العدول عن الوسط لأحد الجانبين والميل أنواع ميل عن الحق وميل في الحكم (ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة)

جنح: في الغالب هو بداية الميل وليس ميلاً كاملاً. (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) بمعنى إن أبدوا استعداداً لأ للميل، وهذه الآية تؤكد على قدسية السلام في الدين فبمجرد أن يجنحوا للسلام فعلينا أن نميل مثلهم. السلام في الإسلام فرض ما دام العدو يريد أن يسالم وأعلن نيّته في ذلك.

(ليس عليكم جناح فيما عرّضتم به من خطبة النساء) أي ليس عليكم إثم ولو كان قليلاً.

زاغ: هو الميل من الصواب إلى الخطأ. (من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم).

الزيغ: هو النقص (وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر) نقص في الصواب وزاغ الميزان بمعنى نقص.

جنف: خاص بالحكم عندما يكون قاضياً أو حاكماً ويميل ميلاً خفيفاً عن الحق وليس هو الحكم بالظلم (ومن خاف من موص جنفاً). والجنف ليس إثماً أنما هو ميل خفيف كأن يميل قلب الأب للذكور عن الإناث أو الميل في خصومة.

حنف: ميل من الباطل إلى الحق ومن الخطأ إلى الصواب (حنيفاً مسلماً). وحنفاء بمعنى لا يوجد لديهم أي ميل للشرك أو الخطأ وهو عكس الزيغ.

راغ: ميل لكن باحتيال وهو ميل خفيّ مموّه (فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون) (فراغ عليهم ضرباً باليمين) (فراغ إلى أهله) من باب اللياقة إكرام الضيف أن يميل المضيف إلى أهله بطريقة خفيّة حتى يهيأ الطعام لضيفه. ومنها راوغ والمراوغة.

عَدَلَ: كل ما تفعل شيء تغيّر عنه. عدل شيء مقابل شيء وعدل بمعنى مال مع اعترافه بأن ميله ليس صحيحاً (أمن خلق السموات والأرض... قوم يعدلون) يعدلون بمعنى الإيمان مستو في قلوبهم لكن لا يعلنونه لخوفهم. والعدل غير العدول يقال عدل عدلاً وعدل عدولاً وهو الميل عن الشيء وهو يريد أن يفعله لو أُتيح له ذلك.

زلّ: ميل مرغم عليه ولا يقصده كما يقال في زلّة اللسان أو زلّة القدم. ويقال في الميل عن الصواب بشكل قاهر كاستعجال أو سوء فهم (فإن زللتم من بعد ما أراكم ما تحبون) (فأزلهم الشيطان).

لحد: هو الميل إلى كتمان الحق. والملحد هو الذي مال إلى كتمان التوحيد وهو يعلم أن الله واحد. (يلحدون)

ألحد: الميل إلى كتمان الحق وهو أخطر أنواع الميل.

وأضيف هذه الكلمات التي قد تدخل في هذه المنظومة والله أعلم وهي كلمة نكب وكلمة جائر (ومنها جائر) بمعنى مائل عن الحق.

نكب: تعني مال أيضاً كما في قوله تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ) سورة المؤمنون آية 74.

كل منظومة الميل هذه تتحدث عن بدايات الميل. ومراتب الشعور تدرج من الإدراك إلى الوجدان إلى النزوع فالشروع ثم بداية الميل فالاستحواذ وهو الذي يعاقب الله تعالى عليه. كل فعل محرّم لا يُحاسب عليه الإنسان إلا عند النزوع فيه إلا العلاقة بالمرأة تبدأ المحاسبة عليها من ساعة الوجدان.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:30 PM
منظومة جنى

جنى – حصد – خضد - قطف

كل هذه المفردات جاءت في القرآن الكريم للتحصيل الزراعي. ولكل منها معنى يختلف عن الآخر.

جنى: تستعمل للفواكه الموسمية(وجنى الحنتين دان).

حصد: عندما يكون الزرع يابساً وتستعمل كلمة حصاد للخير وحصيد للشر (حصيداً خامدين)

خضد: عندما يقطع الزرع وهو أخضر رطب (في سدر مخضود)

قطف: كل ما حلو المذاق والمنظر يقال قطف العنب والعسل. (قطوفها دانية).

وكل هذه المصطلحات استعملت في القرآن في الجنة وما فيها من زرع وثمار.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:30 PM
منظومة جهر

جهر – أعلن – أظهر – أذّن – أفاض

هذه منظومة الإعلام العلني وهي مقسمة إلى ثلاث مجموعات:

- بدا – برز – بزغ – طلع

- بث – أذاع – نشر – بسط – أشاع

- جهر – أعلن – أظهر – أفاض فيه – أذّن.

جهر: أظهر الشيء بقة وشدة وليس كرفع الصوت وهي مأخوذة من الجهراء أو التربة الصلبة والمكان المرتفع الصخري. وكل صوت قوي وغليظ وشديد يسمى جهراً. (ولا تجهر بصلاتك) (ولا تجهروا له بالقول) (لا يحب الله الجهر بالسوء إلا من ظلم). والجهر تستعمل لحاسة السمع والبصر (أرنا الله جهرة) أي أمام العالم بدون حجاب، و الجهر بالسوء من القول بمعنى أن يسمع كل الناس ولذا لم تأتي الآية بكلمة التكلم بالسوء وإنما استعملت كلمة الجهر لأن هذا لا يقدر عليه الإنسان فقد يشتم الرجل زوجته لكن لا يسمعه أحد فالمكروه في الآية الذي يجهر بالسوء من القول أو الفعل بحيث يسمعه كثير من الناس. وفي الحديث الشرف: لعن الله المجاهرين. والجهر هو أن تتعمد إعلان الفاحشة والرذيلة والجريمة والفجور في كل مجلس.

(واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال) ففي عبادة الله الأحرى عدم الجهر والخشوع والخشية وفي حالة الدعوة إلى الله فالجهر أولى وهو مستحب لأنه من أفضل العبادات

أعلن: إعلان عن شيء كان سرّاً. (وإني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا) سورة نوح

أظهر: إظهار ما كان مخفياً لا يعرفه إلا قلة من الناس (ليظهره على الدين كله). أظهره الله تعالى بعد أن كان متوارياً. والإظهار إعلان مع انتصار.

أفاض فيه: أن تتكلم بكلام أكثر مما ينبغي وتضيف أشياء غير صحيحة (إذ تفيضون فيه) تكلموا كلاماً كثيراً غير الذي حصل مثل الفيضان.

أذّن وآذن: إعلان بالنداء ايها القوم أو أيها الناس. (وأذنّ في الناس بالحج يأتوك رجالا) (ثم أذّن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون)

زأضيف هذه الكلمات التي قد تدخل والله أعلم في هذه المنظومة وهي إصدع (واصدع بما تؤمر)

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:31 PM
منظومة جاوز

جاوز – عبر – قطع – سبق - سارع

عبر: هو المرور أفقياً أو عرضياً كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) أي مثلاً يكون الماء خلف المسجد والشخص عابر السبيل لا يمر إلا عبر المسجد فيسمح له بالمرور ليصل إلى الماء) وفي هذه الآية قوله تعالى (لا تقربوا) تعني أن المنهي عنه مقدس فالشدة هنا نجاسة الخمورة. وكذلك قوله لا تقربوا مال اليتيم ولا تقربوا الزنى أي لا تقربوا حتى مقدمات الفعل لا الفعل فقط.

جاوز: المرور طولياً (الوسطية تخلّف الطريق وراءك) (فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً) (الكهف:62) (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) (الاحقاف:16) (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس:90) (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (لأعراف:138) نسبها الله تعالى لنفسه لأن موسى عليه السلام كان قد قال (كلا إن معي ربي سيهدين) وهذه آية من آيات الله في كونه فهم سبحانه يعامل العباد بما يفعلوه الآن بغض النظر عمّا فعلوه سابقاً او ما سيفعلونه لاحقاً وهذا من رحمته بهم سبحانه. ولذا جاءت الآية وجاوزنا ببني إسرائيل البحر مع علمه أنهم سيرتدوا كافرين من بعد أن ينجيهم الله من الغرق ومن فرعون وقومه، ولذا لم يعاتبهم الله بعد هذا في السورة. أما في الآية الأخرى (فاقتلوا أنفسكم) عاتبهم الله تعالى لما نهاهم موسى عن اتخاذهم العجل كان مرجعيتهم العليا الشرعية فأطاعوه عندما أنّبهم على طلبهم بأن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة. أما في المرة الثانية فقد كان موسى في ميقاته مع ربه فلم يكن لبني إسرائيل مرجعية شرعية ولهذا اتخذوا عجلاً جسداً له خوار.

قطع: تعني الوقت المستغرق لعبور الطريق. يقال قطعت الطريق في بضع ساعات أو عصراً. (أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (العنكبوت:29) قطع السبيل هنا يؤدي إلى انقطاع الناس عن السير والسفر من حيث الزمن والكيف. وقطع الطريق يستغرق وقتاً مجهولاً وفي الغالب يكون ليلاً.

سبق: استباق وتعني السرعة لاكتساب الفضل كل يريد أن يصل أولاً. وكل من سبق الآخر يُمدح (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد:21) (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) (الواقعة:10) (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) (المؤمنون:61) (لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يّـس:40)

سارع: السباق من المسارعة والسباق من أشد أنواع السرعة. فالمسارعة هي السبق من حيث السرعة. (وسارعوا إلى مفغرة من ربكم) (يسارعون في الخيرات)

وأضيف هذه الكلمات التي قد تدخل في هذه المنظومة وهي والله أعلم: مرّ ومرور

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:31 PM
منظومة الجبت

جبت – طاغوت – رذل - زنيم - سفيه

الجبت والطاغوت في القرآن الكريم هما صفتنا مذمومتان ومذموم من يوصف بهما. وفي القرآن الكريم نوعان من الكلمات المذمومة: مجموعة كلمات الظلم خسيسة: (الجبت الطاغوت، الرذل، السفيه) ومجموعة مذمومة ولكنها لا تعتبر خسيسة إنما فيها استعلاء: (عُتل، ظالم، متكبر، جبّار).

الجبت: كل شيء يُعبد من دون الله من صنم أو راهب أو شمس أو قمر أو إنساناً كفرعون. (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً) (النساء:50)

الطاغوت: هو كل من هو رأس ضلالة وكل من ليس له قيمة في مكانه مثل الساحر. الطاغية من حيث فعله والطاغوت من فعل طغو (الناس جعلوه طاغوتا) مثل فرعون لو لم يدّعي الألوهية لكان طاغية. (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا) سورة النساء آية 60. (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) سورة النحل آية 36

الرذل: جمعه أراذل بمعنى النفاية. كل نفاية رذالة والرذل من الناس هو الدون والذي يُعتبر نفايتهم ويحتقره الجميع. وفي الحديث: ما استرذل الله عبداً إلا حصر عنه العلم والأدب. (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) (الشعراء:111) (فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ) سورة نوح آية 27

الزنيم: ملحق بالقوم وليس منهم أي رجل بلا أصل ألحق نفسه بقوم. (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ) (القلم:13)

السفيه: نوعان: سفيه بالفعل وهو الذي لا يحسن التجارة وتصريف الأموال وقد ورد ذكره في القرآن مع التبذير وهو سفيه الدنيا. وسفيه القول وهو سفيه الآخرة لأنه سفيه القول والفكر. (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً) (الجـن:4) (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَع++++*وفاً) (النساء:5)

وكل هذه الصفات التي ذكرناها لا تكون إلا لكافر.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:32 PM
منظومة جبّار

جبّار – قاهر – متكبّر – عالي – مجرم- عتلّ –عاتي - طاغية

كلمة جبّار وأخواتها في القرآن الكريم كلها تدل على الظلم والإستعلاء مع القوة.

جبّار: هو الذي يُجبر نقصه بإجبار الآخرين على أن يكونوا مثله وهو إنسان ناقص ونتيجة ظروف معينة صار مسلّطاً على أناس كرام شرفاء فأذلهم. أن تكون جباراً يعني أن تحمل الغير على أن يفعل أو لا يفعل لتسدّ نقصاً فيك. في صفة العبد تعني إنسان ناقص لا يملك مؤهلات يتسلط بقوته فيبدأ يظلم الآخرين ويحملهم على فعل أو عدم فعل أشياء وفق أهواءه هو (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (ابراهيم:15). أما في صفة الله تعالى فالجبار هو الذي يجبر نقص العبد فيعفو عن المذنب ويشفي المريض وغيره (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) سورة الحشر، آية 23.

قاهر: يضاف إلى صفات الجبار صفة واحدة وهي الإذلال أي يتعمد إذلال الشرفاء الكرماء الذين يشعر بالنقص أمامهم فهو يجمع لهم الإرغام مع الإذلال (وأما اليتيم فلا تقهر) سورة الضحى، ولذا جاء في الحديث: "وأعوذ بك من قهر الرجال". أما في صفة الله تعالى فقد قهر عباده بالموت والبعث. (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (الأنعام:18)

متكبر: نفس صفات جبار وقاهر ويضاف إليها الإعجاب بالنفس والزهوّ والتغني بالنفس. أما في حق الله تعالى فهو استحالة أن ينقاد لغيره سبحانه. (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ) (غافر:27)

متعالي / عالي: العالي هو الذي يُعجب بنفسه ويحتقر غيره في الوقت نفسه. (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً عَالِينَ) (المؤمنون:46)

المجرم: هو الذي يفتك بغيره بحيلة بمعنى قد يزيّن لغيره أنه صديق ثم يغدر بهم فهو إذن الذي يسبب الأذى لغيره بحيلة. وهناك فرق بين مجرم وجاني فالمجرم هو الذي يسبب الأذى بحيلة أما الجاني فهو الذي يسبب الأذى لكن بدون حيلة. (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (الأنعام:123) (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَأِهِ بِآياتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ) (يونس:75)

عتُل: كل ما مضى من الصفات ويضاف إليها أنه يستطيع أن يستحوذ على غيره استحواذاً كاملاً تاماً بحيث لا يفلتون منه. (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ) (القلم:13)

عاتي: من العتو وهي كل الصفات السابقة بالإضافة إلى كونه لا يُرجى صلاحه (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا) سورة الفرقان، آية 21 (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا) سورة مريم، آية 8 (عتيا هنا بمعنى لا صلاح فيه)

طاغية: كل ما مضى ويضاف إليها أنه برفض أي منطق حق أو برهان (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) سورة طه، آية 43

وأضيف كلمة أشِر التي قد تدخل في هذه المنظومة والله أعلم (سيعلمون غداً من الكذّاب الأشر)

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 02:32 PM
منظومة جثّ

جثّ (اجتثّ) – قطع – قلع – نزع - صرم

كل كلمات هذه المنظومة تعني القطع والقلع عموماً لكن لكل منها معنى منفرداً بها لا يكون لغيرها من الكلمات.

اجتث: الجث يقال عندما تكون الشجرة بالية واهية والجذور واهنة فلم يعد لها قيمة بل المطلوب التخلص منها. ولهذا كلمة الكفر تافهة مهما كانت جذورها عيمقة لكنها واهنة والإجتثاث يكون من الجذور. أما الإسلام فهو كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ) (ابراهيم:26)

والإجتثاث من الجثة بمعنى الجسد بلا روح. قلعت من فوق الأرض لأن جذورها واهنة تُقتلع بلا مشقة. والإجتثاث عموماً هو قطع الشيء الواهن من الجذر الواهن.

القلع: يقال للشجرة المثمرة الحيّة لنقلها إلى مكان آخر. وقوله تعالى يا سماء أقلعي بمعنى نقل المطر إلى مكان آخر. (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَم++++* وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (هود:44)

أما الإقلاع: ترك الشيء لانشغاله بشيء آخر. أما الترك فهو ترك الشيء لزهده فيه أو فشله فيه او لرداءته.

قطع: نزع جذع الشجرة من فوق الجذور بحيث يبقى الجذر في الأرض. والقطع يُعدّ تخريباً. (لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ) الواقعة آية 33. (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخ++++*جْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) سورة يوسف، آية 31

النزع: يقال لشيء تلبّس بغيره مثل شجرة ملتفّة الأغصان التفّت تماماً على شجرة أخرى. ولهذا استعملت كلمة النزع مع الملك في القرآن الكريم (تنزع الملك ممن تشاء) لأن المالك حريص على ملكه حرصاً شديداً. وفي قوله (والنازعات غرقاً) لأن الكافر متمسك بحياته الدنيا وعند خروج روحه تُنزع نزعاً لحرصه عليها. وفي قصة موسى u (ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) المعجزة هي سحب يده بصعوبة من جيبه.

الصرم: قطع الثمر فقط. (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) (القلم:17)

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 04:54 PM
منظومة جثا

جثا – جثم – قعد – جلس – اتكأ – استند – خلد - استوى

جثا: الجلوس على الركبة ولا يكون إلا من خوف أو تضرع أو تذلل. قد يكون الجثو في النار (ونذر الظالمين فيها جثيا) أو في ساعة المحشر في ساعة الحشر يؤتى بالنار فما من أحد يراها إلا يجثو على ركبتيه من الخوف. حتى الصالحون حينما يرون هول المحشر يجثون على الركب في ساعة الحساب (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) سورة الجاثية، آية 28. أو من شدة الخوف يجثو الإنسان على ركبتيه. (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً) (مريم:68)

جثم: الجاثم يأخذ هيئة الجلوس ولكنه ثقيل جداً فيبدو كأنه التصق بالأرض. شديد الثقل الذي وقع قفاه أو استه على الأرض فلا يقوم لضخامته جثته. ولذا يقال جثمان لأنه صار ثقيلاً جداً. (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (لأعراف:78)

جلس: إذا كان الشخص واقفاً فجلس وعكسها وقف. وهي حركة يومية كل واقف يجلس فيجلس للحكم والقضاء والعلم والراحة من وقوف طويل.

قعد: عكسها قام وهو ليس حركة يومية لكنها تدل على هيئة وعمل معين. القيّم والقائم والقوام وعكسه المتخاذل والبليد. (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً) (الجـن:9) (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة:90) والمتخلف عن الخير يقال له قاعد (وقعد الذين كذبوا الله ورسوله) (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين). والقعود من التخاذل وليس للراحة (وقيل اقعدوا مع القاعدين). ويقال قام فلان للشيء إذا صار راعياً لشؤونه (يذكرون الله قياماً وقعوداً) (أي في حالتي الإنهماك بالعمل والراحة) أي في حال النشاط والعزم والجد كالمجاهد والتاجر وفي حال الراحة أو التعب والكسل والمرض والنعس. فالقيام ليس وقوفاً لكنه أن تكون مشغولاً ومنهمكاً في عمل هام مثل قيام الليل فلم يقل وقوف الليل. مثال أن يقال أناس قاموا بالحرب وآخرين قعدوا عن الجهاد.

اتكأ: الإتكاء يكون للراحة والترف والسعادة ودليل الأبهة والرفعة والراحة (متكئين على فرش بطائنها من استبرق) (هم وأزواجهم على الأرائك متكئين) (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً) (الانسان:13)

استند: تقال في حال الضعف بمعنى يسند حتى لا يقع (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المنافقون:4). والإتكاء والإستناد جلسة. والمهموم لا يتكيء إنما يجثوعلى ركبتيه.

استوى: جلس متمكناً مع سيطرة كاملة (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك). استوى على العرش: الإستواء لله تعالى تأتي بمعنى استولى لأنه سبحانه ليس كمثله شيء وليس فعله كفعل أي من البشر. (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً) (الفرقان:59) (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه:5)

وأضيف كلمتي اثّاقل وثبّط إلى هذه المنظومة والله أعلم.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 04:55 PM
منظومة جحد

جحود –كنود - كفران – نكران - خداع

كل هذه الكلمات تدخل في منظومة الإنكار.

جحد (الجحود): هو كل ما تنكره بلسانك ولكن القلب يثبّته (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (هود:59)

الكنود: هو الإنكار بالقلب واللسان (إن الإنسان لربه لكنود) مثل قوم فرعون والشيوعيين والوثنيين وكل من ينكر وجود الخالق ونعمه والأديان. ويقال في اللغة أرض كندة أي أنها لا تصلح للزراعة مطلقاً، وأرض نكدة أي صالحة للزراعة ولكن لا يخرج زرعها إلا نكدا أي بصعوبة ومشقة.

النكران: هو الإقرار بالشيء أولاً ثم إنكاره لاحقاً. (أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون) (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ) (غافر:81) (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ) (الرعد:36)

الكفران: الكفر والكفران يقال كفر للدين والكفران للنعمة. وهو يعني الإعتراف بالشيء مع التقليل من أهميته. وكفران النعمة هو إهمال قيمتها وعدم شكرها فكل من لا يشكر النعمة فهو كفران (فلا كفران لسعيه) (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُف++++*هُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُف++++*هُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُف++++*هُمْ إِلَّا خَسَاراً) (فاطر:39) ومثل الزوجة إن غضبت من زوجها لأمر ما تنسى فضله ونعمه وهو ما يسمى بكفران العشير.

الخُداع: هو التظاهر بقبول النعمة ولكن في الباطن مختلف وتفعل ضده، أي إظهار غير ما يبطن. الباطن غير الظاهر مما يشوّه وجه الحياة الناصعة ويثير الخلاف. والخداع كفر وزيادة وهو صفة المنافقين (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (البقرة:9). وهو أخطر أنواع النكران فالجحود والنكران والكفران معدود أما الخداع فكثير (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) وقد يكون من السهل خداع الناس ممن لا يعرفون ألاعيب المخادع أما أن يخدع الله تعالى وهو أعلم بالسرائر فهذا أمر عظيم.كالمنافق يقوم للصىة إذا كان الناس ينظرون إليه لذا جاءت الآية (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) وهؤلاء المنافقون لم يعاقبهم الله تعالى ظاهراً في الحياة الدنيا لأنهم يقومون بما يتماشى مع الدين فأجرى الله تعالى عليهم أحكام الإسلام وعصم دماءهم لأنهم قالوا بلسانهم كلمة الإيمان والإسلام ولكن في الآخرة قد أعد الله تعالى لهم جهنم وساءت مصيرا (في الدرك الأسفل من النار). "بين يدي الساعة سنون خدّاعة يصدق فيها الكافر ويكذب فيها الصادق يخوّن فيها الأمين ويؤمّن الخائن.." حديث شريف. يقال خداع الضبّ أي لا يدخل الغار إذا كان فيه عقرب.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 04:55 PM
منظومة جدث

جدث – قبر - لحد

هذه الكلمات هي مرادفات كلمة القبر ومنها أيضاً: لحي – ريم – رمس ولكنها لم ترد في القرآن الكريم.

القبر: هو بيت الجثة باعتبار عمقه وكل شيء يدفن دفناً عميقاً يسمى قبراً. (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) (عبس:21)

الجدث: هو القبر الذي صار عمقه ذاهباً بفعل الزمن. (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) (يّـس:51)

اللحد: هو الجزء من القبر الذي توضع فيه الجثة كونه مائلاً. والإلحاد هو الميل من مال عن التوحيد فهو ملحد. فالقبر عميق والجزء المائل منه هو اللحد. وتقال كلمة الضريح عندما يكون اللحد في الوسط.

القبر بكل أسمائه لفظ يجد وقعاً قوياً ومخيفاً في النفس البشرية ولا يمكن أن يكون محبوباً إلا من عرف فلسفة الموت وحقيقته. والقبر قبران:

قبر دنيوي: وهو مقر الجسد الفاني الطيني الذي سوف يفنى، عند الموت تنتهي العلاقة بالجسد ويصبح الجسد غير صالح لبقاء الروح فيه فتفارقه وينتهي دوره ثم يدفن ويتحلل ويعود إلى عناصره الأولى (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) (ألهكم التكاثر حتى زرتم المقابر). وهناك فرق بين فعل قبر وأقبر: قبر تعني إذا وضعت الجثة بيدك أنت، أما أقبر تأتي بمعنى أن تهيأ له قبراً بقدرة الله المطلقة وبفعله (ثم أماته فأقبره). العبد يقبِر والله تعالى أقبر والإقبار هو من فعل الله تعالى ولا يستطيعه البشر، الله تعالى أقبر روحه فالروح خالدة فالروح موجودة قبل خلق البدن وبعد فناء البدن تسكن في الجسد الأثيري.وكل الناس خُلقوا بأرواحهم يوم خلق آدم مصداقاً لقوله تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى). الروح الخالدة تبقى في مكانها الذي أعدّه الله تعالى لها والموت يكون للنفس البشرية وليس للروح وبعد فناء الجسد تحل الروح في الجسد الأثيري وهو الذي رآه الرسول r في ليلة الإسراء والمعراج كما في الحديث عن البخاري: أن الرسول r رأى كل ذرية آدم في الإسراء والمعراج.

قبر برزخي: قال رجل من الأحبار للرسول r: يا محمد أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض قال r: في الظلمة دون الجسر فقال أشهد أنك رسول الله. والصراط هو مركز الكون والأرواح تصعد من مكانها في قبرها البرزخي. والعذاب يكون في القبر البرزخي أي في القبر الذي أقبره الله تعالى فيه. وقال ابن حزم أن مستقر الأرواح بعد الموت هو نفس مستقرها قبل خلق آدم u.

ومن العبادات التي يجب القيام بها من مات له ميت: غسل الميت وحفر القبر كما جاء في الحديث الشريف عن جابر: من غسّل ميتاً فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة ومن كفّن ميتاً كساه الله من سندس الجنة. وعن أبي ذر قال رسول الله r : زرورا القبور تذكروا بها الآخرة. والأحاديث في فضل تتبع الجنازة عديدة لما فيه من الأجر والثواب. ونهانا الرسول r عن الجلوس على القبور.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 04:56 PM
منظومة جدار

جدار – حائط – سور – سد - ردم – برزخ – حاجز – حجاب

جدار: باعتبار ارتفاعه ويقال جدرت الجدار أي رفعته. والجدار يُحسن الإختباء خلفه لارتفاعه. (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) (الكهف:77) والذي يكنز كنزاً لأحفاده لا بد أن يخبئه تحت جدار قوي مرتفع لكن مع السنين كاد أن يهوي هذا الجدا فأقامه الخضر والقصة تشير إلى أن الله تعالى يُكرم الأبناء بصلاح الآباء والأجداد. وقال تعالى ( لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14) الحشر) وفي عصرنا الحالي تعتبر الدبابة كأنها قرى محصنة فعلينا أن تقاتل أعداءنا بأسلوب يتماشى مع أسلوبهم بما يبطل جدرهم وأساليبهم المحصّنة أو على الأقل يجتمع المسلمون عندما يتفرّق الأعداء لأن قلوبهم متفرّقة متنافرة.

حائط: هو الجدار حول أشخاص أو حول مجموعة من البيوت كما في قوله تعالى (أحطت بما لم تُحط به) وقوله تعالى(أحاط بهم سرادقها) بمعنى أن النار يوم القيامة متحركة وتؤتى بحبال وعليها عجل هذه النار الخاصة بالكافرين وهي تحيط بالكافرين بحيث لا يخرج الكفار إلا من باب معدّ والله تعالى لا يحيط العبد بالذنب إلا بالشرك، ولكن هناك ما هو قريب من الإحاطة بحيث أن الخلود نوعان: خلود عادي وخلود أبدي الذي هو عادة في حق الظالم المتجبر الطاغية الذي قد يصل بظلمه هذا إلى حد النفاق أو الشرك. (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين). ونار المؤمن العاصي غير نار الكافر وقد يدخل هذا العاصي النار إذا بلغ به الفجور حداً ربما يصل به إلى حد الذنب الذي يحيط به لأنه يكون قد تعوّد عليه واستولت عليه ذنوبه والخطايا بحيث لم يتمكن من التوبة فيموت على ما هو عليه من فجور وربما أصبح من المنافقين. والله تعالى يتكلم في القرآن عن التوبة بحيث لم يترك مذنباً إلا وشرع له التوبة (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله) والفعل هو جزء من العمل فالفعل واحد والعمل مجموع فيقال يعمل نجّاراً والفعل يكون نجار أبواب مثلاً أو الأسرّة أو غيرها وقال تعالى (وفعلت فعلتك التي فعلت) فعلها مرة واحدة ولو قال عملتها لأفادت أنه عملها أكثر من مرة. لأن التوبة لله على الذين يعملون السيئات ثم يتوبون من قريب أما الذي لا يتوب من قريب وينتظر إلى أن يأتيه الموت فقد يدخل مع الذين قال فيهم تعالى (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته). وكما قلنا نار المؤمن خارج جهنم والله أعلم.

سور: إذا كان الجدار محيطاً بمدينة أو قرية أو قطر كامل كسور الصين يسمى سوراً. (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) (الحديد:13) السور في هذه الآية هو حائط بين الجنة والنار يمنع وصول أهل الجنة إلى الكافرين، ويبدو من نسق الآيات أن النار والجنة متداخلان ومن الصعب على العقل أن يدركها. وقوانين يوم القيامة على الصراط أن الأصل هو الظلمة ثم يأتي كل عبد ومعه من النور ما يناسب عمله في الدنيا ولهذا يقول الكفار للمؤمنين انظرونا نقتبس من نوركم لأنه ليس لهم نور ومن المؤمنين من يكون نوره كبيراً وأدناهم من يكون نوره على إبهام رجله يوقد مرة ويطفأ مرة ونور الآخرة يتميز بأنه لا يراه إلا صاحبه فقط. وهناك من الأعمال في الدنيا ما يضاعف هذا النور في الآخرة ومنها صلاة الليل، المشي إلى المساجد في المغرب والعشاء والصبح، قراءة سورة الكهف ليلة الجمعة ويوم الجمعة، قراءة سورة الدخان، الشيب في الإسلام، الدم في سبيل الله، الصدقة والإنفاق وقراءة القرآن والتوحيد. وشعار الرسول عليه الصلاة والسلام على الصراط اللهم سلّم سلّم..

الباب والسد والردم: الباب يُفتح ويُغلق، السد لا يُفتح أبداً والردم لا يهدم أبداً لمتانته وهذه الكلمات الثلاثة تعني كل إغلاق لفجوة.

السدّ والسُد: السدّ من صنع البشر وكل شيء يفتح ويغلق يسمى باباً والذي لا يفتح أبداً يسمى سداً وعليه يجب قول غلق الذريعة وليس سد الذريعة لأنه مثل قانون الطوارىء بعض الأحيان ولضرورة ما يحلل بعض الأمور ثم تعاد إلى أصلها والعكس صحيح. والسُد هو المخلوق طبيعياً بصنع الله تعالى. (وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً) سورة يس هذا سد معنوي جعله الله تعالى بينهم وبين الرسول حتى لا يروه. وجاء في سورة الكهف قوله تعالى (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94))

ردم: جدار لا يُهدم لقوته (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) (الكهف:95) ولهذا قال بعدها (فإذا جاء وعد ربي جعله دكّاء) أي أن هذا السد لا يُهدم إلا بأمر الله تعالى.

لبرزخ: هو الحاجز غير المنظور بين أمرين متناقضين. (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ) (الرحمن:20) يفصل بين الماء العذب والماء المالح بحيث لا يتداخلان أبداً. (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون).

حاجز: هو الحاجز المنظور بين أمرين متناقضين. (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (النمل:61)

حجاب: جمعها حُجُب. هو منع شيء مهم مثل حرمات المسلمين وحرمة النساء أو ملك أو أمير . (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلّاً بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) (لأعراف:46) (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً) (الاسراء:45)

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 04:57 PM
منظومة جذوة (كلمة النار ومشتقاتها)

جذوة – شعلة – لهب – شهاب – قبس – شرر – شواظ – جمر

كلمة النار ومرادفاتها:

شعلة: هي فتيل موقود كعود الثقاب أو فتيل السراج وهي كل ما توقد به النار. (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) سورة مريم آية 4

لهب: الخطوة الأولى من النار الفعلية اي اضطرام النار الأول.

لهب: مضرم النار واللهب الصافي هو مصدر اللهيب. (لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ) سورة المرسلات آية 31 (سيصلى ناراً ذات لهب) سورة المسد

لهيب: شدة حر النار عندما تنضج باستمرار الإيقاد عليها.

شهاب: عندما يرتفع اللهب وعندما يوقد كل ما في النار (النار في الخشبة أو العود المأخوذ من النار ويكون قد اشتعلت كلها). (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) سورة النمل آية 7

قبس: العود الذي يؤخذ مشتعل نار وناره مستوية ليس فيها دخان وقد يأتي شخص آخر يأخذ منها جزءاً ليضرم ناراً أخرى تسمى قبس. (إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) سورة طه آية 10

شرر: الشرر الذي يتطاير من النار من شدة الإلتهاب. (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ) سورة المرسلات آية 32

شواظ: لسان طويل يخرج من النار. (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ) سورة الرحمن آية 35

جمر: عندما ينطفئ اللهب وتصبح النار حوراء متقدة حية قوية (والجمرة عند العرب تطلق على كل قبيلة قوية).

جذوة: عندما تضعف حرارة الجمر وهي النار الهادئة بعد أن كانت جمراً. (فَلَمَّا قَضَى مُوسَىالْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) سورة القصص آية 29

ومعظم هذه المرادفات جاءت على لسان موسى u عند عودته من مدين إلى مصر في سيناء

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 04:57 PM
منظومة جرح

جرح – اجترح – افترى – اكتسب – ارتكب – اقترف – احتمل – كسب – عمل – فعل- تجانف

هذه الكلمات كلها في منظومة أساليب ارتكاب الذنوب. وكل الكلمات فيما عدا فعل وتجانف هي للكافرين أما فعل وتجانف فهي للمؤمن يقال فعل الذنب أو تجانف للذنب.

جرح واجترح: من أساليب ارتكاب الذنوب وهي تعني الذنب الذي يترك أثراً لا يُمحى (ولكم في الجروح قصاص) كل جرح يبطل المكان الذي وقع عليه والجُرح يبطل المجروح فإذا جُرح الشاهد لم تقبل شهادته. (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات) واجتراح السيئة لا يكون إلا للكافر. وكل سيئة تُمحى إلا الشرك بالله. (ويعلم ما جرحتم بالنهار) (أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ) سورة الجاثية آية 21

اقترف: وأصلها من قرف. وقرف لها معنيين: يقال قرف الشجرة عندما يُنزع عنها اللحاء أو القشرة الخارجية مما يؤلم الشجرة ولكنه طيب الرائحة. ويقال قرف الجُرح أي كشطه وهو مؤلم ومقزز لما فيه. واقترف بمعنى نزع الشيء بشكل مؤلم لكن الألم قد يكون طيباً يورث محمدة أو قبيحاً يورث مذلة. لذا تأتي اقترف بالخير (ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) سورة اشورى آية 23 والشر (وليقترفوا ما هم مقترفون) (وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون) سورة الأنعام آية .120 يقال اقترف الصلاة واقترف الزنا. واقتراف الحسنات يترك أثراً محموداً وذكراً طيباً ولساناً محموداً حتى بعد الممات لأن الحسنات طيبة الرائحة ولا يقوم بها إلا القلّة كأن يكون الإنسان عفيفاً أو كريماً. اقترف واجترح قد تكون مرة واحدة.

احتمل: إصرار على الذنب والاستمرار عليه حتى يصبح ثقيلاً بحسث لا يمكن أن يحمله يوم القيامة فالحمل كماً والإحتمال كيفاً (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) سورة الأحزاب آية 58

كسب: تقال لمن مات على هذا الشرك (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) وهو حصيلة عمر الإنسان وهو كل عمل الإنسان وهو كل ما باشر أسبابه أو لم يباشر أسبابه كأن يدعو لك أحد بظهر الغيب ونحوه.

اكتسب: هو كل ما يملك وباشر أسبابه أو كل ما فعله الإنسان عن قصد. واكتسب أكثر من كسب بالمبنى وهذا يدل على زيادة المعنى فالذنب أعظم وأضخم من الحسنة فالحسنة تُصنع من جانب تضعيف الأجر حتى أنها تكاد تتلاشى مقابل جزائها.أما السيئة فهي بمثلها لها حضور لأنها تساوي أجرها. والكسب يكون عادة في الأمور الأخروية والإكتساب في الأمور الدنيوية. والإكتساب افتعال فيه جهد وإصرار والله تعالى لا يكتب علينا إلا ما نصرّ عليه. (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)

افترى: هو التآمر كتشويه سمعة عالم أو داعية أو ما شابه وهي تقال على الإشاعات والتهم. (إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) (انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا) سورة النساء آية 50، (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون) سورة الأنعام آية 21.

عمل: تقال للكافر عادة (يعملون السيئات) . والكافر عمله العام كله سيء والعمل عام يقال عمل فلان نجّار أما الفعل فهو جزء من العمل كأن يقال نجّار الأبواب أو غيرها. (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لوأن بينها وبينه أمداً بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد) سورة آل عمران آية 30، (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) سورة التوبة آية 102

فعل: الفعل هو من جزئيات العمل والعمل هو العام. والفعل من عمل المؤمن يقال للمؤمن فعل الفاحشة أو فعل السيئة وليس عمل الفاحشة أو عمل السيئة. وما إن يفعل المؤمن فعلته حتى يتوب عنها وإن كانت فاحشة. وكلمة لا إله إلا الله كلمة عظيمة ومن فضل الله تعالى أن كل الذنوب إلا الشرك قابلة للمغفرة (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَع++++*وفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) سورة النساء آية 114، (وما يفعلوا من خير فلن يُكفروه والله عليم بالمتقين) سورة آل عمران آية 85، (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) سورة الصافات آية 102

جنف: كل شيء تضطر إليه لارتكاب الحرام أكلاً أو شرباً أو شِركاً ولا يرضى به قلبك (إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان) وكل ضرورة وكل اضطرار تدفعك إلى أن يصبح الحرام حلالاً وأنت كاره له ولا تأخذ منه إلا الحدّ الأدنى. (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم) فيُكره الفعل ويُكره الرخصة فيه. وهي تقال للمؤمن الذي يضطر لارتكاب إثم أو حرام أو جريمة وهو كاره لها في قلبه ويأخذ منها فقط ما يبقيه حيّاً كمثل العطشان في صحراء يوشك على الموت فيشرب من الخمر وهو يكره الرخصة ولا يشرب إلا بالقدرالذي يحفظ عليه حياته من الهلاك. أو كأن يأكل لحم خنزير أو ميتة في حال الإشراف على الهلاك وليس هناك طعام آخر لكنه لا يفعل هذا باستمرار وإنما فقط للضرورة القصوى. (فمن خاف من موص جنفاً فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) سورة البقرة آية 182

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 04:58 PM
منظومة لا جرم

لا جرم – حق – حقيق – حاق – لزم - وجب

المنظومة كلها تدل على أن الأمر وقع وثبت.

لا جرم: تعني أن الأمر ثبت ولكنه وعيد بالمستقبل أي أن الوعد ليس ناجزاً الآن بل في المستقبل. (لا جرم أنما تدعونني إليه ليس لهو دعوة من الله) وعيد ثابت لا بد أن يقع على أساس ما كسبه الكافرمن كفره. ولا جرم تأتي إذا كان هناك فعل أو أفعال سيئة أو ذنوب اقتضت عقوبة كبيرة. ولا جرم لا تبين مقدار العذاب أو التوقيت أو الكيف. (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ) سورة هود آية 22 و (لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرونَ) سورة النحل آية 109 فالذين يضلون دون أن يُضلوا غيرهم فهؤلاء الخاسرون أما الذين يضلون ويُضلون فهؤلاء هم الأخسرون الذين حق عليهم كل جنس الضلالات.

حق: عندما ينفّذ الوعيد أي حق العذاب مثلاً ولا مجال لهروب الكافر. (فحقّ علينا قول ربنا إنا لذائقون) سورة الصافّات آية 31 (إن كل إلا كذب الرسل فحق وعيد) سورة ص آية 14 ساعة وقوع العقوبة. حق العذاب تبيّن أن هذا الوعيد قُرر ونُفّذ في ساعة معينة بقوة معينة لزمن معين. (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) سورة يس آية 7 أي سبق في علم الله تعالى أن أكثرهم لن يؤمنوا لذا قال حق على أكثرهم.( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) سورة النحل آية 36 الضلالة هنا بمعنى الشرك. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَص++++* الْمُؤْمِنِينَ) سورة الروم آية 47، (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) سورة القصص آية 13 و(قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ) آية 63.

حاق: ويتفرع من حق (حاق) مثل زلّت وزالت. حاق العذاب بمعنى أنت تحاول الهرب منه والتخلص منه (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ) سورة النحل آية 34، (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) سورة غافر آية 45. المكر الحسن قد يستعمل كحيلة أما المكر السيء فهو استعما منتهى القوة على منتهى الضعف وهو استعمال القوة الباطشة التي لا حدود لها بمن هو ضعيف وفي غاية الضعف فالأمم صاحبة الخلق الرفيع لا تستعمل سلاحاً على من ليس عنده سلاح (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَك++++* السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) سورة فاطر آية 43 بمعنى يحق في فترة لاحقة في المستقبل مع محاولة التخلص منه. وحاق تعني الشدة في تنفسذ الأمور. (وحاق بآل فرعون سوء العذاب). وكل من يمكر بالآخرين باستعمال قوته اللامتناهية على من هو ضعيف سيحق عليه العذاب آجلاً.

حقيق: من مشتقات حق (حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل) سورة الأعراف آية 105 وتعني بالتأكيد وبشيء ثابت مقرر لا يمكن أن أقول على الله إلا الحق

لزم: تدل على طول المكث والمدة (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) سورة الفتح آية 26 هؤلاء المسلمون لازمة لهم كلمة التقوى على مدى الأزمان ما داموا ماكثين على الأرض. (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى) سورة طه آية 129

وجب: بمعنى حقه أن يوجد وقول الفقهاء الواجب ما إذا لم يفعله يستحق العقاب وذلك وصف له بشيء عارض له لا بصفة لازمة له، وعُبّر بالموجبات عن الكبائر التي أوجب الله عليها النار. ويقال وجبت الشمس إذا غابت كقولهم سقطت ووقعت ومنه قوله تعال: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) سورة الحج آية 36

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 04:58 PM
منظومة الجذب والجرّ

جذب – جرّ – سحب – سحل – سفع - نتق

كل هذه الكلمات تدل على أساليب كيف يساق الناس يوم القيامة وهي كلها من أنواع الجرّ والجذب.

جرّ: الجذب لجهة الجاذب.(وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه) سورة الأعراف آية ، 150 ، وهي كناية عن عقوبة الحبيب لحبيبه ومنه الجريرة وهي الذنب الكبير الذي يجذبك إلى الحاكم.

سحب: هو الجذب على الأرض تماماً.ولا يطلق السحب إلا أن يكون المسحوب كله على أديم الأرض وجهه وصدره وجسمه على الأرض يزحف كما تزحف الأفعى (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) سورة القمر آية 48، (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ) سورة غافر آية 71

سحل: أصلها من سحل الحديد أي برده وقشره ومأخوذة من الساحل للماء، مثل المدّ يسحل الرمل من الشاطئ بهدوء. والسحل هو جذب الشيء بلا صوت بشكل ناعم مثل السحلية لا يسمع لها صوت. (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) سورة طه آية 39.

سفع: هو الجذب من الناصية وهو يدل على شدة انقياد المجذوب وعجزه فيصبح ذليلاً تابعاً خانعاً ويدل على عجز المجذوب وذهاب إرادته وقوته بحيث يستكين وينقاد انقياداً تاماً (لنسفعاً بالناصية) سورة العلق. ويقال للسفع هو الجرّ بالناصية.

نتق: قطعة من شيء ثابت تستطيع أن تجرها إليك فتلين في يدك والنتق يحتاج إلى قوة هائلة وشدة (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلّة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) سورة الأعراف آية 171.



وأضيف كلمة ساق وسيق (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا) وكلمة كشط (وإذا السماء كُشطت) إلى هذه المنظومة والله أعلم

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 04:59 PM
منظومة الجري (منظومة المشي السريع)

جرى –مرّ - ركض – سبح – نفر – زحف – انطلق - أفاض - اثّاقل

كل هذه الكلمات تدخل في منظومة الجري وهي منظومة المشي السريع.

جرى: تعني أن تمشي سريعاً . والجري هو المشي السريع المتناسق الرتيب بنسق واحد في الحركة مثل الريح(فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ) سورة ص آية 36. (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) سورة يونس آية 22 ، (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) سورة النساء آية 13، (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) سورة يس آية 38.

مرّ : المرّ هو السرعة في التجاوز. (وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) سورة يونس آية 12 ، (وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) سورة يوسف آية 105، (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) سورة الفرقان آية 72، (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) سورة النمل آية 88، (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ) سورة الصافّات آية 137، (وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) سورة المطففين آية 30.

ركض: قوة حركة الرجل في الأرض. والركض هو السرعة عن طريق حركة القدمين (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) سورة ص آية 42، (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ) سورة الأنبياء آية 12.

سبح: هو المرّ السريع في الماء. وهو قوة حركة الجسم كله كالسابح في الماء يستعمل جسمه كله. ويقال للخيل سابحات لأنها تتحرك بكل جسمها. (وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا) سورة النازعات آية 3، (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) سورة الأنبياء آية 33، (لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) سورة يس آية 40، (إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا) سورة المزّمل آية 7.

نفر: النفر هو السرعة في الإعداد نتيجة اهتياج غير عادي. والنفر حركة خفيفة. (انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة التوبة آية 41 و(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) آية 122، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا) سورة النساء آية 71.

زحف: الزحف هو سرعة المثقل بالأحمال بحيث يجرّ رجله في الأرض جراً من شدة الثقل ويطلق الزحف على الجيش المنظم والنفير للشعب العادي وأفراده. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ) سورة الأنفال آية 15.

انطلق: الإنطلاق يكون بعد التأخر. إذا تأخر شخص عن ركب أو واجب وأسرع بعد تأخره يسمى انطلاقاً. (انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ * انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ) سورة المرسلات آية 29 و30، (فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ) سورة القلم آية 23، (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا) سورة الفتح آية 15، (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) سورة الكهف آية 71.

أفاض: سرعة المخترق من الزحام أو سرعة الضيق بالمكان. يكون المكان مكتظاً ثم يخرج أحدهم من الزحام بسرعة فيقال له أفاض كما في الحج من شدة الزحام ينطلق الحجاج بسرعة متناهية من شدة الزحام. (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) سورة البقرة آية 198 و199، (وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ) سورة التوبة آية 92. ضاقت العين بالدمع فيخرج منها مسرعاً.

الفرق بين نفر وزحف: نفر هي حالة عابرة أو حالة طوارئ كأن يقال جاء عدو فالكل ينطلق من كل مكان أهاجهم مهيّج فينفر الناس كالسهم كهجوم مباغت أو حريق أو حادث أو غيره مما يهيج الإنسان أي شيء يستدعي ردة فعل سريعة يسمى نفيراً أما إذا بقيت مكانك يسمًى اثّاقل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ) سورة التوبة آية 38.نزلت السورة في المنافقين الذي قعدوا عن غزوة تبوك بعد أن جمع هرقل جند الروم ليذّل المسلمين الذين كانوا منهكين من بعد غزوة حنين وهي أول معركة بين الروم والمسلمين.

ولا أعلم إن كانت كلمة سبق تدخل في هذه المنظومة أيضاً علماً بأنها في منظومة جاوز وكذلك كلمة سعي (يسعون في الأرض فساداً) (وإذا هي حيّة تسعى).

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 04:59 PM
منظومة جُدد (الطريق)

إمام - صراط - طريق - سبيل - نهج - فج - جدد (جمع جادة) - نفق - نجد

هذه الكلمات كلها هي من مرادفات كلمة الطريق.

وجاء معنى كل منها العام على النحو التالي:

إمام: وهو الطريق العام الرئيسي الدولي الذي يربط بين الدول وليس له مثيل وتتميز أحكامه في الاسلام بتميز تخومه. وقدسية علامات المرور فيه هي من اهم صفاته ومن غيّرها أو سرقها ملعون كما جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله من غيّر تخوم الأرض" وهو بتعبيرنا الحاضر الطريق السريع بين المدن (Highway). وقد استعير هذا اللفظ للقرآن الكريم ليدل على الشرائع (يوم ندعو كل اناس بإمامهم) (الإسراء آية 71 ) أي كل ما عندهم من شرائع وجاء أيضا بمعنى كتاب الله (وكل شئ أحصيناه في إمام مبين) (يس آية 12)

صراط: هو كل ممر بين نقطتين متناقضتين كضفتي نهر أو قمتي جبلين أو الحق والباطل والضلالة والهداية في الاسلام او الكفر والإيمان. والصراط واحد لا يتكرر في مكان واحد ولا يثنى ولا يجمع. وقد استعير في القرآن الكريم للتوحيد فلا إله إلا الله تنقل من الكفر إلى الإيمان (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم) ( الأنعام آية 161) (من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم) ( الأنعام آية 39) (اهدنا الصراط المستقيم) (الفاتحة آية 7) (فاتبعني أهدك صراطا سويا) (مريم آية 43 ) (وان الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون) (المؤمنون آية 74 )

والصراط عموما هو العدل المطلق يتصف به الخالق والمخلوق، وبالنسبة لله تعالى فالعدل مطلق وما عداه فهو نسبي كما في قوله تعالى (إن ربي على صراط مستقيم) ( هود آية 56 ) وبالنسبة للمخلوق فالتوحيد هو العدل المطلق وما عداه فهو نسبي.

سبيل: الطريق الذي يأتي بعد الصراط وهو ممتد طويل آمن سهل لكنه متعدد (سبل جمع سبيل) (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) ( العنكبوت آية 69 ) (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) الأنبياء) السبل متعددة ولكن شرطها أن تبدأ من نقطة واحدة وتصب في نقطة واحدة عند الهدف (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) المائدة) و (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) طه) و (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) الأنعام). ولا بد من أن تتوفر فيه عناصر ثلاث: ممتد، متحرك ويأخذ إلى غاية.

والمذاهب في الاسلام من السبل كلها تنطلق من نقطة واحدة وتصل إلى غاية واحدة. وسبل السلام تأتي بعد الإيمان والتوحيد بعد عبور الصراط المستقيم. ولتقريب الصورة إلى الاذهان فيمكن اعتبار السبل في عصرنا الحاضر وسائل النقل المتعددة فقد ينطلق الكثيرون من نقطة واحدة قاصدين غاية واحدة لكن منهم من يستقل الطائرة ومنهم السيارة ومنهم الدراجة ومنهم الدواب وغيرها. ويجوز في الإسلام أن تتعدد الأعراف والأفكار والإجتهادات لأنها تنبع من أصل واحد هو كتاب الله والسنة النبوية وتلتقي عند نقطة واحدة. والسبل تكون في الفروع أما الإمام فهو في الأصول.

واستخدمت كلمة السبيل في القرآن بمعنى حقوق في قوله (ليس علينا في الأميين سبيل) (آل عمران آية 75 )، وجميع أحكام الشرع التي تنطلق من الصراط هي السبل.

وابن السبيل في القرآن هو من انقطع عن أهله انقطاعا بعيدا وهدفه واضح ومشروع كالمسافر في تجارة أو للدراسة او للدعوة ولا تُعطى الزكاة لمن انقطع عن أهله بسبب غير مشروع كالخارج في معصية او ما شابه.

طريق:الطريق يكون داخل المدينة وللطرق حقوق خاصة بها وقد سميت طرقا لأنها تُطرق كثيرا بالذهاب والاياب المتكرر من البيت الى العمل والعكس. والطريق هي العبادات التي نفعلها بشكل دائم يومياً كالصلاة والذكر والسبل قد يكون عبادات نفعلها مرة في الشهر أو في العام كالزكاة والصوم والحج . (يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم) (الاحقاف آية 30) . ولكل عبد من العباد صيت في السماء كما أن له صيتاً في الأرض فعلى كل منا أن يكون له عبادة مختصة به يُعرف بها. وقد قيل: "اعرف بعض الشيء عن كل شيء واعرف كل شيء عن شيء واحد."

نهج: وهو عبارة عن ممرات خاصة لا يمر بها إلا مجموعة خاصة من الناس وهي كالعبادات التي يختص بها قوم دون قوم مثل نهج القائمين بالليل ونهج المجاهدين في سبيل الله ونهج المحسنين وأولي الالباب وعباد الرحمن فكل منهم يعبد الله تعالى بمنهج معين وعلى كل مسلم أن يتخذ لنفسه نهجا معينا خاصا به يعرف به عند الله تعالى كبر الوالدين والذكر والجهاد والدعاء والقرآن والاحسان وغيرها (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) ( المائدة آية 48 ) وإذا لاحظنا وصفها في القرآن وجدنا لها ثلاثة صفات والانفاق فيها صفة مشتركة. نهج المستغفرين بالاسحار: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالاسحار هم يستغفرون وفي اموالهم حق للسائل والمحروم) ( الذاريات آية 17 - 19 ) ونهج أهل التهجد: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون) (السجدة آية 16) ونهج المحسنين: (الذين ينفقون بالسراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) ( آل عمران آية 134 )

فج: وهو الطريق بين جبلين (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) (الحج آية 27 )

جادة: وتجمع على جدد كما وردت في القرآن الكريم (ومن الجبال جدد بيض وحمر) (فاطر آية 27 ) والجادة هي الطريق الذي يرسم في الصحراء او الجبال ضمن صحراء واسعة أو صخور متنوعة من شدة الاثر ومن كثرة سلوكه.

نفق: وهو الطريق تحت الأرض (فان استطعت أن تبتغي نفقاً في الارض) (الأنعام آية 35 )

وأضيف إلى كلمات هذه المنظومة الكلمات التالية التي قد تدخل معها والله أعلم: نجد والعقبة.

نجد: النجد هو التعبير الوحيد المستعمل في القرآن فقد ورد في القرآن كلمة السبيل والصراط والنجد يعني الطريق المرتفع. وأغلب المفسرين يقولون لا يكون إلا قفاً وصلابة في الأرض في ارتفاع مثل الجبل. وأغلب المفسرين قالوا أنه يعني طريق الخير وطريق الشر وسلوك النجد يحتاج إلى قوة وفيه شدّة وصعوبة (وهديناه النجدين) (سورة البلد آية 10)

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 05:01 PM
باب حرف الحاء

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 05:02 PM
منظومة الحب القلبي

الشهوة – الهوى – الحب – الشغف – الغرام – الهيام - الود

كل هذه الكلمات السابقة هي من منظومة الحب في القرآن الكريم ويضاف اليها كلمتي: (الشوق والعشق) ولكنهما لم تردا في القرآن الكريم.

الشهوة :

هي ميل النفس الى ما يتلذذ به حسياً او نفسياً، وهو كل شيء ترتاح له النفس سواء كان حسياً مثل النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث، أو نفسياً مثل السلطان والجاه والبغي والظلم والقهر وغيرها. والشهوة يجب ان تكون في محلها اي في كل شيء حلال. وقد ورد في القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تتضمن كلمة الشهوة ومشتقاتها ومنها قوله تعالى:

(يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (الزخرف:71)

(وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ) (سـبأ:54)

(وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) (الطور:22)

(وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) (الواقعة:21)

(وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ) (المرسلات:42)

الهوى:

إذا كانت الشهوة في غير محلها تسمى الهوى، كأن تشتهي امرأة لا تحل لك او تشتهي مالا ليس لك. ولم ترد كلمة الهوى ومشتقاتها في القرآن الكريم إلا من باب الذم. وهناك فرق بين ما تشتهيه الأنفس (فقد يكون حلالاً او حراماً) وبين ما تهواه الأنفس (لا بد أن يكون حراماً) وهذه الآيات تبين كلمة الهوى ومشتقاتها في القرآن الكريم:

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) (البقرة:87)

(لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ) (المائدة:70)

(إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى) (لنجم:23)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (النساء:135)

(يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (صّ:26)

(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) (لنجم:3)

(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) (النازعـات:40)

الحب:

هو تعلق القلب بما هو كريم ومطلوب، وتعلق القلب بكل شيء كريم وفيه فخر وليس مذموماً فقد يكون فخراً او مجداً او من مكارم الأخلاق أو من اللذائذ المشروعة. ولقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز صفات الذين يحبهم والذين لا يحبهم. والحب على عكس الهوى لأن الحب هو تعلق القلب بما ليس مذموماً والهوى تعلق القلب بما ليس محموداً. والآيات التالية تتضمن كلمة الحب ومشتقاتها:

(وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة:195)

(وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة:222)

بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (آل عمران:76)

(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:134)

(وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:146)

(فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:148)

(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:31)

(لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (آل عمران:92)

(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:152)

(وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور:22)

(كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ) (القيامة:20)

(وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (الصف:13)

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 05:02 PM
الشغف:

قد يكون الحب مؤقتاً لفترة زمنية محددة ولكن عندما ينفذ الحب إلى القلب ويستقر به ويملك على الانسان حواسه وتفكيره يسمى شغفاً. وكل شغف حب وليس كل حب شغف. وقد جاء في قصة سيدنا يوسف مع امرأة العزيز التي أحبته طوال فترة شبابه في القصر اي اكثر من عشرة أعوام حتى تملك حبه في قلبها وملك عليها حواسها لذا جاءت الآية الكريمة بلفظ (شغفها) للتعبير عن الحالة التي كانت بها ولم يكن حبا عابرا ولا نزوة وليدة اللحظة. (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (يوسف:30)

الغرام:

هذا الحب الذي وصل إلى مرحلة الشغف، إذا كان قاهراً حتى استولى المحبوب على من يحب وتحول الحب الى فناء في المحبوب يسمى غراماً. فإذا فني المحب في محبوبه وأصبح المحب مسيطراً على المحبوب سيطرة كاملة واصبح المحبوب رهن إشارة المحب فهذا هو الغرام. إذن الغرام هو حب انقلب الى أسر. ولهذا كان ذكر عذاب جهنم في القرآن بـ(غراما) دليل على ان عذاب جهنم قاهر مذل، لا بفنى ولا يزول ولا ينفك، كما جاء في قوله تعالى:

(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً) (الفرقان:65)

(إِنَّا لَمُغْرَمُونَ) (الواقعة:66)

الهيام:

هذا الغرام إذا تطور والمحبوب تدلل على الحبيب ولم يستجب له واضطرمت النار في أحشاء المحب يؤدي هذا إلى الهيام. والهيام لغة مأخوذة من الهيم أي الإبل الشاردة في الصحراء والهائمة على وجهها فإذا عطشت عطشاً عظيماً وشربت، انفجرت. وفي قصة قيس بن الملوح أنه كان يهيم في الصحراء على وجهه مع الوحوش لا يعرف أحداً يناجي محبوبته ليلى. وفي آيات القرآن الكريم ورد ذكر كلمة الهيام ومشتقاتها في الآيات التالية:

(أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ) (الشعراء:225)

(فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ) (الواقعة:55)

الوِدّ:

كل هذا الذي ذكر إذا كان موجوداً بين يديك وقد تطبق مع الوصل يسمى حبا وشغفا وهياما. أما إذا كان مع الهجر فهو الود. الود هو أمنية، تحب بعيداً او شيئاً تتمناه ولم يحدث بعد أو أمنية لن تتحقق أبداً . وفي القرآن الكريم أيات عديدة لكلمة الود ومشتقاتها:

(وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) (البقرة:96)

(مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (البقرة:105)

(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:109)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) (آل عمران:118)

(يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) (النساء:42)

(وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً) (النساء:102)

(رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) (الحجر:2)

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً) (مريم:96)

(يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ) (المعارج:11)

(وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) (القلم:9)

وفي آية سورة النساء مثلاً (ودوا لو تكفرون) هي أمنية يتمنى الكفار حدوثها للمسلمين ولكنها لن تتحقق ابداً لأن المسلمين معصومون من الشرك، فلو قال تعالى (وأحبوا بدل وودوا) لكان بالامكان تحقيق هذه الامنية ولكفر المسلمون ولما ناسب هذا معنى الآية.

وتبقى كلمتان لم تردا في القرآن الكريم ولكنهما من ضمن منظومة الحب:

الشوق: ويكون لحبيب مسافر أو لغائب.

العشق: وهو الحب الذي شاع وذاع صيته وانتشر بين الناس.

والحب ومفرداته من أخطر الفتن على المسلم ومن أخطرالفتن النساء لذا جاء في قوله تعالى (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث) فقد قدم النساء على باقي الشهوات لأن النساء من أخطر الفتن كما قال رسولنا الكريم r :" ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء" ولذا كان جزاء العفيف الذي يعف نفسه عظيما ويدخل مع السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وذكر من بينهم (رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين) فمن ذا الذي يصمد في موقف كهذا إلا عفيف يصون نفسه ويخاف ربه الذي يراه اينما كان؟!. وقد ورد عن الرسول r انه قال:"من أحب فعفّ فمات، مات شهيداً"

ولذلك أيضاُ كانت مسؤولية الزنا تقع على المرأة (والزانية والزاني) فتقدم ذكر الزانية على الزاني لأن المرأة هي المسؤولة في هذا الموقف، ومن هنا حرم الله تعالى الخلوة واللمسة وكل مقدمات الزنا. أما في السرقة فقد قدم الله تعالى الرجل على المرأة لأن من مسؤولية الرجل إعالة أهله وقد جاء قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)

والله سبحانه وتعالى لم يضيق على عباده تعسفاً حاشاه وتقدّست اسماؤه وصفاته ولكنه في مقابل هذا التضييق الذي فرض جاءت رحمته وعدله في التعدد وفتح باب التوبة للمذنب وباب المغفرة لمن وقع في محرم لكي ينجو الناس بفضل الله وكرمه ومنه إنه هو العزيز الحكيم لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

ومن أعظم انواع الحب أن تحب الله تعالى وأن تحب رسوله r وأن تحب في الله ايضاً. والحب في الله أعجوبة لما فيه من الأجر والثواب للمتحابين في الله تعالى وكثيرة هي الأحاديث التي رويت عن النبي محمد r في المتحابين في الله منها:

قال رسول الله r: "إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" رواه مسلم.

وعن معاذ ين جبل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله r يقول:" قال الله عز وجل: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء"

وقال رسول الله r: قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ" رواه مالك في الموطأ باسناده الصحيح.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي r قال:" ثلاث من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار" متفق عليه.

والحب نوعان حب عاطفي الذي نشعر به تجاه أهلينا واصدقائنا وارحامنا، وحب عقلي وهو محبة النبي r لأننا نعي بعقولنا أن حبه أنفع لنا في الآخرة وهذا هو الحب الذي أشار إليه الرسول r في حديثه (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من نفسه) وحتى نشعر بهذا الحب علينا ان نثابر على قراءة سيرة المصطفى r وشمائله وعاداته وصفاته وكرمه وعلمه حتى يتملك حبه القلوب والعقول ونحظى بشفاعته يوم القيامة يوم لا تنفع الشفاعة إى لمن اذن له الرحمن وقال صوابا.

وقد ننال من الحب ما لم ننله في الزهد. فهناك كثير من الاعمال والعبادات ما هو سهل الأداء وعظيم الأجر ومنها ما هو صعب الأداء شاق وأجره قليل. والذكر من أعظم العبادات فالتسبيح والتهليل والتكبير والصلاة على الرسول الكريم r من أعظم الذكر وأعظم العبادات ذات الأجر العظيم، والاحاديث في فضل الذكر وأجره كثيرة منها:

عن جويرية أم المؤمنين ( رضي الله عنها ) :أن النبي صلى الله عليه وسلم. خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي فـــي مسـجدها!!. ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة. فقال : مازلت على الحال التي فارقتك عليها .؟؟ قالت : نعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد قلت بعدك أربع كلمات ( ثلاث مرات ) لو وُزنت بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه ، ورضى نفسه ، وزنة عرشه ، ومداد كلماته.

والله تعالى في كتابه العزيز أورد صفات الذين يحبهم فعلينا أن نكون منهم لأن من أحبه الله لم يدخله نار جهنم ومن منا لا يريد هذه المكرمة من رب العباد، الجواد الكريم؟ ونستعرض فيما يلي الآيات التي وردت في ذكر من يحبهم الله فنحرص أن نكون منهم ونستعرض صفات الذين لا يحبهم الله تعالى لنتجنب ان نكون معهم:

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 05:03 PM
الذين يحبهم الله تعالى:

(وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة:195)

(وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة:222)

( بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) (آل عمران:76)

( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (آل عمران:134)

( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) (آل عمران:146)

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران:159)

(فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:13)

(سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (المائدة:42)

(إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:4)

(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:7)

(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات:9)

(لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8)

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) (الصف:4)

الذين لا يحبهم الله تعالى:

(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190)

(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) (النساء:36)

(وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً) (النساء:107)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (المائدة:87)

(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (لأنفال:58)

(إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) (الحج:38)

(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) (القصص:76)

(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:77)

(وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان:18)

( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) (الأعراف:55)

( لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ) (النحل:23)

دعاء:

اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، اللهم وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب. (رواه الترمذي عن عبد الله بن زيد الخطمي)

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 05:04 PM
منظومة الحب من الجانب العقلي

أحب – أشاء – أرغب - أريد – أبغي – أبتغي

كل هذه الكلمات السابقة هي من منظومة الحب من الجانب العقلاني وهو ما يتعلق بانصراف العزم والارادة ويختلف عن منظومة الحب القلبي الذي يصف العاطفة الجياشة التي تسبب لصاحبها السهر والتعب كالحب والهيام. والحب العقلاني يتعدى بـ (أن) والفعل مثال: أريد أن أنجح، أحب أن أصلي، أرغب أن أسافر وغيرها.

أحب (الحب) :

الحب القلاني هو ميل العقل الى فعل ما يرى الانسان فيه خيراً، فالعقل يدرك أن هذا الامر فيه خير سواء فعله ام لم يفعله (لو فعلت كذا لكان خيراً). والحب العقلاني هو مجرد ادراك أن هذا الفعل فيه نفعك وخيرك سواء فعلته او لم تفعله كأن أقول: أحب أن أعبر المانش أحب أن افعل هذا لكني قد لا استطيع فعله. ولذلك جاء في قوله تعالى في سورة التوبة (يحبون أن يتطهروا) لأن عقولهم تعرف أن هذا الامر فيه خير لهم ولم تأتي الآية بكلمة (يشاؤون او برغبون أو يبتغون أو يريدون) لأن المعنى يختلف باختلاف الكلمات وليس أفضل من كلمة يحبون لتصف هؤلاء الرجال. وفي القرآن الكريم آيات عديدة ورد فيها كلمة يحبون نستعرض بعضها فيما يلي:

(لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) (التوبة:108)

(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (النور:19)

(وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور:22)

أشاء (المشيئة):

إذا انعقد العزم على فعل الامر فهي المشيئة وهذه تتغير فهي غير ثابتة لأنك ما تزال في طور انصراف العزم ولكنك لم تنوي بعد قد انوي ان ادرس ثم بعد يوم او يومين قد لا افعل.إذن أشاء بمعنى عقدت العزم. وفي قوله تعال: (لمن شاء منكم أن يستقيم) بمعنى لمن عقد العزم فلا ينفع استخدام كلمة (أراد) مكان شاء لأنها لن تفيد المعنى المطلوب. وفيما يلي بعض الآيات التي ورد فيها ذكر كلمة أشاء ومشتقاتها:

(لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) (التكوير:28)

(وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (الأنعام:35)

(وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) (النحل:9)

(فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) (المؤمنون:24)

(لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) (المدثر:37)

(يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:20)

(فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة:220)

(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) (البقرة:253)

(إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً) (النساء:90)

(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (المائدة:48)

(قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (يونس:16)

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس:99)

(قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) (هود:33)

(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً) (الكهف:29)

(لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) (الأحزاب:24)

(فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) (المدثر:55)

أرغب (الرغبة):

إذا اشتد الحرص بقوة يسمى رغبة. هذه الرغبة تدفعك الى أن تباشر اول الخطوات المؤدية الى الفعل وهذه لن تتغير كالمشيئة. والرغبة تعني أن الحرص لديك اشتد فتطورت المشيئة حتى صار عندك حرص شديد عليها ومن بعض الآيات في القرأن الكريم التي ورد فيها ذكر كلمة ارغب ومشتقاتها:

(وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ) (التوبة:59)

(عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ) (القلم:32)

(وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (البقرة:130)

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 05:04 PM
(اريد (الإرادة):

إذا باشرت الاسباب المؤدية الى الفعل تسمى الارادة. أريد بمعنى اتخذت الأسباب. والإرادة هي تطبيق عملي للمشيئة وهي مباشرة الفعل واقعاً. بمعنى أنه أحببت عملاً ثم عقدت العزم عليه فأصبح لدي رغبة دفعتني ألى القيام بأول مبادرة عندها تسمى إرادة. كما في قوله تعالى : (إن يريدا اصلاحاً) أي أن الحكم من أهله وأهلها باشروا أول خطوات الاصلاح بين الزوجين وليس مجرد تفكير بالموضوع او حتى عقد العزم عليه فقط فقد جاء الحكمان واجتمعا ليصلحا ولا يمكن ان تستخدم كلمة (يشاءا) بدلا من يريدا لأنها لا تعطي المعنى المقصود من الآية. وهذه بعض الآيات التي وردت فيها كلمة أريد ومشتقاتها:

)وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً) (النساء:35)

)أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً) (النساء:60)

)سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِيناً) (النساء:91)

)يُرِيدُونَ أَنْ يَخ++++*جُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) (المائدة:37)

)يُرِيدُونَ أَنْ يَخ++++*جُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ) (المائدة:37)

)وَلا تَط++++*دِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَط++++*دَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنعام:52)

)يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة:32)

)يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة:32)

)وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَم++++*هُ فُرُطاً) (الكهف:28)

)فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (القصص:79)

)تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص:83)

)فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الروم:38)

)فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الروم:38)

)وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً) (الأحزاب:13)

)سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلاً) (الفتح:15)

)أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ) (الطور:42)

)يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (الصف:8)

)وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً) (النساء:27)

)يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) (لأعراف:110)

)وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (هود:34)

)فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) (الكهف:77)

)فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) (المؤمنون:24)

)يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) (الشعراء:35)

)وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (سـبأ:43)

(أبغي):

أبغي تعني أني سرت خطوات في الفعل

(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات:9)

(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (الأنعام:164)

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 05:05 PM
(أبتغي (الإبتغاء):

الابتغاء هي قمة هذه المجموعة من الكلمات. إذا سرت بالامر ألى آخر مدى وأصبح الامر على وشك الانجاز يسمى ابتغاء. أي بعد الجد والطلب والانهماك في الامر. وألايات كثيرة في كتاب الله التي تحتوي كلمة ابتغاء ومشتقاتها:

(أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) (الأنعام:114)

(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً) (الاسراء:12)

(رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) (الاسراء:66)

(وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور:33)

(وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (فاطر:12)

(لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورُ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَم++++* اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) (التوبة:48)

(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (البقرة:187)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة:35)

(فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة:10)

(وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (الأنعام:35)

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التحريم:1)

(تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً) (الأحزاب:51)

)وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) (البقرة:207)

)وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة:265)

)لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (البقرة:272)

)هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (آل عمران:7)

)وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) (النساء:104)

)لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَع++++*وفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) (النساء:114)

)أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) (الرعد:17)

)وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) (الرعد:22)

)وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً) (الاسراء:28)

)ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد:27)

)إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى) (الليل:20)

ففي أية سورة التحريم (تبتغي مرضاة أزواجك) ما هذا الابتغاء الذي يجعل رسول الله r يحرم ما أحل الله تعالى له لمرضاة أزواجه، كذلك في سورة الإسراء (وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها) الإعراض عن الوالدين هو لعمل نبتغيه وهو رحة الله تعالى ولم يكن الاعراض لأي سبب بسيط أو لأمر دنيوي. وكذلك في قوله تعالى (وابتغي فيما آتاك الله الدار الآخرة) وابتغاء الدار الآخرة عمل يتطلب الجهد والانهماك فيه حتى نحقق الامر الذي نبتغيه. ولنا وقفة مع الآية (واتقوا الله وابتغوا اليه الوسيلة)

اتقوا الله فيما فرضه عليكم وأما الوسيلة فهي الوصلة او الشيء الذي نتوسل به لكي تقضي حاجتك عند من بيده الحاجة. فالله تعالى يهيب بعباده أن يتقوه بعباداتهم فنفعل الفرض خوفاً من الله تعالى ونفعل النافلة حباً بالله تعالى وابتغاء مرضاته. لأن الفرض مفروض علينا أصلاً ويجب أن نقوم به ليس لنا خيار إن كنا مؤمنين ولكن أن نتقرب إلى الله تعالى بالنوافل فهذا ما نفعله حباً بالله تعالى وطمعاً في مرضاته ومغفرته فالابتغاء يكون باتطوع وما نفعله مختارين. وفي الحديث القدسي(ما تقرب الي عبدي بشيء أحب مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه..إلى آخر الحديث) هذا الحديث يفسر معنى كيف نتخذ الى الله تعالى الوسيلة.

فعلينا جميعاً أن نتخذ عبادة او نافلة معينة غير مفروضة فرضاً ونتقنها ونجيدها لله تعالى حتى نبتغي مرضاته بها ونبذل فيها قصارى جهدنا حتى تلقى ربنا بهذه العبادة المخصصة المتقنة.

فالفرض هو المطلوب والنافلة هي الزيادة. والنافلة هي الزيادة عن المطلوب من جنسه ونوعه. فصيام رمضان فرض وصيام التطوع نافلة، والصلاة المكتوية فرض والسنن نافلة، والزكاة فرض والتصدق نافلة، وحج بيت الله الحرام مرة واحدة فرض والحج المتكرر نافلة فالله تعالى يطلب من عباده أن يتقوه بما فرضه عليهم ونطلب اليه الوسيلة بالنوافل التي نداوم عليها ونتقنها لوجهه تعالى.وأنا أرى والله أعلم أن شهادة (لا إله إلا الله فرض ونافلتها ذكر الله تعالى، وشهادة أن محمداً رسول الله فرض ونافلتها كثرة الصلاة على النبي الكريم r)

والقاعدة العامة أنه علينا أن نعرف بعض الشيء عن كل شيء وان نعرف كل شيئ عن شيء واحد.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 05:06 PM
منظومة الحبس

حبس – سجن – امساك – توقيف – اثبات – حجر - رباط

هذه المنظومة كلها في عمليات الحبس ومراحله ولكل كلمة معنى خاصاً بها تتميّز عن غيرها من كلمات المنظومة. والحبس ليس نوعاً واحداً ولا له مرحلة واحدة بل لكل مرحلة إسم. ونستعرض فيما يلي هذه الكلمات ومعنى كل منها على حدة:

الإمساك: وهو المنع عن التخلية والإرسال وهو أول مرحلة من مراحل الحبس لأن أول ما يفعله رجال الشرطة في حق متهم هو أن يمسكوا به والإمساك يكون بلا جراح أي لا يحصل مواجهة بين المتهم والشرطة. (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) سورة فاطر آية. 2، (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَع++++*وفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) سورة البقرة آية 225، (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) سورة النساء آية 15.

الإثبات: إذا تمّت عملية الإمساك لكن مع جراح ومواجهة أو إذا حاول الممسوك الهروب فأُطلق عليه النار فأُرهق عن الفرار يسمى إثباتاً (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَي++++* الْمَاكِرِينَ) سورة الأنفال آية 30.

التوقيف: سواء كانت العملية إمساكاً أو أثباتاً بعد الإصابة بجرح يعيقه من الفرار يوضع الممسوك في التوقيف (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) سورة الصافات آية 24، (وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) سورة الأنعام آية 27.

الحبس: بعد التوقيف تأمر الشرطة بحبس الممسوك على ذمة التحقيق وفي هذه المرحلة يكون الحبس مؤقتاً لأن الممسوك يروح ويجيء إلى التحقيق وجلسات الإستماع وغيره وهذه المرحلة تكون قبل صدور الحكم على الممسوك. لذا هذه الفترة تكون مؤقتة وقصيرة وليس فيها عنت. (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ) سورة المائدة آية 106، (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَص++++*وفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ) سورة هود آية 8.

السجن: بعد أن يُحكم على الممسوك بالعقوبة المناسبة ويُحكم بسجنه لمدة محددة قد تطول أو تقصر حسب القضية. وتسمى هذه المرحلة السَجن بفتح السين والمكان الذي يُنفّذ فيه الحكم السِجن بكسر السين.( وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة يوسف آية 25، وردت في الآية كلمة السجن أي بمعنى المكان الذي يسجن فيه وهو بكل غلظته أهون عليه من الوقوع في الفاحشة ولم يقل السَجن بمعنى العقوبة والسجن يؤلّف بين المساجين فكان يوسف u ينصح أصحاب السجن ويؤل لهم أحلامهم ويتحدث معهم. هذه القصة وقعت قبل 2000 عام قبل الميلاد ونحن الآن 2000 عام بعد وفي خلال هذه السنوات العديدة 4000 سنة كان الناس وما يزالون يزجّون في السجن بدون حبس سابق أو محاكمة حتى يموت أو يُطلق سراحه بعد سنين عديدة (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ* قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ) سورة يوسف آية 32، (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) آية 42.

وأهون على الإنسان أن يُحبس 50 عاماً من أن يُسجن بلا محاكمة ولمدة غير محددة ولهذا في الشرع يجب أن يعرف السجين الحكم عليه ومدة الحكم.

وكلمة السجّين من مشتقلت كلمة السجن (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) سورة المطففين آية 7 ، والفرق بينها وبين السجن أن السجن ليس فيه تعذيب أما السجّين فكله تعذيب ويُلقى السجين في غياهب السجن مثل الأشغال الشاقة في الدنيا وعذاب جهنم في الآخرة.

الحِجر: يختلف عن الحبس بالمعنى فالحبس يعني منع المتّهم من رؤية الناس أما في حالة الحِجر فهو منع الناس من رؤية المتهم تماماً كما يحصل في حالة الحجر الصحي للمصاب بداء معدي حتى لا يعدي غيره من الناس فيُوضع في الحَجر أو في حالة من مُنع من التصرف بماله وأحواله (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا) سورة الفرقان آية 22 .ويسمّى ما يحاط بالحجارة حِجراً وبه سُمّي حِجر الكعبة وديار ثمود (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ) سورة الحجر آية 80. ويقال حجر الممنوع منه بتحريمه (وَقَالُواْ هَـذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ) سورة الأنعام آية 138، ويقال للعقل حجر لكون الإنسان في منع منه مما تدعوه إليه نفسه (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ) سورة الفجر آية 5.

الرباط: وهو محبس الخيل. عندما تُوقف الخيل في سبيل الله توضع في مكان يسمى الرباط (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) سورة الأنفال آية 60. وقد استعير هذا اللفظ لمحبس الجيش ففي العصور السابقة لم يكن هناك جيش نظامي فلما صار هناك جيش نظامي أصبح هناك ثكنات يًحبس فيها الجيش فإذا كانت هذه الثكنات على حدود العدو تسمى رباط ومنها ما أطلقه الرسول r على أرض فلسطين (هم في رباط إلى يوم الدين).

والحبس هو أخطر على السلطة القضائية أو التنفيذية حبس إنسان ولو يوماً واحداً بدون وجه حق أو تأخير إطلاق سراحه إهمالاً أو ظلماً بعد انتهاء مدة عقوبته. (حديث المرأة الصالحة التي أدخلت النار في هرّة حبستها) وفي رواية أخرى (في هرّة سجنتها). وهناك نوعان من الحبس: الحبس تاشريف والحبس الخسيس.

أما أشرف أنواع الحبس فهي الأوقاف وهو ما يُسمى في الشريعة الإسلامية(الحُبُس) وهي ما يوقف الناس من أملاكهم وأموالهم وخيولهم للخير في سبيل الله أو في طلب العلم أو المساجد أو غيره. والأوقاف هي من أشرف أنواع الحُبُس فإذا حبس أحدهم خيلاً في سبيل الله فإن كل حركات الخيل وطعامه وشرابه فيه أجر لمن أوقفه في سبيل الله. ومال الحُبُس أو الأوقاف من الأموال الثلاثة المحميّة في الإسلام: مال بيت المال ومال اليتيم ومال الحُبُوس). زمن الحُبُس الكريمة أيضاً (المشاة) في الجيش فهم موجودون أو محبوسون في مكانهم وليسوا كالخيّالة الذين هم أكثر تأثيراً في الحرب.

أما أخسّ أنواع الحبس وأخطرها نوعان: الدّين لأن نفس المؤمن معلّقة بدينه لا ترتفع إلا إذا وفّي وصاحبه يُحبس عند باب الجنة حتى يُقضى دينه. لذا فقد كان جزاء من يبرئ الدين عظيماً في الإسلام لأنه يُنقذ صاحبه من عذاب البرزخ. وثاني أخطر أنواع الأحباس: الغنى، لأن الغني (والغني هو من يملك قوت يومين) يّحبس إذا كان حوله من كان محتاجاً أو مديناً أو جائعاً أو فقيراً فلم يعطهم أو يدفع عنهم.فيجب على الغني أن يُخصص جزءاً من ماله الذي يزيد على حاجاته لقضاء حاجيات المحتاجين من حوله وعليه أن يتحرى ليعلم المحتاجين من حوله من أهل وأقارب وجيران وغيرهم.

ومن الأحباس الجميلة في الدنيا الحبس الإختياري كأن تحبس المرأة نفسها عن الزواج بعد وفاة زوجها لتربية أولادها مثلاً. وقد قيل الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 05:06 PM
منظومة الإحباط

حبِط– فسد – بطُل –

هذه المنظومة كلها في إحباط الأعمال الأخروية أو فسادها أو بطلانها ولكل كلمة معنى خاصاً بها تتميّز عن غيرها من كلمات المنظومة. وكل اختلاف بين كلمتين بالبنية أو الصيغة أو المرادفة لا بد أن يكون لها معنى آخر تُكمل الزاوية الناقصة من الصورة ولا تُغني عنها كلمة أخرى.

فسد والفساد: هو وصف جزئي بمعنى إذا قلنا هذا العمل فاسد أي أن فيه فساد جزئي لكن يبقى فيه جزء صالح. . والعمل الصالح قد يكون فيه جزء فاسد. (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) سورة الروم آية 41 ، ليس كل ما في البر والبحر قد فسد لكن هذا الفساد هو جزئي . (فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) سورة البقرة آية 220 ، والصلاح عكس الفساد (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) سورة الأعراف آية 56 ، (فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّح++++* إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) سورة يونس آية 81 ، (الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) سورة الشعراء آية 152

بطُل والبُطلان: هذا فساد كلّي كأن العمل لم يكن موجوداً أصلاً، . (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) سورة البقرة آية 264 فالذي ينفق ماله على المحتاجين ثم يمنّ عليهم بما أنفق أو ينفق باستعلاء وأذى باللسان (الأذى لساني والضرر مادي) فعمله باطل بمعنى أنه كأن لم يتصدق أصلاً ولا يقبل الله تعالى عمله. والرياء مما يُبطل العمل كما في الحديث الشريف عن أوّل من تُسعّر النار بهم يوم القيامة عالم ومنفق وشهيد. وكل من هؤلاء الثلاثة عمل العمل يظُنّه صالحاً لكنه عمله للرياء فأبطل الله تعالى أعمالهم كأن لم تكن موجودة وكأنهم لم يعملوها. مثال آخر: قد يقال أن عقد زواج ما فاسد أو باطل، فالعقد الفاسد هو الذي فيه خلل في أحد شروط العقد كعدم أهلية الشهود مثلاً أو عدم وجود الشهود أو أن يكون مؤقتاً كأن يحدد فترة العقد باسبوع أو وقت محدد فهذا لا يُبطل العقد ولكن يُفسده. أما العقد الباطل فهو العقد الذي يستوفي كل شروط العقد الصحيح لكنه مثلاً يعقد على أخته أو على امرأة متزوجة أو امرأة ما زالت في فترة العدّة فهذا زواج باطل والعقد باطل. وعلى هذا فإن الصلاة قد تفسد وقد تبطل، تفسد إذا كان هناك جزء فيها غير صحيح وهذه تُجبر لكن أن تكون الصلاة باطلة فهي لا تُجبر ولا بد من إعادتها كأن يُصلي المسلم على غير الهئية التي صلّى عليها الرسول r وعلّمنا إياها، إذن الشيء الفاسد موجود ولكن فيه خلل وهذا الخلل قد يُجبر أما البطلان للعمل فكأنه غير موجود أصلاً ولا يُجبر الخلل فيه. والحق عكس البُطلان (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) سورة آل عمران آية 71، (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) سورة الأعراف آية 118، (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) سورة الأنفال آية 8، (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) سورة هود آية 16، (ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ) سورة محمد آية 3 و (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) آية 33

حبِط والإحباط: العمل الصالح موجود وكامل ومستوفي الشروط لكن الذي عمل هذا العمل ارتكب ذنباً أو خطيئة من البشاعة بحيث مسح كُلّ أو بعض عمله الصالح (عمل صالح ثم يأتي عمل آخر يُزيله). والإحباط يأخذ عدة تسميات: الإحباط عكسه الطمع (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) كل شيء يطمع أن يكسب الأجر فيه فإذا عمل عملاً بحيث لا يغفر الله له يُصاب بإحباط شديد. فالفشل إحباط من الطمع في الفوز، والرسوب إحباط في الطمع بالنجاح، والعجز إحباط في الطمع الفعل الشاقّ والطمع في القُدرة، والهزيمة إحباط في الطمع بالنصر، والخسارة إحباط في الطمع بالغنى (الخسارة في التجارة)، والإفلاس هو الإحباط بالطمع في الدين (حديث: أتدرون من المُفلس؟)

والإحباط هو أخطر ما يعانيه الإنسان لأن الفعل الباطل واضح الأصنام والسحر وما شابه كلها باطلة وواضحة (فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّح++++* إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) سورة يونس آية 81، فلا يوجد كثير من الذين يعملون السحر في المجتمع الإسلامي، أما الإحباط فكثير لأنه كم يُذنب الإنسان ذنوباً وخطايا قد تُحبط عمله يوم القيامة فلا يبقى في صحيفة الأعمال شيء فيصاب الإنسان باحباط شامل لأنه ارتكبنا أعمالاً ذهبت بكل بأعمالنا الصالحة سواء كلياً أو جزئياً، فهذه الذنوب التي يرتكبها الإنسان قد تُذهب جزاء عمله الصالح. والإحباط نوعين إحباط كُلّي وإحباط جزئي.

أما الإحباط الكلي فهو الشرك والرِدّة (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) سورة الزمر آية 65، (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) سورة المائدة آية 5. والأعمال الصالحة في الدنيا لها عدة وظائف: النجاة من النار، سرعة دخول الجنة، وتبؤ الدرجات العلا في الجنة. وإحباط العمل قد يمنع من دخول الجنة أو يُبطيء في دخولها (الأغنياء الصالحون يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمئة عام) أو يمنع نيل الدرجات العلا في الجنة (والآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا). والإحباط أنواع هي:

الإحباط الأكبر أو الشديد: وهو الشرك وهذا الذي يُدخل النار وفي هذا آيات كثيرة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) سورة البقرة آية 217، (أُولَـئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ) سورة آل عمران آية 22، ، (ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) سورة الأنعام آية 88، (وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) سورة الأعراف آية 147، (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) سورة الكهف آية 105

وهو الإحباط المقتصر على الشرك ومفرداته من نفاق ورياء وعقوق للوالدين الذي مات ووالداه عنه غاضبان يدخل النار، والتولي من الزحف أيضاً من ليس له الحق بالإنسحاب والهرب يدخل النار.

الإحباط الوسطي: هو الذي يُؤخر في دخول الجنة. يكون الإنسان قد نجا من النار لكن تأخر دخولهم الجنة وينتظرون زمناً طويلاً لدخولها كما في قصة الأعراف (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) سورة الأعراف آية 46، ومن محبطات الأعمال الغيبة كما في الحديث الشريف فهي تأكل الحسنات من صجيفة الأعمال يوم القيامة (أكلتها الغيبة) والغيبة هي من محبطات العمل الجزئي، والإحباط الجزئي هو الذي لا ينفع معه عمل من حيث جزئيات العمل.

الإحباط الثالث وهو الإحباط الذي يقلل من الدرجة في الجنة من حيث الأداء وهو سوء الأداء.ومعظم عباداتنا في زمننا الحالي تدخل في هذا النوع، قد توجد حسنات كثيرة لكنها ليست جيدة كالصلاة تؤدّى لكن ليس فيها خشوع ولا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، والصوم الذي ليس فيه إلا امتناع عن الطعام والشرب والشهوة. والمعلوم أن لكل عبادة وظيفتان: أولها إسقاط الفرض والنجاة من النار وثانيها اكتساب الدرجات في الجنة. ولكل عبادة آداب خاصة بها وسوء الأدب يدخل في سوء الأداء ومن محبطات الأعمال.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 05:07 PM
والمحبطات كثيرة منها الكفر والرِدّة والشرك والتولي يوم الزحف وعقوق الوالدين وموالاة المشركين. والإحباط الكلي محصور في الشرك ومفرداته (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ) سورة التوبة آية 17، (حبطت أعمالهم وأصبحوا خاسرين) كالخائن الذي يوالي أعداء الأمة كااجاسوس والعميل والمشرك. والرياء من محبطات الأعمال وهو مُخلٌ بإخلاص العمل (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) سورة محمد آية 9، و(ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) آية 28، (كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) سورة التوبة آية 69، (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) سورة الأحزاب آية 19، (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) سورة هود آية 16 كأن يشتري بالعمل الصالح دنيا (حديث : شرُّ الناس من طلب الدنيا بعمل الآخرة). إذا ثبّت المسلم موقفاً دنيوياً بعمل أُخروي مع طائفته أو ح++++ه على حساب مسلم آخر من غير طائفته أو ح++++ه يحبط عمله (هو سماكم المسلمين من قبل) وكما في الحديث (دبّ إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة لا أقول حالقة الشعر وإنما حالقة الدين). فعلى المسلم أن يُنصف أخاه المسلم من أي مذهب أو طائفة أو جماعة كان والفيصل في حب المسلمين جميعاً هو أنه يصلي إلى نفس القبلة فلا فرق بينه وبين غيره من المسلمين من أي طائفة كان فالكل يصلي لله ويتجه إلى نفس القبلة ولا يجب أن يزدري المسلم عمل غيره المسلم أو عبادته أو حقّرها أو استهزأ بغيره من المسلمين على عبادتهم وكأنه يتألّه على الله تعالى. فالميزان هو القبلة وجميع من يصلي للقبلة هم متساوون من حيث القبول من الله تعالى وما عليك من حسابهم من شيء (ما عليك من حسابهم من شيء) ما دام يصلي للقبلة فقد أدى اذي عليه من حيث العبادة وقبول الأعمال وإحباطها هو لله تعالى فقط

ومن المحبطات أيضاً مشاقّة الرسول r. مجرد رفع الصوت في حضرته أو أن يجد الإنسان في صدره شيء عليه أو مجرد الشكّ في صحة أقواله أو أفعاله أو الإستهزاء به بأي شكل من الأشكال كلها من أكبر المحبطات للأعمال الصالحة. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ) سورة محمد آية 32، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) سورة الحجرات آية 2

ومن المحبطات الغيبة وهي مصيبة المصائب وكذلك التألّه على الله تعالى بتقييم أعمال غيرنا من المسلمين وتحقير أعمالهم والجوم بأنهم سيكونوا من أهل النار أو تسفيههم أو نحو ذلك فليس على المسلم أن يتأله على الله تعالى لأنه وحده يعلم بالسرائر وهو الذي يحاسب العباد على أعمالهم، فقد يدخل الله تعالى الجنة من لم يكن يظن الناس أنه داخلها لأن الله تعالى علم بصلاحه وإخلاصه أو غيره. فعليه لا يجب تحقير وتسفيه أعمال غيرنا من المسلمين ولكن علينا اتباع الوعظ والله تعالى أعلم بعباده وبعباداتهم وهو الذي يُدخل الجنة بفضله وكرمه سبحانه. والغيبة سرطان الأعمال وهي تُذهب عمل المسلم وقد ورد في الحديث الشريف عن سهل بن سعد قال: قال الرسول r : من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه أضمن له الجنة.

ومن المحبطات أيضاً ترك صلاة العصر كما في الحديث: من ترك صلاة العصر متعمداً حتى تفوته فقد حبِط عمله. وفي حديث آخر فكأنما وتر في أهله.

وعليه فعلى كل مسلم واجب أن يحذر محبطات الأعمال وأن يقول كل ليلة قبل النوم: اللهم إني أتصدق بعرضي على جميع المسلمين لأني لا أريد أن أفجع محمداً بواحد من أمّته. وبدون هذا يدخل الكثير من الناس النار وما من شيء يفجع النبي r كواحد من أمّته يدخل النار فعلينا أن لا نفجع نبيّنا r بأحد من أمّته.ّ ويقول : اللهم اغفر لمن اغتابنا واعفو عمن ظلمنا.

كان ابن القيّم يتحدّث عن الكبائر ومحبطات الأعمال فقال له أحدهم أن هناك أعمالاً تكون حجاباً بين الإنسان والنار فقال ابن القيّم فتأتي هذه الكبيرة المحبِطة فتخرق هذا الحجاب.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 05:08 PM
منظومة الحجاب

حجاب– غطاء – غشاء – خمار – نقاب - ستار

هذه المنظومة هي منظومة المنع من الوصول وكل كلمة من كلمات هذه المنظومة تختص بمعنى تتفرّد بها عن أخواتها.

الحجاب: الحجاب في القرآن هو منع الوصول إلى الشيء من حيث التلاقي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً {53}) الآية في سورة الأحزاب تعني منع الآخرين من لقاء نساء النبي r والوصول إليهن. وكذلك قوله في سورة الأعراف (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ {46}) الحجاب يمنع أصحاب الأعراف من الوصول إلى الجنة ولقاء أهلها تصديقاً لقوله تعالى في سورة الحديد (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ {13}). فالحجاب إذن بهذا المعنى هو خاصٌ بنساء النبي r أما نساء المسلمين فيمكن لهم التقاء الآخرين لإذا كانت عليهن الملابس الشرعية وفي إطار الحشمة. وقد وردت كلمة الحجاب في القرآن الكريم في مواضع أخرى هي: سورة الإسراء (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً {45})، وسورة مريم (فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً {17})، وسورة فُصّلت (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ {5}) وسورة الشورى (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ {51}‏).

الغطاء: هو منع الوصول إلى رأس الشيء. فكل شيء يوضع على الرسأس ويكون صلباً يُسمّى غطاءً كالقدر يوضع عليه غطاء فلا يمكن لليد أن تصل إلى القدر إلا بعد أن ترفع الغطاء وتُسمى خوذة الجنود غطاءً لأنها تمنع الوصول إلى الرأس وهي صلبة وكذلك تُسمى القلنسوات الحديدية التي يلبسها المحاربون في المعركة. إذن فالغطاء هو كل شيء سميك صلب يمنع الوصول إلى الشيء. وقد استعمل القرآن الكريم هذه الكلمة للشرك في سورة الكهف (الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً {101}) فالشرك كان صلباً بحيث لا يلين. وكذلك استعملت للجهل إذا كان مُطبقاً ولا يمكن رفعه كما في قوله تعالى في سورة ق (لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ {22}) هناك جهل من طبيعة قوانين عقل الإنسان لأن معارف الإنسان فس الدنيا قليلة مهما بلغ من العلم وعندما يموت يكشف الله تعالى له معارف عظيمة لم يكن يفهمها من قبل بطبيعة عقله الإنساني

الخمار: والغطاء من حيث المرأة في الإسلام يُسمى خماراً هذا لإذا لم يكن الغطاء صلباً تغطي المرأة فيه شعرها وهو يمنع الوصول إلى شعر المرأة بالنظر. والخمار هو غطاء الرأس ولمّا لم يكن صلباً لا يُسمى غطاء بل يُسمّي خماراً. ويقال خَمَر الشيء بمعنى ستَرَه. والحديث الشريف يقول (خمّروا الآنية) أي غطّوها بشيء ليس صلباً كقماش أو نايلون أو نحوه. ولهذا جاء الحكم من الله تعالى لنساء المؤمنين بضرب خمورهن على جيوبهن كما في آية سورة النور ()وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {31}‏

الغشاء: إذا كان الغطاء ليس فقط للرأس وإنما للرأس والوجه يُسمّى غشاءً أو غُشوة كما في اللغة الدّارجة، كما جاء في قوله تعالى في سورة هود (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ {5}) وفي سورة نوح (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً {7}) وضعوا ثيابهم على رؤوسهم ووجوههم حتى غطّها بالكامل. وكل شيء يغمر الوجه والرأس كله وجهاً وشعراً يُسمى غشاء كما في سورة طه (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ {78}) الماء صار فوقه رؤوسهم ووجوههم وفي سورة الأنفال (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ {11}) وكذلك في سورة آل عمران (ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ {154}) النعاس شمل جميع الرأس وما حوى. وقد استعمل القرآن كلمة الغشاء في مواضع عديدة منها في سورة لقمان (وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ {32}) وفي سورة البقرة (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ {7}) وسورة يس (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ {9}) وفي سورة يونس (وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {27}) وكذلك في سورة الليل (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {1}). فالغشاء إذن شمولي والخمار جزئي.

النقاب: هو ما يوضع على الوجه فقط. وهي مأخوذة من نقب الأمر أي العمل الصالح الكريم ولهذا كان رئيس القوم يُسمّى نقيباً لعمله الصالح العظيم. وفي التاريخ الإنساني كان رئيس القوم يتنقب أي يُغطي وجهه دلالة على كرمه وشجاعته وكان يُسمّى نقيب القوم وما زالت بعض القبائل في المغرب العربي يغطون وجوههم رجالاً ونساءً. وقد استعمل القرآن هذه الكلمة في سورة المائدة (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ {12}). وكل عمل صالح يُسمّى منقبة. والمناقب هي الأعمال الكريمة كما يُقال مناقب الصحابة وكذلك المنقبة النبوية وهي شعر في مدح النبي r وشمائله.

الستار: كل شيء يُستقبح النظر إليه ويُستفبح الوصول إليه يُسمّى ستاراً.عندما يُستقبح أن يُرى الشيء يُسمى ستاراً فالإنسان يستقبح أن يرى أحد عورته أو ما في داخل بيته ولهذا نضع ستائر على النوافذ. وقد وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم في سورة فُصّلت (وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ {22}) وفي سورة الكهف (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً {90}).

وأضيف على ما تفضّل به الدكتور الكبيسي ومن وجهة نظري الشخصية والمتواضعة أنه بعد هذا التفصيل لكل كلمة في هذه المنظومة يتبيّن لنا أن كلمة الحجاب تُطلق خطأ على خمار المرأة ويكثر اللغط حول هذا الأمر فعلى وسائل الإعلام والمسلمين جميعاً أن ينتبهوا لهذه الكلمات لأنه بمعرفة هذه الكلمات وحقيقة معناها ودلالتها يمكن لنا أن نعرف الحكم الإلهي فيها فالحجاب كما يتبيّن وكما تعنيه الكلمة هو خاص بنساء النبي r وليس لباقي نساء المسلمين أما الخمار فهو ما فرضه الله تعالى على نساء المسلمين في آية سوة النور. هذا والله أعلم.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 05:08 PM
منظومة الحديث

صوت– لفظ – نطق – كلام – حديث - قول

منظومة حديث هي منظومة أصوات الفم الإنساني وكل ما يصدر عن الفم الإنساني منظومة متعددة المعاني.

صوت: هو أول شيء يخرج من فم الإنسان والصوت هو عندما لا يكون مكوناً من حرفين فيكون إما أنيناً أو عواءً أو بكاءً أو نواحاً أو عويلاً أو غيره ولكل صوت اسمه وفصيلته وطبيعته في عالم الإنسان.

لفظ: إذا كان الصوت مكوناً من حرفين يُسمى لفظاً مثال: من ، إن، عن، في قد لا يكون لهما معنى لكن لا بد أن يكون كل هذه كلمات وكما قيل (كلامنا لفظ مفيد كاستقم إذن وهو فعل وحرف واسم وذلك هو الكلِم). عندما يكون اللفظ مسموعاً من فم حيّ ومن حرفين فهو لفظ.

نطق: عندما يكون اللفظ مكوّن من كلمة فهو نطق (عُلّمنا منطق الطير) (ما لكم لا تنطقون)

كلام: إذا كان هناك عدة كلمات تُسمّى كلاماً (يكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين)

حديث: إذا كان الكلام طويل من عدة جُمل له موضوع محدد يتحدث عن موضوع ما اقتصادي أو سياسي أو ديني أو غيره يُسمّى حديثاً (ما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً) (الله نزّل أحسن الحديث)

قول: إذا تخلل الحديث عبارة قوية تحمل نظرية أو قراراً أو قاعدة يُسأل عنها صاحبها سلباً أو إيجاباً وقد يُحاسب عليها صاحبها إما له وإما عليه وقد تكون لُبّ الحديث ونتيجته التي تلفت النظر يُسمّى قولاً. (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد). الحديث ليس كله أقوال فقد يكون فيه زيادات وحواشي أو كلاماً خارج الموضوع أو غير مقصود. أما القول فهو أهم ما في الحديث والحديث أهم ما في الكلام والكلام أهم ما في النطق والنطق أهم ما في اللفظ واللفظ أهم ما في الصوت.

ولو تتبعنا القرآن الكريم لوجدنا أن هذه الكلمات كلها موظّفة في القرآن توظيفاً محدداً لا زيادة فيه ولا لبس ولكل منها معنى لا يفيده غيرها من الكلمات. ففي قوله تعالى (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) لم يأت بكلمة حديث او كلام او صوت أو منطق وإنما جاءت الآية بكلمة قول ومعنى كلمة قول في الآية أن الملكين لا يسجلون كلام الحشو مما لا يعنيه الإنسان وليس به مسؤولية مثل أين الطعام وأين فلان وغيره إنما الذي يُسجله الملكان هو القول الذي يعنيه الإنسان ويؤثر عليه أو على غيره في الحياة والإجتماع والدين ويُسجل في صحيفة أعماله سواء الحسنة أو السيئة.

وأهم كلمات هذه المنظومة كلمتي القول والحديث اللتين سنستعرضهما بإسهاب فيما يلي:.

القول: هو كما قلنا كلام مقصود قصداً ومهم جداً كأن يتحدث الإنسان في محاضرة ما ثم يقول جملة معينة ضمن حديث طويل تشد الناس وتلفت انتباههم فيتعلمون منها جديداً وقد تسعدهم أو تشقيهم، هذه الجملة الوحيدة التي شدّت الناس هي القول. ولأهمية القول وصفه الله تعالى في القرآن بعدة أوصاف من حيث أهميته جاء منها:

قول سديد (وقولوا قولاً سديدا)

قول عظيم (إنكم لتقولون قولاً عظيما) قول يثير الغضب في بطلانه وانحرافه وباطله

قول كريم (وقل لهما قولاً كريما) وكرم القول مع الوالدين نظرية هائلة في القرآن

قول ميسور (وقل لهما قولاً ميسورا)

قول صواب (لا يشفعون إلا لمن أذن له الرحمن وقال صوابا)

قول ثقيل (إنا ستلقي عليك قولاً ثقيلا) إذا كان فيه من العلم والمعاني ما لا يمكن لكل الناس حمله

ومن هذا نذكر حديث النملة مع سليمان في سورة النمل كان حديثاً طويلاً لكن ما شد اتباه سليمان u قولها (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون) لذا تبسم ضاحكاً من قولها وليس من حديثها كله لأن الذي لفت نظره في قول النملة أنها تدرك وتفرّق بين من يقتل متعمداً ومن يقتل خطأً بدون قصد (وهم لا يشعرون).

القول إذن هو الجزء المحدد من الحديث الطويل، والحديث الطويل هو الجزء المحدد من الكلام الطويل، والكلام الطويل هو الجزء المحدد من النطق الطويل، والنطق الطويل هو الجزء المحدد من اللفظ الطويل واللفظ الطويل هو الجزء المحدد من الصوت الطويل.

كل كلمة في القرآن الكريم لا تغني عنها رفيقتها وهذا من إعجاز القرآن الكريم فوصفه تعالى في قوله (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ {23}) فما تأتي من كلمة إلا في مكانها أو موضعها وتأخذ معنى خاصاً بها لا تشاركها فيه كلمة أخرى.

أهم ما في هذه المنظومة الكلام ثم الحديث ثم القول. ولكي يكون الكلام مؤدياً لوظيفته لا بد أن يكون فصيحاً ولا يصح أن يكون المتكلم في لسانه لدغة أو علة أو لا يبين أو مخارج حروفه غير واضحة وقوله تعالى (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا) ليست كما يقوله بعض المفسرين أن موسى u كان في لسانه عجمة او عيب لكن الواقع أن اللغة في قصر فرعون كانت غير لغة بني إسرائيل ولم يكن موسى u متمكناً بلغتهم العبرية كأخيه هارون الذي عاش بين قومه وهو أعلم بلغتهم وهو افصح من موسى u من حيث أنه عاش مع قومه بينما عاش موسى مع فرعون في قصره ولذلك قال (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا). فالفصاحة هي صفة الكلام التامّ الراقي المقبول كما أن البلاغة صفة القول وفي الدنيا قواعد ونظريات وأمثال قالها بشر فأصبحت عند الناس كأنها دستور فهذه يجب أن تكون بليغة دقيقة موجزة ليس فيها حشو ولا نقص أو زيادة في التعبير .

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 05:09 PM
الحديث: قال تعالى (ومن أصدق من الله حديثا) وقال تعالى (ومن أصدق من الله قيلا) وهذا يدل على أن الكلمة الواحدة تطلق على معنى محدد فيختار الله تعالى لها اللفظ المحدد الواحد وهذه الآية هي سبب برنامج الكلمة وأخواتها أصلاً والذي لم يسبق له مثيل في التاريخ الإسلامي من حيث التوسع في هذا الباب فجمهور المسلمين كانوا ينكرون عدم الترادف ويوقولون بأنه لا فرق بين كلمة وكلمة في القرآن وقالوا أنه لا فرق بين الريبة والشك والفرق بينهما واضح فالشكّ هو اختلاف الشيئين مع عدم التهمة والشك يدعو للإطلاع أما الريبة فهي اختلاف الشيئين مع وجود التهمة والريبة تدعو للهرب للسلامة كما أوضحنا في حلقات سابقة.

فقوله تعالى (ومن أصدق من الله قيلا) من حيث أن كل كلمة لا تغني عنها صاحبتها وقوله تعالى (ومن أصدق من الله حديثا) المواضيع التي جاءت في كتاب الله تعالى لا يأتيها الباطل فكثير من أحاديث الدنيا في مواضيع محددة من لآدم u إلى قيام الساعة كُتب فيها نظريات وأبحاث ثم جاء الزمن فأثبت فشلها وبطلانها كنظرية كون التطور وغيرها أما حديث القرآن فصادق ومن المستحيل أن يأتي فيصبح حديث القرآن غير صحيح فهو يتفق مع الواقع

والله تعالى هو أصدق حديثا وأصدق قولاً فعلينا أن نتلمّس هذا.

والآية في سورة الزمر (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ {23}) تنيّن نوعاً من إعجاز القرآن من حيث كونها نطقاً ثم لفظاً ثم كلاماً ثم حديثاً ثم قولاً. فلماذا هو أحسن الحديث؟ لأنه كتاب متشابه أولاً ومثاني ثانياً. وكل ما يُشكل تفسيره لأنه يحتمل عدة معاني فهو متشابه وكل ما يحتمل معنى واحد فه المحكم وهو المُفسّر أما المتشابه فيأوّل لعمقه له معنى أول وليس له معنى أخير بل باب التأويل مفتوح إلى يوم القيامة وما من كتاب على وجه الأرض تجد في عبارته أو جمله أو آياته من المعاني المتعددة كخزين لا يعرفه إلا أصحابه في الومان والمكان المحددين إلا القرآن . وأراد الله تعالى أن يوصل المعاني إلى أن تقوم الساعة ونحن نعلم أن البشرية تترقى كل يوم في علومها ومعارفها واكتشافاتها ولو قارنّا بين عصر الرسالة وعصر اليوم لوجدنا الفرق شاسعاً من حيث المعرفة والمعلومات. فالآية الواحدة يجب أن تعطي معاني بنسبة أقل أو أكثر عل اختلاف مستويات السامع واختصاصه ومعارفه. فالمسلمين في عصر الرسالة حيث كانت الأمية متفشية فهموا من الآيات ما ناسب علمهم ورأوا إعجاز القرآن وفصاحته وعظمته وآمن المشركون لقوة بيانه وبلاغته لأنهم كانوا أهل لغة وفصاحة وبيان. ثم جاءت الأجيال بعدهم فاكتشف كل جيل معاني مختلفة تُضاف إلى ما اكتشفه السابقون في العصر الأول.

وفي القرآن الكريم تشابه لفظي ومعنوي واعجازي ومعرفي وعلمي وهو لا تنقضي عجائبه كما قال رسول الله r إلى يوم القيامة وسيكتشف كل عصر في هذا القرآن ما يناسب علومهم وهكذا إلى أن تقوم الساعة.

المتشابه: ومن التشابه في القرآن الكريم أمثلة عديدة وقد كان المفسرون سابقاً يعتبرونها بمعنى واحد من هذه الأمثلة الفرق بين كلمتي ميت (أو من كلن ميتاً فأحييناه) وكلمة ميّت (إنك ميّت وإنهم ميّتون) وقالوا أنهما بمعنى واحد والواقع غير هذا لأن الميت بتسكين الياء هو الذي مات الآن مثلاً أما ميّت بتشديد الياء فهو الذي مآله إلى الموت والذي لا بد أن يموت في يوم من الأيام. وكذلك الفرق بين كلمة مخرج (ومخرج الميت من الحي) بصيغة اسم الفاعل وكلمة يخرج (ويخرج الميّت من الحي) بصيغة الفعل المضارع والفرق بينهما هو الفرق بين حبة الحنطة المستمرة بالتناسل وبين حبة الحنطة التي نطحنها ونصنعها دقيقاً.

وفي القرآن أيضاً الزيادة والنقص في الحروف ولكل منهما دلالته ويؤدي معنى مختلفاً كما في قوله (إن ذلك لمن عزم الأمور) بزيادة اللام وقوله (إن ذلك من عزم الأمور) بحذف اللام. والآيتان مختلفان من حيث نوعية الصبر فالآية الأولى تدل على وجود غريم للإنسان فوجوده يستدعي صبراً أكبر ويوجب أجراً أعظم فجاء باللام لزيادة التوكيد أما الثانية فليس للإنسان غريم وصبره يكون أقل من الحالة الأولى فحذف اللام . وكذلك الفرق بين الآيتين (لكيلا يعلم بعد علم شيئا) وقوله (لكيلا يعلم من بعد علم شيئا) بزيادة (من) والحالتين مختلفتين فالآية الأولى هي في الرجل الذي طعن في السن بحيث لم يعد يكتسب معاني جديدة فقال (بعد علم) أي أنه كان يكتسب فيما مضى علماً أما الآية الثانية فهي تدل على أن هذا الرجل طعن في السن ونسي حتى معارفه القديمة التي اكتسبها سابقاً فجاء بـ (من). ولا نكاد نرى أحداً من المفسرين توقف عند استخدام من في الآية دون الآية الثانية. وكذلك الفرق بين إن وإذا في القرآن (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) و (فمن بنصرنا من بأس الله إن جاءنا) وقوله تعالى (إذا جاءك المؤمنات) و (إذا جاء نصر الله والفتح) فكلاهما أداة شرط لكن إذا تستعمل إذا كان الأمر كثير الحدوث أما (إن) فتستعمل إذا كان الأمر قليل الحدوث أو شاذ أو متباعد.

وكل كلمة في القرآن تأتي في مكانها الذي لا تغني عنها صاحبتها وهو المترادف الذي نشرحه في برنامج الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم. ومثال ذلم الفرق بيم كلمتي أتى وجاء في القرآن فقد قال تعالى في قصة موسى u (فلما أتاها نودي يا موسى) وقوله تعالى (فلما جاءها نودي يا موسى) وكلمة أتى تعني أنه لما لاح من بعيد قال له تعالى اخلع نعليك أما جاء فتدل على أنه تقدّم ووصل المكان أي الوادي وحدّثه ربه.

هذا عن المتشابه وكما قلنا يوجد تشابه في المعنى والمعرفة فالآية الواحدة تعطي في كل جيل معنى جديداً غير المعنى السابق وقد تنسخه وقد تضيف عليه معنى آخر كما في قوله تعالى (بلى قادرين على أن نسوي بنانه) حديثاً عرفنا أن هذه الآية تدل على اختلاف البصمة عند كل إنسان كذلك قوله تعالى (سيهزم الجمع ويولون الدبر) عرف المسلمون معناها في غزوة بدر وقوله تعالى (الم غلبت الروم) عرف معناها عندما انهزمت الروم بعد سنوات من نزول الآية وقوله تعالى (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) عرف المسلمون معناها بعد وفاة الرسول r عندما وقعت معركة الجمل وقوله تعالى في سورة النمل (قال الذي عنده علم من الكتاب أن آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) تشير المعلومات أنه هذه الآية قد تكون تفسيراً لعملية النقل الضوئي التي يتحدث عنها العلماء. هذا التشابه العظيم لا يوجد إلا في كتاب الله تعالى ولا يمكن لأي كتاب أن يأتي بهذه المعاني ولذا جعل الله تعالى القرآن خاتم الرسالات ومعجزة دائمة ومن حق كل جيل أن يكتشفوا فيه معجزة أخرى لتكون حُجّة على هذا الجيل. هذا عن التشابه بقي أن نتحدث عن المثاني.

المثاني: من الثناء وقد قيل في هذه الكلمة آراء كثيرة وقد وصف الله تعالى الكتاب كله بالمثاني ووصف الفاتحة بالسبع المثاني واختلف المفسرون فيها ونحن نعود إلى أصل اللغة لفهم معنى المثاني فنقول: المثاني في اللغة هو ما يُثنى عليه. والقرآن كله يُثنى عليه من حيث أن الراسخين في العلم كلما أوغلوا في هذا البحر الذي لا ساحل له واكتشفوا درّة جديدة من درره يشعر بالفخر والزهو ويُثني على الله تعالى أن وفقه لاكتساف هذا المعنى وفي كل ساعة منذ نزول القرآن إلى أن تقوم الساعة يجد الباحثون في القرآن شيئاً جديداً لم يعثر عليه أحد قبلهم. وهناك فرق بين الحمد وبين الثناء فالحمد يكون لمن قدّم إليك معروفا أما الثناء فهو لأن فيك صفات عظيمة أنا معجب بها كما ور في سورة الفاتحة قوله تعالى في الحديث القدسي (حمدني عبدي، مجّدني عبدي، أثنى عليّ عبدي) وعندما تحدث الله تعالى عن الفاتحة قال (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم) فهي قرآن كامل لأن كل مسلم يُثني على هذه السورة وقد جعل الله تعالى الفاتحة هي الصلاة على عظمة الصلاة وقال (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي) كما في الحديث القدسي. وقد نزل بها ملك خُلق لأجلها ولم ينزل بغيرها. وعندما نزلت فتح لها باب من السماء لم يفتح إلا لها وأُغلق بعد ذلك والحديث عن جبريل u أنها أعطيت للرسول ولم تُعط لملك ولا لبشر قبل النبي r وهي الصلاة وهي الرقية وهي الموحّدة بين المسلمين ومنابعها كثيرة ولا تنقضي محاسنها وقد استخلص الإمام الرازي منها عشرة آلآف مسألة فقهية وشرعية، وهي سبع آيات نثنيها كل يوم في الصلاة مرات عديدة في الفروض والنوافل والذكر بعد الصلوات.

نعود دائماً للغة العربية كما قلنا كالفرق بين النجويد الذي هو التأنّق في الصوت والأداء وبين الترتيل الذي هو وضع الآيات في الموضوع الواحد على شكل رتل واحد وننظر فيها مرة واحدة. وقد جعل الله تعالى المتشابه في القرآن الكريم الشغل الشاغل لصفوة الأمة من نحويين ولغويين وأدباء وشعراء وفلاسفة وعلماء ولكل من له ميزة وهو إمام في بابه فانشغلوا انشغالاً عظيماً بهذا الكتاب (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) فالراسخون في العلم هم الذين يبحثون فيه البحث الذي لا ينقضي إلى يوم القيامة حتى قبل القيامة بقليل سوف نجد من يكتشف فيه أشياء جديدة (ويوم يأتي تأويله) سوف نعرف عندها أننا كنا قاصرين عن معرفة أسرار هذا المتشابه الذي أفنى صفوة الأمة أعمارهم في الوصول إلى بعضه.

يقول تعالى عن المنشغلين بهذا القرآن انهم في البداية (تقشعر جلودهم) قطعاً مصداقاً لقوله تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، فكون الجلد يقشعر دليل الفهم والخشوع والعمق ولهذا كل من يقرأ القرآن بهذا المستوى العميق العالي العظيم يشعر بقشعريرة من دقة هذا الكتاب وآياته المخيفة وآياته المؤنسة ثم لما يشعر بهذا العمق وهذا البستان من الثمرات الهائلة يتعود عليه ويطمئن ويبدأ الرجاء يفوق الخوف.

هذا هو ما أردنا بيانه بين الحديث والقول وهذا يعطينا ضوءاً أخضراً لنبحث فيما هو متشابه ومثاني وكل مسلم عليه أن يقيس مدى تأثره بالقرآن الكريم بمدى ما يقشعر جلده ويلين قلبه ثم يطمئن.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 05:10 PM
منظومة الحبل

حبل– وثاق – سلسلة – غل – صفد – طوق - قفل

هذه الكلمات كلها تدخل في منظومة الإمساك والسيطرة أي أن تسيطر على الشيء أو تُمسك به خوفاً منه أو خوفاً من ضياعه أو عقوبة له.

حبل: هو كل يُشدّ به الشيء كي لا يضيع والحبل هو المفتول القوي وهو ان تتوصل به إلى نقطة لا تتوصل إليها إلا به كأن تصعد على قمة جبل لا يمكنه الصعود إليه إلا باستخدام حبل. (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ {103}) آل عمران.

وثاق: هو ما يُشدّ به الشيء كي لا يهرب كالأسير أو السجين (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ {4}محمد)

سلسلة: حبل من حديد متسلسل الحلقات يُشدّ به السجين أو الأسير عقوبة له نتيجة لشدة خطورته ولإيلامه وإنزال العقوبة به (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ {71}غافر) و (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ {32}الحاقّة).

طوق: هو حلقة تُشدّ حول الرقبة وفيها زردة ومنها يُقاد الأسير أو السجين وتكون يداه طليقتان والطوق في رقبته (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ {180}‏آل عمران).

غل: الطوق نفسه لكن إذا جمعت إليه اليدان إذن الغل فيه حلقتان واحدة تجمع فيها اليدين والثانية طوق حول الرقبة (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً {29}الإسراء)

صفد: التي توضع في الأيدي أو الأرجل كما يأتي أهل النار يوم القيامة مجموعات مقرّنين في الأصفاد كما جاء في سورة ابراهيم (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ {49}) وسرة ص (وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ {38})

قفل: هو ما تُغلّق به الأبواب (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا {24}سورة محمد)

والكلمة المحورية في هذه المجموعة هي الحبل والآية في سورة آل عمران التي قال فيها تعالى (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ {103}) والحبل يأتي مجازاً أو حقيقة في القرآن الكريم كما في قوله تعالى في سورة المسد (فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ {5}) و في آل عمران (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ {112})

آية آل عمران التي وردت فيها كلمة الحبل من أخطر الآيات لكننا نتغافل عنها جاهلين او متعمدين من شدة ما تعنيه من غخفاق وفشل من وقت الرسالة إلى يومنا هذا فهي تبيّن الحق من الباطل والنجاة من الهلاك فلا يجد أحد نفسه في منأى عن آثارها. لكننا لم نتجاوب مع الأمر الإلهي (اعتصموا بحبل الله ولا تفرقوا) وقد فعلنا هذا لم نتمسك بحبل الله وقد تفرقنا واختلفنا بعدما جاءتنا الآيات.

والإعتصام هو الإستمساك بما يُنجي إذا كنت في خطر شديد أوشك أن يجتاحك فاستمسكت بركن قوي أو لُذت بملاذ آمن ينجيك فعلاً من هلاك محقق يُسمّى اعتصاماً فإن لم تستمسك بركن شديد فأنت هالك (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ {101}آل عمران )

يأمرنا تعالى في الآية أن نستمسك بكتاب الله ومن لوازمه سنة نبيّه r الصحيحة كما جاء في قول الله تعالى (إن علينا بيانه) أي بالسنة الصحيحة وكما جاء عن النبي r (الأ إني أوتيت الكتاب ومثله معه).

وحبل الله تعالى هو القرآن كما جاء في الحديث الشريف (وهو النور المبين وهو حبل الله المتين)

وقوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا أي أنتم جميعاً بحبل الله جميعا أي لا تتفرقوا أنتم ولا تفرّقوا كتاب الله تعالى. وقوله حتى لا تفشلوا بمعنى عدم الوصول إلى الهدف وذهاب الربح وذهاب السطوة والسلطة والهيبة. وعلى المسلين جميعاً أو لا يتفرقوا في الأخذ بكتاب الله ولا يفرّقوا كتاب الله عندما يأخذوه ويكونوا كما قال تعالى (الذين جعلوا القرآن عضين) والتعضية هي قسم ما لا ينقسم كأن يقول الإنسان (ويل للمصلين) وحدها فقط بدون أن يُكمل الآية (الذين هم عن صلاتهم ساهون)لكن الواجب أن تُقرأ الآية كاملة. وكذلك جاء في الحديث الشريف (لا تعضية في الميراث) بمعنى أنه إن ترك الميت سيفاً للورثة لا يُقسّم السيف بينهم لأنه يستحيل لكن يُباع ويُقسّم ثمنه على الورثة.

وقد تفرّق المسلمون في مثل هذه التعضية كل فرقة تأخذ بآية معيّنة وكان عليهم أي يرتلوا القرآن بمعنى يجعلون الآيات رتلاً ويأخذوا بها جميعا. فعلى المسلمين إذن أن يأخذوا القرآن جميعا بدون تعضية وأن يجعلوه رتلا (ورتّل القرآن ترتيلا).

والحبل استعارة في هذه الآية فأراد الله تعالى أن يشد المسلمين جميعاً للقرآن في حين أصبح المسلمون متفرقون لا مجتمعون وأخذوا بجزء من القرآن ليس مجتمعاً كما جاء في الآية (أتؤمنون ببعض الكتاب) (واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) فمنذ مقتل عمر الفاروق رضي الله عنه تفرّق المسلمون ولم يعودوا مجتمعين بحيث أن كل فرقة وضعت لها عنواناً له فلسفة خاصة ولهجة خاصة تنحاز بهم عن باقي المسلمين الأمر الذي أفرز بغضاء لبقية المسلمين أو نقداً أو جفاءً لأو كيداً أو تسابقاً عنهم فأصبحت القضية دنيوية (ولا تكونوا كالذين اختلفوا)ووصل الأمر في معظم الفرق إلى البغضاء والكراهية وهذا كله من الهلاك كما جاء في حديث الرسول r (إياكم والبغضاء فإنها الحالقة لا أقول حالقة الشعر بل حالقة الدين). ومنذ صدر الإسلام إلى يومنا هذا تفرز استحواذا وكراهية واستعلاء على غيرهم من المسلمين ما عدا العناوين التي وضعها الناس لمجموعة من عباد الله الصالحين أنهم قاموا بعمل بطولي عظيم ميّزهم الله تعالى به على غيرهم من المسلمين وهم في أنفسهم لا يرون في انفسهم بغضاً لغيرهم كالأنصار وأهل بيت النبي r والعشرة المبشرين بالجنة وأهل الرضوان هؤلاء جميعاً لم يُشكلوا طائفة ولا مذهباً يُشكك بالمذاهب الأخرى وينتقص منها ولم يُطلقوا على أنفسهم العناوين وإنما كانوا مسلمين والشعار الوحيد الذي يعترفون به (لا إله إلا الله) وكل فرقة وضعت لها شعاراً آخر فهو غير مقبول وكل من أعطى نفسه إسماً غير المسلمين فهو غير مقبول وسوف يُحاسب فاعله وهذا يجعلك هالكاً وإن كنت تظنّ أنك تُحسن صنعا. فلا يجب أن يكون لفرقة بغضاء لفرقة أخرى (فلا تفشلوا وتذهب ريحكم).

وعندما تطورت ظروف السياسة في هذا العصر وعاد المسلمين إلى دينهم خاصة بعد نكسة حزيران ويئس المسلمون من العلمانية والشيوعية وغيرها عاد المسلمون إلى دينهم وتحلّقوا حول الدعاة وكان الأحرى بهؤلاء الدعاة أن يقودوهم إلى وحدتهم ويعتصموا بحبل الله جميعا خاصة فيما يتعلق بحياتهم أي تطبيق إحكام الله تعالى في افعل ولا تفعل، والميزان في كل هذا هو القبلة والشعار الخالد (لا إله إلا الله) فكل من أدّى الشعار واتجه نحو القبلة فيجب معاملته معاملة كاملة ويكون دمه وماله وعرضه على المسلمين حرام لكن هذا لم يحدث للأسف فتفرّق المسلمين فرقاً فرقاً كما هو الآن لذا يجب أن نعيد النظر فما من أحد يلقى الله وهو في نفسه شيء من غيره المسلمين إلا هالك.

هذه الآفة التي تشير إليها الأيات بدأت مبكراً بالذين قتلوا عمر وعثمان وعلي والحسين ثم الفرق الضالة والفرق الناجية كل يدّعي ويفتي بقتل الآخر كل هذا هالك يوم القيامة فالكفر الذي يُحلّ دم المسلم هو أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك كما جاء في البخاري ومسلم وفي القرآن أيضاً. وكل العناوين التي تثير البغضاء والتعالي كقصة الصالح والطالح الذي قال فيه تعالى من ذا الذي يتألّه علي فأدخل الله الصالح النار لجزمه أن الطالح سيكون في النار وأدخل الطالح الجنة. فكل شخص يظنّ نفسه خيراً من غيره ويتعالى عليه ويقول أنا ناجٍ وغيري هالك فهو الذي هلك (إذا قال الرجل هلك الناس فهو أشدهم هلاكا) ومن من فرقة ح++++ية أو مذهبية إلا وتضمر في نفسها كراهية أو استعلاءً أوبغضاء لغيرها. وقد تمزقت الصحوة الإسلامية تمزيقاً هائلاً لكن الله تعالى غالب على أمره فالذين سيوحّدون المسلمين قادمين بإذن الله وليس ذلك ببعيد ولعلّه أقرب مما نتوقع وهذه البغضاء التي تُسوّق للعالم عبر الخطب والمنابر ووسائل الإعلام والفضائيات هذه التهم المتبادلة والحقد الدفين برغم الإبتسامات الظاهرة والكلمات اللينة لكن في النفوس حقداً أو بغضاً أو استعلاء ولكن الجيل القادم يرفض كل ما نحن فيه ويستمسك بحبل الله وعلينا أن نبيّن كيف نعتصم جميعاً بحبل الله بالقرآن الكريم والسنة النبوية وقد ورد الكثير في الكتب عن هذا الموضوع.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 05:11 PM
يُخبرنا القرآن الكريم أن المسلمين سواسية الشعار لا إله إلا الله والقبلة واحدة والقبلة هي الميزان.

العبادة ما قلّ وأجزأ والحدّ الأدنى جاء في أوائل سورة البقرة والميزان هو القبلة فإذا كنت من أهل القبلة فأنت صائم مزكّي ومن أهل الصلاح.

الذنب مهما عظُم فإن التوبه تنهي المشكلة فإن التوبة مفتوحة لكل الناس كما جاء في سورة الفرقان (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً {70}). وحبل الله المتين يقول لا يأس من رحمة الله ولا قنوط فالمؤمن مرشّح للتوبة مهما كان فاسقاً أو مذنباً فلا تحتقرنّ مسلماً . إذا بلغ المؤمن الستين رزقه الله الإنابة إليه بما يُحب.

لا تغترّ بالطاعة والأعمال الصالحة فرُبّ سيئة أحبطت كل الحسنات كالغيبة والرياء والربا والبغضاء كما في سورة محمد (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ {33}) وقوله في سورة البقرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى) وربّ حسنة تغفر كل الخطايا والسيئات (أولئك الذين تنجاوز عن سيئاتهم).

العدل مع العدو قبل الصديق كما في قوله تعالى في سورة المائدة (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ {2}) وفي سورة فصلت (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ {34}) ولا عداوة بين مسلم وآخر يخالفه الرأي فعليا أن نلتفت إلى مشاكلنا الكبرى التي تهددنا.

حصانة أهل الأديان فالله تعالى جعل حصانة لأهل الكتاب (ولا تجادلوا أهل الكتاب) ما لم يكونوا محاربين وقوله تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم) وقد كان من آخر ما وصّى به الرسول r قبل موته : أوصيكم بذمة محمد خيراً وجاء في الحديث: لعن الله من آذى ذمّياً.

لا ولاية لغير المسلم على المسلم كما جاء في سورة المائدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {51})

قول الحق ولا تخشى لومة لائم كما في قوله تعالى في سورة المائدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ {54})

الله تعالى ينصر الكافرين على المسلمين فإذا كان المشركين يحققون العدل فيما بينهم في مجتمعهم وحاربوا مسلمين لا يحققون العدل فيما بينهم ويظلم بعضهم بعضاً ويتضاربون ويغتالون بعضهم ينصر الله تعالى المشركين على المسلمين كما في سورة هود (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ {117})

إذا تفرّق المسلمون واختلفوا يخذلهم الله تعالى ولو كان معهم رسول الله r كما حدث في غزوة أحد (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ {152}) (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) فلما عصى المسلمين أوامر الرسول r فشلوا قشلاً ذريعاً وذاقوا هزيمة نكراء. والنزاع قائم هذه الأيام في كل مجالات الحياة حتى في المسجد وفي الصف الواحد في الصلاة فأي إسلام هذا؟ وقوله تعالى فتفشلوا وتذهب ريحكم بمعنى لا نصر ولا أهداف ولا استقرار ولا مجتمع ولا اقتصاد فكل الأهداف فاشلة.

1. من التعامل مع كتاب الله تعالى يجب أن نفرّق بين خطابين في كتاب الله: خطاب أهل الكفر وخطاب المسلمين فلا ينبغي أن يخاطب المسلمون بخطاب أهل الكفر وقد سمعت أحدهم يوماً يفسّر قوله تعالى في سورة الأحقاف (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ {20}) ويقول أنها تعني أصحاب القصور والأغنياء من المسلمين وهذا ما لا يجوز. فخطاب أهل الكفر هو لأهل الكفر وخطاب المسلمين للمسلمين.

2. القرآن حمّال أوجه فلا يجب أن يُنكر على صاحب علم أو بيّنة رأيه للمجرد أنه يختلف مع رأي آخر. فالقرآن في كل جيل يعطي من نفسه فتحاً جديداً لم يعطه لغيرك.

3. القرآن حدودي فيه حد أدنى (تلك حدود الله فلا تقربوها) وفيه حد أعلى (تلك حدود الله فلا تعتدوها) وعلى المسلمين أن يكونوا بينهما هذا هو الإسلام ولا تُصر على أن تكون في الحد الأدنى مثلاً فلا تًصلي فقط الفروض وتصوم رمضان وتدفع الزكاة المفروضة بل صلّ النوافل وصم تطوعاً وتصدق وهكذا.

4. عندما تخاطب المسلمين بل عندما تتعامل مع القرآن يجب أن تتأكد تماماً من الإرادات الإلهية الثلاثة ألا وهي: أولاً اليسر (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقد شدد النبي r على اليسر أيضاً وحذّر من التعسير (يسّروا ولا تُعسّروا) وهذا تخفيف بالكيف. وثانياً (يريد الله أن يخفف عنكم) وهذا تخفيف بالكمّ (والله يريد أن يتوب عليكم) وقد جعل الله تعالى للذنوب مكفرات لا حصر لها بحيث لا يدخل النار إلا شقي كما قال r فيجب أن نخفف على المذنبين ما داموا من أهل القبلة فهم ناجون برحمة الله وشفاعة الرسول r والإستغفار والتسبيح والتوبة والصدقة والصلاة والصوم والذكر والأمراض والآلآم التي تصيب المسلم.

5. عندما نتعامل مع حبل الله المتين يجب أن نتأكد من دقة الكلمة القرآنية وهذا هو موضوع برنامج الكلمة وأخواتها في القرآن الكريم فلا نأخذ الأمور جزافاً فكل كلمة في القرآن تعطي معنى دقيقاً وهذا المعنى الدقيق يترتب عليه أحكام وآثار كثيرة وفيه آفاق كبيرة.

6. عِلم القرآن عظيم ومن علمه القَصص القرآني وهو أعجوبة العجائب فعلمه غزير وفيه عظة وعبرة وهداية فعلينا أن ننتبه أن القَصص القرآني ليست للتسلية وإنما هي للإتعاظ والهداية وكذلك علم الأمثال كما في سورة الروم (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ {58}) وفي سورة الإسراء (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً {89}) وضرب المثل غير تصريف المثل فضرب المثل يشمل كل العالم ويشمل قضايا كونية تنطبق على كل المجتمعات (ضرب الله مثلاً رجلا ) أو (قرية آمنة) أما تصريف المثل فهو يتعلق بمجتمعات المسلمين فقط.

وهكذا يجب أن نتعامل مع كتاب الله بأسلوب يوحّد الأمة وعلى المسلمين أن يتحدوا وأن لا يتفرقوا أو يكون في قلب أي منهم شيء على مسلم آخر. والواقع الآن أن اختلاف الفرق والطوائف الذين يكفّر بعضهم بعضاً ويرفضه ويشنّع عليه حتى يصل إلى حد القتل في بعض الإحيان والإتهام بالكفر وإخراجهم من الملّة وهذا كله من محبطات الأعمال فما من مسلم ينتمي إلى مجموعة من المسلمين تنبذ طائفة أخرى إلا وأُحبِط عمله فعلينا الصحوة وأن نتدارك أنفسنا ونعيد وحدتنا فكل من يصلي للقبلة مسلم والله تعالى هو الذي يحاسبه إن أخطأ. نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 05:12 PM
منظومة حديقة

حديقة– جنّة – روضة – حرث – زرع – نبات – بستان - حقل

هذه الكلمات حديقة، جنّة، روضة، حرث، زرع ونبات وردت في القرآن الكريم أما كلمة بستان وحقل فلم تردا في القرآن ولكنهما وردتا في الأحاديث وهما تدخلان في منظومة الحديقة وأخواتها.

حديقة: هي قطعة مدوّرة من الأرض فيها عين ماء ذاتي وبعض الأشجار المثمرة وقد سُميّت بهذا الإسم تشبيهاً بحدقة العين في الهيئة وفي حصول الماء فيها. ويقال في اللغة أحدق القوم أي أحاطوا به تشبيهاً بإدارة الحدقة. (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ {60} النمل)، (حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً {32} النبأ)، (وَحَدَائِقَ غُلْباً {30} عبس).

بستان: إذا اتسعت الحديقة وأصبحت مستطيلة أو مربعة واسعة الأطراف تُسمّى بستاناً. وإذا أطلقت كلمة البستان فهو بستان نخل فقط أما إذا كان فيه أشجار غير النخل فيجب تحديده بالوصف أن يقال بستان رمان أو بستان تفاح وبستان تين وغيره.

جنّة: إذا بلغت كثافة البستان حدّاً لا يبدو ولا يظهر من دخل فيه ولا تبدو الأرض فيه من أعلى وإذا دخل فيه إنسان لا يُرى لشدة كثافة الشجر يُسمّى جنّة. وأطلقت كلمة جنّة لأنها تجنّ من فيها والأرض التي تحتها بحيث لا تُرى. (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {265} أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ {266} البقرة)، (فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ {19} المؤمنون)

الحرث: هي الأرض الواسعة التي تُعدّ للبذر وتُهيأ وتنمّق وتُعلّم بمعالم وتزرع فيها البقول وكل ما هو متسلق او ممتد. (مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِـذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلَـكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ {117}آل عمران)، (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ {20} الشورى)، (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ {205} البقرة)، (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ {78} الأنبياء)

حقل: إذا اجتمع في الحرث بستان وزرع وحيوان صار حقلاً وهذه الكلمة لم ترد في القرآن لكنها تستعمل في اللغة. فالحقل إذن هو ما يكون فيه الإنسان والحيوان والمزروعات.

روضة: إذا كانت هناك منطقة زراعية فيها ماء كثير وخضرة دائمة فهي روضة. وسميّت روضة لأنها تبهج النفس وتدخل السعادة عليها فالأشجار والأزهار منمّقة وتلفت النظر وتعطي شعوراً بالسعادة والبهجة للناظر إليها ولإذا دخلها إنسان بدا السرور على وجهه والسعادة كما في قوله تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ {15} الروم)، (تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ {22}‏ الشورى) والحبور هو السرور الذي يطفح على الوجه يحيث يراه الآخرون.

كل هذه الكلمات التي سبقت هي في منظومة الزروع وساعة ما ينبت هذا الشيء الذي في المنظومة أيّاً كان نوعه يُسمّى نباتاً (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ {99} الأنعام)، (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخ++++*فَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَم++++*نَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ {24} يونس)، (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى {53} طه).

الزرع: هو الإنبات وحقيقة ذلك تكون بالأمور الإلهية دون البشرية فقد قال تعالى (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَح++++*ثُونَ {63} أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ {64} الواقعة) نسب الحرث إليهم ونفى الزرع عنهم ونسبه إلى نفسه والزرع في الأصل مصدر وعُبّر به عن المزروع نحو قوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ {27} السجدة).

وللزراعة في كتاب الله أغراض شتى منها ما جاء للدلالة على الوحدانية وطلاقة قدرة الله تعالى ، ومنها ما دلّ على النعمة على الناس ووجوب الشكر، ومنها ما دلّ على الرمزية التي تدل على العمل والتوفيق والعدل والإخلاص والأمن وكل شيء جميل يُضرب لنا مثلاً بمنظومة الزراعة في القرآن الكريم.

المعقول أن تأتي بالبذور وعلى الزارع أن يُحسن الزرع بقوانين الزراعة كما يعرفها الفلاحون لكن من اللامعقول أن الزراعة لها ارتباط كبير بالبلد الطيّب الذي تكون زراعته ناجحة ملفتة للنظر أما البلد الخبيث فيخرج نباته خبيثاً مع أنه قد تتوفر فيه كل شروط الزراعة الصحيحة ومقوماتها كما في قوله تعالى (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخ++++*جُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخ++++*جُ إِلاَّ نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ {58} الأعراف). وهذا ملاحظ في التاريخ وفي القرآن الكريم كل كلمة طيّب (شجرة طيبة، كلمة طيبة، ماكن طيبة، أرض طيبة) تقتضي بأن تكون فيها على الأقل ثلاث عناصر إيجابية فالمسكن الطيب ه الواسع المربح الآمن البلد الطيب هو الذي يحقق العدل كأن يكون السلطان عادلاً، وأن يكون شعبه له حركة منسّقة صعوداً في العلم والإقتصاد والسياسة وشؤون الدنيا (فامشوا في مناكبها)، وعدم ظهور الفاحشة علناً. فإذا كان السلطان ظالماً والشعب خاملاً والفاحشة ظهرت فهما كانت التربة جيدة وخصبة والمياه متوفرة لا يحقق البلد شيئاً وأول ما يتأثر بهذا الزراعة وهو كما قلنا في التاريخ كثير فالعراق كان أكثر البلدان زراعة للنخيل حيث كان فيه أكثر من 100 مليون نخلة أما الآن فلم يبق منها سوى مليون أو أقل بينما الإمارات أصبح فيها 45 مليون نخلة.

لا بد لكي تنجح الزراعة أن تؤدي حقها من زكاة وما إلى ذلك كما في قوله تعالى (وآتوا حقه يوم حصاده) يوم حصاد الموسم تؤدّى زكانه وقد جاء في سورة القلم كيف أن الله تعالى أحرق زرع الجنة عندما أقسم أصحابها أن لا يعطوا الفقراء حقهم من ثمارها (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ {17} وَلَا يَسْتَثْنُونَ {18} فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ {19} فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ {20} فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ {21} أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ {22} فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ {23} أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ {24} وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ {25}) فاحترقت الجنة وأصبحت كالصريم أي الليل المظلم الساكن. وهكذا لتنمو الزراعة يجب أن يؤدّى حقوق الفقراء فيها.

أحمد سعد الدين
22-01-2005, 05:13 PM
يجب أن نكون عاطفيين مع الله تعالى في الزراعة أي نحمده ونفرح بنعمه علينا (وبذلك فليفرحوا) والشك يزيد النعم فلو أن صاحب الجنتين في قصة سورة الكهف حمد الله وشكره وقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لما أحيط بثمره (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً {32} كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً {33} وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً {34}‏ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً {35} وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً {36} قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً {37} لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً {38} وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً {39} فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً {40} أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً {41} وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً {42}). فقوة الشكر من أعماق النفس لما أنعم الله تعالى به علينا من زرع ونشكر الله تعالى بجعل البستان عامراً بكل أنواع الثمار وعلى كل أهل الزراعة والعاماين بها شكر الله تعالى على نعمه. وتعلّمنا السنة النبوية المطهرة على صاحبا أفضل الصلاة والسلام أهمية الزراعة كما تحذّرنا من التقاعس والقعود بها عن الجهاد لأن الإنشغال بالزراعة قد يؤدي إلى التقاعس والقعود عن الجهاد لأن الإنسان يفرح بزراعته ويصبح بينه وبين أرضه عشقاً قد يؤخّره عن الجهاد . وقد قال الرسول r في الحديث: " إذا قامت القايمة وفي يد أحدكم فسيل فليغرسه".

ومن الرمزيات التي يرمز لها في القرآن بالزراعة الكثير فما من قضية عظمى إلا رمز الله لها بنوع من صور الزراعة. فالتوحيد مثلاً قضية الكون المركزية كل شيء معها مشروع حتى الذنب له توبة كما جائ في الحديث لو لو تذنبوا لذهب الله بكم، هذا الذي هو مركز الكون كله أساسه الزراعة وعكسه الشرك وليس فيه مشروعية كما في قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء {24}‏ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ {25} ابراهيم) لو تأملنا فيها لعرفنا ما معنى ان تكون مصدقاً بكلمة التوحيد الطيبة (لا إله إلا الله) والآية الثانية (وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ {26}) لو تأملنا فيها لعرفنا كم هي مصيبة المصائب أن تشرك بالله. وكما قلنا سابقاً أن لكل كلمة طيب في القرآن ثلاث صفات إيجابية فالكلمة الطيبة (لا إله إلا الله) من قالها مصدقاً بها قلبه دخل الجنة وإن زنى وإن سرق فالذنوب تعالج بالإستغفار والتوبة وشفاعة الرسول r الذي يشفع لأهل الكبائر من أمته. والكلمة الطيبة إذن مواصفاتها أن أصلها ثابت (لا تُقتلع كالنخلة)، وفرعها في السماء (ارتفاعها وعلوها وشموخها في السماء دلالة على اضطرادها ونموها)، وتؤتي أُكلها كل حين (تؤتي أُكلها على مدار الساعة والحين يعني كل ثانية).

إذن كلمة التوحيد لا إله إلا الله أصلها ثابت من الله عزّ وجلّ وهو الشعار الوحيد الثابت في الكون لأنها كلمة التوحيد. وقد قال سفيان الثوري لو علمت أني ألقى الله على التوحيد ما باليت ألقى الله بذنوب كالجبال.

وفرعها في السماء أي وصل اتصالها بالله بحيث أن ثمارها كلها تؤتى إلى الله تعالى فالموحّد يمكن أن يكوت عمره كله في عبادة بالنيّة كأن تنوي أن تأكل لله رب العالمين فتتقوى بالأكل على طاعة الله وعلى العبادة وأن تذهب للصلاة فكل حركة تتقوّى بها على الطاعة بنيّة كل حركة وسكنة في سبيل الله وهذا يؤتي أُكله كل ثانية وحين.وكل كلمة نقولها تبقى تتردد في الفضاء إلى يوم القيامة فقد قال العلماء حديثاً أن الصدى لا ينقطع. وقد وردت أحاديث كثيرة بهذه الكلمة وهي أساس الكون كله وأساس العمل وهي الحبل الوحيد الذي لا انفصام له مع الله تعالى (تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها).

والآن وقد فهمنا الرؤية في قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء {24}‏ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ {25}) فلنحرص على التوحيد لأن فيه النجاة مع ما عندنا.

والرؤية الثانية هي الإخلاص: فمن خصائص التوحيد إخلاص العمل لله تعالى لأن الرياء شرك ولكي يكون العمل خالصاً لله تعالى أعطانا تعالى مثلاً زراعياً في قوله (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {265} أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ {266} البقرة) والآيات التي قبلها كانت تتحدث عن الرياء في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ {264}) ثم أعقبها بالحديث عن الإخلاص في العمل وهذه دقة متناهية: فالآية تشير إلى جنة على ربوة وهي مكان مرتفع والزراعة التي تكون في مكان مرتفع تكون بعيدة عن مهلكة المياه الجوفية التي قد تفسد الزراعة فتبقى الزراعة على الربو مخضرة وقائمة دائمة، ثم أضاف أنه جاءها وابل من المطر هذا نوع والآخر هو طلّ إذن الزراعة بحاجة لنوعين من الرِّي وابل وطلّ حفيف تحتاجه الأوراق التي هي رئة الشجر حيث تتنفس الأشجار. فالإخلاص في العمل يجعل الذي فعلته مضاعفاً وهو على ربوة من حيث أن العمل المخلص لا يفسد ولا يزول لقوته (والعمل الصالح يرفعه). فعلينا أن نكون مخلصين كي تكوت أعمالنا كالثمرة التي في جنة على ربوة بعيدة عن الإفساد والإحباط والمياه الجوفية الآسنة. وهذه رمزية الآية كونها بمنأى عن الإحباط على خلاف البستان الذي على أرض مستوية فقد يكون عرضة للإفساد من المياه الجوفية وغيرها. فالمخلصون إذن متميزون بهذا لشدة ومشقة الإخلاص وهو ليس سهلاً.

وكي تعرف إن كنت مخلصاً في عمل ما يجب أن يتساوى لديك الشاتم والمادح في جنب الله ولا تنظر إلا إلى الله تعالى وهذا يحتاج إلى يقين بالله حتى يكون عملك من القوة والمكانة بحيث يكون عصيّاً على الإحباط. وكم سنكتشف يوم القيامة أن الكثير من أعمالنا قد أُحبط لأنه لم يكن خاصاً لله تعالى.

رمزية سوء الخاتمة وهو سيف مسلّط على رقبة كل مسلم كما جاء في الحديث. وقوله تعالى (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ {266} البقرة) كذلك يضرب تعالى المثل في جنة فيها نخيل وأعناب ومزروعات موسمية ومن كل الثمرات وعندما صار صاحبها كبيراً وأولاده ما زالوا صغاراً جاءها إعصار اقتل الأشجار من الجذور ولم ينتهي الأمر عندها ولم يتمكن من الإستفادة من الثمر الذي على الأشجار المقتَلَعة وإنما جاءت نار فأحرقت هذه الأشجار أيضاً فكان إفلاستً بعد إفلاس ولم يعد عند صاحب الجنة من العمر ما يمكّنه من الزرع من جديد حتى يعيد لنفسه وأولاده ما كان لديه من الثمرات والزروع وهذا مثال سوء الخاتمة.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 07:46 PM
منظومة حرب

حرب– قتال – بأس – زحف – غزو - نفير– جهاد – بغي -

هذه الكلمات كلها في منظومة الجهاد العسكري مع العدو ولكل كلمة ميزة من حيث أنها ترسم زاوية دقيقة لا تتناولها كلمة أخرى وجميع هذه الكلمات ترسم الصورة الكاملة.

الحرب: تعني الجهاد العسكري الذي يكون هدفه السلب والقتال من أجل الاستيلاء على ثروة الآخر أو سلاحه أو غيره. والحريب عند العرب تعني السليب. وقد جاء ذكر الحرب في القرآن الكريم في آيات عديدة منها قوله تعالى (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) الانفال) وقوله تعالى (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) المائدة) هذه الآية في قُطّاع الطرق الذين يستهدفون المارّة ليسلبوا أموالهم وممتلكاتهم وعقاب هؤلاء أن تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف كما في الآية. أما الذين لا يسلبون الناس أموالهم فلا يدخلون في هذه الآية. ولو قال تعالى يقاتلون بدل يحاربون لكانت الآية شملت كل من يُخيف المارّة. وكذلك قوله تعالى في آية الربا (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) البقرة) قال تعالى بحرب ولم يقل بقتال لأنهم سلبوا ما في أيدي الناس وسيسلبهم الله تعالى أموالهم (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) البقرة) ومال الربى هو المال الذي يفنى بسرعة والله تعالى يسلبه منهم.

والحرب الإسلامية لا تكون إلا عند الاعتداء على العقيدة أو الأرض أو العِرض أو الممتلكات.

القتال: على عكس الحرب وهو ما يكون هدفه ازهاق الانفس من العدو وقتل أكبر عدد من جنوده. قال تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) البقرة) ولو قال الحرب لما استوفت الصورة حقها. وقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الانفال) و (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) الاحزاب) و (وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) محمد)

البأس: هي الحرب التي يكون هدفها التمكين الكامل بالعدو كما فعل مشركو قريش بالمسلمين في أُحُد فنكّلوا بهم تنكيلاً شديداً. فالبأس إذن هو الانتقام الشديد والتنكيل العطيم وكسر النفس. قال تعالى (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) البقرة) و(لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14) الحشر) .

الزحف: هو الجيش المتثاقل البطيء لضعفه وقلة قدرته فهو ضعيف في عدّته بطئ الحركة ليس كفؤاً لجيش العدو والهروب في هذه الحالة هو من الكبائر لأن بقاء المقاتلين في الجيش ضرورة وهروبهم منه وفرارهم يعتبر كبيرة، ولو كان الجيش غالباً عظيماً لما ترتّب هذا الحكم على من يفرّ من الجيش. فالكبيرة العظيمة عند الهروب من المعركة تقتصر على أن يكون الجيش زاحفاً. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) الانفال)

الغزو: عندما تخرج أنت لأرض العدو. إذا كنت في أرضك فأنت مدافع مقاتل ولكن عندما تضطر لنقل المعركة إلى العدو يُسمّى هذا غزواً. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) آل عمران).

النفير: جيش النجدة. إذا كان الجيش يقاتل عدواً ويتضعضع يُرسل لآخرين يطلب النجدة وهذا الذي يأتي للنجدة يأتي مسرعاً بجون قواعد ويصبح فرضاً على النساء والأطفال والشيوخ. قال تعالى (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41) التوبة) خفافاً أي الجيش المقاتل وثقالاً هم النساء والآطفال والشيوخ الكبار. وقال تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71) النساء)

والنفرة مأخوذة من سرعة الهجوم ولهذا سُمّي الخروج من عرفة إلى المزدلفة نفرة فالحجيج ينتظرون غروب الشمس فينطلقون بنفس واحد إلى المزدلفة. والنفير على خلاف الزحف. قال تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) التوبة) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم "إذا استنفرتم فانفروا".

البغي: هو الحرب غير المشروعة والتي ليس لها سبب. (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) الشورى) و (فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23) يونس).

الجهاد: يشمل كل ما سبق. وكل ما يشتغل بالجهد العسكري حتى يشمل من يُصلح الدبابات ومن يخلف جندياًً في أهله أو يشارك في المال أو السلاح أو الدعاء. والجهاد أعمّ من كل ما سبق وكل من هو متجحفل مع الجيش يسمى جهاداً. قال تعالى (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16) التوبة، قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)) و (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) النحل) و (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) الانفال) و (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) المائدة).

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 07:48 PM
منظومة حِجر

حِجر– نُهى – لُبّ – عقل

هذه الكلمات كلها تدخل قي منظومة العقل والحِجر اسم من أسماء العقل وقد جاء في القرآن العقل بمهنى الحجر والعقل والنُّهى واللُّب ولكل لفظ منها مدلول خاص لعلقل لا يشتمل عليه لفظ آخر.

العقل: قال الراغب الأصفهاني هو القوة المتهيأة لطلب العلم وفهمه وتلقيه كما قال تعالى (وما يعقلها إلا العالمون) فالعقل عموماً هو الطاقة التي وهبها الله تعالى للانسان بحيث يتهيّأ بها لتحصيل العلم وهذه ميزة تميّز بها الانسان على سائر المخلوقات حتى على الملائكة أنفسهم إذ أن الملائكة لا يملكون عقلاً استنباطياً ولذا امتحنهم الله تعالى (فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) البقرة) فقالوا (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) البقرة) فقال تعالى لآدم (قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) لأن آدم له عقل استنباطي يستطيع أن يتهيّأ للعلم ولكل مشتقاته ولذلك أسجد تعالى الملائكة لآدم . وما أنعم الله تعالى نعمة على البشر أعظم من نعمة العقل التي عي أساس التكليف. فهذ العقل كما تحدثنا عنه هو القوة ولكن هذه القوة تفعل عدة أفعال فنُسمّي العقل تسمية جديدة بناء عليه. والمعروف أن العقل والنفس في صراع دائم فما يريده العقل لا تريده النفس وما تريده النفس لا يريده العقل والكتاب العزيز شاهد على ذلك والأحاديث النبوية كذلك كما في الحديث: "أعدى أعدائك نفسُك التي ما بين جنبيك".

الحِجر: إذا وصل العقل بالتربية والاعداد إلى مرحلة أن يكون قادراً على المنع من الاستجابة لشهوات النفس السيئة سُمّي حِجراً (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) الفجر) وسُمّي العقل حِجراً لأنه يحجر صاحبه عن الاستجابة لشهوات النفس.

النُّهى: إذا تطوّر العقل أكثر وتربّى أكثر واستمر في عالم النضوج صعوداً سُمّي نُهية وجمعها نُهى. والنُهية هي العقل الذي تطوّر من كونه مجرد عقل ثم صار حِجراً، وهي العقل الذي بنهى صاحبه عن كل قبيح (كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54) طه).

اللُّبّ: إذا بلغ العقل غاية النضج سُمّي لُبّاً. واللُّبّ هو العقل الخالص من الشوائب المبدع الجوّال الذي يقيس المعدوم على الموجود فيُوجِد للمعدوم حُكماً. والكلام في اللب عظيم ولذلك أسند الله تعالى كل شيء عظيم لهذا اللب. وقال العلماء أن اللب هو العقل الزاكي الي لا يكتفي بمنطوق العقل وإنما يتجاوز ذلك إلى مكارم الأخلاق كما قال صلى الله عليه وسلم : " إن الله يُحبُّ مكارم الأخلاق ويكره سفسافها". وفي القرآن الكريم قال تعالى (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) البقرة) فنظِرة إلى ميسرة من العقل أما قوله تعالى وأن تصدقوا خير لكم فهو من اللب ولا يفعله إلا كِرام الخُلُق. وكذلك قوله تعالى (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) البقرة) اعتدوا عليه من العقل واتّقوا من اللب. فالذي يوُصل إلى مكارم الأخلاق هو اللب. هذا اللب الذي أناط به الله تعالى كل المحاسن وكل الاخلاق الحسنة وهو العقل الذي يوصل إلى الرُشد والرُشد غاية الانسان. وإذا بلغ الانسان الرُشد فقد اكتمل كما قال تعالى عن ابراهيم عليه السلام (وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) الأنبياء) لأنه كان استنباطياً كما ذكر تعالى في القرآن الكريم لذا كان عقله لُبّاً وصل به إلى الرُشد. واللب من السَعَة يُقال فلان في لبّ رخيّ أي في سعة رخيّة. وقول : لبيك في الحج كأن الحجيج يطلبون سعة الله تعالى ورحمته لأنهم وصلوا إلى حِماه.

هذا العقل له أنشطة متدرجة كونه مجرد عقل فإنه يُجمّع الأشياء المتنوعة المختلفة لكي يأخذ منها أو يستدل بها على شيء واحد كما في قوله تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) البقرة) من هذه المجموعة المتنافرة نستدل على أن لهذا الكون خالقاً ونخرج من هذه المجوعة بشيء واحد كما تجمع العقال البعير.

التفكّر: إذا تجاوزت مرحلة العقل تأتي مرحلة التفكّر وهي على عكس العقل فهي تفكك كل جزئيات الموضوع لتخرج منه بحكمة واحدة. كما في آية الخمر والميسر (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) البقرة) القارئ لهذه الآية يفكك الخمر من جميع النواحي اقتصادية واجتماعية وصحية إلى أن يصل إلى تحريمها وكذلك الميسر فككه تفكيكاً دقيقاً تخرج منه بحكمة تحريمه. فالتفكّر تفكيك والعقل تجميع، ونخرج من التجميع بحكمة واحدة ونخرج من التفكيك بحكمة واحدة.

التدبّر: إذا تجاوزت مرحلة العقل والتفكّر تدخل في مرحلة التدبّر. والتدبّر معناه أن تطيل النظر في الشيء من ابداع أو اختراع أو نظرية أو حديث حتى تتلمس كل جوانبها وأبعادها وتعرف خصائصها كما في قوله تعالى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) النساء)

التذكّر: هذا التدبر الطويل يوصل إلى مرحلة التذكّر والتذكّر هو الذي يقيس المعدوم على الموجود، وإيجاد المعلومات بعد عدم وهكذا تمّت الاختراعات وكل ما هو جديد وما انتجه العقل من استنباط من ملاحظة أو حادثة أو فكرة (وما يتذكر إلا أولو الألباب)

الفِقه: هو الفهم الدقيق لنظرية كاملة تقتضي تفصيلاً أو إجمالاً.

والكلام في العقل لا ينتهي في الكتاب والسُنّة وقبل أن ندخل في مزايا العقل نتحدث عن أولي الألباب الذين أناط بهم الله تعالى كل جميل (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) البقرة) والحكمة هي الوسطية في العقل فما قل عنها فهو بلادة وما زاد فهو مَكر والحكمة والوسطية هي التي تُسيّر هذا الكون بأخلاقياته وسلوكياته وعدله. والحكمة أناطها الله تعالى بأولي الألباب من أجل هذا كل شيء عظيم وربح هائل لا بد أن يصدر من أُولي الألباب.

وفي سورة الرعد (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ {19} الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ {20} وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ {21} وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ {22} جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ {23} سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ {24} سورة الرعد) ذكر تعالى في بضع آيات وصفاً لأولي الألباب فهم منظّمون تنظيماً هائلاً ولهم يوم القيامة ميزة أنهم في أعلى درجات الجنة يوم القيامة والجنة درجات أعلاها مغفرة الرحمن وهي لأولي الألباب (وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) ومن ميزاتهم يوم القايمة أن الله تعالى يجمع لهم كل أهليهم وذرياتهم وأزواجهم ولو كانوا أقل منهم في الدرجة ما داموا موحّدين ومن أصحاب القِبلة (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ). وقد وصف الله تعالى أولي الألباب بتسع صفات إذا توّرت في المؤمن فإنه يكون في الطبقة الرفيعة يوم القيامة.وهذه الصفات التسع هي:

1. من صفات العقيدة: الوفاء بالعهد/ وهو التوحيد قولاً وعملاً. وهذه صفة تكاد تكون عامة عند المسلمين ففي عالم الأمر أخذ تعالى على الناس العهد (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) الأعراف) وجميع البشرية قالت بلى ثم لمّا جاءوا إلى عالم الخلق اختلفت عقائد الناس ولم يبق إلا الموحدون الذين أوفوا بعهد الله عزّ وجلّ.

2. عدم نقض الميثاق والإيمان بالرسل جميعاً وعلى رأسهم الرسول صلّى الله عليه وسلّم مصداقاً لقوله تعالى ( وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ {81} آل عمران).

3. شُكر الله تعالى : الذين يصلون ما أمر الله به أن يُوصل ألا وهي: الرحم والأمانة والنعمة. وفي حديث شريف "ثلاثة متعلقات بالعرش الرُحِم تقول اللهم إني بك فلا اُقطع والأمانة تقول اللهم إنب بك فلا أُجحد والنعمة تقول اللهم إني بك فلا اُكفر. وصلة الرحم قضية أساسية في القرآن كبِرّ الوالدين وكذلك الأمانة " يُغفر للشهيد كل شيء إلا الأمانة" والنعمة كذلك وعلى الانسان أن لا يكفرها بأن يستعملها في غير طاعة الله تعالى.

4. عمل القلوب: بع التوحيد وُكر النعمة تأتي خشية الله ومخافته: يخشون ربهم ويخافونه، والخشية هي مهابة الله تعالى وتعظيمه وثمرتها تحسين أداء الطاعات (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) فاطر) وتحسين الصلاة بالخشوع في أدائها والدوام عليها والصوم بلا غيبة والحج بلا رفث ولا فسوق ولا جدال. فالذي يخشى ربه يؤدي عباداته كلها بشكل حسن متقن وبتأدّب في حضرة الخالق. وعمل القلوب أهم من عمل الجوارح.

5. يخافون سوء الحساب بالإبتعاد عن صغائر الذنوب وكبائرها لأنه على يقين أن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور. والحساب مشقّة هائلة كالتحقيق في جريمة بشعة. وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " من نوقِش الحساب هلك ومن نوقِش الحساب عُذّب" فاحرص على أن لا تُحاسب بأن تكون أعمالك الحسنة أكثر من أعمالك السيئة حتى لا تُحاسب. فإذا كنت من أهل القبلة وتُكثر من الاستغفار تكن من أولي الألباب.

6. مجاهدة النفس بالصبر ابتغاء وجه الله والصبر أنواع : صبر على البلاء كالمرض وغيره، وصبر على النعمة بشكرها وعدم الإغترار بها أو التكبر وعدم إستخدامها في غير طاعة الله وهي أصعب من الصبر على البلاء، وصبر على الطاعات (الصبر على الجهاد والانفاق وقيام الليل والصوم والحج). والصبر يجب أن يكون ابتغاء وجه الله تعالى. وكذلك الصبر على الشهوات.

7. إقامة الصلاة وهي رأس العبادات. وإقامة الصلاة غير أدائها وهي تعني جعلها على أحسن هيئة وتأديتها في أوقاتها وبخشوعها وفي أماكنها.

8. الإنفاق في السرّ والعلانية، ونفقة العلانية هي الزكاة التي تُعلن ليكون المزكّي قدوة لغيره من المسلمين، ونفقة السرّ هي كل الصدقات غير الزكاة وهذه الصدقات هي دليل العمل ابتغاء وجه الله وليس رياء ولا سُمعة أو للمنة أو التكبر أو أن يقول الناس عن المتصدّق أنه منفق. والانفاق هو القاسم المشترك بين جميع العبادات.

9. التوبة: يدرؤن بالحسنة السيئة: فكلما أذنبوا ذنباً أتبعوه بالإستغفار والتوبة والإنابة إلى الله تعالى حتى لا يُحاسبهم الله عليه. وفي الحديث الشريف: "أتبِع الحسنة السيئة تمحها" وقوله تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) آل عمران)

هذه الصفات التسع لو تأملنا فيها لوجدناها متناسقة ولا يفعلها إلا ذو عقل منظّم وذو لُبّ وقد جمعها تعالى بالعقيدة والشكر وعمل الجوارح وربط كل ذلك برحمة الله تعالى (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ {23} سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ {24}) ومن إكرام الله تعالى لأولي الألباب يجمع لهم من صلح من درياتهم وأزواجهم وآبائهم ونعيم الجنة لا يمكن لعقل أن يدركه وكل عمل حسن في الدنيا يفتح لصاحبه باباً خاصاً في الجنة. والملائكة نوعان لا ينشغل إلا بعبادة الله تعالى وتسبيحه وتقديسه وهم االعالون (أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) ص) وليس لهم علاقة ببني آدم، ونوع آخر هم المدبرات أمرا (المدبرات أمرا، له معقّبات من بين يديه ومن خلفه، إن كل نفيس لمّا عليها حافظ) هؤلاء الذين يقومون بخدمة أصحابهم بعد أن يدخلوا الجنّة (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب).

قالوا في العقل:

· قال الحسن ابن عليّ: ما تمّ دين عبدٍ قطّ حتى يتم عقله. وقد شدد بعض العلماء على اهمية العقل فتشددوا وبالغوا في الأمر حتى تحول إلى مكر فأزهقوا أرواح المسلمين والبعض الآخر قلل من أهميته حتى صار بلاهة والمطلوب كما قلنا سابقاً الوسطية في استعمال العقل وهذه هي الحكمة.

· يقول أحد الصالحين: إن الناس يصومون ويصلّون ويعتمرون ويحجون ويجاهدون ولا يُجزون إلا على قدر عقولهم. والمعنى أن كل عبادة تُجزى عليها قدر معرفتك بما تفعل.

· سُئل رجل من العرب عمّر دهراً: أخبرنا بأحسن شيء رأيته في حياتك؟ قال: عقل طُلِب به مروءة مع تقوى الله وعمل الآخرة.

· ويقولون: لا ينبغي للعاقل أن يغتمّ لأن الغمّ لا ينفع وكثرته تُزري بالعقل وأن لا يحزن لأن الحزن لا يردّ المصيبة ودوامه يُنقِص العقل.

· روي عن علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه : لمّا أهبط الله تعالى آدم من الجنة أتاه جبريل فقال إني أُمرت أن أخيّرك بين ثلاث فاختر واحدة واترك اثنتين الحياء أو الدين أو العقل، قال آدم بل أختار العقل فقال جبريل للحياء والدين انصرفا فقالا إنّا أُمرنا أن نكون مع العقل حيث كان.

· يقولون: العاقل لا يبتدئ الكلام إلا أن يُسأل ولا يُكثر المِراء (أي الجدال) إلا عند القبول ولا يُسرع الجواب إلا عند التثبّت والعاقل لا يحتقر ولا يستحقر أحدا لأن من استحقر السلطان أفسد دنياه ومن استحقر الصالحين أهلك دينه ومن استحقر الاخوان أفنى مروءته ومن استحقر العوام أفسد صيانته. والعاقل لا يخفى عليه عيب نفسه لآن من خفي عليه عيب نفسه خفيت عليه محاسن غيره.

· يجب على العاقل أن يجتنب أشياء ثلاثة فإنها أسرع في إفساد العقل من النار في الهشيم: أولاً الاستغراق في الضحك فالقهقهة ليست من صفات العقلاء، ثانياً كثرة التمني وقلّة العمل، وثالثاً سوء التثبّت أي بأن يتكلم كلاماً لا دليل له عليه.

· العاقل لا يُكلّف إلا بما يُطيق ولا يسعى إلا بما يُدرك ولا يعِدُ إلا بما يقدر عليه ولا يُنفق إلا بقدر ما يستفيد.

· العاقل من كان موقّراً للرؤساء ناصحاً للأقران مواتياً للإخوان متحرّزاً من الأعداء غير حاسد للأصحاب لا يبخل في الغِنى ولا يشره في الفاقة ولا ينقاد في الهوى ولا يجمع في الغضب ولا يمرح في الولاية. والعاقل لا يدخل في دعوى ولا يُشارك في مِراء ولا يُدلي بحِجّة حتى يري قاضياً ولا يشكو الوجع إلا من يرجو عنده الشفاء ولا يمدح أحداً إلا بما فيه.

· آفة العقل العُجب وآفة العقل مجالسة الحمقى والأغبياء.

· الواجب على العاقل أن يكون حسن السمت طويل الصمت والعاقل لا يطوّل أمله لأن من قوي أجلُه ضعُف عمله.

· قال أبو حاتم الأصمّ: جالسوا الألبّاء أصدقاء كانوا أم أعداء فإن العقول تُلقّح العقول.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 07:49 PM
منظومة حثّ

حثّ– حضّ – أسرع – سبق – هرع – عجل - جمح

هذه الكلمات كلها تدخل قي منظومة السرعة والتي تعني قضاء الحدث في وقت أقلّ وكلّما كان إنجاز وقت الحدث قليلاً عن المستوى الاعتيادي سُمّي سرعة وعكسها البُطئ. هذه السرعة ليست على نسق واحد أو نمط موحّد ولكل نوع من أنواع السرعة كلمة خاصة لا تُغني عنها كلمة أخرى.

حثّ: هو السير أسرع من المُعتاد وإنما يكون الاسراع منظّماً دقيقاً لا يتخلله انقطاع. وقد وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم في وصف سرعة توالي الليل النهار بانضباط دقيق في قوله تعالى (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) الأعراف) هذه السرعة منظمة ودقيقة لا تنقطع ولا تختلف كلمت جاء نهار طلبه ليل والعكس. ويُقال في اللغة الحثحوث للسريع في المشي المنظّم كما تمشي القوات العسكرية. والحثّ يكون فقط في لبسير كالحثّ في سباق او امتحان وكل ما هو من باب السير المتوالي.

حضّ: إذا كانت السرعة ليست على المشي ولكن على أبواب الخير تُسمّى حضّاً كالحضّ على الصلاة وعلى الانفاق وغيرهما من العبادات. والحضّ هو سرعة الفعل والحدث في غير المشي. (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) القيامة) و (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) الماعون) و (وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) الفجر). والحضّ مأخوذ من أمرين أحدهما الحظ بمعنى خذ حظك من النجاح أو المال أو الزرع أومأخوذ من الحضيض وهو المكان السفلي في سفح الجبل وهو أشدّ استقراراً ثابت لا يتزلزل وهو أعمق وأقوى مكان في سفح الجبل. فعندما أحضّك على أمر ما كالانفاق مثلاً فكأني أريدك أن تذهب بهذا الانفاق إلى قاعه الراسخ.

أسرع: الاسراع محمود والعجلة مذمومة.

والاسراع هو تقصير زمن الحدث ولكن بانجاز مثلاً أن نسرع في بناء مبنى ما بمنتهى الاتقان في ستة أشهر وكان هذا البناء سيستغرق سنة. قال تعالى في القرآن الكريم (لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) ابراهيم) لأنه يوم القيامة يحاسب الله تعالى العباد كلهم من أول الخلق إلى أن تقوم الساعة في وقت واحد وفي نفس اللحظة وكان يتقتضي هذا الحساب زمناً طويلاً وملايين السنوات. وقدة الاسراع ومشتقاتها في القرآن الكريم في آيات عديد منها (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) آل عمران) والمسارعة تقتضي وجود آخرين أو منافسين في السرعة. وهناك الاسراع والسباق (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) الحديد) وسابقوا بمعنى لتكن السرعة سرعة تسابق والمعروف أن سرعة السباق هي أشد أنواع السرعات. وقوله تعالى (يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (44) ق) وقوله تعالى (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) المعارج) يُبعث الناس يةم القيامة كالفراش المبثوث والسرعة تكون في ذلك اليوم المشهود ديدن كل الذين يُبعثون كأنما يسارعون إلى مكان معيّن أو هدف معيّن.

وقد أمرنا الله تعالى بنوعين من السرعة المسارعة وهي التسابق في السرعة ثم نترقّى بهذه السرعة حتى تكون سرعة سباق والسباق هو وصف للسرعة والمسارعة بأن تكون شديدة وتأخذ مداها وأقصاها. والأجر يختلف والفضل لمن سبق. والسبق والسباق والسرعة والمسارعة محمودة أما العجلة فمذمومة.

عجل: العجلة هي تقصير المدة ولكن بدون اتمام العمل. الاسراع هو أن تسرع فيما ينبغي الاسراع فيه أما العجلة هي أن تسرع فيما لا ينبغي الاسراع فيه وهي كما قلنا مذمومة "في التأني السلامة وفي العجلة الندامة". قال تعالى (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) طه) في قصة موسى عليه السلام مع قومه، فقد آمن قوم موسى لكنه لم يُتم عمله ولم يطمئن على ثبات عقيدتهم وإنما عجل إلى ربه ولم يُنجز عمله فكانت النتيجة أنهم فُتنوا وعبدوا العجل. وكل عجلة في كتاب الله تعالى تكون من هذا القبيل كما في قوله تعالى (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) يونس) فلو عجّل الله تعالى العذاب للناس لما بقي على الارض أحدا، و (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) الحج) و (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37) الانبياء) فكأن طينة الانسان معجونة بالعجلة فهو يتلهّف على العمل قبل أن يُنجز ويريده حتى لو كان خطِراً كما قال تعالى (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16) ص). وفي قوله تعالى في الحج (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) البقرة) فعلى الرغم من أن الحج ميسّر لكن من بقي إلى اليوم الثالث يكون أفضل له ممن يتعجّل في يومين وكأنه غمز مبطّن للحجاج الذين يتعجلون في يومين وهؤلاء لا إثم عليهم لكن الزيادة في الأجر تكون لمن بقي لليوم الثالث. وهذا شأن كل العبادات فهي تنفي الاثم وإذا أُتقنت فإنها تزيد الأجر.

هرع: هي السرعة مع الاضطراب الشديد. الهرع بتسكين الراء والهرَع بفتح الراء هي السرعة المضطربة. قال تعالى (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) هود) و (فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) الصافّات) ولا تغني كلمة أخرى من منظومة السرعة عن هذه الكلمة في الآية الكريمة. قد يسمع الانسان صوتاً أو صراخاً هائلاً فيُسرع إسراعاً هائلاً إلى حيث الصوت ويكون في غاية الاضطراب فإما أن يضطرب الإنسان بنفسه من خوف أو فرح أو حزن أو بفعل أحدهم.

جمح: الجموح هو سرعة قبيحة مهزوزة والجموح هو المسارعة في الشّر. قال تعالى في سورة التوبة (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)) فالكفّار في هذه الآية لو وجدوا مكاناً للهرب إليه من الله تعالى لفرّوا كما يفر البعير النافر الجامح. والعرب تقول جمح البعير إذا فرّ فراراً غير منتظم فهو جامح.

كرّم الله تعالى الأديان الثلاثة التي هي اكتمال العقل البشري ولهذا كان الأنبياء من قبل موسى يأتون برسالات بسيطة وكلمات بسيطة وكانت الملائكة تأتي على شكل أشخاص بسيطين كما حصل مه لوط وابراهيم وكانت كتبهم بسيطة مثل زبور داوود وصحف ابراهيم لكن اكتمال العقل البشري من حيث الوحي المجرّد وليس المشخّص اكتمل بالتوراة ثم الانجيل ثم القرآن وجعل الله تعالى هذه الأديان الثلاث ديناً واحداً جاء على فترات متتالية وكان عيسى عليه السلام واسطة العقد بين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. وهناك صفات مشتركة بين الكتب الثلاثة والتوحيد هو أساس الكون كله لكن للأسف لم يبق على التوحيد إلا المسلمين وفئة من اليهود والنصارى الذين ما زالوا يدعون للتوحيد لكن معظمهم انحرف عن عقائدهم أما المسلم فهاجسه التوحيد وقد جاء في الحديث الشريف: "لا أخشى عليكم أن تشركوا بعدي"

ويصف الله تعالى الشريحة التي هي القاسم المشترك بين الديانات الثلاثة فقال تعالى في كتابه العزيز (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) آل عمران) فهذه المسارعة في الخيرات هي القاسم المشترك بين عباد الله الصالحين الذين امتدحهم في الآية سواء كانوا جماعات أو أفراداً ولهذا فإن المسارعة في الخيرات هي الامتياز العالي للعلاقة بين العبد وربّه. والمارعة في الخيرات تشمل المسارعة في تنفيذ أوامر الله تعالى والانتهاء عما نهى عنه والمسارعة بأداء العبادات كالصلاة والزكاة والحج والاسراع في التوبة بعد اقتراف الذنب مباشرة والاستغفار (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) آل عمران) وغيرها لأن هذا يدل على صلاح العبد. وعلى المسلمين أن يبتعدوا عن التسويف والتباطؤ في العبادة وفي طاعة أوامر الله تعالى. وفي مشهد الموت بعد أن يموت الانسان ويوضع في قبره يأتيه ملكان غليظان يسألانه من ربه وما دينه ومن نبيه فيجيب المسلم المؤمن بسهولة ثم يأتي رجل جميل الوجه فيسأله المؤمن الميت من أنت فيقول له أنا عملك الصالح لقد كنت سريعاً في طاعة الله تعالى.

والانفاق هو القاسم المشترك في كل منظومات العمل الصالح وهو دليل على أن العبد يقهر نفسه في سبيل الله تعالى وقد جاء في الحديث الشريف: "من أسرع به عمله لم يُبطئ به نسبه"

أمرنا الله تعالى أن نسارع فماذا نفعل؟

1. إعلم أنه هلك المسوّفون الذين يتباطؤن.

2. الصلاة في وقتها أي بعد الآذان مباشرة " أفضل الأعمال الصلاة في وقتها"

3. الإسراع في الحج "حجوا قبل أن لا تحجوا"

4. الاسراع في إخراج الزكاة

5. صلة الرحم "من أراد أن يُنسأ في أجَلَه ويُزاد له في رزقه إن الله ليعمر لقوم الديار ويُربي لهم الأموال وما نظر لهم مذ خلقهم غضبا قالوا بم يا رسول الله؟ قال بصِلتهم أرحامهم"

6. ذكر الله تعالى فعلى كل مسلم أن يكون له وِرد يومي "لا إله إلا الله مئة مرة لا تذر ذنباً ولا يسبقها عمل" والوِرد الذي بعد الصلاة أيضاً ه أجر عظيم إذا واظب العبد عليه.

وعلينا أن نحذر ونبتعد عن المغالاة أو التقصير وعلينا بالوسطية في كل أفعالنا فى نوغل أو نغالي في العبادات كما لا نقصّر فيها.

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال الذين إذا أُعطوا الحق قبِلوه وإذا سُئلوه بذلوه وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم". وقال صلى الله عليه وسلم :" لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه: والتهجير هو الذهاب المبكر إلى المسجد. والسابقون في الخيرات الذين دخلون الجنة بغير حساب وعلينا أن نحاول أن نكون ممن لا يُحاسب وذلم بالاكثار من الأعمال الصالحة وعدم الحساب يوم القيامة مكرُمة من الله تعالى لعباده المؤمنين الصالحين المسارعين في الخيرات. ومن نوقش الحساب هلك. والناس يوم القيامة ثلاثة أصناف (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) فاطر) منهم من ظلم نفسه وهو الذي يحاسب حساباً عسيرا، والمقتصد وهو الذي يحاسب حساباً يسيراً وسابق بالخيرات وهو الذي يدخل الجنة بغير حساب.

