المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التشافى بالقرءان



أحمد سعد الدين
15-12-2004, 04:06 PM
الرقية الشرعية: أحكامها ومذاهب الفقهاء فيها

الأستاذ الدكتور عجيل جاسم النشـمي




إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور ‏أنفسنا، ومـن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى ‏له. ‏

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ‏
‏ ‏
‏(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)(1).‏

‏(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ‏منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان ‏عليكم رقيباً)(2)‏
‏ ‏
‏(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغـفر لكم ‏ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً)(3).‏

وبعــد: فإن المرض ابتلاء من الله وأجر للعبد عظيم، إن صبر واحتسب يكفر ‏الله به خطاياه. قال صلوات الله وسلامه عليه: "ما من مرض أو وجـع

‏1- سورة آل عمران: 102. ‏
‏2- سورة النساء: 1. ‏
‏3- سورة الأحزاب: 70، 71 .‏

يصــيب المؤمـــن إلا حط اللــه ســـيئاته كما تحط الشجــرة ورقها" (4). ‏ويرفـــع اللــه بالمرض درجـــة المؤمن، قال صلوات الله وسلامه عليه: "ما ‏من مسلم يشاك شوكـــة فما فوقها، إلا رفــعه الله بها درجــة، أو حــط ‏عــــــنه بها خطيئـة"(5). ويطهــر معــــه ذنوبه كما أخبر النبـــي صلى اللــه ‏عليه وسلم "ما من مســــلم يصـــرع صرعــة من مرض إلا بعثــــه الله منها ‏طاهـــراً"(6). ومن خــيرة المرض وفضله على الصَـبَّار المحتســـب أن يكتب ‏للمــريض أجــــر ما كان يعمله من خير وبـــر وهو صحيــح. وهـــذا فـضل ‏من اللـــه أن جعــل المرض مـصدر أجــر مستمـــر، وصــاحـبه لا يقــدم من ‏جهـــده شــيئاً. قـــال صلوات اللــه وسلامه عــليه: "من كان له عمل يعمله ‏من خير فشـغله عنه مرض، أو سفر، فـإنه يكتب له صـالح

‏ ‏
‏4- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرض: باب شدة المرض ح(5647). ‏ومسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة: باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من ‏مرض أو حزن ح (2571)، وأحمد في مسنده (1/441)، وانظر تحفة ‏الأشراف ح(9191).‏
‏5- أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة: باب ثواب المؤمن فيما ‏يصيبه من مرض أو حزن ح(2572) والتزمذي في سننه: كتاب الجنائز: باب ‏ما جاء في ثواب المريض ح(967)، وقال: حديث عائشة حديث حسن صحيح، ‏وأحمد في مسنده (6/42). قال النووي: في هذه الأحاديث بشارة عظيمة ‏للمسلمين، فإنه قلما ينفك الواحد منهم ساعة من شيء مؤذ، وفيه تكفير الخطايا ‏بالأمراض والأسقام، ومصايب الدنيا، وهمومها؛ وإن قلت مَشقَّتها. وفيه رفع ‏الدرجات بهذه الأمور، وزيادة الحسنات، وهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير ‏العلماء- انظر شرح النووي على مسلم (16/128).‏
‏6- حديث مسند أخرجه الطبراني في الكبير (7485). وفي هامش الطب ‏النبوي للمقدسي. ‏
ما كان يعمل، وهو صحيح مقيم"(7).‏
‏ وهل هناك أفضل من أن يحقق مرض الصابر محبة الله عز وجل؛ لقول ‏النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أحب الله قوماً ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ‏ومن جزع فله الجزع"(8). فالمرض نعمة لأهل الإيمان، وليس تعذيباً– ولو ‏كان كذلك ما ابتلى أنبياءه والصالحين. ‏
عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاءً قال: ‏‏"الأنبياء، ثم الصالحين، ثم الأمثل فالأمثل من الناس. يبتلى الرجل على حسب ‏دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف ‏عنه، وما زال البلاء بالعبد حتى يمشي على ظهر الأرض ليس عليه خطيئة" ‏‏(9).‏

وإذا كان هذا أجر المرض؛ وفضله لا يعني تمني المسلم المرض ففــضل الله ‏وخيره وكرمه للمسلم في الصحة والنعمة أيضاً. والمؤمن القوي خير وأحب ‏إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير. ويقول النبـي صلى اللـه ‏


‏7- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسير: ‏باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة ‏ح(2996). وأبو داود في سننه: كتاب الجنائز: باب إذا ‏كان الرجل يعمل عملاً صالحاً فشغله عنه مرض أو ‏سفر ح(3091)، وأحمد في مسنده (4/410).‏
‏8- حديث صحيح مضى تخريجه ص 10.‏
‏9- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الزهد: باب ما جاء ‏في الصبر على البلاء ح(2405)، وقال: هذا حديث حسن ‏صحيح. وابن ماجه في سننه: كتاب الفتن: باب الصبر ‏على البلاء ح (4023)، وأحمد في مسنده (1/172)، ‏والحاكم في مستدركه (1/42)، وقال: هذا حديث صحيح ‏على شرط الشيخين. وقال الذهبي: على شرط مسلم. ‏وأنظر صحيح سنن ابن ماجه للألباني ح(3249).‏
عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر، ‏فكان خيراً له؛ وإن أصابته ضراء صبر، فكـان خيراً له"(10).‏

‏ هذا، وإن الاستشفاء مطلوب من المسلم، يبذل في سبيله الغالي والرخيص. ‏ولا يعارض ذلك ما ذكر من أجر المرض لمن صبر. ففضل الله على ‏الصحيح عظيم، له مثل أجر المريض أو يزيد‎-‎‏ كما سبق. والاستشفاء مطلوب ‏من سائر الأمراض عضـوية أو نفسية، ويسلك في سبيله أي الأدوية مادية أو ‏معنوية. وإن الرقية وهي: ما يُقَرأ من الدعاء لطلب الشفاء بالقرآن وأسماء الله ‏وصفاته وبالذكر؛ نوع من العلاج له أثر مادي من الأمراض العضوية، كما ‏أن له أثرا في الجوانب المعنوية، والنفسية. وهذا معهود ومجرب لا يماري ‏فيه عاقل.‏
‏ ‏
ولما كانت الرقية مطبقة شرعية عقائدية‎–‎‏ احتاجت إلى بيان ضوابطها ‏وحدودها وألفاظها، حذراً من أن تكون وسيلة لضعاف النفوس، ومرضى ‏القلوب، يبتزون بها الناس، ظلماً وبهتاناً ودجلاً، ويقع من ذلك شر عظــيم ‏على الأفراد، والأسرة، والمجتمع. وهذا البحث معني ببيان الرقى الشرعـــية ‏وضوابطها وألفاظها ومذاهب الفقهــاء فيها ‏‎–‎‏ لعل الحريص على دينه يجد فيه ‏بغيته، ويهتدي إلى الصواب في التعامل مع مرضــاه على ما تبين من صحيح ‏الطب النبوي. ‏

‏ ‏
‏10- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزهد: باب ‏المؤمن أمره خير كله ح(2999)، وأحمد في مسنده ‏‏(4/332). انظر فتح الباري لابن حجر (10/106): ‏كتاب المرض. قال المنذري: النبي (صلى الله عليه ‏وسلم) يبشر المؤمن بما يصيبه، ويخبره أن كل شيء ‏أحاطه كسب منه ثواباً: فإن أمره الله بنعم فحمده نال ‏أجراً، وإن أصابته سيئة فصبر نال ثواباً؛ فهو في ‏الحالتين مكرم مثاب مؤجر- الترغيب والترهيب ‏‏(4/278).‏


مذاهـــــــب الفقهـــــــاء: ‏
اتفق الفقهاء: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على جواز الاستشفاء ‏
والرقـية، لكنهم اختلفوا في التساوي بين الفعل والترك، أو الفضيلة، أو ‏الكراهة. ‏

المذهـــــــب الأول:‏
ذهب الحنفية والمالكية إلى الجواز، بمعنى الإباحة بين فعل الرقية أو ‏تركها(11). ولا يشوش على هذا تعبير بعضهم بـ"لا بأس". فقد عبر بعض ‏الحنفية كابن عابدين وابن أبى زيد القيرواني عن الجواز بلفظ "لا بأس ‏بالمعاذات"(11) و"لا بأس بالاسترقاء والتعوذ"(12). والمراد الجواز. لكن من له ‏قوة على الصبر فالمستحسن عدم الاسترقاء، وهذا لا ينفي الجواز. نبه على ‏ذلك النفراوي من المالكية فقال: تعبير المصنف "بلا بأس" يقتضي أن الأحسن ‏عدم الاسترقاء، وتسليم الأمر إلى الله(12). ويدل على هذا قوله صلـى الله عليه ‏وسلم "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، وهم ‏الذين لا يرقـــون ولا يســترقون وعلى ربهم يتوكــلون" (13).‏

ففي هذا ذم الاسـترقاء. وحديث أن جبريـل كان يرقي النبي صلى الله عليه ‏وسلم يقتضي مدح الاسترقاء، وإن فعله أحسن من تركه. ثم أجاب النفراوي ‏بقوله: والجواب عن هذه المعارضة من وجهين: أحـدهما: أن الاسترقاء الذي ‏يحسن تركه الاسترقاء بكلام الكفار أو الألفاظ المجهولة التي لا يعرف ‏معناهــا كالألفـــاظ العجمــية. والاسـترقاء الحســــن ما

‏11- انظر حاشية ابن عابدين (6/363)؛ ‏
‏12-انظر الفواكه الدواني للنفراوي (2/368)؛
‏13-الفواكه الدواني للنفراوي (2/369).‏

كان بالآيات القرآنية، أو الأسماء والكلمات المعروفة المعاني. ‏
وثانيهما: أن الاسترقاء المستحسن تركه هو ما كان في حـق من له قـوة على ‏الصبر على ضرر المرض، كما قيل للصديق رضي الله عنه: ندعو لك طبيباً، ‏فقال: "الطبيب أمرضني". ‏
والمستحسن فعل الرقية في حق الضعيف(14). ‏

المذهــــب الثاني:‏
ومذهب الحنابلة مباح لكن تركه أفضل(15). وجمهورهم على ‏الاستحباب(16).‏

المذهــــب الثالث:‏
أن التداوي بالرقية مستحب. وهو مذهب الشافعية. قال النووي في منهاج ‏الطالبين: "ويسن التداوي". وقال: "إنه مذهبهم ومذهب جمهور السلف وعامة ‏الخلق. واختاره الوزير ابن المظفـر"(17). وعلى الاستحباب كثير من ‏
‏14- انظر الفواكه الدواني للنفراوي (2/369). وقد ‏يعبر عن الجواز عند المالكية بقولهم "لا بأس": كقول ‏الإمام مالك في باب الخلع "لا بأس بأن تفتدي المرأة ‏من زوجها بأكبر مما أعطاها". فلا بأس: تعني الإجازة ‏أيضاً. وعلى ذلك إذا أطلق المباح انصرف إلى الجواز ‏الذي هو مستوى الطرفين أو المأذون فيه حيث لا ‏يتعلق بفعله مدح ولا بتركه ذم وهو معنى: لا بأس ‏أيضاً. انظر دليل السالك للمصطلحات والأسماء في فقه ‏الإمام مالك (15) للدكتور حمدي عبد المنعم شلبي. ‏

‏15- عَبَّر عبيد الله بن سلام عن هذا بأنه مذهب ‏الكراهية في الاستشفاء، انظر كتاب فضائل القرآن ‏ومعالمه وآدابه.‏
‏16-انظر منهاج الطالبين بشرح المحلي. وانظر حاشية ‏قليوبي وعميرة (1/44)‏
‏17-انظر الآداب الشرعية (82). وصحيح مسلم.‏

الحنابلة، كالقاضي أبي يعلي والبهوتي وابن الجوزي وابن عقيل ‏والمقدسي وغيرهم. جاء في الآداب الشرعية: الاستحباب هو الصـواب، وهو ‏قول الجمهور. وذكر في شرح مسلم أنه قول كثير من العلماء أو أكثرهم.‏

المذهـــــب الرابــــع:‏
مذهب الكراهة (18). فيكره التداوي بالرقى؛ محتجين بتعارض الأحاديث ‏في المنع والإباحة. أو بفهم حديث ابن عباس رضي الله عنه: "أن امرأة ‏ســوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقــالت: إنـي أصــرع وإني أتكشف ‏فادع الله، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك. ‏فقالت: أصبر. وقالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها" ‏‏(19). وقد رد النووي على هذا بقوله: لا مخالفة لهذا الحديث وغيره لأحاديث ‏الجواز، لأن "المدح في ترك الرقى المراد بها الرقـى التي هي من كلام ‏الكفار، والرقي المجهولة، والتي بتعبير غير العربية، وما لا يعرف معناها؛ ‏فهذه مذمومة لاحتمال أن معناها كفر، أو قريب منه أو مكروه. وأما الرقي ‏بآيات القرآن وبالأذكار المعروفة فلا نهي فيه بل هو سنة. ‏

‏18-انظر شرح النووي على مسلم (7/427). ونيل الأوطار ‏للشوكاني (8/20)، وفضائل القرآن لأبي عبيد: القاسم بن سلام ‏‏(2/220).‏
‏19- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المرض: باب فضل من ‏يصرع من الريح ح(5652). ومسلم في صحيحه: كتاب البر ‏والصلة: باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن ‏ح(2576). وأحمد في مسنده (1/347). قال ابـن حجر: من فوائد ‏الحديث: فضل من يصرع. وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث ‏الجنة. وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من ‏نفسه الطاقة ولم يضعف عند الالتزام الشدة. وفيه دليل على جواز ‏ترك التداوي. وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى ‏الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير وأن تأثير ذلك وانفعال البدن ‏عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنية ولكن إنما تنجح بأمرين: أحدهما ‏من جهة العليل وهو صدق القصد، والآخر من جهة المداوي وهو ‏قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل على الله. والله أعلم- انظر ‏فتح الباري لابن حجر (10/115) ش ح(5652). ‏
وقال بعض الفقهاء: لا تجوز الرقية إلا من العين واللدغة لحديث ‏بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا رقية إلا من عين أو ‏حمة"(20). وعن سهل بن حنيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ‏رقية إلا في نفس أو حمة أو لدغة"(21)؛ والنفس العين.‏

وأجاب الجمهور أن تخصيص ما ذكر لا يمنع الرقية من غيره من الأمراض. ‏فمعنى الحديث: لا رقية أولى وأنفع من رقية العين ‏والحمة، وإلا فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رقى ‏بعض أصحابه من غير ما ذكر. وسياق الحديث يدل على أن المراد أن الرقية ‏أنفع فيما ذكر. فإن سهلاً قال لما أصابته العين: أو في الرقى خير؟ فقال صلى ‏الله عليه وسلم: "لا رقية إلا من نفس أو حمة" (22). ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 06:06 PM
الرقية جائزة في كل مرض:‏

الرقية الجائزة شفاء سواء من مرض قلب أو نفس أو عضو. ‏
وإنما تكون الرقية جائزة بشروط ثلاثة متفق عليها:‏
‏1.‏ أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.‏
‏2.‏ أن تكون بلسان عربي، أو بما يعرف معناه من غيره. لا بالألفاظ ‏المجهولة التي لا يعرف معناها.‏
‏3.‏ أن يُعتقد أن الرقية لا تؤثر بنفسها بل بفعل الله تعالى(23).‏

‏20-شرح مسلم (7/327)، ونيل الأوطار (8/209)، ‏وفضائل القرآن لأبى عبيد: القاسم بن سلام (2/220).‏
‏21- أخرجه ابن ماجه (2/86). ‏
‏22- انظر الطب النبوي لابن القيم (127)، والدين ‏الخالص للسبكي (7/121).‏
‏23-انظر الدين الخالص للسبكي (7/120)، الفواكة ‏الدواني (2/369).‏

وقال بعض العلماء أن الرقية الشرعية التي يُؤمل منها الشفاء بإذن الله ‏هي ما كانت على لسان الأبرار من الخلق(24). والرقية الجائزة شفاء من كل ‏الأمراض القلبية والنفسية والعضوية إذا قدر الله الشفاء بها. ‏
روى أبو الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ‏اشتكى منكم شيئاً أو اشتكاه أخ فليقل أمرك في السماء والأرض كما ‏رحمتك(25). ‏
ولما رواه أبو سعيد الخدري أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه ‏وسلم فقال: "يا محمد، اشتكيت. فقال: نعم. فقال جبريل عليه السلام: باسم الله ‏أرقيك" من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم ‏الله أرقيك"(26).‏
وقد ثبت في الصحيح جواز الرقية من اللــدغة ومن الحمة ‏‎–‎‏ وهو الســم ‏‎–‎‏ والقرحة والجرح والألم والمصيبة والحزن والعين(27) وغيرها.‏

‏24- نيل الأوطار (8/222).‏
‏25-انظر نيل الأوطار (8/222). ‏
‏26-أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطب ‏والمرض والرقى ح(2186) والترمذي في سننه: كتاب ‏الجنائز: باب ما جاء في التعوذ للمريض ح(974) وابن ‏ماجه في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي (صلى ‏الله عليه وسلم) وما عوذ به ح(3523) وانظر تحفة ‏الأشراف ح(4363) وأخرجه أحمد في مسنده (3/28-56) ‏والنسائي في اليوم والليلة ح(1005) قال النووي هذا ‏تصريح بالرقى بأسماء الله تعالى وفيه توكيد الرقية والدعاء ‏وتكريره، وقوله من شر كل نفس قيل: يحتمل أن المراد ‏بالنفس نفس الأدمي وقيل يحتمل أن المراد بها العين فإن ‏النفس تطلق على العين ويقال رجل نفوس إذا كان يصيب ‏الناس بعينه. انظر شرح النووي على صحيح مسلم ‏‏(14/170).‏
‏27- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية ‏النبي (صلى الله عليه وسلم) ح(5746) ومسلم في ‏صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب الرقية من العين ‏والنملة والحمة والنظرة ح(2194) وأبو داود في سننه: ‏كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3895) وابن ماجه في ‏سننه: باب ما عوذ به النبي (صلى الله عليه وسلم) وما عوذ ‏به ح(3521) وانظر تحفة الأشراف ح(17906) وأخرجه ‏أحمد في مسنده (6/93) والبغوي في شرح السنة (5/224) ‏والنسائي في اليوم والليلة ح(1023) وابن السني في اليوم ‏والليلة ح (576).‏

