همس الروح
16-11-2006, 06:32 PM
في الغرفة الضيقة الغثـَّة, تقاسموا جداراً واحداً, يوكئون عليه أجسادهم المتهالكة, بعد نهار ٍ مرهق ٍ طويل, استنفد صبرهم و طاقتهم, ريثما استطاعوا عبور الحدود, أبعد ما أمكنهم عن أرض الدمار و النار, كان عليهم احتمال البائقة, و احتمال الجوع و العطش, و احتمال تزاحم الناس و فجور الجند الحارسين للمعبر, ليس بدافع ٍ من نبل طباعهم, بل لأنهم أرادوا العبور, أرادوه حقاً !!
أخرج " حسن " من جيبه علبة السجائر, و قدّم لكلٍّ منهما سيجارة ..
" نفـّخ يا خيي !! و إنتَ كميَن !! ما تعتلوش هَم !! طول ما السيد - الله يخلينا إياه – ملاحقهون ع الدعسة , و حق الحسين رح يفلّو عن قريب !! لك نفـّخ يا خيي !! نفـّخ !! "
نفخ " إيلي " من صدره المحتقن, سحابة دخان ٍ أشحبت ضياء القمر النافذ إليهم, حزَّ في نفسه أن يصير إلى مشرد ٍ لاجئ, هو الذي عاد إلى وطنه بعد هجرة ٍ دامت عشرين عام, فاستقبله الوطن بصفارة إنذار بدل أنشودة فرح !! لقد أمضى عمره بانتظار العودة, يُعظـِّم من شأن اللقاء, و ما حسب أن يُقابل في النهاية, بكل هذا الجفاء !!
تنفس الصعداء موجوعاً, و نفخ سحابة ً أخرى بددتْ حتى الشحوب !!
على يمينه, جلس " أبو ثائر", حاني الظهر من جمِّ الهموم, يهز الرأس أسفاً, ندماً, أو ربما حسرةً على أشياء فاتت و لا أمل بتعويضها !!
تمتم بغضب ٍ مزجه ألماً ..
" كـِلتلّو يا اِبني يا ثائر, بدناش نروّح لبنان, خذنا ع الأردن زي كل عمومك, كال لأ, بدو يعمل فيها راجل, صاحب كضيّة و مبدأ !! هياه !! ظاع و ظيّعنا معاه !!
هياه !! مدفون تحت التراب من ثلاثين سنة, محداش كادر يزور كبرو حتى !! كال إيش ؟! ظّحى عشان الوطن و مات تتعيش الأمة !! بالله عاد !! حد يكُـلّي وين هوَّ هالوطن, و فينها هاي الأمة ؟! ولا هو كلام بيظحكو فيه ع الزلم و النساوين اللي ما ظلّـش منفى ما جربو, و لا ظل عسكري " ابن ... " إلا و باسو رجليه عشان لُـكمة وَكـِل, أو شربة دوا يسكُوها لصغارهم .. إيش الواحد بدو يكُول.. أحسن إشي يظل ساكت .. "
أطفأ سيجارته و انزوى بعيداً..
أراد امتلاك صبر ٍ بحجم الألم, و تمنّى من السماء إيماناً بحجم الخسارة ..
" إيلي " المتفاءل بردّة ٍ زمنية, تعود به إلى حيث كان في بلاد الغرب, قبل اندلاع هذي الحرب..
و " حسن " المتلهّـف لرؤية " جاد " شريكه في نهب البيوت التي هجرها أهلها من الخوف و الجزع ..
و " أبو ثائر " المنتظر لمعجزة ٍ سماوية تردُّ الأرض و العرض ..
هم الشركاء رغماً, في الليل, في الغربة, في الأزمة !!
اقتحمتْ المكانَ كمجنونة, انقضت عليه فرحة ٍ لا يردعها عن بهجتها رادع ..
" إيلي !! قوم شيري , السفارة عطتنا التصاريح, من بكرا راجعين يا قلبي !! و الرب و العدرا راجعين, يللا قوم !! شو بعدك ناطر ؟! قوم !! "
و ما هي إلا لحظات حتى انساق خلفها رجلٌ علا صوته, دخل منتصراً, شامخ الرأس, معتزاً بفعله ..
" أخيراً لقيتك !! قوم معي يللا, اللي متلنا يا حسن, مش هون مطرحهون, بيكفينا شقا و تعتير !! قوم !! يللا قوم !!"
خلا المكان إلا منه, استوحش البقاء وحيداً في العتمة, نهض يريد الخروج, فإذا به يتصادم بحفيدته الصغيرة, و قد لمعت عيناها بوهج السعادة, لم تنتظر سؤاله, بل هزجت قائلة :
" أمي جابت ثائر, و ستي بتكُول إنو شبه أبوي, الخالك الناطك !! "
خرجا مخلّـفين خلفهما فراغاً عجيباً من عدم ٍ مطلق, ما شابه إلا أصواتٌ تنبعث من الغرفة المجاورة, لإذاعة ٍ صارخة ٍ تحفزُّ الأمة, و تهتف للوطن :
" عاشت الأمة .. و عاش الوطن !! "
بقلم ~*~ همــــــــــ الروح ــــــــــس ~*~
أخرج " حسن " من جيبه علبة السجائر, و قدّم لكلٍّ منهما سيجارة ..