وللإكثار من الأعمال الصالحة علينا أن نحافظ على: صلاة الجماعة، صوم 3 أيام من كل شهر، كثرة الاستعفار، ركعتي تهجد في الليل، حفظ البقرة وآل عمران.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 07:50 PM
منظومة حَرَج

حرج– لا تثريب – لا جُناح – لا ضير – لا جَرَم – ليس عليك هداهم – لا تك في ضيق

هذه الكلمات كلها تدخل قي منظومة رفع الحَرَج ومن خلالها رفع المسؤولية. في كتاب الله العزيز منظومة دقيقة واسعة ومُعجِزة تعالج الشعور بالقلق أو الخوف أو الحزن أو التردد التي تصيب الانسان في مراحل الشعور. ومراحل الشعور هذه هي المراحل التي يمر بها الانسان عندما يُقدِم على أي فعل مهما صغُر أو كبُر مثلاً كيف نصلّي؟ المرحلة الأولى هي مرحلة إدراك أن الصلاة ركن لا بد من فعله ثم المرحلة الثانية وهي مرحلة الوجدان فعندما يقرأ الانسان أكثر عن الصلاة ويعرف أهميتها وأجرها ويعلم عقوبة تاركها يصبح عنده شعور بأهميتها وبحبّها ويشعر بالراحة فيها كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم "وجُعلت قُرّة عيني في الصلاة" ثم تأتي مرحلة النزوع وهي أن يقوم الانسان للصلاة.

وهكذا فكل فِعل نفعله في حياتنا سلباً أو إيجاباً طاعة أو معصية لا بد وأن تترك شعوراً بالخطأ أو التقصير أو المعصية أو اللوم كأن يصلي الانسان ثم يراوده شهور هل قُبَلت صلاته أم لا؟

ونأخذ مثالاً قصة امرأة العزيز التي أُعجبت بيوسف عليه السلام لمدة أعوام فأدركت أنه جميل وهذه تمثل مرحلة الادراك ثم بدأت تحبّه وهذه مرحلة الوجدان ثم جاءت مرحلة النزوع حين غلّقت الأبواب وهمّت به.

هذه المراحل كلها في كل حدث تترك شعوراً بالخطأ وشعور بعدم الراحة أسبابه كثيرة كفعل غير صحيح أو فيه عار أو معصية أو فعل ناقص وقد وضع القرآن الكريم لهذه المشاعر منظومة محددة مُعجَزة تُزيل كل زاوية من الزوايا التي تُصاحب مراحل الشعور الثلاث. مثلاً إنسان صلّى صلاة مستعجل فيقول الله تعالى (لا جُناح عليك) أو انسان خطب امرأة في فترة العدّة فيقول تعالى (لا جُناح عليكم فيما عرّضتم به من خطبة النساء) وهكذا في القرآن الكريم كلّما أراد الله تعاى أن ينفي المسؤولية عن أي حدث يستعمل إحدى كلمات هذه المنظومة. وكل كلمة في هه الكمنظومة تنفي شعوراً معيناً لا يمكن لأي كلمة أخرى من نفس المنظومة أن تنفيه أو تعطي المعنى المطلوب.

لا تثريب: كل من يرتكب فعلاً يظن أن فيه خزي أو عار أو يسبب له عار يستعمل كلمة لا تثريب بمعنى لا تعيير ولا تعييب. فكل فعل يُخزي الانسان إذا عُيّر به يسمى تثريباً وقد جاء في الحديث الشريف: " إذا زنت جارية أحدكم ولا يثرّبها" أي لا يُعيّرها. وقد جاء في القرآن الكريم في قصة إخوة يوسف لماّ قالوا (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) يوسف) قالوها وهم يشعرون بالخزي والعار مما فعلوه أجابهم يوسف (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) يوسف) أي أعيّركم ولا عار عليكم ولا تقوم كلمة هنا مقام كلمة لا تثريب. وكلمة لا تثريب هي نفي القلق الناتج عن الشعور أن المسؤولية وقعت على شكل غير مرضي. فمع كل ما فعله المشركون مع الرسول صلى الله عليه وسلم من أذى، قال لهم عند فتح مكة " لا تثريب عليكم" أي لن تُعيّروا بما فعلتموه سابقاً.

لا جُناح: عندما تأتي مرحلة الوجدان وانت تشك في أنك فعلت شيئاً خطأ كأن تخطب امرأة صراحة وهي في فترة العدّة فمن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. روي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه لمّا قُتل الزبير بن العوّام وتحته عائشة بنت طلحة وكانت من أجمل نساء العرب وجدها تلطم خديها بقوة فأرسل لها امرأة تقول لها: ترفّقي بخدّك فإن لنا به حاجة. وهذه إشارة ضمنية أنه يخطبها. في هذه الحالات قال تعالى في سورة البقرة (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)) ألغى سبحانه وتعالى أي شعور بالحرج أو الذنب أو التقصير من خطبة امرأة أرملة في فترة العدّة تعريضاً وليس صراحة. وكذلك في قوله تعالى في سورة البقرة (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)) لأن المسلمون بعدما دخلوا في التوحيد بعد عبادة الاصنام كانوا يجدون حرجاً في الطواف حول الكعبة أو السعي بين الصفا والمروة لأنهم كانوا يفعلون ذلك قبل الاسلام فرفع الله تعالى هذا الخوف والقلق والحرج عنهم.

لا ضير: عندما يُغمض حقك أو يُنتقص كمثل إنسان فُصل من عمله فقال لا ضير لأنه يعلم أن الله تعالى سيرزقه خيراً منه وقوله لا ضير يعني نفي أن يكون حظه قد انتقص لأن هذا الحظ يقابله جزاء عظيم وموقف عظيم. وقد جاء في القرآن الكريم في قصة فرعون الذي طغى في سورة الشعراء (قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49)) أجابه بنو اسرئيل (قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50)) بمعنى أننا سنموت ونُبعث وكل ما ستفعله سيكون في صالح أعمالنا.

ليس عليك هداهم: الرسول صلى الله عليه وسلم كان يشعر بالفشل من محاولاته المتكررة ليُسلِم أقرباؤه وأعمامه فقال له تعالى إياك والشعور بالفشل(لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) البقرة) لأنهم لا يستحقون الشعور بالقلق من عدم هدايتهم (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) الأنعام) وإياك أن تذهب نفسك عليهم حسرات كما جاء في قوله تعالى (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) فاطر) وقوله تعالى (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) الكهف).

لا تكن في ضيق ولا تك في ضيق: الرسول صلى الله عليه وسلم وكل مسلم عندما يًصلح كافراً أو مشركاً لكن هذا الأخير يكيد له ودائماً يشعر الانسان بأنه حزين متألم كيف تنقلب عليه الأمور هذا الانقلاب ويقول الانسان ما هذا المكر الذي يصيبنا كما يحدث للمسلمين في هذا العصر. وعندنا ضِيق وهي شدة الحزن (ضيّق: كل شيء يضيق ويتّسع) وعندنا ضَيْق وهو الضيق الذي لا يتّسع. والرسول بشر فلا بد أن يضيق صدره بما يفعله المشركون (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) الحجر) والله تعالى نهاه عن الضَيْق وهو غاية الحزن الذي يسيطر على الانسان حتى يُتعبه ويُصبح أسيراً له والذي لا فرج بعده ولا فرح. فيقول تعالى لرسوله (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) النحل) وهذه الآية نزلت في حادثة معيّنة عندما حزن الرسول على مقتل عمه حمزة في غزوة أُحُد ونهى الله تعالى رسوله والمسلمين عامة عن الحزن بشكل مستمر في قوله تعالى (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُن فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) النمل) وهذه يجب أن تكون قاعدة عامة في حياة المسلم.

اللوم: هو العذل الذي يعقب كل فعل ناقص أو خاطئ وهو ان يلوم الانسان نفسه عن فعل يفعله ويقول لو أني فعلت كذا أو لم أفعل كذا. والرسول صلى الله عليه وسلم كان يرى عناد الكافرين فيتولّى عنهم في بعض الأحيان ويشعر باللوم ويعتقد أن ما يفعله قد يكون خطأ فيقول له الله تعالى (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) الذاريات) أما في حادثة ابن أم مكتوم فعاتبه الله تعالى في سورة عبس على ما فعله. وعلى المسلم أن لا يُعرض عن عمل صحيح في الظاهر إلى عمل غير صحيح في الظاهر وعلى الداعية أن يداوم على الدعوة لكن بعض الجماعات لا ينفع معهم شيء وعندها لا بأس بالتولي عنهم كما جاء في قوله تعالى (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) الذاريات) فنفى تعالى اللوم عن رسوله وإن كان الفعل في ظاهره خطأ (ترك دعوة قوم معينين).

لا جَرَمَ: عندما أقسو عليك أو أشتمك أو أقول عنك كلاماً ليس طيّباً ربما يكون هذا خطأ أو ظلم فإذا كنت تستحق ذلك أقول لا جرم. فالكفار مثلاً قالوا أنهم هم أهل الجنة فردّ تعالى عليهم في قوله (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62) النحل) وقوله تعالى (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22) هود) من حيث أنهم يستحقونها وليسوا مظلومين. وكذلك قال موسى لقومه (لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) غافر) فكأنها شتيمة لفرعون وقومه وليست ذنباً ولا ظلماً لهم لأنهم أهل النار وعباداتهم باطلة.

حَرَج: في اللغة هو مجتمع الشيئين وهو المكان الضيّق جداً بحيث لا يستطيع شيء أن ينفذ من خلاله. والحرج هو آخر الضيق ولا توجد كلمة تُضرب بالضيق المتناهي والمتنامي ككلمة حرج. لأنها تعني ملتقى الشيئين انطباقاً. واستعملت كلمة الحرج في الضيق الناتج عن القلق أو الشّك بالفعل الذي يفعله الانسان في مرحلة الوجدان أو النزوع وليس في حالة الادراك لأنه ليس مؤاخذ عليها وإنما تبدأ المؤاخذة في مرحلة الوجدان والنزوع. ففي هذه المراحل قد يحدث خطأ والقلق الذ يساور الممن يكون عند مراحل الشعور الثلاث فعندما يصلي المسلم يشعر أن صلاته كان فيها سهو أو أنه لم يؤديها بشكل جيد وقد يتطور هذا الشعور عند البعض ليصبح وسواساً وهذا كله جناح. فالجناح إذن هو القلق الناتج عن الحدث الذي تشك وتفكر فيه ويسبب لك الضيق. ويقول الله تعالى (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) الحج) ويقول تعالى في آية أخرى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) المائدة) , الله عز وجلّ رفع عنا الضيق والحرج في قضايا الدين والدنيا ففرّجها سبحانه ونضرب مثالاً على رفع الحرج في الدين في الترخيص للموشك على الهلاك بشرب الخمرة التي هي في الأصل أم الكبائر إذا كانت حياته مهددة وليس لديه ماء يشربه ويُبقي عليه حيّاً. فالدنيا فيها قواعد خيالية في الاقتصاد والسياسة والبيع والشراء والدين فيرفع الله تعالى الحرج عن كل ما صار مستحيلاً. وفي القرآن الكريم نماذج من رفع الله تعالى الحرج عنا في الدنيا وفي قضايا المعيشة والكون مرصود رصداً هائلاً كما في قوله تعالى (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) الانعام). ومن قواعد الكون أن القوة في النهاية لا تكون إلا للحق مهما كانت قوة الباطل. ففرعون الذي طغى وقال لقومه أنا ربكم الاعلى رفع الله تعالى الحرج عن بني اسرائيل المؤمنين من قوم موسى. وكذلك قوم عاد الذين كانوا طغاة وقالوا (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فُصّلت) دمّر الله تعالى ديارهم تدميراً كاملاً (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) فُصّلت) (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8) الحاقّة) . وكذلك النمرود كان جيشه لا يُقهر وأذلّ شعوباً وأمماً وضاق الأمر وصار حرجاً فأرسل الله تعالى عليه البعوض فقتله وجيشه كاملاً. فالقوة العسكرية وحدها إذا سادت سيادة مذهلة هذا حرج ومن سنن الله تعالى أن يزيل الحرج من عنده (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) المائدة). ومن قواعد الكون طول ظلم الجماعات والأفراد ولا بد أن يُري الله تعالى قوته في الظالم وكيف يجعله سخرية أمام الذين ظلمهم والظَلَمة يقعون في شرور أعمالهم ويصبحوا أمثولة التاريخ.

ومن قواعد الكون أنه مهما كثُرت البشرية لا بد وأن يجدوا رزقهم في هذه الارض ولن يضيق الرزق بأحد (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) هود) وكل أمة تتطور يتطور معها رزقها فدول الخليج عندما كان عدد سكانها قليلاً كان تعتمد على الصيد واللؤلؤ وعندما ازاد السكان أرشدهم تعالى للنفط ومصاد الرزق الأخرى التي تلبي احتياجاتهم.

ومن القواعد الكونية أن الله تعالى يدمّر المماليك المؤمنة الباطلة ولا يدمّر المشرك العادل في الدنيا (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج)

ومن الحرج الذي رفعه الله تعالى في الدنيا أنك قد تجد إنساناً يعمل أعمال وكأنه أسوأ خلق الله تعالى لا يجب أن نُطلق عليه لفظ كافر إلا أن يجعل لله تعالى نداً أو يُشرك في عبادته إلهاً آخر.

ومن قواعد الكون أنه ما من داء إلا وله دواء لكن على الناس البحث عنه ويحذّر الله تعالى من اليأس الكامل بل يجتهد الانسان في بحثه حتى يصل إلى الدواء.

ومن قواعد الكون أنه لا يمكن لقوة أن تستبد في الأرض وتخطف خيراتها على حساب الشعوب الأخرى فهذا حرج وكقوم عاد وفرعون والاسكندر وغيرهم ولا بد من وجود قوتين تتعادلان لتجنيب الضعفاء الظلم (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) البقرة) والتاريخ مليء بمثل هذه القصص.

ومن قواعد الكون أن الله تعالى خلق القوارض لأكل النفايات في الدنيا حتى لا تزدحم الدنيا بالنفايات وقد جعل الله تعالى لكل شيء عادم فاقولرض عادم الكرة الأرضية فإن فسدت الأرض فمن أيدي الناس (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) الروم).

ومن قوانين الكون أن الله تعالى جعل للبلاء والفقر ولكل ما تضيق به الحياة باباً واسعاً عظيماً لا يُسدّ إلى يوم القيامة ألا وهو الصبر فما من بلاء إذا تعوّد صاحبه على الصبر وأدرك ما هو الصبر ثم جعله له وجدانا يعلم كيف يجزي الله تعالى الصابرين ثم ينزع للصبر.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 07:51 PM
رفع الحرج في الأمور الدينية:

منظومة رفع القلق والشك في الجدث والفعل في كل مراحل الشعور من ساعة الشعور بالادراك ثم الوجدان ثم النزوع وهي أحاسيس يمرّ بها المؤمن دائماً. ونعيد ما جاء في الحلقة السابقة حيث قلنا أن كلمة لا تثريب تختص برفع العار ولا جناح رفع الحرج إذا تُوهّم إن فعلاً ما حرام، ولا حرج تُستعمل عندما يكون الفعل ضيّق لا سعة فيه، أما لا ضير فتستعمل عندما يمون هناك نقص في الحقوق ولا لوم عكس المطلوب ولا جرم عندما يُتوهّم أن في الفعل اعتداء.

وذكرنا الحرج وهو الضيق والضيْق وقلنا أن رفع الحرج هو قضية كونية تتعلق بأمور الدنيا والآخرة. والحرج هو التصاق الشيئين بحيث لا يكون بينهما مساحة للعمل. وكلما وقف الانسان في الدنيا أمام جدار مسدود فتح الله تعالى له باباً آخر ورفع عنه الحرج. وذكرنا في الحلقة السابقة رفع الحرج في أمور الدنيا ونتطرق في هذه الحلقة لرفع الحرج في أمور الدين مستندين لكتاب الله تعالى وسنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

علينا أن نعلم أن هذا الدين كله جاؤ لرفع الحرج عن أي علاقة من علاقات العبد بربّه فما من علاقة بين العبد وربّه تجبر العبد أن يقف أمام جدار مسدود أبداً. ولله تعالى ثلاث إرادات (يريد الله بكم اليسر) و (يريد الله أن يخفف عنكم) و (يريد الله أن يتوب عليكم)، وهذه الثلاثية هي من الارادة لتي لا بد أن تقع فاليُسر والتخفيف والتوبة تعني رفع الحرج. وعدم المؤاخذة هي نتيجة رفع الحرج فعندما يقول الله تعالى (لا جناح عليكم) يعني لا يؤاخذكم.

والله تعالى جعل على الأمم السابقة حرجاً عظيماً بدليل أن الله تعالى لم يتب على بني إسرائيل حتى قتل بعضهم بعضا، أما المسلمون فيكفي أن يستغفروا ربهم ويعودوا إليه فيغفر لهم. ونبي آخر الزمان هو الذي سيرفع عنهم الإصر والأغلال. وشدة القيد ليس من دين الاسلام في شيء وليس من دين أشد سماحة من الاسلام. والدين له وجه واحد والتوحيد هو قضية الأمة المركزية. ولكا أمر شرعي حدّان حد أدنى لا تقربوه وحدّ أعلى لا تعتدوه وبينهما مساحة يتحرك فيهما المسلم فالصلاة مثلاً تكون بين أول الوقت وآخره ولا حرج في ذلك وتخيّل لو أن وقت صلاة الظهر أو غيرها كان محدداً بوقت معيّن كالساعة الثانية عشر مثلاً فهذا بالتأكيد سيكون فيه حرج على المسلمين.

ومن أمثلة رفع الحرج في الدين:

أن الله تعالى خالق كل شيء فماذا لو قال تعالى من لم يتوصل إلى معرفتي فقد هلك بالطبع سيهلك معظم الأمة لأن العارفين بالله قِلّة لا يتجاوزون 1% والمعرفة متدرجة لكن المطلوب من العبد أن يعلم أن الله واحد لا شريك له ويؤمن بذلك يقيناً كاملاً فيرفع الله تعالى الحرج عن العقل البشري عندما يتوجه لعبادة الله تعالى. وأولو الألباب ملوك الجنّة ومن رفع الحرج أن العبد ليس هالكاً ولا يدخل النار إلا شقي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم. فالمجالات أمامه واسعة إلى حد كبير وكلها مبنية على مبدأ رفع الحرج. والله تعالى يرفع الحرج عن العقل لأنه متفاوت كما قال الشافعي: " رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب" فعلى المسلم أن لا يكفّر أحداً أبداً طالما أنه من أهل القِبلة على ما قد يكون فيه من الاخطاء.

رفع الله تعالى الحرج عن تعامل المسلمين مع غيرهم (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7) الممتحنة)

من رفع الحرج أن شرّع الله تعالى لنا بعض الأعمال يغفر لعباده فيها كبير الذنوب والأمثلة على ذلك كثيرة منها "غفر الله تعالى لامرأة بغي بسقيا كلب".

الزمان يتغير ومن الذنوب ما لم يكن معروفاً في الازمنة السابقة وقد يرفع الله تعالى درجة عبد من عباده يوم القيامة بعمل واحد وقد يُحبط عمله الصالح كله بعمل واحد. وفي زماننا هذا من الذنوب ما لم يكن معروفاً سابقاً وإلا فما ذنب هذا الجيل بالامتحان والابتلاء بالفضائيات والعُري والسفور والربا كما في الحديث الشريف:" لا تقم الساعة حتى يأكل الناس الربا ومن لم يأكله أصابه منه" فمن رفع الحرج أن الحلال والحرام ليسا ثابتين ثباتاً قطعياً من حيث أن حجمه لا من حيث حُكمه ولهذا رُبّ كبيرة لك صغيرة بالنسبة لغيرك. وفي الحديث الشريف: " أنتم اليوم في زمن لو عمل أحدكم عُشر ما أنزل الله لهَلَك وسيأتي على الناس زمن لو عمل أحد بعُشر ما أنزل الله لنجى" وفي حديث آخر " أجر العامل منهم أجر خمسين" عمل قليل في عصر قد يساوي عملاً كثراً في عصر آخر وهذا من رفع الحرج.

من رفع الحرج عن الأمة ما عمّت به البلوى على قاعدة إذا ضاق الأمر اتّسع. كانت الشوارع من خمسين عاماً ملسئة بفضلات الحيوانات وكانت هندما تمطر يختلط هذه الفضلات بالماء ولم يكن هناك مهرب من أن يتّسخ ثوب أحدنا بهذه الفضلات النجسة والنبي صلى الله عليه وسلّم قال أن هذا جائز استثناء لأنه مما عمّت فيه البلوى، وكذلك دم البعوض فنحن نعلم أن الصلاة في ثوب فيه بقعة ولو صغيرة من الدم تبطل لكن في البلاد التي يكثر فيها البعوض فلا حرج على المصلّي أن يتم صلاته ولو امتلأ ثوبه بدم البعوض لأنه مما عمّت فيه البلوى. وفي عصرنا هذا عندما يخرج أحدنا في الشارع فلا بد وأن تقع عينه على فتاة شبه عارية والله تعالى رفع عنا الحرج حيث قال (غضوا من أبصاركم) ولم يقل أغمضوا أبصاركم وكذلك الغناء فحيث ما كان المرء يسمع غناءً وهناك فرق بين السماع والاستماع فإذا سمع الانسان الغناء عَرَضاً فلا حرج عليه لكن عليه أن لا يتقصّد الاستماع.

ويمكننا من قاعدة رفع الحرج أن نصل إلى أن الخطايا التي كانت في غير زماننا نسبة حُرمتها أقلّ في زماننا.

من الحرج ارتكاب الكبيرة وأن يموت الانسان وهو عليها. والاسلام يحذّرنا من ارتكاب الكبائر (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31) النساء) واستعمال (إن) هنا تدلّ على أن الفعل أقل حدوثاً مما لو استعمل (إذا). ولا بُدّ من أن يقع المسلم في كبيرة في حساته من غيبة أو ربا أو سحر وهو منتشر كثيراً في هذا الزمان فيفتح الله تعالى باب شفاعة النبي صلى الله عليه كما جاء في الحديث:" شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي" وأمتي هي أهل القِبلة فإن مات المسلم على كبيرة وهذا حرج شديد رفعها تعالى بشفاعة المصطفى وإن تاب المسلم من الكبيرة قبل موته فإن الله تعالى يمحُها. ولقد شرّع اله تعالى لنا عبادات تمحق الذنوب محقاً كالاستغفار الشديد كما في الحديث الشريف:" من سرّه أن يرى صحيفته يوم القيامة فليُكثر من الاستغفار".

رفع الحرج من حيث الطعام والشراب: فالذي كون في صحراء ويصيبه الجوع والعطش حتى يوشك على الهلاك رفع عنه الحرج في أكل لحم الخنزير أو شرب الخمر للبقاء حيّاً وهذا في الاسلام فقط لأن اليهود حرّموا الأكل والشرب من المحرمات حتى في حالات الضرورة. أما في الاسلام فلا إثم على الذي يفعل هذا لأنه من باب الضرورات التي تبيح المحظورات حتى الكفر فالله تعالى رفع الحرج عن من كفر كُرهاً (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) النحل) (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) المائدة). والضرورة في الاسلام هي قضية حياة أو موت وقد سُئلنا عن بعض المسلمات المجبات في الغرب اللواتي تعرّضن للأذى الشديد وقلنا أنه إذا سبب لها الحجاب الحرج يسقط عنها.

ومن رفع الحرج أيضاً قصر الصلاة في السفر والافطار في رمضان للمريض والمسافر ومع أنه من أفطر يوماً من رمضان عامداً متعمّداً لم يُغنه صيام الدهر كلّه وإن صامه فقد شرّع الله تعالى للمسافر والمريض الفطر ويقال أن الفطر أفضل من الصيام في السفر حتى لو كان السفر مريحاً حتى أن بعض الفقهاء يحرّمون الصيام في السفر.

ومن رفع الحرج أن في الأمة منافقون لكن هذا ليس من شأننا فالفيصل هو القِبلة والله تعالى علّم رسوله صلى الله عليه وسلم مبدأ إحسان الظنّ بالمسلمين جميعاً حتى لو رأيناهم على الذنب كما في حادثة الصحابي الذي اعترف لرسول الله تعالى بالزنى فقال صلى الله عليه وسلم لو سترته بثوبك لكان خيراً لك. فإذا علمنا أن أحد المسلمين أذنب علينا أن ننصحه ولا نعيّره فيما بعد بهذا الذنب كما جاء في الحديث الشريف:" إذا زنت جارية أحدكم فليجلدها ولا يثرّبها" هذا في الجارية فما بالنا في المسلمين؟ ومن رفع الحرج أنك لست مسؤولاً عن أي مسلم مهما كان سلوكه معوجّاً وما يجري الآن من اتهامات بالعقيدة والدين والبدعة مصيبة كبيرة. والخلاف من رفع الحرج عن العقول (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) هود) فالله تعالى خلق الناس مختلفين والاختلاف في الآراء جمال أما أن يسفّه أحدنا الآخر لمجرد إختلاف آرائهم فهذا هلاك يوم القيامة "أحسِن الظنّ بالمسلم وحسابه على الله تعالى" وفي الحديث الشريف:" من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة ومن حمى ظهر مسلم حمى الله ظهره يوم القيامة وهو أحوج ما يكون إليه".

ومن رفع الحرج أننا لسنا مسؤولين عن كل ما نُحدّث به نفوسنا ما لم نفعله كما جاء في الحديث الشريف:" تجاوز الله لأمتي عما حدّثت به نفسها ما لم تفعل". وهذا رفع حرج عظيم أن لا يكون المسلم مسؤول عن خواطره.

ومن رفع الحرج أن شرع الله تعالى عبادات شاملة تمحو الذنوب اليومية الكثيرة مثل الغفلة عن ذكر الله تعالى وعدم ردّ السلام أو التقصير في العبادات أو عدم الاهتمام بالجار أو الاهمال في وقت العمل أو استعمال ما يخصّ العمل فيما لا يتعلق بالعمل نفسه وكل هذه الذنوب هي ذنوب خطيرة لكن بفضل الله تعالى شرع لنا بعض العبادات التي يمحو الله تعالى بها هذه الذنوب منها زيارة المريض واتباع الجنازة وقيام الليل وكثرة الاستغفار.

ومن رفع الحرج أن الله تعالى لا يحاسب المختلطين أي أخذ المال من أب أو زوج أو غيره ممن بينهم نسب وصِلة.

رفع الله تعالى الحرج حتى في الحدود بحيث لا تُقطع يد كل سارق أو يُرجم كل زاني ولمنع الحرج قال الرسول صلى الله عليه وسلم:" ادرأوا الحدود بالشبهات" فيجب البحث عن عذر للمذنب ولو كان هذا العذر يمثّل واحداً بالألف لا ينفّذ الحدّ. فالقلتل إن عفا عنه واحد من أهل القتيل يُعفى عنه. فالحدود شُرّعت للتخويف ولم تُشرّع للتطبيق إلا في الحد الأدنى لأخذ العِبرة. وفي خمسة قرون قطعت في الاسلام قّطعت أيدي خمسة أشخاص فقط وفي رواية سبعة.

منظومات رفع الذنوب كلها:

شرع الله تعالى لنا بفضله وكرمه بعض الأعمال التي يغفر بها الذنوب كالذكر " ذهب الذّاكرون بكل خير يضع الذكر عنهم اوزارهم يوم القيامة فيمرّون على الصراط خفافاً"

· كثرة الاستغفار.

· أسماء الله الحسنى من أحصاها دخل الجنة وأحصاها تعني من قرأها مع معرفة معناها وأسرارها ويفتح الله تعالى على عباده مغاليق باسم من أسماء الله الحسنى.

· قول لا إله إلا الله مئة مرة

· زيارة المريض

· اتباع الجنائز

· بِرّ الوالدين

· صلة الرحم

· الصيام المأثور

· قيام الليل

· المرض فليلة من الصداع تغفر الذنوب جميعا، والحمّى من فوح جهنم وذلك نصيب المؤمن من النّار.

· الحزن والهمّ فإن من الذنوب ذنوباً عظيمة لا يغفرها إلا الهمّ.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 07:52 PM
منظومة حَرَس وحارس

حارس– حافظ – خازن – راصد – رقيب

هذه الكلمات كلها تدخل قي منظومة الحماية وكل منها يعبّر عن وظيفة معيّنة.

الحارس: هو الذي يحمي المحروس من الخارج فقط وليس له علاقة بالداخل كالحارس الذي يقف خارج مبنى ما كالمعسكرات والسجون والمباني الحكومية والشركات وظيفته حماية هذا المبنى من الخارج فقط. وفي السماء ملائكة لا يعرفون ما يجري في الأعلى والحرس من الملائكة هم الذين يحرسون السماء من الشياطين والشهب والخلل كما في قوله تعالى في سورة الجنّ (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8)). ووظيفة الحارس أيضاً عدم السماح لأحد بالدخول إلا بإذن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" عينان لا تمسهما النار عين حرست في سبيل الله"

الحافظ: إن كان يعمل داخل المبنى فهو حافظ. والحافظ يتصرف من الداخل ويحمي المحفوظ من الداخل وينمّيه ويرقّيه ويطوّره ويحضر الأجهزة ونحوها. والحفظ هو العمل الدؤوب من الداخل وهو مباشرة المحفوظ من الداخل (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) الطارق) فالحافظ داخلك يمنعك من الانحراف والسلوك الرديء . والملائكة الحفظة تعمل داخل الانسان أما الحُرّاس فخارجه (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) الأنعام). والحفظ هو رعاية المحفوظ رعاية كاملة من داخله. (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) يوسف) فسيدنا يوسف عليه السلام لم يكن يحرس وإنما كان يطوّر اقتصاداً ويقوم بمشاريع ويُنمّي ويُرقّي .

وقوله تعالى في سوة الحجر (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)) سخّر تعالى أناساً يعملون على حفظ القرآن ويعملون من داخله شرحاً وتفسيراً وبيان إعجازه وعلومه العديدة.

والحفيظ تكون بمعنى الحفظ والتحفّظ وهناك حفظ سلبي (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6) الشورى) كأن أتحفّظ على المجرم حتى لا يهرب وحفظ إيجابي (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) هود).

فالحفظ هو التربية الإلهية المباشرة بدون أسباب من داخل الإنسان وهذا هو الحفظ من الله تعالى بأمره الملائكة الحفظة بحفظ العباد كما قال تعالى (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ (11) الرعد)

قال تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) المؤمنون) فالحافظين فروجهم لا تعني فقط عدم الزنا فقد لا يزني المؤمن ولكنه ينظر إلى المحرمات ونحوه لكن الذي يحفظ فرجه أو تحفظ فرحها هم الذين لا يقربون مقدمات الزنا ولا يفعلون أي شيئ لا يليق بالمؤمن من الخضوع بالقول أو النظر أوغيره.

قال تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) المؤمنون) وهناك فرق بين قوله تعالى (على صلاتهم دائمون) و(على صلاتهم يحافظون) وقائمون. فإقامة الصلاة تأديتها، والدائمون على صلاتهم تعني في أماكن الدوام الرسمي وهي صلاة الجماعة في المساجد أما يحافظون فهي تعني الحفاظ عليها من حيث تطويرها أولاً كالخشوع فيها والنوافل والمحافظة عليها من أن تُحبط ثانياً وهذا هو الأهم. ومحبطات الصلاة كثيرة كما في الحديث الشريف:" اثنان لا تُرفع صلاتهما فوق رأسيهما شبراً أخوان مُتصارمان وعاقّ لوالديه" فالمُصلّي الذي يُصلي صلاة عظيمة متكاملة لكنه عاقّ لوالديه تُحبط صلاته لأنه لم يحافظ عليها. في الحديث الشريف:" ثلاثة لا ينفع معهن عمل الشرك بالله وعقوق الوالدين والتولّي يوم الزحف". وفي الحديث الشريف أيضاً:" ثلاثة لن تُقبل لهم صلاة من تقدّم قوماً وهم له كارهون ورجل يأتي الصلاة دباراً ورجل صلّى على جنازة ولو يؤمر"، والذي يأتي الصلاة دباراً أي الذي يتعمّد أداء الصلاة بعد انقضاء وقتها وبدون عذر ورجل صلّى جنازة لم يُؤمر (ومن السنة أن يختار أهل الميت ويوافقون على من يؤم صلاة الجنازة فإن صلى بهم من غير موافقتهم أُحبطت صلاته. وممن تُحبط صلاته امرأة دعاها زوجها من الليل فأبت عليه.

قال تعالى (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) النساء) هناك فرق بين أن لا تزني المرأة وبين أن تكون حافظة لفرجها. ولهذا وضع تعالى لكل شيء حدوداً وحمىً "ألا إن حِمى الله محارمه". فالقانتات هنّ الخاشعات في الصلاة المطيلات الدعاء فيها والصالحات الحافظات هن اللواتي تحفظن أزواجهن بالغيب كما تحفظهن في حضورهن فلا تخرجن إلا بإذنه ولا تخضعن بالقول مع الرجال ولا تتبسّطن بالحديث وتحرصن على مال زوجها وعرضه في غيابه كما في حضوره ولهذا قال تعالى (بما حفظ الله) "التي إذا نظر إليها سرّته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته في ماله وعرضه".

ونقف عند قوله تعالى (الرجال) ويجب أن ننتبه إلى أنه تعالى لم يقل الأزواج بل قال الرجال كل الرجال فالأخ قوّام على أخته والأب على ابنته والزوج على زوجه وهكذا. وللأسف فقد فهم الكثيرون هذه الآية على غير مُراد الله تعالى فيها وقالوا فيها ما قالوا لصالح الرجال ولكن الآية واضحة فالله تعالى يقول (بما فضّل الله به بعضهم على بعض) أي أن الله تعالى فضّل الرجال بشيء وفضّل النساء بشيء أيضاً. وفي التاريخ الاسلامي كان يوجد في المدينة أكثر من ثمانين مجتهدة والسيدة عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما كانتا أتقى من بعض الصحابة. والرسول صلى الله عليه وسلم قال في الحديث:"النساء شقائق الرجال". والرجل مفضّل على المرأة بقوته الجسدية وملائمته لتحمل مصاعب الحياة ومشاقّها والمرأة مفضّلة بصبرها وقوة تحملها ورعايتها لبيتها وزوجها وأولادها وصبرها على الحمل والولادة وعلى الزوج الشيء وعلى الولد الشقي وغيره.

والتفضيل للرجال بما أنفقوا لأن الرجل مطالب بالانفاق على بيته وزوجه وليست المرأة مطالبة بذلك إلا إذا أنفقت من طيب نفسها وبلا إكراه فإن أكرهها زوجها على الإنفاق تسقط قوامته عليها. فالمرأة تنفق في بيت زوجها تطوعاً والرجل ينفق على بيته إلزاماً.

وحفظ المرأة يكون من داخلها بطهارة القلب.

قال تعالى (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) ق) ومن هذه الكلمة نستطيع أن نتصور أن هذا الكتاب كأنه عاقل وكأنه جهاز عجيب يغيّر أعمالنا في حياتنا وبعد موتنا فمن قال اللهم اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات كان له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة وكون هذا الكتاب حفيظ أي أنه يغيّر الأعمال إلى أن تقوم الساعة ويمحو السيئات بالحسنات. والتوفيق والهداية من الحفيظ سبحانه.

في الحديث الشريف أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه:" استحوا من الله حق الحياء قالوا نحن نستحي من الله قال ليس هذا لكن الحياء أن نحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى وتذك الموت والبِلى" وحفظ الرأس وما حوى يكون بحفظ العينين واللسان والأذنين والعقل والتفكير وهذا الحفظ هو عملية تربوية هائلة والحافظ أكثر أجراً من الحارس.. وهناك أدعية كثيرة لاستجلاب الحفظ منها سورة الفاتحة وفواتح سورة البقرة وآية الكرسي وغيرها.

الخازن: حماية شيء مُهمّ في مكان واحد وعدم السماح له بالخروج إلا بأمر الملِك سواء كان المخزون مالاً أو أناساً أو كنزاً. يكون الشيء عادة في مخزن أو مستودع أو بئر ولا يُسمح لأحد أن يأخذه أو يدخل إليه ويقال خازن بيت المال فلا يسمح للمال بأن يخرج من بيت المال إلا بأمر من الملك، وخازن السجن لا يسمح للسجين بالخروج أو الدخول إلا بإذن، وكذلك خازن النار لا يسمح لأحد بالخروج من النار إلا بإذن الله تعالى (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) الزمر) (تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) الملك) (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) غافر).

الراصد: يحمي المرصود من شيء واحد متوقع كـأن يأتي بلاغ بأنه سيكون هناك انفجار أو هجوم على مكان ما، الحارس لا يعرف عنه شيئاً فتُحضر الأجهزة المختصة فريقاً مدرباً يسمى الراصد يكون في مكان لا يراه أحد وهو خبير بدفع الشر عن المرصود. (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) الجن) (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) الجن). قال تعالى (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) الفجر) يوم القيامة سنحاسب وسيكون هناك رصد على الصراط ويحجب أن نمرّ على رب العالمين، والصراط فيه ثلاث قناطر الأولى يجلس عليها الرحِم والثانية الأمانة والثالثة رب العالمين ولا يعبر أحد الصراط إلا بعد أن يمرّ برب العالمين ولا يدخل الجنة إلا بعد رضى الله تعالى فإن كان العبد محكوم عليه بالجنة وهو قاطع لرحمه أو لم يؤدي الأمانة ولم يرض الله عنه فلا يدخل الجنة. وما من شيء أقسى على المؤمن يوم القيامة من جحد الأمانة وقطع الأرحام. يقول أبو حمزة الشيباني: المؤمن لدى الحق أسير إن المؤمن لا يسكن روعه ولا يؤمن اضطرابه حتى يخلِّف جهنم خلفه. وقيل: إن القرآن قلب عن كثير من الشهوات فالقرآن دليل والخوف محجّة والشوق مطيّة والصلاة كهف والصوم جُنّة والصدقة فكاك المؤمن والصِدق أمير المؤمن والحياء وزيره وربه عز وجل من وراء ذلك بالمرصاد. وقوله تعالى (إن ربك لبالمرصاد) تدل على أن التصفية النهائية للعبد لآخر خطو من خطلاات العبد باتجاه الجنة أن يعلم الله تعالى أن العمل كان خالصاً لوجه الله تعالى.

الرقيب: هو الذي يحمي مصالح الأمة وهي من وظائف الملك أو رئيس الدولة أو من ينوب عنه وهو الذي يرعى مصالحها ويتابع حُسن أداء الدولة ويطوّرها ويسهر على تربية شعبه (رقابة) والرقيب مُخوّل من الملك أو هو الملك نفسه (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) النساء) (وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) هود). وقد جعل الله تعالى بعض الملائكة تتابع حُسن أداء العبد في الحياة وارتباطه بالله تعالى. قال تعالى (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52) الأحزاب) فهو تبارك وتعالى يتولى بنفسه مراقية حسن أداء العباد. وكل ملك من ملوك المسلمين كان لديه أحد من أهل الصلاح يتابع حُسن الأداء في الدوائر ويكون اتصاله بالملك مباشراً ولا أحد يمنعه من الدخول (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) ق). الملائكة في البيت أنواع: حفظة، رقباء، مستغفرين،.. وقد يغادر الملائكة في بعض الأحيان مثلاً حياءً عندما يأتي الرجل زوجه، أو عند وجود صورة أو كلب في البيت. أما الرقباء فلا يغادرون أبداً ويراقبون حسن الأداء.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 07:53 PM
منظومة حَرَض

حرض– بور – زبد – غُثاء – هباء – هشيم – سراب - سُدى

هذه الكلمات كلها تدخل قي منظومة اللاشيء وهي تعني أن هناك في كتاب الله تعالى تعبيرات تدل على اللاشيء بمعنى أن شيئاً كان له وجود وأثر ووظيفة أو تأثير ثم لم يعد له أي قيمة أو نفع أو اعتبار ولم يعد يحرُص عليه أحد حتى صار لا شيء .

حَرَض: الحرض هو الانسان اللاشيء الذي بلغ من الضعف والهزال والكِبَر حتى لم يعد يطيقه أحد او يلتفت اليه أحد ولم يعد له وظيفة ولا قوة ما عدا نفساً. انسان هو والموت سواء بسواء الا انه يتنفّس. قال تعالى في سورة يوسف (قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85)).

بور: الشيء الكاسد الذي لا يريده أحد. قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) فاطر)، (قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18) الفرقان) وقال تعالى (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) الفتح) أي قوماً لا قيمة لكم وليس لكم صفة من علم أو خُلُق وليس هناك من يعترف بكم أو ينتمي إليكم. لا أخلاق ولا علم ولا فضيلة وليس هناك من يحرص على الانتماء إليكم.

زَبَد: الزبد هو النسيم الأبيض الذي يحمله السيل سواء في القِدْر أو النهر. عندما يغلي القدر يظهر الزبد عليه وكذلك السيل والزبد لا قيمة له ولا يُنتفع به في شيء ولا يُمتلك ولا يمكن أن يُوصف بوصف وإنما يُلقي به الماء جانباً فيتلاشى وليس له وجود تُلقي به الأمواج خارج النهر أو الحوض ثم يتلاشى. قال تعالى (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17) الرعد) جُفاء أي بعيداً مُلقى على حافة النهر.

غثاء: ما يطفح من السيل من النباتات الصغيرة التي يجرفها تكاد تغطي سطح الماء وربما يتوهم أنها شيء لكنها في الحقيقة لا قيمة لها ولا يُنتفع بها. قال تعالى (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) المؤمنون) وقال تعالى (فَجَعَلَهُ غُثَاء أَحْوَى (5) الأعلى)

هباء: هو ذرّات التراب التي لا تُرى بالعين المجردة وإنما تُرى عندما تُسلّط عليها أشعة الشمس وهي ذرات هزيلة دقيقة. قال تعالى (فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) الواقعة) وقال تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) الفرقان) فعمل الكافرون والمُراؤون يُحبط مهما عظُم فيجعله الله تعالى كالهباء المنثور هزيل دقيق لا قيمة له.

هشيم: هو النبات اليابس عندما يتكسّر إلى أجزاء صغيرة فيصبح بلا قيمة ولا يُنتفع به بشيء حتى لو كان جبلاً من الهشيم تهُبّ عليه الريح فيتلاشى. قال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) القمر).

سراب: هو الماء الوهمي الذي تراه على الطريق من خداع العين كأن ترى ماء في الصحراء وكلما اقتربت منه تجده شيء وليس له قيمة ولا تأثير له وهو من التفاهة بمكان فهو لا شيء. قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) النور).

سُدى: كل بيت من البيوت فيه زاوية يوضع فيها أشياء لا قيمة لها من أثاث أو ملابس أصبحت بالية أو مهشّمة ولم يعد لها قيمة أو وظيفة ويحاول أهل البيت أن يتخلصوا منها. مثال كرسي مكسور لا يمكن أن يُستعمل للجلوس أبداً ولم يعد يتعلق به أي وظيفة. وكل شيء كان له وظيفة ثم لم يعد كذلك يُسمّى سدى. والانسان لن يكون سُدى إلا إن وصل إلى جهنم فيكون حطبها وقبل جهنم كان هذا الانسان مسؤول ويُحاسب. قال تعالى (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (36) القيامة).

وقد يدخل في هذه المنظومة كلمة خاوية كما في قوله تعالى (كأنهم أعجاز نخل خاوية).

وهذه الحلقة تقوم على محورين أولهما بيان كيفية استعنال القرآن الكريم لكلمات هذه المنظومة كما أوضحناها فيما تقدّم ، والمحور الثاني هو بيان كيف أن قبل يوم القيامة ستكون هذه الحياة لا شيء وكيف ستككون نهاية الدنيا والبشر.

قال تعالى في سورة الرعد ((أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)) ، الحق والباطل أي الوهم والحقيقة. هذه الآية تشير إلى قانون من قوانين الدنيا يقوم على امتزاج الحق والباطل بشكل دوري ثم تأتي قوة تفرز الحق من الباطل فترة من الزمن ثم يعودان فيمتزجان ثم ينفصلان بحركة دورية إلى قيام الساعة. كل ما في هذا الكون من أحياء ونباتات ينطبق عليه هذا الأمر فالبناء مثلاً لا بد أن يختلط معه الخراب وبقايا البناء وأكياس من القاذورات وفلا بد من فصلهما فتذهب البقايا إلى مكانها والبناء الجميل وحده. وكذل عملية الزراعة لا بد أن يختلط الزرع مع بعضه فيأتي الفلاح فيفرز الجيد من الرديء ثم يعودان فيختلطان ثم يفصل بينهما وهكذا إلى أن تموت الأشجار. حتى عملية الطبخ يتختلط فيها الطبخ الجيد ولا بد من وجود بقايا تُرمى ثم عند الأكل لا بد أن يبقى في الاطباق من العظام وبايا الطعام ما يحتاج إلى الفرز فتُرمى البقايا جانباً ويبقى الطعام النظيف الجيد في مكان. حتى الأديان والفلسفات والدول والأفكار كل شيء يختلط. الدين يأتي نظيفاً نقيّاً ثم بعد مئة عام تأتي قوة تُحرّفه فتغلّفه الخرافات والزيادات ثم تأتي قوة أخرى إصلاحية تفرزه وهكذا حتى يعود التلاحم بين الحقيقة والوهم أو الخرافة. وفي الحديث " يبعث الله على كل مئة من يُجدد للأمة أمر دينها" . وفي آية سورة الرعد أن التراي يمتزج بالذهب والحديد والنحاس لكنه يحتاج إلى فرز فيوضع في فرن فيّفرز الذهب وحده والتراب وحده ثم يعود الامتزاج ثم الفصل وهكذا إلى أن تقوم الساعة. وهذا من المتزاج الحق والباطل بين النافع والضّارّ ثم تأتي قوة تفرزهما ثم يعودان إلى الالتحام الى أن تقوم الساعة وهذا من نظام الكون الذي ضرب الله تعالى فيه مثلاً بالزبد.

القوانين تتبدّل فكل سنيتن أو ثلاثة هناك تعديل قانوني وأحكام فقهية تزول ويتجاوزها الزمن والحياة في عملية اختلاط بين الحقيقة والوهم كالفرن العالي الحرارة يفرز الذهب من الشوائب كذلك يأتي الله تعالى بالعلماء الذين هم من القوة والذكاء بحيث يفرزون بين الحق والباطل وبين الدين والخُرافة إلى يوم القيامة.

واللافت أن هذا الفرز بين التافه وغير التافه يستمر في كل التاريخ يأتي حاكم تافه مثلاً أو قانون تافه ثم تأتي قوة تُزيل هذا الحاكم أو القانون وتأتي بحاكم جيد وقانون جيد. والملاحظ من الكتاب والسُنّة أن آخر الدنيا سيقوم على سيطرة اللاشيء والتوافه كما جاء في الحديث الشريف:" لا تقوم الساعة إلا على شِرار الناس" "لا تقوم الساعة وعلى الأرض من يقول الله". فعلينا أن ننتبه أين نحن وما علينا أن نفعله قبل أن نصبح لا شيء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"طوبى للغرباء الذين يُصلحون ما أفسد الناس المتمسّكون بسنّتي عند فساد أمّتي" والغرباء أو الغريب هو الذي يبقى شيئاً عظيماً. فعلينا أن ننتبه أن نكون شيئاً عظيماً قبل أن تقوم قيامتنا لأنه من مات فقد قامت قيامته. وقد قال تعالى (رحمتي وسعت كل شيء) فعلينا أن نكون شيئاً حتى تشملنا هذه الآية فإن كنا لا شيء تجاوزتنا رحمة الله تعالى فإياكم أن تكونوا لا شيء.

ونستعرض مجموعة من الأحاديث البنوية الشريفة في هذا الباب:

· "سيكون من أمتي دجّالون كثيرون"، "بين يدي الساعة ثلاثو دجّالاً وكذّاباً آخرهم الأعور الدجّال"

· "لا تقوم الساعة حتى يكون في أمتي خسفٌ ومسخٌ وقذف" والخسف أن تنتهي مدن كثيرة لا يعود لها قيمة من حيث ضياعها إلى الأبد، والمسخ هو هلاك القيم فتصبح الأمة مسخاً كأنهم القردة والخنازير ليس لهم هم إلا الطعام والشراب ويكونوا في فوضى عارمة والمسخ ليس تحويلاً وإنما يكون المسخ في الأخلاق، والقذف وهي الصواريخ من السماء تدكّ الناس دكّاً.

· "لا تقوم الساعة حتى يلي أمر العامّة الرويبضة، قالوا من هو الرويبضة يا رسول الله؟ قال الرجل التافه"

· :لا يقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا نُكعٌ ابن نُكَع" والنُكع هو إنسان أحمق ليس محترماً وربما يكون منبوذاً من عشيرته وحيّه لأن صفاته غير جيدة وغير كريمة، ويشعر بالغربة كل من له قيمة ولا يشعر بالسعادة.

· "لا تقوم الساعة حتى يكثُر الفُحش والتفحّش وحتى يُخوّن الأمين ويُؤتمن الخائن"

· "لتُنتقوّن كما يُنتقى التمر من أغفاله فليذهبنّ خياركم وليبقينّ شراركم فموتوا إن استطعتوا"

· "يذهب الصالحون الأوّل فالأوّل وتبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر" كما تُرمى نواة التمر بعد أكله أو بقاياه بعد عصره.

· "لا تقوم الساعة حتى يكون الولد غيظاً ويكون الشتاء قيظاً" في العادة الولد يكون أما والديه وإنما في ذلك الوقت يصبح الولد عبئاً على أبويه ومصدر شقائهما فيكون فاجراً تافهاً لا قيمة له، وكذلك الشتاء فيزول البرد ويترك الناس في أجواء صيف قارس.

· " لا تقوم الساعة حتى يهلك العرب" "لا تقوم الساعة إلا على هلاك العرب"

· "لا تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها وكل سوق فُجّارها"

· " لاتقوم الساعة حتى يكون المؤمن في القبيلة أذلّ من النقد" والنقد هو الشاة الصغيرة المولودة حديثاً هزيلة ضعيفة لا يُستفاد منها.

· "لا تقوم الساعة حتى ترتفع الأمانة حتى يُقال إن في بني فلان أمين"

· " لاتقوم الساعة حتى يكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء"

· "لا تقوم الساعة حتى يُعمّر الخراب ويُخرّب العمار"

· " لاتقوم الساعة حتى يكثُر الشُرَط والغمّازون والهمّازون واللمّازون" الشُرط أي الشرطة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم كان في المدينة شرطي واحد وفي آخر الدنيا سيزيد عدد الشرطة، والغمازون هم الذين يغمزون ويعملون إشارات من غير كلام توحي بوصف معيّن للشخص المقصود بالغمز، والهمّازون هم الذين يذكرون الناس بمعايبهم في غيابهم، واللمازون هم الذين يتتبّعون المعايب.

· " لا تقوم الساعة حتى يغشو القلم وتظهر شهادة الزور وكتمان الشهادة بالحق" أي تتلاشى الأمية ويزيد انتشار العلم ومع هذا تنتشر شهادة الزور وتُكتم شهادة الحق فتضيع الحقوق.

· "لا تقوم الساعة حتى يكثُر ولد الزنى حتى أن الرجل يغشي المرأة على قارعة الطريق حتى يمرّ الرجل فيقول لولا تنحّيت بها عن قارعة الطريق وهو يومئذ فيهم كأبي بكر وعمر فيكم"

· " لاتقوم الساعة حتى يمر الرجل على القبر فيتمرّغ عليه ويقول يا ليتني كنت مكانك وليس به الدين ما به إلا البلاء"

· " لا تقوم الساعة حتى يكثر الهَرَج حتى يقتل الرجل أخاه وجاره وابن عمه حتى لا يدري المقتول فيما قُتل والقاتل لمَ قتل"

· " لا توم الساعة حتى يظهر البغي والحسد والشُحّ"

· " لا تقوم الساعة حتى يُعزّ الله فيه ثلاثاً: درهماً حلالاً وعلماً مستفاداً وأخاً في الله"

· " لا تقوم الساعة حتى يتحوّل شرار أهل الشام إلى العراق وخيار أهل العراق إلى الشام"

· " لا تقوم الساعة حتى يقعد الرجل إلى قوم فما يمنعه أن يقوم إلا مخافة أن يقعوا فيه"

· " لا تقوم الساعة حتى يستخفي المؤمن فيهم كما يستخفي المنافق فيكم" خوفاً من الناس لشيوع النفاق.

· " لا تقوم الساعة حتى يُقتل العلماء كما تُقتل الكلاب فيا ليت العلماء في ذلك الزمان تحامقوا"

· " من اقتراب الساعة أن يُصلي خمسون نفساً لا يُقبل لأحدهم صلاة" وهذا لكثرة محبطات العمل.

· " من علامات الساعة سوء الجوار وقطيعة الرحم" الجوار في الاسلام المسؤول عنه الإنسان هو أربعون بيتاً أي بمساحة لا تزيد عن عشرين متراً والآن اتسعت البيوت وأحيطت بالسور ولم يعد الجار يعرف جاره.

· " لا تقوم الساعة حتى لا تحمل النخلة إلا تمرة"

· " لا تقوم الساعة حتى يكون المنكر معروفاً والمعروف منكراً"

· " لا تقوم الساعة حتى يُغار على الغلام على يُغار على الجارية"

· " لا تقوم الساعة حتى يظهر قُرّاء عبادتهم التلاوم بينهم أولئك يُسمّون في ملكوت السماء الأرجاس الأنجاس" الذين يشتم ويلعن بعضهم بعضا.

· " إذا رأيت الخلافة قد نزلت أرض بيت المقدس فقد أتت الزلازل والبلابل والأمور العِظام والساعة أقرب من يدي هذه إلى رأسك" رواه الحاكم وابن داوود.

· " لا تقوم الساعة حتى لا يُحجّ البيت"

· " إذا اتُخذ الفيء دولاً والأمانة مغنماً والزكاة مغرماً وأطاع الرجل امرأته وعقّ أمه وأدنى صاحبه وأقصى أباه وظهرت الأصوات في المساجد وكان زعيم القوم أرذلهم وأُكرِم الرجل مخافة شرِّه وظهرت القينات والمعازف وشُرِبت الخمور ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا ريحاً حمراء وزلزلة وخسفاً ومسخاً وقذفاً وآيات تتابع كنظّام بالٍ قُطِع سِلكه فتتابع".

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 07:54 PM
منظومة حَرَق

الحَرْق– اللّفح – اللّوح – الكيّ – الشَيّ – الصِّلاء – النّزع - الكّلح – الصّهر - السّجر

هذه الكلمات كلها تدخل قي منظومة أعمال النار يوم القيامة.

اللّفح: اللفح هو الوهج الذي يُصيب ظاهر الجلد من النّار. عندما تمر النار فإن وهجها يصيب البشرة من الخارج. قال تعالى (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) المؤمنون).

اللّوح: هو أثر من آثار اللفح أي يصير الجلد ملوّحاً أي حائلاً إلى لون آخر (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) المدّثّر) وقال تعالى (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) الزمر) وجوههم مسودة من شِدّة اللفح. والنفح عكسه النفخ وهو نوع آخر من العذاب في جهنم وهو عذاب بالبرد والزمهرير وهذا لا يدخل في منظومتنا هذه (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) الأنبياء).

الكيّ: وهو الحرق بشيء محمي من حديد أو ما شابه يُكوى به المكان المعيّن لوَسْمه. والكيّ يُستعمل يوم القيامة لتمييز المعذَّب كالمنافق والمُرابي والسارق والقاتل والمُشرك كما توسم البهائم ليُعرف مالكها، فيوم القيامة يوسم كل مجرم بوسم معين عن طريق الكيّ فيُعرَف ما ذنبه وما هو جُرمه (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) التوبة).

الشَيّ: وهو الشي بالحرارة فقط وليس على اللهب أو الجمر وإنما هو على حرّ اللهب والجمر. يوضع الشيء في مكان يأتيه حرّ النار من بعيد فيُشوى وينضج كما يشوى العِجل (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) الكهف).

الصِّلاء: وهو الشيّ باللهب والجمر وهذه نار خاصة بالمشركين كما في قوله تعالى (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الليل) (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) النساء) (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) النساء) (هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (59) ص) ولا يدخلها الموحّدون.

النّزع: تنزع أطراف الإنسان يداه وذقنه وأصابعه . من ضمن أعمال النار أنها تتناثر أعضاء الإنسان. (نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) المعارج) والشوى هي أعضاء الإنسان.

الحَرق: يوضع الإنسان على الجمر حتى يتلاشى المحروق من شدة حرارة الجمر (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) الأنبياء).

الكَلْح: من آثار النار يوم القيامة أن تتقلص الشّفَة العليا حتى تصل إلى الرأس والشفة السفلى تندلق حتى تصل إلى أسفل الذقن فتقسو الشفتان وتبرز الأسنان ويبدو الهلع والعبوس من شدة الألم على سُحنة الإنسان المعذّب وهذا المنظر المخيف من آثار النار يوم القيامة وهو منظر بشع مخيف في غاية القُبح (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) المؤمنون).

الصّهر: هو أن يستمر الحرق بالماء الحار أو المواد الشديدة الحرارة (غسّاق، غسلين) فلا يبقى إلا العظم يُصهر الجلد واللحم ثم يعود وينسلخ اللحم عن العظم وهكذا عملية مستمرة (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) الحج). والفرق بين الصهر في الدنيا (في حالات التعذيب في بعض السجون) أن المعذّب يموت أما في الآخرة فليس هناك موت وإنما يستمر العذاب وكلما تلاشى اللحم وانصهر عاد من جديد لتتكرر العملية وهذا أشد من عذاب الدنيا بكثير.

السّجر: هو إشعال النار في الشخص كما يفعل بعض الناس الآن الذي يعترضون على أمر ما فيُشعلون النار في أجسادهم. ومن العذاب يوم القيامة أن يُسجر الناس كل يوم (فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) غافر).

وأضيف إلى هذه المجموعة الكلمات التالية التي أظنّ والله أعلم أنها تدخل في منظومة عمل النار يوم القيامة:

المسّ (وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (80) البقرة)

العَرْض (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) هود) (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)غافر)

الغشية (سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ (50) ابراهيم)

الاطلاع (نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) الهمزة)

هذه منظومة عمل النار يوم القيامة وليس بوسع العقل البشري أن يُلِمّ بما سيحصل يوم القيامة لأن ما سيجري يومها لا تدركه قوانين عقولنا البشرية لأن قوانين عقولنا في الدنيا مخلوقة لإدراك أمور الدنيا فقط وقضاياها البسيطة حتى إذا مات الإنسان كشف الله تعالى عنه غطاءه ليُبصر (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) ق). ومن ما لا يمكن أن ندركه بعقولنا أن النار يوم القيامة سوداء كالحة أما نار الدنيا فحمراء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم يصف نار الآخرة أُوقد عليها ألف عام حتى ابيضّت ثم أوقد عليها ألف عام حتى احمرّت ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودّت فهي سوداء مُظلمة. وكل شرارة فيها سوداء مظلمة قاتمة السواد وعظيمة كالقصر العظيم (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) المرسلات). النار يوم القيامة عبارة عن كوكب كامل وعالم كامل مقابل الجِنان وكما أن الجِنان متعددة فالنار متعددة أيضاً وفيها وديان وجبال وصحارى وأنهار وقارات كاملة باردة فيُعذّب بعض أهل النار بالبرد (وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) الأنبياء). والخلايا في الآخرة حيّة وكل شيء ينطق (إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) الملك) (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) ق). فالكرة الأرضية كانت ملتهبة عندما انفصلت من القمر وبقيت كذلك ملايين السنين وكان يسكتها الجنّ الذين خُلِقوا من نار وعندما بردت الأرض خلق الله تعالى الإنسان عليها وقد هيّأ سبحانه وتعالى أهل النار للنار وهيّأ أهل الجنة للجنة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أهل النار لا يتعاظمون" أما أهل الجنّة فيتعاظمون بشكل جميل فاتن وهذا من نِعَم الله تعالى عليهم. "ما بين كتفي الرجل في النار مسيرة ثلاثة أيام للمسرع" "سِنُّ أهل النار بقدر جبل أُحُد" ومن هذه الأحاديث تخلُصً إلى أن لا نُتعِب أنفسنا لإدراك حقيقة ما سيجري يوم القيامة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لو جِيء بأسعد رجل في الدنيا ثم أُخِذ حتى شمّ رائحة النار فيُقال له هل رأيت نعيماً قطّ فيقول لا، ولو جيء بأشقى رجل في الدنيا ثم أُخذ ختى شم رائحة الجنة فيُقال له هل رأيت بؤساً قطّ فيقول لا"

فمجرّد رائحة النار تُنسي الإنسان كا نعيم ذاقه في الدنيا ومجرّد رائحة الجنة تُنسي الإنسان كل شقاء وبؤس عاناه.

النّار بأشكالها وأنواعها ودركاتها أُعدّت للكافرين (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) النساء) والنار في الآخرة تتفاوت كما يتفاوت العقاب في الدنيا فهناك من يُسجن ليوم واحد ومنهم من يُسجن لأشهر أو أعوام ومنهم من يُحكم عليه بأحكام شاقة وغيره فالعذاب يكون بحسب الجريمة والذنب وكذلك في الآخرة. وفي الحديث الشريف :" إن أخفّ الناس عذاباً في الآخرة توضع جمرة تحت قدمه يغلي منها دماغه" فالنار يجب أن تكون زاجرة رادعة عن ارتكاب المعاصي والكبائر والإصرار عليها ولهذا فتح الله تعالى باب التوبة فلا نار مع التوبة. والصلي في الآخرة خاص بغير الموحّدين مصداقاً لقوله تعالى . لكن هذا لا يعني أن من الموحدوين من يعذّب بالنار كما جاء في الكتاب والسُنّة "يُعذّب قوم من أهل التوحيد بالنار حتى يكونوا حِمماً ثم يُعادوا" "إذا كذب كفر وإذا كفر فجر وإذا فجر دخل النار" وللأسف أن أهل التوحيد يُعذّبون بجرائم كان من الممكن التوبة عنها في الدنيا فالشقيّ هو الذي يذهب إلى النار برجليه وقد جاء في الحديث الشريف :" لا يدخل النار إلا شقي".

ومن الأعمال التي تُدخل النار:

· عدم أداء الصلاة كما في قوله تعالى (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) المدثّر) وقوله تعالى (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) مريم).

· ومن ضمنها الغمز واللمز وأن نُعيب على الناس فمن كان هذا ديدنه ولم يتب إلى الله تعالى ويستغفر ويعتذر من الذين غمزهم أو عابهم فهو من أهل النار.

· من المهذبين في النار القُرّاء العلماء المُراءون المنافقون الذين يشتغلون بالدين مراءآة للناس ولا يخلصون عملهم لله تعالى وإنما يفعلونه سُمعة ورياء "حديث أول من تُسعّر بهم النار عالم ومُنفِق وشهيد" فهؤلاء يكون هتافهم في الآخرة (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) الشعراء). فالرياء مصيبة المصائب ولهم في الآخرة جُبٌّ فيه من المياه الآسنة والحيوانات يُسمّى جُبُ الحُزن.

· من المعذبين في النار الظَلَمة " من غَلَبَ جوره على عدله فله النار" وهذا من رحمة رب العالمين الذي يعلم أن الإنسان يمر بساعة ظلم والظلم من قوانين البشر وهناك فرق بين أن يظلم الإنسان مرة أو مرتين وبين من أصبح ديدنه الظلم. في الحديث الشريف:" إن امرأة دخلت النار في هِرّة حبسَتها".

· العاقّ لوالديه ولساحر وقاتل النفس والمرابي والذين يتخوّضون في مال الله بغير حق سواء كان مال الزكاة يضعه في غير مكانه أو يسرقه أو مالاً عاماً أي مال الشعب وهذا هو الغلول وهو اللعب بأموال الله تعالى (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161) آل عمران).

· "من أهل النار الجبارون المتكبرون"

· من حلف في المدينة المنورة يميناً كاذبة كما في الحديث الشريف :" ما من عبد أو أمَةٍ يحلِف عند هذا المنبر على يمين آثمة ولوعلى سِواك رطْب إلا وجبت له النار".

· من أهل النار إنسان حيثما ذهب أثنى الناس عليه شرّاً " من أهل النار من ملأ أُذنيه من ثناء الناس عليه شرّاً" أو الذي يمتهن مهناً حقيرة مالراقصة والبغيّ والمُرابي .

· من أهل النار من لا يحبهم الله تعالى فهناك شرائح من الخلق لا يحبهم الله تعالى كما جاء ذكرهم في القرآن الكريم (المعتدين، كفّار أثيم، الظالمين، مختالاً فخورا، خوّاناً أثيما، المسرفين، المستكبرين) وعلينا أن نبتعد هن كل ما لا يحبه الله تعالى ورسوله .

· عندما خلق الله تعالى الجنة قال: وعزّتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل ولا قاطع رحِم. (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24) الحديد)

كيف نتّقي النار؟

· أن نكون ممن جاء وصفهم في أوائل سورة البقرة (الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)) فعلى كل مسلم أن يقيس نفسه بهذه الصفات ويحرص على أن لا ينقص منها شرط واحد. وهذه الصفات هي: الإيمان بالغيب، إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، الإيمان بالكتاب والإيمان بالآخرة وهذه الصفات هي الأساس لما بعدها.

· الدعاء: كل الأنبياء كانوا يكثرون من الدعاء لله تعالى بأن يقيهم النار كما جاء في القرآن الكريم (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) آل عمران) (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) البقرة) (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) آل عمران) ومن قال : اللهم أجرني من عذاب النار سبع مرات بعد صلاة الصبح وصلاة المغرب تقول النار يا رب إن عبدك فلاناً استجار بك مني فأجِره فربّ العالمين يُجيره منها. وقد امتدح الله تعالى الكثير من الصالحين الذين يتعوّذون من النّار.

· الشهادة: إذا شهد عليك بعد موتك محموعة من الناس إنك على خير فأنت على خير على ما كان منك من سوء (حديث وجبت وجبت وجبت) فالناس شهداء على الأرض (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) الحج). " من صلّى عليه أربعون إنساناً شهدوا له بالخير فهو على خير" وحديث من شهد له سبعة من جيرانه.

· الاستغفار: هو أعجوبة العجائب وفي الحديث الشريف:" من سرّه أن يرى صحيفته يوم القيامة فليُكثر من الاستغفار".

· الصدقة: "مل امرئ في ظِلّ صدقته يوم القيامة" "اتقوا النار ولو بشِقّ تمرة" "الصدقة تُطفئ غضب الربّ".

· "عينان لا تمسّهما النار عين بكت من خشية الله وعين سهرت تحرس في سبيل الله" والعين الساهرة هي عين الشرطة والطبيب والعالم وحافظ القرآن وكل من سهر في عمل من أعمال الخير. وعين لا تمسّها النار عين غُضّت عن محارم الله.

· التوحيد: "من قال لا إله إلا الله مُصدّقاً بها قلبه لا تطعمه النار" وكلمة التوحيد ليست مجرد كلمة وإنما على كل مسلم أن يؤدي حقّها.

· "لا تمس النار مسلماً رآني أو رأى من رآني" حديث شريف.

· شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي تمنع الإنسان من دخول النار أو تُخرِج البعض من النار بشروط معيّنة وفي الحديث الشريف:" شفاعتي وجبت لأهل الكبائر من أمّتي" وأمّتي هم أهل القِبلة فلا بد أن يكون المسلم من أهل القبلة حتى تحِلّ له شفاعة النبي صلى الله عليه وسلّم وعليه فلبيادر كل تارك للصلاة ويبدأ ويحافط على صلاته حتى تشمله شفاعة المصطفى إن كان من أهل الكبائر ومات وهو مُصرٌ عليها.

· "إن الله قد حرّم على النار كل هيّن ليّن سهل" كالانسان المسامح البسيط السهل الذي يُحبّ كل الناس

· "ثلاث من كُنّ فيه حُرّم على النار وحُرّمت النار عليه: إيمان بالله وحُبّ الله وأن يُلقى في النار فيُحرَق أحبُّ إليه من أن يرجع في الكُفر"

وحتى نكون ممن لا يقربون النار أو يُعذّب بها علينا أن نبحث في كتاب الله عن كل الآيات التي يقول فيها المولى عزّ وجلّ (إن الله يُحبّ) ونحاول أن نكون منهم كالتوابين الذين يُكثرون الاستغفار والمتطهرين الذين يحافظون على الطهارة ويداومون على الوضوء ومن لزِم الوضوء والطهور طيلة يومه فقد بريء من النفاق، والمقسطين الذين يعدلون في كل شيء ومع كل الناس، والمحسنين وأصحاب الخُلُق الحسن لأن معظم الأعمال التي تُدخِل الجنة هي الأخلاق فهذا باب من أبواب دخول الجنّة

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 07:55 PM
منظومة حَرِيَ

تحرّي– استخبار – تبيّن – تحقق – تجسس – تحسس – توسّم - القصّ والقصص – تنقيب

هذه الكلمات كلها تدخل قي منظومة كشف الغيب وطرق الحصول على معلومات.

الغيب غيبان: غيب يختص الله تعالى به أو يعلّمه من أراد من رسله (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) الجن) (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) لقمان) هذه الغيببيات الخمس من اختصاص الله تعالى وحده أو يعلّمه رسوله كما أخبرنا الرسول r عن غيبيات علّمه إياها ربه تعالى فأخبرنا بما يجري في الدنيا. والغيب الثاني هو غيب إنساني وهو كل ما غاب عنك وما لا تراه ولا تعرف عنه شيئاً وهذا الغيب يتقلص من جيل إلى جيل فالبترول مثلاً كان غيباً عن السابقين ثم أصبح مشاهداً وكذلك أخبار الأمم السابقة التي ذكرها تعالى في القرآن الكريم (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) الأنفال) (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) هود) (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) آل عمران) وما أخبرنا به النبي r أصبح مشاهداً منه إخباره بحصار العراق وبقتل العلماء في أحاديث "لا تقوم الساعة حتى.." مثل:"لا تقوم الساعة حتى يكون الروم أشد الناس عليكم" "لا تقوم الساعة حتى يتحدث رجل في المشرق يسمعه من في المغرب" وهذا أصبح مشاهداً الآن وكان غيباًَ فيما مضى.

وهذه المنظومة تهيب بنا وتستفزنا وتطلب منا أن نسعى لاكتشاف الغيب سواء كان علماً أو آثاراً أو معادن أو أشخاص ضاعوا أو أشياء فقدناها. وكل حركة الكون تقوم على كشف الغيب عن شيء لا بد أن نعرفه لأنه بمعرفته دفع لشرّ أو كسب لخير. وهذه المنظومة هي منظومة البحث عن ما غاب عنك بطرق مختلفة حسب الشيء المطلوب وأصلها أحكام لفرد بمعنى أن التحري كان منفرداً وشخص واحد يقوم به وعلى مرّ الزمان أصبح عمل مؤسسات ودوائر عظيمة. وهذه المنظومة تؤثر بالناس شقاء وسعادة، سلاماً وحربا والعالم كله اليوم يقوم على هذه الدوائر التي تتحارب فيما بينها بالمعلومات والتحريات والمعارف وغيرها.

وهذه المنظومة تحقق هدفان إما أن تجلب نفعاً كأسولق جديدة واكتشافات جديدة وإما أن تدفع شراً وهذه المؤسسات مُطالبة اليوم بأن تكون دروع الأمة فلو كنت ضعيفاً لا تستطيع التقدم فهذه الأجهزة يجب أن تدفع عنك على الأقل الشر والضرر من العدو وعلى كل دولة الاهتمام بهذه الأجهزة اهتماماً عظيماً.

حَرِيَ: التحري هو أن تتناول الأمر من جانبه اي سراً بمعنى تأخذ الحَرَى أي الجانب بدون أن يشعر بك أحد (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) الجن) لم يعرفوا من مرة واحدة ولكنهم مرّوا بتجارب عديدة كما تحرى ابراهيم u حتى بلغ إلى الرشد تحرى الكوكب والقمر والشمس وعبادة عمّه للأصنام فأدّى به التحري إلى الرُشد وهو أرقى أنواع التفكير العقلي (وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) الأنبياء). وهناك طريقتان للتحري إما عن طريق التجارب تجربة تلو الأخرى كما فعل ابراهيم u حتى وصل إلى الحقيقة والحقّ، والطريقة الثانية هي استعمال الشكّ حتى يؤدي إلى اليقين كما في قصة ابراهيم u في قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) البقرة) فالتحري يوصل إلى اليقين والذي يؤمن بالدين يكون بعد يقينه بهذا الدين أنه هو الدين الصحيح.

الاستخبار: هو أن تكشف خطط العدو وتعرف تصرفاته من بعيد كما فعل الهدهد مع ملكة سبأ (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) النمل) (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) التوبة). والخبر يكون من قريب أما الاستخباروالنبأ فيكون من بعيد.

التبيّن: هو المراقبة من بعيد أو التغلغل في صفوف الآخرين لمعرفة صدق الخبر لأنه لا بُدّ من التيقن من صحة الخبر أو كذبه كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) الحجرات) بمعنى اُطلب البيان وهو تفصيل كامل من الذي نقل الخبر.

التحقيق: هو كشف مدى صدق الدعوة وهو يختلف عن التبيّن الذي هو كما أسلفنا يكون لكشف صدق الخبر. وفي الإسلام علم عظيم هو علم التحقيق لإثبات احاديث رسول الله r ويُقال أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع حديثاً من أبي هريرة فخزنه عاماً ثم سأل أبا هريرة عنه فرواه عليه بنفس لفظه الأول فقال له عمر لو كنتَ أخطأت لدلّ على كذِبك. والفرق بين التبيين والتحقيق أنك في الأول تجعل صاحب الخبر يبيّن ويٌبين أما في الآخر فأنت تجعل صاحب الدعوة يأتي ببرهان على صحة دعوته. قال تعالى (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) البقرة) طلب تعالى منهم أن يأتوه بالبرهان على صدق دعواهم تلك. إذن على صاحب الخبر أن يبيّن عما قال بالتفصيل وعلى صاحب الدعوة أن يبرهن عن دعواه لادليل.

التحسس: هو معرفة مكان شسء أو شخص غائب أو مفقود ولا بد من الانظلاق بالحركة للسؤال عن هذا الغائب أو المفقود في محاولة لإيجاده ولا بد من استعمال كافة الحواس حتى تجعل المفقود أو الغائب مُشاهَداً كما في قوله تعالى في سورة يوسف (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)) .

والفرق بين التحسس والتجسسس أن التحسس يكون للصديق أو إذا ضاع منك كنز أو ولد أو معلومات والتحسس يكون عادة لمصلحتك أما التجسس فهو محاولة اكتشاف غيب العدو وحركاته وخططه ويكون ذلك عن طريق استراق السمع ونشر العيون وهذا يكون لمصلحة الآخرين. والتحسس والتجسس محاولة اكتشاف الغيب. والتجسس إن كان على العدو فهو من التجسس الإيجابي وهو فضيلة كما فعل الهدهد في قصة سبأ، لأنه قد يدفع شر العدو ويُفشِل خططه أو قد يُعين على مهاجمته أما التجسس على المسلمين فهذا من التجسس السلبي المذموم الذي نهى الله تعالى عنه في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) الحجرات) ونهى عنه الرسول r "لا تحسسوا ولا تجسسوا" وهذا من خائنة الأعين. وقد تجسس عمر مرة على شاربي خمر فحاججوه فاعتذر منهم.

القصّ والقَصص: هذه كانت موهبة وأصبحت الآن علماً قائماً بذاته. وقد كان السابقون يقصون آثار الناس ويتعرفون على آثار شخص ما من بين آلآف الأثار وكان هذا العلم يسمى (قص الأثر) أما الآن فلدينا بصمة الأصابع وبصمة الصوت والشفرة الوراثية وبصمة الشعر والعين وغيرها وهذه كلها تطوير لعلم القصّ حتى أن الكلاب الآن تستخدم لتقصي الأثر. قال تعالى (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) القصص) و (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64) الكهف) اتبعوا آثارهم حتى وصلوا إلى المكان المُراد.

التوسّم: وهو من اللامعقول كالقصّ سابقاً. فالله تعالى يعطي من يشاء من عباده بصيرة عظيمة كأنه يكتشف ما وراء الحُجُب فيرى ما لا يراه أحد وهو ناجم في الغالب عن طاعة (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) الحجر) كما في قصة الخضر كشف الله تعالى له أن الغلام سيكون شقياً وكذلك قصة عمر بن الخطاب (سارية الجبل) والتوسم من الفراسة ومن ضمنها أيضاً الرؤية الصالحة "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله".

التنقيب: هو البحث عن الشيء الثمين في موقع معين. أو البحث عن طريق سريّ يهرب منه (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) ق).

هذه جملة الأساليب التي يكتشف بها الإنسان الغيب فيصبح مُشاهداً وهي أساس حركة الكون كله من البحث عن المعادن والخصب والمرض والمجرمين وكل الاكتشافات.

وقد أمرنا الله تعالى أن نتخذ من هذه الكلمات سواء كنا أفراداً أو أجهزة ما يمكننا من منع الأذى عن أنفسنا والوقاية من الشرّ القادم ووعدنا أن لا نُفنى بما في هذه الأمة من علماء وأجهزة كما جاء في الحديث الشريف :" وعدني ربي أن لا يسلّط على أمتي من يستبيح بيضتها من سوى أنفسها" ويُشترط في هذه الأجهزة أن تكون سلاحاً ذو حدين ويجب أن نتعلم ونأخذ العبرة من قصة الهدهد في القرآن الكريم لأن فيها صفات الاستخباري الناجح وهذه الصفات هي:

v الانتماء إلى الوطن انتماء شديداً لا شك فيه والولاء المطلق عقائدياً وعاطفياً. فالهدهد لا يغادر وطنه وأهله وفيه عاطفة على أسرته فيموت حنيناً إلى أهله إذا غاب عنه طفله أو أُنثاه فهو عاشق مثالي وكذلك على صاحب المخابرات أن يكون عاشقاً لوطنه عشقاً كاملاً.

v ضورة الإلمام بلغة العدو ومعرفتها معرفة كاملة وأن يكون صاحب المخابرات عالماً بلغة الدولة التي تستخبر عنها وتعرف آدابها وأحكامها وإشاراتها.

v أن يتمتع بالسريّة التامة الكاملة.

v أن يكون سريع الاستيعاب

v أن يكون تحت أنظار رئيس الدولة كما فعل سليمان مع الهدهد لم يأخذ منه الخبر مباشرة بل امتحنه ليُثبت حقيقة ما نقله إليه. وكم نحن بأمس الحاجة إلى هذا التحقيق الآن وسجوننا ممتلئة بمن سجنوا من أكثر من ثلاثين عاماً على نكتة قالوها أو كلمة تفوهوا بها وقد لا تكون حقيقة أصلاً فيجب أن تُمحّص الأخبار جيداً وعلى الأمة أن تعيد النظر في مهام هذه الأجهزة وأن توجهها لاكتشاف مصادر الثروة وكف الأذى والتصالح مع الناس وأن تعمل خارج نطاق حدود الدولة وأن تكون لخدمة الشعب وليس ضده فعلى هذه الأجهزة أن تكون سلاح الأمة فترفع عنها الأذى فإن لم يكن لنا جيوش تُقاتل فيجب أن يكون لنا عقول تدافع وتخطط وتدفع الشر وتناور.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 07:55 PM
منظومة حزن

الحزن– الضَيْق – الحسرة – الأسف – الابتئاس – الهمّ – الغمّ – النّكد - الأسى

الحزن كلمة تنطوي تحتها عدة كلمات كلها تُشكّل منظومة الحُزن. وهذه الكلمات تُعبّر عن حالة ضد الفرح والسرور والارتياح وكل كلمة ترسم في هذا الباب زاوية دقيقة لا تُغني عنها كلمة أخرى.

الحزن: عندما يغلب على مشاعرك شيء تكرهه وتأسف على ما فات فأنت تحزن وسٌمّيَ حينئذ حزناً، وهو أعمّ وأشمل من أية كلمة (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) طه) (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) القصص) (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) النحل). وينقسم الحزن إلى عدة حالات:

الضَيْق: من الحون ما هو ضيق أي الشعور بعدم تحقيق الهدف. كأن تكون أمامك مهمة أو هدف لكن بعض الظروف والأوضاع أو الأشخاص يحولون بينك وبين تحقيق الهدف فيصيبك ضيق. (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) النحل) (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) النمل).

الحسرة: كانت أمامك فرصة عظيمة سهلة المنال ثم لم تأخذها لتقصير منك أو تخلفك عنها فتشعر بالحسرة. مثال إذا دُعيت لاستلام جائزة عظيمة وطُلِب منك الحضور في موعد محدد لاستلام الجائزة ثم تخلّفت عن الموعد لسبب ما تشعر بالحسرة. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) آل عمران) (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) مريم) (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) يس) (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) الزمر) (وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الحاقة).

الأسف: هو حزن يبعث على الغضب ويثير الحزن في نفسك الغضب وحب الانتقام فمتى كلن ذلك على من دونه انتشر فصار غضباً ومتى كان على من فوقه انقبض فصار حزناً. (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا) (فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) الزخرف) (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) الكهف) (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) يوسف) حزن يعقوب u على يوسف مشوب بالغضب على إخوة يوسف. والأسف هو كل حزن عميق على شيء مهم جداً يثير غضباً.

الابتئاس: هو كل ما كان ناتجاً عن البأساء من فقر أو مرض أو قهر عدو، هذا الحزن يؤدي إلى انهيارك لشدة الفقر أو شدة المرض أو قهر العدو. (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) يوسف) (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) هود) .

الهمّ: مأخوذ من اسم المصدر (المهمة). هو الحزن على عدم قدرتك على مهمة عظيمة ثقيلة عليك حُكم بلاد مثلاً أو أولاد كُثُر ولا يوجد ما تنفقه عليهم أو امتحان صعب والهمّ يُذيب قلب المهموم ويُضعفه ويُذهله لأنه يطول فالحزن قد يكون ساعة والأسف قد يكون يوماً والحسرة قد تكون أياماً أما الهمّ فيطول كهمّ الاولاد من صغرهم حتى يكبروا يتعلموا ويتزوجوا وينجبوا فهمّهم يكول. فالحزن إذا كان من أجل عدم قدرتك على مهمة عظيمة تُحبّها يُسمى همّاً. وجاء في الحديث الشريف "إن من الذنوب ذنوباً لا يغفرها إلا الهمّ للعيال". (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) آل عمران آية 154.

الغمّ: هو الحزن الذي تشعر به وأنت في محنة تظن أنها مُهلِكة أو كُربة لا بد أن تقضي عليك يسمّى غمّاً. مثال ما حصل مع يونس u حينما التقمه الحوت وهو يمشي على شاطئ البحر فظنّ أنه هالك لا محالة فهو في كربة عظيمة ما ظنّ أنه ناجٍ منها فنادى في بطن الحوت (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) الانبياء) فنجّاه الله تعالى من الغمّ. وهكذا على كل من أصابه غمٌ ظنّ أنه لا يستطسع أن ينجو منه فعليه أن يلجأ إلى الله كما فعل ذو النون لأن الله تعالى قال في الآية (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ). وقال تعالى (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) طه) (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) الحج).

النّكد: الحزن الناتج عن خيبة الأمل والنكد هو الذي يكون جُهده لا يأتي إلا بمردود ضعيف جداً. كأن تكون في امتحان تتوقع أن تحصل على درجة ممتازة فتحصل على درجة منخفضة أو تاجر قدّر أن ربحه سيكون كبيراً من تجارته فلم يربح إلا القليل أوالمزارع الذي يتوقع أن يكون محصوله الزراعي عظيماً فيخرج النبات بائساً قليلاً لا يساوي الجهد الذي بذله. قال تعالى (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58) الأعراف) والبلد الخبيث هو البلد الذي فيه ظُلم وقلنا سابقاً أن النبات يتأثر بواقع الزُارع وبواقع الحُكم في البلد فالبلد العادل يبارك الله تعالى في زرعه ونباته كما حدث في دولة الإمارات التي أصبح لديها الآن أكثر من 50 مليون نخلة مع أنه ليس لديها أنهار بينما انخفض معدل النخيل في العراق من الظلم الذي ساد هذه البلاد.

وأضيف إلى هذه الكلمات كلمة الأسى والكرب والبثّ وهي كما أظن والله أعلم من ضمن المنظومة

الأسى: وهو الحزن وحقيقته اتباع الفائت بالغمّ يُقال اسيت عليه أسى وأسيت له (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) المائدة) (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) المائدة) (لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الحديد) (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) الأعراف).

الكَرْب: وهو الغمّ الشديد والكُربة كالغُمّة وأصل ذلك من كرب الأرض وهو قلبُها بالحفر فالغمّ يٌثير النفس إذارة ذلك أو من الكَرَب وهو عقد غليظ في رشا الدلو وقد يوصف الغمّ بأنه عقدة على القلب يُقال أكربت الدلو. (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) الأنبياء) و (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) الصافات) (وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) الصافات)

البثّ: بثّ النفس ما انطوى عليه من الغمّ والسِّر يُقال بثثته فانبثّ،. وأصل البثّ التفريق وإثارة الشيء كبثّ الريح للتراب، قال تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يوسف) أي غمِّي الذي يبثّه عن كتمان فهو مصدر في تقدير مفعول أو بمعنى غَمِّي الذي بثّ فكري نحو: تَوَزَّعني الفكر فيكون في معنى الفاعل.

أثر وفلسفة الحزن:

الحزن عموماً شعور فاضل قال الرسول r في الحديث: "إن هذا القرآن أُنزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تستطيعوا فتباكوا" وكان الرسول r لا يُرى إلا حزيناً لأن الحزن يعني أن ما حولك ليس كما ترضاه أو تتمناه والحزن قانون بشري وهو يفرض نفسه على الانسان وقد قال الرسول r في موت ولده ابراهيم "إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا على فراقك يا ابراهيم لمحزونون ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا" وهذا هو محل النهي عن الحزن (لا نقول إلا ما يُرضي ربنا) عندما يطلب ربنا تعالى من رسوله أو منا أن لا نحزن فهو لا ينهانا عن الحزن الطبيعي الذي هو قانون البشر وإنما ينهانا عن آثار الحزن السلبي (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) الحج) والنهي عن البكاء ولطم الخدود وشق الجيوب "إن الميت ليُعذّب ببكاء أهله". وكل حزن يؤدي إلى أثر سلبي فهذا هو المنهي عنه لأنه خلاف الصبر والله تعالى بشّر الصابرين (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) البقرة). فالنهي إذن هو أن لا تصل بحزنك الذي هو عبادة عظيمة إلى معصية وقد جاء في الأثر :" الحزين في ظلّ الله يوم القيامة" فالحزن يمكن استغلاله كعبادة عظيمة وهو نوع من تصفية النفس وتجعل المحزون قريباً من الله تعالى.

وقد جعل الله تعالى الحزين مكرّماً ودلّنا الرسول r كيف ننجو من الحزن إذا كان شديداً فقد جاء في الحديث الشريف: "ما من عبد أُصيب بحزن وقال اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماضٍ فيّ حُكمك عدلٌ فيّ قضاؤك أسألك بأسمائك الحسنى كلها وبكل اسم هو لك سميّت به نفسك أو علّمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي وجلاء حزني وذهاب غمّي إلا أبدل الله حزنه فرحا وكشف الله كربه" وقال الرسول r عن هذا الحديث :" من سمعه فليتعلّمه" أي فليحفظه.

إن الله تعالى عندما جعل القوانين تجري على البشرية من فرح وشقاء ونصر وهزيمة وسعادة وحزن جعلها وفق منظومة دقيقة من حيث التطبيق العملي الذي يكون في محيط المشروع وفي محيط التحضّر الإنساني العظيم الذي كرّم الله تعالى به بني آدم وهذا الانسان المكرّم في سلوكياته أرسله الله تعالى بعد أن نفخ فيه تعالى من روحه ولا يليق بالانسان أن يتدنّى به إلى مرحلة الحيوانية.

والحزن فرصة للحزين أن لا يُبقي الله عزّ وجلّ عليه ذنباً كما في الحديث " إن العبد لتسبق له المزلة عند الله فلا يبلغها بعمله فيسلّط الله تعالى عليه الهمّ والحزن فيبلغها بذلك" وليس عيثاً أن الحزين في ظلّ الله تعالى يوم القيامة. والحزن هو من المصائب التي قد تعمي العيون كما حصل مع يعقوب u (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) يوسف) الذي كتم حزنه بدون شكوى فقال (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)) لكنه أوكل أمره إلى الله تعالى وهكذا يجب على المحزون أو يوكل أمره إلى ربه تعالى ويقترب بحزنه من الله تعالى فيتكفّل سبحانه بما أنت حزين من أجله وكل من أصابته مصيبة فقال (إنا لله وإنا إليه راجعون) فإن الله تعالى يجعله في مرحلة (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) البقرة) وكلما تذكّر مصيبته فاسترجع كما فعل في أول يوم يعطيه الله تعالى مثلما أعطاه في المرة الأولى من رفعة درجة ومفغرة ذنب .

وهناك الحُزن والحَزَن والبعض يقول الثانية هي من أدوات الحُزن لكن هذا الكلام ليس منضبطاً إنما الحُزن والحَزَن لغة واحدة فيما عدا أن الحَزَن هو حزن لا يذهب (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) فاطر) (فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) القصص) ففرعون بقي للنهاية وموسى له عدو وحَزَن.

الحسرة: هذه أعجوبة العجائب وهي أن تتاح لك فرصة هائلة ثم تفقدها بشكل نهائي لا رجاء بالعودة إليها لكنك ضيّعتها بشكل يدل على حُمق وسوء حظ. كل شيء في حياتك له قيمة عالية مادية أو معنوية تفقده بشكل نهائي بسبب تافه يورثك حسرة كما أصاب سيدنا يعقوب u فهو كان يعلم أن إخوة يوسف يغارون منه ويحقدون عليه ومع هذا سمح لهم بأن يأخذوه ووصى أولاده بأن ينتبهوا له وهو غير مطمئن (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13)) فكيف فرّط بيوسف وحصل ما حصل فقال (وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ) والحسرة في الدنيا كثيرة مثل فوات منصب أو جائزة أو زواج من امرأة معينة كلها ضاعت بسبب تصرف سخيف لكن حسرات الدنيا فانية لكن المصيبة الكبرى هي الحسرة يوم القيامة وهي التي لا علاج لها وهي تقطع الأكباد ولذلك سمّى تعالى يوم القايمة بيوم التغابن لأن الإنسان يشعر يومها بأنه مغبون غبِن نفسه فسيصاب بالحسرة بحيث ضاعت عليه المكانة في جنة الخلد وفي الحديث الشريف:" لا يتحسّر أهل الجنة إلا على ساعة لم يذكروا فيها اسم الله عزّ وجلّ" يتحسرون لما يروه من نعيم من ذكر الله دائماً ويتمنون لو أنهم ذكروا ربهم أكثر في الدنيا لينعموا بهذا العطاء وتلك المكانة العالية في الجنة. والذكر من أعظم العبادات والأذكار المأثورة الواردة علينا أن نتمسك بها منها أذكار بعد الصلاة وعند سماع المؤذن وعند الدخول والخروج من البيت وعند الأكل واللبس ونزول المطر وغيرها من الأذكار المأثورة ومن سمع المؤذن فقال بعد قوله أشهد أن لا إله إلا الله : وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت رضيت بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد نبياً فليس بينه وبين الجنة إلا أن يموت". وفي الحديث " ذهب الذّاكرون بكل خير يضع الذكر عنهم أوزارهم" "أحبُّ العمل إلى الله أدومه وإن قلّ" والأحاديث في هذا الباب كثيرة. ومن حسرة المسلم أيضاً يوم القيامة من لم يحفظ البقرة وقد كان قادراً عليها في الدنيا لشدة ما سيرى من عطاء الله تعالى لحافظ البقرة كما في الحديث "البقرة أخذها بركة وتركها حسرة" وحسرات أهل الجنة تنطلق من اهمالنا لكل ما يُحبّه الله تعالى كالذاكرين والمتطهرين والتضرع والتوابين والدعاء فهذه عبادات سهلة جداً وأن يكون الانسان على وضوء دائم طيلة يومه وأن يذكر الله تعالى بالأذكار المأثورة هذه العبادات السهلة إن قصّرنا فيها ستكون علينا حسرة يوم القيامة لأننا فرّطنا فيها.

أما الحسرة العظمى فهي حسرة دخول النار (وأنذرهم يوم الحسرة) يتحسّر الكافر على ما أشرك بالله من شركاء وأنكر الخالق وهو في قرارة نفسه كان على علم بأن لهذا الكون خالق واحد (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) النمل) لغبائه وعدم مسؤوليته أشرك بالله وسيصاب يوم القيامة بالحسرة الكبرى العظيمة.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 07:56 PM
منظومة حسب

حسب– عدّ – أحصى –

هذه هي منظومة الحساب في القرآن الكريم.

حسب: لشيء غير محدود. مبلغ كبير من المال مثلاً لا تعرف كم هو تحسبه حساباً. وحسب للأشياء غير المحدودة وغير المعروفة سلفاً تحسبها لكي تعرف قدرها. وهذه بعض الشواهد القرآنية على استعمال كلمة حسب ومشتقاتها:

v (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) النساء)

v (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) يونس)

v (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)) الأنبياء)

v (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) النور)

v (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) ص)

v (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) الانشقاق)

v (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) الغاشية)

v (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) النبأ)

قال تعالى (جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) النبأ) عطاء بغير حساب لأن عطاء الله تعالى كثير ولا يُعدّ عدّاً وإنما هو حساب ولهذا سمّى الله تعالى يوم القيامة بيوم الحساب وليس يوم العدّ لأن الله تعالى أحصى أعمال البشر جميعاً صغيرها وكبيرها وسيحاسبهم عليها يوم القيامة ولن يعدّها لهم فقط (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16) (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)) (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53)) ص) (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) غافر).

عدّ والعدّ: للشيء المعدود والعدّ هو ضمّ الأعداد بعضها إلى بعض. يستعمل الناس مصطلحات معينة للتعبير عن كمية من المال ففي مصر مثلاً يسمون 10 آلاف جنيه بالباكو وفي العراق يسمى الدفتر. إذا كان لديك رزمة من المال ثم قلبتها لكي تتأكد من قيمتها يسمّى عدّاً.

قال تعالى (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) البقرة) والأيام المعدودات معروفة وهي ثلاثة أيام التشريق وليس غيرها، ثلاثة أيام بالعدّ. وكذلك قوله تعالى (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) البقرة) كما قال بنو اسرائيل لأنهم ظنوا أن الله تعالى سيعاقبهم مدة عبادتهم للعجل وهي أربعين يوماً فقط. وفي الآية الثانية قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) آل عمران) هذا ليس تكراراً لكن هذه الآية تختلف عن الآية الأولى فهذه لفريق والأولى لفريق آخر فريق قالوا سيعذبون أربعين يوماً فقط والآخر قال سيعذبون سبعة أيام فقط. ومعدودة هي أكثر من معدودات.

قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) البقرة) عِدّة هو اسم للمعدود وهي الشيء المعدود. والآية معناها أن عليه أياماً بعدد ما فاته من زمان آخر غير زمان شهر رمضان.

وشهر رمضان ثلاثون يوماً هذا عدّ وليس حساباً (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) البقرة). وكل كلمة عدد جاءت في القرآن منضبطة انضباطاً تاماً.

وهذه بعض الآيات التي جاءت فيها كلمة عدّ ومشتقاتها:

v (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) التوبة)

v (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) هود)

v (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) يوسف)

v (وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) ابراهيم)

v (فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) (سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)) الكهف)

v (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) المؤمنون)

v (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) السجدة)

v ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1)) (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) الطلاق).

أحصى وإحصاء: كل معدود لا تعرف قدره يسمى حساباً وكل معدود محدود سلفاً يسمى عدّاً وكل عملية حساب أو عدّ تتناول أدق التفاصيل تسمّى إحصاء. ويستعمل التعداد والاحصاء للسكان فالتعداد السكاني هو الذي يجري للمرة الأولى وفي المرة الثانية يسمى إحصاء فيقال إحصاء سنة كذا وتعداد سنة كذا. والاحصاء السكاني ليس عداً للسكان وحسب وإنما هو معرفة كل إنسان وما هو عمره وعمله وعدد أفراد عائلته وكل التفاصيل الدقيقة المطلوبة. قال تعالى (لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) مريم) لأن الله تعالى يعلم كل واحد من الناس عدّاً وإحصاء بالتفاصيل الكاملة. مثلاً كل منا يعرف كم صلّى ةيمكن أن يحسب عدد الصلوات والركعات التي صلاّها لكن الله تعالى يحصي هذه الصلوات ويعلم كم من الركعات خشعت ويعلم ثوابها وقيمتها وكذلك في الذنوب فالله تعالى يعلم كل ذنب ومقداره وكيف كان العبد عندما أذنب وفي الحديث القدسي عن رب العزة :" إن العبد ليعصيني فيذكرني على الذنب فلا يستغفرني فأغفر له" حتى وهو يذنب الانسان إذا ذكر ربه وعلم أن ما يفعله ذنب سيعاقب عليه لكنه لم يستغفر الله تعالى يغفر الله له بمجرد ذكره وهذا لا يتساوى مع المذنب الذي لا يفكر بذنبه ولا بربه وهو على الذنب. ولهذا قال تعالى (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) المجادلة).

وهذه بعض الآيات التي جاءت فيها كلمة أحصى:

v (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) الكهف)

v (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) النحل)

v (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) يس)

v (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28) الجن)

v (نَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20 المزمل)

v (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) النبأ).

علينا جميعاً أن نستعد ليوم الحساب وساعاته الحرجة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه وعلينا أن نعلم أنه ليس بيننا وبين الحساب إلا الموت ولهذا جاءت الآية الكريمة (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) المؤمنون) وهناك أعمال كثيرة منجيات كما وردت في الأحاديث النبوية الشريفة منها سورة تبارك بعد العشاء والواقعة بعد المغرب والدخان ليلة الجمعة والكهف يوم الجمعة وصيام ثلاثة أيام من كل شهر وطاعة الوالدين وبرهما وإخلاص العمل والذِّكر وكثرة الخُطى إلى المساجد ودوام الوضوء وصلة الرحم وصلاة الليل. وهناك أعمال يحبها الله تعالى وهي الآيات التي وردت في القرآن بقوله تعالى (إن الله يحب) مثل التوابين والمتطهرين وغيرهم. وهناك أعمال يضحك لها رب العالمين وإذا ضحك الله تعالى لعبده فإنه يحبه وإذا أحبه لا يعذبه أبدا ومن هذه الأعمال من قام بالليل والناس نيام وقام وهو متعب وترك فراش حبيبه وصلّى ركعات لله تعالى، ومنهم مجاهد بقي في مكانه بعد أن فرّ الباقن من كثرة الضغط عليهم فهربوا إلا واحداً منهم ثبت في موقعه.

وعلينا أن نبتهل إلى الله تعالى أن يوفقنا ويهدينا لنفائس الأعمال (خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) المطففين) وعلينا أن نبتعد عن التسويف كما جاء في الحديث الشريف:" إياكم والتسويف فإن الموت يأتي بغتة ولا يغترّنّ أحدكم بحِلم الله" ولنحذر قوله تعالى (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178) آل عمران).

وأهم ما ينبغي أن نركّز عليه هي النقاط التالية التي سيسأل عنها العبد يوم الحساب:

v عن عمره فيما أفناه: فإذا أفنى الإنسان ثلثي عمره في العبث فهو في خطر شديد فيجب علينا أن نعرف نسبة العبث والخطايا والذنوب من عمرنا.

v وعلمه فيما عمل به: هل نفع بالعلم الذي معه أم أبقاه لنفسه ولم يفيد به أحداً وهل نافق بعلمه أم كان خالصاً لوجه الله تعالى ولنتذكر الحديث الشريف عن أول من تُسعّر بهم النار يوم القيامة عالم ومُنفق وشهيد. قال تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) الاعراف).

v وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه: يُسأل الإنسان عن ماله من أين اكتسبه هل هو حلال أو حرام وفيما أنفقه؟ في طاعة الله وفي الصدقات أو أنفقه على منكرات ومحرمات؟

v وعن جسمه فيما أبلاه: هذا الجسم هل أبلاه بالسهر والمخدرات والمسكرات والزنا والهمّ أو أبلاه في الجهاد والصلاة والعلم النافع وقيام الليل والصوم وهمّ العيال (خاصة للأمهات اللواتي تحملن همّ عيالهن حتى الموت وهذا مما يكفّر الذنوب).

فعلى كل إنسان أن يكون دقيقاً في عمره وعلمه وماله وجسده. ولنعلم أن الله تعالى لو حاسبنا على أعمالنا وحسناتنا لما دخل أحد الجنة لأن نعمة واحدة من نِعم الله تعالى علينا تأخذ كل الحسنات وتزيد ولن يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله تعالى كما جاء في الحديث الشريف. وعلينا أن نكون في حياتنا بين الخوف والرجاء فلا نقنط من رحمة الله وعلينا أن نُحسن الظنّ بالله تعالى وفي نفس الوقت نخاف ذنوبنا ونخاف من عذاب الله تعالى ولا نأمن حتى تصير كلتا قدمينا في الجنة كما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه "لو أن أحد رجلي في الجنة والثانية خارجها ما أمنت مكر الله".

والله تعالى وعد كثيراً من عباده بعدم الحساب وهم كل من زادت حسناته على سيئاته لا يُحاسب وهذا لا يكون إلا بالقبلة فلنحرص على الصلاة فهي أساس الدين وهي أول ما يُسأل العبد عنه يوم القيامة وهي التي تستجلب شفاعة المصطفى r يوم القيامة "وجبت شفاعي لأهل الكبائر من أمتي" وأمتي هم أهل القبلة.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 07:56 PM
منظومة حَسَد

الحسد– العين – السحر – النفث

هذه هي منظومة قوة الشرّ الخفية في النفس والطاقة الكامنة في كل إنسان والتي تدفعه إلى الشرّ.

حسد والحسد: هو تمني زوال نعمة من مستحق لها وربما كان مع ذلك السعي في إزالتها. والحسد يكون عنحقد شديد وغليان وهذا الغليان يبعث في النفس تغيراً كيميائياً بحيث يؤدي إلى الإضرار بالمحسود. (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) الفلق)

النفث: هو قذف الرّيق القليل وهو أقل من التّفل. والساحرة مثلاً تأتي بعقد معينة فيها أشياء غريبة ويجعلها في عقدة ثم ما أن تنفث فيها حتى تصبح مؤثّرة ولشدة الهول في النفث أنزل تعالى آية فيها (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) الفلق) وأمر الرسول r والمسلمين بأن يستعيذوا منها وهذه الآية نزلت لتدفع بها هذا الشرّ الداهم. فما علاقة الرذاذ بأن تقرأ شيئاً من الدعاء ثم تنفث في يديك وتمسح به فتشفى كما فعل الرسول r مع علي رضي الله عنه في خيبر وكان علي قد أصابه الرمد فنفث الرسول r في عينيه ورقيه فشفي وأخذ علي رضي الله عنه الراية لفتح خيبر. والنفث هو عملية تركيز كما في علم اليوغا الآن والتخاطب عن بعد وغيرها تحصر تركيزك بأمر معين حتى تصل بتركيزك إلى شيء خارق في طاقاتك. وعندما تقرأ رقية على إنسان مريض ثم تنفث في يديك وتمسح به على المريض تؤثّر فيه فكأن النفث هو بداية توجيه هذه الرقية إلى صاحبها كما يعمل جهاز التحكم عن بُعد (الريموت) الذي لا بد أن يكون موجّهاً إلى الآلة التي يتحكم بها. والنفث والله أعلم في الخير أو الشر هو تشغيل لعملية الرقية أوالسحر.

والفرق بين الحاسد والنافث أن الأول يتمنى زوال النعمة من المحسود أما النافث فهو لا يتمنى زوالها وإنما لا يرى الآخر أهلاً لما حصل عليه ويرى نفسه خيراً منه ويستصغره بعينه ويراه دون المستوى لكنه لا يحقد عليه ولا يتمنى زوال نعمته. وفي الحديث : " لا تجوز الرقية إلا من عين أو حمّى أو نافث".

العين: العين معروفة قال تعالى (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) القلم) والعين لغة فالعين تتكلم إن كنت حزيناً أو راضياً أو غاضباً أو معجباً أو مداعباً أو محتجّاً وكان مشركو العرب إذا أرادوا أن يصيبوا أحداً بالعين جوّعوه ثلاثة أيام جوعاً عظيماً ثم يذهب إلي الذي يريد أن يصيبه فيمدحه فيصيبه بالعين. والآية نزلت في المشركين الذين عجبوا لحُجّة الرسول r والدين الذي جاء به فحسدوه وأكثر من حسده أقاربه ولهذا وصّى الاسلام بالرّحِم لشدة أذى بعضهم لبعض ولذلك يوقل الرسول r " أفضل الصدقة على ذي الرّحِم الكاشح المُبغِض" فالعين تأتي من أقرب الناس إليك.

السحر: هو مجموعة أشياء تفعلها تفرّق بها بين الناس أو تؤذيهم أو تُنسيهم كما في قوله تعالى (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) البقرة)

نبيّن أن الانسان مليء بالطاقات الهائلة في الخير والشّر كما أن فيه طاقة الحيد بحيث يقتل المحسود أو العين إذا نظر إلى إنسان فأعجبه فيهلكه أو النفث وكذلك السحر بكل أنواعه طاقات فعّالة من اللامعقول يمكن للإنسان أن يكون قاتلاً بعينه بحيث لا يُعاقب عليها القانون. والإنسان معبّأ بططاقات خيّرة كثيرة منها علم التخاطب من بعيد والخوارق الكثيرة عند الصالحين والطالحين وهي قضية رياضية وتعويد النفس كالمشي على الماء والقفز من مكان إلى مكان.

الإنسان طاقات هائلة ومعنى ذلك أن كل إنسان يولد وفيه هذه الطاقة (َقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) التين) كما خلق الله تعالى الكرة الأرضية مليئة بالطاقات منها ما اكتُشف منها من لم نكتشفه بعد. هكذا عبّأ الله تعالى الإنسان بطاقات هائلة ليس السحر والحسد والعين وإنما طاقات خيّرة فهناك من إذا رأيته تهابه مهابة عظيمة ويأسرك ولا تدري كيف ومنهم من إذا رأيته تتبعه ومنهم رياضي واقتصادي لديهم طاقات هائلة في مجالهم.

والإنسان أعجوبة العجائب (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11) لقمان) ولعظمة الإنسان جعله الله تعالى يعمُر الأرض فالذي اخترع الطائرة مثلاً فيه طاقة هائلة أن فكّر في هذا الأمر ثم نفّذه والذي صنع الغوّاصة تفكّر في الحوت ثم صنع الغواصة وكل مخلوق فيه طاقات وعليه أن يكتشفها.

وكل إنسان هو من نمط معين فهناك نمط عسكري مثل خالد بن الوليد وهناك نمط اقتصادي وآخر رياضي وآخر تعبّدي. وعلى كل إنسان أن يكتشف طاقاته وهذه هي الفطرة التي خلق الله تعالى الناس عليها. كل إنسان فيه قدرة قد يأتي بعض الناس فيكتشفوا الطاقة عندهم فتُنمّى هذه الطاقة بطرق علمية. وهذه الطاقات تُقتل وتموت بالتعذيب والترهيب والتجاهل والازدراء ولهذا فإن عملية التربية عملية مقدّسة. لأجل هذا جعل الله تعالى الطاقة في الخير والشر فالساحر لم يكن ساحراً لكنه اكتشف في نفسه طاقة التأثير على الآخرين وكان من الممكن أن يكون خيّراً ويستعمل قدرته في الخير. والخمر انحراف للطاقة فأصلها عنب حلال فيه منافه وأوجه استعمال في الخير وكذلك الطين يمكن أن يكون للخير ونصنع منه الزجاج وغيره لكنه عندما ينحرف عن طاقته يُصنع منه أصناماً، وكذلك علم الذّرة كان يمكن أن يكون لاصلاح الكون لكنهم صنعوا منه سلاحاً قاتلاً يدمّر الناس.

علينا أن نكتشف الطاقات ثم نوجهها التوجيه الصحيح. علم التخاطب أصبح علماً الآن وكذلك التنويم المغناطيسي يكفي أن تنظر في عين أحدهم حتى يُخرجك من ذاتك ويأمرك بفعل بعض الأشياء لا تعرف عنها شيءاً فتفعلها وهذا أمر خطير وصل لدرجة فصل الروح عن الجسد فتقعل ما تفعله في اليقظة لكن دون أن تعلم.

هذه الطاقات الهائلة سبيل من سُبُل الشر مثلما هي سبيل من بل الخير. إنسان ما اشترى سيارة جديدة فاخرة وآخر يغلي حقداً عليه يتمنى زوال النعمة منه، فبهذا الانفعال يصدر منه اشعاعات بحيث فعلاً يصيب المعيون بضرر أو مرض. الجوّال الآن لشدة إشعاعاته يصيب بالصمم أو بالسرطان فكيف لا تُهلِك العين بالاشعاع؟ العين تُصدر إشعاعاً قد يؤدي إلى خير وقد يؤدي إلى شر.

هذه الأمّة لم تصل بعد إلى أن يكتشف الإنسان طاقات نفسه وأن تكتشف المدارس طاقات طلابها والحكومات طاقات شعبها أما الأمم العظمى فهم يحتفون بأصحاب الطاقات حفاوة عظيمة.

يقول تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) التين) وهذه الفطرة والأمثال تقول في كل شاعر طفل والطفل يعني الفطرة فالطفل مادة خام تُعبّأ فيها الطاقات فإما أن تُنمّيها وإما أن تسحقها وفي الغالب أطفالنا يعانون منّا خوفاً وإذا خاف الطفل ضاع والنتهى وقُتلت فيه الطاقات تماماً كما تسحق النبتة الجميلة بقدمك. كل صاحب إبداع أو خارق (والخوارق هي أن تفعل غير المألوف) كل إنسان فيه جانب من هذه الخوارقوالرسول r يقول :" اعملوا فكل ميسّر لما خُلِق له" وهذا يذكّرنا بالرسول r عندما وزّع المهامات على أصحابه ففي الآذان مثلاً كان رؤية رآها عمر بن الخطاب رضي الله عنه في منامه لكن الرسول r قال له :" مُر بلالاً يؤذّن فإنه أندى منك صوتاً" وكذلك الحديث عن زرقاء اليمامة التي كانت ترى من مسافة ثلاثة أيام هذه خارقة . وكذلك عمر بن الخطاب عندما رأى المعركة في خراسان فقال يا سارية الجبل. وإلى الآن يسمع الناس أصوات صهيل الخيول في موقع غزوة مؤتة. فالكون كله معبّأ بقواني وطاقات والكون كله فيزياء.

مرحلة التعليم والتربية هي مرحلة أساسية من أجل هذا ولذلك فإن أعداء الأمة الاسلامية يرصدونه هذه المرحلة رصداً وطاقات الأمة الاسلامية وحدها تعادل طاقات الكون لكنها مقهورة مقموعة لا يُسمع لها وإذا حدث أن وصل أحد الملسمن لاكتشاف وتنمية طاقاته قتلوه وقد حدث أن قُتل الكثير ن العلماء المسلمين المصريين والسوريين والعراقيين وغيرهم لمّا وصلوا إلى حد لا يسمح الغرب للملسمن أن يتجاوزوه.

وبالتالي جعل الله تعالى من كل هذه الأمراض شفاءات بكلمة وكم من كلمة لها تأثير معيّن على كل الأحداث قال تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) ابراهيم) وإذا رأيت شيئاً أعجبك فقلت: بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله فإنك تلجم الطاقة عن أن تُضرّ وينتهي أثرها. وروي أن بعض الصحابة كان يسبح فمرّ به صديق قال: ما هذا والله ولا جسد المخدّرة فأصابه فكاذ أن يكوت فذهب إليه الرسول r وهو على وشك الموت فقال لأصحابه :" لمَ يقتل أحدكم أخاه أما أن تقول بارك الله لك بارك الله فيك". فما أن تقول بارك الله لك بارك الله فيك بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله حتى ينتهي الأثر تماماً.

وكل شر إذا جابهته بما يقطعه ينتهي أثره فالكون كله إشعاعات والمصريين اكتشفوا أن الذين يحصّنون أنفسهم بالتعاويذ والرُّقى وجدوا هالة نورانية على وجوههم.

أدوات استجلاب الطاقة الهائلة:

هناك أدوات لاستجلاب الطاقة الهائلة:

الصمت: قال الرسول r :" إذا رأيتم الرجل يُطيل الصمت فهو يُلقّن الحِكمة"

الخلوة: أن تبتعد عن الاختلاط مع الكثير من الناس وتنبقى خالياً.

التأمّل: هو مفتاح هذه الطاقة وفي الحديث:" اعتكاف ساعة خير من صلاة ستين سنة" وفي حديث آخر: " من اعتكف ساعة في المسجد باعج الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق كل خندق ما بين المشرق والمغرب" . فالاعتكاف في المسجد مثلاً بين المغرب والعشاء بعيداً عن الناس والأسواق والأخبار والمشاكل تجد نفسك تخرج من هذا الاعتكاف بطاقة مصقولة مصنوعة صناعة ربّانية. وعن الإمام القطّان ذكره عند البغدادي وقد عُرِف بجودة استنباطه واستشهاده في كتاب الله فسُئل عن ذلك فقال: بكثرة الخلوات في الفلوات والتأمل في الكائنات والتدبّر في الكائنات.

ولكي تصل إلى طاقة نفسك في العلم أو في أي مجال لا بد أن تكون في صمت وخلوة وتأمل وتفكّر.

والقرآن الكريم يعلّمنا عبارات تقطع الشر. فمثلاً لو تآمر عليم كل الخلق فقلت (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) غافر) يقيك الله كل سوء لأن بعد هذه الآية قال تعالى (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45)). ولو أصابك سوء أو مرض فقلت (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) الأنبياء) كما قالها أيوب يشفيك الله تعالى لأنه قال بعدها (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)) لكن عليك أن تقولها بنفس العمق الذي قالها به أيوب u. وكذلك المغموم إن قال (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) الأنبياء) ينجيه الله من الغمّ لأنه قال بعدها (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)) لكن بشرط أم تقولها مع مقدمات من الصمت والتأمل والخلوة والاعتقاد الجازم بالله تعالى.

الحسد طبيعة في الإنسان وكل إنسان كما قلنا معبّأ ابلطاقت خير وشر وهناك إنسان يستعمل هذه الطاقات بالشر ومنهم من لا يستعملها وهناك حَسَد يحسُد من باب نصر ينصُر وهناك حَسَد يحسِد من باب ضرب يضرِب وهذا هو الحسد المنهي عنه وقوله تعالى (وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) الفلق) أي من شر الحاسد إذا حسد فيمكن أن يكون هناك حاسد لا يحسد. والرسول r جعل الحسد مع منظومة أخلاقية هائلة فقال في الحديث: " إيّاكم والظنّ فالظنّ أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا" وهذه منظومة تؤذي المسلم أذى مباشراً . ومن أراد أن يكون مسلماً حقاً عليه أن يتربّى ويحتهد حتى يُنقّي نفسه من هذه المنظومة ليصدُق فيه قوله تعالى (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) الشعراء). وفي الحديث :" لا يجتمع في قلب مؤمن إيمان وحسد" وقال أيضاً : " لا يزال الناس متعارفين متحابين أصحّاء ما لم يتحاسدوا" وقال: "دبّ إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء" وكلاهما متقاربان.

والحاسد لا يناله من حسد المحسود شيئاً. وروي: المؤمن يغبِط والمنافق يحسد" فالغِبطة هي أن تتمنى أن يكون لك مثل النعمة التي مع غيرك إلا أنك لا تتمنى زوالها من الآخر.

v ومن الطاقات الهائلة التي ينميّها الإنسان ما يُعرف الآن بالبرمجة العصبية اللغوية وقد قيل أن الإنسان العادي يستخدم طوال حياته 1% من قوته العقلية والعالِم من البشر يستخدم إلى أقصى حد 4% ويقال أن العالِم آينشتاين استعمل 4% من قوته فماذا لو طوّر الإنسان نفسه بحيث أصبح يستعمل 10% مثلاً من طاقته وعقله؟

v الرقية الشرعية إشعاع من الراقي وانفعاله تؤثّر على المرقي ولا أظن أن الرقيةبالكاسيت تنفع لأن الراقي عليه أن يمس المرقي فكم سمعنا بمن يشفى بلمسة. والرقية تقتضي يقيناً كاملاً من الراقي والمرقي. ولا يقول أحدنا رقيت وما زال الحسد لأنه بقراءة الآيات لا تدري ماذا ردّ الله عنك من سوء ولولا قراءة الآيات لأصابك شر عظيم لكن علينا أن نبدع في الرقية فعل قدر ما نبدع فيها على قدر ما يكفينا الله تعالى شر الحسد.

العوائق التي تحول دون وصول الإنسان إلى العلوم المدفونة في ذاته:

1. نقص في التدريب العقلي والانسان كلّما تعلّم ترقّى عقله ونحن بحاجة لأن نترقّى بعقولنا وقلوبنا كما يترقّى المقاتلون بنفسياتهم حتى يصبح الموت عندهم لا يعني شيئاً.

2. عدم الصمت والخلوة والتأمل.

والآن في كل دول العالم المتحضّر توجد معاهد لابراز واكتشاف طاقات الانسان وتوظيفها توظيفاً علمياً مدروساً.

الخوارق تكون في الإيجابيات والسلبيات ونحن نعرف نوعها من تأثيرها وآثارها وقد أُسيء استعمال الكثير من هذه الخوارق ولهذا أوصانا الرسول r في الحديث: " لا تعلموها السفهاء" حتى لا يستعملوها في الشّر كما في قوله تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) الأعراف) وقوله تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) الأنبياء).

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 07:57 PM
منظومة حصن والتحصّن

الحصن– الملجأ – الوَزَر – الصياصي – البروج المشيّدة – الركن الشديد – الملاذ -

هذه هي منظومة التحصّن. وكلمة حصن هي كلمة ضمن مجموعة الكلمات القرآنية التي تدل على تحصّن الانسان من عدوه أو من ساعة كرب شديد لا يفرّجه إلا رب العالمين سواء كان العدو مادياً أو معنوياً أو من نفسك أو أي شيء. ولقد استعمل القرآن الكريم هذه الكلمات استعمالاً اعجازياً ليس بوسع بشر أن يستعملها بحيث لا يمكن أن تُغني كلمة عن أخرى. والأحرف المقطعة في أوائل بعض سور القرآن تدلنا على أنه ما من أحد أحسن استعمال حروف اللغة أدباً وشعراً كالعرب ومع هذا فإن الله تعالى استعملها استعمالاً عجز العرب لبذين هم أهل اللغة عنه.

الصياصي: هي حصون تُشيّد للهجوم وليس للاحتماء. وأصل الكلمة صيصة وتعني قرن الثور القوي يقاتل به وجمعها صياصي. بعض الناس يبنون هذه القلاع على شكل قرني ثور لتكون مكاناً لقهر العدو وليس للتحصّن. قال تعالى (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) الاحزاب) ولم يقل ملاجئهم لأنها ستعني أنهم كانوا خائفين وأين يكون الاعجاز في إنزال قوم خائفين من ملاجئهم؟ قال تعالى صياصيهم لأنهم أقوياء وهذه الصياصي من الصعب الدخول إليها ومن هنا كان إعجاز استعمال الكلمة صياصيهم في هذه الآية ولا يمكن أن يكون لها بديل في هذه الآية.

الحصن: عندما يزداد هجوم العدو عليك وتشعر أنك فقدت قدرتك تنسحب من موقعك أمامه إلى موقع آخر تتحصّن فيه حتى يكون ذلك الحصن موقفاً إضافياً للقوة. قال تعالى (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2) الحشر).

الملجأ: أنت منهزم وتدخل إلى الملجأ الذي لا يعرفه عدوك وتلجأ إلى الله بحيث لم يبقى لك بديل آخر. والملجأ للمنهزمين. قال تعالى (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) التوبة) و (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47) الشورى). تلجأ إلى الله عندما لا يعد لديك وسيلة غير ذلك. أحد يغرق في البحر ولا يوجد أية وسيلة للمساعدة أو النجاة وأوشك أن يغرق وليس له إلا الله تعالى يقول يا الله هذا لجوء إلى الله تعالى وهو الحلّ الأخير الذي لا بديل له.

الوَزَر: هو الملجأ الذي يُلتجأ إليه من الجبل المترمدين على السلطة القوية. هي حصون في رؤوس الجبال يتحصن بها المتمردون على عدو ذو عِزّة ومناعة أو اللصوص. وقوة الوَزَر أنها شاهقة في رأس الجبل ويصعب الوصول إليها ويصعب على قوى الأمن مثلاً الوصول إليها. قال تعالى (كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) القيامة). وفي قصة نوح u في الطوفان عندما نادى ابنه لريكب معه قال ابنه (قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) هود).

البروج المشيّدة: تُبنى عالية جداً وتكون أبوابها سرّية وقد تكون مداخلها تحت الأرض ولا يعرف أحد من أين يدخل إليها. (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) النساء)

وأضيفت هذه الكلمات من بعض الأخوات المشاهدات اللواتي اتصلن بالبرنامج مباشرة على الهواء:

الركن الشديد: وهو الشخصية القوية التي يُستند إليها أو المكان المسلّح القوي الشديد. (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) هود)

الملاذ: جاءت في القرآن لواذا وهي التقوي بشيء آخر. قال الإمام علي رضي الله عنه: كُنّا إذا حمي الوطيس لُذنا برسول الله. وتُسمى العشيرة القوية ملاذاً إذا كنت تتقوى بها. قال تعالى (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) النور).

كلمة المغارة ليس من اللجوء ولكن من الهرب الذليل كما جاء في آية سورة التوبة (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)).

وأضيف والله أعلم كلمة الكهف ولا أدري إن كانت كلمتي المأوى والغار تدخلان في هذه المنظومة أيضاً:

الكهف: كما جاء في قصة الفتية في سورة الكهف (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16) الكهف) هرب الفتية من الملك ولجأوا إلى الكهف.

لا تُغني كلمة من هذه المنظومة عن كلمة أخرى وهذا من دقة القرآن الكريم. وهذه هي الفروق بين كلمات التحصين. والتحصّن يكون كما قلنا من أشياء مادية أو معنوية وقد أمرنا الله تعالى أن نتحصّن من الشيطان بالمعوذات والرسول r تحصّن منه " اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".

والله تعالى له صفات جلال مع العصاة كالمنتقم والجبّار وله صفات جمال مع الطائعين كالرحمن والرحيم والغفور. وقد يكون الانسان من أعداء الله تعالى فيتعامل الله تعالى معه بصفات الجلال ويحتاج الانسان لكي ينجو من هذا ولا ينجو إلا أن يفرّ إلى الله تعالى فلا ملجأ ولا مفرّ إلا أن تلجأ إلى الله تعالى (لا ملجأ من الله إلا إليه) والانسان يفرّ عادة من كل ما يخافه إلا الله تعالى فنحن نفرّ منه إليه سبحانه وتعالى. اللهم إني أعوذ بصفات جمالك من صفات جلالك.

الحصن والمحصنين والمحصنات وردت كلها في القرآن الكريم ووردت في ذكر مريم ابنت عمران في قوله تعالى (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) التحريم) لم يقل ابنة عمران العفيفة مع أنه جاء استعمال يستعفف في القرآن في قوله تعالى (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) النور) وكلمة التعفف معروفة جداً عند العرب وكان يسمّون الفيف والعفّان الذين حرموا على أنفسهم الخمر والنساء منهم عفّان أبو عثمان بن عفّان سُمّي عفّان لأنه كان عفيفاً عن الزنا والخمر. والفرق بين العفيفة والمحصنة أن العفيفة لا تزني مع اشتهائها للجنس الآخر فهي تتعفف أما المحصنة فهي التي لا يمكن أن يجتاحها أحد أو يقهرها أو يصل إلى مراده منها أحد مهما كانت قوته. قال تعالى (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ (24) النساء). والله تعالى أراد أن يهيب بكل مؤمنة فقال تعالى (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ (32) النجم)

قال تعالى (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14) الحشر) هذه ثقافة اليهود في التاريخ لا يقاتلون وجهاً لوجه وإنما يقاتولن في قرى محصنة ومن وراء جدر في دبابة مثلاً وهذا ليس لأنه خائف ولكن لأن هذه عقيدته لا يقاتل إلا في حصون أو صياصي. فسبحان الله تعالى الذي قال (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) النساء) وهذا من حيث اللفظ ، وقال تعالى (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87) النساء) وهذا من حيث المعنى.

التحصّن من الشيطان يكون بالذكر والدعاء يكون في أي وقت.

لو تأملنا في قوله تعالى (لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ) في ساعة لا يمكن أن يخطر على بالك إلا الله تعالى تلجأ إلى الله. لم يقل لا حُصن إلا الله لأنه في ساعة الهروب الكمل والهزيمة الكاملة ليس لك إلا الله تعالى فتلجأ إليه. عندما ييأس الانسان ويظن أنه هالك لا محالة (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) الاحزاب) (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) يوسف) لا بد أن يكون في ملجأ وأي ملجأ غير الله تعالى قد لا يعصمه أو ينفعه أما الملجأ إلى الله تعالى فهو الذي يعصم وينقذ. في قصة يونس u في بطن الحوت عندما وصل إلى قمة اليأس لجأ إلى ربه فقال (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) الانبياء) فنجّاه الله تعالى. وكلّنا مرّت عليه ساعات شِدّة وعسرة أو ضياع أو فقدان مال أو وصول إلى خطر داهم وعندما تصل إلى قمة اليأس تقول يا الله بلسانك وقلبك تشعر براحة وطمأنينة عجيبة جداً وتستقبل الأمر برضى وطمأنينة شجاعة لم تعرفها من قبل بمجرد أن خلوت بالله تعالى ونسيت من عداه وانتهى كل أمل إلا الله تعالى تشعر أن الله تعالى يراك والمحتضر الذي بدأ يرى شبح الموت يبدأ يشعر أنه وصل إلى كنف الله تعالى ولم يعد له ملجأ إلا الله تعالى تراه مطمئناً (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) فصلت) . المسلمون في غزوة بدر والاحزاب عندما وجدوا أنفسهم أمام قوة قاهرة لا يقدرون عليها لجأوا إلى الله تعالى فنصرهم.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 07:58 PM
منظومة حصب

حصب– حطب – وقود – قطران –

هذه هي منظومة وقود النار.

هناك فرق أولاً بين وَقود يفتح الواو ووُقود بضمّ الواو.

الوَقود: هي الاشياء التي توضع في النار لكي تتّقد من حجارة أو بشر أو قطران كلها تُسمّى وَقوداً، قال تعالى (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) البقرة) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) التحريم) (ذَاتِ الْوَقُودِ (5) البروج).

أما الوُقود: فتُطلق على عملية الاشتعال أي عندما تتّقد النار تسمّى وقوداً.

حطب: هو كل ما يُعدّ للإشعال والإيقاد قبل أن يُشعل. كل من لديه تنور يخصص مساحة عنه يجمع فيها ما يوقد به التنور أي الحطب. فالحطب هو ما يُعد للإشعال ولم يُشعل بعد. (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) الجنّ) هذا الكلام قبل أن تُشعل النار فيهم فالله تعالى منذ أن خلقهم أعدهم ليكونوا حطباً. والقاسطون من قسط أي الظلم وتعني هنا الشِرك. وهناك فرق بين قسط أي ظلم وأقسط بمعنى عدَل.

حصب: إذا أضرمنا النار في الحطب يُسمّى حصب. وكل حصب كان حطباً وكل حطب لا يكون حصباً إلا أن تُشعل به النار فعلاً. قال تعالى (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) الانبياء) هذا الآن بعد أن يصبحوا في النار والآية تخاطبهم يوم القيامة.

الحطب الذي سيصبح حصباً فتُضرم به النار أنواع مختلفة:

الناس والحجارة: إن من خلق الله تعالى من هو حطب للنار ويُعدُّ لها وهذا هو الذرأ أي إعداد الشيء وإيجاده (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) المؤمنون) فمنذ الأزل أوجد تعالى من مشركي الانس والجن ومن الملحدين الذين لا يؤمنون بالله عز وجلّ ليكونوا حطب جهنم كما قال تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) الاعراف) أي أوجدنا أناساً هم حطب جهنم.

هذه النار التي هي معدّة لعبدة الأوثان والأصنام والملحدين أما المؤمنون المحّدون الذين يعبدون الله وحده فلهم نارٌ غير نار الكفار هذه.

الحصب هو نوع من أنواع دخول الجنة ودخول النار متعدد وليس كل المشركين والملحدين على وتيرة واحدة وفي حديث أن الله تعالى يُخرج من النار من كان في قلبه ذرة من توحيد.

والدخول إلى النار أنواع:

v دخول اعتيادي: (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) الزمر) أبواب جهنم مؤصدة تُفتح لإدخال هؤلاء المشركين الملحدين وسبق أن تحدثنا عن النار وأنواع العذابات فيها بحيث لا يمكن للعقل أن يدرك هذا النوع من النار. وهذه النار لا يليق بعبد يؤمن بالله تعالى ولا يشرك به شيئاً لأن الله تعالى قال (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) الليل) فنار المؤمنين شيء وهذه النار شيء آخر. فهناك رجل مشرك لكنه كان عادلاً بين الناس لا يُعذّب كما يُعذّب النمرود مثلاً أو الحاكم الظالم المشرك المتكبر والله تعالى أعلم. وكل ما نقوله الآن سنكتشف أننا بعيدون عن الصورة الحقيقية.

v أناس يلقون إلقاء من بعيد (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) ق) هذا الحصب. يُلقون في النار إلقاء من بعيد بعد أن يقيّدون بالسلاسل (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) يس) وترفعهم أنواع من الكلاليب كما في الحديث قيُلقون من بعيد (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) الفرقان).

v قسم يُدعّون إلى جهنم دعّاً: كما يُدقّ الوتد في الجدار (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) الطور) كالمجرم القوي الذي يُدفع به إلى السجن بقوة. وهناك من الذنوب ليست عاراً وبعضها عار وخسيسة مع كونها حراماً فالرِبا مثلاً ليس فيه عار لكنه ذنب خطير لكن أن يزني أحدهم بمحارمه هذا عارٌ شنيع فهذا ممن يُدعّ في نار جهنم دعّاً. هذه الأساليب تبيّن لنا أن كلمة حصب نوع من وقود النار وحطب النار الذي يُلقى إلقاء من بعيد. يقول تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) القمر) الحاصب بمعنى زوبعة فالنوع الخسيس من الناس برغم كونه ملحداً يُلقى في النار كأنه جاءته عاصفة قوية فهؤلاء يدخلون النار بهذه الطريقة كما نرى العواصف القوية التي تجمع القاذورات والاوراق.

القطران: نسميه الآن الزيت وكان يُخرج من شجرة الأرز يصبح كالبترول الأسود وكانت تُطلى به الإبل المصابة بالجَرَب. وهذا القطران سريع الاشتعال. قال تعالى (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) ابراهيم) وهذه الآية تدلّ على أن هذه النار هي للكفار لأن النار لا تغشى وجوه المؤمنون الموحدون الذين لا يعبدون إلهاً آخر حتى لو حُكِم عليهم بالنار وإنما تصل النار إلى ركبتيه أو صدره لكن لا تغشى وجوههم النار كما في الحديث الشريف. لو غشيت النار وجه الانسان هذا هو الصلي ويكون ممن يصلاها (لا يصلاها إلا الأشقى). من هؤلاء الناس والحجارة والقطران. يكون عاري لكنهم ألبسوه ملابس من قطران سريعة الاشتعال.

الحجارة: منها ما هو أصنام (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) الانبياء) الملحد وما كان يعبد إنساناً أو حجراً أو شجراً وكل معبود غير الله تعالى من وقود النار.

المعادن المختلفة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) التوبة) معادن استعملت في الدنيا استعمالاً ظالماً تدخل في منظومة الحصب والحطب. لو عندك رشاشاً قتلت به إنساناً سيكون من ضمن الحطب الذي يشعل به النار. وكل ما يسرقه الانسان في الدنيا يكون له وقود في النار يوم القيامة.

الغلول: هو سرقة المال العام وكل موظف يسرق من مال الدولة سيجده من حصب جهنم الذي سيعذب به في النار يوم القيامة. (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161) آل عمران)

هذا كله لا ينفعك إذا كنت قد ظلمت أحداً أو انتهكت عرضاً أو اعتديت على أحد فكل ظلم واعتداء سيكون من حطب جهنم وبعد إشعاله يكون حصباً في جهنم يعذّب به هؤلاء. وكل مال حرام وكا اعتداء وكل ظلم سيكون من ضمن حطب جهنم وبعد استعماله يصبح حصب جهنم.

الكلام في النار وأوديتها وعذابها كلام طويل والحديث عن الآخرة من فرائض هذه الأمة (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) ص) وكل من لا يحدّث نفسه عن عذاب الآخرة يكون ظالماً.

من عباد الله من حرّم الله تعالى عليه النار وحرّمه على النار. قال r لمّا رأى النار "لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ولصعدتم الى الصعدات تجأرون" وعلينا أن نكون ممن حرّم الله تعالى النار عليه وحرمّه على النار ويجب أن نبحث عن هذه الأعمال التي وعد الله تعالى ورسوله r المؤمنين أنها تحرّمهم على النار من هذه الأعمال:

من الأعمال التي تُحرّم المؤمن على النار:

v الدعاء وفي حديث صحيح للرسول r أنه من قال حين يصبح وحين يمسي اللهم أجرني من النار سبع مرات تقول النار يا رب إن فلاناً استجارك مني فأجِره.

v الصدقة

v الشفاعة وهنها شفاعة الأنبياء لأممهم وفي قوله تعالى (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) المائدة) بكى الرسول r وقال أحسن عيسى الدعاء لأمّته فجعل الله تعالى الشفاعة لكل الأنبياء والشفاعة موضوع عظيم. والرسول r يحاول أن يُخرج من استطاع من النار.

v الدمعة: كل من ذكر الله تعالى في خلوة وتذكر ذنوبه فخاف وبكى من خشية الله يحرّم الله تعالى عليه النار (وعين بكت من خشية الله) في الحديث "لا يلِج النار رجل بكى من خشية الله".

v بِر الوالدين: من مات وأبواه راضيان عنه فهو محرّم على النار على أن يكون من أمة محمد r أي من أهل القِبلة. "حديث ثلاثة لا يضرّ معهن عمل وذكر من بينها بِر الوالدين".

v شهادة الآخرين: ما شهد له سبعة من جيرانه بأنه على خير حرّم الله تعالى عليه النار وكذلك من صلّى عليه أربعون وشهدوا له بالخير. وشهادة الآخرين هذه هي أعجوبة العجائب (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) البقرة.

v من مات له ثلاثة أولاد "لا يموت لسملم ثلاثة من الولد يلج النار"

v تربية البنات: من كانت له ابنتان أو ثلاث أو أربع فأكرمهن وأحسن تربيتهن كُنّ له لجاء من النار.

v بعض الوظائف إذا كانت احتساباً لله تعالى كالمؤذن والذي يثوّب معه مثله من حيث لا تمسه النار والتثويب هو أن تردد خلف المؤذن فإذا قال أشهد أن لا إله إلا أشهد أن محمداً رسول الله قال وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله رضيت بالله رباً وبالاسلام دينا وبمحمد r نبياً ورسولاً لم يكن بينه وبين الجنة إلا أن يموت.

v أهل الليل والتهجد (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) السجدة).

v كل العَوَق والبلاء: أي عَوَق في الجسم يحمد الانسان الله تعالى عليه يكون وجاء له من النار وكذلك البلاء بكل أشكاله في المال أو الجسم أو الأهل أو الزرع إذا قال العبد إنا لله وإنا إليه راجعون وصبر فإن الله تعالى يحرّمه على النار.

v كل موت غير اعتيادي: كالموت في حادث أو بمرض أو حرقاً أو غرقاً أو قتل غير اعتيادي كل هذا يحرّمك على النار وعن الرسول r أنه كان يقول :" اللهم إني أعوذ بك من موت الفجأة".

v الصلاة في وقتها في جماعة

v الصوم بكل أشكاله

v حديث "لا تمسّ النار من رآني أو رأى من رآني" وهذا حديث صحيح إلا أني لا أعرف معناه ولا قوانينه.

v حديث " من قال لا إله إلا الله حُرمت عليه النار" وهذا الحديث يختلف المسلمون فيه وما كان لهم أن يختلفوا. في أول الدعوة أراد الرسول r أن يدخل الناس إلى الاسلام ويتركون الشِرك بالله ولم يكن هنالك أية تكاليف بعد فكان المهم التوحيد وكان همّ الرسول r حينها أن يعلن الناس التوحيد فكل من ترك عبادة الأصنام حينها وعَبَد الله تعالى وحده لا تمسّه النار ثم لمّا جاءت التكاليف صار هناك أموراً أخرى. الأن في هذا العصر إذا ذهب أحدنا إلى روسيا ونحن نعلم أن كلهم ملاحدة وجعلت قِلّة منهم يوحدون الله تعالى فهؤلاء يدخلون الجنة بدون صيام أو صلاة ."عجبت لرجل دخل الجنة وم يصلي لله ركعة واحدة هذا الرجل كان مشركاً فآمن فمات على التوحيد.

v عندما تفسد الأمة وينتشر الزنى والعهر يصبح أي عمل بسيط كافياً لأن ينجو العبد من النار.

v أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب ورجل فقير عفيف متعفف. وأهل النار خمسة: الضعيف الذي فيكم تبعاً لا يبتغي أهلاً ولا مالاً (الخدم والإماء والعبيد فلا ينبغي الاعتداء عليهم "من زنى بأحدهم سفاحاً لا نكاحاً") والخائن (الذي يخون بلده وأهله) ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك على أهلك ومالك والشنظير الفاحش (الذي يشتم شتماً مقدعاً) وذكر أيضاً الكذاب الخائن.

v صنفان من أهل النار: الذين يعذبون الناس (كما يحصل في السجون الآن) والمرأة المسلمة التي تمشي حاسرة الرأس.

v إن الله حرّم النار على كل هيّن ليّن (أي كل انسان بسيط متواضع ليس عنده جبروت)

v "ثلاثة من كُنّ فيه حرّم الله النار عليه وحرم عليه النار : إيمان بالله وحُبّ الله وأن يُلقى في النار فيُحرّق أحبُّ إليه من أن يرجع إلى الكفر" أي لا يمكن أن يرتدّ عن الاسلام.

v "من اغبرّت قدماه في سبيل الله فقد حرّم الله عليه النار" هؤلاء المجاهدون في سبيل الله.

v الذاكرون في حِلَق الذكر "إن لله ملائكة يتبعون حِلَق الذكر" وفي الحديث "ذهب الذاكرون بكل خير"

v المرابطون بين المغرب والعشاء والرباط هو انتظار الصلاة بعد الصلاة ولا يقول المرابط بينهما إلا خيراً أو يقرأ أو يتعلم أو يكتب.

v آية الكرسي بعد الصلاة.

الأعمال التي تحرمك على النار كثيرة ولا بد أن يكون المؤمن قد كظم غيظه مرة لوجه الله أو عفا عمن ظلمه لوجه الله أو توضأ على المكاره أو أنفق ما كان لديه وهو يحتاجه لوجه الله.

وصدق الله تعالى (لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) الليل) أي الذي كذّب وحرّض وقتل وانتهك ولم يترك شيئاً إلا وآذى به المؤمنين وما أكثر ما جعل الله تعالى أسباباً لئلا يلِج المؤمن في النار وصدق الرسول r "لا يدخلها إلا شقي".

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 07:59 PM
منظومة حطّ

حطّ– غفر – عفا – تاب – بدّل – تجاوز – وضع – صفح -

هذه هي منظومة مفغرة الذنوب وهي أمل كل المؤمنين الموحّدين لله تعالى لأن طموح كل مؤمن أن يلقى الله تعالى وليس عليه ذنب. ولدقّة القرآن الكريم فقد رتب هذه الكلمات حسب أعمال العبد. فالعبادة ليست متساوية فالصلاة مثلاً في رمضان تختلف عنها في غيره والصلاة في أرض الرباط تختلف عنها في غير أرض والخطيئة في مكة مثلاً تختلف عنها في غير مكة. فالذنوب تتفاوت كما تتفاوت العبادات وموقف المؤمن من ربّه هو الذي يحدد موقف الله تعالى منه. والذي كان يفعله العبد بعد وقوعه في ذنب أو خطيئة مهم وحجم توبته إلى الله تعالى مهم أيضاً وإقلاعه عن الذنب وإصراره على عدم العودة إليه كلها مهمّة وتُحدد موقف الله تعالى من العباد يوم القيامة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) محمد) (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) الجاثية) فعلى وِفق موقعك من الذنب يتحدد موقف الله تعالى منك لهذا فكل كلمة في هذه المنظومة لها دلالة مختلفة عن أختها.

تحدثنا سابقاً عن التوبة من حيث كونها فِعلٌ من العبد في منظومة تاب لكن توبة العبد تتبعها توبة من الله عز وجل وهي متوقفة على توبة العبد كما في قوله تعالى (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) التوبة) فكلمة تاب في هذه المنظومة تدخل في معناها أنها توبة من الله تعالى على عباده.

التوبة: شرع الله تعالى التوبة أولاً ثم تاب العبد ثم تاب الله تعالى عليه. إن الله تعالى توّاب من حيث شرّع التوبة لنا (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) الفرقان) ثم بعد ذلك يتوب العبد فيتوب الله تعالى عليه. فالله تعالى توّاب والعبد توّاب وتوبة تترتب على توبة وهذه التوبة تستدرج باقي مراحل وكلمات هذه المنظومة.

قال تعالى (وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) الفرقان) هذا الذي يصبح بطلاً في التوبة هؤلاء يدخلهم الله تعالى في الصالحين (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) العنكبوت) والصالحين هم الفئة الرابعة بعد النبيين والصدّيقين والشهداء (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) النساء) وهم ليسوا المؤمنون الذين عملوا الصالحات بل هم الذين صاروا أبطالاً في الصلاح.

متاباً: العبد يستمر في التوبة يتوب عن ذنب ما اليوم وكلا ابتُلي بذنب يتوب عنه فإذا بلغ العبد من توبته أنه لا يذنب أصبح تواباً وصار من زُمرة معروفة عند الله تعالى (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) الزمر) والزمرة العظيمة هي زمرة التوابين التي يحبها الله تعالى.

المغفرة: المغفرة والعفو متتاليان فقد يكون العفو قبل المغفرة وقد تكون المغفرة قبل العفو. والمغفرة هي التجاوز عن الذنب في الظاهر وقد يبقى في الباطن وسيحاسب عليه يوم القيامة. فقد يغفر الله تعالى للعبد ذنوبه في الظاهر ويحكم عليه أنه من أهل الجنة ثم تأتي مرحلة يُسأل العبد فيها عن الرحِم والأمانة فإن كان قد أكل أمانة أحد أو قطع رحِمه يؤتى بالأغلال ويساق إلى النار. وهذا أمر مهم علينا أن ننتبه إلى موقفنا من الأمانة والرحِم. مثل هذا العبد يكون ذنبه مغفور في الظاهر لكن ما زال لديه ذنوب في الباطن فيُعاقب عليها. (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) البقرة)، (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) آل عمران) (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) الزمر)

العفو: هو التجاوز عن الذنب ظاهراً وباطناً وهو مرتبط بشروط معينة وهي أن يكون موقفك سليماً من الأمانة والرحِم فالله تعالى يغفر للشهيد كل شيء إلا الأمانة والرحِم. والستر معلّق بشرط. والرسول r كان يُكثر من الدعاء "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عني" خاصة في ليلة القدر. (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) البقرة) (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) النور)

الصفح: بعد أن تاب العبد ثم غُفِر له ثم عُفي عنه تأتي المرحلة الأجمل وهو أن يُصفح عنه فلا يُعيّر بذنوبه ولا يُثرّب والتثريب هو أن تعيّر العبد بذنبه بعد أن عفوت عنه ولذا جاء في القرآن الكريم على لسان يوسف u مخاطباً إخوته (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) يوسف) انتهى الموقف. والله تعالى يوصينا بالصفح (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) البقرة) (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) النور) فالصفح من مجملات العفو من حيث أنك لا تذكر ذنب المذنب بعد ذلك ولا تُذكّره فيه ولا تعاتبه ولا تُعيّره كلما رأيته مهما كان الذنب عظيماً. والصفح يأتي بعد العفو (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) المائدة) ومن الإحسان أن تصفح عمن عفوت عنه (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) الحجر) والصفح الجميل هو الصفح بلا عتاب. ولنا في سيرة الرسول r القدوة الحسنة فهو r على رغم شدة أذى قريش له خلال الدعوة من أبي سفيان وهند وغيرهم لم يعاتبهم بما فعلوا به أو بالمسلمين.

التكفير: تكفير الذنب عبادة تُغطّي على ذنب. كأن تكون أسأت إلى أحد إساءة ثم تُغرقه بفضلك حتى تكفّر عن ذنبك (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) آل عمران) "أتبِع الحسنة السيئة تمحُها" (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) هود). تكفير الذنب هو كل من فعل ذنباً فكفّره بعبادة أو استغفار ومنها الكفّارة التي تُلغي الذنب ككفارة اليمين (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) المائدة) وكفارة الحلق في الحج وسائر الكفارات في القرآن الكريم.

الحطّ والوضع: حطّ: هو عدم حساب الذنب ذنباً فالحرام لم يعد موجوداً وأصل الحطّ ما قاله بنو اسرائيل (وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) البقرة) أي حُطّ عنا ذنوبنا وعند المسلمين (وضع). مثلاً صوم رمضان ركن لكنه عند السفر لا يعود ركناً إلى أن يعود المسافر والصلاة الرباعية في السفر حطّها الله تعالى إلى ركعتين وهكذا الكثير من الأعمال ومنها أحدهم شارف على الهلاك وليس أمامه إلا الخمر وهو يكاد يموت حطّ الله تعالى عنه تحريم الخمر فيشرب ما يمكّنه من الإبقاء على حياته. وقوله تعالى (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الشرح) بمعنى كأنه غير موجود.

إذن كلمة حطّ تقابلها كلمة وضع في القرآن وكلاهما بمعنى عدم اعتبار الذنب ذنباً. والحطّ والوضع كل منهما إلغاء كون المحرّم محرّماً للزمن والمكان والشخص المعيّن وهذه مِنّة من مِنَن الله تعالى العظيمة علينا. "إذا أحبّ الله عبداً لا تضرّه الذنوب"

حطّ ويحطّ مصطلح فقهي إسلامي ورد في الحديث الشريف فقد ورد في الحديبية أن الرسول r قال :" من يصعد الثنيّة فإنه يُحطّ عنه ما حُطّ عن بني إسرائيل" وكان أول من صعدها الخزرج. وفي حديث آخر " من تطهّر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداهما تحطّ خطيئة والأخرى ترفع درجة" (أخرجه مسلم 666) و " من قال سبحان الله وبحمده في يوم مئة مرة حُطّت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر" والحديث: " ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطّ الله به سيئاته كما تحطّ الشجرة ورقها" (أخرجه البخاري 5648، ومسلم 2571).

حطّ ووضع: إلغاء حُرمة المحرّمات من حيث أثرها فلا يحاسب على شيء وهذه من مِنن الله تعالى.

التجاوز والتبديل: الله تعالى غفور رحيم لكونه غفور رحيم كونه رحيم بعد المغفرة لا يكتفي بالتجاوز عن الذنب وإنما يبدّله حسنة وهذه أثر من آثار المغفرة من حيث أن كرم اله تعالى لا تدركه عقولنا. (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16) الاحقاف) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) الفرقان).

الله تعالى غفور بطبعه ومن قوانين اله تعالى أن يغفر الذنوب فهو سبحانه غفّار لعدة خطايا وعدة مراحل كلما أذنب العبد استغفر ربّه والله تعالى لا يملّ حتى يملّ العبد. في الحديث القدسي : "أذنب عبد ذنباً فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنباً فعلِم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى عبدي أذنب ذنباً فعلِم أن له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ به، ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى عبدي أذنب ذنباً فعلِم أن له ربّاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب اعمل ما شئت فقد غفرت لك" وفي الحديث الشريف " ما أصرّ من استغفر ولو عاد سبعين مرة".

هذه المنظومة من أجمل المنظومات عند العبد المؤمن لذي لا أمل له إلا بعفو الله تعالى عن ذنوبه وتجاوزه وصفحه.

أسباب المغفرة:

كل حركة في يوم المسلم وليله من ساعة استيقاظه إلى ساعة نومه يمكن أن يجعلها سبباً من أسباب المغفرة حتى ضحكه وحزنه ومرضه وطعامه وشرابه. وعند تقصّي الكتاب والسنّة وواقع الحال نكتشف أن أعظم أنواع المغفرة وأسرعها إلى مرضاة الله تعالى وأسبقها إلى ميزان الحسنات هو موقف العبد المؤمن من الآخر سواء كان هذا الآخر انساناً أو حيواناً أو جماداً أو نباتاً. فكل موقف إيجابي يقدّمه المؤمن للآخر فأنه ينجو به. ومعظم رضى الله تعالى في الإحسان (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) المائدة) وفي الأحاديث النبوية أمثلة كثيرة منها حديث البغي ّ التي سقت كلباً يلهث. وإذا غرس العبد شجرة له أجر كل من انتفع بها من طير أو حيوان أو إنسان وكذلك الذي في أرضه نبع ماء مثلاً فكل من شرب منها للعبد فيه صدقة وتكون في ميزان حسناته يوم القيامة. وإذا بنى العبد بناء فله بكل من يستظل به حسنة وإذا نحّى العبد شوكة من الطريق ليسهّله للآخرين ويمنع عنهم الأذى تكون له صدقة وفي الحديث : " رأيت رجلاً يتقلّب في ربض الجنة بشوكة نحّاها عن طريق المسلمين". وكل عمل فيه مغفرة الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينها وكذلك ليلة النصف من شعبان ومن بلغ التسعين سنة وهو مؤمن يُسمّى عتيق الرحمن في الأرض، كل حمدٍ على شربة أو طعام، من قعد في مصلاّه لا يقول إلا خيراً ثم صلّى ركعتين وهو ينتظر الصلاة التالية، دعاء السوق "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يُحيي ويميت وهو حيّ لا يموت وهو على كل شيء قدير" ، من أحرم من بيت المقدس، رجل سهل إذا باع سهل إذا اشترى، كل من جلس مجلساً وتحدّث ثم دعا بدعاء كفارة المجلس يغفر الله تعالى ما كان من لغط في مجلسه، السلام على من عرفت ومن لم تعرف " لاتقوم الساعة حتى لا يكون السلام إلا على المعرفة" لا يُبقي على المؤمن ذنب، وهذه عبادات أراد الله تعالى أن يحقق إرادته (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ (27) النساء)

أهم وأعظم هذه العبادات وأهم من العفو والصفح هو موقفك من الآخر. الناس كلهم يصلّون ويصومون أما موقفك من الآخر فهي حقوق الناس عليك: إذا زار العبد رجلاً مريضاً دون مجاملة أو حاجة له عنده إنما زاره لوجه الله تعالى لا يبقى عليه ذنب، رجل أدخل السرور على آخر كأن يكون عنده دين فيوفّيه عنه أو يواسيه في حزنه ويعوده في مرضه ويطعمه إذا جاع لا يُبقي الله تعالى عليه ذنب وفي الأثر أن الله تعالى يخلق من هذا السرور ملكاً جميلاً يرافق العبد حتى يدخل الجنة، وفي الحديث القدسي "وجبت محبتي للمتزاورين فيّ".

علينا أن نأخذ بالعبادات التي لا يُبقي الله تعالى بها ذنباً على عباده. ومن هذه العبادات أن تحمي أخاك في ظهر الغيب وتدافع عنه في غيبته يحمي الله تعالى ظهرك يوم القيامة، وكذلك من شهد له سبعة من جيرانه بالخير، والرحِم الكاشِح أي الذي ظلمك كثيراً ومع هذا فأنت تصله وتكرمه لا يُبقي الله تعالى عليك ذنباً، الستر على عورة المسلم فلا تفضحه وإنما تنصحه باللين إلا إن كان يترتب على معصيته حق من حقوق الناس كأن يسرق مالاً عاماً تعيد المال ولا تفضحه وإنما تنصحه وفي الحديث "لو كنت سترته بثوبك لكان أفضل"، إصلاح ذات البين والرسول r يوصي بإصلاح ذات البين.

النجاة يوم القيامة هي في الخدمة التي تقدمها للآخر مسلماً كان أو غير مسلم ومنها إطعام الطعام في حرب أو غيره (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) الانسان)، إغاثة اللهفان فقيراً كان أو مريضاً أو محتاجاً، الشفقة على المذنبين " لا تؤمنوا حتى تراحموا" و "لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم" ومحاولة نصحهم باللين وليس بالتعنيف والتعيير، ونحن مأمورون بالتآلف مع الناس حتى غير المسلمين لأنه لا أمل لنا بالنجاة مع البغضاء قال الرسول r :" دبّ فيكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء"، حُسن الظنّ بالأمّة، التاجر الصدوق لا يكذب والتاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، النُصح، الموظف الأمين الذي يساعد المراجعين، شُرطي يسهر على راحة الناس وأمنهم ويدفع عنهم الأذى ويحرسهم ويمنع الجريمة، المشي خلف الجنازة حتى تُدفن (له قنطاران والقنطار كجبل أُحُد)، الحُبّ في الله كما في الحديث القدسي وجبت محبتي للمتحابّين فيّ والله تعالى إذا أحبّ عبداً لا يعذّبه، القاضي العادل الذي لا يرتشي ولا يُحابي ولا يطلم، العفو عمن أساء إليك أن تعطي من حرمك وتصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك، توقير الكبير والرحمة بالصغير "ليس منا من لم يوقّر كبيرنا"، التواضع مهما كانت رتبتك ومكانتك من العبادات العظيمة، تقبيل الطفل كما كان الرسول r يقبّل الحسن والحسين وكان يقول من لا يرحم لا يُرحم وفي الحديث عن الرجل الذي رأى الرسول r يقبّل الحسن والحسن فأخبره أن له عشرة من الأولاد لم يقبل فيهم أحداً فأجابه الرسول r أوأملك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟"، كفالة اليتيم والسعي على الأرملة والمسكين، الضيافة ففي الحديث أن الله تعالى يؤجر باللقمة، كل من ساهم وشارك في إعداد الطعام للضيف يغفر الله تعالى له،مجالسة الصالحين من طلاب علم وفقهاء وأصحاب فكر هذه المجالسة تجعل العبد منهم وهي مجالس يحبها الله تعالى ورسوله r، حضور حلقات الذكر، الدعاء لأخيك بظهر الغيب فكل من تدعو له في ظهر الغيب تقول الملائكة ولك مثل ذلك، أن تموت في أرض غريبة ليست أرضك، أن تكون أميناً على أموال الدولة وعلى مال المسلمين، عدم التخلّف عن خدمة الشعب.

الكسب الرابح يوم القيامة والنجاة هي بموقفك من الآخر سواء كان إنساناً أو حيواناً أو شجراً أو جماداً تصرّفك معه أو فيه يغفر الذنوب جميعاً مغفرة جليلة القدر وخير الناس من نفع الناس.

والله تعالى يحب المحسنين والإحسان الذي جاء ذكره في القرآن هو موقفك من الآخرين والإحسان هو أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك. وفي الحديث "إن الرجل لينال بحُسن الخُلُق مرتبة الصائم الذي لا يُفطِر والقائم الذي لا يفتُر" فالتقوى الاجتماعية هي التي تنفعنا يوم القيامة نفعاً عظيماً. قال تعالى (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) البقرة) بمعنى اعفو واصفح وهي المغفرة العظيمة المطلقة ولاليس اعفو وحاسِب فإذا لم يعد في قلبك حقد على الذي آذاك ولا تذكّره يوماً بإساءته لك فاعلم أنك نجوت نجاة عظيمة.

والله تعالى عفو غفار رحيم عفو كريم ومن دواعي كرمه وعطائه أن يغفر لعباده " لَله أفرح بتوبة عبده من صاحب الراحلة". وإن تتبعنا أسماء الله الحسنى من الناحية العقلية لعرفنا أن الله تعالى لا يمكن إلا أن يغفر للمذنبين ولم لم نُذنب لذهب بنا الله وجاء بقوم آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر الله تعالى لهم. والرسول r كان في ليلة القرآن يدعو اله تعالى "اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفو عنا" ولو لم يُخطئ لآدم u لجاء الله تعالى بآخر يُخطئ فيتوب عليه.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:00 PM
منظومة حفّ

حفّ– حصر – حاق – طاف – دار – دال – طوق – لفّ – أحاط - تسوّر

هذه هي منظومة الطوق حول الشيء.

حفّ وحصر: إنسان واقف وحوله دائرة واسعة تقف على حافة محيطه تدل على المهابة له كالرئيس والوجيه يُستقبل استقبالاً رسمياً ويقف الناس على حافّة موقعه (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) الكهف). فإذا ضاق هؤلاء يكون من باب العقاب ويصير حصراً (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) التوبة).

فالحصار إذن عقاب بالتضييق أما الحفّ فهو حفاوة من بعيد ولا يقترب من المحتفى به لمهابته (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75) الزمر).

حاق وطاف: حاق بمعنى أحاط بشيء بثبات فلا يتحرك (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26) الاحقاف) (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (41) الانبياء) (اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43) فاطر) أما طاف فمتحرك مثل الطواف حول الكعبة (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) البقرة) (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) الصافات) (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) القلم). ومنه استعير الطائف من الجنّ والخيال وغيرها كما في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) الاعراف) وهو الذي يدور على الانسان من الشيطان يريد اقتناصه.

دار ودال: الدائرة للهزيمة أو الضيق (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) التوبة) (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) الفتح) (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) المائدة). والدولة للمجد (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) آل عمران) (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) الحشر)

طوّق ولفّ: كل من يُلقى عليهم القبض يطوّقون إذا تمكنت منهم وضعت الطوق في أعناقهم (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) آل عمران) والمرحلة الثانية أن تضع القيد في أعناقهم وهو اللفّ (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) الاسراء) (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) القيامة) (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) النبأ) . فالتطويق اولاً واللفّ ثانياً.

أحاط: السيطرة على كل شيء من جميع الجهات قد يكون بمعرفة العلم من جميع جوانبه (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) يونس) والإحاطة بالخبر هي عندما تعرف حقيقة الخبر بالكامل وليس مجزّءاًً (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) النمل) (كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) الكهف). والإحاطة بالمطلوب سواء كان جيشاً أو فرداً ثم يستسلم استسلاماً كاملاً (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آَتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66) يوسف) (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) طه) (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (21) الفتح) (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) الكهف) (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) البقرة).

تسوّر: هذه الكلمة وردت في منظومة جدار وحائط وتأتي في هذه المنظومة التسوّر بمعنى دائرة (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) ص).

كل طوق حول شيء لا تخرج كلماته عن كلمات هذه المنظومة وكل كلمة منها استعملت استعمالاً دقيقاً خاصاً في القرآن.

نعود لكلمة حفّ كلمة المنظومة الرئيسية: قال تعالى (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75) الزمر) الملائكة تقف من بعيد على شكل دائرة حول العرش يحفّون به وتسمى هذه حفاوة. وفي الحديث "ما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتدارسون إلا حفّت بهم الملائكة" من بعيد يستمعون ويدعون لهم بمنتهى الاحترام والإجلال. والملائكة لا حصر لهم وهم بقدر البشرية من عهد آدم إلى أن تقوم الساعة أضعافاً مضاعفة. ونحن مأمورون بالإيمان بالملائكة إيماناً كاملاً (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) البقرة) والايمان بهم حقٌ سواء تصورتهم أم لم تتصورهم ولا يمكن لنا أن ندرك حقيقتهم والرسول r رأى جبريل مرة واحدة على هيئته الحقيقية أما في باقي المرات فكان يتمثّل بصورة إنسان وعلينا أن نؤمن بالملائكة إيماناً غيبياً.

مواقف الملائكة: جبريل هو صاحب الوحي وما يلزم لنُصرة الأنبياء وإهلاك الأمم الكافرة والحرب على أعداء الله تعالى كما هو واضح في القرآن الكريم (رفع الطور فوق بني اسرائيل، يوم حنين، بدر، نصر ابراهيم ونوح واسماعيل، وهو يقود الملائكة لنصرة الأنبياء وهذا عمله مع المظلومين والظالمين أياً كان دينهم ومذهبهم فالمظلوم إذا كان بينه وبين الله تعالى صلة ينصره باللا معقول. والقوى الظالمة تُهلك بالريح أوالصيحة أوالرجفة أو الطوفان أو غيرها من أعاصير مصداقاً لقوله تعالى (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ابراهيم) فالله تعالى إما أن يعطي الجهة المظلومة ما تدفع به الشر ن نفسها أو يُسخّر كارثة على القوة الظالمة الهائلة حتى تتهاوى.

ميكائيل: مسؤول عن الأرزاق والأمطار والسموات.

إسرافيل: مسؤول عن البوق وفي رحلة الإسراء والمعراج رآخ r وقد انحنى وقرّب البوق من فمه لينفخ فيه.

أما عزازيل فهو صاحب الأرواح والمنايا والموت.

والملائكة في غاية الاحترام لا يعصون الله تعالى ما أمرهم وهو كرام بررة، سفراء الله تعالى علينا ولكنهم أشدّ خشية لله تعالى منّا والرسول r قال عن جبريل في رحلة الاسراء والمعراج وهذا لشدة تواضعه لله تعالى: " رأيت جبريل كالحِلس القديم من خشية الله" والحِلس هي قطعة القماش المهترئة يضعها الراكب فوق البعير تحت الرِّكاب.

وقد تجد حول الرؤوساء حاشية تخدمهم طمعاً فيه لكن منهم من يخدمه ويفديه بروحه وينظر إلى كل ما يخصّه بخشوع وهؤلاء هم أصحاب الولاء المطلق الذي يخدمون رئيسهم حباً وطاعة ويخدمونه لأجله هو حباً وكرامة وليس لنعمة منه.

والملائكة يسبحون بالليل والنهار لا يسأمون ولا يفتُرون ويستغفرون لأهل الأرض (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) غافر) وحملة العرش ثمانية والحافّون من حول العرش 120 صفاً فتخيّل عدد الملائكة حول العرش والسموات والأرض بالنسبة لعرض الرحمن ما هي إلا كحلقة في صحراء وكأن السموات والأرض زاوية من زوايا قوائم العرش أو مسمار في رجل العرش فكم من الملائكة تحتا؟ منهم الراكع والساجد والقائم وهتافهم لا إله إلا أنت سبحانك اغفر للذين آمنوا ولتبعوا سبيلهم وهذا الاستغفار للمؤمنين فعلوه بأمر الله تعالى لا بأمرهم وحقّاً لا يدخل النار إلا شقي. فالملائكة يستغفرون لك وهؤلاء حملة العرش ومن حولهم هم أقرب الملائكة إلى الله وكل عبادتهم تسبيح وتحميد واستغفار للذين آمنوا وهتافهم لا إله إلا الله ولا يمكن أن نحيط بهذه الكلمة إلا إذن كنا مصدّقين بها (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) ابراهيم) فالملائكة منذ خلقهم الله تعالى إلى يوم القيامة دائبون في الاستغفار للمؤمنين.

وظائف الملائكة: لكل شأن في الدنيا للملائكة فيه وظيفة منها

v مواكبة الانسان منذ خلقه إلى أن يكون أي اختصاصها المخلوق.

v الرسالات

v حضور المجالس الطيبة كمجالس الذكر والعلم والمريض والمساجد وعند الامام العادل.

v موكلون بالاعمال (والمدبرات أمرا) فالله تعالى يأمر والملائكة تنفّذ فهي تدبّر تنفيذاً والصافات صفا والعاصفات عصفا والناشطات نشطا ولكل منها وظيفة تدبر الكون.

حفظ الانسان حتى يأتي أجله من أي مكروه فلا يقربك الموت إلا أن تحين ساعة القدر (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11) الرعد) فكم نجونا من مواقف كنا نحسبها مهلكة!

فكل جزئية من حياتنا حتى حديثنا مع أنفسنا (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) الزخرف) (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) ق) فالملك خُلِق ليكتب كل ما نقوله (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) الرعد) فكأنه تقرير مسجّل وهناك ملائكة آخرون يفرزون والملكان الذين يرافقان كل انسان يبقيان معه ويستغفران له حتى يُبعث ويدخل الجنة إذا كان العبد صالحاً.

والملائكة كلهم سيهلكون عند نفخ الصور مصداقاً لقوله تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) الرحمن) وهذه أمور لا يمكن لنا ادراكها وفهمها.

وعلينا أن نستحي من الملائكة فهي تقف في صلاة الجمعة على أبواب المساجد تسجّل حاضري الجمعة وتنصرف عندما يصعد الخطيب للمنبر وكل من يقرأ الفاتحة ويؤمّن تحضر الملائكة تأكينه وإذا قال المصلي سمع الله لمن حمِد وتشهد صلاة الفجر (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) الاسراء) وصلاة العصر والصلاة في الطريق. وهناك ملائكة متخصصون بنقل سلام العبد إلى الرسول r والملائكة تُصادق من يصلي في المسجد الفروض الخمسة وكان من الصحابة من رأى الملائكة قناديل في السماء يستمعون إلى تلاوته القرآن. وجاء عن الرسول r "أطّت السماء وحق لها أن تئطّ فما من موضع إصبع إلا وفيه ملك ساجد أو راكع. والملائكة تقرأ ما في ضميرك وخواطرك التي تسمعها الملائكة صوتاً. في الحديث القدسي "إن العبد ليعصيني فيذكرني على الذنب فأغفر له".

والإنسان يرى الملائكة ساعة الاحتضار (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) فصّلت) والله تعالى يمتدح عباده الصالحين أمام الملائكة ويذمّ الطالحين ولو كشف الله تعالى عنّا الغطاء لرأينا الملائكة يحفظوننا ويدفعوا عنا الشرّ ويخدموننا وفي رمضان نحن مع الملائكة مباشرة ويستغفرون لنا ليل نهار.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:00 PM
منظومة حد

حد– طرف – حرف – رجا – حافة – جنب – شفا – شاطئ – ساحل - جرف

هذه هي منظومة الأطراف. لكل شيء طرفان وجوانب وطرفا الشيء هما مبتداه ومنتهاه فالنهار له طرفان الصبح والمغرب (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) هود) وجوانبه هي بقية الأوقات. الأرض لها أطراف كما في قوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41) الرعد) . وتختلف أسماء الأطراف في كتاب الله تعالى باختلاف نوعها ووظيفتها أو حجمها أو ارتفاعها أو انخفاضها بدقة لا يمكن أن يقولها في أماكنها إلا ربٌّ وسع علمه كل شيء. والله تعالى يرسم الصورة كاملة من خلال اختيار الكلمة امناسبة في الجملة المناسبة.

الطرف: بداية الشيء ونهايته وهو ملازم له يبقى ببقائه ويذهب بذهابه ولا يمكن فصله عنه. (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130) طه) (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44) الانبياء)

الحدّ: حد الشيء هو الطرف الذي يميّزه عن غيره ولكي لا يختلط بغيره كحدود الأرض فالحدّ هو طرف وظيفته أنه يميّز هذا الشيء عن غيره وهو طرف يمنع الآخرين من التجاوز عن هذا الشيء (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) البقرة) ( وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) الطلاق) إذن فالحدّ يميّز ويمنع التجاوز (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) البقرة) والحدود تمنع من التجاوز عن الأحكام الشرعية. (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) التوبة)

الحرف: طرف الشيء العالي المدبب وهو حاد كالسكين يصعب الوقوف عليه وإذا تمكنت من الوقوقف يصعب التماسك عليه وإذا تمتسكت تهوي. حرف الجبل هو قمّته المدببة التي يصعب الوصول إليها والتماسك عليها. والحرف هو كل طرف مدبب كطرف البعير (سنامه) لا يمكن أن يتماسك عليه بدون ركاب. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) الحج) هذا ما يفعله الحمقى الذين يختارون رأياً واحداً ويرفضون جميع الآراء ويتهمونها بأنها باطلة فهذا ما أسرع ما ينزلق ولا يجد بديلاً فيجب أن نعبد الله تعالى على البسيطة. والحريف من الحرف (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46) النساء) يأخذون رأياً واحداً. كما حرّف نو اسرائيل كلمة حطة وقالوا حنطة حرّفوها لأنهم لم يدركوا مغزى كلمة حطة ولو أدركوه لقالوا اغفر لنا.

الرجا: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) الحاقة) الرجا عكس الحرف فهو واسع يمكن الجلوس عليه ويمكن أن تبني عليه بيتاً كحافة النهر أو الكورنيش أو الجزر داخل البحار والأماكن المنبسطة ويمكن التمسك بها طويلاً لهذا الملائكة حول العرش هم في غاية الراحة.

الحافة: مانع يمنعك من السقوط على الطرف. أنت مثلاً على قمة جبل لكن هناك من بنى ستارة كثيفة تمنعك من السقوط (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75) الزمر) أي لهم مواقع منيعة يتمسكون بها ومستمسكون بها لأنها مريحةلها حفائف وحافّات وهي عكس الحرف.

الجنب: هو الطرف المنيع الذي يحرص كل من له شيء أن يكون الجنب منيعاً. أطراف الانسان هما يداه ورجلاه وهي تحرك وتعمل وهو مستمسك فإذا قُطعت أطراف يعيش. لكن الجنب من الإبط إلى الحوض إن لم تحمه فإن أي ضربة تودي بصاحبها. البلاد حدودها معروفة فإذا اخترق العدو جنوبها فقد ذهبت (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) الزمر) هو التوحيد. يمكن أن يعمل الإنسان معصية يمكن تداركها لكن أن تشرك بالله هذ مقتل فيجب أن تكون توحيدك لله محمياً ويجب أن يكون منيعاً لا يُخترق.

شفا: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) آل عمران) المكان المشرف أو طرف الشيء العميق جداً هاوية، بئر وادي عميق حافته اسمى شفا مثل الشفة العليا فطرف الحافة تسمة شفا. (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) التوبة)

شاطئ وساحل: الشاطئ طرف الماء (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) القصص) والساحل طرف اليابسة (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) طه)

الجرف: شاطئ المسيل إذا أخذه السيل يجرف كل شيء في طريقه عندما يأتي على الأرض الرملية يحدث فيها أنهاراً لهشاشة الأرض الترابية (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) التوبة).

لكل طرف اسم ولكل اسم وظيفة استعملها القرآن على هذا النسق العجيب يحبث لا تغني كلمة عن أخرى.

الحدّ والحدود:

هذا الدين حدّي (افعل ولا تفعل) آتوا الزكاة، أقيموا الصلاة، لا تأكلوا الربا هذه تكاليف محددة من حيث أن لها حدّ أعلى وحدّ أدنى من حيث التطبيق ومن حيث الحكم وقد ذكر هذا الأصفهاني والسمين. وتكاليف الإسلام (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا) و (ِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا)

وقال الراغب الأصفهاني: جميع حدود الله على أربعة أوجه منها:

ما لا يجوز أن يُتعدّى بالزبادة عليه ولا القصور عنه (لا يمكن أن تزيد أو تنقص) وهذه مثل أوقات الصلاة وعدد الركعات.

ما تجوز الزيادة عليه ولا يجوز النقصان كالزكاة لا يمكن الإتقاص عن الحد المطلوب ولكن الزيادة جائزة وكذلك المحرّمات مثل الميتة والدم ولحم الخنزير هذه هي الحدود التي لا يمكن أن تنقص منها لكن يمكن أن تزيد عليها محرّمات أخرى.

ما يجوز النقصان فيه ولا يجوز الزيادة مثل الوضوء: غسل كل عضو ثلاث مرات لا تزيد عن ذلك وكذلك الزواج يمكن أن يتزوج أربعة كحد أعلى يمكنه أن يُنقص للكن لا يزيد عن أربع.

ما تجوز الزيادة عليه والنقصان لكنها مقيّدة مثل صلاة الضحى وعشر ذي الحجة.

هذه التقسيمات لها تقسيم آخر عند التفصيل فالصلاة خمس أوقات وعدد ركعاتها من حيث وجوبها حدّية ومن حيث تطبيقها حدّية أي أن تطبيقها فيه سعة ومرونة لها حدّ أدنى وأعلى وبينهما أنت لك الحرية إن نقصت عنها لا تكون مسلماً (لا تقربوها) وإذا زدت عليها خرجت من الاسلام (فلا تعتدوها).

في قضية ملامسة النساء ونقض الوضوء من العلماء من يقول أنه بمجرد لمس النساء بنتقض الوضوء ومنهم من يقول أن لامس تعني جامع ومنهم من يقول مسّ اليد لكن بشهوة ومنهم من يقول اللمس ينقض الوضوء بشهوة أو بغير شهوة فأنت في سعة في هذا الأمر وعليك أن تعترف بكل الآراء لأن الله تعالى (يريد الله بكم اليسر) من حيث التطبيق و(يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) النساء) من حيث الكمّ.

والله واسع عليم وكلما كنت عالماً كلما كانت سعة استيعابك أكثر وكلما ازداد العقل سعة وتوسعة على الناس. ومن حيث كونه تعالى واسعاً يقبل امرأة بغيّ سقت كلباً لأنه سبحانه قال في كتابه العزيز (ورحمتي وسعت كل شيء). أي مسلم مثلاً يقيم الصلاة ودائم عليها ويريد أن يعمل شيئاً يتقرب به إلى اله لكنه لم يُكتب له عمله فالله تعالى برحمته وسعته يأجره عليه وإن لم يفعله. وكل واسع عالم وكل عالم واسع ولا أحد غير الواسع العالم يقبل اعتذار الآخرين لسعة صدره وكثرة ما يعتذر للخطائين ليفتح لهم باب التوبة وهكذا الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً لمجرد أن ينوي العبد التوبة يغفر تعالى له وهذه من سعة الله تعالى.

ما من حكم شرعي إلا وله عدة صيغ للتطبيق في كل الفقه الاسلامي وعندما وسّع الله تعالى علينا طلب منا أن نكون في الوضع الذي لا حرج فيه (ما جعل عليكم في الدين من حرج) بعض الأحيان تستبد بعض الآراء التي ترفض كل رأي آخر وتخطّئه. وهناك فرق بين العلم والفهم فالعلم بلا عقل مضرّة ولو فهم أحد آية فهماً خاطئاً وأراد أن يفرضها على الأمة فرضاً كأن يفهموا أن من ارتكب الكبيرة خالد في النار فهذا في منتهى الغباء والجهل وللأسف أنه في عصرنا الحالي هناك تيارات تُجبر الناس على رأي واحد في مقابل آراء ومذاهب أخرى تنهل من كتاب الله تعالى عرفت طبيعة الشريعة السمحة الحنيفية (حنيفاً مسلماً) . والله تعالى يقبل التوبة حتى في الخطأ في الصلاة فشرع لنا سجود السهو العاقل يرجع إلى الله تعالى كلما حزبه أمر فتجعله سبحانه وتعالى مرجعك (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) يونس) (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) والصواب في كل أمر فقهي متعدد في الدين وهذا من باب رفع الحرج (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ).

ولكي تكون من أولياء الله تعالى يجب أت تأتي الله بقلب سليم بلا حقد ولا ضغينة ولا خوف عليك ولا تحزن على ما كان منك. وكل من يوحّد الله تعالى مقبول مهما فعل واختلف لأنه يدور في إطار مشروع وحرية التصرف في العبادة الواحدة مشروع. هناك آراء واختلافات وليس هناك عذر يوم القيامة لمن يأتي أحد وقد غضب الله تعالى عليه فإياك أن تعبد الله على حرف واحد (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) الحج) والقرآن حمّال أوجه وكل صحابي فهم فهماً وكله صحيح ما داموا في الحنيفية ولم يتجاوزوا الحد الأدنى والأعلى (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا) و (ِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا).

والدين مبني على السعة والله تعالى خاطب نبيّه (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) والمؤمنين (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) التغابن) وقال تعالى (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) وهذه هي السعة العظيمة وما أشد البدائل فكل حركة لها بدائل وهذا من السعة. فالمفطر في رمضان يقضي أو يدفع كفارة والصلاة يمكن أن يجمع ويقصر أو يصلي قاعداً أو مضطجعاً وكل هذا يدخل في قوله تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وهذا الدين كما قلنا حدودي ورفع الله تعالى عن عباده الحرج ولو كانت قضايا الدين على حرف لتوقفت الأمة ولذا فإن الحنيفية السمحة لها بدائل تنفع في كل عصر قد تختلف الأخلاقيات والمعاملات من جيل إلى جيل والدين يسع كل هذه التغيرات. ويقول ابن مسعود عن القراءات المختلفة فيقول هي مثل قول أحدكم هلُمّ وتعال وأقبل.

لك مطلق الحرية فيما عدا افعل ولا تفعل أي في الأوامر والنواهي. والحدود في الأوامر والنواهي المفروضة وفيما عدا ذلك فأنت لك مطلق الحرية كأن تذكر الله كما شئت وفي أي مناسبة ولك أن تُحدث من الذكر ما تشاء. سُئل رسول الله r من أحد الصحابة: دُلّني على عمل يدخلني الجنة فقال له r لا يزال لسانك رطباً بذكر الله" والذكر من أفضل العبادات وقد امتدح تعالى الذاكرين والذاكرات في القرآن (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) الاحزاب) وذكر الله أكبر من أشياء أخرى (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) العنكبوت) ولله تعالى ملائكة سياحين يتبعون حِلَق الذكر وفي الحديث القدسي: أنا مع عبدي إذا ذكرني وتحركت بي شفتاه" . وفي الحديث القدسي "ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل.." وهذا كله ضمن حدود افعل ولا تفعل أما البدعة فهي ما حرّمه الشرع.