ففي الرقية من اللدغة. حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: ‏بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إذ سجد فلدغته عقرب في إصبعه، ‏فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "لعن الله العقرب ما تدع نبيَا ‏ولا غيره". قال: ثم دعا بإناء فيه ماء وملح فجعل يضع موضع اللدغة في ‏الماء والملح ويقرأ: "قل هو الله أحد، والمعوذتين حتى سكنت"(28). ‏

وفي الرقية من الحمة حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم "رخص في الرقى من كل ذي حمة"(29). والحمة: السم. ‏

وفي الرقية من القرحة والجرح حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى الإنسان أو كانت به قرحة أو جرح: ‏قال بإصبعه: هكذا. ووضع سفيان سبابته بالأرض، ثــم رفعها فقال: باسم الله، ‏تربة أرضنا بريقة بعضنا، يشفي سقيمنا بإذن ربنا"(30). قـال ابن القيم: هذا من ‏العلاج الميسر النافع المركب. وطبيعة التراب الخالص باردة يابسة أشد من ‏برودة جميع الأدوية المفردة الباردة؛ فتقابل برودة التراب ‏حرارة المرض، لاسيما إذا كان التراب قد غُسل وجُفف. ومعنـى الحديث: أنـه ‏

‏28- أخرجه ابن ماجة في سننه: كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء ‏في قتل الحية والعقرب في الصلاة ح(1246) وانفرد به. وانظر ‏تحفة الاشراف ح(16125). قال الهيثمي في المجمع (5/111) ‏رواه الطبراني في الصغير واسناده حسن. وانظر صحيح سنن ابن ‏ماجة للألباني ح(1030). والسلسلة الصحيحة للألباني ح(547) ‏و(548). ‏
‏29- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية الحية ‏والعقرب ح (5741)، ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب ‏استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة ح (2193)، ‏وانظر تحفة الاشراف ح (16011).‏
‏30-أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية النبي ‏صلى الله عليه وسلم ح(5746). ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: ‏باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة (2194). ‏وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3895). وابن ‏ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه ‏وسلم وما عوذ به ح(3521). وانظر تحفة الاشراف ح(17906). ‏وأخرجه أحمد في مسنده (6/93). والبغوي في شرح السنة ‏‏(5/224). والنسائي في اليوم والليلة ح(1023). وابن السني في ‏اليوم والليلة (576). ‏
يأخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة، ثم يضعها على التراب، فيعلق بها من ‏شيء، فيمسح به على الجرح. وقول هذا الكلام لما فيه من بركة ذكر اسم الله، ‏وتفويض الأمر إليه، والتوكل عليه؛ فينضم أحد العلاجين إلى الآخر فيقوى ‏التأثير(31). ‏

وفي الرقية من ألم المصيبة والحزن ما ورد من حديث أم سلمة قالت: قال ‏صلوات الله وسلامه عليه: "ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه ‏راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلا أجره الله في ‏مصيبته وأخلف له خيراً منها"(32). ‏

وفي الرقية من الألم العضوي، حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه: أنه ‏شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعاً يجده في جسـده منذ أسلم؛ فقال ‏النبي صلى الله عليه وسلم: "ضع يدك على الذي تألم من جسدك، وقل: بسم الله ‏ثلاثاً، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر"(33). قال ‏ابن القيم: ففي هذا العلاج من ذكر الله والتفويض إليه، والاستعاذة بعزته وقدرته ‏من شر الألم ما يذهب به. وتكراره ليكون أنجع وأبلغ، كتكرار الدواء لإخراج ‏المادة. وفي السبع خاصية لا توجـد في غيرها.‏
وفي الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده ‏اليمنى ويقول: "اللهم رب الناس أذهب الباس واشف، أنت الشافي لا ‏شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقـما"(34). ففي هذه الرقـية توسـُّل ‏إلى الله بكمال ربوبيته، وكمال رحمته بالشفاء. وأنه وحده الشافي. وأنه لا شـفاء

‏31- انظر الطب النبوي لابن القيم (135). والدين الخالص للسبكي (7/122). ‏
‏32- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجنائز: باب ما يقال عند المصيبة ‏ح(918). وأبو داود في سننه: كتاب الجنائز: باب في الاسترجاع ح(3119). ‏وانظر تحفة الاشراف ح(18248) والنسائي في اليوم والليلة ح(1070). ‏
‏33- انظر الطب النبوي لابن القيم (135). والدين الخالص للسبكي (7/122).‏
‏34- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجنائز: باب ما يقال عند المصيبة ‏ح(918). وأبو داود في سننه: كتاب الجنائز: باب في الاسترجاع ح(3119). ‏وانظر تحفة الاشراف ح(18248) والنسائي في اليوم والليلة ح(1070). ‏
إلا شفاؤه. فتضمنت التوسل إليه بتوحيده وإحسانه وربوبيته (35).‏

وفي الرقية من النملة .. وهي قروح تخرج في الجنبين. وترقى فتبرأ بإذن الله. ‏سميت بذلك لأن صاحبها يحس في مكانها كأن نملة تدب عليه وتعضه. وهي ‏تدب وتنتقل من موضع إلى آخر في جنبيه، كما تدب النملة. عن الشفاء بنت عبد ‏اللـه قالت: "دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة: فقال لي: ألا ‏تُعلِّمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة"(36). ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 06:09 PM
الرقية من العين: الرقية من العين هي أصل الرقية ومحلها الأشهر. والرقية من ‏أكثر ما تكون من العين. وأكثر إصـابة النــاس منها. والعين عينان: عين إنسية ‏وعين جنية(37). عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ‏وسلم كان يتعوذ من الجان ومن عين الإنسان(38). ‏

‏35- انظر الطب النبوي لابن القيم (136).‏
‏36- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في الرقى ‏ح(3887). وأحمد في مسنده (6/372). والحاكم في مستدركه (4/14) ‏عن أبي حثمة القرشي أن رجلاً من الأنصار خرجت به نملة فدل أن ‏الشفاء بنت عبد الله ترقي من النملة فجاءها فسألها أن ترقيه فقالت: والله ما ‏رقيت منذ اسلمت فذهب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏فأخبره بالذي قالت الشفاء فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفاء ‏فقال: "أعرضي علي" فأعرضتها عليه فقال: "أرقيه وعلميها حفصة كما ‏علمتيها الكتابة"- قال الحاكم هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين ‏ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب إباحة ‏الرقية (9/349). وانظر صحيح سنن أبي داود للألباني ح(3291). ‏والصحيحة ح(178). والنملة: قروح تخرج من الجبين، ويقال أيضاً أنها ‏تخرج في غير الجنبـين، ترقى فتذهب بإذن الله عز وجل. قال الخطابي: ‏وفي الحديث دليل على أن تعليم الكتابة للنساء غير مكروه- انظر معالم ‏السنن (5/364).‏
‏37- انظر الطب النبوي لابن القيم: (119)، والدين الخالص: (124). ‏
‏38- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في الرقية ‏بالمعوذتين ح(2065) وقال: هذا حديث حسن غريب. والنسائي في سننه: ‏كتاب الاستعاذة: باب الاستعاذة من عين الجان ح(5509) وابن ماجة في ‏سننه: كتاب الطب: باب من استرقى من العين ح(3511) وانظر تحفة ‏الأشراف ح(4327) وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1681). ‏
وعن أم سلمة رضي الله عنها، أن النبي صـلى الله عليه وسلم رأى في بيتها ‏جارية في وجهها سفعة أي صفرة، فقال: "استرقوا لها، فإن بها النظرة"(39). ‏والعين حق لا يجوز لمسلم تكذيبها لورود خبرها في الصحيح. ‏
وروى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‏‏"العين حق"(40). ‏
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "أمرني النبي صلى الله عليه وسلم؛ أو أمر ‏أن تسترقي من العين"(41).‏
وعن أبي إمامة بن سهل بن حنيف، قال: "رأى عامر بن ربيعة سهل بن ‏حنيف يغتسل، فقال: والله ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، قال: فلبط سهل- أي ‏صرع وسقط على الأرض. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عامراً، ‏فتغيـظ عليـه وقال: "علام يقتل أحدكم أخاه! ألا بركت، اغتسل له. فغسل له
‏39- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية العين ‏ح(5739) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب الرقية من ‏العين والنملة والحمة والنظرة ح(2197) والبيهقي في السنن: كتاب ‏الضحايا: باب إباحة الرقية بكتاب الله ح(9/348) وانظر شرح معاني ‏الاثار للطحاوي (4/237) قال النووي: السفعة يعنى بوجهها صفرة، ‏وقيل سواد وقال ابن تيمية هي لون يخالف لون الوجه، وقيل أخذه من ‏الشيطان- انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/185) قال ابن ‏عبد البر: فيه دليل على أن العين تسرع إلى قوم فوق إسراعها إلى ‏آخرين، وأنها تؤثر في الإنسان بقضاء الله وقدره وتصرعه في أشياء ‏كثيرة. وإنما يسترقى من العين إذا لم يعرف العائن. وأما إذا عرف ‏الذي أصابه بعينه فإنه يؤمر بالوضوء- التمهيد (2/269).‏
‏40- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب العين حق ح ‏‏(5740)، ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطب والمرض ‏والرقى ح (2187)، وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في ‏العين ح (3879)، وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب العين ‏ح (3505)، وانظر تحفة الأشراف ح (14696).‏
‏41- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية العين ‏ح(5738) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب الرقية من ‏العين والنملة والحمة والنظرة ح(2195) وابن ماجة في سننه: كتاب ‏الطب: باب من استرقى من العين ح(3512) وانظر تحفة الأشراف ‏‏(16199) وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب إباحة ‏الرقية بكتاب الله (9/347) وانظر شرح معاني الاثار ‏للطحاوي (4/327) قال الحافظ ابن حجر: أن النبي (صلى الله عليه ‏وسلم) أمر عائشة أن يسترقى من العين أي يطلب الرقية ممن يعرف ‏الرقى بسبب العين- انظر فتح الباري (19/201).‏
عامر وجهه ويديه، ومرفقيه وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قــدح، ‏ثم صب عليه، فراح مع النــاس"(42). ‏
وعن عبيد بن رفاعة الزرقي أن أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله، إن بني ‏جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ فقال: "نعـم، فلو كان شيء يسبق القضاء ‏لسبقته العين"(43).‏

فالعين وهي إصـابة العائـن غـيره بعـين‎–‎‏ حق. قال المازري: أخـذ الجمهور ‏بظاهر الحديث، وأنكره طوائف من المبتدعة لغير معنى. لأن كل شيء، ليس ‏محالاً في نفسه ولا يؤدي إلى قلب حقيقة، ولا فساد دليل فهو من مجوزات ‏العقول. فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى. وهل من فرق بين ‏إنكارهم هذا وإنكارهم ما يخبر به في الآخرة من الأمور(44). وقال ابن القيم: ‏أبطلت طائفة ممن قل نصيبهم من السمع والعقل أمر العين، وقالوا: إنما ذلك ‏أوهام لا حقيقة لها، عن الأرواح والنفوس، وصفاتها أفعالها، وتأثيرها.‏
وعقلاء الأمم على اختلاف مللهم ونحلهم لا تدفع أمر العين، ولا تنكره، وإن ‏اختلفوا في سببه، وجهة تأثير العين(45).‏

‏42- أخرجه المالك في الموطأ (938/2)، وابن ماجة في سننه: كتاب ‏الطب: باب العين ح (3509)، وأحمد في مسنده (486-2487/3)، ‏والحاكم في مستدركه (411-412/3)، وقال: الزيادات في الحديثين ‏جميعاً مما لم يخرجاه. وسكت عنه الذهبي. وانظر تحفة الأشراف ح ‏‏(136). وانظر صحيح سنن ابن ماجة للألباني ح (2828). ‏
‏43- أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين: باب الرقية من العين ‏‏(2/939) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب الرقية ‏من العين والنملة والحمة والنظرة ح(2198) والترمذي في سننه: ‏كتاب الطب: باب ما جاء في الرقية من العين ح(2066) وقال: هذا ‏حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب من ‏استرقى من العين ح(3510) وأحمد في مسنده (3/333) وقال ‏الهيثمي في المجمع (5/109) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. ‏وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية بكتاب ‏الله (9/348) والطحاوي في شرح معاني الآثار ‏‏(4/327).‏
‏44- انظر نيل الأوطار (223/8)، وفتح المجيد (63).‏
‏45- الطب النبوي: (120). ‏

النفث في الرقية: ‏

النفث: نفخ نظيف بلا ريق. وهو جائز، لما ثبت في الصحيح من حديث ‏عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله عليه وسلم إذا مرض أحد من ‏أهله، نفث عليه بالمعوذات. فلما مرض مرضه الذي مات فيه، جعلت أنفث ‏عليه وأمسحه بيد نَفْسه، لأنها كانت أعظم ‏بركة من يدي"(46). وحديث قتادة رضي الله عنه قال: "سمعت النبي صلى الله ‏عليه وسلم يقول: الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان. فإذا رأى أحدكم شيئاً ‏يكرهه فلينفث حين يستيقظ ثلاث مرات، ويتعوذ من شرها، فإنها لا ‏تضره"(47). قال النووي: في الأحاديث استحباب النفث في الرقية، وقد أجمعوا ‏على جوازه. واستحبه الجمهور من الصحابة والتابعين ومَنْ بَعْدهم. سُئلت ‏عائشة رضي الله عنها عن نفث النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "كما ينفث
‏46 ‏‎–‎‏ أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين: باب التعوذ والرقية في ‏المرض (2/193) والبخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب في المرأة ‏ترقى الرجل ح(5751) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب رقية ‏المريض بالمعوذات والنفث ح(2192) وأبو داود في سننه: كتاب ‏الطب: باب كيف الرقى ح(3602) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: ‏باب النفث في الرقية ح(3529) وانظر تحفة الأشراف ح(16589) ‏وأحمد في مسنده (6/104) والنسائي في اليوم والليلة ح(1009) قال ‏النووي: وسئلت عائشة عن نفث النبي (صلى الله عليه وسلم) في الرقية ‏فقالت كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه. قال: ولا اعتبار بما يخرج ‏عليه من بلة ولا يقصد- انظر شرح النووي على صحيح مسلم ‏‏(14/182).‏
‏47- أخرجه مالك في الموطأ: كتاب الرؤيا: باب ما جاء في الرؤيا ‏‏(2/956) ح(4) والبخاري في صحيحه: كتاب التعبير: باب إذا رأى ما ‏يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها. ح (7044). ومسلم في صحيحه: كتاب ‏الرؤيا ح(2261) وأبو داود في سننه: كتاب الأدب: باب ما جاء في ‏الرؤيا ح(5021) والترمذي في سننه: كتاب الرؤيا: باب إذا رأى في ‏المنام ما يكره ما يصنع ح(2284) وقال هذا حديث حسن صحيح. وابن ‏ماجه في سننه: كتاب تعبير الرؤيا: باب من رأى رؤيا يكرهها ‏ح(3909) وانظر تحفة الأشراف ح(12135) قال القاضي عياض: ‏وأمر بالنفث ثلاثاً لطرد الشيطان الذي حضر رؤياه المكروهة تحقيراً له ‏واستقذاراً وخصت به اليسار لأنها محل الأقذار والمكروهات- انظر ‏شرح النووي على صحيح مسلم (15/18).‏
آكل الزبيب لا ريق معه. ولا اعتبار بما يخرج عليه من بلة ولا يقصد ذلك"(48). ‏

الاغتسال في الرقية: ‏

إن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الاغتسال في الرقية من إصابة ‏العين، لما سبق من حديث أبي أمامه سهل بن حنيف، وفيه أمر النبي صلى ‏الله عليه وســلم عامراً أن يغتسل لسهل بن حنيف. ولحديث عبد الرزاق عن ‏معمر عن أبي طاووس عن أبيه مرفوعا: "العين حق، ولو كان شيء سابق ‏القدر لسبقته العين، وإذا استغسل أحدكم، فليغتسل"(49). وقد بين حديث أبي ‏امامه كيفية الاغتسال، بأن يغسل العائن وجهه، ويديه ومرفقيه وركبتيه، ‏وأطراف رجليه وداخلة إزراره في قدح، ثم يصب على المعين. وقد ذكر ‏الإمام أحمد والنسَّـائي من طريـــق الزهـري عن أبي أمامه سهـل بن حنيف ‏كيفية اغتســال المعين بأن يصب ذلك المــاء على المعين من خلفه على ‏رأسه وظهره، ثم يكفأ القــدح. وعلى روايـة الموطّأ يصب على المعين المــاء ‏من فوقه(50). ولا يظهــر لأول وهلة للاغتســال بهذه الطريقــة معنى له حكمة ‏أو علـة، لكن التســليم بــه واجــب، وإن لم تظهر لنا علته قال المازري: هذا ‏مما لا يمكن تعليله، ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يُرَدّ لكونه لا يُعقل ‏معناه. وقال ابن العربي: إن توقف متسرع قلنا له: الله ورسوله أعلم. وقد ‏عضدته التجربة، وصدقته المعاينة. ‏

‏48-انظر شرح النووي على مسلم (14/182)، ونيل الأوطار ‏‏(222/8)، والدين الخالص للقنوجي (321/2).‏
‏49-أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطب ‏والمرض والرقى ح (2188)، والتزمذي في سننه: كتاب ‏الطب: باب ما جاء أن العين حق، والغسل لها ح (2069). ‏وقال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وهذا حديث حسن ‏صحيح غريب. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ح (8/59)، ‏وعبد الرزاق في مصنفه ح (19770)، وانظر تحفة الأشراف ‏ح (5716).‏
‏50- انظر الفواكة الدواني (373/2).‏

وقال ابن القيم: وهذا مما لا يناله الأطباء، ولا ينتفع به من أنكره وسخر منه ‏أو شَـــكَّ فيه، أو فعله مجربا غير معتقد أن ذلـك ينفعـه. هذا مع أن في ‏المعالجة بهذا الاستغسال ما تشهد له العقول الصحيحة، وتقر لمناسبته، فاعلم ‏أن ترياق سم الحية في لحمها، وأن علاج تأثير النفس الغضبية في تسكين ‏غضبها، وإطفاء نارها؛ وضَعْ يدك على بدن الغضبان فيسكن.‏
وأما مناسبة صب الماء على المعين فهي في غاية المناسبة، فإن ‏ذلك الماء طفئ به تلك النارية، وأبطل تلك الكيفية ‏الرؤية من الفاعل. فكما طُفئت به النارية القائمة بالفاعل طُفئت به، وأبطلت ‏عن المحل المتأثر بعد ملامسته للمؤثر العائن، كالماء الذي ‏يُطفأ به الحديد في الروية عدة طبيعية ذكرها الأطباء، فهذا الذي طفى به نارية ‏العائن، لا يستنكر أن يدخل في دواء مناسب لهذا الداء(51). ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 06:14 PM
النشــــــــــــرة: ‏