" نفـّخ يا خيي !! و إنتَ كميَن !! ما تعتلوش هَم !! طول ما السيد - الله يخلينا إياه – ملاحقهون ع الدعسة , و حق الحسين رح يفلّو عن قريب !! لك نفـّخ يا خيي !! نفـّخ !! "
نفخ " إيلي " من صدره المحتقن, سحابة دخان ٍ أشحبت ضياء القمر النافذ إليهم, حزَّ في نفسه أن يصير إلى مشرد ٍ لاجئ, هو الذي عاد إلى وطنه بعد هجرة ٍ دامت عشرين عام, فاستقبله الوطن بصفارة إنذار بدل أنشودة فرح !! لقد أمضى عمره بانتظار العودة, يُعظـِّم من شأن اللقاء, و ما حسب أن يُقابل في النهاية, بكل هذا الجفاء !!
تنفس الصعداء موجوعاً, و نفخ سحابة ً أخرى بددتْ حتى الشحوب !!
على يمينه, جلس " أبو ثائر", حاني الظهر من جمِّ الهموم, يهز الرأس أسفاً, ندماً, أو ربما حسرةً على أشياء فاتت و لا أمل بتعويضها !!
تمتم بغضب ٍ مزجه ألماً ..
" كـِلتلّو يا اِبني يا ثائر, بدناش نروّح لبنان, خذنا ع الأردن زي كل عمومك, كال لأ, بدو يعمل فيها راجل, صاحب كضيّة و مبدأ !! هياه !! ظاع و ظيّعنا معاه !!
هياه !! مدفون تحت التراب من ثلاثين سنة, محداش كادر يزور كبرو حتى !! كال إيش ؟! ظّحى عشان الوطن و مات تتعيش الأمة !! بالله عاد !! حد يكُـلّي وين هوَّ هالوطن, و فينها هاي الأمة ؟! ولا هو كلام بيظحكو فيه ع الزلم و النساوين اللي ما ظلّـش منفى ما جربو, و لا ظل عسكري " ابن ... " إلا و باسو رجليه عشان لُـكمة وَكـِل, أو شربة دوا يسكُوها لصغارهم .. إيش الواحد بدو يكُول.. أحسن إشي يظل ساكت .. "
أطفأ سيجارته و انزوى بعيداً..
أراد امتلاك صبر ٍ بحجم الألم, و تمنّى من السماء إيماناً بحجم الخسارة ..
" إيلي " المتفاءل بردّة ٍ زمنية, تعود به إلى حيث كان في بلاد الغرب, قبل اندلاع هذي الحرب..
و " حسن " المتلهّـف لرؤية " جاد " شريكه في نهب البيوت التي هجرها أهلها من الخوف و الجزع ..
و " أبو ثائر " المنتظر لمعجزة ٍ سماوية تردُّ الأرض و العرض ..
هم الشركاء رغماً, في الليل, في الغربة, في الأزمة !!
اقتحمتْ المكانَ كمجنونة, انقضت عليه فرحة ٍ لا يردعها عن بهجتها رادع ..
" إيلي !! قوم شيري , السفارة عطتنا التصاريح, من بكرا راجعين يا قلبي !! و الرب و العدرا راجعين, يللا قوم !! شو بعدك ناطر ؟! قوم !! "
و ما هي إلا لحظات حتى انساق خلفها رجلٌ علا صوته, دخل منتصراً, شامخ الرأس, معتزاً بفعله ..
" أخيراً لقيتك !! قوم معي يللا, اللي متلنا يا حسن, مش هون مطرحهون, بيكفينا شقا و تعتير !! قوم !! يللا قوم !!"
خلا المكان إلا منه, استوحش البقاء وحيداً في العتمة, نهض يريد الخروج, فإذا به يتصادم بحفيدته الصغيرة, و قد لمعت عيناها بوهج السعادة, لم تنتظر سؤاله, بل هزجت قائلة :
" أمي جابت ثائر, و ستي بتكُول إنو شبه أبوي, الخالك الناطك !! "
خرجا مخلّـفين خلفهما فراغاً عجيباً من عدم ٍ مطلق, ما شابه إلا أصواتٌ تنبعث من الغرفة المجاورة, لإذاعة ٍ صارخة ٍ تحفزُّ الأمة, و تهتف للوطن :
" عاشت الأمة .. و عاش الوطن !! "
بقلم ~*~ همــــــــــ الروح ــــــــــس ~*~