الصاحب بالجنب: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) النساء) منهم من قال الجار ومنهم من قال رفيق السفر ومنهم من قال الزوج والزوجة وأكثر الآراء على أنه الزوج والزوجة ويقال للجماع الجناب.

هذا الدين فيه سعة ولا ينبغي أن يأتي أحد ويضيّق على الناس ويشغلهم وهناك فرق بين من يدّعي العلم ولم يطلبه في حياته وبين العالم ومن هذا المنطلق كره كثير من المسلمين الذين لأنه فرض عليهم رأياً واحداً وقد يكون من أضعف الآراء ولا يلبي احتياجاتهم ومنهم من استحل قتل الناس فهذا ويل. وكون الله تعالى واسعاً عليماً يعطينا معنى السعة والعلم في الدين

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:01 PM
منظومة حَفَد

حفد– بنون – أسباط – ذريّة – نسل – سلالة –

كلمة حَفَد هي الكلمة الوحيدة بهذا اللفظ في القرآن في قوله تعالى في سورة النحل (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72)).

الأحفاد: هم أولاد الأولاد وهم في الحقيقة يسمون بنون فهناك ابن أبناء وابن بنون وهناك فرق بينهما فالأبناء هم الأحفاد إذا كانوا كباراً أما إذا كانوا صغاراً فيقال لهم بنون كما في قوله تعالى (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) الكهف) ما داموا صغاراً فلو قال تعالى المال والأبناء لما كانت الآية منطبقة على الواقع لأنه من الأبناء من هم فتنة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) التغابن) وفي الحديث الشريف " لاتقوم الساعة حتى يكون الابن غيظ أبيه وأمه".

فالآية (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) الكهف) المقصود فيها الأطفال لأنهم مادام أطفالاً فهم زينة الحياة الدنيا وقُرة عين أهليهم وأُنس الحياة وبهجتها أما إذا كبر الطفل فتكثر مشاكله وقد يعاتي أبواه منه معاناة عظيمة.

البنون : تُطلق على الأطفال الصغار سواء كانوا أبناءك أو ابناء ابنائك. أبناء الأبناء

الأحفاد: تُطلق على الصغار سواء كانوا من أبنائك المباشرين أو أبناء الأبناء فكلّهم بنون. وأبناء الأبناء فريقان: فريق يبقون مع أجدادهم في بيوتهم وفي خدمتهم وتقرّ عيون أجدادهم بهم هذا فقط يسمى حفيداً. فالحفيد إذن هو ابن الابن الذي يعيش مع جده.

أما الذين يعيشون بعيدين عن أجدادهم فلا يسمون حفدة وإنما يبقى اسمهم بنين إذا كانوا صغاراً فإذا كبروا يسمون أبناء.

والحفد جمع حافد وهو الخادم المتطوع لخدمته المتقن لحرفته ينفذها بسرعة "إنما نحفد للعبادة" أي نسرع بها.

الأسباط: أبناء البنات يسمون أسباطاً هذا في عموم اللغة لكن هناك استثناء واحد وهو أن الأحفاد سواء كانوا أبناء بنين أو أبناء بنات من الأنبياء يسمون أسباطاً (قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) البقرة) والحسن والحسن هما سبطا رسول الله r وهما أولاد فاطمة رضي الله عنها وأولاد يعقوب u سُموا أسباطاً مع أنهم أبناء بنين. فالنسبة للأنبياء الأسباط هم ذرية الأنبياء أما ذرية غير الأنبياء فهم الحفدة (أبناء الأبناء) وأسباط (أبناء البنات).

ذرية: هؤلاء وهؤلاء أي الأسباط والجفدة جميعاً إذا كثروا كثرة غير اعتيادية وتفرعوا يسمون ذرية إما من الذرأ أو من الذّر. فكلمة ذرية تشتق من أصلين:

الذرّ وهو التفريق أي الذرية تنقسم إلى عائلة ثم أسرة ثم فصيل ثم عشيرة ثم قبيلة ثم شعب.

وإما من الذرأ: أي الايجاد بكثرة

وكلاهما يُشتق منها ذرية للدلالة على الكثرة والانتشار الواسع في محيط الجدّين.

نسل: هو الولد لكونه ناسلاً عن أبيه قال تعالى (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) السجدة).

سلالة: سلّ الولد من أبيه ومنه قيل للوليد سليل قال تعالى (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) السجدة) (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) المؤمنون).

وما من كلمة تغني عن أختها في القرآن الكريم في المكان الذي وردت فيه.

الطفل زينة لكن عندما يكبر قد يصبح مصيبة وله مشاكله الكثيرة وأعباؤه الكثيرة بحيث يصبح همّاً على أبويه ويزيد على أنس الأبوين به سواء كان صالحاً أو طالحاً. والرسول r كان يتلذذ بالحسن والحسن وكل من له أحفاد وأسباط يأنس بهم أُنساً منقطع النظير وهذا الأُنس بهم يكون وهم أطفالاًً فقط.

الأحفاد ما داموا يعيشون في كنف جدهم فالحفيد يخدم جده. أن يخدم الابن أبوه هذا أمر تلقائي لكن أن يخدم جدّه ويبقى معه هذا أمر آخر فالابن امتداد لك سواء قريباً كان أم بعيداً فيال فلان ابن فلان ابن فلان إلى أجداد عديدة كما في سورة الكهف الجد في الآية هو الجد السادس امتدحه الله تعالى (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا). وحب الجد لأبنائه وأبنائهم لأنهم امتداده بالنَسب والعمل والطاعة ففي الحديث الشريف إذا مات ابن آدم انقطع عمله من ثلاث ذكر منها ولد صالح يدعو له. وما أعظم أن تربي طفلاً فينشأ نشأة صالحة ويستمر الصلاح في نسله وذريته ومن هنا فخر الآباء والأجداد بالأبناء.

وعربية القرآن ليست عربية دم فقط وإنما هي عربية قِيَم (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37) الرعد) لمّا اختار الله تعالى القرآن لينزل على العرب اختاره ليقدمه على طبق خلق عربي. فالحرص على النسب لم يكن عند الأمم السابقة إلا عند العرب ومن أخلاقيات القرآن النسب (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54) الفرقان) وهذه من أخلاقيات العرب التي جعلها الله تعالى من أحكام القرآن. الإسلام حسّن أخلاقيات العرب من حيث تكافل الأسرة والعلاقات الأُسرية فنقلها الاسلام وجعلها ديناً من حيث نقاء عِرض المرأة ومن الكفر الطعن في الأنساب (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) الانبياء) وفي الحديث: "إيُما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فالجنة عليها حرام". ومن الأخلاقيات التي نقلها الاسلام من العرب حسن الجوار والضيافة والكرم والرحم وبر الوالدين وها كله يدخل في قوله تعالى (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ (الأنعام)) فعربية الاسلام أخلاق وقيم وشمائل بدليل أن بلالاً كان خيراً ألف مرة من أبي لهب لأنه تحلّى بأخلاقيات الاسلام.

امتداد الذرية والأحفاد والأسباط امتداد بالنسب وبالعبادة ومن أعظم عبادات الأبوين همّ العِيال وقد جاء في الحديث الشريف: "إن من الذنوب ذنوباً لا يغفره إلا همّ العيال" وفي الحديث " لاتقوم الساعة حتى يكون الابن غيظ أبيه وأمه" فإذا لم يكن غيظهم فهو محل همّهم فيأتي هذا الهمّ يوم القيامة وليس على الأبوين ذنب واحد وبالمقابل بر الأبناء بالآباء والأحاديث في هذا كثيرة منها حديث ثلاثة لا ينفع معها شيء وذكر منها عقوق الوالدين. وهمّ الوالدين متعدد وهو واجب فرض والتفريط فيه لا يقل جرماً عن عقوق الآباء. ونحن قلما نسمع عن عقوق الأبوين فهو نادر جداً ولكنا كثيراً نا نسمع عن عقوق الأبناء ولهاذ ركّز القرآن الكريم على بر الوالدين لأن الفطرة تقتضي أن يبرّ الآباء بأبنائهم.

واجبات الأبوين تربية الجسم بالتغذية والعقل بالتربية والعقائد بالتعبّد والتوجيه. علّمنا الله تعالى (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) الاسراء) فالعلاقة علاقة صِغر وهذه التربية تأخذ جميع أنواع الحياة نفسية وجسدية وعقلية وحرفية وعلمية والتبصر فيها "كفى المرء إثماً أن يضيع من يعول". وبعض الناس عندهم حنان ضعيف فأحياناً لا يوقط الأبوين أبناءهم للصلاة لأنهم يخشون عليهم من البرد أو التعب وهذا إجرام في حق الأطفال لأن الله تعالى يوجهنا في القرآن بقوله (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) طه) فالأهل يجب أن يكون لديهم الحنان الإيجابي كالذي يدفعهم ليأخذوا ابنهم للطبيب فيعطيه إبرة حتى يعالجه والحنان الحقيقي هو أن تُنقذ ابنك من النار.

والعرب قبل الاسلام كان تراثهم في تربية الأبناء عجيب ونحن في هذا العصر المتقدم متخلفين عنهم ولم تعد هذه الأساليب موجودة إلا عند الملوك والأمراء. فمن أول يوم يختارون له مرضعة حتى لا تتساهل الأم معه وتفسده بحبّها وحنانها والمرضعة تكون من البادية ويتعلم منها الطفل الفصاحة والبلاغة والأنساب فما ان يبلغ الطفل السابعة من عمره حتى يصبح فارساً يسبح ويرمي ويصيد وكل ما يجعل الشاب فارساً يتعلمه في البادية ثم يعود فيتعلم الشعر والأنساب والأمثال وما يلفت النظر في التربية في الجاهلية ما يسمى بالترميمة وهي الكلام الذي كانوا يسكتون به الطفل إذا بكى أو إذا أراد أن ينام وهي عبارة عن قصائد هي من باب الرجز وهي من أعظم الأساليب عند العرب في اسعاد أولادهم عن طريق هذه الترميمة ومن أمثال هذه الترميمات:

يا حبذا هذا الولد ريح الخزامى في البلد، و: بنيّتي ريحانة أشمها، قد ساد في المهد على الغلمان، يا حبذا هذا الولد أشبه شيء بالأسد، وهناك ترميمة شيماء أخت الرسول r بالرضاعة كانت ترنم بها للرسول r : يا ربنا أبق لنامحمدا حتى أراه يافعا وأمردا ثم أراه سيداً مسودا واكبُت أعاديه..

فتسلسل التربية عند العرب كانت :

المرضعة واختيارها يكون مدروساً دقيقاً وأن تكون أصيلة حتى يورث الحليب بعض السلوكيات لأن الرضيع يتأثر بالحليب الذي يرضعه وحتى حمل الطفل تترك في نفسه أثراً إلى أن يكبر. فالمرضعة تعلمه الشعر والأدب والفصاحة.

ولا يبقى الولد مع أمه حتى لا تفسده بحنانها ودلالها.

من شروط خُلُق الفتى أن يكون فارساً وهذا لا يكون إلا في البادية.

وأعظم صلاح الأبناء مع التربية أن تدعو لهم بالصلاح وأن تستعين بالله تعالى على تربيتهم والقرآن الكريم مليء بأن الأنبياء والصالحين استعانوا بالله تعالى على تربية أولادهم (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) البقرة) (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) آل عمران) و(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) الفرقان) (قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) الأحقاف) (رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) غافر) (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) الرعد) فينبغي أن لا نذهل عن الاستعانة بالله لتربية وصلاح الأبناء.

ومن دقة العرب في تربية الأبناء أن جعلوا لكل مرحلة من مراحل نمو الأبناء اسماً:

طفل (في بطن أمه وهو جنين) – وليد (ساعة يولد) – (بعد ثمانية أيام) – فطيم (إذا بلغ سن الفطام) – جحوش (إذا استغنى عن الحليب) – دارج (إذا بدأ بالمشي – خماس (إذا بلغ الخامسة من عمره) – مترعرع (إذا بلغ عشر سنوات) – بالغ (إذا بلغ خمسة عشر سنة) – فتى (إذا بلغ ثمانية عشر سنة)

وكل مرحلة من هذه المراحل له أسلوبه الخاص بالتربية وله تعليمه الخاص به. فالعرب كانوا يعاملون الطفل كأنه رجل وكانت السنوات الأولى من حياته حتى 15 سنة هي مرحلة تعلّم الأساسيات.

والتاريخ مليء بقصص أطفال أعجبوا الكبار ففي أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر على أطفال يلعبون أعمارهم 5 إلى 6 سنوات فهربوا جميعاً إلا واحداً منهم فسأله عمر لم لم تهرب فقال أنا لم أُذنب لأهرب ولا أخافك.

وفي زمن عمر بن عبد العزيز قال لطفل في مجلس اجلس ودع غيرك يقوم (أي من هو أحسنّ منك) فقال الطفل : يا أمير المؤمنين المرء بأصغريه قلبه ولسانه فإذا جعل الله للعبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فهم المُقدّم ولو كان الأمر بالسِّن لكان غيرك أولى منك بهذا المجلس فأُعجب به عمر بن عيد العزيز.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:02 PM
منظومة حَفيّ

حفيّ– البَرّ – اللطيف –

كلمة حفيّ هي من المشترك ولها أكثر من معنى لكن في النهاية تتجذر لمعنى واحد وهو الزيادة والمغالاة في الإكرام أو في السؤال أو التمحيص.

حفي به حفاوة فهو حفيّ وحافي وإذا احتفيت بشيء فأنت حفيّ (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) مريم) حفي به واحتفى أي بالغ في إكرامه وأظهر السرور له والفرح وهذا غير الكرم فالكريم يُكرم الجميع لكنه لا يستدعي أن يُظهر السرور لكل شخص يُكرمه، أما المحتفي فهو يعطي المحتفى به خصوصية معينة لشرف أو مكانة فيزيد في إكرمه زيادة ملحوظة ويُبدي فرحاً وسروراً. فالحفاوة شيء آخر غير الكرم فالله تعالى احتفى بابراهيم u (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) مريم) فجعله خليلاً وأنقذ ابنه من الذبح وجعله من الصالحين وجعله أمّة وجعل أمته هي المقياس (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) البقرة) وجعله جدّ سيدنا محمد r (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) الحج) واستجاب دعاءه (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) البقرة) فبالغ في إكرامه واستجاب له استجابة خاصة أن قدّم التزكية على العلم والتعليم فالمسلم زاكي بـ (لا إله إلا الله محمد رسول الله) هذه تكفي لأن يكون المسلم موحّداً بلا أي شرك فكل هذه الإكرامات من الحفاوة بابراهيم u. والله تعالى أكرم كل الأنبياء لكنه احتفى بابراهيم u حفاوة خاصة.

ومن معاني حفيّ أيضاً كثر السؤال عن حالك فإذا كان صديقك أو جارك يُكثر من سؤالك عن حالك فهو حفيّ. فكل من أكثر السؤال عن شيء أو شخص يقال له حفيّ. (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187) الأعراف) كان الرسول r كثير السؤال عن الساعة وهناك أحاديث عديدة حولها "لا تقوم الساعة حتى" فهو r حفيّ عنها كثير السؤال عنها من شدة تذكّره لها فأكثر من تنبيه الأمة بالساعة (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (18) محمد). وكان r يسأل جبريل عنها وعن أشراطها وأعراضها (لنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) الإسراء) وقد أراه الله تعالى أشراط الساعة وهي علم عظيم في إيمان المؤمن.

والحفي هو كل من يسأل عن شيء ويُلحّ في طلبه يقال له حفيّ. قال تعالى (إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) محمد) يكرر السؤال عليكم بالانفاق. كثرة طلب المال من مالكه أمر يولّد البغضاء للسائل فالمال عزيز على صاحبه والله تعالى يقول ما كنت حفيّاً أن أسألكم والزكاة فقط هي المفروضة أما الباقي فصدقات والله تعالى يطلب من عباده الحدّ الأدنى بحيث لا يؤثر على ملكية المالك فالزكاة هي فقط 2.5 % فرب العالمين ما كان حفياً أن يسألنا أموالنا.

والحفيّ هو العالم المتعلم المتحقق للمسائل الذي جاءه خبر أو مسألة فكرر التمحيص فيها يُسمّى حفياً (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) وعلم الساعة في السُنّة علم عظيم أُلّفت فيه كتب عديدة وأسفار كثيرة في علامات الساعة من شدة رعاية الاسلام لها وحثّ النبي r على تتبع أخبارها. في اللغة العربية يسمى قاضي التحقيق الحفيّ لأنه يسأل أسئلة كثيرة ولا يقدم المتهم إلى المحاكمة إلا بعد أن يسأل مئات وآلآف الأسئلة.

قوله تعالى (إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) مريم) يفرح به تعالى فرحاً عظيماً ويستجيب دعاءه ويعطيه ولو أقسم على الله لأبرّه والمحتفى بهم يوم ااقيامة شرائح متعددة وزُمر متعددة.

البّرّ: هو المتوسع في فعل الخير (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) مريم) من ناحية الفتوى ومن ناحية القضاء فالحد الأدنى أن تكون باراً بوالديك هو أن تعطيهم وجبة غذاء وأن تلبسهم وتأخذهم إلى الطبيب إذا مرضوا لكن الكل يكرم والديه أكثر من هذا بكثير. ولا تكون من المحتفى بهم يوم القيامة إلا أن تكون باراً بوالديك وليس كافلاً لوالديك ككافل اليتيم يكفي أن تعطيه ما يحتاجه أما الوالدان فلا بد من أن يكون الانسان بارّاً بهما يغرقهما في العطاء (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35) ق) هذا المزيد لأنه بَرّ. والأحاديث في فضل بر الوالدين كثيرة منها حديث ثلاثة لا يضر معها ذنب وذكر منها بر الوالدين.

يوم القيامة (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) الطور) لشدة الخشية من عذاب الله تعالى فمنّ الله تعالى علينا بإدخالنا الجنة فكان بارّاً فلو حاسبنا ثم أدخلنا الجنة يكون هذا من عطاء الله تعالى وسخائه أما أن يدخلنا الجنة بغير حساب فهذا هو البَرّ. والبَر والبِر من أسباب الوجاهة يوم القيامة

اللطيف: هو التدبير الخفي الذي يوصل حاجتك لبيتك. أنت في محنة فيدبّر الله تعالى لك تدبيراً خفياً ويرتب الأسباب فتأتيك حاجتك بدون عناء وهذا التدبير الخفي هو اللطف. سيدنا يوسف u مرّ بمحن كثيرة منذ صغره فرتب له تعالى الأسباب في كل مراحل حياته وجاء في القرآن على لسان يوسف (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) يوسف). وكلمة لطيف قد تتعدى بالباء (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) الشورى) أي يغفر لهم ذنوبهم بصيامهم وصلاتهم ودعائهم وصدقاتهم بأسباب من عند العبد أما عندما تتعدى كلمة لطيف باللام فتعني أنها جاءت مباشرة من الله تعالى بلا أسباب كما في قوله تعالى (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ).

من هم المحتفى بهم يوم القيامة؟

لو قرأنا القرآن لوجدنا مدى حفاوة الله تعالى بابراهيم u بحيث جعله الأب الثاني للبشرية والأنبياء واستجاب دعاءه وجعل أمته هي المقياس وغيرها كما ذكرنا في بداية الحلقة. فمن هم هؤلاء المحتفى بهم يوم القيامة والذين يزيد الله تعالى في إكرامهم وهو لطيف بهم وحفي بهم لا يحاسبهخم ولا يعاقبهم ولا يعاتبهم؟

من حيث المكان فإن المحتفى بهم يضعهم الله تعالى في الفردوس الأعلى "سلوا الله الفردوس الأعلى فإنها مقصورة الرحمن" وهم يجاورون الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) النساء). ونحن لن نكون من الأنبياء أو الصدّيقين فعلينا أن نجتهد لنكون من الشهداء أو الصالحين حتى نحظى بهذه الحفاوة. فمن هم الشهداء والصالحون؟

الشهداء: الشهيد هو الذي يموت في سبيل الله تعالى دفاعاً عن دينه أو عرضه أو داره أو ماله أو وطنه ومن لا يدافع يتهم بالجبن والخَوَر ولا يساوي عند الله تعالى شيئاً والمخلّفون ذمّهم الله تعالى في القرآن. والشهداء أنواع شهيد قد يكون خاف وانسحب من المعركة فمات "حديث مؤتة" أما أكرم الشهداء عند الله تعالى هو الثابت بين الفارّين بمعنى أن الناس هربوا وهو بقي ثابتاً في مكانه وهذا الشهيد ممن يضحك الله تعالى لهم كما يضحك تعالى للذي يستقيظ ليصلي التهجد والناس نيام وأعظم الشهداء من خرج بماله ونفسه ثم لا يعود من ذلك بشيء هذا من أفضل الشهداء زأعظم من هذا كله شهداء قاتلوا وحدهم مِلّة الكفر كلها وليس على وجه الأرض من ينصرهم هؤلاء المجاهدون ليس لهم من نصير إلا الله تعالى كشهداء بدر انتصروا وليس على وجه الأرض من ينصرهم إلا الله تعالى كان من دعاء الرسول r قبل غزوة بدر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعبد في الأرض" ، وكذلك انتصار طالوت على جالوت وجنوده وقتل داوود u لجالوت ما كان ينصرهم إلا الله تعالى وكانوا فئة قليلة يقربون من 300 نفر كما كانوا في بدر فعندما تكون القوة صغيرة تدافع عن وطنها وليس من ينصرهم إلا الله تعالى فينتصروا بإذن الله تعالى وما من أحد يموت ويود أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد يودّ العودة حتى يقاتل في سبيل الله فيُقتل مرة ثانية لشدة ما يرى من إكرام الله تعالى للشهداء وحفاوته بهم.

وحتى يحظى الشهداء بالحفاوة من الله تعالى وبالمنزلة الكريمة مع النبيين والصديقين لا بد أن يكون هؤلاء الشهداء قد محّصوا التوحيد لله تعالى ولا ينصر الله تعالى من يقاتل حباً بالشهرة فأهل بدر وطالوت وجنده نصرهم الله تعالى لأنه علم سبحانه أنه ليس في قلوبهم شيء من حب الدنيا وعلى الناس أن ينقّوا قلوبهم من حب الدنيا. ولا ننسى ذكر الحديث أول من تسعر بهم النار يوم القيامة عالم ومنفق وشهيد كانوا يخلطون أعمالهم بحب الدنيا والشهرة ولو يخلصوا لله تعالى.

من المحتفى بهم يوم القيامة مجموعة من الناس الضامنون فمن كان في مجلس مريض مغفور له حتماً أو في مجلس جماعة أو مجلس إمام توقّره وتعزره ومن المحتفى بهم أصحاب الواحدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) المائدة) من اتقى الله فيما فرضه عليه ثم تخصص في أمر واحد بلغ به الكمال "إعرف بعض الشيء عن كل شيء واعرف كل شيء عن شيء واحد، وكل مسلم بإمكانه أن يكون من أصحاب الواحدة فيمكنه أن يكون من أهل الليل أو ذكّاراً أو باراً بالرحم أو باراً بوالديه أو صابراً أو داعية أو غيرها بهذا الذي تتخصص به تكون من المحتفى بهم يوم القيامة.

في حديث سبعة يظلهم الله في ظلّه يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم الإمام العادل وهو أول المحتفى بهم ليس له عدو ولا معارض ولم يظلم أحداً، ومن هؤلاء السبعة المتحابين في الله ليس لطمع في الدنيا وذكر تعالى في الحديث القدسي المتحابون فيّ في ظلي يوم القيامة وقوله وجبت محبتي للمتحابين فيّ، ومن السبعة أيضاً رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يساره ما أنفقت يمينه ومنهم رجل قلبه معلّق بالمساجد يصلي أوقاته كلها في السمجد وشاب نشأ في طاعة الله.

ومن المحتفى بهم أهل البلاء كالأعمى والأعرج والمطعون والذين يُمنعون من الوصول إلى المستشفى في الحروب والغرقى والهدمى والحرقى وكل من يموت بحادث إذا ثبر وقال بقلبه ولسانه إنا لله وإنا إليه راجعون. يتمنى أهل البلاء يوم القيامة لو ضاعف الله تعالى لهم البلاء في الدنيا.

الصالحون: هو ليسوا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لكن هؤلاء يتطورون ختى يصبحوا من الصالحين (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) البقرة). كل عبادة ينبغي أن يتوفر فيها ثلاثة شروط إيجابية حتى تكون صالحةفالصلاة مثلاً حتى تكون صالحة يجب أن تكون في المساجد أو تكون في غاية الخشوع وأن تكون تامة بأركانها وشروطها وكل عبادة تتميز بشروط ثلاثة تدخل صاحبها في الصالحين والله تعالى رحيم بنا فلم يطلب منا أن نكون صالحين وإنما قال (آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) العنكبوت) (وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122)) حتى الأنبياء يطلبون من الله تعالى أن يدخلهم في الصالحين (وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) الأنبياء) (وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86) الأنبياء) (وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) المائدة) (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) البقرة) (وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) النمل). والإحسان سمة الصالحين فمن العدل مثلاً أن تقتل من قتلك قصاصاً لكن الإحسان أن تعفو عنه والله تعالى يحب المحسنين

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:02 PM
منظومة حقّ

الحقّ– الصدق – العدل – القِسط – الوزن - السواء

ما من كلمات صادفت من اختلاف العلماء والمفكرين والفلاسفة كما صادفت هذه الكلمات الحقّ والقسط والعدل والصدق والوزن. واليوم نستعملها ليس فيما يتبادر الى الذهن من حيث كونها العملية العدليةفي المحاكم والقضاء وإنما من جانب كونها أساساً لهذا الوجود الكوني من خلق الله عزّ وجلّ.

الحق على اختلاف ما قيل فيه وعلى كثرة ما قيل فيه ومن يتتبع الآراء والمقولات في كلمة الحق يضيع بين ذلك الركام التاريخي التراثي الذي لا تخرج منه بصورة واضحة تغنيك او تشبعك لشدة الاختلافات لأن كل واحد أخذ معنى كلمة الحق من زاوية واحدة ذاهلاً عن بقية الزوايا ومعظم الناس ذهلوا عن القاسم المشترك الذي ينتظم جميع المفردات والجزئيات ونخرج من هذا التراكم العظيم والتراث الثريّ إلى أن كلمة الحق هي:

الحقّ باختصار وبدون تعب هو الموجود الثابت الذي يُدرك بالبصر إذا كان مادياً أو بالبصيرة إذا كان نظرية وهو لا يتغير ولا يتزعزع. فالسماء حق والأرض حق والموت حق والعدل حق والصلاة حق وقواعد النحو حق (الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب واسم كان مرفوع وغيرها..) من حيث كونها قواعد ثايتة وحقائق موجودة لا يمكن تغيرها. وكل شيء ثابت موجود مدرك بالبصر أو بالبصيرة وهو لا يتغير فهو حق وهذا الحق أعلاه هو الحق المطلق. وكل حق يخضع لنظريات الحياة من زمان ومكان وظرف وكيف وكمّ وتقدّم وتأخر إلا حق واحد وهو الله تعالى (الحق المطلق) فالله تعالى هو الحق المطلق الذي لا يخضع لزمان أو مكان أو كمّ أو كيف وهو الأول والآخر والظاهر والباطن وما عدا ذلك فهو الحق الذي يخضع لكل هذه المقاييس. حينئذ هذا الحق إذا كان نظرية فهو حق فإذا طُبّق فهو صدق.

الصدق: الحق والصدق متلازمان من حيث أن الحق نظرية فالصلاة نظرية والموت نظرية (لا بد أن نموت يوماً) والنصر والهزيمة نظريات والصحة والمرض نظريات والمساوات والأرض نظريات أي قوانين وكل هذه القوانين الثابتة التي تحرّك الموجودات قوانين تحرك الانسان والسمع والبصر والبحار والسماوات والأرض والزراعة هذه القواعد الكونية الثابتة هي حقّ وحُسن التعامل معها هو الصدق بعيداً عن مئات التعريفات للحق والصدق وكلها تأخذ جانباً معيناً. عندما نقول قواعد الاعراب (الفاعل مرفوع واسم كان مرفوع والمفعول به منصوب والمضاف مجرور وغيرها) هذا حق لأن هذه القواعد والنظريات ثابتة لا تتغير وهي تدرك بالبصر أو بالبصيرة فالقواعد حق، والصلاة حق وشروطها وأوقاتها وأركانها ومبطلاتها حق لأنها قواعد نظرية ثابتة الى يوم القيامة فكل شيء ثابت بقواعده وقوانينه يُدرك بالبصر إذا كان مادياً أو بالبصيرة إذا كان نظرية معنوية هذا حق والصدق هو في مدى حسن استعمالك وتعاملك معها هذا يعني أن الصلاة حق ولكن أن تُحسن الصلاة بكل شروطها بأركانها ونوافلها ومبطلاتها وخشوعها واطمئنانها وحفظها والمداومة عليها والمحافظة عليها كما أمرنا الله تعالى بذلك يسمى صدقاً فالصدق إذن هو حسن تطبيق النظرية. حتى الآلآت حق وحسن استعمالها يسمى صدقاً والرسول r عندما عاد من غزوة أحد أعطى سيفه لابنته وقال له : اغسليه فقد صدقني اليوم بمعنى حسن استعماله فالسيف حق من حيث كونه قانوناً للقتال وحسن استعماله ظلماً أو عدلاً أو حقاً يسمى صدقاً. والصدق كونك تتكلم ساعتين بدون أن تلحن بكلمة واحدة بحيث أنك لم ترفع منصوباً ولم تنصب مرفوعاً فأنت تتحدث بالعربية بصدق لأنك أحسنت تطبيق النظرية. وهكذا كل نظريات الكون تسمى صدقاً إذا أثمرت حقاً صحيحاً كما فعل ابراهيم u فاستعمل الكون حتى وصل إلى الحق من حيث أن الله تعالى أمرنا أن نتأمل في الليل والنهار (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) آل عمران) وأمرنا تعالى أن نُطلق المجال للعقل لأداء وظيفته حتى يصل إلى الحق لأن وظيفة العقل الأساسية هي الوصول إلى الحق (أفلا تعقلون) فعلينا أن نطلق لعقولنا الفرص الكاملة وأن لا نقيّد العقل بقيودنا النفسية والعاطفية وأن نكون تابعين له لا هو تابع لنا فمهمة العقل الرئيسية هي الوصول إلى الحق كما فعل ابراهيم u أطلق لعقله العنان حتى وصل إلى الحق (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) الأنعام) هذا الحق وهذا الصدق (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (8) الأحزاب) لأنه أحياناً نستعمل النظرية استعمالاً خاطئاً كما جاء في سورة المنافقون (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)) هؤلاء لم يكونوا صادقين النظرية ثابتة فالنبي r حق من حيث كونه مرسل من عند الله تعالى لكنهم استعملوا النظرية استعمالاً خاطئاً منافقاً. حينئذ كل نجاح مثل الطيران والغواصات والانترنت وغيرها عندما خُلقت مرّت بتجربة لبيان مدى صلاحيتها للتطبيق فإذا صلحت في النهاية للتطبيق الكامل للنظرية فهذا هو الصدق (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) البقرة). هذا هو الفرق بين الحق والصدق والصدق هو حسن التعامل مع الحق والحق هو الموجود سواء كان ديناً أو فلسفة أو قانوناً أو نظرية أو مُختَرعاً مادياً أو معنوياً كالموت والنصر فالله تعالى قال لنا كيف ننتصر ووضع شروطاً للنصر فإذا استعملنا شروط النصر فنحن من الصادقين كما فعل المسلمون في بدر صدقوا الله وطبقوا شروط النصر بالكامل فصدقهم ونصرهم (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) آل عمران) أما في اُحد فلم يكونوا صادقين من حيث أنهم أخطأوا في تطبيق النظرية (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) آل عمران) فالصدق هنا ليس الذي ضد الكذب وإنما هو بمعنى حسن التعامل أو عدم حسن التعامل أو الخطأ في التعامل مع النظرية. ولو طبّقنا الذي قلناه على كل كلمة جاءت بمعنى حق لفهمنا المعنى فالحق إذن هو الشيء الموجود الثابت والصدق حُسن استعمال النظرية (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) الزمر).

العدل: التقسيط على سواء العدل هو أنك إذا أردت أن تخلق شيئاً فلا بد أن تكون أجزاؤه مستوية بدون تفاوت ولا ينبغي أن يكون هناك تفاوت بين ركن وركن. العدل من حيث أن خَلق الله تعالى غير متفاوت (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) الملك) والمخلوقات كلها موزونة وتخضع لقوانين في غاية الدقة تتحكم في هذا الكون كقوانين الأرض والسماء والشمس والقمر وغيرها ولم تتغير ولم تتبدل. فالمخلوقات حق (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) الأنعام) وكلمات ربك هي مخلوقاته وكل مخلوقات الله تعالى خُلِقت بكلمة كن فيكون فهي كلماته. هذه الكلمات هي التي وُزنت وزناً دقيقاً فأصابها الوزن من حيث الصدق والعدل. والله تعالى خلق الفكرة والنظرية قبل أن يخلق المخلوقات فأوجد وظيفة الشمس قبل أن يخلقها ووظيفة الانسان فبل أن يخلقه فعندما خلقه كان منضبطاً انضباطاً تاماً كما أراد الله تعالى ومطبقاً تطبيقاً كاملاً للنظرية التي أوجدها الله تعالى له قبل خلقه (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)) صدقاً من حيث أن النظرية جاءت منطبقة بالتطبيق تماماً وعدلاً أي ليس فيه تفاوت (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) الانفطار) الإنسان جاء كا أراد الله تعالى وهذا صدق خلق الانسان على وفق ما أراد الله تعالى (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11) لقمان) والعدل هو عدم التفاوت من حيث خلق الله تعالى فالانسان هو انسان بكل وظائفه ليس هناك انسان يتفاوت على انسان من حيث الخلق وما يحدث من تفاوت يكون نتيجة الانسان نفسه ومن صنيعه.

الفسط والتقسيط: بعد رحلة العدل تنقلب الأشياء إلى أقساط والقسط هو النصيب. القسط هو نتيجة الحكم العادل الذي يُنتج أقساطاً فأي حاكم أو قاضي يوزع الأقساط على مستحقيها فهذا يسمى العدل عندما تصبح أقساطاً إذا استولى أحد على قسط الآخر فهو قاسط فأحياناً يكون القاضي قد وزّع الأقساط على الناس لكن أحدهم قوي والآخر ضعيف قيستولي القوي على قسط الضعيف كما يفعل المرابون والحبارون (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) الجنّ) والمقسط هو الذي يعطي صاحبه قسطه (أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) الممتحنة) (فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) الحجرات) (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) المائدة) ولو وُزّع المال توزيعاً عادلاً لما حصل تفاوت في الثروات بين البشر ولما وجدنا أناساً في منتهى الثراء وآخرون في منتهى الفقر. كل المخلوقات منضبطة في أن كلاً منها يأخذ نصيبه أو قسطه فقط ولا يستولي على أقساط الآخرين إلا الإنسان يستولي على أقساط الآخرين فيحرمهم منها. معنى هذا أن القسط هو تنفيذ الحكم حينئذ جعل الله تعالى لهذا الكون ميزاناً عظيماً بحيث يأخذ كل واحد نصيبه وقسطه بعد حكم الله تعالى به (وهو العدل سبحانه) فالشمس والأرض فالماء يأخذ نصيباً من القمر والبرودة والصيف والشتاء والمشرق والمغرب وكل المخلوقات تأخذ قسطاً محدوداً مما حكم الله تعالى له به بعدل الله تعالى ولا يستولي على أقساط الآخرين فالكون كله يمشي على هذا النسق إلا الإنسان فهو ظلوم جهول لأنه استبد به حُبّ الظلم والتكلّك والظلم من شيم النفوس (وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) الأحزاب).

قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ (النساء)) قال بالقسط ولم يقل بالعدل لأن العدل سهل فإذا حكمت المحكمة بشيء فهذا عدل أما القسط فهو صعب التنفيذ. العدل نظرية ثابتة يتفق عليها العقل البشري ولا تحتاج إلى قوة وأي حاكم أو قاضي يجلس وراء كرسيه فيقول حكمت المحكمة (العدل) لكن المشكلة في التنفيذ (القسط) هذا القسط كما قلنا موجود في الكون كله من حيث قوانينه قائم على عدل والعدل بنتج قسطاً وكل المخلوقات تعرق قسطها من الشمس والماء والهواء ما عدا الانسان يستولي على أقساط غيره. والقسطاس هو الميزان الذي يزن هذه الأقساط.

الوزن: وهو الأمر العام.

سواء: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) آل عمران) الحق أو العدل أو القسط ينبغي أن لا يكون أحد أولى به من أحد. كل شيء الناس شركاء فيه وليس النبي r أولى من غيره وليس الصالح أولى من الطالح وليس الحاكم أولى من المحكوم (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) الكلمة السواء هي شهادة أن لا إله إلا الله كل من يقولها مصدقاً بها قلبه يتساوى مع كل من يقولها غيره. فكلمة سواء تعني أن الله تعالى جعل من أنظمة هذا الكون أن الناس فيه سواء فجعلها مرادفاً للعدل والقسط والحق. والكلام في هذه الكلمة يطول والسواء يكون حتى في المكان كما جاء في قصة موسى u وفرعون (فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) طه) سوى أي مكان يكون الكل فيه متساوون فاجتمعوا يوم الزينة في ساحة العيد حيث يحتفل الكل بالعيد سواء ولا فرق بين المحتفلين بحيث لا يستبد أحد بأحد ولم يجتمعوا في قصر فرعون حتى لا يستبد فرعون ولم يجتمعوا عند قوم موسى وإنما في مكان يستوي فيه الناس. وورد في القرآن الكريم (وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) ص) (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) المائدة) وهو الطريق السريع والعام الذي يشترك فيه كل الناس وليس مخصصاً لأحد من الناس أو لطائفة أو جماعة أو مرتبة والكل يسلكه. (فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) الصافات) حيث يتواجد كل أهالي النار لا فرق بين واحد وواحد ويوجد أماكن خاصة في جهنم مثل ويل للهمزة اللمزة وثبور وجب الحزن للزناة وأماكن خاصة للظَلَمة والمشركين وغيرهم كما في الجنة أماكن خاصة والجنان متفاوتة وجهنم متفاوتة أما سواء الجحيم فهو المكان الكبير الذي فيه أهل النار يتعارفون بينهم. وكل كلمة سواء تعمي عدم التفاوت بين الناس

الحق: كل موجود حقيقة على صعيد الواقع قوانينه وأنظمته مُدركة بالبصر أو بالبصيرة لا يتغير فهو حق فإذا أحسنت استعماله فهو الصدق . جعل الله تعالى العقل موظفاً وظيفته واحدة وهي الوصول إلى الحق المطلق وهو الله تعالى وإلى الحق الآخر وهو كل الموجودات وكل ما اختُرع من قوانين على الأرض سماء وأرض وما بينهما (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) آل عمران) والباطل وهم والوهم والخرافة باطل والباطل عكس الحق (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17) الرعد) هذا الزبد يحاول كل جيل أن يفرز الحقيقة من الوهم وكل ما هو باطل فهو وهم وكل ما هو ثابت موجود مدرك بالبصر أو بالبصيرة لا يتغير فهو حقّ والقرآن الكريم شاهد على ذلك كما جاء في الآية: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) فصلت) فمهمة العقل البشري ومهمة الأنبياء والمرسلين أن يصلوا بالناس للحق بعد أن كانوا في ضلال ووهم وخرافة كما فعل ابراهيم u وكل الأنبياء.ونلاحظ ختام الآيات في القرآن الكريم فنجدها تدل على أنشطة عقلية لنصل بالعقل إلى الرُشد: أفلا تعقلون (من خلال تجميع الأشياء) أفلا تبصرون (من خلال ربط الأشياء) أفلا تتفكرون (التفكر من خلال قياس الغائب على الحاضر) . قال تعالى (وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) الأنبياء) إذا وصل العقل البشري إلى الرشد اهتدى إلى الله عز وجل وإلى أن تحب الناس ولا تحقد على بشر وتأمل خيراً في كل الناس حتى لو كان مجرماً وتؤمن بكل الرسالات وتعلم أن الطريق إلى الله تعالى يتسع للجميع (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) العنكبوت) فكل النزاعات في التاريخ بين الناس وبين المسلمين أنفسهم على كلمة أو فكرة أثبت التاريخ أنها نتيجة سخافات العقل من حيث أنه لم تتح له الفرصة الكافية للوصول إلى الحق فكل من يقول ربي الله يتسع له الطريق والله تعالى لما خلق العقل ما خلق خلقاً أكرم عليه من العقل لأنه هو الذي يوصل إلى الحق ويفهم ما جاءت به الكتب السماوية حتى يتوصل إلى الناس إلى الحق المطلق وهو الله عز وجل.

الحق المطلق: هو الله عز وجلّ والحق الأعلى هو توحيده سبحانه وتعالى وهو النظرية الكبرى في هذا الكون. (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40) النحل) فكلما قال تعالى كن فيكون يكون قد خلق حقاً آخر وهي قوانين هذا الكون. (وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) فصلت) أي قوانينها التي يكتشفها الناس جيلاً بعد جيل.

خلُصنا إلى أن الحق هو الأمر الثابت الذي لا يزول ولا يتغير ولا يتزحزح والصدق هو حسن التعامل مع الحق. نتكلم عما قاله بعض العلماء في الصدق وكل منهم عرّفه من جانب واحد :

يقول بعض الصالحين في تعريف الصدق : (الصدق هو الوفاء بالعمل) الله تعالى أعطانا شرعاً فإذا وفّيت الله تعالى بالقوانين تكون قد صدقت.

وقال آخر (الصدق هو استواء السر والعلانية) يعني أنك إذا صلّيت وسرّك ليس في الصلاة تكون قد أسأت تطبيق النظرية ولا تكون صادقاً لأنه لا بد في تطبيق النظرية من أن يكون السر والعلانية سواء.

وقال آخر (الصدق هو القول في الحق في مواطن التهلكة) هذا نظر الى الصدق من جهة واحدة وهناك مئة تعريف وكل واحد شغله أمر في زمانه ففسر الصدق بما يتناسب مع ما شغله. وفي زمن الجنيد مثلاً انتشر الكذب فقال في تعريف الصدق :أنت لا تكون صادقاً إلا إذا كنت في مكان لا يُنجيك إلا الكذب أي أن تقول الحق في مكان لا ينجيك ألا الكذب. والصدق بشكل عام هو حسن استعمال النظرية والحق هو انطباق الواقع مع النظرية والصدق هو انطباق النظرية مع الحق وعليك أن تطبق النظرية بحذافيرها ونسبة صدقك تتناسب مع زيادة أو نقص ودقة وعدم دقة مدى تطبيقك للنظرية. في القرآن الكريم كلام عن الحق عجيب منه قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) آل عمران) فالتقوى حق والايمان حق (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) الأنفال) كلمة حق تعطي كلاماً يدل على أن هذه النظرية فيها تطبيق عام متساهل وفيها الحق الكامل الذي يكون التطبيق فيه هو الصدق بعينه وهذا ما يتفاوت فيه الناس يوم القيامة (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) الأنعام) طبقة كاملة تؤدي الحق وطبقة تؤدي بصدق متناهي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) التوبة) ليس كل الناس صادقين في تطبيق النظرية كما جاء في الحديث القدسي "لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم" كلما حسُن الانتاج دلّ ذلك على أنك تطبق نظرية الانتاج بشكل أفضل.

الايمان العام هو الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء والقدر خيره وشره أما الإيمان الخاص فلا تجده عند كل الناس وإنما عند بعضهم الذين سهروا على الايمان حتى وصلوا به إلى الايمان الحقّ فصار إيماناً ثابتاً لا يتغير ولا يتبدل ولا يضعف ولا ينقص فذلك هو الايمان الحق (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الأنفال) فكم واحد فينا وصل إل هذا الحد؟ وكم واحد فينا يتوكل على الله تعالى حق التوكل؟ نحن إيماننا إيمان عام وبعض الناس هم أهل الإيمان الخاص. ثم قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) آل عمران) التقوى العامة هي المطلوب العام كما جاء في أوائل سورة البقرة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة والذين يؤمنون بالقرآن وبما أُنزل من قبل محمد r ويؤمنون بالآخرة هؤلاء هم متقون عامون أما المتقي الحق فهو أن تصل إلى مرحلة ثابتة لا تتغير مرحلة الثبات فلا تتذبذب والطاعة فلا تعصي والاستقامة فلا تنحرف والمداومة على العمل كما قال r:" أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ" حينئذ وبهذا يصبح الرجل صادقاً بالتطبيق بهذا الحد الأدنى لحق التقوى.

جاء في القرآن الكريم لسان صدق وقدم صدق ومقعد صدق ومدخل صدق ومخرج صدق ومبوأ صدق:

لسان صدق: الصدق في الأقوال فهو لا يكذب أبداً يقول الحق ولا يخشى في الحق لومة لائم ولم يحدث مرة أنه قال غير الحق (وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) مريم) (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84) الشعراء).

قدم صدق: الصدق في الأعمال وقدم الصدق هو النبي r يوم القيامة من حيث أن الله تعالى أعطاه الشفاعة وهي ثابتة فيستعملها r أعظم استعمال حتى يُنقذ آخر رجل من أمته من النار "شفاعتي حق لأهل الكبائر من أمتي" وما من أحد يوم القيامة سيستعمل نظرية الشفاعة استعمالاً كاملاً بالجودة التي سيتسعملها الرسول r يوم القيامة والأدلة في الكتاب والسُنّة تدل على أنه r سيستعملها استعمالاً كاملاً ويقول r : لن أرضى وواحد من أمتي في النار" ويقول له مالك خازن النار : "يا محمد ما أبقيت لغضب ربك من أمتك أحد" (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (2) يونس). فقدم الصدق هي شفاعة الرسول r وهي مصداقاً لقوله تعالى (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5))

مقعد صدق: الصدق في الأحوال (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55) القمر)

مخرج صدق ومدخل صدق: لما هاجر الرسول r بأمر من الله تعالى قال (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80) الاسراء) وكان المفروض أن يقول أخرجني مخرج صدق أولاً لكن الرسول r عندما خرج من مكة كان هدفه هو الدخول إلى المدينة وليس الخروج من مكة .معنى مخرج الصدق هو عندما يكون خروجك من بيتك أو عملك لوجه الله تعالى لهدف أسمى من بقائك فيه، من هنا فأن يستقيل حاكم مثلاً لمعرفته أنه صار عاجزاً عن خدمة هذا المنصب هو من أعظم العبادات وجاء في الحديث الشريف عنه r :" ما آمن بي من وُلّيَ من أمر المسلمين شيئاً وهو يعلم أن غيره أفضل منه" هذا هو مخرج الصدق أن يتبرع رجل أن يترك المهمة أو المنصب الذي هو فيه لأنه عاجز عن خدمته هو في غاية الروعة يوم القيامة.

أما مدخل الصدق فهو أن تدخل إلى وظيفة وأنت متأكد من صلاحيتك لها ومن أهدافها النبيلة وهكذا فإن الرسول r كان يعلم أنه سيكون في المدينة وعلم أنه مهمته على خير وجه وسيحقق هدفه النبيل فأخرجه الله تعالى من مكة من بين أعدائه فلم يروه وهيأ له الغار والعنكبوت إلى أن وصل إلى المدينة سالماً غانماً لذلك الهدف النبيل ثم دخل المدينة فاستقبله أهله بالدفوف ورأى المدينة وقد أصبحت مجتمعاً اسلامياً ثم في المدينة عمّ نوره r على الأرض وأشاع التوحيد فما من خروج كان صدقاً وما من دخول كان صدقاً كما حصل مع الرسول r والذي أعطاه إياه الله تعالى وهو خارج من مكة إلى المدينة.

مبوأ صدق: قال تعالى (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) يونس) لما امتحن الله تعالى موسى وهارون وأنجاهم وأتباعهم وجمّد الماء لبني اسرائيل فهذا مبوأ عظيم وإكرام هائل ثم عبر بنو اسرائيل البحر وأغرق الله تعالى عدوهم ثم عاد بنو اسرائيل إلى مصر واستولوا على الحكم فيها بعد أن أصبح فيها فراغاً دستورياً ثم كانوا في التيه أربعين عاماً ينزل الله تعالى عليهم المنّ والسلوى ولم يروا فيها عدواً ولا هلاكاً يأتيهم الماء الزلال من العيون ثم مات الجيل الجبان الذي كان يخاف من فرعون ونشأ جيل آخر قوي شجاع فذهبوا وفتحوا الدنيا فهيأ الله تعالى لهم بيئة عظيمة.

وكل ما يجري الآن في العالم من استيلاء على حقوق الغير والاستحواذ على أقساط الناس والأمم والشعوب مع أن هذا الكون مليء بالاقساط وقد جعل الله تعالى لكل أمة قسطها ورزقها من النعيم والمياه والزراعة من عطاء الربوبية وعطاء ربوبية لا يفرق بين مؤمن وكافر لكن العقل البشري ما زال عاجزاً عن الوصول لنظرية الحق من حيث أن هذا الحق لا بد له من العدل والمقسطين الذين يوفرون لكل امرئ ولكل أمة وشعب وفرد قسطه الذي وهبه الله تعالى له.

وما من نظرية على وجه الأرض يمكن أن تنفع في هذه الباب إلا الاسلام ولهذا المسلمون هو وحدهم الموحدون ولأن المسلمين لا يعتدون على أقساط غيرهم ولم يستعمروا أمة أو شعباً لم يحتلوا شعباً أو أمة وكان المسلمون هم الأمة الوحيدة من بين الفرس والروم والشرق والغرب التي لم تستعمر ولم تستولي على أقساط غيرها من الأمم من حيث أنها أمة تعرف العدل والقسط. ولذلك فإن الكتاب العظيم (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) يوضح ذلك أما الآن عندما انحطّ المسلمون شاع الظلم بين الأمم واحتل الناس بعضهم بعضاً واستعمر الناس بعضهم بعضاً نهباً لثرواتهم ومصائرهم لأمنهم ولا يعود الناس لأمنهم إلا أن يسود الحق ولن يسود الحق إلا إذا حُكّم العقل.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:03 PM
منظومة الزمن (كلمة حقبة وأخواتها)

الحقبة– الأبد –الأمد – السرمد – الدهر – الزمن – الوقت- القرن- الأمّة- العمر- الحين

منظومة الزمن هى منظومة مكونة من أحد عشر كلمة فى كتاب الله عز وجل وهى : الأبد والأمد والسرمد والدهر والزمن والوقت والحقبة والقرن والأمّة والعمر والحين.

الزمن هو أعظم واكرم واشرف ما يملكه الانسان على هذه الأرض ولذلك فان نصف ساعة قد تساوى عمر الكرة الأرضية كلها،تأمل لو ان رجلا كان مشركا أوعصى الله مائة عام ثم تاب الى الله تعالى نصف يوم أو نصف ساعة ثم مات بعد ذلك فان هذه النصف ساعة ستسبب له الخلود فى الجنة ذلك الخلود اللانهائى وحينئذ ما هى قيمة تلك الساعة، كذلك لو كان هناك رجلٌ من الناس يملك الكرة الأرضية كلها ومن الملوك من حكم الكرة الأرضية كلها ثم احتُضر قبل الموت ونحن نعلم ان الأحتضار عالم آخر تلك الدقائق التىيُنتزع فيها الغطاء عن الانسان فيرى كل شئ فى تلك الدقائق (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ {99} لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ {100} المؤمنون) ، حينئذ يتذكر هذا المحتضرأن دقيقة من عمره تساوى كل ما كان يملكه من الدهر حتى لو ملك الأرض كلها ألف عام هكذا هو الزمن ولذلك فان أعظم ما فى هذا الانسان عندما استخلفه الله لعمارة هذه الأرض (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) هى العقل والزمن والهدف ، هذا الزمن ما نتحدث عنه الآن من حيث كلمة أحقاب فنحن لا نزال فى حرف الحاء والقاف والباء وكلمة أحقاب (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً {23} النبأ) والحُقبة والحِقبة جزء من أجزاء أو نوع من أنواع هذا الزمن العظيم الذى سينقسم فى الحلقات القادمة الى أوقات الى الضحى والليل والفجر وهكذا الساعة والدقيقة والعشاء والعتمة والمغرب والصباح والمساء فالآن سوف نتحدث عن الزمن حيث نتحدث فى حلقة قادمة فى وقتها عن الوقت.

نبدأ الآن بالمنظومة وكل كلمة من هذه الكلمات تبين جزءا معينا محدودا من هذا الزمن العظيم.

الأبد: (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) زمن ممتد بدون فترة استراحة ، قد يحكم على الانسان بخمسين عام او عشرين عام سجن ولكن هناك نظام اسمه الافراج الشرطى يعنى كل عشر سنوات يفرج عنه سنة ثم يعيدوه هذا ما يسمى مؤبد أما اذا كان متواصل بدون انقطاع فيقال حكم مؤبد فالمحكوم عليه خمسة وعشرين سنة مؤبد لا يخرج ولا يوم واحد من السجن ، هذا هو الفرق بين خالدين فيها وخالدين فيها أبدا فلابد اذن من زمن ممتد طويل هذا الذى ليس فيه أى فرجة أو فرصة لاستراحة أو فترة هذا الأبد

الأمد: هناك فرق بين الأبد والأمد ونحن نعلم ان اللغة العربية أسر أسر وعوائل عوائل اذا اختلفت فى حرف أو حرفين يكون المعنى متقارب فاذا كان الأبد الممتد الطويل فان الأمد بداية النهاية فاذا وصلنا الى قرب نهايته يسمى أمد (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ {30} آل عمران) فالأمد اذن بداية النهاية ونضرب مثلا لذلك طالب فى كلية ولتكن الطب مثلا زمنها ستة سنوات السنة السادسة تسمى الأمد يعنى بداية السنة انت الآن فى مرحلة الأمد من زمن الكلية لأنها بداية النهاية ونهايتها آخر شهر فى السنة السادسة تسمى المدى وان كانت المدى لم تأتى فى القرآن فالفرق بين الأمد والمدى أن الأمد بداية النهاية والمدى آخر المطاف.

وكذلك لو دخل واحد سباق ألف متر عندما يصل قبل مترين أو ثلاثة من هذا الشوط يقال بلغ الأمد وعندما يصل لآخر نقطة نقول بلغ المدى .

السرمد :الزمن الذى يختص بنوع واحد يعنى لو عشت ألف سنة ملك أوألف سنة سجين أو ألف سنة فى ليل دائم (قلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ {71}القصص)

واحد مثلا مسجون خمسة وعشرون سنة يعنى لاتعين مدير ولا حدث له شئ باقى فى السجن لا يتغير عندما يصبح الزمن موحدا على نسق واحد يسمى هذا السرمد الذى لا نهاية له وعكسه الأزل فالسرمد هو المستقبل المطلق والأزل هو الماضى المطلق الذى لا بداية له فالله سرمدى أزلى ، أزلى فى الماضى وسرمدى فى المستقبل.

الدهر: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ {24} الجاثية)

الدهر هوزمن الدنيا منذ أن خلقها الله عز وجل الى أن تقوم الساعة من حيث أن الآخرة ليس فيها زمن مطلقا وانما الزمن من قوانين هذه الدنيا حتى البرزخ ليس فيه زمن ولذلك الذى مات قبل مليون سنة والذى سيموت قبل القيامة بدقيقتين شعور واحد (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ {112} قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ {113}المؤمنون)

فالدهر اذن زمن الدنيا وفى بعض استعمالات اللغة يقال أن كل انسان له دهره وأنت لك عمرك ودهرك وكان من العرب من يقول أنا الدهر(هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً {1}الانسان)

نحن قلنا: الأبد الأستمرار المتصل والأمد بداية النهاية والمدى نهاية النهاية

الزمن: كلمة الزمن تعنى البداية والنهاية وكل الوقت الذى يمر عليك من بدايته الى نهايته فهو زمن.

الوقت: (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ {37} إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ {38} الحجر) ، (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً {103} النساء)

فالوقت هو الزمن المخصص لفعل معين مثلا وقت الأكل وقت الصلاة وقت الاذان وقت الدرس كل عمل أو حدث يخصص له زمن محدد يسمى ذلك الزمن وقتا.

الحقبة: (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً {23} النبأ)

وسواء كانت حٌقبة أو حِقبة كلاهما تجمع على أحقاب عند بعض الروايات وفى بعضها اذا كانت حٌقبة تجمع أحقاب وحِقبة تجمع أحقب لكن الصحيح أنها فى الحالتين سواء، الحقبة بالكسر سنة واحدة يقول عشت حِقبة يعنى سنة واحدة أما الحٌقبة فهى ثمانون سنة فهى عمر متكامل لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً والمفسرون كما قال الرازى وغيره يقول ثمانون سنة كل سنة 365 يوم وكل شهر 30يوم وكل جمعة 7 ايام وكل يوم 24ساعة وكل ساعة 60دقيقة (وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ {47} الحج .)

القرن: كما نعلم فان القرن مائة عام وفى اللغة العربية تطلق القرون على الجيل يعنى الجيل ينتهى تماما بالقرن وقد يعيش واحد ثمانين أو ستين سنة لكن لما يمر القرن كامل مائة سنة نادر يبقى واحد او اثنان يعيش بعد المائة فالقرن والقرون الأولى يعنى الأجيال الكاملة ، ونحن نقول السنة اثنا عشر شهرا والعقد عشر سنوات فكل عشرعقود تصير قرنا وكل عشر قرون تصير دهرا وهذا أحد التفاسير كما رواها صاحب كتاب تاج العروس يقول أن العرب يسمون الدهر يعنى ألف سنة ولكن فى الحقيقة أن الرأى الأصح من هذا عند بقية اللغويين أن الدهر هو الدهر الكامل الذى يبدأ ببداية هذا الكون.

الأّمة: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ {8} هود) فالأمة هى مجموعة السنين التى يكون فيها حدث معين يدل عليها كعام الفيل وعام الرمادة وسنة الحرب العالمية وسنة القحط الفلانى .

العمر: (قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ {16}يونس ، وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ {45}القصص.)

العمر يطلق على مرحلة الشباب فالأربعين شباب ومن بلغ الأربعين ولم يغلب خيره على شره فليتجهز الى النار من حيث انه بداية النصف الثانى من العمرومن الشيخوخة وان الشباب هو الذى من خمسة عشر حتى الأربعين فالعمر اذا ذكرأو أطلقت مرحلة الشباب من جيث ان الله عز وجل والناس والتاريخ والواقع يسندون الى الشباب من الفضل والانتاج ما لا يسندونه الى غيرهم كقول النبى صلى الله عليه وسلم الخير كله فى الشباب وكما فى القرآن الكريم (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً {12}مريم)

وكثير من التاريخ الذى قام به شباب عظام الذى فتح الهند والصين محمد بن القاسم كان عمره ثمانية عشر سنة،أسامة بن زيد قاد الجيوش وذهب الى مقارعة هرقل وعمره واحد وعشرون عاما وهكذا معظم الصحابة ولهذا جاء فى الحديث لا تزول قدم عبد حتى يسأل عن شبابه ماذا عمل به أو شبابه فيما أفناه وعن علمه ماذا فعل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وهكذا فالعمر اذا اطلق (لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً) يعن أيام شبابى وفعلا الأنبياء ينبئون بالأربعين اذا ما عاشوا شبابهم بين قومهم (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ) فكيف تعرفون بأنى لا أكذب.

الحين: هو وقت حصول الشئ فحين وحدها لامعنى لها الا أن تضاف الى دقة الفعل الذى تجرى فيه ، أقول حين أضع قلمى،حين أصوم،حين آكل،حين تمسون وحين تصبحون واذا اطلقت كلمة الحين فهو مطلق (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ {88}‏ ص) أى لابد أن يحدث حدث عظيم حيث يضاف ذلك الحين اليه،كلما اطلقت كلمة الحين فى القرآن يعنى معرفتكم بهذا الشئ الذى تريدون معرفته سوف يتم عندما يحدث حدث عظيم يقال حين حدث كذا وهكذا.

الزمن مخلوق والأصل فى الكون عدم الزمن وهو الأزل ورب العالمين هو الوجود المطلق لا يمر عليه الزمن ، من أجل هذا لا يمكن للعقل البشرى ان يدركه لأن العقل البشرى خٌلق على هذه الأرض واستخلفه الله عز وجل من حيث قال (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا{61}هود) هذا هو الهدف والكون لكى يعمريجب ان يكون فيه عقل وفيه علم وفيه هدف العقل عقل آدم (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {31} قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ {32} قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ {33} البقرة) فالله خلق للانسان عقلا استنباطيا وهذا عقل لا يملكه الا الانسان ولهذا الانسان بهذا العقل استحق خلافة الأرض والهدف قال وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فعلينا أن نعمرها اعمار هذه الأرض حضارة ومدنية هو الهدف من خلق هذا الانسان وهذا لا يكون الا بالزمن (لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ{5}يونس) وكلنا نعرف اليوم ان السنين والحساب وهى علم الرياضيات هو أساس كل هذه الحضارة والمدنية التى وجدت وسوف توجد أكثر على وجه الأرض ،كل ما فى الكون الان من هذا الابداع وهذه الاختراعات التى تمرعلى مدار الساعة أساسها الرياضيات .

نأتى للفرق فى استعمال القرآن لهذه الكلمات بهذه الدقة المعجزة وما استعمل الكلمة الا بشكل لا تغنى عنه الكلمة الأخرى فلا تغنى كلمة الدهر عن الأبد أو الوقت أوما شاكل ذلك وأن كل كلمة فى مكانها ترسم زاوية فى الصورة لا ترسمها أى كلمة أخرى غيرها اذن هذا هو الزمن وهذه هى قيمة أن دقيقة واحدة فى آخر أيامك تساوى ألف عام بل ملايين الأعوام لأن عليها يتوقف (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ {10} وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ {11}‏ المنافقون) وهكذا اذن دقائق تساوىكل ما فى الأرض من ملك وثروة وكل شئ هذا هو الزمن،اذن رب العالمين جعل لكل جزء من هذا الزمن وظيفة معينة كما فى (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {1} وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى {2} وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى {3} إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى {4}الليل) كما أن للذكورة وظيفة وللانوثة وظيفة فان للنهار حركة ووظيفة ولليل سكون ووظيفة وأن الله تعالى أطلق فى القرآن على كل جزء من هذا الزمن صباح مساء ضحى عشية عتمة فجر سحر غسق اذن كل ذلك يدل على أن هذا الزمن تبذيره أشد حرمة من تبذير المال ففى الحديث من تساوى يوماه فهو مغبون وحديث آخرنعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ والكلام فى شرف الوقت عظيم كما فى الحديث الليل والنهار مطيتان فأحسنوا السير عليهما الى الآخرة ولا يغترن أحد بحلم الله فان الموت يأتى بغتة واياكم والتسويف فالتسويف سوف أفعل و سوف أفعل وكلنا للأسف الشديد مبتلون بهذا التسويف من حيث أننا بطيئون التصور والانتظار فى الغفلة (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ {1}الأنبياء) والغفلة هى الوعاء الذى يبذر فيه الزمن كما تبذر الأموال على مائدة القمار فموائد القمار هى الظرف أو المكان الذى تبذر فيه أعظم نعمة وأعظم كنز وهو الزمن وكذلك فان سرقة أزمنة الناس من أعظم الجرائم يوم القيامة ، تصور أن تحكم على عبد بالسجن عشرين عاما ظلما فى السجن فأنت سرقت من عمره ومن زمانه ومن أزمنته عشرين عاما أو عشرة أو عام أو أسبوع أو ساعة بدون حق.

واذا عرفت أن امرأة صالحة تقية دخلت النار فى هرة حبستها فى بيتها فما تقول فى انسان يحبس انسانا له أهدافه وغاياته ووظائفه ومن حيث أن الله جعل له هدفا (لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) فأنت حينئذ عطلت هذا الجهد الذى خلقه الله وذلك من أعظم الجرائم يوم القيامة فما بالك بمن يسرق أزمنة أمة،ان عملية الاستيلاء والاستحواذ والاستعمار والاحتلال لأمم العالم وشعوبهم وثرواتهم وأزمنتهم وتعويقهم عن الحضارة واشغالهم بالفتن والقتال والانقسامات وتضييع الفرص على أزمنتهم للتقدم هذا هو الجرم الذىيعرف الناس السارقون أجره وجزاؤه البشع فى الدنيا قبل الآخرة ن وما من أمة أضاعت على أمة أخرى أزمنتها الا انمحقت هذه الأمة السارقة واقرأ التاريخ كله ولكن لو حدث أن بعض الأمم استولت على أزمنة الآخرين ولكنها ملأت هذه الأزمنة المستولى عليها حضارة وعدلا حتى قدمتها تقدما عظيما حينئذ هذا شئ آخر (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ {117}‏هود) لقد أصلحوا فعلا حتى قدمواالأمة التى استصلحوها كما يستولى الناس على الأرض البور السبخة الموات لاصلاحها هذا ليس سرقة فى الاسلام فكل من استولى على أرض فأصلحها فهى له وهكذا لو استولى على أمة فأصلحها علما وحضارة واعتقادا وما الى ذلك فهى له اذن الكلام عن الأمم التى استولت على أمم أخرى فسرقت أموالها وثرواتها وأزمنتها وأخرتها وقتلت شعبها وفتنتها وهكذا هذه الأمة لابد أن تهلك وأن تعانى وأن تشرب من نفس الكأس يوما والتاريخ على ذلك شاهد والحسن البصرى يقول يابن آدم انما أنت أيام كلما ذهب يوم ذهب بعضك، فاذا كان مجموعك خمسة آلاف يوم كلما ذهب يوم ذهب بعضك.

وان رجلا ليس بينه وبين آدم رجل حى لمعرق فى الموت اذن الأيام تمر مر السحاب وكل من بلغ السبعين من أمثالى يظنها سبعون يوما وأنا والله لا أدرى كيف ذهبت ولا أصدق أنها سبعون عاما قل سبعون شهرا قل يوما أوبعض يوم وقيل لنوح أطول الأنبياء عمرا يا نوح كيف رأيت الدنيا قال بيت له بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر ونوح فى غاية الصدق فى هذا وهذا هو الواقع ولذلك العمر الافتراضى ستون عاما وفى الحديث من بلّغه الله الستين فقد أعذر اليه ،.ويكون الموت حينها أقرب اليه من شراك نعله.

اذن كيف نستطيع أن نطمأن الى أننا استعملنا هذا الزمن الذى هو دهرنا ودهرنا هو عمرى أنا وعمرك أنت استعمالا ترضى عنه ويرضى عنه الله ورسوله وحينئذ أنت مع الذين أمضوا أزمنتهم كما أراد الله لهم فأنت اذن ذو قيمة وذو بناء وان تركت أثر تركت خيرا وان ممايلحق العبد بعد موته علما ورثه ونشره وخيرا فعله وما دمت توحد الله فهو محسوب لك ويحسب لك الى يوم القيامة (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ آل عمران7)

وكذلك الاختراعات وهذا الكون العامر وكل من ساهم فيه بهذا الجمال اذا كان يوحد الله فان عمله هذا ينفعه الى يوم القيامة.

ولوأجرينا مسحا لرأينا أن عدد الغافلين لا حصر له فالأوقات تبذر والزمن يبذر بكثرة فالسنين تضيع وساعات اليوم والليل فى مشاهدة الأشياء الغير نافعة فى التلفازكمشاهدة المسلسلات والمسرحيات الهابطة مثلا ولا استفادة أما بيت واحد من الشعرتخرج منه بنتيجة وذوق وثقافة وبلاغة يساوى ألف مسلسل عربى، وكذلك الانترنت كما يقال فيه خير كثير وشر كثير فعلينا ان نأخذ الخير ونترك الشر.

اذن احسم واحزم أمركمن الآن لأن الموت يأتى بغتة واياك والتسويف ولا يغترن احدكم بحلم الله.

وعلينا الآن أن نرسم منهج بسيط معقول لنعرف على الأقل الحد الأدنى الذى نكون فيه فى الموقع الممتازيوم القيامة ونبعث مع الذين استثمروا أوقاتهم استثمارا جيدا وبذلك نكون مع عباد الله الصالحين لأننا لن نكون معهم الا اذا طبقنا منهج لا يضيع ولا يبذر شيئا من زمننا (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ {9} العنكبوت) ولهذا المنهج نحتاج الى جهد وحزم ويقظة فاذا اتّبع سبعون بالمائة من الناس من أمة واحدة هذا المنهج سوف تصبح أمتنا هى الأمة الفاضلة كما هو شأنها دائما مهما قيل عنها ويكون المنهج هكذا:

أولا :التوحيد فعليك أن تمحص انك تعبد الله وحده واياك ان تكون قريبا من الشرك بأى شكل ولم يكن فيه شرك فالورع ترك ما لا ذنب فيه مخافة ان يكون فيه ذنب فلا اتضرع الى أولياء فانه ليس بينك وبين الله حجاب ولا واسطة فاياك ان تفعل هذا مهما تواجدت لديك عاطفة نحو احدهم وكم قال رب العالمين (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ {60}غافر) ،(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ {186}البقرة) فلا قيمة لشئ بدون توحيد.

ثانيا:القرآن فعليك أن تتعامل معه بشكل يومى وأن تستظهر على الأقل البقرة وآل عمران لأنهما الزهراوان فالعامل الذى لا يبذر زمنه لا يجب ان يقل عن الزهراويين وعليك ان تكون متوضئا وطاهرا من الصبح حتى النوم لأن الوضوء يقى الغفلة وبدوام الوضوء ستكون لك نفسية رائقة ورائعة وكونك طاهرا دائما فان الله يحبك (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ {222}البقرة) فلو جربت ذلك أربعين يوما لأدركت أيما لذة فى الطهر.

ثالثا: الصلاة فى أول وقتها فى مكانها ودوامها وهو المسجد للرجال فالمساجد هى محل الدوام الرسمى (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ {34}المعارج) ويجب عليك أن تعرفأن هناك أزمنة شريفة ومنها الصلوات الخمس والصلاة فى الثلث الأخير من الليل ويوم عرفة وليلة القدر والأيام البيض ومابين المغرب والعشاء فى المسجد أيضا زمان شريف من أزمنة حضور الملك فأنت تعمل فى الدائرة الخاصة للملك فما أشرف من ذلك وأزمنة العمل مع الله لابد لها من الدوام فأنت مع الله مباشرة (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ{5}‏ابراهيم) وحينئذ لن تحسب من المبذرين مطلقا.

ومن ضمن أعمال الصالحين مثلا الصدقة فاياك أن تهمل الصدقة فالصدقة عبادة جليلة وكل امرئ فى ظل صدقته يوم القيامة والقرآن كلما تحدث عن الصالحين قال: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ {24} لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ {25} المعارج ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {3} الأنفال) ، (َتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ {16} السجدة) وما من مجموعة ثلاثية ولا خماسية ولا سداسية من الصالحين الا وذكر فيهم صفة الانفاق ، ولكى يسهل عليك الأمر عليك ولو بشق تمرة (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ {79} التوبة) قال يكفيهم تمرة ، وكذلك صلاة الليل ولو ركعة ولو فوق ناقة المهم أن تكون حاضرا اذا ما كنت فى دائرة الملك ، مثال آخر مجرد حضورك المسجد وبه طلاب علم أو ناس يذكرون الله عز وجل وأنت بدون عمل وبدون عمل أنت تحسب فيهم كما جاء فى الحديث ان لله مَلَكَا سياحين يتِّبعون مجالس الذكر قال ان فيهم فلان خطََّاء قال انهم القوم لا يشقى جليسهم .وكذلك من الأعمال التى تلغى كونك بطّال عطّال مبذر لوقتك الاستغفار فالاستغفار يسبب لك حصانة عند الله عز وجل كما فى واقع الحال أن بعض الناس أصحاب حصانة كالملك والوزير وما الى ذلك فأنت اذا أدمنت الاستغفار وداومت عليه أصابك خير هائل من تفريج كرب ورزق ولا يبقى عليك ذنب يوم القيامة ، وكذلك هناك مطفئات الذنوب سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم مائة مرة وعندنا أيضا الأدعية المأثورات فحياتنا كلها تقريبا ما فيها شئ الا وله دعاء مأثور كدخول المنزل أو الخروج منه والمسجد والخلاء كل حركة دعاء فيجب المداومة على ذلك.

والأهم من هذا كله أن تكون عبادتنا قليلة ونداوم عليها فاحب العمل الى الله أدومه وان قل ولا تمل فان الله لا يمل حتى تملوا فاجعل أعمالك قليلة ومتقنة وداوم عليها الى أن تموت وهذا الذى يجعلك فعالا يوم القيامة ، ايضا من أهم الأشياء فى هذا المنهج اجتناب المحبطات فلو كنت تصوم وتصلى وتحج وتفعل الخير الكثير فلا تفعل شيئا يحبط عملك فاياك والكبائر والمقحمات فالنبى صلى الله عليه وسلم قال ما اجتنبت المقحمات أى التى تقحم صاحبها النار بقوة وأهمها البغضاء فكما قيل دب داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء والبغضاء هى الحالقة لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين وكحديث النبى صلى الله عليه وسلم والذى نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، فلا يأمل أحدكم أن يدخل الجنة وفى قلبه حقد او بغضاء على مسلم يوحد الله فلا تحبطوا أعمالكم .

وكذلك اياكم وعقوق الوالدين اياكم والفرار من الزحف واياكم والغيبة واياكم والربا ، ولا تنسوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

وفى سؤال لأحد المشاهدين : من كلمات المنظومة الدهر وفى الحديث لا تسبوا الدهر فان الله هو الدهر فكيف يكون الدهر هو الله ؟

كان العرب الجاهليون اذا أصابتهم مصيبة قالوا لعن الله الدهر هو الذى فعل فينا كذا وكذا والآن من الناس من يقول الزمان الفاسد الزمان السئ وفى حديث آخر والحديثان متفق عليهما لاتسبوا الدهر فأنا الدهر ، فكل شئ من فعل الله عز وجل والزمن وعاء لا يقدم ولا يؤخر والحديث لغوى نزل على العرب بلسان عربى مبين ويعنى أن الله يقول هذا الذى تسندونه الى الدهر أنا الذى فعلته .

وفى سؤال آخر عن كلمة خالدين فيها ابدا عن الخلود فى النار أجاب الشيخ : الأبد ليس سرمديا الأبد مدة طويلة طويلة آلاف السنين ومستمرة بلا انقطاع ولكن قد تنتهى ، قد تكون مؤقتة وليست سرمدية كالذى عليه حكم مؤبد خمسة وعشرون عاما ولكنه يخرج بعدها وبالنسبة للنار قد يخلد انسان فى النار ولكنه لا يكون خلودا سرمديا وكما فى حديث البخارى أن الله يضع قدمه فى النار فيطفئها فهذا من كرم الله ان فى النهاية بعد آلاف السنين من العذاب يضع الله قدمه فى النار فيطفئها ولا يليق بكرم الله الا هذا (مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ {147}النساء)‏ اذن فالخلود أبدي وليس سرمدي .

أسئلة أخرى:

سائلة تسأل عن أفضل دعاء للشعور بالظلم فأجاب الدكتور الكبيسي قولي: وعنت الوجوه للحى القيوم وقد خاب من حمل ظلما ،وأخرى سألت عن أفضل دعاء مقرب لله ليرزقها الله الذرية فأجاب قولي: رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين .

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:04 PM
ويستكمل الدكتور أحمد الكبيسي منظومة الزمن في حلقة هذا الأسبوع ويستعرض منظومة الوقت وأقسامه.

أقسام الوقت: الزمن من حيث كونه ركناً من الأركان الثلاثة لعمارة الكون وهي الزمن والهدف والعمل وهذه ثلاثية جاءت في القرآن الكريم : عقل آدم واستنباطه والهدف هو عمارة الأرض والاستخلاف فيها والزمن (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) الاسراء).

الزمن مخلوق مع المادة عندما خلق الله تعالى الكون المادي والزمن مرتبط بالحركة الذانية وقو نتاج الحركة الذاتية للمخلوقات. ولكي تعمر الكون مدنية وحضارة نحتاج للعمل والمال والوقت. والزمن ركن من أركان حضارة الكون والوقت أداة الزمن في تنفيذ تلك الحضارة فالوقت إذن هو الجزء المخصص لعمل ما. نقول وقت دوام العمل ووقت الصلاة (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) النساء) وقت القتال ووقت الزراعة. كل عمل له زمن مخصص يسمى وقتاً.

الوقت: كل زمن يخصص فيه جزء محدد بالضبط لعمل ما.

وكما قلنا أن الزمن مخلوق بخلق المادة. والمادة وزمنها هذه جزئية من عالم ليس مخلوقاً (هو ما يُعرف بعالم الأمر) والأمر هو خارج الزمن وله قوانينه وزمنه سرمدي في مستقبله أزلي في ماضيه وتجري فيه كل الرسالات والمعجزات مثل حادثة الاسراء والمعراج حيث دخل r في عمق الزمن وإن لكل شيء عمقاً والعمق هو الأساس لا يصل إليه إلا قِلّة من الناس. مثلاً الغوص في أعماق الأرض ليس لكل الناس بينما الجمع يسيرون على سطح الأرض والبحر سطحه متاح لكل الناس أما عمقه بكل ما فيه غير متاح إلا لقلة من الناس المتخصصون يغوصون في أعماقه بقدرة عظيمة وتدريب عالي متميز وكذلك الفضاء له سطح متاح لكن كم من الناس يذهب إلى أعماق الفضاء ليكتشف ما وراء هذا الفضاء من عالم لا متناهي وما فيه من مجرّات متعددة؟ والعالَم المتصوّر لا يشكل إلا نسبة 2% من الفضاء المرئي.

والعمق مليء بالأعاجيب والأشياء الثمينة التي تحتاج لقرون وأجيال للوصل اليها (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) الرحمن)

وعمق الزمن على هذا الحال عندما تصل إلى نهاية العمق تخرج الى عالم ليس فيه زمن وهو عالم الأمر الذي له قوانينه وحدوده وعلينا أن نفهم القرآن فهماً يتناسب مع العصر. معظم الناس يؤمن بأن الخِضر ما زال موجوداً ولا يمكن أن يكون موجوداً بجسده الطيني وإنما بالجسم الأثيري الذي لا يخضع لقوانين هذه الدنيا. وعيسى u لم يُصلب وإنما رفعه الله تعالى إليه وما زال حياً فأين ذهب؟ هكذا نفهم عالم الأمر على هذا الأساس وفيه من العجائب الكثير. قصة العُزير وكيف أنه مات مئة سنة ولم يتسنّ طعامه وإنما حماره تحلل فالمئة عام في عالم الأمر لا تساوي ثواني. وكيف نفسر أن الرسول r خرج من بين سبعين رجلاً كانوا يتربصون به ليلة هاجر إلى المدينة دون أن يروه؟ وكيف نفسر ما فعله أبو بكر الصديق في سنتين من خلافته وما فعله عمر بن الخطاب في ست سنوات ما لم تفعله الأمبرطورية الرومانية في ألف عام حيث اتسعت مساحة الامبرطورية الاسلامية وهزمت امبرطوريتي فارس والروم، وكيف نفسر ما فعله عمر بن العزيز في سنتين وعشرة أشهر من تحقيق العدل بين الرعية في سائر البلاد؟ هذا نتاج الصدق مع الله تعالى والاخلاص في العكل يُمَدّ لك في الوقت بحيث تعمل في وقت قصير ما يفعله غيرك في سنوات كالعمل في ليلة القدر الذي يوازي عبادة أكثر من ألف شهر.

هناك قواعد عامة لكل الناس مثل قواعد النصر وقواعد الهزيمة وهذا من عطاء الربوبية فقد ينصر الله تعالى الأمة التي تشرك به لأنها طبّقت قواعد النصر المطلوبة.

وقد وظّف تعالى أدوات الزمن (العمل والمال والوقت) توظيفاً كاملاً في كتابه العزيز دينياً ودنيوياً.

الوقت: هو الزمن المخصص لعمل ما : يُقال وقت الصلاة (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) النساء) وفي الحديث : الصلاة على أول وقتها رضوان من الله وعلى أوسط وقتها رحمة من الله وعلى آخر وقتها غفران من الله. ورمضان له وقته (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) والحج له وقته (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ). وكل مرحلة فيها وظيفتان إحداها دينية والأخرى دنيوية (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) القصص).

العشي: آخر ساعة في النهار قبل العصر بساعة يبدأ العشي (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46) النازعات) (إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) ص)

الشفق: أول ساعة في الليل بعد أذان المغرب (فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) الانشقاق).

العشاء: من صلاة المغرب إلى أول صلاة العتمة (ظلام كامل) (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) يوسف)

السّحَر: بعد منتصف الليل (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) الذاريات)

الفجر: أول بداية النهار (وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) الفجر)

الصبح: أول احمرار الشفق بعد الفجر أي بعد نصف ساعة تقريباً (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) هود)

البكور: قبل طلوع الشمس (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) الانسان) (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) الأحزاب)

الأصيل: قبل غروب الشمس (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) الانسان) (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) الأحزاب)

الغداة: تجمع قبل الشمس وبعدها في الصباح (الضوء القوي مع طلوع الشمس) (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) الكهف)

الضحى: ارتفاع الشمس بمقدار رمح (ربع ساعة بعد طلوع الشمس) إلى قبل الزوال (وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) الضحى)

الزوال: وقت الاستواء

الظهيرة: بعد الاستواء إلى العصر (الهاجرة) (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) الروم)

المساء: من الزوال إلى الفجر وهو وعاء يشتمل عدة أوقات)

العصر: أول برد النهار (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)) واختلف المفسرون في المقصود بالعصر في سورة العصر منهم من قال أنه الدهر أو الزمن عند جمهور المفسرين زمنهم من قال هو وقت صلاة العصر خصيصاً لأنها أثقل الصلوات وأشقّها على الناس حيث أنه وقت يكون الناس فيه تعبين خاصة في أيامنا هذه ومنهم من قال هو عصر النبوة المشرق (خير القرون قرني) والقرن عصر أو دهر أو زمن ومن الممكن أن يكون تعالى قد أقسم بعصر رسوله r كما أقسم ببلده (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3)).

الناس في الزمن قسمان قسم استغلوه جيداً وقسم لم يستغلوه وفرّطوا فيه ومن حسن استغلال الزمن التقوى في سبيل الله من إماطة الأذى عن الطريق وزيارة المريض، زراعة شجر ، إغاثة ملهوف، اختراع آلة تقديم تجارة، تسيل ماء، إنشاء جامعات أسواق هذه كلها إن كانت من منطلقات الإيمان ويفعلها الانسان من باب التقوى الاجتماعية وتقديم الخدمات للناس والرجل الذي لم ينفع أحداً لا قيمة لصلاته وصيامه. وآيات القرآن تدعو للتسبيح وللعمل والحمد والتأمل والنظر والتبصّر فعليك أن تنطلق في أعمالك من منطلقات إيمانية فأنت متزوج بكلمة يسمونها وثيقة الزواج وأنت مواطن بجوازك وأنت ابن ابيك بشهادة الميلاد وستموت بورقة هي شهادة الوفاة هذه الشرعية وحينئذ لكي يكون عملك مشروعاً يوم القيامة اعمل لوجه الله تعالى هذه الصيغة المشروعة. كل جزئية من هذه الجزئيات وظّفها الله تعالى توظيفاً دقيقاً فيطلب منك الذكر بكرة وعشياً وبالغدو والآصال لكي تكون اساس الانطلاق وتوجهاتها والانتماء الشرعي لله عز وجلّ.

وعندما نقرأ عن علماء هذه الأمة نقرأ عجباً فكيف وصلت الأمة إلى استغلال الوقت بشكل جيد الناس كانوا ينامون بعد العشاء مباشرة مبكرين وكانوا لا يسمرون بعد صلاة العشاء وكان الشيخ منهم ينام ثم يستقيظ بعد ثلاث ساعات يصلي التهجد ويوقف طلابه معه يصلون ثم يحفظون القرآن ثم يؤذن الفجر فيصلي بهم جماعة ثم يبدأ الدرس ثم يقضي كل الى عمله والرسول r كان هاجسه الصلاة وبالتحديد صلاة الفجر وفي الحديث أنه قال r بما معناه وددت لو آخذ حطباً وأُشعل النار في بيوت من لم يحضر صلاة الصبح معنا بعد أن يُخرج النساء والأولاد. ولقد تحدث r عن صلاة الصبح عجباً لأن ميزان كونك فعّالاً عاملاً في هذه الأمة أن تصلي الصبح جماعة وفي النظام الاسلامي كان الجيش يصلي الصبح في المسجد ثم يبدأون التدريب والقيلولة في الاسلام كانت قبل أذان الظهر ثم يستقيظ الناس لأداء صلاة الظهر ثم يعودون الى أعمالهم.

أشرف الأوقات للمسلمين:

1. مجالس العلم فإذا كنت تريد وقتاً شريفاً عظيماً تُغفر فيه ذنوبك فعليك برياض الجنة أي مجالس العلم ومجالس الذكر يغفر لهم حتى للخطّاء منهم وعلى المسلمين الحذر من السخرية من الأنبياء والعلماء لأنه يُخرِج من المِلّة.

2. العتمة وهي صلاة العشاء في المسجد وصلاة الصبح في المسجد فهما براءة من النار وبراءة من النفاق.

3. الجلوس بعد صلاة الصبح في مصلاك وذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلاة ركعتين فتلك أجر حجة وعمرة تامة تامة.

4. الرباط وهو الجلوس في المسجد للذكر والعلم بعد صلاة المغرب الى العشاء.

5. صوم عرفة والعشر من ذي الحجة ويوم عاشوراء وأول محرم.

6. الحراسة في سبيل الله.

وأشرف الأوقات للمسلمة بالاضافة إلى أوقات المسلمين العامة:

1. وقت الحمل أجره عظيم عند الله تعالى

2. ساعة الولادة

3. هناك شريف وهناك أشرف الشريف المرأة في خدمة زوج يحبها ويحترمها والأشرف يوم القيامة زقت امرأة في ظل زوج رديء يذلها وهي صابرة تُحسن إليه وتكرمه.

4. امرأة مات زوجها ولها طفل وهي شابة تُخطب فخُطبت فرفضت الزواج لتربي أولادها فهي تسبق محمداً r الى الجنة.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:05 PM
منظومة القضاء (كلمة حَكَم وأخواتها)

قضى– حَكَم – فصَلَ – أفتى –

هذه الكلمات تتناول المسألة القضائية في المحاكم والتسلسل المنطقي يفرض علينا أن نبدأ بكلمة قضى ولو كانت كلمة حَكَم هي كلمة الحلقة حيث ما زلنا في حرف الحاء والكاف. وهذه الكلمات ليست بمعنى واحد كما يقول بعض المفسرين وإنما كل كلمة منها تعني مرحلة من مراحل الانسان الذي يقوم بعملية القضاء.

قضى: القضاء قضية هي فصل خصومة بين متخاصمين والقاضي هو الذي يُنجز عمله على أتمّ وجه وأكمله بحيث يقطع النزاع واللجاجة فيه. اثنان اختصما على أمر ما مال أو بيت أو غيره وحكم القاضي بينهما حكماً شاملاً تاماً أفرغ فيه وسعه من حيث الدليل والحيثيات والاقناع بحيث اقتنع الطرفان ولم يعد بينهما لجاجة ولا اختلاف على الموضوع وكل منهما رضي بالحكم فهذا هو القاضي. وبهذه الكلمة (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) يونس) كلمة يقضي تدل على أن القاضي هذا وصل الغاية في الاتقان والابداع في إقناع الطرفين بصحة هذا الحكم لشدة ما عند القاضي من حكمة ودراية وقام بكل ما ينبغي للقاضي من جهد أمام الخصوم وسمع من الخصمان استماعاً متساوياً. وتذخر المكتبات بالكتب في أدب القاضي وأدب القضاة وأدب القضاء.

حَكَم: كلمة القاضي لا تعمي أن له سلطة ملزِمة فإذا كان للقاضي سلطة مُلزِمة صار حاكماً فالحاكم إذن هو القاضي الذي له سلطة ونفزذ بحيث يُلزِم الطرفين المتخاصمين بالحكم إلزاماً وكل حاكم قاض لكن ليس كل قاض حاكماً. والقاضي هو الذي لا يُنقض حكمه من نقص فإذا كان القاضي بالابداع الذي ذكرناه سُمي قاضياً فإن كان له سلطة ونفوذ سمي حاكماً كما في هذا العصر فالقاضي الآن على بابه شرطة وله نفوذ ولهذا سُمي الحاكم السياسي حاكماً لأن له سلطة في تنفيذ أوامره. ونلاحظ في القرآن الكريم قوله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) يونس) وقوله (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) (اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69)) الحج) وقوله (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) الحج) وقوله (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ)

القاضي من كان مبدعاً في قضائه (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) فصلت) وصل النهاية في الاتقان والابداع فإذا استطاع أن ينفذ حكمه فهو حاكم ويفرض حكمه على المتخاصمين. والقاضي والحاكم يفصل بين المتخاصمين بالتنازع على شيء يحقق به العدل (يحقق العدل) والذي يحكم بين اثنين في فكر أو عقيدة ليعيّن لهم بالحق (يحقق الحق)

فصل: ورب العالمين سبحانه عندما يجلس بين المؤمنين والكافرين وبين المتخاصمين من مذاهب مختلفة يفصل تعالى بينهم في العقائد والافكار فالقضاء والحكم لتحقيق العدل والفصل لتحقيق الحق من الباطل. إذن القضاء يكيّز العدل من الظلم والفصل يميّز الحق من الباطل (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) الدخان (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) النبأ)) (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) الصافات) لأن الجدل يقوم حول أفكار وفلسفات.

أفتى: الافتاء هو حكمٌ لسائل يسأل عن قضية تحتمل أكثر من رأي أو حكم ويستفتيك صاحبها فتفتيه بالوجه الصحيح وتعطيه الحكم الصحيح لهذه المسألة (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) (أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) يوسف) رأى رؤيا تحتمل عدة أوجه (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (11) (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149)) الصافات)

وضح الفرق بين (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) يونس) أي ينجز الأمر على أتم ما يكون و (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) النساء) بالتنفيذ و (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) الحج) بالعقائد والأفكار وهذه هي منظومة القضاء في كتاب الله عز وجلّ.

حكم: مأخوذة من حُكَمة وهي حديدة توضع في فم الدابة كالحصان والبعير والبغل والحمار تمنعه من الجماح يلجمها الراكب فينتظم سير الدابة. والحاكم يمنع جماح المجرمين والظالمين والأشرار والمعتدين واللصوص بالحكم الذي يصدره (ولكم في القصاص حياة) لو لم يكن هناك حاكم لفسدت الأرض فكأن قرقرات الحاكم هي التي تمنع الناس وتجعلهم منضبطين ولذلك سمي حاكماً.

والحاكم مهنة (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) ص) داوود u عُيّن حاكماً وقاضياً وهو ملك يمكن أن يفرض أحكامه لأن له سلطة. ومنه الحَكَم (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35) النساء) والحَكَم صفة محمودة بالرجل يُعرف بها عند الناس فأهل الزراعة مثلاً يعرفون أن فلاناً خبير بأمور الزراعة فيحتكمون إليه في أمور الزراعة وهكذا في غير الزراعة أيضاً. ففي كل أسرة يوجد رجل حكيم عادل منصف فيكون حَكَماً وهي صفة في الانسان من خبرة ودراية وكفاءة وهي ليست وظيفته أما الحاكم فوظيفة يليها الانسان بتعيين من الدولة.

في الحديث الشريف "ما من مسلم (وفي رواية ما من آدمي وفي أخرى ما من عبد) إلا وفي رأسه حُكَمة إذا همّ بسيئة فإن شاء الله أن يقدعخ بها قدعه" ففي كل قضية صراع والانسان يتصارع بينه وبين نفسه فالحُكَمة تمنعه من الضلالة وتمنعه من الجماح للشرّ أو همّ بسيئة وهذا يسمى الخاطر أو منازعة الملك وعندنا ملك مُلهِم أو شيطان موسوس (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) الانبياء) والشر والخير يترجمان إلى عدة حالات منها ملك ملهم أو شيطان موسوس. قال تعالى (يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) حتى يمتنع الظالم عن ظلمه.

والتحكيم غير الحُكم فالحاكم أمره مُلزِم أما الحَكَم فليس ملزِماً.

آيات محكمات: عندنا آيات متشابهات وهي التي فيها أراء مختلفة ويحصل فيها التأويل أما المحكمات فهي التي ليس لها إلا معنى واحداً كقوله تعالى (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وقوله تعالى(حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) لم يقل أحد أن الميتة حلال وقوله تعالى (حرمت عليكم أمهاتكم) وهي آيات مُلزِمة لا تحتمل التأويل أو الانحراف وإنما لها معنى واحد.

والحِكمة هي إصابة العقل بالحق والعلم.

والحاكم هو القاضي الذس بعد أن أبدع في الحكم وأتمه على أحسن وجه يستطيع أن يفرضه على الخصوم بالنفوذ أو بقوة الشرطة.

قضى: إكمال الأمر على أحسن وجه وعندنا ما يسمى بأدب القاضي واختيار القاضي أعظم وأدق وأصعب بكثير من أن تختار رئيس دولة فيكفي أن يكون رئيس الدولة عادلاً معروفاً وهذه صفات قد يتحلى بها الكثيرون أما القاضي فمن بين كل ألف شخص قد تجد قاضياً صالحاً بالمواضفات التي أرادها الاسلام للقاضي.

القضاء وحده ليس قاهراً وإنما الحاكم هو الذي يقهر (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) يونس) وقد أوجد عمر بن عبد العزيز ديوان المظالم ففي بعض الأحيان لا يمكن أن تُكسب الدعوى بالقضاء لعدم وجود الدليل فينظر ديوان المظالم في الدعوى ويعيد الحقوق لأهلها فديوان المظالم إذن ينظر في القضايا التي ليس لها أدلة ويعجز القضاء عنها لعدم وجود الأدلة مع تأكد القاضي من القضية فهو إذن أي ديوان المظالم رديف للقضاء وكثير من الناس أخذت حقوقها عن طريق ديوان المظالم. وقد أخذت فرنسا بديزان المظالم.

القاضاء ينفذك تعبّداً ولكن الحكم هو الذي يلزمك تنفيذاً. في قصة داوود u في سورة ص (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ {س}(24) ) والقصة أن داوود u لما صار ملكاً خطب في قومه خطاب العرض فأقسم أن يعدل بين الرعية وقال (والله أعدلنّ بينكم) ولم يقل إن شاء الله أو بإذن الله فبعث الله تعالى له ملكين في اليوم الذي كان يتعبد فيه لأنه u كان يقضي يوماً ويتعبد يوماً فدخل الملكان عليه على هيئة بشر وهو في صومعته ففزع منهما كيف دخلا وكان أحدهما على هيئة رجل ضخم متكبر والآخر ضعيف مسكين فقال اللمسكين إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة فقال أكفلنيها وعزّني في الخطاب فلم يسأل داوود الطرف الآخر عن قوله فيما يدّعيه أخوه وتعاطف مع الضعيف المسكين فقال له لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ثم غادر الملكين فعرف داوود u أنهما ملكان وإن هذا اختبار من الله تعالى فخرّ راكعاً وأناب. فحكمه كان خطأ لأنه قضى وهو في حالة خوف أولاً ثم لم يسمع الخصم الآخر وإنما اكتفى بسماع أحدهما.

والله تعالى جعل الميزان شعار القضاء لا يدخل فيه العواطف وإنما يجب أن تكون الكفتان متساويتان (كيلو مقابل كيلو) ولشدة القضاء ولشدة خطورته يوم القيامة فقد أهاب الرسول r بنا أن نُحسن اختيار القاضي بعد الكثير من التحذير من القضاء "من كان قاضياً فقضى بالجهل كان في النار وقاض قضى بالجور في النار والقاضي العادل يسأل الله الكفاف" "من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء وُكِّل إلى نفسه" أي قاضي يتوسط ليعيّنوه قاضياً فالله تعالى يكله إلى نفسه ولا يعينه. ولا يجب أن يتقدم إلى القضاء إلا من هو قادر عليه إذا لم يكن هناك غيره قادر على القضاء. أما يوسف u مثلاً فكان واثقاً من نفسه لما طلب من الملك أن يجعله على خزائن الأرض ونجح في مهمته أيّما نجاح في أي يعبر المصريون في حينها تلك المحنة الهائلة. فإذا كنت عالماً ورأيت القضاة ظالمين وأن وزير العدل أو الدولة لم يحسنوا اختيار القضاة ولا تجد غيرك في المجال فعليك أن تتقدم للقضاء. والقضاء يشكل وجاهة عظيمة والله تعالى حذّر أن القضاء أخطر ما يجعله ظالماً هو:

1. السلطة السياسية: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) الأحزاب) السلطة السياسية تجعل القضاء ظالماً بتدخّلها فيه والكثير من الدول تجعل الحق باطلاً والباطل حقاً.

2. سلطة الأقارب: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) لقمان) وفي الحديث:" إلا من عدل وكيف بعدل مع أقربائه"

3. السلطة الدينية: قد تكون منحرفة أو حزبية أو مذهبية أو طائفية وهذا قد يؤثر على قضاء القاضي إن كان المتهم من طائفة أخرى.

ينبغي على أولي لأمر أن يحسنوا اختيار القاضي وعلى الذي يختار أن يتحمل النتائج سلباً إن كان ظالماً فيكون له نصيب من الأجر وإن كان ظالماً كان له نصيب من الإثم. "ليأتينّ على القاضي العدل ساعة يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمر". فالقضاء مصيبة والقاضي يجب أن لا يهمه حاكم ولا مال ولا سلطة وكل ساعة من عمله تساوي عبادة ستين عاماً قيام ليلها وصيام نهارها.

وقانون المحاماة أر مستحدث ولا يمنعه الاسلام ولا يعارضه لأنه يطالب بحق المظلوم ويحقق العدل للمظلومين ويدافعون عنهم والانسان المظلوم عليه أن يرفع صوته لأن رفع الصوت له تساهم في تحقيق العدل (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) النساء). والظلم ظلم القاضي والجور يكون من الدولة التي قد تأخذ ما لدى الناس بالقوة وتستولي على البيوت مثلاً والظلم والجور لا يزولا إلا إذا رفع المظلومون أصواتهم.

ولاية القضاء على نحو من الخطورة وفي الحديث : "ما من حاكم يحكم بين الناس إلا جاءه ملك آخذ بقفاه يرفع رأسه إلى السماء فإن قال ألقه ألقاه فهو في مهواه أربعين خريفاً" وفي رواية فكّه العدل وأسلمه الجور. وبقدر ما للقاضي العادل من مغانم فإن القاضي الجائر يحاسب حساباً دقيقاً "أول من يكرّم يوم القيامة إمام عادل " و"ساعة من ساعات إمام عادل تساوي صلاة وصيام أربعين عاماً" والعكس صحيح. فالقاضي بين شقيّ الرحى.

وإذا تكلمنا عن وقائع المسلمين في دقة القضاء وجدنا عجباً : دخل عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق فسلّم عليه فلم يرد فخرج عمر وفي طريقه التقى بعبد الرحمن بن عوف فأخبره ما حصل ثم بعد فترة لقي عبد الرحمن بن عوف أبو بكر الصديق فسأله لماذا لم يرد على عمر فقال أبو بكر أتاني وبين يدي خصمان قد فرّغت لهما قلبي وسمعي وبصري وعلمت أن الله سائلي عنهما وعمّا قالا وعمّا قلت. فعلى القاضي إذن أن يسخّر كل سمعه وعقله وبصره للقضاء ولو قرأنا شروط القاضي في كتب القضاء لرأينا عجباً والقاضي العادل والحاكم العادل والفاصل العادل يكون له بعض الأعداء فعليه أن يكون قوياً وكان عمر بن الخطاب يقول ما ترك الحق صديقاً لعمر. فالقاضي عليه أن لا يقبل هدية أو هبة أو عطية من أحد وله هيبة وحرس ويكون من الأنفة والعظمة وحسن الشخصية بحيث لا يجرؤ أحد على أن يعطيه هدية هذا هو القاضي المسلم العادل وإذا كان القاضي صالحاً فالأمة صالحة والله تعالى من أسمائه العدل وبدون عدل لا تنفع أي عبادة والأمة العادلة ينصرها الله تعالى ولو كانت كافرة والأمة غير العادلة يهلكها الله تعالى وإن كانت مسلمة (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) هود ). وعلى الرغم من تدخل السياسة بالقضاء في بعض البلاد إلا أنه في معظم الدول الاسلامية القاضي مستقل عن الدولة. اشتكى أحدهم سيدنا علي بن أبي طالب إلى أمير المؤمنين فاحتكما لديه فقال عمر لعلي قم يا أبا الحسن فاجلس أمام خصمك ثم قضى بينهما فرأى عمر أن وجع علي تغيّر فلما سأله قلت لي قم يا أبا الحسن فكنيّتني وناديته باسمه فلولا ناديتني قم يا علي.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:05 PM
منظومة لوازم الوفاء (كلمة حَلِف وأخواتها)

الحلِف– القسم – اليمين – الوعد – العهد – العقد – الميثاق – الإيلاء – النذر

هذه الكلمات تتناول لوازم الوفاء ومستلزماته إلزاماً والتزاماً وما يُلزِم الانسان نفسه به من أجل عهد أو عقد أو وعد أو قسم أو نذر أو حلف بالله تعالى أو بصفة من صفاته أو اسم من أسمائه. وهو فعل أو وعد أو عهد بالماضي أو بالمستقبل يُلزم الانسان نفسه به ويؤكد هذا الالتزام بأن تذكر اسم الله تعالى عليه أو اسم من أسمائه أو صفة من صفاته. ولقد استعمل القرآن الكريم هذه الكلمات على عادته من دقة البلاغة من حيث عدم الترادف قطعاً هناك فرق بين القول أحلق بالله أو أقسم بالله أو يمين الله أو أعاهد الله وكل كلمة ترسم حالة لا تنطبق على الكلمة الأخرى التي ترسم حالة مغايرة.

الحلف: شيء وقع في الماضي تنفيه أو تؤكده باسم من أسماء الله عز وجل (أحلف أني ما ذهبت) أو (والله درست) وقد وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم في قوله تعالى (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا) أي كل شيء مضى (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) التوبة) شيء مضى.

القسم: هو عكس الحلف وهو في المستقبل كقوله تعالى (وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) المائدة) وقد وردت كلمة القسم في القرآن للدلالة على القسم على أمر سيحصل في المستقبل إلا في حالة واحدة وهي الاستثناء في قوله تعالى (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55) الروم) استخدم كلمة القسم مكان كلمة الحلف في الظاهر ولكن عند التأمل في الآية يظهر غير ذلك ونعلم أن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون إلا من عند الله تعالى. فكيف استعمل كلمة القسم مع الماضي مع أن القرآن عادة يستعمل كلمة الحلف مع الماضي والقسم في الحاضر والمستقبل؟ تفسير ذلك أن الآية تتحدث في البرزخ الذي ليس فيه زمن وقلنا في حلقة سابقة في منظومة الزمن أن الزمن مخلوق في الدنيا (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) وكذلك الوقت وقلنا أن الزمن وعاء الحركة وفي البرزخ ليس هناك زمن وإلا فكيف بقي طعام وشراب العزير بحالة جيدة أما حماره فأصبح عظاماً؟ لا بد أن الطعام والشراب كانا خارج الزمن ودخلا في عالم الأمر وهو الكون الأصلي أما عالم المشاهدة فهو جزء وفرع يسير من العالم الأصلي العظيم ولا يساوي مقارنة به حلقة ملقاة في فلاة. فالآية إذن جاءت تعبيراً عن قسم على عهد ليس فيه زمن مطلقاً فتساوى الحاضر والماضي والمستقبل ونفهم أن الله تعالى لا يحدّه زمن. وكل العالم الآخر لا يحده زمن ولذلك هذا الخلود في المستقبل والسرمدية في الماضي هي خارج الزمن. ولو قال القرآن (ويوم تقوم الساعة يحلف المجرمون) لقلنا من أين يمكن للرسول r أن يعلم أن الزمن يختلف نسبياً وهذا أمر ثبت علمياً (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) الحج) فالآية (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55)) من معجزات القرآن فما إن يموت الانسان ويدخل عالم الأمر لا يوجد زمن وإنما هو زمن مطلق ولذلك فهو خالد إلى ما لا نهاية.

العقد: التزام بين طرفين (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) المائدة).

الوعد: التزام بشيء بدون مقابل من الآخر وبدون شرط كأن أقول أعدك بأن أهبك بيتاً بدون مقابل. قال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) المائدة) (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) النور) بدون مقابل لرب العالمين وهو سبحانه غني عن ذلك.

العهد: التزام بشرط بمعنى اشترط عليك شرطاً لا بد أن تحققه لي حتى أفي بعهدي لك (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) طه) الله تعالى وعد آدم أنه في الجنة لا يجوع ولا يعرى وهذا وعد بشرط أن لا يقرب آدم وزوجه الشجرة فلما اشترط تعالى هذا الشرط على آدم صار عهداً فقال (ولقد عهدنا إلى آدم) ولم يقل (وعدنا آدم) لأنه لو قال وعدنا ما كان ينبغي لله تعالى سبحانه أن يخرجه من الجنة والعهد يجب الوفاء به (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) البقرة) (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) النحل) أما الوعد فليس فيه وفاء.

الميثاق: عهد أُخِذ عليه التأكيد كتابة أو شهادة . الوعد بلا مقابل والعهد بشرط فإذا أخذ كتاباً أو شهادة صار ميثاقاً. وهو نفس العهد إذا كان مكتوباً وعليه شهود صار ميثاقاً (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) آل عمران) قال تعالى ميثاق ولم يقل عهد بدليل كلمة اشهدوا في الآية زإنما استعمل كلمة ميثاق وهو مكتوب في اللوح المحفوظ مشهود عليه. هذا العهد بين الله تعالى والنبيين كان مشهوداً وموثّقاً من الملأ الأعلى. وكل وعد اقترن بشرط صار عهداً وكل عهد إذا وُثّق كتابة أو شهادة صار ميثاقاً. وكلما وردت كلمة ميثاق في القرآن الكريم تجد عجباً (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7) الاحزاب) (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ).

الإيلاء: إلزام النفس بعدم فعل شيء في المستقبل ويكون عقداً بيني وبين نفسي. وكل شيء تلزم نفسك به تحت غطاء اسم من أسماء الله يسمى إيلاء. عندما يقسم الزوج أن لا يقرب زوجه في فراشها ومرت أربعة أشهر ولم يقربها تصبح الزوجة في حِلّ من الزواج بدون أن يطلقها إذا مضى عليها أربعة أشهر ومن الفقهاء من يقول أن لها الحق أن تطلّقه (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) البقرة). (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) النور) في حادثة الافك آل أبو بكر على نفسه ألا يعطي شيئاً في المستقبل لرجل اسمه مسطح (والله لا أعطيه بعد اليوم) كان يعطيه كثيراً ثم بعد أن وقعت حادثة الإفك وطعن مسطح في عرض السيدة عائشة رضي الله عنها فنزلت الآية توجيهاً بالاستمرار في العطاء. فالأيلاء هو أن تلزم نفسك بأن لا تفعل شيئاً في المستقبل أما لو ألزمت نفسك أن تفعل فذلك قسم.

اليمين: هو كل ما ذكرناه سابقاً من الحلف أو القسم أو العقد أو الوعد أو العهد أو الإيلاء أو الميثاق كل هذا يسمى يميناً وأُخذ الاسم من أن الناس كانوا إذا تعاقدوا أو حلفوا يضع أحدهم يمينه بيمين الآخر فصارت هذه اليمين في المعاملات والمبايعات. (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) البقرة) (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) المائدة) (وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ (النحل)).

النذر: أن تلزم نفسك بأن تفعل شيئاً كريماً وطاعة وعبادة لله تعالى إذا حقق الله تعالى لك شيئاً معيناً أو أمنية معينة (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) الانسان).

هذه المنظومة منظومة الوفاء هي منظومة انسانية راقية لأن الانسان يلزم نفسه بدون قوة قاهرة تلزمه أو محكمة لأنها أمور يتميز بها المؤمن من حيث شعوره بسطوة اسم الله تعالى عليه.

أصل تسمية الحلف والقسم؟

الحلف مأخوذ من السيف الحليف أي القاطع الصارم وعندما أحلف على شيء مضى يعني أني قطعت الأمر.

أما القسم فهو من قِسمة الشيء (والله سأفعل كذا) فإني ألزمت نفسي بأن أعطيك قسماً من ما أملكه وهكذا مسألة النذر إذا حقق الله تعالى لك شيئاً تربطه بفعل من أفعال العبادة فإذا أعطاني الله تعالى نعمة من نعمه أقوم بعبادة أو طاعة ما. ويجب الوفاء بالنذر لله تعالى إذا حقق لك هذه النعمة.

هذه هي المنظومة وهي عظيمة كريمة تبيّن مدى أخلاقية الانسان وحفظه لعهد الله تعالى (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) لم يقل حلفكم أو وعدكم أو غيرها من كلمات المنظومة وإنما قال أيمانكم لأنها تشمل كل شيء وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى (وأوفوا بعهد الله) و(أوفوا بالعقود).

والحفظ غير الحراسة كما شرحنا سابقاً في منظومة الحفظ وقلنا أن الحراسة تكون من الخارج أما الحفظ فيكون من الداخل بأن تنمّي السيء وترعاه حتى يكبر كما قال تعالى في سورة يوسف (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)) حفيظ تدل على أن يوسف u حفظ المال ورعاه ونماه حتى لم يعد في المملكة جائع واحد خلال السنين العجاف الشداد.

وعندما يتحدث تعالى عن هذه المنظومة في القرآن الكريم (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) النحل) فالكلام في خطورة هذه الأيمان على اختلافها سواء كانت حلفاً أو عهداً أو وعداً أو قسماً أو ميثاقاً أو إيلاءً والكلام فيعا عجيب وأخلاقيات الانسان وسلوكه يوم القيامة يتحدد بهذا (حسن الخلق) وهذه المنظومة هي أول نتاجات حسن الخُلُق من حيث أن تفي بيمينك ووعدك وعهدك وميثاقك. والرسول r رأى طفلاً هارب من أمه وهي تناديه تعال أعطك فسألها ماذا كنت ستعطيه فقالت تمراً قال أما لو لم تكوني ستعطيه شيئاً لكتبت عليك في صحيفتك كذبة. ومن الأحاديث أن آية المنافق إنه إذا وعد أخلف وهذه قمة أخلاقيات الناس والشعوب والدول. ومن الأحاديث " لا تقوم الساعة حتى يقال أن في بني فلان أميناً".

كل أنواع الالتزام بالحلف والقسم والوعد والعهد هي أيمان وعلى المسلمين أن يحفظوا أيمانهم سواء كانوا شركات أو دولاً أو أفراد أو في تعاملاتهم. وأعظم ميثاق يُسأل عنه العبد هو الميثاق بين الزوجين (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) النساء) فالزوجة عليها أن تصون زوجها في ماله وعرضها وهذان هما الشيئان اللذان يُطلبان منها فقط أما باقي الأمور من حمل ورضاعة وخدمة فهي متبرعة بها فإذا خانته في ماله وعرضها لا تُعذر يوم القيامة أما حقوق الزوجة على الزوج فهي الانفاق وحسن المعاملة والرعاية وكل شؤون المرأة في رقبة الزوج أما حقوق الزوج على الزوجة فهي أن تحفظه في ماله وعرضها فإذا هي أخلت بأحد هذين الأمرين لم يعد لها حق بأي من حقوقها.

الأيمان:

من الأيمان ما هو خفيف ولا يؤاخذ الانسان عنه كما في قوله تعالى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) البقرة) (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ (المائدة)) والفقهاء الأوائل قالوا في هذا كلام كثير من باب التيسير على الناس ومن هذا اللغو في الأيمان ذكروا أن يحلف الانسان وهو ناسي أو حلف على معصية أو الحلف بأمور عادية أو في الكلام اليومي.

وهناك أيمان مهلكة وهي أبغض الأيمان وهي اليمين الغموس التي اليمين التي تحلف بها تقتطع مالاً أو أرضاً ليس لها شفاعة يوم القيامة. قال تعالى (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) نوح) فكيف يكذب الانسان بعد أن حلف بالله تعالى والانسان في حياته يحلف بعظيم أو بعزيز أو بابنه مثلاً ثم يخاف أن يحنث حتى لا يصيب هذا العزيز الذي حلف به شيء! فمن أبغض الأيمان من أقسم كاذباً أن أرضاً هي له فهو في النار وإن صلّى وإن صام. وفي الحديث عن رسول الله r: "خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، قتل النفس بغير حق، بهت المؤمن، الفرار يوم الزحف، أو يمين صابرة تقتطع بها مالاً أو أرضاً بغير حق" ومن اغتصب شبر أرض طوّق به يوم القيامة. ومن شدة اليمين الكاذبة وخطورتها ذكرها r في الحديث مقرونة بالشرك بالله وقتل النفس بغير حق.

ومن المهلكات أيضاً اليمين التي تنفق فيها السلعة كذباً.

وأن تحلف بغير الله تعالى كأن تقول وحياة أبي أو وشرفي أو نحوه فهذه ماحقة يوم القيامة. عن رسول الله r : "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليسكت" وعن عبد الله بن عمر " كل يمين يحلف بها دون الله شِرك" فعلينا أن نعوّد ألسنتنا على الحلف بالله تعالى فقط وعن عبد الله بن مسعود قال: لأن أحلف بالله كاذباً أحبُّ إلي من أن أحلف بغيره صادقاً.

ومن المهلكات من الأيمان الغليظة أن تعمد الكذب على شخص خداعاً له ةفي الحديث : "كفاك إثماً أن تحدّث أخاك وهو لك مصدّق وأنت كاذب".

ومنها الحلف أمام المنبر النبوي كما في الحديث "لا يحلف عند هذا المنبر عبد ولا أمة على يمين كاذبة ولو على سواك رطب إلا وجبت له النار"

أن تقول والله إن حصل كذا فأنا بريء من الاسلام " من حلف فهو على ما حلف" كل من يحلف كاذباً على حق من الحقوق فيصبح بها هكذا. فمن حلف أنه بريء من الاسلام فهو كذلك.

كثرة الحلف من الأمور الخطيرة يوم القيامة وقد ذمّ تعالى هذا في قوله (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) القلم) كل حلاّف فهو مهين لأنه لا يحترم الله تعالى بكثرة حلفه والناس في حياتهم اليومية لا يكثرون الحلف بشخص عظيم أو بحاكم احتراماً له وتقديراً! وكثرة الحلف عند الناس تؤدي إلى التهلكة.

أن تحاف بالأمانة

الأيمان التي لا ينبغي أن يفعلها وليس لها كفارة:

من حلف على معصية ليس له كفارة أو حلف بقطيعة رحم يُلغي يمينه بدون كفارة وإن كان هناك أمران جائزان فحلفت على أحدهما ورأيت غيره أفضل منه فكفّر عن الأول وأوفي بالآخر كما فعل الرسول r قال والله لا أعطيكم ثم كفّر عن يمينه وأعطاهم. كأن تقول بلى والله ، نعم والله وغيره، أو الحلف وهو غضبان كما قال ابن عباس : لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان. أو أن تحرّم ما أحل الله تعالى لك كقولك مثلاً والله لن آكل الفاكهة بعد اليوم فلا شيء عليك في ذلك كما في قوله تعالى للرسول r (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) التحريم). ومن لغو اليمين أن الرجل يحلف على شيء ثم ينساه.

الحلف بغير يمين:

من جمال اللغة العربية وبهائها أن فيها أيمان عظيمة بدون يمين وهي الصيغ كما في قوله تعالى (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) القلم) يمكن أن أقول إنك لصادق كأني أقسمت على صدقك لكن بدون يمين.

أنت ناجح (خبر)، إنك ناجح (سؤال مستفهم) ، إنك لناجح (جواب تأكيد وإلغاء الانكار) ، وإنك لناجح (واو القسم) هذه الواو مع اللام وإن صيغة كاملة بلاغية للقسم وهي من أعظم الصيغ البلاغية وهي تغني عن القسم حتى لا يقع الانسان في حرج أن يُقسم بشيء وهو آثم أو حانث. وهذه اللغة لغة مباركة شرّفها الله تعالى بالقرآن وما من لغة أخرى تضاهيها في البلاغة والبراعة.

الله تعالى يوفي بوعده ولا يوفي بإيعاده فإذا قال سأعطيك الجنة سيعطيك إياها أما إذا أوعد بالنار فهو سبحانه قد يغفر من كرمه ورحمته ولا يفي يإيعاده. ومن لم يعص الله تعالى وقاراً له فهو في الجنة.

زإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلِف ميعادي ومنجز موعدي

ومن أجمل الدعاء : اللهم اغفر لي ذنوباً جرّأني عليها طمعي في رحمتك ومغفرتك. وقال تعالى في الحديث القدسي لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ثم جاء بقوم يذنبون.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:06 PM
منظومة الحُلم

الحلم– الرؤيا – المنام –

هذه الكلمات تتناول منظومة الحلم وهو من عالم الأمر الذي فيه الالهامات والاشراقات ونحن عبارة عن شاشة في هذا العالم اللامتناهي وفيه من الاعجاز واللامعقول الشيء الكثير.

المنام: هو ما تراه في نومك والنوم وعاء المنام (وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) الروم) والنوم هو حالة السبات وهو إبطال حركة الحواس عن العمل وهو الوفاة كما جاء في القرآن الكريم (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) الزمر). والوفاة هي المرحاة الأولى التي تسبق الموت يكون النَّفَس لا يزال في صدرك ولكنك لا تشعر بمن حولك (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) الواقعة) تصبح في عالم خارج الحواس والبث يكون مباشراً إلى الدماغ. وأنت نائم ترى أشياء كثيرة منها مفرح ومنها مخيف حسب ظرف النائم وحسب حالته وثقافته واهتماماته ودينه وما يراه النائم في المنام يتكيّق مع معتقداته الدينية فالعقل الباطن هو الذي يفرز.

الحلم: هو ما لم يكن له قيمة كما جاء في القرآن الكريم (قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44)) . ضغث هي مجموعة النبات الطري الذي لا وزن له (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) ص) فقد ترى في منامك أشياء لا ارتباط لها هذا يسمى حلماً.

الرؤيا: إن كان لما تراه في المنام معنى ومرتّب ويقوم على أسس عالية فهو الرؤيا. والتميّز في الرؤيا يعود إلى ما في النفس من استقامة (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) يونس). وعندما سُئل رسول الله r عن البشرى في الدنيا قال r هي الرؤيا الصالحة. من حيث أن كل انسان أحلامه ورؤاه تتفق مع تربية الشخص وومدى إيمانه ومدى انسجامه مع قوانين الله تعالى. وكما يقال أن العقل السليم في الجسم السليم نقول أن الرؤيا السليمة في العقل السليم المنضبط مع قواعد الكون الموحى بها والمستكشفة من قِبل البشر. والرؤيا شيء مقدّس لهذا حذّر رسول الله r من شخص يقول رأيت وهو لم ير ومن أوّل رؤيا وهو لا يعلم بها فهذا أمر خطير.

ومن كان صادقاً في حياته كان صادقاً في حلمه فرؤيا يوسف u وهو النبي ابن النبي دليل على هذا (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) يوسف) (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا). حتى الرجل العادل وإن لم يكن مسلما كرؤيا الملك في قصة يوسف u (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) يوسف) كان ملكاً صالحاً عادلاً. والمعتقدات الدينية لها تأثير كبير في الرؤيا والذي يعبّر الؤيا يجب أن يفعل ذلك من الكتاب والسنة وتعبير الرؤيا تختلف من شخص إلى آخر بحسب دينه ومعتقداته وحالته.

الرؤيا والأحلام قانون بشري فقط وهذه النعمة دليل عمل وكلنا رأينا في حياتنا رؤى كانت دليلاً على شيء في الحياة والرؤى هي من أعظم أسباب الهداية والدلالة. يقول بن القيّم: من طابت يقظته طاب منامه ومن ساءت يقظته ساء منامه. وفي عهد الرسول r جاءته امرأة تخبره أنها رأت في منامها كأن الجنة فُتحت وعددت 12 اسماً من الصحابة فوضعوا في نهر فرجعوا كأنهم أقمار، وفي اليوم الثاني جاءت الأخبار للرسول r أنه استشهد 12 رجلاً من المسلمين كانوا في سريّة وأسماؤهم كما ذكرت المرأة في رؤياها.

ومن الأحاديث النبوية الشريفة في الرؤيا: " لا تقوم الساعة حتى لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب".

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:07 PM
منظومة الحِلم

الحِِلم– الكظم – الصبر – الصفح – الصفح الجميل - العفو

هذه الكلمات تتناول منظومة حُسن الخُلُق. قمة ما يتمناه العبد يوم القيامة أن يُبعث في زمرة حسن الخلق. وما من شيء أثقل في ميزان العبد من الخُلُق الحسن وصاحب الخلق الحسن ليبلغ بحسن خُلقه درجة الصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر. وفي الحديث الشريف :" الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد والخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل". وما مدح الله تعالى نبيّاً كما مدح المصطفى عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم). والحِلم بكسر الحاء قمة حسن الخلق. إذا بلغ العبد مرحلة أن يكون حليماً فقد جمعت له كل عناصر حسن الخلق وهي عديدة واذا بلغ مرحلة حسن الخلق فقد بلغ مرحلة كمال الخلق الحسن وقد قال الامام علي رضي الله عنه الحِلم سيد الأخلاق. وعلى الانسان أن يتصف بصفات وأوصاف يتدرج فيها صعوداً إلى أن يصير حليماً ولهذا مدح الله تعالى ابراهيم عليه السلام (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) هود) بل إن الله تعالى وصف نفسه بأنه غني حليم، عليم حليم وشكور حليم وكل واحدة من هذه الصفات تعني مفصلاً معيناً.

الصبر: أول مراحل حسن الخلق الصبر (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) البقرة) والصبر هو حبس النفس عن المصيبة من موت أو مرض أو قتل أو مصيبة أو زلازل وطوفان ويتدرج الصبر في كثير من القضايا حينئذ نقول أن الصبر هو أول مراحل الصعود الى حسن الخلق الكامل الذي هو الحِلم. والكلام عن الصبر يطول وبعد أن جعل تعالى الصبر على المصائب عاد وجعله عن المصائب الناتجة من الغير كالصبر على الاعتداء المادي وهناك اعتداء مادي واعتداء معنوي (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) الشورى).

كظم الغيظ: بعد الصبر العام وبعد كون الانسان صابراً يتدرج لأن يكون كاظماً لغيظه. أن تصبر على رجل أساء اليك وتبدي غضبك فهذا أمر والأعلى من مجرد الصبر أن تكظم غيظك (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ (134) آل عمران). اعتدى عليك أحدهم بالشتم أو السب أو الطعن في العرض فغضبت غضباً شديداً حتى صار غيظاً لكنك كظمته كما تكظم فم القِربة حتى لا يسيل الماء منها فهذا أعلى من الصبر لأن الصبر قد يصاحبه ابداء للغضب أو شكوى من الذي أغاظك أما كاظم الغيظ فهو لا يبدي غضبه أبداً.

العفو: الصبر أولاً ثم كظم الغيظ والأعلى منهما العفو وقد تكظم غيظك لكن تشتكي على الذي آذاك (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) واو العطف في الآية تدل على أن المعطوف غير المعطوف عليه. وكل هذه المراحل فيها آيات وأحاديث عديدة عجيبة.

الصفح: الأفضل من العفو هو الصفح . والصفح هو العفو بلا تأنيب (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) المائدة) لمّا تعفو قد تعفو وتؤنّب أما الصفح فهو أن تعفو بلا تأنيب نهائياً الصفح الجميل والأعلى منه الصفح الجميل وهو بالاضافة إلى الصفح فيه عطاء للذي أساء إليك تصبر وتكظم غيظك وتعفو وتصفح ثم تحسن إليه بعطاء (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)

والصفح الجميل هو الاحسان وكان الامام جعفر الصادق إذا أخطأ أحد عبيده أعتقه ومن شدة حلمه كان يطمع فيه الخدم.

الحِلم: الحِلم هو أن لا تغضب في نفسك أو في العَلَن .الحليم لا يكون في نفسه أي غضب على من أساء إليه وهذه قمة الانسانية ولا نجد الكثيرين من هؤلاء (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) آل عمران). والكل يعلم حِلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ظهر جلياً في فتح مكة حين قال :"اذهبوا فأنتم الطلقاء" وليس في قلبه شيء من الغضب على أهل مكة الذين أخرجوه وعذبوه هو وأصحابه. وممن عُرف بالحِلم علي بن أبي طالب والأحنف بن قيس وعمر بن عبد العزيز. والحليم لا يغضبه شيء إلا الاعتداء على حرمات الله تعالى ولا يكون الحليم حليماً إلا وقد مرّ بعدة صفات ومواصفات من منظومة حسن الخلق فكل حليم صابر كاظم لغيظه عفو يصفح عن الناس لكن قد يكون الانسان صابراً ولا يكون حليماً فالحِلم جماع الخلق الحسن ومن بلغ مرحلة الحِلم فقد فاز ولهذا قال الإمام علي بن أبي طالب: الحِلم سيد الأخلاق. والحِلم لا يكون إلا مع القدرة لأن غير القادر إذا حلم فحلمه يسمى جبناً. والله تعالى هو الغني الحليم والعليم الحليم. قد يكون الانسان حليماً على غيره لكنه جاهل بوقائع الأمور ومدى تعدي المجرم فيسكت لكن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ومع هذا فهو حليم على عباده فالرجل الذي قتل مئة نفس الله تعالى وحده يعلم مدى جرم هذا الانسان ومع هذا ومن حلمه سبحانه وتعالى غفر للقاتل بمجرد أن تاب واستغفر ربه فتاب الله تعالى عليه. وملوك الأرض عندما يكونون على حلم تنقاد لهم شعوبهم طواعية عندما سُئل الأحنف بن قيس لم أنت حليم هكذا؟ قال: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال. وشدة الحلم أعظم درس في التربية.

حِلم الله تعالى:

رب العالمين القوي الجبار المتكبر يستر ذنوب عباده مهما بلغت ويأخذ عبده المذنب يوم القيامة في كنفه فيسأله ألم تفعل كذا في الدنيا وسترتها عليك؟ فيقول العبد أجل يا رب فيقول سبحانه وأسترها عليك وأغفرها لك اليوم وهو تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فكم يذنب المرء وكم تحدثه نفسه بالمعاصي والشهوات ومع علم الله تعالى بكل هذه الأحاديث لا يحاسب عليها إلا أن يفعلها الانسان وحتى لو فعلها ثم تاب واستغفر ربه يغفر الله تعالى له.

ومن حلم الله تعالى حلمه على فرعون الذي ادعى أنه الإله ومع هذا أرسل الله تعالى له نبيين وأوصاهما بأن يقولا له قولاً ليناً.

ومن حلمه تعالى أنه لو بلغت ذنوب العبد ما بلغت يغفرها الله تعالى له كما جاء في الحديث القدسي " عبدي لو جئتني بقراب الأرض خطايا جئتك بقرابها مغفرة" فبمجرد أن يكون الانسان موحداً يغفر الله تعالى له (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). والمشرك هو الذي يخرج نفسه من دائرة الانسانية فكل المخلوقات التي خلقها الله تعالى تسبح له والانسان الذي أسجد تعالى له ملائكته وأعطاه عقلاً استنباطياً فكفر بالله تعالى يكون من العدل أن لا يغفر الله تعالى له لأنه أخرج نفسه من دائرة الانسانية التي كرّمه تعالى بها ودخل في بهيمية.

ومن حلمه سبحانه وتعالى أنه يبدل السيئات حسنات فإذا تاب المذنب يبدل الله تعالى سيئاته حسنات.

ومن ستر الله تعالى على العباد أنه لو فضح كل ذنب لما سلّم أحدنا على الأخر ولما صلّى أحد على جنازة أحد فالله تعالى يحب الستر ويحب الستارين الذين يسترون على عباده ويكره الذين يتتبعون عورات الناس ويفضحونهم فهؤلاء يتتبع الله تعالى عوراتهم ويفضحهم يوم القيامة.

كل اسم من أسماء الله الحسنى له سرٌ (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) الاعراف) ادعوه بها بمعنى اعبدوه بها وقد ثبت أن كل انسان يفتح الله تعالى عليه باسم من أسمائه الحسنى حسب الحالة وعلينا أن نداوم على ذكر الله تعالى باسم من أسمائه كل حين ونرى أي الأسماء هي التي فتح الله تعالى على كل منا بها. وقال العلماء أنه من اتخذ وِرده الحليم (يا حليم يا حليم) زيّنه الله تعالى بالحلم وإذا اتخذه رئيس القوم اتصف بالحلم. ومن ذكر الله تعالى بهذا الاسم عند جبّار وقت غضبه سكن غضبه وإذا كان يعاني من مرض نفسي أو متاعب يزول ما به من حدة وشدة وهمّ. ويقول العلماء أنه من ذكر الله تعالى بالحليم الرؤوف المنّان ما ذكره خائف إلا أمِن.

الخطوات التي توصل إلى الحِلم:

أن تكون طلق الوجه.

أن تعود نفسك على أن تسلّم على الناس.

أن تكون رفيقاً.

أن تيسّر على الناس كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما بعثتم ميسرين لا معسرين.

أن تكون هيناً ليناً سهلاً (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك).

عدم التهاجر فلا يكون حليماً من يهجر أحداً.

أن لا تروّع أحداً في حياتك "من أخاف مسلماً أخافه الله تعالى يوم القيامة".

أن لا تغتاب أحداً في حياتك.

أن تكون سخياً معطاء جواداً.

قالوا في الحِلم:

من حلِم ساد. سئل الأحنف بن قيس بم سدت قومك؟ قال وجدت الحِلم أنصر لي من الرجال.

لا سؤدد مع الانتقام فمن انتقم فقد شفي غيظه فلا يجب حمده.

من حلِم ساد ومن عفا عظم ومن تجاوز استمال القلوب إليه.

شدة الحلم تزيد في العمر استناداً لقوله تعالى (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) فالحليم يطول عمره لأن الغليان والحقد يقصر العمر أما الحليم فيبقى صحيح الجسم ويطول عمره.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:08 PM
منظومة الحُلي

الحُلي– الزينة – الزخرف- الصِبغة – الرئيا



هذه الكلمات تتناول منظومة التجمّل للانسان أو الاشياء وكل كلمة تعطي اسلوباً مغايراً في التجمّل لا تشتمل عليه الكلمة الأخرى.

زينة: كل شيء يُذهِب الشين والقبيح ويحوله إلى زين أو حسن. الشيء إما زين أو شين، حسنٌ أو قبيح قبحاً مادياً أو معنوياً والزينة هي كل شيء يطغى على قبيح فيصبح جميلاً أو يقلب الشين زيناً. صولة أحد الجُبناء زينة له إذا قلبت رأي الناس فيه من جبان إلى شجاع. قال تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) الكهف) فالأرض بجبالها وأنهارها قبيحة والله تعالى زيّنها بالحدائق والمروج وبدون هذه الزينة فالأرض في غاية القبح. وقال تعالى (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5) الملك) (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) الصافات) فماذا لو كانت السماء كلها ظلمة؟ الأصل الظلمة الدامسة لكن الله تعالى زيّن السماء الموحشة السوداء المظلمة بمصابيح أزالت قبح ظلام السماء.

الحِلية: هي جميلة في حد ذاتها لكنها لا تزيل القبح بل تلفت الأنظار إليها حتى يذهل الناظر عن قبح من يحملها. فالمرأة البشعة تعلّق مثلاً عقداً من اللؤلؤ في غاية الجمال يستولي على أنظار الناس فيعجبهم فيذهلون عن قبح هذه المرأة. قال تعالى (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) الزخرف) (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) الاعراف).

الصِبغة: التلوين الذي يدل من مراءه عن قبح أو جمال. وقد تكون صبغة جميلة أو صبغة قبيحة فإذا كان التلوين جميلاً كان ما تحته جميلاً وإذا كان قبيحاً دلّ على أن ما تحته كذلك. قال تعالى في سورة البقرة (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)) . والتلوين الذي يلوّن الوجه أو الثياب الظاهرة (شرحنا سابقاً الفرق بين الثياب واللباس فقلنا أن الثياب هي للتجمّل أما اللباس فهو ملاصق للجسد لا يُنزع إلا للضرورة). تلوين الثياب غاية في الدلالة على الذوق وأصباغ الوجه تدلّ على ذوق المرأة. الله تعالى يقول ما من وجه أجمل من وجه الدين من حيث أنه جعل الاختلاف أساس في الكون (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) هود) واختلاف ألسنتهم وألوانهم والثمرات والجُدد والزهور فماذا لو جعل الله تعالى الزهور لوناً واحداً أو كانت كل الألوان بيضاء؟ الاختلاف أساس الحياة والاختلاف في الدين الواحد أساس له واختلاف المفسرين فِطرة فطر الله تعالى الناس عليها ولو كان هناك تفسيراً واحداً لجمد الناس عليه وما أقيمت الفرائض. وزينة الاختلاف أن ترضى بالآخر وإن توافقه إلى حد ما. أي الأديان في الأرض وأي المذاهب تقبل بالآخر؟ هناك بعض الفلسفات تقبل بالآخر جزئياً أما الاسلام فيقبل بالآخر (قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) البقرة) هذه صبغة الله تعالى. هل أن المسلم مختار أو يحق له أن يُنكر عيسى وموسى أو دينهم. إن ثلثي أسماء المسلمين هم أسماء أنبياء بني إسرائيل داوود وسليمان وموسى وعيسى فمن من أبناء الديانات الأخرى سمّى ابنه محمد أو أحمد أو عبد الله؟ الاسلام هو المتفوق الأول على كل فلسفات الدنيا من حيث شرعية الاختلاف وتعامله مع المختلفين معه من حيث الموضوعية والكرامة والرقي.

الصبغة التي صبغ الله تعالى بها وجه الاسلام هي في غاية الجمال بحيث لا يفرّق بين انسان وانسان فأول آية في القرآن (الحمد لله رب العالمين) وآخر آية (رب الناس). اختص الاسلام بهذه الصفة الجميلة ولا نجدها عند غير المسلمين.

الرئي: التزيين بالشارات كالتاج مثلاً. ملك قصير قبيح ما إن تضع على رأسه التاج حتى يلفت الأنظار إليه فيبهر الرائي به نظراً لجماله. وفي قصة ملكة سبأ قال تعالى (ولها عرش عظيم) هذا رئي تزينت به. والأوسمة والشارات إذا كانت تختص بقوم معينين لهم مقام رفيع يسمى رئيا (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74) مريم) فالرئي هو التجمل بالنياشين وهو الجمال والبهاء والجلال الذي يأتس من ملابس معينة وأو سمة وشارات وتيجان ونياشين تزيّن صاحبها وتجمّله. وقديماً كانت العمائم تميّز العلماء.

ومن الرئي أُخذ الرياء فالذي يرائي بعمله أو ملابسه كالذي كان يلبس الملابس الطويلة في الجاهلية في غاية الخيلاء لهذا شرّع الاسلام قِصر الثوب فلما زال الخيلاء ولم يعد الثوب الطويل دليل الخيلاء عاد الأمر إلى ما كان عليه.

التجمل والتزيّن والكلام في الحلي كثير ولقد تكلن الفقهاء في حلاله وحرامه (من لم تتزين لزوجها فقد صلف عنها) أي صرف عنها. والكثير تكلم في زكاة حلي المرأة ومنهم من يقول أن لا زكاة في الحلي المستخدمة للزينة ولكن حد الزينة المشروع هو قلادة وقرط وخاتم واسورة وما زاد عن ذلك فهو كنز للحلي وبدون أداة زكاته مصيبة كبرى وقد شاع خطأ كما قلنا أن لا زكاة عليها والمقصود بهذا القول حد الحلي في عهد الرسول r وأقول أن الكَنْز الذي يشيع الآن خطر على المرأة إن لم تؤد زكاته وكما قلت المعفو عن الزكاة هو القليل الذي تلبسه الزوجة لزوجها في بيتها.

الزينة والتزين ينطبق عليها الأحكام الخمسة وهي (حرام- واجب – مندوب – مكروه – مستحب):

حرام: ما رآه أجنبي: قال تعالى (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) النور) أي العينان مع الكحل واليدين بدون خواتم.

وما عدا ذلك تزين المرأة لزوجها واجب وتزين الرجل عند دخل المسجد واجب (زينة في ملبسه ومشيته ورائحته) وزينة في الكلام والهمس (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) الاعراف) وفي المأكل والملبس والطهارة والرائحة.

المندوب: في كل حال المسلم نظيف جميل رقيق والطيب من سنن الأنبياء وعلى المسلم أن يكون نظيفاً وملابسه نظيفة ومطالب أن يكون نظيفاً طاهراً. "إن الله يحب المتبذّلين" جميل متناسق ولو كان رخيصاً.

والزينة المحرمة هي كل ما يلفت نظر الأجنبي ويستهويه..

والزينة أنواع:

زينة نفسية كالعلم والاحسان والحِلم والرفق الذي ما كان في شيء إلا زانه وأن تكون مبتسماً.

وزينة بدنية كالقوة التي تستعمل في طاعة الله تعالى وسلامة الحواس والطول (زاده بسطة في العلم والجسم). ومن زينة الانسان أن يكون عقله وحواسه سليمة (واجعله الوارث منا).

وهناك زينة اجتماعية أن تكون جميلاً محبوباً متميزاً والأموال والبنون والنفوذ وحُسن النسَب وحُسن الذكر (لسان صدق) والكثير من الجماليات الاجتماعية التي توفر لصاحبها زينة مادية بحيث يقبل الناس عليهم بمودة ومحبة.

قال تعالى (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) الحجرات) يمنّ الله تعالى على المسلمين أنه حبب إليهم الايمان والايمان يقبله الجميع لأنهم أحبوه وجعله تعالى زينة في قلوبهم وألغى كل الشين عنه. ومن جمال الدين أنه يوضح الهدف أهاداف الحياة وما بعد الموت وأزال القلق وأورث الطمأنينة وأزال الاضطراب وأورث الأمن وأزال الخوف وأزال النجاسة وأحلّ الطهارة وأزال الوساطة وأحلّ الزكاة وأزال القوة وأحلّ الرحمة وأزال الشحناء وأحلّ المحبة وأزال البخل وأحل السخاء وأزال الربا وأحلّ اليقين وأزال البغضاء وأحلّ المحبة. ومِنن الله تعالى على الأمة هي التي أدّت إلى أن نحب الإيمان ونحمد الله تعالى عليه (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ). وقوله تعالى (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) الحجرات) فحدّث ولا حرج فالايمان زين محبب في القلوب ومن جمالياته ذكر الله تعالى (ما من ساعة ألذّ وأبهى من أن تناجي الله تعالى) وقال تعالى في الحديث القدسي: أنا جليس من ذكرني. فإذا ذكرت الله سترى كم هو جميل هذا الإيمان.

السماء زينت بالكواكب وزينة الانسان الثياب وزينة الصلاة الخشوع وزينة النفس الزكاة وزينة الصوم الصمت وزينة الحج التسامح وزينة الحج التسامح وزينة العلم الحِلم (فالعالم حليم لا يغضب) وزينة الحاكم العدل وزينة التاجر الأمانة وزينة المجالس الشعر وزينة المساجد الآذان وزينة الوليمة حسن الترحيب وزينة الضيف غض البصر وزينة الخروج الهيبة والسخاء وزينة الزوجة التذلل (الكلام الطيب والمعاملة الجيدة "كوني له أمَة يكن لك عبدا") وزينة العمل الصالح الدوام وزينة الصداقة التغاضي وزينة الجوار التواصل وزينة الغنى التواضع وزينة التعامل الرفق وزينة الشهوات الحياء والعفّة (زين للناس حب الشهوات) وزينة الحساب يوم القيامة الصلاة قال r في الحديث الشريف: "تزينوا ليوم العرض" وزينة القبيلة الفروسية وزينة الجاه الشفاعة وزينة الليل البكاء من خشية الله وزينة النعمة الشكر (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) النحل) فكلما أعطاك الله تعال نعمة اشكره عليها وقال تعالى (ولئن شكرتم لأزيدنكم) وزينة المصيبة قول إنا لله وإنا إليه راجعون.

في سؤال من إحدى المشاهدات عن قوله (فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) الرحمن) أجاب الدكتور الكبيسي أنها تدخل في منظومة التجمّل.

وأضيف معنى كلمة الزخرف لأنه لم يتم شرحها مع ورودها في المنظومة كما أشار إليها الدكتور الكبيسي في بداية الحلقة:

الزخرف: هي الزينة المزوّقة (وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) الزخرف) ومنه قيل للذهب زخرف (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) الاسراء) (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) يونس) وقال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) الانعام) أي المزوقات من الكلام. (من كتاب المفردات في غريب القرآن للأصفهاني)

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:08 PM
منظومة الحمد والتسبيح

الحمد– الشكر – الثناء- التعظيم – التوقير – التكبير - التسبيح

هذه الكلمات تمثل منظومة التسبيح وهي تتعلق بذات الله تعالى حمداً وشكراً. والتسبيح يشمل كل هذه الكلمات فالتسبيح هو أن تشكر الله تعالى وتحمده وتوقره وتثني عليه وتكبره وتعظمه وكل هذا نوع من أنواع التسبيح وكلمات هذه المنظومة هي الكلمات التي يتعامل بها العبد مه الله عز وجلّ وما من أحد أحب إليه الحمد من الله عز وجلّ. والحمد لله تملأ الميزان كما في الحديث الصحيح. الفروق بين الكلمات في كتاب الله تعالى هي فروق لا يتوصل إليها إلا أصحاب الحس الرفيع المرهف في هذه اللغة العظيمة المقسدة ومن عظمتها وبلاغتها أن الله تعالى جعلها لغة أهل الجنة وستكون متعة المتع أن يتخاطب بها الناس في الجنة لبلاغتها وفصاحتها وجمالها وروعة نسجها.

الحمد والشكر: الحمد على الصَنعة والصنيع والشكر على النعم. إذا رأيت رجلاً يصنع شيئاً دقيقاً جميلاً أو عظيماً فإنك تحمده على ذلك فهذه صنعة أو صنيع بأن أسدى إليك فعلاً يسعدك كأن يعفو عنك أو يتوسل لك أو يتجاوز عن هفواتك وعثراتك. والصنائع هي الأفعال المحبوبة كما جاء في الحديث "صنائع المعروف تقي مصارع السوء" وهي الكرم والسخاء والحِلم والضيافة وقضاء حوائج الناس والشفاعة لهم. الصنعة جمعها صناعات والصنيعة جمعها صنائع فإذا أسدى لأحدهم معروفاً أو صنيعاً استوجب حمدك له على هذا الصنيع. أما الشكر فيكون على النعمة كأن يعطيك أحدهم هذية أو زوجك ابنته فهذا عطاء مادي تلمسه فهو يستحق الشكر وأن تستعمل هذه النعمة استعمالاً يُسرّ المنعم عليك بها. وعندما يصنع لك أحد صنيعاً تحمده لتشهره بمدى اعجابك بما صنعه ويستحق الحمد عليه وهذا هو الفرق الدقيق بين الحمد والشكر. أن تحمد الله تعالى على الصنعة والصنيع وأن تشكره على النعمة التي تصل إليك مادياً. الله تعالى أعطانا سمعاً وبصراً وأولاداً وسخّر الشمس والقمر والنجوم هذا يستحق أن نشكره عليها ولذلك قال تعالى (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) ابراهيم) ولم يقل ولئن حمدتم فإن حمدته على خلق السموات والأرض فكيف يزيد لك في ذلك هل يخلق سماء وأرضاً أخرى؟.

قال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) الانعام) (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) فاطر) هذه كلها صنائع نحمده على الصنعة والصنيع (فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) المؤمنون) ونشكره على النعم. ما من باب يمكن أن تحمد الله وتشكره كأن تفعل ذلك من خلال أسمائه الحسنى (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) الاعراف) عندما تحصي هذه الأسماء وسبق أن فصلنا أن الاحصاء غير العدّ فالعدّ هو أن تقول الله الرحمن الرحيم أما الاحصاء فهو ماذا يعني كل اسم وكيف تستعمله وكيف تعبده بهذا الاسم كالرحمن والرحيم والمتكبر. لكي تحمد الله حق حمده وتعبده حق عبادته عليك أن تفعل ذلك من خلال تلمّس حسن صنعه وصنيعه وتمام نعمته عليك من خلال اسمائه الحسنى وهذا باب على المسلمين أن يتعلموا هذه الاسماء الحسنى وفي الحديث "إن لله تسعاً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة" ولم يقل من عدّها. والاحصاء شغل المفكرين والعارفين والاحصاء أن تدرك حوانب هذا الاسم وعلاقته بالاسماء الأخرى وكل عبد من عباد الله تعالى سوف يكتشف أن هناك اسماً معيناً يحتاجه في العلاقة بينه وبين ربه.

أثنى: الثناء هو نفس الحمد بفارق أن الثناء ذكر الجميل على ما يتجدد من فضل وكلما فعل الله تعالى معك صنيعاً كأن يغفر ذنبك أو حلِم عليك أو ستر عورتك وتكرار هذه الصنائع من الله تعالى وتكرار حسن صنعته في الكون (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) طه) وقد أمرنا بالتأمل في خلق الله تعالى في أواخر سورة آل عمران "ويل لمن قرأ الأواخر من آل عمران ولم يتفكر بها". إذا تكرر الحمد لتكرار الصنعة والصنيع فهو الثناء لذا قال تعالى (مثاني) كل يوم تكتشف في هذا القرآن بشائر عظيمة وصنيعة جديدة وصنعة جديدة فهذا الذي يقتضي حمداً متكرراً وهو الثناء. تًثني على فعل مرة واحدة هذا حمد وعندما تكتشف أن هذا الأمر يستدعي حمداً جديداً فهذا هو الثناء. وفي الحديث القسي في سورة الفاتحة (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين ) كم مرحمة يرحم الله تعالى بها عباده (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) وكذلك رحمته لا تحصى فعليك أن تحمد الله تعالى حمداً جديداً فتُثني عليه وكذلك كتاب الله مثاني إلى يوم القيامة سيكتشف الناس فيه صنيعة عجيبة مما يستدعي تجديد الحمد له تعالى وهذا التجديد هو الثناء. فكل من يستدعي فعله أن تحمده كثيراً وتكرر الحمد لتجدد أفضاله وفضائله فهذا هو الثناء.

مجّد: نفس المعنى بفارق واحد أنك هنا تحمد الله تعالى على صنعه وصنيعه معك. أعطاك عينان حميلتان هذا خلق الله وصنائعه كثيرة سترك وعافاك ووقاك السوء ولو يعلم كل عبد كيف يدبر الله تعالى أمره لذاب في الله عشقاً. الله تعالى هيّأ لك الأمور ويدبرها لك. المجد تذكره بالجميل لا على صنعه وصنائعه ولا نعمه وإنما على مُلكه وهيمنته فهذا هو التمجيد.

الحميد المجيد صيغة مبالغة أي كثير الحمد وكثير التمجيد (مجدني عبدي) في حديث سورة الفاتحة. (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) غافر) ملك لا تحيط به العقول وعندما تمجّد الملك لملكه وسعة نفوذه وجبروته وقوته وفتوحاته وعندما تذكر هذا فقد مجّدته أي أعطيته مجداً مَجَد يمجد فهو مجيد ومَجُد فهو ماجد. المجد هو الرفعة العليا رفعة القوة والنفوذ والكلمة (إن ربي حميد مجيد).

عظّم: فيها جزء من ما مضى باضافة شيء واحد هو تضخم الشيء كمّاً وأثراً وتأثيراً. قد يكون هناك ملك مجيد لكن تأثيره على شعبه قليل مثل ملك بريطانيا مثلاً هذا لا يطلق عليه ملك عظيم لأنه لا يملك التأثير على شعبه ولا يحكم. الملك الذي يملك ويحكم هو العظيم. وفي رسائل الرسول r إلى المقوقس قال فيها إلى عظيم الروم لأنه كان ملكاً يحكم وله تأثير على شعبه.

التعظيم هو التضخيم في الأثر. يقال ذنب عظيم أي تأثيره قوي في اعمالك فيمحقها محقاً ويقال فوز عظيم أي ليس بعده خسارة. كل عظيم متضخم كمّاً وكيفاً وتأثيراً بحيث يكون تأثيره ضخماً في كل نتائجه.

وقّر: فيها كل المعاني السابقة بزيادة أنك بمجلسه تكون ساكناً حوارحك ساكنة لا ترفع صوتك في حضرته (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9) الفتح) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) الحجرات) (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا (63) النور) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) المجادلة) تدخل بهدوء حركاتك موزونةتخفض صوتك. الرسول r قال لو أوشكت الصلاة على النهاية لا تستعجل وإنما تأتي الى الصلاة وعليك السكينة والوقار.

السكينة تكون في القلب من خوف أو اضطراب (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) الفتح) والوقار يكون في الجوارح أي حركاته موزونة يقال رجل وقور يتكلم بهدوء بكلام موزون تهابه والتوقير للعين "رجل يذكركم الله وجهه" (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) نوح) عندما يذكر الله تعالى تخشع وتكون هادئاً ولا تصخب ولا يرتفع صوتك ولا تكون حركاتك صاخبة "تعلموا العلم وتعلموا له الوقار" كبار الصالحين تجلس أمامهم في غاية الهدوء والتوقير والسكون.

كبّر: الكبير الذي لا أحد فوقه يأمره وإنما يأمر كل من تحته (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111) الاسراء).

سبّح: التسبيح بكل ذلك عندما تحمد الله أو تشكره أو تثني عليه أو تحمده أو تعظمه أو توقره أو تكبره فإنك تسبحه. والتسبيح هو سرعة التأثر ترى طفلاً جميلاً أعجبت بجماله فلا تملك إلا أن تقول سبحان الله. والسباحة هي الجري السريع في الهواء واستعملت في الماء وكل شيء سريع الحركة يسمى سباحة فعندما ترى شيئاً من عجائب صنع الله فأنت تحمده وهذا تسبيح (سبحان الذي خلق السموات والأرض) كل صنعة أو نعمة من نعم الله تعالى تثير اعجابك لا بد أن تحدث واحداً من كلمات هذه المنظومة حمداً أو تكبيراً أو توقيراً أو تعظيماً أو ثناء فهذا تسبيح أي أسرعت بحركتك كي تحمد الله أو تثني عليه أو تكبره أو توقره (سبحان الذي خلق الليل والنهار) (سبحان الذي أسرى بعبده) كل صنعة أو صنيعة أو نعمة تقتضي تسبيحاً (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) (سبحان الذي بيده الملك) (وسبحوه بكرة وأصيلا) . كل هذه المنظومة التي تحمد الله وتشكره وتوقره تمسى تسبيحاً.

خلاصة: الحمد على حسن الصنعة والصنيع، والشكر على تمام النعمة والثناء على تعدد الفضل المتجدد في كل حال والتمجيد على المُلك والهيبة والتعظيم على ضخامة الشيء وتأثيره وأثره والتوقير على الهيبة والتكبير على التفرّد وكل هذا يسمى تسبيحاً.

لو عددنا صنائع الله تعالى ومصنوعاته التي تثير العجب الشديد سبح بحمد ربك أي أسرع بحمد ربك عندما ترى نعمة بالغة تسبح الله عز وجل بحمد وشكر (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) لو تعلم مدى اتقانه هذه صنعة جعل الله تعالى فيها شفاء من مرض واخبار كوني ومعنى متجدد الى يوم القيامة وفيه اشارة لكل شيء في الدنيا وعلى الرغم من الاكتشافات لم يجد أحداً متناقضاً واحداً في القرآن (غير ذي عوج) لا يتناقض مع أي حقيقة عليمة.

الصنائع الحميدة كثيرة من الله تعالى تستحق الحمد والله تعالى:

1. فضّل الانسان على سائر المخلوقات أرسل الرسل لهداية الانسان الى توحيده وهي أعظم صنيعة وما من صنيعة على الانسان أعظم من أن يرشده الله تعالى الى توحيده (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) الحجرات) قمة الوصول إلى الله تعالى والتحضر الانساني الذي سينشلك من عالم الحيوان هو التوحيد.

2. جعل الأديان كلها دين واحد يعترف بعضها ببعض.

3. جعل هذه الأمة وحدها تؤمن بهذه الحقيقة ايماناً كاملاً لا توجد أمة تؤمن بباقي الرسل ولا تفرق بين أحد من الرسل مثل هذه الأمة.

4. جعل العدل من حق الناس على اختلاف أديانهم (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) النساء) لا فرق بين مؤمن وغير مؤمن.

5. جعل إقامة العدل لكل حكومة مانعاً من موانع الاهلاك (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) هود)

6. من حُسن صنيعه شرّع التوبة التي تغفر الذنوب جميعاً.

7. جعل الحسنات مضاعفة والسيئات مفردة

8. جعل الاختلاف بين الأمم سبب من أسباب حماية الحياة (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الحج)

9. جعل كل ما تكرهه نفسك عبادة تكفّر الذنوب جميعاً من بلاء وهمّ ومرض وغمّ

10. رفع المسؤولية عن الانسان عدا الخطأ والنسيان وما استُكره عليه.

11. جعل كل ما يذهب من ماله العام صدقة له

12. سخّر للإنسان كل شيء قبل أن يُخلق.

13. لم يؤاخذ على الذنب إذا تبعه الاستغفار.

14. جعل كل ظلم يصيب الانسان مكفّراً لذنوبه.

15. ينزل الله تعالى في كل ليلة يبسط يده ليتوب المشيء ويستجيب لمن يدعوه.

16. جعل في الدنيا رحمة واحدة وادّخر 99 ليوم القيامة (لا يدخل النار إلا شقي).

17. شرّع السفاعة للأنبياء والأصدقاء والشهداء والعلماء المخلصين العاملين.

الأسماء الحسنى:

من نور صنائع رب العالمين مع العبد أن شرّع الأسماء الحسنى ولو أحصيناها فعلاً لرأينا كيف رسم الله تعالى بهذه الأسماء منهجاً بحيث لا يتحيّر العبد في عبادة لها قيمة. وحتى نستفيد من اسماء الله الحسنى علينا أن نحصيها قبل أن نعدّها.

الله: الاسم الأول تعداده 1 وإحصاؤه أن تقول أنه دال على الذات الجامعة لصفات الإلهية كلها حتى لا يشذ منها شيء ولا يطلق هذا الاسم على غير الله لا حقيقة ولا مجازاً. حظّر العبد من هذا الاسم التألّه أن تتخذ الله إلهاً وليس رباً. الرب رب الكافرين والمؤمنين والله إله موسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم والله إله المؤمنين به وحدهم وليس إله المشركين به. الله تكررها وتفهمها على هذا النسق فإنك توحده توحيداً خالصاً ولا يمكن لعقلك أن يشذ عنها وأن تكون خالص القلب ولا تلتفت لمن سواه ولا تخاف إلا هو سبحانه فهو مركز التوحيد ومداه ومداره الحق.

الرحمن: تعداه 2 وإحصاؤه قريب من الاسم الأعظم الله بدليل قوله تعالى (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (110) الاسراء) هو قاضي حاجات العبد في الآخرة. كم عندك من الحاجات في الآخرة فالله تعالى بصفة الرحمن يقضيها لك وإذا ثابرت على ذكر الرحمن الرحمن الرحمن سوف تصل في النهاية أن الله تعالى بسرّ هذا الاسم سيقضي كل حاجاتك يوم القيامة. والرحمن اسم لقاضي الحاجات لمن يستحق ولمن لا يستحق إن الله لا يُسأل عما يفعل فقد يكون الانسان عاصياً أو فاجراً لكن بذكرك لهذا الاسم وعبادتك لله تعالى من خلاله تنالك الرحمة فتقضى حاجاتك وإن لم تكن تستحق ذلك.

الرحيم: تعداده 3 وإحصاؤه قاضي حاجات العبد في الدنيا على الوجه العام الذي ذكرناه لمن يستحق ومن لا يستحق فالشمس والقمر والصحة والأولاد والرزق وكل النعم التي تراها. من حيث كونه رحيماً أعطاها لمن يستحق ومن لا يستحق في الدنيا وفي الآخرة أيضاً من حيث كونه رحماناً إلا من استثناه قطعاً (إن الله لا يغفر أن يشرك به) إذا قلت أنت ربي ومهما كانت نياتك فأنت مرشح لأن ينالك هذا الاسم العظيم.

الملك: تعداده 4 وإحصاؤه هو الذي لا يستغني عنه شيء في شيء فكل شيء يستمد وجوده منه أو مما هو منه فهم مستغني عن كل شيء وهذا هو الملك المطلق. والملك من ملوك الأرض هو الذي يستغني عن كل شيء سوى الله وتلك هي رتبة الأنبياء استغنوا في الهداية عن كل أحد إلا الله تعالى واحتاج إليهم كل أحد ويليهم العلماء ورثة الأنبياء وبهذه الصفات يقرب العبد من الملائكة بالصفات ويتوب إليه بها. قال بعضهم أوصني قال كن ملكاً في الدنيا تكن ملكاً في الآخرة قال كيف؟ قال اقطع شهوتك وطمعك عن الدنيا تكن ملكاً في الدنيا والآخرة فإن الملك في الحرية والاستغناء.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:09 PM
منظومة الأحمال

حِمل– وِزر – وقر- وسق – ثِقل –

كل شيء في هذه الأرض وكل شخص لا بد أن يكون حاملاً يوماً ومحمولاً يوماً آخر أو حاملاً ساعة ومحمولاً ساعة أخرى.( رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) محمول علينا (وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) وهكذا في كل حالة وحركة هناك حامل ومحمول والحامل يكون محمولاً والمحمول يكون حاملاً في تفاوت الزمان والمكان. وفي القرآن الكريم أسماء في غاية الدقة لهذه العملية.

حَمل وحِمل: الفرق في حركة الحاء : حَمل بفتح الحاء هو الحمل في البطن (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) الحج) (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) مريم) أما الحِمل بكسر الحاء فيكون على الرأس أو الظهر أو الكتف (وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى (18) فاطر) كل تغيّر في بنية الكلمة يغير المعنى تغييراً كاملاً وهذه دلالة على أن هذه اللغة هي في غاية العمق والبقاء.

ثقل: إذا كان هذا الحمل له شأن خطير في مقداره وقدره وثمنه وأهميته وعظيم قدره يسمى ثقل. وهناك فرق بين من يحمل شوالاً من القش أو الحطب أو من يحمل شوالاً من الذهب أو أي شيء له ثمن. كل حمل له قدر وقيمة وقدر ومقدار يسمى ثقل (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) النحل) هذه الإبل التي كانت تخرج من مكة والمدينة إلى الشام مرة وإلى اليمن مرة كانت تنقل الأطهمة والثياب والمعادن والبضائع الغالية وإلى يومنا هذا حركة النقل البعيدة لا تكون إلا بالأشياء والبضائع الثمينة والبواخر والطائرات تنقل البضائع الثمينة. لما كان الحِمل في الآية يتعرض لبضائع الناس وتاراتهم في الأماكن البعيدة عبّر بقوله تعالى (وتحمل أثقالكم) . والثقل يقال لكل شيء ثمين وخطير وذو معنى عميق وقيمة عالية "إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي آل بيتي" أمران خطيران من حيث أثرهما على فقه المسلمين في الكتاب ووحدتهم في آل بيت النبي r (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) المزمل) هذا الكتاب وكم فيه عمق يتجدد كل يوم بحيث لا تنقضي عجائبه.

وسق: هذا الحِمل إذا كان على ظهر الناقة حصراً لا على بغل أو بعير يسمى وسق. يقال أوسقت الناقة أي حمّلتها حملها لأن حمل الناقة محدود من حيث أنه بضائع متعددة مجموعة مع بعضها وكلها في غاية الخطورة وعظيمة الشأن. قال تعالى (والليل وما وسق) في الليل آيات عجيبة وكل ما فيه من الأعاجيب نظراً للسكون الذي فيه الذي يتيح لصاحب الليل الساهر نوع من التأمل العظيم والمناجاة والبكاء والألم والشعر وتهيج المصائب وكل شيء يتعاظم ويتضخم في الليل. ففي الليل يقول الشاعر شعراً والمصلي يتهجد واللص يبتكر الأساليب وحراس الليل ساهرون ورب العالمين يمتدح الذين يقضون الليل بالعبادة.

وقر: الحمل إذا كان على الحمار أو غيره يسمى وقراً. يقال أوقرت الحمار أي وضعت عليه حملاً. ويكون عادة شيء بسيط كالماء أو قليل من البرسيم إلى مسافة قصيرة. إذن الحمل على البعير والبغل والحمار يسمى وقراً وحمل الناقة يسمى وسقاً.

وِزر: هو الحمل الذي يُرتّب عليك مسؤولية خطيرة يؤدي الإخلال بها جزئياً إلى الهلاك (ولا تزر وازرة وزر أخرى) فالحمل مسؤولية ولهذا سمي الوزير وزيراً لأنه يحمل وزراً أمام المسلك إذا أخلّ به هلك ويحاسب عليه حساباً عظيماً ولهذا يحاسب الأولياء والعلماء والصالحين حساباً عظيماً لقربهم الى الله تعالى ولولا أن الله تعالى تفضّل فرفع الوزر عن رسوله r لكان الأمر خطيراً (ووضعنا عنك وزرك) تكفّل تعالى بأن لا يسأل الرسول r عن أي خطأ بل إذا أخطأ قدّم العفو والصفح وعاتبه عتاباً (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) النور ).

(ليحملوا أوزارهم) خطاب على الأئمة أئمة الكفر (وقاتلوا أئمة الكفر) لينين مثلاً شيء وأفراد الشيوعية من الناس البسطاء شيء آخر والأئمة اضلوا كثيراً من الشعوب عن أديانهم فحسابهم غير الآخرين فكما أن للجنة درجات فإن للنار دركات. قال تعالى (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13) العنكبوت) وقال (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25) النحل) الأثقال من شدة الخطورة أما الأوزار فمن حيث أنهم كانوا مسؤولين بيدهم الأمر والنهي.

الثقل لخطورة الشيء في الكمّ والكيف والوسق للناقة والوقر للحمار والوزر للمسؤولية الخطيرة من هذا الحِمل والحَمل في البطن والحِمل على الرأس أو الظهر أو الكتف.

الثقل: وردت في القرآن في موضعين: الأول جاءت في معرض قيام الساعة (ثقلت في السموات والأرض) والثاني موضع الوزر يوم القيامة (فمن ثقلت موازينه) فلماذا جاءت في هذين الموضعين؟

إذا أردت أن تعرف كيف تقوم الساعة فلا تتعب نفسك متى؟ لأنه لا أحد يعرف وقتها بدليل قوله تعالى (لا يجلّيها لوقتها إلا هو) بمعنى لا يُظهرها والجلوة هي ظهور للناس بعكس الخلوة التي هي اختفاء عن الناس. ليس بوسع مقدرة مخلوق أن يدركها لأنها لا تأتي إلا بغتة وأقل من لمح البصر لأن قيام الساعة أقرب من إغماض الجفن وفتحه. والساعة تأخذ الناس بغتة بأقل من جزء من الثانية تشتعل البحار وتُسيّر الجبال وتنتثر الكواكب دون ادراك بدايتها وهناك فرق بين أن تدرك بداية الشيء فتستعد له وبين أن يأخذك بغتة (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77) النحل) والحركة يوم القيامة أسرع من الصوت والضوء بملايين المرات.

تقوم القيامة أولاً ثم تحدث الصعقة والصيحة وتجد نفسك في الآخرة لأجل هذا تذهل كل مرضعة عما أرضعت لأن الأمر انتهى.

قال تعالى (ثقُلت في السموات والأرض) الثقل ثلاثة أنواع:

ثقل مادي: وهذا يوم القيامة تقع الجبال والنجوم والشمس والبحار والوحوش شيء عجيب غريب ليس ما لا يستطيع تحمل هذا الشيء الثقيل من حيث المادة.

وهناك ثقل فكري عقلي: كالطالب في المدرسة تعطيه مسألة رياضية أثقل على عقله من المفهوم. إذا زلزلت الأرض زلزالها وقال الإنسان ما لها؟ لا يعرفه أحد.

ثقل عاطفي ونفسي: (وتضع كل ذات حمل حملها) (يوم يفر المرء من أخيه) هكذا قيام الساعة كل شيء فيها ثقيل ثم إضافته للمعنى الآخر ولشدة تعقيداتها ومفآجآتها ونارها بثواني (إن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون) عمر الكرة الأرضية كله لا يساوي عند الله تعالى إلا أياماً وثانية واحدة عندها تساوي آلآف السنين هنا.

الثقل في يوم القيامة من حيث كونه ثقل مادي لا يُحتمل ولا يُحمل الناس تُصعق والجبال تُدك وكل شيء لا يتحمل وثقل عقلي وفكري وعاطفي ونفسي. الكلام في يوم القيامة أُمرنا أن نتأمل في يوم القيامة لكن لا يمكن إدراك حقائقها ولو أن أحداً أدرك جزءاً منها لصُعِق في الحال ومن فضل الله تعالى أن عقولنا لا تدرك حقيقة الأمر وإنما تتفكر بها لتستعد لها.

نتكلم فيما ينفعنا الآن على هذه الأرض ونحن مأمورون بالعبادة والطاعة ونحن مقبلون يوم القيامة على شيء عجيب (فأما من ثقلت موازينه) (ونضع الموازين القسط) ليس ميزاناً واحداً هناك ميزان الاعتقاد، اليقين، الايمان، الاسلام، إيمان عام، إيمان خاص، حق اليقين، عين اليقين، حق الايمان. هل ثقل الموازين بكثرة الأعمال كمّاً وكيفاً؟ (ونضع الموازين القسط) (ولا تظلم نفس شيئاً) أنواع الموازين ثلاثة وكل ميزان يتوقف على صحة الميزان الذي قبله: أول ميزان هو ميزان الاعتقاد: يوجد اعتقاد بسيط، اعتقاد مقلّد، عالم، عارف بالله، مفكر، صالحين، تابعين، علماء، أنبياء، رسول، صدّيق، الناس تتفاوت ولهذا عندنا إيمان عام (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وإيمان خاص له عدة مواصفات (أولئك هم المؤمنون حقاً) (قد أفلح المؤمنون) والشرط الأساسي لكي تكون مقبولاً يوم القيامة أن تشد بصدق وإخلاص ويقين أنه لا إله إلا الله وهي أساس كل الموازين وإذا ثبت هذا الميزان فالباقي يأتي في مرحلة لاحقة وأن تكون لك موازين ثابتة وأنت في غاية اليسر تتعامل مع رحمة من الله تعالى. "ليس على أهل لا إله إلا الله بأس يوم القيامة" "والحمد لله تملأ الميزان" أهل لا إله إلا الله حسابهم خفيف يوم القيامة ولهم أسباب نجاة كثيرة جداً ما داموا يشهدون أنه لا إله إلا الله مصدقياً بها قلوبهم. ثقل الموازين تبدأ بلا إله إلا الله وخفة الموازين تبدأ بالإلحاد والشرك لأن هذين الأمرين يقينيان وصاحب لا إله إلا الله ناج صادق لا شك في ذلك وصاحب لا إله هالك حتماً (إن الله لا يغفر أن يشرك به) كل الأنبياء جاءوا يعلّموا الناس لا إله إلا الله بصدق بلا ريب وشك ومن رحمة الله تعالى أنه لا يطلب منا أن نكون كلنا على نسق واحد كقراءة الفاتحة في الصلاة فالايمان صعب ولا بد من تفاوت في الايمان هناك عالم وعارف ونبي وصحابي ورسول وصدّيق وأعرابي وأمّي وعربي وغير عربي لكن في قلبه وقر إنه لا إله إلا الله واحد. فقه لا إله إلا الله يتفاوت فيها الناس وعلى أي اعتبار أنت ناج ثم تتفاوت الدرجات (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) الانعام) (وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) الاسراء) النجاة حاصلة على تفاوت في المراتب.

الميزان الثاني: ميزان العمل من حيث الكمال والتمام والمكفّرات، كلنا نصلي وكل واحد يصلي في نسبة لا يدركها الآخر مع أن كل الصلاة مقبولة لكن قيمتها وثقلها في الميزان متفاوت من حيث خشوعها وتمام أركانها وشروطها وكمالها حينئذ هذا الميزان يوزن أعمالك جيد، تام، مكفّر، كامل فعليك أن تعرف هذا وكذلك كيزان السيئات هناك صغائر وكبائر ومحبطات لكل منها حكم فلكي تكون عارفاً بما تقدم عليه يوم القيامة يجب عليك أن تثبته أن كل اعتقادك سيوزن وكل صفاتك وأعمالك ستوزن وكل سيئاتك ستوزن ومن حيث العموم تعرف كيف توزن من حيث الاعتقاد من حيث كماله والعمل من حيث تمامه وكماله ومكفّراً "ما بين الصلاة والصلاة كفارة" لكن ليس كل صلاة والحج المبرور كفارة لكن ليس أي حج والصيام كفارة وليس أي طيام عليك أن تعرف من الآن كم يساوي وزن عملك وكم تساوي حجم سيئاتك لتعرف أي السيئات صغائر يكفرها الصلاة والصيام وهناك كبائر وهناك مُحبِطات. هناك ذنب تُعاقب عليه وهناك ذنوب كبيرة ومحبطة مثل عقوق الوالدين "ثلاثة لا ينفع معهن عمل الشرك بالله وعقوق الوالدين والتولي يوم الزحف" القتل ذنب كبير لكنه ليس محبطاً إما القصاص وإما الحساب يوم القيامة.

علينا أن ننتبه ونعلم أن اعتقادنا وأعمالنا وسيئاتنا ستوزن وزناً دقيقاً وعلينا أن نعمل أعمالاً حتى ننجو من الحساب ولا نقف في ميدان العرض يوم القيامة وإنما نمر من البعث إلى الجنة بدون أن نمر على ساحة الحشر وهذا هو الدفع. قال r :" من نوقش الحساب هلك ومن نوقش الحساب عُذّب" وما أجمل أن نصل إلى الجنة بدون حساب أو عذاب. يوم المحشر يوم الفزع الأكبر والأنبياء يجثون على الركب من الخوف لشدة مسؤولياتهم ومن العباد من لا يخاف لأن الله تعالى أمّنهم (أولئك لهم الأمن) ويقول تعالى في الحديث القدسي: لا أحمع على عبدي خوفين فمن خاف الله من الدنيا يؤمّنه يوم القيامة.

عليك أن تعرف أن الحساب (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) (ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) وحتى تنجو من الحساب عليك إما أن تموت شهيداً أو ببلاء أو بحادث سيارة وهذه من وسائل النجاة لإن من العباد من لم يركع لله ركعة وقُتل ومات شهيداً. لكن عليما أن نحسب حساب لقد بصّرنا الله تعالى بكتابه وسنة نبيه ونظام العبادات منظمتنظيماً واضحاً دقيقاً وعلى المسلم أن يتذكره ويجب أن يعرف أن من الأعمال ما هو كامل ، تام، ناقص، فاسد، باطل، به خلل وكل بحسابه، هناك عبادة مثالية ثم تقل وتقل. الصلاة مثلاً بالحد الأدنى تكبير وسجود وركوع وجلوس وسلام قد تكون اسقاط فرض فقط من عدل الله تعالى وهناك صلاة تغفر الذنوب جميعاً " الصلاة إلى الصلاة كفارة" (فإذا فرغت فانصب) والصيام كفارة ما لم يُخترق بالغيبة والحج كفارة ما لم يُخترق بالرفث والفسوق والجدال.

يوم القيامة هناك حقوق الله تعالى وحقوق العباد . الرسول r شهد لرجل بالجنة لأنه كان إذا وضع رأسه على المخدة كان يعفو قبل النوم عمن ظلمه فعلينا أن نسامح كل مسلم اعتدى علينا ونقول عند النوم: سامحت كل من اعتدى علي أتصدق بعِرضي على المسلمين ولا أطالب أحداً بحق.

ومن العبادات العظيمة التي لها ثقل يوم القيامة في الميزان التفرّد أي أن تكون وحدك تفعل الفِعل (أصحاب الواحدة) كل صحابي عُرف بفعلة ما جعفر، أبو بكر، عمر، عثمان، كل واحد منهم عُرف بفعلة واحدة فير ما كانوا يفعلونه "طوبى للغرباء" مثلاً الناس كلهم نائمون استيقظ بالليل ليصلي التهجد، عدو محتل الكل ساكت وواحد يجتهدهم لوحده فهو متفرّد، أو هرب المحاربون وبقي شخص واحد يدافع هذا هو التفرّد، شاهد عدل، موظف عفيف عُرِض عليه رشوة وهو في أمس الحاجة لها فرفضها. كلما رأيت حقاً عزف عنه الناس خوفاً أو غفلة أو رهبة ثم قلته أنت فهذا تفرّد وخاصة عندما تحمي به ظهر مؤمن يحميك الله تعالى يوم القيامة.

دعاء السوق يعطيك الله تعالى عليه ملوين حسنة ويرفع عنك مليون سيئة والصحابة كانوا يمرون بالسوق حتى يقولوا هذا الدعاء لأن الناس في السوق عادة ما يكونوا غافلين لكنك تذكر الله تعالى.

كثرة الاستغفار يكثر الرزق ويكشف البلاء ويفرّج الهمّ والغم ويمحو الذنوب ولا يُبقي عليك ذنباً "ذهب الذاكرون بكل خير" أهل الذكر يأتون يوم القيامة خفافاً يضع الذكر عنهم أثقالهم. يوم عرفة، الحج، العمرة، البلاء، صلاة الجنائز واتباعها كل مسام تبع جنازة إيماناً واحتساباً إلى أن يصلي عليها وتدفن ثم يعود لا يبقى عليه ذنب ويعود بثلاث قراريط من الأجر كل قيراط مثل جبل أُحُد، الصلاة في المسجد، من السبعين فما فوق إن كان مؤمناً مصلياً فقد غفر الله تعالى له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وشفّعه في أهل بيته. ومما يشفع يوم القيامة التأذين وجواب المؤذن والحب في الله حياً وميتاً والتزاور لوجه الله وزيارة المريض وبر الوالدين وصلة الرحم وتربية البنات وكظم الغيظ كلها أعمال تقي شر الحساب ومنها أيضاً الصبر وهو من أعظم الأعكال والصبر يكون على الظلم والفقر بدون شكوى وبدون انتقام (وبشر الصابرين)

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:10 PM
منظومة النار

وري– أوقد – أضرم- سجّر – اشتعل – ألهب – أجج – سعّر - حمى

تكلمنا سابقاً عن النار من حيث ما تفعله بأهلها (تشوي، تصهر، تكوي، تحرق) وتكلمنا أيضاً عن النار من حيث مادتها (وقود، حطن، حصب، ناس، حجارة) واليوم نتكلم عن النار من حيث ما تفعله ملائكة النار بالنار عندما تتهيأ للعمل يوم القيامة.

وري: يوري هو قدح النار بالزناد أو بالثقاب (أفرأيتم النار التي تورون). والنار خلقها الله تعالى قبل آلآف السنين وأول خطوة عندما تُهيّأ النار توقد الثقاب أو الزناد أو الشعلة قدحاً (فالموريات قدحا) كل شيء يجعل النار تبتدئ يسمى مري (وري يوري ورياً).

الإيقاد" بعد أن أشعلت الثقاب أو قدحت الزناد أو مادة النار تأخذ النار هذا يسمى إيقاداً فهو إذن تقبّل مادة النار من حصب أو حطب لهذا القدح فتشتعل النار يسمى وقداً. ساعة اشتعال الوقود بالثقاب وبداية تماس الوقود مع الحطب (نار الله الموقدة) (فأوقد لي يا هامان) كل ما يتقبل الثقاب أو الزناد أو الشعلة يسمى وقداً.

الإضرام: هذه الكلمة لم ترد في القرآن الكريم. عندما تأتي بالثقاب ثم تمس به الحطب وقد يكون الحطب عسيراً أو لايكون الاشتعال شديداً تأتي بالقشّ أو مادة سريعة الاشتعال الذي يساعد على إلهاب النار يسمى ضراماً أي أسرع في إيقادها. فالقش الذي يساعد على إيقاد النار يسمى ضرام.

سجّر: ملأ النار بالوقود الجديد حتى امتلأت. عندك تنور أو حفرة فيها قطع صغيرة أو قدتها ثم أضرمتها ثم سجّرتها أي ملأت المكان ملأً كاملاً كله حطباً فصار المكان كله ناراً. (إذا البحار سجرت) أي كل البحار بدون استثناء لم يبق منها موضع إلا اشتعلت فيه النار. وهذا معنى قوله تعالى (ثم في النار يسجرون) أي يملأون النار ملأ كاملاً هذا الامتلاء هو التسجير. سجّر التنور أي ملأه ملأً كاملاً.

الاشتعال: عندما يمتلئ المكان بالنار ربما تكون بعض الأماكن لم يأتها النار أو لم يشتعل كل المكان المخصص للنار. اشتعلت النار أي وصلت إلى جميع مادتها ليس هناك جزء منها لم تصله النار مثل الغابات لما تشتعل. إذا اشتعل جزء فقط يقال احترقت إما إذا عمّت النار جميع الغابة بحيث لم يبق شجرة إلا وطالتها النار يقال اشتعلت. الاشتعال إذن أن تنبثق النار من عدة أماكن حتى تلتئم وتلتحم (واشتعل الرأس شيباً) أي لم يبق فيه سواد.

ألهب: قد تخبو النار قليلاً وتضعف وهناك آلة تبحث فيها في النار وتضيف لها مادة جديدة إما من ضرام أو قش أو بترول أو أي من مواد الاشتعال فتلتهب النار من جديد فهذ هو الإلهاب (سيصلى ناراً ذات لهب) (لا ظليل ولا يغني من اللهب) أي هُيّجت النار بمادة جديدة.