وهي أضرب من العلاج والرقية، يعـــالج به من يظن أن به مسا من الجن، ‏سميت نشرة لأنه ينشر بها - أي يكشف ويزال - ما خامره من الداء. وقال ‏القرطبي: النشـرة هي أن يُكـتب شيئاً من أسـماء الله أو من القرآن، ثم يغسله ‏بالماء، ثم يمسح به المريض أو يسقيه. ‏
وقد اختلف الفقهاء في حكمها. فالذين فسروا أنها من السحر حرموها. قال ‏الحسن بن يسار البصري: "النشرة من السحر"(52). وروي عنه قوله: "لا يحل ‏السحر إلا الســاحر"(53). ‏

‏51-انظر الطب النبوي (125)، وتحفة الأحوذي (2256)، ‏ونيل الأوطار (22418) بتصرف.‏
‏52-تفسير القرطبي (10/318)، ومجموع فتاوي شيخ ‏الإسلام (19/64).‏
‏53-انظر فتح المجيد (303)، والدين الخالص للشيخ محمد ‏صديق حسن (2/340).‏

قال ابن الجوزي: "النشرة حل السحر عن المسحور"(54)، ولا يكاد يقدر عليه ‏إلا من يعرف السحر(55). وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: "إن ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة فقال: "هي من عمل ‏الشيطان"(56). وقال سـئل أحمد عنها، فقال: ابن مسعود يكره هذا كله. أي ‏يكره النشرة التي هي من عمل الشيطان، كما يكره تعليق التمائم مطلقاً. ‏والمراد بالنشرة المسئول عنها، النشرة المعهودة المعروفة التي كان أهل ‏الجاهلية يضعونها وهي من عمل الشيطان. ولم ير مجاهد أن تكتب آيات من ‏القرآن ثم يغسل ثم يسقاه صاحبه. وقد أجاز النشرة سعيد بن المسيب.‏
روى البخاري عن قتادة قلت لابن المسيب: "رجل به أي سحر، أو يؤخذ عن ‏امرأته أيحل عنه، أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به العلاج. ‏
فأما ما ينفع فلم ينه عنه"(57). ويحمل كلام ابن المسيب على نوع من النشرة لا ‏يعلم أنه سحر. وكانت عائشة رضي الله عنها تقرأ المعوذتين في إناء ثم تأمر ‏أن يصب على المريض. وقد حمل المجــيزون للنشرة أحــاديث المنع ‏‎–‎‏ كما ‏قال القرطبي-على أنها خارجة عما في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم، وعن المداواة المعروفة. وقال القرطبى أيضاً: ‏‏"والنشرة من جنس الطب فهي غسالة شيء له فضل، فهي كوضوء رسول الله ‏صلى ‏الله عليه وسلم

‏54-انظر الدين الخالص للشيخ محمود خطاب السبكي ‏‏(7/135).‏
‏55- انظر الدين الخالص للشيخ محمود خطاب السبكي ‏‏(7/135). ‏
‏56-أخرجه أبو داود في سننه: كتاب ألف: باب في النشرة ‏ح(3868). وأحمد في مسنده (3/294). والهيثمي في ‏مجمعه (5/102) وقال: رواه البزار والطبراني في ‏الأوسط ورجال البزار رجال الصحيح. وابن أبي شيبة في ‏مصنفه (7/387). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي ‏داود ح(3277).‏
‏57- أخرجه البخاري معلقا بصيغة الجزم في كتاب ‏الطب: باب هل يستخرج السحر- انظر فتح الباري لابن ‏حجر (10/232). وقال الحافظ ابن حجر في التغليق ‏‏(5/49): رواه الاثرم في السنن وساق اسناده ثم قال: ‏واسناده صحيح. ‏
وقال صلوات الله وسلامه عليه: "لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه ‏شرك، ومن استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل(58). ‏
وما ذهب إليه ابن القيم قول حسن، فقد قسم النشرة إلى نوعين؛ الأول: ‏حل السحر عن المسحور بسحر مثله – وهو الذي من عمل الشيطان. والثاني: ‏النشرة بالرقية والتعوذات، والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز. وعليه ‏يحمل كلام من أجاز النشرة من العلماء. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل ‏الشيخ الحاصل: أن ما كان منه بالسحر فيحرم – وما كان بالقرآن والدعوات ‏والأدوية المباحة فجائز والله أعلم(59).‏
وقال ابن تيمية: ويجوز أن يكتب للمصاب وغيره من المرضى شيء من ‏كتاب الله وذكره بالمداد المباح، ويغسل ويسقى. كما نص على ذلك أحمد ‏وغيره. قال عبد الله بن أحمد: رأيت أبى يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولادتها ‏في جام أبيض، أو شئ نظيف‎…‎‏ يكتب حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ‏‏"لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب ‏العالمين، كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ، كأنهم ‏يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها"(60). ‏
واستشكل قوم من الصوفية وغيرهم أثر التداوي فقالوا: "إن الشفاء قد ‏قدر، فالتداوي لا يفيد. وإن لم يكن قد قدر فكذلك". وأيضاً، "فإن المرض ‏حصل بقدر الله، وقدر الله لا يُدفع ولا يُرد"(60). وهذا كلام ظاهره الحجة، ‏ولكنه في غير محل الخلاف، ولا حجة لهم فيه. وقد رد ابن القيم على هذا ‏بقولـه: إن هذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم،

‏58-انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (318/10)، ومجموع ‏فتاوي ابن تيمية (19/64)، وفتح المجيد (303)، والدين الخالص ‏للقنوجي (340/2)، والدين الخالص لمحمود خطاب السبكي ‏‏(135/7).‏
‏59- انظر الآداب الشرعية لابن مفلح (2/456-457).‏
‏60- انظر الآداب الشرعية لابن مفلح (2/456-457).‏

وأمّا أفاضل الصحابة ‏‎–‎‏ فأعلم بالله وحكمته وصفاته من أن يوردوا مثل هذا؛ ‏وهم يشيرون إلى حديث أسامة بن شريك. قال: "جئت عند النبي صلى الله ‏عليه وسلم وجاءت الأعراب؛ فقالوا : يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: نعم يا عباد ‏الله تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع لـه شفاء غير داء واحد، ‏قالوا: ما هو؟ قال: الهرم"(61). ‏
أيضاً، فقولهم هذا يوجب أن لا يباشروا سبباً من الأسباب التي يجلبون بها ‏منفعة أو يدفعون بها مضرة، إن قدرتا لم يكن بد من وقوعهما، وإن لم تقدرا ‏لم يكن سبيل إلى وقوعهما. وفى ذلك خراب الدين والدنيا وفساد العالم. وهذا ‏لا يقوله إلا مراء للحق، معاند له كالمشركين الذين قالوا:‏
‏(لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا)(62).‏
و(لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا)(63). وهذا الذي ‏قالوه دفعًا لحجة الله عليهم بالرسل.‏

التداوي والتوكل:‏

لقد وهم بعض الفقهاء فظنوا التعارض بين التداوي والتوكل لِمَا وجدوا ‏من أحاديث المنع من الرقية ومدح الترك. والصواب أن المدح في ترك الرقى ‏للأفضلية، وبيان التوكل. والذي فعل الرقى وأذن فيها لبيان الجواز مع أن ‏تركها أفضـل. ‏
‏61- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في ‏الرجل يتداوى ح(3855). والترمذي في سننه: كتاب ‏الطب: باب ما جاء في الدواء والحث عليه ح(2045) ‏وقال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة ‏في سننه: كتاب الطب: باب ما أنـزل الله داء إلا أنزل له ‏شفاء ح(3436). وانظر تحفة الاشراف ح(127). ‏وأخرجه أحمد في مسنده (4/278). وانظر صحيح سنن ‏ابن ماجة للالباني ح(2772). ‏

‏62- سورة الأنعام: آية 148. ‏
‏63-سورة النحل: آية 35.‏

ورد ابن القيم شبهة التعارض فقال: "إن الأمر بالتداوي لا ينافى ‏التوكـــل، كما لا ينافيه دفــع داء الجوع، والعطش، والحــر، والبرد ‏بأضدادها. بل لا تتم حقيقـة التوحيد إلا بمباشرة الأسـباب التي نصبها الله ‏مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعاً، وأن تعطيلها يقدح في نفس المتوكل كما ‏يقدح في الأمر والحكمة، ويُضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في ‏التوكل، فإن تركها عجزا ينافى التوكل الذي حقيقته اعـتماد القلب على الله في ‏حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه. ولا بد ‏معها على الله الاعتماد ومباشرة الأسباب، إلا كان معطلاً للحكمة والشرع، فلا ‏يجعل العبد عجزه توكلاً ولا توكله عجزاً"(64).‏

وقد يُحْتَجّ للتعارض بما ورد في حديث عقَّار بن المغيرة بن شعبة عن ‏أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اكتوى أو استرقى ‏فهو برئ من التوكل"(65). لفعله ما الأولى التـنزة عنه. قال ‏المباركفورى: "وهذا فيمن كان معتمدا عليها لا على الله فارتفع اللبس". وقد ‏رد ابن الجوزى على من قال: إن التداوي خارج من التوكل بمثل هذا، ‏فقال: إن الإجماع على أنه لا يخرج من التوكل. وقد صح عن رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم أنه تداوى وأمر بالتداوي – ولم يخرج بذلك من ‏التوكـل، ولا أخرج من أمره أن يـتداوى من التوكل(66). وفى الصحيـح من ‏

‏64-انظر الطب النبوي لابن القيم: (16).‏
‏65-أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء ‏في كراهية الرقية ح (2062)، وقال هذا حديث حسن ‏صحيح، وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب الكي ح ‏‏(3489)، وأحمدفي مسنده (249-253/4)، والحاكم في ‏مستدركه (415/4)، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه ‏الذهبي. وانظر تحفة الأشراف ح (11518)، وانظر ‏سلسلة الأحاديث الصحيحة للأباني ح (244).‏
‏66-انظر الطب النبوي لابن القيم: (15).‏

حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص إذا ‏اشتكى المحرم عينه أن يضمدها بالصبر(67). قال ابن جرير الطبري: "وفى هذا ‏الحديث دليل على فساد ما يقوله ذوو الغباوة من أهل التصوف والعباد، من أن ‏التوكل لا يصح لأحد عالج علة في جسده بدواء. إذ ذلك عندهم طلب العافية من ‏غير من بيده العافية والضر والنفع، وفى إطلاق النبي صلى الله عليه وسلم ‏للمحرم علاج عينه بالصبر لدفع المكروه، أدل دليل على أن معنى التوكل غير ما ‏قاله الذين ذكرنا قولهم. وأن ذلك غير مخرج فاعله من الرضا بقضاء الله …لأن ‏الله لم ينزل داء إلاّ أنزل له دواء إلا الموت"(68). وقد يحتج لهم بحديث ابن عباس ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير ‏حسـاب،
‏67-أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الحج: باب جواز ‏مداواة المحرم عينيه ح (1204)، أبو داود في سننه: ‏كتاب المناسك: باب يكتحل المحرم ح (1838)، ‏والترمذي في سننه: كتاب الحج: باب ما جاء في المحرم ‏يشتكي عينه فيضمدها بالصبر ح (954)، وقال: هذا ‏حديث حسن صحيح. والعمل عند أهل العلم لا يرون بأسا ‏أن يتداوى المحرم بدواء ما لم يكن فيه طيب. والنسائي ‏في سننه: كتاب الحج: باب الكحل للمحرم ح (2710)، ‏وانظر تحفة الأشراف ح (9777). قال النووي: اتفق ‏العلماء على جواز تضميد العين وغيرها بالصبر ونحوه ‏مما ليس بطيب، ولا فدية في ذلك، فإن احتاج إلى ما فيه ‏طيب جاز له فعله وعليه الفدية،. واتفق العلماء، على أن ‏للمحرم أن يكتحل بكحل لا طيب فيه إذا احتاج إليه، ولا ‏فدية عليه فيه. أما الاكتحال للزينة فمكروه عند الشافعي ‏وآخرين. ومنعه جماعة منهم أحمد واسحق. وفي مذهب ‏مالك قولان كالمذهبين، وفي إيجاب الفدية عندهم بذلك ‏خلاف والله أعلم- انظر شرح النووي على مسلم (124-‏‏125/8).‏
‏68-أخرجه أبو داود في كتاب الطب: باب في الرجل ‏يتداوى ح(3855) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ‏ما جاء في الدواء والحث عليه ح(2045) وقال أبو ‏عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: ‏كتاب الطب: باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ‏ح(3436). وانظر تحفة الاشراف ح(127). وأخرجه ‏أحمد في مسنده (4/278) وانظر صحيح سنن ابن ماجة ‏للألباني ح(2772). ‏

هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون"(69). ‏وقد أجاب الفقهاء عن هذا بأجوبة، أجودها ما قاله الخطابي، بأن المراد بترك ‏الرقى والكي الاعتماد على الله في الدواء والرضا بقدره؛ لا القدح في جواز ‏ذلك، وثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة، وعن السلف الصالح. لكن مقام ‏الرضى والتسليم أعلى من تعاطى الأسباب. قال ابن الأثير: "هذا من صفة ‏الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها، وهؤلاء هم خواص الأولياء، ‏ولا يرد عليه وقوع مثل ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فعلا وأمراً، لأنه ‏كان في أعلا مقامات العرفان ودرجات التوكل. فكان ذلك منه للتشريع وبيان ‏الجواز، ومع ذلك فلا ينقص من توكله لأنه كان كامل التوكل يقينا، فلا يؤثر ‏فيه تعاطى الأسباب شيئا؛ بخلاف غيره ولو كان كثير التوكل، لكن من ترك ‏الأسباب وفوض وأخلص في ذلك كان أرفع مقاما"(70). وهذا التعليل هو الذي ‏يفســـر ميل كثير من الفقهاء مع قولهم بجواز الرقية أو استحبابها، إلى أن ‏ترك التداوي توكلاً، والصبر على المرض أولى من الرقية.‏

وقـال الشــيخ عبد الرحمن آل الشــيخ: "الحديث لا يدل على أنهم لا ‏يباشرون الأسباب أصلا، فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمـر فطري

‏69-أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب من ‏لم يرق ح(5752) ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: ‏باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير ‏حساب ولا عذاب ح(216) والترمذي في سننه: كتاب ‏صفة القيامة: باب (81) ح(2454) وقال هذا حديث حسن ‏صحيح. وأحمد في مسنده (1/271). وقال الهيثمي في ‏المجمع (10/405) رجال أحمد والبزار رجال الصحيح. ‏وأخرجه الطبراني في الكبير (18/23) والبيهقي في ‏الكبرى: كتاب الضحايا: باب ما جاء في استحباب ترك ‏الاكتواء والاسترقاء (9/341) والبغوى في شرح السنة ‏‏(15/135) ح(4322). ‏
‏70- انظر فتح الباري لابن حجر (10/212) ش ح ‏‏(5752) .‏
ضروري، لا انفكاك لأحد عنه، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب"(71) ‏قال تعالى:‏
‏ (ومن يتوكل على الله فهو حسبه)(72).‏

التمائم والتولة: ‏

ورد في الصحيح عن أبى بشير الأنصاري رضى الله عنه: "أنه كان مع ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسولاً: أن لا يبقين ‏في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت"(73). وعن ابن مسعود رضى ‏الله عنهما قال: "سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرقى والتمائم ‏والتولة شِرْك"(74). ‏
والمقصود بالرقى هنا – كما سبق – الرقى التي يستعان فيها بغير الله ‏تعالى. والتمائم: "هي ما يعلق بأعناق الصبيان من خرز وعظام لدفع ‏العين"(75) وهذا منهي عنه، لأنه لا دافع إلا الله، ولا يطلب دفع المؤذيات إلا ‏بالله، وبأسمائه، وصفاته. ‏

‏71- انظر فتح المجيد للشيخ عبد الرحمن آل الشيخ (68).‏
‏72-سورة الطلاق: آية 3.‏
‏73-أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسير: باب ما قيل ‏في الجرس ونحوه في أعناق الإبل ح (3005). ومسلم ‏في صحيحه: كتاب اللباس والزينة: باب كراهة قلادة الوتر في البعير ‏ح (2115). وأبو داود في سننه: كتاب الجهاد: باب في تقليد الخيل ‏بالأوتار ح (2552). وانظر تحفة الأشراف ح (11862).‏
‏ 74-أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح ‏‏(3883). وابن ماجه في سننه: كتاب الطب: باب تعليق التمائم ‏ح(3530). وانظر تحفة الأشراف ح(9643) وأخرجه أحمد في ‏مسنده (1/381). والحاكم في مستدركه (4/217) وقال هذا حديث ‏صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقراه الذهبي. وأخرجه البيهقي في ‏الكبرى: كتاب الضحايا: باب التمائم (9/350). وانظر صحيح سنن ‏أبو داود للألباني ح(3288).‏
‏75- انظر فتح المجيد: (126). ‏

وقد اختلف الفقهاء من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم في جواز تعليق ‏التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته، فقالت طائفة يجوز ذلك. وهو قول ‏عبد الله بن عمرو بن العاص. وهو ظاهر ما روي عن عائشة رضي الله ‏عنها، وبه قال أبو جعفر الباقر رضى الله عنه ، وأحمد في ‏رواية، وحملوا الحديث على التمائم التي فيها شرك(76).‏
وقالت طائفة: لا يجوز ذلك. وبه قال ابن العباس وهو ظاهر قول حذيفة ‏وعقبة بن عامر وابن عكيم رضي الله عنهم، وبه قال جماعة من التابعين منهم ‏أصحاب ابن مسعود وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه، وجزم به ‏المتأخرون، واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه(77). ‏

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشـيخ: قلت هذا هو الصـحيح بوجوه ‏ثلاثة؛ الأول: عموم النهي ولا مخصص للعموم. والثاني: سد الذريعة، فإنه ‏يفضى إلى تعليق ما ليس كذلك. الثالث: أنه إذا علق فلا يبعد أن يمتهنه المعلق ‏بحمله معه في حالة قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك(78). ‏
والتولة: شئ يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى ‏امرأته، وإنما كان من الشرك لما يراد به رفع المضار وجلب المنافع من غير ‏الله تعالى(79).‏

‏76-المرجع السابق (127).‏
‏77-المرجع السابق (127).‏
‏78-المرجع السابق (128).‏
‏79- المرجع السابق (128).‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 06:18 PM
التشافـــــــــــي بالقـــــــــــــــــــرآن ‏

الأستاذ الدكتور أحمد القاضـــــــي
وإيـــــــــمـان أبو السعـــــــــود القاضـــــــــــــي ‏



بسم الله الرحمن الرحيم

‏(وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)(123).‏
وإن لكم في القرآن لما يشفيكم (124).‏
‏ الأثر الشافي للقرآن حقيقة مقررة نص عليها الله تعالى في كتابه الكريم، ‏وأوصى بها الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا الأثر الشافي له أوجه متعددة ‏ومظاهر كثيرة بدأنا في السنوات الأخيرة نفهم بعضها، وما زلنا لم نسبر غور ‏أغلبها؛ ونسأل الله تعالى أن يزدنا فيها علماً. وفى هذه العجالة نذكر بعض ‏أوجه الأثر الشافي للقرآن التي ثبت لنا بالتجربة العلمية أثرها وفعاليتها. ‏

‏1-‏ الأثر الشافي للاستماع للقرآن:‏
ثبت بالتجربة المقارنة أن الاستماع إلى تلاوة القرآن ينتج عنه تغيرات في ‏عدد من الوظائف الحيوية في الجسم البشري؛ والتي يمكن قياسها ورصدها ‏إلكترونيا. وهذه التغيرات الفيزيولوجية تصاحب في العادة عمليات الشفاء، ‏وهى مضادة للتغيرات التي تصاحب الحالات المرضية. وتظهر هذه التغيرات ‏الفيزيولوجية الإيجابية عند من يفهم اللّغة العربية ومن لا يفهمها، وإن كانت ‏التغيرات أعمق وأكثر وضوحاً حين يتوفر فهم معاني كلمات القرآن.‏

‏2-‏ الأثر الشافي للرقية (أي اللمس مع قراءة القرآن):‏
ثبت عن طريقة التصوير الكهربائي (تصوير كيرليان) أن قراءة القرآن ‏تحدث تغيرات إيجابية في مجال الطاقة الكهربائية المغناطيسية المحيطة ‏بجسـم
‏123- سورة الإسراء آية: 82.‏
‏124- قول مشهور.‏
وأطراف القاريء، وثبت كذلك أن هذه التغيرات في المجال الكهربائي ‏المغناطيسي للقاريء تؤثر تأثيراً إيجابياً على المجال الكهربائي المغناطيسي ‏للمقروء عليه، أو المرقى. وهذه التغيرات بالتالي يكون لها أثر إيجابي شاف ‏على صحة المريض بإذن الله. ‏

‏3-‏ الأثر الشافي لبعض المفاهيم من القرآن والسنة التي تساعد المريض على ‏التخلص من المشاعر
السلبية:‏
ثبتت فعالية بعض المفاهيم من القرآن والسنة الشريفة في التخلص من ‏المشاعر السلبية عند المريض. وقد ثبت بالتجربة العملية أن المشاعر السلبية ‏المختزنة من أقوى العوامل التي تؤدي إلى تثبيط وظائف المناعة عند ‏الإنسان. وثبت أن ضعف أو خلل وظائف المناعة عند الإنسان يؤدي إلى ‏زيادة نسبة الإصابة بالأمراض المختلفة، ومنها ما يهدد الصحة والحياة. ‏وبالتالي فإن الإرشاد النفسي لتعلم كيفية التخلص من المشاعر السلبية هو ‏جزء أساسي في علاج الأمراض المزمنة والتي كان يظن أنها مستعصية على ‏العلاج الشافي. وقد ثبتت فعالية الإرشاد النفسي المبنى على المفاهيم الإسلامية ‏المنبثقة من القرآن، والسنة الشريفة، وهذا على المسلمين وغير المسلمين، لأنه ‏يستند على مفاهيم تتناسب مع فطرة الإنسان، بغض النظر عن ملته. وإن ‏كانت فعالية هذا الإرشاد النفسي تزداد مع زيادة عمق المفاهيم الإيمانية ‏والروحانية عند المريض، وهذا أحد الأهداف المرجو الوصول إليها عند ‏المرضى.‏
‏ ‏
‏4-‏ الأثر الشافي للسلوكيات الحياتية الإسلامية المنبثقة من التعاليم الإسلامية ‏النابعة من القرآن والسنة الشريفة (ما يسمى بالطب الإسلامي التطبيقي ‏أو السريري أو الإكلينيكى):‏
وبعد مراجعة نتائج العلاج طويلة المدى (أكثر من خمس سنوات)، تبين ‏أن استعمال الطب الإسلامي السريري في علاج الأمراض التي فشل الطب ‏الحديث في تقديم العلاج الشافي لها؛ قد نجح نجاحاً كبيراً يفوق نجاح علاجات ‏الطب الحديث أضعافاً مضاعفة. وهذا نمط ثابت وراتب بالنسبة لجميع ‏الأمراض المختلفة؛ وإن كانت نسبة ودرجة النجاح متفاوتة من مرض لآخر.‏
‏ وهذا النجاح عند المرضى المسلمين وعند غير المسلمين على السواء. ‏وهذا مظهر آخر من مظاهر الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، إضافة إلى ما ‏ظهر في السابق في مجال الإعجاز المذكور. ‏
ولقد فرقت العقيدة الإسلامية بين أفعال العباد وإرادتهم، وبين إرادة ‏المولى عز وجل. وقد أوضحت العقيدة الإسلامية بتفصيل متناه في الدقة ‏العلاقة بين الإنسان وإرادته وبين خالقة جل وعلا…‏
وأحد أبواب الإيمان بالله عز وجل هو التسليم بأن الشفاء والنفع والضر ‏كل ذلك من عند الله عز وجل دون الإخلال بما يملك الإنسان من أفعال ‏يستجلب بها منفعة أو مضرة أو مرضاً أو شفاء يحدث بإذن الله. ‏
ولعل الأطباء المسلمين الذين كانوا في عهد النهضة الإسلامية يدرسون ‏علم التوحيد والفقة إلى جانب دراستهم للعلوم المادية؛ نقول: كان هؤلاء ‏الأطباء الأوائل على دراية وعلم في العقيدة الإسلامية تجعلهم يتعاملون مع ‏المادة تعامل المدرك الواعي…‏
ولهذا الفهم الصحيح للعلاقة بين الروح والجسد عند أطباء المسلمين، ‏وبين صفاء وردهم من العقيدة فقد المسلمون دافعهم للعلم المادي، كما فقدوا ‏تميزهم بالمعرفة والحقيقة لمراد الله سبحانه وتعالى في خلق الإنسان فابتعدوا ‏عن الغايات النبيلة التي من أجلها أمر المسلمون بالتداوي، ولم يربطوا بين ‏المادة كجزء هام في خلق الجسد الإنساني وبين الروح كمحرك لهذا الجسد…‏
ومع تقدم سنوات التخلف على العالم الإسلامي انقسم المسلمون إلى قسمين ‏كبيرين، أحدهما مندفع في اتجاه الحضارة المادية البحتة لا يؤمن إلا بما يأتي ‏منها، ولا يعترف بأي علم إلا إذا كان بلسان هذه الحضارة.‏

‏ ‏ والقسم الثاني انفصل بنفسه عن أبواب العلم المادي، وظن أن الدين هو ‏بالتزام العبادات والانشغال بأمور الآخرة، تاركاً الدنيا لأهلها كما يقول. ‏
وبين هذين الفريقين الكبيرين توجد هناك قوى أخرى ضعيفة أو متفرقة، ‏وهم من أبناء المسلمين الذين يعتقدون أنهم أولى من غيرهم بهذا العلم المادي ‏كما أن الأخذ به أحد أهم مقاصد الشريعة الإسلامية. وبالتالي وجب عليهم أن ‏يأخذوا بهذا العلم وجوب كفاية. وأن يتقدموا فيه، بل ويتقدموا على غيرهم…‏
إن هؤلاء القلة الذين تزداد كثرتهم في السنوات الأخيرة بفضل الله عز وجل ‏يحاربون على ثلاث جبهات: أولها جبهة أهل الكفر الذين لا يعترفون بميزان ‏غير ميزان المادة، وجبهة أبناء المسلمين الذين يسخرون من تدينهم، وجبهة ‏الآخرين من أبناء المسلمين الذين يهزؤون بعلمهم المادي‎…‎‏ ‏
إن ندوة التشافي بالقرآن التي نعيش في هذه الأيام تحت ظلالها هي إحدى ‏المحاولات الجادة التي نعتقد أنها ستحقق الرابط الصحيح-كما نتمنى- بين العلم ‏الديني والعلم المادي. ‏
وإذا كان فقهاء هذه الندوة قد تكلموا في شرعية الرقى بالقرآن الكريم ‏وبالسنة النبوية، أو بما يصح من ألفاظ طيبة، وبينوا جواز حكمها الشرعي، ‏ثم عرجوا بعد ذلك بشيء، من التفصيل نحو شروط الرقية والراقي، ومن ‏تُلقى عليه الرقية، وأوضحوا الحكم الشرعي فيها فإنهم في الحقيقة وضعوا ‏الأطباء في بداية الطريق- فتحوا لهم باباً من أبواب المندوب-على أقل تقدير. ‏حتى يبدأ الأطباء المسلمون في دخول هذا الباب، والبحث في جوانبه بما يمكن ‏أن يحقق للمسلمين فائدة صحية لا يستغني عنها المرضى‎ …‎مصداقا لقول ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل"(125). ‏
إن مهمة الطب وضوابطها من الناحية الإسلامية قد وضعت لها آداباً قننها ‏علماء المسلمين بمجهودات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية. فإذا تم الاتفاق ‏كما أظنه فسيكون على أن الرقية الشرعية هي إحدى وسائل العلاج التي ‏يقرها الإسلام بنص ما أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة رضى الله ‏عنه، عن النبي صلى الله علية وسلم قال: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له ‏شفاء"(126). ‏
وفى رواية لمسلم: " لكل دواء داء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله"(127)…‏
ولعلنا كأطباء هنا، لا نملك إلا أن نفرق بين التداوي بالدواء، وبين الرقى ‏الشرعية؛ وإن كان كلاهما مما جعله الله من الأسباب التي يتم الشفاء من ‏المرضى بها. وفـى هـذا روى الإمام الترمذي أن سائلاً سأل رسول الله صلى

‏125- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب الرقية ‏من العين والنملة والحمه والنظرة ح(2199) وأحمد في مسنده ‏‏(3/382) والبيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية ‏‏(9/348) قال الألباني: وفي الحديث استحباب رقية المسلم لأخيه ‏المسلم بما لا بأس به من الرقى، وذلك ما كان معناه معروفا مشروعاً، ‏وأما الرقى بما لا يعقل معناه من الألفاظ فغير جائز-انظر الصحيحة ‏ح(472). ‏
‏126- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب ما أنزل الله ‏داء إلا أنزل له شفاء ح(5678) وأحمد في مسنده (1/377). ‏
‏127- أخرجه مسلم في صحيحه كتاب السلام: باب لكل داء دواء ‏واستحباب التداوي ح(2204) وانظر تحفة الأشراف ح(2785) ‏وأحمد في مسنده (3/335).‏

الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله أرأيت رقية نسترقيها، ودواء نتداوى به، ‏وتقاة نتقيها؛ هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال صلى الله علية وسلم: هي من قدر ‏الله"(128). وبرأيي أن الفرق بينهما فرقا بين الكرامة والسنن، فإن التداوي ‏الطبي المادي يصيب سننا ثابتة أوجدها الله في صلب الخلق، وبالتالي يغلب ‏على هذه السنن التفاعل مع الدواء. أما الرقية فهي كرامة يهبها الله سبحانه ‏وتعالى لمن يشاء، فتُحقق الشفاء بدون أسباب ظاهرة لنا. وقد وصف علماء ‏المادة العلم الدوائي بأنه إلزام وجوب تحقيق النتيجة وتكرارها بإيجاد المؤثر. ‏فإذا وضعت مغناطيساً بجانب إبرة، فيجب أن ترتفع الإبرة إلى هذا ‏المغناطيس. وإذا سلطت إشعاعاً في مستوى معين على الجلد، فيجب أن يحمر ‏هذا الجلد. ولو كررت هذه العملية مئات المرات لحصلت هذه الاستجابة ‏بشكل قطعي في كل مرة. فهذه السنن الثابتة التي تخضع لمعايير المادة، ‏والتي خلقها الله بداخل الإنسان أو في الطبيعة هي لب الحضارة المادية. وهي ‏التي نجد فيها قصوراً كبيراً بين المسـلمين للأســف الشديد. فهذا العلم المادي ‏فيه أسرار عظيمة ما جهل منه أكبر مما علم. وطرق معرفته لا تتم إلا بالجهد ‏والانشغال به. ‏
لهذا تجد أن باع المسلمين فيه قليل لأسباب كثيرة ومتنوعة…‏
أما الرقى الشرعية، فإنها قد تحدث وقد لا تحدث. فهي ‏كالدعاء قد يستجيب الله لها، أو يقع بها ضرر آخر أو قد يؤجلها لوقت آخر. ‏ولهذا فإن الرقى الشرعية تكون في رأيي حين لا يكون هناك ‏متفق عليه، أو حين يكون هناك موانــع صحيــة أو اقتصادية تمنع استخدام ‏هذا

‏128- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب الرقي والأدوية ‏ح(2072) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب ‏الطب: باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ح(3437). وأحمد في ‏مسنده (3/421). قال الهيثمي في المجمع (5/85): رواه الطبراني ‏والحرث لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح غير أبي خرابة. ‏وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجة ح(749).

الدواء. عند ذلك، يلجأ إلى من بيده الشفاء باستخدام الرقية الشرعية. وفي ‏رواية أبو داود في سننه، عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال: ‏‏"مرضت فعادني النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده بين ثديي حتى وجدت ‏بردها في فؤادي. أي في صدري فقال: يا سعد إنك رجل مفؤود أي مريض ‏بصدرك، ائت الحارث بن كلدة أخا ثقيف فإنه رجل يتطبَّب أي يتعاطى الطب-‏وله خبرة به"(129). ‏
في رأيي هذا الحديث يلزم المسلمين بالبحث عن الطب الذي جعله الله ‏سبباً من أسباب التشافي. فإذا وقف الطب، أو اختلف، أو صعب الوصول إليه ‏فإن تأثيرات الرقى نافعة بإذن الله …‏
وقد اعترف أصحاب العلم المادي في السنوات الأخيرة بمثل هذه ‏التأثيرات الروحية على المادة. فقد قال "روجر سبري" الحاصل على جائزة ‏نوبل بأهمية الربط بين المفاهيم الروحية والعلوم. ‏
ورغم أن مثل هذه المعرفة لم تنل حقها من البحث العلمي لأسباب سياسية ‏واجتماعية وفلسفية كثيرة ومعقدة؛ إلاّ أنها بدأت في السنوات الأخيرة تجد لها حظاً ‏أوفر بين العلماء والباحثين وبدأ الخوف من لمس هذه العلاقة يتلاشى في نفــوس ‏العلماء الذين ظلت عقدة التعارض بين الروح والعلم قابعة في أنفسهم عقوداً ‏طويلة. ‏
ونحن هنا لابد أن نتطرق بشكل ما إلى قدرة الجسم على مكافحة المرض ‏حتى يمكننا أن نتفهم السنن المادية التي يعمل بها جسم الإنسان، وحتى ندرك ‏أن الجهاز المناعي الذي إذا اختل أصاب الجسم علة هو جهاز معقد في ‏التركيب، عظيم في الوظيفة، يعمل بصورة ذاتية في سنن أوجدها ‏الله فيه، يمكن لكل من اجتهد في العلم كافرا كان أو مسلماً أن يصل إلى قواعد ‏تلك

‏129- حديث ضعيف أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب ‏في تمرة العجوة (3875) ضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود ‏ح(834).‏