أجّج: هذا الإلهاب عندما يتصاعد حتى يصبح له حفيف ودويّ وضجيج يسمى أجيجاً كما في الحديث "ألا إن للنار ضجيجاً" والضجيج والأجيج لها مهنى متقارب. اسم يأجوج ومأجوج أُطلق لأن لهم غوغاء وضوضاء تصمّ الآذان وفي غاية الازعاج.

سعّر: السعير وصول النار إلى غاية الحماوة. السعير والتسعير هو الوصول بالنار إلى قمة حماوتها بحيث لا يكون بعدها حماوة (وإذا الجحيم سُعّرت) أي وصلت جهنم إلى قمة حرارتها فتسمى سعيراً.

السّعار في كل شيء هو السرعة والعنف يقال كلب مسعور فهو سريع ويعمل حركات في غاية العنف. ويقال سعار المال وسعار الطعام وسعار النار.

حمي: عندما تصبح النار مسعّرة تتحرك ويُسمع لها تغيظ وزفير وصوت وحفيف (سمعوا لها تغيظاً وزفيرا) هنا تقول النار (هل من مزيد) فيضع الله تعالى قدمه فيها فتقول قطّ قطّ قطّ. وعندما تصبح النار مسعّرة تسمى حامية (يصلى ناراً حامية) أي وصلت حماوتها إلى النهاية.

هذه هي منظومة مراحل تكوين النار وتهيأتها للعمل يوم القيامة والسعير هو آخر المراحل التي تصبح النار فيها ناضجة وتتقطع نهباً إلى مادتها. والنار يوم القيامة سوداء أُوقد عليها ألف سنة حتى احمرّت ثم أُوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت فهي سوداء مظلمة. ولا شك أن الدخول في السواد من أشد العذاب ولهذا كثير من السجون في ظلام دامس حتى يتضاعف العذاب والمسجون يأتيه العذاب والضرب من حيث لا يدري وهو في ظلمة السجن . ونار جهنم سوداء ليست كنار الدنيا حمراء. والنار يوم القيامة نوعان صلي وحرق الصلي هو أن تشمل الإنسان كله وهذه لا تكون إلا للملحدين ولا تطال الموحدين. أهل القبلة تتفاوت عنهم النار حسب ذنوبهم فمنهم من تبلغ قدمه ومنهم ركبتيه ومنهم خصره ومنهم صدره ومنهم رقبته لكنها لا تغشى وجوه الموحدين كما جاء في الحديث. كل من يعبد الله تعالى عبادة بعد توحيده (الصلاة التي هي أساس الدين) لا تصلاه النار ولا تغشى وجهه وقبل العذاب بالنار ذاتها هناك العذاب الذي يتفاوت من حيث الرائحة فمنهم من يشم رائحة النار فقط وهي في غاية النتانة يؤتى بأسعد رجل في الدنيا فيُشم رائحة النار فيقال له هل رأيت نعيماً قط فيقول لا على رغم من كل النعيم الذي رآه على الأرض. قال تعالى (لا يصلاها إلا الأشقى) فيها نفي صريح قاطع أن شمول النار لكل الإنسان من فوقه إلى تحته لا تكون إلا للمشركين خاصة.

الذنوب التي توجب النار لا محالة إلا أن يتغمد الله عباده برحمته:

كل عصر له ذنوب معينة وله فتنته وهناك ذنوب تساهلنا فيها ولم نوفها حظها في الشرح والجلاء ولهذا فهي بعيدة عن خواطرنا. في خاطرنا ذنوباً معينة كالزنا والقتل والربا وغيرها لكن هناك ذنوباً أعظم من هذه الذنوب في هذا الزمان تحيط بنا من كل جانب. وأخطر الذنوب ما يتعلق بالدماء والأموال والأخلاق.

الذنوب المتعلقة بالدماء: القتل ومقدماته من جرح أو تخويف " في آخر الزمان تقع فتن كثيرة حتى يكثر الهرج قالوا ما الهرج يا رسول الله قال القتل القتل القتل حتى لا يدري القاتل لم قتل والمقتول فيم قُتِل" وكأن الأحاديث تشير إلى الحروب الأهلية او الحروب المحلية والعرقية والمذهبية والطائفية فتسيل دماء المسلمين أنهاراً في الحديث " إذا التقى مسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار" ويقول r "سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته ألا يُهلك أمتي بالسنة فأعطانيها وسألته ألا يُهلِك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها" فقتل المسلون بعضهم البعض. "من أعان على قتل مسلم ولو بشق كلمة بُعث يوم القيامة مكتوب على جبينه آيس من رحمة الله" وقذف التهم على المسلمين كلها تعين على القتل فلم يعد لدم المسلم حرمة فإذا كنت مسلماً وأعنت على ذلك ولو بكلمة تُيعث يوم القيامة مكتوب على جبينك آيس من رحمة الله قال r في الحديث :" ألا إنها ستكون فتن القاعد فيها خير من الماشي والماشي خير من الساعي إليها فإذا وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله ومن كان له غنم فليلحق بها ومن كان له أرض فليلحق بأرضه قالوا يا رسول الله وإن لم يكن ل إبل ولا غنم ولا أرض قال يعمد إلى سيفه فيدّق على حده بحجر ثم لينجو إن استطاع اللهم هل بلّغت" "فإن خفت أن يظهرك شعاع السيف فألقِ بثوبك على رأسك يبوء بإثمك وإثمه" . والكلام على الدماء كثير ولهذا علينا أن نحذر أن لا نقول كلمة تساعد على القتل أو تؤدي إليه "لا تقوم الساعة حتى تكون فتن الكلمة فيها أمضى من السيف" قتل المسلم بأي حال لا يكون إلا عن طريق محاكمة أو مرجع سياسي معترف به أو دولة لكن قتله بدون مرجع أو محاكمة أو قانون جريمة تُقحِم صاحبها في النار.

الذنوب المتعلقة بالأموال: "إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله استخلفكم فيها فناظرٌ كيف تعملون فاتقوا النار" "لا ـخشى عليكم الفقر ولكن أخشى عليكم أن تُفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم" همُّ الناس أن تجمع الأموال من أي طريق كان وهذه فتنة العصر وأخطر أنواع العبث بامال الغُلول (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161) آل عمران) وهو السطو أو التلاعب بأموال الدولة أو المال العام وهي من أعظم الجرائم يوم القيامة "إن الغلول نار وعار يوم القيامة" "كل لحم نبت من الحرام فالنار أولى به" .

ومن أخطر الجرائم رفع الأمانة "لا تقوم الساعة حتى ترفع الآمانة من صدور الرجال حتى يقال إن في بني فلان أمين" سيصبح عرفاً قلة الأمانة. "أهل النار خمسة الخائن الذي لا يقوى عليه طمع وإن دق إلا خانه ورجل لا يصبح ولا يسمي إلا وهو يخادعك عن مالك والبخيل والكذاب والشنظير الفاحش" والشنظير هو الشاتم بالعرض والناموس والشنظرة هي الشتم المقذع بالأعراض. "أول ثلاثة يدخلون النار أمير مسلّط وذو ثروة لا يعطي حق ماله والمتخوض في مال الله" والمتخوض في مال الله الذي يتلاعب بمال أعطاه إياه أحدهم ليوزعه في مصارفه فتلاعب به ووزعه في غير مكانه. والغنى الموجود الآن لم يكن موجوداً سابقاً فالغنى اآن من علامات الساعة وعلى الأغنياء أن يؤدوا زكاة أموالهم وإلا فمصيبتهم كبيرة يوم القيامة وعليهم أن تكون في نيتعهم أن كل ما ينفقونه طوال العام هو من زكاة ماله.

الذنوب المتعلقة بالأخلاق: " من أثنى المسلمون عليه شراً فهو في النار" "ألسنة الخلق أقلام العقل" " من شهد له أربعون بالخير دخل الجنة" "النار تقول يا رب مالي لا يدخلني إلا الجبارون المتكبرون" "إن أهل النار كل جعظري جوّاض متكبر" الجعظري هو الشحيح الشره على أموال الناس والجوّاض هو الضخم المختال كثير الكلام.

ومن الذنوب المتعلقة بالأخلاق حب الشهرة (للعلماء فقط) كل من يفعل الخير للشهرة "أول من تسعر بهم النار عالم ومنفق وشهيد" . ومن الخطورة أيضاً المرأة التي تنكر زوجها وقد قام بحقها هي من أهل النار (أي إن ماتت على ذلك فهي إما تصبر أو تطلب الطلاق) إذا منع الرجل زوجته من زيارة أهلها فهو قاطع رحم وهذه جريمة عظيمة "وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل ولا قاطع رحم". ومن الخطورة مسؤولية الكلمة عظيمة يوم القيامة "إن الرجل ليقول الكلمة لا يدري ما تبلغ يوم القيامة من سخط الله" فعليك بالصمت. سُئل رسول الله r أونحن محاسبون على ما نقول يا رسول الله فقال r وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم" (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد).

وكذلك كتم العلم من الذنوب إذا سئلت عن علم فلم تجب فهذه مصيبة "من تعلم علماً فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة".

من الذنوب أيضاً القضاء بالجهل "إن الرجل ليقول الكلمة لا يري حيث بلغت يهوي بها في النار سبعين خريفاً" "من قضى في الناس على جهل فهو في النار" ليس له علم بالقضية ومع هذا قضى بها.

ومن الذنوب الخطيرة "من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار" يجب عدم التلصص والتجسس على الآخرين.

"أكثر أهل النار النمامون" هذه الفتنة.

"من طلب العلم ليجاري به العلماء فهو في النار" فئة تطلب العلم لا لترشد الناس وإنما ليباهي به العلماء فهو في النار.

"من هجر أخاه فوق ثلاث" متخاصم له حق ثلاثة أيام لو مات قبل أن يتصالح مع أخيه فهو في النار.

علينا أن لا نحتقر ذنباً عظيماً والمؤمن يرى ذنبه فوق رأسه كالجبال والبعض يُظهر الاسلام ويعمل ضده وهؤلاء هم المنافقون فهم في النار. قال تعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) البقرة) استوقدها أي أوقدها غيره فلما أضاءت ما حوله الضوء ذاتي والنور انعكاس فالدين لما أضاء الدنيا وقضى على الظلم والشرك والوثنية ذهب الله تعالى بنورهم ولم يقل تعالى أذهب نورهم لأنها تعني أن النور ذهب وبقي الله تعالى معهم لكنه تعالى قال ذهب الله بنورهم أي أخذ النور من قلوبهم وألسنتهم وحولهم وذهب عنهم وتركهم وحدهم في ظلمات القلق والتردد والنفاق وظلمة الكون والشعور بالذنب والتفاهة والتبعية لا يبصرون وهذه كلها ظلمات (ظلمات بعضها فوق بعض).

هذه هي النار وهذه هي مراحل ايقادها واشعالها وتسجيرها وحميها وكذلك تحدثنا عن الذنوب التي تساهلنا فيها وهي من أخطر ما نفعل. "إن الشيطان يئس أن يُعبد في جزيرة العرب ولكنه رضي بما تحقرون من أعمالكم" هذه المهلكات يوم القيامة ما تحقرونه من أعمالكم. وعرفنا ميزة المصلي أن لا يصلى النار وإنما قد تحرقه وهناك فرق بين الصلي والحرق والصلي هو أن تشكل النار جسد المعذّب بالكامل وهذا العذاب الأليم ومن فضل الله تعالى أن الصلي ممنوع على أهل القبلة. وما من خسارة أعظم من أن تلقى الله تعالى وأنت لا تصلي لأن أول ما يُسأل العبد عنه يوم القيامة الصلاة فالصلاة والوضوء تلقي على النفس راحة نفسية هائلة وإياكم والتسويف فإن الموت يأتي بغتة ولا يغترّن أحدكم بحِلم الله تعالى.

أجمع المسلمون على أن قتل السملم بأية طريقة كانت جريمة بشعة إلا إن كان حكم القتل قد تم عن طريق محكمة أو حاكم أو إن هاجمك أحد وإن استطعت أن تلقي عليه القبض وتسلمه للشرطة دون أن تقتله فهذا أفضل ويمكنك أن تدفعه عنك بضرب رجله مثلاً أما ما شابه. والدليل شيء واصطناع الدليل والهوى شيء آخر (قل هذه سبيلي أدعو الله على بصيرة). وهذا الهرج الذي بدأ في العالم الإسلامي منذ سنوات هو ما أخبر به r وعلينا أن نعلم أن وراءنا حساب شديد.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:11 PM
منظومة الحنان

حنان– شفقة – رحمة- رأفة – خفض الجناح – بالعين –

هذه الكلمات تدل على شدة التعلق وكل كلمة منها تعطي زاوية من المعنى لا تتضمنها الكلمة الأخرى والحنان تتجحفل معه كلمات هي الشفقة والرحمة والرأفة وخفض الجناح وبالعين.

حنان: الحنان والحنين كلاهما من جذر واحد وهو اشتياق متكرر يتلذذ به صاحبه إلى حد الألم يُسمى اللذة الخطرة. هناك لذات مؤلمة ولذلك الحنان على طفل رضيع قد يكون مريضاً أو في محنة معينة أو قد يؤخذ من أمه قسراً في الحروب مثلاً هذا الوضع يجعل الأم المخلوق الوحيد الذي يحنّ عل ولده حنيناً يُذهلها عن حالها ولشدة حبها لابنها تتلذذ بولدها بصحته ومرضه تلذذاً عظيماً إذا فقدت هذه اللذة تحنّ إليه حناناً عجيباً.

والحنان هو اللذة في الاشتياق المتكرر الدائم للشخص والحنين اللذة في الاشتياق المتكرر للشيء فأنت تحن الى الأشياء وتحن على الأشخاص فأنت تشعر بحنان هائل إذا ضاع ولدك بينما تشعر بحنين إلى مدينتك وبلدك إذا كنت بعيداً عنها. قال الشاعر:

عجباً هذا الثرى تعشقه وإلى أتعس ما فيه تحنّ

ولا يكون حنين أو حنان إلا إذا أصدر صوتاً فقط وهذا شرطه مثل الأنين وهذا ما يميز هذه الكلمة عن غيرها في منظومة الحنان. الجذع حنّ إلى الرسول r وسمعه المسلمون وكذلك حنين الإبل لأولادها معروف يسمع لها رغاء. وبالتالي الشعر العربي الوجداني والحب والغناء والنواح والأهازيج كلها أصوات ناتجة عن الحنان أو الحنين. الحمام يئن على فراق حبيبه وعذاب الهدهد أن يُفرّق عن أنثاه فيُعرف له ونين وقد يموت من شدة حنينه لها. زكريا u وُلِد له يحيى بعدما صار عجوزاً فما أدرك يحيى u لذة الأبوة فربُّ العالمين عوّضه بحنان الله تعالى عليه بما يليق بجلاله (وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) مريم). والحنان والحنين هو الذي يمسك الناس في أوطانها وعلى أولادها وأحبابها وكل الأصوات التي تصدر عن حب أو بعد أو وجد أو حنان هي أثر الحنان والحنين.

ارحمة: جزء من آثار الحنان والحنين والرحمة تتلخص في أنك تجلب المصلحة لشخص ما كأن تنفع ابنك هو كل همك تبعاً لحنانك له (تربية، تعليم). قال تعالى (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) الروم) جعل تعالى المودة عندما كانا شابين عروسين يُقبلان على بعضهما البعض أما عندما يكبران قد يمرض أحدهما أو يُقعد أو يفقد بصره فتحصل بينهما رحمة أحدهما بالآخر بحيث ينسى كل منهما مشكلته ليرعى الآخر. أما في هذه الأيام فنرى أن الوفاء قلّ بين الأزواج كثيراً.

رأفة: إذا دفعت الشر والضر والضرر عن شخص فهذه رأفة. ترحمه أولاً عندما تجلب له المصالح والمنافع وترأف به عندما تدفع عنه الضرر.

شفقة: على إنسان في حالة الوعظ فقط عندما تنصحه لأنك تخاف عليه خطأ أو منكراً أو مصيبة. خوفك على الكحبوب من أن لا يتّبع نصحك يُسمى شفقة أو إشفاق. أنت تعطي ابنك نصائح وتخاف أن لا يطبقها هذا الخوف يُسمى شفقة على محبوب حنانك عليه يفيض ثم تنصحه وتخاف أن لا يطبق هذه النصائح مما يؤدي إلى ضرر يأتي إليه يسمى شفقة وإشفاقاً.

العين: يقال بعيني وعلى عيني.قال تعالى (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) الطور) عدّاها بالباء وقال تعالى (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) طه) عدّاها بـ على بمعنى أراقبك وأراعيك وأباشر مصالحك من قريب لكن خارج نطاقي. الفرق بين الباء وعلى أن الباء تعني الامتزاج أي أنه قطعة من العين أما على فهي تعني المراقبة والرعاية ومباشرة المصالح من قريب لكن خارج نطاق القائل. بأعيننا غاية الحنان كما يليق بذات الله تعالى وصفاته وأسمائه والحنان من الله تعالى هو شدة الرعاية من الله تعالى بحيث يتولى الله تعالى كل أمره.

هذه المنظومة الرعاية (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) الحديد) وخفض الجناح كلها من الحنان واللين أيضاً صتدر من الحنان والحنين.

الحنان: هو شدة الشوق للذة يتكرر باستمرار لمحبوب جداً ويُصدر صوتاً. في قصة عبد الله بن الزبير عندما ثار على بني أمية ثم انهزم فصلبه الحجاج وعلّقه على المشنقة وأقسم أن لا يُنزله إلا بعد أن تأتي أمه أسماء رضي الله عنها فتتوسل إلى الحجاج وكانت قد بلغت التسعين من عمرها فرفضت وبعد أن طال صلب عبد الله ومن شدة شوق أمه أسماء له ذهبت في نصف الليل والحراس نائمون إلى أن وصلت إلى ابنها المصلوب فقبّلت رجليه وقالت: أما آن لهذا الفارس أن يترجّل فسمعها أحد الحراس وأخبر الحجاج فاعتبر أنها توسلت له فأنزل عبد الله وأخذوا جثته إلى أمه فاحتضنتها من المساء إلى الصباح درّ لبنها بحنانها على ابنها وهي في التسعين. زكلما كان حنان الأم أشد كلما كان لبنها أكثر وفراق الأم لبنها من أبعث أنواع الحنان.

ورب العالمين أحنّ على العباد من أمهاتهم كما في الحديث القدسي (أنا أحنّ على عبدي من أمّه). نذكر قصة المبتعد عن الله تعالى عبد ابتعد عن ربه يقول تعالى هذا البعيد الذي ابتعد عني ثم يأتيني بعد ذلك أنا أفرح به كفرح صاحب الراحلة أضاعها في الصحراء وعليها طعامه وشرابه فهو هالك لا محالة فبحث عنها ولم يجدها فنام بانتظار الموت ثم استيقظ فوجد راحلته أمامه ومن شدة فرحته قال يا رب لك الحمد أنت عبدي وأنا ربك. فمن أول دقيقة يفرح الله تعالى بالعبد التائب أكثر من فرح العبد براحلته.والحنّان هو اسم من أسماء الله الحسنى وهو الذي يُقبل عل من أعرض عنه. ابن عاقُ ولا يحب أمه وكلما ابتعد عنها اقتربت منه وحنّت إليه وكذلك العبد كلما ابتعد عن ربه يزداد شوقه تعالى ليعود العبد إليه وهو سبحانه الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.

من آثار حنان الله تعالى على عباده:

لقد أمرت عبدي أن يسألني فأعطيه فلم يسألني فأعطيته أجلّ العطايا بلا سؤال وأبتدئ النِعم قبل استحقاقها ودعوته إلى بابي فأبطأ عليّ ومع ذلك لم أُيئسه من رحمتي بل قلت له لو جئتني قبلتك مهما طال الزمان لإن أتيتني ليلاً قبِلتك وإن أتيتني نهاراً قبِلتك وإن تقرّبت مني شبراً تقرّبت إليك ذراعاً وإن تقرّبت مني ذراعاً تقربت إليك باعاً وإن أتيتني ماشياً أتيتك هرولة ولو جئتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً أتيتك بقرابها مغفرة. ولو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. عبادي يبارزونني بالعظائم وأنا أكلأهم على فُرُشِهم إنما الجن والإنس نبأ عظيم أخلق ويُعبد غيري وأرزق ويُشكر سواي خيري إلى العباد نازل وشرّهم إليّ صاعد أتحبب إليهم بنعمي أنا الغني عنهم واتبغّض إليهم بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ من أقبل عليّ تلقيّته من بعيد ومن أعرض عني ناديته من قريب ومن ترك لأجلي أعطيته فرق المزيد ومن أراد رضاي أردت ما يريد ومن تصرّف بحولي وقوتي ألنت له الحديد. أهل ذكري أهل مجالستي فأنا جليس من ذكرني وأهل شكري أهل زيادتي (لئن شكرتم لأزيدنكم) وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أُقنّطهم من رحمتي (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) إن تابوا إليّ فأنا حبيبهم (إن الله يحب التوابين) وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأُطهرهم من المعايب (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) البقرة). من آثرني على سواي آثرته على من سواه الحسنة عندي بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة والسيئة عندي بواحدة فإن ندم عليها واستغفرني غفرتها له. أشكر اليسير من العمل وأغفر الكثير من الزلل رحمتي سبقت غضبي وحِلمي سبقت مؤاخذتي وعفوي سبق عقوبتي وأوكلت لعبدي ما يريد مني فأنا عند ظن عبدي فليظُنّ بي ما يشاء. وإن عبدي ليغصيني فيذكرني على معصية فأغفرها له قبل أن يستغفرني فأنا غافر الذنب أولاً وقابل التوب ثانياً فإذا تاب عبدي بدّلت سيئاته حسنات ويعصيني عبدي ألف معصية فأغفرها له بحسنة واحدة. يُؤتى بالعبد ما له حسنة فيقول الرب خذوا عبدي إلى الجنة فتقول الملائكة بم؟ يقول إنه كان يصل رحِمه. عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة.

جعلت لعبدي أوقاناً شريفة ألقاه فيها كالثلث الأخير من الليل وجعلت له أزمنة شريفة أرفعه فيها كشهر رمضان وجعلت له أياماً شريفة أطهّره فيها كيوم عرفة وجعلت له ليلي شريفة أغنيه فيها كليلة القدر وجعلت له أماكن شريفة أستقبله فيها كالمساجد وجعلت له مجالس شريفة أجالسه فيها كمجالس الذكر ومجالس العلم وزيارة المريض وجعلت المؤمنين بعضهم أولياء بعض فقبلت دعوة بعضهم لبعض في ظهر الغيب ولا أردّها وقبلت شفاعة بعضهم لبعض يوم القيامة فلكل مؤمن شفاعة لأخيه ومن شهد له سبعة من جيرانه أدخلته الجنة على ما كان له من عمل ومن مات فصلّى عليه أربعون وشهدوا له بخير أدخلته الجنة على ما كان له من عمل ومن تبع جنازة أخيه إيماناً واحتساباً غفرت له وأدخلته الجنة ومن أحسنت عِشرة زوجها على ما كان منه من سوء أدخلتها الجنة. وإذا أحببت عبادي نظرت إليهم فلا أعذبهم أبداً والذين أحبهم كثيرون أحب التوابين الذي كلما عمل سيئة تاب منها مباشرة (ثم يتوبون من قريب) وأحب المتطهرين الذي يبقى طيلة النهار على وضوء وأحب المحسنين الذين يتجاوزون عن أخطاء الغير (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) وأحب المُقسطين أهل العدل في أهلهم وما ولوا وأحب العبد المتبذّل الذي لا يبالي ما يلبس أحب العبد العفيف المتعفف ذا العيال. أحب العبد يزور أخاه في ناحية المصر لا يزوره إلا لله فقد وجبت محبتي له أحب العبد يحب أخاه من أجلي. أحب العبد إذا أكرم بناته وأحسن تربيتهم، أحب العبد الذي يُصلح ذات البين، أحب أهل القرآن يتعلمونه ويعلمونه فهم خيار الناس، أحب الشاب الطائع زأحب الغني المتواضع، أحب التاجر الناصح الذي سهل إذا باع سهل إذا اشترى، أحب الأسخياء السخاء خُلُق الله الأعظم "تجاوزوا عن ذنب السخي فإن الله تعالى يستره له في الدنيا ويغفره له في الآخرة" والسخي هو الذي يعطي ولا يشعر بألم أو حرج وصار الكرم فيه سليقة يقول الرسول r :" إن الله اصطفى هذا الدين لنفسه ولا يُصلحه إلا السخاء وحُسن الخُلُق فإذا وصل العبد للسخاء وحسن الخلق فقد اكتمل.

وحعلت الشهداء من أحب عبادي إلي فيسّرت الشهادة لكل مؤمن من سأل الله الشهادة صادقاً من قلبه نوّله الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه والغريق شهيد والمبطون شهيد ، وجعلت لعباجي نوراً يمشون به يوم القيامة في الظلمة (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور)، من شاب شيبة في الاسلام فهي نور ومن مشى في الصباح إلى المسجد فهو له نور ومن مشى في العشاء إلى المسجد فهو له نور "بشّر المشائين في الظلم بالنور التام يوم القيامة"ومن قرأ الكهف يوم الجمعة فيه له نور ، من حفظ القرآن، من أكرم جاره فهو له نور.

يقول تعالى في الحديث القدسي: جعلت لعبادي ودّاً. الود ذاتي والحب للذات قال تعالى (سيجعل لهم الرحمن وداً) وقال تعالى (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) الانعام) (فبما رحمة من الله لِنت لهم) (فقولا له قولاً لينا) إذا كان الله تعالى لطيفاً رحيماً بالكافرين فكيف يجرؤ مسلم أن يُغلِظ القول على مسلم يصلي معه في مسجد واحد ويشنّع به. يقدم الله تعالى اللطف والحنان أرسل تعالى موسى وهارون إلى فرعون الذي كان يقتّل أبناءهم ومع هذا قال تعالى لهما (فقولا له قولاً لينا) أي حنان هذا؟! وقال تعالى (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) (إن ربي رحيم ودود) لا يحبك فقط وإنما يتودد إليك ويتلطف تعالى على عباده (ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون) (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم) (واخفض جناحك للمؤمنين) (بالمؤمنين رؤوف رحيم) أعطى الله تعالى رسوله r اسمين من اسمائه ومع هذا يطلب منه أن يخفض لهم جناحه (الجناح هو القوة والسطة).

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:11 PM
منظومة كيد الشيطان

احتناك– استحواذ – أزّ- وسوسة – نزغ – استزلال – تسويل – إملاء – تزيين – غواية - فتنة

تحدثنا في منظومة ابليس والجنّ من هو الشطان وما هو وباختصار إبليس هو شيطان آدم الذي أخرج آدم من الجنة فطرده الله تعالى من مملكة الصالحين لكن جنوده وأولاده وذريته وأعوانه وأتباعه وحزبه كلهم من الشياكين قسم منهم من الانس. والشيطان هو كل جنيّ أو مخلوق يتموّه ويتشكل على وفق ما تحدثنا عنه في مكانه (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم) أياً كان هذا الشيطان فهناك مخلوق يتربص بنا كما قال r "إن للشيطان شأناً في كل شأن ابن آدم". وهذه الحلقة هي عن عمل هذا الشيطان وأسليب فعل الشيطان مع ابن آدم وقد أعلن جهاراً (لأغوينهم أجمعين). الشيطان بدأ يُطلق على كل قول دقيق محكم يقال فعل شيطاني وأنت شيطان. فما هي أساليب هذا الشيطان في محاولة لأن يبرّ بيمينه عندما قال (لأغوينهم أجمعين) فالشيطان له عملان عمل مع المشركين وعمل مع المؤمنين في محاولة إضلالهم وضلالهم.

والأساليب التي يتخذها الشيطان مع المشركين ثلاثة: الاحتناك والاستحواذ والأزّ

الاحتناك: مأخوذ من حنك يقال حنك الدابة إذا وضع اللجام في حلقها الأعلى فإذا وضع اللجام أو العنان أو الخطام أو الرسن في حلق الدابة يسيطر الراكب على الدابة سيطرة كاملة وهذا هو الوضع السليم لراكب الدابة الذي يريد أن يسيطر عليها يجلس على مؤخرة الحيوان ويضع اللجام أو الخطام في حلق البعير فيقود الدابة ويوجهها إلى حيث شاء بحيث تفقد الدابة حركتها في الذهاب حيث تشاء. فالسيطرة الكاملة لراكب الدابة بأن يصبح زمامها في يده لأنه أحكم حنكها. هذا لا يكون إلا إذا صار العبد مشركاً والشرك وحده هو الذي يجعل ابليس أو قبيله وحزبه يسيطر سيطرة كاملة على الانسان إذا أشرك الانسان يسقط في يد ابليس بالكامل بحيث يحتنكه كأنه دابة (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) الأنفال) (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) الاسراء).

الاستحواذ: عندما يتم الاحتناك يأتي الاستحواذ وهذا من دقة القرآن في التسلسل. والاستحواذ هو الضرب على حاذي الحيوان والحاذي هو مؤخرة الفخذين بما يلي الذَنَب. راكب الفرس يجلس على مؤخرة الدابة وبيده الرسن وعندما يريد أن تسرع الدابة يضربها على مؤخرة فخذيها مما يلي الذَنَب فإذا فعل ذلك أسرعت الدابة لمشيئته وهدفه وهذا الاستحواذ بسرعة غير اعتيادية. لما احتنك ابليس العبد فأشرك يحعله يسرع ويسارع في هذا الشرك عن طريق الضرب على مؤخرة عقله وتفكيره وهذا تعبير مجازي كما لو كان هذا المشرك دابة فعلاً فيصبح العبد محتنكاً ومسيطراً عليه أولاً وسريعاً جداً في تلبية أوامر الشيطان حينئذ صار هناك احتناك واستحواذ أي سيطرة كاملة وسرعة كاملة (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19) المجادلة).

الأزّ: الخطوة الأخيرة هي الأزّ والأزّ هو غليان القدر تحته نار شديدة فيكون له أزيز كأزيز الرصاص والحوذي هو السائق الماهر والأحوذي هو الماهر والسريع في كل شيء. فالاستحواذ هو سرعة السوق ويأتي الأزّ بعد ذلك يجعلهم الشيطان يغلون غلياناً في محاربة الإيمان وأهله كما فعل المشركون بالمؤمنين على مرّ التاريخ وكما يفعلون الآن هنام من يحارب المؤمنين حرباً لا هوادة فيها تحت كل التهم والتبريرات إبادة كاملة. وقد صوّر الله تعالى لنا يوم القيامة بأن هؤلاء الذين اتبعوا الشيطان فصاروا حزبه بحصل بينهم نقاش يوم القيامة فالنار في ذلك اليوم تُحرق ولا تُميت ولا تفقد الوعي والناس يتناقشون والشيطان بينهم يلقي خطبته (إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم) بعد هذه الخطبة يطلق خزنة النار يدي الشيطان من القيود فيبدأ الضرب بالمشركين حتى يبلغ الضرب مبلغ الألم فينسيهم حرّ النار (الأخلاء بعضهم).

هذه هي أساليب ابليس والشياطين عموماً: الاحتناك أولاً ثم الاستحواذ ثم الأزّ وهو أشد أنواع الهزّ الذي هو قمة الحركة يسمى أزّاً وأزيزياً.

على مر العصور كان المشركون كثرة والمؤمنون المحدون قلة (لأحتنكن ذريته إلا قليلا) .

أما أساليب الشيطان مع المؤمنين فهي:

الوسوسة: هي الخاطرة الرديئة (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) الاعراف) (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) طه) كان المسلمون يُرعَبون عندما تأتيهم بعض الأفكار فأخبروا الرسول r بذلك فسألهم: أوجدتم ذلك؟ قالوا نعم فقال r فذلك صلاح الايمان. فالعبد إذا اكتمل إيمانه يأتيه الشيطان بالوسوسة. فالوسوسة إذن هي خاطرة سريعة ثم تنطفئ.

النزغ: تتطور الوسوسة لتصبح نزغاً (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) الاعراف) النزغ هو حركة وبداية التحرك والتحريك نحو الباطل. إخوة يوسف جاءتهم الوسوسة عندما فكروا بالقضاء على أخيهم يوسف وعندما بدأوا بتنفيذ ما فكروا به أصبحت هذه الفكرة نزغاً (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) يوسف) فالوسوسة تكون من غير إرادتك والله تعالى لا يحاسب الناس على ما يحدثون به أنفسهم أما النزغ فهو بإرادتك. يقال فلان نزغ بين الناس أي أفسد بينهم والنزغ في الغالب هو الافساد بين الناس. (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53) الاسراء) (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) فصلت)

استزلّ: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) آل عمران) كل انسان منا عنده شيطان (قرين) هذا الشيطان ينتظرك ويتحرّى زلاّتك في أي موضوع في زنا أو غيبة أو رشوة أو عقوق وينتظر زلّتك فهذا استزلال فهو إذن عندما يتربص بك الشيطان حتى تزلّ والقاعدة عندنا كما في الحديث:" إن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً" عندما تخطئ ينتظر الشيطان ويستزلك حتى تزلّ.

لمّا تفعل الزلّة يهجم عليك الشيطان لكي تزلّ فعلاً فيزلك (إنما استزلهم الشيطان) عندما انسحبوا من المعركة (أزلّهم) أي طبقها فعلاً. استزل هي خطوة أخرى بعد وسوس ونزغ قال تعالى (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) البقرة) الشيطان انتظر حتى استزل آدم u ثم لما توجه آدم نحو الشجرة وفتح آدم الباب أزلّه الشيطان فأخرجه. الصغيرة تأتي بك الى الكبيرة وعندما تُمعِن في الرُخص تفتح باب الزلاّت ويدخل الشيطان من باب الصغائر حتى تصبح كبائر.

سوّل: بعد أن يوسوس الشيطان ثم ينزغ ثم يستزل ثم يزل يسوّل أي يجعله يصر على الذنب الذي فعله أي يستمر في الذنب ويكرره ويعود إليه فالعَوْد شرطٌ مغلّظ العقوبة. التسويل إذن هو حرص الشيطان على أن يسهل لك الأمر حتى تعود إليه مرة أخرى (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) محمد) وهذا كله مع ضلال بعد هداية هؤلاء أناس كانوا مؤمنين ثم انحرفوا واستمروا هؤلاء الشيطان سوّل لهم وقسم من الذين انحرفوا رجعوا الى الايمان.

الإملاء: يملي عليه: بعد أن يستمر بالتسويل ويستمر على ضلاله يملي الشيطان عليه ويفتح عليه أفكاره ولهذا قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) الحج) وقال (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) محمد) فبعد أن يحرص على الضلالة ويصر على المعصية يملي عليه الشيطان بأفكار وفلسفات. وكثير من البِدع تأتي بالنزغ ثم الاستزلال ثم زلة ثم تسويل ثم تصبح فلسفة يتبعها الناس (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) الزمر).

التزيين: لو أن هذه السلسلة كلها مع مؤمن ثم صحا يوماً يعود الشيطان ليزين له عمله فيعود من جديد. فالتزيين هو إذا شكّ الضال أو المنحرف يزيّن له الشيطان حتى يبقى على ضلاله.

الضلال: بعد أن كان مؤمناً صار ضالاً وخرج عن الطريق المستقيم (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) النساء) وعندنا ضلال بعيد أي الكفر (فقد ضل ضلالاً بعيدا) والضلال عندما يكون بدون صفة في القرآن فهو ضلال المؤمن في بدعة أو انحراف. (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) يوسف)

الغواية: يصل المؤمن إلى مرحلة الغواية وهي الضلال المستمر عن جهالة. أنت وقعت في براثن الشيطان عبر كل هذا التدرج وكل هذه المراحل حتى ةصلت للغواية لأنك جاهل لم تستطع أن تقيم الحجة في نفسك. الغواية هي الانحراف عن الطريق المستقيم. عندما تستمر السلسة حتى تصل إلى حد الضلال والاضلال. الغواية أن تفقد مكانك ومكانتك التي كنت عليها عند الله تعالى (وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) طه) (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) طه) بهذه الفعلة هبطت درجة آدم عند الله قليلاً (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (55) الاسراء).

الفتنة: كل الذي يجري يصب في آخر فعل وهو الفتنة (يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) الأعراف) أي لا يدمركم أو يوقعكم في مصائب وبلوى. الشيطان بعد أن يوسوس لك لحد الغواية يقول اذهب في جهنم (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) الحشر) حتى شياطين الانس عندما تتبعهم وتنفذ كل أغراضهم كعميل أو جاسوس ينتقمون منك أشد الانتقام.

هذه أساليب الشيطان لكن الله تعالى قال (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76) النساء)

والكيد هو التدبير الدقيق. اما كيف نتغلب عليه؟ فالكيد يذهب:

بالاستغفار والاستعاذة (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) الأعراف) والشيطان خنّاس عندما تعصيه يحنس ولكن عندنما تتماهل وتتمهل ينتصر عليك.

التوكل (إنه ليس له سلطان)

الأدعية المأثورة: والتذكر (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) المؤمنون)

الذكر الدائم: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) الزخرف) وما من شيء يطرد الشيطان كاذكر المأثور الدقيق في أوقات معينة فتأمل إذا واظبت على وردك اليومي كما في سنة الرسول r لا يقربك الشيطان نهائياً

ما هي أدوات الشيطان ومحفزاته ومواطن تأثيره؟

مصادر القوة كاسلطة والمال والولد: كل عنصر من عناصر القوة يغريك بالظلم والشهوات والاستعلاء (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) التغابن) وهنا مسرح ابليس.

الشهوة: وأهمها النساء والمال. قال رسول الله r : "ما تركت فتنة من بعدي أضر على الرجال من النساء وعلى النساء من الرجال"

اللغو الكثير والغفلة: استمرار اللغو يجعل الشيطان يرتع في قلبك.

التسويف "إياكم والتسويف فإن الموت يأتي بغتة"

الرغبة المستمرة: تتمنى أن تصبح مثل أي شخص آخر مشهور قلبك متشوق لحب الدنيا تجعلك مرتعاً خصباً للشيطان "حب الدنيا رأس كل خطيئة"

العامل الوراثي: (إنا وجدنا آباءنا على أمة) ينتقل تراث الآباء بسهولة.

عامل السادة والسلطة: رئيس حزب أو طائفة (إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا)

التقليد: التصوف كان ثروة عظيمة في الاسلام لكن كثرة بدعهم وتعاونهم مع الأعداء والغزاة وشدة طاعتهم لقائدهم أصبحوا جهلة.

رجال الدين وأهل العلم: العلم ذو حدين إما ينقلك إلى الفردوس الأعلى أو حرّ جهنم (لو شئنا لرفعناه بها) بعضهم يحبون الدنيا ويفتون بالكذب ليُرضي السلطان ولإذا سيطر الطمع على أحد العلماء أفتى بما يغضب الله تعالى ويفتن الناس.

الدين: "أخشى عليكم الكتاب واللبن" الكتاب لأن الجاهل يقرأه يتأوله فيأتي ببدع وتفسيرات سخيفة. واللبن كثرة الزروع والغنم والابل والحليب ينشغل به العبد لبعده عن المدينة فلا جمعة ولا جماعة.

حب الشهرة: سواء كان عالماً أو منفقاً أو مجتهداً أو داعية أو غني "أول من تسعر بهم النار عالم ومنفق وشهيد"

الإسراف: في الانفاق على الحفلات وغيره يدخل الشيطان (إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين).

بعض الأحاديث في كيفية الوقاية من الشيطان:

إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام فأنزل لآيتين فختم بهما سورة البقرة لا يُقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان.

ما من عبد يقول حين يصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير إلا كتب له بها عشر حسنات وإلا كان في جُنّة من الشيطان حتى يمسي وإذا قالها في المساء كذلك.

"إذا استشاط السلطان تسلّط الشيطان" السلطان صاحب قوة عندما يغضب قد يُخطئ فعلى السلطان في ساعة الغضب يجلس ويتوضأ ولا يأخذ قراراً حتى لا يظلم.

ما يُخرِج رجل شيئاً من الصدقة حتى يفك عنها لحي سبعين شيطاناً" أي أن الصدقة تذهب كيد الشيطان وتضعفه.

للوضوء شيطان يقال له ولهان فاحذروه.

إذا بُليتم فاستتروا" من حيث أن المجاهرة بالمعصية والذنب يفيتح بابك للشيطان فيُزلهم بعد أن استزلك. ويقول تعالى إذا فعل عبدي سيئة فأمهاه ساعة لعله يستغفر فعليك أن تستغفر الله تعالى بعد الذنب مباشرة لأن سرعة الاستغفار والتوبة يُضعف الشيطان.

إن المؤمن ليُنضي شياطينه كما يُنضي أحدكم بعيره في السفر" من كثرة ما يجهد الراكب فرسه ويتعبه يصبح الفرس ضعيفاً ويقع من شدة التعب وكذلك المؤمن لشدة قهره للشيطان يُضعفه ويقهره ويوقعه.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:12 PM
منظومة الافتقار (حاجة)

حاجة– وَطَر – إرب- سؤل – عَرَض – غَرَض –

هذه الكلمات تدخل في منظومة الافتقار أي شدة الاحتياج للشيءيقال المسألة تفتقر إلى ضرح والمكان يفتقر إلى تكييف. والافتقار عنوان على عدة كلمات تستعمل لبيان افتقارك إلى شيء وكل شيء يختلف عن الشيء الآخر من حيث أهميته أوطريقة الحصول عليه وله في القرآن الكريم كلمة مستقلة وهذه من دقة القرآن من حيث استعمال الكلمات استعمالاً إعجازياً بحيث لا تغني كلمة عن أختها.

حاجة: هي كل شيء تحبه وليس عندك فأنت تطلبه وتريده وهو ميسّر وموجود من لباس وطعام وبيت وسيارة والحاجات اليومية. قال تعالى (مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68) يوسف) (وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80) غافر) (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) الحشر) . أنت تحتاج إلى شيء لكنه ليس موجوداً فإن عثرت عليه يقال قُضيت حاجتك وإن لم تعثر عليه فإنك مكرّم يوم القيامة والذين لا يجدون الحاجات الضروية لحياتهم هم ملوك الجنة لقوله r "يموت الرجل منهم وحاجته في صدره" يشتهي شيئاً ولم يحصل عليه في الدنيا وكل من في قلبه حاجة مشروعة ولم يحصل عليها فهي واحدة من الأسباب التي تجعله من أبرز شخصيات الجنة يوم القيامة.

وَطَر: كل حاجة ينبغي لصاحبها أن تكون له همّة وشغف فهو وطر كأن يكون الانسان شغوفاً بأن يحصل على شهادة الدكتوراه أو يُعيّن في منصب . قال تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) الأحزاب) وطر هنا بمعنى العلاقة الزوجية الناجحة وقضاء الشهوة التي هي من أكثر الأشياء التي تجعل الانسان شغوفاً بها. وطر تعمي العلاقة التي تكون في غاية الرقة والعناية والتحضّر وأن لا تكون كما قال r " لا يقع أحدكم على زوجته كما يقع على الدابّة" وقد سمّى الله تعالى هذه العلاقة وطراً للشغف والعناية وكل شيء تحبه حباً أخذ بشغاف قلبك وبذلت في سبيل ذلك عناية سواء كان وظيفة أو امرأة ليس من السهل خطبتها ثم نلتها يسمى وطراً.

إرب: الحاجة الضرورية بعناية وليس بشغف كما في الوطر فالشغف شيء والعناية شيء آخر. قد لا تكون شغوفاً بالحاجة لكنك تعتني بها كمثل مهندس لمشروع كبير يبذل فيه المهندس مجهوداً كبيراً وعناية وجهد وبعد أن ينتهي من مشروعه يقال نال إربه لشدة ما بذل من عناية وجهد وليس بالضرورة أن يكون شغوفاً بالمشروع أو يعشقه. ومن الإرب يؤخذ الأريب أي الذكي اللمّاح. (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) النور)

سؤل: كل شيء عظيم لكن من المستحيل أن تستطيع فعله أنت ولا بد أن تطلبه من رب العالمين أو من صاحب سلطان ليفعله لك. ولهذا قال موسى (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) طه) موسى u لا يستطيع أن يفعل شيئاً من كل هذه الحاجات التي في نفسه ولا يفعلها إلا الله تعالى فجاء الردّ في قوله تعالى (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) طه) ولم يقل اوتيت حاجتك ولا إربك. فالسؤل هو الحاجات التي لا يمكن أن تفعلها وكل الحاجات السابقة (حاجة، إرب، وطر) يمكن أن تفعلها أنت فإذا سألت الله تعالى بإلحاح أن يفعلها لك أو طلبتها من كبير بسلطانه أو بعلمه أو بنفوذه فهو سؤل.

عَرَض: اسم جنس على كل الحاجات وكلمة عَرَ تعني كل الحاجات الاستهلاكية (سيارة، بيت) قال تعالى (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94) النساء) (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) الانفال) (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42) التوبة) (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) النور) فهي مجموعة الحاجات الدنيوية السهلة التي يمكن السعي لها والحصول عليها بسهولة (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) الاعراف) وكلمة عَرَض ليس لها جمع.

هذا هو الفرق بين الكلمات في هذه المنظومة وكل كلمة ترسم زاوية دقيقة في المعنى لا ترسمها الكلمة الأخرى ومختصة بزاوية حتى تكتمل الصورة في النهاية وهذا من إعجاز القرآن اللغوي الذي هو من أهم انواع الإعجاز.

الحاجة نوعان إما حاجاتك من الله تعالى أو النسا وحاجات الناس إليك. وكل نوع منها له في كتاب الله تعالى والسنة النبوية المطهرة شيء عظيم. ولقد أدّبنا القرآن والسنة كيف نطلب الحاجات وكيف نقضي حاجات الآخرين.

النوع الأول: حاجات العبد من الله تعالى أو الناس: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصلي خلف الامام فسلّم الإمام ونهض شخص كان بجوار عمر بسرعة فور تسليم الامام فأجلسه عمر وقال له اجلس إليس لك عند الله حاجة؟ قال تعالى (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) الشرح) أي عندما تفرغ من الصلاة ادعو الله تعالى بحاجاتك. والاسلام يؤدبنا على لسان النبي r على أن نطلب حاجاتنا من الله عز وجل وفي السنّة النبوية ثلاث صيغ لطلب الحاجة من الله تعالى ولكل واحد الحق في أن يأخذ الصيغة التي تناسبه وكل هذه الصيغ تعبّر عن صلاة الحاجة:

الصيغة الأولى: عن عثمان بن حنيف أن أعمى أتى إلى رسول الله r فقال يا رسول الله ادعو الله أن يكشف لي عن بصري قال r أوتصبر؟ قال يا رسول الله إنه قد شقّ علي ذهاب بصري قال r إذهب فتوضأ ثم صلي ركعتين ثم قل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيّك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه إلى ربك بك أن يكشف لي عن بصري اللهم شفّعه فيّ وشفّعني بنفسي فرجع وقد كشف الله عن بصره.

الصيغة الثانية: قال رسول الله r من كانت له إلى الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ أو ليحسن الوضوء وليصلي ركعتين ثم ليُثني على الله بما هو أهله ثم ليقل لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين اللهم إني أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل إثم لا تدع لي ذنباً إلا غفرته ولا همّاً إلا فرّجته ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين.

الصيغة الثاثلة: رواه ابو داوود والنسائي ولبن ماجه وابن حنبل عن عبد الله بم مسعود :علّمنا رسول الله خطبة الحاجة "الحمد لله نستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونستعيذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم يقرأ الثلاثة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) آل عمران) (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) النساء) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) الأحزاب).

ثم تسأل الله تعالى حاجتك ويتقدّم كل هذا الثناء على الله تعالى بما هو أهله والصلاة على النبي r في أول الدعاء وآخره لأن الله تعالى يستجيب الصلاة على النبي r فاجعلوا الدعاء بينها. كلما كنت في حاجة إلى الله تعالى أو أي إنسان تتبع إحدى هذه الصيغ أو كلها والله تعالى جدير بالإجابة.

النوع الثاني: حاجات الناس إليك:

ثقافتنا في العبادات قاصرة وفيها خلل وكلما ذكرنا كلمة العبادات تنصرف أذهاننا إلى الحج والصلاة والصوم والزكاة. هذه أركان الاسلام والاسلام شيء آخر فالبيت شيء وأركان البيت شيء آخر وأنت لا تنعم بأركان البيت وإنما بالبيت نفسه. فالاسلام هو موقفك من الآخر إمرأة بغيّ سقت كلباً يلهث فغفر الله تعالى لها لأنها قضت حاجة هذا الكلب وامرأة تقوم الليل وتصوم النهار تؤذي جيرانها قال هي في النار. قال r "رأيت رجلاً يتقلّب في رَبَض الجنة بشوكة نحّاها عن طريق المسلمين" ومن شُعَب الايمان إماطة الأذى عن الطريق. هذه العبادات التي هي موقفك من الآخر مثل إغاثة اللهفان والشفاعة والعفو عن الناس وكظم الغيظ ووصل من قطعك والعطاء هذا هو الاسلام الذي يرفع الدرجات والذي لا يحبط فقد تُحبط الأركان بل إن موقفك من الآخر هو الذي يغفر لك ذنوبك وفي الحديث " ثلاثة لا ينفع معهن عمل الشرك بالله وعقوق الوالدين والتولّي يوم الزحف" وقال r " من مشى في حاجة أخيه كان الله في حاجته يوم القيامة قُضيت أم لم تُقض" أي لا يهوله الفزع الأكبر يوم القيامة. إذا قضيت حاجة انسان أو أدخلت السرور على قلب إنسان أو أمّنت خائفاً أو ضمنت أحدهم فنام مسروراً سترى سروراً في قبرك يوم القيامة وينقلب هذا السرور إلى ملك يونس وحشتك في القبر. والأحاديث في قضاء الحاجات كثيرة منها:

" من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته يوم القيامة قُضيت أم لم تُقض" بمعنى من يحاول قضاء حاجة أخيه.

"أن تمشي في حاجة أخيك خير من أن تعتكف في هذا المسجد سنتين (وفي رواية شهرين) واعتكاف يوم في هذا المسجد يباعد بين العبد وبين النار ثلاثة خنادق كل خندق ما بين الخافقين" (أي السموات والأرض).

" إن لله خلقاً خلقهم احوائج الناس يفزع الناس إليهم في حوائجهم أولئك هم الآمنون من عذاب الله يوم القيامة لا عذاب عليه على ما كان منه من عمل.

" إن لله نعماً عند قوم أقرّها عندهم ما كانوا في حوائج المسلمين ما لم يملّوا" فإذا ملوا يتقل الله تعالى هذه الوجاهة لآخر أو يوجّه أصحاب الحاجات لإنسان آخر.

" من مشى في حاجة أخيه كان له خيراً من اعتكاف عشر سنين ومن اعتكف يوماً واحداً ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق كل خندق أبعد ما بين الخافقين.

من مشى في حاجة أخيه حتى يُثبتها أظلّه الله عز وجلّ بخمس وسبعين ألف ملك يصلّون له ويدعون له إن كان صباحاً حتى يُمسي وإن كان مساء حتى يُصبح ولا يرفع قدماً إلا حطّ الله عنه بها خطيئة ورفع له بها درجة.

اتخذوا عند الفقراء يد فإن لهم دولة يوم القيامة. فقد يكون هذا الفقير ناج يوم القيامة فيشفع لك.

من مشى في حاجة أخيه المسلم كتب الله له بكل خطوة سبعين حسنة ومحى عنه سبعين سيئة إلى أن يرجع من حيث فارقه فإن قُضيت حاجته على يديه رجع كيوم ولدته أمه وإن هلك فيما بين ذلك دخل الجنة بغير حساب.

ومن أفضل الحاجات التي إذا قضيتها نجوت : حاجات الوالدين، صلة الرحم، الجار إذا مرض زرته وإذا استقرضك أقرضته وعلمته الصلاة والله تعالى ذم الكافرين (الذين يمنعون الماعون) مجرد أن تمنع المنافع تدخل في ويل، حقوق الزوج على الزوجة إذا كان قد وفّى حقوقها أولاً، وحقوق الزوجة على زوجها إذا كانت زوجة مخلصة، حاجات المجتمع والحيّ الذي تسكن فيه، التكافل البيئي أن تكنس الشارع وتميط الحجارة ومراقبة الحي والسهر عليه، وحاجة المُراجع للموظف "من ولي من أمر المسلمين شيئاً فأغلق بابه أو احتجب دون حاجتهم احتجب الله عن حاجته يوم القيامة" فلا ينبغي لأي موظف أو سكرتير أن يكون حاجزاً بين المُراجع والموظف المسؤول أو المدير فإذا أنفق أي موظف دقيقة دون أن يتابع مراجعاً فقد هلك. ومن أعظم العبادات أن تكون نصرة لأخيك عند ذي سلطان، من كان وصلة لأخيه إلى ذي سلطان في مبلغ أو ادخال سرور أو تيسير عسير رفعه الله في الدرجات العلى.

السؤل هو الأمر أو الحاجة الصعبة التي لا تستطيع أن تفعلها "من فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة"

وفي مداخلة لأحد الشاهدين أنه إذا أردت حاجة فاطلبها من الله أولاً واسأله أن ينظر الناس في حاجتك. وذكر بعض الأبيات عن أحد الصالحين:

لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا وبت أشكو إلى مولاي ما أجد

وقلت يا أملي في كل نائبة يا من عليه لكشف الضر أعتمد

أشكو إليك أموراً أنت تعلمها ما لي على حملها صبر ولا جلد

وقد مددت يديّ بالذل مفتقراً إليك يا خير من مدت إليه يد

فلا تردنّها يا رب خائبة فبحر جودك يروي كل من يرِد

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:12 PM
منظومة التردد والاضطراب (حيرة)

حيرة– شكّ – مِرية- ريبة – إرجاف –

هذه الكلمات تدخل في منظومة التردد والاضطراب عندما يضطرب الانسان في الفهم أو العمل يتوقف العقل عن هداية صاحبه للصواب.

الحيرة: هي نتاج التبلّد العقلي ولا يعود العقل قادر على هداية صاحبه للصواب. الحيرة إذن هي تبلّد العقل وعدم عمله بالاتجاه الصحيح فيجعلك محتاراً في الأمور بحيث لا تعرف الصواب والحق فيها ولا تعرف كيف تصل إلى مطلوبك. (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) الأنعام).

الشكّ: هو تساوي النسبتين ولكن بدون تهمة تريد أن تعرف أين الصواب . الشك يدفعك لأن تتقدم لكي تعرف الصواب والحقيقة أو المطلوب. لذا قال تعالى (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) يونس) (وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) هود). في الحيرة لم يقل له فاسأل. صاحب الشك ليس مرتاباً ولا يتهم الجهة الأخرى فقال له تعالى تقدم واسأل.

المِرية: (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) السجدة) تبدأ بالشك ثم يتطور الشك إلى أن يصبح إثبات أن الآخر خطأ كأن تكون قد سمعت كلاماً وأنت تشك في صحته لكن لا تتهم صاحبه بالكذب أو التورّط لكن تطلب الدليل فإن كان مجرد همّك أن تُخطّيء الآخ فهذا يسمى مِرية وهذا شائع الآن بين الناس. كل الهدف أن يُظهر أحدهم خطأ الآخر ولو لم يكن مخطئاً والمِرية من أعظم الذنوب بدليل قوله r: " المماري بانت خسارته المماري لا أشفع له" . عندما تمارى أبي ابن كعب وأبو موسى الأشعري في آية خرج الرسول r غاضباً وقال: مه يا أمة محمد أبهذا أُمرتم أو بهذا بُعثت؟. وقال r: " أنا ضنين لبيت في وسط الجنة لمن ترك المراء وهو مصيب" ترك المراء عبادة تجعلك في وسط الجنة. (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) الحج) (أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) فصّلت) (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17) فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109) هود)

الريبة: الشك يكون بلا تهمة تسأل سؤالاً وتريد أن تعرف الجواب أما الريبة فهي أن تتهم شخصاً تهمة ولهذا ترتاب في كلامه. قال تعالى (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) البقرة) أي لا شيء فيه يُتّهم ولا يوجد في القرآن آية أو معنى تتهمه أنه كاذب والقرآن ليس فيه عِوج وإنما هو منتصب في صوابه في كل العصور ومهما تقدّم العِلم. (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37) يونس) (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21) الكهف) (وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) الحج)

الإرجاف: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) الأحزاب) مدينة متعافية فيها خير ونفع كثير وإيجابيات كثيرة يأتي عدو شانئ أو حاقد أو معلم أحمق يبحث عن زاوية سلبية واحدة فيضخّمها حتى يجعلها قضية كبيرة بحيث ينسف كل إيجابياتها. والمدن والأقطار الاسلامية تعاني من هذا الأمر من عدو في الداخل أو الخارج فيحاول تضخيم سلبياتها على حساب إيجابياتها ويطمسها وينتهي الأمر بتصديق هذا الإرجاف الذي يُراد منه التصديق. وجاء لفظ المدينة في الآية بمعنى الوحدة الأولى في الدولة وعندما تسقط فالباقي يتهاوى. الإرجاف من أخطر ما تعانيه المدن الإسلامية هذه الأيام ويُعرف بالطابور الخامس.

قال تعالى (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) النور) نصدق ما يقال عنا فنشعر بالنقص ونتهاوى. الطريق إلى ذلك المصلحين والساسة يعلمون أبناءهم وشعبهم إيجابيات الأمة ومكامن القوة فيها ومحاسن الشعب والمدن والأمة حتى يشعروا بالفخر وحتى يصمدوا في وجه هذه الإرجافات. والمُرجف يختار سلبية واحدة يضخّمها حتى يشعر الضحية بأنه فعلاً هكذا حتى ينهار وقد حصل هذا في التاريخ. ومن المدن التي طالتها هذه الإرجافات مدينة دبي مثلاً فهي من أكبر الدول الاسلامية التي دخلت القرن العشرين بثقة وقوة عالية بحيث بلغت نسبة الاستثمار 94% ويريد المرجفون أن يركزوا على سلبيات هذه المدينة برغم كل إيجابياتها على كافة الأصعدة : البُعد الأُسري والبُعد الديني وما يشمله من حرص على المؤتمرات العلمية وجائزة القرآن الكريم وتكريم العلماء وبناء المساجد وغيرها والسلطة السياسية بحيث يمكن الوصول إلى أي مسؤول بسهولة ووجود ديوان المظالم لاسترجاع حقوق الناس الذين لا يملكون أدلة والبُعد الأمني والأخلاقي والعدلي وكل هذه الإيجابيات في هذه المدينة ترى المرجفون يحاولون أن يبحثوا بين كل هذه الإيجابيات على ثغرة حتى يهاجموا بها هذه المدينة ويضخّموا سلبياتها حتى يصدّق الناس.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:13 PM
باب حرف الخاء

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:17 PM
منظومة التذلل لله تعالى

إخبات– تضرّع – خشوع – لين –اطمئنان - خضوع

هذه الكلمات تتناول منظومة التذلل لله تعالى. أعظم العبادات هي عبادات القلب (إلا من أتى الله بقلب سليم) حينئذ هذا القلب السليم هو عنوان الصالحين المتفوقين يوم القيامة وهم لا يتفوقون إلا بذلك. ولكي تصل إلى أن يكون قلبك سليماً لا بد من أن يمر بمراحل من الترقّي والتدريب حتى يصل إلى سلامة القلب يبدأ بأن يكون مخبتاً ثم متضرعاً ثم خاشعاً ثم ليّناً ثم خاضعاً ثم مطمئناً حينئذ يصل إلى سلامة القلب. هذه الكلمات تبدو في الظاهر متشابهة أو بمعنى واحد (تخشع قلوبهم، تطمئن قلوبهم، تخضع قلوبهم) لكن كل واحدة منها تفيد مرحلة من المراحل وتسلمك للمرحلة التي بعدها.

الإخبات: التواضع نسبي فقد تتواضع بنسبة 10% أو 15% فإذا وصل تواضعك إلى نسبة 100% أي تواضعت لشيء أو لأحد أو لأمر تواضعاً مطلقاً ثم تلذذت بهذا التواضع حتى وصل بك الأمر أن لا ترى لك عِزّاً إلا بهذا التواضع فهذا هو الإخبات. قال تعالى (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) الاسراء) هذا الذل هو أعظم أنواع العِزّ مع أن الذل في غاية القُبح ولكن هذا الذل العبقري أن يكون ذليلاً لأبويك أي أن تتذلل لهما وتذل نفسك لهما فتقبل رجليهما مثلاً حتى أن يضربك أحدهما بنعاله مهما كان شأنك ولو كنت كبير قومك وترى في هذا الأمر عزاً قال r :إلزم أقدامها فإن الجنة هناك". التواضع الذي تتذلل به وتراه عِزّك ومجدك وتحقيق ذاتك هو الاخبات (فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الحج). إذا تواضعت لله تعالى وعبدته كل العبادات ترى نفسك كأنك لم تفعل شيئاً وأنت ضئيل في حضرته تتضاءل عنده تماماً كما قال r عن جبريل u في الملأ الأعلى: كان جبريل عليه السلام لشدة إخباته لله تعالى كالحِلس البالي في رحلة المعراج والحِلس هي الخرقة التي توضع على ظهر الدابة بين الدابة والركاب. هكذا يكون الناس الصالحون مع آبائهم وأمهاتهم ولقد رأينا صوراً لبرّ الوالدين والذل لهما من أعظم العبادات يوم القيامة وأصحابه هم من ملوك الجنة. (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23) هود) بعض الناس يعمل الصالحات لكنه يريد أن يمدحه الناس لعمله أو يتعالى عليهم أما هؤلاء فأناس آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا فأنكروا ذواتهم ولم يكونوا متعالين أو مغرورين أو يطلبوا المدح من الناس على أعمالهم.

التضرّع: الإخبات هذا مرحلة تسلمك إلى الضراعة التي لها نفس مواصفات الإخبات بزيادة بسيطة ألا وهي رفع اليدين بكل ذل وانكسار بالدعاء لله تعالى كأي مسكين بائس يستجدي مالاً من ملك من الملوك أو أمير من الأمراء. قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) الانعام). بعد التواضع الشديد مع الله تعالى في الساعات التي تدعو الله تعالى بها وتطلب منه تتضرع والضراعة هي طلب العفو من الله تعالى وليس لطلب شيء آخر والمتضرع مُخبت بزيادة دعاء وثناء واستغفار وطلب العفو. الدعاء هو طلب شيء من الله تعالى أما الضراعة فهي طلب العفو من الله تعالى.

الخشوع: إذا كان مخبتاً بهذا التواضع ثم تضرّعت سكنت جوارحك عندما تقف أمام الله تعالى وتخاطبه كأنك جدار. خاشع الجوارح هو الذي لا يتحرك ويبقى ساكناً تماماً (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) المؤمنون) يقال أن عروة بن الزبير كان إذا صلّى في الليل تقف الطيور على رأسه وتظن أنه جدار لشدة جموده وعدم حركته. قال تعالى (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) الحديد) الخاشع مُخبت أولاً متضرع ثانياً وثالثاً ساكن سكوناً كأنك ترى الله عز وجلّ وقد هدأت وخشعت جوارحك واستيقظ قلبك وتذكرت كل كلمة تقولها فهذا هو الخشوع وهو من أعمال القلوب كان الرسول r يصلي ورأى أحد المصلين يلعب بملابسه فقال : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. وعندما نزل قوله تعالى ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) قال ابن مسعود ما كان بين اسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنوات. الكلام في الخشوع طويل والخشوع ثلاث درجات :

الأولى: التذلل للأمر عندما يأمرك تعالى بأمر لا تناقش أمر الله تعالى وإنما نفّذ فوراً والاستسلام لحكم الشرع مهما حكم الله تعالى عليك تستسلم لكل أحكام الشرع بلا نقاش والاتضاع لله تعالى فتعلم أن الله تعالى ينظر إليك فأنت متواضع لهذا النظر تماماً. الثانية: مراقبة آفات النفس والعمل صحيح أنك خاشع لكن قد يكون فيك بعض العُجب أو الكُره أو تفرح لمدح أحدهم لك وتغضب إذا ذمّك أحدهم فيجب أن تنقي النفس أولاً وعليك أن تنقي عملك وكل العبادات فإذا كان في صلاتك نقص أو في صيامك مثلاً تنقيه وعندما تترقى بالخشوع وإضافة هذا التذلل لله تعالى تنقي آفات نفسك وعملك. والثالثة حفظ الحُرمة عند المكاشفة وهذه خاصة بالصالحين والأولياء: كثير من العلماء والصالحين والأولياء يجتبيهم الله تعالى بأمر ما فعليهم إذا حصلت لهم هذه المكاشفة أن لا يظهروها وإنما يستروها ولا يحدّثون بها أحداً إلا إذا أُذن له بذلك "من عادى لي وليّاً آذنته بالحرب" (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون).

اللين: بعد الخشوع تأتي مرحلة اللين قلبك يلين أي لم يعد فيك توتر أو تشنّج. قد تكون أنت مخبتاً أو خاشعاً أو متضرعاً لكن قلبك خشن تستثقل طلب أحدهم أو ساعة الجهاد أو تستوحش أحياناً وتتألم لسفر ولد أو قريب أو مرض ومع أن هذه المشاعر إنسانية فهي تعبّر عن نقص في الأنس بالله تعالى. هذا الذي يصل إلى مرحلة اللين لا يعد عنده شيء من هذه المشاعر إطلاقاً (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) الزمر) الرسول r عندما ذهب في رحلة الاسراء والمعراج تركه جبريل u عند سدرة المنتهى ليخترق الحُجُب وحده فلما انطلق r وحده شعر بوحشة أنه بمفرده فما أن رأى النور حتى لان قلبه ولان جلده وزُجّ به في النور زجّاً وهذه مرحلة خاصة بالرسول r.

واللين ضد الخشونة وهي تستعمل للأجساد والقلوب يقال قلب خشن وجسم خشن. ليّن القلب "المؤمن هيّن ليّن" لا يغضب ولا يسب ولا يعاقب سريع التأثر "أكثر أهل الجنة رقاق القلوب" يُحسن الظنّ بكل الناس ولا يرى أنه أفضل من غيره مهما كان تقياً والمذنبون عنده أولى بالرعاية من الصالحين ويستر العورات.

الخضوع: كلمة ما جاءت في القرآن بمعنى القلوب. كل كلمة تكلمنا عنها سابقاً هو كلّ ما مرّ في القلب (مخبت، متضرع، خاشع، سكون تام ووقور) الخضوع ظاهري إضافة إلى القلب المنكسر جسمك مذلول لرب العالمين وهذا منهي عنه في الاسلام من حيث الشكل. والخضوع لغة هو نزول الرقبة ذُلاً وانكساراً والخضوع في القلب هو الأهم تتخيل أن لقلبك رقبة (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) الشعراء).

الاطمئنان: بعد هذا تصل لأن يكون قلبك مطمئناً لله تعالى تماماً مهما أصابك أعطاك أو منعك " وعزّتي وجلالي لو ألقيتني في النار ما شكوت منك". (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الرعد)

كل ما تقدم هو الذُلّ العبقري (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) المائدة).

وهناك فرق بين الذُلّ والذِل: الذُل هو أن تقهر نفسك وهذه فضيلة أو يقهرك غيرك وهو رذيلة عليك أما الذِل فهو القهر من غير عدو كأن تكون أن بطبعك ذليلاً لا شأن لك بين قومك (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) يونس) (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43) القلم) (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44) المعارج). والخالد في النار هو الذي أذلّ نفسه.

فلسفة التذلل لله تعالى وكيفية مخاطبة الله تعالى لعباده:

عبادة التوبة من أعظم العبادات عند الله عز وجل وقد استأثرت التوبة بفضيلة لم تستأثر بها أي عبادة أخرى ةهي فرح الله تعالى بالعبد التائب "لله أفرح بتوية العبد من صاحب الراحلة" كم يفرح الله تعالى بالتائب عندما يتوب لأن في التوبة ذلاً وتذللاً وتضرعاً وإخباتاً لا تجدها في أي من العبادات الأخرى. تتوب وتتضرع إلى الله تعالى وتتذلل إليه. ولو علمنا كم تضرّع آدم u بعد أن أكل من الشجرة لعجبنا ولو لم تكن التوبة عظيمة لما ابتلانا الله تعالى بالذنوب كلنا يسأل الله تعالى أن يعصمه من الذنوب والله تعالى يحب ذلك لكنه لن يستجيب ذلك لعبد من عباده ويقول تعالى في الحديث القدسي: إذا كنت أعصمك فعلى من أجود وعلى من أتفضل ولمن أعفو. وإذا أحبّك الله تعالى يبتليك بذنب كي يوصلك هذا الذنب إلى عبادة لا تجدها إلا في هذا المكان.

ويقول أحد الصالحين: رُبّ ذنب أورث ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عُجباً واستكباراً. فالعُجب يُحبط الأعمال لكن لو عملت كبيرة ثم تبت إلى الله تعالى وتضرّعت إليه "أنين المذنبين أحبُّ إلى الله من تسبيح المسبّحين" "إن الله يحب المفتّن التواب" (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) آل عمران) كلما أذنبت ذنباً تبت من قريب يحبّك الله تعالى ومن كرمه سبحانه وتعالى وحُبّه للتوبة إذا كنت موحداً لله تعالى ومن أهل القبلة مهما كان ذنبك عظيماً لكنك لا تُذنب تحدّياً واستكباراً إنما من الضعف البشري فالله تعالى من كرمه يسخّر لك ملائكة خلقهم منذ مليارات السنين كل عملهم أن يستغفروا للمؤمنين طوال السنين وهذا من كرم الله تعالى (تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) الشورى) (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) غافر) هؤلاء حملة العرش وهم 120حوالي صفّاً وهم أقرب الملائكة لله تعالى.

الذنب كان لآدم ضرورة ولو لم يحبه الله تعالى لما جعله يُذنب، أخرجه من الجنة حتى يعود إليها بلذّة وهو تعالى خلق الجنة له حتى يعود إليها بدليل قوله تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ (46) الحجر).

يقول الصالحون مما جاء في الأثر أن أحد أنبياء بني اسرائيل قال يا رب أين أجدك؟ قال عند المنكسرة قلوبهم من أجلي وليس من شخص منكسر القلب كالمريض (حديث عبدي مرضت ولم تعدني إلى قوله لو عدته لوجدتني عنده). الله تعالى عند المريض دائماً والذي يزور المريض يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه لأن الله تعالى عند عبده المنكسر بالمرض وأنت تزور هذا المريض لوجه الله تعالى. فإذا كان تعالى يُكرم من يزور المريض لأنه انكسر قلبه فما بالك بمن انكسر قلبه لمعصية ارتكبها وينوح على ذنبه بحيث لا يهتم بشيء. قال تعالى في الحديث القدسي: لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم. ولهذا فالتوبة أعظم العبادات عند الله تعالى لما فيها من الانكسار. وما من انكسار أعظم من عبد مؤمن ارتكب معصية فانكسر قلبه مع الله تعالى وينوح على ذنبه.

رُبّ ذنب أعظم للعبد من طاعة. ابليس أحياناً يندم على أنه حرّض عبداً على ذنب يستيقظ العبد منه فيعوّض ذنبه بالاستغفار ويعمل أعمالاً كثيرة ليغطي الذنب الذي كان سبباً في اكتساب هذا العبد أجراً كبيراً فيقول ابليس ليتني ما أفسدته.

كل ذنب كان سبباً لترتّب طاعات وحسنات كثيرة أخبت قلبه وخشع ومن ضمن الوصول من الذنوب أن تصبح بعيداً كل البعد عن هذه الآفة التي تكاد تحبط أعمال الصالحين والعلماء والدعاة إذا وصلوا من هذا العلم والعطاء الى احتقار الآخرين. يجب أن لا تشنّع على أحد وأن تتغاضى عن ذنوب الآخرين وتنشغل بذنبك ولا تزدري عاصياً ولا تغضب منه وادعو له بالمغفرة فالدعاء لأخيك المسلم في ظهر الغيب من أعظم العبادات وتشفق على أخيك العاصي كما تشفق على نفسك. عندما تصاب بالذنوب الكبيرة تذوق طعم التضرع والخضوع والإخبات والتذلل ويجب أن تُحسن الظن بالناس ولا تتّبع عوراتهم وتساعدهم وتستر عليهم وتعينهم على الشيطان كما قال r: لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم". والسعيد من شغله عيبه عن عيوب الناس. والذنب أنفع بكثير من طاعات تتصور أنها ترفعك لكنها تخفضك وتحبطك إذا أصابك الغرور والعُجب " يا آدم ذنب تذلّ به لدينا أحب من طاعة تُدلّ بها علينا" "من تتبع عورة مؤمن ليفضحه تتبع الله عورته حتى يفضحه في بيته" وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه " لا تُظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك.

الإخبات نوعان : إخبات مع المخلوق وإخبات مع الخالق. الإخبات مع المخلوق تواضع (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) آل عمران) يجب أن تكظم غيظك فى تغضب ولا تشكو وأن تعفو عن من أساء إليك فلا انتقام ولا أذى ولا قطيعة وأن تُحسن إليه وهذا دأب الصالحين دائماً عندما يسيء أحدهم إليهم. والبشارة من الله تعالى شيء عظيم فأنت لا تدري ماذا سيعطيك الله تعالى (فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الحج) الإخبات مع المخلوق و (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) الحج) الإخبات مع الخالق. إذا خبت قلبك لله تعالى إيمان بصدق الكتاب العزيز فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وتذلل عبقري كما تتذلل لأبيك وأمك.قالوا يا رسول الله كيف نستحي من الله حق الحياء ؟ كما تستحون من الرجل الصالح من قومكم.

كيف نفرّق بين (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) الحج) وبين (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (103) آل عمران) حبل الله تعالى هو القرآن لا ضلالة ولا ومغالاة ولا بِدع ولا جهل ولا تطاول على العلماء والصالحين والمفسرين فأنت مع الجماعة (اعتصموا بحبل الله) ولكي تصل عليك أن تعتصم بحبل الله أما الاعتصام بالله فهو التوكل على الله تعالى التوكل الصحيح في كل أمورك بعد أن تقوم بالأسباب وتعمل جاهداً لكنك تعتقد أن الله تعالى هو الذي يوفقك . بالتوكل على الله تعالى والدعاء والتضرع تقضي على غضبك وعلى حقدك على المسلمين وتحسن الظن بأكثرهم فجوراً وتظهر حسناتهم عندها تتدرج في مدارج الصالحين.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:18 PM
منظومة الخبث

الخبث– الرجز – الرجس- النجس– القُبح – السوء - الفساد

هذه منظومة من الكلمات التي تصف بعض الأحداث والأفعال والأشخاص والأفكار بوصف يدخل في منظومة الخبائث من حيث كونه شيئاً أو شخصاً كريهاً مذموماً مقبوحاً ليس من الطيبين لأن الخبائث ضدها الطيبات. وكل خبث ليس طيباً وكل طيب ليس خبيثاً.

الخبيث: هو كل شيء أو شخص أو فعل أو نظرية أو عمل تتقزز منه النفوس وتنفر منه الطِباع. قال تعالى (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) آل عمران) (وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) النساء) (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) الأنفال) (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) النور) الزنا مثلاً كل إنسان معرّض له وهو جريمة يعاقب عليها الشرع والقانون لكنه لا يثير الاشمئزاز أما أن تعمل المرأة بغيّاً فهذا مقزز ولو أنه من فصيلة الزنا لكنه وصل إلى درجة من الخبث حتى أصبح مقززاً. قال r :" لا تقوم الساعة حتى يكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء" فكل ما كان من الأفعال المحرّمة تتقزز منه النفوس فهو من الخبائث قال تعالى في اللواطة (وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) الأنبياء) وقِس على ذلك كل أنواع الذنوب.

الرجز: الشعور بالقذارة مأخوذ من رجز الناقة إذا كانت ضعيفة وعجزها ضعيف وقوائمها الخلفية لا تحملها تحاول مرات حتى تقوم وهي ترتجف فينتج عن هذا تجمّع القذارات على مؤخرتها بحيث يتقزز من يراها وهي تشعر أنها قذرة بين النوق الأخرى. قال تعالى (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11) الأنفال) رجز الشيطان هي وساوسه القذرة بعض الناس يوسوس لهم الشيطان وساوس قذرة شريرة بحيث هو نفسه يشعر بالتفاهة والنقص والقذارة ولا يرى نفسه كفؤاً ليجلس بين الناس ويجعله الشيطان مضطرباً مرتبكاً. والرجز اضطراب والرجز من أبواب الشِّعر يرقّص لأن صاحبه لا يستقر وإنما يتحرك ويضطرب ومن هذا أُخذ الرجز. فإذا أصاب الانسان رجز فلا يكون مطمئناً ويشعر بقذارته (وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ) (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) المدثر).

الرجس: هو العمل النجس النتن. هناك نجاسة مطلقة كالثوب النجس مثلاً الذي وقعت عليه نجاسة لكنه ليس نتناً فإذا كانت النجاسة نتنة سميت رجساً وهذا أيضاً ينطبق على الانسان إذا كان في ذنب مألوف معين. هناك قواعد للشرع هناك جرائم لا عقوبة عليها إلا بنصّ لكن هناك بعض التصرفات فيها نوع من النتانة والوساخة كأن يزني الرجل بأمه. قال تعالى (إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) الأحزاب) (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) الحج) (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100) يونس).

النجس: (القذارة وهناك ضربان منه ضرب يّدرك بالحاسّة ضرب يُدرك بالبصيرة كقوله تعالى (إنما المشركون نجس)- من المفردات في غريب القرآن للأصفهاني). قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) التوبة) من حيث أفكارهم يعبدون مع الله تعالى حجراً أو صنماً صنعوه بأيديهم لا يساوى بين الله تعالى وبين حجر تصنعه بيدك ثم تعبده هذا في غاية النجاسة.

القُبح: هو نقص في الصورة (وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42) القصص). يرسم شخص ما صورة فإذا بها قبيحة كأن يكون لها أنف كبير أو عين جاحظة، أو بناء في غاية القبح. هناك من القُبح ما يستدر الشفقة كشخص فُقئت عينه في الحرب وهناك قُبح يُبعَد لقبحه وهذا قبح مطلق. القبح هذا من هذه المنظومة لأن صاحبه يُبعَد ولا يُحمَد وكل ما يستدعي الذمّ والإبعاد فهو قبيح.

السوء: هو القبح الدائم. من معجزات عيسى u أنه يزيل القبح الدائم يُبرئ الأكمه والأبرص هذا يسمى سوء لذا قال تعالى لموسى (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى (22) طه) لا برص فيها ولا شيء وإنما تشع يديه من نور وليس من برص. ومنها أخذت السيئة أي القبح الدائم. وقد تحدثنا عن السيئة في منظومة الذنوب سابقاً (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) منظومةإثم

الفساد: خروج الشيء عن حدود الاعتدال حتى لم يعد صالحاً للاستعمال كالبيضة تفسد إذا تركت مدة طويلة خارج الثلاجة فلا تعود صالحة للاستعمال وكالسيارة فيها خلل عوّق استعمالها فقد فسدت. البطلان مطلق والفساد نسبي. (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) الروم) (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) غافر) (فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) الفجر) (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) القصص) (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) البقرة)

هذه منظومة الخبائث ولفهم هذه الكلمات نأخذ كل كلمة مع ضدها: الخبيث ضده الطيّب، الرجز ضده الاستقرار والطمأنينة، الرجس ضده النقاء، النجاسة ضدها الطهر، القبح ضده الجمال، السوء ضده الحُسن. القبح والجمال نسبيان فما أراه أنا قبيحاً قد يراه غيري جميلاً والعكس أما السوء والحُسن فمطلقان عندما يقال هذا سوء فهو مطلق كالجنون والجزام والبرص فلا يقال على أبرص أنه جميل والأفعال كالشرك ومن يعمل بالدعارة. والحسن مطلق القمر حسن مطلق والله تعالى له الأسماء الحسنى والجنة سماها الحسنى لا يختلف في جمالها اثنين (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) فكل جمال مطلق يسمى حسناً، والفساد ضده الصلاح.

كلما وجدت في القرآن الكريم كلمة من هذه المنظومة فاعلم أن وراءها شيء يبغضه الله تعالى ورسوله (لواطة، بغاء) الذنوب التي تشمئز منها النفوس. قد يهرب أحدهم من القتال فهو جبان وهذا ليس مقززاً أما أن يهرب من جيشه ويلتحق بالعدو حتى يصير جاسوساً لهم فهذا في غاية الخبث والكل يرفضه.

الخبث إذن هو كل فعل أو شخص أو حركة أو مذهب أو مبدأ تشمئز منه النفوس السليمة وتنفر منه الطباع الكريمة مثلاً: عبادة البقر أو الثور. هذا الخبث إذا صار في المُباح صار مكروهاً (أكل البصل مثلاً مباح لكن أن يأكله أحدهم ويجخل المسجد أو يذهب لحضور اجتماع أو غيره فهذا خبث) قال r: "من أكل من هذا الشجرة الخبيثة قلا يقرب من مجلسنا" وإذا كان في الحرام صارت الحُرمة مغلّظة حتى يُعيّر بها كأن يسرق الرجل من المسجد أو بيت رجل أعمى أو يسرق مضيفه فهذا مقزز وكالزنا بالمحارم أو بحليلة الجار هذه يضاعف عليها العقوبة قال r: " لأن يزني الرجل بسبع نسوة أيسر من أن يزاني حليلة جاره".

وقد تحدثت كتب اللغة كثيراً في الخبث وقالوا أنه الضراط والفساء وسط الجماعة فهذا مقزز ويسمى خبث. الرسول r تحدث عن مدافعة الأخبثن في الصلاة فقال : " لا يصلي الرجل وهو يدافع الأخبثين" كذلك القيء والاسهال والثوم والبصل وكل ما استقذره الناس كأكل الأفاعي والعقارب وكما يقال: مهر البغيّ خبيث. هذا من المباحات وكثير من المباحات ينبغي أن لا نفعله فمن المباح مثلاً أن يظهر الرجل عارياً ما عدا ستر السوءتين لكن لو فعل الناس هذا في الأماكن العامة أصبح مقززاً. قالوا يا رسول الله : أنهلك وفينا الصالحون؟ قال r : نعم إذا كثُر الخبث" لم يقل إذا كثرت الذنوب لأن الذنوب قانون. أما الحرام إذا حدث تُغلّظ العقوبة كما أسلفنا ومنه الزنا بالمحارم.

السبّ والشتم جريمة لكن أن تسب امرأة في عرضها فهذا خبث والخبائث لها عقوبات عجيبة فالزاني بالمحارم أو اللوطي سواء كان فاعلاً أو مفعولاً به عقابه أن يرمى به من شاهق والجبان قد يهرب من المعركة لكن أن يتحول إلى جاسوس يساعد العدو على بلاده فهذا خبث وعقوبته إما أن يرمى من شاهق أو يحرق. هذه الخبائث في الأفعال التي أجمعت البشرية كلها على أنها مقززة وفي غاية القذارة.

هذه مجموعة الخبائث ويقاس عليها كل فعل سواء كان مباحاً أو حراماً إذا اقترب لكون الطباع تنفر منه فهو خبث قذف المحصنات مثلاً كما جاء في القرآن الكريم (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) النور) من فعلها لا تقبل شهادتهم أبداً نُزِعت حقوقهم المدنية لأنهم رموا امرأة في عرضها صادقين أو كاذبين.

قال تعالى (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) المائدة) هذه قضية حساسة في عصرنا نحن. في كل التاريخ الانساني الخبيث كالجاسوس واللوطي والبغيّ والخائن كان قليلاً أما في عصرنا الآن صارت لها صحف وكتب ومجلات وأحزاب وكُتل تدافع ترتضيه وتفلسف هذا الخبث ويكثر يوماً بعد يوم. الأمانة طيبة والخيانة خبيثة وقد كانت الخيانة قليلة جداً أما الآن يصح حديث الرسول r : "سيأتي زمان الخبث فيه هو السائد والطيب قليل لا يكاد يُذكر"

قال r: " لاتقوم الساعة حتى يكون المسلم في القبيلة أذل من النقد، (النقد هو صغير الغنم)" وقال r: "طوبى للغرباء" الذي يبقى مكانه ولا ينهزم مهما عل الآخرون من حوله من خبائث فالقِلّة الطيبة تساوي عند الله تعالى الكثير، مدينة كاملة لا تصلي وفيها أربعة أشخاص يصلون. قال r : " لا تقوم الساعة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق حتى يقول له أحدهم لو تنحيّت بها إلى الجدار وهو يومئذ فيهم كأبي بكر فيكم" وهذا يحدث في بلادنا حالياً. مهما كثر الخبث فأنت أقوى منه والخبث منهزم مهما كثُر.

" لا تقوم الساعة حتى يكون السلام على المعرفة" هذا حاصل الآن بينما في السابق كان الناس يسلمون على كل من في طريقهم أما الآن فلا يسلم الأنسان إلا على من يعرفه.

" لاتقوم الساعة حتى يشيع اللعن بينكم" الآن هناك من يلعن الصحابة والأولياء والعلماء وآل البيت ولا يعلمون أن سب العلماء كُفر وكيف يلعنون آل بيت النبي r الذين قال فيهم القرآن الكريم (إنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) الأحزاب) علينا أن نحترم العلماء ونحبهم والصحابة والأولياء وآل بيت النبي r وكل إنسان يصلي للقبلة.

قال تعالى (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) آل عمران) سنة من سنن الله تعالى في الكون النخيل مثلاً كل فتر يأتي من يزيل عنها خبثها كالسعف المتآكل حتى تخرج النخلة كأنها عروس هكذا علينا أن نزيل خبث الدوائر والوزارات والبيوت وهذه قوانين رب العالمين إذا اختلط الحابل بالنابل في الأمة كل فترة يُحجث الله تعالى حدثاً واقعياً ليميز الخبيث من الطيث. هذه الأمة مباركة موحدة لا تحتمل الزيف أبداً وفي كل فترة تحدث أحداثاً تكشف الناس على حقائقهم الصادق من الكاذب " لا تكرهوا الفِتن فإنها حصاد المنافقين" وما يجري الآن تنقية للأمة الاسلامية.

قال تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) ابراهيم) كلمة خبيثة وكلمة طيبة. الكلمة الطيبة هي كلمة التوحيد لا إله إلا الله والكلمة الخبيثة هي كلمة الشرك أن تقول الإله هو الصنم أو الدولار أو الاقتصاد أو الفرعون. والرجل الموحد رجل طيب يؤمن بكل الأنبياء وليس له مشكلة مع أحد (لا تفرق بين أحد من رسله) لا يتكلم عن أحد من الأنبياء وإيمانه بموسى وعيسى عليها السلام كإيمانه بمحمد r وأكثر أسماء المسلمين على أسماء أنبياء بني اسرائيل. نحن أصلنا ثابت بإيماننا وعقيدتنا بكلمة التوحيد وكلمة التوحيد طيبة تنشر الطيب حولها.

قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) المائدة) رجس هي النجاسة النتنة الخنزير مثلاً رجس لأنه نتن ويأكل من القاذورات ويعيش في الطين الآسن ويقزز وكذلك الخمر رجس وهي من الخبائث وقيل هي أم الخبائث ولهذا قيل اجتنبوه ولو قال تعالى عن الخمر أنها نجس لما قال اجتنبوه واستعمال رجس يدل على غاية النتانة لأن الذي يشرب الخمر حتى يفقد وعيه قد يتقيأ على نفسه أو الناس أو يتبول على نفسه أو الآخرين ويصبح شكله مقززاً لما يفعله بلا وعي منه. قال الشاعر:

واترك الخمرة إن كنت فتى كيف يسعى في جنون من عقِل

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:19 PM
منظومة الأذى الجسدي

خبط– ضرب – جَلَد- قمع– وكز – صكّ -

هذه منظومة هي منظومة الأذى الجسدي والتأثير بالجِلد البشري بأي أسلوب من الأساليب فيما دون القتل أو إسالة دم وإنما ترك الأثر بلإيقاع الجِلد على الجلد.

جَلَد: هو الضرب بالجلد على الجلد (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) النور) الذي يقذف امرأة في عرضها جزاؤه أن يُعرّى جسده أولاً ويُضرب بالجلد (السوط) على جلده العاري والعقوبة الثانية أن لا تقبل له شهادة ويفقد أهليته في أي عقد (عقد بيع أو زواج أو غيره لا تقبل له شهادة) وهذا من حِرص الاسلام على المرأة وعرضها. وكلمة جَلَد تستعمل مجازياً لأي ضرب بالجلد على الجلد.

ضرب: المقصود به أن تؤذي مكاناً محدداً في الجسم كالوجه مثلاً أو الظهر أو البطن أو الصدر أو غيره (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) البقرة) (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) النساء) (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) ص) (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) الشعراء).

خَبَط: هو الضرب على غير استواء قال تعالى (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) البقرة) إذا كان الضرب غير محدد وعلى غير استواء يسمى الخبط من حيث أن المخبوط يتحرك حركات غير متوازنة فإذا كان واقفاً وخُبِط على بطنه انحنى للأمام وإذا ضُرب على ظهره انحنى للخلف وهكذا يصبح مضحكاً من شدة ما يتحرك من الأذى ومن شدة الخبط لا يدري من أي جهة ستأتيه الضربة. وهذا العذاب الذي يستخدمه البعض في السحون بحيث يضعون المسجون في مكان مظلم ثم يضربونه فيخبط لأنه لا يدري من أين تأتيه الضربة وهذا مما حذّر منه رسول الله r في الحديث الشريف: " صنفان من أهل النار لم أرهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا . انتهى . والحديث رواه مسلم (2128) "

قمع: القمع هو أن تضرب شخصاً بمقمع حتى توقف حركته والمقمع هي العصا الغليظة التي لها رأس مدبب. القمع ليس أن تقتل الشخص وإنما تجعله غير قادر على الحركة مثل القمع السياسي لا يستطيع المواطن أن يتحرك أو يقول كلمة وهو جالس في مكانه لا وطن له ول كان في وطنه لكنه لا يشعر بمواطنيته لشدة القمع ويطيع طاعة عمياء ويمكن أن يلقى عليه القبض في أية لحظة. قال تعالى في عذاب الكافرين (وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) الحج) يصف تعالى العذاب للمشركين نحن نعلم أن ليس كل كافر كافر وليس كل مشرك مشرك وكل شخص يعذّب على حسب عمله وهناك فرق بين مشرك لم ير النبي r وهو مخلص في عمله وبين أبي لهب الذي عذّب المسلمين. ويطلق القمع على الذي يصب به السائل من سمن أو عسل ولهذا قال r : " ويل لأقماع القوم" أي الذين يجعلون آذانهم كالقمع يتجسسون على مجالس الناس ثم ينشرون ما سمعوه بين الناس.

وكز: هو الضرب بكفة اليد والوكز غير الوخز . الوخز هو الشك بشيء في غاية الحدة ورفيع كوخز الابرة ينفذ بسرعة أما الوكز فهو بيد قوية تضرب الشخص فتطرحه أرضاً مثل المصارعة. قال تعالى (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) القصص) موسى u كان قوياً وأراد أن يكفّ عن صاحبه فوكز الآخر لكنه لم يقصد أن يقتله.

صك: الوكز يكون بيد واحدة أما الصك فبكلتا اليدين ويقال صكّ الشيء أي قفله. في قصة ابراهيم u عندما جاءته الملائكة تبشره بغلام قال تعالى (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) الذاريات) السيدة سارة زوجة ابراهيم u لما بشرتها الملائكة بالغلام من دهشتها وحيائها صكت وجهها أي ضربت بكلتي يديها على وجهها. والصك يكون من الاندهاش أو الخوف أو الحياء أو العجب.

باختصار الجلد بالجلد والخبط في غير مكان محدد والضرب في مكان محدد والقمع لا يتحرك والوكز بيد واحدة والصك باليدين. هذه هي كلمات هذه المنظومة والترادف هو من الاعجاز القرآني فكل كلمة لا تغني عن الثانية وكل كلمة في مكانها تعطي المعنى المراد لا نقص ولا زيادة وهذا من إعجاز القرآن الكريم وليس في وسع البشر أن يستعمل الكلمات العربية بهذا الشكل المعجز التي في القرآن.

بعد أن عرفنا الفرق بين هذا الكلمات نتكلم عنها واحدة واحدة بحسب ما يسمح الوقت:

ضرب: جاءت في القرآن الكريم باستعمالات كثيرة قال تعالى (وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (المزمل)) السفر يجب أن يكون جاداً وقوياً ولا يكون لأغراض غير شرعية أو غير مفيدة. ضربتم في الأرض يعني أن قوة السير كأنهم يضربون الأرض بأقدامهم. وقلنا أن الضرب هو الذي يترك أثراً خفيفاً على الجلد يحبث لا يؤدي إلى ألم فإذا كان الضرب قوياً فهو الجلد.

ومن هنا قوله تعالى (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)) للأسف أن الناس فهوا هذه الآية على غير معناها وذلك لعدم دقتهم في معرفة الفرق بين الكلمات وعدم اعترافهم بالترادف في القرآن. الضرب هو المسّ الرقيق أو إيقاع شيء رقيق على الجلد بحيث يترك أثراً خفيفاً غير مؤلم لذا تتدرج الآية في العقاب فأول المراحل هي العظة: النشوز هو تمرّد المرأة على زوجها بشرطين أن ترفض العودة إليه والانصياع له والثاني أن لا يكون لها عذر فإن كان لها عذر كأن يكون زوجها بخيلاً أو سيء الخلق أو أنه هجرها زمناً طويلاً أبيح لها أن تنشز على زوجها. إذا أُطلق النشوز فهو تمرد الزوجة على زوجها بدون عذر وهي لا تدّعي أن في زوجها عيباً. والنشوز هو سوء خلق في المرأة ساقها إلى التمرد على الزوج وهجر منزله ورفض العودة إليه بلا سبب مشروع، هذه المرأة الناشز تتدرج العقوبة لها بالوعظ أولاً (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا) فإذا أخلص الحكمان وفقهما الله تعالى للصلح (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)). فإذا أرادت المرأة ترك زوجها دون عيب فيه فلها أن تخلعه. فإذا رأينا أن خُلُق المرأة أسوأ مما يُظنّ يبدأ الزوج بهجرها ولا يحق له أن يهجرها أكثر من أربع ليال أصلاً (على ما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا اعتبر أنه إن كان للرجل أربع زوجات فلها ليلة كل أربع ليال) لأن للمرأة حق على زوجها في المعاشرة الجنسية كما له حق عليها. ولكن إذا لم تنفع معها الموعظة بالعودة لزوجها يباح له أن يهجرها مدة من الزمن فإذا كان خلقها أسوأ من ذلك يضربها ضرباً غير مبرح ويتقي الوجه وعلى أن لا يزيد ما يضرب به على نحو السواك. إذن هو ضرب تأديب لا ضرب تعذيب كما يفعل الكثيرون اليوم وهذا فقط لاشعارها بإهانة صغيرة وهذا يدل على رعاية الاسلام للمرأة وتكريمها. والرسول r منع الضرب منعاً كاملاً فسأله الصحابة أنه من النساء من لا ينفع معهن إلا الضرب فقال r "اضربوا ولن يضرب خياركم" مهما كانت المرأة سيئة . وسوء استعمال الضرب من المسلمين لا يشوه الاسلام.

خبط: قال تعالى في الربا (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) البقرة) تصف الآية حال المرابي في الآخرة. يوم القيامة يأتي كل صاحب ذنب بسِمة أعظم ذنب ارتكبه بدليل قوله تعالى (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41) الرحمن) المرابي يتخبط يأذن الله تعالى لكل الناس بالوقوف للكلام إلا المرابين يتخبطون ويقعون يميناً وشمالاً فيعرفون أنهم مرابين. والذي كذب على الرسول r يأتي يوم القيامة وجهه أسود والمتكبرون الجبابرة يمشون على وجوههم والمشركون يقمحون أي أيديهم مغلولة إلى رقابهم وأرجلهم إلى الخلف وهذا من عدل الله تعالى, وكذلك المؤمنون يعرفون بسيماهم يوم القيامة فيأتي أهل الليل وجوههم جميلة والذي على رأسه تاج يكون هو أو ابنه حافظاً للقرآن والذي يطلع منه دم كأنه المسك فهذا شهيد في سبيل الله تعالى.

قال تعالى (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) الأعراف) علينا أن نؤمن بوجود الشيطان وإن كان غيباً عنا والمطلوب أن نرسم للشيطان في خيالنا أبشع صورة ممكنة ولهذا ضرب الله تعالى لنا مثلاً في القرآن (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) الصافات) المفروض أن يضرب المثل بشيء معروف لكن القصد من الآية أن تتخيل الشيطان بأقبح وأبشع صورة ونحن نتفاوت في ذلك كل حسب قدرة خياله الواسع.

وفي مداخلة للدكتور نجيب عبد الوهاب مقدم الحلقة قال أنه نشرت ثلاث مجلات علمية حديثاً أنها اتخذت الضرب الشرعي وسيلة للعقاب بعد أن اتهموا الاسلام بالارهاب بسبب الضرب كما يدّعون.

وتخللت هذه الحلقة مداخلات من المشاهدين حول حلقة الاسبوع الماضي بمناسبة المولد النبوي الشريف وبعض القصائد سوف تتم إضافتها لحلقة الاسبوع الماضي إن شاء الله.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:20 PM
منظومة الخبت (أساليب إطفاء النار)

خبت- خمد - همد- انطفأ-

هذه منظومة أساليب إطفاء النار وهي منظومة خَبَت من خبت النار أي انطفأت بشكل ما وللمنظومة أربع كلمات تبين كيف نُطفيء النار وكل كلمة تعطي معنى لا تعطيه الكلمة الأخرى وهذا من عظمة اللغة العربية التي بات تعلمها فرض عين على المسلمين كما يقول العلماء.

انطفأت: عندما تكون النار كلها لهباً محضاً فإذا انتهى اللهب بدون أن يترك أثراً أو رماداً أو جمراً يقال انطفأت النار. والنار أنواع يوم القيامة منها لهب (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) المسد) (لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) المرسلات) واللهب أعظم أنواع النار فإذا انتهت نهائياً يسمى هذا إطفاء. والانطفاء هو أن ينتهي الضوء أو اللهب أو النور بدون أن يترك رماداً أو جمراً. قال تعالى (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) المائدة) بمعنى أن الله تعالى يتعامل مع الحروب الظالمة التي هي اعتداء محض على الآخرين من قوى الشر وعندما يلتهب لهيبها حتى يكاد يأتي على الناس جميعاً يُطفئها الله تعالى حتى لا تخيف أحدأً وهذه من سنن التاريخ ما استبدّت أمة عظيمة غازية بأمة ضعيفة كأنها اللهب الذي يحرق كل شيء سرعان ما ينطفيء هذا اللهب المستعر وتبقى حرارة (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا) . بعد انطفاء لهب الحرب يبقى هناك دسائس وفساد وخراب في الاقتصاد وغيره ولكن الله تعالى يوقف اللهب المستعر العظيم.

خمدت: عندما يكون اللهب على جمر أو حطب (حصب جهنم) هذا يشبّ لهباً وعندما ينطفيء اللهب ويبقى الحمر حارقاً جداً وكاوياً جداً وتشوى عليها جباههم ووجوههم وظهورهم يقال خمدت النار. لهب محض يقال له اُطفيء أما اللهب الذي يترك جمراً حيّاً متوقداً كاوياً يقال أُخمِد. (فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15) الأنبياء)

خبت: انطفأ اللهب أولاً ثم الجمر علاه الرماد يقال خبت (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97) الاسراء). والفرق بين خمدت وخبت أن خمدت النار تقال إذا راح اللهب وبقيت النار وخبت النار إذا صار الجمر الباقي يعلوه الرماد.

همدت: إذا أصبح الجمر نفسه مجرد هياكل رمادية بدون حرارة إطلاقاً يقال همدت النار. قال تعالى (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) الحج) أي لا حياة فيها ولا حراك. والجمر عندما لا يبقى فيه حراك ولا حياة يسمى همد.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:20 PM
منظومة الغدر (خَتَر)

الختر– الخيانة – النفاق- النكث– النقض – الخديعة -

هذه منظومة الغدر في القرآن الكريم.

ختر: (وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32) لقمان) ختر هو نوع من الخيانة والغدر وهو أقبح أنواع الغدر. قد تغدر بعدو أو شريك أو بمن لا تعرفه أو تغدر في الحرب وهذا جائز لأن الحرب خدعة لكن أن تغدر بأهلك أو بقومك أو بأخيك أو بوطنك أو بمن وثق بك ثقة كاملة مع سبق الاصار والترصد فهاذ هو أخسّ وأقبح وأقذر أنواع الغدر ويسمى ختراً. وقيل في المثل: لن تمدّ لنا شبراً من غدر إلا مددناه لك باعاً من ختر. وقال r " ما ختر قوم بالعهد إلا سُلِّط عليهم العدو".

خيانة: بدون قصد مسبق أو سبق إصرار وإنما نتيجة ظروف معينة أو تغير ما فقد يبرم أحدهم عهداً أو عقداً ثم خطر له أن يخون بتسويل من نفسه أو من عدو أو لمطمع دنيوي. ثم إن الخيانة لا تشترط أن تكون بأقرب الناس. والفرق بين الختر والخيانة هو أن الختر يكون مع سبق الاصرار وبأقرب الناس أما الخيانة فلا يشترط فيها سبق الاصرار ولا تكون بأقرب الناس.

والخيانة هي عدم الوفاء بالعهد (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) الأنعام) في القرآن الكريم وصايا عشر هي مشتركة في الكتب السماوية الثلاثة التوراة والانجيل والقرآن وقد ورد هذه الوصايا في سورة الأنعام من الأية 151 إلى الآية 153. وفي قوله تعالى (وبعهد الله أوفوا) عهد الله هو قسم الولاء مثل قسم الجيش والأطباء والمحامون وغيرهم ممن يقسمون قسم الولاء في عملهم أو كل من بينه وبين الدولة أو عمله عقد أو عهد ويُقسم عليه يسمى عهد الله. هذا العهد إذا خانه أحدهم يسمى خائناً ويكون قد خان الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) الأنفال). الأمانة ليست مالاً فقط وإنما هي كل مسؤولية ومسؤولية التكليف يحاسب عليها الانسان في الدنيا والآخرة (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) الأحزاب) قالوا في الخيانة: كفاك من الخيانة أن تكون أميناً للخونة بمعنى أن أي جاسوس خان مرة فأعطوه مالاً وانتهى هذا أمر أما أن يصبح هذا الجاسوس من صفوف العدو مكرماً معززراً هذا من أشد أنواع الخيانة. ويستعمل لفظ الخيانة مجازاً فنقول خانته رجلاه عندما لا يعود فيها قوة وخانه سيفه وخان الدلو الرشا (الرشا هو الحبل).

تخوّنه: تعهّده ولم يُنقصه. كان r يتخوننا في الموعظة أي لا ينقصنا إياها. وكان r لا يشعر بالضجر أو الملل ويعلم المسلمين دائماً ولا يملّ أو يسأم.

الاختيان هو مراودة الخيانة ففي بعض الأحيان تشتهي النفس الخيانة لكنها لا تفعله لذا جاء قوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ (البقرة)) بعض الصحابة كان يشتهي أن يجامع امرأته في رمضان لكنه لا يفعلها.

نفاق: النفاق نوعان: نفاق أكبر وهو الشرك بالله تعالى والكفر وسرعة الارتداد (من الذين اسلموا نفاقاً من ارتدّ بعد غزوة حنين) وقال تعالى في هذا النوع من المنافقين (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) النساء) أما النفاق الآخر فهو نفاق سلوكي كما في الحديث الشريف: "آية المنافق ثلاث إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان" هذا ليس مشركاً وإنما نفاقه سلوكي ويعاقب عليه صاحبه لكنه ليس في الدرك الأسفل في النار. أما الذي يبطن الكفر ويعلن الاسلام فهذا هو النفاق الأكبر (إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) النساء). "ثلاثة لا يستخفّ بهم إلا منافق: إمام مقسط وصاحب العلم وذو الشيبة" هؤلاء وجب احترامهم وهذا نفاق عمل وليس نفاق عقيدة فهذا قد يُعفى منه. ومنافق العقيدة أخطر من الكافر العلني لأنه مشرك وكذاب. وهناك فرق بين خيانة وخيانة فخيانة في العهد أو في مال أو مسؤولية أو وظيفة شيء أما النفاق فهو الخيانة في الدين وسميت نفاقاً من نفق فإذا كنت في نفق تدخل من مكان وتخرج منه من مكان آخر. المنافق يتوسل إلى مصالحه بإعلان اسلامه ثم يتجسس على المؤمنين ويفت في عضدهم ويرجف عليهم (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) التوبة) والوصف القرآني للمنافقين عظيم لشدة تأثيرهم. الكافر شجاع لأنه يظهر ما يبطن أما المنافق فجبان لإخفائه عكس ما يظهر. قال تعالى (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) التوبة) الفسق هو أن تخرج من حيّز ضيق ومنها سمي الفستق لأن الحبة تخرج من حيّز ضيّق.

النكث: لكي نستعمل السواك نفرش أحد طرفيه بعدما نبلله بالماء وهذا يسمى النكث. النكث هو شيء متكاسك تجعله مفلولاً عدة قطع. قال تعالى (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ (النحل)) الحبل تنكثه خيطاً خيطاً. والنكث هو غير الغدر أو الختر. فقد تعقد معاهدة وتكون متمسك فيها لكنك تضع شروطاً وتفاصيل ومفاوضات حتى لا تيبقي منها شيئاً كالمعاهدات بين الدول المحتَلة والدول التي تحتل. قد ترفض المعاهدة وقد تنسحب منها بعد عقدها وهذا يسمى نقضاً لكن إذا يبقى منها شيئاً فهذا النكث. نكث الغزل لكي يغزل مرة ثانية عندما ينكث لا يعود ينفع بشيء ولا يمكن أن يكون قوياً متماسكاً بل لا يعود شيئاً. البساط المنكوث ليس بساطاً والعهد المنكوث ليس عهداً. قال تعالى (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) الأعراف) (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ (التوبة)) (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) الزخرف) (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) الفتح) بعدما عاقب الله تعالى بني اسرائيل طلبوا من موسى u أن يدعو اله ليكشف عنهم الرجز فيؤمنون به فدعا موسى u ربه وأذهب الله تعالى عنهم الرجز وفاوض قوم فرعون حتى ميّعوا القضية فهذا من باب النكث.

نقض: النقض أشجع من النكث قال تعالى (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ (البقرة)) نقضوه أصلاً والنقض يكون علانية وليس كالنكث الذي هو تحايل على العهد حتى لا يبقى منه شيء. (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ (النساء)) (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً (المائدة)) (الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) الأنفال) (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (الرعد))

خديعة: (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) الأنفال) (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) البقرة) (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) النساء) مأخوذة من خديعة الضبّ هذا المخلوق في غاية الذكاء الخبيث وهو يرسم لنفسه طرقاً تحت الأرض وأنفاقاً ولا أحد يدري أين هو هذا الضبّ وكل ضبّ يضع في جحره عقربة صفراء فإذا تمكن أحدهم من معرفة مكان الضب وأراد أن يمسك به لسعته العقربة الصفاء وهي قاتلة. إذن الخديعة أنك مقدماً تسوّل لي أن أعمل عملاً تقودني إلى جهة مصلحتك لا مصلحتي أنا وتحقق أهدافك على حساب خسارة الآخرين. والخديعة لا تجوز إلا في الحرب "الحرب خدعة" وهي من أسباب النصر أحياناً ومعظم الانتصارات في الحروب العالمية جاءت نتيجة الخدع فيها. وفي الحديث الشريف: "إن بين يدي الساعة سنسن خدّاعة لتلونها يكذّب فيها الصادق ويُصدق فيها الكاذب و الخائن يؤتمن والأمين يخوّن وينطق باسم الناس الرويبضة قالوا ما الرويبضة يا رسول الله؟ قال الرجل التافه" وهذا ما نراه الآن. ويقول r "كل الكذب يُكتب على ابن آدم إلا ثلاث رجل كذب على امرأته ليرضيها ورجل كذب بين امئين مسلمين ليُصلح بينهما أو خديعة حرب"

قال تعالى (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) التحريم) لولا حواء ما خانت أنثى زوجها. خلق الله تعالى آدم وحواء خطّائين لكي يكون البشر خطائين أيضاً (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم) ولو شاء الله تعالى ما أخطأ آدم وما أخطأت حواء. هناك خيانة عِرض وخيانة دين وذكرت خيانة زوجة نوح ولوط حتى يعلمنا الله تعالى أن الأنبياء لا يشفعون لزوجاتهم لسوء الخيانة عند الله عز وجلّ.

(وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71) الأنفال) كل من يجلب العدو لبلاده ويخون وطنه وكل خائن لعهد الله تعالى فقد خان الله تعالى قبل أن يخون وطنه فكيف يكون موقفه يوم القيامة؟ قال تعالى (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) الأنفال) (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) يوسف) والكيد هو دقة التدبير ومهما كان الخائن مدبراً لا بد أن يُفضح ويعيّر أجيالاً بعد أجيال (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) الحج) خوان أي كثير الخيانة.

والخيانة من آثار النفاق لأنه يظهر الوطنية وهو في الحقيقة خائن قال r: "ليس المؤمن بخيل ولا خِبّ ولا خوّان" وقال r: "يطبع المؤمن على كل عمل إلا الكذب والخيانة" قد يكون المؤمن طبعه بخيل أو عصبي أو سيء الألفاظ لكنه لا يكون خائناً ولا كذاباً ولا يُطبع عليها فإذا طُبِع عليها فلا يعود مسلماً ولا مؤمناً. وقد نهى الرسول r أن يطرق الرجل أهله ليلاً يتخونهم أو يلتمي عثرتهم وهذا حتى يربي r فينا الثقة بأهلنا وأزواجنا. وعلى المسلم أن يحسن الظن بأهله "انتقوا لنطفكم فإن العِرق دسّاس" وقال r: لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب امريء مؤمن ولا يجتمع الصدق والكذب ولا يزال الرجل يتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً ولا تجتمع الأمانة والخيانة جميعاً". وقيل بئس البطانة الخيانة فالخيانة مصيبة في الدنيا فكيف في الآخرة؟ الخيانة من أعظم الجرائم يوم القيامة.

وقد وضع الرسول r دستوراً فيما يخص الوظائف التي على صاحبها أن يقسم يمين الولاء ومما رواه أبو موسى الأشعري: قدم رجلان معي من قومي فخطبا وتكلما فجعلا يعرّضان بالعمل (والعمل هنا أي الولاية) فتغير وجه النبي r فقال إن أخونكم عندي من يطلبه فعليكم بالتقوى فقال أبو موسى الأشعري فما استعان بهما على شيء قط. والمعنى أن من يطلب الامارة أو أي وظيفة فيها قسم وعهد لا يُعطى له. وعندما طلب أبو ذر الإمارة منعه عن ذلك رسول الله r فقال: "لا نُعطي من طلبها".

وأخيراً نقول أن نفاق العمل لا يؤدي إلى الخلود في النار وإنما له عذاب عظيم أما نفاق العقيدة فيخلد صاحبه في النار.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:21 PM
منظومة أمراض القلوب (خَتَم)

الران أو الرين– الاكنان – التغليف- الإغفال– الإقفال – الشدّ - الطبع – القسوة - الختم

هذه منظومة أمراض القلوب في القرآن الكريم. يقول r "أكثر أهل الجنة رقاق القلوب" وقال r: "أكثر أهل الناس قساة القلوب" وقال تعالى (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَة (البقرة)) (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22) الزمر) (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) الانعام). ولكي يصل القلب البشري لمرتبة القسوة فإنه يمر بثماني مراحل أي أن القسوة هي المرحاة الأخيرة في هذه المنظومة فيمر المريض بهذه الأمراض ويتدرج صعوداً في مجال المرض الشديد بمراحل حتى يصبح المرض وبائياً قاتلاً لا محالة. والقرآن الكريم يبيّن كل نوع من هذه المراحل بدقة ويعبر عنه بكلمة لا يمكن لغيرها أن تؤدي معناها.

الران أو الرين: هو أول خطوة من خطوات المرض وهو نتيجة قانون البشر من حيث أن كل ابن آدم خطّاء. والذنب قانون ليس في وسع أحد أن لا يرتكب ذنباً بدليل الحديث القدسي: لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم. والمشكلة ليست في الذنب نفسه وإنما ماذا بعد الذنب؟ فالمؤمن الذي يذنب ثم يستغفر ويتوب هذا أمر محمود في الكتاب والسنة وهذا هو الوضع المثالي الذي لا يُبقي في القلب نكتة سوداء لأنه عندما يذنب إي انسان ينكت في قلبه نكتة سوداء فإذا استغفر مسحت كأنها لم تكن فيبقى القلب نقياً. والاشكال يحدث عندما يذنب المرء ولا يستغفر عندها تتكاثر النكات السوداء في القلب حتى يصبح القلب مغلّفاً بالسواد وهذا هو الران بحيث لا يمكن للقلب أن يعكس ما ينبغي أن يعكسه من تجليات كما هي وظائفه في الدنيا. قال تعالى (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) (المطففين)) فالران هو التأثير السلبي للذنوب وحينئذ الاستغفار يعطي القلب مناعة كاملة من أن يتأثر بالذنب فكأن الذنب لا يمسه ويكون خارج نطاق القلب وينحصر في الجوارح فقط. وكلنا يعلم أهمية الاستغفار وثمرته فهو يغفر الذنوب ويفرّج الهم ويوسع الرزق ويستجلب الخير استجلاباً عظيماً فمن أراد أن ينعم بالدنيا فعليه بالاستغفار ومن أراد أن ينعم بالآخرة فعليه بالاستغفار. " إذا أذنب المؤمن كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صُقِل قلبه وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه ذاك الرين".

الاكنان: أكنّة: إذا أذنب العبد ونسي الاستغفار وكان الله تعالى أهون الناظرين إليه فيوماً بعد يوم تتراكم الذنوب وتصبح نكتة سوداء كبيرة في القلب وهذا بداية المرض فإذا دام الران أو الرين ينتقل الى المرحلة الثانية وهي الاكنان. وكلمة أكنّة معناها محبوس يقال للشيء الذي يُحبس مكنون. هذا القلب يصبح كأنه في زنزانة لا يخرج منها ولا يدخل إليها أحد ومن طول مكثه صار لا يأخذ ولا يعطي ولا ينفع ولا يعمل (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا (الأنعام)) (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46) الاسراء) (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) الكهف) (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) فصلت) فلم يعد القلب المكنون يشعر بما حوله من الذنوب كالسجين الذي مضى على سجنه وقتاً طويلاً فلم يعد يعلم ماذا يحصل في الخارج.

هذا الاكنان يشعر بالاغتراب عن الشيء كالمستوحسش من شيء ما لعدم فهمه وعندما يكون القلب في أكنة فإنه مهما أخبرته عن أحاديث الآخرة لا يفهم شيئاً وهذا نتيجة الران تطور فأصبح إكناناً بحيث صار القلب غريباً عن كل ما حوله ولا يألف وجوده كأنه غريب مما هو من شأن الدنيا والآخرة فيما يتعلق بالله عز وجل.

التغليف: إذا طال الإكنان أصبح تغليفاً (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88) البقرة) (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) النساء) وهناك فرق بين أن يُحبس الانسان في زنزانة أو في صندوق صغير كالتابوت مثلاً. التابوت غلف والزنزانة إكنان. إذا تطور الإكنان وطالت مدته وعندما أستهين بالشيء صار القلب أضيق من ذلك في مساحة لا يتحرك كالشيء المربوط فهذا هو التغليف.

الإقفال: إذا طال التغليف وأصبح محنّطاً بحيث لا يسمع القلب ولا يعي فهو القفل كما في قوله تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) محمد) تخيل قفلاً حديداً على باب حديدي كبير عليه حارس كيف لك أن تخرج منه؟ القفل بشكل عام قد يكون مؤقتاً وكل قفل يُفتَح وربما يسهل الله تعالى لهذا القلب أمراً كما سهّل لكثير من العتاة الطغاة فآمنوا إذن القفل ليس نهائياً.

الشدّ: إضافة إلى القفل إذا شُدّ من مكان آخر بحيث لم يعد يفتح يسمى الشدّ (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) يونس) أي قفل مع شدة.

الطبع: قلب أصابه الران فلم يحاول أن يخرج من هذه المرحلة ثم أصابه الاكنان ولم يحاول قم التغليف ثم الاقفال ثم الشد وبقي مستسلماً لهذا يصل إلى درجة الطبع (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) النساء) (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) النحل) (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) محمد). هذا الذي طُبع قلبه يصبح السوء عنده عادة لا يرى فيه بأساً فيسرق ويزني ويأكل الربا وليس عنده سيئة تثير فيه استغراباً ولو بشعرة فصار كالحيوان (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) محمد) وكلما سنحت له شهوة اتّبعها سواء في ملك أو سرقة أو أي شيء آخر فعلها بارتياح ضمير ولا يشعر باستغراب بل ويستغرب ممن يلومه كما تطبع الطابع على شيء معين. والذين يطبع الله على قلوبهم هم أناس آمنوا أولاً ثم كفروا فطبع على قلوبهم.

هذا الطبع ربما في ساعة من الساعات تحدث فيه معجزة فينتبه ويستيقظ عند رؤية العذاب وكثير من الناس استيقظوا بعدما أصيبوا بمصيبة.

الختم: بعد الطبع يترقى المرض ويتطور حتى يصبح ختماً لا يخرج منه شيء ولا يدخل إليه شيء كما تحتم الشرطة مثلاً محلاً بالشمع الأحمر فلم يعد يعمل ولا يزول هذا الختم إلا بأمر من الدولة. (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) البقرة)

كل ما سبق من مراحل أمراض القلوب قد يوفق الله تعالى صاحبها بجهده أو بكسبه فيخرجه من ما هو فيه إلا مرحلة الختم لا يخرجه الله تعالى إلا بأسباب سنذكرها لاحقاً. إذن هذا الذي ختم الله تعالى على قلبه يعتنق الباطل ويرى أنه الحق لا لبس فيه والله تعالى لا يخرجه إلا إذا بقي في نفسه شيء له قيمة، السامري مثلاً رغم كل ما قام به إلا أن الله تعالى لما سأله موسى u أن يقتل السامري منعه لأن السامري كان سخياً والسخاء من الصفات الحميدة الكريمة.

الإغفال: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) الكهف) ليس له إمام ولا مرجع لا ديني ولا شرعي ولا قضائي مهما اشتهى يفعل كأصحاب السلطة الظالمة الغاشمة على مر التاريخ كفرعون يفعل ما يشاء بلا أي وازع وليس عنده رحمة لأحد ولا يعف عن مذنب ومن رحمة الله تعالى أن جعل لكل شيء علاج وهو سبحانه يقبل التوبة ما لم يغرغر الانسان (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) الأنعام) (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) الواقعة).

القسوة: هي المرحلة الأخيرة من مراحل أمراض القلوب وإذا وصل القلب إلى مرحلة القسوة فقد انتهى (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22) الزمر) هذا القاسي الذي عانت منه البشرية من عهد آدم إلى يومنا هذا منذ أن قتل قابيل أخاه هابيل إلى تعذيب الأنبياء كما عذب قوم نوح سيدنا نوح u مدة ألف عام وكما عُذب موسى وعيسى عليهما السلام وكثير من الأنبياء (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَة (البقرة))

هذا القاسي القلب لا ترفّ له شعرة ولو قتل ألف رجل مثل أوئك الذين يعذّبون الناس في السجون ويقطعون أوصالهم ولا يؤثر فيهم صراخ المعذبين الذي تتمزق له القلوب وتقشعر له الأبدان حتى يبقى للسامع قدرة على الوقوف هذا القاسي القلب بلغ مرحلة القسوة بعد أم مرّ كل المراحل من الران والاكنان والتغليف والاقفال والشد والطبع والختم والاغفال ثم القسوة حتى صار قاسياً وكل ما تعانيه البشرية الآن وما حصل في التاريخ شيء لا يصدقه العقل فكيف يصل الانسان إلى هذا الحدّ الذي لا تصل إليه الوحوش ويصبح كالذئاب فيصبح من أسوأ القلوب لهذا قال r: "أكثر أهل الناس قساة القلوب" فلا يشعر بمصيبة أحد مهما عظمت وقد ثبت علمياً حديثاً أن الكلاب والأشجار تشعر بمصائب البيت أما صاحب القلب القاسي فلا يشعر بمصيبة أحد ولا يهتم لها ولا يرف له جفن.

الانسان من طين هذا الطين يترقى ليصبح كريستالاً وهؤلاء هم الأنبياء والصالحين والعابدين ويتدنى ليصبح وحلاً وما أكثر الوحل على هذه الأرض.

يقول r في باب القسوة: أهل النار ثلاثة قساة القلوب وأهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق، رجل رحيم القلب لكل امرئ مسلم ورجل فقر عفيف متعفف"

معظم الأوصاف اطلقها تعالى في القرآن الكريم على الكافرين والمنافقين وأطلقها الرسول r على المسلمين المؤمنين والنصوص في السنة النبوية تشير إلى أن الباب الرئيسي الذي يفتح على قلب المؤمن هذه النافذة الخطيرة التي يدلف إلى قلبه جملة الأمراض. ومن تتبع النصوص أرى أن البعد عن الله تعالى وتهيئة القلب لهذه الأمراض بداية تُعرّض القلب وانكشافه أمام هذه الأمراض هو ترك الجمعة والجماعة تعمداً فإذا ما ترك المسلم الجمعة ثلاث مرات متتاليات طُبع على قلبه وعلى ما يبدو أن الجمعة تنشط الدورة القلبية تنشيطاً كاملاً مع الله عز وجلّ. ولا ننسى الساعة العجيبة في يوم الجمعة التي فيها يسجيب الله تعالى الدعاء والمسلم يفرح بيوم الجمعة وصلاة الجمعة فرحاً كبيراً. والجمعة تقوي مناعة القلب جداً. وقد ذكرنا في حلقة سابقة عن الصلاة الوسطى وقلنا أنها ربما تكون صلاة الجمعة أو الصلاة على النبي r لأن الله تعالى اختص يوم الجمعة بها فالصلاة عليه r يوم الجمعة يسمعها بأذنيه r. والنصوص تقول إذا ترك المؤمن الجمعة متعمداً ثلاث مرات متتالية طُبع على قلبه فلو تركها أول جمعة يشعر بهول ما فعله وإاذ تركها الجمعة التالية يكون وقعها أخف عليه ثم في الثالثة يطبع على قلبه وهكذا حتى يصل الى مرحلة القسوة بعد فترة. في الحديث عن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله r: يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا وبادروا بالاعمال الصالحة قبل أن تُشغلوا (أي تشغلوا بالموت) وصِلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وأكثروا من الصدقة في السر والعلانية تنصروا وترزقوا وتجبروا واعلموا أن الله افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومي هذا من شهري هذا من عامي هذا إلى يوم القيامة فمن تركها في حياتي أو بعدي ولو إمام عادل أو جائر استخفافاً بها أو حجوداً بها فلا جمع الله له شمله ولا بارك له في أجره ألا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حج ولا صوم ولا يركة حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه " وما رأيت عبادة في النصوص من الكتاب والسنة ضامنة للجنة كالصدقة وذكرنا سابقاً ثلاثتيات في القرآن الكريم فيها الصدقة مشتركة. كل ما جاء في الحديث هو لمجرد ترك الجمعة مرة واحدة فكيف بالذي تركها ثلاثاً وبدون عذر؟ وجاء في الحديث :ط من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات فقد نبذ الاسلام وراء ظهره" و " من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات طبع الله على قلبه " و " من سمع النداء يوم الجمعة فلم يأتها ثم سمعها فلم يأتها ثم سمعها فلم يأتها ختم الله على قلبه وجعل قلبه قلب منافق ثم قسى قلبه" هذا الانسان تدرج الى القسوة ويبدو أن هذه الجمعة كأنها صاينة للقلب كما صيانة السيارة فتجدد الطاقة. والذي يترك الجمعة أولاً قد يترك الصلاة بعدها ثم الصوم وهكذا وفي الحديث "لا تقوم الساعة حتى يتباغض الناس" وهؤلاء المتباغضين هم الذين تركوا الجمعة والجماعة فيذنبوا ولا يتوبوا ويضجروا من سماع الدين ويمرون بمراحل قسوة القلوب كلها إلى أن يصلوا الى درجة الاغفال (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) الانعام).

كيف نحمي أنفسنا من أمراض القلوب؟

الكتاب والسنة جعلت المسلم الاعتيادي على الطريق المستقيم.

v أعظم علاج ومناعة هائلة هي المواظبة على الجمعة والجماعة ولو مرة واحدة في اليوم لأنها تعطي مناعة كاملة,

v ذكر الله تعالى بأن يجعل الانسان لنفس ورد يومي فإاذ داوم على ذكر الله تعالى لا يصل قلبه إلى درجة الران حتى وإذا أذنب تاب واستغفر على الفور وحماه الله تعالى لأنه سبحانه إذا أحب عبداً حماه. وقد ذكر علماء الطاقة ما لذكر الله تعالى والجماعة من أثر على النفس.

v صلة الرحم

v اتّباع الجنائز والصلاة عليها والانتظار حتى تدفن

v قلة الكلام بدليل الحديث الشريف: " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو القلوب" "إذا رأيتم الرجل يطيل الصمت فاعلموا أنه يُلقّن الحكمة"

ولكي تمتحن نفسك ومناعتك عليك أن تسأل نفسك إذا كنت تتأثر بأحوال غيرك سلباً أو إيجاباً فإذا كنت كذلك فقلبك سليم وأنت في خير. والامتحان الأعسر أن تسأل نفسك يومياً هل هنام من تحقد عليه حقداً تتمنى أن يهلك وأنت تقاطعه إذا كنت كذلك فأنت هالك لا محالة ولا يغفر لك لأنه ذنب عظيم لأنه مخالف لقوله تعالى (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) فصلت) .

وامتحان آخر أن تسأل نفسك إن كان لديك عامل أو موظف أو مستخدم ظلمته فهل تشعر بحزن لكن يمنعك كبرياؤك أن تعتذر منه وقلبك متأثر بظلم هذا الانسان فقلبك سليم إذا حزّ في نفسك هذا الأمر. وهل إذا رأيت يتيماً يتأسى قلبك على هذا اليتيم؟ لو حصل فقلبك سليم وفي الحديث أن الله تعالى يغفر الذنوب للعبد إذا مسح على رأس اليتيم بقدر الشعر الذي مرت عليه يده. وفي الحديث أيضاً "خير البيوت بيت فيه يتيم يُكرم".

ومن العلاجات إذا كان القلب قاسياً تغسيل الموتى وقد شُكي للرسول r قسوة بعض المسلمين فنصحهم بتغسيل الموتى.

إن هذا القلب كريشة بفلاة في الأرض يقيمها الريح وهراً لبطن والقلب سريع التأثر والتقلب ترتكب ذنباً يتغير قلبك ثم تستغفر فيتغير وتمسح عاى رأس يتيم فيتغير " القلب المؤمن كالفرس في أثخيته يجول ويجول ثم يعود إلى أخيلته" "القلب المؤمن كالسنبلة يميل تارة ويستقيم أخرى".

الواجب الاستغفار والعودة مباشرة بعد الذنب "إن العبد ليذكرني على الذنب لا يستغفرني فأغفر له" كما جاء في الحديث القدسي لأنه تعالى (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) غافر) غفر الذنب قبل التوبة فلا تيأس.

"من القلوب التي لا تمرض أبداً قلب معلّق بالمساجد" يفرح بالمساجد ويأنس برؤيتها (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) النساء) طالما نسمع ما قال الله تعالى وقال رسوله r انتهى الأمر فلا جدال ولا مناقشة ولا عدم تسليم "إن الله يبغض الخِصم الألدّ" (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) الأنعام).

المؤمن والكافر من قوانين الكون لكن يجب علينا أن ننتبه أن لا يكون في قلبك حقد على أي رجل يصلي للقبلة وروي عن الرسول r أنه جاءه شخص في منتهى الشر شديد شكله وسخ عنيف متكبر فقال للرسول r بكل خشونة: إعدل يا محمد فقام عمر بن الخطاب فقال للرسول r دعني اضرب رأسه فأجابه r دعه لعله يصلي. علينا أن نشعر بالإلفة مع أي شخص يصلي مهما كان منه حتى لا تحبط أعمالنا يوم القيامة وحتى تكون قلوبنا سليمة من كل الأمراض.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:22 PM
منظومة الانحدار من أعلى إلى أسفل (خرّ)

خرّ– سقط – حطّ- نزل– هوى – هبط - انهار –

هذه منظومة الانحدار من الأعلى إلى الأسفل والخرّ هو أسلوب من أساليب هذا الانحدار وهذه المنظومة عجيبة دقيقة تفاصيلها كما هي دقيقة في الفرق الدقيق بين كلمة وكلمة بحيث لا يمكن أن تأتي بكتاب بهذه العة في النظم الدقيق من صنع البشر وهذا الاستعمال الدقيق للكلمات كل في مكانها لا يفعله إلا رب العالمين وهذا من الاعجاز اللغوي في القرآن الكريم وما أكثر أوجه الإعجاز فيه.

خرّ وهوى: (حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) الحج) كلاهما انحدار شديد وسريع عشوائي مفاجئ وقلق وغير منتظم. أما خرّ فهي تعني الانحدار من السماء العليا أي من أعلى الفضاء إلى الأرض أما هوى فهي الانحدار من الأرض إلى أعماق الأرض إلى الهاوية السحيقة. هذا المشرك المعتدي على الآخرين والذي له قوة وطاقة وقدرة تعجز الآخرين فلا يمكنهم أن يدفعوها حينئذ يتدخل رب العالمين مباشرة وبدون أسباب وحينئذ هما نوعان نوع لم يفلح أن يُفسد في الأرض مثل النازية لم تفلح هذه النزعة الشيطانية التي مسحت قوتها معظم الكرة الأرضية هؤلاء خرّوا من فوق إلى الأرض مثل الذي خرّ من السماء فتخطفته الطير ولا يمكن الحصول على شيء تخطفته الطير لأنه أصبح في حواصلها ولم يعد له وجود. (أو تهوي به الريح في مكان سحيق) هذا عندما يستقر في الأرض بعد أن أفلحت كالشيوعية مثلاً واستولت على الشعوب ونفوذها قام في الأرض وقتلت الشعوب ولم يسمحوا لشعوبهم بممارسة شعائر دينهم وهم لا يعترفون أصلاً بوجود الله تعالى أصلاً لكنهم أفلحوا واستقروا على الأرض وحكموا سبعين عاماً ثم هوت بهم الريح وذهبوا واندثروا بعد قوتهم الهائلة التي قهرت عشرات الدول وسيطرت عليها وتحكمت في نصف الكرة الأرضية وكانوا أول من وصل إلى القمر ولكن على حين غرّة هوت بهم الريح في مكان سحيق فلا يمكن لهم أن يعودوا مرة ثانية. أما هتلر وجماعته فتخطفتهم الطير فلا يمكن أن يعودوا وكذلك فرعون أخذته الموجة وانتهى الأمر.

لاحظ الفرق: خرّ من الرأس أي من الأعلى والخرّ هو أن ينحني الأعلى بحيث لم يعد للأسفل وجود (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ) أي أصبحوا بينهما أنقاضاً. تسقط الدولة أو الملك أو الرئيس فينتهي النظام. فرعون وحاشيته وأعوانه غرقوا فإذا بالدولة كلها تسقط خرّوا ففشل قومهم وكذلك التتار وعاد وثمود وفرعون والمغول الذين اجتاحوا الأرض وهو آثمون معتدون ملحدون غيروا دولاً وثقافات وعقائد ولكنهم تبخروا كأنما خروا من السماء فتخطفهم الطير. إذن الخرّ من الأعلى إلى الأرض أما الهوي فهو من الأرض إلى أعماقها أي إلى مكان سحيق لا يمكن انتشالهم منه مطلقاً.

حطّ وهبط: الحطّ هو الانحدار من الأعلى ولكن بشكل منظم وقانون مرتّب كما يحط الطير وكالطائرة تُقلع من مطار ثم تحلق ثم تحطّ في مطار آخر بشكل منظّم ومن الخطأ القول إن الطائرة هبطت إلا عندما يحصل بها خلل فتنحدر بشكل عشوائي فيقال لها هبطت. فالحطّ هو الانحدار من الأعلى بشكل منظّم أما الهبوط فهو الانحدار من الأعلى بشكل عشوائي وبشكل فيه خلل فيقال مثلاً هبطت الأسهم وهبطت الأسعار. الطير يحطّ بقوانين ومنها أخذ البشر قوانين الطائرة ولكن عندما تطلق عليه النار فتصيبه ينزل نزولاً عشوائياً فيقال له هبط. وقد استعملت كلمة هبط في القرآن الكريم في مواطن عدة بمعنى الذمّ (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ) تدل على طردهم لرذالتهم (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) الأعراف) (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا) (هبوط آدم وحواء هو هبوط منزلة). حتى في العبادة (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) البقرة) والعباد الصالحون عندما يتفكرون بالله تعالى ينكمشون ويتضاءلون وتأخذهم الخشية حتى يكونون كالحِلس البالي فهذا هو الهبوط.

قال تعالى (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) البقرة) أي حطّ عنا خطايانا موسى u قال لبني اسرائيل أنه عندما يدخلوا الأرض المقسة أن يقولوا حطة. لم يقل سبحانه احذف ولا اهبط باعتبار أن الحطّ يكون بشكل منظّم الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها زالكفارة الفعل بالفعل.

سقط ونزل: تقال للشيء المتروك. كالبيت الآيل للسقوط لا نقول للهبوط لأنه هو أصلاً خرِب ويقال للتلميذ الكسول أنه سقط لأنه أصلاً لم يدرس ويقال للحكومة سقطت لأنها كانت تالفة أصلاً. فالسقوط يقال للشيء التافه (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (44) الطور) ما يسقط من السماء أشياء تافه كنجمة تالفة أو كوكب تالف أو نحوها. (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) الشعراء) (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49) التوبة) الذي يسقط في الفتنة هو الانسان التافه التالف.

أما نزل فتقال للشيء القيّم والشيء الخطير سلباً أو إيجاباً. يقال نزل وتنزّل . كلمة نزل وتنزّل من الأشياء المهمة الخطيرة التي تُحدث تغييراً كالقرآن والكتب والمطر والعذاب. ويقال أنزل إذا كان من الأعلى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ) ولما وصل إلينا صار تنزيلاً (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا (23) الانسان) وكل تنزيل في القرآن جميل قال تعالى: (ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) (وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ) (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)

انهار: الانهيار ذاتي بدون فعل فاعل هو تالف أصلاً فأصبح ضعيفاً فانهار يقال انهار البناء إذا وقع من تلقاء نفسه وهو غير الهدم الذي يكون بفعل خارجي. واحد عنده مصيبة صمد كثيراً ثم انهار كما يحصل في السجون يصمد السجين تحت العذاب والسجن ثم ينهار (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) التوبة) .

خرّ: جاءت بمعاني عظيمة عجيبة غريبة في القرآن الكريم (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) لم يقل سبحانه سقط أو هبط أو نزل لأن موسى u سقط بدون أي نظام وكذلك داوود u (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ {س}(24) ص).

والخرّ نأخذه في هذه الحلقة من جانبين:

جانب العبادة وعلاقة العبد الذي اصطفاه الله تعالى واجتباه وقرّبه إليه حتى صار نبيّاً أوليّاً كيف يخرّ إذا ذُكِر الله عز وجل؟. والجانب الآخر يتكلم عن آيتين تتحدث عن كل قوة غاشمة تجتاح الأرض وتمتلك قوة هائلة بحيث لا يردّها أحد ثم تقوم بإذلال الناس وظلمهم ومحق عقائدهم بالأكاذيب الواهية والارجافات هؤلاء تكلم عنهم الله تعالى في آيتين بحيث أن من قوانين الكون أنه ما من قوة ظالمة تصل إلى هذا الحد بحيث لا يمكن للمظلوم أن يدفعها إلا ويتدخل الله تعالى بشكل مباشر بدون أسباب.

نبدأ بالخرّ من جانب العبادة: قال تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا {س}(58) مريم) هذه طبقة هائلة ما إن تقرأ عليهم آية أو يقرأون هم آية حتى تتناغم كل أعضاء جسدهم وكل جسدهم كه هذه الآية فيفقد السيطرة على نفسه فينفعل انفعالاً لا شعورياً قسرياً فيتكوّم في الأرض. ولغة الجسد هذه لغة عظيمة ةكل خلية وكل مسام في الجسد لها لغة كما في الكون كله (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (الاسراء)) هذا الجسد له احساس وإدراك لا ندركه نحن بحيث يشهد علينا يوم القيامة وقلة من البشر يصطفيهم الله تعالى (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) سبأ). الخرّ انفعال لا إرادي فإذا سمعت دويّاً قوياً مثلاً يأخذك بالكامل فتنفعل لا إرادياً فتخرّ على الأرض ويتساوى قدمك ورأسك وهذا الخرّ أسبابه عديدة منها الاندهاش والخوف والرعب والمصيبة والصوت المفاجيء والفيضان كما حصل في تسونامي بحيث صُرع الكثيرون من الهلع قبل أن تصلهم الموجة العالية. وهناك من عباد الله تعالى من لا تخيفهم الأفاعي أو الأسود ولا تخشى شيئاً لأنهم يخشون الله تعالى ولا يخشون شيئاً في الدنيا. وفي الروايات الكثير من القصص عن أمثال هؤلاء ومما يُذكر أن أحد الصالحين كان يدرّس طلابه العلم في مكان سقفه من جذوع النخل التي تعيش فيها الأفاعي وبينما هو في درسه سقطت حية من السقف ففزع الطلاب وانصرفوا أما هو فلم يتحرك من مكانه وأمسك بها ورماها وقال ما أنت إلا دودة. هذا الإنسان بهذا التجلّد عندما يسمع آية معينة من كتاب الله يقع مغشيّاً عليه والأمثلة من الصحابة كثيرة كان أحدهم إذا سمع آية يخرّ أسبوعاً ومنهم من الذين فتحوا الدنيا تبكيه آية فتُمرضه ومنهم من إذا سمع آيات النار خرّ مريضاً وأحد الصحابة وهو فتى من الأنصار في الثلاثين من عمره سمع آية عن النار فخرّ إلى الأرض فحمله أهله إلى داره فجاءه الرسول r يزوره فدخل عليه فعانقه الفتى فمات بين يديه r فقال r: جهّزوا أخاكم فقد فَلَذّ الفّرَق كبِده (أي خوفه من الله تعالى فلق كبده فلقاً). هؤلاء أولياء اله تعالى ولهذا قال (من عادى لي وليّاً..). وهذا باب واسع من أبواب هذه الأمة وهؤلاء مصابيح الخير لهذه الأمة بهم يُنصر الناس كما جاء في الحديث الشريف "إنما تُنصرون بضعفائكم" "رُبّ أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرّه" . وقال تعالى (ثم قست قلوبكم) حتى الحجارة تهبط بشكل غير منظّم وفي غاية الخشوع يتضاءل الحجر من خشية الله تعالى ويشعر بالضعف والمهانة والذِلّة أمام الله تعالى فهذا الحجر العظيم يتفتت من خشية الله تعالى خضوعاً وذُلاًّ لله تعالى.

في كل الديانات هناك من يعبد الله تعالى عبادة موحّدة يعرف قدر الله تعالى ويتعلق قلبه بالله تعالى تعقلاً لا يدركه عقل.

قال تعالى (قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) الاسراء ) عادة السجود يكون على الجبهة أولاً ثم الأنف ثم الأذقان لكنهم خروا مباشرة على الأذقان والأعظم من هؤلاء داوود u (خرّ راكعاً) لم يقل ساجداً فالانسان عادة يركع أولاً ثم يسجد ولكن داوود u تساوى ركوعه وسجوده من خشية الله تعالى.

الحب لا يقبل الشريك ومن أحبّ دنياه أضرّ بآخرته ومن أحبّ آخرته أضرّ بدنياه. والصالحون وصلوا لمرحلة التخصص في خشية الله تعالى أما نحن فمن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولسنا من الصالحين، قال تعالى (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) الزمر).

الخرّ من الجانب الثاني: وهو خرّ الظلم الذي يستشري في العالم. الظلم من قوانين الأرض وعلى امتداد التاريخ هناك أشخاص وجماعات وفرق وفئات وأحزاب ودول وقبائل ظلموا الناس منذ عهد آدم حيث ظلم قابيل أخاه هابيل فقتله. قال تعالى (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26) النحل) السقف هو من فوق أصلاً لمّا يتدخل رب العالمين (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) يوسف) أتى: من بعيد مما لا تتخيله عقولهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون حينئذ يقول الله تعالى أنه لم يعد لديهم سقف فوق وليس له بديل خرّ السقف وانكشفوا لنكشافاً تاماً فلم يعد لهم فوق أبداً.

(ثم مكر الذين من قبلهم) دول سابقة وحضارات سادت وعذبت الناس واسترقّوهم واستولوا على بلادهم وأموالهم ونسائهم محقاً محقاً وأتاهم الله تعالى بأمر من حيث لا يشعرون (هناك فرق بين المجيء من قرب والاتيان من بعد ) فلو قال تعالى جاءهم لكان أمراً متوقعاً لكن أتاهم تعني أمراً غير متوقع فهتلر مثلاً رغم عظمة جيوشه انتحر وفرعون الذي اشتهر بالسباحة وكان قصره على الماء قضى غرقاً فمن كان يخطر بباله أن ينتهوا هذه النهاية ؟ هذا من قوله تعالى (أتاهم) أي لا يخطر ببالهم وبعيد عن إدراكهم أصلاً.

وقول تعالى (بنيانهم) البناء في القرآن بناء الله تعالى أما البنيان فهو بناء البشر. هذا البنيان قد يكون دولاً او استخبارات أو أجهزة أو أمن أو شرطة أو جيش ومع هذا يتفلّش النظام بعمل بسيط كما حدث مع الاتحاد السوفياتي الجبار الذي كا يقتسم العالم مع أميركا كما كان الروم والفرس يقتسمان العالم سابقاً ثم هلكوا في وقت واحد فالروس سبقوا الأميركيين إلى القمر هؤلاء الروس كان يمكن أن يقضى عليهم بحرب عالمية فينهزمون أو بصواعق لكن الله تعالى أتام برجل اسمه غورباتشوف اشتهر بالغباء وطمس الله تعالى على بصيرته فتكلم بكلمات تفلسف بها هي الترويكا فتناثر هذا الحلف الرهيب حتى بدأ يستجدي الغذاء المعلّب في أميركا الذي أعدوه للكلاب وأصبح أضعف دول العالم هذا من قواعد الكون وقوانينه (فخر عليهم السقف من فوقهم). كذلك التتار وهتلر الذين اجتاحوا الأرض والمغول الذي فعلوا بالعراق ما فعلوه وبلغ الرعب بالعراقيين أن يأتي المغولي بدون سلاح يواجه خمسين من المسلحين العراقيين فيرعبون ويرمون بسلاحهم ثم يأمر المغولي الأعزل أحد العراقيين أن يأخذ سرحه ويقتل به أصحابه فيفعل لشدة رعبهم من المغول.التتري بهذه القوة اجتاح الأرض من تتاريا إلى مصر وبنى جبالاً من الجماجم أي إبادة كاملة هؤلاء الضعفاء المهزومون لا ينتصرون على التتري فقط وإنما يُلجئونه إلى أن يعتنق دينهم. ومقتل الضعفاء أن ينهزموا من داخلهم فالله تعالى له قوانين يتدخل بدون أسباب لنصرة المهزومين بعد أن تطغى قوة على الآخرين وهذا من قوانينه تعالى لكن بشرط أن لا ييأس هؤلاء الضعفاء. فعليك أن تعد نفسك للنصر بأحد أمرين: إنا بالقوة فإذا عجزت لأن الأمر أفظع مما تقدر على رده فانتظر نصر الله تعالى القادم بشرط أن تكون أهلاً له لأن الله تعالى لا ينصر الوظلوم إذا كان سيئاً سوءاً عظيماً فعناك فرق بين أن تكون قد اعتُدي عليك وأنت إنسان سيء أو إنسان خيّر. وعلى الأمة المقهورة أن تستحضر نصر الله تعالى بأن تصمد صموداً عظيماً كالشيشان منذ 400 عام وهم يُفتك بهم وعددهم لم يتجاوز لغاية الآن 900 ألف بينهم بعض الآلآف من المقاتلين وقد هجّروا على مر التاريخ إلى سيبيريا وبقوا مسلمين ومتماسكين لكي لا ينفرط عقدهم وبقوا عل دينهم وأخلاقهم إلى اليوم وما زال جميع العالم ضدهم وهم ما زالوا باقين على دينهم. هتلر احتل فرنسا وانهارت ومه هذا بقيت فرنسا وذهب هتلر. كل المحتلين في العالم ظلماً وغدراً وحقداً على أديانهم وعراقتهم إذا كان لديهم قوة استعملوها لرد الظلم عنهم وإلا فلن يترك الله تعالى قوة ضعيفة لقوي غادر (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) المائدة) وعسى في القرآن تعني التوكيد و(الفتح) هو القوة تستعملها إذا كان لديك قدرة (او بأمر من عنده) عندما لا يكون لديك حول ولا قوة يأتي الله تعالى بأمر من عنده كالطوفان والجراد والقمل والضفادع والزلازل وغيرها. وإذا به يخر السقف من فوقهم ويأتي الله تعالى بنيانهم من القواعد وهذا من فضل الله تعالى وينبغي على كل مهزوم إن كان على حق فاعلم أنه بمجرد هذا فإن نصر الله تعالى قادم لا محالة.

خرّ تستعمل في غاية الدقة ولذلك الذي يأتي الله تعالى بنيانه لن يعود، بعض الدول ضعفت وعادت لأن ظلمها للعالم لم يكن شرّاً فقد تظلم قوة شعبها فقط وقد تظلم العالم كله. هناك طغاة اعتدوا على شعوبهم لكنهم لم يتوسعوا على بقية العالم ظلماً وعدواناً نهباً وسرقة وحقداً تاريخياً أما الذين طغوا على شعوبهم والعالم كله فلن يتركهم الله تعالى طالما لم ييأس المقهورين (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) النور ) المسلمون في أُحُد لم ينهزموا من أعماقهم الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) آل عمران). الكلام هنا في البطش العالمي الذي هو من قوانين الكون. كل قرن أو قرنين تأتي قوة ظالمة مجرمة مستحوذة طامعة تحت دعاوي وأكاذيب كثيرة دمروا كل شيء واجتاحوا العالم فلا ينبغي لمقهور أن ييأس.

قال تعالى (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ابراهيم) فلا تيأس (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17) الرعد) الحق والباطل أي الظلم وعدمه والخرافة والحقيقة. ونتكلم عن بعض أساليب الصمود:

يجب أن نصمد كل أمة في التاريخ ظلمت أو سرقت وعلينا أن يكون لدينا الهمة العالية وعدم الهزيمة من الأعماق حتى لو انهزمت الجيوش والصمود في الأعماق هو القوة الهائلة وهو أهم من الهزيمة. في غزوة حنين جيش انهزم بكامله ولشدة الزحام لم يتمكنوا من الرجوع وبقي الرسول r ومعه ثلاثة هم العباس وغلي بن أبي طالب وأبو سفيان الحارث بن عبد المطلب وجميعهم من آل البيت فكسبوا المعركة بالكامل ولم ينهزموا (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) التوبة) إذا كنت صامداً من داخلك واثقاً بالله تعالى لا تنهزم أبداً كأطفال الحجارة في فلسطين ليس معه إلا حجارة لكنه صامد في أعماقه غير منهزم. هي مسألة كونية المنتصر مهزوم لا محالة (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فصلت)

وسبب سقوط الدولة الأموية والعباسية أنه رغم حسناتهم الكثيرة فقد كانت سيئاتهم قاتلة ومن ضمنها قتل آل بيت النبي r وقد أخبر r بما سيجري بآل بيته بالضبط ولهذا زالت دولة السفيانيين بقتل الحسين والمروانيين بقتل علي بن الحسين وهذا جرم يكفي لتسقط الدنيا "لعن الله من قتله نبي أو قتل نبياً". العباسيون عندما أقاموا دولتهم لبعطوها للعلويين ثم قالوا هي لنا والحياة في الدولة العباسية الثانية لم يكن فيها شيء من الاسلام. فالدولتان الأموية والعباسية كانتا جديرتان بالسقوط لما فعلوه بآل بيت النبي r.

لكن مهما انهزم الناس بيقى الدين منتصراً وإذا كان الناس خطأ فهذا لا يعني أن الدين خطأ فالدين لا يرتبط بدولة والدولة التي تدعي الاسلام يعذبها الله تعالى أكثر من الدولة التي تعلن الشرك وهي عادلة (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) هود) أميركا تحقق العدل لشعبها لا تعذب كما يعذب المسلمون بعضهم بعضاً. فالمسلمون يؤدبون دائماً ويخرج منهم الجيل الجديد الواعد الذي سيحل المعادلة بإذن الله تعالى. ومع أن المسلمين ينهزمون إلا أن الدين ينتشر بشكل كبير.

ومن أسليب الصمود اليقين بقضاء الله تعالى وتعليم أولادك ثقافة البلاد وعلينا أن لا نيأس والأمة ناهضة بفضل الصالحين من أبنائها.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:22 PM
منظومة فتح المنافذ (خرَق)

خرَق– نفذ – نقب- ثقب– نفق

هذه منظومة فتح المنافذ.

نفذَ: قال تعالى (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) الرحمن) النفاذ أو النفوذ هو دخول حيّز في حيّز حينئذ فتح المنافذ متعدد الأساليب واليةم فتح المنافذ الضيقة للوصول من أول الشيء لآخره (دخول من مكان وخروج من مكان آخر) وهي أربع كلمات:

خَرَق: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) الكهف) الخرق هو فتح فتحة واسعة تكفي لأن يدخل فيها إنسان وهذا الفرق بينها وبين الثقب.

الثقب: هو إدخال آلة فقط مثل ثقب الأذن. والخرق أوسع من الثقب (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10) الصافات) الثاقب كالآلة التي تدخل الخشب فتفتح فيه منفذاً بحجم الآلة. واضح أن الثقب غير الخرق ولكل منهما مهمة خاصة.

يقال الإنسان الأخرق أو العقل الأخرق أي الذين يكون عقله فيه فتحة لا يمسك ماء فلو دخلت الحكمة أو العلم أو المعرفة من مكان تخرج من مكان آخر دون أن يستفيد منها شيئاً. فالخرق هو بلا تفكير ولا تدبر وهو للإفساد فقط فإذا أردت أن تفسد شيئاً اخترقته.

نفق: الفرق بينه وبين الخرق أن النفق أطول من الخرق. الخرق قصير (مثل خرق جدار) تخرقه وتنفذ منه أما إذا كان طويلاً في الأرض أو في الجبل فيسمى نفقاً. والنفق كما قلنا أطول بكثير من الخرق. (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) الأنعام)

نقب: يختلف عما سبق أن النقب يكون في الأجسام الصلبة أما الثقب أو النفق أو الخرق فيكون في الأشياء السهلة مثل الخشب أو جدار أو ثوب أما إذا كان النقب فيكون في الحديد أو الصخر الصلب (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) الكهف). والنقب من التنقيب في الأرض في الأعماق لأنه يدخل في طبقات صخرية عميقة وصلبة (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) ق).

باختصار فإن الخرق فتح منفذ صغير يكفي لمرور شخص (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) الاسراء) (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) الكهف) ولهذا الماء تدفق ومسافة الخرق أقل من مسافة النفق أما النقب فيكون في الأشياء الصلبة كجبل من الحجارة أو الغرانيت أو الحديد.

الخرق والاختراق : ما من شيء في هذه الدنيا يربك أنظمتها وحياتها كالاختراق سواء كان اختراق دين فيصبح بدعة أو اختراق وطن فيصبح جاسوسية أو اختراق نظام فيصبح عمالة وكل نوع من أنواع الاختراق له اسم في الكتاب العزيز ولهذا تجد في الكتاب والسنة وما يرتضيه العقل البشري يحذر الانسان والجماعة والأمة والشعب والسلطان من الاختراق الذي هو من سنن الكون ومن أعظم أسلحة العدو. وكل عدو يصل إلى عدوه عن طريق الاختراق لأنه أشد أثراً وأشد إيلامياً من الجيش والتاريخ مليء بحروب انتصر فيها عدد قليل على عددد كثير بقوة الاختراق. والحروب بين العالم اقتصادياً أو عسكرياً يعتمد على الاستخبارات فقد تنتصر دولة ضعيفة لأنها تخترق كل دول العالم وجيوشه وتضع ارادات دول عظمى وتتحكم في سياسات تلك الدول عن طريق الاختراق والعرب للأسف لا يحسنون هذا الاختراق لأنه يحتاج إلى مكر ودهاء وقوة على حفظ الأسرار والكتمان وقوة الولاء للوطن. منذ بداية الاسلام فالعرب مخترقون إلى هذا اليوم فقب ذهاب الرسول r لفتح مكة ذهبت رسالة لأهل مكة تحذرهم أن محمد r قادم إاليهم ليحاربهم وهذا الاختراق يوضح كيف قُتل ثلاثة من الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب (قتله أبو لؤلؤة المجوسي) وعثمان بن عفان (قتلة محجموعة من اليمن ومصر حاصروه 40 يوماً وقتلوه ومنعوا الناس من دفنه والناس تتساءل من أين أتى هؤلاء) وعلي بن أبي طالب وهم الذين فتحوا العالم وملأوا الدنيا عدلاً. وكل تاريخ العرب مليء بغدر الباقين لهم وذلك يعود إلى أن العرب ليسوا أهل مكر ولا يصلحون للسياية لأنه تحتاج إلى مكر ودهاء وليس فيها عواطف فالعربي فطري عاطفي يحب الضيف ويكرمه و]ألف بسرعة ويرضى بسرعة ولا يعرف الغدر فقد حكم العرب سنوات عديدة لكنهم لم يغدروا بالناس وفي أحد أقاليم فارس انسحب المسلمون من الاقليم بعد أن دخلوه بدون استئذان. ويقول ابن خلدون أنه لا يقوم للعرب ملك أو سياسة إلا بالاسلام. أما أعداءنا فهم يتربصون بنا الدوائر ويفسدون علينا ديننا واقتصادنا ومناهجنا واعلامنا ومجتمعاتنا وللأسف أن الأمة العربية سهلة الاختراق لأنها تتجاوب مع الكلمة الطيبة كما صدقوا بريطانيا في خداعها وكذبها عليهم. وللأسف أن العرب مع عدم براعتهم في اختراق أعدائهم نجحوا في اختراق بعضهم البعض وعلى الأمة العربية الاسلامية أن تربي أبناءها وشعبها على قوة الولاء للوطن واستقذار خيانة الوطن كما يستقذرون الزنا بالمحارم وضرب الوالدين وسرقة المساجد والبغاء وغيرها من المستقذرات لأنه ما من شيء أخسّ وأقذر من أن يخون الانسان وطنه وحاكمه ونظامه وحتى لو لم يكن الحاكم مخلصاً لوطنه فعل الشعب أن يغيّره بنفسه ولا يجلب للوطن من يغيّره من خارج الوطن.

وصلابة الدولة تكون بإمام عادل والعدل المطلوب هنا بالعدل النسبي وليس عدل عمر بن الخطاب "إن الله ليزع للسلطان ما لا يزع للقرآن" لأنه عندما يحترم الزعيم شعبه يعامله معاملة جيدة محترمة يرتقي الشعب معه إما إذا عذّب شعبه فتصبح الأمور معاكسة. ويجب على الدولة القوية أن تكون أمورها في غاية الدقة وأن تختار الكفاءة قبل الولاء. وما من أمة تستأثر بالناس وتغير أخلاقهم وتنفرد في العالم وتسيطر عليه بحيث يكون العالم خائفاً منها ومرعوباً لا بد أن يهلكها الله تعالى لأن هذا من سنن الله تعالى في الكون. قارون كانت مفاتيح كنوزه تنوء بالعصبة فخسف الله تعالى به الأرض.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:23 PM
منظومة الفواجع (خطب)

خطب– مصيبة – نازلة- دائرة– طامّة – قارعة - بلاء

هذه منظومة الفواجع والمصائب التي ربما لا يخلو منها انسان في حياته فهي من قوانين هذا الكون (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) الأنبياء) وبين كلمات هذه المنظومة فروق تدل على الاعجاز اللغوي الذي تفرّد به القرآن الكريم بحيث لا تغني كلمة عن أختها.

مصيبة: هي التي تصيب عزيزاً عندك فتنهيه والناس تعرف ذلك والمصيبة هي الأمر الظاهر الذي يقع على محبوب عندك فيعرفه الناس كمصيبة الموت وتترك في نفسك حزناً عميقاً والحزن عند المصيبة سُنّة. والمصيبة الواحدة تصيب شيئاً واحداً في حياتك له أهمية كبيرة كمرض عضال أو افلاس بعد غنى أو حكم بالاعدام أو والله تعالى سمّى الموت في القرآن مصيبة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106) المائدة) لأنه يصيب كل بيوت الناس.

والمصيبة من ظاهرة للناس وأصلها مصوبة أي تصيب كالسهم أو اطلاق النار يثيب الهدف ولو كان شعرة كالسهم المنطلق وعندما تأتي أحدنا مصيبة ما فهي تقصده من بين ملايين الناس فتصيبه اصابة مباشرة. والمصلئب متعددة منها المصيبة في المال أو الولد وأعظمها والعياذ بالله المصيبة في الدين. والمصائب قدر (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) الحديد) (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) الشورى). وأصل المصيبة الرمي بالسهم ثم استعملت في كل شيء حاجث تكرهه النفس ويثير الحزن الشديد إذا أصابه بدقة ويقول الرسول r "إذا أحب الله عبداً أصاب منه" وجاء أحدهم الى رسول الله r فقال يا رسول الله إني لا أمرض فقال له r أو أملك أن الله لا يحبك!.

الحزن قانون والرسول r عندما جاءه خبر مقتل جعفر ابن ابي طالب وعبد الله بن رواحة جلس وفي وجهه الحزن وعندما مات ولده ابراهيم قال r: إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا على فراقك يا ابراهيم لمحزونون" ويعقوب u عندما فقد ولديه ابيضت عيناه من الحزن (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) يوسف) (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) البقرة) هؤلاء عليهم صلاة من ربهم ورحمة وهم مهتدون هذا فقط لأنهم حزنوا فاسترجعوا وقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أو لله ما أعطى وما أخذ بهذه الكلمات تضفي على حزنك شرعية وقدسية هائلة من حيث أنها عبادة ترقى فيها لأعلى الدرجات ولا يرقّيك غيرها.وكل شيء له أدب حتى المعصية لها أدبها يقول تعالى في الحديث القدسي: إن العبد ليعصيني فيذكرني على المعصية لا يستغفرني فأغفر له. وللحزن أدبه ومن أدب الحزن قول إنا لله وإنا إليه راجعون. والأعجب الأحاديث فيما يعطي الله تعالى المصاب عندما يسترجع وكلما ذكر الانسان حزنه فأحدث لها استرجاعاً كما فعل أول يوم بعطيه الله تعالى نفس الأجر الذي أعطاه إياه أول يوم والانسان يستطيع أن يسترجع كل يوم ليعطيه الله تعالى كما أعطاه أول يوم. وفي الأحاديث "الحزين في ظل العرش يوم القيامة" " الحزين على يمين الرحمن يوم القيامة وكلتا يديه يمين" "إن العبد لتسبق له المنزلة عند الله فلا يبلغها بعمل فيسلّط الله عليه الهمّ والحزن ليبلغها بذلك" فالهمّ والحزن من العبادات الجليلة يقول تعالى في الحديث القدسي "إني مع المنكسرة قلوبهم"

خطب: إذا كانت المصيبة تقع على الانسان وهي خفية لا يعرفها إلا هو ولا يريد أن يعرفها أحد أو عرفها الناس قليلاً ثم نسوها لكنها بقيت في نفسه حتى اكتسى وجهه بالحزن الدائم واضطراب الحركة حتى يقول له من يراه ما خطبك من شدة انفعاله مع هذه المصيبة التي وقعت عليه ولا يخبر بها أحداً يسمى هذا خطباً. يبدة الخطب حزناً واضطراباً في الحركة وكل من يرى هذا الانسان يخاطبه ويسأله ما خطبك؟ سمي خطباً لكثرة ما يخاطب به. والخطب هو ما تكتمه في نفسك في سرّك ويؤثر عليك همّاً وزناً واضطراباً حتى يبدو هذا عند الناس. والمصيبة ظاهرة أما الخطب فخفيّ سرّي مثل تأنيب الضمير.

والخطب كلمة جميلة من الكلمات العربية الأنيقة التي لم يعد أحد يستعملها فكل شعب من الشعوب يستعمل مكانه كلمة خاصة به كأن يقال (اش بيك؟، شوفيك؟ مالك؟ شو بلاك؟ عسى ما شرّ؟) وكل دولة وشعب استبدل هذه الكلمة بتعبير ليس بليغاً بقدر ما هو في كلمة خطب. وقد استعملها القرآن الكريم ووردت في السنة والشعر والأدب يقول الشاعر:

فبات يريني الخطب كيف اعتداؤه وبِتُ أريه الصبر كيف يكون

والخطب جمعها خطوب وقال الشاعر:

وأحسب أنّما أبلاك سرٌ أو اعتورتك يا هذا الخطوب

والخطوب تؤثر على الانشراح وهي مصائب خفية غامضة لا يعرفها الناس ولا يريد صاحبها أن يعرفها الناس وإنما هي ظاهرة على وجهه حزناً واضطراباً. وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الكلمة بدقة متناهية:

في قصة السامري: السامري كان رجلاً صالحاً طيباً أحب موسى u ولما ذهب موسى للقاء ربه عز وجلّ وتأخر ألح بنو اسرائيل بأن يكون لعم اله يعبدوه فهم أناس ماديّون فسوّلت له نفسه فصنع لهم عجلاً من الذهب الذي سرقوه من أهل مصر وكان قد رأى فرس جبريل u كلما وقع حلفره على شيء ينبت تحته عشب أخر فأخذ من هذه التربة وجعلها في العجل فصار يخور فعبد بنو اسرائيل هذا العجل فلما عاد موسى u ورأى ما فعلوه ورأى السامري وكان خائفاً وفي وجهه همّ وحزن سأله موسى (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) طه) لم يقل ما بلاؤك أو ما مصيبتك؟ فقال (قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96)) وهذه مصيبة في دينه. وكل مصيبة يؤجر عليها الانسان إلا المصيبة في الدين لأنها تورد النار والعياذ بالله وفي الدعاء عن الرسول r "اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا"

والقصة الثانية : عندما ذهب موسى u لمدين ووجد بئراً وعليه صخرة ضخمة ووجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد امرأتين تذودان وكان معهما قطيعاً كبيراً من الغنم وكانتا تبدوان مرتعبتان من كثرة القوم فسألهما موسى (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) القصص).

وفي قصة يوسف u عندما بعدما فعله النسوة معه عندما ارسلت لهن امرأة العزيز وراودوه عن نفسه ثم عدن لبيوتهن فلمن أنفسهن على ما فعلن وبتن خائفات مرعوبات وبقين على هذه الحالة سنوات عديدة حتى قبيل خروج يوسف u من السجن لما أرسل لهن الملك وسألهن (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) يوسف)

وقصة ابراهيم u عندما جاءه الرسل فصنع لهم طعاماً ولما رأى أيديهم لا تمتد إليه سألهم (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) الذاريات) (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) الحجر)

قصة عمرو بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في الحديبية عندما أمر الرسول u المسلمين بأن يفكوا احرامهم ليعودوا غلى المدينة فغضب عمرو رضي الله عنه وسأل الرسول r ألست رسول الله؟ أولسنا على الحق؟ وكان رأيه مخالفاً لرأي الرسول r وأراد أن يفتح مكة ويحارب قريشاً لكن الرسول r رأى أن يعودوا الى المدينة إلى أن يأذن الله تعالى بالفتح وكان رأيه حقاً (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) الفتح) وبقي عمر إلى يوم وفاته يتذكرها ويقول إن نجّاني الله تعالى منها فقد نجوت.

كذلك قصة الصديق أبي بكر رضي الله تعالى عنه عندما أكل طعاماً فقيل له أنه من مال الربا فتقياً حتى كادت روحه تزهق وبقي إلى أن مات يلوم نفسه.

وهكذا ما من انسان إلا وعنده خطب يشغله إلى أن يموت فهو إما أن يكون قد ارتكب ذنباً أو تصرف تصرفاً أحمقاً مع أحدهم أو عنده همّ دفين أو ذكرى كلما تذكرها شعر بألم وحزن فيرى الناس ملامح الحزن على وجهه والهم والاضطراب فيسألونه ما خطبك؟

جاء رجل الرسول r يخبره كيف وأد ابنته في الجاهلية وكان r يسمع ويبكي فقال للرجل: أما وقد عصم الله دمك بالاسلام فغرّب عن وجهي فلا أراك ثانية. قطعاً هذا الرجل من وقت أن وأد ابنته إلى أن مات كان مهموماً.

نازلة: مصيبة تقع بليل فتتلف شيئاً واسعاً كمدينة أو قرية أو حقلاً والناس نيام. ذكر تعالى في القرآن الكريم قصة قوم لوط الذين نزل عايهم العذاب وهم نائمون فجعل عاليها سافلها (فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (177) الصافات).

قارعة: مصيبة ليلية أو نهارية بصمت ولكن يسبقها دويّ هائل. مثال مدينة هيروشيما كان الناس جالسون في منازلهم فنرلت علهم القنبلة النووية فأفنتهم. قال تعالى (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) الرعد) حادثة مفاعل تشرنوبيل: كان الناس نيام وحصل تسريب بسيط في المفاعل فمات 120 ألف انسان (تصيبهم بما صنعوا) فهذه مصيبة أصابتهم بدارهم ثم إن الدول القريبة منهم أصابتهم الغمامة النووية فلوّثت الزرع والماء والأسماك فتأثرت بها الدول المجاورة (قريباً من دارهم). بصناعتهم التي أرادوها قوة فانقلبت عليهم وأصابت الروس وحلّت قريباً من دارهم اي في أوروبا. وهذه سنة الكون كل قوة تستعمل لظلم الآخرين تنقلب على أهلها بقارعة. وقد سمّى الله تعالى يوم القيامة في القرآن بالقارعة لأنه انفجار يدمّر الكون ويقوم على أنفاضه كون آخر والانفجارات في الأرض كثيرة وما هو قادم أكثر والعياذ بالله.

الدائرة: (وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) التوبة) (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) الفتح) أن تظلم أناساً بطريقة معينة باذلالهم وسجنهم واعدامهم ثم تدور الدائرة فتذوق من نفس العذاب. ويقال في المثل ( وعلى الباغي تدور الدوائر). بعض الناس يصطفون غلى جانب العدو بحيث ينصبهم العدو على قومهم فيفسدوا قومهم ويذلوهم ثم تدور الدائرة فيسلّط العدو نفسه السعب على هؤلاء فيذيقونهم من نفس العذاب. وهذه من قواني الكون ما بغى أحد على أحد إلا بُغي عليه بنفس الأسلوب في النهاية.

طامة: كارثة تسونامي مثلاً حدثت وبدون مقدمات فجأة رأى الناس أنفسهم وهم جالسون في بيوتهم أو معابدهم أو الفنادق في الأدوار العالية وجدوا أنفسهم والموجة تغمرهم وتلقي بهم في المحيط فغرقوا ثم غطّى الطين جميع الموجودات. والطامّةمأخوذة من طمّ البحر وطمّ السيل الذي يغمر كل شيء بالوحل والطين ولا يعود هماك شيء له حركة. واستعمل القرآن هذه الكلمة (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) النازعات) أي الطامة التي تغطي كل شيء.

البلاء: هذا كله سواء كان خطباً أو مصيبة أو نازلة أو قارعة أو طامة إذا كان يتعلق بامتحان الانسان بإينمانه وعدم ايمانه فهو البلاء (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) ابراهيم) . وذكر في قصة ابراهيم u الذي أمره تعالى بذبح ابنه اسماعيل u جاء قوله تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) الصافات) هذا بلاء عظيم يتعلق بايمانك وعدم ايمانك (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) محمد).

‘ذا حمدت الله تعالى على المصائب فهي من أعظم العبادات يوم القيامة فما من عبادة أعظم وأجلّ من أن تُبتلى ثم تُبعث يوم القيامة وليس عليك ذنب أو سيئة وتدخل الجنة بغير حساب ما عدا الأمانة فإذا كنت قد خنت الأمانة فهذا التي تُسأل عنه أما كل تقصيرك وذنوبك فيكفّرها البلاء حتى الشوكة يشاكها العبد تكفر ذنوبه.

الذنب قانون والاتساخ قانون تغتسل منه والاستحمام من الذنب له طرق عديدة مثل الاستغفار والصوم والصلاة وأعظم أنواع المبيدات والمطهرات للذنوب هو البلاء بكل أنواعه سواء كان مصيبة أو نازلة أو قارعة أو طامة أوخطب أما الدائرة فهي جزاء وفاق وليست بلاء لأنه كل من يمكر يمكر الله تعالى به.

يقول r: "عجبت للمؤمن إذا أصابه خير حمد الله وشكره وإذا أصابته مصيبة احتسب وصبر إن المؤمن يؤجر على كل شيء حتى اللقمة يرفعها إلى فِيّ امرأته" ولو سقاها شربة ماء فهذه تكفر الذنوب وهذه سُنّة ميتة . كان أبو الدرداء وأم الدرداء مثلاً في حب أحدهما للآخر وفي ليلة نامت ام الدرداء وعندما عاد ابو الدرداء من السمجد أيقظ امرأته وأعطاها كوباً من الماء لتشرب فقالت له لست عطشى فألح عليها فسألته ما وراءك فقال: قال r من شرب ماء ثم سقى زوجته دخل الجنة. هذه فيها حركة انسانية هائلة.

قال الرسول r : "إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه فيّ فإنها من اعظم المصائب" : ما أصيب المؤمنون بمصيبة أعظم من مصابهم فيّ" لأنه r مات ولنتخيل لو أنه r حيّ فينا الآن لما كان أصابنا ما اصابنا وما كنا لنعاني هذه المعاناة التي نعانيها الآن. فمنذ وفاته r حلّ العذاب بالمسلمين بدءاً من حورب الردة في عهد أبي بكر بقي الناس أشهراً لا يصلّون ثم في عهد عمر وكيف قتل ثم عثمان وما حدث له ثم قتل علي بن ابي طالب وما حلّ بأهل بيته رضي الله تعالى عنهم أجمعين ثم ما حدث لبني العباس ثم ما توالى بعد ذلك من المصائب ونحن الآن في مصيبة المصائب ولو أن الرسول r حيّ فينا اما عمّت المصائب ولعمّ الاسلام.

ومن نعمة الله تعالى على العبد أنه يصيبنا بهذه المصائب والابتلاءات. عندما نزل قوله تعالى (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) النساء) جاء رجل إلى الرسول r فقال هلكنا يا رسول الله فأجابة r لا ألست تمرض ألست تنصب ألا تصاب في مالك هذا كله يكفر الذنوب. وفي الحديث : " ليأتينّ على أهل العافية يوم يتمنون لو أن جلودهم قرضت بالمقاريض لما يرون من جزيل ثواب المبتلين" "يتمنى أهل البلاء يوم القيامة لو ضاعف الله عليهم العذاب لما يرونه من جزيل ثواب المبتلين" والعبد المؤمن يفرح بالبلاء كما يفرح بالنعمة والبلاء العام الذي نزل على المسلمين هذه الأيام ناهيك عن القتل والتشريد هذه كلها من سنن الكون.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:24 PM
منظومة المناهج (خطوات)

صراط– سبيل – منهج- خطوات– سُنّة – سيرة – دأب – طريقة - أمّة

هذه منظومة المناهج وقد سبق أن تناولنا بعض كلمات هذه المنظومة كالسبيل والصراط ضمن منظومة الطريق منظومة جُدد (الطريق ) فالقرآن الكريم ليس فيه مترادف مطلقاً وإنما فيه مشترك لفظي.

هذه منظومة المناهج: عندما تريد أن تعمل عملاً أو تُنشئ جماعة سياسية أو دينية أو تؤسس مدينة أو ما شاكل وكل عمل ابن آدم لا بد أن يكون له منهج قال تعالى (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) المائدة) ولا تصلح هذه الحياة ولا يصلح ما فيها ومن فيها إلا إذا كانت حركتهم على هذه الأرض ممنهجة محددة يخطط لها سلفاً وإلا كانت فوضائية عشوائية لا تنتج إلا فوضى كما هو حاصل في العالم اليوم بعد أن سقطت جميع المناهج والقوانين الدولية وسادت شريعة الغاب كما حصل في فترات عديدة في التاريخ.

الصراط: هو المعبر بين نقيضين أو بين ضفني جبل بينهما صراط ينقلك من الضدّ إلى الضدّ. قال تعالى (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) الفاتحة) من الكفر الى الايمان والتوحيد. وقال تعالى (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) الأنعام) قدّم لنا مناهج العقيدة هذا هو الصراط. كل ما يتعلق بالعقيدة من المناهج والأحكام المتسلسلة الرائعة المقنعة في كتاب الله تعالى وسُنّة الرسول r وما في هذا الكون مما يدل على وحدانية الله تعالى كل هذا صراطاً. فالصراط إذن هو الواسطة أو الوسيلة التي تنقلك من ضفة إلى ضفة معاكسة وهذه هي العقيدة.

السبيل: هو الطريق الرئيسي الذي يسلكه الناس بعد عبورهم الجسور العظيمة وتتفرع منه الطرق الجانبية فالسبيل أو الإمام (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79) الحِجر) هو الطريق الرئيسي الذي تتفرع منه طرق عديدة ترجع في النهاية إليه (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)يوسف) شريعة ممتدة أحكامها لا تنتهي إلى يوم القيامة ولا يُنكر تغيّر الفتوى باختلاف الزمن. مذاهب الأمة ليست متناحرة وإنما هي أساليب جديدة لحل مشاكل معاصرة لم تكن في العصر السابق فأحكام السوق مثلاً في السابق حيث كانت السوق أرض فضاء يتجمع فيها الناس للبيع والشراء وكان لها أحكامها الخاصة بها أما الآن فقد اختلفت السوق وأصبح العالم كله سوقاً من بنوك وشركات ومعاهدات فكان لا بد من أن تتغير أحكام السوق بما يتناسب مع الزمن. فالسبيل شريعة متغيرة (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) أي لا بد من الاتيان بالدليل وليس تبعاً للهوى فتحلل وتحرم على هوى الناس فإذا أجمع الناس على أمر فهذا لا يعني أنه صار حلالاً (الاجماع مثلاً على شرب الخمر لا تجعل الخمر حلالاً).

المنهج: خطة متكاملة لا تقتضي زمناً محدداً وقد تنجزها في سنة أو أكثر. التعليم في السابق كان بضعة كتب هي المنهج ففي اللغة مثلاً كان المنهج هو بضعة كتب (من متن الأجرومية إلى مغني اللبيب) والمطلوب انجاز المنهج بدون تحديد زمن معين ولا مراحل دراسية ولا خطوات. ومن العلماء من صار مجتهداً وهو في سن الخامسة والعشرين لأنه كان عنده منهج إما بلاغي أو أصولي أو غيره وكل على حسب طاقته فمن الناس من قد ينهي المنهج في عشر سنوات أو خمس أو اثنتين لذكائه وعبقريته. هذا المنهج (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) الاسلام منهج والمطلوب الصلاة والزكاة والصيام والحد والجهاد وبر الوالدين وصلة الأرحام وقد تنجز هذا المنهج في سنة أو 20 سنة والمنهج عليك أن تؤديه حسب طاقتك وقدرتك والزمان الذي تحتاجه أنت وليس معمماً على كل الناس.

الخطوات: إذا وضعت للمنهج أزمنة محددة وقسّمته إلى مراحل فهو الخطوات مثلاً المراحل الدراسية ست سنوات ابتدائي وثلاث اعدادي وثلاث ثانوي ولا بد أن ينجز الطالب هذه الخطوات. قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) البقرة) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة) من خَبَث الشيطان أنه يحدد الانسان بمراحل معينة كل منها تعتمد على المرحلة التي قبلها وتقتضي المرحلة التي بعدها وطالما بدأت بمرحلة فلا بد من أن تنهي كل المراحل. والخطوات يتحكم فيها غيرك فمثلاً وزارة التربية تتحكم في خطوات المراحل الدراسية. والآن هناك بعض المدارس الدينية التي تتبع منهجاً وليس خطوات حيث تتعلم في سنة واحدة ما لا يتعلمه طلاب الجامعات في سنوات (ويقال أن في الجامع علم غزير أما الجامعات فعلمها قليل جداً. الخطوات تأخذ زمنك وأنت فيها مسيّر ولست مبدعاً وكل من له ابداع يمكنه أن ينجز المنهج ببراعة بأقصر زمن معروف على كثافة في العلم حتى يتخرج من المنهج علماء أجلاّء أما الخطوات فلا تخرّج علماء وما يُتعلم في كليات الشريعة لا تساوي ما يُتعلّم في المنهج.

السُنّة: منهج ثانوي مع المنهج الرئيسي. كل مناهج التربية والتعليم فيها روس اجبارية (صراط وسبيل) وبجانبها دروس اختيارية هي من توابع المنهج الرئيسي ولكنها ليست بنفس القوة. والسُنّة حدث بجانب حدث فإذا صليت الصبح توجد معها ركعتان سنة. والسُنة عادة مشروعة مأمور بها ومصاحبة لفرض والكون هكذا كلما وُجِد ظلم تخرب الزراعة وكلما وُجد عدل تنجح الزراعة (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58) الأعراف) وحيثما شاع الربا يشيع الفقر. ومن سُنن الكون أن كل من يكذّب نبيّاً ويعاديه عداء مطلقاً يهلك (قوم عاد، قوم ثمود، قوم لوط، قوم صالح، قوم موسى) (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77) الاسراء) (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62) الأحزاب)

السيرة: (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) طه) التطبيق الشخصي لكل ما مضى. والسيرة هي كيف كان يطبّق الرجال العظام الصراط أو السبيل أو المنهج. كيف كان الرسول r يصلي؟ كيف كانت عبادة داوود u وكيف كان صيامه؟ هذه هي السيرة وهي أسلوب الرجال العظماء في تطبيق المنهجيات.

الدأب: (كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11) آل عمران) (كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54) الأنفال) هو النشاط المتزايد في أداء السُنّة. عندك عادات وتقاليد وعقيدة وأنت في غاية النشاط والالتزام بهذا الشيء الذي تؤمن به ولا تتركه.

الطريقة: تفرّع من السبيل (الشرع) ليس كل الناس يؤدونه بنفس الطريقة. الصلاة مثلاً سبيل وشرع وليس كل المسلمين يؤدونها بنفس الطريقة هناك بعض صيغ لأداء السبيل أما الصرط فلا خلاف عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله آمنت بالله ورسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر والقضاء والقدر). والطريقة هي أسلوب محتلف في أداء نفس العبادة (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) طه) (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11) الجنّ) جمع طريقة طرائق وجمع طريق طُرُق.

هناك من يتقي الله تعالى عن طريق الدعوة أو الزكاة أو العلم أو الجهاد كل واحد بطريقته. أما السبيل فيتفرع إلى طرق مشروعة تعود في النهاية الى سبيل واحد.

الأمّة: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) المؤمنون) (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) الأنبياء) هي جماعة من الناس موحّدة توحيداً دقيقاً في فكر معيّن. كلية الطب مثلاً أمة لأن كل طلابها يتبعون نفس المنهج أما طلال الجامعة الواحدة فليسوا أمة. كل جماعة تتبع منهجاً واحداً هي أمة وما من جماعة على وجه الأرض موحدة في الأساسيات توحيداً مطلقاً إلا هذه الأمة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) آل عمران) نحن أحزاب وطوائف وفرق ومذاهب وكلها موحدة بالايمان بالله وملائكته ورسله وموحدة بالصلاة والصوم والزكاة والحد وتحرّم نفس المحرمات موحدة في الأساسيات على شدة اختلافاتهم في قضايا ثانوية لا قيمة لها. لذا نحن أعظم أمة على وجه الأرض من هذا الباب. (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (142) البقرة)

والقرآن يقتضي أن نسهر على اللغة العربية وتعلم آدابها فرض كالصلاة والصوم ولا عِزّ لهذه الأمة إلا بهذه اللغة. وكل نبي كان يبعثه الله تعالى بلسان قومه (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) ابراهيم). القرآن يحمل معاني متجددة في كل كلمة لا تحمله إلا اللغة العربية ففي كل جيل تفهم الآية فهماً جديداً من فهم اللغة العربية والهجمة العالمية على اللغة العربية مقصودة وبعد الحكم العثماني الذي قضى على اللغة العربية قام علماء اللغة وفقهائها وأعادوا للغة العربية عزّها والآن تعود اللغة إلى الوراء وبدون لغة لا اسلام ولا قرآن .

خطوات الشيطان:

نهانا الله تعالى عن الشيطان واتباع خطواته (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) الخطوات هي مرحلية (مسافة بين قدمين) ومتكررة ومتتابعة وكل خطوة تقتضي التي بعدها وتعتمد على التي قبلها. والشيطان له خطوات ومن خبث الشيطان أنه يبدأ بشيء بسيط ثم يستدرجك خطوة خطوة ليصل إلى ما يريد وهو نفسه فعل هذا وأول خطوة ارتكبها الشيطان كانت قاتلة فأخرجته وكانت سبباً في طرده من الجنة تماماً كما يفعل مع من يغويهم. الشيطان مهمته أن يخرجك مما أنت فيه حتى يجعلك خالداً معه في النار (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) ابراهيم) وهذه خطبة عجيبة للشيطان والله تعالى يُطلق قيوده في النار فيضرب الشيطان أعوانه وزبانيته حتى ينسيهم عذاب النار.

الانكار الصريح لنصّ قطعي: خطوات الشيطان تبدأ بالخطوة الكبيرة على عكس الناس يوقع بها كل الذين هم خارج الايمان وهي التنكّر لنصّ قطعي (هذه هي البداية) فإذا أطعت الشيطان بذلك فأنكرت نصّاً قطعياً ستنزلق الى الهلاك يوماً بعد يوم. الله تعالى أمر ابليس بالسجود لآدم فاعترض ابليس وقال أنا خير منه. وهذ ردّ الأمر على صاحب الأمر وهو تمرّد وعصيان واعتبار الأمر غير مشروع. آدم u عصى ربه ثم تاب (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) الأعراف) واعترف بالتقصير وهذا من قواني بني آدم ليضع نفسه أمام عفو الله تعالى ورحمته ورضاه. أما ابليس فقد عصى الله تعالى وردّ الأمر على صاحب الأمر ولم يعترف بخطئه لله تعالى ولكنه ردّ الأمر (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61) الاسراء)

التشكيك والتبرير: يحاول أن يجد تبريراً لما فعله لكنه لا يجد . على سبيل المثال فرض الله صلاة الجمعة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) الجمعة) وكان هناك بعض الفرق لا تصلي الجمعة بحجج واهية. وهناك نص على حفظ آل بيت النبي r (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) الشورى) (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) الأحزاب) جاءت فرقة النواصب تلعن آل البيت وتتهمهم مئة عام. وهناك من يلعن الأنصار والمهاجرين وقد نزل فيهم آية صريحة تبين رضى الله تعالى عنهم (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) التوبة)، ونهى الله تعالى عن أن تتهم السيدة عائشة رضي الله عنها (يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) النور) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) النور) ومع هذا هناك من يعتبر السيدة عائشة حاشاها مومس والعياذ بالله. وهناك كثير من النصوص الواضحة. وما من جماعة من المسلمين إلا من رحم ربي إلا ومنهم من يطعن بنص صريح وهناك من يلعن الأولياء كأنهم كفّار (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) يونس) . وعلينا أن نمتحن أنفسنا فإذا كنا نسلّم بكل نصوص القرآن الكريم فإننا ناجون بإذن الله.

ومن خطوات ابليس الكِبر (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) ص) جميع الذين عارضوا النبوات من ابراهيم u إلى محمد r قالوا (ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6) التغابن) وكل من يتبع خطوات الشيطان يصير شيطاناً والحجة كانت (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) يس) (مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) الشعراء)

ترك المأمورات بها أكبر من فعل المنهيات عنها : ذنب آدم u أنه فعل منهياً عنه أما ابليس عليه اللعنة فقد ترك مأموراً به وعِظم الذنب يُعرف بعِظم العقوبة.

وفي سؤال لأحد الإخوة المشاهدين عن الفرق بين الشِرعة والشريعة أجاب الدكتور الكبيسي أن الشريعة عامة هي التي أنزلها الله تعالى أما الشِرعة فهي تطبيقك أنت للشريعة وحصتك في الشريعة (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) الجاثية).

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:28 PM
منظومة اللُطف الإلهي (خفّفّ)

خفّف– يسّر – هوّن- ليّن–

هذه منظومة اللطف الإلهي وهي المنظومة الذهبية من حيث أنها من خصوصيات هذه الأمة ومكانتها عند الله عز وجلّ. ومن لطف الله تعالى بهذه الأمة أن ميّز شرعها وشريعتها بالتخفيف والتيسير وتهوين الأمور واللين في التعامل وهذا لا تجده مع بقية الأمم فشدد عليهم حتى أنه طلب من بعضهم قتل أنفسهم إذا أرادوا أن يتوب عليهم (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) البقرة) بينما هذه الأمة فالله تعالى وعد بأن نبيّهم r سيأتي ويرفع عنهم إصرهم وقال r: "إنما بٌعثت ميسّراً" و "بعثت بالحنيفية السمحاء".

خفف والتخفيف: التخفيف انقاص الكمّ الفعلي أو المادي. شيء ثقيل حمله ثقيل ينقص منه حتى يصبح خفيفاً فيسمى تخفيفاً (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) النساء) (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الأنفال) طلب الله تعالى من الأمة إذا فُرضت الحرب من أعدائهم أن تكون الكفّة بين المتحاربين غير متوازنة بأن يكون عشرون يغلبوا مئتين فالله تعالى خفّف عنهم فجعل مقابل كل واحد اثنين (الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) الأنفال)

التيسير: التيسير ليس في الكمّ ولكنه في الكيف. الصلاة كانت خمسون أول ما فرضت وفي كل مرة كان الرسول r يطلب من رب العالمين أن يخفف عن أمته فخففها تعالى حتى صارت خمس صلوات هذا هو التخفيف المادي من خمسين إلى خمس أما التيسير فهو هذه الخمس صلوات كيف تؤديها؟ وهل شرط علينا تعالى حدّاً دقيقاً لا بد من اتباعه ولا يمكن أن تحيد عنه وإلا هلكت؟ كلا إنما تصلي قائماً وقاعداً ومضطجعاً وشرع تعالى صلاة السفر والقصر والجمع وصلاة الخوف وجعل أداء الصلاة في غاية السهولة فهذا يسمى تيسيراً (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) البقرة) فالتخفيف كمّ والتيسير كيف.

التهوين: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) النور) (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) الروم) انقاص في الاهتمام والأهمية. شيء أنت كنت مهتماً به اهتماماً عظيماً يأخذ وقتك وتفكيرك فقال تعالى هوّن عليك فالأمر أهون من ذلك وقلل من أهميته أو من اهتمامكبه معنى ذلك أن التهوين الذي يكون قريباً من الذُلّ العبقري المشروع كأن تهون أمام والديك أو معلمك تتضاءل أمامهم بحيث لا يكون لك أهمية أمامهم، تواضع ورقة ورفق كما وصف تعالى عباد الرحمن (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) الفرقان) لا يشعر بهم أحد. وقال r : " المؤمن هيّن ليّن" لا تكاد تشعر به ولهذا يقول r في دعئه "واقسم لنا من اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا" تأمل لو أصابت الانسان مصيبة كم يكون اهتمامه بها عظيماً وأهميتها عظيمة فالله تعالى بدعاء الرسول r يرزقه الله تعالى من اليقين ما يهون عليه المصيبة ويجعلها بلا أهمية. عندما نزل القرآن على الرسول r أمره تعالى أن يقرأ القرآن على أمته على حرف أي قراءة واحدة لا تخرج عنها حرفاً واحداً ولا كلمة واحدة وفي الحديث أن أُبيّ وهو من أعظم قرّاء الصحابة أن رسول الله r قال: إن ربي تبارك وتعالى أرسل إليّ ان اقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هوّن على أمتي فأرسل إلي أن اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هوّن على أمتي فأرسل إلي أن اقرأه على سبعة أحرف ولك بكل ردة مسألة تسألينها قلت اللهم اغفر لأمتي ثم اغفر لأمتي وادّخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ فيه الخلق حتى ابراهيم u.

فلو قُريء القرآن على حرف لما استطاع كثير من المسلمين ذلك وانما قُريء القرآن على سبعة أحرف فتستطيع أن تقرأ القرآن بأي كل مالم تضع آية رحمة مكان آية عذاب أو آية عذاب مكان آية رحمة. في الحديث: أحبِب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون عدوك يوماً ما وأبغِض عدوك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما" ويقول r : "حُرِّم على النار كل هيّن ليّن سهل قريب" والهيّن هو الذي لا يتكبر علي الناس وكان r يتحدث عن ملوك الجنة فقال: كل أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه" مسكين متواضع هيّن في غاية الهون.

وهنام هون محمود وهو التواضع وهناك الهوان وهو مذموم إلا في الهوان المشروع كالهوان للأبوين. وفي الحديث "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم بغير حق".

الهيّن إذن هو رجل أو شيء لا يثير فيك اهتماماً عظيماً أو أهمية عظيمة. والتهوين هو أن تجعل الشيء العظيم لا يؤبه له في الشكل الذي في ذهنك فالمؤمن هيّن على هذا الشكل لذلك عندما يُفجع الانسان في أمر ما يقال له هوّن عليك. فرّ الرسول r بقبرين يعذبان أحدهما كان يمشي بالنميمة والآخر كان لا يتنزه من بوله فوضع سعفاً من النخل على القبرين وقال يهوّن عليهما ما لم ييبسا. والكفار لهم عذاب الهون فيه عذاب شديد ومشقة وإهانة عظيمة.

اللين: النقص في المعارضة الغليظة عندما يُخطئ الآخر. أحد سرق مالك مثلاً فثار غضبك فإذا تلقيت هذا السارق في غاية اللطف وأستليت من قلبه كل خوف فهذا هو اللين. وفي الحديث : "لين الكلام صدقة" فلو أساء أحدهم إليك فقلت سامحك الله فهذا من اللين. تكلم r عن غرفات الجنة بشكل تعشقه العقول السليمة فسأله الصحابة لمن هذه القصور؟ فقال لمن ألان الكلام وأفشى السلام. وفي قصة يوسف u قال لاخوته بعد كل ما فعلوه به (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) يوسف). ومحنة الرسول r في غزوة أحد ومخالفة الرماة لأوامره r وبقاؤه وحده مع بعض الصحابة ومنهم أم عمارة وجُرِح r وهزم المسلمون مع هذا كله لم يغضب r وكان ليناً معهم وما انتقم لنفسه أبداً وكان ينزل r على رأي الآخرين ما لم يكن إثماً (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) آل عمران). والفظاظة عكس اللين.

هذه المجموعة هي المنظومة الذهبية الله تعالى ييسر لهم ويخفف عنهم ويهون عليهم ويلين لهم القلوب والناس.

الأسباب التي من أجلها أصدر الله تعالى هذه الإرادات الكريمة الذهبية التي جعلها الله تعالى مع هذه الأمة دون سائر الأمم:

(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) النساء) (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) الشرح) (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)

ليس على وجه الأرض أمة واحدة تقول أنت ربي لا إله إلا أنت إلا أمة الاسلام برغم ما هي عليه الأمم الأخرى من العظمة والقوة والحضارة والاختراعات وما قدموه للكون من العلوم والتقنيات لكن تبقى القضية الرئيسية هي التوحيد وبدونها لا أمل (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) النساء) فجواز السفر إلى الجنة هو كلمة التوحيد مصدقاً بها قلبك وما من أمة تحسن التوحيد وتمحصه وهو هاجسها في كل شيء إلا أمة الاسلام وهي أمة الله تعالى وحدها فالمسمون هم الوحيدون الذين يصلون ويصومون ويحجون ويصلون الأرحام ويحسنون الجوار ويبرون الوالدين ويتلطفون بالأعداء ويسامحونهم دون حقد (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) آل عمران) بهذا التوحيد تحقن دمك وتصبح من عباد الله تعالى لا من عبيده وأنت مختار. قال الرسول r : "لا أخشى عليكم أن تشركوت بعدي أبدا" أما باقي الأمم فهي تغير دينها كما تغير ملابسها فهذه أمة مرحومة مباركة كما قال r : "إن أمتي هذه أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة عجّل الله عذابها في الدنيا الزلازل والقتل" وقال تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) البقرة).

الأمم تقارن بحضاراتها والتزاماتها وما من أمة على وجه الأرض خير من أمة الاسلام من حيث مصدرها ولا ننكر أن هناك أمم كثيرة فيها اخلاص في العمل وفيها عدل كثير لكن منطلق هذا كله ليس من عند الله تعالى على عكس المسلمين (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) آل عمران) هذا الابداع لا قيمة له عند الله تعالى إلا إذا انطلق من مبدأ توحيد الله عز وجل. وسوف تبقى خير أمة من حيث كتابها وشرعها وحضارتها والتزامها مهما مرّت به من ضعف وهذا من قوانين الكون. من أجل هذا خصّ الله تعالى هذه الأمة بالرحمة والتخفيف والتهوين والتيسير لذا لا عذر لمسلم أن يدخل النار. وعد الله تعالى أن كل مصلي لا بد أن تكون حسناته أكثر من سيئاته لأن الصلاة تكفر الذنوب بينها وحديث الرسول r "أرأيتم إن كان بباب أحدكم نهر" وعلى المسلمين أن يحذروا الغيبة لأنها تأكل الحسنات.

سأل أحد الخلفاء أبو أمامة فقال علّمني ألين كلمة سمعتها من رسول الله r فقال: سمعت رسول الله r يقول إلا كلكم يدخل الجنة إلا من شرد على الله شِراد البعير على أهله. وفي الحديث عن أهل اليمن : " أهل اليمن هم ألين قلوباً وأرق أفئدة" "الإيمان يمان"

التخفيف والتيسير جماع هذه الأمة ولو استعرضنا النصوص في التخفيف لوجدناها عجيبة والرسول r كان يغضب غضباً عظيماً إذا كان هناك من لا يخفف عن الأمة وقد قال r : " إن فيكم قوماً فتّانين" . وعن عثمان ابن أبي العاص: آخر ما عهد إليّ النبي r: إذا أمّيت قوماً فأخف بهم الصلاة فإذا صليت لنفسك صلّ كما تشاء. وعن أبو محجن قال: أقبلت مع رسول الله r حتى إذا كنا بباب المسجد إذا رجل يصلي يسجد ويركع ويسجد ويركع فلما سأله عنه r أخبره أنه من أحسنهم فقال r: إنكم أمة أريد بكم اليُسر.

التليين: في الحديث الشريف عنه r : " إذا بلغ العبد المؤمن أربعين سنة وقاه الله أنواع البلايا الجنون والجذام والبرص، إذا بلغ الخمسين ليّن الله له في الحساب، فإذا بلغ الستين رزقه الله الانابة إليه بما يحبه الله فإذا بلغ السبعين أحبه الله وأحبه أهل السماء فإذا بلغ الثمانين غفر الله ذنوبه فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم وما تأخر وشفّعه في أهل بيته وسُمي عتيق الرحمن في الأرض وفي رواية أسير الرحمن في الأرض.

وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها أنه r كلن يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يستنّ به الناس.

وعن أبي سعيد الخدري قيل لرسول الله r يوماً كان مقداره خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم يا رسول الله فقال r والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا.

ويقول r عندما كان يرى الناس يطيلون الصلاة يا أيها الناس إن منكم منفّرين فأيّكم صلّى في الناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة.

التيسير: قال r : "ما منكم واحد إلا وقد علم مكانه في الجنة أو النار قالوا فلم العمل يا رسول الله قال اعملوا فكل ميسّر لما خُلِق له" حينئذ هذا العمل هو الذي يستدرج هذه النتيجة. الله تعالى يعلم أن فلاناً سيبدأ سيئاً وينتهي حسناً أو العكس وكل ذلك بأسباب وهو تعالى يهيء لك على قدر ما في نفسك من الصلاح. يؤتى برجل يوم القيامة فيقول الله عز وجلّ انظروا في عمله فيقول رب ما كنت أعمل خيراً غير أنه كان لي مالاً وكنت أخالط الناس فمن كان موسراً يسّرت عليه ومن كان معسراً أنظرته إلى ميسرة قال تعالى أنا أحق من يسّر غفرت لعبدي.

أسباب التيسير عجيبة والله تعالى عنده أسباب النجاة. والله تعالى يسّر على الناس وهناك أعمال تسمى الواحدة كالمومس التي سقت كلباً والبارّ بوالديه والذي يسامح في البيع وكاظم الغيظ ومن ضمنها تاجر يسامح الناس ويسهل الأمور

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:28 PM
منظومة خشوع الأصوات (خفت)

الخفت– المناجاة – الغضّ- الهمس– الوحي – الحسيس – الرِكز -

هذه منظومة خشوع الأصوات (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) طه) والخشوع هو شدة الانتباه حينئذ كل من يشتد انتباهه لشيء ما يكون قد خشع له. وهذه المنظومة تتطلب من صاحبها أن يكون منتبهاً جداً إلى حد لا يمكن أن يشذ ذهنه أو يغيب عقله لأنها مقصودة قصداً و لا يمكن لكلمة أن تعطي معنى الكلمة الأخرى.

خفت: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110) الاسراء) (يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103) طه) الخفت يعني الصوت الضعيف الذي يسبق السكون التام أو الموت. هذا الضعف الشديد يسمى خفوتاً وخفتاً قبل الموت والخفت يكون لعدة أسباب منها منها الضعف أو المرض أو الخوف (يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103) طه) المجرمون هم المشركون يرون أن مصيرهم النار لا محالة فتخيل أيّ رعب يتملكهم ولا يملكون من الخوف إلا أن يتكلم كل واحد منهم بضعف شديد (تخافت). كان الرسول r وبعض الصحابة يتخافتون في صلاة الليل حتى لا يوقظوا أهل البيت ولو تخلينا أن المدينة في ذلك الحين كانت كلها بمساحة المسجد النبوي الآن وفيها مئات البيوت المتجاورة وأي حديث بين اثنين يسمعه الجار فكان من المسلمين من يتخافت في صلاته حتى لا يسمعه أهل بيته فنزلت الآية (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) وقد يأتي التخافت عن تآمر كمجموعة ما تعد خطة تآمرية فيتكلمون مع بعضهم بصوت خفيف بحيث يسمعون بعضهم بشكل صعب كما في قصة أصحاب الجنة (فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) القلم). التخافت إذن هو شدة ضعف الصوت.

المناجاة: التخافت بشرط واحد هو أنك لا تفعل ذلك بين الآخرين على عكس التخافت فهو أمام الناس (يتخافتون بينهم) أما المناجاة فتختلف عن التخافت في أنك بمعزل عن الآخرين. التخافت صار مناجاة لأن المتكلمان في مكان لا يسمعه أحد كأن تناجي الله تعالى وليس معك أحد (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) التوبة) والنجوى هي من سوء الأدب إلا ع الامام أو رئيس الدولة أو وزير كأن يكون هناك أمر خطير يهم الأمة فتناجي الامام وتهمش في أذنه فهذه مناجاة ولا تكون إلا في مصالح الناس (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) المجادلة) وفيما عدا هذا لا ينبغي أن يتناجى اثنلن دون الآخرين كما في الحديث الشريف :" إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجا اثنان دون الثالث" . إذن الخفت أمام الناس والمناجاة بينك وبين من تتناجى معه. (فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) يوسف) هذا في غاية الأدب. وقوله تعالى (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10) المجادلة) لأنها تثير الريبة.

الغضّ: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) لقمان) (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) الحجرات) الغضّ هو صوت خفي بكلام رقيق حنون ليّن ودود وهو دليل التواضع والذُلّة والود وهذا معنى الآية (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) فصلت) من يسيطر على مشاعره ونفسه وغرائزه العدوانية. والغضّ ليس خفض الصوت فقط ولكن اظهار الصوت بمنتهى الحنان واللطف واللين كما في الحديث الشريف "لين الكلام صدقة" وعندما وصف الرسول r قصور الجنة سأله الصحابة لمن هي يا رسول الله؟ فأجاب لمن ألان الكلام وأفشى السلام وصلّى يالليل والناس نيام

الهمس: (َوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) طه) تحدّث نفسك كل خائف أو مهموم بقضية يحدّث نفسه هذا يسمى الهمس. الخفت يكون أمام الناس والمناجاة بعيداً عن الناس والغض في منتهى التذلل والرحمة والهمس كلام لا يفهمه السامع (فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا) من خشوع الناس يوم القيامة أام رب العالمين يحدث كل واحد نفسه بكلام ليس مفهوماً ولا مسموعاً من غيره. والهمس لغة هو مضغ الطعام والفم مغلق.

الوحي: أن تحدث الآخر خفاء كالخفت والمناجاة والغض والهمس وبفرق واحد أنك لا تراه تسمعه كن لا تعرف من المتحدّث يسمى وحياً (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) الشورى) والوحي من الكلمات المشتركة في القرآن الكريم ولها معاني عديدة. والوحي يصدر من قوة خفية لا تراها وقد يكون من الشيكان أو الاشاعات التي تنتشر بين الناس لا يعرف أحد من أطلقها. ويمتاز الوحي بأنك لا تعرف من أوحى به ولا من صاحبه.

الحسيس: (لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) الانبياء) أصله صوت نقل الأقدام على الرمل حينئذ لا تعرف صاحب هذه الخطوات على عكس وقع الخطى على مكان صلب فقد تميز بين خطى امرأة أو رجل أو ضعيف أو طفل أو عجوز. والحسيس حركة وطئ الاقدام على الرمل وكل صوت لحركة يسمى حسيساً كأفعى تمشي. والحسيس هو صوت من الابهام بمكان لأنه فقط حركة شيء والحسيس جماع حركة الأشياء ( مثلاً يقال وجيف لللهثان وحفيف لأوراق الشجر) كل كلمات حركة الأشياء تجمعها كلمة الحسيس.

الرِكز: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98) مريم) كل ما مضى من أنواع الكلام الخافت الغضّ الموحى به ينطبق على هذه الكلمة إلا أن الركز لا بد أن ينطلق من داخل الأرض من عمق كأن يقع الانسان في بئر أو في قبر فقد يستيقظ بعد دفنه (كما في بعض الحالات التي لا يتأكد فيها من وفاة الشخص) فيصرخ بصوت خافت هامس ولأنه من تحت الأرض يسمى رِكزا. والركاز في اللغة هو المدفون في الأرض. ولو استطعنا سماع الذين هلكوا في قبورهم لكان ركزاً ولما كان كلاما.

الخفت والوحي: كل منهما ملازم للآخر وكل خفت وراءه وحي لأن الخفت أساس التآمر والتآمر ينتج عنه الشائعات. ويجب أن يكون العدو منصفاً لعدوه ومن حق العدو أن يفعل ما يشاء طالما هو عدوك ولا يجب ان تلومه على ما يفعل لأنه يأخذ بأسباب نصرته لكن عليك أنت أن تفعل بالمثل لكي يتحقق نصرك. المهزوم وحده هو الذي يصب جام غضبه على عدوه وعليك أن تأخذ حذرك. أصل الايجابيات العظيمة في الدنيا الخوف من سلبياتها أنت تأكل وتتغذى خوفاً من أن تهلك وقال r في الحديث "بئس الضجيع الجوع" ولولا شعورك بالجوع لما أكلت ولولا شعورك بالألم الذي هو عدوك لما ذهبت للعلاج. فالجوع من جنود الشبع والصحة والعافية ، والمرض من جنود العافية والشفاء وأخطر الأمراض القاتلة هي التي لا ألم فيها كالسرطان والسكري وضغط الدم لا يكتشفوه الا بعد فوات الأوان وهذا خطر. عندما يكون هناك عدو يتآمر عليك ويتخافت عليك فهذا من مصلحتك حتى تأخذ حذرك (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) الانفال) التخافت يقابله أن تنتبه لما يلي: شدة التغطية والحذر والأجهزة التي تحلل الشائعات وتفرزها (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83) النساء) المحللون الذي يحللون الخبر وما يلقى إليها من كلام لتبين المقولات الوافدة هكذا تفعل الأمم الناهضة المحصنة ضد التخافت الرهيب زالايحاء العديب التي لا نعرف من صنعها وقد تكون كلها أكاذيب وأساطير والمطلوب من أي أمة لها حضارة ودين وتاريخ أن تحافظ على نفسها من الهجمات والشائعات التي تصل من مرحلة التخافت الى مرحلة الايحاء في النهاية.

الوحي في القرآن الكريم كلمة عجيبة لها عدة معاني:

التخافت والتآمر يؤدي الى الوحي (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) الانعام) فالمقولات التي تبين كذبها ولا يعرف صاحبها فهي وحي.

توجيه الغريزة للمخلوقات غير الواعية كالوحي الى النحل (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) النحل)

الاشارة الخفية (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) مريم)

تحدي الطاقة الوظيفية لكل المخلوقات كالحيوانات والنبات (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) فصلت) حدّد وظيفتها خفية بدون أن تعرف كيف استطاعت المخلوقات أن تفعل ما تفعله.

الإلهام الخفي: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) المائدة)

الرؤيا الصالحة (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) طه) (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) القصص)

التآمر الخفي الذي لا تعرف صاحبه وقائله (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) الانعام) (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) الانعام)

ما من شخص أو جماعة أو دولة أو أمة يكون لها عدو إلا وتنشط فوجود عدو لك هو من اسباب نشاطك ومنعتك (وأعدوا لهم ما استطعتم) الأمن والمخابرات والتعليم فعلي أن تقوي نفسك أمام عدوك ولو لم يكن لك عدو لترهّلت. الدين عندما يمر بأزمة فهو ينشط نشاطاً عظيماً وعندما تصبح الأمة الاسلامية في أوجها يكثر فيها الترف السفيه الذي لا يليق بأمة تعلم أن لله تعالى يوماً آخر. والله تعالى جعل للأنبياء أعداء حتى ينشطوا. (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) وقوله تعالى جعلنا تدل على أنه لم يكن فكان والجعل غير الصيرورة. ما من نبي إلا وابتلاه الله تعالى بأعداء ولولا العداء للمؤمنين لترهّلوا. والعداء نوع من أنواع القول المزخرف وكل من يرتكب نقيصة ويريد من صاحبه أن يفعلها يزخرف له القول وقِس على ذلك كل الدعاوى المقاتلة فيوقل تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) كل فعل بأمر الله تعالى والأمر هو القوانين (قانون مختار في انسان وقانون مسيّر في الملائكة) قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ {س}(18) الحج) لم يقل كل الناس كما قال في باقي المخلوقات فالذي كُرّم هو الانسان (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11) لقمان) خلق الله تعالى فينا القدرة على الاختيار بين الخير والشر لكن أنت الذي تختار ولو لم يكن لديك اختيار لما حاسبك الله تعالى يوم القيامة. وما يجري في العالم اليوم قوانين تجري الضعف والقوة والهزيمة والنصر وعليما أن نتماشى مع القوانين لكن إياك واللعن وعليك أن تقوم بواجبك فالرسول r وصحابته الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه قال تعالى فيهم (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) آل عمران) ورُب صغير ينتصر على كبير بفلتة ذكاء أو بموقف وغزوة بدر مثال على القلة الضعيفة التي انتصرت على القوة الكبيرة. انشغل عن عدوك بنفسك فلا تسب العدو وإنما ابني نفسك ولولا انهزامك في داخلك لما انهزمت على حدودك وعلى الأمة أن تعيد فهم كتابها العزيز وأن تصحح مفهومها للقضاء والقدر فالقدر هو الذي لا رأي لك فيه أنت رجل ولست امراة هذا قدر والقضاء يتغير بتغيرك وكل ما فيه خيار أنت مسؤول عنه فعلينا أن نكون مسلمين حقيقيين.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:29 PM
منظومة الاختلاط (خلط)

خلط– مرج – مزج- مشج– التبس – اشرك –

هذه منظومة الاختلاط

الخلط: يقال للاشياء التي يمكن الفصل بينها (حمص+زبيب+فول مثلاً) تخلط هذه الاشياء فتصير خلطة كبيرة لكن يمكن فصلها عن بعض. وكل خلط واختلاط وكل مزج إذا كان يمكن فصل بعضها عن بعض يسمى خلطاً (وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102)التوبة) وما من مسلم يخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً إلا ويعرف ذلك ويعرف ان يفصل بينهما ففي الصلاة مثلاً قد يشوبها بعض الرياء وعدم الخشوع والمسلم يستطيع ان يفصل بين الصالح من صلاته والسيء. فكل اثنان يشتركان في عمل واحد او وظيفة واحدة ويمكن فصل بعضها عن بعض يسمى خلطاً واختلاطاً. (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146)الانعام) (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ (يونس))

المزج: إذا كان لا يمكن الفصل بينهما بالجهد البشري الأولي كالسمن والعسل أو الماء والسكر أو الشاي والحليب. قال تعالى (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) المطففين) يوم القيامة المشروبات على طريقة الغازية ومختومة مثل علب المشروبات المختومة والتي لم يشرب منها أحد من قبل. وتسنيم شراب عظيم يوم القيامة يمزج به شراب المؤمنين وفيه رائحة زكية لا يمكن لعقولنا ان تدركها وهذا ممزوج مزجاً لا يمكن فصله.

المرج: هو الحلط والمزج إذا كان في شيء واسع على مستوى السموات والأرض وهو الاختلاط الواسع العظيم (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) الرحمن) هذا الذي يكون واسعاً يسمى مرج. والمرج هو الحقل الكبير الذي تختلط فيه الازهار والنباتات في ايام الربيع بعد سقوط المطار (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) الكهف). فالمرج هو الخلط او المزج بين اشياء كثيرة كالأفكار والعقائد (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) ق) أي مختلط أصنام وبقايا وثنيات وهذا الخلط يعمّهم وعندما داء الاسلام كان جميع من في الارض مزيجاً من عقائد ووثنيات وخليط وهذا هو الاختلاط الواسع. وقد اكتشف العلماء مؤخراً أن البحر المالح فيه دوائر من الماء العذب دلالة عاى قوله تعالى (مرج البحرين يلتقيان) و (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) الفرقان).

المشج: هو خلط الألوان (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) الانسان) فبها ألوان هائلة شكلك وعيونك ولون بشرتك وغيرها وهي مختلطة بألوانها. ويقال أمشج أي أخلط الألوان.

الالتباس: خلط ما لا يُرى ولا يلمس كالليل والنهار، الأفكار ، العقائد. شخص ما لم يصل الى الهدى وأن الله تعالى موجود او لا يؤمن بالآخرة التبس عليه الأمر (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) الانعام).

الاشتراك: او الشراكة (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) الانعام) (وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86) النحل) هو اختلاط المالكين. شركاء يعني اختلاط المالكيم والشرك أن تخلط مع الله تعالى شريكاً آخر.

باختصار الخلط هو خلط ما يمكن فصله والمزج خلط ما لا يمكن فصله والمرج الاختلاط الواسع والالتباس هو خلط ما لا يُرى والاشتراك هو خلط المالكين ولقد استعمل القرآن الكريم هذه المنظومة استعمالاً عجيباً.

ونركز في هذه الحلقة على كلمة الخلط وقوله تعالى (وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102)التوبة) لم يقل تعالى في الآية مزجزا ولا مرجوا ولا البسوا ولا اشركوا فهؤلاء المذكورين في الآية هم مؤمنون ليس عندهم شرك. والله تعالى يقول في سورة الواقعة أن الناس ثلاثة أنواع (اصحاب اليمين وأصحاب الشمال والسابقون) وكل مجموعة لها تفصيلاتها أيضاً. فالمؤمنون بالله تعالى هم الموحدون وكل من آمن بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر والقضاء والقدر وعكسهم الكافرون المشركون. أما السابقون فهم متميزون وحدهم وهو المتميزون من جميع الأمم (الأنبياء وصديّقوهم وأصحابهم) كحواري عيسى عليه السلام ومصدقو موسى عليه السلام ومصدقو ابراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم (أبو بكر وخديجة وعلي ابن ابي طالب) والانصار والمهاجرون والرضوانيون هؤلاء الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه. كل من أسلم قبل صلح الحديبية فهم السابقون الأولون الذين رضي الله عنهم والذين جاء النص فيهم انه تعالى رضي عنهم. يقول صلى الله عليه وسلم (إن الله اختارني واختار لي اصحابي).

وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من حيث القدسية ومن حيث اصدار الرضى الذين نصّ الله تعالى أنه رضي عنهم (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) الحديد) ونحن لسنا من السابقين وبامكاننا ان نكون سابقين إذا كنا شهداء او قمنا ببعض الاعمال التي جاءت فيها الاحاديث الشريفة.

وفي سورة الواقعة قسم البشر الى ثلاثة انواع ثم تأتي سورة فاطر تقسم اصحاب اليمين الى ثلاثة انواع (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)) اصحاب اليمين هؤلاء منهم من زادت حسناته على سيئاته وهذا يعتبر من السابقين من حيث انه يدخل الجنة بغير حساب وبدون عرض، والثاني تساوت حسناته وسيئاته فذلك الذي يحاسب حسابا يسيراً سُئل صلى الله عليه وسلم ما الحساب اليسير يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم العرض (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) الكهف) ولا يحاسبه ويدخل الى الجنة فهذا المقتصد والثالث الذي ظلم نفسه هو الذي زادت سيئاته على حسناته وهذا الذي يحاسب حساباً عسيراً وقد جاء في الحديث الشريف "من نوقش الحساب هلك ومن نوقش الحساب عُذّب" والحساب وحده عذاب شديد فإذا كنت من الذين يحاسبون حساباً عسيراً فقد هلكت "شفاعتي حقٌ لأهل الكبائر من أمتي" فإذا كنت من أهل الكبائر ومت عليها ولم تتب منها فستكون ممن يحاسب حساباً عسيراً وربما يشفع لك الرسول صلى الله عليه وسلم.

إذا أُطلقت الشراكة وحدها فهي تعني التساوي في الشراكة أي خلطو بالتساوي(خلطوا عملاً صالحاً) هؤلاء قال تعالى لهم في الآية (عسى الله أن يتوب عليهم) (عسى) للترجي وعندنا ترجي وتمني أما التمني فلا يمكن أن يتحقق أما الرجاء فهو أن تتمنى شيئاً يمكن أن يقع كأن تقول أرجو أن يغفر الله تعالى لي وهذا راجح وغالب فإذا كان الفاعل هو البشر فمن الممكن أن يحصل (عسى محمد أن ينجح) أما إذا كان الفاعل هو الله تعالى فهي واقعة حتماً لا محالة. الذين تساوت حسناتهم مع سيئاتهم فهم مغفور لهم حتماً كما جاء في الآية ولأن الفاعل هو الله تعالى. أما الآخرين فالله تعالى إما يتوب عليهم وإما يعذبهم. قال الرسول صلى الله عليه وسلم " شفاعتي حق لأهل الكبائر من أمتي" ولم يقل من المسلمين لأنه لو قالها لم يبق مسلم إلا ودخل الجنة ولكن لا يكون أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا إن كان من أهل القبلة المصلين وأول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة الصلاة. لأن المصلي هو موحّد مؤمن بالله تعالى صائم مزكّي حاج. فعندما تصلي تجمع كل الايجابيات وتكون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا ترتكب ذنباً الا استغفرت وتبت منه. وإذا مات التصلي على كبيرة فهو من المرجون لأمر الله تعالى إما يعذبهم وإما يتوب عليهم. الشفاعة تكون للمصلين وحتى نضمن أننا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم علينا أن لا نكون من الذين ذكروا في أحاديث "ليس منا" أي من المفصولين من شفاعته صلى الله عليه وسلم. "ليس منا من لم يصلي" "من غشّنا ليس منا" "ليس منا من لم يوقر الكبير" وغيرها من الأحاديث. فلكي نكون من أهل الشفاعة يوم القيامة علينا أن نكون من المصلين وأن لا نكون من المفصولين يوم القيامة.

كل من قال لا اله الا الله يحبه الله تعالى والسابقون لهم الدرجات العلا واولئك هم أحباب الله تعالى وجيرانه في الفردوس وأهل الله وخاصته (والذين عند ربك) أما الآخرين فيحبهم الله تعالى ولكنه يريد أن يرفعهم ليلحقوا بالسابقين (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) التوبة) والصدقة غير الزكاة وكلمة (خذ) تدل على أن ولي الأمر يجب أن يأخذ الزكاة والصدقات الاختيارية ويوزعها توزيعاً حضارياً بعد أن يعرف حاجات الناس. والصدقة من أرجى الاعمال يوم القيامة وفي الحديث الشريف "كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة حتى يُقضى بين الناس" "إن الصدقة لتطفئ حرّ القبور وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته" وقوله تعالى (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)ال عمران) "باكروا بالصدقة فإن البلاء يتخطاها" "داووا مرضاهم بالصدقة" "الصدقة تصدّ سبعين باباً من السوء" ""تصدقوا فإن الصدقة فكاكم من النار" "إن صدقة المسلم تزيد في العمر وتمنع ميتة السوء ويُذهب الله بها الكِبر والفخر" "قيل يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال جهد مُقِلّ" "رب درهم خير من مئة ألف درهم" "قيل يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال على ذي الرحم الكاشح" "صنائع المعروف تقي مصارع السوء وصدقة السر تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد في العمر" صلة الرحم وبر الوالدين فيها من الخير ما لا يمكن حصره. "الصدقة يعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر" فالقرض من أعظم الصدقات. "من سرّه أن ينجيه الله من كُرَب يوم القيامة فلينفّس عن معسر أو يضع عنه".

وقد جاء في القرآن الكريم ثلاثيات ورباعيات وخماسيات العمل فيها قاسم مشترك وهو الصدقة. لكي يرفع الله تعالى درجاتك ويتجاوز عن سيئاتك ويستر عيوبك كالسخاء "ان السخاء خُلُق الله العظيم" "ان الله اختار هذا الدين لنفسه ولا يصلحه الا السخاء والكرم" " تجاوزوا عن ذنب السخيّ فان الله يستره في الدنيا ويغفره له في الآخرة" من اراد أن يلحق بالسابقين فليبسط يده ولو بدرهم "اتقوا النار ولو بشقّ تمرة"

(وآخرون اعترفوا بذنوبهم) الاعتراف توبة شرط أن يكون طوعياً ذليلاً يطلب العفو "رب اني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً وأنت تغفر الذنوب فاغفر لي" وأن تنوي عدم العودة وأن تُتبعه بما ينبغي من تكفير كالصدقة (خذ من أموالهم صدقة). فعلى كل من يرتكب ذنباً غير الصغائر (التي تكفرها الصلاة الى الصلاة والصيام والاستغفار والقرآن) فهناك ذنوب عظيمة وذنوب كبيرة وذنوب خطيرة فالكبائر سبعة أما الذنوب العظيمة فكثيرة منها قطع الرحم والغيبة والنميمة وإيذاء الجار وغيرها هذه الذنوب ينبغي التوبة منها واعترافاً وتذللاً الى الله تعالى بتذكّر ذنبك دائماً "من سرّته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن" والشعور بالذنب هو توبة كما في الحديث القدسي " إن العبد ليعصيني فيذكرني على المعصية لا يستغفرني فأغفر له".

(خذ من اموالهم صدقة) دليل على عدم وجود ترادف في القرآن الكريم والشيء لا يُعطف على نفسه معظم المفسرين يقولون ان الزكاة هي التطهير ولكننا نقول أن التطهير يكون من النجاسة أما الزكاة والتزكية فتكون زيادة في الجمال. الاصرار على كبيرة نجس وقد ذكر تعالى في القرآن الكريم المتخلفون عن غزوة تبوك ولو لم يعترفوا بذنبهم ويتوبوا لما طهرهم الله تعالى من نجاسة الكبيرة وزكّاهم ومنهم من ربط نفسه بسارية المسجد حتى غفر الله تعالى له وتاب علبه. وكل واحد من المتخلفين تصدّق بأجمل ما عنده لتطهره من الذنوب. المؤمن كالثوب طاهر وزاكي والزاكي هو المعطّر معنوياً ومادياً وفي الحديث "المسلم كالأُترجة" فالؤمن ينبغي أن يكون طاهراً وزاكياً لأن النجاسة هي الكبائر والاصرار عليها. اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:30 PM
منظومة الخُلع (خلع)

خلع– نزع – قلع- وضع– سلخ –

هذه منظومة الخُلع عندما نخلع الاشياء أو ملابسنا وغير ذلك لها منظومة وكل كلمة من كلمات هذه المنظومة تشير الى معنى بحيث لا تغني عنها كلمة أخرى وهكذا استعملها القرآن الكريم.

خلع: خلع الشيء بسهولة ولطف وسرعة (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) طه) يخلع النعل بسهولة بدون الحاجة للعنف أو القوة. وقوله تعالى (فاخلع نعليك) رب العالمين أمر موسى عليه السلام بهذا الامر لأن الوادي مقدس ونعل موسى عليه السلام كان من جلد حمار ميّت أي ليس طاهراً وعلى ما يبدو لم يكن مدبوغاً. والخُلع هو كل شيء تريد أن تنحّيه أو غير مرغوب فيه ومنه خلع الزوجة وهو أسهل من طلاقها ليس لها حقوق ولا مهر ولا نفقة وسُمي الخُلع خُلعاً لسهولته بالنسبة للطلاق فالخُلع خلع النعل والحذاء وغير ذلك يتم بسهولة كخلع الحاكم هناك حاكم يُخلع بسهولة وهناك حاكم يُخلع بصعوبة فالذي يتم بسهولة يسمى خلعاً والذي يتم بصعوبة يقال له نزع.

نزع: عكس خلع والنزع هو الخلع بصعوبة وعنف وبطء. تخلع نعليك بسهولة لكنك تنزع ملابسك الداخلية التي تستر عورتك ببطء شديد وعنف شديد. قال تعالى (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) الحجر) وقال تعالى (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) النازعات) الملائكة تنزع ارواح الناس ببطء ( سكرات الموت، وشخير وغيره). (وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) الشعراء) (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) هود) (وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ) (تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) القمر) (تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) الاعراف) (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) مريم)

قلع: هو خلع كلي كما تفعل عندما تدخل الحمام للاستحمام تقلع ملابسك بالكامل. قال تعالى (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي (هود)).

وضع: للشيء الثقيل كملابس الشتاء الثقيلة (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الشرح) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) النور) عندما يريد أحد أن ينام عند الظهيرة يضع عنه ملابسه الخارجية ينزعها برفق ويضعها في مكان معدّ لها والثياب الخارجية لها قيمة وغالية وثقيلة في وزنها وقيمتها. الثياب الثقيلة لا يقال اقلعها ولا يقال اخلعها او انزعها وانما يقال ضعها بتانّي واحترام.

سلخ: للغلاف الثابت. كل شيء عنده غلاف ثابت الطير عنده ريش والخروف عنده صوف والانسان عنده جلد. الاصل في الدنيا الظلام والضوء طارئ حتى في الآخرة (نورهم يسعى بين أيديهم) هذا النهار إطار وجلد للليل فعندما يأتي الليل يسلخ هذا النهار عن الليل كما يسلح الجلد عن الحيوان او الانسان. قال تعالى (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) التوبة) الاشهر الحرم هي القمة وهي غلاف ورأس الأشهر كلها (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ (التوبة)) فهي سيدة الشهور وعندما تنتهي الاشهر الحرم فكأنها انسلخت عن بقية الشهور. (وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) يس) (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) الاعراف)

هذه هي كلمات هذه المنظومة فالخلع بسهولة وسرعة والنزع بصعوبة وبطء والوضع للاشياء الثقيلة والقلع بالكامل والسلخ للغلاف الثابت سواء كان اطاراً مادياً أو معنوياً وكل كلمة في هذه المنظومة لا تغني عن الأخرى في الاستعمال.

تحدث الله تعالى عن كلمة خلع في القرآن الكريم واستعملها الرسول صلى الله عليه وسلم وهو سيد البلغاء في الحديث الشريف استعمالاً مميزاً مع كلمة نزع. والله تعالى أعطى كل الانبياء بلاغة (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) ابراهيم) واللسان اي الادب الرفيع (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12) الاحقاف) (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) الشعراء).

وفي الاحاديث الشريفة توجيهات من الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا نلبس بعض الملبوسات فينبغي على المرأة أن لا تلبس كل ما يحدد معالم بشرتها أو تقاطيع جسمها لأن هذا لا يجوز

"يكون في أمتي رجال يركبون على سُرُج كأشباه الرِحال ينزعون على أبواب المساجد نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البُخت العِجاف إلعنوهن فإنهن ملعونات"

"لو كان وراءكم أمة من الأمم خدمتهنّ نساؤكم كما خدمتكم نساء الأمم من قبلكم" كل أمة غالبة تفرض حضارتها وطقوسها على الأمم المغلوبة.

"لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" وقال تعالى (ولباسهم فيها حرير)

" إنما يلبس الحرير من لا خَلاق له" أي المخنّث. وقال صلى الله عليه وسلم: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس حريراً ولا ذهباً".

"لعن الله المتشبهات بالرجال من النساء والمتشبهين من الرجال بالنساء" لعن الرسول صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لِبسة المرأة والمرأة تلبس لِبسة الرجل كما لعن المتخنثين من الرجال والمسترجلات من النساء.

السمت الاسلامي هو أن تلبس لباساً نظيفاً لكن ليس غالي الثمن "إن الله يحب العبد المتبذّل الذي لا يبالي ما يلبس"

هناك محبطات وهناك مكفّرات ومن ضمن الأشياء التي تحبط العمل ولا يدخل صاحبها الجنة ولا يكون مسلماً إذا كان يعبد الله تعالى بعنوان غير العناوين التي سمّانا الله تعالى بها : المسلمون، المؤمنون، أمة محمد، أمة الاسلام وكل عنوان غير هذا العنوان هو خروج عن الجماعة.

أخبرنا القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم أن أمتنا أمة واحدة أياً كان المسلم صالح أو غير ذلك فهو أخوك في الدين على أن لا يكون بينهم تمايز ولا يرتاب بعضهم ببعض تحت عنوان المذهبيات والطاءفيات والحزبيات وهذا ما دمّر الامة هذه الأيام منذ التطاحن منذ ايام الخوارج الذين خرجوا عن الجماعة واصبحت لا تكاد مجموعتان من المسلمين يلتقيان على أمر أبداً.

الرسول صلى الله عليه وسلم شبّه المسلمون بالسفينة في بحر كلهم ركابها وكلهم متساوون في مهامهم وليس لأحد أن يعبث بها أو يخرقها وإذا أراد أحد أن يخرقها إن أخذ الباقون على يديه نجوا وإن تركوه هلكوا. هذا ما جرى من أيام سيدنا علي بن أبي طالب.

يقول صلى الله عليه وسلم أنه من خرج تحت عنوان آخر فقد نزع يده من الطاعة وعندما ينزع يده من الطاعة فإنه ينزع ربقة الاسلام" والربقة هي الحلقة التي يشد اليها الجواد لكي ينتظم مع بقية الجياد. "الخيل معقود بنواصيها الخير الى يوم القيامة" الجواد الذي يضعف ويموت ولا يعود له فائدة يخلعون ربقته فيخرج من الجماعة لآنه لا يليق بهم.

كل من يعبد الله من هذه الامة تحت عنوان مفرِّق طائفي أو مذهبي أو حزبي بحيث من لوازم العنوان أن تكره الآخر كما هو حاصل اليوم (شيعة، سنة، صوفية، سلفية، وهابية) كل واحد لا يعبد الله تحت هذا العنوان وينظر للآخرين بريبة وكراهية ويكفّر الآخر ويعتتقد نفسه أنه على حق وأنه\هو من الصالحين فهذه الامة لا تستحق الا النار وبئس المصير. كان هذا الانر موجوداً في التاريخ ولكنه محدود انما الآن صار هناك عداء بين المسلمين " لاتقوم الساعة حتى يكون فيكم التمايز"

" قال صلى الله عليه وسلم :" آمركم بالجماعة والسمع والطاعة فإنه من خرج من الجماعة قيد شبؤ فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه الا أن يرجع، قالوا يا رسول الله وإن صلّى وإن صام قال صلى الله عليه وسلم وإن صام وإن صلّى وزعم أنه مسلم فادعوا المسلمين باسمائهم بما سماهم الله عز وجل المسلمين والمؤمنين وعباد الله عز وجل (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) الحج). ما من مسلم ينتمي الى طائفة او جماعة او طائفة او حزب يحقد ويكره ويرتاب من غيره عليه أن يسرع في التوبة والاستغفار ويقول قبل ان يدركه الموت: تُبت اليك يا ربي فكل مسلم يصلّي للقبلة فهو أخي. نحن جماعة لا تفرق بين مسلم ومسلم نقرأ كلنا قرآناً واحداً بدون هذه النظرة لن ترى الجنة الا بعد عذاب شديد.

"خيار أئمتكم من تحبونهم ويحبونكم وتصلّون عليهم ويصلّون عليكم وشاؤ أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنوهم ويلعنوكم قالوا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة" الفيصل بين أن تثور على الحاكم أولا تثور أن يُسمح لك بالصلاة أو يمنعك، ألا من ولي عليه أمير فرآه يأتي شيئاً من معصية فلُنكر ما فيه من معصية ولا ينزعنّ يداً من طاعة.

ما فيه وحدة الأمة قال صلى الله عليه وسلم (خلع) أما هنا فقال صلى الله عليه وسلم (نزع) أي بصعوبة فالذي يقوم بمؤامرات يحتاج لسنوات حتى ينفذ ويخطط ولا يُعرف من وراءه. الذي لم يمنعك من الصلاة يمكن نصحه بطريقة معينة عن طريق اهل الحلّ والعقد ووجهاء البلد.

"قالوا يا رسول الله أي المجالس أحبّ؟ قال مجلس إمام تعزّره وتوقّره" أي تحترمه وتليّن قلبه بشيء من المديح ثم تظهر له الخلل كاملاً حتى تأمن بطشه. رب العالمين أمرنا أن نكون أمة واحدة بلا عناوين وإن كان هناك من عنوان ضروري فيجب أن يكون بدون حقد على أحد من المسلمين. نحن مسلمون فقط هذا عنواننا وما نحن فيه هو فرقة بين المسلمين. جماعة تآمروا وقتلوا سيدنا عمر وجماعة تآمروا تحت عنوان فقتلوا عثمان وجماعة تآمروا تحت عنوان آخر فقتلوا علي بن ابي طالب رضي الله عنهم جميعاً قتلوا جميعاً ولم يتحرك أحد وكل الخروجات على الأمة وهي ساكتة أدّى بها الى الخراب الذي صار في الامة منقطع النظير بحيث أصبحنا مزبلة العالم وأمثولة في الضعف ونحن نستحقه المسلمون اليوم يصلون في صف واحد ويلعن بعضهم بعضاً.

النزع: بصعوبة أن تنزع يدك من الطاعة والخلع من رقة الاسلام أي لم يعد في صف المسلمين.

هذه الفوضى العارمة لا بد ان يعقبها هوان وفرقة (حتى اذا فشلتم وتنازعتم) وقال صلى الله عليه وسلم " من جاءكم يريد أن يفرّق جمعكم فاضربوا رأسه بالسيف كائناً من كان" وقال صلى الله عليه وسلم "لا تخزوني عند ربي" . ولهذا فقد خلع ربقة الاسلام كل من يندرج تحت طائفة أو حزب وأدّى به الى أن يكره المسلم الآخر فقد هلك ويُبعث ملعوناً يوم القيامة.

"لا يحلّ لمسلم أن يهجر مسلماً فوق ثلاث فإنهما ناكبان عن الحق ما داما على صِرامهما فإن ماتا على صِرامهما لم يدخلا الجنة جميعاً أبداً" لا بد للأمة من أن تخرج من هذه الفرقة القاتلة وكان صلى الله عليه وسلم ألطف ما يكون بالمذنبين الخطّائين "شفاعتي حق لأهل الكبائر من أمتي" "لا تحاسبوا الناس وكأنكم أرباب".

"من هجر أخاه فوق ثلاث فهو في النار إلا أن يتداركه الله برحمته"

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:30 PM
منظومة الفعل الماضي (خلا)

مضى– خلا – سبق- سلف– تقدم –

هذه منظومة تتعلق بما مضى من الافعال. نقول الزمن الماضي والزمن الخالي والزمن السالف والزمن السابق والزمن المتقدم وكلها تدل على أن الحدث قد مضى لكن كل ماضٍ له كلمة لا تغني عنها كلمة أخرى. وخالي غير ماضي وماضي غي سالف وسالف غير سابق وسابق غير متقدم.

مضى: الماضي الممتد من ساعة ما تكون الى اول الزمن منذ ان خلق الله تعالى الزمن. الماضي ممتد (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) التوبة) كل شيء يدل على انه فعل ممتد ولا يزال ممتداً يقال له مضى رحمة الله تعالى مستمرة وقال تعالى (فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8) الزخرف) مضى مثل الاولين قاعدة كونية عند الله تعالى ان القوة الضعيفة على الحق أوقى من القوة العظيمة على الباطل ولا بد ان ينتصر الحق مهما كان الباطل قوياً وطاغياً وان الله تعالى ناصر رسله مهما طال الزمن (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) يوسف) هذه السُنّة باقية وهي قضية ثابتة من عهد آدم عليه السلام الى موسى عليه السلام وكيف نصره الله تعالى على اعدائه الى عيسى عليه السلام وكبف رفعه الله تعالى اليه وأخزى أعدائه دائماً تذهب القوة الباطلة وتنمو القوة البسيطة حتى تملأ الدنيا (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) الانفال) هذا مستمر فيقال له مضى (ومضى مثل الأولين) (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (38) الانفال).

خلا: تقال للماضي الذي لم يعد موجوداً ولا يمكن ان يعود. (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24) فاطر) (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) ال عمران) أي انقطعت في زمانها. للماضي المستمر يقال مضى أما اذا انقطع فيقال له خلا (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) الاحقاف) قرون قطعت وذهبت (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) الرعد) (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) المائدة). كلمة مضى تعني المستمر والله تعالى عوّدنا الجميل فقِس على ما مضى وجميل الله تعالى مستمر في الحاضر والمستقبل. خلا: هو الماضي الذي لا وجود له الآن كزمن عاد وثمود وفرعون ونوح أما مضى فهو الماضي المتصل المستمر كنصر الله تعالى مثلاً.

سلف: الزمن السالف هو الزمن العاطفي حب أو كره يقال فيما سلف. عندما كان آباؤنا وأجدادنا يروون لنا الحكايات قديماً كانوا يقولون : في سالف العصر والأوان لأنهم يتحدثون عن أشياء عاطفية كالسِيَر والقصص. والسلف الصالح تحبهم أو السلف الطالح كقوم فرعون مثلاً وقال تعالى (فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ (56) الزخرف) أي مكروهين. كل شيء عاطفي حباً أو كرهاً يقال سلف. قال تعالى (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22) النساء) (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23) النساء) هذا السلف عاطفي امرأة كنت تحبها وحرّمها الاسلام الآن. يقال حدث هذا فيما سلف لا في ما مضى أو ما خلا للشيء المتعلق به عاطفياً. (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) المائدة) (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (38) الانفال)

سبق: تقال للشيء الذي له قيمة (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) الواقعة) (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110) هود) (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) يونس) (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) الانفال) رب العالمين فعل شيئاً في الماضي لا نقول مضى أو خلا أو سلف وإنما سبق. قال تعالى أن الأمم السابقة أُهلِكت بالكامل (قوم عاد وثمود ولوط ونوح) أما في أمم موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم جميعاً سبق وعده تعالى أن لا يُهلِكهم (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) الانفال) (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) الصافات) (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) الانفال). سبق تقال اذن للشيء العظيم.

تقدّم: تقال للفعل المتكرر. مضى متصل وتقدم متكرر. عندما تشير الى الماضي بفعل متكرر يقال تقدّم. هذا الزمن الماضي هو وعاء الأحداث شيء حدث وآخر خلا وآخر مضى وآخر تقدم. من قوانين الأرض ان فيها زمن أما في الآخرة فلا يوجد زمن. كل أحداث الانسان وأعماله تأتي يوم القيامة في دائرة واحدة بدون زمن فتراها بومضة ضوء (ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها) (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) الفتح).

الماضي هو خزانة الأمم وبحر تجاربها وحضاراتها وهو مصدر العِظة والعِبرة. وقد استخدمت الأحاديث الشريفة كلمات هذه المنظومة استخداماً دقيقاً:

عن عبد الله بن عمر كان واقفاً بعرفة يوماً فنظر الى الشمس حين تدلّت مثل الترس فبكى واشتد بكاؤه فسأله رجل يا أبا عبد الرجمن قد وقفت معي مراراً لم تصنع هذا قال ذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بمكاني هذا فقال: أيها الناس إنه لم يبق من دنياكم فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه إن بقاءكم فيما سلف قبلكم من الأمم إلا كما بين صلاة العصر الى غروب الشمس .يدل هذا الحديث على ان القيامة اوشكت وهي اقرب من لمح البصر وإذا تأملنا ما يحدث اليوم بجدية لوجدنا ان معظم علامات الساعة الصغرى قد وقعت.

"كنا عند رسول الله قعوداً نذكر الفِتن الى أن ذكر صلى الله عليه وسلم فتنة الدهيماء (فتنة الناس جميعاً) لا تدع أحداً من هذه الأمة الا لطمته لطمة فإذا قيل انقطعت تمادت يصبح الرجل مؤمناً ويُمسي كافراً حتى يصير الناس الى فسطاطين قسطاط ايمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا ايمان فيه لإذا كان ذاكم فانتظروا الدجّال في اليوم أو غد". كان في التاريخ كرٌ وفرٌ أما الامة الآن فعليها استعلاء واستحواذ على الفرد والحاكم والمحكوم والعالِم ولأول مرة في تاريخ البشرية. وقال صلى الله عليه وسلم "لا تقوم الساعة حتى يكون فتن الكلمة فيها أمضى من السيف"

الأصل في الدنيا الايمان والشِرك والكفر طارئ والله تعالى أخذ على الناس عهداً منذ خلقهم (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) الاعراف) فكل مخلوق بشري كان عاقلاً مكلّفاً عندما كان في عالم الذّر. يخبرنا ويحذرنا صلى الله عليه وسلم كيف صارت الفتن وكل الاصناف التي خرجت على الدين أشركها واحد والرسول صلى الله عليه وسلم أخبر عليّاً رضي الله عنه بمن يقتله "يقتلك أشقى الناس" ومن يومها تفرقت الأمة مللاً وفرقاً، وقد وصفهم صلى الله عليه وسلم "يمرقون من الدين مروق السهم في الرميّة". يروي أحد الخوارج بعد أن تركهم أن الخوارج دخلوا قرية فخرج عبد الله بن خبّاب بن الأرتّ فذُعر قالوا أنت ابن خبّاب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم قالوا هل سمعت من أبيك حديثاً يحدّث عن رسول الله؟ قال سمعت أبي يقول عن رسول الله أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي فإن أدركت ذلك فكُن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل. قالوا أنت سمعت هذا من أبيك يحدث عن رسول الله؟ قال نعم فقدّموه على ضفة النهر فضربوا عنقه وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها من ولد.

كل خروج على الاسلام بأي عنوان كان هو خروج من الاسلام لأنه سيجعل في قلبك حقداً على مسلم آخر أو مجموعة من المسلمين وحقدك على مسلم يدخلك النار. (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) التوبة) كل عنوان لبيت من بيوت الله تعالى غير هذا العنوان (مسجد) فهو خروج وانحراف وانسلاخ عن الأمة كما توجد تسميات منها تكيّة ورباط وحسينية وغيرها. علينا بالصراط المستقيم والسبيل (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) يوسف).

عن شداد بن اوس قال قال صلى الله عليه وسلم "ليحملن شرار هذ الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم حذو القُدّة بالقدة" أي الفرقة بالفرقة وهذا ما نراه هذه الأيام أمة الاسلام تطبق ما عليه الأمم السابقة بالضبط كأنها قطعة منهم بلباسبهم وافكارهم وعقائدهم وتقاليدهم.

هذه الاحاديث تشير الى أن ما مضى ممن الزمان كثير وما بقي قليل وهذه حقيقة مرعبة حتى على قلوب الصالحين وعلى المسلم أن يكون بين الخوف والرجاء وأن يُحسن الظنّ بالله تعالى (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103) الانبياء). جميع العالم محكوم الآن وهذا يدل على قرب نهاية العالم.

الماضي: رب العالمين تحدث عن الماضي في القرآن على أنه خزانة العلم والتعلم والذكرى والموعظة والعِبرة. العِبرة من الأشياء الايجابية التي فعلتها الأمم السابقة في الماضي وعلينا أن نفعل مثلهم أما العِظة فهي من الأعمال السلبية السيئة التي يجب علينا أن نتأبّى عنها. فكل إيجاب عبرة مثل قصص الأنبياء وصبرهم وتحملهم وحياتهم ونحن نتعلم منهم حتى نعبر من واقعنا السيء الى هذا الماضي الايجابي. أما الموعظة: أنت عندك تاريخ ووضع سيء عليك أن تتجنبه وتتعظ بما حلّ بأهله وعلينا ان نقتدي بسلفنا الصالح وكل جيل هو سلف للجيل الذي بعده فإذا كان هناك أخطاء فاتّعظ وإذا كان هناك حسنات فاعتبر (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) يوسف) (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2) الحشر). وعلينا ان نأخذ من مواعظ الأمم السالفة ومنها:

التنازع: من الموعظة التي ينبغي أن نأخذها (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) ال عمران) (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) الانفال) قضية ثابتة لا تقبل النقاش أبداً ما دامت هناك قيادة تقود الأمة الى مصالحها. درس المسلمين في أُحُد درس عظيم مهم يجب أن نتعظ منه بنزاع المسلمين قلب الله تعالى النصر الى هزيمة. الأمة اليوم تنتقل من هزيمة الى هزيمة ومن فشل الى فشل وستبقى هكذا إلا اذا وحّدت أمرها. قال صلى الله عليه وسلم "دبّ اليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء" هذه البغضاء التي اصبحت في هذا الزمن أبرز سمة للتعامل في هذه الأمة مانعة لأي تقدم ونصر وستبقى عبيد المستعمر والفناء قادم لا محالة ولن نكون من الفرقة الناجية الا إذا كنا من فرقة عنوانها الاسلام وكل عنوان غيره هالك لا محالة.

العظة الثانية: يخبرنا الله تعالى عن المندسّين بيننا يعملون للعدو وهذا موجود بيننا كثيراً ومنذ ان جاء الاسلام وسيبقى هكذا الى يوم القيامة (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) التوبة) هذه علامة عامة في الأمة ملازمة لها منذ أيام حاتم بن أبي بلتعة الى يوم القيامة وهذه قضية أساسية لا ينبغي أن يهملها الحكام أو القادة العسكريون ويجب أن يبحث عن السمّاعين للعدو.

المرجفون: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) الاحزاب) أو اصحاب الاشاعات التي انتشرت هذه الأيام بصور متعددة في المحطات الفضائية ووسائل الاعلام وغيرها وعلى المسلمين أن ينتبهوا من أين تأتي الاشاعة التي تفتّ عضد الأمة. وهي سلاح خطير جداًُ وعلينا أن نتمعن في هذا الزمن الماضي الذي فيه عجائب حياتنا وطرق هدايتنا ودليل عملنا وإلا هلكنا.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:31 PM
منظومة الاختفاء (خنس)

خنس– اختفى – غاب- توارى– غرُب – أفِل - وقب

هذه منظومة الاختفاء. خنس أسلوب من أساليب الاختفاء وهذا يعني ان هذه المنظومة يجب ان تشتمل على كل الكلمات التي وردت في القرآن الكريم وتدل على الاختفاء بهذا السبب أو ذاك.

اختفى: تعني اختفى هرباً أو عجزاً. الاختفاء اذن هرب في الغالب (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5) هود) (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) النساء) كل من فيه ريبة أو هرب بشيء من الأمانة أو نوع من أنواع الريبة او الهروب يسمى اختفاءً ولهذا في الفقه الاسلامي هناك اليد المستعلَنة او الغاصبة العلانية كالمختلس وهي لا تقطع في الاسلام وهناك اليد المستخفية وهي التي تقطع في الاسلام وهي يد السارق الذي يأتي متخفياً في الليل متلصصاً يكسر باباً من غير أن يراه أحد مثلاً والاستخفاء هو الريبة.

خنس: إذا كان الهروب عن مذلة وهوان يقال له خنس (مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الناس). والخنس كأن يشعر أحدهم بالضّعة لأي سبب من الأسباب أمام عدو عظيم مثلاً فيذهب ويتقهقر بذِلّة مادية ومعنوية أو أن يخنس أحدهم أمام عالم جليل يفيض علماً يناقشه أو كالرجل يخنس أمام عظيم لهيبته ووقاره كأن تمشي مع الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث "فخنست عنه" لم يستطع أن يبقى مع الرسول صلى الله عليه وسلم لهيبته فخنس عنه. وبقدر قوة الشيطان وقدرته وطغيانه وقوة شكيمته فإنه يخنس بكلمة من المؤمن أو دمعة أو صلاة أو شعور واحد يخنس هذا الشيطان ويتوارى وأضعف المؤمنين ايماناً يجعل الشيطان في ساعة من الساعات يختفي خنساً أي ذلة كأن تكوت عيناه قد فاضت لحظة من خشية الله أو رأى جنازة فاتّعظ ولذلك يقال للشيطان الخناس لأنه على رغم قوته وقدراته يختفي أمام كلمة واحدة أو شعور أو دمعة واحدة. وبعض الكواكب تخنس من شدة نور الشمي وضيائها قال تعالى (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) التكوير) هذه الكواكب عظيمة في الليل ومتجلّية لكن عندما تظهر الشمس تحنس هذه الكواكب أمام الشمس لضعفها.

توارى: إذا كان الخنس أن يختفي خجلاً أو حياء فهو التواري. قال تعالى (يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) النحل) عارٌ كان على البعض ايام الجاهلية أن يُرزق بأنثى. والتواري أن تتوارى من فعلة تخجل منها ولا تريد أن يراك أحد بعدها (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) ص) من بلاغة القرآن استخدام لفظ توارت في هذه الآية بينما استخدمت ألفاظ غرُبت وطلعت. وفي التفسير لهذه الآية ورد أن الشمس لما توارت كأنها توارت خجلاً من أن نبيّاً من أنبياء الله تعالى التهى بالخيل حتى فاتته الصلاة فكأن الشمس حين توارت ذاك النهار توارت خجلاً.

غاب: الاختفاء عن العين يسمى غيباً كوني لا أراك فأنت غائب حتى لو كنت مراء باب أو جدار. قال تعالى (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) النمل) كل شيء لا تراه عينك ولا تصل اليه رؤيتك ولم يعد في مدى نظرك فهو غائب وغيب.

غرُب: إذا كان الغياب بعيد جداً وسافر الى بلاد بعيدة يسمى غرُب. والفرق بين غابت الشمس وغربت الشمس أن غابت الشمس أي لم أعد أراها وإنما يراها غيري أما غربت الشمس تعني أنها في مكان بعيد لا أدركه في الأفق البعيد (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) الكهف). ولهذا يسمى الغريب غريباً عندما يسافر الى بلاد بعيدة.

أفِل: الأفول مختبأ الشيء كله. وقت الغروب تصبح الشمس قرصاً أصفر ينزل في الأفق فإذا قلّ حجمها من حيث أنها توارت وذهبت وتجردت من ضوئها يقال لها أفلت (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) الانعام). والأفّال هي صغار الغنم. إذا صغُر الشيء نفسه يسمى اضمحل وهذه الكلمة لم ترد في القرآن الكريم. عندما ينطفئ ضوء المضيء يقال فلان أفِل نجمه إذا قلّ شأنه وشهرته ومكانته.

نلخّص ما ورد من كلمات: اختفى حتى لا يعرف مكانه من هرب وخنس اختفى عن ذلة وهوان وتوارى عن حياء وخجل وغاب عن العين وغرُب اذا كان الغياب بعيداً وأفل اذا قل ضوءه.

خنس

نتكلم بشيء من التفصيل عن كلمة خنس وكيف استعملها العرب بشكل متميز. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جئت النبي صلى الله عليه وسلم آخر الليل فصلّيت خلفه فأخذ بيدي فجرّني حذاه فلما أقبل على صلاته خنست عنه" أي انسحب الى الوراء لشعوره بالنقص والضّعة والمذلة أمام الرسول صلى الله عليه وسلم. الشيطان على قدراته العظيمة كما أسلفنا يهرب ويخنس بكلمة واحدة أو خفقة قلب او خاطرة واحدة يشعر بالنقص والضعف والهوان. والشيطان عدو دائم توعّد بني آدم توعداً وكان صادقاً في توعده ونحن نعاني من همزاته وغمزاته ليل نهار والكلّ في عداوة الشيطان سواء أنبياء وصالحين وصحابة وغيرهم. والشيطان له طاقات هائلة (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64) الاسراء) يخنس بكلمة واحدة أو تسبيحة أو ركعتين. ومن أعظم الأسلحة في مواجهة الشيطان هو الذِكر يقول صلى الله عليه وسلم " لا يحرّز العبد نفسه من الشيطان الا بذكر الله" فإذا ذكرت الله تعالى خنس ومن فضل الله تعالى على هذه الأمة أنها تذكر الله تعالى عفوياً منذ أن تصبح الى أن تمسي وهي الأمة الوحيدة التي تذكر الله تعالى على مدار اليوم. وفي الحديث: " لا يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة لم يذكروا فيها الله" من أجل هذا كل من أراد أن يحصّن نفسه وأولاده من وساوس الشيطان ومن فتكه الذي تعاظم في هذا العصر أن يكون له أوراد يومية مأثورة عند الاستيقاظ من النوم وعند الدخول الى البيت والخروج منه وعندج النوم وعند الأكل وغيرها من الأذكار المأثورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم. والذكر من أعظم العبادات يوم القيامة كما في الحديث " رأيت رجلاً مغيّباً بنور العرش قالوا بم يا رسول الله؟ قال إن لسانه كان رطباً بذكر الله" وفي الحديث "ذهب الذاكرون بكل خير".

مرابع الشيطان:

من أخطر مرابع الشيطان أربعة يسرح فيها ويمرح وما اقترب أحد من هذه المرابع وصار مزمناً لها الا صار طوع الشيطان في حركاته وهذه الموابع هي:

الفضائيات: وهذه لم تكن على عهد اسلافنا وهي مربع جديد للشيطان في عصرنا الحالي وكان الناس في السابق إذا رأى أحدهم امرأة صدفة ينوح أياماً (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) النور) الذي يجري الآن على الفضائيات التي أعدّت للهو إذا أدمن عليها المؤمن فليعلم أنه صار مستحوذاً عليه وهو الذي يخنس أمام الشيطان لا العكس ويصبح قلبه أعمى.

الأضرحة: أضرحة الأولياء والصالحين والأنبياء وكلنا نعلم قدرهم عند الله تعالى ولا ننكره لكن الناس غالوا في الأضرحة الى حد أن صار بعضهم يعبد هذه الأضرحة عبادة وهذا هو الاحتناك من الشيطان (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) الاسراء) يقود الشيطان المؤمن قيادة لأنه وصل بحبه لوليّه أو صالحه الى حد التورط في عبادته من حيث لا يشعر وهذه مزلقة عجيبة. ومن باب سد الذرائع ما من ذريعة أعظم أن تُسدّ من هذه الذريعة أي الأضرحة فيجب اقفال هذه الأضرحة التي يحصل فيها تعظيم لصاحب الضريح وما يحدث عليها من توسّل بغير الله تعالى واختلاط. ومن كيد الشيطان كثيراً ما نجد الناس البسطاء يجدون حاجتهم على الضريح ويستنجدون به فيحصل لهم ما يريدون وهذا من كيد الشيطان حتى يتعلقوا بالضريح أكثر وقد رأيت أناساً يسجدون للضريح لا للقبلة ولا حول ولا قوة إلا يالله.

الفضائيات تصيب بالغفلة وتمرض القلب لكنها لا تصل الى حد الشِّرك أما الأضرحة فهي توصل للشرك الصريح والعياذ بالله.

الأسواق: هذا هو الشرك الاقتصادي هذا الولع والفزع على الدينار والدرهم بحيث صار معبود الناس كما في الحديث: "أهلك الناس الدينار والدرهم" وأصبح الحصول على الثروة يلهي الناس عما سواه وأصبح معبود الناس وأصبحت الأسواق مزلقة عظيمة لشدة ما فيها من ربح غير اعتيادي وربا واستحواذ والمال فتّان (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) الفجر) ولهذا جعل الاسلام حصائن وأذكار تقي من هذه الفتن.

الحمّامات والمسابح ودور السينما إذا استمر الانسان في الذهاب كثيراً اليها كل يوم تتغير أفكاره وخواطره وتقل مناعته ضد الشيطان وهمزاته. وكل هذه المرابع تزيل المناعة لأن فيها شهوة وشهية.

يقول صلى الله عليه وسلم " إن المؤمن ليُضني شياطينه كما يُضني أحدكم بعيره" فإذا استطعت أن تتبع بعض النصائح يمرض الشيطان يوماً بعد يوم بحيث لا يؤثر فيك كم قال صلى الله عليه وسلّم عن قرينه أن الله تعالى مكّنه منه.

ومن مرابع الشيطان ومصائده مجالس الغيبة وترك الصلاة واللجوء الى العرّافين والسحرة والمنجمين فإذا أردت أن تحصّن نفسك من الشيطان فعليك أن تتخلى عن كل مخلوق لأنه لا قدرة لأحد على أن ينفعك أو يضرك كائناً من كان فإذا عوّدت نفسك وأيقنت بهذا يصبح الشيطان كالخِرقة البالية لا يقربك ويخشى منك.

التحصين من الشيطان وزيادة المناعة ضده

ومن أعظم ما يحصنك من الشيطان كما أسلفنا الذكر وبخاصة هذا الصيغة من الذكر: لا إله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يُحيي ويميت وهو على كل شيء قدير" وهذه الصيغة هي من أعجوبة الأعاجيب في الذكر في كل مأساة أةو موضع يتصدر هذا الذكر وهو دعاء يعصم من الشيطان ويزيد من الحسنات وله رصيد هائل. وكذلك دعاء السوق الذي يحطّ الله تعالى به مليون سيئة ويعطي مليون حسنة وصيغته " لا إله الا الله وحده لا شريك له لم الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حيّ لا يمون بيده الخير وهو على كل شيء قدير". هذه الصيغة من الذكر تجعل الشيطان يخنس خنساً عظيماً.

لكي تربي فيك المناعة عليك أن:

تحرص على أن تحظى بمجلس علم شرعي ولو مرة في الشهر فما بالك بمرة في اليوم وفي المسجد؟

زيارة المريض إذا عوّدت نفسك على زيارة مريض ولو مرة في الشهر تكبسك مناعة هائلة من الشيطان.

زيارة المقابر واتباع الجنائز الى أن تدفن ايماناً واحتساباً.

واحرص على أن تكون من عباد الله تعالى الذين ليس للشيطان عليهم سلطان كما قال تعالى (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) الحجر) (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65) الاسراء) أصحاب الفضائيات والأسواق هم عبيد الله تعالى أما عباد الله تعالى فهم الذين يحميهم وهم أهل القرآن وصلاة الليل والرحمون والقاضي العادل والمنفق والغني الشاكر والحاكم العادل وإكرام البنات والصبر على زوجة سيئة ما لم تكن خائنة وكظم الغيظ والعفو عن الناس والتواضع والحِلم والانفاق سراً وعدم شهادة الزور هذه كلها مناعات من الشيطان فعليك أن تكون من عباد الله تعالى لتنجو من همزات الشيطان (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) الفرقان).

وعلى كل مسلم أن يشتري لنفسه كتاباً صغيراً في الاذكار المأثورة في كل حركة والرسول صلى الله عليه وسلم علّمنا الكثير من الأذكار اليومية حتى الجِماع له ذكر في السنة النبوية فعلى الرجل قبل أن يجامع زوجته أن يقول : اللهم جنّبنا الشيطان وجنّب الشيطان ما رزقتنا" والمرأة تقول "رب اني نذرت لك ما في بطني محرراً فتقبّل مني" يكون الأولاد بإذن الله تعالى صالحين والأوراد في السنة كثيرة ولا ننسى عقوبة ترك الذكر كما جاء في قوله تعالى (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) الزخرف) وقوله تعالى (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) طه) والحديث القدسي يقول فيه رب العزة " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته من خير ما أُعطي السائلين" فالذكر يغنينا عن السؤال.

كلنا نعاني في الصلاة فأول ما نقف للصلاة تأتي الوساوس ولو اتبعنا طريقى الصلاة الجيدة جداًذولا أقول الممتازة لأن هذه خاصة بالأنبياء والصالحين والصلاة الجيدة جداً هي أن تقيم الصلاة وتستحضر ساعة الاقامة والتكبير بين يدي من تقف؟ وتذكر أنك امام الله تعالى فقل الله أكبر من صدرك حتى تتنبه جوارحك ثم قل الحمد لله رب العالمين عند قراءة الفاتحة من أعماقك وتأملها وعليك أن لا تقل تسبيحاتك عن ثلاثة لزيادة الخشوع والتغلب على الشيطان. ولكل نوع من العبادة وظيفتان أحداها اسقاط الفرض والثانية رفع درجات وتكفير ذنوب وهذه هي التي تمنع الشيطان من أن يلعب بالانسان.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:32 PM
منظومة القتل الفردي (خنق)

خنق– قتل – ذبح- أردى– وقذ – أغرق – صلب – صرع – قضى عليه - نحر

هذه من منظومة الموت والموت نوعان نوع جماعي من باب الكوارث وموت فردي يقع على الفرد سواء كان موتاً طبيعياً أو قتلاً بأي أسلوب من أساليب القتل المعروفة. وسبق أن تكلمنا في منظومة حرف الباء في كلمة بطش وأخواتها حصد ومحق ودمّر وأهلك وأباد وهشّم وغيرها من كلمات الابادة العامة التي جاءت في القرآن الكريم وكل كلمة منها ترسم زاوية لا ترسمها كلمة أخرى. وفي هذه الحلقة نتحدث عن الموت الفردي في منظومة خنق .

والموت نوعان موت طبيعي وهو مفارقة الروح للجسد بدون حادث من الحوادث ويتألف من جزئين: وفاة وموت والوفاة هي اللحظات التي تسبق الموت من تلك الاغماءة اللذيذة التي هي مقدمة الموت النهائي وفي هذه الحالة لا يزال نفس المتوفى يصعد وينزل ولكنه في غيبوبة من كل ما ومن حوله وهو في عالم البرزخ يسمع ويرى موقعه في الجنة أو النار ويرى أهله الذين سبقوه (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) الواقعة) ويصبح أقرب الى الله تعالى والى عالم البرزخ لكن من حوله لا يسمعون ما يسمع ولا يرون ما يحدث له من عجائب. أما الموت فهو مفارقة الروح للجسد فالوفاة موت جزئي تموت رجلاه ونصفه الأسفل ثم صدره ثم تحشرج الروح في حلقه ولكنه لا يزال في عالم الدنيا هذه هي الوفاة وما ان تخرج الروح من الجسد ثم تقتح عينا الميت تتبع روحه يراها وهي تخرج فهذه هي مرحلة الموت النهائي. هذا هو الموت الطبيعي وهو موت ليس فيه أجر أما الموت الذي فيه أجر فهو الموت غريقاً أو حريقاً أو شهيداً أو مقتولاً أو مبتلى ببلاء. فما عدا الموت الطبيعي فهو قتل. ولكل نوع من انواع القتل لفظ يختلف باختلاف السبب أو الحادث أو آلة القتل التي توضح كيف قُتل الانسان.

والقتل يراد به القتل بالسلاح ومع هذا فقد يُقتل الانسان بغير سلاح يقال:

خنق: بحبل أو قلادة والخناق نصف الرقبة والخنق هو تضييق المسالك الهوائية بحيث لا يصل الهواء الى الرئة ولا القلب (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ (المائدة))

ذببح: بالسكين من الحلق أعلى الرقبة تحت الحنك (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) البقرة) (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) الصافات)

نحر: النحر أسفل الرقبة فوق اللّبة. يقال أخذ بتلابيبه أي يمسكه من أعلى الملابس التي تصل الى اسفل الرقبة والتلابيب هي الملابس التي تصل الى اسفل الرقبة. والنحر تقال للبعير أو الانسان يذبح على هذا النحو بالنحر فالذبح إذن من أعلى الرقبة والنحر من اسفلها. (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) الكوثر)

وقذ: القتل إما بحجر أو عصى يُضرب الشخص حتى يموت (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ (المائدة)).

صرع: أن تأخذه لفوق ثم تطرحه أرضاً فيموت (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) الحاقة)

قضى عليه: بالضربة القاضية (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) القصص) (يَا ‎لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) الحاقة)

أردى: من علو إما ألقاه من شاهق الى الأرض أو من أرض إلى بئر (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) الليل) في جهنم وهي واد يخبرنا تعالى بأن الهلاك يوم القيامة تردّي (ألقيا في جهنم) في الدركات السفلى والمكان السحيق يتردّى فيه الانسان تردّياً والتردي يقال لأشد أنواع العذاب يوم القيامة (قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) الصافات).

أغرق: بالماء (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) هود) (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25) نوح) (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) الاعراف)

صلب: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) النساء) (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) طه) يسند الى الخشبة .الخشبة القوية تسمى صليباً والصلب الوضع على الصليب ويُترك حتى يموت إما نتيجة طريقة التعليق أو من شدة الجوع والعطش وسمي الصليب عند النصارى صليباً نسبة الى الخشبة التي صُلب عليها المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ولكنه لم يصلب ولم يقتل بدليل قوله تعالى (وما قتلوه وما صلبوه).

نتحدث بتفصيل أكبر عن كلمة هذه المنظومة الأساسية وهي كلمة خنق:

الخنق كما نعلم عملية اجرامية والقتل قد يكون مشروعاً كقتل القاتل والصلب قد يكون مشروعاً كصلب قاطع الطريق كما جاء في القرآن الكريم أما الخنق فليس هناك خنق مشروع وأشهر عملية خنق في التاريخ قبل الاسلام خنق سمّيت به مدينة خانقين قرب بغداد التي كانت تحت حكم المنذر بن النعمان قبل الاسلام وكان له عدو اسمه عدي بن زيد فبلغ من غيظ النعمان عليه أن خنقه فسميت المدينة خانقين أو خانقون. أما أشهر عملية خنق في الاسلام ما فعله عقبة بن أبي معيط لعنه الله تعالى عندما جاء والرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصلي عند الكعبة وكان المسلمون قِلّة فلفّ رداءه حول عنق الرسول صلى الله عليه وسلم حتى كاد أن يخنقه فجاء أبو بكر رضي الله عنه فمنعه وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟.

وقد شاع الخنق في هذا العصر وفي الحديث الشريف " لا تقوم الساعة حتى يشيع فيكم الهرج القتل القتل القتل" يشيع عندما تصبح كل أنواع القتل مباحة وما من عصر شاع فيه الاماتة خنقاً كهذا العصر مما يحصل مع السجناء السياسيين وأصبحنا نسمع الآن بنساء يخنقون رجالهم ورجال يخنقون نساءهم وشاع الخنق الاجرامي كثيراً في هذا العصر.

هناك خنق وهناك اختناق: فتح الغاز مثلاً حتى يموت الانسان يسمى اختناقاً وقد شاع الخنق والاختناق ناهيك عن الاختناقات المرورية والسكانية والكلمة الحرة وغيرها. والرسول صلى الله عليه وسلم استعمل كلمة الخنق في الحديث الشريف استعمالات تلفت النظر فيقول عليه الصلاة والسلام: " ان مَثَل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته ثم عمل حسنة فانفكت حلقة ثم عمل حسنة أخرى فانفكت حلقة أخرى حتى يخرج الى العرض" هذا الحديث يبيّن أن السيئات تخنق الانسان خنقاً وكلما عمل حسنة أطفأ الله تعالى حلقة من سيئاته الى أن تنفك جميعاً. وحديث آخر "مرّ علي الشيطان فأخذته فخنقته حتى لأجد برد لسانه في يدي فقال أوجعتني أوجعتني أوجعتني فأطلقته ليقضي الله أمراً كان مفعولاً" وقال صلى الله عليه وسلم " الذي يخنق نفسه يخنقها بالنار" وهذا للمنتحرين الذين يشنقون أنفسهم فهم في النار خالدين فيها ابداً.

هذا هو الخنق المادي أما الخنق المعنوي فحدّث ولا حرج في العالم والناس تخنق في كل يوم وكل من يقول الحقيقة يحارب ويصلب وينبذ ويضطهد كما قال الجواهري:

لثورة الفكر تاريخ يحدّثنا بأن ألف مسيح دونها صُلبا

فالعالم كله يختنق الآن تحت وطأة الكذب والطغيان والظلم الذي يطغى على الحق وما من عصر شاع فيه الخنق بكل أنواعه كما شاع اليوم.

والقتل فيه من الأحاديث ما تقشعر منه الأبدان وذكرت الآيات القرآنية عقوبة القتل فقال تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) النساء) (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) المائدة) كل هذا العذاب الذي جاء في الآيات من أجل قتل نفس واحدة فكيف بمن يقتل الناس جميعاً وفي الحديث الشريف "لو أن أهل السماء والأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبّهم الله في النار يوم القيامة". وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من الأعمال الصلاة وأول ما يحاسب عليه من الذنوب وما يُقضى به بين الناس يوم القيامة هو الدماء. وقال صلى الله عليه وسلم " لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يُصب دماً حراماً" لو عمل كل الموبقات ولكنه يصلي ويصوم فهو في فسحة من دينه لأنه يستغفر فيتوب الله تعالى عليه إلا أن يقتل مسلماً متعمداً فقد هلك وهذا لا يقتصر على القاتل فقط وإنما الهلاك لمن أعان وحرّض على القتل أيضاً كما في الحديث الشريف "من أعان على قتل مسلم ولو بشق كلمة بُعِث يوم القيامة مكتوب على جبينه آيس من رحمة الله" هذه الرحمة التي هي جزء من تسع وتسعين رحمة محجوبة عمن أعان على قتل مسلم ولو بشق كلمة وكذلك شهود الزور والمحرّضين. وأخطر من ذلك كله ما يجري اليوم من أنواع القتل بشكل مخيف وهي من علامات الساعة الكبرى كما في الحديث " لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم الهرج القتل القتل القتل حتى يقتل الرجل أخاه وجاره وابن عمه حتى لا يدري القاتل لِم قتل والمقتول فيم قُتِل وحتى لا يأمن الجليس جليسه" وقال صلى الله عليه وسلم " من قتل مؤمناً فاغتبط بقتله لم يتقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً" من قال لا إله الا الله موقناً بها قلبه دخل الجنة ومن قال لا إله إلا الله عصم نفسه ويقول صلى الله عليه وسلم:" أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم" فالاسلام باللسان والايمان بالقلب والله تعالى وحده يعلم ما في الصدور.

قتول شريرة:

يقول صلى الله عليه وسلم " من قتل معاهَداً لم يرح رائحة الجنة" والمعاهدون غير المسلمون سواء دخلوا بلادنا أوة دخلنا بلادهم. وقال صلى الله عليه وسلم " من قتل قتيلاً من أهل الذّمة لم يرح رائحة الجنة" وأهل الذمة هم المواطنون الذين بيننا من غير المسلمين. "أعتى الناس رجل قتل في الحرم ورجل قتل غير قاتله" هذا قاتل شرير. ومن المصائب الشائعة والتي هي بمثابة القتل " لعنُ المسلم كقتله" حديث متفق عليه، " من رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله" متفق عليه، " من قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله" "شر الناس من قتل نبياً أو قتله نبي". شر الناس من قتل علي ابن ابي طالب كما في الحديث: "يمرقون من الدين مروق السهم من الرميّة يقتلون إمام المسلمين" وفي الحديث الشريف: "لعن الله من آذى ذمّياً" قال الرازي هذا جزاء من آذى ذمياً فما يفعل بمن قتل ذمياً وماذا يفعل بمن قتل مسلماً وةماذا يفعل بمن قتل علي بن ابي طالب رضي الله عنه والصحابة؟

مسألة اعتزال الفتن:

يقول صلى الله عليه وسلم :لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" ويقول صلى الله عليه وسلم إذا إذا كانت الحروب بين المسلمين لا تقاتله وألق بسيفك فإن قاتلك الزم بيتك فإن دخل عليك فإن خفت أن يبهرك شعاع السيف فضع ثوبك على رأسك يبوء بلإثمك واثمه.

عن سهل بن أبي السلط قال سمعت الحسن بن علي يقول أن علياً بعث الى محمد بن مسلمة وكان قد اعتزل الحرب بين علي ومعاوية فسأله ما خلّفك عن هذا الأمر؟ فقال دفع الي ابن عمك رسول الله سيفاً فقال قاتِل به ما قوتل العدو فإذا رأيت الناس أي المسلمين يقتل بعضهم بعضاً فاعمد به الى صخرة فاضربه بها ثم الزم بيتك حتى تأتيك منيّة قاتلة أو ضربة خاطئة. والمعنى أن عليك أن تقاتل العدو المحتل أما اذا كان المسلمون يقتل بعضهم بعضاً فالزم بيتك حتى تأتيك المنيّة القاتلة أو ضربة خاطئة تقتلك. وفي الحديث " إذا المسلمان حمل أحدهما السلاح فهما على طرف جهنم فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعاً" "إذا التقى المسلمان ببعضهما فالقاتل والمقتول بالنار قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال إنه كان حريصاً على قتل صاحبه" وقال صلى الله عليه وسلم في الفتن "فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل".

والتقتيل الجماعي ظاهرة جديدة سمعنا بها في القرن العشرين من تطهير عرقي في البوسنة والهرسك والشيشان وغيرها من الابادات الجماعية الكاملة في افريقيا وآسيا وأوروبا ولم يحدث مثلها في عصر من العصور. وهذا العصر غريب عجيب من حيث أنه اجتمعت فيه أمور لم تحدث من قبل خيراً كانت أم شراً ففي الخير مثلاً لم يشهد عصر من العصور هذه الثورة التقنية والتطورات الهائلة كما شهد هذا العصر وفي الشر لم تشهد العصور السابقة كما شهد هذا العصر من جرائم ووحشية وهمجية وقتل جماعي وإبادات وتطهير عرقي في عصر من المفترض أن يكون أكثر العصور دفاعاً عن حقوق الانسان وحضارة ومدنية ورقابة وشرعة أمم متحدة وغيرها ومع هذا يجري كل ما يجري من همجية ووحشية من كل من له طاقة وقدرة يسلّطها على الآخرين وغاب عن هؤلاء أن الله تعالى أقوى منهم وقادر عليهم. العلماء في العراق يقتّلون بشكل مريب الكل يتحدث عنه إلا الأمم المتحدة التي يفترض بها حماية حقوق الناس.

العفو عن القاتل:

المكفرات للذنوب كثيرة وهي على قدر مشقتها. قال تعالى (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) قد يعتمر المسلم وقد يحج بسهولة لكن هناك عبادات توجع كرجل كريم وجيه مثلاً أساء له أحدهم اساءة بالغة وعنده من القوة والقدرة والوجاهة ما يخوله للقصاص لنفسه لكنه مع هذا يكظم غيظه وليس هذا فقط وإنما يعفو عنه ايضاً ويحسن اليه لوجه الله تعالى وفي الحديث القدسي " من كظم غيظه لأجلي وهو قادر على انفاذه كان حقاً عليّ أن أملاً جوفه رضى يوم القيامة" فما بالك بمن يعفو عن قاتل أبيه مثلاً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) البقرة) كل دم أريق لك من حقك أن تقتص وتغضب وتنتقم انتقاماً مشروعاً ومع هذا تعفو عن القاتل فهذا من العبادات الموجعة العظيمة وفي الحديث "الاحسان أن تعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك وتعطي من حرمك" (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) فصلت). فمع هذا الذي يجري في العالم من فتن أن تعفو عن قاتل فهذه يوم القيامة الحاسمة ورب العالمين بفضله وكرمه يحاسب الصالحين يوم القيامة بأحسن ما فعلوه ويحاسب الطالحين بأسوأ ما قعلوه (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) النحل). فأن يعفو الانسان عن قاتل أبيه مثلاً ويقبل الدية بدل أن يقتل القاتل فهذه عبادة عظيمة وأعظم منها المشي بين القاتل وأهل القتيل والسعي للعفو عن القاتل وفي الحديث ما معناه ألا أدلكم على خير من الصلاة والصيام؟ إصلاح ذات البين. وقال جبريل عليه السلام " لو كان لنا عبادة في الأرض لانشغلنا بإعانة ذي العيال وبإصلاح ذات البين. وفي الحديث الشريف: " من أُصيب بشيء من جسده فتركه لله عز وجلّ كان كفارة له" فالعفو من أعظم العبادات يوم القيامة.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:33 PM
منظومة الفيوضات الالهية (خير)

خير– رحمة – رزق- نعمة– مِنّة – فضل – بركة – احسان – هبة -

هذه من منظومة الفيوضات الالهية الذي لا حد له ويبدأ بكلمة الرحمة وكل أنواع الفيوضات الالهية من نعمة وفضل واحسان ومِنّة وبركة كلها ننفرع من كلمة الرحمة. والرحمة نوعان رحمة في الدنيا وهي تشمل كل المخلوقات لا فرق بين مؤمن وكافر ولا بين موحّد ومشرك وهي من عطاء الربوبية ورحمة في الآخرة وخي خاصة بالمؤمنين الموحدين وهي من عطاء الألوهية كما قال تعالى (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الاعراف) ولهذا قال العلماء (الرحمن الرحيم) أي رحمان الدنيا ورحيم الآخرة.

الرحمة: هي رفق يؤدي الى حسن الرعاية والاحسان والتعطّف بالخلق ومنها يتفرّع بقية الفيوضات فيأتي الخير والفضل والرزق والنعمة والمِنّة والاحسان والبركة.

الخير: في كتاب الله تعالى يشمل كل انواع الفيوضات، كل شيء تشتهيه النفس وتحبه حباً جمّاً عظيماً مهما كان نوعه (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14) آل عمران) كل هذه الشهوات الى آخر ما في الدنيا من منع ومتاع وشهوة وشهية من انواع الخير وكل ما يحبه الناس ولا يختلفون في حبه فهو من الخير (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) العاديات) فالخير هو كل شيء تحبه من نفوذ وسمعة وبنين ومال وصحة (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) الانبياء) اختبار لكل ما تحبه. فالخير كل شيء تحبه ايجابياً كان أم سلبياً.

الرزق: هو الخير وكل ما سيأتي هو كله خير والدافع للخير الرحمة والخير يتفرع الى أنواع كل نوع من أنواعه له كلمة تدل عليه مباشرة. والرزق هو الخير المتعلق بالطعام والغذاء (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) المائدة) نعمة الغذاء ومكافحة الجوع وكل ما يتعلق بالطعام والاطعام هو الرزق وهو الذي يمسك على الانسان حياته. حيثما وردت كلمة الرزق في القرآن دلت على الطعام (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) النحل) (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) الانعام) (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) يس) فهموا ان الطعام هو الرزق. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) البقرة) (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) البقرة) (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) يوسف) (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) الكهف) وهكذا في كل مرة ترد كلمة رزق في القرآن فهي تعني الطعام حصراً (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) البقرة). قال تعالى (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) الذاريات) أصل الغذاء المطر.

النعمة: الخير عام وهو كل مجموعة النعم مادية ومعنوية. إذا جزّأنا الخير الى جزئيات فكل جزئية هي نعمة. قال تعالى (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) النحل) انعم الله تعالى علينا بنعم عديدة كالسمع والبصر وغيرها يمكن عدّها لكن لا يمكن حصرها أي معرفة اسرارها واعجازها وفضل الله تعالى علينا بها وقدرته سبحانه وتعالى. النعمة جزئية واحدة من الخير العام الشامل. والفرق بين الخير والرزق في القرآن (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) يس) هذا خير عام (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) البقرة) هذا مال، خير مال في الانفاق والرزق هو الطعام. والطعام في كثير من العصور والعهود أفضل من المال بكثير خاصة في حالات المجاعة تكون فيها كسرة الخبز أفضل من مليون دولار ولهذا قال تعالى (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) البلد).

المِنّة: نعمة معنوية لا يفعلها الا الله عز وجلّ وهي أعلى من كل ماديات الأرض ولا يهبها الا الملوك العظام لأتباعهما. والمِنّة غير مادية ليس بها شهوة وانما هي عطاء عظيم لا يفعله الا الله تعالى (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) الصافات) من غير الله تعالى قادر على أن يفعل لموسى وهارون ما منّ الله تعالى به عليهما، (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) آل عمران) من الذي يستطيع أن يمنّ علينا برسول مثل محمد صلى الله عليه وسلم إلا الله تعالى، (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) الحجرات). المِنّة اذن هي النعمة العظيمة غي المادية لأنها أكبر وأرقى وأغلى من كل ماديات الأرض ولا يفعلها الا الله تعالى (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) القصص) منّ الله تعالى على بني اسرائيل بعدما استضعفوا بأن أورثهم الأرض.

الفضل: وسام أو نعمة يهبها الله تعالى لعباد مخصوصين جداً ليميّزهم على من سواهم كأن يكون عندك مئة ضابط ثم تعطي واحداً منهم وساماً فيصبح يشار اليه بالبنان. قال تعالى (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) النساء) لم يؤت تعالى هذا إلا للرسول صلى الله عليه وسلم. وقال تعالى (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (55) الاسراء) كل نبي له ميزة عن الآخرين موسى وعيسى وسليمان وداوود (وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) سبأ) الجبال تؤب مع داوود فقط والحديد يلين له، (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) النمل) (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) النور) من غير أبي بكر آتاه الله تعالى هذا الفضل؟ وفضل الله تعالى عيسى ابن مريم بأشياء ميزه بها عن غيره من ابراء الأكمه والأبرص والكلام في المهد وغيرها، (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) آل عمران) نزلت في غزوة أحد عندما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وعمر وعلي وبعض الصحابة في أثر ابو سفيان وجمعه ليرهبوهم فقيل لهم ان الناس قد اجتمعوا لكم فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. وقيل ان حسبنا الله ونعم الوكيل قالها سيدنا ابراهيم عليه السلام عندما ألقي في النار فنجاه الله تعالى منها. والله تعالى يعطي كل انسان فضلاً لا يعطيه لأحد غيره فيصبح متميزاً على من سواه (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) هود) (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) يونس)

البركة: شيء يسير يقوم بوظيفة الشيء الكبير مثل حفنة ماء سقى بها النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً كاملاً. فالبركة هي الشيء اليسير يودعه الله تعالى طاقات كبيرة وبركة كبيرة. كلما قلنا تبارك الذي جعل في السماء بروجاً أي اعطانا نعمة لا حدود لها فتخيل كم يستفيد الناس من النجوم والبروج وكذلك انظر في تلك الحبة الصغيرة (الحبة السوداء أو حبة البركة) كم أودع الله تعالى فيها من البركة ففيها شفاء للعديد من الأمراض وفيها طاقات هائلة. والليلة المباركة التي نزل فيها القرآن الكريم (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) الدخان) هي ليلة مكونة من بضع ساعات هي خير من عبادة الف شهر تغفر فيها الذنوب وعجائبها لا تنتهي. وقال تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) ص) كتاب واحد لا تنقضي عجائبه وكل عصر يكتشف فيه الناس ما لم يعلمه احد قبلهم وفيه منافع وأسرار جديدة. وقال تعالى على لسان عيسى ابن مريم عليه السلام (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) مريم) تكلم في المهد وأحيا الموتى وأبرأ الاكمه والأبرص. فالبركة هي ان يودع الشيء اليسير طاقة أشياء كثيرة.

(في اتصال لاحدى المشاهدات أضافت كلمة هبة كما جاء في قوله تعالى (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) الشورى).

هذه هي منظومة الفيوضات الالهية عندما يفيض الله تعالى على عباده بفضله واحسانه ورحمته ونعمته ومنّته. وفي الحديث عن سورة البقرة " خذوها فإن أخذها بركة وتركها حسرة وندامة ولا يطيقها البَطَلة" فسورة البقرة فيها من المنافع علمياً ونفسياً وعقيدة وحماية وعصمة الكثير.

قال تعالى (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) البقرة) كل شيء في كل الاتجاهات نفسي او مالي او علاجي او جسدي وكل خير داخل في هذه الآية. (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) آل عمران) يشمل كل شيء حتى الخاطرة. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) الحج) خير عام ليس فقط مال بل كل ما تشتهيه النفس. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {س}(77) الحج) بكل أنواعه. (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) الاحزاب) على كل شيء العلم والهداية والمال وكل ما هو محبوب. (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) البقرة) حتى الصحة. فالخير شيء والروق شيء آخر والفضل شيء آخر.

الفضل: لو تأمل كل انسان في نفسه لوجد أن فيه فضل لا يملكه الآخر إما نفسي أو علم او اخلاق او صوت ولا بد أن يكون له ميزة أو صفة أو حال أو سمت معين لا يملكه الآخر. (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) الحديد) (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) الاحزاب) سيتميزون بفضل من الله تعالى على الكثيرين وهم قِلّة.

البركة: اختص الله تعالى بها المؤمنون وهي تتبع التقوى فكلما تقدّمت في التقوى تقدمت في عالم البركة (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) البقرة) فالبركة زيادة الخير غير محسوسة لا تّرى. وإلا كيف نفسر اجتماع مجموعة من الناس على طبق صغير يأكلون منه جميعاً ويشبعون؟ وبعض الناس عندهم على قليل لكنهم نفعوا به الكثيرين. والبركة تكون في كل شيء سيارة أو بيت أو زوجة. والفَرَس في البيت تأتي معها البركة والخير فيها الى يوم القيامة. والرسول صلى الله عليه وسلم يوصينا بلعق بقايا الطعام من الوعاء والأصابع لأن في آخر الطعام الربكة. وكذلك من توجيهاته صلى الله عليه وسلم أن في السحور بركة كما يوجهنا أن غسل اليدين قبل الطعام وبعده بركة والوضوء بركة وخاصة لمن يداوم على الوضوء فكلما انتقض وضوءه جدّده وفي هذا الحديث عن بلال رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لبلال أنه سمع دف نعليه في الجنة فأخبره أنه كان يداوم على الوضوء والوضوء يفيض على الانسان مشاعر ايمانية ايجابية عظيمة.

والبركة في الوقت أساسها التقوى وإذا نظرنا في تاريخ سلفنا الصالح نتعجب كيف كانوا يكتبون كل تلك الكتب والمؤلفات التي تركوها في وقت قصير وكانوا صغاراً في السن هذا كله من البركة في الوقت والعلم.

والبركة في الأرض تتأثر بالظلم أو العدل فالعراق مثلاً كان من أخصب الأراضي في المنطقة لوجود نهري دجلة والفرات وكان فيه من الزرع والنخل ما كان يسد حاجات الدول المجاورة ولكن بسبب الظلم الذي شاع بين الناس أفقرت الأرض وأصبحت السعودية التي كانت صحراء مصدراً من مصادر تصدير الحنطة للعراق قال تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) هود). وقال هارون الرشيد : الغنم ضرعها يدر لبناً بالعدل ويجفّ بالظلم.

وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معاذ بن جبل عن الخير قال معاذ: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير فقلت يا نبي الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار فقال صلى الله عليه وسلم: لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت. قال ألا أدلك على أبواب الخير؟ قال الصوم جُنّة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وتطفئ غضب الرب وصلاة الرجل في جوف الليل ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت بلى يا رسول الله فقال كفّ عليك هذا وأمسك بلسانه قلت أو نحن مؤاخذون بما نتكلم به يا رسول الله؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكبّ الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟

هذه أبواب الخير يوم القيامة وما أسهلها ويغني عنها بعد الأركان الخمسة كفّ اللسان.

في هذا العصر نعاني من قلة البركة في المال مع توافره وقلّت القناعة لشدة قساوة الناس والظلم الذي يسود بين البشر وموضوع البركة موضوع غير معقول ونفسية الانسان تنعكس على فعله مباشرة وعلى البركة والكون كله مليء باللامعقول. يقول صلى الله عليه وسلم " من تعلّم كلمة أو كلمتين أو ثلاث أو أربع أو خمس مما فرض الله عز وجلّ يعلّمهن ويتعلّمهن دخل الجنة" فليست العبرة بالكثرة ولا بالكمّ. ويقول صلى الله عليه وسلم :أكثر النساء بركة أيسرهنّ مؤونة" إن لله تعالى نفحات فتعرضوا لنفحات الله.

أرض فلسطين تلك الأرض المباركة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم بركتها في أنها قلب العالم ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم وبها صلى بالأنبياء جميعاً والله تعالى ضاعف العمل فيها وجعل أهلها أهل رباط والذي يجري فيها الآن ما هو إلا تصحيح وجهاد وهي لن تجوع ولن تعرى ولن تُحتلّ إلا لفترة من الزمن ولشدة حب الله تعالى لأهل هذه الأرض المباركة يبتليهم ليرفع درجاتهم فقد جرى على أهلها ما لم يجري على بشر يُذلّون ويهانون ومع هذا تجدهم صابرين يجاهدون فهذه بركة في السماء والأرض وفي الدنيا والآخرة وما يجري فيها لن يفتّ في عضدها وشعبها تعوّد على العطاء والبسالة والجهاد وطفل منهم بجيش بأكمله.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:33 PM
منظومة السباحة (خاض)

خاض– سبح – مخر- ماج– غاص – غرق – طاف –

هذه من منظومة السباحة التي وردت في القرآن الكريم وكل كلمة تعطي معنى لا تعطيه الكلمة الأخرى وهذا من اعجاز القرآن البياني.

خاض: الشروع في الماء الضحل لهدف اللعب واللهو وتعكير الماء فالعبور في الماء الضحلة راجلاً أو عن طريق فرس أو غيره يسمى خوضاً قال تعالى (ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) الانعام) (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69) التوبة). والخوض رجل لا يعرف السباحة ولا دراية له فيها وليس له هدف من غوص وإنما هو لمجرد اللعب والعبث. وكل خائض لا بد أن يعكّر الماء لأنه ضحل وقد استعملت هذه الكلمة في القرآن الكريم استعمالاً مجازياً كما في قوله تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) الانعام) أناس لا علم لهم ولا فقه يخوضون في أحكام وعقائد حتى يعكروا الأمر على المسلمين فيحدث لهم ارباكاً وهذا حدث كثيراً في تاريخ الاسلام واستعملت هذه الكلمة مجازاً ايضاً للَبْس كما يقال خاض فيما لا يعنيه وقال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) التوبة) (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) المدثر).

سبح: المرّ السريع في الماء العميق وتستخدم سبح أيضاً للمر السريع في الهواء كما في قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) الانبياء) واستعملت مجازاً كالمرّ السريع في العمل اليومي (إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) المزمل) وهذه الآية تدل على ان النشاط والسرعة مطلوبان في العمل وليس التثاقل والتباطؤ. قيل عن عمر ابن الخطاب أنه إذا مشى أسرع وإذا ضرب أوجع. سبح وسبّح تعني الاسراع (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) الصافات) تدلنا على أن كل من يمر بأزمة عليه أن يُسرع في ذكر الله تعالى ويدخل في عبادته حتى يخرج من عزلته. والسابحون ليسوا على وتيرة واحدة. هناك السابح وهناك الماخر فالسابح هو الذي يسبح سريعاً.

مخر: الماخر هو الذي يكون في سباق معين ويصل لغاية محددة بحيث يضرب الماء بيديه وينشق الماء خلفه يفتح الماء بصدره وذراعيه كما تفعل الباخرة في الماء. قال تعالى (وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) النحل) (وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) فاطر).

ماج: ركب الموج. نهر هائج وأنت تسبح فيه يقال ماج أي ركب الموج (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99) الكهف) تتداخل في السباقات العظيمة. وتستعمل هذه الكلمة ماج في الفِتَن (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) هود) (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) الانبياء) كأنهم أمواج. ماج إذن سباحة مع اضطراب رياح وزوابع.

طاف: إذا كان المرّ على مهل يقال طاف (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) القلم). والطوف مجموعة أخشاب تربط ببعضها أو مجموعة قِرَب مربوطة ببعضها يقال ركب الطوف. والطائف الذي يطوف على سطح الماء. (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) البقرة) يلف حول البيت أو حول الكعبة كأنه راكب على شيء (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) الحج) (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) الحج) إذا نظرنا للطائفين حول الكعبة من بعيد نراهم كأنهم راكبون على شيء. (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24) الطور)

غاص: عندنا غاص وغرِق وعندنا غطس وكلمة غطس لم ترد في القرآن الكريم وهي تعني غاب في الماء لكن من أعلاه يغطس ويطلع لفوق. أما غاص فهي تعني النزول الى اسفل الماء وهو لهدف شاق جداً كالتقاط اللؤلؤ مثلاً أو البحث عن انقاض باخرة أو ما شابه فالغوص إذن في غاية المشقة والغوص هو من أشد وأشق أنواع السباحة لأنه لا بد أن يؤثر في حياة الغوّاص (وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82) الانبياء) (وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) ص) وقد استعملت هذه الكلمة مجازاًُ في كل غوص كالغوص في العلم وقد قال عمر ابن الخطاب لعبد الله بن عباس: غُض يا غوّاص. والعلماء الذين يغوصون في العلم يفيضون علماً وهذا الغوص في العلم يدمر صحة العالم لما فيه من مشقة وسهر وكذلك الشعراء يغوصون في الشعر وقد يتقلب الشاعر ليالي واياماً لبيت من الشعر.

غرق: الرسوب في الماء حتى الموت (كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54) الانفال) (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) هود) (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77) الانبياء) (ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) الشعراء) (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) يونس) (وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) المؤمنون). عندنا غرَق وهو ان يدخل الماء في الأنف حتى تمتلئ منافذه فيهلك ويموت وعندنا شَرَق وهو أن يدخل الماء في الفم فتمتلئ الرئة فيموت. وعندنا غرِق وغريق أما الغرِق فهو الذي لم يمت بعد أما الغريق فهو الذي مات فعلاً. في الحديث الشريف "يأتي على الناس زمان لا ينجو من فيه إلا من دعا دعاء الغريق" تخيل كم يكون دعاء الغريق الذي أوشك على الموت صادقاً. وفي دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم "اللهم إني أعوذ بك من الغرق والحرق".

هذه كلمات المنظومة ونتكلم بالتفصيل عن كلمة الحلقة وهي خاض وخوض:

الخوض في آيات الله تعالى بدأ من أول يوم جاء به الاسلام (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) المدثر) والخوض نوعان خوض محمود وخوض مذموم. إذا كان الخوض يدخلك في رحمة الله تعالى فهو محمود. يقول صلى الله عليه وسلم في أحاديث عديدة أولئك الخواضون في رحمة الله. ومن الخواضين في رحمة الله تعالى وفق الأحاديث الشريفة : الذين يجتمعون في المساجد يقرأون القرآن الكريم أو يتدارسونه بينهم، ومن طاف سبعاً وقال لا الى الا الله وزاذر المريض لوجه الله تعالى لا مجاملة ولا رياء. الملائكة تسمع كل صوت حدّثتك به نفسك فإذا ذهبت لزيارة مريض لوجه الله تعالى تقول الملائكة طبت وطاب ممشاك وعند العودة تدعو لك بالمغفرة.

من يدخل على المريض ف:انما خاض في رحمة الله تعالى ويخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه فإذا كان هذا حال زائر المريض فما بالك بالمريض؟ قيل تحط ذنوبه كلها. ومن الخواضين في رحمة الله تعالى أهل الأمراض التي ليس لها علاج فقد قال صلى الله عليه وسلم "الطاعون رحمة لأمتي" وكل مرض لا علاج له رحمة والمعوقون هم الذين اجتباهم الله تعالى لنفسه.

أما الخوض في آيات الله تعالى فهو مصيبة المصائب. الله تعالى أراد لهذه الأمة أن تكون أمة واحدة ووحدة هذه الأمة سهّل الله تعالى أمرها بآيات قليلة مختصرة في الصفحة الأولى من القرآن اوائل سورة البقرة (الفاتحة هي قرآن وحده وسميت الصلاة كما قال تعالى (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم)) فأول سورة البقرة يتحدث عن أوصاف المتقين وهي: الايمان بالغيب وإقامة الصلاة وايتاء الزكاة والايمان بالكتاب كله والكتب السابقة كلها أولئك على هدى من ربهم وكل مسلم يؤمن بهذا وهو اذن من المفلحين ما لم تكن هناك فُرقة أو فِرقة. أما الفُرقة فهي فردية وهي سهلة العودة عنها وهي متوقفة على انسان واحد يجتمع مع المسلمين لكنه بعيد عنهم ولا يتآلف معهم ولا يحبهم ولا يهتم لشأنهم وقد جاء في الحديث الشريف " من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" أما الفِرقة فهي جماعية ويصعب العودة عنها لأنها تستعصي لذا قال صلى الله عليه وسلم "الجماعة رحمة والفِرقة عذاب" ويقول صلى الله عليه وسلم: "افترقت بنواسرائيل على 73 شعبة كلها في النار الا واحدة وستفترق أمتي إلى 73 شعبة 72 منها في النار وواحدة في الجنة" والفِرقة تولّد الفُرقة من حيث إذ تقرأ في التاريخ ما من فرقة خرجت تحت عنوان معين الا وكان سمتها رفض وتكفير وقتال الفرق الباقية جمسعاً أو تفرح ببلائهم يغتبطون بقتل المسلمين لأن الشيطان يوحي اليهم أنهم على حق والباقون على باطل والذي يجري الآن في ايامنا هذه هو الخوض فكل عدو لهذا الدين أوجد فرقة أو أكثر فشاعت بين المسلمين فُرقة بعضهم يستحل دم الآخرين ويكفّرونهم. الخوارج قتلوا المسلمين شر قتلة وتراهم خاشعين في الصلاة وتحقر صلاتك الى صلاتهم كما في الحديث الشريف "يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية" بعدهم جاء الشيعة ثم جاء النواصر بعدها استمرت الفرق ولو نحصيها الآن فقد أصبحت في حدود الأربعين أو الخمسين والفِرق تنشأ دائماً في الفِتن ولهذا كلما حدثت فتنة بين المسلمين تنشأ فرقة تكفّر الجميع وما من عصر مر فيه المسلمون بفتن كهذا العصر فتكالبت الأمم علينا مصداقا للحديث الشريف "توشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى على قصعتها" وإذا تأملنا في واقع المسلمين في مذاهبهم وطوائفهم واعلامهم وتعليمهم لعجبنا واستغربنا فما هذه الأمة وما شكلها؟ وصف الرسول صلى الله عليه وسلم الفرقة الناجية في الحديث الذي ذكرناه قالوا من هم يا رسول الله؟ قال ما عليه أما وأصحابي اليوم. فصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لهم عنوان غير الاسلام في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا أردت ان تكون ناجياً يوم القيامة إياك أن يكون لك عنوان آخر يؤدي إلى أن تكره مسلماً لدرجة أن تتمنى قتله أو تفرح بمقتله فإن فعلت فاعلم أنك هالك لا محالة حتى وإن كانت صلاتك وصيامك أفضل من صلاة غيرك وصيامه. ابحث عن قلبك فقد قال تعالى (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) الشعراء) ليس فيه حقد على مسلم من حيث الاسلام والامام علي بن ابي طالب رضي الله عنه بعد أن قتل الخوارج صلّى عليهم لأنهم مسلمون. ولو تعلمون ما معنى أن يقول انسان لا إله إلا الله محمد رسول الله مصدقاً بها قلبه ولا يفرق بين أحد من رسل الله تعالى هذه حصانة كاملة له ومفتاح الجنة.

ومن أشد أنواع الخوض يوم القيامة أن تخوض في آيات الله تعالى وتشكل فِرقة بحيث تقتل الآخر فقد تخوض في آيات الله وتحدث فُرقة لكن لا تصل لأن تكون فِرقة. ومن الفِرق في التاريخ الاسلامي الخوارج الذين كفروا المسلمين تكفيراً كاملاً وانقلبوا الى فرق يكفر بعضهم بعضاً والاباضية والبيهسية وغيرها حوالي ثمان فرق وبقي التناحر قائماً سنين عديدة طويلة وعندنا النواصب الذين ناصبوا آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم العداء وعندنا الشيعة الذين آزروا آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم الزيدية والاثني عشرية وغيرها حوالي 13 جماعة وفرقة وعندنا السنة ومنهم الشافعية والحنفية والمالكية والصوفية والوهابية وغيرها من الفرق وقد سالت انهار من الدماء بين الفرق. بغداد خربت مرتين مرة على مصحف واحد (مصحف عائشة رضي الله عنها) بين الشيعة والسنة الى أن دمروا بغداد ثم أثبت الامام الخوئي أن هذا كتبا الله ولا كتاب غيره والمرة الثانية بين الحنابلة والشافعية (والفقه الحنبلي هو أيسر أنواع الفقه لا كما يظن البعض) فقد كان التقليد أن يكون قاضي القضاة من الحنابلة فجاء أحد الخلفاء وكان أقرب الى الشافعية فجعل قاضي القضاة شافعياً ولم يترك الحنابلة شافعياً إلا قتلوه لكن الآن زال هذا التناحر وأصبحت المذاهب كلها تتعايش مع بعضها في العراق غير متحاربة. والآن صار عندنا السلفية والوهابية والصوفية وأحباش والاخوان المسلمين وغيرهم. إذا أبغضت مسلماً فقد خرجت من الدين والرسول صلى الله عليه وسلم يخبرنا في الحديث ان الله تعالى لا يغفر لأخوين متصارمين حتى يتصالحا فما بالنا بجماعات يكفر بعضها بعضا ويقتل بعضها بعضا ويستحل دمه؟! ويقول صلى الله عليه وسلم "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا" والرسول صلى الله عليه وسلم أمرنا بالتعامل باللطف مع اليهود والنصارى فكيف بنا مع اخوان لنا مسلمين موحدين؟! والميزان يوم القيامة بين الجنة والنار أن تبغض الآخر أو لا تبغضه. وقال صلى الله عليه وسلم "شفاعتي حق لأهل الكبائر من أمتي" فإذا كان رسول الرحمة يهتم بأمر العصاة وأهل الكبائر من أمته وإذا كان الله تعالى قال لموسى وهارون عندما بعثهما لفرعون الذي ادّعى الألوهية مع الله تعالى أن يقولا له قولاً ليناً فلماذا العبث بالدين؟ ولماذا هذا التكفير بين المسلمين وإن معظم بلائنا في هذه الأمة من علمائها الذين فرّقوا المسلمين كما في الحديث "لا تقوم الساعة حتى يكون قُرّاء هذه الأمة ظُلاّمها منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود" والتعامل مع الآخر هو المقياس يوم القيامة.

وعندنا من الفِرق القدرية والأشعرية والمعتزلة والوهابية والصوفية وغيرها وكل واحدة منها منقسمة الى ثلاث أو أربع فرق وجماعات وتجدهم صفاً واحداً في المسجد بعضهم يستحل دم بعض على قضية فيها ألف دليل. قيل لعمر ابن عبد العزيز إن اصحاب النبي تفرقوا في الأمصار فاختلفوا فلو جمعتهم ووحدتهم قال والله ما أُحب أن اصحاب النبي إن لم يختلفوا لوحدوا السُنّة والسُنّة متعددة. مثلاً لمس المرأة عند البعض ينقض الوضوء وعند غيرهم لا وهذا من سمة الدين والدين حدودي له حد أدنى وحد أقصى وأنت في خير ما دمت بين الحدين ولك خيارات كثيرة كأن تقرأ الفاتحة بعد الامام أو تقرأ معه أو تقرأ بعد أن يسكت أو غيره والكتاب جمّال أوجه والسُنّة متعددة المعاني ونحن في سعة لكننا ضيقنا على المسلمين وباتت شعوب بأكملها تُمحق وليس هناك من يرفع صوته أو يتكلم فمن سمح للناس أن يكفّر بعضهم بعضاً ويستحل بعضهم دم بعض؟ الأمة تكاد أن ينفرط عقدها وهذه الأمة يجب أن تكون وحدة واحدة وتعود جماعة واحدة ومن قوانين الكون أن الزبد يذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:35 PM
منظومة الأوهام (خيال)

خيال– سراب – تمثيل- تشبيه– سحر – غرور – خداع – زخرف - اسطورة

هذه . منظومة الاوهام في القرآن الكريم وبالاضافة الى كلمات هذه المنظومة هناك كلمة خرافة لكنها لم ترد في القرآن الكريم فلن نتناولها في هذه المنظومة.

الأوهام جمع وهم والوهم أو الواهمة هي المغالاة في تصور الشيء. يحدثك أحدهم عن شجاعة زيد مثلاً فتبدأ تتخيل وتسرف في الحقيقة بحسب خيالك وتصورك. كل حقيقة تزيد عليها بخيالك يقال لها وهم؟ وكل تصور ليس حقيقة يجسد حقيقة فهو الوهم حتى لو أخطأت في العد يقال وهم في الحساب ويقال وهم في الصلاة أحياناً يصلي الانسان ولا ي ركعة صلى يصلي ثلاثاً وهو يعتقد أنه صلى صلاة كاملة. والوهم هو التهمة ، أن تتهم أحدهم بالباطل هو نوع من الوهم. والوهم منظومة في كتاب الله تعالى.

الخيال: هو الصورة المجردة عن أصلها يذكر أحدهم لك شيئاً فتتخيل صورته في دماغه. كل واحد منا يتخيل الرسول r من وصفه وكل حسب خياله ويختلف عن خيال الآخر وتصوره. قال تعالى (قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) طه) لم يكن هناك أفعى ولكن صروة من صور الأفاعي. كما في المنام يرى أحدهم حلماً ليس هذا هو الأصل ولكنه صورته المجردة عنه. من الخيال اشتقت الخيل والخيلاء. الخيل: ما من فارس يُحسن ركوب الخيل حتى يصبح فارساً إلا ويتخيل أنه في غاية المروءة والشهامة ينقذ كل مستغيث والخيل من طبيعتها الخير " الخيل معقود بنواصيها الخير" ومن خيرها أن الذي يُحسن ركوبها يترقى انسانياً وأخلاقياً ويقال أخلاق الفارس. والخيال يؤدي الى الحقيقة وكل ابتكارات العصر الحالي بدأت خيالاً وترقت حتى صارت حقيقة فالمركبات الفضائية والطيران والاستنسال كلها بدأت خيالاً واصبحت الآن حقيقة.

السراب: إذا كان الخيال لعين يسمى سراباً أما الخيال فهو بالقلب والعقل والسراب بالعين (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) النور) (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) النبأ) والسراب خداع النظر كما أن الخيال خداع العقل. والخيال والسراب كلاهما أوهام.

التمثّل والتشبّه: التمثل هو أن تتمثل شيئاً أو انساناً لا يشبه الأصل مطلقاً. جبريل u له 600 جناح وعندما يتمثل بشكل انسان لا يشبه صورته الأصلية قال تعالى (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) مريم) هذا الانسان الذي جاء مريم عليها السلام يمثل جبريل ولكنه ليس على صورته الأصلية. فإذا كان يشبه صورته الأصلية يقال تشبيه وتشبه ولهذا قال تعالى (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) النساء) وضع تعالى مكان عيسى u على الصليب واحداً من أعدائه جعل صورته كصورة عيسى عليه السلام تماماً. فالتمثل والتشبه وهم ليسفليس الذي صُلِب على الصليب عيسى عليه السلام وليس الذي جاء مريم عليها السلام جبريل u والفرق بينهما أن الذء جاء مريم لا يشبه صورة جبريل الأصلية وهذا تمثيل والذي صُلب على الصليب يشبه عيسى u تماماً وهذا تشبّه.

السحر: هو التخيلات التي لا حقيقة لها وتكوين عناصر معينة تجعلك موهوماً. فالذي يشرب الخمر يرى أشياء بغير رؤيتها والذي يكون مريضاً يختلف مذاق كل شيء في فمه كذلك هناك عناصر يعرفها السحرة. حبة الدواء مثلاً مكونة من مجموعة من العناصر التي إذا اجتمعت تشفي المريض بإذن الله تعالى. والسحر هو أن يؤتى بأشياء مجموعة لكنها لا تؤثر في أحد إلا إذا شاء الله تعالى (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) البقرة) لأن الله تعالى جعل في العناصر إذا اجتمعت تؤد الى السحر. ولذلك حرم الله تعالى السحر والهمر لأنها تؤدي الى الوهم الذي يصيب المسحور والمخمور. وهذا كله في منظومة الوهم. والسحر يختلف عن الكلمات التس سبقت في المنظومة بأنه لا أصل له مطلقاً كالتمثل والتشبه والتخيل لكن السحر لا أصل له ولا وجود له وإنما وهم مطلق والسحر أنواع كالشعوذة والتخريف والسحر والأوهام.

الغرور: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) النساء) (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64) الاسراء) أن أقنعك بشيء لا مطمع فيه. أنت تقنع انساناً ما بأنه لو وصل الى رتبة مدير عام سيكون له أموال كثيرة ويمكنه أن يجمع ما يريد ويشاء وتقنع هذا الانسان اقناعاً شديداً حتى يصل هذا الانسان الى الوظيفة ويجمع الأموال من حلال وحرام ثم على حين غرة يمسك به ويزج في السجن. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الانفطار) المغرور يعتقد أنه حتى لو لم يؤمن سيجد الله تعالى غفوراً (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) الكهف) (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49) الانفال). وكل مغرور يفيق عند الموت ويُرعب رعباً شديداً ونذكر حال المأمون على فراش الموت فقد أمر بأن تُملأ الغرفة رماداً فتمرغ بالرماد وصرخ قائلاً: يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه. عند الاحتضار يرى المحتضر كل شيء وكل المغرورين إذا جاءهم الموت يرعبون رعباً شديداً لكثرة ما فعلوه في حياتهم.

الخداع: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) النساء) الخداع هو أن أبطن لك غير ما أُظهر وأزين لك الباطل بأنه حق ومن الخدع المعروفة الألعاب الخفي. هذه المنظومة كلها هي حصاد ديانات الكرة الأرضية اليوم ففي التلفزين ترى ألعاباً عجيبة غريبة والكل يعرف أنها لعبة لكن الناس يتصورون أن هذا حقيقة ومعظم ديانات الكرة الأرضية اليوم هي أوهام (من يعبد الشجر والبقر والنار وغيرهم) والعقيدة الوحيدة بين هذه المجموعة هي حقيقة الاسلام لأنها الوحيدة التي تؤمن بالغيب والايمان بالغيب حاسم يحل كل المشاكل والايمان الآن صار مشاهدة ونحن نرى ونسمع أن لله تعالى كوناً غير كوننا وما كوننا إلا كحلقة ملقاة في فلاة والعلم يثبت هذا اليوم. هذه الديانات الموجودة كلها خداع وأوهام وليس من دين حقيقي الا الاسلام ولهذا وصّى به الله تعالى كل الأنبياء (ونحن له مسلمون) أي موحدون.

الزخرف: هو إخفاء القبيح. قصر جدرانه تراها كأنها ذهب ولكنها ليست الا تمويه فهذا زخرف وكل شيء قبيح تستره أنت بكلام منمق فهو زخرف كما قال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) الانعام) الكلام المزخرف هو المنمق لكنه في الحقيقة قبيح يُزيّن بجمال مزيّف (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) الاسراء).

الأسطورة: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) الفرقان) هي أفكار خيالية ووثنيات وقصص وضعوها في إطار لغوي جميل على أساس أنها دين.

هذه منظومة الأوهام في القرآن الكريم كتاب الله عز وجل وليس هناك حقيقة كحقيقة هذا الدين.

نعود لكلمة هذه المنظومة الأساسية وهي الخيال: من خصائص الانسان وهو الوحيد الذي لديه طاقة التخيل لأنه خُلِق ليعمر الأرض وإعمارها يبدأ بالخيال ثم ينتهي الى الحقيقة. وكل ما في الأرض من حقيقة بدأ خيالاً والله تعالى أمرنا بأن نفكر بالجنة والنار ونتخيلها حتى تكون من رغباتنا بالجنة وخوفنا من النار ومهما تخيلناهما فهما بعيدتان عن الأصل وقد قال r في وصف الجنة "فيها ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" ومع هذا قال r فكروا فيها أو تخيلوها. ومع أن العقل لن يصل الى الحقيقة لكن علينا أن نتخيل الجنة ونفكر فيها حتى نرغب بها وعلينا أن نتخيل النار ونفكر فيها حتى نخافها فلا نفعل ما يؤدي بنا اليها.

وأصل الخيال فاضل ويستعمل الخيال في الحلال والحرام والنفع والمضرة. والخيال الفاضل أبرز مجموعة من الجماليات والفنون الجميلة تخيل سخاء الله تعالى وكلما تخيلت سخاءه وكرمه تبكي وتخيل الرسول r والصحابة يجعلنا نقتدي بهم. وكثير من مشاكل الناس اليومية على اختلافهم من باب الخيال الذي يصبح حقيقة ،رجل الفضاء، الانترنت، الكهرباء، الطيران كلها كانت خيالاً.

وهناك خيال يُغضِب الله تعالى كان تتخيل قتل الناس او المعصية لكن الله تعالى من كرمه لا يحاسب على الخيال كما جاء في الحديث الشريف "تجاوز الله عن أمتي ما تحدث به نفسها ما لم تفعله" مع أن الملائكة تسمع حديث النفس لكنها لا تكتبه على الناس وهذا من كرم الله تعالى على عباده. وهناك خيال لا يغضب الله تعالى كأن تتخيل مستقبل أولادك وحصولك على نعمة من نعم الله تعالى أو وظيفة. والطب النفسي يشفي بالخيال ويُمرض بالخيال وقد تشرك بالخيال. والخيال يؤدي الى حقيقة أو إلى أثر مادي إما سعيد أو حزين أو خائف أو غيره. وفي الحديث "إن الله يعمر هذه الدنيا بقلة عقول أهلها" فاجعل خيالك عريضاً كبيراً لتعمر الدنيا.

هناك أبحاث ودراسات عن الخيال وهو النشاط الذهني وله أسرار عجيبة يبدأ أوهاماً ثم يصبح حقيقة والأوهام تتطور حتى تصبح خيالاً ثم تصبح حقيقة.

ولا بد من ضوابط للخيال والتفكير (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) الاعراف) أي أطمعهما بشيء لا يكون ولذلك جعل الله تعالى الانسان أعجوبة هذا الكون.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:35 PM
منظومة التكافل (خوّل)

المخوّل– الوكيل – المفوّض- الزعيم– الوليّ – الكفيل –

هذه . منظومة التكافل في القرآن الكريم والتكافل من الكِفل هو المسند الذي يكون خلف ظهر الراكب حتى لا يسقط إذا جمح به البعير أو الفرس والذي يُعبّر عنه في يومنا هذا بحزام الأمان في السيارة. فمن الذي تستند اليه ويمنعك من السقوط والخوف والأذى وكل ما تريد؟

المخوّل: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) الانعام) (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) (فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (49)) الزمر) التخويل هو أن تطلق يد صاحبك بكل ما تملكه ولا يكون إلا في الخَوَل كالمال العظيم الذي لصاحبه أتباع وأنصار أو رجل له هيبة ومكانة. الخوَلي هي الخَوَلي هو الذي يحافظ على أموالك وأنت تطلق يده في كل ما تملك من أموال وأناس وموظفين ومكاتب. والآية (وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) تخاطب كل من له أتباع. كل متبوع له سلطة ونفوذ وأموال يسمى خَوَل وإذا أطلق يدك فيما يملك يقال خوّلك. أنت تكون مخوّلاً في أمر عظيم ويقال خوّلته في أمر عظيم. والكِفل هو الرديف.

الوكيل: الذي يقوم عنك بما تعجز أن تقوم به أنت. لا تعرف كيف تدافع عن نفسك فأنت توكّل محامياً فتستند عليه كما يستند الراكب على الكِفل. قال تعالى (وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي ‎وَكِيلًا (2) الاسراء) الله تعالى يقوم بما يعجز عنه كل الناس. (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (3) الاحزاب) (فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) آل عمران) (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) النساء).

الكفيل: الذي يقوم بحقوق الناس عليك وفي كلا الحالتين أنت عاجز عن أن تقوم بمصالحك عاجز أن تسدد حقوقك وحقوق الناس تحتاج لكفيل قال تعالى (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) آل عمران) ليس بوسع مريم عليها السلام أن تؤدي للناس حقوقهم كل حاجاتها عند الناس وتحتاج لكفيل وهو زكريا. (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) النحل)

المفوّض: الذي يحمل عنك همومك وخوفك وأنت عاجز عنه تفوضه الى من يستطيع أن يقوم به. موسى u بعد أن فاوض فرعون وهددوه ولم يستطع أن يقاوم دولة قال (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)) فردّ تعالى عليه (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) غافر) رب العالمين عندما فوّض موسى u الأمر إليه نصره وسنده وتكفّل به.

الزعيم: (سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40) القلم) (قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) يوسف) الزعيم هو الذي يقيك وينصرك بالسلطة قد يكون ملكاً أو وزيراً أو أميراً أو مديراً له سلطة ينصرك بها والزعيم هو الذي يتفقد الآخرين ويكفل حاجاتهم وأمرهم ليس بماله ولكن بسلطته لهذا استعملت كلمة الزعيم لكل من يتكفل بأمور الناس من حيث السلطة ففي قصة يوسف u مثلاً عندما قال (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) قالها لأنه موظف عند الملك وله سلطة. وهناك من يتكفل من حيث الجاه ويسمى شفيع يشفع للناس عند السلطة.

الولي: الذي يقوم عليك بالنصرة وهو التالي إليك وليس بينك وبينه رجل أو أحد أقرب منه أنت وأبوك مثلاً أو جدك أو ابنك أو ابن ابنك أو أخوك أو ابن أخوك أو عمك أو ابن عمك هؤلاء أقرب الناس اليك. والولي هو الذي يليك مباشرة (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) الانفال) متتالون واحد بعد الثاني لذا لا يمكن أن تتخذوا عدواً ولياً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) الممتحنة).

هذه هي كلمات المنظومة ونلخصها أن التخويل يكون بالنعمة العظيمة والوكيل بالقدرة العظيمة والكفيل بالضمان التام لحقوق الناس والتفويض بالأمان من الخوف والزعيم بالرئاسة والسلطة والولي بالنُصرة وكل كلمة من هذه الكلمات لا تغني عنها كلمة أخرى.

نعود لكلمة المنظومة الرئيسية وهي خوّل لنتحدث عنها: قال تعالى (وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) تخاطب الآية الزعامات ولا تخاطب الأفراد البسطاء. هؤلاء الذين خوّلهم الله تعالى بالسلطة وبملكه وأعطاهم سلطة وقدرة ونفوذاً وجاهاً هؤلاء مصيبتهم مصيبة ساعة الاحتضار ولقد سبق أن تحدثنا كثيراً عن الموت والاحتضار وهو كلام عجيب لو تتبعناه من القرآن والسُنّة بعيداً عن التهويل وسبق أن أشرنا إلى أن العذاب والحساب كله في مكان غير القبر الذي يوضع فيه الميت وقلنا أنه قبر برزخي وليس دنيوياً والقبر البرزخي هو الذي فيه استقرار الروح. باختصار الانسان قبل أن يموت يُتوفّى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) الانعام) (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) الزمر) يتوفاها أولاً ثم يميتها ثانياً والوفاة هي ذهول الانسان عما حوله ومن حوله (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) الواقعة) هو لم يمت والنفس ما زال موجوداً لكنه انتقل الى عالم آخر ويرى الذين سبقوه بالموت وفي تلك اللحظات المسرعة يرى مكانه في الجنة أو النار وإذا وققنا في منظر الميّت نرى إما شبة ابتسامة أو شبه رعب. وكل خطاب الملائكة الى هؤلاء الذين خوّلهم الله تعالى ساعة الاحتضار (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) الانفال) قارن بين هذا في الاحتضار لكنه بين أيدي ملائكة الموت يرونه ويراهم إما بشكل مرعب أو جميل وهناك فرق بين من يُضرب على وجهه أو ظهره لأنه لو أُصِبت بحالة رعب يجمد الدم في وجهك والمحتضر تتمسك روحه بجسده من شدة رعبه فلا تخرج فتضربه الملائكة على ظهره حتى تطلع روحه وتخرج من جسده. قال تعالى (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) الانعام) عندنا سكرات الموت وعندنا غمرات الموت السكرات هو أنه في البداية يشعر المحتضر بخَدَر شديد في غاية اللذة ويشعر بارتياح والاسترخاء والهدوء وعندنا غمرات الموت يكون قد انتهى وراح. هذا في مقابل قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) فصلت) في تلك الساعة يرى المحتضر ملائكة حسان الوجوه في غاية الجمال ويُرفع حب الدنيا من عقله وقلبه تماماً عندما يرى الملائكة التي تبشره بالجنة. كل هذا بـ (لا إله إلا الله محمد رسول الله) الفرق بين هؤلاء وهؤلاء هو التمحيص بلا إله إلا الله قال r "لا أخشى عليكم أن تشركوا من بعدي". هناك حضارات عظيمة هائلة لكن كل هذا زائل وينتهي ولا قيمة لهذه السيادة ولا يبقى إلا لا إله إلا الله قال تعالى (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (6) الانعام) الشيء الوحيد الذي يجعلك متميزاً بين النقيضين هو لا إله إلا الله. وليس على وجه الأرض كلها أمة توحّد الله تعالى إلا هذه الأمة مع أنها مرتبكة ومهزوزة ومتخلفة لكنها أرقى الأمم من حيث أن ما تملكه هو الوحيد الباقي الذي لا يفنى باعتراف كل الكتب السمواية (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2) النحل) هذه الوصية من ابراهيم ومن بعده وموسى وعيسى ومحمد r لم تستقر إلا عند المسلمين حصراً مع استثناءات يسيرة فهناك بعض اليهود والنصارى ممن هم موحدون لكنهم قِلّة أما السملمون فلا يعرف الشرك اليهم سبيلاً وهذا دليل الحديث الشريف الذي ذكرناه. جماعة الرِدّة لم يشركوا ولكنهم منعوا الزكاة لشدة حبهم بالإبل وأهميتها عندهم. والأمة موحدة توحيداً ممحصاً لا يوجد فيه ثلم (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) آل عمران) الاستعمار والاحتلال والنصر والهزيمة كلها من قوانين هذه الدنيا ورب العالمين من سُننه توالي الحضارات قرناً بعد قرن وكل قرن تطلع علينا حضارة تملاً الدنيا ثم تذوب وتذبل وتترك عروقها للتغذى منها الحضارة القادمة. الحضارة الاسلامية أقوى الحضارات بلغت في أربعة قرون ما لم تبلغه باقي الحضارات. وقاصمة الظهر أن تعبد حجراً أو صنماً أو قبراً أو رجلاً أو تُشرك مع الله إلهاً آخر هذا كله شرك يُخِلّ بالموقف اخلالاً كاملاً (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) المائدة) الله تعالى في التخويل يخاطب الذين يتبعهم الناس. واحد خوّله الله تعالى أتباعاً يطيعونه وهو موجود لهذه الساعة وسيبقى الى يوم القيامة وهو محمد r. قضية التوحيد أن تبتعد عن الخضوع لغير الله تعالى مهما كان ولا إله إلا الله توحّد البشرية جميعاً (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) الصفّ) هذه كلمة خوّل والتخويل هو كل من خوّله الله تعالى نعمة ينبغي أن حافظ عليها وسبق أن تكلمنا عن كلمة حرس وأخواتها قلنا أن الحارس يكون من الخارج والحافظ يكون من الداخل يُصلِح ويُرتّب وعلى كل من خوّله الله تعالى نعمة وجعل له أتباعاً أن يُصلح حالهم ويحفظ ذلك بما أمر الله تعالى.

(وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) الانعام) أين شعبك وأين سلاحك وأتباعك؟ لقد جئت فرداً بلا حزب ولا عشيرة تشهد عليك كل خلية من خلايا جسمك وستؤدي الحساب وحدك وحساب الذين أضللتهم (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13) العنكبوت) هناك فرق بين خلفكم ووراء ظهوركم: الخلف جهة وقد يعود لكن إذا ترك الشيء ليس له رجعة يقال تركته وراء ظهري (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) البقرة) لو قال خلفهم لكان ممكن أن يعود لذا كل تعبير بـ (وراء ظهورهم) يعني لا عودة له.

الخطاب في الآية للظالمين فهم المشركون أولاً والمسلمون الظَلَمة وما أعظم الظلم يوم القيامة " الظلم ظلمات يوم القيامة" وهناك فرق بين من يؤمن بالله وفي رقبته حقوق للناس وبين مشرك وليس له حقوق للناس. وفي الحديث الشريف "الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة" حتى الشاة يُسأل الأمير عنها يوم القيامة.

الولي: هو الذي يليك مباشرة أي بعدك مباشرة وأنت وإياه روح واحدة في جسدين. رب العالمين يقول عن الرسول r بعدما أذاه المشركون (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) الاعراف) معنى ذلك أنت عندما تكون وحدك في أية مصيبة متى ما قلت الله وليي انتهى الأمر لأنك أسلمت الأمر اليه ولكن بشرط أن تكون صالحاً (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) البقرة) يتولى أمرك بالكامل. الطفل مهما كان في محنة متى ما رأى أباه نشط. والولاية هي النصرة بالكامل ومن كرم الله تعالى أنه لم يجعل الولاية للرسول r فقط وإنما قال (وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) ما عليك إلا أن تكون صالحاً ومن قوانين النصرة للأمة أن يغلب الصلاح على الفساد حتى لا تموت وأنت تُؤدّب تأديباً موجِعاً إلى أن يموت الجيل الذي سبّب ذلك ثم يُكفّر اللله تعالى الخطايا ثم ينشط الجيل الصالح ثم يتولى الله تعالى الأمر بنفسه وهذه قاعدة مع كل صالحي الأمم. عندما جعل الله تعالى نفسه وليس المؤمنين والصالحين ولكل مهنة صلاحها فالأطباء صلاحهم الاخلاص والحكام صلاحهم العدل والتجار صلاحهم عدم الغش والعلماء صلاحهم قول الحقّ وكل جماعة لها صلاحها فإذا غلب الصلاح على الناس فقد جاءهم النصر من حيث لا يحتسبونه وإذا نظرنا في التاريخ كم من ضعف كنا عليه فانتصرنا لأن الأمة كانت صالحة. عندما كان سيدنا موسى u على البحر وفرعون خلفه والبحر أمامه قال أصحابه (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) الشعراء) فقال لهم (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)) هذه أمة صالحة أمنت وعصت فرعون وهي تابعة له هذا هو الصلاح فتولى الله تعالى الأمر (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) يوسف) فقال تعالى لموسى u (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63)) وكذلك ما حصل مع الرسول r وصاحبه في الغار (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) التوبة).

الوكالة: التوكل والتواكل. التوكل من شروطه أن تقوم بكل ما عليك ثم تقول (توكلت على الله) الوكيل من الأسماء الحسنى. الوكيل هو القادر على أن يقوم بأمرك على شرط أن تستحق ذلك. ونهى الرسول r عن المواكلة وأن يتكل كل واحد على الآخر. وحقيقة التوكل اظهار العجز والاعتماد على الغير هذا في اللغة وفي الشرع هو الثقة بما عند الله تعالى واليأس بما عند الناس ولتكن ثقتك المطلقة فقط بما في يد الله تعالى (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) الطلاق) هذا التوكل المعروف عند الناس.

قال أحد الصالحين : عجبت لمن أصابه مكر الناس وغفل عن قوله تعالى (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) غافر) لأني سمعت الله بعدها يقول (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) غافر) .

خوّل: الله تعالى له نوعا من النِعم: النعم البسيطة التي هي من حقوق الناس جميعاً كالطعام والشراب (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) قريش) هذه النعم لا يحاسب الله تعالى عليها أما النعم العظيمة التي يحاسب الله تعالى عليها كالسلطة والنفوذ (ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ) هذه نعمة عظيمة من أجل هذا على أصحاب النعم العظمى أن يجعلوا لهم أتباعاً وبمجرد ان يخوّلك الله تعالى نعمة يكون لك اتباع كالعلم أوالقبلية أوالحزبية أو المال الكثير جداً هذه النعم العظمى التي تستجلب الاتباع هي التي سيسأل العبد عنها يوم القيامة. التخويل أن تكون خولياً تخوله بكل ما تملك وله القدرة في المحافظة عليه وتنميته ولهذا قال تعالى (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) سبأ) والنعمة الصغرى تدوم أنا النعم العظمى فلا تدوم وإنما هي مخولة تخويلاً فلا يغترّ بها الناس. قال عمر بن الخطاب: ابتلينا بالبلاء فصبرنا وابتلينا بالرخاء فلم نصبر.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:36 PM
منظومة الفراغ (خواء)

خواء– خلاء – فراغ- فضاء– هواء – جوف وأجوف –

هذه . منظومة الفراغ في القرآن الكريم وآخر كلمة في باب حرف الخاء. خواء خوي والخواء نوع من أنواع الفراغ وكل نوع من الفراغ له اسم يقال خالب وخاوي وفارغ وفاضي وأجوف وهوائي وقد استعمل القرآن الكريم كل كلمة استعمالاً دقيقاً بحيث لا تغني كلمة عن كلمة أخرى.

الخلاء: الفراغ بعد انشغال كأن تكون منشغلاً بشيء ثم أصبحت خالياً. كل من كان منشغلاً بشيء ثم لم يعد منشغلاً بشيء أو أحد يقال له خالياً (يقال خالي شغل) أي لم يعد له شغل الآن ويقال ثوب خال من العيوب أي كان فيه عيب ثم لم يعد فيه أما إذا لم يكن فيه عيوب اصلاً فيقال ليس فيه عيوب. قال تعالى (وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) آل عمران) (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) البقرة) هؤلاء كانوا مع المؤمنين ثم لم يعودوا معهم وذهبوا الى شياطينهم. وقال تعالى (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) يوسف) يعقوب u كان مشغولاً بيوسف u فظنّ اخوة يوسف أنهم لو قتلوه يصبح ابوهم خالياً بعد انشغاله بيوسف.

وعندنا خالي وعندنا خلي الخالي هو الذي كان منشغلاً فلم يعد له شغل فإذا لم يكن شاغلاً أو مشتغلاً أصلاً يسمى خلي (يقال ويل للشجي من الخلي). ويقال لفراغ الانسان من شغله خالي.

خواء: فراغ شيء كان مملوءاً لكنه فراغ تك بكارثة (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) النمل) (سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) الحاقة) (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا (259) البقرة) (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) الكهف) (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) الحج) كانت مأهولة فلما أصابتها كارثة أصبحت خاوية فرغت ولم يعد فيها أهل. يقال خلت الديار إذا سافر أهلها كانت منشغلة فخلت. لما تكون البطن فارغة يقال خواء. إذا كان فراغ البطن اعتيادياً يسمى خلاء وإذا كان بمرض يسمى خواء.

فراغ: كل شيء كان ممتلئاً ليمتليء مرة أخرى يقال له فارغ. الفترة بين الامتلاءتين تسمى فراغاً (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) الشرح) فرغ من الصلاة ليصلي مرة أخرى. وتستعمل كلمة فراغ استعمالاً خاطئاً فيما يتعلق بأوقات الفراغ فالفراغ هو عطلة بين نشاطين أو راحة بين حصتين (في المدارس). يخلو الانسان في فترة الفراغ من عمله ليعمل مرة أخرى (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) البقرة) (وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126) الاعراف) كلما انتهى املأه وهي الفترة بين الصبرين. وقال تعالى (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) القصص) فرّغ الله تعالى قلب ام موسى منه تماماً بعد أن كان مملوءاً به قبل أن تضعه في التابوت ثم ترمي به في اليم ليأخذه عود له ثم يمتلئ قلبها مرة ثانية بعد أن ردّه الله تعالى اليها فالربط هو حعل قلبها فارغاً بين فترتين من ساعة القاء موسى في التابوت الى عودته اليها ولو لم يفرّغ الله تعالى قلبها في تلك الفترة لما القته. إذن فراغ تعني كان عنده شغل فرغ منه ثم يبدأ بشغل آخر وهذا الفراغ فضيلة لأنه راحة بين طرفين. قال تعالى (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ (31) الرحمن) عندنا فرِغ يفرُغ أي يقصد وهذا هو المقصود بالآية أي سنقصدكم بالعمل، وعندنا فرَغ يفرَغ وهي الفترة الممتدة بين عملين أو فترة هدوء وخلو بلا عمل.

فضاء: شيء ضيق جداً خرج من ضيقه الى سِعة واسعة فيها فراغ هائل ليس معكم أحد. كأن يكون هناك انسان قد حُبِس في غرفة أو زنزانة ضيقة ثم أُطلق سراحه الى الصحراء يقال أفضى أي ذهب الى الفضاء ويقال بقيت فضى أي في مكان واسع. (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) النساء)

جوف وأجوف: هو الفراغ الباطني .كل فراغ في باطن الأرض أو الكرة أو في بطنك أنت فهو أجوف يقال في جوفه (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ (4) الاحزاب).

هواء: (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) ابراهيم) تخيل المنظر يوم القيامة وقد جاء في القرآن الكريم ذكر الوعيد والنار مع الكفر. فالمشرك بالله تعالى يخرج سريعاً (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ) أي مسرعين بخوف شديد وعيناه مفتوحتان من الرعب ومثبتتان على ما يرعبه ولا يستطيع أن يغلقهما (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ابراهيم). قال تعالى (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ) أي فارغة مع ارتجاف كالقشة في الهواء يرميها الهواء في كل مكان باضطراب وحيرة. يقال الفؤاد هواء ليدل على أنه فارغ جداً لكن بتردد وحيرة وخوف.

هذه منظومة الفراغ في القرآن الكريم وكل فراغ له كلمة تدل عليه مباشرة بدقة متناهية.

نعود لآية عجيبة فهمناها خطأ وترتيب عليها تصرفات خاطئة من الرجال في حق النساء وهي (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) النساء) كل كلمة في القرآن الكريم مقصودة قصداً ولا يحل محلها كلمة أخرى. كل من يطلّق امرأته يخالف هه الآية فإذا أردت الطلاق أو الاستبدال وكنت قد كتبت لزوجتك قنطاراً من الذهب فبأي حق تساومها على مهرها لتسترده أو تجعلها تتنازل هي عن هذا المهر أو أن تعطيك شيئاً بديلاً لكي تطلقها؟ وهذه كارثة لأمرين: الأول لأنهن أخذن منك ميثاقاً غليظاً وكلمة الميثاق الغليظ لم ترد في القرآن الكريم إلا مرتين إحداهما الميثاق الذي أخذه تعالى على الأنبياء بأنهم إذا التقوا محمداً r عليهم أن يؤمنوا به أولاًؤ وينصرونه ثانياً وهذا الميثاق الغليظ هو قضية الكون (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7) الاحزاب). والثاني هو الميثاق بين الزوج والزوجة (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) النساء) كل المواثيق في الأرض تنتج مصلحة مادية أو سياسية أو اجتماعية كالمواثيق بين الدول والأفراد لكن ما من ميثاق على وجه الأرض يبيح لك عرضاً إلا ميثاق الزواج الغليظ فهو الوحيد الذي يبيح العِرض بكلمة زوجتك نفسي – قبِلت. بهذه الكلمة أباح الله تعالى الزوج والزوجة كل منهما للآخر إذن ما من شيء على الأرض يعادل أن تبيح الزوجة لك عرضها أما المهر فهو هدية فقط بمناسبة فرحة الرجل بهذه المرأة التي أباحت له عرضها بميثاق الله عز وجلّّ. هذه الافاضة تعني أنهما كانا في صرة ضيقة لا تفيتح إلا للضرورة كما جاء في وصف آخر (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ (187) البقرة) وقلنا في منظومة الثياب أن الثياب توضع وتُخلع (وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ (58) النور) أم اللباس الداخلي فيُنزع نزعاً (يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا (27) الاعراف) لا يُنزع إلا للضرورة. وبالميثاق الغليظ دخلت بزوجتك وأنجبت منك ووهنت لك عظامها وصانت شرفك ومع هذا تطلقها وما من شيء يوجب الطلاق إلا الخيانة فأنت نعذور فيه والله تعالى أباح الطلاق وهو أبغض الحلال. عِرض المرأة كان مخنوقاً في ضيق ثم أفضت اليك تفعل بها ما تشاء مما ليس فيه نهي وليس لديك قيوج بل فضاء مطلق كل هذا يفعله الرجل وتفعله المرأة لزوجها نتيجة الميثاق الغليظ ومع هذا يطلق الرجل زوجته بعد سنوات من المعاناة والعطاء اللامحدود وبلا مقابل إلا بلقمة العيش ثم يقول لها ردي علي المهر!؟

قال تعالى (وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) النساء) هذا ليس في حالة الطلاق وإنما في حالة المحبة كأن تعطي المرأة زوجها بعضاً من مالها أو من مهرها إذا احتاج الزوج اليه ولكن تعطيه عن طيب خاطر وبحب وغرام وهي مؤمنة بإخلاصه لها هذا هو معنى الآية ولا تفسّر على أنها في حالة الطلاق. أما الطلاق والابتزاز فلا يفعله إلا رجل يأتي يوم القيامة وهو من أخسّ الناس. الرسول r قال في الحديث الشريف"خياركم خياركم لنسائهم" وفي رواية "خياركم خياركم لأهله وأنا خياركم لأهلي" فالخِسّة أن تأتي يوم القيامة وقد ظلمت امرأة أو ابتزّيت امرأة. أما قضية الخُلع فهي أمر آخر وتكون في حالة أن الزوجة لا تريد زوجها ليس لسبب أو عيب فيه وإنما لأمر نفسي فيها هي فمن حق الرجل أن ترد المرأة له ماله فهذا حقه لكن أين الفضل؟ الفضل خير من العدل فالعدل أن أقتصّ منك أما الاحسان فهو أن أعفو عنك. فبدل أن يعطي المطلق زوجته يريد أن يأخذ منها والله تعالى قال (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) البقرة) لم يعطها ولكن يأخذ ما عندها (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) النساء) في مثل هذه الحالات يجب أن نأخذ بحديث المصطفى r الذي ذكرناه. حتى لو كان مهر المرأة قنطاراً من الذهب لا يأخذ منه شعرة واحدة ولكن الآن للأسف يأخذ الرجل من زوجته كل شيء فأي زوج هذا وأي رجل هذا؟! كيف يطمع رجل بأموال امرأة وكيف يأخذ أموالها قهراً؟ ويترك المتعة الزوجية التي شرعها الله تعالى (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) البقرة) البعض يؤذي امرأته ويدفعها للطلاق ويجبرها أن تتنازل عن كل حقوقها وهذا سيحاسبه الله تعالى على هذا ومن نوقش الحساب عُذّب ومن نوقش الحساب هلك كما أخبرنا r. وما أكرم النساء إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم. قال تعالى (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ (34) النساء) وهناك فرق بين أن تشارك المرأة زوجها أموالها طائعة متلذذة وبين أن يفرض الزوج النفقة على زوجته لكن المرأة لها حق بأموالها والاسلام حريص على أن يكون في حوزة المرأة مال دائماً حتى تتصرف به على راحتها.

خاوية: رباالعاملمين من سننه في الكون أن كل قوة عاتية فريدة في التاريخ تستبد في الأرض لا بد أن يأتيها العذاب من حيث لا تحتسب فقوم عاد كانوا أقوى دولة في العالم وقالوا (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فصلت) والتاريخ مليء بأقوام استبدوا في الأرض منها ما كان عادلاً الى حد معتدل ولهم وازع إما قانون أو شرع أو خُلُق وهناك قوة منفلتة انفلاتاً كاملاً ومن سنن الله تعالى أن كل قوة غاشمة لا بد أن يأتيها العذاب من الله تعالى من حيث لا تحتسب (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) النمل) وهذا العذاب من حيث لا يحتسبون سماه الله تعالى في القرآن الأخذ (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) هود) . القرى والقرية في القرآن هي كل مجتمع له حكومة وأعراف وتاريخ كل دولة من دول العالم تسمى قرية في اصطلاح القرآن. وللعلم أن رب العالمين لا يحاسب الناس في الدنيا على الشرك والايمان وإنما على العدل والظلم (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) هود) فإذا كان أهلها مصلحون يحقون العدل فيما بينهم وبين نهم وبين غيرهم يوفقهم الله تعالى وعندما تأتي قوة طاغية تستبد بالأرض يأخذهم أي يستولي عليهم بالكامل وكلمة الأخذ مأخوذة من أخذ الأسير في الحرب. (كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11) آل عمران) معظم أخذ الله تعالى على غرار تسونامي: أعاصير، امطار هائلة، طوفان، رجفة، صيحة، ريح صرصر، قلب (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) النحل) (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) العنكبوت) (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) غافر) (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44) فاطر) (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) هود) (فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10) الحاقة) (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) الحج) (وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) الحج) (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) الشعراء) فالأخذ شامل ويصل الى كل زاوية والله تعالى يُمهِل اصحاب الظلم لعلهم يتوبون حتى اذا أخذهم لم يفلتهم. (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) عاصفة تخلع النخلة من قلبها ويبقى الغلاف الخارجي فأي إعصار هذا؟! هذا عذاب الله تعالى عندما تستبد أمة بالعالم ظلماً وقهراً واحتقاراً لهم وسرقة لأموالهم وثرواتهم تأتيهم أعاصير تدمرهم بثواني أو دقائق. (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) الاعراف) على حين غرة قحط لا نبات ولا شيء، (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) الاعراف) أمراض وأوبئة بما كانوا يفسقون (كالايدز مثلاً) (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) المؤمنون) الله تعالى ينظر الى الحاكم وبطانته فإذا فسدوا وطغوا ولم يتوبوا ولم يأخذ المجتمع على ايديهم يأخذهم الله تعالى.

وأنواع العذاب كثيرة (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) العنكبوت) حجر، عواصف رملية، صيحة، خسف الأرض ليست بمعنى انهيار الأرض وإنما انهيار الدولة ومؤسساتها والناس يذبح بعضهم بعضاً وعصابات وفِرق هذه أساليب أخذ الله تعالى عندما تستبد قوة بالعالم ويشيع الظلم بين الأفراد في المجتمع الواحد يذوقون من المصائب ما لا حصر له. (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) الانعام) اذاق الله تعالى بعضهم بأس بعض وعلى تلك الأمة أن يعودوا لله تعالى (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) الاسراء) ومن آثار العذاب تدمير فظيع وحصيد (ينهيها تماماً)، قاعاً صفصفاً (تراب) وصعيداً جرزاً (محصودة حصداً) فإذا يئس الناس من الصلاح وتنكروا عن كل وازع وإنما أصبحوا حيوانات يأخذهم الله تعالى أخذ عزيز مقتدر (كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42) القمر).

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:37 PM
باب حرف الدال

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:37 PM
منظومة المشي (دبّ)

زحف – خطا–دبّ - مشى – سعى- سار – انطلق – رجِل - سلك -تسلل

هذه كلمات منظومة المشي في القرآن الكريم وسبق أن تحدثنا عن منظومة الجري في حرف الجيم. كل نوع من أنواع المشي في مراحله المختلفة نجد له في القرآن الكريم كلمة تحدد وصفه بالضبط.

زحف: المشي على غير قوائم ومنه زحف الجيش لبطء مسيرته كأنه طفل يزحف على مقعده (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) الانفال) الزحف هو المشي الخفيف مع البطء بدون صوت.

خطا: الخطوة هي المسافة بين القدمين بالمشي وكل من يمشي ويتوقف يقال له يخطو. الخطى والخطوة هو المشي المتقطع المتوقف (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) النور) الشيطان يأخذ الناس خطوة خطوة الى ان يصل بهم الى المعصية. وخطوات كل شيء في العمل مثلاً هو أن تتأمل كل جزء أنجزته ثم تواصل العمل. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208)البقرة) (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) الانعام)

دبّ: أذا انهى الطفل مرحلة الزحف جاءت مرحلة الدبيب بخفة وبدون صوت كما تدبّ بعض الحيوانات بشكل بطيء رتيب بلا صوت (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) هود) وكل من يدبّ على الأرض فهو دابة.( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45) فاطر)

مشى: هو قانون التحرّك للأحياء وهو الحركة الرتيبة التلقائية للانتقال من مكان الى مكان (من غرفة الى غرفة مثلاً) ويسمى مشياً (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) النور) (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22) الملك) (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) الانعام) (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا (195) الاعراف) (قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95) الاسراء) (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (128)طه) (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا (63) الفرقان) (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) الملك) أما إذا سرت من وحدة الى وحدة أو من مدينة الى مدينة يقال سار.

سعى: عندما يبلغ الطفل 15 الى 20 سنة يبدأ بالسعي بالجد والنشاط ولهدف معيّن (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) الصافات) كان اسماعيل u طفلاً زحف وخطا وجبّ ومشى ثم أصبح سعياً. المشي رتيب أما السعي فله هدف معيّن ويحتاج الى نشاط وقوة (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) البقرة) إذا أراد أحدهم أن يبطش بدولة فهو يسعى لذلك سعياً بكل جد وقوة ولهدف معين. (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)) المائدة ) سعوا للفساد ولم يمشوا اليه ، (وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) الاسراء) (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) عبس).

سار: هو الانتقال من وحدة الى وحدة أو من بلد الى بلد. قال تعالى (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) القصص) من مدين الى مصر. وقال تعالى (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (18) سبأ) (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) العنكبوت) (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) الروم) (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) النمل) (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) الانعام).

انطلق: كل من يمشي أو يدب أو يسير أو يخطو أو يزحف يبدأ رتيباً ثم تزداد حركته حتى يسرع إما إذا كان عندك شيء مهم جداً فأنت تقفز قفزة هائلة وتبدأ من أول خطواتك بنشاط وسرعة يقال انطلق. السجين الذي حُبس فترة من الزمن ثم أُفرج عنه ينطلق الى خارج السجن ولا يمشي مشياً. من الخطوة الأولى أنت في غاية السرعة كما تهب العاصفة (فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) القلم) (انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) المرسلات) (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) الفتح) الانطلاق للغنائم يكون بسرعة وقوة.

رَجِل: أي المسافر على قدميه يكون عنده قوة هائلة ويكون سليم الجسم تماماً . كان من المسلمين من يسير على أقدامه من المدينة الى سمرقند والصين ويفتح البلاد ثم يعود هذا يسمى راجل (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) الحج) الراجل والرجِل والرجالة هم الذين يسافرون مشياً على أقدامهم ومن هذا يقال رجل لأنه شجاع ويمشي على قدميه مسافات بعيدة جداً (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) البقرة) المسلمون في دفاعهم عن أمتهم كان معظمهم يمشي على قدميه وقلة منهم على الخيل أو الجمال.

سلك: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) المدثر) السلوك هو مشي في أضيق مكان من هنا جاءت كلمة السلك كأن تدخل خيطاً في مسبحة أو خرز أو ابرة هذا السلك أدخلته في مكان ضيق لم يقل تعالى ما أدخلكم في سقر ولكن قال تعالى ما سلككم في سقر لأن الدخول الى جهنم في غاية الضيق (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) الفرقان) (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) الطور). وقال تعالى (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32) القصص).

تسلل: المشي في اختفاء بحيث لا يراك أحد (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) النور).

هذه هي منظومة المشي وكل نوع من أنواع المشي له في كتاب الله تعالى كلمة تشير الى معناه بدقة متناهية بحيث يفهم السامع من الكلمة المعنى المطلوب مباشرة بدون الحاجة الى عمل اشارات باليدين لشرح الكلمة كما في لغات أخرى.

نتكلم بالتفصيل عن كلمة سعى من هذه المنظومة:

السعي هو المشي الحثيث الجادّ باتجاه هدف معيّن. كلنا نمشي ولكن تأمل نفسك وأنت تريد أن تسافر وقد بقي على موعد الطائرة ساعتان كيف تسعى لتحضر اغراضك وتستحضر كل قوتك. وتأمل كيف أن مصلّياً تأخر عن الصلاة وهو قريبن يسمع الامام يكاد ينتهي من الصلاة تراه يدخل الى المسجد بحزم وعزم وقوة ليلحق بالامام قبل أن يسلّم من صلاته. إنسان يحتفلون بتسليمه جائزة ما تراه يدخل بشكل منظم وقوي وباندفاع وجدية، طبيب يسمع استغاثة انسان فينطلق بحزم وسرعة ليدرك المريض هذا يسمى سعياً. فالسعي هو مشي جادّ حازم تضرب الأرض بخطوات متلاحقة وقوة ولا يشغلك عنه شيء. قال تعالى (وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) الاسراء) إذا تتبعنا كلمة سعى وسعي في القرآن الكريم لوجدناها تشير كلها إلى أن العبد المؤمن عندما يؤدي العبادات ويمارس أفعال الخير عليه أن يكون ساعياً ةليس ماشياً فلا تذهب الى المسجد وأنت تترنح وتتلفت وتتحدث فهذه صلاة لا تؤدي هدفها, الاتباع هو حسن الأداء وحسن أداء العبادات أن تكون ساعياً بها وساعياً إليها ولست ماشياً لها أة ماشياً إليها فتتذكر الله عز وجل في قلبك وتتأمل هذا يسمى سعياً. هناك فرق بين من يصلي ذاهلاً (هذا ماشي) قال تعالى (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)) فالسعي هو الطالب الذي يقضي الليل يحضر لامتحان الغد المهم ويبذل جهده فيه منقطعاً عن الآخرين. قال تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) البقرة) من يمنع الناس عن الصلاة يحتاج لقوة وجهد وتدريب وترصد للمصلين وكم سمعنا أن بعض الدول تتعقب المصلين وبخاصة لصلاة الفجر فيقتلونهم أو يسجنونهم هؤلاء يسعون في خرابها بجد واجتهاد. وقال تعالى (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) القصص) سمع خطة قتل موسى u فذهب اليه في حزم وقوة وقلق على موسى u فهذا سعي لأن وراءه هدف عظيم أدّى به ليكون بهذا الجدّ. كلما رأيت كلمة يسعى في القرآن فهي تعني المشي الحثيث الجاد في مهمة عظيمة (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) الحديد) هؤلاء يكونون قد بلغوا منزلة عالية.

قال تعالى (ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) النازعات) فرعون حشد جنوده في أثر موسى. نفهم من قوله تعالى (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) النجم) و(إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) طه) أن هناك فرق بين من عمل معصية عرَضاً أو اعتباطاً وبين من عمل معصية بسعي. قال تعالى (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22) الانسان) هناك عمل مقبول لكن أن تُشكر عليه لا بد أن يكون هذا العمل سعياً. هناك من أدى الصلاة بدرجة مقبولة هذه يقبلها الله تعالى لكن قد لا يشكره عليها فالصلاة بحركاتها المعروفة تُقبل لكنها لا تستحق الشكر من الله عز وجل وليس فيها طاقة لرفع الدرجات لأنها ليست من السعي الذي يشكر الله تعالى عليه.

رب العالمين يقول (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) الاسراء) هذه الآيات عجيبة فالحياة عمّرها أناس من أعظم القدرات والكفاءات ومشركون وملحدون وأناس عملوا اختراعات جمّلوا بها الحياة يقول r في الحديث: إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله استخلفكم فيها فناظر ماذا تفعلون" تزيّنت الدنيا (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) يونس) يبدو والله اعلم أن هذه الحياة بعد أن تزيّنت وأقامها أناس لا يؤمنون بالله وكان الأحرى بالمؤمنين أن يفعلوا ذلك بدأت المصائب مصداقاً لقوله تعالى (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ) . كل ابداعاتهم درّت عليهم وضعاً سيلدياً في العالم وأعطاهم الله تعالى من عطاء الربوبية الذي يشمل المؤمن والعاصي (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) فالله تعالى هو رب العالمين ولكنه إله موسى وعيسى ومحمدr. وعطاء الربوبية للكل في الدنيا فقط ورب العالمين يعطي على قدر العمل هذه العاجلة يأخذون من الدنيا ما يشاؤون لأنهم ليسوا مؤمنين والقضية المركزية يوم القيامة لا إله إلا الله ومدى تصديقك بها. هؤلاء ليسوا من النوع المرشح للفضيلة وعندما تستبد به القوة ويشمله حديث الفِكاك معناه أن المسلمين في بعض أجزاء التاريخ يعانون من غير المسلمين ما لا نظير له من سرقة لثرواتهم وحروب وتشهير بهم وهناك من غير المسلمين من هم في غاية الأدب والأخلاق العظيمة والله تعالى يفرّق بين المسلم المستبد وغير المسلم العادل. فالظلم عند الله تعالى عام لا فرق بين أن تظلم مؤمناً أو غيره. وفي حديث الفِكاك يقول r "ما من مسلم يستحق النار يوم القيامة إلا جعل الله فكاكه يهودياً أو نصرانياً" إذا ظلمك غير مسلم ظلماً شديداً مع أنك تحب نبيّه فمن العدل أنه كما أفسد عليك دنياك أن يفسد الله تعالى آخرته. يقول تعالى (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) المائدة) فلا يجب أن يسارع المؤمنون لارضاء غيرهم على حساب الدين والمطلوب الصمود وعدم الانجراف وتحمل الظلم وعليك أن تعلم أن لله تعالى يوماً آخر لكن لا تترك دينك خوفاً منهم. أصحاب العاجلة هم الذين ملكوا الدنيا ثم طلموا الناس واضطهدوهم ومن عدل الله تعالى أن يجازيهم في الآخرة فيضعهم مكان الذين ظلموهم. وفي المقابل (وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) ليس عمل صالح فقط وإنما كان سعيه جاداً هناك فرق بين من يقرأ القرآن فلا يجاوز حنجرته وبين من يتدبر كل كلمة وكان r يدعو قائلاً: "اللهم اجعلنا ممن يقرأ القرآن فيرقى ولا تجعلنا ممن يقرأ القرآن فيشقى" هذا السعي هو الذي يبعدك عن الشهوات والمعاصي وهذا هو السعي الجاد القوي. ومن السعي للآخرة السبق زماناً ومكاناً ووقتاً واحد يذهب للمسجد قبل ساعتين من الأذان فيجلس ويقرأ القرآن أن يستمع لدرس علم وواحد يذهب قبل أن ينتهي الامام من الصلاة هناك فرق بين اسقاط الفريضة والسبق للسعي، والسبق الزمني شاب نشأ في طاعة الله تعالى وآخر تاب بعد أن كبُر وشاب ومن السعي أيضاً أن يكون عملك ليس محبطاً وهذه خطيرة جداً (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22) ال عمران) ومن هذه المحبطات المال الحرام: إن الرجل ليأتي بأعمال كالجبال وأخذ قسطاً من الليل ثم لا يجد شيئاً عند الله تعالى قالوا بم يا رسول الله؟ قال بالمال الحرام. وكذلك الغيبة (حديث أكلته الغيبة) والربا والرياء والظلم بأنواعه وترك صلاة العصر يقول r "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله" وترك الجمعة ثلاث جمع بدون عذر كما جاء في الحديث عنه r: "من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه" وفي رواية فإنه منافق وفي رواية أخرى فقد بريء من الله وفي رواية أخرى فلا جمع الله شمله ولا بارك في أمره ألا ولا صلاة له ألا ولا زكاة له ألا ولا حج له إلى ان يتوب فيتوب الله عليه. فما قيمة السعي إذا أُحبِط العمل؟ ومن المحبطات أيضاً البغضاء ولا تنسى أنك قد تدخل الجنة بزيارة مريض وقد تدخل النار بسهولة لأن في قلبك غِلٌّ على أحد فلا يجب أن تهجر أو تخاصم. ومن المحبطات أيضاً إفطار رمضان بغير عذر "إفطار يوم يُحبِط العمل" . ومن المحبطات الفرار من الزحف (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) الانفال) وموالاة العدو والخروج على إمام عادل وتولي القضاء لمن ليس أهلاً وقتل المسلم بغير حق وعقوق الوالدين والزنا بحليلة الجار والزنا بالمغيبة أي زوجة العسكري أو الجندي الذي غاب عن أهله والحسد وكثير من الذنوب التي نتهاون بها هي من المحبطات وعندها لا ينفع السعي. ومن الأشياء الخطيرة التسويف والتساهل وتأخير التوبة وهو من أخطر ما يعانيه المسلم في حياته والرسول r يوصينا "إياكم والتسويف فإن الموت يأتي بغتة".

السعي إذن هو حسن الأداء وهناك فرق بين أن تطيع الله ورسوله وأن تتبع الرسول r أي تتأسى به (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) الاعراف) (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) ال عمران) فالله تعالى يحبك عندما تؤدي العبادات بالسعي (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) والسعي لا يكون إلا باتباع النبي r كما علّمنا :"صلّوا كما رأيتموني أصلي" و"خذوا عني مناسككم" فالسعي أن يكون بمواصفات معينة منها عدم التسويف وعدم احباط العمل بعد أن سعيت فيه سعياً عظيماً. ولنذكر حديث الثلاثة الذين أول ما تُسعّر النار بهم وهم عالم ومنفق وشهيد كل واحد من هؤلاء سعى في الدنيا لكن ليس في نيته الله تعالى أو يخالط نيته شيء آخر فالعالم الذي سهر الليالي يكون من أول من تسعر بهم النار لأنه كان يعمل ليقال أنه عالم فحبط عمله. جزء من الرياء يُحبط العمل فعلى كل ساع إذا سعى وصار فعله سعياً وكان أداءه جيداً فيه خشوع ونهي عن المنكر وصوم بهدف والامتناع عن المحرمات لكنه لم يحسن حسن الخاتمة فعليه أن يتلافى الأمر ومن حسن حظ هذه الأمة أنك تستطيع أن تكون بالقمة إذا صحّت منك التوبة قبل أن تغرغر فاحرص على أن تكون أفعال عباداتك من فصيلة السعي بقوة وبعزم وبجد ومتابعة وبهذا السعي تفوز بالدرجات العالية يوم القيامة وليس بمجرد الفعل فقط. إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.

إن لله عباداً فُطُنا طلّقوا الدنيا وخافوا الفِتنا نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحيّ وطناً تركوها مُجّة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا.

هذا هو السعي الذي هو كلمة واحدة من منظومة المشي فلتحسّن علاقتك مع الله تعالى وليكن فِعلنا من السعي.

منظومة الكبائر: يقول r من قال في اليوم والليلة مئة مرة سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل رمل عالج ما اجتنبت الكبائر وفي رواية ما اجتنبت المقحّمات وهي الشرك بالله وقتل النفس وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين والسِحر وقذف المحصنات والتولّي يوم الزحف فإذا تجاوزنا هذا فإن شاء الله تعالى نكون من الذين نجوا.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:38 PM
منظومة البعدية (دُبُر)

دُبُر – خلف – وراء – بعد – عقب – ردِف -

هذه منظومة البعدية، إذا فعلت شيئاً بعد شيء تسنعمل هذه الكلمات حصراً يقال أفطرت دُبُر غروب الشمس، خلف الغروب، وراء الغروب، بعد الغروب، غقب الغروب) وقد استعمل القرآن الكريم هذه الكلمات استعمالاً دقيقاً وكل كلمة ترسم زاوية وبعدية مخصوصة لا تغني عنها الكلمة الأخرى.