السنن، ويدرك أبعادها. فالجهاز المناعي يتكون بشكل أساسي من خلايا ‏ليمفاوية بشقَّيها خلايا "باء"، وخلايا "تي" ويتكون أيضاً من الخلايا الآكلة ‏ولعل الثقل الأكبر يقع على الخلايا الليمفاوية حيث تشكل خلايا "باء" ما ‏يقارب من 15% من الخلايا الليمفاوية السابحة في الدم. وهى المسئولة عن ‏المناعة الخلوية التي تصنع المضادات الخاصة ضد الأجسام الغريبة. ‏
أما الخلايا "تي"، فهي تشكل ما مقداره 70% إلى 80% من الخلايا ‏الليمفاوية السابحة. وهى مسئولة عن ردود الفعل المناعية الخلوية، وأيضاً ‏مسئولة عن تنظيم الوظائف المناعية. ولو لمسنا بداية علم المناعة لوجدنا أن ‏الخلايا "باء" تصنع مواد جلوبيولين المناعية، والتي تنقسم إلى أقسام خمسة ‏أساسية أكثر من الـIGG”‎‏". وتتراوح أعمارهم بين 230 يوم وكل عنصر ‏من الجلوبيولين المناعي يتركب من نوعين من سلسلة عديد البيبتيد؛ أحدهما ‏السلسلتين الثقيلتين، وثانيهما السلسلتين الخفيفتين. وكل من السلسلتين يرتبط ‏ببعض بواسطة رابطة ثنائية الكبريتيد، وأيضاً برابطة غير تساهمية. ويعتبر ‏الـ"‏IGG‏" هو أكثر الجلوبيولينات المناع وأخفها، فهو يصل إلى داخل الرحم ‏عابراً المشيمة. وقد تم التعرف على عدة أنواع من ‏‎“IGM”‎و ‏‎“IGA”‎و ‏‎“IGE”‎‏ أماّ الخلايا الآكلة فهي تُكوِّن 70% من خلايا كرات الدم البيضاء، ‏ويتراوح عددها بين 10000 إلى 5000 خلية في كل مليمتر من الدم. وهى ‏خلايا متحركة تقوم بالانتقال خلال شعيرات الدم المتناهية في الدقة، وابتلاع ‏البكتريا، واستخدام إنزيمات هاضمة يوجد فيها الليزوزوم لتحطيم البكتريا…‏
وهذه الخاصية لحماية الجسم بطريقة مباشرة تشكل الجزء البسيط على ‏قدرة الجسم لمقاومة الأمراض. كل هذه الشبكة من المضادات المناعية ‏المعقدة-والتي تتعمق بالتخصص لتصل إلى حد التفرد الخلوي-تعمل بشكل ‏منتظم ودقيق لحماية الجسد الحي من غلبة المضار العضوية وغير العضوية ‏المحيطة به. ولكن عندما تنتصر البكتريا على القدرة المناعية، فإنها تؤدي إلى ‏الإصابة بالمرض. وهذه الإصابة لا تشل حركة المقاومة، بل إنها تثيرها، ‏فيزداد الصراع بين الجسم وبين البكتريا أو الفيروس. ويبدأ الجسم في سلسلة ‏معقدة بتخليق مواد مضادة لهذا الجسم الغريب حتى يهزمه وينتصر عليه. ‏
وقد يحتاج الجسم إلى الدواء في هذه المرحلة حتى يتمكن الجسم من ‏هزيمته. أو قد يحتاج الجسم إلى الدواء في هذه الفترة للتخفيف من آثار ‏المعركة بين الجهاز المناعي وبين الغازي والتي تظهر على شكل حرارة، أو ‏أوجاع، أو ما شابههما من الأعراض…‏
فالدواء هنا له وظيفة محددة، وتأثيراته معلومة ومقيسه بدقة كبيرة، ولها ‏أصول علمية متفق عليها بين العلماء، ولا يحق إعطاء هذا الدواء إلاّ لمن لديه ‏علم بالمرض والدواء، وهو الطبيب…‏
من هذا كله نخلص إلى أن التطبيب عملية تخضع لقواعد وأصول علمية ‏مادية تحقق نتائج متفقا عليها بين العلماء. وهو أمر يختلف في المفهوم ‏الإسلامي عن الشفاء، وإن كان التطبيب يتبعه عادة الشفاء إلا أن النظرة ‏الإسلامية جعلت الشفاء حقاً إلهياً، ونحن كأطباء مسلمين نتوقع دائماً أن يأتي ‏الشفاء وباستخدام الدواء المناسب، لأننا نعلم أن ذلك من قدر الله كما ذكرنا في ‏الحديث الذي رواه الإمام الترمذي وغيره.‏
من هنا فإننا أيضاً نؤمن أن الرقية يمكن أن تكون ذات فائدة للمرضى إذا ‏استفيد منها بالطريقة التي يتفق عليها الفقهاء بشروطهم، وبإضافة ما نراه ‏كأطباء من شرط آخر وهو استخدامها في حالة تعذر الدواء المتفق عليه لأي ‏سبب كان. أما استخدام الرقى للمنع من وصول الداء، فهذا أمر لا بأس به، ‏ويمكن برأي الأطباء أن يستخدم في الطب الوقائي لأنه من بركات الدعاء ‏التي يؤمن بها المسلمون. وإننا نعتقد في النهاية أن على المسلمين أن ‏يستخدموا الرقية الشرعية في أبواب ثلاثة:- ‏
في الطب المناعي؛ حيث يتم الدعاء والرقية لمنع الضرر، كمن يقول: ‏‏"باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض والسماء وهو السميع ‏العليم"(130)، ليتفادى الضرر عن الحيوانات، أو من لسعات الحشرات مثلاً…‏
أما الباب الثاني، فهو استخدامها في التشافي حسب ما يقره الفقهاء والأطباء.‏
أما النوع الثالث؛ فهو استخدام الرقى في الوقاية، وهو يحتاج إلى مزيد ‏من الأبحاث، لأننا كأطباء لاحظنا-ومازلنا نلاحظ-أن قوة الإيمان وقراءة ‏القرآن تساعد الجسم على مقاومة المرض. ومن هنا نقول أن استخدام القرآن ‏في التشافي في نظر الأطباء يكون بتعميم التشافي بما يزيد عن مفهوم الرقية. ‏فيصبح هناك علم للطب الإسلامي قائم على مراكز علاجية تحت إشراف ‏أطباء مسلمين ثقات عالمين بالعلم المادي ولديهم علمٌ شرعيٌّ، يقومون بالعلاج ‏المشترك: المادي بالأدوية، والروحي بالرقية. ويمكن بهذه الطريقة تحقيق نمط ‏مشترك من العلاج أظن أن العالم كله في حاجة إليه كما أشرنا في بداية المقال ‏إلى مقولة "روجر سبري".‏
ويجب أن تخضع هذه المراكز لإشراف الدولة، أو تلحق بالمستشفيات، ‏وتخضع للبحث العلمي المتعارف عليه؛ حتى يمكن علماء المسلمين أن يحاجوا ‏وفق المعايير والقواعد المتعارف عليها…‏
‏ ‏
‏130- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأدب: باب ما يقول إذا ‏أصبح ح(5088) والترمذي في سننه: كتاب الدعوات: باب ما ‏جاء في الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى ح(3399) وقال: هذا حديث ‏حسن غريب صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب الدعاء: باب ما ‏يدعو به الرجل إذا أصبح وإذا أمسى ح(3869) وانظر تحفة ‏الأشراف ح(9778) وانظر صحيح سنن ابن ماجة للألباني ‏ح(3120) وتمام الحديث: وكان إبان قد أصابه طرف من الفالج، ‏فجعل الرجل ينظر إليه فقال له إبان: ما تنظر إلى؟ أما أن ‏الحديث كما قد حدثتك ولكني لم أقله يومئذ، ليمضي الله على ‏قدره.‏

الشريفة نوارة
15-12-2004, 06:47 PM
جزاك الله خيراً

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 07:33 PM
الرقية
في مجال الاستشفاء بالقرآن والسنة

الأستاذ الدكتور محمد الأحمدي بالنور



تمهيد
‏ ‏
عن أهمية الرقية وضرورتها: ‏
عرف الإنسان -عبر تاريخه المديد- قصر نظره، وقلة درايته، فيما يتعلق بغده ومستقبله، كما ‏عرف قصور طاقاته في حاضره عن تلبية جميع حاجاته، أو تحقيق عامة غاياته، في الوقت الذي قد لا ‏يكون منه أي تقصير في اتخاذ ما يتاح له من وسائل وآليات يدرك بخبرته أو ثقافته أنها تمضي معه ‏إلى ما يتغيا بها من غاية، أو تقضي به لما يطمح إليه من نتيجة. ‏

عرف الإنسان ذلك، وأدرك ‏‎–‎مع ذلك- أن الأسباب لا تصل بالمرء إلى مسبباتها بذاتها، ولا ‏بإرادة الإنسان وحدها، وأنه ما دام لم يخلق نفسه، وليس له الأمر في تدبير الكون من حوله، فبدهي أن ‏يكون الأمر في ذلك أمر من خلق كل شيء فقدره تقديراً. ‏

وبدهي كذلك -أن لا يكون الأمر أمر اتخاذ أسباب فحسب، وأن لا تكون ثمت حتمية بين اتخاذ ‏الأسباب، وبين ما قد ينشأ عنها من مسببات. ‏

كما أن الأمر ليس أمر مشيئة الإنسان وحـده مهما اجتمع معه من خلق، أو احتشد له من جند، ‏أو تيسر له من نفوذ أو تهيأ له من علم، أو توَّفـر له من خبرة -إلا أن يشاء الله. ‏




ليس بمشيئة الإنسان وحدها: ‏
فليس بمشيئة الإنسان وحدها، ولا بعلمه وحده، ولا نفوذه وحده يمضى أمر الحياة والأحياء:‏
‏ (وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيما)(408). ‏

والطبيب مع المريض: ‏
إن الطبيب يعالج مريضه مجتهداً بعلمه وخبرته وآلياته في انتقاء أنجع الوسائل؛ توخياً لشفائه، ‏ومع ذلك يبقى أمر الشفاء، ونجاح هذا العلاج بخصوصه، مع هذا المريض بالذات بيد الله وحده، ‏وحسبما يشاء سبحانه. ‏

ومنذ الخطوة الأولى: ‏
بل إنه منذ الخطوة الأولى في العلاج يكون التوفيق الإلهي للطبيب هو أساس نجاحه في علاج ‏مريضه إن شاء الله أن يُجرى شفاءه على يده، ولله الأمر من قبل ومن بعد.‏
‏ (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)(409).‏

والمرء مجزىٌّ وإن لم ينجز:‏
وحسب المرء أن يُجزى بما سعى، وبما نوى، وإن لم يتم له ما أراد: ‏
‏"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"(410).‏
‏408- سورة الإنسان: (30).‏
‏409- سورة الأعراف: (54).‏
‏410- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الوحي: باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله (صلى الله ‏عليه وسلم) ح(1). ومسلم في صحيحه: كتاب الإمارة: باب قوله: (صلى الله عليه وسلم) إنما الأعمال بالنية ح ‏‏(1907). وأبو داود في سننه: كتاب الطلاق: باب فيما عني به الطلاق والنيات ح(2201) والترمذي في ‏سننه: كتاب فضائل الجهاد: باب ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا ح(1653) وقال: هذا حديث حسن صحيح. ‏والنسائي في سننه: كتاب الطهارة باب النية في الوضوء ح(75). وابن ماجه في سننه: كتاب الزهد: باب النية ‏ح(4227) وانظر تحفة الأشراف ح(10612) والبيهقي في الكبرى (1/298). ‏
‏(وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى)(411).‏
‏(فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)(412).‏

الأمر في تحقيق الغاية: ‏
وحسب المرء ‏‎–‎كذلك- أن يعلم أن الأمر في تحقيق الغاية، وإنجاز مراد الإنسان هو أمر الإرادة الكونية ‏العليا، وشأن القدرة الإلهية العظمى بما لله سبحانه من علم محيط، وحكمة حكيمة:‏
‏ (إنا كل شيء خلقناه بقدر)(413).‏
‏(الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل ‏شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما)(414).‏

التجاء الإنسان إلى الله يستعينه:‏
ومن هنا استوفز الإنسان ‏‎–‎دوماً- إلى الله عز وجل؛ يستعينه لتحقيق آماله، ويدعوه ‏‎–‎تضرعاً ‏وخفية- مستعيذاً به من أذى كائن لا وسيلة له إلى معالجته، أو محذور يخشى أن يكون، لا حيلة معه في ‏مواجهته. ‏

الإنسان والرقية: ‏
وعرف الإنسان -مع هذا وذاك- طريقه إلى التعاويذ والرقى: هُدى إلى الحق فيها من هُدى، ‏وضل عن سنتها من ضل، وابتدع فيها من ابتدع.‏
‏ ‏
‏411-سورة النجم: (39-41). ‏
‏412- سورة الزلزلة: (7-8).‏
‏413- سورة القمر: (49).‏
‏414- سورة الطلاق: (12).‏
الأنبياء والرقية: ‏
وكان دور الأنبياء والمرسلين في هذا المجال مع بنيهم وأقوامهم ومن أرسلوا إليهم أن ‏يعرفوهم ضرورتها وسنتها، وأن يمهدوا لذلك بإعلامهم بما يلي: ‏

‏1-‏ ‏ أن لا إله إلا الله الذي له وحده الخلق والأمر، وبيده ‏‎–‎وحده- النفع والضر، وله ‏‎–‎وحده- القدرة ‏المطلقة التي لا يعجزها شيء والعلم المحيط الذي لا يندّ عنه شيء، والإرادة النافذة، والأمر ‏المكون لكل ما يريد -سبحانه- أن يكون‏‎…‎‏ ‏
‏(إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون)(415).‏
‏(وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من ‏يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم)(416).‏

‏1-‏ ‏ أن تفرده ‏‎–‎سبحانه- بالألوهية والربوبية والإيجاد والتدبير، والإعانة والرعاية، والملك والسلطان: ‏يقتضي إفراده ‏‎–‎سبحانه- بالعبادة والاستعانة؛ مادام هو المعين والناصر والرزاق والشافي والمربي ‏والحافظ.‏
‏ ‏
‏2-‏ ‏ أنه ‏‎–‎لهذا وذاك- ينبغي أن لا يفصـل أخذ المرء في الأســباب وقد أمر بها -عن مقتضي إيمانه بالله ‏ومعرفته به، وذلك بالاعتماد عليه ‏‎–‎سبحانه- في إبلاغ الأسباب غاياتها، فما شاء الله كان، وما لا ‏يشاؤه من ذلك لا يكون. ‏

‏3-‏ ‏ أن هذا وذاك مرتبط بالاعتقاد الراسخ لدى المؤمن أن ما يتم -بعدئذ من تحقق ‏
‏415- سورة يس: (82).‏
‏416- سورة يونس: (107).‏

الغاية إنما هو بفضل الله ورحمته، وليس بمجرد علم الإنسان أو سياسته؛ ولهذا يشكر المؤمن ربه على ‏ما حققه له، أو آتاه من فضله، ويتم هذا في مجال الاستشفاء بعد أن يضرع إلى ربه أن يشفيه، أو ‏يجري الشفاء على يده إن كان طبيباً أو راقياً. ‏

إعلان إبراهيم بعقيدة التوحيد وما تقتضيه:‏
ومن قديم هتف إبراهيم عليه السلام بهذه الحقيقة الإيمانية الباهرة، وهو يحدث عن رب ‏العالمين. ‏
قال فيما يحكي القرآن الكريم عنه: ‏
‏(الذي خلقني فهو يهدين. والذي هو يطعمني ويسقين. وإذا مرضت فهو يشفين. والذي يميتني ‏ثم يحيين. والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين)(417).‏

الأسلوب أسلوب قصر: ‏
وبيّن ‏‎–‎هنا- أن الأسلوب أسلوب قصر، يفيد تفرد الله سبحانه بكل ما ذكر من أمر؛ فمن له ‏الخلق: له الأمر.‏
‏ (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)(418).‏

ماذا يريد إبراهيم عليه السلام أن يقول؟ ‏
وكأن إبراهيم عليه السلام يريد ليقول: إن رب العالمين الذي تفرد بخلقي في أحسن تقويم: ‏جسـداً وعقلاً، وبدناً وروحاً: هو الذي يتولى تنمية بدني بما أودع ‏
فيّ من غريزة الاشتهاء للطعام والماء وبما جعل في الطعام من صلاحية تغذيتي وإنمائي، وفي الماء ‏من أهمية قصوى لحياتي وبقائي، ولوشاء لجعل الماء أجاجاً، والغذاء حطاماً، والجسد غير متقبل لهذا ‏أو ذاك!؟.‏

‏417- سورة الشعراء: (78-82).‏
‏418- سورة الأعراف: (54). ‏
تنمية العقل وهداية القلب:‏
ثم إنه سبحانه هو الذي يتولى تنمية عقلي، وشرح صدري، وهداية قلبي بما يستأثر به من ‏تبصرتي وإرشادي إلى المنهج الأقوم الذي به قوام روحي وقلبي، ونماء بدني وعقلي، وصلاح شأني ‏في ديني ودنياي وعاقبة أمري؛ لأنه لا يعلم ما يصلح شأن المخلوق إلا من خلقه فقدره، ثم السبيل ‏يسره. ‏
‏(ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)(419).‏

الطبيب يعالج والله هو الشافي: ‏
كذلك فإن الله تعالى هو الذي يتولى ‏‎–‎وحده- شفاء الإنسان بتيسيره وتدبيره، سيما إذا استصعب ‏الداء، وعز الدواء، واستيأس الأطباء، وأوشك أن يخرجوا مريضهم ‏‎–‎هذا- من عداد الأحياء!؟

شفاء الله للميئوس من شفائه وبعثه من في القبور:‏
وقد أعقب إبراهيم عليه السلام الحديث عن الشفاء من المرض، وتفرد الله به بالحديث عن ‏الإحياء بعد الإماتة، وتفرد الله بهما، سواء أكان المراد الإحياء الحسي بالبعث، أو المعنوي بالهداية، ‏وكأنما يريد إبراهيم عليه السلام ليقول: ‏
والذي يميتني ثم يحيين قادر على هذا الإحياء كما شفاني من المرض بعد أن وصلت إلى حد يعجز ‏الأطباء معه عن أن يحددوا لي دواء، أو يحققوا لي شفاء؟!.‏

وكأنما يتابع فيقول: ‏
والذي يشفي المرضى بعد أن يكونوا قد أشفوا على الهلكة قادر على أن يحيي الموتى بعد أن ‏يكونوا عظاماً نخرة، سيما وهو الذي أنشأهم أول مرة.‏
‏ ‏
‏419- سورة الملك: (14). ‏

والقـادر على هذا الإحياء قادر ولا ريـب على ذلك الشفاء؛ فكلا الجملتين ‏‎–‎إذاً- دليل الأخرى.‏

إيحاءات القدرة على شفاء المرضى وإحياء الموتى: ‏
وقدرة الله تعالى على شفاء من استيأس الطب البشري من شفائه: لها إيحاءات شتى، ومنها ما ‏يلي:‏
‏1-‏ ‏ ترسيخ الأمل في العافية، وعدم اليأس من رَوْح الله، مهما اشتد الداء، واستعصى الدواء. ‏
‏2-‏ أنه ليس باستـنفاد الوسائل المادية يتم الحكم باليأس من الشفاء؛ فالحكم -من قبل ومن بعد- لله الواحد ‏القهار، الذي يحيي العظام وهي رميم. وقد قال سبحانه في السورة التي حدثت عن هذا الإحياء:‏
‏(إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون)(420).‏
‏3-‏ ‏ أنه لهذا وذاك ينبغي استدامة الدعاء والضراعة إلى الله، والتأكيد على استمرار الرقية مع ‏المريض طالما كان فيه عرق ينبض، أو نفس يتردد. ‏
وقد روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشـه نفث في كــفيه بـ "قل هو الله أحد، وبالمعوذتين جميعاً، ثم ‏يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده". قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ‏ذلك به"(421). ‏
‏420- سورة يس: (82).‏
‏421- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(5748) ومسلم في ‏صحيحه: كتاب السلام: باب رقية المريض بالمعوذات والنفث ح(2192) وأبو داود في سننه: ‏كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3902) وابن ماجه في سننه: كتاب الطب: باب النفث ‏في الرقية ح(3529) وانظر تحفة الأشراف ح(16589) قال النووي: وسئلت عائشة عن نفث ‏النبي (صلى الله عليه وسلم) في الرقية فقالت كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه ‏‎–‎انظر شرح ‏النووي على صحيح مسلم (14/182) قال ابن حجر: فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو ‏الهواء الذي ماسه الذكر كما يتبرك بغسـالة ما يكتب من الذكر ‏‎–‎‏ انظر فتح الباري (10/197) ‏ش ح(5735).‏

وفي رواية له عنها رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في ‏مرضه الذي قبض فيه بالمعوذات فلما ثقل كنت أنا أنفث عليه بهن فأمسح بيد نفسه لبركتها"(422). ‏

الرقية مع المرضى حتى الرمق الأخير: ‏
ولقد كان الالتجاء إلى الله تعالى بالتعوذ والرقية شأنه صلى الله عليه وسلم مع نفسه ومع ‏المرضى إذا عادهم، أو أتي بهم إليه، واستدام صلى الله عليه وسلم هذه السنة الحميدة حتى لحظاته ‏الأخيرة التي لحق فيها بالرفيق الأعلى. ‏
وقد روى البخاري في صحيحه، من حديث أم المؤمنين عائشة رضي عنها، أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم كان إذا أتى مريضا أو أتى به إليه قال عليه الصلاة والسلام: ‏
‏"أذهب الباس، رب الناس! اشف وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً"(423).‏