دُبُر: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40) ق) تأتي عندما يكون الشيء وراء الشيء مباشرة مرة واحدة ومنقطع عما بعده. يقال صلّيت دُبُر الأذان أي مباشرة بعد الأذنان ما ان انتهى الأذان قمت فصليت وانتهت الصلاة ولم يعد لها وجود ممتد على الزمن الأتي فقط الزمن الدقيق الوارد الواقع بعد الزمن الأول ومتصل به. تقول مثلاً: جئت دُبُر الأذنان أي مباشرة بعد الأذان دخلت وانتهى الأمر دخولك لم يستمر ولو قلت خلف الأذان لكانت تعني بعد ساعة أو ساعتين أو أكثر. وقوله تعالى (ومن الليل فسبحه) يتكلم عن ركعتي سنة المغرب ما إن تنتهي من فريضة المغرب تصلي مباشرة بعدها السنة فتصلي ركعتي السنة بعد ثلاث ركعات فرض صلاة المغرب مباشرة بدون انقطاع وبدون فاصلة زمنية أو فجوة زمنية ثم ينتهي الأمر عند هذا الحدّ.

خلف: خلفك زمن ممتد قد يكون بعد ساعة أو ساعتين أو أكثر يقال جئت خلفك أو خلف مجيئك أي ان الزمن ممتد لساعات أو أكثر أما لو قلت جئت دُبُر مجيئك أي مباشرة بعد مجيئك وانتهى المجيء مرة واحدة. قال تعالى (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) يونس) خلفك تعني زمن ممتد ، عندما جعل الله تعالى فرعون آية في الأزمنة التالية الى يوم القيامة فكل الأجيال ترى في بقاء جثة فرعون آية عرضة للنظر والتفتيش. فالخلف ممتد والدُبُر مقطوع محدود والدُبُر متصل والخلف قد يكون هناك فسحة. واشتق التخلف من خلف ولا يقال للتخلف تخلفاً إلا عندما يمتد فلا نقول لطالب رسب مرة واحدة أنه متخلف أما إذا رسب أعوام عديدة فيقال له متخلف.

وهناك فرق بين خَلَف أي من يأتي بعدك وخلْف بتسكين اللام وهي تعني الجهة.

وراء: نستعملها استعمالاً خاطئاً فوراء هي البعد المحيط بك احاطة كاملة والشيء الذي وراءك مسيطر جداً ومحيط وله امتداد هائل. قال تعالى (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) هود) لم يقل من بعد اسحق لأنه لا مقارنة بين يعقوب واسحق فاسحق رجل مغمور أما يعقوب فملأ الدنيا هو واولاده وهم حديث الدنيا منذ وُلِد يعقوب قبل الاسلام بألفي عام الى يوم القيامة وحديث بني اسرائيل يشغل الدنيا كلها فأهمية يعقوب بعد اسحق عظيمة. وكل كلمة وراء في القرآن يأتي وراءها شيء عظيم هائل (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) الانسان) ذلك الفزع الأكبر أيّ هول مسيطر عليك يمشي وراءك كأجلِك ويقول r "إن الرزق ليجري وراء أحدكم كما يجري وراءه أجله" فكل كلمة وراء معناها كبير (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) النساء) عندما يصلي المسلمون في ساحة المعركة يحرسهم فريق منهم فتخيّل أي شدّة تحرس المسلمين في ساحة المعركة! (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) الانشقاق) أي هول هذا! وهكذا كل كلمة وراء تعني شيئاً أو شخصاً أو حدثاً عظيماً. قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) الحجرات) حجرات النبي r شيء هائل عظيم فكيف نقلل الأدب في حجراته r وقد أمرنا القرآن بالأدب معه من ناحية خفض الصوت وغض الطرف وهذا لأن الله تعالى جعل لحجرات النبي r وأهله قدسية عظيمة (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) الاحزاب) هذا الوراء مقدّس وله آداب. فلا تأتي وراء وبعدها شيء تافه يقال شربت اللبن عقب الطعام أو بعد الطعام ولكن لا يقال وراء الطعام لأن شرب اللبن ليس بالأمر العظيم. إنما تقول مثلاً صلّيت طوال الليل وراء العشاء لأهمية قيام الليل وقال تعالى (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) الكهف).

بعد: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) آل عمران) لا تقال بعد للأشخاص وإنما تستعمل في أنها تأتي بحدث بعد حدث يقال نجحت بعد أن درست أو شبعت بعد أن أكلت هذه البعدية لا تأتي إلا لحدث بعد حدث ففي الآية الزيغ حدث والهداية حدث.

كل هذه المنظومة إذا جاءت قبلها (من) تعطي معنى مختلفاً. يقال نسيت بعد أن تعلّمت تعني نسيت بعد التعلّم بعشرين سنة مثلاً أو بعدما كبر لكن إذا قلنا نسيت من بعد أن تعلمت فهي تعني نسيت من أول يوم. قال تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70) النحل) تعني كل ما تعلّمته نسيته، وقال تعالى (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا (5) الحج) كل ما تتعلمه الآن لا تفهمه من البداية فقد تكون طعنت في السنّ وخرّفت ولم يعد لك قدرة على تعلّم شيء جديد لكن ما تعلمته سابقاً يبقى فتذكره. وقال تعالى (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) البقرة) إذا اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك الوحي مباشرة تكون من الظالمين. وقوله تعالى (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) البقرة) بقيت مستمر للنهاية إلى أن مِتّ وأنت على هذا ما لم من الله من ولي ولا نصير. ومن هذا يتنبين لنا أنه ليس في القرآن حرف زائد أو حركة زادة كما يقول بعض المفسرين فكل حرف وكل حركة فيها دلالة على تغيير الصورة والمعنى.

عقب: نتيجة لزومية أنت ترتوي عقب شربك وتشبع عقب أكلك وتنام عقب تعبك. الشيء لزوم الشيء فالعقب شيء يأتي بعد شيء وهو من لوازمه (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28) الزخرف) الانسان يتزوج ويأتيه أولاد هؤلاء الأولاد بعده لكنهم من لوازمه. يقال أنا نجحت بعد دراسة سنتين وقد لا أنجح. العقب لا بد أن يأتي مادمت تزوجت وحملت زوجتك فالعقب لا بد أن يأتي. قال تعالى (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) الرعد) بما أنك في هذه الدار فمن لوازمها أن هناك دار آخرة ستأتي دار آخرة عقب هذه الدار لأنها من لزومياتها ولا احتمال في عدم وصولك اليها لهذا لم يستعمل (وراء أو بعد أو خلف) فكما ان ابنك عقبك لزوماً فالدار الآخرة عقب الدنيا لزوماً. وكلمة عقب أعجوبة العجائب وعندنا عَقِب وعُقْب وعُقُب وكل منها تعني شيئاً مختلفاً:

يقال صمت عَقِب شعبان بكسر القاف تعني أنك صمت آخر يومين من شعبان 29 و30 بمعنى الشيء النهائي،

ويقال صمت عُقْب شعبان بتسكين القاف تعني أنك صمت أول يوم من رمضان مباشرة بعد شعبان

ويقال صمت عُقُب شعبان بضمّ القاف هذا الصوم ممتد ويمكن أن تصوم بعد شعبان بأربعة أشهر مثلاً.

قال تعالى (هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44) الكهف) أي مباشرة بعد أن تموت من ساعة أن تغرغر يتصرّف الله تعالى معك لأنه خير ثواباً وخير عقبا.

هذه منظومة البعدية في القرآن الكريم وكل كلمة ترسم زاوية من الصورة لا ترسمها أي كلمة أخرى فقال تعالى (قرآناً عربياً).

ورد في القرآن العقبى والعاقبة والفرق بينهما أن العاقبة هي النهاية والعقبى فهي نهاية النهاية وآخر مرحلة فيها.

نتحدث عن كلمة عقبى كما وردت في قوله تعالى (سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ {24}) في سورة الرعد ونتكلم عن أولي الألباب الذين هم شريحة عظيمة من شارئح الصالحين والصالحين كُثُر ومنهم قوم اسمهم أولو الألباب والعقل كما نعلم يبدأ مميزاً ثم وازعاً ثم متدبراً ثم مفكراً ثم رشيداً (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) هود) ثم يصير لُبّاً الرشد هو أعلى مرتبة العقول فإذا صار العقل رشيداً يُسمى لُبّاً. وقد ذكر أولو الألباب في القرآن كثيراً (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) البقرة) وجزاؤهم في الآخرة علّيون وهي أعلى مراتب الجنة. أولو الألباب هم قمة الصالحين وأصحاب العقول الرفيعة الذين ورثوا الحكمة والمودة والصفاء والصلاح وعرفوا الله تعالى وحقيقة الحياة ولهم طبيعة هائلة من حيث عقلهم. ولهم ميزة هائلة يوم القيامة فلكي يكتمل سرورهم يجمع الله تعالى جميع أهلهم مهما قلّ عملهم ولم يبلغوا مبلغ أولو الألباب من العلم والعمل شرط أن يكونوا موحّدين كما قال تعالى (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ {23}) هذا كله إكراماً لأولي الألباب يدخل من صلح من أهله في نفس مقامه. وأصحاب اللُب يوم القيامة هم كالسفراء في الدنيا يأخذ أهلهم امتيازات عديدة تكريماً لهم وليس لأنهم أهل لهذا التكريم سوى أنهم أقارب السفير وأهله. وكل انسان مرشّح أن يكون من هذه الطبقة العظيمة أولو الألباب.

من هم أولو الألباب؟ ذكر الله تعالى تسعة شروط في كتباه العزيز في سورة الرعد (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ {19} الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ {20} وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ {21} وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ {22} جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ {23} سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ {24} سورة الرعد

ولكي نلتحق بأولي الألباب علينا أن نحقق شروط الإلتحاق وهي:

1. الوفاء بالعهد وهو التوحيد قولاً وعملاً. الله تعالى أخذ على كل خلقه العهد عندما كانوا في ظهر ابيهم آدم في عالم الذرّ والكل شهد بأنه تعالى هو ربنا كم في قوله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) الاعراف) كلنا قلنا بلى والذي بقي محافظاً على هذا العهد أي التوحيد هو من أولي الألباب.

2. كتابة العهد وعمدم نقض الميثاق: عندما أخذ الله تعالى علينا العهد كتب الميثاق والميثاق هو كل كلمة كُتب وكتب في القرآن منها (كتب عليكم الصيام) هذا ميثاق فإذا وحّدت الله تعالى فقد وفيت بالعهد وإذا قمت بالتكاليف فقد وفّيت الميثاق فإذا لم تصلي فقد نقضت الميثاق فالقيام بالتكاليف هي الميثاق. الذين لا عهد لهم وينقضون عهد الله تعالى أي الكافرون والمشركون هؤلاء ليس عليهم تكليف. الوفاء بالعهد يتبعه عدم نقض الميثاق بحيث لا بد لأن تقوم بكل التكاليف.

3. الذين يصلون ما أمر الله به أن يوُصل ألا وهي: الرحم والأمانة والنعمة. ثلاثة متعلقات بالعرش الرحم تقول اللهم إني بك فلا أُقطع والأملنة اللهم اني بك فلا أُجحد والنعمة اللهم إني بك فلا اُكفر. فمن وصل رحمه وأدى الأمانة وشكر النعمة فقد وصل ما أمر الله تعالى به أن يوصل.

4. خشية الله ومخافته: يخشون ربهم ويخافونه، والخشية للجلال والهيبة لله تعالى وهي أن تطيع وثمرتها تحسين أداء الطاعات (إنما يخشى الله من عباده العلماء) من شدة هيبتهم لله تعالى وخشيتهم له سبحانه يعبدونه عبادة متميزة وعلمك محسوب عليك بقدر ما يوفّر لك من خشية الله تعالى فإذا كانت طاعاتك مكتملة تامة فاعلم أن عملك مقبول منك. والصلاة بالخشوع في أدائها والدوام عليها والصوم بلا غيبة والحج بلا رفث ولا فسوق ولا جدال. فالذي يخشى ربه يؤدي عباداته كلها بشكل حسن متقن. والخشية تدفع بك الى الطاعة.

5. الخوف مصدر من مصادر التصرّف (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) البقرة) وأن تخاف ربك شيء وأن تخاف من العبد شيء آخر فإذا خفت الله تعالى لا تعصيه وإن خفت الناس فالله تعالى يعذرك خاصة إن كان خوفك منهم لا لمعصية وإنما لظروف قهرية كما يحصل اليوم أننا نجد من يمنع المصلين من الصلاة في المسجد فيعتقلونهم ويسجنونهم وهذا خوف يعذر الله تعالى فيه (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) النحل). يخافون سوء الحساب بالإبتعاد عن صغائر الذنوب وكبائرها لأنه على يقين أن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور. الخوف يدفع بك الى عدم المعصية. وهناك فرق بين الخشية التي هي تمام الطاعة للمهابة والجلال والخوف من سوء الحساب فعليك أن تكون من أولي الألباب حتى لا تحاسب يوم القيامة لأنه من نوقش الحساب هلك ومن نوقش الحساب عُذّب فمجرد مناقشة الحساب عذاب شديد أما أولو الألباب فيدخلون الجنة بغير حساب وهذا فضلهم.

6. الصبر ابتغاء وجه الله والصبر أنواع : صبر على الطاعات (صلاة، صوم، حج، جهاد، إنفاق، حج) وصبر على المعاصي وهو صبر شديد كصبر يوسف u على اغواء امرأة العزيز وصبر على الشهوات وصبر على البلاء والسقم والجوع والفقر والتعذيب (وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ ) وصبر على النعمة بشكرها وعدم الإغترار بها أو التكبر وعدم إستخدامها في غير طاعة الله وهي أصعب من الصبر على البلاء. إذا كنت صابراً على الطاعات والمعاصي (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) آل عمران) تنفق في السراء والضراء وتكظم غيظك حتى لو اعتدي عليك وتسامح أي صبر هذا؟ يقول تعالى في الحديث القدسي: من كظم غيظه من أجلي وهو قادر على انفاذه كان حقاً علي أن أملأ جوفه رضى يوم القيامة. والعافين عن الناس يعفون ويعطون المذنب لذا قال تعالى (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) البقرة) هؤلاء ينظر اليه أهل المحشر جميعاً كأنه ملك يُزفّ.

7. إقامة الصلاة التي تجعل العبد من أولي الألباب فلا يحاسب وأهله معه والصلاة صلاة الليل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) البقرة) الصبر هو الصوم في اليوم الحارّ والصلاة صلاة الليل هذا مما يجعل أصحابه من الوجهاء يوم القيامة.

8. الإنفاق في السرّ والعلانية، ونفقة العلانية هي الزكاة التي تُعلن ليكون المزكّي قدوة لغيره من المسلمين، ونفقة السرّ هي كل الصدقات غير الزكاة وهذه الصدقات هي دليل العمل ابتغاء وجه الله وليس رياء ولا سُمعة أو للمنة أو التكبر أو أن يقول الناس عن المتصدّق أنه منفق.

9. يدرؤن بالحسنة السيئة: فكلما أذنبوا ذنباً أتبعوه بالإستغفار والتوبة والإنابة إلى الله تعالى حتى لا يُحاسبه الله عليه. وهنا مكمن النجاة فلو كلما أذنبت ذنباً استغفرت أو فعلت حسنة بعد ذنبك مبشارة تدرأ السيئة ودرء السيئات هو قوة وشدة الدفع (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168) آل عمران) (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) النور) (أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) القصص) تدفع السيئة بالحسنة بالصلاة والصيام والاستغفار والتوبة والبكاء والندم والتوبة وتذكر أن ابليس يبكي عندما يتوب المذنب من ذنبه فيقول يا ليتنا ما وسوسنا له هذا الذنب لأن الذنب أورث المذنب توبة غفرت ذنوبه وقد قيل: رُب معصية أورثت ندماً واستغفاراً خير من طاعة أورثت عًجبا. فإذا كنت كلما أذنبت ذنباً كانت توبتك عظيمة وأنّبت نفسك فهذا من الدرء الذي يجعلك من اولي الألباب. ويعلمنا الرسول r "أتبِع السيئة الحسنة تمحها" وقال تعالى (إن الحسنات يذهبن السيئات) وهناك درجات لاذهاب السيئات استغفار ودفع ودرء.

الذين تتوفر فيهم هذه الشروط والصفات فأولئك لهم عقبى الدار (جنات عدن يدخلونها) التي تأتي مباشرة بعد هذه الدار ويدخل معهم من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم مهما قلّ عملهم ومن رحمة الله تعالى أن بعضهم يرفع بعضاً (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) الزمر). فعلى كل عائلة أن تزرع لها واحداً من اولي الألباب حتى يُدخل الله تعالى من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم معهم. لمّا خلق الله تعالى الجنة وخلق قصبتها عدَن قال لها تحدثي فقالت يا رب هنيئاً لعبادك المؤمنين قال وعزّتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل ولا قاطع رحم. وهذان شرطان من شروط الالتحاق بأولي الألباب. والله أعلم أن من عباد الله يخرج شاب أو شابة يُراعى منذ الصغر تُنقى روحه ويحفظ القرآن والأحاديث ويربّى قلبه على السلامة وعلى كل عائلة أن تجتهد ليكون من بينها واحداً من أولي الألباب. هذا الرب الكريم عمل لنا طرقاً وأساليب ولم يبق شيء إلا ويسره الله تعالى انكون من ملوك الجنة "إن لله نفحات فتعرضوا لنفحاته". العهد لا إله إلا الله والميثاق التكليف بأدائها بأي صورة شرط أن لا تكون باطلة فالطريق مفتوحة لتكون ملكاً من ملوك الجنة .

القرآن مثاني فنجد في القرآن الكريم توصيف عكس أولي الألباب وهم (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) الرعد) هؤلاء رغم أن كل الناس قالوا بلى عندما أخذ الله تعالى عليهم العهد ولكنهم أشركوا ونقضوا العهد وقطعوا ما أمر الله تعالى به أن يوصل الرحم والأمانة والنعمة وأفسدوا في الأرض وهذا الفساد في الأرض لم يعد له حلٌ إلا أن يتدخل الله تعالى بشكل مباشر وجزاء هؤلاء (أولئك لهم اللعنة) واللعنة في الدنيا هي أمراض ومصائب وزلازل ونكبات وأعاصير وكوارث ولهم أيضاً سوء الدار في الآخرة وهذا مقابل عقبى الدار لأولي الألباب.

وفي مداخلة لأحد المشاهدين سأل عن كلمة ردِف إذا كانت من ضمن المنظومة فوافق الدكتور الكبيسي عليه (عسى أن يكون ردف لكم)

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:38 PM
منظومة الهزائم

دحض – هزم – دحر –دخر – دفع – أجلى –طرد - شرّد - قهر- أثخن

هذه منظومة الهزائم في القرآن الكريم وهي من الدقة على ما هو مألوف في القرآن من حيث ان كل كلمة ترسم مرحلة من مراحل الهزيمة لا تنفع معها كلمة أخرى. والهزائم نعرفها تماماً من كثرة من انهزم قادتنا حتى صارت الهزيمة لصيقة بهم ولا شأن للجسوش العربية بهذاه الهزائم وإنما تنحصر الهزائم بالقادة.

دحض: أول الهزائم في المعارك هي هزيمة أحد الجانبين في المفاوضات وهذا ما يحصل الآن. الجهد الذي يسبق المعركة في اطلاق النار من مفاوضات يسمى اذا انهزم أحد الجانبين دحضاً. قال تعالى (وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16) الشورى) هذه ليست هزيمة عسكرية وإنما هزيمة سياسية كأن تخسر المفاوضات وتفشل في اقناع العدو. (وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56) الكهف)

هزم: إذا قامت الحرب الحقيقية وتقابل الجيشان واستطاع احدهما أن يجعل الآخر يخسر المعركة وهو في مكانه فقد هزمه. الهزم هو تحطيم العدو في مكان المعركة. مثل هزيمة منتخب لكرة القدم تسمى هزيمة لأن الفريقين ما زالوا في الميدان لكنهم منهزمون. أول مراحل منظومة الهزيمة تخسر المعركة وأنت في ميدانها الجغرافي (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) البقرة) هم لا يزالون في المعركة لكنهم خسروا الحرب. (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) القمر)

دحر: بعد الهزيمة وانتهى العدو (قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) الاعراف) (ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) الاسراء) (دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) الصافات) الدحر بعد خسران المعركة تدفعه بقوة وعنف لخارج ميدان المعركة والدحر لا يكون الا عندما تطارد العدو وقد أخرجته من ميدان المعركة.

دخر: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) النمل) (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) غافر) الدحر قد يكون باذلال أو بغير اذلال. إذا أذللت العدو وأنت تطارده يسمى دخراً. إذن دحض بالمفاوضات، هزم بالمعركة، دحر خارج أرض المعركة ودخر باذلال.

دفع: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) البقرة) أن لا تسمح للعدو بالتقدم وأن تجبر العدو بأن يبقى مكانه ولم تسمح له بالتقدم (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) ال عمران) مرحلة الصمود في المعركة بحيث لا يستطيع التقدم. (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (8) الطور) يتقدم على المجرم حتى يسحقه. (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الحج) (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) المعارج)

أجلى: (وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) الحشر) عندما يخسر احد الفريقين المتحاربين المعركة وينهزم تحصل مفاوضات آنية سريعة إما يتوغل في بلادهم أو يحلوهم من ديارهم كما فعل الرسول r مع اليهود عندما أجلاهم من المدينة. فالجلاء هو اتفاق أن يترك الطرف المنهزم في المعركة دياره ويكون باحترام.

طرد: إذا تم الجلاء بمهانة يسمى طرداً (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) الانعام)

شرّد: هذا الطرد إذا تم بتعذيب وتنكيل ليخاف الأخرون فيهربوا يسمى تشريداً (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) الانفال) هؤلاء هربوا من تلقاء انفسهم خوفاً مما سمعوا أنه حلّ بعيرهم. فالطرد مباشر والشرود عن خوف ورعب مما حصل أو مما سمعت أنه حصل.

قهر: بعد هزم العدو ودحرته ودخرته استوليت على ارادته استيلاء كاملاً وهو ما نسميه اليوم بالاستعمار يسمى قهراً لا تزيد أن تكون عبداً من عبيده يأمرك فتطيع (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) الانعام) (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) الضحى) (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) الاعراف) فرعون استولى على بني اسرائيل.

أثخن: بالجِراح (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) محمد)

ما من كلمة من هذه الكلمات إلا جربناها نحن العرب في هذا العصر وكلنا نعلم أنه لا شأن للجيوش في هذه الهزائم فقد ابلى الجيش العربي في حرب 67 بلاء عظيماً وقد أوشكت أن تتحرر فلسطين. والقرآن الكريم يحدثنا عن اسباب الهزيمة:

أن تكون الحرب غير مشروعة وغير شرعية ومبنية على اكاذيب (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) البقرة) حرب استعلائية وحرب بغي مهما بلغت القوة الغاشمة والبغاة الذين يعتدون على غيرهم فهم مهزومون يوماً لا محالة والتاريخ يحدثنا عن قوى عظمى هربت امام قوة صغيرة.

عدم وجود الطاعة الحقيقية للقيادة فالجيش منهزم مهما بلغت قوته ومن مُقاتل الجيوش العظيمة تمرّد الجيش. وهذه من اسباب الهزيمة في أُحُد (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) ال عمران) إذا دبّ النزاع بين أفراد القوة فاعلم أن الهزمة آتية لا محالة. الله تعالى أمرنا بأن نطيع (واولي الأمر منكم) ولو كان هناك اعتراض فليكن بعد المعركة لكن في المعركة يجب طاعة القيادة حتى لو كان الأمر الصادر خطأ.

الاشاعات (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) الاحزاب)

الاغترار بالقوة التي ليس وراءها أي قيم أو شرعية (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) التوبة) ما من جيش عرمرم للمسلمين كذلك الجيش حتى قال أحدهم لن نُغلب اليوم من قِلّة ونسي أن الاسلام جاء يحارب بقيم ومبادئ والهزيمة كانت نتيجة الاغترار بقوتهم بقي مع النبي r ثلاثة من أهل بيته وكسبوا المعركة وأوثقوا الأسرى. الحرب المقدسة الكريمة الأخلاقية تعتمد على قوة الشرعية والحق الذي يقاتولن من أجله لا على القوة العسكرية (الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76) النساء)

الفُرقة: والأمة في عضرنا الحاضر متفرقين ولا يمكن أن ينتصروا في اي حرب (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) الانفال). كل قرارات الجامعة العربية فاشلة ولم ينفذ منها قرار واحد لأنهم متفرقون.

من اللامعقول أن كل قوة عظيمة غازية إذا كنت تديرها حكومة تظلم شعبها أو أن شعبها يظلم بعضهم بعضاً ويكيد بعضهم لبعض لا ينتصروا إلا بعد أن يزيلوا هذا وكل دول العالم فيها هذا وأمة فيها ظلم لشعوبها تبيده وتظلم وتعذبه لا ينبغي أن تفكر بالنصر حتى على القطط والكلاب.

تواطؤ رئيس الدولة مع العدو كما حصل من حكام العرب في 48 (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) المائدة) الله تعالى غالب على أمره وبدأت الأمور تنكشف وكل ما يجري في العالم العربي الاسلامي من ظلم وقهر هو بداية لنصر ما من حيث ان الاكاذيب والقادة بدأوا ينكشفون أمام الرأي العام وبدأت الأمة تعيد ترتيب امورها وكل صاحب حق مهما كان ضعيفاً لا بد أن ينتصر.

واذا راجعنا تاريخ المسلمين لوجدنا انهم لم ينهزموا من عدو الخارج أبداً وإنما هزيمتهم كانت من الداخل. وطبيعة هذه الأمة المسلمة أن تنتصر برجال كل واحد منهم أمة في حد ذاته وهذه الأمة يقودها واحد تنبهر به أمته ويدفعهم دفعاً الى الأمام وقوانين النصر والهزيمة هي كقوانين الانجاب سواء كانت الأمة مسلمة أو كافرة وإذا حققت الأمة العدل فيما بين شعبها ينصرها الله تعالى في الدنيا وحسابهم على الله تعالى في الآخرة.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:39 PM
منظومة الدخول

دخل – نفذ – ولج- اقتحم- وقب

هذه منظومة الدخول في كتاب الله عز وجل وكل كلمة في المنظومة ترسم نوعاً من انواع الدخول لا ترسمه الكلمة الأخرى وبذلك نبرهن على أن القرآن ليس فيه ترادف اطلاقاً على نقيض ما تعارف عليه العلماء الذين أجمعوا على ان في القرآن مترادف وما من كلمة تشبه الكلمة الأخرى في القرآن الكريم إلا وهناك فارق بينها وترسك زاوية من زوايا الصورة لا ترسمها الكلمة الأخرى.

دخل: الدخول هو الوصول الى باطن الشيء على شرط أن يكون المخرج هو نفس المدخل. عندنا دخل يدخل دخولاً فهو مدخل (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80) الاسراء) وعندنا أدخل يُدخل إدخالاً والادخال يصير مُدخلاً (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59) الحج). المَدخَل من دخل والمُدخَل من أدخل. وعندما يصير الدخول صعباً يقال ادّخل مدّخلاً (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57) التوبة) أي المكان الذي يصعب الدخول فيه فالهارب او الخائف او المنهزم مثلاً يذهب لمكان ضيق يختبئ فيه ويدخله بصعوبة كدخول المغارات. ادّخل يدّخل ادّخالاً فهو مدّخل إذا كان الدخول صعباً. هذا من باب الدخول الى الشيء وفي القرآن مشترك وكلمة دخل بالاضافة الى هذه المعاني تأتي بمعنى الباطل يقال فلان فيه غش وفيه باطل وفيه دَخَل. ويقال دخل في الباطل (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) النحل). إذن الدخول هو الوصول الى وسط الشيء فإذا دخلت فهو مَدخل وإذا أُدخِلت فهو مُدخل وإذا كان الدخول بصعوبة فهو مُدّخَل وكل هذه الكلمات جاءت في كتاب الله تعالى.

نفذ: كل شيء مدخله ومخرجه هو نفسه يسمى دخل مثل بيوتنا جميعاً ندخل ونخرج من نفس المكان فاذا كان المدخل من مكان والمخرج من مكان مقابل يقال نفذ (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) الرحمن) مدخل السماء غير مخرجها وأنت في الفضاء الأعلى تدخل من مكان وتخرج من مكان آخر فأنت تنفذ فيها نفوذا فدخولك على طريقة النفوذ والنفاذ. جميع الانفاق فيها منفذ يقال نفذت من النفق ولا يقال دخلت النفق وفي علامات المرور ما يسمى منفذ وليس مدخل وهذه كلمة في غاية الدقة اللغوية.

ولج: عندما تدخل في مكان ضيق (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) الاعراف) الجمل قيل أنه حبل السفينة وقيل أنه البعير وفي الحالتين يكون من الصعب دخولهما في سم الخياط لضيقه. (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6) الحديد) ليس هناك حد فاصل بين اشتباك الليل والنهار وانما في غاية الصعوبة. الليل والنهار يتشابكان وليسا على وتيرة واحدة فلا ندركهما ولا تشعر كيف يحدث الليل والنهار فلو كان لديك طفل وراقبته على مدى عشرين عاماً لا ترفع بصرك عنه فإنك لن تدرك نموّه وهكذا الليل والنهار يقصران ويطولان ولا ندرك كيف حدث هذا. فكل مدخل ضيق على عقلك او على بصرك او على جسمك او على يدك يسمى وليجة (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16) التوبة) فرق ان يكون لك ولي أو يكون لك وليجة فالوليّ مثل: (اب، جد، اعمام، عشيرتك، لهم نفوذ كامل وأصل في حياتك) وهناك وليجة شخص ليس من عشيرتك لكنه عاش بينكم وانتمى لكم فهذا تصرفه في اضيق حدود وهو ملحق بكم الحاقاً. هذه الوليجة يقدم خدمات ليثبت نفسه. يقول تعالى على المؤمنين في القرآن وهما نوعان: مؤمنون يتخذوا الكافرين اولياء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) المائدة) وعندنا مؤمنين يتخذون من عدوهم وليجة يستعينون به في بعض الامور بشكل خفي وسموه وليجة لأنك تدخل اليه سراً في اضيق مكان.

اقتحم: الدخول الى وسط الشيء مخيف مهلك بقوة وشدة وعنف يسمى اقتحاماً (هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (59) ص) الاقتحام الى النار يكون بقوة ولا يكون بسهولة او سرور وإنما في غاية الرعب والشدة ومن هذه الآية يفهم أن الدخول الى النار ليس على وتيرة واحدة لأن عذاب النار متفاوت فالمشرك الخالد في النار ناره ليست على وتيرة واحدة فبعضهم عذابه أقل أو أكثر من الآخر (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) السجدة) (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) النحل) فالمشرك النافع لغيره لا يكون عذابه مثل عذاب المشرك الذي يظلم الناس ويبيدهم.

وقب: الوقب هو الكوة. كل شيء يدخل في شيء يسمى وقباً (خنجر في نصله، سيف في غمده، قفل في بيته، غلق في مغلقه، الليل عندما يدخل في برجه، الشمس عندما تدخل في برجها (وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) الفلق) يدخل دخولاً غير كريم لأن اليل عندما يدخل في برجه والليل غدّار لا ندري ماذا فيه و لذلك أمرنا بالاستعاذة عند دخول الليل. كل شيء اذا دخل في غمده تتوقع منه خطراً فهو وقب. وفي الحديث: "لعن الله من ناول أخاه سيفه غير مغمود" "لعن الله من أشار لأخيه بحديدة" وافزاع المسلم وإخافته بكلمة أو اشارة من الذنوب العظيمة يوم القيامة.

هذه منظومة الدخول وكلمة (دخل) كلمة فلسفية عظيمة في القرآن والدخول أساس كل مشروع خير وكل مشروع شر وهو الخطوة الأولى في كل خير أو شر فأنت تدخل في رحمة الله، تدخل بيتك، تدخل في الصلاة، تدخل المسجد وهكذا والقرآن يحدثنا عن انواع المداخل والدخول الى هذه المداخل خيرها وشرها.

الاقتحام في النار لا يشمل الكافرين فقط والنار ناران: نار خاصة بالكافرين لا يدخلها موحّد (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) الليل) هذه النار العظيمة خاصة بمن لا يؤمن بالله رباً ولا إلهاً. وهناك نار خاصة بالموحدين الذين يرتكبون المُقحمات والمقحّمات. وفي رحلة الاسراء والمعراج عندما وصل r الى سدرة المنتهى أعطاه الله تعالى ثلاثاً: الصلوات الخمس وخواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله من امته شيئاً المُقحمات وفي رواية المقحّمات. وهذا من كرم الله تعالى وإكرامه لرسوله r وهي بشارة عظيمة على شرط أن تكون من أمة محمد r وليس كل مسلم من أمة محمد r وحتى تكون من أمته r عليك أن لا تكون مشمولاً بأحاديث "ليس منا من" هؤلاء جميعاً مطرودون من هذه الأمة ولا تشملهم الشفاعة (ليس منا من غشنا، من لم يوقر الكبير، من لم يرحم صغيرنا، من ترك الصلاة، من فرّ من الزحف وغيرها). هناك ذنوب تخل بكونك من أمة محمد r: تارك الصلاة، الذي لا يزكي والذي لا يصوم ليسوا من أمة محمد r وأهل الربا وكل من يأكل الربا متعمداً وآكل مال اليتيم عمداً والمراءون من العلماء والدعاة والوعاظ وكذلك القتلة (من قتل نفساً بغير نفس)، والعاق لوالديه وقاطع الرحم عمداً ومات على ذلك قبل أن يتوب والتولي يوم الزحف ومدمن الخمر والمفرّق بين الرسل وأهل البغضاء وقتلة الفتنة وهذا ما نشهده اليوم المسلم يقتل المسلم تحت حجج واهية ومن كيد الشيطان والفتنة تحصد أرواح المسلمين من بعد وفاة الرسول r الى يومنا هذا مع ان الاسلام حرّم القتل الا في حالات محددة وهي النفس بالنفس والثيّب الزاني وتارك الجماعة. أما من كان مواظباً على الصلوات الخمس ومبتعداً عن الكبائر فيغفر الله تعالى لهم اكراماً للمصطفى r.

الدخول: لكل شيء مدخل خير وشر وهناك مداخل شريفة عظيمة وهناك مداخل شر ومن المداخل العظيمة الشريفة في كتاب الله تعالى: دخول الحرم المكي (فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) آل عمران) كل من يدخل الكعبة عليه أن يلتزم بالذل والطأطأة والمهانة لأنه دخول الى مغفرة الله تعالى كاملة. ومن الدخول الجميل لمّ شمل الأسرة كما قال تعالى في سورة يوسف (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ (99) يوسف) ومنه دخول بلد أُجبرت على تركها (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) الفتح) ودخول بيت الغير بالاستئذان وهذا دخول مقدس وعليك أن تغض بصرك وتعرّف عن نفسك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) النور) وهناك دخول الملائكة الى بيوت المؤمنين (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) الرعد) كل بيوت المؤمنين مليئة بالملائكة وهي مجموعات ملائكة للاستغفار وملائكة تحب الأطفال وغيرها ويجب على المؤمن ان لا يضع في بيته ما يمنع بقاء الملائكة فيه او دخولهم اليه ومنه وضع الصور الكاملة او المجسمات أو الكلب الي ليس لك به حاجة أو الجُنُب فعلى الزوجين ان يسارعا بالاغتسال من الجنابة وإلا فليوضأ على الأقل الى حين يغتسلا. ومن الدخول العظيم الدخول في دين الله أفواجا (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) النصر) والآيات الكونية تقرّب الناس الى ربهم كما نرى هذه الأيام. والدخول الى أماكن السعادة والشفاعة في الدنيا والآخرة والدخول في الصل بين اثنين أو الدخول في السم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) البقرة) والسلم هو السلام او الاصلاح بين اثنين. والدخول لأماكن المغفرة كبيت المقدس والبيت العتيق وكذلك الدخول لبد غريب بشكل آمن (وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ (99) يوسف) والدخول الى بيت إذا دُعيت اليه ومن أعظم الدخول الدخول في زمرة الصالحين (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) العنكبوت) فعليك أن لا تكتفي بأن تكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وإانما ترتقي لتصبح من الصالحين وهم الشريحة الرابعة بعد الأنبياء والصديقين والشهداء هؤلاء تخصصوا في الصلاح حتى اصبحوا من الصالحين. وكذلك الدخول في باب من أبواب الرحمة (فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175) النساء) ورحمة الله تعالى وسعت كل شيء ولا يمكن حصرها فإذا أدخلك الله تعالى برحمة من رحماته فقد نجوت.

قال تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31) النساء) كل مدخل كريم هو المدخل الذي ليس فيه إهانة ولا مذلة ولا ضيم وما عليك إلا أن تجتنب الكبائر وتستغفر من الصغائر إذا ارتكبتها حتى تصبح من الكبائر لأن الاصرار على الصغيره يجعلها كبيرة.

وكل نوع من أنواع الدخول له دعاء خاص به (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80) الاسراء) (وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) الفلق) والدعاء مخ العبادة والذين يقوم على الدعاء ولا تستقيم عبادة لمسلم إلا بالدعاء فإذا خلت العبادة من الدعاء فهي ناقصة والمسلم يحصل بالدعاء على مرتبة لا يحصل عليها بالعبادة وقد تكون من أشد العابدين وتصل لمرحلة محدودة وغيرك عبادته أقل ولكنه يصل الى مرحلة أعلى منك وذلك بالدعاء. (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) النور) السلام عند دخول البيت دعاء وكل حركة في اليوم والليل فيها دعاء مأثور وبه تأمن مكر الله تعالى لأن الدعاء مخ العبادة. وقال تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) غافر) أمرنا تعالى بالدعا ووعدنا بالاستجابة ولا يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة لم يذكروا فيها اسم الله ولا تصلح عبادة بدون دعاء. ةمن دعاء الرسول r : اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج. يعلمنا r الدعاء في حالات الدخول وحالات الدخول الضيقة وفي الشدة ففي أُحُد اجتهد r بالدعاء حتى بان ابطيه فنصره الله تعالى لشدة ابتهاله ودعائه ٍ.

وعل المسلمين أن يتعلموا ثقافة الاستغفار في هذه الأيام ويكثروا من الاستغفار الذي يجعل من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ويرزق الله تعالى به المستغفرين من حيث لا يحتسبوا والله تعالى أقرب لعباده فعلى الأمة أن تتعلم ثقافة الدعاء والتضرع الى الله تعالى في كل حالة ويقول تعالى في الحديث القدسي: أنا جليس من ذكرني.

ومن دعاء الإمام أحمد في ساعات الشدة والضيق كما رواه الإمام الجوزي: يا دليل الحيارى اهدنا دليل الصادقين وأدخلنا في عبادك الصالحين.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:40 PM
منظومة الوجاهة

الوجاهة– الدرجة - المنزلة - الزلفى – الوسيلة -المقام - القدر

هذه هي منظومة الوجاهة في القرآن الكريم.

الوجيه: هو ان يكون للشخص وجه في مجتمعه وجه مقبول إذا حضر يُعد وإذا غاب يُفقد وإذا سأل يعطي وإذا طلب أجيب وإذا شفع يشفّع ويحبه الناس ويقومون له إذا أقبل ويودعونه إذا غاب هكذا هو الوجيه كما قال تعالى في سيدنا عيسى ابن مريم u (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) آل عمران) هذه الوجاهة ترتب لصاحبها عذة ألقاب وعدة كلمات جاء بها القرآن فلا تكون وجيهاً إلا إذا ترقيت درجات في مجتمعك ثم صارت لك منزلة ثم صارت لك زلفى ثم صرت وسيلة ثم كان لك مقام ثم كان لك قدم صدق ثم كان لك مقعد صدق وهذه أمور تجري في الدنيا والآخرة كما قال تعالى (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) وهذه الكلمات القرآنية قد تتحقق في الدنيا كما تتحقق في الآخرة.

الدرجة: هي مراحل الصعود ولهذا الدرجات كثيرة على خلاف المنزلة فهي واحدة. مثلاً أنت تترقى في الجامعة من معيد وهذه درجة فتصبح مدرساً وهذه درجة أعلى ثم تصبح استاذاً مساعداً ثم استاذاً مشاركاً وهكذا وكذلك في الجيش : ملازم، ملازم أول، نقيب، رائد، عقيد، عميد الخ. وهكذا في كل الصعود في الحياة فكل من له منهج صعود حتى الطالب في الابتدائية ثم المتوسطة ثم الثانوية ثم الجامعة فالحياة كلها درجات لكن أعظم الدرجات في الآخرة (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) الاسراء) فالقرآن الكريم يصف الدرجات في قسم منها (أعظم) (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) الحديد) وهناك درجة عالية (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (75) طه) إذن فالدرجات مراحل متعددة تنتقل من درجة الى درجة أعلى فإذا وصلت الى أعلى الدرجات كانت تلك المنزلة.

المنزلة: هي الدرجة الرفيعة النهائية ليس فوقها درجة فمثلاً حين يقال فلان درجاته عالية فإذا بلغ القمة نقول صار له منزلة عظيمة فالمنزلة إذن هي نهاية الدرجات كما قال النبي r " إن العبد لتسبق له المنزلة عند الله فلا يبلغها بعمل فيسلّط الله عليه الهمّ والحزن فيبلغها بذلك" وقال r : "أنزلوا الناس منازلهم" فأي إنسان عليك أن تضعه في الدرجة العليا التي يستحقها لا تنقص قدره عن درجته. فالدرجة هي التوجه صعوداً صعوداً حتى تصل الى المنزلة.

الزلفى: القرب من الملك أو الحاكم فالملك له حاشية وجلساء في مجلسه أناس تعوّد الناس أن يروهم في مجلس الملك هؤلاء من أهل الزلفى. (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (25) (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (40) ص) (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) الزمر) يجعلونا دائماً مع الله، عند الله (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ {س}(206) الاعراف) هذه العندية هي الزلفى لأنه قريبة من الماك سواء كان الملك في الدنيا أو ملك الملوك يوم القيامة هذه هي الزلفى. إذا كنت من أهل الزلفى أي من الجالسين عند الملك أو الأمير دائماً فالزلفى لها صلاحيات تجعل لك وجاهة كل ذلك من اسباب الوجاهة فإذا كانت لك درجة رفيعة فأنت وجيه فإذا بلغت القمة في الزلفى فأنت في مقعد الصدق. ومقعد الصدق هو الذي يجلس عن يمين الملك كما ورد في الأحاديث "الذين عن يمين الله وكلتا يديه يمين، اثنان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه – وجبت محبتي للمتزاورين فيّ".

الوسيلة: أعظم من الزلفى وأعظم من مقعد الصدق لأن هذه الوسيلة هي التي يمكن لصاحبها أن ينوب عن الملك في صلاحياته فهذه هي قمة الوصول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) المائدة) (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) الاسراء) والوسيلة كما قال r "مرتبة عظيمة يوم القيامة لا تنبغي الا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا فمن سأل لي الوسيلة وجبت له شفاعتي" فالوسيلة هو الذي يتصرف يوم القيامة بالنيابة عن الله عز وجل يخرج من يشاء من النار ويدخل من يشاء الى الجنة تلك هي الشفاعة الكبرى وهذا هو قدم الصدق.

قدم الصدق: الذي لا ترد شفاعته (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (2) يونس) وهو سيدنا محمد r الذي لا ترد شفاعته أبداً فعندما يقول r :"من يقول سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم في اليوم مئة مرة غفر الله ذنوبه" وكثير من هذه الأحاديث في هذا الباب فيقولون أن الله تعالى لم يقل ذلك لكن الله عز وجل أعطى النبي r الصلاحيات فإذا قال r شيئاً من هذا القبيل فإنه يجيبه الى ذلك فكأن الله تعالى أعطاه شيئاً من صلاحياته (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) الانبياء) هذه الرحمة منها ما وكله الله تعالى اليه فقال له r قل ما شئت وأنا أقبل وأجيب ولها سمى المولى عز وجل نفسه رؤوف رحيم وسمى المصطفى رؤوف رحيم ورب العالمين لم يعط هذين الاسمين لأحد من خلقه إلا للنبي r.

هذه الوسيلة هي كتائب الملك ينوب عنه وأحياناً يصدر أوامر وتعليمات من غير أن يرجع الى الملك لأنه هو خوّله بذلك. وقال r : "ألا وإني أُوتيت القرآن ومثله معه".

المُقام: دار الاقامة (خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) الفرقان) (الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35) فاطر) الجنة والفردوس الأعلى من دار الاقامة. والمقام هو نوع من الوجاهة في الشدائد والوجهاء أنواع كل في مجاله ((وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) الاسراء)) فمثلاً شخص وجاهته يستعملها لنصرة المظلومين وآخر في الصلح بين المتخاصمين وهكذا فالمقام هو من يلجأ اليه الناس لوجاهته في شدائدهم (الفقر، المرض، العدو، المحن وما الى ذلك) يتوخون منه أنه قادر على أن يخفف آلآمهم وأحزانهم وأن جدون عنده ما يحتاجونه هذا مقام (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) الرحمن) فيوم القيامة الناس في تلك المحنة العظيمة في الحشر ذلك الفزع الأكير فمن الذي يقوم على أمر الناس ومن الذي يفزعون اليه؟ الله عز وجل في تلك الشدة.

القدر: (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) الطلاق) وقد سميت ليلة القدر لأن فيها قيمة عظيمة عند الناس فكل من له قدر له مواصفات عظيمة تجعله في أعين الناس كبيراً هذا هو القدر كل ما كبر الأمر سواء أكان عليماً أو عالماً أو حاكماً أو مشروعاً عظيماً أو غيره فكل شيء له قيمة هائلة عند الناس وقيمة أساسية يسمى له قدر.

هذه هي منظومة الوجاهة وكل هذه الكلمات تصب في أنك وجيه (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) كسيد الخلق سيدنا محمد r وسيدنا عيسى ابن مريم u وكل الأنبياء وكثير من أتباع الانبياء وهناك وجهاء من الأمة في الدنيا والآخرة من صالحين وعلماء ومجاهدين وشهداء وكل هؤلاء يشفعون يوم القيامة فلكل ذي قيمة وقدر يوم القيامة شفاعة والكثير من الصالحين يدّخرون هذه الوجاهة للآخرين وليس لأنفسهم فإذا كان وجيهاً وطلب لنفسه سقطت وجاهته فمن عناصر الوجاهة أن لا يطلب لنفسه بل للآخرين أما هو فالملك أو الحاكم هو الذي يعرف قدره فيعطيه فإذا أعطاه قبِل أما أن يسأل فهذا ليس وجيهاً وهذا معنى كلام المصطفى r الذي ادّخر شفاعته ليوم القيامة

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:40 PM
منظومة العلم والتعلّم

قرأ – تلا – درس عرف - علِم

هذه الكلمة المقدسة التي هي أرقى ما في هذا الكون ومن علامات الرفعة. وترتبط هذه الحلقة بالحلقة السابقة ومنظومة الوجاهة ولهذا نلخص ما جاء فيها لنربط بين الحلقتين:

الوجاهة أن تكون مقبولاً عند الملك أو عند الناس مسموع الكلمة كما قال تعالى عن عيسى u (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) وعن موسى u (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) الاحزاب) ونلاحظ أنه تعالى عندما ذكر عيسى u قال أنه وجيه في الدنيا والآخرة وعندما تحدث عن موسى قال وجيهاً فقط وذلك لأن عيسى u أجمع عليه كل الناس وكل البشرية تعتقد أنه مرسل من عند الله تعالى سواء كان مسلماً أو مسيحياً بينما موسى u قال فيه تعالى (وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69)) من حيث من آذاه من بني اسرائيل وهو ليس محل اتفاق عند الناس جميعاً. والوجاهة توصلك للدرجة والدرجة هي ان تتقدم خطوة خطوة لتصبح صاحب منزلة (فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا) فإذا وصلت لآخر درجة تترقى اليها بالدرجات يسمى المنزلة كما جاء في حديث النبي r : " إن العبد لتسبق له المنزلة عند الله فلا يبلغها بعمل فيسلّط الله عليه الهمّ والحزن فيبلغها بذلك" والمنزلة أعظم مكان يصله الانسان في الدنيا والآخرة والمكانة أي صاحب قوة الذراع الضارب للملوك ينفذ أوامر الملك بقوة ودقة كما قال تعالى في جبريل u (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) التكوير) مكين أي صاحب مُكنة يفعل ما يفعله بسهولة ويسر يأمره الله تعالى فيرفع قوم لوط ويقلب بهم الأرض وكل معجزة في الأرض يرسل تعالى جبريل u لينفذها (في بدر، قوم لوط، وغيرها) كما في الدنيا رئس المخابرات أو الجيش هم ذراع الملك الضارب. وعندنا الزلفى أي أن تقترب من الملك كثيراً وهذا عندما يقرّبك الملك لصفة من الصفات (نسبك، كرمك، شمائلك) كما قال تعالى في ابراهيم u (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ) لشدة سخائه u. وعندنا المقام (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) الرحمن) (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) الاسراء) والمقام هو الذي يلوذ به الناس عند الشدائد وأسبابه الدراية والجَلَد وحب الناس. والوسيلة هو الذي ينوب عن الملك في كل صلاحياته (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) وكل واحدة من هذه الكلمات في منظومة الوجاهة لها اسباب: تكون وجيهاً بشمائلك ، درجات لتقدمك في العمل، المنزلة اكتمال جهودك كلها، المكانة بالقوة والتفوذ، الزلفى حب الملك لا الناس، المقام كفاءة في خدمة الناس والوسيلة ثقة الملك العاليه بنائبه وكل هذه المجموعة تحصل لواحد من الناس بعمل إذا كان من اشتقاقات كلمة علِم الكلمة المقدسة في كل الأديان وفي كل المفاهيم (علم، عالم، عليم، اعلام، يتعلم) هذه الكلمة تدير العالم الحضاري والمدني فلا حضارة ولا مدنية إلا بهذه الكلمة فإذا كنت واحداً منها نلت الوجاهة والمنزلة والدرجة والزلفى والمقام والوسيلة ولذلك سماك الله تعالى (الربّاني) في قوله تعالى (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) آل عمران) هذه المنظومة أقدس ما يتقرب له العبد فأن تتعلم مسألة أفضل عند الله من أن تصلي ألف ركعة وأنت تجتمع مع اثنين أو ثلاثة تتدارس مع أحد مسألة أقوى عند الله من أي عمل والكلام في العلم كثير يقول r أن العملية التعليمية زمرة عظيمة وكل من يعمل معهم سواء من برى لهم قلماً أو سقاهم ماء أو صنع لهم طعاماً هؤلاء يأتون زمرة واحدة لقدسية المنظومة. هم ربانيون وما نسب تعالى أحداً اليه إلا أهل العلم.

قرأ: هو جمع الحروف والقُرء هو الجمع. لا يقال قرأ الباء وإنما يقال نطق الباء فالقراءة هي جمع الحروف لتصبح كلمة لها معنى فتنطلق منها الى بقية المراحل التعليمية (اقرأ كتابك) القراءة أي عندك قدرة على تجميع الحروف فتعرف ان هذه الكلمة تعني كذا. والفرق بينك وبين غيرك أنك تقرأ وتكتب وغيرك أميّ لا يعرف الحروف ولا يضنع بها كلمة وأُخِذت كلمة الأمي أي كما ولدته أمّه. والقراءة هي مرحلة أولية للعملية التعليمية وأول ما أُمِر به النبي r (إقرأ) أي أن يجمع حروف الكون ليفهم معانيه. مجرد نطق الكلمة هو القراءة وهذا ما يفعله الأجانب عندما يقرأون القرآن.

تلى - التلاوة: إذا كان يعرف المعنى ويتحقق منه ويحسن استنباط المعاني المقصودة من الكلمة الي قرأها تسمى تلاوة وحتى لو لم يعرف المعنى فالتلاوة قراءة مع فهم واستباط للمعنى وكلما تقدم استنباطك للمعنى تزداد تلاوتك حتى تصبح حق التلاوة ومن اعجاز القرآن قوله تعالى (الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) البقرة) القرآن فيه أيات محكمة وآيات متشابهات فالمحكم من الآيات ما تعلق بالعبادات والمتشابه منها التي تتكلم عن العلوم وغيرها. ويقول تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7) آل عمران) يقال ان اليهود والنصارى إذا آمنوا فهم يتلون الكتاب حق تلاوته ويفهون من آيات الكتاب ما لم يفهمه المسلمون الى عصرنا هذا وذلك لما لهم من خلفية بالكتب السابقة التي نزلت قبل الاسلام ويقول رب العالمين بأن من أهل الكتاب من يستنبط من هذا الكتاب لأنهم يتلونه حق تلاوته ويستنبطون معاني أرادها الله تعالى. وهناك بعض المستشرقين والمنصفين الموضوعيين من تكلم عن القرآن كلاماً لم يصل اليه المسلمون ومنهم غارودي ولويس بوكاي واكتشفوا من علوم القرآن ما لم يكتشفه المسلمون. كل تلاوة قراءة وليست كل قراءة تلاوة فالتلاوة هي قراءة بتدبر وعمق وهي أخصّ من القراءة.

درس: الدراسة تأتي بعد القراءة والتلاوة وهي أن تستوعب كل ما تتلوه فأنت تقرأ الكتاب أولاً ثم تتلوه بحيث تفهم معانيه ثم تدرسه بحيث لم يعد في هذا الكتوب أمامك شيء لا تعرفه وكل ما هو مكتوب أصبح في دماغك كما تدرس الآثار (آثار انمحت كقصر أصبح خراباً ثم آثاراً ثم درست فلم يبق منها شيء). اعتبر الكتوب أمامك بناء لم يعد فيه شيء إلا نقلته الى دماغك ف:انه درس. قال تعالى (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) وفي حديث النبي r كلام في غاية الاعجاز : " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم الاحفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت علهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده" يتولنه تلاوة متدبر عالم ثم ينقلون المعلومات من المكتوب الى عقولهم ف:انهم درسوه أي انمحى ما فيه لأنه نُقِل الى عقولهم وهذا الفرق بين درس وقرأ وتلا بعدها ننتقل الى عرف وعلم.

عرف: هو التعلم التدريجي والمعرفة متدرجة (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93) النمل) وكل علوم الأرض التي اصبحت حقائق ثابته بدأت معرفة ثم تطورت جيلاً بعد جيل الى ان اصبحت علماً يقينياً وما من علم إلا بدأ بالمعرفة ثم انتهى الى العلم اليقيني قال تعالى (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19) محمد) لا يختلف بها الا مكابر (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) النمل).

علم: بعد القراءة تلاوة ثم دراسة ثم معرفة ثم علم لذلك يقال فلان عارف بالله ولا يقال عالم بالله وليس في وسع العقل البشري بقوانين الدنيا أن يصل للتعرف الى الله تعالى معرفة يقينية أي معرفة ذاته وصفاته سبحانه لأنه كما قال تعالى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) الانعام) العبد يقال له عارف بالله (متدرج) ولا يقال عالم بالله أما الله سبحانه وتعالى فمن اسمائه العليم وليس العارف والله تعالى هو العالم لأن علمه قطعي وليس تدريجياً.

هكذا هي المنظومة المقدسة كما هي وأول علاقة بين العبد وربه هي العلم (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) البقرة) مع آدم ومع داوود u (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) الانبياء) ومع الرجل الصالح في سورة الكهف (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65)) ومع موسى u (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) الكهف) ومع عيسى u (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) المائدة) ومع محمد r (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) النساء) فالتعليم هو العلاقة المقدسة بين الله تعالى وعباده وأنبيائه ولذا قال موسى (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) طه) وما من شيء أقدس ممن أن تكون عالماً أو متعلماً.

وفي الحديث الشريف عن الرسول r : " الناس عالم ومتعلم ولا خير فيمن سواهما" وقال u :" الناس عالم ومتعلم وما سواهما رعاع وهمج" إا كنت من العلماء أو المتعليمن فقد فزت بكل المراحل في الوجاهة فتكون وجيهاً ذا مكانة وزلفى لأنك صرت ربّانياً (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) حينئذ هذه المنزلة العظيمة جعلها الله تعالى مع الأنبياء تماماً وجعل العلماء كذلك (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) آل عمران) أولو العلم أي كل ذي علم ويقول r :" من جاءه أجله وهو يطلب علماً لقي الله يوم يلقاه وليس بينه وبين الأنبياء إلا درجة النبوة"

ما من منزلة من منازل الوجاهة إلا وتنطبق بمجملها على العلماء والمتعلمين وطلاب العلم الذين تفرض الملائكة لهم أجنحتها رضى بما يفعلون. هذه المنظومة هي المتجلية يوم القيامة وما من أحد يسبق العلماء يوم القيامة لأنهم يُبعثون مع الأنبياء ولو تتبعنا القرآن لوجدنا أن كلمة العلم والتعلم مع الأنبياء والصالحين أعجوبة العجائب.

هناك علوم خاصة بالدنيا وفيها نقص كما ه الآن فهناك علوم بلغت مرحلة متقدمة مما كشف الله تعالى به للغربيين فجعلوا الحياة الدنيا في منتهى الراحة وملكوا الدنيا بالمواصلات وغيرها من الاكتشافات والاختراعات لكن هؤلاء لم يقترن عملهم في مجالات الدنيا بجان الآخرة ولذا فهو ناقص (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) الروم) فهذه الأجيال اهتمت بالخدمات الدنيوية التي تسهل الحياة ونسيت الآخرة كما فعل الغربيون وهناك من اهتم بعلم الكهنوت والآخرة وحارب من يعمل بالعلم الدنيوي واعتبروه من الشياطين وهذا خطأ لأن كلاً منهما ينقصه الجانب الآخر والله تعالى يقول (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) القصص) ولكي يكتمل العلم يجب أن نجمع بين العليمن وليس الرجل رجل الدنيا وليس الرجل رجل الآخرة وإنما الرجل رجلهما. ولا بد أن يذهب لعلم الدنا والآخرة والحديث عن رسول الله r لما رأى r شخصاً صائماً وأصحابه يظلونه فسأل r ماذا يفعل؟ قالوا صائم وأصحابه يظلونه فقال r من أين يعيش؟ قالوا يكفونه فقال r كلهم خير منه. والاسلام دين وسطي متوازن "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً" وهذا هو التوازن المنطقي الصحيح علوم الدنيا والآخرة مع بعض وعندما تعمل للدنيا لرفاهية الناس فهذا في غاية العمل المطلوب يوم القيامة ويكفي أن تعلم أن عبداً أدخله الله تعالى الجنة في أرقى مستوياتها لأنه رفع شوكة عن الطريق فما بالك بمن عبّد الطريق والذي صنع الطائرات؟! لكن العلم الدنيوي لا يُحتسب إلا إذا كلن صاحبه يؤمن بالله تعالى وإلا فيأخذ مكاسبه من الدنيا ولا تجتمع مكاسب الدنيا والآخرة إلالمن يؤمن بالله رباً واحداً وإلهاً واحداً والتوحيد هو اساس قبول العمل في الدنيا والآخرة وكل ما تفعله في الدنيا من اختراعات واكتشافات إذا كنت تؤمن بالله رباً واحداً يحسب لك عملك في الدنيا والآخرة: داوود u علّمه الله تعالى صنعة لبوس لكم (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) الأنبياء) اي صناعة الدروع وألآن له الحديد فصنع الدروع (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) الحديد). وهناك بعض العلوم أفضل من بعض لكن هناك ايضاً علوماً اجرامية في الدنيا والآخرة كالأسلحة الفتاكة التي ابتلينا بها في هذا العصر مثل القنبلة الذرية التي قتلت في لحظات مئات الآلآف من الناس (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) البقرة) إذا قويت شوكته يسعى في الأرض ليهلك البشر والزرع من أجل مطمح كاذب. هذه العلوم الاجرامية يبين الله تعالى أنه لا بد أن تنقلب على اصحابها (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) الجن) و (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) النحل) بصناعاتهم التي أرادوها قوة وجبروتاً تنقلب عليهم كما حصل مع الروس الذين طغوا واستبدوا حصل تسريب بسيط في المفاعل النووي تشيرنوبل أدى الى مقتل 120 ألف شخص في ليلة واحدة وما زالت روسيا ومن حولها يعانون الى هذه اللحظة من السحابة النووية وتأثيرها على الناس والزرع. وهكذا كل قوة ظالمة باغية مهما كان وراءها من اساليب العلم إذا استعمل في الظلم والطغيان يتدخل الله تعالى فتنقلب الأمور عليهم. هناك فرق بين الظلم والطغيان فالظلم هو بين الناس يتظالمون وكل واحد يدفع الظلم عن نفسه وهناك محاكم يدفع الظلم أما الطغيان فلا يمكن أن تدفعه كالاعصار ماذا يمكنك أن تفعل مقابل الاعصار كما حصل مع اعصار تسونامي؟! هذا قدر الله تعالى في ملكه من حيث أنه أعطى كل الأحياء وسيلة للدفاع عن نفسها الى حد معلوم إذا قابلتها قوة طاغية لا يمكن دفعها عنها يتدخل الله تعالى بشكل مباشر فيهلكها من عنده (جيش النمرود الذي عجز عنه الكون مات بالذبابة التي كانت تدخل في أذن الجندي فيضرب رأسه بالجدار الى ان يموت)وما يحدث الآن من تطور العلوم الانسانية شهادة من الله تعالى فتح على هذه الأجيال فتوحاً عظيمة ولكن صاحَبَ ذلك ابداع عقلي في مجال الشرّ أهلك الناس والتقرير الأخير أن 30% من أطفال العراق مسرطنين وبعد 60 عاماً سيكون كل أهل العراق مسرطنين ولا يعود العراق صالحاً أن يعاش فيه. الظلم من مسؤولياتنا وكل واحد لديه قدرة على أن يدفع الظلم عن نفسه وهناك محاكم تحكم أما الطغيان الذي لا يمكن دفعه يتدخل الله تعالى بدفعه (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77) المؤمنون) الفرح في كتاب الله تعالى هو فرح الظالم والطغيان (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) القصص) بالطغيان والظلم. هذه سنة من سنن الكون. العلوم السابقة تكتسب وهناك علم يوهب للعبد وهباً وهو العلم اللدُنّي (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) الكهف) (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) النمل) ما هذا العلم الذي نقل عرش بلقيس من سبأ الى بيت المقدس في أقل من رمشة عين وفي الحديث:" من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه الا أهل الثقة بالله عز وجل" هذه أمور لا يقاس عليها لأنه توهب من عند الله تعالى ولا تُكتسب فعيسى مثلاً كان بيرء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى أي علم هذا؟! هذه موهوبات (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) الجن) قال r: " يا أبا ذر لأن تغدو الى بيت من بيوت الله فتتعلم آية خير لك من أن تصلي مئة ركعة ولأن تغدو الى بيت من بيوت الله فتتعلم باباً من أبواب العلم خير لك من أن تصلي ألف ركعة" وقال r : " فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد" ويقول r على أن العلم مشاع بين البشرية ولا يجوز أحد أن يحجبه :" من تعلّم علماً فكتمه ألجمه الله بلجام من النار يوم القيامة" فكتم العلم عملية لا أخلاقية تماماً وللأسف فإن معظم الأنظمة الاسلامية من مئة عام الى الآن وهي تقمع كل عالم ذو ابداع فالمبدعون في عالمنا متهمون بكل التهم على عكس الغرب وهذه الأنظمة تحتكر العلوم وتمنعها عن الناس. والتنافس العلمي يعتبر من أسباب العداوة والبغضاء والاقتتال هذه الأيام عند الغرب أما في الاسلام فاحتكار العلم غير جائز وغير مقبول.

وفي مداخلة لاحدى المشاهدات سألت فيها عن كلمة رتّل إذا كانت تدخل في المنظومة فأجابها الدكتور أنه قد تدخل والرتل هو أن تضع الأشياء المتناظرة على نسق واحد وتنظر فيها مجتمعة.

وفي سؤال آخر لأحد المشاهدين سأل عن معنى الفهم فأجاب الدكتور الكبيسي أن الفهم مرحلة من مراحل متعددة هي:

التدبر: تدبرت المسألة أي بقيت وراءها حتى أدركت نهايتها (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ)

ثم التفكّر: وهو تفكيك الأشياء (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) آل عمران) وهو تجزيء الأشياء الى جزئيات هذا يسمى تفكراً.

التعقل: إذا جمعت الأجزاء ونظرت فيها جميعاً يقال تعقلون (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) البقرة)

الفقه: هو أن تقيس غائباً على حاضر وهو القياس (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) الانعام) (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) النساء) عندك نصّ تطبق عليه ملايين الحالات.

الفهم: شيء كان مغلقاً عليك ففتحه الله تعالى عليك (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) الانبياء)

الدراية: هناك شيء أدركته لكن فيه خلل (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) الشورى) و(وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3)) (قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16) يونس) أنتم يا مشركون فهمتم القرآن فهماً فيه خلل.

الوعي: هو حُسن الاستماع (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12) الحاقة) الوعي هو سماعك للمسألة أو الدعوة ومن حسن استماعك لها تنتقل الى دماغك بكل وضوح (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18) الزمر) ولهذا جعل تعالى الأذن مفتوحة على مدار الـ 24 ساعة لأنها أساس المعرفة يقال أنت واعي إذا كنت تحسن استماع الشيء.

التذكّر: شيء قديم تقيسه على شيء حادث (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) القصص)

هذه من وسائل المنظومة فأنت تدرس وتقرأ وتتلو وتعرف وتتعلم بهذه الأدوات وهي أنشطة دماغية (تتدبر، تتفكر، تعقل، تفقه، تدري، تعي، تتذكر) كل كلمة تعني أداة مخالفة لباقي الأدوات في حسن قراءتك وتلاوتك ودراستك ومعرفتك وتعلمك.

فضل العلم في الكتاب والسنة: قال r :" إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال مجالس العلم" فإذا كان هناك مجلس علم فالكل فيه مغفور له حتى ينصرفوا حتى لو أن أحداً مرّ بهم وليس منهم لكنه جلس معهم يغفر الله تعالى له ذنوبه من أجلهم مهما كان نوع الدرس ما دام ينفع الناس. إذا خطب الامام ودخلت المسجد لا ترفع صوتك إلا إذا كنت تُدرّس العلم فيمكنك عندها ان ترفع صوتك. طلب العلم ونتائجه وأدواته واسبابه هي العملية التعليمية في الدنيا والآخرة ولهذا نسبهم الله تعالى اليه (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ).

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:41 PM
منظومة دفع الضرر

درأ- دفع – أذهب – زحزح – ردّ – صدّ – صرف - كفّ

هذه منظومة دفع الضرر وهي تعني أن تدفع الضرر عمن تحب ابن أو حبيب أو وطن أو بيت ويوشك أن يصيبه ضرر فتقول درأت الضرر وأذهبت الضرر ودفعت الضرر وصددت الضرر وكففت الضرر وصرفت الضرر وزحزحت الضرر وهذه كلمات استعملها القرآن الكريم استعمالاً معجزاً فما الفرق بين كلمة وأخرى؟ والله تعالى استعمل حروف اللغة العربية التس برع بها العرب وبغلوا القمة باستعمالها استعملها تعالى في القرآن الكريم استعمالاً اعجازياً وهذه الحروف كـ (ألم، كهيهص، حم عسق، وغيرها) هذه حروفكم ايها العرب وبرغم براعتكم في اللغة العربية فقد استعملها القرآن الكريم استعمالاً اعجازياً لا تقدرون عليه.

درأ: دفع بسرعة. عندك ولد وأنت جالس فإذا بأفعى تمر على قدمه فتقوم بسرعة متناهية لتدرأ عنه الضرر وقد تغتمر بحياتك وتمسك بالأفعى بيدك انقاذاً له من ضررها. قال تعالى (الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168) آل عمران) هذه الآية جاءت في آيات وصف الله تعالى لشريحة من الناس هم أولو الألباب الذين ذكر لهم تعالى ثماني صفات في سورة الرعد فإذا اجتمعت هذه الصفات في انسان كان من أولي الألباب والصفة الثامنة كما وردت في الآيات هي قوله تعالى (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) الرعد) هذه كلمة يدرأون كلمة اعجازية فأولو الألباب لا ينتظرون زمناً حتى يتقربوا بالحسنات وإنما معن الآية أنهم بسرعة هائلة يقومون بالحسنة بعد أن يرتكبون ذنباً كالغيبة مثلاً كلنا للأسف يغتاب وعندما نغتاب قد ننتظر يوماً أو أكثر ثم نستغفر وهذا ليس درأ وإنما الدرأ هو فعل بعض عباد الله الذين يراقبونه مراقبة شديدة وبلغ حبهم له بقدر خشيتهم له فبمجرد أنه اغتاب أو أذنب ذنباً يسغفر ويتوب حتى قبل أن تبادر الملائكة الى تسجيل هذا الذنب وهذا معنى قوله تعالى (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) النساء). فكلما قربت توبتك بسرعة شديدة بعد الذنب فهذا يسمى درأ. قال r "ادرأوا الحدود بالشبهات" لشدة حرصه r على أمته وعلى الانسانية ومن شدة خوفه من تشويه جسد الانسان إذا ارتكب ذنباً من ذنوب الحدود التي تنال من الجسم كالزنا مثلاً وحدّه الرجم والسرقة وحدّها قطع اليد والقذف وحّه الرجم. فادرأوا الحدود بالشبهات بسرعة قبل إقامة الحد فإذا جاءك أحد قد أذنب ذنباً من الذنوب التي ينبغي معها أن يشوه جسمه بالحدّ فعليك أن تأخذ هذه الجريمة بأية شبهة وبسرعة من حيث إذا كان هناك أي خلل في الجريمة أوو باب من ابواب الشك والشبهة كما فعل r عندما جاءه رجل فقال أنه زنا فقال له r ألم تكن تصلي معنا؟ قال الرجل بلى فقال له r اذهب فدرأ عنه الضرر r من رحمته بأمته. فالدرأ هو السرعة في وقايتك من الضرر ولهذا قال تعالى في الآية (ويدرأون بالحسنة السيئة) قال يدرأون ولم يقل يستغفرون أو يتوبون علماً أنه قالها في مواضع أخرى (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) آل عمران) وهذا لأن المذكورين في الآية هم شريحة من شرائح عباد الله تعالى الصالحين وهم أولو الألباب فهؤلاء يُدخل الله تعالى لهم أزواجهم وأهلهم في درجتهم لأنهم أناس فاضلون من صفاتهم أنهم إذا أذنبوا يتبعون الحسنة السيئة فيدرأون بها عن أنفسهم. (أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) القصص)

وقوله تعالى (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) النور) جريمة القذف يجب أن يأتي بأربعة شهود لكن غذا حضر الشهود أو لاعن تُعدم المرأة على الفور لكن إذا قامت وهي التي لاعنت يدرأ عنها العذاب فوراً بسرعة متناهية ويطلق سراحها فوراً ويحق لها مفارقة زوجها لأنه لا يستحق أن تكون مع رجل يقذفها ويتهمها باطلاً. فإذا لاعنت يجب أن يخرجوها بسرعة باللحظة وترجع الى بيتها مصونة.

دفع: الدفع يكون بقوة أما الدرأ فكما ذكرنا يكون بسرعة. وهذا من اعجاز القرآن الكريم . قال تعالى (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) البقرة) (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الحج) تدفع قوة بقوة فالمعسكر الشرقي والمهسكر الغربي دفه الله تعالى شرّ هذا بذاك والعكس وقوة أميركا حجّمت قوة الاتحاد السوفياتي والعكس بالعكس فالدفع يكون بقوة (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) آل عمران) والدفاع جيش. والفرق بين درأ الشرّ ودفع الشرّ أن الدرأ يكون بسرعة والدفع يكون بقوة إما بنفوذي أو قوتي وكل دول العالم لديها وزارة دفاع والقوة هي الجيش. كلما رأيت كلمة درأ في القرآن فهي تعني بسرعة وكل كلمة دفع تعني بقوة.

زحزح: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) آل عمران) والزحزحة تكون بمشقة. البئر يوضع عليها حجر عظيم حتى لا يُسرق الماء منها وعندما يأتي الرعاة يرفعون الحجر فيسقون ابلهم ومواشيهم وفي قصة موسى u عندما توجه الى مدين ووجد عند البئر ابنتا شعيب تنتظران انتهاء الرعاة من سقي ابلهم قام فزحزح الحجر من على البئر وكان القوم يضحكون منه إذ أنهم يعرفون أن الحجر ثقيل ولا يمكن لرجل واحد أن يرفعه وإنما يحتاج لمجموعة من الرجال ليحركوه لكن موسى u زحزحه بمفرده وسقى لبنتي شعيب ولهذا قالت ابنة شعيب لأبيها (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) القصص) الأمين لأنه لم ينظر اليها وهو يكلمها والقوي لأنه زحزح حجر البئر بنفرده. وقوله تعالى (فمن زحزح عن النار) تعني أن الزحزحة عن النار ستكون بمشقة لأنه حُفّت الجنة بالمكاره وحّفت النار بالشهوات فالزحزحة تكون باجتناب الكبائر والاستغفار والتوبة وهناك مشقات كثيرة ويقول الشاعر:

لولا المشقة لساد الناس كلهم الجود يُفقِر والاقدام قتّال

ودخول الجنة غير سهل والنجاة من النار غير سهل صوم في يوم حار ووضوء في شدة البرد وصلاة خمس مرات وجهاد ونفقة وصدقات وغض بصر وامتناع عن المحارم وغيرها والأعمال الصالحة هي التي تزحزحك عن النار حتى تنجيك منها وكلمة فمن زحزح عن النار توحي كأنما نحن حجر على باب جهنم نزحزح عنها.

صرف: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) يوسف) قصة يوسف u الذي أُوتي شطر الحسن وعاش في بيت العزيز فأُغرمت به امرأة العزيز وتخيل موقف يوسف u امرأة حسناء زوجها عقيم وأنت في بيتها ترعاك منذ كنت صبياً ثم أُغرمت بك غراماً عظيماً وأنت غريب مشرّد وكل الظروف مهياًة لتميل اليها وتراودك مرات ومرات الى أن بلغ بها الكيل أن قطعت ملابسك. قال تعالى (لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ) الصرف أي قلبه 180 درجة ولم يقل تعالى لندفع عنه السوء وإنما قال لنصرف عنه السوء أي لم يعد في وسع يوسف u أن يفكر في هذا الأمر وهذا الصرف لا يقدر عليه إلا الله تعالى ولهذا جاء بضمير الجمع (لنصرف) وعندما يكون الأمر يقدر عليه عباد الله تعالى يقول (أنا) فصرف يوسف عن تلك المرأة في تلك الساعة لا يقدر عليه إلا الله تعالى سبحانه. إذا أردت أن تسافر اليوم مثلاً ثم يأتيك أحدهم يخبرك خبراً يصرفك عن السفر 180 درجة فيصرفك عنه صرفاً نهائياً.

صدّ: الصد يكون مع غضب. شخص يسرق فرآه أبوه وغضب غضباً شديداً فانتهى الولد عن الفِعلة بوجود أبيه وغصبه الذي صدّه عن السرقة. والشيطان يصد الانسان كما قال تعالى (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) النمل) (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) العنكبوت) صدهم الشيطان لأنه رآهم يذهبون الى الايمان وقد كانوا مشركين ففتنهم وزيّن لهم الاصنام. وقوله تعالى في بلقيس ملكة سبأ (وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) النمل).

كفّ: عندك عدو بدأ يتهيأ وبدأ يباشر أول خطوات العدوان ويحشد قوة ويتحرك فتأتي قوة تمنعه من ذلك هذا يسمى كفّ كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) المائدة) (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (20) الفتح) (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24) الفتح) ما الذي منع كفار قريش من قتال محمد r ؟ وما الذي أطفأ شوكتهم؟

أذهب: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11) الانفال) يُذهب بحيث لا يعود. قال تعالى (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) الاحزاب) رعاية وحماية هائلة وأهل البيت هم عليّ رضي الله عنه وفاطمة رضي الله عنها وأولادهما أهذب تعالى عنهم الرجس فحتى المُلك لم يعطيهما إياه لأن الولاية والامارة إثم والهاشميون لا يريدونها وقد قال عمر رضي الله عنه : والله لن يليها من آل البيت أحد. لأن كلها مشاكل ونقائص. فلو قال تعالى ليصرف فقد تعني امكانية العودة أما ليذهب فتعني لن يعود اليهم أبداً. وقوله تعالى في أهل بدر (وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ) أهل بدر لم يعد لهم الشيطان أبداً.

ردّ: بسبب خفي. هناك خطر قادم عليك وحصل معك شيء جعل الضرر يرتد عنك هذا يسمى ردّاً كما قال تعالى (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) الاحزاب)

هذه كلمات منظومة دفع الضرر في كتاب الله عز وجل وهذا وصف لغوي لا يمكن لبشر أن يفعله وهذا من اعجاز القرآن الكريم الذي نزل على مدى 23 سنة وجمع في حوالي 600 صفحة نجد الكلمات فيه كل كلمة تعطي معنى مختلفاً عن أختها في نفس المنظومة وترسم زاوية من المعنى لا ترسمها الكلمة الأخرى.

ونعود الى كلمة درأ. ذكر تعالى يدرأون مرتين (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) التوبة إذا جاءت سريعة جداً فهذه درأ للذنب ودرأ العقوبة ولها مواصفاتها وهذا يجرنا الى أن التوبة لها فلسفة هائلة وإذا تأملنا في كتاب الله نجد أنه مرة يأمرنا بالاستغفار وحده (استغفروا الله) ومرة يأمرنا الاستغفار والتوبة (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) هود) (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) هود) استغفار مقرون بالتوبة. الاستغفار هو اعلان التوبة وعندما يكون مشفوعاً بالتوبة يكون استغفار لما مضى ومما يأتي بأن تنوي أن لا تعود لذلك.

ومن مفاسد التوبة أن تعتقد أن التوبة مجرد كثرة عبادات. هذه الكثرة تنقصها الجودة لهذا التلذذ بالعبادات لكثرتها تدل على أنك لم تعرف قيمتها أو تدرك حقيقتها. كلنا يسمع القرآن من قرّاء عظام مثل عبد الباسط ومصطفى اسماعيل والمنشاوي وغيرهم وتشعر بلذة عظيمة وتبكي ولو كنت تعبد الله تعالى بهذا السماع عبادة حقيقية توصلك لمرحلة متقدمة حتى تصبح من خاصة المؤمنين لبكيت عند كل آية وتأملت عند كل كلمة ولأشقتك هذه القرآءة كما كان يفعل r فقد كان يقوم الليل كله أحياناً بآية واحدة.

قليل من العبادة مع الجودة خير من كثيرها من غير جودة. فأنت تصلي ركعتين مع خشوعهما واستحضار القلب فيهما وتتم ركوعهما وسجودهما خير لك من أن تصلي ثمانين ركعة بدون خشوع ولأن تقرأ صفحة واحدة من القرآن الكريم بتدبر وتترك في قلبك بصمات خير لك من خمسين ختمة تهدرها هدراً بدون تدبر. كلامنا هنا عن توبة الخاصّة الذين ذكروا في آية سورة الرعد وهو أولو الألباب.

أخلِص لله يكفيك العمل القليل.

من آفات التوبة والاستغفار الكثير أنك تقول أني أصبحت الآن راضياً عن نفسي والله تعالى راضٍ عني وتصبح سيئاتك صغيرة في عينك وهذا هو المقتل.

تعتقد أنك بعد أن تبت الى الله تعالى لست بحاجة لكرم الله تعالى ولفضله وتعجب بنفسك وبعدم انتباهك لخصائص التوبة تنسى عيوب نفسك وتنسى عملك تصلي 100 ركعة وتصوم يوماً بعد يوم وتقوم بالعبادات بدون أن تفكر بالعيوب فيها من سرعة ورياء واعجاب وبدون أن تفكر في عيوب نفسك من عُجب وغفلة وجبن وحب الدنيا وحب السُمعة فإذا قستها بأعمالك الكثيرة قد تأخذ كل أعمالك.

فإذا أردت أن تكون عبادتك عظيمة فليكن عملك قليلاً متقناً صلّ ركعتين في جوف الليل متقنة أو صُم يوماً في الأسبوع أو الشهر صياماً متقناً صيام قلب وجوارح وبدون غيبة.

يقول ابن رجب في قوله تعالى (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) الذاريات) أن اتباع الاستغفار بعد قيام الليل لأن هؤلاء الذين قامولا الليل كله قد يكون سرى في نفسهم عُجب فأمرهم تعالى أن يُتبعوا طاعتهم بالاستغفار ولو تتبعنا كل الطاعات في القرآن الكريم لوجدنا أن الاستغفار مطلوب بعد الطاعات لأن العُجب من آفات العمل. وكل صاحب عبادة متميزة إذا أُعجِب بنفسه وعبادته والستقلّ عبادة غيره لا تقبل عبادته. وإذا دخلك العُجب في أي عبادة مهما عظمت ورأيت نفسك أنك خير من المذنبين تكون قد أذنبت.

التوبة النصوحة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) التحريم) هناك فرق بين تكفير الذنوب والمغفرة. ذكر ابن القيم وكثير من العلماء أن السيئات هي الصغائر التي يكفّرها عمل آخر والتي لها كفّارة مثل اليمين لها كفارة وكل ذنب له كفارة مشروعة في كتاب أو سُنّة من فدية أو صيام أو اطعام أو تحرير رقبة يعتبر من الصغائروقال تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31) النساء) أما الكبائر فلا بد من احداث توبة نصوحة لها معنى ذلك أن الذنب الكبير كالغيبة مثلاً والذنوب الكبيرة التي ليس لها كفارة لا بد من أن تحدث لها توبة. وإذا كنت من اصحاب الذنوب العظيمة او الكبائر فلعليك أن تحدث لها توبة عظيمة (عقوق الوالدين ليس له كفارة) من أجل هذا التوبة لا بد أن تكون نصوحة ومعناها:

أن يأكلك الندم على ما فعلت والندم توبة.

أن تنوي بشكل جازم أن لا تعود

أن تحدث لها عبادات سريعة تحاول بذلك أن تمحو هذا بهذا.

الوسائل التي نقي بها أنفسنا من الشرور: كل المنظومة هي من فِعل الله تعالى عز وجل وعليك أن تستمطرها بالدعاء ومن دعاء الرسول r:" اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا " والله تعالى يحب المتضرعين وكل هذه الألطاف الالهية كيف يدرؤك ويرعام ويدفع عنك وجعل لك معقبات من بين يديك ومن خلفك يحفظونك وهذا من أمر الله تعالى وعلينا أن نستمطره بالدعاء وما هلك مع الدعاء أحد.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:42 PM
منظومة العقوبات الصوتية

دمدم- رعد – قصف – عصف – زجر – صريخ – بكاء – تصدية- أزيز- زلزلة – تفجير – ضبح – حسيس- قرع – صيحة – تغيّظ -

العقوبات من البشر كما هي العقوبات من الله تعالى. البشر يضعون العقوبات من أجل رفع الظلم الذي يمكن دفعه. الظلم نوعان ظلم يمكن للمظلوم أن يدفعه عن نفسه كأن يُضرَب أو يُقتل أو يُسرق يقيم دعوى فيرفع عنه الظلم. والقرآن الكريم يقسم هذه العملية القضائية الى قسمين: القسط وهو رفع الظلم أولاً ثم العدل وهو إثبات الحق وهو المرحلة الثانية، قال تعالى (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) الاعراف) وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) النحل) وهذا في كل العالم، العملية القضائية تقوم برفع الظلم زاثبات الحق لكن المخلوقين يختلفون في بعض قيم العقوبات باختلاف حضاراتهم ودياناتهم مما يؤثر في نوع العقوبة المشروعة والشرعية فمثلاً اتفق البشر على أن الحبس والغرامة عقوبات شرعية واختلفوا في العقوبات البدنية من قتل أو جلد أو قطع يد أو قصاص. كل قوانين العقوبات في العالم هي عقوبات من المعقول والتعذيب الذي يمارس في العالم كله علناً في كثير من دول العالم وخاصة في دول العالم الثالث وبخاصة الدول العربية والاسلامية المتخلفة التعذيب أصبح ظاهرة معلنة ومن الغريب أن العالم المتحضر بدأ يستسيغ هذا النوع من العقوبات ولا ينفي ذلك على رغم ما نسمعه منهم. هذا المعقول يقابله عقوبات من الله عز وجل هي من اللامعقول وهذه العقوبات تحدث إذا انقلب الظلم الى طغيان. الظلم كما قلنا نوعان: نوع تستطيع أن تدفعه عن نفسك إما بقوتك أو قوة القانون أو ما شاكل ذلك وهذا الذي يضع له البشر القوانين. وهناك ظلم ليس للمظلوم أي قدرة على دفعه وهو يسمى طغياناً فإذا انقلب الظلم الى طغيان وصار لا يمكن دفعه إلا بقوة خارقة يضع الله تعالى له قوانين العقاب وهي حتمية تاريخية الى أن تقوم الساعة فيتدخل الله تعالى تدخلاً مباشراً بغير أسباب لينتقم من الطاغية والتاريخ شاهد على ذلك. العقاب إذن من الله عز وجل كالعقاب من البشر وكما أن للبشر نوعاً من أنواع التعذيب بالأصوات فإن لله تعالى مثل هذا وهو سبحانه لا يُسأل عماذ يفعل. البشر يعذبون بالأصوات والله تعالى يعذب بالأصوات والعذاب بالأصوات هو من اشد وأقسى أنواع التعذيب سواء في قوانين البشر من المعقول أو قوانين الله تعالى من اللامعقول. هناك معتقل عسكري ومعتقل مدني والمعتقل العسكري يعذّب عذاباً لا يمكن احتماله فيصرخ صراخاً لا يمكن وصفه بكل أدوات الوصف بحيث لو خُيّرت بين أن تسمع صراخ المعذَبين أو أن تكون من المعذبين لاخترت أن تكون من المعذَبين لأن صراخ المعذبين يجعلك تشعر أنه لا قيمة لك لمجرد سماعك هذا الصريخ وهو صريخ من المعقول وعادة في السجون ما يختارون للتعذيب أناساً مرضى نفسياً يتلذذون بسماع هذه الأصوات وبتعذيب المعتقلين.

منظومة العقوبات الصوتية في كتاب الله تعالى 15 كلمة كل كلمة تعبر عن نوع من انواع الأصوات التي تشعر فيها بالعذاب الهائل لأن الصوت له لغة كما أن للعين لغة فمن النظرة يمكن أن تعرف إذا كانت هذه النظرة تعني حباً أو شوقاً أو عتاباً أو استفهاماً أو ازدراء أو ولهاً أو غضباً أو مدحاً أو غيرها لأن النظرة تعكس ما في قلبك من مشاعر فللعين لغة وكذلك للصوت لغة ومن الصوت يمكن أن تفهم إن كان المتكلم يزجرك أو ينهرك أو يكفّك عن عمل أو يستفهم أو يمدح أو أي شعور يريد أحدهم أن يعبر عنه. والأصوات مختلفة فهناك أصوات تدل على البهجة والأصوات التي تؤنس كالأذان وهناك أصوات تدخل السعادة والبهجة الى قلبك وهناك اصوات تدخل الحزن طالبكاء وصوت الناي والكمان. هذه لغة الأصوات ومن الأصوات ما هي أدوات للتعذيب الشديد استعملها البشر للتعذيب من صؤيخ واصوات أخرى.

هذا الطغيان ليس له دافع إلا الله عز وجل. فرعون طغى واستأسد على بني اسرائيل وكان يقتل أبناءهم ويستحي نساءهم ولذا قال تعالى لموسى u (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) طه) لم يقل إنه ظلم فكان لا بد لهذا الطغيان من أن ينتهي بكارثة، وما من طاغية على وجه الأرض إلا ولا بد أن ينتهي نهاية غير متوقعة يهيء الله تعالى لها الأسباب فيزيل الطاغية ازالة تشفي صدور الذين طغى عايهم. لله عز وجل تعذيباً بالأصوات لكن كل صوت له اسم معين كما جاء في القرآن الكريم. والله تعالى له عدة أسباب للتعذيب منها الغرق (كما حصل مع فرعون) والأعاصير (ثمود) والخسف (قارون) والمسخ والتشريد (بني اسرائيل) واحياناً يسلّط الله تعال بعض الناس على بعض وهذا من انتقام الله تعالى منهم إذا طغوا.

كل كلمة قرية في القرآن الكريم تعني مجتمعاً (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) النحل) مجتمع ظالم يعضهم يظلم بعضاً فيسلط الله تعالى بعضهم على بعض (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) العنكبوت) كل جماعة طاغية سلّط الله تعالى عليها تسليطاً مباشراً لأن هذا الطغيان ليس بوسع أحد أن يدفعه إلا الله تعالى. وهذه سنة من سنن الله تعالى في خلقه (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ابراهيم) الله تعالى ليس غافلاً وكل شيء يجري بأمره. من ضمن العذاب وأدوات التعذيب التعذيب بالأصوات:

دمدم: (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) الشمس) هو صوت الهدّ عندما تسقط عمارة مرة واحدة تصدر منها صوت (دُم) صوت رهيب إذا سمعته شعرت بالفزع الشديد. من ضمن عقوبة الله تعالى للطغتة أن ينزل عليهم عذاباً بصوت عجيب كصوت الهدّ فيتفاجأون فيه وما يحدث من تفجيرات في العالم من ضمن هذا الصوت. الرعد مثلاً في بعض الحالات يملؤك رعباً وفزعاً بحيث يهرب منه لمجرد الصوت فماذا لو جعله الله تعالى صوت عذاب؟ قوم عاد وثمود أهلكوا بالصيحة والصيحة نسميها اليوم القنبلة الفراغية، ثمود كانت بيوتهم في الجبال أهلكهم الله تعالى بصوت عظيم كالدمدمة مات كل من في البيوت ثم ألقى عليهم بعض الحجارة. فالدمدمة صوت من اصوات الرعب يسخرها الله عز وجل إذا وجد طاغية أو شعب طاغي يهلكه الله تعالى بهذا الصوت.

الرعد: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) البقرة) في بعض الحالات نسمع رعداً وبرقاً تكاد الأذن تنفجر من الصوت.

القصف: (أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69) الاسراء) القاصف والقصف هو الصوت الصادر من الريح التي تكسر الأشجار وتوقع البنيان لكنها لا تثير اعصاراً أو فيضاناً.

العصف: (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) المرسلات) هي الريح التي تصدر أصواتاً هائلة تكسر الأشجار وتوقع البنيان وتثير حالة من الطوفان والعصف يعقب كل نوع من أنواع التفجير ويقال أن العصف الذري لا بد أن يعقبه عصف.

القرع: (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) الرعد) الكفان كفران النعمة، السلاح نعمة والعلم نعمة وكل ما يفتح للانسان هو نعمة من نعم الله تعالى فإذا استعملها الانسان بالخير فهذا استعمال النعمة في طاعة الله تعالى وإذا استعملها في ظلم الآخرين والاعتداء عليهم فهذا من كفران النعمة وعذابهم من الله تعالى أن يصيبهم بصناعاتهم قارعة ونحن نرى الآن أن كثيراً من الصناعات بدأت تضر بأصحابها مثل الأسلحة النووية والقنبلة الجرثومية وغيرها كما حصل في مفاعل تشيرنوبل الذي بتسريب بسيط حدث فيه مات أكثر من 120 ألف شخص في ليلة واحدة. والقرع هو ضرب شيء صلب بشيء صلب والقارعة نوع من الشعور بالخوف والرعب من صوت كصوت ضرب الحديد بالحديد. أصوات قوية تصدر من شيئين صلبين يضرب أدهما بالآخر يسمى هذا قرعاً.

الزجر: صوت الطرد (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) النازعات) إنسان نائم وتريد ايقظه فتصرخ به يسمى هذا زجراً أو أن تطرد حيواناً كاسحاً فتصدر صوتاً قوياً فيهرب فما بالك إذا أراد ربك أن يوقظ نياماً أو يُنهي حكماً أو يبعث أمواتاً أو يهلك طاغية؟ يستعمل صوتاً من أصوات الزجر بحيث يصبح بعدها الطاغية انساناً هامداً.

البكاء: هو حزن مع سيلان الدمع وهو نوع من أنواع التعذيب. كاذا لو أن طفلك بكى طوال الليل من ألم أو مرض فستكون أنت في غاية الألم والتعذيب والرسول r كان يقول لفاطمة عندما كان الحسين يبكي: "يا فاطمة أسكتيه فإن بكاءه يؤذيني"، كان r يشعر بألم لمجرد بكاء الطفل. ماذا لو أبكاك الله عز وجل على عزيز مما تملك من وطن أو مال أو أهل بكاء الثكالى (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) التوبة) وما أشد تعذيب الباكي إذا كان طاغية فقد ملكه.

وهناك فرق بين بكى وبكاء فالبكاء إذا كان الصوت أكثر من الحزن أو بكى فياقل إذا كان الحزن في قلبك أكثر من صوت البكاء كما قال تعالى (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا {س}(58) مريم).

الزلزلة: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) الزلزلة) هزة أرضية تسقط المباي وتحدث أصواتاً مرعبة. وهناك زلزلة مادية وهي أي اضطراب مادي يحصل اهتزاز فتسقط المباني وتحدث اصواتاً تفتت الأعصاب وتشعرك بألم شديد ولا بد أن تجثو على ركبتيك، ويوم القيامة ولشدة أهوالها وأصواتها المرعبة يجثوا الأنبياء على ركبهم من شدة الرعب من الأصوات ويشعرون بعذاب شديد فيجثون على الركب من شدة الخوف كما ذكر r في الحديث الشريف. هذه الزلزلة تحدث أصواتاً وكل شيء حولك يحدث أصواتاً مرعبة. وهناك زلزلة معنوية فقد تكون الزلزلة اضطراباً نفسياً من الداخل (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) الاحزاب). فالزلزلة إما أن تكون صوتاً خارجياً أو اضطراباً من داخلك يجعلك مضطرباً حتى تسقط من الوهن والاعياء.

الصيحة: صوت كالقنبلة الفراغية تحدث صوتاً هائلاً يموت الناس بها.

التصدية: التصفيق الحاد والصفير الحاد (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) الانفال). الضوضاء في السجون والتعذيب بهذه الأصوات أصبح منتشراً مثلاً أن يضعوا موسيقى معينة طوال 24 ساعة أو صوتاً مستمراً : بكاء أو غيره. والآية تشير الى المشركين الذين كانوا يجتمعون حول المسلمين في صلاتهم فيصفقون ويصفرون بشكل مستمر بحيث يحاولون أن يمنعوا المسلمين عن صلاتهم من شدة الازعاج الذي يسببه هذا الصفير والتصفيق.

التغيّظ: هو صوت الحقد. لسانك ساكت لكن قلبك يغلي من الحقد وإذا أمسكت بالذي يحقد عليه تريد أن تخنقه تصدر صوتاً مما في قلبك عليه لأن حقدك شديد. هذا الصوت يكون على السامع أشد من الخنق. قال تعالى (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) الفرقان) التغيظ لا كون إلا مع الزفير. عندما تريد أن تبدي غيظك من أحد تصدر صوتاً موحشاً كالوحش الكاسر وهذا صوت الحقد الذي يصل الى حد الانتقام كما جهنم يوم القيامة. يقول الشاعر:

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى وصوّت إنسان فكدت أطير.

الأزيز: (أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) مريم) صوت الرصاص أو صوت سقوط الجبل حينئذ لو كنت في حرب ومرت عليك من جانب أذنك رصاصة أو صاروخ أو قنبلة تسمع لها أزيزاً يذهب بالقلوب وصوت الطائرة في الحرب وهي تقصف صوت مخيف يشعر الناس برعب شديد. وصوت أزيز الطائرات أشد من الموت. الأزيز صوت يستعمل للعقوبات من الله رب العالمين فيسلّط على الطاغية أزيزاً من داخله كالنمرود كان يشعر بأزيز في أذنيه لا يدعه ينام حتى مات.

الضبح: صوت الخيل عندما تكون في سرعة متناهية (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) العاديات). تصوّر مئة فرس تضبح معاً تصدر صوتاً يشعرك برعب شديد هذا الضبح تمثله الآن هدير الدبابات والمدرعات في معركة. في السابق كانت الخيل عندما تضبح لتقي الرعب في قلوب العدو والأصوات كفيلة بإنهاك العدو.

التفجير: شيء صلب تفجّره فيحدث صوتاً عظيماً. (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ) (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) البقرة) فجر الله تعالى لبنس اسرائيل اثنتي عشرة عيناً من الماء من صخرة فهذا التفجير أحدث صوتاً عظيماً فما بالك إذا كان التفجير بقنابل وعبوات وغيرها.

الحسيس: صوت النار المرعب فالنار عندما تتقلب لها حسيس يمزّق الأعصاب (لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) الأنبياء).

هكذا هي المنظومة العظيمة في كتاب الله عن الأصوات التي تحدث رعباً وهناك منظومة الأصوات التي تحدث بهجة والأصوات التي تحدث تُحزِن.

هذه العقوبات من الله تعالى للظالم يعاقب به الطغاة الذين لا يستطيع أحد أن يدفع طغيانهم وظلمهم إلا الله تعالى (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) الجن). القوة المفرطة عندما تستعمل مع قوة هزيلة لا تتناسب معها تنقلب القوة المفرطة على نفسها فتهلك. فرعون مثلاً طغى ثم هلك والنمرود والشيوعيون والروس وهتلر وهذه سنة من سنن الله تعالى وعلى كل ذي قوة مفرطة أن لا يغترّ بقدرته والله تعالى أشد قوة منه. هناك أعاصير دمرت أمماً وشعوباً. ويقال في اعصار تسونامي أنه لو زاد تسونامي شعرة لدمّر نصف الكرة الأرضية. إياك أن تكون طاغية، قد تكون ظالماً فيذهب الذين ظلمتهم ليأخذ بحقه ممن هو أقوى منك لكن إذا كنت طاغية فانتظر عذاباً من الله عز وجلّ.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:42 PM
منظومة الشِرك الخفي (دهن)

مداهنة- ملاينة – نفاق – رياء –

الشرك نوعان: شرك خفي وشرك علني. الشرك العلني هو أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك وهو يخرج المشرك ن المِلّة ولا يغفر ذنبه (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). والنوع الثاني وهو الشرك الخفي أو الشرك الأصغر فهو الذي يحبط العمل ولا يُخرِج من المِلّة وتكون أعمالك صالحة لكنك لم تقصد بها وجه الله تعالى. الشِرك الأكبر له صيغة واحدة أما الشرك الأصغر فيأخذ عدة صور وصيغ هي: المداهنة، الملاينة، النفاق والرياء. وهي أبرز عناصر الشرك الخفي التي حذّر منه الرسول r ويضاف إليه الشهوة الخفية. نبيّن الفروق بين هذه الكلمات القرآنية:

المداهنة: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) القلم) هي أن تبرر الباطل: حاكم أو جماعة تبنّت باطلاً ليس له نافذة على الحق وليس له وجه أن يبرر فيأتي واحد من الناس يجامل هذا الحاكم فيعطيه فتوى. المداهنة هي تبرير الباطل لقوي تطمع في عطائه. في بعض الدول الاسلامية نصوا أن للذكر مثل حظ الأنثى وخالفوا ما جاء في القرآن أن للذكر مثل حظ الانثيين وقالوا أن هذه الأيام الأنثى تخرج للعمل وتساعد فليس هناك حاجة أن يكون حظ الذكر ضعف حظها وهذا باطل قطعاً لأن فيه مخالفة لنص من القرآن الكريم لكن يأتي بعض الناس ويبررون ويقولون هذا جائز وليس هناك حاجة لأن يكون للذكر مثل حظ الانثيين. فالمداهنة هي إيجاد الترخيص لمحظور. المشركون ودوا لو أن الرسول r يقرّ لهم ببعض باطلهم من عباداتهم (ودوا لو تدهن فيدهنون). المداهنة هي فتوى من تبرير باطل من عالم مفكر يجد تبريراً لباطل مطلق.

ومن المدح أن تمدح فعلاً باطلاً أمام صاحبه لتطمع في عطائه يسمى مداهنة أيضاً.

الملاينة: كلام ليّن مع مجرم قاتل خائن جاسوس تلاينه وتلاطفه في الكلام هذا يسمى ملاينة. المفروض أن تغلظ القول لهؤلاء وأمثالهم كمن احتلّ وطنك والقرآن الكريم أوصانا (وليجدوا فيكم غِلظة). شعوب العالم تغلظ القول والفعل لمن ينتهك حرماتها وأعراضها ولمن يسمونهم عمرء. والملاينة نوعان: نوع محمود ونوع مذموم. قال تعالى (فبما رحمة من الله لنت لهم) هذه ملاينة محمودة فأنت تغفر ذنوب شعبك لكن ذنوب عدوك تقابلها بغلظة.

النفاق: عقيدة. أن تبطن الكفر وتظهر الاسلام وهذا كل من يوهمك بنه مسلم وهو في الباطن كافر. قال تعالى في سورة المنافقون (قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)) النفاق هو أن لا تؤمن بما تجاهر به وإنما تعني العكس (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) البقرة) هذا المنافق في الدرك الأسفل من النار (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار).

الرياء: عمل، تصلي صلاة أمام الناس في غاية الروعة ولا لشيء إلا ليقال فلان ورِع تقيّ، تبني مساجد أو تنفق مالك ليس لوجه الله وإنما ليقال فلان منفق سخيّ. وفي الحديث عن الرسول r عن أول من تسعر بهم النار: عالم ومنفق وشهيد. كل واحد من هؤلاء كان عمله للناس وليس لوجه الله تعالى. (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) الماعون) (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) النساء)

إذن المداهنة فتوى أو مدح على فعل باطل (ترخيص) والملاينة بالكلام الطيب مع عدو والنفاق عقيدة أن تظهر عكس ما تبطن والرياء عمل لا يقصد به وجه الله تعالى.

هذه المنظومة أخطر منظومات الذنوب. كل الذنوب لها باب وهي تنبثق من حالة معينة. كل شريحة من شرائح العاملين تختلف ذنوبهم عن ذنوب الشرائح الأخرى ففي مجال السياسة الذنوب أكثرها من الظلم والجور والخيانة، في الوظيفة أخطر الذنوب الرشوة والضرر بمصالح الناس عمداً، وأخطر ذنزب التجارة الغش والاحتكار والظلم وأخطر ذنوب العِلم الكبر والعجب وممالاة السلطان وأن يكسب العالم بعلمه أجراً في الدنيا "شرّ الناس من طلب الدنيا بعمل الآخرة" والحسد والبغضاء وأخطر ذنوب الحرب الهروب والتولي يوم الزحف وأخطر ذنوب الأسرة عقوق الوالدين ولأهميته جاء ذكره في حديث الثلاثة التي لا ينفع معها عمل وذكر من ضمنها عقوق الوالدين. وأخطر الذنوب في العبادات: الرياء. إذن أخطر هذه المنظومات هي الشرك الأصغر وليس فوقها إلا الشرك الأكبر. الانسان مخلوق من طين يترقى ليصبح كريستالاً ويتدنى ليصبح وحلاً وهناك فرق بين الاثنين.بالتوحيد يترقى الطين الى كريستال ولو تأملت بعقلك البسيط في نفسك وفيما حولك تترقى (وفي أنفسكم أفلا تبصرون). لكن أن تداهن أو تلاين عدواً أو تنافق أو ترائي فهذا يحيلك وحلاً.

انظر الى نفسك ما أنت ومن أنت؟ يأتي حاكم أو قوي ذو جاه وسلطان يصدر أمراً باطلاً مطلقاً ثم يأتي من يبرر له هذا! هناك من كتب القرآن بالدّم فبرر أحدهم هذا الفعل الشنيع وغاب عن باله أن الدم نجس ولا يجوز كتابة القرآن به لكنه فعله مداهنة لحاكم ذي قوة وسلطان. كفار قريش لم يكونوا منافقين بل كان عندهم رجولة ولو باصرارهم على الكفر لكنهم لم يبطنوا شيئاً ويظهروا شيئاً آخر كأبي لهب وأمية بن خلف وغيرهم.

هذه المنظومة من أخسّ الذنوب والرسول r قال في حديثه "لا أخشى عليكم إلا الشرك الأصغر والشهوة الخفية" والشهوة الخفية هي ما يحصل في رمضان وهذه ظاهرة رجل صالح صائم يلاعب امرأته في يوم رمضان الى أن جامعها وهو يعلم أن إفطار يوم في رمضان عمداً لا يكفره صيام الدهر فالشهوة الخفية قوية وقاهرة.

المداهنة والملاينة:

دهن من المشترك اللفظي.

الدُهن (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ (20) المؤمنون): عندنا دهن وزيت ومُهل: الدُهن هو دردري الزيت وهو الجزء الصلب والزيت هو الجزء السائل والمُهل هو الزيت المغلي.

وعندنا دَهَن: دَهَن وصبغ ولوّن: دَهَن لون واحد لامع والصبغ إذا كان مرة واحدة وليس لامعاً (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)) يعني تصبغ جداراً بلون واحد كله. ولوّن إذا كان أكثر من لون فهو تلوين (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69))

دهن: المُداهن يبرر الباطل بالفتوى أو المديح والملاينة الكلام المعسول مع من ينبغي أن يُغلَظ له القول. والنفاق عقيدة إخفاء كفر وإظهار إيمان. والرياء أن تعمل أعمالاً عظيمة لكن بقصد الرياء وليس لوجه الله تعالى كأن تجعل أعمالك لشخص تجعله والله تعالى سواء (إذ نسويكم برب العالمين). والمداهنة والنفاق والرياء كله باطل لا يوجد نفاق صالح ولا رياء صالح ولا مداهنة صالحة. أما الملاينة فيوجد ملاينة محمودة وأخرى مذمومة فالملاينة المذمومة تلك التي تكون مع من ينبغي أن تزجره كسارق سرق سرقة تقطه بها يده لا تقول له بارك الله فيك أو تعذره. والملاينة هي الوحيدة في المنظومة التي فيها نوعان وقد تكون الملاينة من من يستحقها عبادة عظيمة وفضيلة تماماً كعدم الملاينة مع من لا يستحقها. الغِلظة مع اللصوص والزناة فضيلة وعدم الغِلظة مع من يقوم بخطأ بسيط فضيلة. جعفر الصادق كان له خادم فمن هيبته (وكل آل البيت لهم هيبة خاصة) سكب الخادم عليه الطعام ففزع الخادم فما كان من جعفر الصادق إلا أت قال له: أنت حرٌ لوجه الله. وفي الحديث عن الرسول r أن في الجنة غرفاً يُرى باطنها من ظاهرها قاولا: لمن يا رسول الله؟ قال لمن أعطى الطعام وألان الكلام. "الكلمة اللينة صدقة". لين الكلام مع الناس والجيران والأهل ومع من أساء اليك من مفاتيح الجنة. فالملاينة كما قال r :" خياركم ألاينكم مناكب" أي الذي إذا طلب منه أخوه في المسجد أن يتحرك قليلاً لرصّ الصفوف وسد الفرج ينصاع بسهولة ولين ولا يتأبّى. والرسول r كان ألين ما يكون مع المذنبين والله تعالى أرسل لفرعون الذي ادعى الألوهية نبيين موسى وهارون عليهما السلام وأوصاهما (فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى).

جيئ برجل يشرب الخمر الى رسول الله r فقال عمر : ما أكثر ما يؤتى به فغضب الرسول r وقال: لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم. كلما كان الانسان ليناً مع صاحب الذنب كلما كان هذا أدعى أن يتوب المذنب. قال ابن مسعود: لا تحاسبوا الناس كأنكم أرباب. وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً استأذن على النبي r فقال: ائذنوا له، فلبئس ابن العشيرة أو بئس رجل العشيرة، فلما دخل عليه ألان له القول. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله قلت له الذي قلت ثم ألنت له القول؟! قال: " يا عائشة، إن شر الناس منزلة يوم القيامة من وَدَعه – أو تركه- الناس اتّقاء فحشه"

هذه تثير مسألة التقيّة أو التُقية وهي أن تظهر للآخرين غير ما تبطن في حالات معينة. بعض المذاهب أطلقته على كل شيء كما في نكاح المتعة وهذا خطأ وبعض المذاهب حرّمته مطلقاً وهذا خطأ أيضاً. إذا كنت متأكداً أن الشخص يؤذيك في سمعتك هو ذو قوة يمكنه أن يؤذيك يمكنك أن تتقيه (إلا أن تتقوا منهم تقاة). فالتقية تجب في بعض الحالات إذا دفعت عن نفسك شراً.

النفاق: النفاق أخصّ من المرض فالمرض فيه البغض والحسد والحقد والنفاق. الرسول r شهد لأهل اليمن بأنهم ألين قلوباً وهي شهادة هي لهم إلى يوم القيامة: أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوباً وأرقّ أفئدة، الايمان يماني والحكمة يمانية. وفي الحديث ربط بين الايمان والحكمة فاللين علامة من علامات الايمان.

أبو أمامة قال علّمني ألين كلمة سمعتها عن رسول الله r. قال أبو أمامة سمعت رسول الله r يقول : ألا كلكم يدخل الجنة إلا من شرد عن الله شرود البعير عن أهله.

كل من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله وكل من كان يوحّد الله تعالى ومن أهل الصلاة يدخل الجنة إلا من شرد على الله شراد البعير أي لم يعد ينتمي للأمة واصطف الى جانب الأعداء. وهذا الحديث بشارة أن الله تعالى غفرا الذنوب ما لم يصر المذنب. ما دام يوحد الله توحيداً أكبر وأصغر كما في الحديث: " لا أخاف من أن تشركوا من بعدي أبداً".

من مِنّا ليس مشركاً شركاً خفياً؟ لا بد أنه عملنا عملاً اغتريّنا به أو مدحنا أحدهم فأثار فينا العُجب والكبر. لكن الله تعالى يقول (ما جعل عليكم في الدين من حرج) من عظمة هذا الدين أن هناك كفارة لكل ما عمّت به البلوى فعلى سبيل المثال شرع لنا كفارة المجلس فهمها حصل في المجلس من لغط يكفّر بقول: سبحانك اللهم وبحمد أشهد أن لا إله أنت أستغفرك وأتوب إليك. يكفّر الله تعالى بهذا الدعاء كل من كان في مجلسه لغط. وكذلك الشرك الخفي فكل من كان له عبادة يعبد الله تعالى بها ويعجب بنفسه يقول: اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك شيئاً أعلمه وأستغفرك من شيء لا أعلمه.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:43 PM
منظومة الدَيْن (ديْن)

دَيْن- قرض – رهان –

الدَيْن ثلاث كلمات : دَيْن، قرض ورهن.

الدَيْن ما كان عن ربح: لي في ذمتك مال ولكنه مال تعامل إما بضاعة أو بيع وشراء أو مرابحة، بيني وبينك عمل وفي ذمتك مال لي دين في رقبتك بناء على فوائد وأرباح وما شاكل ذلك. الدَيْن إذن تعامل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ). والله تعالى يأمرنا أن تكتبه نوعاً وكمّاً وكيفاً (وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ).

القرض: عكس ذلك. القرض فقط لوجه الله عز وجل. أنت في أزمة تحتاج نقود فأعطيك هذه النقود لتعيدها إليّ بحذافيرها دون زيادة ولا نقص وليس فوائد. الأرباح في الدين مشروعة وفي القرض ربا. كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا وكل دين جرّ ربحاً فهو جائز. (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11) الحديد)

الرهن: هو حبس شيء لأجل أداء شيء آخر وجمعها رهان. (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) لي عليك حق وليس عندك شيء تسدد لي مالي ولا أئتمنك على مالي ترهن عندي شيئاً هو في ذمتي ضمان مالي. الرهن جمعه رهان والرهينة جمعها رهائن. بينك وبين الله تعالى حقوق والله تعالى يضمن حقوقه: نفسك رهينة عند الله تعالى إما أن يلقيها في جهنم أو تستردها بعملك الصالح وتفكها من النار (كل نفس بما كسبت رهينة).

الدَيْن فلسفة عجيبة في الاسلام. الدَيْن مذموم والقرض محمود. " الحسنة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر" هذه مكتوبة على باب الجنة. الصدقة في سبيل الله بعشرة أمثالها أما القرض يأخذه رجل محتاج لوقت معين ليس متسولاً تفك به عسرته إلى أجل قريب هذه عبادة عظيمة. وفي الحديث: "إن الله مع الدائن ما لم يقض دينه ما لم يكن فيما يكرهه الله". وكان r يستعيذ من الدين ومرة قال "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والدين" فقال له رجل: يا رسول الله أتسوي بين الكفر والدين؟ قال :نعم. وحديث آخر "ليّ الواجد يحل عِرضه وعقوبته" لأي يمكن لمن عنده مال لكن لا يوفّي دينه مع أنه يستطيع أن يوفّي يمكن غيبته عند الحاكم. "الدين راية الله في الأرض فإذا أراد الله أن يُذِلّ عبداً ةضعه في عنقه" "لا تخيفوا أنفسكم بعد أمنها، قالوا وما ذاك يا رسول الله؟ قال: الدَيْن" لأنك لا تحب لقاء الدائن لأنه في عنقك دين له. " من فارق روحه جسده وهوبريء من ثلاث دخل الجنة: الدَيْن والكِبر والغلول" الغلول سرقة المال العام وفي هذه الأيام ما يسمى مال الدولة أو الغنائم وهو أشد أنواع السرقة (ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة). إذا مت ولم توفّي الدين فهي قضية خطيرة. كل إنسان مؤمن موحد بعدما يموت تستقر روحه بعد ثواني بعد أن يمر بمراحل معينة إذا لم يكن عليه دين تخرد روحه مضطربة تعبة كالطفل يخرد من بطن أمه ثم يستقر ويطمئن إذا لك يكن عليه دين وتقول الملائكة عندما يأتي إخوانه في البرزخ ليسلموا عليه: دعوه يستريح فقد جاء لتوّه من نصب الدنيا. أما لو كان عليه دين تبقى روحه معلقة حتى لو كان مؤمناً موحداً وشهيداً لذلك الرسول r لم يصلي على مدين وإنما قال: صلوا على أخيكم كأنه أراد والله أعلم أن يهيب بالحاضرين أن يسدّ أحدهم دين الميت وتستقر روحه. يقول: كل من عليه دين وينوي أن يسدده صادقاً بإخلاص فإن الله تعالى يعينه فإن مات ولم يسدد سدده الله عنه وإذا لم ينو أصلاً سداد الدين فهذه مأساة يوم القيامة " ". وأعظم أنواع الدين يوم القيامة التي سيحاسب الله تعالى عليها وهذه ربما هي مصيبة الأزواج في الدنيا هي أن تتساهل في دين زوجتك وهي حقوقها في النفقة إذا كانت مطلقة أو مهر لم تسلّمه لها مسبق أو مؤجل أو تقسطه لها على أقساط وعندك مال كثير لكن فقط لمجرد الأذى فحسابك يوم القيامة سيكون عظيماً ولا تستقر نفسك إلا بعد أن توفي زوجتك دينها. يقول r "أعظم أنواع الدَيْن ما استحللتم به الفروج" وما أكثر المتلاعبين بحقوق زوجاتهم. وهو دين ثقيل في ذمة الزوج من الميثاق الغليظ (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) النساء ) فليّق الله كل زوج له زوجة لها حق في ذمته فلا يأخذ موالها بغير طيب نفس لا غصباً ولا حياء لأن كل هذا دين يحاسب عليه يوم القيامة.

القاعدة: لا ترِكة إلا بعد سداد دَيْن. لا توزع التركة إلا بعد سداد الديون وأول دَيْن يُبدأ به هو حق الزوجة ولو أن المال لا يكفي وهذا لبيان أهمية حقوق الزوجة فلو ترك أحدهم عشرة آلآف درهم ومهر زوجته عشرة آلاف وعليه دين بعشرة آلآف فتعطى الزوجة حقها أولاً لأن حقها أولى الحقوق والديون.

الغلول في أموال بيت المال ومال الدولة كل فِلس يحاسب عليه يوم القيامة ومال اليتيم ومال الزوجة يحاسب عليها الانسان حساباً شديداً. يقول r كل دين يُقتص منك يوم القيامة إلا ثلاثة ديون يحملها الله تعالى عنك: الرجل تضعف همته في سبيل الله (قال تعالى: انفروا خفافاً وثقالاً: خفافاً أي شباباً وثقالاً الشيخ الكبير والمرأة والطفل والضعيف) لم استدان حتى ولو لم مات ولم يوفّي يسدد الله تعالى عنه يوم القيامة، والثاني رجل يموت عنده مسلم (يحتاج لتكفينه وتجهيزه ودفنه) والثالث من خاف عن نفسه العُزبة (شاب خاف على دينه وخاف من الفساد ايتدان ليتزوج ومات قبل أن يسدد فالله تعالى يسدد عنه).

يقول r: " من فكّ رهان ميت فكّ الله رهانه يوم القيامة" فلا يحاسبك على جرم أبداً وفك الله تعالى رقبتك بما أنت مرتهن به يوم القيامة (كل نفس بما كسبت رهينة). إذا سمعت أن رجلاً مات وعليه دين وسددت عنه يسدد الله تعالى عنك يوم القيامة ولا يؤاخذك بذنب ونهيب بكل من له دين على ميت أن يسامحه فيه حتى يفك الله تعالى رقبته يوم القيامة. وكا منا معرّض لأن يكون قد استدان منه أحد فلم يسدد ولذا علينا أن نقول كل ليلة: أتصدق بعرضي ومالي على كل من لي حق عليه إكراماً لوجه الله تعالى وإكراما للرسول r. الدَيْن إذا لم يوفّى يولج صاحبه النار والأحاديث في فك الدين عجيبة وكثيرة. علّمنا الرسول r الدعاء ليساعد على فك الدين كما في الحديث الشريف: قال النبي r ألا أعلمك كلمات لو كان عليك مثل جبل صبير ديناً أدّاه الله عنك قُل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك (رواه أحمد والترمذي والحاكم). وعلّم الرسول r أبا سعيد الخدري هذا الدعاء ليقضي الله تعالى دينه ويذهب همه: قُل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدَيْن وقهر الرجال (رواه أبو داوود). وقال النبي r يا معاذ ألا أعلمك دعاء تدعو به فلو كان عليك من الدين مثل جير أداه الله عنك فادع يا معاذ قُل: اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير. تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطي من تشاء منهما وتمنه من تشاء ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك. (رواه الطبراني).

الدَين مصيبة المصائب إن كنت أنت المدين وإن كنت الدائن فأنت مطالب أن تتبرع به إذا مات صاحبه أو تتلطف به والرسول r يهيب بالمسلمين " رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى". أما القرض فمن العبادات الجليلة يوم القيامة فإذا تعودت أن تقرض الناس تأتي بحسنات كثيرة لا يمكن أن تأتيك إلا من هذا الباب.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:43 PM
منظومة الدِّين (دين)

دين- شريعة – مِلّة –

الدين هو التوحيد والعقيدة (إن الدين عند الله الاسلام) أي لا إله إلا الله (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء) عبدوا أصناماً وتركوا عبادة الله تعالى. التوحيد هو لا إله إلا الله أي تمحّصها تمحيصاً دقيقاً تخلص بها لوجه الله تعالى فلا بأس عليك بعد ذلك. وصى الله تعالى بها الأنبياء وهي غير قابلة للتعديل والتبديل أو النسخ ولا تختلف من نبي إلى نبي آخر. والدين الحق هو الدين الثابت الذي لا يتغير أما الشريعة فتتغير من نبي إلى نبي.

الشريعة: هي ما عدا لا إله إلا الله وما يلزم لها من الغيبيات (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك) والشريعة تتغير من نبي إلى نبي. والشريعة ما عدا العقيدة أنواع فيها أخلاق ووجدانيات تسمى الرقائق وفيها لسانيات تسمى الذكر وفيها أنواع الأحكام العملية، الجهاد، البيوع، الفقه (حلال وحرام). إذن الشريعة هي كل ما عدا العقيدة والعقيدة هي الدين وهي لا إله إلا الله وما يلزم لها. والدين مبني على التصديق "من قال لا إله إلا الله مصدقاً بها قلبه" والشريعة مبنية على الطاعة (وأطيعوا الله ورسوله).

المِلّة: مبنية على الدوام. نلاحظ الدين دين الله والشريعة شريعة الله أما المِلة فلا يقال مِلة الله وإنما يقال مِلّة ابراهيم وعيسى وموسى ومحمد r. المِلّة هي الدين إذا استمر الدين طويلاً ودام في أمة من الأمم. لا يوجد من نقول عنه نوحي أو يوسفي أو صالحي لأن شرعهم اندثر وإنما يوجد مسلم، نصراني. الأمة التي استمرت على مِلّة من ملل الأنبياء وهم جميعاً متشابهون لكنهم ينتسبون إلى هذا النبي من الأنبياء يسمون ملة ابراهيم، اسماعيل سواء كانت ملة مؤمن أو غيره (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هو كافرون). المِلّة هي الدين الذي يدوم على أمة من الأمم واستمر يسمى مِلّة (مِلّة أبيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل) (ومن يرغب عن مِلّة ابراهيم إلا من سفه نفسه) ابراهيم صاحب التوحيد وهو صاحب مِلّة لأنه استعمل نظرية الشك يوصل لليقين ومحّص التوحيد ووحّد الله وآمن به عن عقل وتجربة حتى قال آمنت أنه لا إله إلا الله.

(قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) هذه آية عجيبة أنت تقاتل من ليس لد دين هذا الوحيد الذي يجب أن تقاتله. الدين أكرم أهل الكتاب من أول القرآن لآخره وهو يثني عليهم وعلى الموحّدين منهم خاصة فقط بعض أهل الكتاب أشركوا. (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين) والاشكال مع الذي أشرك بعد ذلك (قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) المطلوب من جميع الأنبياء ومن أصحاب القوة أن يوحدوا العالم على لا إله إلا الله. الدين لا إله إلا الله هذه الأساسية والشرائع متعددة (لكل جعلنا شرعة ومنهاجاً) رب العالمين يقول (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) التوبة) هذا تكريم. كما عليك أن تنقي المسلمين من الشرك ودين المسلمين من الخلل والزيغ عليك أن تنقي عقائد النصارى واليهود الذين أشركوا وتعيدهم إلى الدين (الاسلام) الذي هو الدين الحق والدين الثابت كما قال عيسى u (ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد). هذا التوحيد أساسي فطري كونك إنساناً فأنت موحّد بطبعك (وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين) الإيمان فطري فالأصل في الأنسان التوحيد والشِرك طارئ وليس العكس كما يقولون الأصل عبادة الأوثان (وإذ أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى). ليس لك عذر أنت موحد بفطرتك أنت ابن آدم والله تعالى نفخ فيه من روحه فكل الكفار في قلبهم مؤمن (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) جعفر الصادق عندما سأله أحدهم عن الله تعالى قال له أما ركبت البحر يوماً قال بلى قال ألم تأتي عاصفة فقلبت السفينة قال بلى قال ماذا فعلت؟ قال تشبثت بلوح من الخشب قال ماذا قلت؟ قال: يا الله فقال له هو ذاك الله. فالملحد والشيوعي في ساعة العسرة يقول يا الله في اللاشعور هذا هو التوحيد الفطري.

القرآن الكريم كرّم اليهود والنصارى في مكة والمدينة كما لم يكرم العرب من حيث أنه قال (وأنزلناه حكماً عربياً) العرب كان لهم إما الاسلام وإما السيف، فإن لم يسلم العربي يقتل أما اليهودي أو النصراني فلا يُقتل ويبقى على دينه ويدفع الفدية ويسقط عنه الجزاء وقد تسقط عنه الجزية. هذا التكليف يعلمنا أن الفيصل يوم القيامة (لا إله إلا الله). الأحاديث التي تسعد قلب المؤمن " أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله مصدقاً بها قلبه" " من شهد أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من عمل" " يا معاذ بن جبل ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرّم الله جسده على النار" وحتى نكون واقعيين وليس ساذخين هذه الأحاديث كانت في بداية الاسلام وهي أحاديث مكية حين كانت المعركة معركة مع الأصنام والشرك ولم تكن هناك أحكام بعد. فعندما يأتيك مشرك أولاً علّمه التوحيد واجعله يرددها فإذا فعل هذا فقد سعد بكل هذه النصوص. لما انتقل الاسلام إلى المدينة وضع الرسول r قيوداً لكي لا نكون سذجاً " من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة" قيل يا رسول الله وما إخلاصها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله" هذه في المدينة تحجزك كلمة التوحيد عن محارم الله فلا ترتكب المحرمات أما في مكة فلم يكن هناك عمل. قال r:" لا يموت عبد شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صدقاً من قلبه ثم يسدد إلا سلك به في الجنة" " ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء حتى يُفضي إلى العرض ما اجتنبت الكبائر" الأحاديث الأولى في مكة أيام الشرك فكان المطلوب لا إله إلا الله فقط وهي أحاديث متفق عليها، ثم انتقل r الى المدينة واستقر الاسلام وانتقل الى الشريعة صار ربط بين الدين والشريعة. ابن عمر رضي الله عنهما قال في (الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها) قال الحسنة لا إله إلا الله والشيئة هي الشرك.

الشرك الأكبر هو الذي يخرجك من المِلّة أي أن تجعل لله نداً وقد خلقك (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). والشرك الخفي هو أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة السوداء في الليلة الصماء. هكذا الشرك الأصغر وهو الرياء فكيف تصلي ليراك شخص وتتصدق ليراك آخر ويقال أنك محسن ؟ هذه مصيبة يقول الله تعالى لرسوله r (وأن أقم وجهك للدين حنيفا) تنبيه على أن شرك العبادات والعمل الصالح فإياك أن تأتي يوم القيامة وعملك مُحبط وعليك أن تعود نفسك كل يوم على علاج هذا وإلا فلا أمل.

(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)) العروة شجر من أشجار البادية لا يُقتلع لشدة جذورها العجيبة ولهذا يقول تعالى في كلمة التوحيد (ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أُكُلها كل حين) كلمة لا إله إلا الله. والحين هو جزء الثانية. لا إله إلا الله تبقى تتردد في السماء إلى يوم القيامة وتصب عليك أجرها "ليس على أهل لا إله إلا الله بأس" لو نقرأ الأحاديث الواردة في فضلها كذكرعجيبة وتعرف ماذا تفعل يوم القيامة.

القضية المركزية في حياتنا الدنيا والآخرة والهدف الذي خلقت من أجله (لا إله إلا الله) هذا الكنز الهائل من حقه عليك أن تصونه من كل ما يخدشه أو يشينه عليك أن تحفظه من كل نوع من أنواع الشرك الخفي وهو مصيبتنا "لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي" هذه الأمة منيعة على الشرك الأكبر أما المصيبة فهي الشرك الأصغر الخفي وأعدى الأعداء هي النفس التي تحب الشهرة والمدح. عوّد نفسك على أن تعبد الله حيث تريد أن تعبده وحدك. قلل عبادتك صُم يوماً واحداً في الشهر دون أن يعرف الناس بدل أن تصومه كله رياء للناس. الله تعالى أعطانا كلمة التوحيد بسهولة لنتأقلم معها عقلياً ومعرفياً ومنطقياً. وهذا الكون فيه من العجائب الكبيرة (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) فهما وصل الانسان الى علم في الدنيا فإنما هو جزء من علم الله تعالى. قصة موسى مع العبد الصالح في سورة الكهف معروفة وقد حصلت بعد أن قال موسى عندما سُئل من أعلم أهل الأرض فقال أنا فأخبره الله تعالى أن هناك من هو أعلم منه وحصلت القصة مع العبد الصالح وبعدما حصل ما حصل قال العبد الصالح جاء عصفور فنقر من البحر قطرة فقال العبد الصالح لموسى علمي وعلمك إلى علم الله أقل من هذه القطرة من البحر فاستغفر موسى وتاب. كل ما نحن فيه من علم وما سيكون الى يوم القيامة إنما هو قطرة في بحر فكيف نساوي شخصاً بالله تعالى وكيف نجعل لعملنا شريكاً مع الله تعالى؟ (إن الدين عند الله الاسلام) (ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله) (إني بريء مما تشركون) (أفغير الله تبغون وله أسلم من في السموات والأرض) كل شيء في الكون يسلم وأنت لا تسلم وأنت صاحب العقل الذي كرّمه الله تعالى (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الله من دونه) تتحدى فتعبد حجراً أو صنماً وأعجب كل العجب من عظماء في التاريخ اشتهروا ولكنهم كانوا يعبدون بقرة مثل غاندي وغيره. (ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه) أي غير لا إله إلا الله ممحصة خالصة تماماً لله تعالى. (إني أخاف أن يبدل دينكم) فرعون قال أنا ربكم الأعلى وإجابة السؤال من هو ربك؟ هذا هو الدين. المتدين هو من يدين لله تعالى في الدين بالتصديق وفي الشريعة بالاتباع وفي المِلّة بالدوام. (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون) يمكن أن نكون مذاهب لكن لا نتفرق في الدين والتوحيد (لا إله إلا الله) لم يقل فرقوا شريعتهم أو مِلّتهم وإنما قال دينهم.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:45 PM
حرف الذال

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:46 PM
منظومة إضطراب الحركة (ذبّ)

ذبذب – تحيّر – تردد - تاه

الكلمة الوحيدة في كتاب الله عز وجل التي تدخل في هذا التكوين كلمة ذبذب (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143) النساء). والذبذبة هي إضطراب الحركة. لما تأملنا في كتاب الله عز وجل وأردنا أن نبحث فيه إضطراب الحركة وهذه حركة مضطربة ليس لها وجهة محددة. الكون كله يقوم على التذبذب والتردد. الكون موجي وجميع الحركة في الكون تقوم على التذبذب والتردد وكلنا نسمع في الفضائيات أن إرسالها يتم على ذبذبة قدرها كذا ميجاهيرتز. هذا التردد في الكون هو التسبيح كما يقول بعض العارفين (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) وربما يكون صحيحاً. كل حركة ابقى تتردد في الفضاء وهذا شأن الفيزيائيين الذين يعرفون معنى هذه الكلمات وأين مبدأها ومنتهاها وهم أقدر الناس على تلمّس قدرة الله تعالى في الكون. نحن نتكلم عن حركة الإنسان على خلاف حركة الكون. إذا كانت حركة الكون تقوم على الذبذبة والتردد فإن حركة الإنسان تقوم على الثبات والإستقامة: الثبات على مبدأ والإستقامة بإتجاهه. والثبلت في هذاه الأمة بل في كل المخلوقات البشرية تقوم على لا إله إلا الله (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) إبراهيم) فلا إله إلا الله القول الثابت الذي لا يمكن تحريفه ولا الزيادة عليه ولا نقصه وهي قضية هذه المخلوقات البشرية الحيّة وهي لا إله إلا الله وهي رسالة الأنبياء جميعاً وإذا ثبتت لهم هذا القول الثابت أدت إلى هذه الإستقامة (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألأ تخافوا ولا تحزنوا) إذن الثبات أولً على مبدأ وهو لا إله إلا الله ثم الإستقامة بإتجاهه. فحركة المسلم أينما كان وكل من يؤمن بالله رباً وإلهاً تقوم على الثبات على لا إله إلا الله والتوحيد المطلق ثم الإستقامة بإتجاه هذا التوحيد ولكل دين إستقامة (ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) هذا الثبات قد يختل ابتداء وقد يختل انتهاءً. وعندما يكون الإنسان مختل الحركة فهو إما متردد أو متذبذب أو متحيّر أو تائه وهذه تعبر عن شيء إصطلاحي في كتاب الله إسمه النفاق. فالمنافق هو الذي يكون إما متردداً أو متذبذباً أو متحيراً أو تائهاً.

منظومة إضطراب حركة الإنسان فيما يُراد لهذا الإنسان أن تكون حركة ثابتة بإتجاه الإستقامة أو إستقامة دائمة بإتجاه الثبات. الكون موزون كما أن هذا الدين موزون بموازين ثابتة لا تتغير وما يتغير فيها متروك للناس وهذا عمل الفقهاء. لا إله إلا الله تقوم على ميزان دقيق إذا إختل منه جزء يفسده. هذا الشعار الخالد لا بد أن يُصان بصيانة مطلقة تبعده وتنزهه عن كل ما يشينه.

التردد: عقلي. تريد أن تعمل مشروعاً، أن تسافر، أن تنتمي إلى دين فإما أن تكون في البداية ثابتاً ثم تستقيم على هذا الثبات أو لست واثقاً أو يقينك مهزوز. أول مرحلة تبدأ التردد والتردد عقلي. تريد أن تتوجه إلى الحج مثلاً: إن كنت ثابتاً تعلم أن الحج ركن من أركان الدين والذهاب إليه هذا ثبات على إعتقادك أن الحج ركن والإستقامة أنك تعلم ماذا ينبغي لهذا الركن. هذه الصيغة الوحيدة الصحيحة (قل هذه سبيلي أدعو الله على بصيرة). الصواب واحد والخطأ متعدد. إذا كنت ثابتاً ومستقيماً. قد تقول ما الحج؟ طواف وسعي ؟ في عقلك لم يعد ثابتاً، أول بداية الخلل العقلي يسمى تردداً (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) التوبة) القضية عقلانية عقائدية. ذهب الناس للجهاد فقال أحدهم وهو جالس في بيته أين أذهب؟ كيف أترك عيالي؟ ثم يبدأ بالفلسفة ثم يبدأ يقول مَنْ محمد؟ بدأ الخلل في تصوره وعقله. بداية الحركة تفكير تسمى في المصطلح الديني نيّة. نيّته هنا اختلّت فهذا تردد. وقد ذكرنا في حلقات سابقة الفرق بين الشك والريبة: الشك هو تساوي الطرفين مع تقدم في المعرفة والريبة هي تساوي الطرفين مع هروب من المعرفة. فالتردد شك مع تهمة أنا أشك هل أنت مريض أو متمارض؟ هل أنت ناجح أو راسب؟. الريبة أنا مرتاب فيك هل أنت لص أو أنت أمين؟ هذه فيها تهمة. فهؤلاء ما شكّوا بالنبي r وإنما ارتابوا فيه إذن هذا تردد. كل من يبدأ بعدم الوصول إلى تصور ثابت محدد ومستقيم يسمى تردداً. هذه أول خطوة في الضلال أو الإضطراب.

التحيّر: لما يستحكم منك التردد يؤدي بك إلى التحير. أين أتوجه ؟ مع محمد أو مع المنافقين الخوالف؟ بعد أن إختل عقلك في موضوع المبدأ إختلت نيتك في التوجه. ليس عندك مرجّح أو خطة أو غيره لهذا فأنت بينهما وهذا يسمى تحيّراً (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) الأنعام). هذا كان مسلماً ثم إرتدّ فيقول تعالى لمحمد r : قل لهم (كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران) هذا حيران، الشيطان يقول له تعال. وسبق أن ذكرنا كلمة هوى واشتقاقاتها العجيبة: هوا من الريح، وهوى من الرغبة والشهوة، وهوي السقوط (أو تهوي به الريح في مكان سحيق). بعدما تردد أراد أن يتحرك فتحيّر في الحركة أين وجهته؟ بعد أن شك في المبدأ تحيّر في الوجهة التي يتحرك إليها. نحن مسلمون (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ (آل عمران)) إستقامة كاملة ليس فيها شك (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) الأنعام) إستقامة كاملة نحو الثبات الكامل.

التيه: بعدما تحرك ولا يدري أين يسمى تيهاً. عندما تفقد الهدف أو الوجهة يسمى تيهاً (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) المائدة) بني إسرائيل أربعين عاماً تحركوا حركة دائمة وليس لهم وجهة يذهبون من النهار إلى الليل ثم في الليل يجدون أنفسهم في المكان الذي إنطلقوا منه في النهار.

الذبذبة: لو صارت لهم وجهة وليست واحدة وإنما اثنتين مرة هنا ومرة هنا بلا هدف فقط حركة آلية تدل على ضياع وتفاهة وإنعدام وزن مثل بندول الساعة ليس عنده غرض لا مع اليمين ولا مع اليسار وإنما وظيفته أن يتحرك إلى المين واليسار. ذبذبة الكون كبندول الساعة لكن في الكون هي محمودة لكن في الإنسان مذمومة. الذبذبة حركة الشيء المعلّق. كل حركة لها صوت، حكاية هذه الحركة للشيء المعلق بشيء رتيب بلا معنى كما يقول الشاعر:

يبكي ويضحك لا حزناً ولا فرحاً كعاشق خطّ سطراً في الهوا ومحى

حركة لا مردود لها. هذا الإضطراب في النهاية كما قال تعالى (مذبذبين بين ذلك).

هذا الفرق بين التردد (عقلي وذهني) ثم التحيّر (أين تتحرك؟) ثم تحركت بلا وجهة (تيه) ثم اهتديت إلى عدة وجهات فمرة أنت هنا ومرة هنا ومرة هنا (ذبذبة).

هذه المنظومة كان يُعاب أصحابها لأنهم قِلّة. في كل المجتمعات وعلى كل المستويات في حركة اليوم الليلة للبشرية كانت هذه المنظومة في غاية القبح: تقول فلان متردد، تائه، متحيّر، مذبذب أو متذبذب، لقبحها لا يتصف بها إلا قلة من الناس وهذه القلة مذمومة وغير متزنة وغير واضحة المعالم في الحركة وعندها كثير من الإختلاطات والإختلافات والخلل. هذه المنظومة تفرع منها : فلان جبان ، خوّان، منافق، ذو وجهين... كلها بدأت بأن يكون الإنسان متردداً في ذهنه، متحيراً في وجهة حركته، تائهاً في حركته الفعلية، مذبذباً في عدة وجهات ليس له إلتزام بشيء. المتذبذب هو ليس ملتزماً بشيء. هكذا كل حركة الكون الإنسانية تخضع لهذه المعايير. الشيء المحزن الذي أخبرنا به الرسول r : "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" وحديث الغرباء " سيأتي يوم يكون المسلم فيه غريباً" وتُرفع الأمانة حتى يقال إن في بين فلان أميناً. الخلل بإضطراب الحركة. اضطربت حركة البشرية جمعاء. كنا سابقاً بإتجاه الأمانة عقيدة أولاً ثم إستقامة هكذا كان 90% من الناس في كل مراحل الكون البشرية عندما فقدت الثبات والإستقامة واليوم أصبح هذا سياسة. النبي r يخبرنا بحديث عجيب طُبّق في 11 سبتمبر. بدأ العالم في مرحلة جديدة. منذ خلق آدم إلى ما يسمى بأحداث 11 سبتمبر على وتيرة. كانت الأمم عندها موازين، كل الأجيال كان الناس متفقون على الأمين والخائن والسارق والشريف والصح والخطأ وكان هناك إتفاق على موازين الصواب والخطأ. ومن ذلك التاريخ إختل الميزان بالكامل بحيث أصبح الصواب خطأ والخطأ صواباً. يقول r:" كيف أنتم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ قالوا: أوكائن ذلك يا رسول الله؟ قال" وأشد منه كائن. كيف أنتم إذا رأيتم المنكر معروفاً والمعروف منكراً؟ قالوا: أوكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه كائن. كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟. هذا كائن الآن. دول، حكومات، إعلام، مِهن عامة، علاقات إنسانية، كل حركة هذا الكون بكل أصنافها هل هي قائمة على الثبات والإستقامة كما كان سابقاً على زمن أجدادنا وآبائنا؟؟ كلا. لأول مرة يختل هذا النظام العالمي كله. هل المنظمات الدولية لها إلتزام بميثاقها التي وضعته أو أنها متذبذبة بين مصالح الأمم والقوى العظمى؟! هذه ذبذبة ليس لهم موقف. منظمة الأمم المتحدة، الجامعة العربية، منظمة حقوق الإنسان وغيرها المحتل أصبح رجل السلام والمدافع عن أرضه أصبح إرهابياً، المعروف والمنكر نسبي من دولة لدولة ومن شعب لشعب ومن أمة لأمة.

قِس على ذلك كل شيء وكل المهن: التاجر سابقاً كان مهيباً ومتخصصاً وكان للتجار كبير يحكم بينهم أما اليوم فأصبح التاجر يشتغل بكل شيء وذهبت قيم وثبات وإستقرار التجارة. عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول السوق دولة له قيمته وقوانينه. وكانت الأسواق متخصصة: سوق الورّاقين، سوق القماش، سوق الإبل، سوق الخيول والإسلام لا يقبل بالإخلال بقوانين السوق وإستقراره.

كل رؤوساء العالم أصابهم التردد أولاً ثم التحير ثم التيه ثم الذبذبة التي أصبحت سمت السياسة في العالم كله وإجماع الدول على هذا الخلل لم يسبق إن حدث في الكون. وهذا إجماع خطير على مستقبل الكرة الأرضية لأن لها قواني وضعها الله عز وجل. ليس في وسع قوة خارقة أن تستبد بالضعفاء الذين لا يستطيعون ردّها وإلا فإن الله تعالى سيتدخل مباشرة بأسباب لا أحد يستطيع دفعها. الله تعالى أغرق فرعون ودولته والنمرود الذي ظلم الناس تدخل الله عز وجل ببعوضة تدخل في إذن الجندي فتصرعه. قوم عاد طغوا وقالوا من أشد منا قوة؟ هذه العبارة بداية النهاية المطلقة. لهذا الكون بهذه الذبذبة المعاصرة إن لم تقم قوة عالمية لإنهاء هذا العار فإن كارثة لا بد أن تقع.

من عصى الله بعد أن عرفه سلّط الله عليه من لا يعرفه. وقال تعالى (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) الأنعام). بأس الكل طاقة وليس أذى. والبأس أن تفرّغ طاقتك وكل ما تستطيع.

(ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) الأنعام) (القرى أي المجتمع) والمصلحون الذين يحققون العدل فيما بينهم. هذه القرى التي تشرك بالله لا يعبها الله تعالى في الدنيا لأنه تحقق العدل قيما بينها.

يقول ابن خلدون : إن الله لا يُديم دولة الكفر مع العدل ويسقط دولة الإسلام مع الظلم.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:46 PM
منظومة الإذعان والإنقياد للغير (أذعن)

الإذعان – الذُلّ – الخضوع - الإستسلام – الإستكانة – الإخبات – الإستجابة - الطاعة

منظومة الإذعان للغير أو الإنقياد للغير منظومة دقيقة حساسة لأنها من قوانين هذا الكون فما من إنسان إلا وهو منقاد إنسان آخر ويسمى في لغة القرآن بالإمام (يوم ندعو كل إنسان بإمامهم) هذا الإمام الذي ينقاد له الآخرون قد يكون ملكاً أو رئيساً أو حاكماً أو شيخ قبيلة أو رئيس حزب أو ما شاكل ذلك. من حيث القوانين الكونية في هذا الكون فكل مخلوق لا بد أن ينقاد لمخلوق آخر حتى الملائكة لهم رئيسهم . هذه المنظومة في كتاب الله عز وجل : الإذعان، الخضوع، الذل، الإستسلام، الإخبات، الإستتجابة، الإستكانه، الطاعة. كل نوع من هذه الأنواع التي تدل على إنقيادك للآخر لها في كتاب الله تعالى مدلول منضبط تماماً وبين كل إنقياد وإنقياد بناء على هذه المصطلحات بينها فروق دقيقة حيث تعلم أن لغة القرآن معجزة وأن كل كلمة تدل على نوع من أنواع إنقياد.إنسان لإنسان أو إنقياد علد لخالقه عز وجل أو إنقياد مواطن لحاكمه وكل كلمة لها فرق دقيق مع الكلمة الأخرى فلا تُغني كلمة عن كلمة ولذا يتم لنا الإثبات أنه ليس في القرآن الكريم مترادف.

كل إنقياد له سببه على مستوى الملوك مثلاً: كل شعب ينقاد لملكه أو رئيسه. في الكتاب والسنة النبوية تستعمل كلمة الملك للدلالة على كل حاكم. الملك ينقاد له الناس لأسباب معينة وكل نوع من أنواع الإنقياد له كلمة مخصوصة في هذه اللغة الأعجوبة التي ما من لغة على وجه الأرض يمكن أن تحمل المطلق الإلهي والفهم النسبي لله عز وجل إلا هذه اللغة. من الناس من يخضع لملكه لأنه عريق في نسبه يعرفونه أباً عن جدّ، أو لبراعته في فنون الحرب أو لبراعته في الإقتصاد أو ما شاكل ذلك فالناس ينقادون له. أو يكون الملك رؤوفاً بشعبه يعفو عن مسيئهم ويرعاهم ويكلأهم فينقاد الناس له، وقد يكون الملك قاسياً مجرماً قاتلاً معذباً كفرعون مثلاً فينقاد له الناس إنقياداً من جراء ذلك. والفراعين في هذا الزمان كثيرون. أكثر الإنقيادات في العالم الآن هي من هذا الرعب القاتل حيث شاعت السجون السرية والتعذيب التي تنخلع له القلوب وليس هناك دولة على وجه الأرض إلا ما رحم ربي تخلو من هذا النوع من الترهيب بحيث ينقاد له الناس من حيث هذا الذي يسموعنه عما يدور في السجون فينقاد الناس مرعوبين على تفاوت في ذلك خاصة في العالم الإسلامي.

نتأمل في كتاب الله عز وجل لنعرف كيف استعمل القرآن هذه العناوين على كل نوع من أنواع الإنقيادات:

الإذعان: (وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) النور) هو إنقياد بسلاسة ولين طوعاً من غير قهر بعد إمتناع. مواطن معارض للحكم يعلن معارضته ثم صار بينه وبين الحكومة حوار ونقاش فاقتنع هذا المعترض بلطف وسلاسة فعاد وأطاعهم وإنقاد لهم يسمى هذا إذعاناً. كل إنقياد بعد إمتناع يتم بسلاسة وحوار ولطف ولين من غير عنف وقهر يسمى إذعاناً كما هو الحال بين التنافسين في العلم كعالمان مختلفان في قضية علمية أحدهما يحاول إقناع الآخر بلطف. غلإذعان إذن سلميٌ بعد إقتناع من غير عنف ولا قهر.

الذُّل: إن كان الإذعان بقهر يسمى ذُلّاً (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45) الشورى) المشركون الذين يشركون بالله عز وجل ويعبدون غير الله تعالى يوم القيامة يرون النار وينظرون إليها خاشعين من الذل، هذا ذل قهري من شدة رعبهم وخوفهم ذلّوا. كما قال تعالى على بني إسرائيل أن فيهم ذِلّة. عندنا ذِلّة وذُلّ: الذُلّ إنقياد بمهانة هندما تذل إنساناً وتقهره على أن يفعل شيئاً يقال إنقاد له أو ذُلّ له، قال تعالى في الأبوين (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) الإسراء) من هذا القهر الشديد أنت مذلول لأبيك وأمك وتنقاد لهما قهراً ولا تستطيع أن تقول لهما أف وهذا ذُلٌ عبقري كريم يحبه الله تعالى ورسوله تنقاد لأبويك دون أن تقول لهما مَه أو أف. أما الذِل فهو بدون قهر وهو ما نسميه بالشعور بالنقص (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ (البقرة)) اليهود في التاريخ إذا تمكنوا من بلد وعلوا فيه إنتقموا من أهله بإذلال الشعب وتحقيق مصالحهم على حساب مصالح البلد والشعب الذي يسيطرون عليه وهذه بداية إبادتهم وهذا نسقهم في التاريخ (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) الأعراف). فالذِلّة هي سمتٌ عام في كل مجتمع فهناك من هو مهزوز ذليل بطبعه ولديه شعور بالنقص والهوان. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) المائدة) هذه أمر من الله تعالى بأن تذل أمام إخوانك المسلمين وهذا من الذُلّ. إذن الإذعان هو إنقياد بالنقاش والحوار والذُلّ إنقياد بالقهر والقوة والعنف كالمستعمر الذي يملي عليك إرادته.

الخضوع: إنقياد بسكون تام. قال تعالى (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) الشعراء) أريد أن أُريك شيئاً يُدخل الرعب في نفسك فتنقاد بسكون تام فلا تتحرك. سجين يرى تعذيباً هائلاً على غيره فينقاد بسكون من غير أن ينطق بكلمة من شدة الرعب الذي يراه هذا يسمى خضوعاً. فالخضوع إذن إنقياد بسكون تام وهذا السكون إما أن يكون عن رعب أو عن شدة إحترام كأن تقف بين يدي الله تعالى ولشدة شعورك بهيبته وحبك له تسكن له سكوناً لا تتحرك وتنقاد له بمنتهى السكون. هذا خضوع لله تعالى محبة له سبحانه وقد كان عروة بن الورد إذا صلّى وقفت الطير على رأسه لشدة سكونه في قيام الليل. فالإنقياد بسكون تام يسمى خضوعاً , بنوإسرائيل رأوا الجبل قد رُفع فوقهم فسكنوا وخضعوا.

الإستسلام: أسلم واستسلم. قال تعالى (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) النمل) هو أن تفقد إرادتك بالكامل لمن إنقدت له. من هنا أُخذ الإسلام والإستسلام: أنا منقاد لله تعالى في كل شؤوني (إني أسلمت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً). والإسلام أن تنقاد إنقياداً شاملاً ليس لك مع الله تعالى إرادة وليس لك مع من تنقاد له إنقياداُ شيئاً فكل أمرك بيد سيدك (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) لا تملك شيئاً (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) لا تملك من أمرك شيئاً هذا هو الإسلام والإستسلام.

الإخبات: (فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الحج). قد يتم الإستسلام أحياناً بتمرّد من الداخل كخادم ينقاد لسيده ولكم في داخله تمرّد. إذا كان الإستسلام يرافقه تواضع يسمى هذا إخباتاً. (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23) هود) كلنا آمنا بالله تعالى ولكن ليس عندنا تواضع وعندنا في بعض الأحيان لوم وإعتراض على رب العالمين لكن هناك من عباد الله تعالى من ينقاد له إنقياداً شاملاً مع التواضع. قال بعض الصالحين بعد أن قُطعت يده وفُقئت عينه وبُترت رجله قال: يا رب وعزتك وجلالك لو قطعتني إرباً إرباً لما شكوت منك. هذا مخبت: إستسلام مع تواضع شديد "من تواضع لله رفعه" وهناك فرق هائل بين الإخبات والإستسلام. وكل إختلاف في المعنى يؤدي إلى إختلاف في المبنى على هذا النسق الرائع في القرآن.

الإستجابة: هو إنقياد سريع. أنت جندي منقاد لضابطه ما إن يناديه حتى يحضر أمامه فوراً وخلال ثواني. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) الأنفال) خديجة وأبو بكر وعلي إبن أبي طالب سبقوا بالإيمان فكانوا أفضل الناس وإستجابوا فوراً للرسول r. هذه الإستجابة إنقياد بسرعة ما إن علم حتى إستجاب بدون تأخير فالإنقياد السريع يسمى إستجابة ولذها قال تعالى عن نفسه (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) البقرة)

الإستكانة: الإنقياد مع الرهبة.فرعون عذّب قومه ولكنه مثلاً لم يعذّب شخصاً ما لكن هذا الشخص من خوفه مما رآه مخيفاً من بعيد يستكين. متوقع من بعيد وأرهبك من بعيد. قال تعالى (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) البقرة) لم يعذبنا ولكنه قادر سبحانه على ذلك. فالإنقياد مع الرهبة يسمى إستكانة (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) المؤمنون) بعض الناس في قلوبهم قسوة يرى العذاب والمصائب تحصل أمام عينيه ولكنه لا يستكين أما غيره فيتوب بسرعة ويستكين. بعض الأمم الهالكة أخذهم الله تعالى بعذاب وأعاصير لكنهم لم يتفكروا ولم يستكينوا.

الطاعة: الإنقياد بإختيار ومحبة وإقتناع وهي أفضل المنظومة. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) الأنفال) ويقول الشاعر: إن المحب لمن يحب مطيع.

إذن بإختصار: الإذعان إنقياد بسلاسة ولين بعد إمتناع، الإذلال بقهر ومهانة وإنقياد، الخضوع بسكون تام، الإستسلام مطلق في كل الشؤون، الإخبات بتواضع، الإستكانة برهبة، الإستجابة بسرعة والطاعة بمحبة.

قد تطيع شيخاً أو رئيساً أو طائفة أو ملكاً وإذا كنا نرهب الملوك ونطيعهم ونخبت لهم ونذعن لهم وهم بشر أمثالنا خرجوا من مجرى البول مرتين (مرة من مجرى بول أبيه ومرة من مجرى بول أمه) ولا يستغنون عن المرافق يوماً وفي بطن كل مخلوق منهم كل هذه القذارات وفي عواطفهم كل هذا الزيف والحقد والبخل وفي عقولهم كل هذا الخلل فكيف يمكن أن ننقاد لهم هذا الإنقياد ونغفل عن إنقيادنا لملك الملوك الذي يتصف بصفات فريدة لا يتصف بها غيره. خالق كل المخلوقات. وكل المخلوقات فيها خير حيوانات وإنس وجن ونباتات فيهم من يعجبك ويكرمك لكن لكلٍ نقائصه ومع هذا تنقاد لهم فمنهم من فني في وطنه حتى مات في سبيله ومنهم من فني في حب شيخه. تطيع مخلوقاً وتذل له وتخضع وتخبت وتطيع ومع ذلك تنسى ملك الملوك الذي لو تأملت في بعض صفاته وما يعطيك من سخاء وحِلم لذبت فيه عشقاً كا قال عز وجل: هب أتي لم أخلق جنة ولا ناراً أفلا أستحق أن اُعبد؟ رب العالمين له صفات جمال وصفات جلال. وصفات الجلال هي فقط لمن أشرك به (الجبار المتكبر) حتى لمن أشرك به عامله بمنتهى الرفق ففرعون مثلاً الذي نافس الله تعالى على الربوبية أمر تعالى موسى وهارون أن يقولا له قولاً ليناً (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) طه) حتى في صفات جلاله فهو كريم سبحانه, فإذا كان هذا كرمه مع فرعون فما بالك بكرمه مع عبد من عباده يقول لا إله إلا أنت أعبدك ولا أعبد غيرك ولا أشرك بك شيئاً!؟ قال تعالى في الحديث القدسي: عبدي لو جئتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شئياً لجئتك بقرابها مفغرة. وكم هي فادحة خسارة أولئك الذين كانوا على التوحيد ثم أشركوا من أصحاب الديانات الأخرى من اليهود والنصارى وبعض المسلمين والصابئة. واليزيدية الذين كانوا موحدين ثم جاءهم من جاءهم فأضلّهم فكفروا فعبدوا الشيطان. وهناك للأسف في هذا العصر من عبد شيخاً أو قبراً أو فكراً أو إماماً.

التوحيد قضية مركزية في هذا الكون أن نقول لا إله إلا الله مصدقاً بها قلبك أخلصتها وخلّصتها من كل شائبة. هذا التوحيد هو مفتاح كل الخير في الدنيا والآخرة وبدونها فأنت لست من عباد الله وإنما من عبيده. فعليك أن تفقه معنى لا إله إلا الله وما يجب لها ويلزم لصحتها والباقي لا عليك به. مفتاح الجنة لا إله إلا الله وقد كان أجدادنا وآباؤنا يمحصونها تمحيصاً دقيقاً لكن الناس ضائعين اليوم وكل ما حولنا في الكون وكل هذه المعارف التي يفتح الله تعالى بها على البشرية (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) فاطر) تدل على أنه واحد لا إله إلا هو ومع هذا تجد من ينسب هذا لغير الله تعالى علماً أن كل الأنبياء والرسل كانت مهمتهم أن يعلموا الناس أن لا إله إلا الله وكانوا يدعون لتوحيد الله تعالى. إذا صحّت منك لا إله إلا الله فاعلم أنك على الصراط المستقيم.

تأمل في الله تعالى من حيث مصلحتك: ما هي مصلحتك مع رب العالمين؟ كل ما تريده من حاجات تجده في الكرة الأرضية وهي من رزق الله تعالى وهو الذي سخر لك الكون كله والخير كله من فضله فهو الرزاق وأنت تنعم في رزقه فمن الذي يكرمك ويرزقك كما يفعل الله تعالى؟

الرحمن الرحيم: من صفات الجمال رحمان بكل خلقه في الدنيا مشركهم ومؤمنهم ربٌ بهذا الجمال والحِلم تذنب أعواماً ثم تتوب إليه ساعة قبل الموت فيغفر لك كل ذنوبك؟! في الحديث: ثم إن أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة حتى يكون بينه وبينها ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ثم إن أحدكم يعمل بعمل أهل النار حتى يكون بينه وبينها ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. ربٌ يعطيك المال ثم تنفقه في مكان ما فيمدحك عليه وهو ملكه وماله. ربٌ يعطيك على العمل أضعاف فمنها ما هو بعشرة ومنها ما هو بثمانية عشر (القرض) ومنها ما هو بخمس وعشرين ( الصلاة في المسجد) ومنها ما هو بخمسين ألف أو مئة ألف (الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي) ومنها ما هو بسعمائة ضعف (المجاهد في سبيل الله) ومنها ما لا يعلم أجره إلا الله تعالى كالصوم (فإنه لي وأنا أجزي به) ربٌ بهذا العطاء والسخاء يُدخل العبد يوم القيامة بعمل واحد (أصحاب الواحدة) قطرة دمع في الليل سالت من خشية الله تعالى، زيارة مريض في الله، الزيارة لله (وجبت محبتي للمتزاورين فيّ)، الحب في الله ولله (وجبت محبتي للمتحابين فيّ).

العدل: كل الكون منضبط لا يوجد ظلم غير مقدور عليه. العدل المطلق أنه سبحانه جعل الكون كله متوازناً والإخلال الذي يمكن دفعه تركه تعالى للناس ويحاسبهم عليه أما عندما يصبح الظلم لا يمكن دفعه يتدخل الله تعالى بلا أسباب لدفعه (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) يوسف) من قوانين الله عز وجل ومن العدل في الكون أنه لا يسمح لقوة لا يمكن دفعها أن تستبد وتظلم فيتدخل سبحانه لإخماد هذه القوة وكفّها إلا إذا كان المضطهدون يستحقون الظلم. فرعون ظلم شعباً بأكمله برؤيا سخيفة رآها فأغرقه الله تعالى وهكذا فعل سبحانه بكل ظالم مستبد فأهلك جيش النمرود ببعوضة تدخل في أذن الجندي فتصرعه.

لو تأملت في إسم الشكور: رب العالمين يعطيك الشيء ثم يمدحك عليه: يمدح كاظمي الغيظ، يمدح المنفقين، عمل قليل يعطي عليه خيراً كثيراً.

الحفيظ: الذي رتّب كل شيء فلا يتنافر وذكرنا الفرق بين الحفظ والحراسة فالحفظ هو التنمية.

المقيت: الذي جعل لك القوت وعبّأ لك الأرض بالبذور وفجّر المياه.

الحسيب: توكل على الله فهو حسبك. قل في كل مصيبة (حسبنا الله ونعم الوكيل) فقد قال تعالى بعدها (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء).

عيسى u كان مع الحواريين فرأوا كلباً ميتاً وكان منتناً فقال أصحابه: ما أشد هذا النتن. فقال عيسى u: ما أبيض أسنانه. فكل شيء في الكون مهما كان سلبياً لا بد أن فيه ناحية جمالية وعلينا أن ننظر إلى الناحية الجمالية ومن هنا جاء ستر العورة (من ستر عورة عبد ستره الله يوم القيامة) الستارون على الناس من أعظم العباد يوم القيامة. تأمل في كل هذه الصفات والأسماء الجمالية لله تعالى التي قال r: من أحصاها دخل الجنة. وأحصاها لا يعني عدّها وإنما الإحصاء معرفة الجزئيات ومعرفة معنى كل صفة منها.

المجيب: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) حتى أنه سبحانه وتعالى استجاب لدعوة إبليس حين قال (أنظرني) فقال تعالى (إنك لمن المنظرين). أجيب فلسيتجيبوا مباشرة أمرنا الله تعالى بالدعاء (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين). الدعاء أمر وما من دعاء إلا ويستجاب ولكن الله تعالى إما أن يجيبه في الدنيا أو يدفع من البلاء بقدر الدعاء أو يدّخره للآخرة حتى يقول العبد يوم القيامة من شدة ما يرى مما ادّخره الله تعالى من دعائه يا ليت ربي لم يستجب لي في الدنيا.

الكريم: كرم الله تعالى إذا وعد أوفى وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء ويقول تعالى في الحديث القدسي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم جاءوني على صعيد واحد ثم سألني كل واحد المسألة كلها فأعطيت كل واحد ما سأل ما نقص ذلك من ملكي إى بقدر ما تغمس المخيط في البحر.

الواسع: واسع بعلمه ومعرفته بما يملأ قلبك علماً وبيتك رزقاً وروحك طمأنينة يسعك ويسع طاعتك ومعصيتك ويبدل سيئاتك حسنات. ما عليك إلا أن تحصي أسماءه الحسنى والأسماء الجمالية وحتى الجلالية مع شجة قسوتها لها مخرجاً.

يقول تعالى لنبيه الكريم r: (يا أيها النبي إتق الله) أي تدرّج في الطاعة ولا ينبغي أن يكون يوماك متشابهان " من تشابه يوماه فهو مغبون" الله تعالى يعلم بأحوال عباده والناس يتفاوتون وهناك من لهم أعذار وظروف وما دمت تقول لا إله إلا الله ممحصة وتصلي للقبلة فقد نجحت في الإختبار لكن عليك أن تترقى في الجنة لأن فيها درجات متفاوتة خيالية والله تعالى من السعة بمكان أنه يرحم الناس رحمة يوم القيامة يتطاول لها الناس حتى إبليس يتطاول لرحمة الله تعالى. لذا يجب عدم القنوط والياس من رحمة الله تعالى وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:46 PM
منظومة أسماء القرآن

ذِكر – قرآن – صحف – كتاب - فرقان

هذه منظومة جديدة نستطيع بسهولة ويسر أن نتلمس ما بين كلماتها من فروق تدل على أن القرآن كلمات معجزة. ذِكر من الكلمات المشتركة لها أكثر من معنى كما سنذكره. الذِّكر هو إسم من أسماء القرآن الكريم وأسماء القرآن في القرآن : الذِكر، القرآن، الفرقان، الصحف أي المصحف والكتاب. ولعل بعض الناس يظن أن هذه الكلمات بمعنى واحد والجواب لا. الإسم الأصلي لهذا الكتاب هو القرآن: القرآن الكريم الذي جعله الله تعالى عَلَماً على الكتاب الذي أُنزل على محمد r كما جعل التوراة علماً على الكتاب الذي أُنزل على موسى u والإنجيل علماً على الكتاب الذي أُنزل على عيسى u وغير ذلك. العَلَم الأصلي لكتاب الله المنزل على محمد r هو القرآن وله إسم آخر يدل على زاوية أخرى من زوايا هذا الكتاب: الفرقان وإسم آخر يدل على زاوية أخرى من زواياه هو الذِكر وإسم آخر يدل على زاوية أخرى من زواياه وهو الكتاب ثم إسم آخر وهو الصحف أي المصحف.

القرآن: قرأ يقرأ قراءة وقرأ يقراً قرآناً. المصدر فعلان مثل جحدان ونكران في غاية الغِلظة أي أن العقل بلغ مداه في المعنى. كفر يكفر كُفر(هذا كفر نسبي) وعندنا كفر يكفر كفراناً (بلغ منتهاه في الكفر). رجح يرجح رجوحاً هذا نسبي ورجح يرجح رجحاناً هذا بلغ القمة. هناك فرق بين من أخذ 60 % في المعدل العام وآخر أخذ 55% نقول رجح فلان على فلان رجوحاً لكن لنا نقول أحدهم أخذ 50% وآخر أخذ 100% فهذا رجحان مطلق.

قرأ يقرأ قراءة بمعنى أي شيء القراءة تأكيد لقرأ نسبي. قراءة جاءت من القراءة لكن بنسبة لكن قرآناً مثل رجحان هذه قضية بلغت المدى في القصة والعمق أي ما تقرأه فيه عمق لا نهائي وأنت توغل في هذه القراءة فهماً بحيث تصل إلى غاية ما يمكن أن يدركه عقلك في زمانك ثم يأتي كل جيل يقرأ ويفهم ما لم تفهمه أنت. كل جيل يقرأ قراءة يستنبط معانيه هذا قرآن وهذا سر هذا الكتاب العزيز. القرآن هو الكلام المنزل على محمد r وينبغي أن تقرأه قرآناً (فمنهم ظالم لنفسه يقرأ ببساطة، ومنهم مقتصد بفهمه ويتعلم أحكامه ليس عميقاً كفاية ومنهم سابق بالخيران في زمانه واسع المدى. لم يقرأ أحد مثل عبد الله إبن عباس (ترجمان القرآن) وعلي بن أبي طالب (سيد الفهم) هذا فهم خاص يؤتيه الله تعالى من يشاء من عباده.ثم جاء الرازي والزمخشري فهموا من القرآن ما لم يفهمه غيرهم. كل جيل يبعث الله تعالى من يفهم القرآن فهماً جديداً نافعاً يعطي معاني جديدة لم يسبق لأحد الوصول إليها وهذا لا ينقطع إلى يوم القيامة فهو كتاب لا تنقضي عجائبه. المطلوب من المسلمين أن يوغلوا في القرآن ويغوصوا في معانيه إلى يوم القيامة كما قال تعالى (يوم يأتي تأويله). في زماننا هذا إكتشفت معجزات وأسرار لم تنتبه إليها الأزمان السابقة مما فتح الله تعالى على الناس من إختراعات وقد ذكرنا هذا في برنامج سابق (آية تبحث عن معنى) كل آية من الآيات المتشابهة، المحكم ليس قرأناً القرآن متشابه. المحكم إفعل ولا تفعل معانيها واحدة : صوم رمضان ليس فيه عمق مطلق وإنما عمق نسبي إنتهى الآن وليس في آيات الأحكام جديد فسّرها رسول الله r ونقلها اصحابه إلى الناس. العمق العظيم في آيات التوحيد: في كل جيل يفهم فهماً جديداً هذا هو القرآن والأحكام الشرعية هي الكتاب. القرآن مجموعة من الكتب (فيها كتب قيمة) لو جمعنا الكتب تؤلف كتاباً (كتاب الصلاة، كتاب النفس، كتاب الطهارة، كتاب الموت وغيرها) ننظر بها مجتمعة هذا يسمى ترتيل (ورتل القرآن ترتيلا).

القرآن من حيث عمقه ينبغي أن تكون قراءته قراءة عقلية (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) الذين يغوصون في معاني المتشابه منه غوصاً يدل أن الله واحد وأن هذا الكلام كلام الله تعالى وأنه لا إحتمال أن يكون هذا الكلام من صنع البشر لأن ما فيه من معلومات لا يمكن لمحمد ولا جيله أن يعرفها كما قال موريس بوكاي العالم الفرنسي الذي أسلم. القرآن بالنسبة لعمق المعنى الذي فيه والذي يقتضي قراءة عظيمة من أصحاب العقول الرشيدة (العقل الراشد لب العقول وذروتها وهو غاية الحكم والفهم والمعرفة) هذا هو القرآن.

الفرقان: القرآن من حيث كونه معجزاً: كل شيء يحسم الموقف (واحد دخل في مشكلة مع واحد فقال كلاماً يحسم الموقف) (وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان الفرقان) حجة بليغة قوية تحسم الموقف بحيث لا يستطيع أحد في الدنيا أن تشك فيها. (يوم الفرقان) بدر فرقان كيف أن 312 واحد تنزل الملائكة تقاتل معهم هذا فرقان قضية محسومة. (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء وذكراً للمتقين) الضياء التوراة والذِكر جزء منها والفرقان جزء منها. معجزة موسى وعيسى عليهما السلام أقام الحجة على الكافرين. هذه المعجزات هي الفرقان لأنها تحسم الموقف موسى معجزته خارج التوراة (اليد، العصى، القُمّل، الضفادع، الدم وغيرها) هذه التي ما إن رآها السحرة حتى خروا ساجدين حسمت الموقف وهذا فرقان معجزة. القرآن الكريم هو نفسه المعجزة. هذا الفرق بين القرآن والكتب السابقة لأن الكتب السابقة كانت المعجزة خارجها (إحياء الموتى لعيسى u من خارج الإنجيل). القرآن هو معجز لذا سمي فرقاناً (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) من معانيه اللانهائية كل جيل هناك من يكتشف في القرآن معنى جديداً لم يعرضه أحد من قبله. هذا القرآن لأنه معجز في كلامه يحسم المواقف فهو فرقان. الفرقان قد يكون للأنبياء أو الأولياء أو الصالحين أو كل من يعطيه الله تعالى كلاماً حاسماً. عمر عندما قال: يا سارية الجبل هذا فرقان. كل من حسم الموقف تماماً يسمة فرقاناً والقرآن كله فرقان من حيث أنه ليس فيه تناقض ولا عوج ولا يبلى على كثرة الرد.

الذِكر: نوعان قلبي ولساني (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) كلاهما نوعان كل منهما اللسان والقلب نوعان إما ذكر عن نسيان وإما ذكر لإدامة الحفظ. والذكر الذي وصفه القرآن هو الحفظ عن ظهر قلب وظاهرة الحفظ لا تضاهيها ظاهرة حفظ هذا أي شيء آخر. ملايين الناس يحفظونه لا يعلمون معناه. هذه الظاهرة لم تتوفر إلا لهذا الكتاب العزيز منذ نزل القرآن إلى اليوم وهو محفوظ في الصدور وكلما تخلّت الأمة عن العمل به كلما سخّر الله تعالى من يقوم برعايته من حيث كتابته وطباعته وحفظه وأنواع الخدمات العظيمة. في هذا الزمان الذين يحفظون القرآن آلآف الأضعاف مما كانوا يحفظون في عهد النبي r. نساء ورجالا وأطفال وترك وفرس وصينيون يحفظونه وهناك مطابع في كل مكان (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر) هذا القرآن يسّر الله تعالى حفظه للناس وهذا من إعجازه.

الكتاب: موضوع معين له عدة آيات تناقش هذا الموضوع يسمى كتاباً. كتاب الطهارة، البيوع، الصلاة، هذا المصحف فيه كتب قيمة. وكل موضوع كتاب: كتاب الموت، النصر، الهزيمة، العادات، الذكر، الصدقة، الصوم. هنا علينا أن نقرأها (ورتل القرآن) أي ضع الآيات التي تتعامل مع موضوع واحد وأدرسها مع بعضها ولا تقسم ما لا ينقسم. هكذا جميع الآيات المتعلقة بكتاب واحد تؤخذ مجتمعة ويُنظر بها مجتمعة. وهذا سبب الإختلاف المذهبي. تضع الآيات في موضوع واحد تنظر إليها كرّة واحدة رتلاً رتلاً على نسق واحد. الرتل متناظر متقدم بإتجاه واحد وقانون واحد.

الصحف: الصفحة كل شيء يقرأ معروض للآخرين يرونه. يقال صفحة خدك من حيث أن الناس إذا نظروا إليها إستفادت جمالاً. يقال أيضاً صفحة الماء كل من يراها يشعر بجمالها ولو وقفت على صفحة دجلة والفرات. الصفحة الشيء الذي يُعرض لذا سُمي صحف. والصحافة لأنه تكتب وتعرض على الناس لو لم تعرض على الناس تسمى شيئاً آخر.وهكذا هو كتاب الله صحف إبراهيم وموسى وصحف محمد r. كل كلمة تعطي معنى دقيقاً من زاوية معينة ولذا مستحيل أن يكون في القرآن مترادف.

الكتاب: كما يعرف أهل اللغة (أل) إما تكون للعهد الذهني نقول جاء الأمير أي عندنا أمير في البلد فالكل يعرف أن الأمير هو المقصود. وأحياناً تأتي لإستغراق الجنس: جميع الأمراء يقال لهم الأمير. كذلك كلمة الكتاب (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه (المائدة)) رب العالمين أنزل الكتاب (أل) للعهد الذهني أي القرآن ليصدق ما بين يديه من الكتب المنزلة كلها (التوراة والإنجيل والزبور والصحف). كلمة الكتاب الأولى للعهد الذهني وهو القرآن والثانية لأستغراق الجنس تعني كل الكتب المنزلة قبل القرآن. والله تعالى يقول أن هذا الكتاب مهيمن على الكتب السابقة. كلمة مهيمن كلمة مشتركة في اللغة وتعني القريب والحافظ والشاهد والمتفوق والأمين والمؤتمن. بمعنى أن القرآن رقيب محافظ شاهد متفوق مؤتمن أمين على الكتب السابقة. كل معنى أثبته القرآن والواقع المعاش:

الرقيب الذي يرصد حسنات وأخطاء الآخر وهكذا هو القرآن دلّ على حسن أو سوء الأداء في كل ما جاء في القرآن من تقريرات عن التوراة والإنجيل والزبور.

التحريف: نص القرآن على أن التوراة والإنجيل حُرّفا (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ (النساء)) (حرفوا الكلم عن مواضعه: ساعة نزوله قام اليهود بتحريفه) ثم بعد مئات السنين قاموا بتحريفه (من بعد مواضعه) (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا (المائدة)) إستمرار اليهود في ذلك التحريف. التحريف يعني أن الآية موجودة لكن يقرأونها بشكل فيه نقص (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) آل عمران).

التزوير: أن يقولوا ما لم يقله الله تعالى وحاولوا إضافة بعض الآيات (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) البقرة) هذا التزوير.

الكتمان: هناك آيات كتمها اليهود (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) البقرة) وطمسوها.

الإهمال والنبذ: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) آل عمران).

الخديعة: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ)

النسيان

كل هذا من باب الرقابة. القرآن مهيمن أي رقيب على ما جاء في الكتب السابقة والرقابة إلى يوم القيامة بدليل إستعمال صيغة المضارع (يكتمون) بمعنى مستمر.

كونه شاهد شهد القرآن بما في التوراة والإنجيل في إعجاز وتوحيد (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) المائدة) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) (الأحزاب)) (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) آل عمران). كلام لا تجده في كتب اليهود والنصارى فكون القرآن مهيمناً أنه شاهد.

ومن معنى المهيمن: الحافظ. القرآن وسط هذا الإهمال والتزييف والتحريف احتفظ ببعض درر التوراة والإنجيل (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) المائدة) أحكام توراتية طوّرها القرآن (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) آيات منقولة نصاً أو معنى من التوراة. وكذلك قصص موسى u وعيسى u ونوحاً u تكاد تكون متشابهة. حافظ لما ورد في بعض هذه الكتب.

من معاني المهيمن: المتفوق.(مصدقاً لما بين يديه ومهيمناً عليه) أي متفوقاً على التوراة والإنجيل. وإذا نظرنا إلى جزئيات التفوق: جميع الكتب جاءت بقضية مركزية واحدة وهي واحدة (أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) لم يفلح النصارى واليهود في التوحيد المطلق وأفلح فيه المسلمون بالكامل. هاجسهم التوحيد ويمتنعون مما هو جائز مخافة الشرك الخفي والمسلمون هم الأمة الوحيدة التي توحد الله عز وجل لأن القرآن مصان من التحريف والتزوير. التوراة والإنجيل أمر الله تعالى الحفاظ أن يحفظونه (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)) والقرآن الله تعالى تولى حفظه. يحافظ على التوحيد في قلوب أتباعه حتى في قلوب غير المسلمين إذا أسلموا وحّدوا توحيداً كاملاً. إستطاع القرآن بجدارة أن يبث عقيدة التوحيد بشكل مطلق بينما لم تستطع الكتب السابقة في زمانها وبعد أن تبقى على التوحيد. قلة من اليهود والنصارى موحدون والباقي أشركوا بالله. من تفوقه أنه غير قابل للتزوير وهو معجزة مستمرة في كل جيل يعطي معنى جديداً يوصل إليه من مجريات الأمور. مثلاً (مرج البحرين) الآن ثبتت وكذلك بصمة اليد والنقل الضوئي وسعة الكون. الكل يشهد بتفوق القرآن على كل الكتب (مصدقاً لما بين يديه). من التفوق أن في القرآن فقهاً دائماً ثابتاً إلى هذا اليوم شهد الجميع أن جميع الفقه سيبقى عالة على الفقه الإسلامي. ومن تفوق القرآن أنه كوّن المحبة تكويناً نسيجياً لا تجده إلا عند المسلمين. تبدأ عائلة بأم وأب وأولاد ثم يتزوجون فتصبح العائلة عدة عوائل ثم تصير أُسراً ثم تصير فصيلاً ثم عدة فصائل تصير عشائر ثم عدة عشائر تكوّن قبيلة لأن العشائر تتفرع (العشيرة يعيشون مع بعض) (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) ثم عدة قبائل تكون شعباً ثم عدة شعوب تكون أمماً. والأمة الإسلامية تعود لشخص واحد. هذا لا تجده إلا في الأمة المسلمة. الرحم وبر الوالدين والعلاقة الزوجية وهذا الولاء المطلق ليس في العالم الإسلامي أن يكبر والداك فتضعهما في ملجأ. زوج وزوجة بينهما إندماج كامل وفناء مطلق فتفنى الزوجة في زوجها فناء مطلقاً وكذلك الزوج. العلاقة بين حقوق الجار لا تتخلى عنه. هذا تفوق في القرآن الكريم. المعلِم والعالم والحاكم والمحكوم والسخيّ والوجيه لا يعترض أحد على القيم الجميلة التي جاء بها القرآن الكريم وهذا لا نراه إلا في هذا الدين. الحياء من خُلُق هذا القرآن. وأعظم تفوق في هذا الدين أنه نزع من قلبك أي حساسية أو كراهية لكل من يخالفك في هذا الدين. تؤمن بعيسى وموسى كما تؤمن بمحمد r.(آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ)أيُّ تفوق حضاري؟ مة تقبل بالآخر ولا تفرق بين نبي ونبي. الحب والسلم والتعلق بأنبياء الله جميعاً كتعلقهم بالرسول r.

ومهيمناً عليه: من يُنكر هذا؟ المسلمون وحدهم ينظرون إلى جميع الديانات نظرة واحدة. المسلم شريف مقدس كريم يحترم الناس ولا يسخر من أنبيائهم (ولا تسبوا الذين ). التفوق العظيم للقرآن لن يخل به هذا. من التفوق أن القرآن وحده يمنع الجرائم المنظمة التي تخيف الناس وتبتزهم. هذه الأمة الذنوب فيها بسيطة وغير دائمة لأن المذنب يتوب بسرعة وكم واحد يصر على الذنب؟! المسلمون لا يصرون على ذنوبهم وقد يذنب أحدهم ولكنه يتوب بسرعة. أمة زكية زاكية (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)) والأمة زاكية بالرسول r الذي إستطاع أن يحرك الدنيا بدينه وما من دين حاضر في الدنيا سلاماً ومحبة مثل هذا الدين.