‏422- أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين: باب التعوذ والرقية في المرض (2/193) والبخاري في صحيحه: ‏كتاب الطب: باب في المرأة ترقى الرجل ح(5751) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب رقية المريض ‏بالمعوذات والنفث ح(2192) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3602) وابن ماجه في ‏سننه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(3529) وانظر تحفة الأشراف ح(16589) وأخرجه أحمد في ‏مسنده (6/104) والنسائي في اليوم والليلة ح(1009) قال النووي: وسئلت عائشة عن نفث النبي (صلى الله عليه ‏وسلم) في الرقية فقالت كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه. قال: ولا اعتبار بما يخرج عليه من بلة ولا يقصد ذلك ‏‎–‎انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/182). ‏
‏423- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ح(5675) ومسلم في صحيحه: ‏كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض ح(2191) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ‏ح(3883) والترمذي في سننه: كتاب أحاديث شتى: باب في دعاء المريض ح(3576) وقال هذا حديث حسن ‏وابن ماجه في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض الرسول (صلى الله عليه وسلم) ح(1619) ‏وانظر تحفة الأشراف ح(17638) وأخرجه أحمد في مسنده (3/267) و(4/259) و(6/42) والنسائي ‏في اليوم والليلةح(1042) وابن السني في اليوم والليلة ح(543) قال النووي: الحديث فيه استحباب مسح ‏المريض باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحة جمعتها في كتاب الأذكار انظر شرح النووي ‏على صحيح مسلم (14/180).‏
من الروايات الأخرى للحديث
ومن وجوه أخرى روى البخاري هذا الحديث في باب رقية النبي صلى الله عليه وسلم من ‏كتاب الطب من صحيحه ومن ذلك: ‏
ح 5743 عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوّذ بعض أهله: يمسح بيده ‏اليمنى ويقول: "اللهم رب الناس أذهب الباس، واشفه أنت الشافي‎…‎‏ الحديث"(424). ‏
ح5744 عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرقي يقول: "امسح ‏الباس، رب الناس! بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت"(425).‏
وهي روايات يكمل بعضها بعضا، ويفسر بعضها بعضا، وكيف أنها رقية النبي صلى الله عليه ‏وسلم وتعويذه ودعاؤه للمريض من أهله أو من غير أهله، وإن لم يذكر لفظ الرقية والتعوذ في بعضها. ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 07:35 PM
رواية مسلم للحديث: ‏
ولئن أبانت هذه الروايات أن دعاءه صلى الله عليه وسلم للمريض ورقيته له كان شأنه وسنته ‏صلى الله عليه وسلم. إن رواية مسلم لهذا الحديث (2191) تضيف لنا أمراً هاماً أن هذه السنة الحميدة ‏ظلت شأنه صلى الله عليه وسلم حتى لحظاته الأخيرة التي لحق فيها بالرفيق الأعلى. ‏
ونص هذه الرواية عن أم المؤمنين رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ‏اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال: أذهب الباس، رب الناس! واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا ‏شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً".‏
تضيف عائشة رضي الله عنها قولها: فلما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وثقل أخذت بيده ‏لأصنع به نحو ما كان يصنع، فانتزع يده من يدي ثم قال: "اللهم اغفر لي واجعلني مع الرفيق الأعلى". ‏قالت: فذهبت أنظر فإذا هو قد قضي". ‏
‏424- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية النبي (صلى الله عليه وسلم) ‏ح(5743).‏
‏425- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية النبي صلى الله عليه وسلم ‏ح(5744). ‏
ماذا نفيد من ذلك؟ ‏
باستجلاء هذه الروايات وما سبقها من حديثي عائشة رضي الله عنها (5748) ‏و(5751) نستطيع أن نفيد منها ما يلي: ‏
‏1- قول عائشة رضي الله عـنها: (5748): كان رسول الله صـلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نفث ‏في كفيه بـ "قل هو الله أحد‎…‎‏ الحديث"(426). نفيد منه: أنه صلى الله عليه وسلم كان مواظباً على سنة ‏الرقية كل ليلة إذا أوى إلى فراشه، وأن رقيته لنفسه كانت أحد أعمال اليوم والليلة عنده صلى الله عليه ‏وسلم توقياً من المرض والأذى، أو توخيا للعافية والصحة مادام قادراً على أن يرقي نفسه دون أن ‏يمنعه المرض. ‏
‏2-‏ قول عائشة رضي الله عنها: "فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به" لا يعني مجرد شكوى من ‏مرض، وإنما يعنى ثقل المرض وشدة وطأته بحيث لا يتمكن من أن يرقي نفسه؛ بدليل الرواية الأخرى ‏‏(5751) وفيها: عنها رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في مرضه ‏الذي قبض فيه فلما ثقل كنت أنا أنفث عليه بهن. فقولها: فلما ثقل يبين نوعية الاشتكاء في قولها: ‏فلمـا اشتكى وقولها: كنت أنا أنفث عليه بهـن. أي بقل هو الله أحـد والمعـوذتين ‏
‏426- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(5748). ‏ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب رقية المريض بالمحرزات والنفث ح(2192). ‏وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3902). وابن ماجة في سننه: كتاب ‏الطب: باب النفث في الرقية ح(3529). وانظر تحفة الأشراف ح(16589). قال ‏النووي. وسئلت عائشة عن نفث النبي صلى الله عليه وسلم في الرقية فقالت: كما ينفث آكل ‏الزبيب لا ريق معه- انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/182). قال ابن حجر: ‏فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء الذي ماسه الذكر كما يتبرك بغسالة ما يكتب ‏من الذكر- انظر فتح الباري (10/197) ش ح (5735). ‏



امتثالاً لأمره صلى الله عليه وسلم أن ترقيه(427).‏
‏3-‏ ‏ كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على الرقية كل يوم وليلة: أجل! وقد استدام صلى الله عليه وسلم ‏هذا حتى في مرضه الذي قبض فيه.‏
‏4-‏ ‏ حتى في مرضه الذي قبض فيه: رقى نفسه، واسترقي عائشة له: وذلك بيّن فيما ذكرته عائشة أنه ‏صلى الله عليه وسلم كان "إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه‎…‎‏ الحديث"، وبيّن كذلك من قولها: ‏‏"فلما اشتكى= (ثقل) كان يأمرني أن أفعل ذلك به". ‏

أدب عائشة مع مقام النبوة: ‏
‏5-‏ ‏ أن عائشة رضي الله عنها كانت جمة الأدب معه صلى الله عليه وسلم فائقة التوقير لمقامه، ‏والتقدير لمكانته؛ فلم تنس ‏‎–‎وهي تمتثل أمره صلى الله عليه وسلم: أن تنفث بالمعوذات على يده ‏صلى الله عليه وسلم لتمسح بها على جسده وما يألم من بدنه لما للرسول صلى الله عليه وسلم من ‏مكانة ولما ليده صلى الله عليه وسلم من بركة، كما صرحت في الحديث (5751)، وفي الحديث: ‏‏(5016). فقد جاء قولها رضي الله عنها: "وأمسح بيده رجاء بركتها". والمراد كلتا يديه ‏صلى الله عليه وسلم، إذ أنها رضي الله عنها تقفو أثره في ذلك، وقد كانت هذه سنته ‏كما يروي البخاري في صحيحه (5017) من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى ‏الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: "قل هو الله أحـد"، ‏
‏427- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب في المرأة ترقي الرجل ‏ح(5751). وأبو داود في سننه: كتاب الأدب: باب ما يقول عند النوم ح(5056). ‏والترمذي في سننه: كتاب الدعوات: باب ما جاء فيمن يقرأ من القرآن عند المنام ‏ح(3413) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. ‏
و"قل أعوذ برب الفلق"، و"قل أعوذ برب الناس"؛ ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده؛ يبدأ بهما على ‏رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات. ‏
ورواية مسلم في صحيحه لهذا الحديث (2192) (428). عن عائشة رضي الله عنها تؤكد ما قلناه عن ‏مدى أدبها معه صلى الله عليه وسلم، وعرفانها حقه، وعظم بركته صلى الله عليه وسلم ففيها تقول: ‏‏"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه ‏الذي مات فيه جعلت أنفث عليه، وأمسحه بيد نفسه؛ لأنها كانت أعظم بركة من يدى". فلله در أم ‏المؤمنين عائشة! وما أروع أن تأثر المرأة عنها تطبيقها للسنة، وإعظامها لمكانة الزوج، واعتزازها ‏بالإقرار بذلك!.‏

مبادرته صلى الله عليه وسلم برقية المريض: ‏
لم يكن صلى الله عليه وسلم يستفسر من المريض إن كان يرغب أن يرقيه، بل كان صلى الله عليه ‏وسلم إذا عاد مريضاً، أو إذا أتى المريض، أو إذا أُتى له به يدعو له، ويعوّذه، ويرقيه ملتجئاً به إلى ‏الله، مرسّخاً فيه عقيدة التوحيد، مذكّراً له أن الله هو الشافي، وأنه لا شفاء إلا شفاؤه، مهما امتثل العبد ‏الأمر بالتداوي، ثم يعبر صلى الله عليه وسلم للمريض عن فرط إشفاقه، وبالغ حرصه، وبليغ رحمته ‏ورأفته عندما يقول ضارعاً إلى الله وهو يدعوه لهذا المريض: "اللهم رب الناس! أذهب الباس، اشفه ‏وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً" بخ ح(5743) (429).‏
‏428- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب المرآة ترقى الرجل ح(5751) و(4439) ‏ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب رقية المريض بالمعوذات والنفث ح(2192) وأبو داود في ‏سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3902) والترمذي في سننه: كتاب الدعوات: باب ما ‏جاء فيمن يقرأ من القرآن عند المنام ح(3413) وقال: هذا حديث حسن غريب. وابن ماجه في سننه: ‏كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(3529) وانظر تحفة الأشراف ح(16589) قال ‏النووي: والنفث نفخ لطيف بلا ريق فيه واستحباب النفث في الرقية، وقد اجمعوا على جوازه ‏واستحبابه لجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم- انظر شرح النووي على صحيح مسلم ‏‏(14/182). ‏
‏429- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية النبي صلى الله عليه وسلم ‏ح(5743).‏
‏6-‏ لعل ذلك لأن أمنية المريض أن يخفف الله عنه ما يلقى من شدة، وأن يذهب عنه ما يعاني من بأس، ‏ولا ريب أن أحسن الهدايا وقعاً أن يدعو العائد للمريض، وأن يعوّذه بالله من شر ما يجد، أو من ‏شر ما يحاذر أن يكون، وهذا أمر لا يحتاج إلى استفسار. ‏
كذلك كان جبريل عليه السلام عندما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيجده يشتكي ألماً. وقد روى ‏مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه ‏وسلم فقال: يا محمد! اشتكيت؟ فقال: نعم. قال باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس ‏أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك"(430).‏
وفي الرواية الأخرى لمسلم عن عائشة رضي الله عنها: كان إذا اشتكى رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم رقاه جبريل، قال: "باسم الله يبريك‎…‎‏ الحديث"(431).‏
‏430-أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطب والمرض والرقى ح(2186). ‏والترمذي في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في التعوذ للمريض ح(974). وابن ماجة في ‏سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه وسلم وما عوذ به ح(3523). وانظر ‏تحفة الأشراف ح(4363). وأخرجه أحمد في مسنده (3/28-56). والنسائي في اليوم ‏والليلة ح(1005). قال النووي: هذا تصريح بالرقى بأسماء الله وفيه توكيد الرقية، والدعاء ‏وتكريره، وقوله من شر كل نفس: قيل يحتمل أن المراد بالنفس نفس الأدمى، وقيل يحتمل أن ‏المراد بها العين فإن النفس تطلعه على العين، ويقال رجل نفوس إذا كان يصيب الناس بعينه- ‏انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/170) ش ح(2186). ‏
‏431- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطب والمرض والرقى ح(2185) ‏والترمذي في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في التعوذ للمريض ح(974) وابن ماجه في ‏سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي (صلى الله عليه وسلم) وما عوذ به ح(3523) ‏وانظر تحفة الأشراف ح(4363) وأخرجه أحمد في مسنده (3/28-56) والنسائي ‏في اليوم والليلة ح(1005) قال النووي هذا تصريح بالرقى بأسماء الله تعالى وفيه توكيد ‏الرقية والدعاء وتكريره، وقوله في شر كل نفس قيل: يحتمل أن المراد بالنفس نفس الأدمي ‏وقيل يحتمل أن المراد بها العين فإن النفس تطلق على العين ويقال رجل نفوس إذا كان يصيب ‏الناس بعينه. انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/170).‏
أمره صلى الله عليه وسلم بالاسترقاء = تطلب الراقي والرقية
وتأكيد الانتفاع بعوذة الراقي ودعوته أمر صلى الله عليه وسلم بتلمس الراقي العارف بالرقية ‏وشروطها وآدابها لمن أصيب بعين حاسد. ‏
فقد روى البخاري ومسلم(432). من حديث أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم كان يأمرها أن تسترقي من العين (لفظ مسلم). ولفظ البخاري. قالت: أمرني النبي ‏صلى الله عليه وسلم أو أمر أن يسترقى من العين (الحاسدة).‏
كما روى البخاري ومسلم(433). عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة (لونا يخالف لون الوجه) فقال: "استرقوا لها؛ فإن بها النظرة". ‏

إقتداء الصحابة بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية: ‏
كما وقف جبريل عليه السلام على شكاية الرسول صلى الله عليه وسلم من وجع ألمَّ به فرقاه، ‏ها نحن أولاء نجد أنس بن مالك رضي الله عنه يجد تلميذه ثابتاً البناني وهو يقول لأنس: يا أبا حمزة! ‏اشتكيت! فقال أنس مرغباً في الرقية بما يدرك أنه لن يرده: ألا أرقيك برقية رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم؟ قال ثابت: بلى. فقال أنس: "اللهم رب الناس، أذهب الباس‎…‎‏ الحديث"(434).‏
‏432- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية العين ح(5738) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب ‏استحباب الرقية في العين والنملة والحمة والنظرة ح(2195) وابن ماجه في سننه: كتاب الطب: باب من استرقى من العين ‏ح(3512) وانظر تحفة الأشراف ح(16199).‏
‏433- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية العين ح(5739). ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: ‏باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة ح(2197). والبيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب ‏إباحة الرقية بكتاب الله (9/348). وانظر شرح معاني الاثار للطحاوي (4/327). قال النووي: السفعة يعني ‏بوجهها صفرة، وقيل سواد، وقال ابن تيمية: هي لون يخالف لون الوجه، وقيل أخذه من الشيطان- انظر شرح ‏النووي على صحيح مسلم (14/185) قال ابن عبد البر: فيه دليل على أن العين تسرع إلى قوم فوق اسراعها إلى ‏آخرين، وأنها تؤثر في الإنسان بقضاء الله وقدره وتصرعه في أشياء كثيرة، وإنما يسترقي من العين إن لم يعرف ‏العائن، وإما أن عرف الذي أصابه بعينه فإنه يؤمر بالوضوء- التمهيد (2/269). ‏
‏434- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية النبي صلى الله عليه وسلم ح(5742).‏
وكانوا يأمرون بذلك أهليهم وغيرهم: ‏

الرقية من الألم الموضعي:-‏
فقد روى مالك في الموطأ(435)، والترمذي بإسناد صحيح، وأبو داود كلاهما من طريق مالك، أن ‏عثمان ابن أبي العاص أتى النبي صلى الله عليه وسلم أو أتاه النبي صلى الله عليه وسلم، يقول عثمان: ‏وبي وجع كاد يهلكني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: امسح بيمينك سبع مرات، وقل: "أعوذ ‏بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر". قال عثمان: ففعلت فأذهب الله ما كان بي. فلم أزل آمر به ‏أهلي وغيرهم. ‏
وقد رواه مسلم(436). أن عثمان بن أبي العاص شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعاً يجده في ‏جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضع يدك على الذي تألمُ من جسدك وقل: باسم ‏الله (ثلاثا) وقل سبع مرات: "أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر". ‏
والحديث أورده أبو داود في الطب: باب كيف الرقي، وهذا يرينا إلى أي مدى كان صلى الله عليه وسلم ‏حريصاً على أن يعلم كيفية الرقية من يتوسم فيه من الصحابة الأهلية لذلك، حتى لا يعتمدوا جميعاً في ‏ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، وحتى يعطينا كيف ينبغي أن يكون الأدب في الأسرة أو الرئيس في ‏الموقع حريصاً على تنمية المهارات في الأمور التي يحسن أصحابه الأسوة به فيها، والمضاء على طريقه بها، ‏وكيف كان ذوو الأهلية لذلك من الصحابة، حريصين بدورهم على تعليم من يخلفهم من بينهم وأهليهم وذويهم ما ‏تعلموا حدوده، وتدربوا على كيفيته من النبي صلى الله عليه وسلم.‏
‏435- أخرجه مالك في موطأه: كتاب العين: باب التعوذ والرقية من المرض (2/942) ومسلم في صحيحه: كتاب ‏السلام: باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء ح(2202) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب ‏كيف الرقى ح(3891) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (29) ح(2087) وقال هذا حديث حسن صحيح ‏وابن ماجه في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي (صلى الله عليه وسلم) وما عوذ به ح(3522) وانظر تحفة ‏الأشراف ح(9774) وأخرجه أحمد في مسنده (6/390) والنسائي في اليوم والليلة ح(1001) قال النووي: ‏يستحب وضع يده علىموضع الألم ويأتي بالدعاء المذكور- انظر شرح للنووي على صحيح مسلم ‏‏(14/189) شرح (2202). ‏
‏436- انظر تخريج الحديث السابق. ‏
ومن ذلك إضافة إلى ما سبق: ‏
‏1-‏ ‏ ما رواه أبو داود والترمذي(437). من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في الرقية من ‏الأرق والفزع بإسناد حسن؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الفزع كلمات: ‏‏"أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون". وقد ‏رواه أبو داود في الطب: باب كيف الرقي.‏

الرقية من الحمة (سم العقرب) ‏
وروى في الباب نفسه بإسناد صحيح(438). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رجلاً من ‏أسلم قال: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله ‏لُدغت الليلة فلم أنم حتى أصبحت؟ قال: "ماذا؟". قال: عقرب، قال: "أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ ‏بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرك إن شاء الله" رواه أبو داوود (2399).‏
ومنه يتأكد ما سبق أن قلنا إن الرقية كما تكون توخياً للشفاء، تكون كذلك توقيا من الأذى، مع مراعاة ‏أن الأمر في تحقيق الغاية: لله، وما تقتضيه حكمته؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم: "لم يضرك إن شاء ‏الله". ‏
وكانوا يعلموا أهليهم الحق وينهونهم عن الباطل في ذلك:‏
‏437-أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3893) والترمذي في ‏سننه: كتاب الدعوات: باب دعاء من أوى إلى فراشه ح(3539). وقال هذا حديث حسن ‏غريب. والنسائي في اليوم والليلة ح(772). وانظر صحيح سنن أبي داود للألباني ‏ح(3294). ‏
‏438- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3893) والترمذي في ‏سننه: كتاب الدعوات: باب دعاء من أوى إلى فراشه ح(3539). وقال هذا حديث حسن ‏غريب. والنسائي في اليوم والليلة ح(772). وانظر صحيح سنن أبي داود للألباني ‏ح(3294).‏
وقد روى أبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح من حديث ابن أخت زينب امرأة عبد الله بن مسعود عن ‏زينب قالت: كانت عجوز تدخل علينا ترقي من الحمرة (بعض الأورام)، وكان لنا سرير طويل القوائم، ‏وكان عبد الله إذ دخل تـنحنح وصوَّت، فدخل يوماً فلما سمعت صوته احتجبت منه فجاء فجلس إلى ‏جانبي، فمسني فوجد مس خيط فقال: ما هذا؟ فقلت: رقى لي فيه من الحمرة، فجذبه، فقطعه، فرماه ‏وقال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الرقى ‏والتمائم والتولة شرك". قلت: فإني خرجت يوماً فأبصرني فلان فدمعت عيني التي تليه، فإذا رقيتها ‏سكنت دمعتها، وإذا تركتها دمعت؟ قال: ذاك الشيطان إذا أطعته تركك، وإذا عصيته طعــن ‏بإصـبعه في عينك ولكن لو فعلت كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خيراً لك وأجدر أن ‏تشفين: تنضحين في عينك الماء وتقولين: أذهب الباس رب الناس إشف أنت الشافي، لا شفاء إلا ‏شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً. ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 07:37 PM
ومما تقدم نستطيع أن نستنتج من الفقه الشرعي للرقية ما يلي: ‏
‏1-‏ ‏ أن الرقية التجاء المؤمن إلى الله أن يعيذه من الأذى، ويعافيه من المرض إن كان البدن سقيماً أو ‏يحصنه منه أو من الشر إن كان ذلك أمراً مخوفاً. ‏
ولعلنا على ذكر من قوله صلى الله عليه وسلم في الرقية: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد ‏وأحاذر"(439) م (2202).‏
‏439- أخرجه مالك في موطأه: كتاب العين: باب التعوذ والرقية من المرض (2/942) ‏ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب وضع يده علىموضع اللم مع الدعاء ‏ح(2202) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3891) والترمذي في سننه: ‏كتاب الطب: باب (29) ح(2087) وقال هذا حديث حسن صحيح وابن ماجه في سننه: كتاب ‏الطب: باب ما عوذ به النبي (صلى الله عليه وسلم) وما عوذ به ح(3522) وانظر تحفة ‏الأشراف ح(9774) وأخرجه أحمد في مسنده (6/390) والنسائي في اليوم والليلة ‏ح(1001) قال النووي: يستحب وضع يده على موضع الألم ويأتي بالدعاء المذكور ‏‎–‎انظر ‏شرح للنووي على صحيح مسلم (14/189) ش ح (2202). ‏

‏2-‏ ‏ أن في الرقية تعميقاً لعقيدة التوحيد، وتعبيراً عما تقتضيه، من الإقرار بأن الله تعالى هو مُذهب ‏الباس وهو الشافي لا شفاء إلا شفاؤه، ولهذا فنحن نضرع إليه وحده أن يعافينا مما نعاني أو ينجينا ‏مما نحاذر(440). م:(2191).‏
‏3-‏ ‏ أننا بهـذه الضـراعة وهذا الإقرار نبــرأ من الاعتمـاد على الأسباب وإن تيسرت، ونوقن بقدرته ‏سبحانه على الشـفـاء وإن لم نتمكن من أخذ الأسـباب، فنحن-بالرقيـة- ننخلع من حولنا وقوتنا إلى ‏حول ربنا وقوته(441). خ: (5675).‏
‏4-‏ ‏ أن الرقية -بما تمثله من ضراعة إلى الله وحده من شر كائن أو من شر مخوف هي إحدى قمم ‏التوكل على الله عز وجل سيما إذا كانت قد سبقت بالتداوي أو اتخاذ أسباب الوقاية، وكأنما يريد ‏المؤمن الراقي أو المسترقي أن يقــول: ‏
‏440- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب وضع يده على موضع ‏الألم مع الدعاء ح(2202). وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ‏ح(3891). والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (29) ح(2087). وقال هذا حديث ‏حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه ‏وسلم وما عوذ به ح(3522). وانظر تحفة الأشراف ح(9774). وأخرجه أحمد في ‏مسنده (6/390). والنسائي في اليوم والليلة ح(1001). قال النووي: يستحب وضع يده ‏موضع الألم ويأتي بالدعاء المذكور- انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/189) ‏ش ح(2202). ‏
‏441- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ‏ح(5675). ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض ح(2191). ‏وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3883). والترمذي في سننه: ‏كتاب أحاديث شتى: باب في دعاء المريض ح(3576) وقال هذا حديث حسن. وابن ‏ماجة في سننه كتاب الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض الرسول صلى الله عليه وسلم ‏ح(1619). وانظر تحفة الأشراف ح(17638). وأخرجه أحمد في مسنده (3/267) ‏و(4/259) و(6/42). والنسائي في اليوم والليلة ح(1042). وابن السني في اليوم ‏والليلة ح(543). قال النووي: الحديث فيه استحباب مسح المريض باليمين والدعاء لـه ‏وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحه في كتاب الأذكار- انظر شرح النووي على ‏صحيح مسلم (14/180) ش ح(2191). ‏
‏"ها أنذا تداويت امتثالاً لأمره صلى الله عليه وسلم بالتداوي في نحو قوله: "تداووا؛ فإن الله عز ‏وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء‎…‎‏ الحديث"(442).‏
‏5-‏ وعسى أن يكون هذا الدواء هو الذي وضعه الله لهذا الداء، ثم عسى أن يكون قد وفق طبيبي ‏ليصيب دواء الداء حتى يكون برئي وشفائي بإذن الله، وقد روى مسلم في صحيحه (2204) (443). ‏عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لكل داء دواء فإذا ‏أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل". ثم هأنذا أضرع إلى الله مستعيذا بحماه: أن يبرئني من ‏سقمي بإذنه، وأن يشفيني بشفائه وأمره، فها قد ألجأت ظهري إليه، وأسلمت نفسي إليه، وفوضت ‏أمري إليه؛ فهو الشافي لا شفاء إلا شفاؤه.‏
‏6-‏ ‏ وكما أن المؤمن في التداوي وأخذ الأسباب ممتثل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ومستن ‏بسنته، فكذلك هو في الرقية والاسترقاء، في التضرع والتعـوذ، في الدعاء إلى الله والرجاء فيه ‏وحده هو في هذا وذاك ممتثل أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، مستن بسنته، فكم أمر عليه ‏السلام بالرقية، وكم واظب عليها صلى الله عليه وسلم كلما أوى إلى فراشه، وكلما عاد مريضاً أو ‏أتى به إليه! بل كم كان هذا شأن جبريل عليه السلام مع النبي صلى الله عليه وسلم كلما ألفاه ‏يشتكى ألما!.‏


‏442- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في الرجل يتداوى ح(3855) ‏والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في الدواء والحث عليه ح(2045) قال أبو ‏عيسى: وهذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه في سننه: كتاب الطب: باب ما أنزل الله داء إلا أنزل ‏له شفاء ح(3436) وانظر تحفة الأشراف ح(127) وأخرجه أحمد في مسنده (4/278) وأنظر ‏صحيح سنن ماجة ح(2772).‏
‏443- أخرجه مسلم في صحيحه وكتاب السلام: باب لكل داء دواء واستحباب التداوي ‏ح(2204). وانظر تحفة الأشراف ح(2785) وأحمد في مسنده (3/335). ‏
وقد روى مسلم في صحيحه (2185) (444). من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: ‏‏"كان إذا اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقاه جبريل، قال: باسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ‏ومن شر حاسدٍ إذا حسد، وشر كل ذي عين".‏
‏7-‏ أن الرقية إحدى صور التعوذ والتضرع والدعاء التي أمر القرآن بها بصفة خاصة من جهة، والتي ‏اندرجت في عموم الأمر بالدعاء من جهة أخرى.‏
فقد أمر الله عباده أن يدعوه سبحانه تضرعاً وخفية، وخوفاً وطمعاً وأن يعلموا أن الله سميع الدعاء ‏وقريب يجيب الرجاء، ونوه بمن يدعون ربهم خوفاً وطمعاً وذلك في أكثر من آية كريمة في القرآن ‏الكريم.‏
والرقي نوع من الدعاء، وصورة من صور التعوذ امتثالاً لنحو قوله تعالى: ‏
‏(ادعوا ربكم تضرعاً وخفية)(445).‏
وقوله: ‏
‏(ادعوني أستجب لكم)(446).‏
وقوله: ‏
‏(وقل رب أعـوذ بك من همزات الشيـاطين وأعوذ بك رب أن يحضرون)(447).‏
كما أن الرقية بخصوصها وإن اندرجت فيما أمر به صلى الله عليه وسلم من دعاء عام أو ‏تعوذ عام. فلقد أمر صلى الله عليه وسلم أن يرقي أو يسترقي بسور خاصة يستشفي بها من شكاية ‏كائنة، أو يتوقى بها من أذى يحاذره المرء، وذلك فيما نزل عليه من المعوذات: الإخلاص والمعوذتين، على ‏ما يشير إليه نحو قوله تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)(448). ‏
‏444- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطب والمرض والرقى ‏ح(2185).‏
‏445- سورة الأعراف: (55).‏
‏446- سورة غافر: (60).‏
‏447- سورة المؤمنون: (97-98). ‏
‏448- سورة الإسراء: (82).‏
وقد كان عليه السلام يرقي نفسه أو يرقي غيره من عين الجان ثم أعين الإنس حتى نزلت ‏المعوذتان، فلما نزلت أخذ بهما وترك ما سواهما. ‏
وذلك على ما روى الترمذي في سننه: أبواب الطب: باب ما جاء في الرقية بالمعوذتين ‏‏(2059) (449). بإسناد حسن، وابن ماجه في سننه كتاب الطب: باب من استرقى من العين (3511) ‏‏(450). بإسناد صحيح. كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري. ‏
والمراد بقوله: "وترك ما سواهما": ما كان يتعوذ به صلى الله عليه وسلم قبل نزول ‏المعوذات، فلما نزلت كانت هي تعويذته ورقيته. ‏
فقد كان صلى الله عليه وسلم بعدئذ يرقي نفسه إذا أوى إلى فراشه بـ "قل هو الله أحد"، و"قل أعوذ ‏برب الفلق"، و"قل أعوذ برب الناس". كما كان يرقي نفسه وسبطيه بما أعلمه الله به من رقيا إبراهيم ‏عليه السلام لابنيه إسماعيل وإسحاق: "أعيذكما بكلمات الله التامة‎…‎‏ الحديث" (بخ: (3371) ‏ت(2061))(451).‏
‏449- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في الرقية بالمعوذتين ح(2065) ‏وقال: هذا حديث حسن غريب. والنسائي في سننه: كتاب الاستعاذة: باب الاستعاذة من عين الجان ‏ح(5509) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب من استرقى من العين ح(3511) وانظر تحفة ‏الأشراف ح(4327) وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1681). ‏
‏450- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل القرآن: باب فضل المعوذات ح(5017) وأبو ‏داود في سننه: كتاب الأدب: باب ما يقول عند النوم ح(5056) والترمذي في سننه: كتاب ‏الدوات: باب ما جاء فيمن يقرأ من القرآن عند المنام ح(3413) وقال: هذا حديث حسن غريب ‏صحيح. ‏
‏451- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء: باب (10) ح(3371) وأبو داود في سننه: ‏كتاب السنة: باب في القرآن ح(4737) وقال: "هذا دليل على أن القرآن ليس بمخلوق. مستدلا على أنه لو ‏كان مخلوقاً لما صح الاستعاذة به. وأخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (18) ح(2067) وقال: هذا ‏حديث حسن صحيح وابن ماجه في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي (صلى الله عليه وسلم) وما عوذ به ‏ح(3525) وانظر تحفة الأشراف ح(5627) وأخرجه أحمد في مسنده (1/270)-136) والنسائي في ‏اليوم والليلة ح(1007) الهامة: واحدة من الهوام وهي ذوات السموم. اللامة: بتشديد الميم أي ذات لمم، واللمم كل ‏داء يلم من خبل أو جنون أو نحوهما. أي في كل عين تصيب بسوء- انظر شرح السندي على سنن ابن ماجه ‏‏(4/125).‏

ما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن الرقية أو صيغتها أو كيفيتها: ‏
‏8-‏ ما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه المحدثون في مصنفاتهم في ذلك هو وحي لا ‏غنى لمسلم عن اتباعه والتزامه، سواء في ذلك ما جاء عن جبريل عليه السلام من رقيته للنبي ‏صلى الله عليه وسلم وما أنزل إليه أن يرقي به ويسترقي كالمعوذات، والفاتحة وغيرها، وما أعلم ‏به من رقية إبراهيم عليه السلام لابنيه إسماعيل وإسحاق، أو التزمه صلى الله عليه وسلم أو أمر ‏به: كل أولئك وحي أوفي حكم الوحي إذ أقر عليه صلى الله عليه وسلم من قبل الله عز وجل، ولم ‏ينزل ما ينقضه، وظل شأنه عليه السلام إلى أن استرقى أم المؤمنين في مرضه الأخير إلى أن ‏لحق بالرفيق الأعلى. وذلك دون أن ينزل بشأنه ناقض، أو يوحى في أمره ناسخ، أو يؤثر عنه ‏صلى الله عليه وسلم أنه ترك سنة العمل به يوما ما، لنفسه أو لغيره. ‏

عقيدة التوحيد التي حدث بها القرآن عن إبراهيم عليه السلام:‏
‏9-‏ حديث إبراهيم في هذه العقيدة عن تفرد الله بالخلق والتدبير بصفة عامة وفيما يتعلق بقضية شفاء ‏المرضى بصفة خاصة هي نبراس حياة المؤمن، وأساس سلوكياته في هذه الحياة سواء في ذلك: ‏خطواته النشطة في الطب وفي العلاج وفي التحليل والتشخيص، أو في إخباته. وضراعاته إلى الله ‏مستعيذاً أو مستشفياً، راقياً أو مسترقياً. ‏
‏10-‏ وكما أومأنا فيما سبق: فليس مما يتسق مع هذه العقيدة أن يسارع الطبيب بالحكم بالموت على ‏مريض لمجرد يأسه هو من شفائه مادام فيه عرق ينبض أو نفس يتردد، فقد تحدث المفاجآت، وكم ‏حدثت؟!.‏
‏11-‏ بين العمل البشري والأمل في رحمة الله تبرز قيمة الدعاء والرقية ويتضاعف الرجاء فيمن ‏يحيى الأرض بعد موتها، وحين ينتهي عمل الطبيب لا نقول: يبدأ عمل الراقي، بل نقول: يستمر ‏عمل الراقي، إذ أن الدعاء والتعوذ بالله ورقية المريض كل أولئك أمور ملازمة للعلاج حين يبدأ ‏وحين يمارس ويكرر، وحين يتابع الطبيب نظام العلاج وحين يستيقن من النجاح، وحين يقوى عنده ‏الأمل، وحين يخبو، وحين تغشاه سحابة قلق أو توتر لانتهاء عمله مع المريض دون جدوى: لا تنفك هذه ‏الأحوال كلها عن دعاء المريض المؤمن، والطبيب المؤمن. ‏
ومعنى هذا وذاك أنه فيما يتعلق بالمريض فلا غنى له عن الرقية ولا عن تكرارها حتى يبرأ بإذن ‏الله، فإذا برئ فلا غنى له عن الرقية كل ليلة حتى يقيه الله شر ما يحاذر أن يكون. كذلك كان النبي صلى الله ‏عليه وسلم. ولنا فيه الأسوة الحسنة. ‏

الرقية سنة نبوية مأمور بها: ‏
فقد واظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث البخاري الآنف (5748) لنفسه ‏صلى الله عليه وسلم، ولأي مريض من أهله أو من صحابته كما في حديثي مسلم (2191) و(2192) ‏‏(452). ‏
وأمر بها لنفسه ولغيره، كما أمر عائشة أن ترقيه في مرضه: الذي قضي فيه بخ: (5751) ‏وم: (2191). وكما في حديث الجارية المعينة التي كانت في بيت أن سلمة والتي قال صلى الله عليه ‏وسلم: "بها نظرة فاسترقوا لها". م: (2197) وكما في ح(2198) عند مسلم كذلك(453). ‏
‏452- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(5748) ومسلم في صحيحه: ‏كتاب السلام: باب رقية المريض بالمعوذات والنفث ح(2192) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ‏ح(3902) وابن ماجه في سننه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(3529) وانظر تحفة الأشراف ح(16589) قال ‏النووي: وسئلت عائشة عن نفث النبي (صلى الله عليه وسلم) في الرقية فقالت كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه ‏‎–‎انظر ‏شرح النووي على صحيح مسلم (14/182) قال ابن حجر: فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء الذي ماسه الذكر ‏كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر ‏‎–‎انظر فتح الباري (10/197) ش ح(5735).‏
‏453- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية العين ح(5739) ومسلم في صحيحه: كتاب ‏السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة ح(2197) والبيهقي في السنن: كتاب ‏الضحايا: باب إباحة الرقية بكتاب الله (9/ 348) وانظر شرح معاني الآثار للطحاوي (4/327) قال ‏النووي: السفعة يعني بوجهها صفرة، وقيل سواد وقال ابن تيمية هي لون يخالف لون الوجه، وقيل أخذه من ‏الشيطان ‏‎–‎انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/185) قال ابن عبد البر: فيه دليل على أن العين ‏تسرع إلى قوم فوق اسراعها إلى آخرين، وأنها تؤثر في الإنسان بقضاء الله وقدره وتصرعه في أشياء ‏كثيرة. وإنما يسترقى من العين إذا لم يعرف العائن. وأما إذا عرف الذي أصابه بعينه فإنه يؤمر بالوضوء ‏‎–‎التمهيد (2/269). ‏
الرقية ‏‎–‎كذلك- استغراق في مناجاة الله وانشغال بهذه المناجاة عن ضيق الصدر، وتوتر النفس من ‏معاناة المرض؛ سيما إذا كان عضالاً أو اقتضى وقتاً طويلاً؛ هنالك تكون الرقية أحسن علاج لما قد ‏يغشى الإنسان من ضيق أو تبرم قد يفضي به إلى الاكتئاب والأسى.‏
إن عناصر الرقية فضلاً عن أنها استشفاء فهي علاج لما قد ينشأ بالانشغال بالتفكير في شدة المرض، ‏إنها تمثل الانشغال برب الناس مذهب الباس، بدل الاشتغال أو التفكير في البأس ذاته ومضاعفاته، إنها ‏تشغل المريض بالبديل المجدي، كما تشغله بما يبعث في نفسه الأمل بدل القنوط، إنها تشغله بقضية ‏الشفاء لا بقضية المرض، والشفاء التام الذي لا يغادر سقماً يطلبه من الشافي الذي لا شفاء إلا شفاؤه.‏