نعيد بإختصار كلمات هذه المنظومة: الذِكر إدامة الحفظ، القرآن لعمق المعنى، الكتاب للموضوعات المجمعة، الصحف التي تُعرض على الناس، الفرقان إعجاز.

كان للرسول r معجزات كثيرة ولكن المعجزة الحقيقية كانت القرآن الكريم وهو الوحيد الذي كتابه معجزة وكل الأنبياء كانت معجزاتهم خارج كتبهم وكانت تحصل فقط في زمانهم أما الرسول r فمعجزته باقية إلى يوم القيامة.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:47 PM
منظومة تعطيل الذاكرة (ذهول)

الذهول – الإنشغال – النسيان – السهو - الغفلة

خمس حالات تتعطل فيها الذاكرة فلا تقوم بما ينبغي أن تقوم به من أفعال.

الذهول: تتعطل الذاكرة لوجود حدث مخيف عظيم غير مريح يلهيك عن محبوب فتذهل عنه بحيث تنظر إليه ولا تراه. حرب، قنبلة، فيضان أو أي شيء مخيف جداً يعطّل الذاكرة بحيث لا تستطيع أن تتحرك تحركاً طبيعياً. هذا الذهول يجعلك تنظر إلى من تحب ولا تراه (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) الحج) يذهل عن كل محبوب لشدة الهول. الذهول هو إذن تعطّل ذاكرتك بمن تحب ومن تحب بحيث تنظر إليه ولا تراه.

الإنشغال: إذا كان الحدث محبوباً وهذا الحديث يلهيك عن واجب يسمى إنشغالاً (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11) الفتح) واجب جهادي أو ثقافي أو وظيفي أو سياسي أو مادي فشغلك عن أداء واجبك عطّلت ذاكرتك عن وجوب إلتحاقك بعملك (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) يس) منشغلون عن كل واجب وليس في الجنة واجبات ونعيمها المقيم المتكرر يشغل بال أهلها عن كل شيء فهم منشغلون.

الذهول إذن عكس الإنشغال فالذهول بحدث مكروه والإنشغال بحدث محبوب.

النسيان: قانون بشري يمنع التذكّر بما مضى مما ينبغي أن تتذكره. النسيا يشغلك عن شيء مضى ولم تعد تذكره.

السهو: يكون عن شيء حالي أو مستقبلي. الذاكرة تتعطل بالنسيان عما مضى وبالسهو عما هو آت. إذا سهوت عن صلاة العشاء مثلاً (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الماعون) لمن هم تاركوا الصلاة الآن وفي المستقبل. أما النسيان فشيء آخر (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) التوبة) (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) طه) فالنسيان والسهو قانون بشري النسيان يتكلم عن الماضي والسهو عن الحال والمستقبل (الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11) الذاريات) الآن.

الغفلة: تعذّر الذاكرة عن شيء لم يستقر فيها وليس واضحاً أي إدراكك له ضعيف لا تدرك أهميته وأبعاده فأهملته ذاكرتك لعدم إستقرار صورته وحقيقته في عقلك وفي ذاكرتك (وهم في غفلة معرضون) الحساب قادم وسريع وأقرب ما يكون وحينئذ كل ما مات فقد قامت قيامته، ما إن تموت حتى تبدأ قيامتك ثم يبدأ الحساب من ساعة قيامة قيامتك. من قبل أن تخرج روحك من جسدك يبدأ التعامل معك على أنك من العالم الآخر لأن البرزخ من العالم الآخر (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) الواقعة). كل يوم نرى جنازة تُدفن ولا يخطر ببالنا أننا سنموت إلا من رحم الله عز وجل ولذها فإتّباع الجنائز في الإسلام عبادة عظيمة لأنها تذكرك ولعلك تصحح أخطاءك (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) الأنبياء) (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) مريم) إدراك الموضوع في عقلك يكون معدوماً فهو غافل. (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) الروم). والغفلة أخطر ما تعاني منه البشرية من آدم إلى قيام الساعة. عندما إقتتل إبنا آدم فقتل أحدهما الآخر حتماً القاتل كان غافلاً عن جريمة القتل وعن هول ما يلقاه القاتل يوم القيامة وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة قبل الصلاة والصيام والحج هو الدماء أنه أسال دماً من آخر، هل كان حقاً؟ أو باطلاً؟ فيحاسب على هذا الأساس.

هذه هي منظومة تعطيل الذاكرة.(في مداخلة لإحدى الأخوات المشاهدات سألت الدكتور الكبيسي عن كلمتي السُكارى فأجاب أنهم الذين ضاع عقلهم أو غفلوا (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى) وسأل مشاهد آخر عن كلمة النُعاس (فأنزل عليهم من الغم أمنة نعاساً) وسيتحقق الدكتور من هاتين الكلمتين إذا كانتا ضمن المنظومة)

الفتنة مأساة الناس وكل الحروب والمشاحنات والعداوات والجهل والتخلف وكل أمراض البشرية من تحارب طائفي بين الأمم وإقتصادي وعِرقي وكل المعاناة أساسها الغفلة. القيادين الذين بيدهم القرآن غفلوا عن شيء لو أدركوا ما فعلوا ما فعلوه مما جرّوا على العالم من ويلات وأحقاد. إدرك الحقائق متعددة: إدراك الحقيقة المطلقة (الصراط المستقيم، أن الله تعالى موجود) وهناك إدراك زائد عن المطلوب وهذا يسمى التطرّف والغلو وهذا ما تعاني منه البشرية بحيث تزيد على الحقيقة زيادة تخرجها عن أهدافها فبدل أن تكون نافعة تصبح ضارة قاتلة. وكل الديانات تحارب التطرف. الجاهل إما أن يكون مفرطاً أو مفرِّطاً. الإدرك قد يكون زاد عن الحقيقة هو إفارط وقك يكون نقص عن الحقيقة فهو تفريط. والجهل والحمق والغباء والتخلف والبغضاء والهوى إما يجعلك متطرفاً أو مقصراً ولهذا فالإستقامة مطلوبة (قل آمنت بالله ثم إستقم) أي لا تفرّط ولا تفرِط فالإستقامة هي فضيلة بين رذيلتين. شدة الذكاء مكر وقلّته غباء والوسط الحكمة (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) البقرة) وكل فضيلة بين رذيلتين تسمى الحكمة. الذي أصاب البشرية بالعناء والمعاناة هو الغفلة الناتجة عن التعميم بلا دقة في الحكم وهذا هو الطغيان والظلم والجور والحيف ولو تتبعنا ما يجري في التاريخ منذ إبني آدم إذ إقتتلا إلى هذا العصر عصر الحرية كما يُزعم من ألفاظ ثبت أنها جوفاء ومن ضمن العملية التي تؤسس للغفلة لأدركنا أن الغفلة من أبشع ما تعاني منه البشرية.

من مصيبة التعميم وهو غفلة مركبة مثلاً من الناس من يرة في مذهب معين حسنة يعممها على كل هذا المذهب ويزعم أنه ليس في هذا المذهب خطأ وإعتبره مقدّساً يناضل من أجله وآخر يرى هذا في مذهب آخر وهكذا. هذا المنهج يرى نقصاً في المنهج الآخر فيتعتبره باطلاً وعليه أن يحاربه لأنه عمّم جزئية على كل الأجزاء. الصواب يبقى صواباً والخطأ يعمل على إصلاحه أما تعميم الخطأ على صواب كثير أو تعميم الصواب على خطأ كثير فهذا هو التعميم وهذه الجزئية من الغفلة هي التي أصابت العالم بالحروب والخصومات والبغضاء والشحناء كما هو العالم اليوم الذي يغرق في بحر من الدماء في كل مكان نسمع ونرى إما إبادة جماعية أو سجون أو تطهير عرقي أو مجازر أو غيره. وهناك دويلات صغيرة أنعم الله تعالى عليها بالأمن ولا يقاس عليها. بهذا التعميم الناس تكره شعباً كاملاً من الغفلة التي تعمم الحسنات والسيئات. من هذا التعميم القبيح الناتج عن الغفلة يحدث ما يحدث في العالم اليوم حتى أصبح المعروف منكراً وحتى أنكرنا الذي يفعل المعروف والعكس صحيح.

كل ما أصاب الأمة من أول فجرها إلى اليوم أساسه الغفلة (لغافلون) هذه الغفلة أنك لا تدرك الحقائق وإذا أدركتها تدركها إما ناقصة مشوهة عن الحقيقة أو زائدة. من غفلة هذه الأمة إستبداد الإنبهار بها غير القائم على أسس عليمة ولكن من باب العاطفة ينبهر بحاكم أو بشخص لو رآه يقتل لا يشهد بذلك. هذا الذي نحن فيه أساه شدة الإخترق لهذه الأمة. للأسف أمتنا هذه ببساطتها وفطرتها وحياتها غير المعقدة سمى الله تعالى دينها دين الفِطرة ليس فيه تعقيد ولا صعوبة (الله ربنا ومحمد r نبينا والأنبياء رسلنا نؤمن بهم وبالكتب والعبادات الصلاة والصوم والحج والزكاة ونؤمن بيوم القيامة نُبعث وإما جنة وإما نار) هذه البساطة رشحتها لأن تكون العقيدة الثابتة في الأرض حصراً أو بالإجماع. هذه البساطة تركت في المجتمعات فجوة كثيرة فليس فيها هذا المكر كما نجده في المجتمعات الأخرى الماكرة السياسية. الأمة بقيت على نظام شيخ القبيلة أو الرئيس. هذا الوضع جعلها عرضة للإختراق السريع وبسهولة وإختراق غير مرئي ولكنه شامل وفي غاية الإتقان وأذكر منذ كنت طفلاً في الفلوجة وُزّعت ورقة أن أحداً رأى النبي r في المنام وطلب منه أن بلغ أمته كذا وكذا وهذه الورقة رأيتها لما ذهبت إلى مصر وهي تظهر بين فترة وأخرى بنفس الصيغة مطبوعة على نفس الورق وما زالت توزع إلى الآن في نفس الشهر في كل عام في أنحاء الأمة الإسلامية وطوال هذه الفترة لا أحد يعرف من الذي يوزعها ومن يطبعها مع أنها على نفس الحرف الطباعي. وماذا يريد من يوزعها أن يقول؟ هذه الأمة في كل زاوية وكل شارع هناك شخص واحد عنده عشرة يعتمد عليهم إعتماداً كاملاً هذا الواحد عنده إشاعة يعطيها لهؤلاء العشرة فتتنشر في كل البلاد.فالأمة مخترقة إلى هذا الحدّ.

في الجانب السياسي كلما هبّت الأمة على رأس كل مئة عام يأتي من يحاول إصلاحها وتصلح في الغالب. القوى تهيّأت لكل هبّة إصلاح حتى تحولها إلى فوضى, في الأربعينات هبّت الأمة تنادي بالحربة وتطالب قوات الإحتلال الأجنبية المستعمرة للبلاد بالرحيل وصارت ثورة شعبية عارمة وعلى غفلة ظهر أناس يساريون شعارهم الحرية للأمة إنتشروا في العالم العربي في العراق وسوريا وليبيا ومصر وغيرها. هذا الواحد مع العشرة مرتبطين بأمره والباقي من شباب محبين لأوطانهم لكن في غفلة من الذي قادهم؟ لا يعرفونه! على مدى ثلاثين عاماً سيطروا على الأمور وقتلوا الناس وسجنوهم وعذبوهم ما يقرب من ثلاثين عاماً أفسدوا الحرث والناس إلى أن إنتهت صرخة الحرية فاختفوا إختفاء كاملاً. وجد الناس أنفسهم مثقلين بالجراح في كل مكان. هذه الهبّة الوحدوية إنتهت. بعد أن هدأ الناس من هذه الحالة الرهيبة. كل من عداهم وليس منهم فهو رجل رجعي ليس منهم أنكروا الدين والعروبة والقومية وكانوا مع الشيوعية فقط. إنتهوا من الأرض أفاق الناس بعد سنوات في الستينات نهوضاً جديداً يبحثون فيه عن الوحدة العربية وصارت محاولات وعلى حين غفلة ظهرت جماعة قومية عربية وحدوية شعارها أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة وصدّق الناس وإنتشرول وإستلموا الحكومات فقادوا الناس ثلاثين عاماً ومزقوا كل شيء فالشرطي يصير وزير دفاع والأميّ يصير وزير تعليم عالي ولم يعد لشيء قيمة. الذين قبلهم كانوا يطلقون على الذي يخالفهم رجعي أما هؤلاء فيقولون علة كل من خالفهم عميل فأوصلونا إلى ما نحن فيه الآن. الفكر القومي الوحدوي إنقلابات، جمهوريات، إضطراب، صحافة، إتهامات وقسموا الثروة بينهم ولم يبق لشيء قيمة وهذا ما نحن فيه. كيف إنتشروا هكذا؟ من غفلتنا لم نسأل أنفسنا هذا السؤال. الناس تبحث عن بديل هذا الإحباط والتمزق الذي فيه أمتنا ومن الطبيعي أن يلتفتوا إلى الدين الذي جعلهم عظماء التاريخ لأن الدين لا شائبة فيه وعلى حين غفلة ظهرت جماعة شعارها الكتاب والسُنّة فإنطلقوا وإستولوا على هذه الهبّة الإسلامية والفكر الإسلامي. الثلاثة إيدولوجيات ترفض الآخر رفضاً كاملاً لأنه آتيت وقادمة لا محالة فالفئة الأولى من عاداها فهو رجعي والثانية من عاداها فهو عميل والثالثة من عاداها فهو مشرك يستحق القتل. المشكلة أن اليساريين هم الذين حملوا القومية والقوميين هم الذين حملوا الحملة الإسلامية هذه. يُقتل العلماء الآن في العراق لأنهم يصلون على النبي r بعد الأذان مباشرة بحدة أنها بدعة. يحملون الفتاوى ويقتلون كل يوم بالعشرات هذا الذي يجري في العراق من المسلمين أنفسهم بعضهم يحرق مساجد الآخ ويحرق مصحفه ويفعل بالآخر ما لا يفعله بعدوّ÷. هم يريدون أن تعم هذه الفوضى العبقرية بين الدول الإسلامية كلها. الغفلة أن تعمم الخطأ اليسير على الكل بنوع من الجهل والحمق. أنت تصلي والآخر في قبلة واحدة وتطوف الكعبة معه ومختلف معه في حكم فلان هذا الخلاف البسيط الذي لا تؤمن به إلا قلة قليلة من هؤلاء ومن هؤلاء بدأ التطهير العرقي بينهم. هذه الغفلة كل آيات القرآن تقول غير هذا (من قال لا إله إلا الله عصم نفسه). بعد أن يهلكوا كل شيء تأتي المرحلتان الشنيعتان يحدث ما أخبره الرسول r عن يأجوج ومأجوج ومرحلة القنابل الجينينة (قنبلة تقتل جينات معينة) في حديث " لا تقوم الساعة حتى تنفجر فيكم غمامة سوداء مثل الترس تنتشر وتقبض أرواح المسلمين فقط". والله تعالى غالب على أمره (حتى إذا إستيأس الرسل).

علينا أن نلجأ إلى الله تعالى والإستغفار "من لزم الإستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب" فعلينا أن نكثر من الإستغفار بكشف الكرب. الله تعالى ما جعل داء إلا وجعل له دواء. والمؤمن كيّس فطن لا ينبهر. ومن الحصانات ضد الغفلة الإكثار من صلاة الليل في الثلث الأخير والإستغفار والسير وراء الجنائز.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:48 PM
منظومة وظائف اللسان

ذكر – كلام – نطق – همس – لفظ – قول – حديث – خطاب - بيان

بما أن كلمة الذكر من الكلمات المشتركة والقرآن ليس فيه ألفاظ مترادفة وإنما مشتركة أي للكلمة أكثر من معنى. تحدثنا عن معنى كلمة الذكر على أنها علماً من أعلام القرآن واليوم نتحدث عنها كوظيفة من وظائف اللسان.

الكلام: من وضائف اللسان الكلام. نتكلم باللسان. كل صوت فيه حروف تشكل كلمة أي كلمة فيها حروف لها معنى أو بلا معنى يسمى كلاماً. شخص صيني يتكلم أمامك لا تعرف ما يقوله وما معناه لكن فيه حروف. كل صوت يتركب من حروف تشكل كلمة يسمى كلاماً بغض النظر لها معنى أو ليس لها معنى حتى الكلام الذي يتحدث به الطفل يشكل حروف ليس له معنى ولكنه كلام. الكلام إسم جنس: كل صوت فيه حرف يسمى كلاماً بغض النظر عن نوعه وقيمته وشكله ومفيد أو غير مفيد. فالكلام إسم جنس والكلمة جمعها كلِم (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ). إبن مالك كان دقيقاً عندما قال:

كلامنا لفظ مفيد كاستقم واسم وفعل ثم حرف الكلِم

ورب العالمين في كتابه العزيز أطلق الكلِم على كثير من الأشياء: خطبة، كلمة، عيسى كلمة (رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم)، القرآن سمّاه كلمة. فالكلمة لها معاني عديدة كلها تعني صوت فيه حروف منها ما هو قصيدة ومنها ما هو قرآن. عيسى سُمي كلمة لأن وجوده كان بكلمة، وُجِد بكلمة (كن). كل ما تسمعه صوتاً فيه حروف يسمى كلام.

النطق: هذا الكلام إذا كان بصوت مسموع يسمى نطقاً تقول نطق قد يتكلم الإنسان بهمس لكن إذا رفع صوته فقد نطق. كان ساكتاً فرفع صوته فنطق (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) النمل). والنطق غير الصوت: الصوت للحيوانات (رغاء للإبل، ثغاء للغنم، صهيل للخيل، نهيق للحمار) فكيف سمّاه القرآن منطق؟ لأن سليمان u كان يفهم صوت الطير كأنه يتكلم بكلمات فسماها منطقاً.

الهمس: إذا كان الكلام بصوت خفيض يسمى همساً. (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) طه) فالهمس من وظائف اللسان.

اللفظ: عندما تخرج الكلمة من فمك بقوة وحماسة. متى تفعل ذلك؟ إما أن تكون خطيباً أو مدافعاً أو مهاجماً أو شاتماً أو مادحاً أو ذاكراً أو كافراً كلما يكون كلامك فيه دافع من نفسك عاطفي أو عقادئي أو غضب أو فصل الخطاب يسمى لفظاً. لفظ الأشياء أي الرمي. الأرض تلفظ النتن أي ترمي. اللفظ هو الكلمة التي تخرج من فمك بقوة. من دقة القرآن الكريم قال تعالى:(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) ق) ليس أي كلام تقوله عليه رقيب لكن الكلام الذي بقوة وعناية وبنيّة يسمى لفظاً. اللفظ الكلمة القوية التي تخرج من الفم بقوة كما تلفظ النواة من التمرة. (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) ق) عندما تقول كلاماً قوياً في أي مجال مدحاً أو قدحاً أو غيبة أو سباً أو مدحاً يرصد الملك كل ذلك فعليك أن تكون حذراً من أي خلل يوردك المهالك.

الذكر: الكلمة أو الكلام الذي تقوله فيما يُحمد (وإنه لذكر لك ولقومك) (واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) (قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) أي كل كلمة قوية هي حق وصدق تسمى ذكراً. الذكر هو الكلام الطيب ( واجعل لي لسان ذكر في الآخرين) (أو يحدث لهم ذكراً) الذكر من وظائف اللسان لكن لا تطلق إلا على الحق والشيء المهم تقول لي ذكر لي فلان أنه ناجح (أذكرني عند ربك) القضايا المهمة تقول لها ذكر وكل شيء فيه حق ومدح يسمى ذكراً.

القول: كل كلام مفهوم للمقابل يسمى قولاً. أمامك شخص صيني أو أفريقي يتكلم كلاماً لا تعرفه فتسأل ماذا يقول؟ أي ما معنى كلامه؟ القول هو الكلام المفهوم الواضح ولهذا لما بعث تعالى موسى وهارون إلى فرغون قال: (فقولا له قولاً ليناً) حتى تقوم الحجة عليه فموسى تكلم مع فرعون بلغة يفهمها ولم يتكلم معه بالعبرية التي لا يفهمها فرعون. من تفريعاته أقوال (لِما كان صواباً) وأقاويل (قول سيئ). ويقال نهى عن قال وقيل. القالة أو الكلمة السيئة التي تشيع عن إنسان معين (وقيله يا رب).

الحديث: الكلام في موضوع واحد (الله نزل أحسن الحديث) (ما كان حديثاً يفترى) إذا تكلم عن فرعون فالحديث عن فرعون وعندما نتكلم في التلفزيون عن موضوع يقال حديثاً.أي موضوع واحد.

الخطاب: (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) (ولا تخاطبني في الذين ظلموا) كلام لهم بين يدي ملك أو جمع له قيمة. فرق بين الغوغاء أي الناس الذين لا قيمة لهم أي كلام تقول لهم يضحكون له أو ما شابه والملأ أو الجمهور الذي له قيمة. مسرحية كوميدية يضحك الناس لا يقتضي وصفاً مهماً لهؤلاء الحضور لكن يفهمون لغة المتحدث فيضحكون. لكن أمام الأطباء أو السياسيين أو العلماء يسمى الكلام خطاباً لأن الحضور يجب أن يكونوا من أهل الإختصاص في جمهور يفهم ما تقوله حتى يفهموا الخطاب. ومنها المخاطبة: واحد يرد على الثاني (ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون). حتى الخِطبة بكسر الخاء سميت خِطبة لأنه جرى العرف أن الذي يخطب فتاة يلقي كلمة تسمى خُطبة من أجل الخِطبة والآن بطلت هذه العادة الخِطبة هي الحفل الذي يلقي فيه الخاطب خطبة. ومنها الخطْب (ما خطبكما) أي المصيبة الكبرى وصاحب المصيبة الكبرى كثير الكلام يشكو ويبكي ولهذا يسمى خطْب.

البيان: الكلام البليغ من لسان فصيح. الفصاحة وصف للسان والبلاغة وصف للكلام. يقال كلام بليغ ولسان فصيح موسى كان في غاية الدقة والفصاحة فقال (هو أفصح مني لساناً) لم يقل أبلغ مني لساناً. البيان يعني لغة الشعراء والأدباء والمتحدثين البارعين وأصحاب الباع الطويل في صناعة الكلام والجمل ، أهل البيان. وأعظم بيان هو القرآن الكريم ومن إعجازه أن علّمك الله تعالى البيان (خلق الإنسان علّمه البيان) (ثم إن علينا بيانه) كل شرّاح الفقه واللغة يسمى بياناً لأنهم يوضحون الأمر بكلام بليغ من لسان فصيح. إشتقاقاتها: بان وتبين واستبان.

هذه هي منظومة وظائف اللسان. وبإختصار: الكلام صوت فيه حروف تشكل كلمة، النطق الكلام بصوت مسموع بعد سكون، الهمس الكلام بدون صوت، اللفظ رمي الكلام أو إخراجه بقوة لحماسة أو حب أو مدح أو ذم، القول هو الكلام المفهوم، الحديث الكلام عن موضوع واحد، الخطاب كلام مهم بين يدي ملك أو جمع له قيمة في ذلك الإختصاص، الذكر كلام مهم وهو كلام حق لكل الناس أفراد وجماعات، البيان كلام بليغ من لسان فصيح.

وفي مداخلة إحدى الأخوات المشاهدات أضافت الكلمات التالية: لغو وهو الكلام الفارغ وكلمة تعبير.

استعمل القرآن كل كلمة من الكلمات في مكان لا تغني كلمة عن كلمة أخرى.حتى كِلمة التي تشيع بين الناس (كِلمة) فصيحة في لغة تميم جمعها كِلَم وكلِمة جمعها كَلِم وهذا من دقة اللغة. هذه منظومة اللسان وكل كلمة منها إستعملها القرآن الكريم في مكان بحيث لا تغني كلمة عن كلمة أخرى. لما قال (ما يلفظ من قول ) لا تغني عنها ما ينطق من قول أو ما يقول، كل كلمة في المكان المعيّن. موسى لو قال تعالى (فقولا له كلاماً ليّناً) بدل قولاً لكان خاطبه بالعبرية وفرعون لا يفهم العبرية فخاطبه موسى u بلغته ولذا قال تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه).

الذكر: الكلام الجميل .فلان يذكرك بخير، فلان له ذكرٌ بين الناس. لكل عبد ذكر في السماء كما له ذكر في الأرض كل واحد له صيت في الدنيا يقال فلان العالِم، المجاهد، الكريم، العادل، وفي الملأ الأعلى له نفس الصيت. يقال عن عمر بن عبد العزيز عمر العادل. الذكر هو الكلام الجميل بمنظومة الجمال المتعددة بذكر محاسنه ومآثره ،نصائح، مآثر. بتغنيك به: تتغنى بأمك، بأبيك، بشعبك، بأرضك كلها ذكر وأعظم ما يقول اللسان وما من كلمة من كلمات هذه المنظومة التي هي من وظائف اللسان أقدس من كلمة الذكر فأجلّ وظائف اللسان هي الذكر. كل من لهم ذكر فهو جميل. وأعظم أنواع الذكر أن تذكر الله عز وجل. عندما تقول كلمة الذكر مضافة (ذكر الملك، ذكر العلم) لكن عندما تطلق كلمة الذكر فهي تعني ذكر الله. الذكر هذا ذكر الله من خصائص هذه الأمة وهذا من خيريتها (كنتم خير أمة) ما من أمة على وجه الأرض الله عز وجلّ على لسانها على مدى الساعة والدقيقة إلا هذه الأمة. على مدى النهار الله تعالى ملازم لكل عبارة من عبارات التخاطب. هذه الأمة تذكر الله تعالى على مدار الدقيقة إن الله عز وجل في قلوبها الله تعالى ورسوله وما من أمة بلغ حبها لله تعالى ولرسوله كما بلغت عند هذه الأمة. عندما تسمع أحاديث الترغيب أوالبشائر كما قال تعالى (لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لُدّا) "من قال لا إله إلا الله مصدقاً بها قلبه دخل الجنة وإن زنى وإن سرق" عقولنا لا تحيط بالله تعالى وكذلك لا تحيط بكرمه أيضاً فهو سبحانه كريم وجواد. ليس في قدرتك الإحاطة بكرم الله تعالى مع هذا عندما تتأمل وترى كم أن الأمة ذكّارة: من أن تستيقظ إلى ساعة ما تنام وهي تذكر الله تعالى طول النهار. هذا من حيث العموم وكذلك جعل الله تعالى لهذه الأمة عبادة لم تسبق إليها أمة في كل الأمم وهي ذكر الله تعالى (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر) ذكر الله أكبر من الصلاة كيف نفهم هذا؟ أيهما أعظم؟ أن تبني للملك مشروعاً إقتصادياً هائلاً أو قصراً عظيماً أو تخترع له آلة جديدة أو أنك تقول فيه كلاماً جميلاً يدخل السعادة والرضى على قلبه؟.هناك فرق بين من ترضي عقله ومن ترضي قلبه: قصيدة واحد أو كلمة طيبة واحدة أو عبارة مدح واحدة لملك من الملوك الكرماء قد تنال من رضاه وعطائه وحبه ما لا يانل صاحب مشروع عظيم.قضى عمره فيه واحد جلس ساعة يقول سبحان الله وبحمده والآخر في هذه الساعة كان يصلي ويصوم ويجاهد أو ينفق أو يعمل عملاً صالحاً هذه الساعة التي كان هذا يسبح فيها الله أحب إلى الله تعالى وأعظم أجراً وعطاء من كل ما فعل الآخرون المجاهدون والمعلمون والحكام والبارون بوالديهم. "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخير من إنفاق الورق والذهب وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فيضربوا رقابكم وتضربوا رقابهم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله" قال تعالى (ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها) لا إله إلا الله تصعد وحدها كالشهاب والأعمال الصالحة ترفعها الملائكة. أنت عملت عملاً فسمعه الملك بأُذنيه منك مباشرة وغيرك عمل عملاً أُخبِر به الملك من غيرك (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) جميع الأعمال الصالحة ترفعها الملائكة إلا الكلم الطيب أو التوحيد (لا إله إلا الله) فتصعد لوحدها فيها قوة إندفاع وتبقى تتردد إلى يوم القيامة.

كلمة التوحيد (ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها) لها جذور في الأرض وفروع في السماء وكل حين والحين هو جزء الثانية. لا إله إلا الله تتردد ويقول العلماء أن الصوت لا يفنى. وفرق بين الكلام الآخر الذي لا يفنى أيضاً وبين لا إله إلا الله التي هي أفضل كلمة على وجه الأرض وخير ما قاله النبيون ولن تأتي يوم القيامة بعمل أفضل من لا إله إلا الله. القوة اندفاعها تصعد وتتردد في الفضاء إلى يوم القيامة وكلما ترددت جاءك أجرها كما تؤتي الشجرة أُكلها. والذكر في هذه الأمة أعجوبة:

الذكر أعظم العبادات كما في الأحاديث.

كل عبادة لها حدود فالصلاة حدود: أركان وشروط وأزمنة والصيام كذلك له حدود والزكاة كذلك إلا الذكر فهو مطلق بلا زمان ولا مكان ولا عدد (واذكروا الله) (والذاكرين الله ) هذه العبادة مطلقة إفعلها ما شئت. وهناك حديث عجيب: أذكروا الله حتى يقال مجنون معناه أنه لا قيد عليك: قعوداً وقياماً وعلى جنوبهم. أدِّها كما تريد بذوقك والقيد الوحيد هو أن لا تصرخ "رويدكم فإنكم لا تدعون أصم" (إن الله لا يحب المعتدين) أي الصاخ والصوت العالي جداً في الدعاء. ما عدا هذا يمكنك أن تذكر الله تعالى في كل طريقة وفي كل حال وحدك، قائماً، قاعداً، على جنبك في كل حالة فهذا ما يوصلك إلى الله تعالى بمسافة أقل من عبادات أخرى.

هذه الأمة محدّثة وفيها خوارق كما في سائر الأمم كان لهم خوارق (عيسى وموسى وأممهم وغيرهم) لكن ليس بالشيوع والكثرة التي عند هذه الأمة. كل واحد يحاول أن يكون له ورد محدود فالذكر المحسوب المحدد تأثيره أكثر من غيره (تسبيح 33 مرة، تهليل 33 مرة، تكبير 33 مرة)، مئة مرة سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، إستغفار للمؤمنين والمؤمنات 25 مرة، 7 مرات تقول حسبنا الله ونعم الوكيل، هذا المعدود يؤثر تأثيراً كاملاً. هذه الأوراد المأثورة عن الرسول r في الكتاب والسنة إذا داومت عليها بشكل معين في الثلث الأخير من الليل، صلّ ركعيتن تهجّد وإجلس على مصلاّك ولك ورد يومي في هذه الساعة وهناك مأثورات كثيرة إختر منها ما تشاء ثم إجلس وقل هذه الأوراد بخشوع وحضور قلب مستحيل إلا أن ترى شيئاً خارقاً. (الصحابي الذي قرأ البقرة فقط حتى نزلت الملائكة تستمع إليه)

كل من يذكر الله عز وجل بشكل دؤوب ومرتب ومنظّم بمواعيد معينة ثم يدعو الله تعالى بإحضار القلب لا بد في النهاية إلا أن يرى شيئاً، نوراً، فتحاً، حركة، يسمع آخرين لا يراهم يرددون معه نفس الذكر على شرط أن يكون قلبه قوياً لأن بعض الناس فقدوا عقولهم. تأثير الذكر في النفس الإسلامية تأثير عجيب إذا داومت عليه يقول تعالى في الحديث القدسي (أنا جليس من ذكرني) كلما ذكرته سبحانه وتعالى جالسك الله تعالى لم يقل هو جليسي ولكنه تعالى قال أنا جليس من ذكرني فماذا تنتظر من جماعة الله تعالى جليسهم؟.

حديث إن الرجل ليلقي بالكلمة لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً" الكلمة التي تؤدي لسخط الله تعالى هي الشِرك، الغيبة، البهتان، النميمة، كلمة زور أو كلمة تساعد على قتل أو إيذاء مسلم "من عان على مسلم بشق كلمة بُعث يوم القيامة مكتوب على جبهته آيس من رحمة الله"، "إذا إلتقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار"،.بينما كلمة لا إله إلا الله ، كلمة حق وكلمة حق عند سلطان جائر، شهادة حق كلها من الكلمة الطيبة. لا إله إلا الله كلمة لها قيمة وكم من العباد يقولون الحق في موطن قد يكلفهم أنفسهم أو يدفعون حياتهم ثمناً لها. ومن أعظمها اليوم عندما تكون في مجلس يغتاب فيه أحد صدقاً (غيبة) أو كذباً (بهتان) فقال أحدهم إتقوا الله لا تغتابوا ودافع عن الذي يغتابونه وحمى ظهره فهذه وحدها تنجيه يوم القيامة والله تعالى يحاسبه عليها حساب الكِرام. رب العالمين يجزي الطيبين بأحسن الذي كانوا يعملون ويجزي السيئين بأسوأ الذي كانوا يعملون (غيبة، شرك، بهتان لا يتجاوز عنها الله تعالى) لكرم الله تعالى وجوده وسخائه والسخاء خُلُق الله تعالى الأعظم فالكلمة الواحدة قد تهلك الإنسان والكلمة الواحدة قد تنجيه نجاة.ما بعدها هلاك. الذكر يختزل كل العبادات فقد تكون الصلاة أو الصوم أو الزكاة غير خاشعة ومنضبطة لكن ذكرك لله تعالى كان ذكراً يحبه الله تعالى خفية وخيفة وقياماً وقعوداً بهذا الذكر تختزل جميع العبادات الأخرى كما في الأحاديث المتفق على صحتها. (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) الأحزاب) لم يقل صلى وصام وزكى وإنما قال وذكر لأن الذكر أعظم. (ذكراً كثيراً) ذكر مطلق ليس كالعبادات بعدد وكما ذكرنا في الحديث "اذكروا الله حتى يقول المنافقون مراءون" (واذكر اسم ربك وتبتّل إليه تبتيلا) لا يكون بلسانك فقط وإنما بلسانك ويمس شغاف قلبك في الأوقات التي فيها نصوص تنقطع عن الدنيا وتتأمل أن الله تعالى جليسك بما يليق بجلاله يحدث لها فتوحات ربانية في العلم والفهم والكرامات بشكل غير منقطع.

(فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم) أي في كل حال. (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) ارتباط القاب باللسان عند الذكر ضرورة. (ألم يأن للذين آمنوا أن تخضع قلوبهم لذكر الله) . الذكر يأتي عادة بعد العبادات (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله) وهو قمة العبادة. "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني" "قالوا يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: أن تموت ولسانك رطب بذكر الله" يقول r في إختزال العبادات: "من عجِز عن الليل أن يكابده ومن بخل بالمال أن ينفقه ومن جَبُن عن العدو أن يجاهده فليكثر من ذكر الله" "قال r: سبق المفردون، قالوا من هم يا رسول الله؟ قال: الذاكرين الله والذاكرات يضع الذكر عنهم أوزارهم" " المولعون بذكر الله المستهترون الذين لا يبالون ما يقال فيهم" "إجعلوني كقدح الراكب" الله تعالى لا يقبل الدعاء أو الذكر إلا إذا كان بين صلاتين عن النبي r. "إنما اجعلوني في أول الدعاء وفي آخره وفي أوسطه".

من المجالس المشهودة من الملائكة: هناك مجالس شريفة العبد فيها ضامن على الله يخرج منها مغفور له.كيوم ولدته أمه: زيارة مريض لوجه الله عز وجل، مجلس إمام عادل أو رئيس دولة عادل منصف يحب شعبه ويحبه شعبه إذا جلست عنده فنصحته إذا رأيت خطأ تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك. ومنها مجالس الذكر "إن لله ملائكة سيارين يتتبعون حلق الذكر" مهمتهم أنهم يتبعون هذه المجالس ومولعون بها ولعاً شديداً والله تعالى في الحديث في البخاري ومسلم يقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم. قالوا يا رب إن فيهم فلان الخطّاء جاء لحاجة يقول تعالى بكرمه وفضله :وله غفرت إنهم القوم لا يشقى جليسهم". مجلس علم أو ذكر تحضره الملائكة يغفر لمن فيه حتى الخطّاء الذي ليس من هؤلاء القوم وإنما مرّ مروراً يغفر له من أجلهم. هذا الزمن الذي فيه الفتن مجالس الذكر أصبح بعض الناس يحذرون منها، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه وهذا الزمن سوّقت فيه البغضاء فإياك والسفه وإياك أن تبغض أحداً وهو يقول لا إله إلا الله فإنك هالك وتمسك بدين الأعرابي.

"من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته من خير ما أعطي السائلين" هناك فرح بالمنعم وفرح بالنعمة. الكرماء إذا أعطوك تحبهم لأنهم أكرموك وأنت فرح بعطائهم ولكن هناك من إذا أُعطوا لا يفرح بالعطاء وإنما بالمعطي. هناك طبقة من أمة محمد r ومن كل الأمم السابقة من أتباع الأنبياء عشقوا الله تعالى عشقاً فعندما يعطيه الله تعالى لا يهمه لكنه فرِح بأن الله تعالى خصّه بالنعمة. هذا الذي يذكر الله تعالى وليس في ذهنه شيء سوى الله تعالى. "والله لو ألقيتني في النار ما شكوت منك" هؤلاء ثلة من الأولين وقليل من الآخرين.

ومن الأوقات الشريفة للذكر بين المغرب والعشاء.

إذا أُطلقت كلمة الذكر اللساني فهي أعظم وظائف اللسان أن تذكر الله عز وجل والحديث عن ذكر الله عظيم.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:49 PM
منظومة القدح والذمّ باللسان

الذمّ – القذف – الرمي – التقبيح – اللعن – السبّ – الهمز- الغمز – اللمز – النبز – السخرية - الإستهزاء

هذه هي منظومة القدح وتشتمل على هذه الكلمات وكل هذه الكلمات تدخل في منظومة الذنوب اللسانية وهي خطيرة جداً يوم القيامة "إن الرجل ليقول الكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً ما يدري ما تبلغ يوم القيامة"، "المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده" فاللسان أذى واليد ضرر وهذا هو الفرق بين الضرر والأذى: قال تعالى (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) آل عمران) أي شتائم وقال تعالى (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا (186) آل عمران) سب وشتم وقدح ولعن وإتهامات باطلة منذ أن جاء الإسلام إلى اليوم ليس لغير المسلمين من أهل الكتاب إلا الطعن بالمسلمين بشتى الأنواع: أفلام، أقلام وصور ولا يكفون ولا يهدأون وصدق الله تعالى إذ قال ذلك وقال (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ). من دقة الإعجاز القرآني في إستعمال الكلمة في هذا الكتاب العزيز نجد كل كلمة ترسم زاوية محددة يعني السبّ غير الشتم والإستهزاء غير السخرية واللمز والهمز والغمز والنبز تختلف عن بعضها لترسم صورة دقيقة للمعنى بحيث ليس هناك أي إختلاف عليه. وهذا الإعجاز لا يمكن أن يفعله إلا رب العالمين سبحانه وتعالى.

الذمّ: كل شيء يتعلق بذمتك وأنت قد أخللت به. كل ما تُذمّ عليه عكسه هو ما تُمدح عليه. الخيانة تتعلق بالذّمة تُذم عليها ذمّاً عظيماً ويبقى هذا الذم متوارثاً. أن يكون الإنسان خائناً ويعترف بخيانته علناً يتوارثه الأبناء عن الآباء لأنه يتعلق بالذّمة فكما تُمدح على الأمانة تُذم على الخيانة. وكل إخلال بالذمام وكل إخلال بحقوق الآخرين (زوجتك، أهلك، وطنك، شعبك، وظيفتك) كل إخلال بما هو في ذمتك ومن مسؤولياتك هذا النوع من العيب يُذم عليه الإنسان. قال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) الإسراء) بحيث أن ذنوبه من النوع الخياني الذي يخل بالذّمة.

القذف والرمي: خاصة بالعِرض. قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) النور) كل كلمة قذف أو رمي بكذا تعني إتّهام بالزنا تتهمه، تذمه أو تشتمه بما يتعلق بعِرضه.

التقبيح: الشيء الذي يشمئز منه الناس. قال تعالى (وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42) القصص) المقبوح هو الذي تقشعر منه. يوم القيامة تكون وجوه أهل النار مسودة سواداً حالكاً يُرعب منهم من يراهم وتقشعر منه النفوس (وجوههم مسودة) يُرعب الناس منهم ومن صراخهم (وهو يصطرخون فيها) وكون بعضهم يتبرأ من بعض (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) الزخرف) الإنسان يومئذ يفتدي ببنيه وأهله وفصيلته. هذه الأوضاع المنكرة تسمى قبيح. كل من تُقبّحه لا تقبّحه إلا لشيء تشمئز منه. كثير من الأعمال السيئة التي تشمئز منها النفوس كأن يقتل المسلمون بعضهم البعض كما يحصل الآن في العراق هذا عمل مقبوح أن يحرق المسلم مسجداً أو مصحفاً. فالتقبيح هو ذكر فعل منكر بشكل تشمئز منه النفوس.

اللعن: سبٌ مع دعاء كأن تقول لأحدهم "إذهب لعنة الله عليك. اللعنة من الله تعالى الخالق هي الطرد أما إذا كانت من المخلوق فهي دعاء. كل من تشتمه وتدعو عليه يسمى لعناً. بينك وبين أحد الناس مظلمة فإذا شتمته ودعوت الله عليه لأنك لست قادراً على أخذ حقك يسمى لعناً. واللُعنة كالهُمَزة وهي كثرة اللعن. واللعن منهي عنه في الإسلام حتى الدابّة إذا لُعنت لا تُركب والنعجة إذا لُعِنت لا تؤكل. والرسول r في الحديث الشريف ينبهنا لهذا :" ليس المؤمن لعاناً ولا طعاناً" "لا يلعن الرجل أبويه، قالوا: كيف يلعن الرجل أبويه يا رسول الله؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب الرجل أباه" هذه من الأخلاقيات المنهي عنها في هذا الدين نهياً قاطعاً.

السبّ: عندما تكون فيك خصلة واحدة معروفة، سيئة معروفة إشتهرت بها عُرِف بين الناس أنه بخيل أو خائن أو مرابي أو ماجن فعندما يقال لك إبن من أنت؟ تقول إبن فلان يقول: أنت إبن فلان الخائن أو البخيل أو المرابي؟ وفي التاريخ الكثيرين ممن إشتهروا بصفة سيئة فيهم يقال مثلاً فلان مثل باقل لأنه كان بخيلاً وآخر أحمق وآخر ماجن وآخر لص. من عُرِف بنقيصة من النقائص يتوارثها أبناؤه عنه فإذا ذكّرت إبناءه بها فقد سببته. فالسبّ هو أن تذكر إنساناً بعيب إشتهر فيه. قال تعالى (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108) الأنعام) إذا سببت الأصنام التي يعبدها المشركون سبوا الله تعالى. السبّ هو أن تعيّر المقابل بقضية عُرِلإ بها بين الناس فتذكّر الناس بها.

الغمز واللمز والهمز والنبز: هي من عائلة واحدة لكن تختلف في معناها:

الغمز يكون بالجفن أو باليد (وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) المطففين) التغامز والغمز هو أن تشتم الآخر بإشارة من يدك أو جفنك إمتطاطاً أو إشمئزازاً بدون كلام. والغمز يكون أمام الشخص.

اللمز: يكون خلف الرجل لا أمامه. اللمز في غيبته ولكن اللمز بكل العيوب. اللمز هناك عيب في فلان لا تذكره به مواجهة وإنما تذكره في غيبته (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) التوبة) (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) التوبة) ليس أمام الرسول r وإنما في غيبته. فاللمز يكون في غيبة الملموز ويكون بتراخي بعد مدة وليس سريعاً. (وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ).

الهمز: الإغتياب السريع بعد الإفتراق. كأن تكون جالساً في مجلس فيخرج أحد الحضور من المجلس مباشرة ذمّه واحد يسمى همزاً. عبد الله بن مسعود قال: "كنا عند النبي r فانصرف أحد الناس فوقع فيه رجل فقال النبي r تحلل من هذا فقد أكلت لحم أخيك". لو قلت سمعت اليوم فلاناً همز فلان فإذا كنت تُحسن اللسان العربي فستفهم أنه فعلها بعد أن كان في المجلس وخرج أي بعد أن إفترق سريعاً طعن فيه. يقول تعالى (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1))

النبز: يكون بتلقيب إنسان بلقب سيء، تضيف عليه لقباً يُضحك الناس. يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) الحجرات).

الغيبة: أن تتكلم على إنسان خلف ظهره بكل شيء وليس بعيب واحد وإنما عموماً مطلقاً. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) الحجرات).

السخرية: هو كل كلام يثير الضحك، تقول على فلان شيئاً يضحك عليه الآخرون. قال تعالى (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) هود) (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) المؤمنون). السخرية تكون من فعل يقال سخر فلان من فلان أي من أفعاله. وسخر فعل يتعدى بـ (من).

الإستهزاء: تستهزيء من الشخص كأن تقول شكله مضحك أو أن تستهزيء بشكله أو طوله أو استهزأت به بذاته يسمى إستهزاءً. الإستهزاء يكون من ذاته وفعل إستهزأ يتعدى بالباء (إستهزأ فلان بفلان) أنه من ذاته. فالإستهزاء يكون من الشخص والسخرية تكون من فعل. قال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) التوبة) (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) الفرقان).

هذا هو الفرق بين هذه الكمات القرآنية من حيث إستعمال القرآن لها بدقة عجيبة. هذه المنظومة التي تُخِلّ بالآداب وتُخِلّ بالأخلاق وتُخِلّ بشخصية المؤمن يقول r في الحديث الشريف: "ليس المؤمن طعّاناً ولا لعّاناً ولا فاحشاً ولا متفحشاً". لذا إذا أردت أن تعرف كمال الإيمان في المسلمين فانظر إلى لسانه فإذا عفّ لسانه فقد بلغ المقام. قد يكون المسلم عفّ اليد لكن الكمال يكون بعفة اللسان. كل الأدبيات والأحاديث والآيات تتحدث عن عفة اللسان وعلينا أن نفهم أن الإسلام والإيمان يقوم على قاعدة إيمانية هائلة: "أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً" "إن العبد ليبلغ بحُسن الخُلُق " فحسن الخُلُق دين هذه الأمة لذلك تحدث تعالى عن هذه المنظومة في القرآن بما ينبغي علينا أن لا نفعل هذه القاذورات حتى ننجوا وكما في الحديث :" ويحك ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم" . متى ما رأيت صاحب مذهب يلعن مسلماً فاعلم أنه هالك. بنى الله تعالى الكون على نظام الإمتحانات المستمرة (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) العنكبوت) كل الناس تصلي وتصوم وتزكي فإذا ظنوا أنهم الفرقة الناجية فهذا هراء فيوم القيامة (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) الإسراء) "إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم". هذا القبح السائد اليوم بين المسلمين بعضهم يقتل بعضاً ويهدم مساجد بعض لأول مرة هذا غير ما نزل في القرآن الكريم (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2) الحشر) ولهذا لا بد أن يصب الله تعالى على هذه الأمة البلاء ليطهرها والبلاء على هذه الأمة في الدنيا ليس عقاباً لها كما هي الحال مع المشركين لأن الله تعالى يعاقبهم في الدنيا وفي الآخرة (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) السجدة). هذا كله من باب تطهير الذنوب حتى الشوكة يشاكها المسلم تكفر الخطايا " لاتكرهوا الفتن فإن فيها صلاح". لكن المسلمين من الحصافة والذكاء ونصوص الدين واضحة بحيث يعلموا كيف ينجون وكيف يهلكون. قد يصلي أحدهم مليون صلاة ويصوم مليون يوم ويزكي لكنه يُكبّ في النار والعكس صحيح.

هناك قواعد ثابتة لا يختلف عليها مسلمان: البغضاء والحسد كما في الحديث الشريف: دبّ إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة لا أقول حالقة الشعر وإنما حالقة الدين" "لا تؤمنوا حتى تحابّوا" والمتباغضان لا يُغفر لهما لا في عرفة ولا صوم ولا حج ولا زكاة وسيكونان عرايا يوم القيامة من أي حسنة. "المستبان ما قالا فعل البادي منهما حتى يتعدّى المظلوم" لو لم يرد لذهب بالأجر كله لأن الملائكة ترد عنه فيأخذ أجره وعليه كل إثم الذي سبّه فلو غضب عليه وردّ له المسبة على أن لا يزيد على من شتمه فإذا زاد يحاسب على الزيادة. وفي الحديث "سُباب المسلم فسوق" فما بالك بالقتل والأذى والسرقة وإنتهاك الأعراض؟ والمسلمون يعرفون هذا كله لأنه واضح في كتاب الله تعالى (ولا يغتب بعضكم بعضاً) لماذا وصلنا إلى هذا الحال؟ من يعنيه أن يكون مسلماً فعليه أن يعرف كيف يكون مسلماً "كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعِرضه" وأول ما يُفصل به يوم القيامة الدماء إن امرؤ شتمك لا تسبن شيئاً هذه أخلاقيات الإسلام.

الفتنة هي الإختبار الشديد على النار والغيبة معروفة " المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان" ويقول تعالى (ويل لكل همزة لمزة) ويل هو وادي في جهنم.

في المقابل عندنا عبادة عظيمة نسيناها، كم من مصلٍ ليس له من صلاته إلا القيام والقعود: التعامل مع الآخر كقصة البغيّ التي دخلت الجنة لأنها سقت كلباً يلهث. فإذا كنت في مجلس وشُتِم أحد فدافعت عنه وحميت ظهره بالغيب لا يبقى عليك ذنب فالله تعالى يحمي ظهرك يوم القيامة. وكذلك كظم الغيظ وبر الوالدين فالتفوق الأخلاقي للإنسان المسلم يعامل جميع الأنبياء كما يعامل الرسول r لا يفرق بين أحد من رسله والمسلم مترقي متحضر. قال تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس)

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:50 PM
حرف الراء

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:51 PM
منظومة التفوّق

الرابح – المفلح – الفائز – القادر – المنتصر – الظافر – القاهر – الغالب - السابق

الكلمات التي تشير إلى تفوق الإنسان في حالة كما إستقصيتها في كتاب الله عز وجل هي الرابح، المفلح، الفائز، القادر، المنتصر، الظافر، القاهر، الغالب، السابق. أصناف من التفوق الإنساني في كتاب الله عز وجل وكل كلمة ترسم زاوية خاصة لا ترسمها الكلمة الأخرى.

الربح: .التفوق في الكسب المالي عن طريق التجارة. كل تفوق على الآخرين عن طريق التجارة يسمى ربحاً (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) البقرة).

المفلح: التفوق في أداء واجب شاق حاول مجموعة من الناس أن يفعلوه مثلاً وإستطاع بعضهم وفشل بعضهم فيقال أفلح. مثل سباق المانش مثلاً المئات يدخلون السابق وواحد فقط أو بعضهم يعبرون المانش. (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9)) مجموعة صفات أدّوها جميعاً وهذا قطعاً عمل شاق ولهذا شق الأرض يسمى فلح. الفلاحة من أشق المهن على الأرض في القوة والجلد والصبر والفلاّح من هذا الإشتقاق إنه أدّى واجباً شاقاً بينما فشل غيره فيه (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) المؤمنون) كم واحد من المسلمين اليوم أفلح في هذه المجموعة من صفات المؤمنين كما ذكرت في سورة المؤمنون؟ نجدهم قِلّة فهؤلاء مفلحون.

الفوز: إذا أفلح الإنسان في أي عمل ثم حصل من هذا الفلاح على خير كثير متفوق لم يحصل عليه الآخرون يسمى فوزاً. (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) آل عمران) ويقال أفلح في السباق وفاز بالجائزة. الفوز خير كثير لا نظير له يأخذه الناس لأنهم قاموا بأعمال لم يستطع غيرهم أن يفعلها. وهناك فوز كبير وفوز عظيم وفوز مبين. الفوز الكبير يُعدّ له إحتفال مثل العيد الكبير عند وقفة الحجاج بعرفة فهذا يوم مشهود وكذلك الفوز الكبير يوم القيامة وحتى في الدنيا مثل توزيع الجوائز على ملأ عظيم في إحتفال عظيم. الفوز العظيم من حيث الكمّ قيمة هذا الفوز، مكافأته عظيمة من حيث الكمّ: مبلغ من المال، كأس ذهبية، منصب أو غيره. الفوز المبين لا يختلف فيه إثنان ولا يتنازع فيه إثنان فالذي فاز بالسباق فأخذ الجائزة التي من حقه لا أحد يعترض عليه ولا أحد يسأل لم أخذ الجائزة؟ الفوز أثر من آثار الفلاح.

القادر: التفوق في الطاقة الذاتية والتفوق هذا نوعان: نوع مطلق إذا كان لله تعالى (قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37) الأنعام) ونوع محدود غير مطلق للمخلوق يقال فلان قادر على ركوب الخيل أي عنده قدرة ذاتية متفوقة جداً في شيء محدد فلا تقول فلان قادر وتسكت وإنما يجب أن تحدد قادر على كذا. سباق القدرة مثلاً وهو سباق الخيل يبقى المتاشبق على ظهر الخيل مدة أربع وعشرين ساعة. اما الله تعالى فله قدرة مطلقة.

النصر: التفوق على الخصم بالقوة والإسناد وكل منتصر هناك من يسنده ناهيك عن الإسناد الإلهي. حتى في الحياة عندما تنتصر على خصمك هناك من أسندك. النصر هو المعونة وعلى الخصم عندك قوة لكن هناك من أيّدك وتحالف معك فهاذ يسمى نصراً.

الظفر: هذا النصر إذا كان موجعاً جداً للعدو يسمى ظفراً (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24) الفتح) مثلاً جيشان تحاربا والنصر هدفه إخراج العدو من أرض المعركة فإذا كان الجيش المنتصر نشب أظفاره في العدو يسمى ظفر كما فعل اليهود بالجيوش العربية في عام 1967 عندما أنشبوا أظفارهم بالجيوش العربية. الظفر كأنهم أنشبوا أظفارهم كما قال الشاعر:

وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمةٍ لا تنفع

القهر: إذا كان العدو الذي إنقلب إلى ظفر بعد ذلك إسترقيت المنهزمين وإستوليت على إرادتهم بالكامل يسمى قهراً (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) الأعراف) بحيث لا يعود لديهم إرادة ولا حول.

الغالب: إذا لم يتم هذا بالسلاح وإنما بالخداع والمؤامرة والمناورة يسمى غلب (غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) الروم). لم يقل هزمت الروم ولم يقل سينصرون وإنما قال سيغلبون لأن الأوروبيون معرفون بأنهم ماكرون مكراً يفوق في قوته قوة السلاح كما فعلوا في العراق بتدبير هائل أقنعوا العالم بصحة ما قالوه عن إمتلاك العراق لأسلحة دمار شامل وجاءوا إلى العراق فهذا يسمى غلبة. وهناك فرق بين الإنتصار (تفوق مع إسناد آخر علناً وهذا فيه فروسية) وبين الغلبة التي فيها مكر وخدعة ولذا قالوا الحرب خدعة. (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) الصافات) الذين نرسلهم مرسلين مثل إبراهيم ونوح وموسى وغيرهم أخبرناهم أنهم منصورون أن الله تعالى سينصرهم (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) يوسف) من عند الله إسناد. (وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) الجراد والقُمّل والضفادع والدم جنود الله تنتصر بالمراودة. (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) الأحقاف) جاءتهم غيمة ففرحوا وظنوا أنها خير فإذا هي عذاب هذا تدبير ومكر وحسن دهاء. كل من ينتصر على خصمه بالدهاء يسمى غلبة فإذا أنشبت أظافرك فيه يسمى ظفراً فإذا إستعنت عليه بمعين يسمى نصراً وإذا إسترقيّته يسمى قهراً.

السباق: سرعة السير حقيقة (سباق ركض) أو مجازاً. المسابقة هي السرعة في السير (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) آل عمران) هذه السرعة غير معروفة بطيئة أو سريعة فقال تعالى في آية أخرى (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) الحديد) لتكن سرعتك سرعة المتسابق.

فهمنا الفرق بين كل كلمة وكلمة فالربح هو التفوق المالي وأفلح تفوق يف أداء واجب شاق وفاز الخير من وراء فلاح في أداء واجب شاق والقدرة تفوق في القدرة الذاتية والنصر إسناد مع قوة والظفر أن تنشب أظافرك وتستأصل عدوك وغلب التفوق بالدهاء والمكر والمحاورة والمداورة ، والقهر إذا إستوليت على عدوك بالكامل أرضاً وثروة وقراراً والسبق التفوق الزمني. هذه هي منظومة التفوق في كتاب الله عز وجل وكل كلمة تعطي زاوية لا تعطيها الكلمة الأخرى.

السبق: هذه أكثر كلمة في هذه المجموعة تعنينا لأنها تتعلق بالآخرة والكلمات الأخرى تتعلق بالدنيا. السبق هو أن تسبق الآخرين. الإمتحانات والإختبارات سباقات في الصناعات والحضارة وغيرها فالتسابق من أسباب عمارة هذا الكون (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) هود) وعمارة الأرض ليس فيها محابا لأمة دون أمة فالأمم فيها سواسية وقانون التسابق عام هكذا التفوق لا ينحصر بأمة دون أمة أو دين دون دين كل من له قدرة السرعة أكثر من الآخر هو الذي سيتفوق في النهاية على الآخر. هناك بعض الشعوب تسير بسرعة وغيرهم يسرون على مهل والشعوب تتفاوت في السرعة والبطء وكلما كانت حركة الشعوب أسرع كلما كان تفوقها أكبر وكلما كانت السرعة بطيئة كلما كان تفوقها بطيئاً. رب العالمين يقسم الناس يوم القيامة على أساس السرعة كما هو الحال في الدنيا. في سورة الواقعة الذين سيمثلون للحساب ثلاثة أنواع: أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة والسابقون. نحن قطعاً لسنا من أصحاب المشئمة هؤلاء خالدين في النار أما المؤمن بالله من أصحاب الميمنة ونحن قطعاً لسنا من السابقين وهم نوعان: سابقون لا يتكرروا مثل الأنبياء والصديقون والشهداء وآل بيت النبي r وآل الأنبياء وحواريهم والأنصار والمهاجرون والبدريون والرضوانيون وهؤلاء قِلة (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14) الواقعة) هذا النوع من السابقين لا نكون منهم ولكن قد نكون معهم بحبنا لهم كما قال الرسول r (فيُبعث بحبه لهم) وهؤلاء لا يقاس عليهم كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه "نحن أهل بيت لا يقاس علينا ولا نقاس على أحد". صفة ثبتت اهم ولن يتكرر هذا النوع. ننتقل إلى سورة فاطر يتكلم تعالى عن أهل اليمين. قلنا نحن لسنا من أصحاب المشئمة ولا من السابقين. نحن من أصحاب اليمين الذين ينقسمون في سورة فاطر إلى ثلاثة أقسام (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)) أصحاب اليمين هم الذين يوحدون الله عز وجل هؤلاء ثلاثة أنواع:

الظالم لنفسه الذي حسناته أقل بكثير من سيئاته وهذا لا يكون إلا إذا لم يكن من أهل القِبلة فإذا كان لا يصلي يجعله متأخراً عن كل ما يتصوره حتى يكاد يُفصل من أمة محمد r فإذا مكان من يلطم الخدود ليس من أمة محمد كما في الحديث "ليس منا من لطم الخدود" فكيف بتارك الصلاة؟

ومنهم مقتصد وهؤلاء تساوت حسناتهم مع سيئاتهم. ومنهم سابق الخيرات هؤلاء سابقون آخرون ويمكن أن نكون منهم بدرجة متقدمة في أمة محمد r وإن كنت لا ترقى لمرحلة السابقين في سورة الواقعة.

الرسول r يقول من زادت حسناته على سيئاته فذلك الذي يدخل الجنة بغير حساب. نحن فينا شرائح تدخل الجنة بغير حساب ولا يمر على ساحة العرض. السابق العامل من عامة المسلمين هذا ينتقل من البعث إلى مثواه في الجنة على منابر من نور كما وصفهم الرسول r من غير أن يمر على ساحة الحساب ذلك المشهد الرهيب. والذي تساوت حسناته وسيئاته فذلك الذي يحاسب حساباً يسيراً قالوا وما الحساب اليسير قال النظر (ينظر الله تعالى في ثواني في صحيفة أعماله فيمتليء هذا الإنسان خوفاً لأنه لا يعرف الحُكم فهذا الخوف عندما تنبقى عين العبد معلّقة بكلمة يقولها الله تعالى وهذا الخوف لا يمر فيه لأن الميزان عند الله لا يتساوى ولا يوجد من تساوت موازينه لأن الله تعالى قال (إن رحمتي سبقت غضبي) تتدخل رحمة الله تعالى فتُثقل كفة الحسنات فيذهب إلى الجنة. الفرق بين هذا والسابق أن السابق لا يمر بمنظر الحساب. أما الذي زادت سيئاته على حسناته فذلك الذي أثقل ظهره وأوبق كاهله إذا كان من أهل القبلة فذلك الذي يشفع له النبي r والنبي r لا يشفع لمن ليس من أهل القبلة ولم يكن مصلياً كما في الحديث: "شفاعتي حق لأهل الكبائر من أمتي" وتارك الصلاة مفصول وليس من أمة محمد r.

إذن ما هي الطريقة لتكون من السابقين هؤلاء الذين يمكن لكل عبد أن يكون منهم؟

هناك أحاديث كثيرة وآيات سورة المؤمنون ونسبة قليلة من المسلمين يطبقون هذه الصفات مجتمعة. قال تعالى (قد أفلح المؤمنون) قال هنا للزكاة فاعلون وفرّق بين الصلاة والزكاة ولم تأت مثلما وردت في باقي آيات أخرى (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) لأن الزكاة المقصودة هنا تزكية النفوس عن الحقد والطمع والضغينة : أن تقتل مسلماً أو تذبحه ليس من أمة محمد. يقول تعالى (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) أي قاموا بهذا الجهد الشاق ولو أنهم نسبة ضئيلة زلكن يمكن أن تكون مثلهم حتى لو حاولت قبل أن تموت بعام واحد . أشياء أخرى بشّرنا بها الرسول r: جاء أبو ذر قال: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالخير (أهل الدثور هم أناس أغنياء يعطون الفقراء والمساكين) قال r ألا أدلّك على كلمات إذا قلتها لا يلحقك من خلفك وتبلغ من سبقك: تسبح ثلاثاً وثلاثين وتحمد الله ثلاثاً وثلاثين وتكبّر الله ثلاثاً وثلاثين وتقول تمام المئة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. إذا فعلتها دُبُر كل صلاة تدرك من سبقك ولا يلحقك من خلفك ويجب أن تستحضر ذهنك في كل مرة تقولها.

قال الرسول r: "أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟ قالولا: بلى يا رسول الله، قال: الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سُئلوه بذلوه وإذا حُكِّموا حكموا للناس كحكمهم لأنفسهم". يعني في الغالب في كل خصومة لا يرضى أحد بحقّه فقط (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ (24) ص) من أسباب السبق أن تكون منصفاً لا تأخذ أكثر من حقك وإذا أسندت الأمر إليّ حكمت لك كما أحكم على نفسي. قال تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) العدل هو أن تعطي الحق والإحسان أن تضيف إليه شيء آخر ترضي الطرف الآخر وهذا من رضى النفس وعِفّة القلب. والطمع في ما عند فلان مصيبة المصائب لا يهمك إلا الإستحواذ على ما عند غيرك وما من أمة تعفّ عن حق الغير كهذه الأمة، أما باقي الأمم فهي إن فعلت فلأنها تطبق خوفاً من القوانين. هذه المجموعة من الأمة لا تطمع بما بيد الآخر إذا لم يكن من حقها وتعفّ عن حقها. وإذا حكمت تحكم كما لو تحكم على نفسها هذه السابقة يوم القيامة فلا تغترّ بكثرة الصلاة والصيام ولا بطول اللحية وقصر الثوب ولكن أنظر إلى موقفك من الطمع، كم تقف يدك عن الدرهم الحرام أو الذي ليس من حقك أو الذي للآخر؟ إياك أن تطمع به وهذه من علامات السبق يوم القيامة. يقول r "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة".

لماذا نسبق الناس يوم القيامة؟

ما من أمة توحّد الله تعالى كما يفعل المسلمون.

أمة متوضّئة هذا الوضوء طاهرة 24 ساعة.

أمة نقية العرض والأنساب بشكل لا تجده إلا في هذه الأمة.

المسؤوليات الفطرية في الأسلاة وبدون ضغط قانوني.

أمة رحيمة بالأمم الأخرى ورحيمة بالعدو وبالخصم.

أمة تصلي خمس مرات يومياً.

أمة كثيرة الذكر لله تعالى.

أمة زاكية في أعراضها وفي حقوقها وفي معاملاتها. حتى المسلم الأميّ لا يذكر باقي الأنبياء أو الديانات إلا بخير (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) العنكبوت)

أمة نقيّة بشمائلها وبأخلاقها.

فمن العدل الإلهي أن تكون هذه الأمة هي السابقة إلى كل خير يوم القيامة.

إذا بلغ العبد في عبادة معينة درجة الإتقان المطلق فهو من السابقين. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) المائدة) إتقوا الله بالأحكام وإبتغوا إليه الوسيلة بعمل واحد متخصص متقن تماماً. بلال رضي الله تعالى عنه سأله رسول الله r بم سبقتني إلة الجنة يا بلال فقال: ما أحدثت إلا توضأت وما توضأت إلا أحسست أن لله علي ركعتين فقال r بذاك يا بلال سبقتني. هذا الرجل جعله الله تعالى من السابقين لأنه من ساعة ما يستيقظ إلى ساعة أن ينام وهو متوضيء. إمرأة أرملة لها أولاد فخطبها خاطبون قالت لا، أريد أن أربي أولادي. بهذا العمل تدخل الجنة قبل النبي r فهي من السابقين. درجة الإمتياز بين الناس هو في الإستقامة (آمنت بالله ثم إستقم) الأساس هو الإيمان بالله ثم الإستقامة فعلينا جميعاً أن نستمطر نصر الله تعالى بالإستغفار.

أن تكون مواظباً على الوضوء من أنواع السبق. حديث آخر عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: جئت رسول الله r فقلت يا رسول الله إني إمرأة قد ثقلت فعلّمني شيئاً أقوله وأنا جالسة، قال لها: قولي لا إله إلا الله مئة مرة لا تذر ذنباً ولا يسبقها العمل. هناك من السابقين بالعِلم كما حصل مع الإمام علي رضي الله عنه : عن مسعد عن إسحق بن عمرو ابن حبيشي قال: خطبنا الحسن بن علي بعد قتل علي بن أبي طالب قال: لقد فارقكم رجلٌ بالأمس ما سبقه الأولون بعِلم ولا أدركه الآخرون. وفعلاً كان الصحابة يعجبون من علمه رضي الله عنه فقال له أبو جحيفة: أُنشدك الله يا علي أعندك شيء من القرآن غير ما في هذه الصحيفة؟ فقال لا والله وإنما عندي فهم خاص يؤتيه الله من يشاء من الناس. فهو سابق في العلم. وآل البيت ومصيبة الناس فيه بين مُحِبٍ غالٍ مُفرِط وبين مبغض مُفرِط. التأليه أشد من حد السيف.

يمكنك أن تكون من السابقين وتتخصص في عبادة من العبادات مهما كانت وظيفتك حتى لو كنت رب أسرة فقط. كل العبادات إذا تخصصت بواحدة منها تخصصاً عظيماً فقد سبقت غيرك. قال تعالى (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) النحل) وقال تعالى: (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) الكهف) لكن إذا كان العمل الذي تعمله من أعمال السابقين تصبح أنت من السابقين أيضاً بحيث لا تحاسب وتكون في مقصورة الرحمن في الفردوس الأعلى وتكون من الصالحين أصحاب الميمنة الذين من ضمنهم السابقين بالخيرات. إما عن طريق عمل جليل نُصّ عليه أنه من فعله يكون من السابقين أو عن طريق تخصصك بعبادة واحدة متقنة إتقاناً تاماً كاملاً تأتي يوم القيامة وأنت من السابقين، يقولون : إعرف بعض الشيء عن كل شيء وإعرف كل شيء عن عبادة واحدة.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:52 PM
منظومة صفات العقل

العقل المميّز – الوازع – المتدبر – المفكّر - الرشيد

في حلقة سابقة كنا تكلمنا عن أسماء العقل في حرف الحاء في منظومة الحجر (هل في ذلك قسم لذي حجر) والحجر إسم من أسماء العقل كالنهى ( إن في ذلك لآيات لأولي النهى) واللّب (إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب) هذه كانت عن أسماء العقل. في هذه الحلقة نتكلم عن صفات العقل وهي: العقل المميّز (ليميز الله الخبيث من الطيّب) والعقل الوازع (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17)) والعقل المفكّر (إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) والعقل المدبر (أفلا يتدبرون القرآن) وأرقى العقول هو العقل الرشيد (أليس منكم رجل رشيد) (فأولئك تحرّوا رشدا) (ولقد آتينا إبراهيم رشده)، إذا وصل العقل من تجاربه الكثيرة إلى قمة النضج والأداء الكامل يسمى عقلاً رشيداً.

العقل المميِز: العقل نوعان: ثابت ومتطور والقاسم المشترك بين جميع المخلوقات البشرية العقل المميّز. كل مخلوق بشري ما لم يكن مجنوناً أو متخلفاً عقلياً يعرف هذا أحمر وهذا أصفر وهذا نار وهذا حار وهذا بارد. هذا عقل مميز تساوى فيه البشر جميعاً بل حتى الحيوانات لها مكان العقل غريزة تفرق بين الأشياء. لكن بقية صفات العقل المميز والوازع والمفكر والمتدبر والرشيد هذه عقول تتطور وتترقى بطول التجارب كما قال الشاعر:

ألم تر أن العقل زينٌ لأهله ولكن تمام العقل طول التجارب

بالعقل وبالتجارب بالدراسة بالتفكر العقل يترقى وهذا لا يمنع أن من عباد الله من يهبهم عقلاً كاملاً رشيداً هبة من عنده عز وجل بدون أسباب مثل عقول الأنبياء (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس) لهم عقول مخصصة من الله تعالى (وعلّمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) وقد علّم الله تعالى جميع الأنبياء من آدم إلى محمد r علّمهم تعليماً مباشراً إلى عقولهم فترقّت عقولهم. وهكذا أيضاً يهب الله تعالى بعض العباد عبقرية هائلة وعقولاً مدبرة راشدة بدون أسباب كما يمنح الصوت الجميل فيكون مغنياً أو الخط الجميل أو القدرة على الرسم أو الشعر. هذه الكفاءات تولد مع الإنسان فيولد مطرباً أو شاعراً أو رساماً وهكذا بعض العبقريات العلمية كما قال تعالى عن سليمان وكان عمره 11 عاماً أعطاه الله تعالى عقلاً فاق عقل أبيه داوود u (ففهمناها سليمان) فهم من الأمر ما لم يفهمه أبوه العظيم. كذلك يحيى (وآتيناه الحكم صبيا). هذه إستثناءات، نجد أن إنساناً أو إنسانة نبغ في علم معيّن نبوغاً ليس مكتسباً. في الغالب العقل يكتسب وهناك من يولد عبقرياً. وهذه إستثناءات ومِنَح من الله عز وجل. العقل المميز إذن هو العقل الذي يتساوى فيه الناس جميعاً.

العقل الوازع: مباشرة بعد المميز . فتى لما يصير في الخامسة عشر من عمره يهديه عقله لمنعه من النقائص والأخطاء والجرائم والأشياء القبيحة بالفطرة لا يحب القمار أو القتال أو الزنا أو الخمر "كل مولود يولد على الفطرة". هذا العقل الوازع هو الذي يكف الإنسان عن إرتكاب النقائص (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) النمل) أي أن هذا الجيش الذي كان لسليمان وكان من أجناس وأعراف مختلفة (طيور، حيوانات، إنسان، جن) هذا الجيش العرمرم مع إختلافه كان منضبطاً إنضباطاً كاملاً وعنده من الوازع ما يمنعه من المعصية. وعندنا وازع ديني فلا يسرق ولا يزني، ووازع قَبَلي يستحي من الناس وخوف من القانون ووازع عقلي وهذا أرقى الأنواع وهذا وازع ذاتي إن من الناس بطبيعته وبمروءته وتأثير عقله الوازع يترفع عن النقائص. بعض الأمم تترقى حتى يتعايش فيها الناس مع بعضهم كما في كندا والصين وأميركا والهند فيها أجناس مختلفة وأعراق وجنسيات يتعايشون بوازع القانون وليس بينهم تنافر أو حقد. بينما هناك دول لا تزال عقولها في مرحلة الطفولة السلبية فمع أنهم من عرق واحد ودين واحد يقتل بعضهم بعضاً كما يحصل في العراق مثلاً الآن ليس لديهم وازع كما كان لجيش سليمان برغم أعراقهم كانوا منضبطين ومتعايشين كما ذكرنا في بعض الدول..

العقل الوازع هو الأساس الذي يجعل المجتمعات مستقرة سليمة ويجعل الناس يتعايشون على إختلاف أعراقهم وأديانهم. وتشقى الحياة إذا لم يكن للناس وازع يلم شملهم ويوحّد حركتهم.

كلمة يوزعون ودرت كثيراً (رب أوزعني أن أشكر نعمتك) أي أعطني عقلاً يمنعني من كُفر النعمة. حتى أهل النار (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) فصلت) أصحاب النار يوم القيامة في غاية الصلاح (ربنا أخرجنا منها نعمل صالحاً) (رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيم تركت) عندما يرون النار يتوبون لكن بعد فوات الأوان، (يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل). العقل الوازع ينفع في الدنيا وإذا لم يتب صاحبه قبل الغرغرة فلن تنفعه التوبة بعد الموت. العقل الوازع الآن هو الذي يسيطر على حركة الناس في الدول وفي الجماعات والجيوش وكل الحركات السياسية والعسكرية والإقتصادية فإذا رأيت جماعة من أي نوع منضبطة وتمتنع عن التمرد والخطأ والإعتداء على الآخر فإعلم أن لهم وازعاً من عقل أو قانون أو دين المهم هناك وازع كما في الحديث "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" السلطان بقوته وعدله وقانونه يكفّهم عن الفساد. والعقل من أرقى أنواع الوازع لأنه ينضبط بدون أي قانون هذا نوع من الترقي الإنساني .والعقل الوازع هو الذي يكفّ صاحبه عن الإعتداء والفوضى لأن هذا العقل له سلطان على صاحبه.

العقل المتدبر: (أفلا يتدبرون القرآن) التدبر في القضايا التي تحتاج إلى عمق في التفكير لكي تصل إلى نهايتها. ليس كل المسائل في الحياة بسيطة فالذين إخترعوا الإختراعات تأملوا سنوات ثم بقوا وراء هذا العلم وتأملوا إلى أن وقعوا على ما أردوا الوقوع عليه. يتدبر يعني يبقى دُبُر الشيء إلى أن يعرف حقيقته وهكذا جميع العلوم. القرآن الكريم فيه آيات محكمات وآيات متشابهة فالمحكم هو إفعل ولا تفعل أقيموا الصلاة، آتوا الزكاة، لا تقربوا الزنا ولا تأكلوا الربا وغيرها هذه آيات تُفسّر وفسّرها الرسول r لأصحابه وليس فيها جديد (صلاة، صيام، زكاة) والمتشابه أي الذي له معنى أول وليس له معنى آخِر مثل آيات الكون والفضاء والإنسان والحياة هذا يأول ولا يفسّر. هذا معنى أوّلي وكل الحياة بدأت في طفولتها بمعنى أوّل ثم إستمر التقدم حتى وصلوا لما يريدون. القرآن هدى للناس والكتاب هدى للمتقين يعني المحكم منه للمتقين (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)) أما القرآن فهو هدى للناس ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس) جميعاً لأن فيه خلق الكون والوحدانية والكل يهتدي به عندما يبين أن الله واحد ولا ينبغي أن تعبد إلا الله لا صنماً ولا حجراً. هذا التدبر أن تبقى خلف الآية جيلاً بعد جيل. مثلاً قوله تعالى في سورة النمل (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) ما هذه الحركة التي يأتي بها مخلوق بشري ينقل فيها مخلوق عرش ملكة سبأ من مكان إلى مكان بلمح البصر؟ إختلف المفسرون منهم من قال هو مخلوق موجي والموجة تتحرك بزمن صفر ومنهم من قال هي عملية النقل الضوئي بأقل من جزء ثانية تنقل إلى أقصى الدنيا وجيل بعد جيل تبقى وراء هذه الآية إلى أن تعرف ما وراءها وقد تتطور في معرفتها ويبقى المعنى الكامل ناقصاً إلى يوم القيامة (يوم يأتي تأويله). هذه المعاني العميقة في النفس والحياة، في العين والبصر والسمع والفضاء كله يحتاج إلى تدبر تبقى خلف الآية جيلاً بعد جيل إلى أن تصل وكل ما وصلت إليه البشرية الآن من إختراعات كانت تعتبر أسطورة وخرافة قبل أعوام. هذا التدبر فالعقل الذي يبقى سنوات لكي يخترع شيئاً هذا عقل متدبر.

العقل المفكر والعاقل: العقل إسم والعقل فعل. العقل إسم لهذه العضلة والعقل أيضاً فعل تلك العضلة. العقل يعقل (وما يعقلها إلا العالمون). متى يكون عقلك عاقلاً ومتى يكون مفكراً؟ إذا فكرت بالشيء الواحد بجزئياته يسمى مفكراً (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) آل عمران) تفكر بالنجمة وحدها، بالقمر، بالشمس، بالفضاء وحده وهكذا فأنت عندما تأخذها جزءاً جزءاً يسمى هذا تفكيراً فلما تسمى مفكراً لا شك تجزيء وأنت أخبر الناس بهذا الشيء وتعرف أسرار جزئياته فأنت مفكر سياسي، علمي، ديني، عندما تُجمع الأجزاء المطلوب جمعها وتخرج منها بنتيجة تسمى عاقلاً العقل هو الضم من عقل البعير. من دقة القرآن يتكلم عن العقل الذي يعقل المطلوب أنت تجمع هذه الأشياء وتخرج بنتيجة:( اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) الرعد). هذه الأشياء عليك أن تفككها جزئية جزئية تنظر في أسرارها على حدة. في آية أخرى (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) الرعد) هذه مطلوب منك أن تنظر فيها مرة واحدة: هذه بستان في أرض واحدة، بذور واحدة، الماء واحد وتختلف النتائج هذا أحمر وهذا أصفر وهذا مالح وهذا حلو عليك أن تعرف ماذا حصل والعلم الذي ستتوصل إليه من جمع هذه الأشياء وتنظر فيها مع بعض هذا عقل.

العقل الرشيد: أرقى العقول وأعظمها عندما يترقى العقل من كونه مميزاً إلى عقل وازع إلى عقل متدبر إلى عقل متفكر ثم عندما يصل إلى نهاية النضج يسمى عقلاً رشيداً (أليس منكم رجل رشيد) العقل الرشيد كما يعرّفه المسلمون في الكتاب والسُنّة هو وصول العقل إلى غاية نضجه (فأولئك تحروا رشدا) الرشد هو إذا أصبت الصواب الكامل اليقيني الذي لا شك أنه يقين ولذلك سُمي رشداً. الرشد هو الإستقامة على طريق الحق على تصلّب فيه مهما حاولت أن تثنيه عنه لا يتحول ويعطيك ألف دليل لأنه وصل إليه عن طريق اليقين. ربا العالمين يقول: (ولقد آتينا إبراهيم رشده) إبراهيم u هو إمام الأنبياء. لماذا قال رشدا؟ لأنه إستعمل عقله وعلّمه ودرّبه ووصل إلى اليقينيات عن طريقين: طريق الشك أوصله لليقين (رب أرني كبف تحيي الموتى) هو يعرف أن الله تعالى يحيي الموتى ولم يشك في الله تعالى لكن شك في كيفية هذا الذي يحدث لكنه أراد أن يرى بعينه لكي يزداد يقيناً (ولكن ليطمئن قلبي) أي لأصل إلى الحقيقة المطلقة فإذا وصل إلى الحقيقة المطلقة إنتهى هذا الأسلوب الأول. اسلوب الثاني هو الأسلوب التجريبي كما يحصل في كل الإختراعات الآن لا بد من التجربة أولاً: إبراهيم يبحث عن إله فلما رأى الكوكب ثم القمر ثم الشمس قال (إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض) جرّب إلى أن وصل أن لهذا الكون إلهاً. كل من يعبد غير الله ليس لهم عقل رشيد إطلاقاً ولو كان لهم عقل رشيد لتوصلوا بالمنهج التجريبي أن للكون إلهاً واحداً خالقاً له القدرة المطلقة هذه القدرة المطلقة نسميها نحن الله ويسميها غيرنا شيء آخر وهو واحد لا رب غيره ولو كان في الكون إلهين لفسدتا هذا الكون لا يمكن أن يكون بهذه الإستقامة وهذا الإنضباط إلا بأن يكون له رب واحد وخالق واحد ولذا من أجل هذا قال تعالى (ولقد آتينا إبراهيم رشده) لأنه إستعمل الوسيلتين.

العقل الرشيد بإختصار هو الذي حسُن تقديره فيما قدّر والذي تنساق تدبيراته إلى غاياتها على سبيل السداد من غير إشارة مشير أو تدبير مدبر وإنما تلقائياً هذا العقل ترقى إلى أن أصبح يعرف الصواب بذاته من غير أن يشير عليه أحد..

الرشد هو وصول العقل إلى نضجه الكامل بحيث لا يأتيه الخطأ أو الزلل لا من يمينه ولا من شماله فإذا وصل العبد إلى هذا فقد صار راشداً (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) الحجرات) هناك فرق بين من يمتنع عن القتل أوالسرقة أوالزنا أوالخمر خوفاً من القانون أو من العقوبة ومن يمتنع عنها حباً لمكنونات عقله. كل الفلسفات في الأرض والحكمة يفرزها العقل الرشيد الذي يل إلى مبتغاه وإلى السداد من عير مسدد (وقولوا قولاً سديداً) قول لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قول حق مئة في المئة. هناك من يأكل الربا طمعاً وجشعاً وهو من أخطر الجرائم الإقتصادية ومن يمتنع عنه خوفاً من العقاب ومن يمتنع عنه طواعية. على إمتداد التاريخ نسبة الذين يشربون الخمر قليل بين المسلمين وفي بعض الدول صفر في المئة ما الذي منعهم من ذلك؟ هم طواعية إمتنعوا إلى هذا اليوم نسبة الذين يتعاملون بالربا قليلة لأن النفوس تعافه (كرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان) كم إمرأة يتزوجها زوجها وهي ليست عذراء بين المسلمين؟ هذا من العقل الرشيد عقلها يرفض أن تسلم نفسها بطريق غير شرعي. كم من هذه الأمة تعتدي على الآخر وكم نسبة اللصوص والمرتشين والقتلة والعصابات تعيث في الأرض فساداً. مجتمعاتنا آمنة وهذا بفضل الله عز وجل. ولأن عقولهم رشيدة جرائم القتل في المجتمعات مصيبة في زمن السلم تكاد تكون معدومة في مجتمعاتنا (يهدي إلى الرشد) هذا القرآن بمجرد أن تقول لا إله إلا الله محمد رسول الله تمتنع من السرقة والزنا والربا. هذا القرآن الكريم لمجرد كونك مسلماً تعبد الله وحده وما من أمة تعبده وحده إلا هذه الأمة. التوحيد المطلق مسلّم به عند هذه الأمة لها رب واحد يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين ثم تمتنع طواعية عن أشياء هذا من رُشد القرآن الكريم. هذا الرشد الذي جزّأ لك كل سلوكيات الحياة (النفس بالنفس) هذا قتل الخصومة وهناك قتل يُخلّد في النار (ومن يقتل مؤمناً متعمداً) كالمشرك الكافر هذا إذا قتلته لعقيدته (مسلم يتهم مسلماً آخر بعقيدته أنه مشرك أو كافر ويقتله على أساس طائفي أو مذهبي أو حزبي) في الحديث عن الرسول r:" لا تقوم الساعة حتى يصلي ألف رجل في المسجد ليس فهم مؤمن"، "لا تقوم الساعة حتى يحج الناس ليس فيهم مؤمن". هذا جديد فينا الآن. القرآن نص على هذا اليوم (ومن يقتل مؤمناً متعمداً) يقتله لعقيدته مع أنهم جميعاً يصلون إلى نفس القبلة ويصومون في شهر واحد ويحجون إلى بيت واحد كما يحصل في العراق اليوم ، أي خبل هذا؟ هؤلاء قوم لا رشد لهم ولم يقتربوا من رشد القرآن هؤلاء خالدون في النار وإن صلّى وإن صام.

سورة الحجرات مذيّلة (الراشدون) فرق بين أن تصلي وأنت متلذذ بها وأن تصلي وأنت متعب لكن تفعله لأنه واجب ديني. هناك فرق في حسن الأداء. الأداء مختلف هذا في كل شيء (حبب إليكم الإيمان) لو قطّعته إرباً يتلذذ بعبادة الله تعالى وهو يتقزز من الكفر كفر النعمة ومن الفسق ومن العصيان. يؤدون واجبهم في منتهى المتعة. الخائف خطّاء الذي ينضبط من خوف ما إن تمنحه فرصة يفلت. كل ما في الكون قائم على الحب، كل من يحب شيئاً يُحسن أداءه وكل من يكره شيئاً يؤديه بشكل غير لائق. الذي يعبد الله حباً ويأنف من الخطئية والفساد لا يفعله إلا راشد ورشيد.

من أخطر ما يتهدد البشرية القوة غير الراشدة. العالم يملك القنابل الذرية ومصير العالم بيد شخص واحد (رئيس دولة عظمى) أو بعض الأشخاص فلو أن واحداً من هؤلاء أصابه خبل أو جنون ينتهي العالم. الذي يحفظ أمن العالم أن هؤلاء الذين يملكون المفاتيح يسيطرون على الأمر. ما من قوة غاشكة تفقد الرشد إلا وتفنى بسبب لا يعرفه إلا الله تعالى . لما وزّع القوة وأمر بأن نكون أقوياء أمرنا أن نستخدم القوة في خدمة الناس. قوم عاد قالوا (من أشد منا قوة) ما كان أحد في زمانهم يقدر عليهم أنهاهم الله تعالى بسبعة أيام. النمرود كان له جيش عرمرم لا يستطيع أحد أن يقهره وكان يفتك بالدول مات بالبعوض، الإتحاد السوفياتي قوة كانت تمتلك نصف الأرض إستبدوا بشعب الأفغان البسيط فمات منهم كثير بالنمل في بحيرة في أفغانستان.بينما كانوا يسبحون عندما تستبد قوة واحدة في الأرض تبطش بالناس وتظلمهم لا يستطيع أحد أن يقهرها فالله تعالى ينهيها بشكل لا قدرة لأحد عليها فتنتهي كما إنتهت القوة الجبارة سابقاً.

(وفي أنفسكم أفلا تبصرون) عليك أن تفكر في جسدك وجزّئه جزءاً جزءاً، فيه أكثر من مليون جهاز وكل خلية جهاز قائم بذاته وتأمل كيف تعمل هذه الأجهزة؟ ما هذا التناغم بين هذه الأجهزة وما هذا التناسق "إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"؟ هكذا هو الكون. من يستطيع أن يفعل هذا إلا الله تعالى.سبحانه لا شريك له وليس معه آلهة أخرى وإلا لفسدت الأرض من دلائل وحدانية الله تعالى أن هذا التناسق في الكون وفي أنفسنا. نحن عالم كامل. بهذا التفكر، عندما تجزيء هذا الجسم المعجز وتقيسه على العالم تكون قد صرت مفكراً ثم لا بد أن تصل إلى يقين إبراهيم u.

مصيبة الأمة اليوم أن العقل الراشد فيها قد إختفى والراشدون فيها إختفوا إلا أن يتدارك الله تعالى فيبعث فيهم مجموعة من الرجال ويهبهم شيئاً من الرشد ينقذون به العالم من هذا الخبل. ملكة سبأ لما دعاها سليمان قال لها الملأ (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33)) فقالت (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)) بالحكمة والعقل الرشيد والسياسة والتفاوض وإنتهى الأمر إلى سلام. هذا عصر الخبل " زمن الهرج، الهرج، الهرج القتل القتل القتل حتى لا يدري القاتل لم قتل ولا المقتول فيم قُتِل" " لاتقوم الساعة حتى تكون الروم أشد الناس عليكم" ولأول مرة في التاريخ تستبد قوة واحدة لكن إذا حققت العدل بين الناس فستستمر وتعطي عطاء يستمر قروناً وإلا فمكر الله تعالى لا يخطئ هذه القوة ويأتيها من حيث لا تحتسب ببعوضة، بإعصار، بجرثومة ينتهي الأمر كله.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:53 PM
منظومة النوم

رقاد – سُبات – نُعاس – هجوع – وسن – ضجع – قيلولة

النوم قانون من قوانين هذا الكون فكثير من الأحياء و الأحداث و الأزمنة تنام و تستيقظ و حينئذ إن فلسفة النوم في معظمها تتركز في نوم الإنسان ولا نعرف الكثير عن فلسفة نوم الأشجار و قد ثبت أنها تنام و الحيوان و الأحداث و الفتن كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف:"الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها" و المصائب و الأعاصير والبراكين و الأزمنة و الشعوب كما قال الرصافي متهكما: ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوم.وهكذا. حديثنا عن منظومة النوم في قوانين الإنسان كما أوردها القرآن الكريم لأن النوم له كلمات متعددة يظن الجميع على إمتداد التاريخ الإسلامي أنها بمعنى واحد وليس الأمر كذلك و هذا الفهم الخاطىء فوّت على المسلمين فوائد و فرائد لهذا الكتاب العزيز و جانباً من جوانب إعجازه وهو الإعجاز اللغوي و لهذا فالنوم في القران الكريم منه ما يكون رقاداً ومنه ما يكون سباتاً و منه ما يكون نعاساً ومنه مايكون هجوعاً ومنه ما يكون وسناً و منه ما يكون إضطجاعاً. و كل كلمة من هذه الكلمات إستعملها القران إستعمالاً إعجازياً ليس في وسع أي أحد من البشر أن يفعل ذلك بإضطراد على مدى ثلاث وعشرين سنة.

الرقاد: نوع من أنواع النوم و هو النوم الساكن المستطاب اللذيذ في غاية العمق دون أي هم أو غمّ أو إزعاج قال الله تعالى (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ 18 الكهف) ما قال نيام. .الرقود النوم المستكن المستتب الذي لا يزعجه أحد وفعلا أصحاب الكهف بقوا فترة طويلة على هذا الحال لا يزعجهم أحد ونوم أهل الكهف نوم في غاية العمق والإستقرار لا يزعجهم أحد.

السبات و هو النوم بعد تعب شديد.هائل كالعامل الذي يعمل في البناء مثلاً منذ الفجر إلى الليل بعد العمل يكون نومه سباتاً أو كالمريض الذي لم ينم أياماً ثم ينام نوماً عميقاً يسمى سُباتاً. وكل نوم يكون بعد معاناة، بعد سهر شديد أو بعد عناء شديد يسمى سباتاً قال الله تعالى:( وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا 9 النبأ). يقال سبت المريض إذا هدأ. و لهذا سمي السبت سبتاً عند بني إسرائيل لأنهم لا يعملون ولا يتحركون ولا يشتغلون مطلقاً في يوم السبت.

النعاس كما قال تعالى:( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ 11 الأنفال) النعاس بداية النوم و أنت جالس عندما ترتخي أعضاؤك لست مضطجعاً ولا مستلقياً لكن بدأ رأسك يخفق ثم تتراخى أعضاؤه هذا يسمى نعاساً. ولهذا جاءت الآية على أهل بدر و هم على إبلهم يحملون سيوفهم لكي يقاتلوا فنعس كلٌ في مكانه: الذي وقع سيفه والذي سقط رأسه. اذاً نوم على نوع النعاس وهو بداية النوم عندما تكون أنت جالساً أو مضطجعاً أو متكئاً من غير أن تكون متمدداً على الأرض. النعسة في اللغة الخفقة، الذي ينعس راسه يخفق ثم ينتبه من هنا سمي النعاس نعاساً.

الهجوع هو النوم المتقطع ليلاً إذا كان نومكم ليلاً و ليس نهاراً. في النهار يسمى قيلولة قال تعالى:( وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ 4 الأعراف) وقت القيلولة.

القيلولة نوم في منتصف النهار و الهجوع نوم في منتصف الليل تنام ساعتان مثلاً ثم تستيقظ وهكذا يكون نوماً متقطعاً قال تعالى:( كَانُوا قَلِيلا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ 17 الذاريات) أي أهل التهجد. قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"أهل الليل أشراف أمتي" هؤلاء الساهرون سواء كان إماماً عادلاً أو عالماً أو حارساً. والساهرون أنواع مكرّمة وهناك أنواع خسيسة من الساهرين.أشرف الساهرين إمام عادل أو طالب العلم أو حارس أمن هؤلاء يمنهجون الليل ساعتين ينام ثلاث ساعات يستيقظ حسب منهجية. فكل نوم ممنهج يسمى هجوعاً فلما قال تعالى على هؤلاء الساهرين أنهم أكرم الخلق تعالى (كَانُوا قَلِيلا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) هذا لأن نومهم متقطع.

الوسن قال تعالى:( لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ 255 البقرة) السنة النوم غير المستغرق فأنت لست نائماً ولست مستيقظاً. هو نوم شبه متنبه عقلك متوثب، قلبك متيقظ لشيء أشغلك إما هم أو فرح أو علم أو مسألة تفكر فيها فالذي يكون لديه إحدى هذه الحالات يكون نومه ليس عميقاً بين اليقظة و المنام و يسمى هذا وسناً. وكلمة سنة مشتقة منها.ولهذا يقال وسن الرجل أي غُشي عليه.

ضجع قال تعالى عن بعض أهل الليل:( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ 16 السجدة). الإضطجاع نوع من أنواع النوم ولا يكون إلا مزدوجاً أنت مضطجع عندما تكون مع زوجتك فالمضجع مكان نوم إثنين زوج وزوجة..قال تعالى:( وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ 34 النساء) لم يقل في المنام ولا الفراش ولا عند النوم ولكن في المضاجع. المضجع نوم إثنين متحابين لأن الإضطجاع هو النوم على جنبك لا على ظهرك أو بطنك و النوم على البطن مكروه كراهة شديدة. ومتى ينام الإنسان على الجنب؟. عندما يكون مع زوجته، حبيبته كل ما كانت زوجتك حبيبة على قلبك كلما كان نومك وجهاً لوجه. رب العالمين لم يمتدح كل من قام يصلي في الليل.لأنه قد.يقوم رجل ليصلي الليل هرباً من زوجته القبيحة أو من الحصيرة التي ينام عليها. وحديث النبي صلى الله عليه و سلم يفسر هذا المعنى يقول r: " ثلاثة يحبهم الله الله عز و جل ويضحك لهم، وذكر منهم: رجل له إمرأة حسنة و فراش لين" يعني واحد زوجته جميلة وفراشه لين والجو برد وهو دافئ وضجيع لزوجته كل منه متقابل الآخر أي متحاضنان في هذه الحالة يقوم ويغتسل ويتوضأ ويصلي تهجد ثم يوقظ زوجته لتفعل مثله. السؤال كم واحد يفعل مثل هذا؟ الآية تشير إلى نوع من عباد الله مترف له زوجة جميلة وفراش ليّن يترك فراشه وحبيبته ليصلي لله تعالى هذا الذي يقول عنه تعالى (أنظروا إلى عبدي هذا هجر فراش حبيبته ليصلي) تتجافى جنوبه عن مضجع حبيبته ويقوم ليناجي ربه في التهجد. كل من يقوم يصلي بالليل عظيم (كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون) لكن هذه الآية (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) تنص على حالة معينة: حبيبان متحابان ينامان وجهاً لوجه لتحابهما ثم في هذه الحالة يذكران الله عز وجل .صلاة التهجد و قيام الليل لا يفوتانها ابداً رغم كل هذا الجمال و الدفء والمحبة و الفراش اللين ينهضان ويغتسلان ويتوضأن ليصليان هذه الندرة قال الله تعالى:( وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ 13 سبأ). فعندما يقال إنسان مضطجع يعني مع زوجته والمضاجع هي مكان الزوجة.

والخلاصة: الرقاد هو انوم الساكن المستطاب، السبات النوم المريح بعد تعب شديد، النعاس بداية النوم، الهجوع نوم بالليل ممنهج، الوسن النوم غير المستغرق والضجع هو النوم مع حبيب والقيلولة نوم في منتصف النهار. كل هذه الكلمات وردت في كتاب الله والكلمة القرآنية المترادفة ليست بمعنى واحد ولكن للتعرف على وجه راق من إعجاز هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي كلما تقدمت السنون نتأكد أنه من عند الله تعالى (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) فصلت) وكل خمس سنوات تقريباً يكتشف الناس شيئاً جديداً نصّ عليه الله تعالى في كتابه العزيز

نتكلم عن الساهرين: رب العالمين إمتدح الذين ينامون قليلاً وعن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى عليه و سلم:(قالت أم سليمان عليه السلام يا بني لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيراً يوم القيامة) و لهذا رب العالمين سبحانه وتعالى إمتدح القائمين بالليل قال تعالى:( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ 9 الزمر). قال الله تعالى:( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ 16 الذاريات) ما هو وجه إحسانهم: قال:( كَانُوا قَلِيلا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ 17 الذاريات) فحينئذ الساهرون أمة مكرمة عند الله عظيمة وهم أشراف الأمة كما قال r "أهل الليل أشراف أمتي". فمن هم أشراف الأمة؟ أحصيت أربعة أصناف من الساهرين:

1 - أفضل الساهرين إمام عادل كما قال عليه الصلاة و السلام و المملكة المثالية التي يمكن أن نقيس عليها كل ممالك العالم هي مملكة نبينا سليمان عليه السلام ورب العلمين جعلها مثالاً يحتذى به قال الله تعالى:( وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ 20 النمل) هو يبحث عنه بنفسه. الإمام العادل لا يدير مملكته وحكومته من خلف مكتبه وإنما هو الذي يصل إلى أفراد شعبه بنفسه في ديارهم ومزارعهم يجتمع بهم يرى مصالحهم يقضي حوائجهم وهذا يعود بالمنفعة على الأمة. كل من يسوس الرعية يسمى إماماً ومنهم الظالم والقاسي والديكتاتوري ومنهم الذين يؤذون شعوبهم والنادر هو الإمام المثالي في هذا الزمن الذي تعاظم فيه الشر. الذي يصل إلى أفراد شعبه بنفسه في أماكنهم كل مدة ومدة يرى مصالحهم هذا يبعث في أوصال الأمة دماً جديداً ويحفّزها ويحرك الجامد وتصبح الأمة فيها زخم شديد. والصفة الثانية للإمام القوة و الأمانة (إن خير من استأجرت القوي الأمين) السلطان ذو نفوذ في الأرض والقوي بأمانة وهذا يؤدي إلى إنضباط الشعب فيجب أن يكون قوياً بأمانة وهناك قوي بظلم وخيانة وإجحاف. ومن صفات الإمام العادل أن يكون له مواهب متعددة (علمنا منطق الطير) فلا بد أن يكون رئيس الدولة متميزاً بفكره السايسي والإجتماعي ويكون له صفات بارزة بحيث قل من يجاريه فيها لكي يفرض نفسه على الشعب في عقلهم الباطن فيحبونه فإذا أحب الشعب إمامهم فهذه شهادة لا تقبل الخطأ بأن الله راضٍ عنه لأن ألسنة الخلق أقلام الحق. أنت الفرد إذا شهد لك سبعة من جيرانك بأنك طيب رب العالمين يحاسبك على أنك طيب مهما كان فيك. ومن مواصفات الإمام العادل أن يكون قريباً من شعبه ورحيم بهم "اللهم من وليَ من أمتي شيئاً فرق بهم فارفق به" هذا الحاكم يجعل الأمة في حركة دائبة وهو يلي أدب الناس كما يلي حكمهم. يقول r :" سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وذكر أولهم إمام عادل" وكذلك في حديث ثلاثة لا ترد دعوتهم إمام عادل، المقسطون هم الحكام الذين يرفعون الظلم أولاً ثم يعطون الحق ثانياً وهذه عملية مزدوجة "إن المقسطين على يمين الرحمن على منابر من نور". إمام عادل قضى مصالح الناس خير من عبادة ستين عاماً بصيام نهارها وقيام ليلها. " أحق الناس يوم القيامة، أحب الناس وأدناهم مجلساً إمام عادل". وأفضل الساهرين الذين لا يستغرقون نومهم كله بالنوم وإنما يسهرون على مصالح أمتهم هؤلاء العظماء بالجهاد والأمن وهذه الشرائح التي تسهر على مصالح شعبها (ولها عرش عظيم) نوع من الحكمة التي تسوس بها الشعب. الحاكم العادل هو ظل الله تعالى في الأرض وهو أشرف الناس يوم القيامة. وأن يرفع الحاكم الظلم عن الناس هو أقرب الناس يوم القيامة. عندها يتلذذ الشعب بحاكمه ويدعون له. فالإمام العادل إذن هو أفضل الساهرين عند الله تعالى والعفو والإحسان هما من صفات الإمام العادل.

2- الصنف الثاني من الساهرين المكرمون عند الله عز وجل هم الربانيون و هم طلاب العلم و العلماء قال تعالى:( وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) والعالم و المتعلم شركاء في الأجر. "من جاءه أجله وهو يطلب علماً لقي الله يوم يلقاه و ليس بينه و بين الأنبياء إلا درجة النبوة" .فرب العالمين نسبهم إليه مهما قلّ علمهم فالعلم في هذا الدين ليس أن تكون علّامة و لكن بكليمات تصدق فيهن و تطبقهن على الناس و على نفسك أولاً كما قال صلى الله عليه و سلم:(من تعلم كلمة ًاو كلمتين أو ثلاثاً او أربعاً او خمساً مما فرض الله عز وجل يتعلمهن و يعلمهن إلا دخل الجنة) فالعلم في هذا الدين كيف و ليس كماً .العلم الذي يهدي صاحبه لكي يهدي الناس لا يترفع ولا يكذب و لا يداهن ولا يأخذ عليه مالاً إلا إذا كان له راتب ولا يشترى ويترفق بالناس يحسن الظن بهم لا يسارع إلى تكفيرهم وإلى سوء الظن بهم فهذا ممحقة للعلم.وللربانيين قدسية كما قال صلى الله عليه و سلم :(ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق ذو شيبة، إمام عادل وذو علم) لأن لهم شأن عند اله تعالى..يقول صلى الله عليه وسلم :(ما من عبد يطلب علماً إلا كان كفارة لما قبله) وأن يكون العلم مع العمل. قال r: "لا تقوم الساعة حتى يكون قُرّاء الأمة ظُلاّمهم" العالم البراني لا يفرق بين مسلم وغيره سواء كلن مسلماً أو غير مسلم "لعن الله من آذى ذميّاً".

3 – الشريحة الثالثة المكرّمة من الساهرين هم حُرّاس الأمن (وآمنهم من خوف) الحاكم العادل هو الذي يحقق الأمن لشعبه (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) النور) (أولئك لهم الأمن) قد تتحمل الجوع والتعب والفقر لكن لا تتحمل عدم الأمن. والذي يسهر على تحقيق الأمن فهو من المكرمين يوم القيامة لأن تحقيقه في الدولة و بين الناس و هذا من أعظم الأعمال يوم القيامة ومن يحقق العدل و الأمن لشعبه هو الذي ينتصر. قاضي إذا سهر الليل يقرأ الدعوى كلمة كلمة ليرفع الظلم عن مظلوم أو جيش يحمي المدينة أو الوطن وكل من يشساهم في حفظ الأمن ويسهر من جرّاء ذلك فهو من المكرمين يوم القيامة.

4 - من المكرمين الساهرين أهل التهجد.(تتجافى جنوبهم عن المضاجع). ثم أهل القرآن الكريم "أسهرت ليلك وأظمأتك الهواجر".فهؤلاء ساهرون مكرمون

وفي المقابل هناك ساهرون سيئون كأهل الخمر و القمار واللصوص وقطاع الطريق و القتلة.إلى آخره. وقد يتوب هؤلاء ويصبحون من المكرمين كما حدث للفضل بن عياض الذي كان من قطاع الطرق ولهذا ينهانا الإسلام عن إحتقار مذنب وعلّمنا أن نتألّف المذنب كما أمر تعالى موسى وهارون عندما ذهبا إلى فرعون (فقولا له قولاً ليناً)

هنالك عبادات ليلية في غاية الجمال ومن أعظمها:

أن تنام وأنت متوضيء عندما تنام وأنت متوضىء يبعث الله الملائكة في شغارك يعني بين جسدك و لحمك يستغفرون لك طيلة الليل .وإذا قلت عند النوم "اللهم إني أسلمت وجهي إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيبّك الذي أرسلت" لا تبقي ذنباً .وإذا قلت أربع مرات قبل النوم "اللهم إني أمسيت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك، شهدت بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة" يعتق الله تعالى كل جسدك من النار. وهناك حديث الإستيقاظ من أراد أن يستيقظ في الليل في أي ساعة يقول: اللهم لا تؤمنّي مكرك ولا تُنسني ذكرك ولا تكشف سترك ولا تولّني غيرك، وفي المرة الرابعة يقول: أيها الملك الموكل أيقظني في الوقت كذا" فيستيقظ في الدقيقة إما بصوت يسمعه أو بشيء يوقظه في نفس الدقيقة. وكذلك قراءة آخر آية من سورة الكهف.

النوم مقدّس ولذلك النبي r نهى أن يرفع أحد صوته بالقرآن أمام أحد نائم. هذا الليل من أعظم النعم يوم القيامة ولذلك إياكم أن تقضوه بالأفلام ومالا ينفع ففي الليل القلب يصفو وفي الثلث الأخير أنت مع الله عز وجل. من أجل هذا فرسان الليل هم فرسان الجنة يوم القيامة فبادروا بالأعمال في هذا الليل حينئذ يفرج الله لكم كل كرب و كل هم ويرزقكم من حيث لا تحتسبون. ذُكر عن أحدهم أنه رأى أخاً له في المنام ورؤيا الميت حق ليس فيها كذب فسأله عن حاله فقال: ما نفعني شيء إلا ركيعات كنا نصليها.

لا يوجد في الجنة نوم كالملائكة.فالملائكة لا ينامون.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:54 PM
منظومة الإنسان

روح – نفس -

الإنسان أو البشر، الروح أم النفس قضية شغلت أذهان العلماء و الفلاسفة و الباحثين منذ فجر التاريخ و لم يحدث منهم تصور واضح أو إتفاق على فكرة تفرق بين البشر و الإنسان وبين الروح و النفس و هذه كلمات قرآنية قال تعالى:( إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي 72 ص) (يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الذي خلقك فسواك فعدلك 6 الإنفطار). رب العالمين سبحانه و تعالى خلق بشراً ثم جعله إنساناً و خلق نفساً ثم أتبعها بروح. فكيف نستطيع من خلال الكتاب العزيزأن نصل إلى حل لهذه المعضلة التي لا تجد لها حلاً إلا في هذا الكتاب. رب العالمين خلق جسد زائد نفس متحرك يساوي حيوان،.جسد زائد نفس زائد عقل يساوي بشر (إني خالق بشراً من طين) فالفرق بين البشر و الحيوان هو أن الحيوان ليس له عقل لا يعقل و لكن له غريزة و البشر له عقل، (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) ص) إذن البداية خلق الله تعالى جسداً + نفساً يسمى حيواناً، جسد + نفس+ عقل يسمى بشراً. وكونه بشر أي أنه المخلوق الحيواني الوحيد الذي تكون بشرته ظاهرة فجميع الحيوانات الأخرى تكون بشرتها مغطاة إما بالصوف أو الشعر أو الريش أو ماشاكل ذلك. هذا البشر رب العالمين خلقه فسواه.خلقه أولاً ثم سواه أطلق يديه من الارض.فهو الحيوان الوحيد قبل أن يكون إنساناً لا يزال بشراً والبشر تابع للملكة الحيوانية.قبل أن يصبح إنساناً أطلق يديه من الأرض فيمشي على رجلين و هذه قوة هائلة تعطي لهذا المخلوق ميزة على جميع المخلوقات الحيوانية الأخرى.الحيوان المخلوق يمشي على أربع أو على إثنتين. حينئذ المشي على إثنتين بإطلاق يديه من الأرض هذه تسوية (مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ 7 الإنفطار) بعد أن خلقك أطلق يديك. الطفرة الهائلة العظيمة التي جعلت من هذا البشر إنساناً هي نفخة الروح.( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك) من جسد ونفس (فسواك) أطلق يديك من الأرض (فعدلك) جعلك عدلاً قال تعالى:( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً 115 الأنعام) فالعدل هو الإنسان الخيّر الطيب وهو كل شيء خيرو طيب و كريم و فاضل و نقي و نزيه.ورب العالمين سمى نفسه العدل.

أصبح لدينا الأتي الجسد، النفس وهي كل مجموعة عواطفك وأحاسيسك كل سلوكك، كل حركة تتحركها هي من نفسك لا علاقة للروح بحركاتك ولا بحياتك،.الروح ليست هي سر الحياة أنت لست تحيا بالروح أنت تحيا بالنفس كما يحيا الحيوان بنفسه ولو كانت الروح هي سر الحياة لما كان للحيوان أن يعيش. إذن النفس هي سر الحياة إذا هلكت نفسك هلكت لذا جميع الهلاك على النفس قال تعالى:( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ 185 آل عمران).( من قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا).إذن انت تحيا بالنفس كنت جسداً ثم نفساً فأنت من المملكة الحيوانية أطلق الله يديك فسواك فوقفت على رجليك وهذه ميزة هائلة أطلقت لك السرعة في الحياة و السيادة على المملكة الحيوانية كلها. ثم عدلك بعد أن كنت مجرد بشر.جسد + نفس + عقل تميزت عن الحيوانات بالعقل صرت بشراً عاقلاً أي حيوان عاقل الإنسان حيوان ناطق كما يقولون هذا جزء منه.وهذا خطأ البشر حيوان ناطق وليس الإنسان وهذه أخطاء شائعة جداً ليس صحسحاً أن الإنسان حيوان ناطق وإنما البشر حيوان ناطق،.الإنسان حيوان ناطق فاضل نقي كريم حينئذ فرقنا بين أن تكون حيواناً مجرداً جسد ونفس ثم خلق الله بشراً بشرته ظاهرة جسد + نفس +عقل فأنت بشر. هذا البشر تأنسن أي أنسنه الله وجعله إنساناً بنفخة الروح (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) فالسجود ليس لمجرد خلق آدم ولكن بعد أن إنتقل من بشريته إلى إنسانيته بنفخة الروح حينئذ بهذه النفخة تفوق على الملائكة وصارت له طاقة هائلة فاضلة حينئذ إستحق أن تسجد له الملائكة. نصل من ذلك إلى أن كل سلوكياتنا هي من النفس. هذه النفس شريرة بطبعها لأنها خلقت بالشهوات الكاملة لا تحركها إلا الشهوة قال تعالى:( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا 14 آل عمران) إذن كل شهواتك كل حركاتك وسلوكياتك وتصرفاتك تصدر من نفسك و عن نفسك فالنفس هي المحرك لك وهذه النفس مادامت موجودة فأنت على قيد الحياة فإذا قتلت أو تلفت أو بليت و لم تعد صالحة للحياة تفارقها الروح التي هي خالدة. .الفرق بين النفس والروح أن النفس مخلوقة و الروح قديمة لأنها جزء من الله عز وجل ولذلك الروح لا تفنى ولا تقتل ولا تموت التي تقتل هي النفس. هذا المخلوق الذي يدفن تلفت نفسه لم يعد هو يشعر بالحياة لأن نفسه لم تعد صالحة إما لخراب جسد لكبر أو مرض أو بقتل..( من قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا). هذه هي النفس كل شرورك و آثامك منها أعدى أعدائك نفسك التي بين يديك..( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ 16 ق) الوسوسة بالشر و الشهوات و المطامع و كل الشرور من نفسك وحينئذ (وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ 79 النساء). هذا الإنسان بعدما صار إنساناً بالروح ، الروح كلها فاضلة فهي التي تأمرك بالخير. الحديث يقول أن كل إنسان فيه ملك ملهم أو شيطان موسوس.كناية أو رمز عن طاقة روحك الفاضلة و طاقة نفسك الشريرة (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً 35 الأنبياء) هذا الصراع يحكم به العقل.نحن الأن أمام ثلاث مراحل كونك إنسان لك روح فاضلة تأمرك بالخير ولك نفس شريرة تأمرك بالشر ولك عقل هو الفيصل بين هذا و ذاك الميزان الذي تزن به أعمالك من حيث كونها خيراً أو شراً ولهذا قال ( أفلا تعقلون) (أفلا تتفكرون) (لقوم يتذكرون) (لقوم يفقهون) و كل هذه أنشطة عقلية. الميزان بين الخير و الشر على العقل،الروح تأمرك بالخير.كل إنسان منا يعيش هذا الصراع كشخص عرضت عليه رشوة فيدور حوار بين نفسه وروحه في داخله.الأولى تدفعه لأخذها وتعلل ذلك بحاجته لها و الأخيرة تنهاه عن ذلك وتذكره بأنها حرام.و هكذا هذا الصراع يكون في كل حركاتك كل شهواتك و في كل شيء وفي كل سلوكك في الحياة هناك هذا الهاجس أفعل أو لا أفعل إن كان خيراً و أمرت به فهو من روحك وإن كان شراً وأنت تشتهيه فهذا من نفسك (زين للناس حب الشهوات) هذه وظيفتها وفطرتها.النفس فطرت على هذا. الفرق بين الروح والنفس أن الروح هي الطاقة الخيرة فيك والنفس الطاقة السلبية ولهذا يسموها علماء النفس الأنا العليا والأنا السفلى وبينهما العقل، الأنا العليا هي طاقة الخير والأنا السفلى طاقة الشر هكذا هو ما يقول علماء النفس وهذا ينطبق تماماً على كتاب الله عز و جل. لهذا رب العالمين سمى جبريل عليه السلام الروح لأنه ملك الخير والخصب والنماء والرزق والوحي الرسالات.ملك كله خير على خلاف ملك الموت قال تعالى:( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ193 الشعراء) القرآن كله خير ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا 52 الشورى).الروح هي القاسم المشترك بينك و بين ربك و لهذا لا تفنى عندما تموت تفارق روحك هذا الجسد الذي لم يعد صالحاً للحياة، نفسك التي كنت تعيش بها لم تعد صالحة للحياة إما لأنها قتلت (من قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا (23) المائدة) أو أنها ماتت (كل نفس ذائقة الموت) أو أنها توفيت كالنوم (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) الزمر) فأنت تكون متوفى و أنت نائما.فنفسك نائمه ولكن روحك متيقظة أنت ترى الرؤى بروحك لا بنفسك يصبح الضخ و المعلومات و المعارف على دماغك و عقلك و روحك مباشرة و لهذا الرؤى معرفة و ثقافة ورسائل من رب العالمين من أجل هذا حرم الإسلام الكذب فيها.ترياً أو تأويلا.(لعن الله من تريا و لم يرى) كأن يخبر برؤيته لشيء وهو لم يره فهذا كذب على الله عز و جل و كذلك الذي لا يحسن التأويل فيأول بأي كلام هذا أيضاً لا يجوز.لأنها رسائل من رب العالمين تضخ إلى روحك مباشرة.كما يضخ الوحي إلى روح الأنبياء مباشرة.هكذا النبي r كان يضخ الوحي إلى روحه هو الفرق الواضح جداً بين الروح و النفس قال الرسول صلى الله عليه و سلم( أتعلمون لما يرفع الميت عينيه إلى السماء ساعة الموت؟ قالوا:لا قال: يتبع روحه) والروح هذه طيف جميل جداً ولا تستقل بحالها إما أن تكون بهذا الجسم الطيني والذي سيصبح تراب و ينتهي أمره ولن تعود له بعد اليوم ثم تحل بعد خرابه كما كانت قبل مجيئها إليه وهي موجودة قبل أن نخلق قال تعالى:( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا 172 الأعراف) قالوا بلى لأن أرواحهم فاضلة فلما دخلت مع الجسد صار هذا الصراع النفس كانت أقوى وكل عاصٍ يجد أن نفسه أقوى من روحه.روحه تأمره بالخير و لهذا كل منكر لوجود الله عز و جل إلا و في أعماقه يؤمن به (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ 14 النمل) هكذا هو، فروحه قد تغلبها نفسه .فالذي يشرب الخمر نفسه غلبت روحه ومن أجل هذا هنالك أساليب لتقوية الروح و لتقوية النفس..إذن إذا كان الشر كله من نفسك فماهوعمل الشيطان؟.الشيطان والنفس كلاهما يوسوسان (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (فوسوس له الشيطان) والفرق بين وسوستهما أن وسوسة النفس فقط لمتعة الشهوة.هذه إمرأة جميلة تزني بها ، هذا مال حرام تأخذه.فالنفس توسوس بأن ترتكب الشهوة فقط لذاتها وليس لأي غرض أخر، أما الشيطان فيستغل هذه الوسوسة من نفسك إلى الشهوة لكي يوسوس هو لك وأن يستعمل هذه الشهوة لتعطيلك عن واجب من واجباتك الدينية أو عن الأمر كما قال تعالى:( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ 91 المائدة) كأن توسوس لك نفسك بشرب الخمر فقط لأن النفس تشتهيه ويستغل الشيطان سكرك بأن يلهيك عن الصلاة حينئذ تدرك أن الوسوسة نوعين وسوسة النفس لمجرد الفعل لذاته، للشهوة والشيطان يستغل هذه الشهوة لكي يلهيك عن واجب من حيث يخلدك في النار بشرك أو كفر أو ردة وكل ذنب عظيم من الذنوب أصله شهوة..وكل هذا يفسر المعضلة: النبي صلى الله عليه وسلم يقول:(أن الشياطين تصفد في رمضان) مع هذا نرى الناس تذنب فالنفس لا تصطلح في رمضان إنما الشيطان مصفد.فالذي يذنب في رمضان ذنبه لا يتطور إلى معصية أخرى لأن الشيطان يعجز عن توظيف هذه المعصية لصالحه.فالذي يغتاب في رمضان لا تستطيع الشياطين أن تستغل هذه المعصية و تلهيه عن الصوم أو الصلاة لأنها مصفدة.فوسوسة الشيطان ووسوسة النفس أحدهما مؤسس للأخر .الشيطان يستغل معاصي الإنسان و شهواته ليخرجه من دينه.أن ترتكب كبيرة، أن تظلم، أن تقتل، هذا العبث الذي في العالم اليوم ناس تقتل ناس طائفياً ومذهبياً وحزبياً وظلماً على مستوى العالم وعلى مستوى الدول الكبرى وعلى مستوى الأفراد هذا التعذيب الذي في كل الدنيا و السجون السرية التي في كل العالم بالبر والبحر والطائرات هذا عمل إبليس وليس عمل النفس.فهو يوظف شهواتك ومعاصيك بأن ينقلك من حالة مقبولة أو يمكن لها حل كأن يكون ذنباً يمكن التوبة منه إلى ذنب لا يغفر أو إلى ذنب تصعب التوبة منه و الخلاص منه هذا الفرق. (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 82 ص) الإغواء هنا قضية عقيدة ليست قضية فسوق فهو لم يقل لأفسقنهم كأن يقول إشرب خمر لأن نفس الإنسان كفيلة بذلك. فهذا هو الفرق بين وسوسة النفس (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ 16 ق) وبين وسوسة الشيطان الذي أخرج آدم من الجنة وغيّر مصيرنا وتاريخنا كله لأننا كنا في الجنة (إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَىوَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى 119 طه) ومع ذلك قال اخرجوا منها لأن الشيطان إستطاع أن يغويكما وهذا أيضاً من قوانين البشرية التي خلقها الله سبحانه وتعالى للبشر الذي أنسنه بنفخ الروح فيه. الإنسان هو المخلوق الكامل ولهذا كمال الإنسان بقدر كمال روحه،كلما كانت روحك قوية كلما كنت عظيماً وأعظم الأرواح أرواح الأنبياء يأتيهم الوحي ولا يرتكبون دنباً، ثم أرواح الصالحين والأولياء .هذا الإنسان التي تتقمصه فضيلة هائلة حتى يعرف بها بين الناس مثل الكرم عند حاتم الطائي والدنيا فيها آلآف الحواتم وأبو بكر الصديق كان أشد سخاءاً من حاتم لأن حاتم كان للفخر وأبو بكر كان لله وهذا أعظم سخاء وأكبر مثال على ذلك عندما خرج مع الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة ولم يترك لأهله درهماً واحداً إذن كم تحتاج انت إلى قوة في الروح وجلد لتفعل هذا؟. قوة الروح لا تعني كثرة العمل. هنالك النفس الأمارة التي تأمرك بكل سوء وهذا هو أصل خلقتها وأصل وظيفتها والشيء الذي خلقت من أجله أن تأمرك فتفعل ما تريد. إذا كانت روحك قوية تصلح نفسك إلى أن تصبح لوامة تذنب ولكن تندم وتستغفر والنبي صلى الله عليه و سلم يقول (الندم توبة) ورب ذنب أورث ندماً خير من عبادة أورثت عجبا ، بعد أن ترقي نفسك وتنهرها عن المعاصي بغضب وتصميم وعزم حينئذ أصبحت روحك لوامة.تتطور هذه الروح تطوراً عجيباً بحيث تصبح روحاً مطمئنة كاملة لا يستطيع الشيطان ولا النفس الأمارة أن تزحزحها ولو شعرة. .طبعاً اللوامة مشقة هائلة لأن الإغراءات من النفس عظيمة بالشهوات كلها مقاومات فمشقة النفس اللوامة أعظم بكثير من النفس المطمئنة الراقية ومع كونها بلا مشقة بحيث صارت طبعاً ولكن هي أرقى بكثير من النفس اللوامة. مثال على ذلك الحاج الذي يتعنى و يكابد المشقة على الإبل و لمدة شهور ليصل إلى مكة في الحر والخوف من قطاع الطرق حتى تصل إلى الكعبة وقد نضب جسمك وجلدك وصبرك وطبعاً الأجر على قدر المشقة وعلى هذه الحالة تصلي وتصوم وتؤدي الشعائر كلها المفروض أنك مأجور أجراً ما فوقه أجر.وفي نفس المكان والزمان شخص آخر من أهل مكة يصلي بكل راحة في مكة لا تعب ولا شقاء بيته مقابل للحرم و لكن صلاته خير صلاة فيكون أفضل من الأول. فالمشقة لا تكفي وحدها لأن تكون خير العابدين.هناك عابدون بينهم و بين الله لقاء ومشاعر لا يمكن لك أن تشعر بها حتى لو حججت سبعين مرة. ولو سألنا أيهما أشق الجهاد أم الإيمان؟؟؟ الجهاد أشق لأنه يواجه الموت. وأيهما أفضل الجهاد أو الإيمان؟؟؟ الإيمان وهو لا إله إلا الله محمد رسول الله.فالمطمئن وصل إلى مرحلة تتساوى عنده الدنيا بشرها وبخيرها وعذابها وراحتها بل إن عذابها وشقائها أحب إلى نفسه. الذي يقرأ القرآن بركعة في الليل،.النبي صلى الله عليه وسلم عندما يصلي في الليل يقرأ البقرة وآل عمران والنساء وهو واقف ثم يركع بقدر ماقرأ ثم يسجد بقدر ماقرأ ويفعل هذا إثنا عشرة مرة ولا يشعر بالتعب لشدة الإطمئنان.ولا يشعر بالتعب. .قال صلى الله عليه و سلم (ما سبقكم أبوبكر بكثير صيام أو صلاة و لكن بشيء وقر في قلبه) هذا القلب الذي وقر فيه شيء أصبح كل قلبه وفكره وعقله ونفسه و روحه مشغولة بشيء معين لا يزعزعه عن ذلك شيء.وهذا لا يكتسب ولكن تأتي منحة من رب العالمين.قال تعالى:( وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 8 الحجرات) عليم حكيم: فهو عليم بمن يستحق ذلك فيجعله يحب الإيمان عشقاً.والتاريخ مليء بالعشق الإلهي، وهناك أناس عندهم الصلاة متعة في حياتهم وأناس عندهم الصوم متعة ما بعدها متعة (فضل من الله ونعمة) والله تعالى عليم بهذا. وحكيم لعلمه بأن هذا الإنسان سوف يقوم بهذا خير قيام.وحينئذ هذا الرشد كله من الله عز وجل، وبهذا نفهم الآن معنى قوله تعالى:( مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ 79 النساء) فرب العالمين إذا أوكلك إلى نفسك فقطعاً كل ما يصيبك من سوء فمن نفسك وإذا أصابك خير فكنت مصلياً تقياً زاهداً ورعاً فمن الله فرب العالمين هو الذي طور روحك حتى غلبت نفسك الشريرة وصارت نفساً مطمئنة وهذا فضل من الله ونعمة ولو تركك الله على حالك فأنت لا تستطيع أن تصل إلى هذا الحد كما في الحديث: (رفع الله يديه عن الخلق فلا يبالي بأي واد هلكوا). هذه الروح نفخة الله في الإنسان جعلت هذا البشر إنساناً وأسجد له الملائكة (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين).

(ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) الإلهام هو أن تفعل الفعل من غير تأثير من الخارج وإنما من الداخل. الملهَم شيء من داخلك يأمرك بفعل شيء. فهذه النفس أحياناً تأمر بالشر تماماً و أحياناً إذا ترقت حتى صارت لوامة أو مطمئنة تأمرك بالخير كله من الداخل فرب العالمين زرع فيها هذه القوة وهذه القوة.قال تعالى:( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا 10 الشمس) حينئذ رب العالمين سبحانه وتعالى جعل في كل نفس وظيفتها. والنفوس كثيرة وإن كنا قسمناها إلى مجاميع والعلماء يقسمونها إلى 50 – 60 قسماُ. والقرآن قسمها إلى أمارة ولوامة ومطمئنة.

القرآن الكريم تعامل مع النفس: النفس تؤمن فالإيمان منها (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ 100 يونس) وتحشر(يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ 105 هود) ( وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ 21 ق) وتكتسب (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ 25 آل عمران) وتكلف(لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا286 البقرة) وهكذا تعلم أن كل حركاتك وسكناتك إنما هي نفسك ولكن أن تكون هذه الحركات سيئة فهي من نفسك أو أن تكون حسنة فهي من روحك وهذا من فضل الله عز وجل ولا تستطيع النفس أن تترقى بحيث تأمرك بالخير وتصبح مطمئنة إلا بفضل الله عز وجل فقط. كل دعء الرسول r (آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها) (نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا) وأُمرنا أن نستعيذ بالله من شرور أنفسنا وينصرنا على أنفسنا.

فالنفس ظالمة جاهلة خطائة (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا 72 الأحزاب) والجهل والظلم يصدر عنهما كل قول وعمل قبيح حينئذ التكليف يوجب بذل الجهد. والله سبحانه وتعالى جعل لهذه النفس كابحاً وهي الروح و جعل الحكم بين الروح و النفس هو العقل...ولهذا فاقد العقل غير محاسب:.إذا أخذ ماوهب سقط ماوجب. فالتكليف شرطه العقل فالعقل هو الذي يقول لك هذا صواب وهذا خطأ فالروح تدفعك إلى الصواب والنفس تدفعك إلى الخطأ وهذا هو الصراع الأبدي وهذه هي المجاهدة.وكيف أن من صالحي هذه الأمة من جاهدوا نفوسهم حتى جعلوها نفوسهم تحت أقدامهم يأمرونها كما يأمرون الخادم فتطيع بينما الضعفاء من جيلنا هذا فنفوسنا تأمرنا بالشر وبالفسق وبالخطأ فيفعلونه بلا تردد وهذا هو الفرق.

قال تعالى: ( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداًً 21 النور) لأن النفس خلقت خطائه خلقت على هذه الوظيفة فرب العالمين جعل الطاقة المطلقة الإفسادية في هذه النفس ونتغلب على هذه النفس بفضل الله ورحمته عندما نفخ فيك من روحه وجعل هذه الروح هي القوة التي تزحزحك عن أن تنصاع لنفسك الأمارة بالسوء.

الفرق بين الآدمية والإنسانية: بني آدم نسبة إلى آدم من ناحية النسل والآدمية عبارة عن سلالة أنت من سلالة آدم والإنسانية وصف.

الله تعالى قائم على كل نفس بما كسبت رقيب على كل جارحة المطلع على ضمائر القلوب يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وقال تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) الأنبياء)

قال تعالى:( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا 10 الشمس) دساها أي خلط عملها الصالح والطالح حتى غلب الطالح. والتزكية تزكية الجوارح كتزكية العين بالنظر الطيّب وأهمها النظر إلى المذنبين وأهل البلاء بالرحمة إذا أردت أن تكون عينك زكية إياك أن تنظر إلى غيرك بإحتقار حتى ولو كان فاجراً فانظر إليه بالرحمة والشفقة اللهم إغفر له اللهم أصلحه اللهم إهديه حينئذ تكون عينك زاكية. كذلك تزكية الأذن فتشعر بتقزز إذا سمعت غيبة و تتلذذ بذكر الله تسمعه من غيرك. تزكية اللسان و أهمها الذكر بأنواعه، تزكية البطن فأنت تشعر بألم وتريد أن تتقيأ إذا أكلت لقمة حرام. وكذلك لجميع باقي الأعضاء. النفس المطمئنة ملكة. أحد الصالحين مات فسمع الناس هاتفاً يقول من أربعين سنة لم ترفع صحيفة لهذا الرجل وفيها ذنب. ومن أساليب النفس المطمئنة أن تزكيها وأن تراقبها كأنك ترى الله فإن لم تكن تراه فأنه يراك.

حينئذ هذه النفس تزكو بعدة وسائل من ضمنها:

1. الصحبة الصالحة.فإن قلت الصحبة الصالحة كما في زماننا فعليك بقرأة سير الصالحين لأنها تغير نفسك ولو نسبياً.أما في السابق كانت الصحبة الصالحة إذا سمعوا غيبة يتقززون ويستغفرون الله لشدة زكاة نفوسهم. دخل قوم على عمر بن عبد العزيز يعودونه وقد كان مريضاً وكان بينهم شاب ناحل الجسم تماماً قال: يا فتى مالذي بلغ بك ما أرى؟ قال:الأسقام والأمراض قال:أقسم عليك بالله أن تخبرني بالذي أصابك قال: أما وقد أقسمت يا أمير المؤمنين فقد ذقت حلاوة الدنيا ووجدتها مرة وصغر عندي زهرتها وحلاوتها وإستوى عندي ذهبها وحجرها وكأني أنظر إلى عرش ربي والناس يساقون إلى الجنة والنار فأظمأت لذلك نهاري وأسهرت ليلي.

2. ومن أسباب تزكية النفس: أن تعرف متى تتكلم و متى تصمت ومع من تتكلم ومع من تصمت.يقول أصحاب الطريق إلى الله عز وجل:.فإذا كنت مع العلماء فاحفظ لسانك وإذا كنت مع الأولياء فاحفظ قلبك وهذا من أسباب تزكية النفس

3. ومن زكاة النفس أن لا تنظر إلى أحد المذنبين بإحتقار وكل ما تراه من صلاحك إنما هو وهم كما في الحديث عن رجل من الصالحين له أخ من الطالحين نصحه فلم ينتصح فقال: واله ليدخلنك الله النار فقال تعالى: من الذي يتألى عليّ؟ وعزتي وجلالي لأدخلنّه الجنة وأدخلنك النار مكانه. شعورك بأنك أفضل من هذا فيه كبر وعجب ومن يعرف كيف تكون الخاتمة؟ ألم يحدث أن صالحاً مات طالحاً والعكس؟ النظرة المتعالية التي هي سمت الناس اليوم هذا كله من هذه النفس الخبيثة التي تصور له أنه داعية ومتزن وهو هالك لا محالة ، هو يعمل ونفسه غير زاكية مدسّاة (قد خاب من دساها).

كان مسروق رضي الله عنه لا ترى قدماه إلا منتفخة من كثرة الصلاة. وأحد الصحابة يقول ( لولا ثلاث ما أحببت العيش يوماً واحداً الظمأ لله في الهواجر (الحرّ الشديد) والسجود لله في جوف الليل ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر)، هذه من أسليب تزكية النفس. يقول الجنيد رحمه الله ما رأيت أعبد من السري أتت عليه ثمانون و تسعون سنة ما رؤي مضطجعاً إلا في علة الموت.أي ثمانون سنة لا ينام على الأرض بل جالساّ أو متكئاً لكي يواصل العبادات.

4. من أسباب التزكية أن تعاقب نفسك فكرة الكفارات كلها..فإن جامعت في رمضان تصوم شهرين...تشرب خمر تجلد أربعين جلدة. وهكذا.فهذه النفس الأمارة قبل أن ترشد عليك أن تعاقبها.كما يقول الشاعر:

والنفس راغبة إذا رغبتها وإذا ترد إلى قليل تقنع.

فمثلا إذا أكلت لقمة حرام تعاقب نفسك بأن تجوعها لمدة أسبوع.حتى تتوب تماماً .نامت نفسك عن صلاة تحرمها من النوم أسبوعين أو ثلاثة وهكذا كان حال الصالحين. منصور بن إبراهيم يقول: رجل من العُبّاد كلّم إمرأة فلم يزل حتى وضع يده على فخذها فوضع يده على النار حتى نضجت وصرخ من الألم، أحد الصالحين أصابته جنابة فحدّثته نفسه أن لا يغتس فعاقب نفسه بأن أقسم يميناً أن يستحم بملابسه لا يخلها حتى تجف على جسده فبقيت ملابسه عليه ثلاثة أيام في ذلك البرد الشديد حتى جفّت. أحد الصالحين نظر إلى إمرأة بشهوة فعاقب نفسه أن لا يشرب الماء البارد لمدة عام فكان يتعمد أن يشر الماء الحار في اليوم الشديد الحر لكي يؤدب نفسه :قال البوصيري:

والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم.

وهكذا كان حال الصالحين: حسان إبن أبي سنان إرتكب معصية فعاقب نفسه بصيام سنة، وآخر لم يقم للتهجد ليلة فبقي شهراً يصلي الليل كله، مالك بن ضيغم قال جاء أحد الصالحين يسأل عن أبي فوجده نائم قال أنوم بعد العصر؟ فخرج وبدأ يلوم نفسه إلى أن قال والله لا أوسّد نفسي الأرض حولاً كاملاً يعاقب نفسه كيف زكّى نفسه. أبو طلحة رضي الله عنه قال: إنطلق رجل ذات يوم فنزع ثيابه وتمرغ في الرمضاء فكان يقول لنفسه ذوقي و نار جهنم أشد حرا.فبينما هو كذلك إذ أبصره النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه النبي فقال غلبتني نفسي فعصيت فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ألم يكن لك بد من الذي صنعت؟.أمّا وقد فعلت لقد فتحت لك أبواب السماء و لقد باهى الله بك الملائكة ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: تزودوا من أخيكم فجعل الرجل يقول له يا فلان إدعُ لي، يا فلان إدعُ لي فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: أومهم-أي إدعوا لهم فقال :اللهم إجعل التقوى زادهم و إجمع على الهدى أمرهم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم سدده فقال الرجل اللهم إجعل الجنة مآبهم). معنى ذلك أن أصحاب النفوس الزاكية ملوك الجنة يحاسبون ويعاقبون أنفسهم.

أويس القُرني كان لما يصلي العشاء يقول هذه ليلة الركوع فيبقى راكعاً إلى أن يطلع الفجر وفي ليلة أخرى يقول هذه ليلة السجود فيبقى ساجداً حتى يطلع الفجر. رجل من النُسّاك رأى إبن أدهم صلّى العشاء ثم لفّ نفسه برداء لم يتحرك وقبل الفجر قام فصلّى فقال له أحدهم: قد نمت الليل كله مضطجعاً ثم لم تتوضأ؟ فقال له: كنت الليل كله أفكّر في رياض الجنة أحياناً وفي أودية النار أحياناً فهل مع ذلك نوم؟ الذي يفكر حقيقة بالجنة والنار كيف ينام؟

سيدنا علي رضي الله عنه عندما صلى بالناس فجراً ثم إنفتل إليهم فبدأ يحدثهم: قال والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يصبحون شعثا غبرا صفرا قد باتوا لله سجدا وقياما يتلون كتاب الله. يراوحون بين أقدامهم وجباههم من كثرة الصلاة و كانوا إذا ذكر الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح وأرى القوم اليوم باتوا غافلين. تأمل هذا الرعيل الأول كيف كان!؟ ولا نقول هذا كان في السلف فأين نحن منهم الآن وفي الواقع أن هناك العديدات من نسائنا الصالحات فيهن الخير الكثير فإذا كان هكذا حال النساء فأين الرجال؟ ومثل هؤلاء الصالحين الكثير من الصالحات. حبيبة-أحد الصالحات-كانت إذا سنت العتمة قامت على سطح لها و قال(إلهي قد غارت النجوم ونامت العيون وغلّقت الملوك أبوابها وخلا كل حبيب بحبيبه وهذا مقامي بين يديك، ثم تُقبل على صلاتها حتى مطلع الفجر فتقول (إلهي هذا الليل قد أدبر و هذا النهار قد أسفر فليت شعري أقُبِلت من ليلتي فأهنأ أم رُددت فأُعزّى).

أسئلة المشاهدين:

سؤال من إحدى المشاهدات عن قوله تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) البقرة) فكيف علمت الملائكة أن هذا المخلوق سيفسد في الأرض؟

الله تعالى قال: بشراً من طين والملائكة رأوا الطين شهوة وشهية والنفس أمارة بالسوء كما جاء في القرآن الكريم (إن النفس لأمارة بالسوء) فالمعصية تبدأ بشهوة نفس ثم الشيطان يستغل هذه المعصية لمعصية أكبر فيذهب به إلى النار خالداً فيها أبداً. وأساس كل المصائب في العالم والشرور هي النفس. إذا قتل مسلم مسلماً لإتهامه بأمر إعتقاده بأنه مشرك فهو في النار.

في سؤال لأحد المشاهدين عن رأي الدكتور بما ذكره إبن تيمية عن الروح أنها ليست قديمة وأنها ليست من روح الله وإنما إضافة الياء (روحي) إنما هي إضافة تشريف فأجاب الدكتور: لم يفرق إبن تيميه رحمة الله عليه بين الروح والنفس وهذا خطأ فالقرآن والسنة فرقا بينهما .ورب العالمين يقول (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ) إبن تيميه يقول هذا تشريف وهذا رأي خاص وهو مسؤول عنه وكلامه ليس وحياً وإنما هو عالم في زمانه.في ذلك العصر كانوا يقولون أن الأرض على قرني ثور كلما تحرك حدثت الزلازل، وعليه أن يثبت أنه تشريف. والروح لا تفنى وهي خالدة إذا مات الإنسان تموت نفسه ولا تموت روحه لانها من الله عز وجل و هذا رأي

كل ذي نفس تموت الحيوانات والإنسان والله تعالى يقتص للحيوانات من بعضها يوم القيامة ما في الحديث. النفس تموت والروح باقية ولو كانت مخلوقة لأصابها الموت.

يقال الإنسان عدو نفسه : إما أن تكون عدو نفسك المطمئنة فهذا مذموم وإما أن تكون عدو نفسك الأمارة فهذا محمود.

هل تحاسب النفس بعد الدفن أو عند الدفن؟ النفس تحاسب بعد الموت بجزء الثانية ثم يستقر في المكان الذي خصصه الله تعالى له والجُثّة لم تُغسّل بعد والميت ينظر إلى موقعه والناس يغسلونه ويكفنونه ويرى حال أهله ولذا فإن الميت ليتأذى ببكاء أهله أي البكاء غير المشروع مثل الصراخ وليس المقصود البكاء المشروع.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:54 PM
باب حرف الزاي

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:55 PM
منظومة الإنسان المثالي

الزاكي – الطيّب – الطاهر – المُمحَّص – الصافي – المصنوع – المُخلَص –

منظومة الإنسان المثالي هي مجموعة صفات إذا وجدت في هذا الإنسان الذي تكلمنا عنه وجوداً في الحلقة الماضية.تكلمنا عن منظومة الإنسان وقلنا أن هذا المخلوق البشري يصبح إنساناً بالروح روح وعقل ونفس تساوي إنسان والإنسان يصبح إنساناً بالروح وقبلها كان بشراً (إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين) هذا الإنسان قد يكون شريراً و قد يكون صالحاً وقد يكون طالحاً هناك منظومة أخرى كريمة تتحدث عن صفات إذا وجدت في الإنسان فهو الإنسان المثالي: الإنسان الزاكي والإنسان الطيب والإنسان الممحص والإنسان الطاهر والإنسان الصافي والإنسان المصنوع والإنسان المخلص كلها آيات قرآنية كريمة جاءت تتحدث عن إنسان ( لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا (19) مريم) إنسان زكي زاكي وقال تعالى:( وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ (26) النور) إنسان وإنسانة طيبة، إنسان طاهر(وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) التوبة) والمتطهرين، الممحص(وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ (141) آل عمران) الصافي(وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى (15) محمد)، المصنوع(وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) طه) المُخلَص(إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) يوسف). هذه الصفات فيها من الجمال بحيث إذا توفرت في ذلك الإنسان الذي هو من نفس وعقل وروح إذا توفرت فيه هذه الصفات أو بعضها نسبياً يصبح إنساناً مثالياً على نسب متفاوتة والإنسان الكامل هو محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم وبقية الأنبياء كما قال تعالى عنهم.

الزاكي هو الذي تأنس به حالة البصر والشم والسمع . فهو إنسان إذا وقع نظرك عليه أنست به عينك لجماله وبهائه ووقاره وإبتسامته ولطفه ورحمته فتأنس به كأنه أمك وأبوك فهو زاكي.تشم منه رائحة طيبة أو من أفعاله فكل أفعاله تفوح منها رائحة زكية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن كمثل الأترجه ريحها طيب ولونها طيب وطعمها طيب. فالزاكي عكسه الوخم وهو الرائحة النتنة الشيء الآسن فالماء إذا أسن يتوخم فتصبح رائحته كريهة هذا يسموه مستوخم أو وخم كل هذا عكس الزاكي أما الزاكي فهو شكل طيب جميل رائحة طيبة (لأهب لك غلاماً زكياً) (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ).

الطيب هو ماتأنس به النفس.(الطيبات للطيبين) كالأنس بين الأزواج تأنس به وتستوحش إذا غاب لا يعاتبها على ذنب تأنس به ويأنس بها يغفر لها وتغفر له. والنفس تأنس بصديق، بشيخ، بأستاذ، بحاكم، بأمير فتجد فيه هذه الصفات التي تشعرك بأنك مع أبيك وأهلك فهذا يسمى إنساناً طيباً.

الطاهر: الذي خلا من النجاسة المطّهرين بالوضوء والمتطهرين من الذنوب كلما أذنب تاب فهو متطهر دائماً.

الممحص الذي خلا من الصدأ.عندنا سيف صدئ وباب صدئ تقول محصت السيف أي جلوت صدأه. فهكذا الإنسان قال تعالى بعد نصر بدر العظيم:( وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ (141) آل عمران) جلاهم كما يمحص الذهب عل النار.لكي تفرز منه الشوائب والصدأ.

الصافي الذي ليس فيه كدر. فالإنسان ربما يكون فيه بعض الكدر ككل شيء فاللبن الصافي ليس فيه كدر والماء الصافي ليس فيه كدر ولكن الإنسان الصافي ليس فيه كدر فأخلاقه صافية.

المصنوع الذي خلا من العيوب. فالممحص الذي خلا من الصدأ والطاهر خلا من النجاسة والطيب خلا من الخبيث والزاكي خلا من الوخم والصافي خلا من الكدر والمصنوع خلا من العيوب.أي شيء مصنوع صناعة فهو متكامل قال تعالى:( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) طه) (وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) طه) فالإصطناع في اللغة أن يكون الرجل أو المرأة حاذق في إصطناعه يقول هذا رجل صَنَع وهذه إمرأة صناع. فالصناعة جودة المصنوع فإذا لم يكن مصنوع صناعة يكون فيه بعض الخلل والعيوب قد يكون العامل أخطأ وذلك غير المصنوع الذي يكون في غاية الكمال وليس فيه عيب لكن العمل اليدوي يكون فيه عيوب كما قال عن النبي r (فإنك بأعيننا) في غاية الكمال.

المُخلَص الذي خلا من الشوائب(إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ 24 يوسف) يوسف عليه السلام تراوده فتاة من أجمل الخلق وذات منصب رفيع وهو شاب منقطع وجميل قال (إني أخاف الله رب العالمين) ولذا لم يكذب إبليس في قوله تعالى:( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ 83 ص) وهؤلاء المخلصين قلة من البشر والمخلَص هو الذي أخلص عمله من أي شائبة.

هذه هي المجموعة: فالزاكي ليس به وخم منظر جميل ورائحة زكية وطيبة قد يكون الطعام جميل لكن رائحته نتنة. الطيب عكسه الخبيث والطاهر عكسه النجس والممحص عكسه الصدىء والصافي عكسه الكدر والمصنوع عكسه المَعيب والمخلص عكسه المشوب الذي فيه شوائب. وهذه هي منظومة الإنسان المثالي التي توافرت صفاتها كلها في الأنبياء والرسل وقد إصطفاهم رب العالمين من مليارات البشر (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) الحج) وهم خمسة وعشرون نبياً من مليارات البشر الذين ورد ذكرهم في القرآن. ولقد تكلم سبحانه وتعالى عنهم في غاية الإجلال والإكرام والمدح وفضل الله تعالى بعضهم على بعض (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) وخاصة أولي العزم الذين بلغوا القمة في الإنسانية وهم سيدنا موسى وعيسى وإبراهيم ونوح وعلى رأسهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وهذه الأوصاف لتي تم ذكرها في منظومة الإنسان المثالي -زاكي وطيب وطاهر وممحص وصافي ومصنوع ومخلص- تنطبق على كل شيء وكل فعل وكل حركة وحدث.فالأشخاص والأشياء تقاس مثاليتهم بهذه المنظومة القرآنية والتي وردت في كتاب الله عز وجل في هذا المضمار. والرسول r هو الذي زكّى هذه الأمة وهذه منظومة حرف الزاي (زكّى) وباقي كلمات الزاي دخلت في منظومات سابقة.

إذاً إذا زكى الإنسان إستحق المدح في الدنيا و الآخرة ..فالإنسان الزاكي حبيب الله عز وجل. فرب العالمين يحب الإنسان الرفيق صاحب الكلام الطيب الحليم الذي لا يغضب بسرعة يكظم غيظه يكرم الغير سخي اليد طيب القلب يحب أهله يحب الناس يقوم بحوائجهم باراً بوالديه دائماً نظيف ومعطر وجميل كلامه ليس فيه فحش فكل ما فيه جميل يسمى إنساناً زاكياً.

ومصادر التزكية ثلاثة فهي إما أن تتم بفعل العبد نفسه هو يزكي نفسها (قد أفلح من زكاها) والتزكية من العبد نوعان إما بالفعل أو بالقول إذا زكيت أفعالك فأنت في غاية المدح عند الله تزكي نفسك وألفاظك وعينك زاكية لا تنظر إلا إلى جميل من محارمك وأذنك زاكية لا تسمع إلا ما هو مفيد ولسانك لا ينطق إلا بما هو مفيد ليس فيه فحش ولا غيبة ولا نميمة ولا سب ولا بذاءة وكل ما فيك في عاية الجمال فأنت زكيت نفسك بتتبع أفعالك زكيت نفسك بحيث أصبحت نفس رضية في غاية الروعة فأنت أفلحت وهذه تزكية بفعل نفسك وهذا عمل الصالحين يأخذون سنيناً لتزكية أنفسهم ويعلمونها (قد أفلح من زكاها).

هناك تزكية بفعل الله عز وجل (لأهب لك غلاماً زكياً) ومن أزكى من عيسى عليه السلام بطهره وجماله وكلماته وبكل حركة من حركاته كان متعة للنفس والبصر والعين والعقل وهو كلمة الله عز وجل. الله تعالى زكّاه فوُلِد زكياً خلقه تعالى في بطن مريم من نفخة من روح الله تعالى وهذه نفخة لا تكون إلا زكية (لأهب لك غلاماً زكيا) وهذا فعل الله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) النساء).

هذا بالفعل أما بالقول فهذا مذموم (ولا تزكوا أنفسكم) مادح نفسه كذّاب. قيل لأحد الحكماء هل هناك حق مذموم؟ قال نعم أن يزكي الإنسان نفسه صادقاً أو غير صادق. قد يكون شجاع أو بطل هذه حقيقة لكن لا يقولها الإنسان عن نفسه فهذا مذموم لأنه يذكر صفاته هو كان عليه أن يدع غيره يذكرون صفاته الحسنة. قال تعالى إذا كنت بأفعالك زاكياً فهذا عظيم أما التزكية القولية فهذا مذموم بكل الشرائع والمقاييس.

وهناك تزكية لفعل النبي صلى الله عليه وسلم (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) التوبة). نتكلم عن كون الرسول مزكي أمته: إبراهيم عليه السلام لما رفع القواعد من البيت دعا لأمة العرب (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) البقرة) دعا دعوة واحدة لنبي له ثلاث واجبات: ابعث في هذه الأمة رسولاً منهم عربياً مهمته أولاً أن يتلو عليهم الكتاب أي القرآن وآيات التوحيد ويعلمهم التوحيد بعد أن كانوا يعبدون الأصنام وآيات الله آيات الكون ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم. لما دعا إبراهيم دجعل التزكية ثالثة: الأولى يتلو عليهم آياتك والثانية يعلمهم الكتاب والحكمة والثالثة يزكيهم. أنت لا تزكي جاهلاً إنما تعلمه العلم أولاً ثم تزكي صفاته وأفعاله. فأولاً توحد الله وتتعلم العلم ثم تزكي نفسك. النبي هكذا يفعل أولاً يدعو للتوحيد ثم يعلمهم العلم والمعرفة وبهذا العلم تزكو. فلما إستجاب تعالى لدعوة إبراهيم جعل التزكية ثانية (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) آل عمران) رب العالمين جعل التزكية ثانية لأي أن هذه الأمة أمة محمد بمجرد أن يقول أحد أفاردها لا إله إلا الله يزكي نغسه ويستوي المتعلم وغير المتعلم مع أن للمتعلم دوره لكن كل أمة محمد زاكون بمجرد أن يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله هذا تعليمه آيات الوحدانية حتى لو لم يكن متعلماً. أي إنسان غير مسلم لا يؤمن بالله وكونه بهذا الشكل خذ أي أمرأة في الغرب لها حياتها وتقالدها ما إن تقول لا إله إلا الله محمد رسول الله حتى ينتهي كل هذا وتصبح موحدة لله لا شريك له وتغطي شعرها ثم تصبح زاكية العقل وزاكية النفس من حيث بزكاة علاقتها مع الآخر تؤمن بجميع الأنبياء وهذه تزكية هائلة. أن تشتم نبياً يتبعه مليارات فهذا طعن فيه وكان ينبغي إحترام الآخرين ولكن هذا لا يستطيع أن يفعله إلا المسلمون فقط لأنهم آمنوا بجميع الأنبياء إيماناً مساوياً لإيمانه بنبيّه لذا قدسية جميع الأنبياء عند المسلمين كقدسية محمد صلى الله عليه وسلم وأي مسلم يتعرض لنبي من الأنبياء فهو مرتدّ عن هذا الدين ويخلد في النار وهذا منتهى التفوق الإنساني ومنتهى زكاة النفس وأدبها وحبها لجميع الأنبياء (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) البقرة) (قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) البقرة) الغربي الذي يؤمن ما إن يقل لا إله إلا الله محمد رسول الله من حيث علاقته بجميع الأديان لذا المسلم ليس عنده مشكل مع أي يدانة (ومبشراً برسول يأتي من بعده إسمه أحمد). هذه أمة زاكية والفرد المسلم يزكو بمجرد أن يكون موحداً. هذه زكاة الإعتقاد. وعندنا زكاة صحة النسب ما إن تقول لا إله إلا الله حتى تصبح عضو في عائلة (زوجان وأولاد) ثم تتمدد الأسر إلى فصائل ثم عشائر ثم قبائل ثم شعوب ثم أمة فالأمة الإسلامية هي الوحيدة التي فيها هذا النسيج بحيث يرجع بعضهم إلى بعض والمسلم هو الوحيد الذي يعود بنسبه إلى أجداد أجداده وهذه ليست إلا للمسلم الذي نسبه زاكياً وهذه صفات الإنسان المثالي الذي يجب أن يعرف من أبوه وأمه وجه وهذه الأصالة (ومثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء) الأصالة أجداد عظام لهم جذور بعيدة وأنت لك مستقبل هائل بفروعك الممتدة وكلهم منتج مثمر هذه الأصالة ماض عريق ومستقبل زاهر هذا لا تجده في الغالب بشكل مجمع عليه إلا عند المسلمين فكل مسلم أصيل لأنه يعرف جذوره وعشيرته ويعرف ماذا يكون في المستقبل.

منها أيضاً تزكية الفم والفرج وهذه الأمة حريصة على ظهارة الفرج والفم والأمة حريصة على الأكل الحلال على رغم ما أصابه الآن من تأثير الدول الغربية . كانت كلمة الحلال ولقمة الحلال لا نقاش فيه.

تزكية الجوارح فالمسلم يحرص على جوارحه سمعه وبصره وفؤاده ماذا تسمع وماذا ترى وفيم يفكر (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) الإسراء) وهذا الدين حريص أن يكون في قلبك بغضاء على أحد ولا حقد ولا كراهية وإلا هلك. فإذا غضب لا يحقد ولا ينتقم كما نراه عند بعض الشعوب لأن الذي يغضب ويحقد فهو هالك يوم القيامة.

وتزكية التعامل مع الآخر بمجرد أن يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله يحرص على حسن التعامل مع الآخر فالمسلم الزاكي يعفو عمن ظلمه وتُقرض من إستقرضك وييسر على من عليه دين تزكية التعامل مع الآخر لا تقوم على قانون. عندنا عدل وإحسان: زوج وزوجة: العدل أن توفر لها كسوة في الصيف وكسوة في الشتاء كم مسلم على وجه الأرض يقول لزوجه الفقهاء يقولون نفقة الزوجة على الزوج كسوة في الصيف وكسوة في الشتاء. العدل أن القاتل يُقتل لكن كم نسمع من العفو!

نتأمل في بعض ما جاء في كتاب الله عز وجل الذي يحدد أخلاقيات المسلم. يقول تعالى في نهاية سورة الأنعام: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)) لو بحثت الآن عن نسبة بر الوالدين بين كل الأمم لوجدت أن هذه الأمة متميزة في بر الوالدين وهذا من تزكية الله تعالى لهذه الأمة لا تجد أي تبرّم من الوالدين لكبر سنهما وإنما يزداد تعلق الأسرة بهما. الأمة الوحيدة التي تجد فيها بر الوالدين ظاهرة إجتماعية هي أمة محمد r. (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ) عندنا خشية إملاق ومن إملاق أي الإجهاض وقطع النسل ليس موجوداً عند هذه الأمة لا من الفقر ولا خشية الفقر وهذا من تزكية الله تعالى لهذه الأمة. (وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) وما من أمة نزيهة وزاكية في أعراضها كهذه الأمة. (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) القتل الحق هو قتل النفس بالنفس أو الردة أو الثيّب الزاني ولا يجوز أن يقتل مسلم أو أحد غير هذا وما يشيع الآن هذا غير إعتيادي في هذه الأمة وهذا من باب تمحيص هذه الأمة حتى يذهب خبثها وهذا التقاتل بين المسلمين بين طوائف ومذاهب وأحزاب من الخبث الذي سيزول إن شاء الله تعالى. (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) هذا بشكل عام العالم كله يراعي هذا الأمر. (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) المسلمون حساسون لموضوع المطففين ومن موضوع الحرام إلا ما لا تستطيع أن تحسب حسابه والله تعالى يقول (لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا). (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا) ذمة أو عهد بين الدولة والمواطن كقسم الوظيفة مثلاً وكل من يحلف اليمين أن يخلص في وظيفته فهذا عهد الله. أن تعدلوا بين الناس: العدل بين جميع الناس وليس فقط بين المسلمين. وما من أمة تعدل مع الآخر إلا هذه الأمة وما سمعنا أن إنسناً غير مسلم ظُلِم لأنه غير مسلم على عكس المسلمين كيف يعاملون في سجون الدول الغربية وتشنيع بهم ويسمونه إرهاباً وما من أمة تفعل هذا إلا فيها خبث كثير لا تستحق الإحترام. أما الأمة الإسلامية فهي الأمة التي تحترم جميع الناس الذي يعيشون عليها ولا تضطهد أحداً لمجرد أنه في غير ديانة. وكثير من المسيحين يجدون في بلادنا من الحرية ما لا يجدونه في بلدانهم. (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) الأنعام) والأمثلة من كتاب الله عز وجل على هذه الأمة من حيث تمسكها بآداب وتعاليم وأخلاق تجعل كل حركاتها زاكية بغض النظر عن إنفلات ظرفي أو حكم مستبد يدفع الناس في كثير من الأحيان فهي أمة زاكية كما قال إبراهيم u.

الباب مفتوح أمام الجميع أن يصلوا لمرحلة الكمال لكن عليهم أن يسعوا لذلك والأمة مليئة إن شاء الله تعالى بأمثال هؤلاء. (حديث الرسول r كمُل من الرجال كثير ولم يكمُل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسيا إمرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)

(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) التوبة) هناك طهارة وتزكية وهي ليست بمعنى واحد كما قال بعض المفسرين فالشيء لا يعطف على نفسه والقرآن ليس فيه مترادف. كل ذنب من الذنوب من فضل الله عز وجل على هذه الأمة كما قال r " إن أمتي هذه أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة عجّل الله عذابها في الدنيا الزلازل والفتن والقتل" ونحن نرى الآن في كل مكان المسلم يُقتل ويُعذب في كل مكان حتى الدول الإسلامية أشد عذاباً عليهم من الدول الغربية. كل عذاب من هذه العذابات تكفر الذنوب.

وسائل تزكية النفس:

أولاً الصحبة الصالحة فإذا وُفّق الإنسان لشيخ صالح يدرس على يديه فهذا خير فإن لم يُوفّق فليقرأ سير الصالحين وأصحاب الخلق الرفيع والصابرين فسيتأثر بها.

بعض العبادات مثل صلاة الليل فإذا أدمن الإنسان على صلاة الليل والتهجد لا بد من أن تؤثّر على الإنسان فتستقيم حركته وسكناته وسلوكه (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) الإسراء) كل من مات ووكان مواظباً على صلاة الليل ورُؤي في المنام قال: ما نفعتنا إلا ركيعات كنا نصليها في الليل.

ومن العبادات التي تنفع في التزكية ويحبها الله عز وجل فالله تعالى يزكيك من ضمنها السخاء إذا كان المؤمن سخياً على المحتاج والجار وذي الرحم رب العالمين كما قال r " إن الله ليعمّر للقوم الديار ويُربي لهم الأموال وما نظر إليهم مذ خلقهم غضباً. قالوا بِمَ يا رسول الله؟ قال: بصلتهم أرحامهم" فالسخيّ حبيب الله "تجاوزوا عن ذنب السخيّ فإن الله يستره له في الدنيا ويغفره له في الآخرة" ولهذا السخي محمي موفّق ومن كونه سخياً فهو زاكي.

ومن ضمن هذه العبادات بر الوالدين وما من بار لوالديه إلا وتراه محمياً موفقاً والعكس صحيح. البار بوالديه متواضع محب يزور الناس لا يتأخر عن واجب لا يتكبر عن الناس يعود المرضى.

هذه العبادات تحسن السلوك ويوماً بعد يوم يستدرج تزكية الله تعالى من خلال هذه العبادات فلا ترى باراً بوالديه إلا طيباً ولا سخيّاً إلا طيباً ولا صاحب ليل إلا زاكياً.

(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) التوبة) من فقه محبة النبي r ومحبته لها فقه عظيم. من فضلها أنك تكون في الجنة معه r "أنت مع من أحببت" كما في الحديث الصحيح. ومن فقهها أن تعرف ماذا أصابك هذا الرجل العظيم من خير في الدنيا والآخرة إذا تعلّمت هذا شيئاً فشيئاً يصبح حبك له عميقاً. يقول تعالى (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) ما من نبي يدعو لأمته إلا إستجاب الله تعالى دعوته.

(إن الله طيبٌ لا يقب إلا طيباً) كل شيء طيب مساكن طيبة، زوج طيبة، بلدة طيبة أن يكون فيها على الأقل ثلاث مصادر طيبة: إمام عادل، مصدر رزق وفير وأمن. (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58) الأعراف) والذي خبث الظالم لا يخرج بناته إلا نكداً. كما حصل في العراق لما فيها من ظلم.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:56 PM
باب حرف السين

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:57 PM
منظومة الكتاب

كتاب – سِجِل – سِفْر – صُحُف – رقيم – زَبور –

وصلنا إلى حرف السين ونلفت النظر إلى أن باقي أبواب الحروف لم يتبقى فيها كلمات كثيرة لأن معظم الكلمات أخذناها سابقاً في باب حرف الألف والباء والتاء وغيرها مما تقدّم. وفيها كلمة سجل وكلمة سفر. والسجل من منظومة الكتاب (كتاب-سجل- سفر- صحف-رقيم- زبور) وكل هذه أسماء الكتب ولكن كل كلمة تعطي معنى غير المعنى الأخر أي أنها تزيد من معنى الكلمة الأخرى.

الكتاب: كل صحف تجمع مع بعض. لأن كتب بمعنى جمع. عندما تضم السطور إلى بعضها تقال كتب ومنها الكتيبة كتيبة الجيش الأفراد يضمون بعضهم إلى بعض في صفوف متوازية. وإذا ضموا السطور وضموا الصحائف يسمى كتاباً. كتب يكتب كتاباً أي أنك جمعت هذه الصحف فالصحف إذن مشروع الكتاب (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى 19 الأعلى) صحفاً مطهرة فالصحف إذن هو ما يسمى الأن في الجامعات الملزمة أو الملازم لأنها مشروع كتاب. فالملازم أوراق يكتب فيها موضوع من المواضيع ولكنها غير مجلدة غير مغلفة ولا تأخذ شكل كتاب ولكن هي مشروع كتاب قادم. فالملازم هي الصحف وهذه الصحف عندما تُطور تصبح كتاباً. هذا الكتاب فكل صحف تجمعها مع بعضها وكل صحف تتناول موضوعاً واحداً تسمى كتاباً كما قال تعالى: ( يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً ِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ 3 البينة) وكلمة الكتاب في القرآن الكريم كلمة عجيبة جاءت بعدة معاني.

السجل : كل الدوائر الحكومية من النفوس، المرور وغيرها فيها سجلات. فالسجل هو الكتاب الذي فيه العهود والمواثيق والوثائق فهي سجلات قال تعالى: ( يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ 104 الأنبياء) لأهمية كتاب السجل يسمى الشخص الذي يقوم على ذلك سجلاً لشدة أهمية السجلات من حيث أنها وثائق الدولة فبدونها لا يوجد دولة. الدولة لها سجلات في النفوس وفي المواطنين والشهادات. كل الوثائق تجمع في سجل هذا السجل هو أساس الدولة ولهذا معظم الدول تفقد سجلاتها في الحالات غير الإعتيادية كالحروب والإحتلال والفوضى فالسجلات هي أول ما يتلف كي لا يبقى لهذه الدولة أي وثيقة أو حقوق أو إثبات أو ملكيات. ورب العالمين-لأهمية الكتاب الذي يصبح سجلاً- سمى الذي يكتب هذا السجل سماه سجلاً فكأنه يشرف كاتب السجلات بأن أعطاه نفس الإسم (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) لأن صاحب السجل يطوي سجلاته في غاية الدقة والنظافة ولا تركن هذه السجلات إلا لخبير معروف بالخط الجميل وبالأمانة وبالثقة وحينئذ يصبح كاتب السجلات وحافظ السجلات شخصية محترمة موثوقة في كل مكان. فالفرق بين الكتاب والسجل أن الكتاب موضوع ككتاب الفيزياء أو الكيمياء أو لغة عربية ..إلخ، أما السجل فهو عبارة عن مواثيق ووثائق وعهود.

السِفر: قال تعالى: ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا 5 الجمعة) السفر كتاب يجمع شتات الموضوع كاملاً بحيث أنك لا تجد معلومة أخرى عن هذا الموضوع خارج هذا السفر والذي يسمى في لغتنا المعاصرة الموسوعة. والموسوعة تتناول قضية معينة من جميع جوانبها لا تذر شاردة ولا واردة إلا تذكرها في صفحاتها وبطونها. وكذلك السِفر يقابل الموسوعة في لغتنا المعاصرة و حينئذ السفر هو كتاب شامل لموضوعه وجمعه أسفار.

الصُحُف: هي الملازم كما قلنا وهي الأوراق المبسوطة المكتوب عليها موضوعاً معيناً لكنها لم تصل إلى درجة الكتاب وإنما هي مشروع كتاب وكل الصحف في الغالب تصبح كتاباً.

الرقيم :( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا 9 الكهف) الرقيم كتاب. الفرق بينه وبين الصحف والسجل أن كتابته واضحة وضوحاً عجيباً كالوشي على الثوب. الثوب الموشّى الوشي الذي فيه-الصور والرسوم- تكون أوضح من الثوب نفسه وحينئذ إذا رأيت كتاباً وكتابته في غاية الدقة والإتقان والنظافة وخطه مزركش معنى ذلك كل الرقاع أو اللوح -التي يزين بها البيت- التي يخط عليها خطاً جميلاً تسمى رقيماً سواء كان قطعة أو كتاب كبير أو حجراً. ولهذا يوم القيامة يُسمي الله تعالى الكتاب كتاباً مرقوماً. قال تعالى: ( وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ 9 المطففين) فالكتب يوم القيامة مرقومة لشدة وضوحها وزركشتها وقوتها بحيث لا يخطىء أحد في قرآءتها. ففي يوم القيامة يقول الناس: ( مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا 49 الكهف) لوضوح هذه الكتب بحيث الأمي وغير الأمي يقرأه. مامن أحد يوم القيامة إلا ويقرأ الكتاب وإن كان أمياً من حيث أن البرزخ وهو الحياة بين الموت وبين البعث الأخر وهي الحياة الثانية بعد أن تنتهي حياتك في الدنيا تنتقل إلى البرزخ قبل أن تقوم القيامة هذا البرزخ هو فترة إعداد للروح من جديد فالطفل يكبر والمجنون يعقل والجاهل يتعلم (فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ 22 ق) وحينئذ الكل يصبح راقياً تصبح روحه عظيمة لكي تليق هذه الروح وتتناسب مع ذلك الجسم العملاق القادم عليك يوم القيامة بعد أن بلي هذا الجسم في التراب وأصبح تراباً لن تعود إليه ولن يعود إليك و إنما أنت يوم القيامة سوف تحل روحك العظيمة الخالدة في ذلك الجسم العملاق الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون متراً ليس فيه فتحات ولا يجوع ولا يعطش وكل شيء فيه بمنتهى الإتقان فتتناسب الروح مع ذاك الجسم العظيم . الرقمتان هما الأثر على عجز الحمار لأنه يُشد بجزء من الخلف فيحكّ الجلد بؤخرة الحمار فيتركان أثران أسودان في شدة الوضوح. فالرقيم هو الكتاب الواضح إلى هذا الحد. كتاب شديد الخط الجميل الواضح الذي لا يُخطئه أحد.

الزبور:( وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ 196 الشعراء) ( وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا 55 الإسراء) الزبور هو الكتاب الذي فيه كتابة قديمة تشكل حضارة أو ثقافة أو تراثاً لأمة والتي تسمى في عصرنا الحاضر المخطوطات. وهذه من أخطر الكتب لأن فيها تراث الأمة وتاريخها ولذلك نلاحظ أن كل بلد يصيبه عدو أو إحتلال أو فوضى أو ثورة همجية دائماً المخطوطات تكون أول ما يتلف كما فعل هولاكو عندما إحتل بغداد أول ما فعله هو أنه أحرق وأغرق كل المخطوطات التي كانت بالملايين حتى صار لون نهر دجلة أزرقاً من شدة الحبر حوالي 600 علم كان العرب توصلوا إليها قبل أن تتوصل إليها أوروبا. الآن سجلات العراقيين كلها أُحرقت لأنها وثيقة وجود هذا البلد. فالمخطوطات دائماً تكون هدفاً لكل هجمة على أي بلد لشدة أهميتها من حيث كونها حضارة ذلك البلد وتراثه ووثيقة وجوده.

الكلمات في الكتاب العزيز لا تعطي نفس المعنى وكل كلمة ترسم معنى آخر. الكتاب هو الجمع لموضوع واحد، والصحف مشروع الكتاب، السجل كتاب الوثائق والمواثيق والعهود، السِفر الكتاب الذي يشمل الموضوع كاملاً كما هي الموسوعات، الزبور كتب المخطوطات القديمة التي هي تراث الأمة وتاريخها وأصالتها كما قال تعالى: ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء 24 إبراهيم) وهذه هي الأصالة، فالأصالة جذور صحيحة في التاريخ وثبات في الحاضر وعطاء في المستقبل. هذه هي الحضارة ومخطوطاتك في كل بلد عريق ولا تكون هناك مخطوطات إلا لبلد عريق. البلد الجديد ليس له مخطوطات. هذه المخطوطات أصلها ثابت في التاريخ ومستمرة في عطائها وفروعها إلى ماشاء الله.

الزبور هو الكتاب الجميل الذي فيه حكم وفيه قيم الأمة وأعرافها وأمثالها وحكمها من تجارب الحياة. فزبور سيدنا داوود كله حكم وأمثال كصحف سيدنا إبراهيم حكم وأمثال (أيها المتسلط إن وراءك يوم قاسي). الزبور حكم وأمثال ونصائح وقيم كما كتاب المستدرك في كل مستطرف، الحكم والأمثال، كتب لهذه الأمة المباركة قريبة من الزبور تحوي الحكم وكتب تربوية جميلة وتسمى من باب الزبور (وإنه لفي زبر الأولين) لأن الأولين لهم كتب قيمة متعددة.

هذه هي منظومة الكتاب وشأنها مثل شأن كل المنظومات تبين كيف أن الله عز وجل إستعمل كلمة إستعمالاً إعجازياً وهذا معنى قوله(كهيعص، عسق) معناها أنكم أيها العرب يا من بلغتم في أدبكم ولغتكم مبلغاً لم تبلغه أمة قبلكم ولا بعدكم فما من أمة ثقفت لغتها أدباً وشعراً ولغةً وفقهاً كالعرب وهذا أمر مسلّم به فرب العالمين يقول هذا الحرف الذي أبدعتم في إستعماله أنا رب العالمين سأستعمله إستعمالاً تعجزون أنتم عنه وهو معجزة هذا النبي لأن معجزة كل نبي من طبيعة ما ساد في زمانه، فما شاع في عصر النبي صلى الله عليه وسلم اللغة والبلاغة والمعلقات تلك الإعجازيات الهائلة التي هي خالدة إلى يوم القيامة

وإن الذي ملأ اللغات محاسناً جعل الجمال وسِرّه في الضاد

وعجب لأمة عندها هذه اللغة العظيمة تتركها لتبحث عن لغة أخرى لا تدانيها لا من قريب ولا من بعيد وكما يقول المثل: ويل للمغلوب. فالغالب دائماً مهما كان تافهاً يفرض حضارته إن كان له حضارة أصلاً على المغلوب.

الكتاب:

إستعمل القرآن هذه الكلمة إستعمالاً عجيباً لأهمية الكتاب والله تعالى لم يفرق بين كتاب وكتاب كأنه يريد كل واحد أن من واجبه يعرف معنى هذه الكلمة المقدسة. الكتاب كلمة مقدسة وكل كتاب يتعلق بهذا الذي نحن فيه هو كتاب مقدس ولذلك قال تعالى: (وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ 79 آل عمران) فالعالم والمتعلم شريكان في قدسية الكتاب وأهميته والكتابة فن والكتاب فن في التعامل معه وحفظه وخطه وتصحيفه وتصفحه وإقتنائه وكل أمة لا تقاس بدباباتها. وهنالك فرق بين الحضارة والمدنية، فالمدنيات حِرَف فهنالك حداد ونجار وبنّاء وكهربائي فالمدنية صنائعية لا أكثر ولا أقل أما الحضارة فهي قيم وأخلاق وإبداع وعدل وسماحة وفكر. وهذه الحضارة تقاس بقدر ماعندك من كتب ومافي تاريخك من كتب وأسفار وأرقام وسجلات وصحائف هذه هي رمز الأمة ودلالة حضارتها. فرب العالمين عندما يطلق كلمة الكتاب في القرآن الكريم ترى عجباً: الكتاب هو اللوح المحفوظ، والكتاب له معنى آخر فهو مع سيدنا موسى u يعني التوراة ومع سيدنا عيسى u الإنجيل و مع سيدنا داوود u الزبور ومع يحيى (يا يحيى خذ الكتاب بقوة). قال تعالى على سيدنا عيسى u: ( وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ 110 المائدة). ولدينا قاعدة في لغتنا العظيمة أن الشيء لا يعطف على نفسه أبداً. فيقول الله تعالى على سيدنا عيسى u بأنه يعلمه الكتاب- والكتاب هنا لا يعني الإنجيل وإلا لما قال والإنجيل في آخر الأية- التوراة والإنجيل وردت في آيات أخرى بكلمة الكتاب أما هنا فلا يمكن أن تعني الكتاب . الكتاب له عدة معاني فالقرآن فيه مشترك وليس فيه مترادف. الكلمة الواحدة تعطي عدة معاني ولكن ليس فيه مترادف أبداً لتزاحم المعاني في الكلمة الواحدة فقد تجد عشرة معاني في كلمة واحدة ولا تجد عشر كلمات بمعنى واحد أبداً فهذا مستحيل ولا يوجد في لغة العرب ولا في القرآن الكريم على خلاف ما قد أجمع عليه الناس قبل ذلك. ولدينا كتابين في غاية الأهمية: الأول، وهو اللوح المحفوظ الذي فيه سجل كل الكون (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ 59 الأنعام) هذا اللوح المحفوظ الذي يغرف منه الملائكة ويغرف منه جبريل عليه السلام لكي يأتيك بالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن. وكل ما في الكون من علوم وأفكار (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا 31 البقرة) كل ماعدا الله عز وجل فهو في هذا الكتاب اللوح المحفوظ والذي يمكن أن يقاس عليه الإنترنت والذي يستطيع أن يجد فيه الإنسان كل شيء يريده وهذا يسهل عليه المهمة أن كل المخلوقات وكل ماعدا الله سبحانه وتعالى كل ذلك موجود في اللوح المحفوظ. فاللوح المحفوظ إنترنت رب العالمين وشتان بينهما. قال تعالى: ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ 36 التوبة) والمقصود بالكتاب هنا اللوح المحفوظ وكذلك في قوله (وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ11 فاطر) وقوله (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا 22 الحديد) قبل أن تخلق هذه المخلوقات موجودة في اللوح المحفوظ.

أحياناً يأتي الكتاب بمعنى الطاقة الفعلية والمعلومات التي هي فوق العقل مثل المعجزات والخوارق التي لا يستطيع الإنسان أن يفعلها إلا بفعل الله المباشر يقول الله تعالى: ( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ 40 النمل).( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75) النمل). رب العالمين يعطي بعض عباده الصالحين كالأنبياء والمرسلين وغيرهم من صالحي هذه الأمة يعطيهم العلم اللدني العلم الخاص (وعلمناه من لدنا علما) وهو ليس علم مكتسباً أبداً وإنما هو علم موهوب. مكان ما تقرأ القرآن فأنت تتعلم علم وقراءة القرآن عظيمة وتتعلم منه. رب العالمين يعطي بعض عباده كتاباً من غير قراءة كتاباً عملياً ما أن يلم العبد الصالح بهذا الكتاب إلا ويصبح متصرفاً في الكون كالعبد الصالح مع سيدنا موسى وكالذي جاء في قوله تعالى (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ 40 النمل) في زمن أقل من الصفر نقل عرش بلقيس من سبأ إلى مملكة سليمان وهذا علم مدون في كتاب عند الله عز وجل يهبه لمن يشاء من عباده الصالحين. ومثل ذلك عندما قال سيدنا عمر رضي الله عنه ( يا سارية الجبل الجبل) والخوارق والمعجزات وما فوق العقل كل ما حصل ويحصل اليوم وفي كل زمان يسمى هذا كتاباً.

في قوله تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) آل عمران) ( وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ) فالكتاب هنا ليس الإنجيل أو التوراة إنما يعني المعرفة التي هي فوق العقل: يبرىء الأكمه والأبرص ويحي الموت وينبئهم بما يأكلون وما يدخرون. وهذا هو كتاب العطاء الرباني الذي يقول يا عبدي أطعني تكن مثلي تقل لشيء كن فيكون. رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره. هذا الجانب الهائل في هذه الأمة جانب الصالحين والأولياء والقديسين في كل الأديان أتباع سيدنا موسى وأتباع سيدنا عيسى في زمانه من صالحي المسيحيين و اليهود وغيرهم كلهم لهم من الكرامات و المعجزات ما لا يمكن إلا أن يكون موهبة من رب العالمين في كتاب وهذا معنى قوله تعالى في عيسى (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل). وكما علم سيدنا موسى فالتوراة شيء والكتاب كتاب اليد والعصا والجراد والقمل فقد سخر له الله عز وجل الكون يمشي على الماء والعصا تأكل ما يأفكون هذه اليد العظيمة. كل هذا كتاب كتاب المعجزات والفوارق.

قال الله تعالى : ( قل كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ 43 الرعد) سيدنا جبريل الذي عنده كتاب يعرف كل مافي الكون من رسالات ومن أحداث ومن حوادث ومن أمطار وكل شيء في هذا الكون ستجده يعرفه لأن عنده علم الكتاب (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم).

إذن فكلمة الكتاب كلمة مشتركة فيها عدة معاني. تأتي بمعنى الكتاب الشرعي (التوراة-الإنجيل-القرآن). ويطلق على مجموع ما أنزل الله من شرائع مكتوبة: كتاب خاص بموسى، كتاب خاص بعيسى، كتاب خاص بمحمد r ، وبمعنى اللوح المحفوظ، كتاب الصالحين أصحاب العلم والمعرفة اللدنية، وجميعها يطلق عليها كتاب. قال الله تعالى: ( هَاأَنتُمْ أُولاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ 119 آل عمران) فالمسلمون هم الوحيدون الذين يؤمنون بكل أنواع الكتب فلن يسبقهم ولن تلحقهم أمة أخرى أبدعت في إيمانها كما أبدعوا فهم الوحيدون الذين يؤمنون بكل الكتب فسماها رب العالمين كتاب ومجموعها كتاب. الكتاب هنا إسم جنس وليس إسم أوراق. قال كتاب العلم والخوارق وغيرها كلها سماها كتاب.

(صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة) هو الموضوع الواحد بكل جزئياته. ففي القرآن الكريم هنالك كتاب الموت، كتاب الصلاة، كتاب الصوم، كتاب الجهاد، كتاب النصر والهزيمة، كتاب العقيدة، كتاب التاريخ. كلمة كتب في القرآن الكريم أعجوبة ولكي تفهم القرآن الكريم عليك أن ترتلها ترتيلا (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا 4 المزمل) أن تجمع الآيات المتناظرة في الموضوع الواحد وكأنها كتاب واحد وتنظر فيها مجتمعة. لا يمكن فهم القرآن إلا هكذا وما جاءتنا مصيبة الفرق الضالة و الأفكار الشاذة إلا أن كل واحد إكتفى بآية بغض النظر عن رفيقتها وهذه هي التعضية (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ 91 الحجر) التعضية هي قسمة ما لا ينقسم. وهكذا الآيات في كل كتاب (صلاة-صوم-حج-زكاة-عقيدة) فهي مجموعة آيات في عدة سور تشكل موضوعاً واحداً تسمى كتاب وهي لا تنقسم كما في كتب السنة والعقيدة تجد باب الصلاة، باب البيوع، باب الصيام وغيرها. فلا ينبغي بأن تنظر بآية دون أختها وإلا فأنت تعضي والله سبحانه وتعالى شنع على الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرونه ببعضه ونحن إن شاء الله لسنا منهم ولكن هنالك من يعضي. معظم الخلافات بيننا ومعظم الفرق التي إنتشرت حتى أثقل كاهل الإسلام منها وبدأ بعضها يحارب بعضاً والكل ينخر في الإسلام ويحفر فيه حفرة كانت من أسباب التعضية فالكل أخذ حديثاً أو آية وحدها بل إن البعض من المحققين يسمح لنفسه أن ينزع من الأصل ما يشاء وهذه سرقة وضلال. فالترتيل أن تجعل كل موضوع كتاباً بأن تجمع كل آياته وتنظر بها رتلاً على خط مستقيم حينئذ تصل إلى النتيجة وإلى مراد الله عز و جل. فهنالك كتاب الصلاة وكتاب الموت وكتاب العمل الفردي (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا 13 الإسراء) كناب الإحصاء (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا 29 النبأ) والإحصاء هو كل المعلمات المتعلقة بالشيء تسمى هذا إحصاءاً وهذا من معاني الكتاب أيضاً. قيمة هذا الكتاب أن الله تعالى قال فيه (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ 53 فصلت) والجيل الذي لا يكتشف في هذا الكتب العزيز جديداً جيل متقاعس وجاهل فقد شاع عندنا منذ خمس قرون أنه لا يحق لأحد أن يقول كلمة لأن السلف الصالح قال كل ما في هذا الدين. لكن السلف الصالح قالوا لزمانهم وأجيالهم وهم ينتظرون منا أن نقول مثل ما قالوا وأن نفعل مثل ما فعلوا حينئذ هذا الكتاب العزيز يعطي في كل جيل عطاءاً جديداً إلى يوم القيامة و يوم القيامة سنعرف شيء لم نكن نعرفه في الدنيا (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ 53 الأعراف) .

والقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يستعصي عل التزوير والتغيير على كثرة المحاولات يبقى هذا الكتاب العزيز حجة على الناس إلى يوم القيامة مامن مكتوب إلا ويمكن أن يزور إلاهذا القرآن الكريم. لم يبق مكتوب تاريخي إلا زور في الغالب لا توراة ولا إنجيل ولا زبور ولا صحف إلا هذا الكتاب المستعصي بل إن إعجازه في أنه تحدى الدنيا كلها أن يغيروا فيه حرفاً واحداً. وقد جرت محاولات من دول عظمى وشخصيات كبيرة وطوائف حقيرة ولم يستطع أحد أن ينال منه حركة فتحة أو ضمة بين ضيْق وضيّق وميت وميّت حتى الخط الذي كتب به لم يتغير إلى هذا اليوم. فهو أساس وجودك وأساس فضلك وأساس التمييز يوم القيامة (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا 14 الإسراء) فالكتاب له قدسية من قدسية العلم بقدر ما في العلم من قدسية يقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن مما يلحق العبد بعد موته علماً نشره) وتنشره بالكتاب. وبالتالي كم تأمل أن يسجل في صحيفتك صوم وصلاة وصدقة وإستغفار وعمل معروف وكظم غيظ وبرالوالدين وجهاد؟ لو كتبت كتاباً واحداً شرحت فيه ما تعلمته شرحاً بسيطاً تدخل التاريخ يوم القيامة وكل من يقرأه يحسب لك حساب من غير أن يتقص من أجره شيء. قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما من رجل يتعلم كلمة كلمتين أو ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً مما فرض الله عز وجل يتعلمهن و يعلمهن إلا دخل الجنة) وهذا قيمة الكتاب في قوله تعالى: ( وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) نسبهم لجلاله (ربانيون)، هناك قراءة تدرسون وقراءة تدرّسون. فالكتاب هو الشاهد على الناس شاهد على حضارتها، علمها، ثقافتها، أخلاقها، أدبها. فهو وثيقة تشهد على الناس فإذا عرفت قدر العلم وما هي قدسيته يوم القيامة وكيف أن العلماء يأتون مع الأنبياء ومن أتاه أجله وهو يطلب علماً لقي الله يوم يلقاه وليس بينه وبين الأنبياء إلا درجة النبوة. فليحرص كل شخص على أن يقرأ كل ليلة ولو صفحة من كتاب مفيد بنية طلب العلم والتعلم تلقى الله وأنت طالب علم وليس بينك وبين الأنبياء إلا درجة النبوة وهذا هو فضل الكتاب-

.يقول النبي عليه الصلاة و السلام (أهل القرآن أهل الله و خاصته) فأهل القرآن ليس فقط الذي يقرأه بل الذي يقرأه أو يشرحه أو يتأمله أويفسره أو الذي يحصي الحروف أو الذي يحصي الحركات أو الذي يحصي الكلمات أو الذي يبحث في إعجازه أو في المحكم والمتشابه..إلخ. فأي كتاب يتناول أي موضوع من مواضيع القرآن الكريم يجعلك من أهل الله وخاصته. يقول النبي صلى الله عليه وسلم (من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريق إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يصنع وإن العالم ليستغفر له من في السموات والارض). فقط يكفي أن تنوي بأنك طالب علم ولا يشترط أن تكون طالب جامعة فكل من ينوي أن يتعلم في كتاب من كتب الحديث، كتب الفقه يقرا يومياً ولو مسألة بنيّة طلب العلم يحشر يوم القيامة مع العلماء في زمرتهم لا ينقص من أجره شيء (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا 73 الزمر) فلا يفوتنكم هذا الفضل ولذلك لا بد لكل مسلم أن يكون في بيته مكتبة يقرأ بها هو وأهل بيته.

وأم الكتاب هو اللوح المحفوظ قطعاً وهو أعجوبة العجائب.

رب العالمين سبحانه وتعالى جعل لهذه الأمة أسباباً تفسر معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يدخل النار إلا شقي) فما عليك إلا أن تقوم بعمل بسيط وطبعاً قبل كل شيء تكون مؤدياً للأركان فالأركان قضية أساسية في الوجود حتى أنها ليس فيها أجر كثير لأنها واجب على كل مسلم. فأنت من واجبك تجاه الله سبحانه وتعالى بأن تصلي وتصوم وتزكي وتحج البيت الحرام ومن لا يفعلها وهو قادر عليها ليس مسلماً أما فيما عدا ذلك فإن أي حركة تجعلك من كبار القوم يوم القيامة: برالوالدين، دمعة من خشية الله، ركعتان في الليل، كظم غيظ، تعفو عمن أساء إليك، صدقة خفية، قلبك معلق بالمساجد. إلخ، ومن ضمنها من يتعلم يومياً ولو كلمة في مسجد، فمن يريد أن يكون في مقام رفيع يوم القيامة لا ينبغي أن يمر عليه يوم من غير أن يصلي ولو ركعة واحدة في المسجد على الأقل ويمكن أن يجعل الوقت بين المغرب والعشاء وقتاً لقراءة كتاب في مسجد أو تتعلم آية أو تسمع درساً أو تتعلم مسألة علمية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر لأن تغدوا إلى بيت من بيوت الله فتعلم آية واحدة خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدوا إلى بيت من بيوت الله فتعلم باب من أبواب العلم خير لك من أن تصلي ألف ركعة).

قال الله تعالى: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ 48 المائدة) المهيمن تعني الرقيب والشاهد والحفيظ. المهيمن أي الحفيظ لكل هذا الكون فالقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي أضفى الشرعية على التوراة والإنجيل. بدون القرآن لا قيمة للتوراة والإنجيل من حيث شدة التزوير الذي حفظ حقيقة التوراة والإنجيل هو القرآن الكريم. حفظ آياته وشرعيته وصدقه وأنه من الله عز وجل وفي ذات الوقت قال أنه محرف حرفه اليهود وزوروا الكلمة الفلانية. وإحتفظ لنا بأساسيات هذين الكتابين العظيمين وهي التوحيد والحلال والحرام وقصص بني إسرائيل وكيف فعلوا من أول عهد سيدنا موسى إلى نهاية سيدنا عيسى عليه السلام كل ذلك محفوظ في كتاب الله عز وجل بحيث لو أن جميع نسخ التوراة والإنجيل إحترقت لا سمح الله أو ذهبت فالقرآن فيه من الحفظ والشهادة على هذا الكتاب من حيث كونه مهيمناً عليه وهذا معنى الهيمنة بحيث أنك تحفظ ما هيمنت عليه وتكون شاهد عليه إذن هذا معنى أن القرآن الكريم مهيمناً على التوراة والإنجيل وفعلاً لو لم يكن القرآن موجوداً لما بقي من التوراة والإنجيل آية واحدة صحيحة فالتوراة محرفة بالكامل والإنجيل له عدة نسخ كل نسخة مختلفة عن الأخرى وكل من جاء يكتب نسخة مختلفة عن الأخرى والوثيقة الوحيدة على وجه الأرض التي لا يمكن أن تزور ولن تزور على كثرة المحاولات هو هذا القرآن الكريم وهذا القرآن الكريم مهيمناً على التوراة والإنجيل من حيث أن خير ما في التوراة والإنجيل وأهم ما في التوراة والإنجيل إحتفظ بها القرآن الكريم لكي يعرضها على الناس كما قال تعالى: ( لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا 143 البقرة) وهذا هو معنى الهيمنة. نشرت صحيفة الأهرام المصرية أنه قد عثر على بعض الأسفار القديمة المسيحية تعود إلى القرن الثالث في مصر وهي 12 وثيقة قديمة في كل واحد منها ما يختلف مع الأناجيل المعترف بها الأربعة في الوقت الحالي وتتفق تمام الإتفاق مع القرآن الكريم وتؤكد صحة ما ورد في قصص الأنبياء وخاصة القضية المشهورة عن علاقة سيدنا يهوذا بسيدنا المسيح عليه السلام وعدم دقة ما أثير في الأناجيل الأربعة حول هذه القضية وهذه وثيقة واحدة ولو حققت بقية الوثائق لرأينا العجب العجاب.

القرآن الكريم من موضوعيته و إحترامه لكل الأديان وأهل الأديان يخاطب اليهود والنصارى بأهل الكتاب وهذا تشريف مع أن هؤلاء الناس الذين لايجدون في هذا الدين خيراً لو تسأل أحدهم ماذا ترى في الإسلام من خير يقول لك ليس فيه خير. ورغم هذا الموقف المعادي للإسلام والمسلمين فأنه لن يغير من موقف المسلمين شيئاً من شدة تقديسهم لسيدنا موسى وسيدنا عيسى عليهما السلام ولشدة تعبدهم بالتوراة والإنجيل من حيث أنها كتب مرسلة ومنزلة وصحيحة إحتفى بها القرآن الكريم وأمرنا بأن نؤمن بها إيماننا بالقرآن ما عدا ما حرف من ذلك. قال الله تعالى: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ 64 آل عمران) فالقرآن والإنجيل والتوراة كلها سواء في لا إله إلا الله. ثم يقول تعالى: ( مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ 105 البقرة) (ها أنتم تحبونهم) ثم يقول تعالى: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ 78 البقرة) وهذا تعاني منه كل الديانات الجهل الجهل المتعالم فكل الديانات مبتلون بجاهل يدعي العلم ومن أجل ذلك من أفتى بغير علم فقد كفر فهو هالك، فهُم- في المسلمين واليهود و النصارى- قوم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني يفتون فتاوى أضلوا فيه الناس وصاروا فرقاً متناحرة.

برغم كل ما أثبته القرآن وأخبر به من شدة عداء أهل الكتاب للإسلام والمسلمين وسعيهم الدائم إلى أن يخرجوا المسلمين من دينهم لموضوعية هذا الدين ولصدقه لم ينسَ أن يمتدح كل ماعندهم من صفات فقال تعالى: ( لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ 113 آل عمران) ( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ 75 آل عمران) ورغم ما يعانيه المسلمون من عداء وكراهية وإضطهاد وقمع وحرب بحجة الإرهاب أمرنا الله عز وجل (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ46 العنكبوت) أي تفوق أخلاقي هذا مع هذا نحبهم ولا يحبوننا ( عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً 7 الممتحنة) تعجب أن هؤلاء الناس يعرفون كل ذلك بحيث نحن نذكر تسع وتسعين حسنة وسيئة واحدة، بالمقابل لم يذكروا هم في تاريخهم كله حسنة واحدة للإسلام حتى كون نسائنا شريفات يتزوجن وهن عذارى لم يذكروه أنه حسنة. قال الله تعالى (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ 85 البقرة) ( وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ 150 النساء) هذه المذمة لم ينجوا منها إلا المسلمين فما من أمة على وجه الأرض تؤمن بجميع الديانات كاملة وبجميع الأديان كاملين وبنفس الحماس والقدسية والإحترام إلا المسلمين ومع هذا كله نعتبر نحن الإرهابيون وهم أهل السلام. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لعن الله من آذى ذمياً). بلادنا مليئة بأهل الديانات الأخرى وليس منهم من يتعرض له المسلمون بأذى أما المسلمون في بلادهم فيعتبرون إرهابيين ويعاملون معاملة لا تليق ببشر. لكن مهما طال حبل الكذب أو زاد أنصاره فلا بد من أن تجد من يعرف الحقيقة والعدل والإحسان على قلتهم.

يقال في آية سورة الكهف (وكان تحته كنز لهما) أن الكنز الذي كان تحت الجدار هو كتبٌ تركها أبوهم لهم. وكثير من الإكتشافات التي سجلها الأوروبيون هي في الأصل عربية من مخطوطات ووثائق موجودة في بلدان مختلفة ويجب علينا الإهتمام بهذه المخطوطات والوثائق. ولو قارنا بين حركة التبشير وحركة الدعوة الإسلامية....حركة الدعوة تكون جاهدة في إبراز محاسن اليهود والنصارى وسيدنا موسى وعيسى تربي الأولاد على تقديس سيدنا عيسى وموسى وهم جادون في كل مناسبة في شتم هذا الدين العظيم .

++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++*

دعاء تفريج الكرب:

هذا دعاء الكرب لعلي زين العابدين وهو مجرب وهو لمن له كرب شديد يقوم في الثلث الأخير من الليل يصلي ركعتين تهجد ثم يقرأ هذا الدعاء مائة مرة ثم يقول يا ربي فرج كربي الفلاني لمدة ثلاث أيام. وقد جربه الآلاف ولايوجد حالة إستثنائية واحدة فكل من دعا به فرج كربه، ونصّ الدعاء هو:

إلهي كيف أدعوك وأنا أنا، وكيف أقطع رجائي منك وأنت أنت، إلهي إن لم أسألك فتُعطني فمن ذا الذي أساله فيعطيني، وإن لم أدعُك فتستجب لي فمن ذا الذي أدعوه فيستجيب لي، وإن لم أتضرّع إليك فترحمني فمن ذا الذي أتضرّع إليه فيرحمني، إلهي كما فلقت البحر لموسى فنجّيته من الغرق فصلّ وسلم يا ربي على محمد وآل محمد ونجّني مما أنا فيه من كرب بفرجٍ منك عاجلٍ غير آجل وبرحمتك يا أرحم الرحمين.

وعلينا أن نعلم أن الدعاء لا يغيّر القدر ولكنه يغير القضاء لأن ورد أن الدعاء والقدر يتصارعان.

دعاء يعين على القيام لصلاة الصبح:

اللهم لا تؤمّني مكرك، ولا تكشف سترك، ولا تُنسني ذكرك، ولا تولّني غيرك، ولا تجعلني من الظالمين. يُقرأ ثلاث مرّات وفي المرّة الرابعة يضاف إليه: أيها الملك الموكّل أيقظني في الساعة كذا. على أن ينام الشخص على وضوء

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 08:58 PM
منظومة الضحك

الإبتسام – الضحك – السخرية – الإستهزاء – الإزدراء – الإستخفاف –

وصلنا إلى كلمة سخر وهي واحدة من منظومة الضحك والضحك من نعمة الله عز وجل على الإنسان من حيث أن الإنسان وحده هو الحيوان الضاحك كما يقال الحيوان الناطق (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى 43 النجم) والضحك له فوائده ولكنه في الغالب يستعمل إستعمالات سيئة كما هو الحال في كثير من نعم الله عز وجل فالسمع والبصر والفؤاد (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا 14 آل عمران) كل هذه النعم يمكن أن تستعمل إستعمالاً حسناً فهذا هو شكر النعمة ويمكن أن تستعمل إستعمالاً سيئاً وهذا هو كفر النعمة ومعظم كلمات الكفر في القرآن الكريم تعني كفر النعمة. المنظومة هي (الإبتسام- الضحك- السخرية- الإستهزاء- الإزدراء- الإستخفاف) كل هذه لا تتم بواحدة من أنواع الضحك والضحك أنواع كما سنذكرها بعد أن نبين الفرق بين هذه الكلمات القرآنية، ما الفرق بين تبسم وضحك وبين سخر واستهزأ أو إزدرى أو إستخف. وهذه كلها هي من منظومة الضحك لا تتم إلا بضحك من نوع معين يعطي إنطباعاً معيناً إما ابتشاماً أو ضحكاً أو سخرية أو استهزاءً أو إزدراء أو إستخفافاً.

الإبتسام: أي إنبساط الشفتين وهذه من أعظم أنواع الضحك (خير الضحك ما كان إبتساماً) ولهذا جميع الأنبياء عليهم السلام كان ضحكهم إبتساماً لا يقهقهون ولايسقطون على أقفيتهم ولا يصفقون ولا يضربون الأرض بأقدامهم كما نفعل نحن أحياناً عندما نسمع نكتة عظيمة أو يحصل موقف مضحك جداً فننبسط إنبساطاً كبيراً ونطلق أنفسنا على سجيتها وهذا ليس من مروءات الأنبياء كما أنه ليس من مروءات أتباعهم من الصالحين وما أكثر الصالحين في كل الأمم من حيث أنهم أصحاب المروءات والوجاهة: حكام أمراء شيوخ قبائل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (تبسمك في وجه أخيك صدقة)، وهذا ما فعله سيدنا سليمان في قوله تعالى: ( فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا 19 النمل) هذا الإبتسام وحده أن تنبسط شفتيك بدون أن تبدو أسنانك يقال تبسم، إذا بدت الضواحك-والضواحك هي الأسنان الأمامية وتسمى القواطع أو النواجذ- معناها أن الضحكة كانت عريضة يقال تبسم ضاحكاً أو ضحك متبسماً ،

الضحك: أما الضحك إذا أطلق فهو بصوت يقال فلان يضحك أي بصوت وهذا هو الفرق بين الإبتسام والضحك.

السخرية: إذا كان فيك عيب أنقله للناس لكي يضحكوا أي أضحك الناس على عيب فيك كأن تكون بك فأفأة أو مأمأة أو لدغة أو أنك بخيل جداً أو عملت عملاً أمامي كان معيباً فأنقله إلى الناس على شكل ضاحك لكي أسخر منك فهذه هي السخرية كما قال تعالى :(لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ 11 الحجرات) وقال تعالى:( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ 79 التوبة) المنافقون في جيش العسرة عندما طلب النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين أن يتبرعوا فكلاً كان يأتي بما عنده لكن منهم من جاء بنعجة ومن جاء ببعير أو تمر..إلخ، وكثرت التبرعات بعض المسلمين لم يكن يملك إلا تمرة واحدة فتصدق بها فبعض المنافقين سخر من ذلك ليضحك الناس على شكل نكتة، قال الرسول عليه الصلاة والسلام (رب درهم غلب مئة ألف درهم) فهناك من يملك عشرملايين ويتبرع بمئة ألف درهم وآخرلا يملك إلا درهمين وتبرع بدرهم وهذا الدرهم أكثر أجراً عند الله من مئة ألف درهم لأن صاحبه لا يجد إلا جهده (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ) ليس عندهم غير هذا الذي قدّموه. قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إتقوا النار ولو بشق تمرة) رب العالمين يريد منا الكيف وليس الكم فركعتين تصلى بخشوع وإتقان خير من ألف ركعة ضعيفة أو على عجالة، صيام يوم واحد بشكل جيد خير من صيام شهر وأنت تغتاب، وبالتالي تمرة واحدة من قلب صافٍ لا تملك غيرها بتواضع وخشوع عند إنفاقها خير من أن تنفق مليون وأنت تتحدث بها ونفسك ملىء بالغرور والعجب فالكيف عند الله أهمُّ من الكم بكثير. السخرية أن تضحك الناس على عيب من عيوب الآخر أو تصرف تراه نابياً من وجهة نظرك.

الإستهزاء: هو التقليد للإضحاك ففي عهد الرسول في سرية من السرايا فبدأ المؤذن يؤذن فقام شخص من المنافقين يقلد أذان المؤذن إستهزاءاً به ليضحك الناس، قال تعالى (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ 58 المائدة) وعندما سئل عن سبب فعله قال كنا نخوض ونلعب (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ 66 التوبة). فالسخرية من أي رمز من رموز هذا الدين تعتبر كفراً بنص هذه الآية، وكثير ما نسمع في حياتنا اليومية وللأسف نكات على علماء ومشايخ وأتقياء وصلاة وصوم...إلخ وخاصة في العمل الفني العربي الذي يحفل بكثير من الإستهزاء فنجد من يستهزء باللغة العربية حتى يضحك الجمهور واللغة العربية لغة القرآن ولغة أهل الجنة والضحك منها ضحك على القرآن الكريم وهذا كفر لا محالة. وكم وجدنا من سخرية على رجال الدين أصحاب العمائم (شخصية المأذون) وخاصة في مصر فقد إنصبت عليها النكات والأفلام والأقلام حتى أسقطوها تماماً تحت هذا الضغط الهائل لأن لها في التاريخ دوراً هائلاً في صد الإحتلال الفرنسي وأثرت في المجتمع المصري تأثيراً مباشراً في مصر وفي إفريقيا بحيث منعت الغزوات التبشيرية هي العمامة المصرية لرجال الدين ولهذا الآن معظم رجال الأزهر يلبسون البدلة ويحلقون اللحية من هذا، وكل من كان له في التاريخ دور هائل هناك جهات تمحقه محقاً والأمثلة على ذلك كثيرة، فالإستهزاء هو أن تقلد شخصاً ما في طريقة مشيه أو كلامه كما في الكوميديا وهذا هو الفرق بينها وبين السخرية، فالسخرية هي أن أنقل عنك عيباً بشكل مضحك أما الإستهزاء فهو أن أعمل مثلما تعمل وأقلدك لكي أضحك الناس.

الإزدراء: هو أن أضحك ضحكة تدل على أن قيمتك قليلة عندي أظهر فيها أنه لا قيمة لك ويقول الله تعالى: ( وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا 31 هود). تقول من هو فلان؟ مع عمل حركات باليد أو بالعين للدلالة على الإزدراء

الإستخفاف: وهوأخطرها وهو ضحك على مبدأ على فكر على أمة على جماعة بحيث تغير حقها إلى باطل وتغيرها من حسن إلى قبيح قال تعالى: ( وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ 54 الزخرف) عندما إدعى فرعون الألوهية قال من هذا موسى؟ وإستخف قومه فأطاعوه، وكذلك قوم موسى بعد أن آمنوا بالله إستخف بهم شخص وجعلهم يعبدون العجل، فرب العالمين يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم:( وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ 60 الروم) ففي التاريخ الإنساني كله ذهبت أمم وشعوب وجماعات وأفراد وفئات ذهبت ضحية هذا الإستخفاف فنقلوهم من الحق إلى الباطل ومن الدين إلى الإلحاد ومن السُّنة إلى الإبتداع بكلمات مزوقة يستخفون بها الناس ويضحكون على الذقون استخفوا بعقولهم حتى بان جهلهم ولا زلنا نعاني من الإستخفاف إلى هذه اللحظة فكل ما أصابنا من أفكار وأحزاب وجماعات من باب الإستخفاف كما حصل من دخول ملايين من المسلمين والنصارى في الشيوعية إستخف بهم ماركس ولينين وغيرهم فقد تم الإستخفاف بعقولهم ونقلوهم من الحق والدين إلى الباطل والإلحاد، وهم يضحكون عليهم من ورائهم والضحك بخفية خلف الإنسان يسمى إستخفافاً. وكثير من المسلمين أبناء مسلمين إستخف بهم هؤلاء الشيوعيون فانصرفوا إليهم وضحكوا عليهم.

فهذه هي منظومة الضحك وكل ضحك له إسمه. قبل أن نتكلم عن الضحك السلبي نتكلم عن الضحك الذي هو رحمة من الله ونعمة ورب العالمين لم يخلق الضحك عبثاً إن العبث على الله محال، والعلم يقول الأن أن الإبتسامة شفاء وأن الضحك دواء وإن من أمراض الكآبة مالا يمكن أن يزيلها إلا أن تعلم هذا الكئيب كيف يضحك ومتى يضحك وقد ثبت علمياً أن الأطفال عندما يصابون بالحمى لو ضحكوا تزول بدون دواء وقد تم إستخدام هذه الطريقة في بعض المستشفيات يحضرون للأطفال المرضى بالحمّى من يضحكهم وهناك أناس متخصصون بهذا. لم يخلق الله تعالى الضحك عبثاً والضحك إستعماله كإستعمال أي نعمة كنعمة الطعام-الشراب-العلم-النظر...إلخ لابد أن تستعملها بالهدف وبالقدر الذي خُلِقت من أجله.

أنواع الضحك:

الضحك أنواع فهناك ضحك وجاهة وهناك ضحك تفاهة وهناك ضحك سفاهة وهناك ضحك نباهة وهناك ضحك بلاهة وهكذا.

ضحك الوجاهة يكون من ملك أو أمير أو شيخ أو عالم جليل أو رئيس قوم أو كبير في السن فعندما يُضحكه شخص صغير سواء كان من أبنائه أو أتباعه أو جيرانه أو زواره يكون ضحكه بإعزاز وتواضع ومحبة فهذا وجيه ولهذا لما ضحك سيدنا سليمان للنملة هذا يدل على وجاهته وعظمته كيف أنه قدر قدرة هذه النملة على أنها كانت نملة فقيهة (لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ 18 النمل) فهي تعرف أن القتل الخطأ ليس فيه عقوبة وأن سيدنا سليمان وجيشه لا يتعمدون قتل الأحياء حتى لو كانوا نملاً. ولهذا تكلم رب العالمين عن ضحك يوم القيامة (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ34 المطففين).

ضحك السفاهة هي كل المنظومة التي ذكرناها وهو السخرية والإستهزاء والإزدراء والإستخفاف فلا يعمل ذلك إلا سفيه.

ضحك التفاهة الذي لا يقدر قيمة الشيء و يضحك منه كما في قوله تعالى (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُون وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ 60 النجم) أي هذا القرآن ببلاغته وعظمته ونفوذه وهيمنته تسمعونه وأنتم عرب أصحاب البلاغة فتضحكون من هذا الكلام؟!! يا لكم من تافهين! وهذا إنما يدل على تفاهتكم ولا يضحك إلا تافه ومن ليس بتافه منكم حتى لو لم يؤمن يقر بأن هذا ليس بكلام بشر ولكنه صاحب عقل يتذوق هذا الكلام، أما شخص عربي يحسن اللغة العربية ويتذوقها ثم يسمع القرآن ويضحك فهو قطعاً تافه. فعدم تقدير الموقف بالضحك عليه يسمى تفاهة.

ضحك النباهة: أي أنك تفهم الموقف تماما، كما هو حال زوجة سيدنا إبراهيم عليه السلام سارة وهي امرأة عظيمة بكل المقاييس ولكن لاتنجب وبعد تسعين سنة يأتونهم ضيوف تقدم لهم طعاماً ثم يبشرونه بغلام-إسحاق- فالسيدة سارة فوراً فهمت الموقف أن هذا إعجازوليس الأمر عبثاً فضحكت إنبهاراً بهذا العمل (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ71 هود). مثال على ذلك أستاذ جامعة و يأتي طالب لديه ويحل مسألة عظيمة فيضحك من أعماقه فرحاً كيف أن هذا الطالب وصل إلى هذا المستوى؟ فأنت قدرت ما فعل على عكس السابق-التفاهة- فضحك التفاهة موقف عظيم تضحك منه إستهزاءاً لأنك أنت تافه وهو على العكس تماماً من ضحك النباهة فهو موقف عظيم تضحك له إعجاباً وفرحاً. الخبير بالإبداع يعرف أين مواطن الإبداع فيضحك ضحك نباهة.

ضحك البلاهة: وهو الذي يحدث لنا كل يوم ويضحك به الناس علينا ففي كل جيل يأتي شخص تافه يضحك على الناس فمرة جعلهم خوارج ومرة نواصب ومرة روافض ومرة شيوعيين وهكذا إلى يومنا هذا في كل جيل يأتي شخص تافه سخيف وقد لا يكون معروف من أين أتى، وأكبر مثال على هذا الشيوعية فكيف إستطاعوا على مدى عشر إلى خمسة عشر سنة أن يعمموا هذا الفكر السخيف المنافي لكل قيم الإنسان وطبائع الأشياء وحركة الحياة أن يعمموها على نصف الكرة الأرضية، وناس كثر تركوا دينهم وتقاليدهم وتاريخهم وقيمهم وماتوا في سبيل هذا الفكر السخيف وقتلوا الملايين، ملايين أبيدوا وعذبوا وقتلوا حتى يثبتوا هذا المبدأ السخيف وإذا به يتهاوى بيوم وليلة كالبيت الخرب إذن هؤلاء الذين أفنوا أعمارهم على مدى قرن كامل من عام 1917 إلى 1990 ملايين من الناس قتلوا تعذيباً وإعداماً وقتلوا دفاعاً عنه. فحينئذ هذا النوع من ضحك البلاهة الذي هو هذا الإستخفاف يستخف بعقلك ليس لك أرض ثابتة أقدامك لم تكن رصينة فيما أنت عليه أنت مُنبتّ (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ 26 إبراهيم). ما حكم المزاح والضحك؟ نحن كمسلمين لدينا قوانين ثابتة ومقاييس لا تخطيء ولسنا أمة هملاً والذي ينحرف منها يميل طائفياً فئوياً حزبياً كافراً مرتداً إنما يفعل هذا لخفة عقله (فاستخف قومه فأطاعوه). المعروف أن كل شيء فيه مفسدة حرام وكل شيء فيه مصلحة أو على الأقل ليس فيه مفسدة فهو مباح وأحياناً يكون ضرورة أو واجباً ولهذا (تبسمك في وجه أخيك صدقة) فهذا حباً أما تبسمك في وجه أخيك إزدراءاً فهذه مصيبة (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ 1 الهمزة) ويل: كلمة تدل على أشد أنواع العذاب يوم القيامة لا لشيء إلا لأنك تحقر أخاك المسلم فتحتقره وتتكبر عليه وترى نفسك أفضل منه وهو أقل منك هذه يوم القيامة هالكة ومهلكة. فحينئذ كل إضحاك فيه ترويع وفزع لا يجوز كان الرسول r جالساً مع أصحابه فنعس أحدهم فجاء من سحب نعليه من باب المزاح فلما إستيقظ رُعِب لما لم يجد نعله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تفزعوا مؤمناً) حتى ولو كان مزاحاً وهذا ذنب عظيم أن تفزع مسلماً (من أفزع مسلماً أفزعه الله يوم القيامة). والفزع فينا صار سجية يومية تفزع من أشياء كثيرة وأنت جالس في مكانك لم تفعل شيئاً. وأيضاً هنالك إضحاك بحُرُمات كالإضحاك على الأذان أو مشية أحد الصحابة وهذه من الأمور المهلكة يوم القيامة. كذلك مسألة الثوابت كالسخرية والإضحاك أصبح فناً عالمياً. قد يستعمل الإضحاك لثاوبت الأمة ايقلعوا عنها كالسخرية من اللغة العربية ومن العباءة ومن حجاب المرأة ومن لباس الرجل العالم كالعمامة وغيرها فمن يفعل هذا يوم القيامة يدخل تحت إنكار الأمة بالكامل جاء في الحديث: (المزاح إستدراج من الشيطان وإختلاع من الهوى) وعن علي كرم الله وجهه قال: (ما مزح أحد إلا مج من عقله مجة) كلما تمزح مزحة كأنك مججت عقلك كما تمج الماء من فمك. وكاتب عمر رضي الله عنه إلى عمّاله: (أن إمنعوا الناس من المزاح فإنه يذهب بالمرؤة ويوغل الصدر) والمرؤة هي الإحترام ومن يمازح الناس كثيراً يستهان به ولا يكون له إحترام بينهم إذا كثر مزاحه، هذا يصح من بعض الناس إنسان فكِه أما أصحاب المروءات فلا يصح منهم ذلك، في السابق كان حاسر الرأس ليس له هيبة وما كان أحد يمشي حاسراً إلا ساقط الناس الذي سقطت مروءته وهيبته. والمزاح الشديد يفقد المروءة فعلاً. (لكل شيء بدر وبدر العداوة المزاح) ويقول الأحنف بن قيس الحكيم شيخ بني تميم الذي لم يكن يستغني عنه أحد من الصحابة لشدة عقله قال: كثرة الضحك تذهب الهيبة وكثرة المزاح تذهب المرؤة. وقد مر صلى الله عليه وسلم على بعض من الصحابة وهم يضحكون فتبسم وقال (لو تعلمون ما أعلم لطلعتم إلى الصعدات تجأرون وفي مكان آخر قال لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلأ) أنتم أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام كلكم أصحاب الهيبة والمرؤة والمفروض بكم تغيير الدنيا، وقد غيرتم الكون كله قضيتم على الوثنية وعلى الشرك ونشرتم الخير والتوحيد والفلاح في العالم- لديكم وقت تضحكون فيه!! لو تعلمون ما أعلم-أي النبي صلى الله عليه وسلم- من يوم القيامة ومن المحاسبة وكل دقيقة تحاسب عليها وأنتم من علية القوم فالناس لا يحاسبون يوم القيامة على وتيرة واحدة فالحاكم لا يحاسب كالمحكوم والعالم لا يحاسب كالجاهل وصاحب المسؤولية لا يحاسب كالفرد العادي والإنسان المحترم الوقور الوجيه لا يحاسب كشخص بسيط من الناس فكل واحد يحاسب على قدر مكانته وهيبته فأنتم أصحاب النبي لديكم وقت لتضحكوا!! وأمامكم تغيير العالم كله وفعلاً غيروا العالم ففي سنة واحدة أسقطوا دولتي فارس والروم وكل الكرة الأرضية دخلت في التوحيد وتقول لا إله إلا الله . فالقضية بهذه النسبية تؤخذ. وهذا لا يعني أنك لا تمزح ولا مرة واحدة في حياتك هناك مزاح وهناك قهقهة وهذا ليس من شأن أمة كريمة وهذا يسمى ضحك البلاهة. انظر ماذا يحدث في العالم حولك وأنت تضحك ساعات طويلة؟ فرسول الله مزح مع عجوز طلبته أن يدعوا لها بدخول الجنة فقال لها أنه لا يدخل الجنة عجوز فأخذت تبكي ثم قال لها أنك ستصيرين شابة جميلة وهكذا.

بعض الفقهاء يستدل بقوله تعالى: ( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ 32 النجم) قالوا اللمم هو المزاح لا بأس به إن لم يكن مما يتعرض لثوابت الأمة. أمتنا أمة محاورة: لقي رجل أخاه وهو كثير المزاح والضحك فقال له: مالي أراك لاهياً كأنك آمن فأجابه قائلاً: ومالي أراك عابساً كأنك آيس؟. هذا جمال الحوار وتوازنه، لا أنا آمن ولا أنت آيس فليكن الإنسان وسطاً. ومن بعض أمزحة النبي صلى الله عليه وسلم الجميلة وكل الأنبياء كان ضحكهم إبتساماً والتي غالباً ما تكون إنسانية قال أحد الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله إحملني على جمل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أحملك إلا على إبن الناقة فقال الرجل: يا رسول الله ما يحملني إبن الناقة فضحك فقال له كل جمل إبن ناقة. وقال صلى الله عليه وسلم لإمرأة: يا فلانة إذهبي إلى زوجك إن في عينيه بياض فأسرعت إلى زوجها لتطمئن على عينه فتعجب منها زوجها فقالت: النبي قال في عينك بياض قال: وأنت أيضاً في عينك بياض فما الجديد؟ فقد كان صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقاً.

ولم يُرى صلاح الدين الأيوبي مبتسماً قط فلما سألوه عن ذلك قال: كيف أضحك والقدس بيد الصليبيين؟. وهذا لا يكون إلا لطبقة معينة من الصالحين. الآن يومياً على التلفزيون والفضائيات ليل نهار أغاني أو ضحك وقهقهة طوال النهار. الإضحاك كما نعرف صار فناً عظيماً له أبطاله وأعلامه في العالم كله كشارلي شابلن ولوريل وهاردي وفي العالم العربي كثر من المهرجين لكن بعضهم كنجيب الريحاني الذي كان كل إضحاكه يؤدي إلى فضيلة كما في فيلمه (غزل البنات) فالفيلم يدور حول سلبيات لا بد أن تزول فهو يفرق بين معلم يعلم العلم في المدرسة بأربع جنيهات ومهزأ وطردوه لأن طالب يضحك عنده فذهب إلى بيت الباشا في المنزل ليعلّم إبنته فلما وصل هناك رأى شخص ضخم ومهيب وجميل فظنه الباشا فقال له الرجل أنه ليس الباشا وإنما معلم الكلب فلما سأله عن راتبه قال: ثلاثون جنيه وسأطلب علاوة ، فهنا يوضح كيف أن معلم العلم يعلم بأربع جنيه ويكون تعبان أو مطرود ومعلم الكلاب يأخذ ثلاثين جنيهاً وما أكثر معلمي الكلاب في أمتنا هذه!. ومثل هذا مسلسل المرايا لياسر العظمة وهو فيه إضحاك ولكن إضحاك هادف من خلال تشخيص سلبيات معينة وحينئذ الإضحاك الآن أتخذ وسيلة لنقل سلبيات معينة وفعلاً ينجحون في ذلك كما العكس تماماً من الإضحاك من ينجح في إسقاط قيم من قيم الأمة. وكان الصحابي نعيمان-وقد كان بدرياً- رضي الله عنه دائماً ما يأخذه الرسول معه في الغزوات ولم تكن له مهمة إلا أن يُضحك الصحابة عندما يشتد بهم البأس وفي أحد السريات وكان الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام قد خرج في هذه السرية وجعل نعيمان وأحد الصحابة في المخيم على متاع الجيش فلما تأخر الرسول عليه السلام فأراد النعيمان أن يأكل فلم يسمح له صاحبه لأنه أمر ألا يتصرف إلا بمجيء النبي صلى الله عليه وسلم فلما تضور من الجوع رأى النعيمان قافلة من العرب يقطعون الطريق فقال لهم ألا تشترون عبداً فقالوا بلى فحذرهم من أنه سيدعي بأنه ليس بعبد فجاءوا وربطوا هذا الصحابي الجليل وحزموه وأخذوه معهم في القافلة فلما جاء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ولم يجده قال النعيمان والله بعته يا رسول الله لأنني جعت ومنعني من الطعام فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وبعث بمبلغ أضعاف المبلغ الذي إشتراه وإسترجعه وسكت عنه وتبسم عليه الصلاة والسلام وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه فحتى عند موته وقف النبي على قبره يضحك فتعجب الصحابة فقالوا: يا رسول الله ما تضحك في مثل هذا الموقف فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: والله أبى نعيمان إلا أن يضحكنا حياً وميتاً، لأنه لما جاءه الملكان قال تحاسباني والرجل واقف دعوه يذهب ثم حاسبوني. فهذا الدين دين إنساني (ما أنا إلا بشر مثلكم) وهنا تكمن عظمته فهو دين واقعي.

فالإضحاك سلاح ذو حدين وكثيراً ما ضحك الناس على أنفسهم عندما يأتي ممثل يهرج على حجاب، على رجل دين، على عمامة، على لغة عربية، وقد كتب كت عديدة عن إختراق الأمة بهذه الأعمال الفنية التي تسهزئ بالأمة ومقدساتها وثولبتها. فالعمل الفني كله في الحقيقة في خدمة الغرب ضد قيم الأمة ومبادئها وأسرتها وأمهاتها ولباسها وهيكلها محق كامل بحيث لم تعد الأمة تثق بشيء من نفسها كما قال تعالى:( لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا 12النور) ولذلك وراء كل ناعق بلا ضوابط ولا بصيرة (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ 108 يوسف) ( قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ 104 الأنعام) وأين بصائر هذه الأمة في هذا الزمان؟ الآن بدأت تستفيق الأمة لم يعد يستطيع أحد خداعها من الغرباء والمشبوهين وأصحاب الريب وأصحاب الحماقات وأصحاب النزعات الفردية المضحكة لكن بعد فوات الأوان قليلاً لكن ما زال هناك متسعاً. فالأمة تمر الآن بمرحلة صياغة جديدة بدأت تطهر جراحها وتنفجر فيها الفقاعات التي طال إنتفاخها حتى تعاظمت وإن شاء الله ترجع الأمة بعد عقد أو عقدين إلى ماضي عهدها وتماسكها ووحدتها بكل أطيافها وقومياتها وفئاتها. هذا الإستخفاف الذي هو أبشع أنواع الضحك كما نسميه في اللغة الدارجة الضحك على الذقون لأنه يخرجك من دينك، من ملتك، من شعبك، من نزاهتك، وبحجج تقنع بها فتغير دينك وتغير مذهبك وتغير مبدأك تبغض أهلك وقومك بوشايات شيطانية وبإستدراج وبوسوسة والوسوسة هي صوت الذهب كلام ليل نهار وحدة حرية اشتراكية وما شابه من شعارات. ومثال ذلك اليزيدية الذين يعبدون الشيطان فهؤلاء أتباع عدي بن مسافر من كبار صالحي التابعين هرب من ظلم بني أمية وجاء إلى شمال العراق في الجبل ومعه ناس أصلحهم إصلاحاً فلما مات لم يكن لديه ذرية فإبن أخته هو الذي خلف خلفه فأضلهم وجعلهم يعبدون الشيطان!!! كل الملل والنِحل كيف إنقلبت؟ (ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) وهذا هو قمة الإستخاف، الآن في المسجد الواحد أحدهم لا يتكلم مع الآخر وكل واحد يظن نفسه مسلماً وغيرهم مشركون وهذا من الضحك على الذقون. سيدنا موسى عليه السلام بكل معجزاته فعبر بقومه البحر والبحر تجمد أمامهم وغرق فرعون وأتباعه ثم إستخف السامري بهم فصنع لهم عجل وقال لهم إعبدوه، ولهذا في الآية الكريمة قال الله تعالى:( قُل لّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ 17الحجرات) فهل هناك عقل يقبل أن هناك بشراً يعبد بقرة؟ ،أبولهب الشخصية الفذة يعبد صخرة؟ وشخص كان مسلم يعبد شيطاناً؟ من أجل هذا الإيمان منحة من رب العالمين ولهذا إذا من الله عليك بالإيمان ثم أبقاك عليه إلى إن تموت فأعلم بأن الله سوف ينجيك قال الله تعالى:( وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ211 البقرة) ولهذا أن تؤمن أولاً ثم حسن الخاتمة ثانياً. من أجل هذا النبي صلى الله عليه وسلم كان دائماً يقول (سلوا الله حسن الخاتمة) فكم من ناس كانوا في غاية الصلاح وفي آخر يوم، آخر شهر، آخر سنة إنتهى وفقد الإيمان لأنه أمن مكر الله سبحانه وتعالى ولهذا الإيمان من نعمة الله تعالى. من أجل ذاك عليك أن تستمطر رحمة الله سبحانه وتعالى بدوام هذا الإيمان إلى أن تموت فوالله لا يوجد أحد من المؤمنين أفضل عقلاً من كل هؤلاء الذين تركوا الإسلام والإيمان قبل أن يموتوا فمن أنت لولا رحمة الله عز وجل؟ قال الله تعالى: ( وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ 35 الأنعام) (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ 8 فاطر) فيجب على كل من عوفي أن يحمد الله. بعد أن إنتشر الإسلام ببعثة الرسول r جاء مسيلمة الكذاب الذي إدعى النبوة كم من الناس إستخف بهم و إتبعوه وخاضوا معركة اليمامة معه دفاعاً عنه ويقتل قراء المسلمون والعلماء والحفاظ والصحابة لكي يعيدوا الناس إلى دينهم، وهذه المصائب تكون في كل عصر وزمان، ومثال ذلك أيضاً أمة بعد خمسة عشر قرن وكل هذه الحضارة التي تحملها ثم يأتي شخص ما ويقول كل هذا التاريخ سقط فلا أبو حنيفة ولا شافعية ولا مالكية ولا صحابة ولا أولياء ولا صالحين فجميعهم مشركين وأنا وفلان وفلان وفلان الذين نفهم الإسلام حقا والباقي مشركون ويجد من الدعم ما يوفر له كل الحرية والصلاحية وكل ما يريد وتجد بعضهم ليس له عدو إلا المسلمين فهو يصلي صلاة عظيمة ولكنه ينظر إلى غيره كأنه من أهل جهنم، ما هذا العقل الغبي الذي يُغسل بهذه السرعة؟ ولديك قرآن تقرأه يومياً وسنة صحيحة أن هذه الأمة أمة موحِّدة وأن من قال لا إله إلا الله حفظ ماله وعرضه ودينه إلا بحقه والتطبيق العملي والواقعي فكيف تقوم تيارات تفتك ثلاثين أربعين عاماً تذبح وتقتل وتسحل وتدمر الأمة إلى أن تصبح الأمة أنقاض من شخص غبي أو أحمق أو خبيث دسَّ فيهم هذا ثم أشغل الأمة بواقعها وطول التاريخ الإسلامي ويبدو إلى يوم القيامة وفي كل قرن تظهر هذه الفتنة كما يحصل في العراق وما حصل في الشيشان وأفغانستان، وكلاً يعتقد أنه يعمل الصواب وأنه هذا هو الدين وحتى لو تأتيه بأدلة من القرآن والسنة لا يسمع قال تعالى: ( وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا 25 الأنعام) ولهذا فعلاً من عوفي فليحمد الله. ومن الإستخفاف الذي حدث للأمة أنها حين ضعفت وهو شيء طبيعي كان يجب ألا يتركوها بل يقوها من جديد ولكن الذي حدث أن الإنجليز أتوا وقالوا سوف نجعل لكم يا عرب دولة عربية كبيرة من المحيط على الخليج وفعلاً تم الإستخفاف بالأمة وأصبحوا دويلات صغيرة، والآن يقسمون هذه الدويلات الصغيرة إلى كيانات (شيعة، أكراد، سنة). وبالتالي كيف يستخف بالأمة بهذه الدرجة ويقتل بعضهم بعضاً!!! العالك يتقدم وهم يستخف بهم. هذا من الإستخفاف فكيف يمكن لعالم أو حكيم أو صاحب فكر أن يستخف عقله ويقال لا يلدغ المؤمن من جحره مرتين ونحن قد لدغنا مئات المرات من نفس المكان ومن الداخل، يقول الرسول r سألت ربي أن لا يجعل بأس أمتي بينهم فمنعني. فأين عقول الحكماء والزعماء والقادة؟؟. ونعود للإبتسامة النبوية الشريفة فالسكوت يعتبر موافقة لأنه صلى الله عليه وسلم لا يسكت على باطل لكن هذا السكوت كثيراً ما كان مشفوعاً بالإبتسامة زيادة في هذه الموافقة وزيادة في هذا الإقرار. وكثيراً من الأحيان ما يكون تبسمه حلماً صلى الله عليه وسلم قعندما كان يعتدى عليه كان يبتسم في وجه هؤلاء الناس. وفي المجادلة كثير من العلماء كانوا يفحمون خصومهم بالإنتسامة وهؤلاء هم السلف من مشايخنا عندما كانت الأمة مباركة أما عندما غزتنا الحضارات الغربية غابت هذه الصفات وغابت المروءة والهيبة. وأخيراً يقول الشاعر:

أنت الذي ولدتك أمك باكياً والناس حولك يضحكون سروراً

فأحرص على عمل تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراًً

بُثّت الحلقة بتاريخ 28/4/2006م وطبعتها الأخت نوال من السعودية جزاها الله خيراً وتم تنقيحها

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 09:04 PM
منظومة الإسالة

السفك – الدفق – السيل –الجريان - الفيضان – الطوفان – السفح – السكب - النضخ

الإسالة أو الإفاضة سواءً كانت لدم أو لماء أو لأي شيء سائل. كل شيء سائل إذا جرى على الأرض فهو في كل مرحلة من مراحله يأخذ إسماً معيناً من هذه اللغة المعجزة، فكل كلمة تشير إلى مرحلة من مراحل إسالة الماء أو الدم أو غيره من غير أن تحتاج أن تشرح كبقية اللغات. معظم لغات العالم لكي توصل معنى الكلمة إلى السامع لابد أن تستعين بإشارات من يدك لكي تفهمه ماذا تريد بهذه الكلمة. اللغة العربية دلالتها ذاتية كل كلمة ترسم جزء محدداً من الصورة والمعنى كما سنذكره الآن سواءً كان ماعندنا ماء أو دم ماهي مراحله؟

السفك: أول ما ينطلق ساعة الإنطلاقة تسمى سفكاً فلنتكلم عن الدم شخص بيده سيف ضرب رقبة آخر هذه الضربة ما يصاحبها من بروز الدم لأول مرة يسمى سفكاً قال الله تعالى: ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء 30 البقرة) فسفك الدم إذن هو مواكب لإزهاق الروح، لعملية القتل بداية التنفيذ بعد الشروع. في هذه اللحظة الحاسمة ساعة ما يخرج الدم لأول مرة يسمى سفكاً.

الدفق: إذا إنتهت مرحلة السفك وهي في ثانية بعد السفك الدم أو الماء يخرج متدفقاً قال تعالى: ( مَّاء دَافِقٍ 6 الطارق).

السيل: بعد الدفق يأتي السيل سالت فعندما تذبح الخروف عند الحز يخرج الدم هذا يسمى سفكاً ثم يخرج الدم نافراً يسمى دفقاً. لاحظ الفرق عندما تقول تدفق شيء وسفك شيء آخر. كلمة سفك تعطي صورة والمرحلة التي بعدها يأتي السيل، بعد الدفق يأتي السيل. في قتل رجل أو خروف عند الحز يسمى سفكاً ثم بدأ ينفر يسمى دفقاً ثم بدأ يسيل على الأرض يسمى سيلاً، قال تعالى:( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ 16 سبأ).

الجريان: إذا إستمر السيل يسمى جرياناً. (فيهما عينان تجريان)، (تجري في تحتها الأنهار).

الفيضان: وإذا غمر هذا الجريان بعض الأماكن الأخرى غير المجرى يسمى فيضاناً (أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء 50 الأعراف).

الطوفان: إذا إستمر بشكل كبير جداً يسمى طوفاناً (فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ 14 العنكبوت).

السفح: هذا كله إذا في النهاية يستمر ضعيفاً جداً بحيث يضيع في الأودية أو بالأماكن بحيث لا ينتبه له ولا قيمة لذلك يسمى سفحاً (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا 145 الأنعام) . فلو لاحظنا عند ذبح الخروف صار سفكاً ثم دفقاً ثم بدأ يسيل.

السكب: هذا السيل إذا كان بشيء معين ومحبب ونافع يسمى سكباً (وَمَاء مَّسْكُوبٍ31 الواقعة)، وإذا كان مهملاً يسمى سفحاً وبالفعل دم الذبيحة في النهاية يذهب إلى التراب ويُغسل ولا قيمة له وكل شيء يسيل بلا غاية ولا قيمة له يسمى سفحاً (إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا) ولهذا سمي الزنا سفاحاً لأن ماء الرجل وهو المني الذي هو سبب الجسد عزيز وينبغي أن يكون في فرج طاهر لكي يورث نسباً (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا 54 الفرقان) هذا ليس سفحاً هذا دفق. لكن عندما يزني الشخص بامرأة والعياذ بالله هذا الماء ذهب بلا فائدة ولا قيمة له يسمى سفاحاً أي سال منيه سفحاً من غير فائدة ومن غير قيمة ولو كان بقيمة قوية وأنجب طفلاً صحيح النسب لكان شيئاً آخر إذن السفح في نهايات السيل والمجرى بحيث لم يعد له قيمة.

السكب يكون من الأعلى والسفح يكون بلا فائدة أما السكب فبفائدة (وَمَاء مَّسْكُوبٍ31 الواقعة) بالجنة، بالحدائق، بالبيوت في النافورات ماء مسكوب له جمال وله قيمة كل شيء يسكب فله قيمة تسكب الدمع تسكب الشاي تسكب الطعام..إلخ. هكذا هي منظومة الإسالة سواء كانت إسالة دم أو إسالة ماء أو شيء آخر تأخذ هذه المراحل ولو تتبعتها في كتاب الله عز وجل لعلمت كيف أن الله سبحانه تعالى إستعملها إستعمالاً دقيقاً من حيث أنه يفرق بالكلمة الواحدة بين ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء) فالسفك لا يكون إلا ظلماً وإعتداءً لولا أو الله عز وجل أباح لنا ذبح الأنعام نأكلها ونسخرها لنا لكان ظلماً أن تذبحها فهو إعتداء ولكنه إعتداء مسموح به، لكن مع الإنسان لا يسمى إعتداء، وعندما تعدم قاتل قصاصاً لا يقال سفك دمه أبداً يقال قصاص، ولكن عندما تقتله ظلماً يقال سفك دمه. فالسفك إذن لا يكون إلا إعتداءً وظلماً. القرآن الكريم إستعمل السفك والدفق والسفح والجري والإفاضة. انظر الدقة في الإستعمال: قال تعالى :( أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء) فلم يقولوا صبوا أو رشوا أو إسكبوا ولكن إستخدم عز وجل أفيضوا لأنهم في جهنم وجهنم تأتي من كل جانب فقالوا أفيضوا بحيث يغطينا ويغمرنا لأن السكب قد يكون على الرأس. وكل كلمة فيما يتعلق في منظومة الإسالة إستعملها القرآن الكريم إستعمالاً إعجازياً لهذا لا يمكن أن نسكت على من يقول بأن سفك وسفح ودفق وغيرها بنفس المعنى فهذا خطأ شديد وظلم لهذه اللغة المعجزة لغة القرآن الكريم.

نقف عند سفح الدم وسفك الدم وسفح الدم وهو القتل وقلنا أن السفك لا يكون إلا ظلماً وإعتداءً وإن أعظم جريمة على وجه الأرض هي هذه الجريمة التي يسفك فيها الدم ظلماً وهي أول جريمة وقعت على هذه الأرض عندما إختصم قابيل وهابيل إبنا آدم على ما إختصما عليه قال (قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ 30 المائدة). هذه الجريمة التي عانت منها البشرية وسوف تبقى تعاني إلى يوم القيامة لأن الله عز وجل من ضمن العقوبات التي رتبها على معصية آدم :(قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ 24 الأعراف) هكذا قدر الله عز وجل أن تكون هذه الأسرة الواحدة المنحدرة من أم واحدة وأب واحد هما آدم وحواء أن يكون العداء بينها أصيلاً (اهبطوا بعضكم لبعض عدو) ثم سلط الله على آدم وذريته عدواً آخر شنيعاً فظيعاً وهو إبليس قال تعالى: ( فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى 117 طه). فنحن في هذا الصراع الذي جعله الله عز وجل إبتلاءً لمدى طاعة البشر الذي يختار أن يطيع أو لا يطيع. المخلوق الوحيد الذي يملك أمره والله سبحانه وتعالى كرّمه بهذا العقل (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ 70 الإسراء) أي أنه صاحب إختيار وكل المخلوقات الأخرى صاحبة إجبار (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ 18 الحج) كثير من الناس وليس كلهم والسابقون كلهم مجبرون لا إرادة لهم إلا الإنسان مختار ولهذا هناك من يسجد وهناك من لا يسجد فمن يسجد إنما يسجد طائعاً ومختاراً والله سبحانه وتعالى فضّل من يطيعه إختياراً على من يطيعه إجباراً، ولهذا فإن صالحي الإنس، صالحي بني آدم أفضل من صالحي الملائكة. رب العالمين سبحانه وتعالى جعل هذه الجريمة جريمة بشعة (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا 32 المائدة) الجريمة الوحيدة التي تعتبر إعتداء على الإنسانية كلها هي جريمة القتل ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يزال المؤمن بخير ما لم يسفك دماً) هذا الدم الذي أهدرته إذا أهدرته أصبح أمرك صعباً وقال r: (لن يزال المؤمن في فسحة من دينه مالم يصب دماً حرام) أي أنه مهما كان ذنبك عظيماً هناك ذنبان شنيعان: الشرك والدم. فأنت إذا لم ترتكب واحدة منهما فلا تزال هناك فسحة عظيمة أن الله سبحانه وتعالى يغفر لك. يقول العلماء: من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حِلّة. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لزوال الدنيا أهون على الله من دم سفك بغير حق ولو أن أهل السموات والأرض إشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار). لو أن جميع أهل الأرض والسماء إشتركوا في قتل إنسان أدخلهم الله تعالى النار. وهناك أحدايث كثيرة في القتل: يقول الحديث (إذا أصبح إبليس بثّ جنوده فيقول: من أخذل اليوم مسلماً ألبسته التاج، قال فيجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عقّ والديه فيقول إبليس: يوشك أن يبرّهما ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك فيقول إبليس: أنت أنت، ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتل فيقول: أنت أنت ويلبسه التاج) فعلاً من يرتكب هاتين الجريمتين عامداً متعمداً يكون وضعه في غاية الخطورة. ويحدثنا النبي صلى الله عليه وسلم كما في الكتاب العزيز عن أنواع من القتول فهناك قتل في ساعة غضب في حالة دفاع عن عرضه، عن دينه. ولكن قتول توازي الشرك كقتول الطائفيه، إتهام بالكفر. يقول النبي صلى الله عليه وسلم، يقول عن عبادة بن الصامت يقول قال r: (من قتل مؤمناً فإغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً). يقول العلماء كيف يقتله ويغتبط؟ إغتبط في قتله أي الذين يقاتلون في الفتنة فيقتل أحدهم الآخر فيرى أنه على هدى فلا يستغفر الله. كما يجري الآن في العراق طوائف وشيع بعضهم يقتل بعض وكلٌ منهم يقتل الآخر متقرباً إلى الله بقتله، وهذا هو الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأحاديث العجيبة وهي التي تدل عليه الآية (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا 93 النساء). وهناك فرق بين من قتل نفساً بغير نفس فذلك قصاص أما هذا الذي في الآية فهو قتل عن عقيدة كأن يقتل مؤمناً متهماً إياه بالكفر أو الشرك كما يحصل الآن في العراق الكل يقتل صاحبه على أنه مشرك أو ضال أو مبتدع والكل هالك هلاكاً لا شفاء له. ولهذا كما في الحديث كلهم مغتبطون بما يفعلون هذا الذي يقتل جماعة لأنهم ليسوا من طائفته أو مذهبه أو حزبه وكلهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله ويصلي إلى القبلة وبعضهم يكفّر بعضاً هذا الذي لا أمل فيه يوم القيامة كما في الحديث (إذا إلتقى المؤمنان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار) القاتل والمقتول في النار القاتل لأنه قتل والمقتول لأنه كان حريصاً على قتله وهذا الأمر في أمر من أمور الدنيا فمابالك إذا كان القتل عل العقيدة أي أنك تتهمه بالشرك أو الكفر، إذا كان كافراً قد يكون لك عذر لكن حتى لو كان كافراً فهناك كثيرمن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم التي تتوعد من قتل ذمياً أو معاهداً، كلام خطير فيمن قتل ذمياً فما بالك بمن قتل مسلماً؟! فحينئذ هذه الجريمة التي تقتل على إتهام بالكفر أو الشرك أو الزندقة أو الإبتداع وهو مايجري في العالم الإسلامي اليوم هذا هو الهلاك قال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام (لا تكرهوا الفتن فإن فيها حصاد المنافقين) ولهذا يصبح الرجل مؤمناً ويسمي كافراً. وهذه هي الفتن التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً وليس القاتل فقط من يعاقب بل أيضاً لو أن أحد الناس يتفرج فقط يصيبه نفس الذنب ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا تحضروا قتل أي إنسان قد يكون مظلوم فيصيبكم مايصيبه" ولهذا كل جريمة تتفاعل معها أنت بعواطفك كما في الحديث (من أعان على قتل مسلم ولو بشق كلمة بعث يوم القيامة مكتوباً على جبينه آيس من رحمة الله). ونلاحظ من خلال التاريخ من آدم إلى اليوم أن كل ما صار من قتل جماعي من فئة على فئة، الفئة المعتدية الباغية أولاً تصبح في التاريخ سُبُة وتلعن ثم يختفي أثرهم تماماً ولو ذكرنا أمثلة من التاريخ كطالوت وجالوت، العماليق وبني إسرئيل. وفي التاريخ الإسلامي الخوارج مسكوا المسلمين وهم قلة ما عداهم الكل مشرك وقتلوا الناس وقطعوا ألسنتهم والآن يُلعنون كما يُلعن إبليس ثم لم يبق لهم أثر. السفيانيون في مقتل آل البيت إنتهى أثرهم، المروانيون في مقتل آل زيد بن علي إنتهى أثرهم. في بغداد صارت مجازر كما هي اليوم بين الحنابلة والشافعية والغريب أنه في كل التاريخ هناك من ينتحل جماعة أو إسم وهو ليس منهم. فجاء جاءوا في العراق قالوا إنهم حنابلة وقتلوا علماء الشافعية في ليلة واحدة فسُئل من قتلهم قالوا الحنابلة فصارت مجازر، والإمام ابن حنبل شيخ العراق بعد هذه المجزرة لم يبق ولا حنبلي والإمام ابن حنبل بريء منهم كما قال جعفر الصادق: إنهم أناس يتأكلون بنا. الإمام البخاري لم يصلي عليه أحد في بخارى. فتن طائفية كبيرة كأنها دورية كلما تمددت الأمة وشاع فيها الفساد كما يفعل الفلاح في كل عام يقلم أشجاره ولله المثل الأعلى رب العالمين على رأس كل مئة يرسل هذه الفتن لتتطهر الأمة ويبعث الله من يقودها إلى صفاءً لا يمكن أن يمر إلا على هذه الجثث الآسنة، قال تعالى: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ 2 العنكبوت) وقس على هذا من الفتن في كل التاريخ، فكل من يرتكب هذا القتل الجماعي على الفكر والعقيدة والطائفة والمذهب إضافة إلى لعنة التاريخ والخلود في النار فالذي يقتلك على الكفر فهو كافر كما تقول الآية ينقطع آثره ويذمون في التاريخ ثم ينتهون من على الأرض جميعاً.

نتكلم في قوله تعالى على مسألة قابيل وهابيل: هذه الجريمة كأن رب العالمين أراد أن يبين لنا أن هذا من شأن البشرية حتى وإن كنتم أبناء نبي فكل ما في الأمر أنه حسد أخاه ولما حسده بدأ يبرر. من أجل هذا كل من يرتكب الجرائم وكل سفاح في التاريخ، كل جزار يبررهذا كما برر قتلة سيدنا عثمان وعلي رضي الله عنه وآل البيت جريمتهم وحينئذ يريد بهذا المثل أن هذا التبرير لا ينطلي على أحد ولا ينبغي أن ينخدع له أحد والله تعالى يريد أن يخبرنا عن هذه القضية: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). الفساد في الأرض كقطع الطريق ومن أشد أنواع القتل إثنان: هما الزاني المحصن وقاطع الطريق، قتل تنخلع له القلوب لأن شيوع الزنا إنتهاء الأمة وهو من علامات الساعة وحينئذ الزاني الثيّب يقتل شر قتلة وقاطع الطريق (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ 33 المائدة) تقتيل. ماعدا هذا من قتل نفس لأي غرض فكأنما قتل الناس جميعاً لأنه إعتداء على الأمة. من أجل هذا الفقهاء إستنبطوا أن كل قتيلٍ يُقتل ولايعرف قاتله المجتمع كله مسؤول عنه ويحاسب كما هو نظام القسامة وحصلت حادثة مع النبي r رأى قتيلاً ولم يعرف قاتله فقال: أيُقتل وأنا بين أظهركم؟ فكل من قتل نفساً عمداً وظلماً فكأنما قتل الناس جميعاً. لذلك يُسأل المجتمع واشارع الذي يوجد فيه القتيل كلهم مسؤولون و يحلفون اليمين ويدفعون الدية والغرامة وينظر لهم على أنهم مقصرون في الدفاع الإجتماعي. معنى ذلك أن جريمة قابيل وهابيل أنتجت لنا أول شهيد وأول قاتل.

ويحدثنا القرآن الكريم بأن أسباب شيوع القتل هو الموقف السلبي. إذا أي مجتمع من المجتمعات إذا وقف موقفاً سلبياً فالمتفرجون يحملون ذنب هذا القتل. من خصائص الظلم الذي يؤدي إلى القتل أن الله سبحانه وتعالى يعاقب القاتل مرتين في الدنيا والآخرة بعد ما رب العالمين سبحانه وتعالى ساق لنا قصة ابني آدم بالحق قال:(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ 27 المائدة) إنتقل إلى خطاب بني إسرائيل: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ 85 البقرة) وهذا كما يجري اليوم بالضبط ما جرى لبين إسرائيل يجري اليوم في العالم العربي. وجزائهم الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة والخزي في الدنيا الذم والإنقطاع عن العالم، ولهذا هناك جرائم يعاقب عليها العبد مرتين: في الدنيا خزي وعقوبة ومحق وفي الآخرة نار ومن ضمنها عقوق الوالدين الذي يدمر الإنسان على عكس بر الوالدين الذي يثمر في الدنيا خيراً وسماحة ورزقاً وسلامة، فالقتل الجماعي قتل الظلم وسفك الدم مصيبة المصائب في الدنيا والآخرة ما رأينا قاتلاً إلا وقد دفع ثمن جريمته في زمانه وحياته كما قال تعالى: ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ 21 السجدة). رب العالمين حدثنا أن القتل أساسه في الغالب هو الحسد كما قال أخوة يوسف: (إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ 9 يوسف) وهكذا إبني آدم. وحينئذ هذه الآية دقتها عجيبة (تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ) فهذا الذي تقتله هو منك كأنك تقتل نفسك وتخرجه من دياره وهذا هو الذي يجري في بغداد الآن كل طائفة تُخرج الطائفة الأخرى من أرضها وتقتلها وهذه معادلة عجيبة ولا يرتفع صوت بنكير وكأن هذا قدر لابد أن يصفي الله عز وجل حساباته مع هذه الأمة الآن التي تمددت بالخطأ والطغيان فلا بد من أن يتضح الخطأ من الصواب على هذا الطريق. ولولا وخز الإبرة ما إستقام الثوب. ما يجري اليوم من قتل بين السنة والشيعة إنما هو تصفية (كل المسلم على المسلم حرام) ما يجري اليوم هو تصفية وولادة جديدة فيجب أن لا نبتئس فمن قُتِلأ مظلوماً ففي الجنة ويتمنى لو أن الله تعالى ضاعف عليه البلاء لما يرى من النعيم وأما القاتل فالويل له. وسينتهي كل هذا وتعود الأمة إلى وحدة لا يمكن أن يتصورها أي إنسان إلا إذا رجع إلى التاريخ فكلما مرت الأمة بمثل هذا وما أكثر ما مرت به من مثل هذا ثم إنكشف الأمر عن أمة موحدة حبيبة نشيطة بعد أن أزالت عنها ذلك السوء وذلك الغبش وذلك الغثاء. وكما خاطب الله عز وجل بني إسرائيل يعود ويخاطب المسلمين في قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا 29 النساء) فأنت عندما تقتل مسلماً لدينه أو لعقيدته أو لطائفته أو لمذهبه أو لحزبه أو لطمع أو حسد كما يجري فأنت بذلك تقتل نفسك كما قال تعالى: ( فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ 61 النور) عندما تدخل المسجد فتقول السلام عليكم أنت تسلم على نفسك فهؤلاء نفسك قال صلى الله عليه وسلم (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا إشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). فلا تكون مسلماً إلا هكذا إذا وجدت في نفسك حقداً على من يقول لا إله إلا الله فاعلم أنك خارج هذه الأمة، مقياس سهل لكي لا يكون للناس حجة على الله بعد الرسل (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) من الآن هل تكره الشيعي لأنه شيعي؟ هل تكره السني لأنه سني؟ فإذا كانت إجابتك بالإيجاب فأنت تغتبط لقتله فاعلم أنك هالك لا محالة مهما صليت وصمت ومها زعمت من نصرة لله ورسوله وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنت هالك من الهالكين كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تخزوني يوم القيامة عند ربي) فأنت ممن يخزى منك رسول الله عليه الصلاة والسلام وأهل بيته والصالحون من هذه الأمة والله تعالى يقول (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كلن بكم رحيما). وكل يد تمتد إلى مسلم من أجل طائفة أو فئة أو مذهب أو تيار وأنت تعلم أنه من الموحدين الذين يقولون لا إله إلا الله ولا يعلن ولا يجاهر بأنه إرتد عن هذا الدين فأنت قد أوقعت نفسك في مصيبة لا حل لها ولا ينقذك منها أحد إلا أن تسلم نفسك لله ورسوله.

سؤال من أحد المشاهدين خلال الحلقة عن أن القاتل يعاقب لأنه قطع عمر المقتول وذكرت سابقاً أن للإنسان أجلين: قال الله تعالى: ( ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ 2 الأنعام) أي أن هنالك أجلين كما يقول العلماء أجل قدري بأن يقول الله تعالى أن فلاناً له حق أن يعيش مئة سنة وأجل إخترامي كأن يأتي شخص ويقتله فهذا يعاقب لأنه نقص عمره أو هو تبرع بالباقي صار شهيداً فيكرم فلو أنني كنت سأموت في هذه الدقيقة لماذا أكرم إذا كنت شهيداً؟ فأنا مقتول مقتول ولماذا يعدم هذا القاتل أيضاً فأنا مقتول مقتول؟ وهذا غير صحيح فأنت لم تكن تقتل لولا هذا كما قال تعالى: ( وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ11 فاطر) هو نفسه وخطأ الناس أنهم لا يفهمون اللغة لغة القرآن المعجزة والله عز وجل لم يقل وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمر آخر فلو قال هكذا لقلنا صحيح الأعمار ثابتة، ولكن في الآية ما يعمر من معمر (أنا) وينقص من عمره (أنا) فهو شخص واحد فهذا يعني أن الأعمار تزيد وتنقص كما في الحديث (من أحب أن ينسأ له في أجله فليصل رحمه) إذن الأعمار والأرزاق ليست ثابتة تزيد وتنقص لكن عند الله ثابته فالله يعلم أن فلان الذي كتبه له الله تسعين سنة سوف يقتل بالعشرين سنة أو سيستشهد بالأربعين سنة فهو عز وجل يعلم هذا فهما أجلان والموت قد يكون قضائياً وقد يكون قدرياً. الموت من حيث كونه فكرة فهو قدر لابد أن يموت كل إنسان (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ 60 الواقعة) وهذا لا يتغير فالقدر لا يتغير وهناك موت قضائي (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ 14 سبأ) موتي وموتك وموت كل الناس قضاء، تلدغك عقرب أو تأكلك حية أو يقتلك أحد بتفجير سيارة أو غرقاً في البحر أو حادث سيارة..إلخ كل هذا قضائي ممكن تغييره فالقضاء ما لك فيه خيار والقدر ما ليس لك فيه خيار. فكون لك يد هذا قدر وفيها حركة هذا قدر توجيه الحركة هذا قضاء فأنت تضرب بها، تعطي بها، تصلي بها، تسرق بها أنت تفعل هذا، الأرزاق هكذا قال تعالى: ( لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ 35 يس) فاللقمة أمامك لو تبقى مليون سنة لن تقفز إلى فمك لابد أن تذهب وتمد يدك أنت وتأتي بها، فلنفهم الإسلام فهماً عقلانياً كما يليق بعظمة هذا الدين العظيم وبدون هذه الإسرائيليات التي تسربت إلى بعض منعطفات تفسيرنا لها من فهمنا ليس كل ما نقرأه مقدس ولو عاد علماؤنا اليوم لتقززوا مما نفعل ولأرادوا أن نتطور كما تطوروا هم وكل جيل يجب أن يفهم هذا الكتاب على عقلية جيلهم وعقولهم وكل منا يصنع تفسيراً لدينه في المتاشبه وأما الثوابت فهي ثابتة لا تتغير. النبي صلى الله عليه وسلم دعا لأحد الصحابة فقال أطال الله عمرك فطال عمره مئة وعشرون سنة ولم يسقط من فمه سن واحد.

القتل هو أم الفواحش. إذا شتمك إنسان فادخل الجنة بتبرعك بعرضك على مسلم شتمك أو سبك. رب العالمين جعل أبواب الجنة سهلة تخدم أمك وأبوك تعفو عن من ظلمك تعطي من حرمك ركعتين بالليل دمعة على خدك ومن ضمنها أن تتبرع بعرضك على المسلمين فتقول يا ربي كل من شتمني أو سبني أو أبغضني أو أذاني أهبه لوجهك الكريم وأتبرع بعرضي فليشتموني من يشتموني وهذه لوحدها تدخلك الجنة على ما كان منك أي نعمة هذه. ولا يخلو أحد من الشتائم ولكن اعتبرها فرصة أن تقول ياربي لا تؤاخذ مسلماً بسببي بهذا يوم القيامة تكرم به النبي صلى الله عليه وسلم والله لا أرضى وواحد من أمتي في النار ولا تفرحه بشيء أكثر من أنك تعفو عن أمته قل يارسول الله أنا لوجه الله وإكراماً لك أعفو عن كل أمتك مهما أساءوا إلي فتدخل الجنة بهذا وتفرح النبي صلى الله عليه وسلم وتدخل مسلماً الجنة وربما كان سيدخل النار بسببك.

(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء) على مدار التاريخ كان هناك طائفة من أهل الحل فأين هم الآن؟ الآن في العراق البلد محتل ونحن نحسن الظن بالعراقيين أن يبعث فيهم من يطفيء النار لأن العراقيين أصبحوا منبوذين من الناس لما يسمعونه ويرونه من قتل فيه.وكل الفتن في التاريخ يكون هناك أطراف من الخارج تثيرها. (المستشرق الأمريكي دولر أنصف العراقيين من دون إجحاف وقال تتبعت هذه الفتن التي ظهرت في بواكير العصر الإسلامي في العراق فوجدت أن هذه الفتن لم تتولد من العراقيين أنفسهم وأساسها دخيل ولكن بقايا المرتدين ومانعي الزكاة الذين كبح جماحهم). من قتل علي؟ من قتل عثمان؟ كلهم مأجورون وكل الذي يجري الآن في العراق يقتل المسلمين بعضهم بعضاً هؤلاء من خارج البلد لا يعرفهم أحد والإسلام بريء مما يحدث في هذه الفتن فكل الذي يدّعون أنهم إسلاميون ومجاهدون مأجورون جاءوا لكي ينفذوا جريمة بشعة. كل شيء سيعود لكن بعد أن ينكشف الستر وعلينا أن نبدأ ونصلح ونأمل أن يكون هناك من يوقف هذه الفتن ويطفيء النار المستعرة التي إشتعلت فيه والتي ذاق العراقيون ويلاتها منذ خمسين عاماً. العراق قلب الأمة وسيعزّ رغم أنوف الجميع إن شاء الله تعالى. وما يحدث اليوم في فلسطين من منع الطعام والشراب والمال عن إخواننا الفلسطينين هو نوع من القتل أيضاً.

يجب أن يوجد من أهل الحل والعقد والمشورة ليطفئوا نار الفتنة المستعرة بين المسلمين وهذه فتنة لا بد أن ترتفع بها الأصوات وتنكشف العورات. قال الله تعالى: ( لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ 37 الأنفال)

وفي مداخلة لإحدى الأخوات سألت عن كلمة فار إذا كانت تدخل في المنظومة فأجاب الدكتور أنها قد تدخل.

النضخ: في إتصال مع الدكتور أحمد الكبيسي سألته عن كلمة النضخ في قوله تعالى (فيهما عينان نضّاختان) إذا كانت تدخل في المنظومة أيضاً فقال تدخل ومعنى النضخ في الماء كالسفك في الدم.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 09:05 PM
المنظومة الحاكمية

سلطان – ملك – خليفة –حاكم - وليّ الأمر – زعيم – إمام – رئيس

الحاكمون في القرآن جاءوا بلفظ: السلطان، ملك، خليفة، حاكم، ولي الأمر، زعيم، إمام هذه هي الكلمات القرآنية المترادفة التي تدل على من يحكم شعباً وكل كلمة ترسم زاوية في الصورة لا ترسمها الكلمة الأخرى. الحاكم هو الذي يحكم شعبه قهراً بناءاً على قوانين ثابتة أي قضية إلزامية ومن يخالِف يعاقَب. هذه القوانين ثابتة مع إختلاف مصادر تشريعها فالمهم أن الأمة أو الشعب لهم قوانين سواء كانت مستمدة من شرع أو عرف أو ما شاكل ذلك وهي تسن على الناس.

حاكم: فهذا الإنسان الذي يحكمهم يسمى حاكماً لأنه يجبرهم ويقهرهم على أن يطبقوا هذه القوانين فهو راعي القوانين وراعي العدالة وحينئذٍ يفعل ذلك جبراً عنهم فيسمى حاكماً وإذا كان إختيارياً يسمى حكماً قال الله تعالى: ( فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا 35 النساء) أما الحاكم فهو إجباري (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ 49 المائدة) ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ 50 المائدة). هذا الحاكم فمن حيث كونه رئيس الدولة أو رئيس الوزراء. فرئيس الوزراء هو الحاكم الفعلي من حيث كونه يلزم شعبه بتطبيق القوانين وتحقيق العدالة فمن حيث هذه الزاوية أنه يرعى العدالة بإجبار شعبه على تطبيق القوانين يسمى حاكماً.

إمام: وإذا كان هذا الحاكم ممن يقتدى به كأن يكون له فلسفة معينة، دين معين، مذهب معين، حزب معين، كل من سوف يأتي بعده سيقتدي به ويسير على نهجه يسمى إماماً (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ 71 الإسراء). الإمام وهو الذي يقتدى به وهو الذي يضل أو يهدي هناك أئمة مضلون وهناك أئمة هادون مهديون وهذا إذا كان له فلسفة مثل الخلفاء الراشدين أئمة لأنهم يقتدى بهم. ستالين ولينين أيضاً أئمة لأنه يقتدى بهم وجميع من أتى بعدهم كانوا يسيرون على نهجهم وهو الحزب الشيوعي. وهكذا كل حاكم له فلسفة معينة يضعها هو ثم كل من سوف يأتي بعده سوف يطبق هذه الفلسفة ولا يخرج عنه حينئذٍ يسمى إماماً (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا 124 البقرة). ولهذا جميع الأنبياء إلى عهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ساروا على نهج سيدنا إبراهيم فسيدنا إبراهيم سمي إماماً لأن جميع الأنبياء الذين بعده ساروا على نهجه (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ 78 الحج) سواء كان إماماً ضالاً أو هادياً مهدياً كل من يكون سنةً لمن بعده يسمى إماماً.

خليفة: قال الله تعالى:( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ 26 ص) الخليفة هو الذي يمشي على هدي الإمام. الإمام الأول كل من بعده ممن يسيرون على نهجه يسمون خلفاء ولهذا رب العالمين سبحانه وتعالى رسم لسيدنا آدم نهجه فقال: ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً30 البقرة) وهو سيدنا آدم مشى على نهج معين رسمه الله عز وجل وهو أن يكون خطاءً. سيدنا آدم القضية الأساسية التي أثبتها الله من خلاله أن هذا المخلوق وهو آدم هو وذريته خطاءون ولا يمكن إلا أن يكونوا خطائين والله عز وجل هو الذي أرادهم أن يكونوا خطائين فأول من أخطأ آدم عليه السلام. والخليفة من يخلِف ومن يخلَف فهنا سوف يستخلف وحينئذٍ الخلافة بين المستخلِف والمستخلَف كلاهما يسمى في عملية الخلافة وآدم عليه السلام خليفة رب العالمين في الأرض ولهذا السلطان ظل الله في الأرض.

سلطان: السلطان هو الحاكم الذي لا يرد أمره لقوة سطوته بالحق (وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ 90 النساء) عندما تكون لك قوة بأس ومأخوذ من الحجة القوية (فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ 33 الرحمن) ( أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ21 النمل) أي حجة لا تدحض. والسلطان في الأصل هو الدليل أو الحجة أو البينة التي لا يمكن دحضها لقوة نصاعتها وقوة دلالتها وحينئذٍ إستعملت مجازاً في الشخص الذي لا يرد أمره لشدة بأسه وقوته في الحق لا يستطيع أحد أن يخالفه.

ملك: الملك هو الذي يحكم الناس بقوة يملكها هو فقط ولا يملكها غيره. كالذي لديه أموال كثيرة لا يملكها الآخرون فصار ملكاً عليهم أو شخص لديه سلالة نقية جداً جداً يقدسها الجميع فصار ملكاً فكل ملك الأصل فيه أن فيه جانباً من جوانب القوة التي تقهر شعبه ويؤمن بها شعبه ويذعن لها فهذا يسمى ملكاً، قال تعالى (مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ 4 الفاتحة) فرب العالمين ملك يوم الدين لأن لله قدرة الكل يذعن لها.

ولي الأمر: ولي الأمر هو الذي ينوب عن الحاكم الأعلى كما في الإسلام سابقاً يسمون ولاة الأقاليم. فالوالي هو الذي ينوب عن الملك أو الخليفة أو الزعيم أو ما شاكل ذلك أي الذي ينوب عن الحاكم الأعلى رئيس الدولة بحكم إقليم من الأقاليم فهو الوالي.

زعيم: الزعيم هو الذي يتعهد بتلبية كل حاجات شعبه فالزعيم يطلق على من إستطاع أن يحقق حاجات شعبه فكل ملك أو أمير أو خليفة أو إمامٍ إستطاع أن يحقق حاجات شعبه ويتكفل بتحقيقها ثم يحققها فعلاً فهو زعيم إضافة إلى كونه ملكاً أو إماماً..إلخ. فالزعيم صفة ثانية تطلق على الحاكمين عندما يستطيعون أن ينفذوا مشروعهم الإقتصادي بحيث وفوا كل حاجات شعبهم ولا يطلق على من أجاع شعبه وإن كان ملكاً أو خليفة أو إماماً .

رئيس: الرئيس هو قمة السلطة. إذن فكل من هو رأس في السلطة الذي بيده الأمر والنهي يسمى رئيساً.

رب العالمين ضرب لنا مثلاً لعدة مملكات في القرآن الكريم: مملكة سبأ (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ 23 النمل) امرأة ديموقراطية (أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ32 النمل)، مملكة سيدنا داوود (إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى26 ص)، مملكة سيدنا سليمان. ومن مجمل هذه الممالك التي ذكرها القرآن الكريم بإكبار إلى جانب الممالك التي ذكرها القرآن الكريم سلباً وذماً كمملكة فرعون والنمرود وما إلى ذلك من ممالك جبارة خائرة حينئذٍ هذه تعطينا فكرة قبل الدخول في التفاصيل عن المواصفات الأساسية للملكة المثالية التي يمكن تنفيذها بذلك.

ونبدأ بالصفات التي شخصها القرآن الكريم بإعتبارها صفات أساسية لأي حاكم ويقاس نجاح هذا الحاكم أو ذاك بنسبة ما توفر له من هذه المواصفات:

أولاً: القدرة العقلية والمعرفية: أول وصف هو العلم فينبغي أن يكون الحاكم عالماً بشيءٍ ما أي أن تكون له مقدرة علمية أو فكرية أو ذهنية بحيث ينبهر بها شعبه كما قال تعالى على سيدنا طالوت (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ 247 البقرة) و سيدنا سليمان عليه السلام (يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ 16 النمل) وسيدنا داوود عليه السلام ألآن له الحديد (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ 80 الأنبياء) والنبي محمد صلى الله عليه وسلم (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ 113 النساء) وأول إكرام لسيدنا آدم عليه السلام (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا 31 البقرة) والأسماء كلها القدرة على الإستنباط فصار له عقل إستنباطي يقيس الأمر على الأمر بخلاف الملائكة المبرمجة على الطاعة. حينئذٍ القوة الذهنية العقلية التي هي محيط العلم وإناؤه ووعاؤه. ينبغي أن يكون الحاكم وقاد الذهن تعترف أفعاله وتدل مشروعاته وإنجازاته على قدرته العقلية والمعرفية وهذا هو أول شرط من شروط القائد العظيم الحاكم الناجح. وفي قوله تعالى (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ55 يوسف) دلالة على أن المواطن إذا وجد في نفسه صفات القائد وصفات الحاكم وشغر منصب الحاكم عليه أن يتقدم لأن هذه مسؤولية. وأحياناً تكون فرض عين إذا لم يكن هناك أحد غيره ولهذا ما من أحد في زمان سيدنا يوسف أعلم منه بالناحية الإقتصادية ولهذا عرض نفسه، وفعلاً اجتاز المحنة الإقتصادية اجتيازاً شخّصه القرآن الكريم ونتعبد بقراءته إلى يوم القيامة والنجاح الإقتصادي في كل الممالك التي جاء بها القرآن الكريم أساس النجاح (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ) إقتصادها متين وقس الباقي. وكما قال سيدنا سليمان في قوله تعالى (عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ) ورب العالمين قال (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ4 قريش). إذا رأيت القائد أو الزعيم حقق لشعبه أمناً وغذاءً فهذه باكورة النجاح وهي التجربة الرائدة.

ثانياً من صفات الحاكم أيضاً أن يحكم بالحق وأن لا يحكم بالهوى وما أكثر الذين يحكمون بالهوى مثل فرعون وهامان والنمرود وغير ذلك. هؤلاء حكموا بالهوى وهذا لا يصح. يجب على الحاكم أن يلزم نفسه بما يلزم به شعبه من دين، قانون، ميثاق. لابد من وجدود قاعدة تبين الحق للناس الذي لهم والذي عليهم يطبقها الحاكم على نفسه قبل أن يطبقها على شعبه كما في الآية الكريمة (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى 26 ص).

ثالثاً القوة الإقتصادية

رابعاً القوة الخارقة علمياً أو بشرياً: لابد من القائد الحقيقي أن تكون له مجموعة سواء كانت المجموعة بشرية أو تكنولوجيا تقوم بعمل خارق ففي مملكة سيدنا سليمان عليه السلام (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ 40 النمل) هذه القوة الخارقة المدربة تدريباً عالياً وما من أمة أو دولة تنجو ولا من قائد أو حاكم يستطيع أن يدير حكمه أو يدافع عنه إلا إذا ربى هذه المجموعة وأسماؤها كثيرة- فدائيون أو كوماندوز أو القوات الخاصة- الآن التكنواوجيا تقوم مقام هؤلاء وهؤلاء لا يستغنى عنهم حتى بوجود التكنولوجيا.

خامساً الأمن بالقوة الإعتيادية وهي الجيش (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ 17 النمل) لابد أن يكون جيشك مطيعاً لابد أن يكون له وازع تأمره فينفذ من غير أن يفهم حتى ولو لم يكن يؤمن ولا يفهم عليه أن ينفذ الأمر. فجيش سيدنا سليمان كانوا يطيعونه طاعة عمياء ولا بأس بالسؤال ولكن بعد أن ينفذوا ولهذا جاءت نكبة المسلمين في أُحُد من هذا الباب فعندما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الرماة بعدم مغادرة مواقعهم لأي سببٍ كان ولكنهم لم يطيعوه إعتقاداً منهم بأنهم إنتصروا في المعركة، وهذا ليس شأن الجيش وذمهم الله سبحانه وتعالى في القرآن (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم 152 آل عمران).

سادساً: القوة الإستخباراتية: من مهام هذا العصر ومن أهم العناصر للحاكم القوي الناجح الذي يريد شعبه وأن يقدمه بأن تكون له قوة إستخبارية في غاية القدرة والذي رمز لها رب العالمين بالهدهد. وبعض الإستخبارات في العالم يكون رمزها الهدهد، هذا الهدهد مثل القوة الإستخبارية وفعلاً خلق ضابط إستخبارات أولاً هو سريع التسلل وبلا صوت ولا يلفت النظر وإذا رأى شيئاً لا ينظر إليه مباشرة بل يلتفت إلى الشمال ثم ينظر بعين واحدة إلى الشيء أو الحدث بحيث لا أحد يدرك أنه ينظر إليه. وهكذا هو النظام في الإستخبارات فالقوة الإستخبارية أساسٌ لنجاح الدولة كما قال تعالى (وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ 188 الأعراف) الإستخبارات تنطلق خارج الدولة وضابط الأمن يعمل داخل الدولة يحفظ الأمن يتعامل مع المواطن ولهذا يكون رقيقاً أما ضابط الإستخبارات يكون شرساً وشجاعاً وقوياً ومدرباً تدريباً عالياً وقد يلقى بمهالك لأنه يحفظ أمن بلده في أرض العدو، يدفع الشر، يدفع المؤامرات، يكتشف أراضي جديدة، مصالح جديدة، أسواق جديدة. والتكنولوجيا في كل ما حولنا تستطيع أن تكتشف كل سنتيمتر في هذه الكرة الأرضية. الإستخبارات العالمية الآن أقرب إليك من نفَسك ومن نفْسك ولهذا كل دولة تفوق الأخرى بهذا الجانب هي المنتصرة ولهذا قال الهدهد (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ 22 النمل).

الدولة المثالية أولها العلم وهذا العلم للقائد، للحاكم، للخليفة، للملك، للزعيم .هذا العلم لا بد أن يترجم لكي يعرفه الناس فكيف يعرف الناس أن هذا الحاكم رجل يتميز بقدرة عقلية وذهنية وتفكير سليم حتى أنجز ما أنجز؟ ورب العالمين ما خلق خلقاً أكرم عليه من العقل، ولهذا نلاحظ في العصر الحديث معظم الملوك والرؤساء وخاصة رؤساء الوزارات الذين في هذا العصر هم بيدهم الحكم كلهم كتبوا كتاباً أثبتوا فيه قدرتهم العلمية وهذا الكتاب بقي بعد أن نسي الناس الرئيس أو تنحى عن الرئاسة تقرأه الأجيال جيلاً بعد جيل. وهناك عدة كتب لقادة سابقين لاتزال تقرأ إلى الآن. ومعظم الحكام القادرين أو الفعالين هم الذين أولوا الناحية الإقتصادية إهتماماً كاملاً فإذا نجح الزعيم في الناحية الإقتصادية فقد أصبح رائداً. فلكل زعيم كتابه الذي يبين فيه فلسفته في الحكم وإنجازاته في هذه الفلسفة ومن أبرز هذه الكتب كتاب رحلتي لتشرشل وكفاحي لهتلر وتجربتي لغاندي ورحلتي لمانديلا وطريقي إلى الأمام لمحمد مهاتير رئيس وزراء ماليزيا وهذه الكتب أخذت مدىً واسعاً ذهب أصحابها ولكن بقي الناس يتأملونها لما فيها من فلسفة وإبداع وتجارب ولا يستغني عنها أي زعيمٍ عام أو خاص فالكل لابد أن يقف على هذه التجارب الإنسانية العظيمة. وهذه الكتب السابقة جميعاً تختلف عن كتاب رؤيتي لمحمد بن راشد من حيث أن جميع الكتب تتكلم عن أشياء سيقومون بها إنما هذا الكتاب-رؤيتي-لم يتكلم فيه المؤلف-محمد بن راشد- ماذا سيفعل إلا بعد أن فعل فعلاً وهذا لأول مرة. وهذا الكتاب يفلسف العمل الإقتصادي والقيادة والريادة فيخلط بين القائد ومن ينصبهم القائد من إداريين كفريق عمل، ويقول القيادي لا ينبغي له أن ينهمك بالجزئيات ويغرق في التفاصيل حتى لا يجد الوقت الكامل للتطوير والإبتكار فتضيع عليه الصورة الكبيرة وهي الإبداع العام. فالزعيم الواثق من نفسه والمحب لشعبه والذي يعتقد بأن الله سيسأله عن الشاة التي لم يمهد لها الطريق لا يهمه ذم أو مدح. فالمدح والشتم سواء عنده فجميعهم شعبه وأولاده. ويقول الكتاب أن جوهر الحضارة العربية الإسلامية يمكن أن يلخص بكلمة واحدة وهي الريادة وأن تكون الأول في كل شيء كما قال في مكان آخر الناس يعرفون الأول ولا يعرفون الثاني فالأمة التي فيها رائد أو تربي نفسها على الريادة هي الأمة التي يمكن أن تبني حضارة ومدنية. وفي لقطة من لقطات الكتاب تكلم عن الإنفتاح الكبير على العالم وأن كل شيء فيه خير وفيه شر، خيرها لنا وشرها نستغني عنه. وقال: لن نرضى المساس بأي شكل من الأشكال بديننا وعادتنا وتقاليدنا مهما تطورت هذه الأمة. وهناك تشابه كبير بين جهود محمد مهاتير في ماليزيا ومحمد بن راشد في الإمارات من حيث النجاح المطلق علماً بأن إمكانات مهاتير أكبر ولكن من حيث الفكرة والتصميم والنقلة من شبه الصفر إلى المئة تشابه كبير بين الرجلين، فهذا الرجل بينه وبين محمد بن راشد من حيث النهضة الإقتصادية في كلا البلدين بالسرعة والإتقان والفلسفة تشابه كبير. ويقول الشيخ محمد بن راشد: إننا في الإمارات نستمتع بالتحديات وجود الإمارات، تحدي تاريخها، تحدي نموها، تحدي إستمرارها، تحدي. وللحكام جميعاً مسؤولية كبيرة يوم القيامة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته وإن الله سائل كل راع عما إسترعاه حفظ أم ضيع" "ما من أمير عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله مغلولاً يوم القيامة يده إلى عنقه فكه بره أو أوقعه إثمه" "ما من حاكم يحكم بين الناس إلا جاء يوم القيامة وملك آخذ بقفاه ثم يرفع رأسه إلى السماء فإن قال ألقه ألقاه" وكل هذا قام على حقوق الناس كم ضيعت من حقوق الناس وكم نفذت من حقوق الناس و"عدل ساعة خير من ستين سنة" وأن سقيا كلب تدخل الجنة وحبس هرة تدخل النار. و"يوم من إمام عادل أفضل عند الله من عبادة ستين سنة" "أفضل الناس عند الله منزلة يوم القيامة إمام عادل رقيق"، "السلطان ظل الله في الأرض يأوي إليه كل مظلوم من عباده"، "إذا جارت الولاة قحطت السماء"، "ما بخس قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجورالسلطان" ، "لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق ولا يأخذ الضعيف حقه من القوي غير متعتع" ، "من ولي من أمتي قلت أو كثرت فلم يعدل فيهم كبه الله على وجه في النار"، "ما من والي ثلاثة إلا لقي الله مغلولة يمينه فكه العدل أو غله الجور"، "عرض علي أول ثلاثة يدخلون النار أمير مسلط وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله فيه والفقير الفخور"، "من ولي من أمر المسلمين شيئاً لم ينظر الله في حاجته حتى ينظر في حوائجهم"، "ما من إمام ولا والي بات ليلة سوداء غاشاً لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة"، "من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين فإحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم إحتجب الله دون حاجته وفقره يوم القيامة". فكل حاكم ينبغي أن يكون له ديوان يحقق فيه حقوق الناس ويقضي حاجاتهم وإلا هلك. ويقول صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يسود الناس أراذلهم"، "لا تقوم الساعة حتى يتحدث الرويبضة". وضرب الله سبحانه وتعالى أمثلة للحكم الصالح: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ 11 التحريم)، وأيضاً ملكة سبأ (مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ). والدليل الوحيد الواضح على تفوق الزعيم عندما ترى شعبه يحبه وفعلاً الشعب لا يمكن أن يحب إلا زعيماً يستحق المحبة فلا بد أن يكون هذا الزعيم قد اتخذ قراراً وقدم نهضة وأقام ديمقراطية ومدنية وحضارة إذن الفيصل في كل ذلك الناس ولهذا ألسنة الخلق أقلام الحق ولهذا من شهد له أربعون بالخير أدخله الله الجنة.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 09:06 PM
منظومة الضياء

البرق – السنا –الشفق - الوهج – الضياء – النور –

هذه المنظومة تنتظم الكلمات القرآنية التالية: البرق، السنا، الشفق، الوهج، الضياء، النور. هذه هي الكلمات الواردة في كتاب الله عز وجل والتي هي واحدة من أساليب الضياء المختلفة.

البرق: هو لمعان السحاب لا ندخل فيما يقولونه الفيزيائيون عن تكون السحاب وإنما نتكلم عن البرق الذي هو الضياء المنبعث من السحاب كما هو معروف قال تعالى:( هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ 12 الرعد) فالبرق هو لمعان السحابة السوداء الكثيفة.

السنا: هو شدة لمعان ضوء البرق أو المصباح. إذا كان المصباح في غاية اللمعان وكما تعلمون كل المصابيح تتفاوت في قوة ضيائها وإضائتها. فهناك أنواع من المصابيح ودرجات الضياء تختلف من نوع لآخروهناك من الضياء بحيث لا يستطيع الإنسان فتح عينيه من قوة لمعانه. إذا كان بهذه القوة يسمى سنا. قال تعالى:(يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ 43 النور) لشدة وقوة لمعانه. وهنالك فرق بين سنا وسناء فالسناء رفعة كل شيء رفيع المستوى والمقام والقدر يسمى سناءً فالرفعة سناء ورفعة الضوء وقوته تسمى سنا بجون همزة.

الشفق: هو اختلاط ضوء النهار بسواد الليل عند الغروب (فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ 17 الانشقاق) فالشفق هو ضياء يختص باختلاط ضوء النهار بظلام الليل ساعة الغروب. ذلك الضياء المنبعث في تلك الساعة في أفق السماء البعيدة يسمى شفقاً.

الوهج: شدة لمعان المحروقة أي النار أو الشيء الحار مثل النار، الحديد، الفرن، إذا توهج وأصبح لمعانها قوياً يسمى وهجاً. فالسنا هو شدة لمعان المصباح والوهج شدة لمعان الشيء الحار المحروق كالشمس مثلاً. فالشمس إذا أصبحت في غاية الحرارة وفي غاية التوهج ساعة الظهيرة في الصيف تسمى وهجاً بينما شدة لمعان البرق ولأنه بارد يسمى سنا.

الضياء: هو هذا الوهج المنبعث من النار عندما يمتد فينعكس على أي جسم من الأجسام أو ينكسر عليه هذا الضياء الممتد بعد أن يبرد يسمى ضياءً. الوهج في غاية الحرارة أي بداية القرب من مصدره: مصباح في غاية الضوء وحار جداً ما دام الضياء حاراً ساخناً يسمى هذا وهجاً. إذا امتد حتى صار بارداً يسمى هذا ضياءً. فالشمس وأنت قريب منها هي وهج متوهج عندما تشعر بحرارتها هذا وهج وعندما تراها من بعيد تلمع من غير أن تمسّك حرارتها تسمى ضياءً (الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ 17 البقرة) ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا 5 يونس).

النور: هذا الضياء الذي بدأ وهجاً ثم صار ضياءً إذا انكسر على جسم صلب أو على صفحة ملساء انكسر عليها أو انعكس عليها يسمى نوراً. بعيداً عن فلسفات علماء الفيزياء الذين قالوا كثيراً في تعريف النور. والغريب أن كل العلماء الفيزيائيون لم يفرقوا بين النور والضياء وكأنه شيء واحد والقرآن الكريم يرى غير هذا يرى أن النور شيء والضياء شيء آخر. فالضياء بعد أن يبرد الوهج عندما يمتد هذا الضياء بسرعته المعروفة ثم ينكسر هذا الضياء على صفحة. لو كان في الأفق لا يسمى نوراً. لو أنك سلطت بروجكتور على أفق السماء في الظلام ولم ينكسر على شيء سلّطته على بحر لا يسمى نوراً إلا إذا انكسر على صفحة السفينة على صفحة جدار على صفحة وجهك يسمى نوراً. فالنور انعكاس الضوء أو انكساره على الأجسام. وبالتالي عندما نسمع كلمة نور في العبادات، في الأشخاص، نعرف أنه حالة أصبحت واضحة جداً، محبوبة جداً، مشهورة جداً قال الله تعالى:(أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ 22 الزمر) (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ 122 الأنعام).

كلمة النور رمز إيجابي جداً على حالة، على عبادة من العبادات (من قرأ سورة الكهف فهي له نور) أي أنه سيُعرف بها يوم القيامة في حالة إيجابية جداً سوف تكون سبباً في أن يكون وجيهاً. وغير ذلك من العبادات الكثيرة التي تجعل صاحبها وجيهاً لأنها تشكل له نوراً. هذا النور من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم رمزٌ على أن صاحب النور بعبادته، بفكره، بتقواه، بتصرفاته، بأقواله، وأفعاله هناك أشياء كثيرة تسبب له نوراً كما الوسام. هناك كثير من الأعمال في الدولة تعطي صاحبها تميزاً بجائزة وهذه الجائزة لها شارة، هذه الشارة تعني أن صاحبها الذي يضعها على صدره قام بعمل متميز وبالتالي قد أصبح هو نفسه متميزاً عند الدولة كأصحاب الأوسمة وما شاكل ذلك. هكذا هو النور. النور في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم تساوي بقدر ما ما نسميه الآن الأنواط والأوسمة والجوائز والميداليات والكؤوس الدالة على الفخر والفوز والتفوق والتميز. هذا النور هو هكذا في الدنيا والآخرة يدل على التميز عند الله أي على الفوز بجائزة أو وسام فأصبح صاحبها متميزاً معروفاً مشهوراً عند الملأ الأعلى يُشار إليه بالبنان وله صيت كصيته في الدنيا (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) يوم القيامة منهم من يلبس تاج أو يكون على وجهه علامة فالكل يعرفه كما هو الحال في الدنيا: هناك أبطال في الرياضة الكل يعرفهم، وهناك أبطال في السياسة وفي القضاء العادل وفي الفن وفي العلم يشار إليهم هذا فوز، هذا نور. أي أن الله سبحانه وتعالى أعطاه نوراً سلّط عليه ضياءً معيناً هذا الضياء إما من عبادة أو علم أو فعلة كريمة أو موقف كريم إلخ كما هو في الكتاب والسنة. حينئذٍ صاحبها يصبح مشهوراً في الدنيا والآخرة من حيث أنه صاحب مكرمة كما يعطى الآخر ظلاماً مثل المجرمون والقتلة. هذا من سواد الوجه: فهناك من هو أسود الوجه بفعلة نذلة، بقتلٍ، بعمالةٍ، بسقوطٍ، بقطع طريق، بتعذيب الناس، بشقاقٍ طائفي على شعبه هذا سواد وجه. وهناك بياض وجه كالفاتحين والذي يساعد شعبه. والتاريخ مليء بمن يقف في وجه الفاتحين وبمن يساعد الفاتحين على شعبه ومليء بمن يساعد شعبه ومن يطغى على شعبه.

إذن هذه هي منظومة الضياء فلنتكلم عن النور باعتباره وساماً. كلما قرأت في الكتاب والسنة أن البقرة وآل عمران من حفظها عن ظهر قلب صارت له نورا، من قرأ سورة الكهف أو الدخان يوم الجمعة صارت له نور، الوضوء نور، صلاة التطوع في بيتك نور، الصلاة في المسجد نور، صلاة الصبح نور، صلاة العتمة الثلاثة نور تام (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) ويقصد بالظُلَم من صلى العشاء والصبح، صلاة العتمة العشاء والصبح إذا كنت تصليهما في المسجد فإنهما لك نور تام ليس فيه نقص والكل يعرف أن النور قد يضعف وقد ينقص وقد يقل في مداه وفي قوته وفي كمه وفي كيفه، والآن الذين يصلون في المساجد في الصباح والمساء يُقتلون وهذا الفرق بين ضياع الأمة ونهضتها. يقول عليه الصلاة والسلام: "لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم الهرج القتل القتل القتل حتى يقتل الرجل أخاه وجاره وابن عمه حتى لا يعلم المقتول فيم قُتِل والقاتل فيم قتل".

إذن باختصار شديد: البرق هو لمعان السحاب، السنا شدة لمعان المصباح، الشفق ضوء المغيب، الوهج الضوء الحار، الضياء الضوء البارد، النور عند انعكاس الضوء على الأجسام. هذه هي منظومة الضياء.

الكون كما يقول العلماء وكما يقول الكتاب والسنة أصله غارق في الظلمة، الظلمة هي الأساس والضوء طارئ. جاء يهودي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لكي يمتحنه وقال ( يا محمد أين يكون الناس يوم القيامة فقال عليه الصلاة والسلام : في الظلمة دون الجسر، فقال اليهودي: أشهد أنك رسول الله وأسلم). إذن فالدنيا وظلمة وساعة الحشر مظلمة (إذا أخرج يده لم يكد يراها). وكما أن الله سبحانه وتعالى خلق الضياء في الدنيا وخلق الظلمات وحينئذٍ هناك ضوء أصلي أساس وضوء طارئ وحينئذٍ يوم القيامة على هذا الأساس الظلمة وخاصة في ساعة الحشر أي قبل الانتقال إلى العالم الآخر عندما نكون بين عالم الدنيا وعالم الآخرة المستقر أي في ساعة الحساب والحشر كما هو ساحة البرزخ. منذ أن نموت نحن في ظلمة إلا من جعل الله له نوراً ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور. في هذه الظلمة رب العالمين سبحانه وتعالى يبعث لبعض المؤمنين نوراً (وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا 8 التحريم)

الكلام في النور في كتاب الله عز وجل كثير. يقول تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ 257 البقرة) الولي: هو الذي يليك ليس بينك وبينه فاصل أنت وأبوك، أبوك وليّك ليس بينك وبين أبيك إنسان آخر حينئذٍ الله وليّ الذين آمنوا ليس بينك وبين الله عز وجل إنسان ولا مخلوقٌ آخر أنت مع الله مباشرة: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ 186 البقرة) هذه الآية كما قال تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا 256 البقرة) وهو الله سبحانه وتعالى وهو وليك الذي هداك للإيمان وحببك للإيمان وهداك له وما كنت لتهتدي لولا أن هداك الله لو كنت أشد الناس عبقرية فالإيمان درة الله المصونة ولهذا يهبها لمن يشاء من عباده (وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ 35 الأنعام). وقال تعالى: (قُل لّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ 17 الحجرات) (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ 7 الحجرات). إذن فالله وليك مادام قد منّ عليك بكل هذا فأن يمنّ عليك بغير هذا شيء من باب الضرورة واللزوم. من لوازم كونه وليك بحيث وهبك هذا الإيمان أن يكون وليّك في كل شيء في هذا الدنيا وهو سمعك وبصرك. فرب العالمين سبحانه وتعالى حبب إليك الإيمان وزينه في قلبك ثم هداك إليه ثم آمنت ثم علّمك الشرع ثم بعثك لك نبياً يشفع لك ويعلّمك (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ 164 آل عمران). والتزكية أنه جعلك زاكياً وما من أمة زاكية كهذه الأمة. وزاكية غير طاهرة: طاهرة من النجاسة فأنت طاهر تتوضأ وتستخدم الماء وتغتسل بعد النجاسة والجنابة وفي الجمعة والعيدين ونتوضأ دائماً فكل الجسد تمسه المياه فهو طاهر ولا نجلس إلا على طاهر ولا نلبس إلا طاهراً ولا نصلي إلا على طاهر ولا نأكل إلا طاهراً ولكن رب طاهر وسخ فهناك من يصلي ويصوم ويوحّد فهو طاهر من الشرك لكنه وسخ، لديه أخلاقيات سيئة مثل شرب الخمر أو السرقة أو التعامل بالرشوة أو الزنا بالمحارم أو ديّوث فهو فيه نجاسة وفيه وسخ وخبث فهو غير زاكي مع أنه طاهر. قد يكون الطعام طاهراً لكنه ليس زاكياً له رائحة كريهة فهو ليس زاكياً. وهذه الأمة زاكية فهي زاكية بأعراضها وأنسابها وعلاقاتها مع الناس بكل شيء فما من حركة من حركاتها إلا تتسم بالطيب: عفو عند التخاصم، طهارة عرض تتزوج المرأة وهي عذراء، تعرف نسبك، هناك كتلة عائلية هناك رحم هناك شعب رقيق مع الجار، مع الضيف، مع العدو، كل ما فيك من حركات وتصرفات وسلوكيات يومية طيبة كريمة في غاية الذوق. (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) لم يقل ليطهرهم وإنما قال ليزكيهم. (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) التوبة) الصدقة تطهرك من الذنوب وتجعلك عند الله راقياً. وقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأمة لكي يزكيها. وفعلاً ما من إنسان على وجه الأرض يدخل في هذا الدين إلا يصبح هكذا: نقي العرض له أولاد وأعمام وأخوال وأجداد وأسرة وعائلة ويصبح بعيداً عن الخمور والخنا والديوثة وله علاقة مع الناس مع الأقارب مع الأخوان ملابسه نظيفة، شكله معطّر. وحينئذٍ الله ولي الذين آمنوا عندما كان الله وليك كل هذا من باب التوابع واللوازم كلزومية الحلاوة للتمر ما دام هناك تمر فهناك حلاوة وما دام هناك إسلام فهناك تزكية وزكاة من حيث أنك طيب الرائحة في كل سلوكياتك وهذا يساوي حسن الخلق. يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ( أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسانكم أخلاقا).

رب العالمين في هذه الآية يخاطب المرتدين (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) هذا كان مؤمناً، فرب العالمين عندما يتولى عباده أحد من الناس يخرجه من الظلمات إلى النور، وعندما يأتي الطغاة، الطاغوت غير الطغيان فالطغيان عندما يشتد ويتعلق بالعقيدة يسمى طاغوتاً فالطاغوت نوعان طاغوت سياسي واقتصادي وقهر كما تفعل الدول الكبرى مع الدول الصغرى احتلال ونهب وسلب وقت وغيره. هذا طاغوت عندما تسلبك دينك وتجعلك ترتد يسمى هذا طاغوت غاية الطغيان. فالطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات إذن هو كان في النور معنى ذلك أن الآية تتحدث عن المرتدين كما قال تعالى: (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ 14 البقرة). كما هو الحال الآن فظاهرة الارتداد عن الإسلام أصبحت مستشرية كما قال عليه الصلاة والسلام (لا تقوم الساعة حتى يخرج الناس من هذا الدين أفواجاً كما دخلوا فيه أفواجاً) (ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس) (ولا تقوم الساعة وعلى الأرض من يقول الله) إذن الساعة تقوم على عالم خرب مهزوز منتشر فيه الظلم والطغيان والطاغوت وبيع الدنيا بالآخرة. والشيء الذي يلفت النظر أن العرب وحدهم لا يرتدون يرتد المسلمون من غير العرب ولا يرتد العرب ولعل هذا من أسباب قوله تعالى والله أعلم: (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا 37 الرعد) أي شريعة يتبناها العرب لأن العرب إذا آمنوا لا يرتدون وفعلاً ما حدث في التاريخ أن ارتد العرب عن دينهم إلا واحد أو اثنان من باب الاستثناء.

قال الله تعالى:( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ 16 المائدة) واضح أن القرآن نور ومحمد عليه الصلاة والسلام نور. والقرآن معروف بوجاهته وتأثيره وشهرته ومكانته فهو نور. والنبي صلى الله عليه وسلم (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا 46 الأحزاب) فرب العالمين جعل القرآن نور لمن يقرأ به كما لو انعكس هذا الوحي باعتباره ضياءً انعكس على قلوب المؤمنين فصار نوراً. كل من شرح الله صدره للإسلام دخل ضياء الإسلام إلى قلبه انعكس هذا الضياء في قلبه حتى صار نوراً وقد اهتدى حينئذٍ ويقول الله (يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ) السؤال هنا أن سبل السلام واحدة أو متعددة فيبدوا أنها متعددة (سبل السلام) إذن التوحيد واحد والشرع واحد والدين واحد والنبي واحد والقرآن واحد ولكن سبل السلام متعددة لأنك مطالبٌ بأن تكون على سلامٍ مع جهات كثيرة. فأنت مطالب بأن تكون على سلام مع نفسك، ومع أهلك، ومع جيرانك، ومع أمتك، ومع جماعتك، مع الكون، مع غير المسلمين، مع الله عز وجل مع كل مخلوقات الأرض وبالنهاية وبالبداية أن تكون على سلام مع الله عز وجل فأنت مع سلام على نفسك بالرضا واليقين والعمل الصالح والخلق الحسن فتشعر بأنك تحب نفسك من حيث أنها زاكية طيبة حسنة الخلق، تصرفك مع الناس جيد، تعبد الله عز وجل، مطمئن نظيف مرتاح وكلنا نعرف عندما تصلي وقرة عيني في الصلاة كم تشعر بالرضا، عندما تخرج من المسجد في صلاة الصبح أو العشاء وقد أديت فرضاً مع المسلمين كم هي ساعة من ساعات السعادة والشعور بالسلام مع النفس. وهناك سلام مع الأسرة وكلنا نعرف التزام المسلمين بفعل الإسلام وبأوامره مع أولادك وأبنائك بناتك وبهذه المسؤولية المتكافلة العظيمة والكل يعرف تفاصيل هذا. وما من أمة تفعل مثلنا مطلقاً، ما من أمة تبقى الأسرة فيها متماسكة أبناء وأحفاد وإخوان وأخوات وأعمام وعمات أي عائلة عدة عوائل أسرة، وعدة أسر فصيل وعدة فصائل عشيرة وعدة عشائر قبيلة وعدة قبائل شعب وعدة شعوب أمة. هذا النسيج الهائل عند هذه الأمة فقط فأنت في سلام مع أهلك وأسرتك قال تعالى: ( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ 8 النساء) ومع الجماعة: (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ 36 النساء) والسلام مع الأمة: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً 52 المؤمنون) كل فرد مسؤول عن كل فرد فيها كما هم مسؤولون عنك والكل يعرف مدى التكافل في هذه الأمة. والسلام مع العالم: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ 58 النساء) في البيع في الشراء في النظرة في التعامل، (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6) التوبة) (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7) الممتحنة) ( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ 46ا لعنكبوت) ثم يقال نحن إرهابيون!. إذن فالسلام مع النفس والأسرة والجماعة والأمة والعالم والسلام مع الموت فما من أمة بينها وبين الموت سلام إلا هذه الأمة تعرف ماذا يحصل قبل الموت وأثناء الموت وبعد الموت في البرزخ وبعد الموت في النفخة وفي الحشر وفي العرض وفي الحساب فهو طريق واضح. هذا الذي يكاد يسبب الكآبة لكل الناس إلا المسلم الذي يعرف طريقه كما قال عليه الصلاة والسلام (الموت تحفة المؤمن) ما من مؤمن يعرف حقيقة الموت وكل مؤمن يعرف حقيقته إلا ويرى أن الموت رحلة جميلة تخلصه من هذا العذاب الذي هو فيه وهذا الكدح (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ 6 الإنشقاق) والكدح غاية المشقة في العمل. ( وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا 15 مريم). وأخيراً سلام ٌمع الله عز وجل: هذا التوحيد الخالص الذي لا يحسنه ولا يعرفه غير أفراد هذه الأمة بالكامل إلا من شذّ. والشذوذ هذا لا يقاس عليه ولهذا فأنت بتوحيد الله عز وجل كما قال تعالى: ( الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ 82 الأنعام) وما من أمة لم تلبس إيمانها بشيء من الظلم وهو الشرك إلا هذه الأمة إلا نفر محدود من بعض الطوائف التي لم تحسن هذه العبارات. قال تعالى:( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا 71 مريم) الورود هو المرور عليها، أنت قد ترد ولا تشرب. كما قال عمر ابن ربيعة الذي يوحي شعره بأنه ماجن وهو على فراش الموت كان أخوه الحارث إلى جانبه وكان من الصالحين وكان يبكي على حال أخيه فقال له لا تبكي والله لا يحاسبني الله على ذنب قطّ إنما كنت أحوم ولا أرِد وكنت أرِد ولا أشرب. والله أعلم صحة هذا الكلام ولا أتوقع أن أحداً يكذب على الله تعالى ساعة الموت.

الآية العجيبة التي تبقى سراً ولم يصل إلى سرها أحد ولم يفهمها أحد إلى الآن ولا بد أن يأتي يوم يجلّي الله تعالى لأحد من العلماء الصالحين فهمها والآية هي: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء 35 النور) يا له من إعجاز!. باختصار شديد هذه الآية تشير إلى نور مضاعف. هناك أنوار متداخلة بعضها يمد بعضاً: المشكاة كما تعرفونها الزاوية المحددة في الجدار وهي لامعة بحيث تعكس الضوء إلى نور قوي تضاعف قوة الضوء وتزيده طاقة كالمرآة تعكس الضوء في غرفة، المشكاة هكذا فيها مصباح هذا المصباح ضوءه يتضخم بالمشكاة، هذا الضوء في زجاجة والزجاجة لديها قوة مضاعفة الضوء كأنها كوكب دري يضيء ضياء عجيباً، وهذا كله يستمد من شجرة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يتكلم بشكل عام وبدائي وخفيف جداً عن عدة أنوار متداخلة بعضها يمد بعضاً. هذه الأنوار تستمد هذا الضياء العظيم الذي جعل هذا الضياء نوراً من شجرة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار. وأنا أقول والله أعلم أن هذه الأنوار المختلفة واردة من هذا الشرع العظيم وهذا الدين الكريم الذي هو وسطي لا شرقي ولا غربي تكاد أحكامه تضيء، وفعلاً ما من حكم من أحكام هذا الدين الثابتة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولامن خلفها البعيدة عن أمزجة المفسرين وعن نسبيتهم وعن مرحليتهم. هذه الأحكام من حيث العقائد، من حيث الأحكام الأساسية، من حيث عباداتها، من حيث جمالها لا شك أنها من وسطيتها وجمالها والتعود عليها بشكل لا يمكن أن يفهمه إلا من يجربه. فلو أن إنسان جرب أن يكون متوضأ لمدة شهر، بحيث يكون على وضوء دائم فكلما أنتقض وضوؤه بادر إلى الوضوء من جديد، لا تأكل إلا وأنت متوضيء، لا تنام إلا وأنت متوضيء، هذه الجزئية الصغيرة تكون نور يوم القيامة قال صلى الله عليه وسلم (الوضوء نور) سألوا الرسول r كيف تعرف أمتك؟ قال من نورهم من الوضوء غرٌ محجلون. فهذا النور الذي هو وسطي بين كل الأديان هو نور من نور من نور:

أي نور الله عز وجل (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)،

نور الرسول صلى الله عليه وسلم (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا)،

نور الإسلام وهو التوحيد (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ) الإسلام وهو التوحيد لا إله إلا الله أي أنك تسلم أمرك لله رباً وإلهاً،

نور الشريعة (فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 157 الأعراف) وهو شرعه( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا 8 التغابن)، حينئذٍ كل هذا نور على نور: فتأمل أنت في حسن علاقتك بالله التي لها شروط وحسن علاقتك برسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن علاقتك بشرعه ثم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ثم بالأعمال الصالحة ثم بالأحكام الفقهية الثابتة كل هذا الذي هو زيتونة لا شرقية ولا غربية. فالزيتونة كل ما فيها جميل ولذيذ ومفيد فهي شفاء وغذاء حينئذٍ تعرف أنك أصبحت في هذا النور الذي هو الكون كله. كل هذا الكون يستمد حقيقته وقواعده وأحكامه الثابتة إلى يوم القيامة من نور الله عز وجل.

على كل مسلم من أهل العلم وأهل الفكر (ويتفكرون في خلق السموات والأرض) والفكر أفضل من العلم لأن المفكر يتشرب من العلم وعلى المفكرين أصحاب الفيزياء أن يتأملوا في هذه الآية لعل الله تعالى يوفقهم لفهم هذه الآية وفهم معانيها.

وقد أعطانا رب العالمين عدة عبادات جعلها نوراً ولو تأملت فيها أن تتوضأ دائماً نور، قراءة القرآن بتأمل نور، عندما تصلي في بيتك التطوع والجماعة في المسجد هذا نور، عندما تتعلم علماً ولو كلمات هذا نور، عندما تعلِّم هذا العلم هذا نور آخر، عندما تطبق هذا الذي تعلمته هذا نور. وهكذا نور على نور على نور تنتقل رأساً إلى أن تكون ممن اجتباهم الله عز وجل وتفتح لك كل مغاليق الدنيا.

يقول الكرماني أن ورود قوله تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)) قبل آية النور تدل على أن من غض طرفه عن محارم الله جعل الله في قلبه نوراً. وكلمة النور في الكتاب والسنة ترمز إلى أنك أصبحت عبداً من عباد الله المتميزين في كل الدنيا هناك تميز في كل المجالات والنور تميز، الأمة بالمليارات يوم القيامة ولكن هنالك أفراد يأتون متميزين معروفون ولهم علامات بأنهم من الطبقة الأولى أي أصحاب التميز والوجاهة وحينئذٍ كثير من الأعمال تجعلك كذلك: (من بلغ التسعين غفر الله له كل ذنوبه وشفعه الله في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار وسمي عتيق الرحمن في الأرض)، الذي يشيب في الإسلام يكون متميزاً، كل من سالت منه قطرة دم وهو في سبيل الله عز وجل يدافع عن دينه، عن أرضه، عن عرضه، يأتي يوم القيامة بنور أي متميز معروف بين الخلائق. يوم القيامة منظر عجيب أثناء الحساب وفي الجنة: والجنة مجتمع طبقي جداً جداً في الدنيا الطبقية مذمومة ولكنها في الآخرة عظيمة هناك مئة كوكب كل كوكب له شعب مختلف عن شعب الكوكب الآخر نظراً للوجاهات. فأصحاب النور هم أصحاب الوجاهات يوم القيامة. كما في الحديث ايضاً: من صلى الصبح في جماعة والعشاء في جماعة، مثلاً: أصحاب الذكر وأصحاب التهجد، وأيضاً أصحاب الذكر والصيام المستمر بكل أنواعه مثل صوم داوود أو صيام الإثنين والخميس أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ومن تعود أن يصلي الليل، كل هؤلاء يوم القيامة يعتبرون من أصحاب النور لأن لهم ميزة عظيمة. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله عز وجل) ويقول (نهى النبي عن نتف الشيب وقال إنه نور المسلم يوم القيامة) (النجاشي آمن بالنبي r قبل أن يراه فلما مات كنا نتحدث أنه لا يزال يُرى على قبره نور) وعن جابر بن عبد الله قال: (بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة قال وذلك قول الله ( سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ 58 يس) قال فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم). وفي الإسراء والمعراج النبي صلى الله عليه وسلم عندما أُسري به تغيرت طبيعته الإنسانية البشرية وصار نجومياً ولهذا تأتي سورة النجم بعد سورة الإسراء وبعد أن شق صدره صلى الله عليه وسلم تغيرت طبيعته ولهذا سار في الكون كالأثير قطع مليارات السنين الضوئية ورجع وفراشه حار وعندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت ربك قال: زج بي في النور زجاً فالنبي صلى الله عليه وسلم اختلط نوره بنور الله عز وجل.

ومن الأدعية الكثيرة التي وردت وتستجلب النور من الله تعالى (اللهم اجعل في قلبي نورا وفي بصري نورا وفي سمعي نورا وعن يميني نورا وعن شمالي نورا ومن فوقي نورا ومن تحتي نورا واجعلني نورا). هناك أحاديث التي فيها (على منابر من نور) هناك أيضاً طبقة مرموقة من المسلمين يكونون على منابر من نور كالمتحابين في الله، المتزاورون في الله، أهل القرآن، الحكام العادلون، الفقراء،المهاجرون الذين يهاجرون بلادهم جبراً كلهم على منابر من نور.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 09:07 PM
باب حرف الشين

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 09:07 PM
منظومة زوال النظام

الشتات – التفرّق – التناثر – التبعثر – التقطّع – النقض – الإنشقاق – الإختراق – الفتق – الفلق - التمزّق

وصلنا إلى حرف الشين.

كلمة شتّ (يصدر الناس أشتاتاً). للعلم كل شيء في الكون له نظام (وما ننزله إلا بقدر معلوم) (وأنزل الميزان) الميزان هو نظام كل هذه المخلوقات التي خلقها الله عز وجل والتي هي كلماته التامة. هذه الكلمات التي هي مجموعة مخلوقاته بـ (كُن فيكون). كل كلمة وكل مخلوق من هذه المخلوقات تخضع لنظام دقيق هذا هو الحكيم. حكمة الله عز وجل أن خلق كل شيء بنظام كامل. وكل شيء رب العالمين سبحانه وتعالى لم يسلّط البشر عليه أمر لم يكن من صلاحيات البشر أن يتعاملوا معه بقي سليماً على قوانينه وهذا معنى قوله تعالى (وأوحى في كل سماء أمرها) أي قوانينها: قوانين الشمس والقمر والنجوم والماء والنار وكل المخلوقات، هذا النظام. منظومة سقوط الأنظمة: أنظمة الكون قد تكون أنظمة سياسية وعلمية والاختراعات وغيرها، كل هذه الأنظمة في كتاب الله عز وجل لسقوطها أسماء كثيرة قد تصل إلى ثلاثين كلمة ومن ذلك أن هناك كلمات تدل على سقوط النظام تختص بشيء واحد. مثلاً الكسوف كلمة تدل على سقوط نظام الشمس والخسوف كلمة تدل على سقوط نظام القمر والطوفان كلمة تدل على سقوط نظام الماء وهكذا. غير ممكن أن نتكلم عنها في حلقة واحدة لذا اخترت بعض الكلمات العامة التي تتعلق بسقوط كل شيء وهي: الشتات، التفرّق، الإندثار، التبعثر، التقطّع، الإنتقاض، الإنشقاق، الإختراق، الفتق، الفلق، التمزق. هذه يمكن أن تطلق على كل شيء. التمزق أو الشتات على نظام حكم، جماعة، أفراد، حجارة. حينئذ هذه الكلمات الدقيقة في هذه المجموعة الكبيرة التي لا تحيط بها حلقة واحدة والتي تشير إلى سقوط نظام معين إخترنا هذه الكلمات من باب المثل وكيف يتبين أن القرآن مهجِز يستعمل الكلمة بحيث يرسم بها زاوية محددة من الصورة لا ترسمها الكلمة الأخرى. إذا كان الرسامون يرسمون بالألوان والزيت فالله تعالى يرسم بالحرف (كهيعص) ما من أمة أبدعت في استعمال حرفها كما أبدعتم أنتم شعراً ونثراً لكن الله عز وجل سيستعمل هذا الحرف إستعمالاً إعجازياً يعجز عنه كل أدباء العرب مجتمعين وهذا ما حصل بالضبط.

التشتت أو الشتات: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) الزلزلة) سقوط نظام المجموعات الكبيرة. شعب كامل موحّد له حكومة وجولة ومجتمع يسقط النظام فيصبح الناس أشتاتاً. أشتات عندما يكون التفرّق لا يمكن الإجتماع بعدخ يعني غاية التفرّق. بعد أن كانوا مجموعة كبيرة وكتلة كبيرة أصبحوا أفراداً لا يمكن أن يلتقوا في هذا المكان الذي كانوا فيه شتات. (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) الأنعام) ليس هناك كتل، لا عشيرة، لا جماعة، ولا أمم الكل مشتت. فالشتات سقوط نظام المجموعات الكبيرة وهو سقوط ليس في الوسع أن يجتمعوا في تلك الساعة (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14) الحشر).

التفرّق" إذا كان الشتات سقوط نظام المجموعات البشرية فالتفرق سقوط نظام المعاني، الأفكار، الديانات، النظريات. (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) الأنعام) (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) الروم) (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) آل عمران). التفرق سقوط نظام ليس الكتل البشرية وإنما الكتل الفكرية والعلمية والكتل الكبيرة إذا سقطت يقال تفرّقت.

النثر والتناثر: إذا كان السقوط نظام الكتلة الواحدة ذات النظام سقطت على الأرض، (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) الانفطار). نيزك من النيازك سقط على الأرض فلما سقط تناثرت أجزاؤه على مستوى الكرة الأرضية كلها. لم يعد هناك جزء مع جزء يقال انتثر. الإنتثار أن يكون الأجزاء متباعدة ساعة السقوط على خلاف النقض (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) النحل). (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ) جميع هذه المجرات يوم القيامة تنتثر بحيث لا يبقى نجم مع نجم ولا كوكب مع كوكب تتناثر تناثراً عاماً. سقوط كامل بحيث تكون مساحة سقوطه واسعة وقطع صغيرة.

النقض: بينما النقض هو شيء كامل أنت خربته أنت أسقطت نظام شيء متكامل بمكانه، أنت تنقض عمارة في مكانها. الفرق بين النقض والنثر أن النقض في مكان واحد والنثر على أماكن متعددة. هذه من دقة اللغة العربية.

التبعثر: إنتثر إنتشار هائل بعد أن هوى في مكانه ذهب النظام. عندك صندوق ملابس الأمور فيه مرتبة بنظام ونقضت هذا النظام يقال بعثر لا يقال إنتثر أو نقض. كذلك القبور (وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) الانفطار) يتبعثر في مكانه تماماً.

الشق والاختراق: الشق يكون طولاً والإختراق عرضاً (قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) الكهف) خرقها عرضاً. ولهذا الذي يخترق دولة كالجواسيس لا يقال شق وإنما يقال اختراق لأنه يكون في زاوية.

الفتق: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) الأنبياء) الرتق شيئان ملتصقان إلتصاقاً موحداً لما تفصلهما يقال فتق. السموات والأرض كانتا متصلتان ثم فتقهما. الرتق مأخوذ من بعضه ملصق ببعض. الرتق أن تلصق قطعة بقطعة لصقاً تاماً ثم تسقط هذا النظام فيسمى فتقاً.

الفلق: عندما يكون الإختلاط كاملاً (سمن وعسل، فجر وليل) (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) الأنعام) (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1)) ساعة إنفلاق ضوء النهار عن ظلمة الليل.

التمزّق: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) سبأ) قطع صغيرة. هو إتلاف الشيئ بحيث لا يمكن إصلاحه بعد ذلك. يعني هلاكاً كاملاً.

التقطّع: عندما تقطع الشيء إلى عدة كُتل. (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) الأنعام).

هذه هي بعض كلمات منظومة سقوط الأنظمة سواء كانت قياسية، إجتماعية، علمية، دينية، كل هذا الكون له نظام (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) الأنعام) فيه نظام ومجموعة أنظمة، حتى الورقة لها عدة أنظمة.

نتكلم بإيجاز عن القرآن كيف يعمل؟

(زمراً) إذا كان إنسان يقال زُمر أما إذا كانت أشياء أو أمة مجتمعة ثم تقطعها إلى قطع لا بد أن تكون كتلاً كبيرة. جاءت هذه الكلمة مع اليهود فقط. اليهود يستعملون كلمة الشتات أنهم مشتتون في الأرض لكن الله تعالى لم يستعملها في القرآن مع اليهود وإنما قال (أشتاتاً) ليس أحد معه من الرعب والفزع. واليهود ليسوا مشتتين في الدنيا وإنما مقطّعين (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا (160) الأعراف) (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) الأعراف).

واقع الحال (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) الإسراء) ما قال اسكنوا قطراً معيناً. إبراهيم u في وادي مكة وآخر قال اجخلوا مصر فليس لليهود وطن واحد وإنما جميع الأرض وطن لهم ينتقلون من هنا وهناك فاليهود يسكنون مبعثرين. كل شعوب العالم بينهم يهود وجاليات أخرى وهذه الجاليات تختلط بشعوب البلاد لكن اليهود يسكنون في حيّ واحد (حي اليهود) لا يساكن اليهود غيرهم وإنما يسكنون في تجمعات خاصة بهم (وقطعناهم). شعب واحد صحيح النسب لكن مسكنهم الأرض وعندما تحين الساعة الأخيرة يجمعهم الله تعالى في مكان واحد (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) الإسراء) وهذا دليل على قرب هلاكهم والنصوص تشير إلى قرب هلاكهم وهلاك الدنيا "حيث لا يفرح يومئذ بنصر ولا يقسم يومئذ ميراث". هذا انتصار هو والهزيمة سواء بسواء. ما هي إلا سويعات أو أيام الأرض تفنى. هذه الآية تقول أن اليهود مقطعين ليسوا مشتتين (كانوا مشتتين وكان كل واحد يعيش لوحده أما مقطعين فهم يعيشون مع بعض في كل دولة).

تقطّع تعني أن نظام الشيء يسقط إلى كتل وليس إلى جزئيات صغيرة مثل انتثر أو انشق أو تفرّق أو انفطر. واليهود يعترفون بهذا ويقولون أنها لعنة بني إسرائيل (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) الأعراف) في كل مكان سكنوه من كثرة ما يعبثون في الأرض.

نادراً ما تجد شعباً آخر عندما يصاب بنكبة يتقطع كما صار مع اليهود. هم دائماً في هذا التكتل والقطع. (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) آل عمران) التفرق شتات بالأفكار والشتات بالأشخاص. التفرق بالأفكار والقيادة والرأي الواحد. قال r " من جاءكم يريد أن يفرق جمعكم وأنتم جميع فاضربوا رأسه بالسيف كائناً من كان".

رب العالمين سبحانه وتعالى يوحي (واعتصموا) لأن الوحدة قوة والفرقة ضعف. (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) آل عمران) هذه الأمة لا تكون أمة ساكتة وإنما يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. سواد الوجه في الدنيا فضيلة وفي الآخرة رذيلة وكثير من الأشياء كذلك. سواد الوجه في الدنيا يدل على أن الإنسان إنسان وزيادة. الإنسان الأسود هو أصل الخِلقة: آدم كان أسوداً لأنه متقن أكثر من الإنسان غير الأسود فالأسود فيه عناصر إنسانية وزيادة. هذا اللون حماية عظيمة من أشعة الكون، من الشمس وما إلى ذلك. الأسود فيه مقاومة ومناعة أضعاف ما عند غير الأسود. السواد في الدنيا فضيلة أما في الآخرة رذيلة (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) آل عمران) ما الذي جعلكم تكفرون بعد إيمانكم؟

رب العالمين يقول (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) هذه الأمة من أسباب كونها خير الأمم أنها الوحيدة في الأرض التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر على مدار الساعة. (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) آل عمران) هذه الخصلة الرابعة والتي هي علامة على قرب هذه الأمة من ربها وتتميز بها عن الأمم الأخرى هذه فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. نحن مطالبون بالأمر بالمعروف وليس بالشرع. الشرع أنواع ومذاهب وأفكار وأنت في بلد فيه مسائل في الشرع ليست على مذهب معين مثل تحريك السبابة أو تغطية الرأس في الصلاة وغيرها فيها عدة آراء والنبي r فعل هذا وفعل هذا. في بعض البلاد الناس تعارفوا على شيء واحد فعليك أن ترضى به لكن أن تفرّق بين الناس فهذا من باب الفتنة الني نهى عنها النبي r. الأمر بالمعروف يكون بما تعارف عليه الناس في هذه المدينة أو في هذه البلدة أو تلك ما دام مشروعاً والإختلاف في هذه الأمة رحمة. قيل لعمر بن عبد العزيز: "إن أصحاب النبي محمد تفرّقوا في الأمصار فلو وحّدتهم. فقال: والله إني ما أحب أن أصحاب محمد لم يختلفوا لأنهم لو لم بختلفوا لوحّدوا السُنّة والسُنّة متعددة." هذا يجوز وهذا يجوز فاختر لك واحدة. في المغرب يسبلون وهذا وارد في الشرع فلا نشق صفوفهم وهذا العبث الماضي في كتاب الله والسُنّة الذي يحصل الآن يُشعل فتناً عظيمة. هذا هو الرياء الذي يُحبط العمل يوم القيامة.

أناس أرادوا شق صفوف هذه الأمة. لكن المؤمن كيّس فطِن. هناك أمور جائزة. أمة تعارفت على حكم شرعي جائز فيأتي من يشق الناس ويعمل فوضى وهذا من عمل إبليس. الأمر بالمعروف يكون كما قلنا يما تعارف عليه الناس وما هو مشروع.

رب العالمين قال (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) الأنفال) هذا العبث الذي يحصل الآن وما من فترة تفرّق فيها المسلمون كما تفرقوا الآن والذي فرّقهم كما قال r هم من يظنون أنهم يحسنون إلى الناس. ما يحصل في العالم الإسلامي من تكفير وإغراء ابلذبح وإتهام بالشِرك والفوضى العارمة من الخَبَل الذي يظنه بعض العلماء والدعاة أنهم يصلحون الأمر وهذا من عمل إبليس فهم يشقون صفوف الأمة ولم يفعلها المسلمون إلا في هذا العصر.

(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) البقرة) إلى أن اختلفوا. كيف يختلفوا بعد أن جاء الشرع؟ هذا عمل النفس وإتباع الهوى ولذلك رب العالمين يقدّر من قدّر العلماء. ليأتينّ على العلماء ساعة يوم القيامة يتمنى أحدهم لو كان طبّالاً في ملهى. فالله سبحانه وتعالى سيحاسب هؤلاء الذين اختلفوا. الذين يعبدون الشيطان أضلّهم عالم والذي اشتغل بالخرافات أضله عالم والآن نسمع خطب الجمعة فنجد قليل من يقول كلاماً يفيد الناس وكثيرون يرطزون على قضية فرعية ويناظرون فيها.

يقول r كيف أنتم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟ قالوا: أوكائن ذلك يا رسول الله؟ قال" وأشد منه كائن. كيف أنتم إذا رأيتم المنكر معروفاً والمعروف منكراً؟ قالوا: أوكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه كائن. كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟. هذا الوضع هو الذي قال فيه r : "يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً يبيع دينه بعرض الدنيا". الفتنة: فتن الكلمة فيها أمضى من السيف. تقول كلمة تشعل حرباً وتضل قوماً. وعلى كل المسلمين أن يعودوا إلى الله عز وجل وما من أمة وهبها الله عز وجل أسباب الإتفاق كهذه الأمة. هناك ديانات مزاجية وهناك دين أنزله الله عز وجل. الدين المزاجي أنت تفعل فيه ما تشاء ولكن إياك أن تعممه على الناس. رب العالمين امتدح هذه الأمة لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر كل أمة لها ميزة معينة أما هذه الأمة فمن ضمن ميزاتها أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر في كل وقت وفي كل مكان. عندما تتهاون هذه الأمة في هذه الناحية يعذبها الله عذاباً لا تجد له حلاً إلا أن تعود كما قال r : لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عذاباً من عنده فتدعون فلا يستجاب لكم.

سُئل رسول الله r أي الناس خير؟ قال: آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر. آمرهم بالمعروف أي بآداب الأمر بالمعروف: بالرقّة والابتسامة وحسن الظن والستر على صاحب الذنب وهذا من أدب الدعوة الذي أمرنا به الإسلام. فرعون الذي كان يقول أنا ربكم الأعلى أرسل له الله تعالى نبيّين وقال لهما: فقولا له قولاً ليناً. أما ما نسمعه الآن فهو نوع من القهر الذي يؤدي إلى الرِدّة وهناك شعوب تركت الإسلام في سرها لهذا العنف الذي يواجه به.

(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) الأنعام): لاحظ دقة التعبير قال (يفعلون) وما قال (يعملون). العمل مهنة أنت أستاذ جامعة ، ماذا تفعل؟ أدرّس المادة الفلانية. الفعل جزء من العمل. رب العالمين يتكلم عن أناس الخطأ عندهم في فعل واحد فرب العالمين سيسألهم عن هذا الفعل وليس العمل فربما يكون عملهم صالحاً. هناك فرق بين فرّقوا دينهم وفرّقوا شريعتهم. الشريعة مفرّقة أصلاً. الفقه إنطباع شخصي وفهم شخصي للنص ما دام العالِم من أهل الفقه. عندما يكون الإنسان عمله داعية أو عالم إذا كان فقهه أو رأيه مما يفرّق بين اثنين وبنشر بينهم العداوة والبغضاء بنص الحديث يجوز قتله. تأمل إلى أي مدى ذهب الإسلام في الحفاظ على الناس. إذا فتحت الباب كما حصل الآن عندما سكت الناس عن غبي تعلّم كلمتين فصار داعية يستحل قتل الأمة جميعاً ويكفّر الناس. الأمة تفرّقت بمجموعة من الأغبياء الذين يكفّرون الناس وليس هناك مرجعية إسلامية متزنة لا طائفية ولا حزبية ولا مذهبية. أبو بكر وعمر رضي الله عنهما لم يكونا لفئة دون فئة وإنما كانا لكل الدنيا. ومنذ أن ساد فينا هذا النسق الطائفي المذهبي هذه هي الطامة الكبرى التي أوصلت المسلمين أن يتصرفوا كأعدى أعداء الناس. الآن العداوات بين المسلمين لم يعرف التاريخ لها مثيلاً. كما يحصل اليوم في العراق الأرض تستعر تحت أقدامهم: الشيعي والسني الآن في العراق أعدى الأعداء وكلاهما يصلي إلى نفس القبلة ويقول لا إله إلا الله محمد رسول الله. (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) الأنعام) الدين كل ما يتعلق بالعقيدة والعقيدة الإسلامية واضحة. أسباب إنتشار الدين سهل (قل ربي الله ثم استقم) أنت لا تستطيع أن تعرف الحاكم كيف يدي البلد أفتريد أن تعرف كيف يدير الله تعالى الكون؟ الأسماء التي صارت اليوم من معتزلة، أشعرية وغيرها إذا اتبعتَ طائفة تسبب لك حقداً على أخيك المسلم فأنت هالك. إذا وجدت في قلبك حقداً على مسلم فاعلم أنك هالك فالميزان كم في قلبك من حقد (إلا من أتى الله بقلب سليم). يقول الرسول r عما يجري الآن من إخباره عن علامات الساعة الصغرى والكبرى ومن دليل المسام لما سوف يجري:" إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيل فليغرسه". والنبي r تكلم عن هذه الفرقة التي أصبحت المساجد سبباً في هذه الفرقة:" ستخرج من أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله" أهواء وأحزاب وطوائف وأفكار حتى تعجب أية أمة هذه؟ " دبّ إليكم داء الأمم من قبلكم" "أخوان متصارمان لا ترتفع صلاتهما فوق رأسهما شبرا" الآن شاعت فصار أصل العلاقة بين المسلمين الحسد والبغضاء أشاع هذا الأمر مجموعة من الأغبياء ولا أمل لرجل يموت وفي قلبه حقد على مسلم. قال r: "تركتم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك" فما هو العذر يوم القيامة؟ يقول r: "العلم علمان علم في القلب فذلك العلم النافع وعلم باللسان".

اكتمل هذا الدين (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (3) المائدة) فليس هناك حجة (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) النساء) فلينتبه المنتبهون أن وراءنا موت وحساب ونار ومقولات أصلها يهود وعجم وفرس واشكال عدة تبشير واستشراق وغيره ونحن محاصرون من كل جانب لكن أين الكتاب والسُنّة وآل البيت؟

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 09:08 PM
منظومة الأيد

القوي - الشديد – الغليظ – الثقيل – المتين – الصلد – الوجيه - الصرصر

الأيد مجموعة من القوى (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) الذاريات). مجموعة قوى متعددة (مهندس يبني ناطحة سحاب وشاهدناها في عدة أماكن تعجب من قوة التصميم إلى قوة النتفيذ إلى قوة الجمال إلى قوة الزمر التي تعمل فيها: الكهربائيون، أصحاب المياه، وغيرهم) كل جزء من هذه الأجزاء المكونة لهذا العمارة الباسقة فيها زمرة تتميز بقوة عالية حتى اكتملت. هذه القوة تنتج عن تضافر هذه القوى المتعددة هذه العمارة العظيمة. الأيد مجموعة القوى. عندنا قوى معينة: قوة إبصار، قوة التفكير، قوة الساقين بحيث يعدو عدواًً سريعاً، قوة في حركة اليد فيكون صاحبها ملاكماً فما بالك إذا أحد الناس متّعه الله تعالى بهذه القوى مجتمعة (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) الذاريات) أظهر تعالى في هذه السماء عندما بناها كل أنواع القوة والقوى (الذي أحسن كل شيء خلقه). الأيد لها منظومة وكل قوة لها إسم أو كلمة مخصوصة. والمنظومة تشمل هذه الكلمات: القوي، الشديد، الغليظ، الثقيل، المتين، الصلد، المكين، الوجيه، الصرصر. هذه أبرز الكلمات التي تدل كل كلمة منها على قوة من جانب واحد محدد. فإذا اجتمعت كلها سُمّيت أيد ومنها التأييد (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) الأنفال) يؤيد بمجموعة القوى كلها. نتكلم عن هذه الكلمات التي تشكل مجموعها كلمة الأيد إذا اجتمعت نتج عنه خلق عظيم. وكل كلمة في المنظومة تدل على قوة من جانب لا تدل عليه كلمة أخرى.

القوي: القوة هي غاية الطاقة في الحركة. إنسان عنده طاقة في الحركة لا يتمتع بها الآخر يقال هذا قوي وهذا ضعيف. حينئذ طاقة الحركة تتفاوت كلما كانت طاقة حركتها أعلى فأنت تتفوق بها على الآخر. فالقوة إذن طاقة الحركة التي تتفوق بها على الآخرين (وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) النمل). هذه الطاقة على الحركة بحيث يستطيع أن يفعل ذلك قبل أن أن يفعله تسمى قوة. تتوفر للإنسان القوة قبل أن ينفّذها.

الشديد:هو غاية القوة في الحركة الفاعلة. مصارع في غاية القوة ما نفّذها وما صارع أحداً فهو قوي لكن عندما يصارع أحداً فهو شديد. القوة إنسان عنده طاقة فهو قوي وعندما ينفّذ هذه الطاقة يسمى شديداً. فهو قوي وإن لم ينفّض تلك القوة (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) العاديات) (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) النجم) (عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) التحريم) الملائكة أقوياء جداً جداً بحيث يفعلون ما يؤمرون ولا يعجزهم شيء وإن لم يفعلوا ففيهم طاقة القوة فإذن فعلوه فهو شديد. لما قال تعالى (علمه شديد القوى) لو قال علمه القوي تعني أنه قد لا يكون فعل شيئاً. شديد القوى يعني جبريل u نفّذ القوة التي يملكها في كل شيء يحمل المدينة بكاملها فيجعل عاليها سافلها وينزل المطر والغيث ويأتي بالرسالات وكل شيء يستطيع أن يفعله فهو شديد القوى. فالشديد تحرك القوى. والشدة غير القوة فالقوة وجودها في ذاتها بدون حركة وعندما تنفّذ هذه القوة تسمة شِدّة. الحديد فيه قوة الصمود وهو في الأرض يسمى قوي وعندما تضعه في البناء يسمى شديد فالشدة حركة الأقوياء وإذا تتبعتها في كتاب الله فهي دائماً تعني حركة الأقوياء (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) هود) قوة عندي أو إذا تحرك حركته قوية شديدة. الشدة إذن الحركة الفاعلة إذا قال فعل في كل شيء: في الإنسان، في الريح وفي غيرها إذا أراد فعل وإذا فعل أدّى بالكامل.

الغليظ: إذا كانت الحركة خشنة تسمى غلظة. عندنا عذاب شديد وعذاب غليظ: الشديد ـن يتحرك حركة في جهنم بشكل غير معقول أو في الأرض (الطوفان: هذا عذاب شديد) إذا كان خشناً يمزق ولا يُبقي مجالاً للحياة سمي غليظ. (علَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ) كونهم شداد يفعلون ما يؤمرون (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) وقبل ذلك هم أقوياء (علمه شديد القوى) كون حركتهم في غاية الخشونة فهو غليظ. كيف؟ الملائكة يقحّمون ويدعّون العاصي في النار (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) الطور) يقحمون فيها كما يقحمون الوتد من حديد في الجدار الصلب، تضربه إلى أن ينفذ. هكذا يقحم العبد في نار جهنم تقحماً وتقحيماً من أجل ذلك قال (دعّا). الدّع هو قوة الدفع الهائلة ليست رقيقاً، مالك خازن النار وزبانيته في غاية الفظاظة والخشونة. كلما كنت خشناً كلما كنت غليظاً. الناس الذي يحتلونكم ويعتدون على بلادكم ويفضحونكم ويبيدون الناس هؤلاء إذا قاتلتموهم قاتلوهم بمنتهى الغلظة لا بالرحمة والرأفة لأنهم حيوانات همجية إذا قاتلتهم بالرحمة يتصوره جبنٌ منك لكن لكي تمنعهك من عدوانهم هذا يجب أن تكونوا غلاظاً معهم حتى ينسحبوا ويعودوا. غلظتك معهم نوع من أنواع السلام لأن العدو المهاجم جاء طمعاً وتمزيقاً لبلادك وثرواتك هذا أقل من الحيوان لأن الحيوان لا يعتدي إلا إذا كان جائعاً بعض الشعوب في التاريخ لرقتها تعامل المهاجم برقة من دافع أخلاقها وسماحتها فيتصور أن هذا ضعف فيقتل ولا يُبقي شيئاً. فالعلاج الوحيد لكي تلهم هذا العدو شدة وتوقفه عن مده لا بد أن تعامله بغلظة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123) التوبة) الكفار في كتاب الله غير المشركين: الكافر يُطلق على المحارب المعتدي كلما حاربك معتدياً وليس من سبب يدعوه لهذا إلا لخِسّته وهمجيته فهو كافر. لذا قال رسول الله r : سِباب المسلم كفر وضربه كُفر والكفر هنا هو كفر النعمة. (يلونكم) يهاجموكم في عقر داركم طمعاً أو انتقاماً أو إستعلاء ما كان يمنعهم إلا قوة أصحاب الحق وغلظتهم. أحد الناس أقتحم عليك منزلك لينتهك عرضك تقتله شر قتلة ولا تعامله برقة. هذه هي الغلظة لتكون رادعاً. المجتمعات الإسلامية نمعم بأمن وأمان لا تنعم فيه دول العالم لقوة ردع هذا الدين ردعاً تنخلع له القلوب (قطع اليد للسارق) (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) لو كل قاتل يعلم أنه سيُقتل لجريمته مع سبق الإصرار لا يقتل أحدٌ أحداً. عندما ينفلت الزمام تُقتّل الناس كالحيوانات.

هذا الفرق بين الشديد والغليظ (وليجدوا فيكم غلظة) الشديد قوة الحركة والغليظ قوة الخشونة. واحد يركض في سباق 100 مير فهو شديد لكنه لم يضرب أحداً لكن المصارع خشن.

الثقيل: غاية القدرة في الأهمية. عندك شيء قوي لكن فرق بين أن تكون سيارتك قوية وبين أن يكون بيتك قوياً وفرق بين أن يكون سياجك قوياً وبين أن يكون السقف الذي يحمل الأدوار قوياً. كلما كان الشيء مهماً جداً كانت قوته تسمى ثقلاً (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) المزمل) ما من شيء نزل على الأمة أثقل من هذا الكتاب العزيز الذي لا تنقضي عجائبه ويرسم لهذه الحياة دروبها ومساراتها. ما من حدث يستجد في هذا العالم إلا ولله تعالى توجيه يفهمه أصحاب العقول. إذا كان الأمر في غاية الأهمية والاهتمام فما يحتاج فهماً خاصاً كما قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه "إلا فهماً خاصاً يؤتيه الله رجلاً من الناس" يسمى ثقيلاً.

المتين: قوة من جانب أو زاوية أقوى من غيرها. المتون أقوى ما في الإنسان. كل شيء في الإنسان يمرض العين والركبة إلا المتون. قمة الجبل صخرية تعصف بها العواصف ولا تتأثر شعرة آلاف السنين بينما السفح قد يتأثر. متن الجبل لا يُطال. المتين الذي فيه قوة لا تقهر من حيث قوة الصمود في وجه الفناء. هناك حبال قديمة في المتاحف لمتانتها وصمودها ما زالت قوية متينة. (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) القلم)

القوي قوة الطاقة، الشديد قوة حركة هذه الطاقة، الغليظ قوة الخشونة، الثقيل قوة الإهتمام والمتين قوة الصمود أمام الفناء.

الصلد: كل كتلة لا تتفتت (حجر صخري، كتلة من الخرسانة) يصعب تفتيتها على شرط أن تبلغ القمة في ذلك بحيث لا تنبت أبداً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) البقرة). الصلد الكتلة التي لا تُنبِت أبداً وهي من القوة بمكان.

المكين: قوة النفوذ عند الملك لقربه من مكانه (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) التكوير) (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10) الأعراف) التمكين أن يكون لك سيطرة كاملة ونفوذ عند الملك لأنك قريب منه.

الوجيه: قوة النفوذ عند الناس (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) آل عمران) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) الأحزاب) عيسى u شديد عند الله تعالى وكذلك موسى u. مكين من حيث قوة النفوذ من حيث مكانه ووجيه قوة النفوذ عند الناس.

الصرصر: قوة الدفع عند الإعصار الكثيرة. إذا بلغ الإعصار غايته قوته واندفاعه يسمى صرصراً. كما قال تعالى (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) فصلت).

هذه منظومة الأيد. كل هذه القوى إذا اجتمعت تسمى الأيد. إذا أنشأ تعالى خلقاً عظيماً أو إنسان ينشيء نشأ عظيماً مثل ناطحة سحاب بُنيت بالأيد أي مجموعة القوى.

تتعلق كل كلمة من هذه المنظومة بنوع من أنواع القوة. نتكلم عن القوة بشكل عام تكلم فيه العلماء والعسكريون والفلاسفة وكلٌ له فلسفته من حيث توفرها وعدمه ومن حيث مشروعيتها وعدمه وهذا الفرق بين الجهاد والإعتداء، الدفع أو الهجوم.

بعض مصادر القوة:

(خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) البقرة) (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) مريم) كيف أمر بنو إسرائيل أن يأخذوا التوراة بقوة كما أمر يحيى u وكما أمرنا نحن المسلمين بأخذ الكتاب بقوة. القوى في أخذ الكتاب:

أولاً: اليقين الكامل. كل ذي كتاب مأمور أن يأخذ كتابه بقوة أي لا يشك عندما تقع في يدك نسخة غير محرّفة تقول هذا كلام الله عز وجل لا أشك فيه. المسلم عليه أن يأخذ القرآن بقوة (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) البقرة) أول قوة عليك أن تتمتع بها هي ما جاء في الصفحة الأولى من سورة البقرة في صفات المتقين. المسلم وحده اليوم هو الذي يأخذ الكتبا الثلاثة بقوة وليس عنده شك. هذه الكتل كلها أنزلها الله عز وجل على عباده موسى وعيسى ومحمد صلوان ربي وسلامه عليهم جميعاً.

ثانياً: أن تكون عندك القوة لتكبح جماح نفسك لأن الكتب فيها تفصيل لكل شيء. تكون فيك قوة لتغيير في الموروث من شهواتك التي لا بد أن تزول. الفرق بين من تلكّأ وبين من أسلم من أول يوم هو القوة الذاتية الكامنة فيه.

ثالثاً: عدم التخاذل فلا ينبغي لحامل كتاب الله عز وجل وقد صار يقينه يقيناً أن هذا كتاب الله عز وجل لا ينبغي أن يتخاذل في جانب من هذا الكتاب. هذه القوة (َيا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) ويقول تعالى (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) الأعراف). الله تعالى يقول عن المسلمين (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ (55) الزمر) فهل في الكتاب شيء أحسن من شيء؟ كلا وإنما أحسن تعني كل أحكام القرآن فيها خيارات: واحد قتل أبوك مثلاً لديك الخيار أن تقتص منه أو تعفو عنه فاعمل بأحسنها وهو العفو. الأخذ بالرُخَص (وأن تصوموا خير لكم) يمكن للمريض والمسافر أن يُفطر لكن الأحسن أن يصوم، إنظار المدين (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) البقرة) خذ بالأحسن وهو إنظار المدين، الصلاة في وقتها صحيح هناك خيار أ، تصلي إلى ما قبل وقت الصلاة التالية لكن الأفضل الصلاة على وقتها أي في أول الوقت، الحج لديك خيار أن تتعجل في يومين في أيام التشريق لكن الأحسن أن تستكمل ثلاثة أيام، إنسان مقهور وطُلب إليه أن يكفر بالله (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) أي الشهداء أفضل؟ كلمة حق عند سلطان جائر، أي الشهداء أفضل؟ رجل قام إلى إمام ظالم فوعظه فقتله. إذن لديك خيار.

من مصادر القوة ينبغي أن نقف عنده والقوة لها مصادرها ومن مصادرها السهلة الميسّرة كثرة الإستغفار (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) هود) لماذا؟ ما سر أن تستغفر وأن تكون قوياً؟ المعروف أن المستغفر لا يبقى عليه ذنب " من سرّه أن يرى صحيفته يوم القيامة فلُكثر من الإستغفار" " من لزم الإستغفار جعل الله له من كل همّ فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب" " طوبى لمن وجد في صحيفته إستغفاراً كثيراً". ما علاقة هذا بأن تكون قوياً في الدنيا؟ رب العالمين يخبرنا أنه من يستغفر الله لا يبقى عليه ذنب. ما معنى أن يسعى العبد على الأرض وليس عليه ذنب؟ يعني أنه أصبح من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. تحتاج لأعمال عظيمة لتكون من الأولياء والله تعالى إختصرها بالإستغفار. ولله تعالى نفحات على هذه المجموعة من أولياء الله الصالحين (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) يونس) وفي الآخرة الجنة وفي الدنيا قوة ونصرة وتمكين وكرامات وعدم الخوف والتردد. تصبح فيك قوة وشعور (انظر العبد الصالح مع موسى u في سورة الكهف ربما لأنه لم يكن عليه ذنب فعل ما فعل وموسى كان بحانبه تلميذاً). أقصر الطرق للقوة هي الإستغفار " طوبى لمن وجد في صحيفته إستغفاراً كثيراً". من أجل هذا فإن الله تعالى يحب هذه العبادة ما عليك إلا أن تستغفر الله عز وجل فيهبك طاقات. فمن أول التاريخ من الناس " رب أشعث أغبر ذو طورين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه" هذه القوة مصدرها أن العبد لا ذنب عليه وإما أنه كان يُذنب ويستغفر كما في الحديث القدسي " إن عبداً أذنب ذنباً فقال ربي " إذا كان كلما أذنب العبد إستغفر فهذا هو الوضع المثالي. لما قال تعالى (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ) قوة تستطيعون أن تفعلوها وقوة لا تستطيعون، إفعل ما عليك المهم أن تهيّئ كل ما تستطيع من قوة وليس فقط أسلحة (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) الأنفال): (من قوة) تحدث عن قوة ذاتية لا عن أسلحة هذه هي قوة الصمود باليقين والتحدي والصبر فإذا فعلت ذلك ثم إستطعت بما تملكه من أسلحة بسيطة (رباط الخيل) والقوة هي الرمي أما المشاة والدبابات هي رباط الخيل. القوة المطلوبة أن نحققها هي قوة إعداد النفس لأنه ليس كل من يحمل رشاشاً مقاتل، الذي يقاتل هو اليد التي تحمل السلاح عليك أن تربيها تربية قوية بإيمانك بعدالة قضيتك والتاريخ مليء بهذه الأخبار (قصة طالوت وجالوت) طالوت غلب جيوشاً جرارة. إذا ربيت قوتك الذاتية بالعقيدة والموقف السليم فاعلم أن الله تعالى سيمدك بالقوة الهائلة والقوة الأولى هي القوة الذاتية إذا استطعت أن توفرها يوفر الله تعالى لك القوة الظاهرة.

(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) الإنسان فيه طاقات هائلة تشكل قوى عظيمة. عندما استعمر الإنسان الأرض كان كله من إعداد نفسه لأن فيه طاقات هائلة وقد ثبت علمياً أن الإنسان استعمل من قدراته ما لا يزيد عن 5% فقط فماذا لو استعمل كل طاقات؟ في جوف الإنسان عناصر قوية استعملها ثم يأتي رباط الخيل أي الأسلحة التي نقاتل بها.

(تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ): لا يكون عندك عدو إلا إذا كان عدواً للإنسانية وهذا يشير إلى أن المسلمين حربهم ليست كحروب العالم طمعاً في ثروة ما في بلد أو الإفساد كما يحصل في حروب اليوم من إفساد للبيئة وكما يحصل في مثلث بغداد الكويت السعودية فهو ملوّث إلى 450 ألف سنة والجيل القادم في العراق سيكون كله مسرطناً. هذه حروب همجية هؤلاء هم أعداء الله وأعداؤكم. فليس الذي جاء يحتل بلدك عدوك أنت وإنما هو عدو الله تعالى لأنه يهلك الحرث والنسل ويفسد في الأرض ويقتل.

(سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) آل عمران) في كل الحروب التي تقودها شعوب جبارة قوية ضد أناس بسطاء يُلقي الله تعالى في قلوب المعتدين الرعب كما حصل مع قوم عاد وغيرهم والأعاصير التي قد تأتي كل يوم وتدمر الناس. رب العالمين يطمئن الناس أنه إذا كنتم ضعفاء لا تنهزموا وإنم أعدوا أنفسكم للصمود والله تعالى معكم (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) البقرة) والتاريخ مليء بهذا. أعدّوا قوة ذاتية تتهاوى أمامها القلاع والصواريخ ولهذا فشجاعة المقاتل إيمانه بعدالة قضيته " إن الله مع صاحب الحق" فقط أعد ما استطعت من قوة وكن صادقاً لا تكن عميلاً ولا جاسوساً وسترى أن الله تعالى معك. رب العالمين يقول إن إعداد القوة الذاتية والأسلحة ليس الهدف من القتال (ترهبون به) إتهم العالم المسلمين بالإرهاب لكن الإرهاب هو منع الحرب فعندما أكون قوياً العدو لا يهاجمني ولكنه يهاجمني عندما أكون ضعيفاً. فلو كان العرب أقوياء يؤمنون بقضيتهم لا يهاجمهم أحد. الإرهاب معناه كفّ المهاجم عن الهجوم وهو جهد من جهود إحلال السلام ومنع الحروب. عليك أن تكون قوياً لكي لا يطمع فيك عدوك فلا يهجم عليك فيتحقق السلام. منع الحروب تفاوض وسلام ومباحثات وإتفاقات وعهود ووعاؤها العام أن تكون قوياً حتى يهابك عدوك فلا يقاتلك. كن حكيماً كما فعلت ملكة سبأ (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) النمل) فقالت ليس هذا هو الرأي مع أن عندها جيش مقاتل ولكنها استعملت الحكمة فقالت (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)) فاوضت، القوة التي لا تستعمل إلا في النهاية هكذا هم الحكماء. العدو الجبان هو الذي يفرح بقوته وستنقلب القوة على أصحابها (وهنا نذكر ما حدث في مفاعل تشيرنوبل النووي في روسيا).

كل قوة تستبد بالأرض ثم تعيث فساداً وعبثاً تزول القوة بشكل لا يعرف أحد كيف زالت من عاد وثمود والتتار والعماليق يذهب المستبد ويبقى الحق. إياك أن تيأس أمام القوي الظالم وعلى كل البشرية أن لا تتهاوى أمام القوى الغاشمة وتتكاتف البشرية بدياناتها وتاريخها وحكمائها أمام الطغيان الذي يشيع بين البشرية. وعلى البشرية أن تفيق من هذه الغفلة (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) الروم) ما حصل نحن فعلناه لأننا سكتنا وتآمرنا ونصرنا الظالم إلى هذا الذي نحن فيه لكن الباب مفتوح للتوبة وها هي البشرية تفيق من غفلتها.

أحد الشماهدين اتصل يسأل عن هذه الآيات:( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) ص) (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) ص):

داوود u أعطاه الله تعالى مجموعة قوى تسمى الأيد: الحكمة، فصل الخطاب، ألآن له الحديد وغيرها (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20)). وإذا تتبعناها نراها مجموعة قوى وكذلك جبريل u (علمه شديد القوى) كذلك إبراهيم وإسحق ويعقوب (أولي الأيدي والأبصار) أعطاهم الله تعالى خصيصة مختصة بهم من حيث أنهم يذكرون الدار الآخرة دائماً والموت دائماً (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46)). القرآن اعتبرها من أعظم الأيد. ما من قوة تدفع المؤمن إلى الله عز وجل أعظم من أن يكون المؤمن ذكّاراً للموت ويحب لقاء الله حتى يحب الله تعالى لقاءه.

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 09:11 PM
باب حرف الصاد

أحمد سعد الدين
05-06-2006, 09:11 PM
منظومة صوم

صام – أمسك – طوى – وصل - حصر

هذه الكلمات هي منظومة الصوم وهي الامتناع عن شيء ما .

صام: كل امتناع عن شيء محدد لمدة محددة يُسمّى صوماً. كأن تُلزم نفسك عدم الكلام لفترة معينة فهذا صوم كما في قوله تعالى في قصة مريم (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) مريم) صامت عن الكلام يوماً واحداً. وشرط الصوم أن يكون لمدة محددة. قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) البقرة) شهر واحد وهذه مدة محددة ولذا لم يقل تعالى في الآية كتب عليكم الإمساك.

أمسك وإمساك: الامتناع العام وهو غير محدد كما في قوله تعالى (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (100) الإسراء) وهذا الامتناع المطلق لا تُعرف حدوده (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)

الطو وطوى: هو الجوع المتعمّد بأن يتعمّد الإنسان عدم الأكل عدة وجبات ثم يجمعها في النهاية والطوّ هو الجوع المتعمّد كما يُفعل الآن في السجون عند الإضراب عن الطعام.

الوصل والوصال: هو استمرار الصوم أي تصوم ولا تُفطر يومين أو ثلاثة متتالية مستمرة بدون انقطاع وبدون افطار وهذا النوع من الصوم منهيّ عنه في الإسلام إلا للرسول r لأنه قال r "إن ربي يُطعمني ويسقين"

الحَصُر: الحصور هو الذي يمنع بَوله أو منيّه بقُدرة أي له القدرة على أن يحبِس بوله أو منيّه يقال هو حصور وليس محصور كما نستخدمها في لغتنا. والفرق بين إمساك البول والمنيّ أن البول قانون بشري أما أن تحصر المنيّ فهذا مدح وليس ذمّاً فسيدنا يحيى u وصفه الله تعالى (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) آل عمران) فهو قادر على الجماع ومع هذا لم يقرب النساء وعزف عنهن بقوة رغم قدرته واشتهائه لذلك. وأعجب من بعض الكتب التي يذكرون فيها أن كون يحيى u حصوراً كأن به عاهة وهي من أشد العاهات أن يحرم الله تعالى أحد أنبيائه من نعمة النساء، والله تعالى لا يرسل الأنبياء بهم عاهة. لكن يحيى u لشدة جماله ولشدة عشق النساء له ذهب ضحية ذلك وكانت المرأة التي عشقته سبباً في قتله فعزف u عن النساء رغم قدرته واشتهائه لهنّ وهذا من باب التقرّب إلى الله تعالى ومن باب التحنّث الذي هو عبادة عند بعض الناس. ورى الإمام مالك عن النبي r:" ما من نبيّ إلا وقد أخطأ أو همّ بخطيئة غير يحيى ابن زكريا".

ومع فارق التشبيه فإن العرب في الجاهلية كان منهم من يعفّ نفسه عن الزنا والخمر وكان يسمونه عفيفاً أو عفّان كما سُمي أبو عثمان ابن عفّان وكان اسمه الأصلي حبيب لكنه كان من المعدودين الذين عصموا أنفسهم من الزنا والخمر من باب المروءة واحترام النفس.

علينا أن نتحدث عن شهر رمضان الذي هو أعظم أيام المسلمين وهو من أبرز الأدوات التي حقق الله تعالى به إراداته العظيمة لهذه الأمة:

الإرادة الأولى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وهذا من حيث طبيعة الأداء أو بالصلاة أو الزكاة فالمطلوب أن تصلي قليلاً وتزكي قليلاً ولم يكلّفنا الله تعالى بالأداء الشّاقّ حتى أنه في السفر رخّص الفِطر والقصر في الصلاة.

والإرادة الثانية: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) النساء) أمرنا تعالى بصلاة ركعتين في الصبح، أربع في الظهر، أربعة العصر، ثلاثة المغرب وأربعة العشاء، والصوم شهر واحد في السنة والحج مرة واحدة في العمر فالتكاليف خفيفة.

الإرادة الثالثة: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ (النساء)) التخفيف والبيان مضى وبقيت التوبة والله تعالى قرّر بإرادة صارمة والله فعّال لما يريد أن يتوب عليكم من ذنوبكم. وهناك فريق بين قوله تعالى (يريد الله أن يتوب عليكم) وقوله تعالى (يريد الله ليتوب عليكم) فعندما تدخل أن على الفعل معناها إدخال إرادة أما اللام عندما تدخل على الفعل فهي تعني أنه قد فعل. كما في قوله تعالى (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم) هيّأوا الأسباب أما قوله تعالى (يريدون ليطفئوا نور الله) قد فعلوا.

وقوله تعالى في القرآن الكريم (ليهديكم، ليتوب عليكم) فهي تعني أن الله تعالى فعل بأسباب عدة منها:

أنه تعالى جعل هذا الدين نُسُكاً في كل جزئية من حياة المسلم. فهناك عبادات لسانية مثل الذكر وعبادات مادية كالصدقة وعبادات جسدية كالصوم والحج والصلاة حتى الشوكة يشاكها المسلم يكفّر الله تعالى بها ذنوبه وحتى شكّ البعوضة.

جعل الله تعالى أسباب التوبة لا حصر لها وصدق الرسول r "لا يدخل النار إلا شقي" دمعة من خشية الله أو همّ أو غمّ أو مرض أو حزن أو غيبة أحد لك كلها يكفّر الله بها الذنوب. في الحديث القدسي " من أخذت حبيبتيه فحمِدني خيّرته من أي أبواب الجنة شاء" ونحن بعبادة جميلة رائعة كالصوم الذي هو أعظم العبادات وأمتعها يغفر الله تعالى لنا.

والناس جميعاً يصومون كل لهدف معين فمنهم من يصوم للرشاقة ومنهم من يصوم كعلاج من مرض ما ومنهم من يصوم حتى لا يصاب بالسمنة ونحن المسلمون نصوم عبادة لله وما من أحد يؤدي الصوم بخشوع كما يفعل المسلمون شهراً كانلاً.

الله تعالى يخلق خلقاً ويختار من هذا الخلق نصيباً له هو تعالى (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) القصص) خَلَق الملائكة واختار جبريل وميكائيل واسرافيل وخلق البشر واختار الأنبياء والرسل وخلق المُدُن واختار مكة والمدينة وبيت المقدس وخلق الجبال واختار عرفة والطور وخلق البِقاع واختار المساجد وخلق العبادات واختار الصوم (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به( لأن كل العبادات معروف جزاؤها إلا الصوم. فالسيئة بمثلها والسيئة التي همّ بها العبد ثم تركها تكتب له حسنة وعملان موجبان: من قال لا إله إلا الله وجبت له الجنة ومن أشرك وجبت له النار، وعمل بعشرة مثل الحسنة بعشر أمثالها، وعمل بـ 18 وهو القَرض وعمل بـ 25 كالصلاة في المسجد وعمل بخمسين كالصلاة في الطريق وعمل بـ 700 ضعف وهو كل عمل في سبيل الله تعالى. والمسلمون اليوم جميعاً في فلسطين والعراق وسائر البلاد هم في سبيل الله لأنهم يُتعقبون ويُعتقلون ويحاربون ويحاصرون ولذلكفكل عمل مسلم الآن بـ 700 ضعف صلاته وصيامه وذكره وصدقته، وعمل لا يعلم أجره إلا الله تعالى وهو الصوم فلو كان ثوابه مئة ألف ضعف لذكره الله تعالى ولكنه قال تعالى (وأنا أجزي به) ومضاعفات الصوم لا يمكن لنا إدراكها لأنها تفوق تصوّر البشر. وما من عمل أرجى يوم القيامة من صائم صام صوماً مثالياً صحيحاً كاملاً لأنه أعجوبة العجائب يوم القيامة. سُئل رسول الله r علّمني عملاً أدخل به الجنة فقال r عليك بالصوم فإنه لا مِثل له وفي رواية فإنه لا عدل له.

وكان r على المنبر فسمعه الصحابة يقول آمين آمين آمين فسألوه فقال هذا جبريل قال لي : من أدرك رمضان ولم يُغفر له أبعده الله.

الصوم له وظيفتان: الأولى هي تأدية التكليف الذي لا بد منه والثانية هي أن يكون الصوم من النوع الذي يغفر لك كل الذنوب مصداقاً لقوله r" من صام رمضان إيماناً واحتساباً ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر" وكما أن طاعة الوالدين وبِرّهما جاء في القرآن مقروناً بالتوحيد (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) كذلك الصوم اقترن بالقرآن (الصوم والقرآن يشفعان) .

فالصوم المثالي هو الصوم بالشكل الممكن المتاح للعبد الصالح وهو:

v أن نصوم رمضان إيماناً واحتساباً أي بنيّة وعزيمة وأنت مصدّق بأنه ركن من الأركان وأنت راغب بثوابه ومستمتع به وتستقبله بِبِشر وأنت فرِح بقدومه وتحزن على فراقه .

v أن تقوم ليله وصلاة التراويح هي الحدّ الأدنى لقيام الليل لكن أن تقوم قبل الفجر فتصلي يكن أفضل.

v إفطار صائم وإطعام الطعام وهذا من مكمّلات الصوم حتى ولو بشربة ماء.

آفة الصوم:

v كل من له أبوان غير راضين عنه كلاهما أو أحدهما لا يغفر الله تعالى له كأنه ما صام وكل من لديه أبوان غير راضين عنه فعليه أن يبادر بطلب السماح منهما حتى يغفر الله تعالى له ويتقبل صيامه.

v أخوان متخاصمان متصارمان لا يسلّم أحدهما عل الآخر لا يطمعا بمغفرة من الله تعالى (رُبّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش)

v عدم الرفث والفسوق: والرفث هو كل مقدمات الجماع كالقبلة والضمّة واللمسة والفسوق هو النظر المحرّم "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب" وعلينا أن نكون في رمضان في غاية الرِقّة والدماثة حتى لمن اعتدى علينا.

v المصيبة الكبرى هي الغيبة سرطان الصوم وهذه ليست سهلة لأنها أصبحت شائعة الآن في عصرنا هذا وكانت من قبل عيباً. فكل يوم تغتاب فيه أحداً من المسلمين يذهب أجر صومك وتأكله الغيبة.

وحتى ننأى بأنفسنا عن هذه الأمور علينا أن نفكّر أن رمضان هذا العام قد يكون آخر رمضان لنا ونجتهد فيه ونُحسن صيامه إحساناً هائلاً حتى نخرج من مصائبنا وذنوبنا الكثيرة لتي أصبحت كالطوفان الهائل ولنفكّر في رمضان كأنه فرصتنا الأخيرة.

الله تعالى يعتق في كل ليلة من رمضان سبعين ألفاً عند الإفطار فلنحرص على أن نكون منهم هذا يعني أنه في كل عام في شهر رمضان يعتق الله تعالى أكثر من مليوني مسلم هؤلاء لا يحاسبون ولا يدخلون النار وهؤلاء الذين كان صومهم مثالياً. كما أن ليلة القدر تعادل عبادة 84 سنة قيام ليلها وصيام نهارها بشرط عدم الغيبة وعدم المشاحنة والمخاصمة مع أحد. فإذا تحقق هذا كن من الذين صاموا صوماً مثالياً وممن أعتقهم الله تعالى من النار.

ومن أعظم العبادات دعوة الصائم عند فطره وبما أنها دعوة عظيمة علينا أن نحسن اختيار الدعاء فندعو بالمغفرة والرحمة والعتق من النار وبنصرة المسلمين وبالستر في الدنيا والآخرة وكان أحد الصالحين يقول وقت افطاره: اللهم اغفر لي ذنوبي ولا تحاسبني على ذنب وأدخلني الجنة.