طلب الشفاء بالرقية: ‏
إن المعايشة بالرقية في مناخ الشفاء تشغل المريض بالصحة والقوة والنشاط والتفاؤل، حيث يطلب ‏الراقي شفاء المريض وهو ينفث على يديه بكلمات الله التامة من السور القرآنية، أو من غيرها من ‏جوامع الدعاء والعوذ النبوية، وقد انطلقت من قلب تقي ليكون من هذا القلب وما انطلق منه من نفس قد ‏تندى بتلك الكلمات إلى يد تتلقى نفث الراقي ليكون من هذا مزيج شفائي يبعث على التفاؤل بمسح الباس ‏مع مسح الراقي بيده على بدن المريض أو على ما يألم منه. ‏

بين التعوذ وطلب الشفاء:‏
وإذا قيل ما جدوى التعوذ بالمعوذات عموماً وبالمعوذتين بصفة خاصة مع أن المجال مجال طلب ‏الشفاء فما العلاقة؟ ‏
قيل في الجواب: أوليس المريض معرضاً لوساوس الشيطان ونوازع النفس تنأى به عما ينبغي أن ‏ينشغل به مما ألمحنا إليه آنفاً؟!.‏
إن تعوذ المريض بالله من شر شياطين الإنس والجن يحصنه ممن يزين له الضيق بالألم، وسوء الظن ‏بالله أو بالطبيب، وقد يتمادى معه فيزين له الانتحار. ‏
إن التعوذ بالله رب الناس ملك الناس إله الناس، تعوذ بالله المحسن إلى خلقه، فلا مجال إلا لإحسان ‏الظن به سبحانه، وإذا علم المؤمن أو تذكر نحو قوله تعالى:‏
‏(وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) (454).‏
وقولـه صلى الله عليه وسلم: "ما يصيب المؤمن من وصب (ألم ملازم) ولا نصب ولا سقم، ولا حزن ‏حتى الهم يهمه (يغمه) إلا كفر الله به من سيئاته" م: (2573) خ: (5641،5642) كلاهما من حديث ‏أبي سعيد الخدري وأبي هريرة(454-أ).‏
وفي رواية لمسلم عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من شيء يصيب ‏المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له بها حسنة أو حطت عنه بها خطيئة" م: (2572) (455). فكم ‏لهذا من أثر نفسي!؟.‏
‏ ‏
التعوذ برب الناس: ‏
فالتعوذ برب الناس المحسن إليهم يصـرف المريض إلى وجوه إحسان الله إليه في مرضه. ولعله إن ‏صبر كفرت خطيئته، وإن رضي كتبت له حسنته، وربما دعاه هذا إلى أن يبصر في المحنة منحة ‏فينقلب شاكراً صابراً راضياً بدل أن يكون جزوعاً هلوعاً ساخطاً متبرماً. ‏
والبلاء اختبار كما قال تعالى: ‏
‏454- سورة الشورى: (30).‏
‏(454-أ)- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المرض، باب ما جاء في كفارة المرض ‏ح(5641) و(5642) ومسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة: باب ثواب المؤمن ‏فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك، حتى الشوكة يشاكها ح(2573).‏
‏455- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة: باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من ‏مرض أو حزن أو نحو ذلك، حتى الشوكة يشاكها ح(2572) وأنفرد به. ‏
‏(ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون)(456).‏
وطوبى لمن نجح في هذا الاختبار. وقد روى مسلم في صحيحه (2575)(457). من حديث جابر بن عبد ‏الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال: "مالك؟ يا أم ‏السائب! أو يا أم المسيب! تزفزفين؟" (تُرعَدين) قالت: الحمى. لا بارك الله فيها. فقال: لا تسبي الحمى؛ ‏فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد". ‏
فكم يكون من أثر للتعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في ‏صدور الناس من الجنة والناس!!. ‏

إن النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل!‏
وهذا أعرابي يزوره النبي صلى الله عليه وسلم ليسرى عنه من ألم الحمى التي أصابته، وليعلمه بأن ‏البلاء يطهر المرء من ذنوبه إن صبر عليه؛ فإذا بالرجل بجفائه وجهالته، وانسياقه وراء ما يزين ‏الشيطان له يأبى أن يتسامى بسلوكه لمقتضى هذه المعلومة فيقول- كما يروي البخاري قصته في ‏صحيحه (5656)" (458). بل هي حمى تفور، أو تثور، على شيخ كبير، تزيره القبور"، فقال النبي ‏صلى الله عليه وسلم: "فنعم إذاً". أي إذا أبيت إلاّ أن ترى في المحنة مظهرها دون جوهرها كان الأمـر ‏كما ظننت، ولعله صلى الله عليه وسلم أعلم بدنو أجله لما أجابه بما أجابه فقال ‏‎–‎كما أورد ابن حجر في ‏الفتح 10/124 عن الدولاني في الكني وابن السكن في الصحابة: "ما قضى الله فهو كائن"، فأصبح ‏الأعرابي ميتاً. ‏
‏456- سورة الأنبياء: (35). ‏
‏457- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة: باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو ‏حزن أو نحو ذلك، حتى الشوكة يشاكها ح(2575). وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب الحمى ‏ح(3469). ‏
‏458- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المرض: باب عيادة الأعراب ح(5656). ‏
ولو أن الأعرابي أحسن تلقي ما بشره به النبي صلى الله عليه وسلم إن صبر ورضى ثم أحسن الجواب ‏على النبي صلى الله عليه وسلم إذ أحسن تعليمه وإعلامه أن لا بأس عليه حيث إن المرض كفارة ‏لذنوب الصابر عليه فإن تعافى منه فقد ربح العافية وتكفير الخطايا، وإن مات فيه كان ممن ختم له ‏بخاتمة السعادة، حيث يبعث على ما مات عليه صابراً طاهراً.‏
بيد أن الرجل كان قد فاته أن يرقي نفسه أو يسترقي غيره فكان فريسة شيطانه. إنه كان ظلوماً لنفسه ‏جهولاً لعاقبة أمره؛ وإن يكن لذلك من سبب فهو النأى عن هدي القرآن، وبيان السنة وصدق الله: ‏
‏(وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير ‏الأمور)(459).‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 07:38 PM
الرقية في التراث الديني:‏
في كتاب الأنبياء من صحيح البخاري؛ يروي البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان نبي الله ‏صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول: "إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله ‏التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة". ‏
ورواية الترمذي لهذا الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ ‏الحسن والحسين، ويقول: أعـيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عيـن لامة، ويقول: ‏هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل عليهم السلام". وقد عقب الترمذي بقوله: هذا حديث حسن ‏صحيح. وقد رواه في أبواب الطب ضمن ما جاء في الرقية من العين ح(2061) (459-أ). ‏
‏459- سورة الشورى: (52-53).‏
‏459-أ- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء: باب (10) ح(3371) وأبو داود في سننه: كتاب السنة: باب في القرآن ‏ح(4737) وقال: هذا دليل على أن القرآن ليس بمخلوق. مستدلاً على أنه كان مخلوقاً لما صح الاستعاذة به. وأخرجه الترمذي في ‏سننه: كتاب الطب: باب (18) ح(2067) وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجه في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي ‏‏(صلى الله عليه وسلم) وما عوذ به ح(3525) وانظر تحفة الأشراف ح(5627) وأخرجه أحمد في مسنده (1/270)-136) ‏والنسائي في اليوم والليلة ح(1007) الهامة: واحدة من الهوام وعي ذوات السموم اللامة: بتشديد الميم أي ذات لمم، واللمم كل داء يلم ‏من خبل أو جنون أو نحوهما. أي في كل عين تصيب بسوء ‏‎–‎انظر شرح السندي على سنن ابن ماجه (4/125).‏

الســنـن:‏
أما أبو داود فروى هذا الحديث في كتاب السنة: باب في القرآن ح(4737) بنحو ما عند البخاري ‏والترمذي؛ بيد أنه عقب عليه بقوله: هذا دليل على أن القرآن ليس بمخلوق. ‏
وفي شرحه للحديث أبان الخطابي عن أساس قوله أبي داود هذا فقال: الهامة إحدى الهوام وذوات ‏السموم كالحية والعقرب ونحوهما. وقوله: من كل عين لامة معناه ذات لمو واللمم كل داء يلم من خبل ‏أو جنون أو نحوهما أي من كل عين تصيب يسوء، ومعنى يلم يقرب منه ويعتريه. ثم قال: وكان أحمد ‏بن حنبل يستدل بقوله: "بكلمات الله التامة"، على أن القرآن غير مخلوق وهو أن رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم لا يستعيذ بمخلوق، وما من كلام مخلوق إلا وفيه نقص، والموصوف منه بالتمام هو غير ‏المخلوق وهو كلام الله سبحانه. ‏

ابن حجر وشرح الحديث: ‏
أما ابن حجر فعند ما شرح الحديث أرانا سر التعوذ والرقية بكلمات الله التامة حيث حكى ما قيل فيها ‏من أن المراد كلامه تعالى أو أقضيته، أو ما وعد به. وقيل التامة: الكاملة، وقيل النافعة، وقيل الشافية، ‏وقيل المباركة، وقيل القاضية؛ التي تمضي وتستمر ولا يردها شيء، ولا يدخلها نقص ولا عيب.‏
أقول: ولا تنافي بين هذه الأقوال جميعاً فيمكن الجمع بينها، حيث أنها أوصاف كلمات الله فهي التامة ‏الكاملة النافعة الشافية المباركة القاضية التي لا يردها شيء ولا يدخلها نقص ولا عيب وفيها أقضيته ‏سبحانه وما وعد به عباده المرسلين وتابعيهم من المؤمنين والمتقين. ‏
‏ وقد بان سر التعوذ بها منذ أبينا إبراهيم عليه السلام فهي النافعة والشافية والمباركة. ‏


الرقية عند أهل الكتاب: ‏
وليس بمستغرب أن تكون الرقية بمعنى التعوذ بالله والاستشفاء به في شريعة موسى وعيسى عليهما ‏السلام وغيرهما من الأنبياء والمرسلين، كما كانت في شريعة إبراهيم عليه السلام، وكما شرعت لنبينا ‏صلى الله عليه وسلم. وقد قال تعالى في الآية (13) من سورة الشورى: ‏
‏(شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن ‏أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه).‏
ومن الموروث الديني تناهت الرقية إلى العرب وإلى أهل الكتاب، لكن دخلها الزيف، كما شابها الشرك، ‏وبقى منها القليل الصحيح صحيحاً لم ير صلى الله عليه وسلم به بأسا؛ بيد أنه اشترط أن تعرض عليه فما كان ‏منها موافقاً للقرآن والسنة أجازه ومالا فلا. ‏
وفي التحرير والتنوير (29/359). قال العلامة الشيخ الطاهر بن عاشور: "وأصل الرقية: ما ورثه ‏العرب من طلب البركة بأهل الصلاح والدعاء إلى الله". ‏
وأصلها وارد من الأديان السماوية، ثم طرأ عليها سوء الوضع عند أهل الضلالة، فألحقوها بالسحر أو ‏بالطب، ولذلك يخلطونها من أقوال ربما كانت غير مفهومة، ومن أشياء كأحجار أو أجزاء من عظم ‏الحيوان أو شعره، فاختلط أمرها في الأمم الجاهلة، وقد جــاء في الإسلام الاستشفاء بالقرآن، والدعوات ‏المأثورة المتـقبلة من أربابها، وذلك من قبيل الدعاء". أ. هـ. ‏

وفي الموسوعة العربية العالمية (11/255-256): ‏
‏"الاستعاذة من الجن والإنس: وعن أبي ذر في حديث أخرجه الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم أمره أن يتعوذ من شياطين الإنس والجن، ويُفعل ذلك في غير المرض؛ لأن المسلمين يعتقدون ‏بوجود الجن، وأن منهم الكافر، ومنهم المسلم، وأن كافرهم قد يؤذي المسلم إذا لم يتحصن بتعوذات ‏الصباح والمساء، ويقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة وإذا أوى إلى فراشه؛ فهي حافظة بإذن الله".‏
مفهوم الرقية (لغة وشرعاً):‏
عند علماء اللغة: ‏
فسرها عامتهم بالعوذة = التعويذة، وأضاف بعضهم بعض خواصها. ‏
فأما الراغب في كتابه: "مفردات ألفاظ القرآن"، ففسر العوذة أولاً ثم انتقل منها إلى الرقية حيث قال: ‏‏"والعوذة ما يعاذ به من الشيء، ومنه قيل للتميمة والرقية: العوذة. ثم قال: وعوذه إذا وقاه". ‏
وبهذا أبان الراغب أن العوذة في مفهومها أعـم من الرقية؛ إذ أن العـوذة = التعويذة أو ما يعوذ به ‏ويوقّى يشمل التميمة والرقية، فالرقية إحدى أنواع العوذة. ‏
وقد فسر الراغب- أولاً معنى العوذة، ثم فسر لنا ثانياً لم سميت الرقية عوذة. ‏
ذلك أن الرقية هي ما يلتجأ به إلى الله من الدعاء بكيفية خاصة على ما سيأتي ليقي المريض شر ما يجد ‏وشر ما يحاذر وجوده.‏
بيد أن الراغب لم يفسر لنا المأخذ الاشتقاقي للرقية، ولا وجه العلاقة بين المعنى اللغوي والمفهوم ‏الشرعي، ولا وجه العلاقة اللغوية بين رقى وعوذ.‏
أما ابن منظور فلم يزد على ما قال الراغب في تفسيرها وإنما عنى بذكر تصريفات الكلمة ثم أضاف قوله: ‏يقال: رقى الراقي رقية ورقياً إذا عوّذ ونفث في عوذته‎…‎‏ الخ. ‏
وقد استقى ابن منظور أصول ما أضاف من السنة النبوية على ما سوف يجيء من أن النفث في الرقية ‏أحد خواص الرقية التي تتميز بها عن الدعاء المجرد، والتعوذ المجرد وغيرهما؛ إذ بدون النفث لا ‏يكون المرء راقياً. ‏
قد تقرأ سورة الفلق في إحدى ركعات صلاتك، فتكون قد تعوذت برب الفلق، من شر ما خلق؛ بيد أنك ‏لا تكون راقياً. ‏
قد ينزع الشيطان بينك وبين زوجك، أو بينك وبين إخوتك، فتستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، كما ‏علمك الله، فتكون مستعيذاً دون أن تكون راقياً. ‏
فكل راقٍ مستعيذ بالله لكن ليس كل مستعيذ بالله راقياً..‏
لقد حكى الله عن نوح عليه السلام ما استرحم به ربه لولده أن يستنقذه من الطوفان:‏
‏(ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ‏ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من ‏الجاهلين)(460).‏
فماذا كان جواب نوح عليه السلام؟ ‏
‏(قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلاّ تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين)(461).‏
فهل كان نوح عليه السلام ‏‎–‎حينئذ- راقياً؟ ‏
لقد تعوذ بالله أن يسأل ربه ما ليس له علم بإباحة سؤاله إياه، ثم استغفر الله واسترحمه كيلا يكون من ‏الخاسرين. ‏
وما كان المقام مقام بدن مئوف، ولا مرض مخوف، والرقية لا تعدو أن تكون لواحد من نحو هذين ‏الأمرين، فهي إما لتوخي الشفاء والعافية من مرض كائن، أو لتوقي مرض أو محذور يخشى أن يكون.‏

ابن الأثير في تعريفه للرقية: ‏
وقد لحظ ابن الأثير ذلك في تعريفه للرقية؛ حيث قال: "الرقية [هي] العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى ‏والصرع وغير ذلك من الآفات". نهاية 2/231. ‏
والذي لم يلحظه ابن الأثير هو ما يتعلق في الرقية بجزئية التعوذ بالله من شر ما يحاذره المرء. ‏
وقد أخذنا هذا مما رواه مسلم في صحيحه (2202) (462). من حديث عثمان بن أبي العـاص ‏الثقفي أنه شكـا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعاً يجده في جسده منذ
‏460- سورة هود: (45-46).‏
‏461- سورة هود: (47). ‏
‏462- أخرجه مالك في موطأه: كتاب العين: باب التعوذ والرقية من المرض (2/942) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب ‏استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء ح(2202) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3891) والترمذي ‏في سننه: كتاب الطب: باب (29) ح(2087) وقال هذا حديث حسن صحيح وابن ماجه في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي ‏‏(صلى الله عليه وسلم) وما عوذ به ح(3522) وانظر تحفة الأشراف ح(9774) وأخرجه أحمد في مسنده (6/390) والنسائي في اليوم ‏والليلة ح(1001) قال النووي يستحب وضع يده على موضع الألم ويأتي بالدعاء المذكور ‏‎–‎انظر شرح للنووي على صحيح مسلم ‏‏(14/189) شرح (2202).‏
أسلم؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله (ثلاثاً) ‏وقل (سبع مرات): أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر". وعن مسلم في صحيحه أورد ابن القيم هذا ‏الحديث في الزاد (4/188) مترجماً له بهذا العنوان: ‏
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الوجع بالرقية.‏
ثم علق على الحديث بقوله: ‏
ففي هذا العلاج من ذكر الله، والتفويض إليه، والاستعاذة بعزته وقدرته من شر الألم: ما يذهب به. ‏
وتكراره ليكون أنجح وأبلغ، كتكرار الدواء لإخراج المادة. ‏
وفي السّبْع خاصية لا توجد في غيرها. ‏

خواص الرقية:‏
ويتحصل لنا إلى الآن من خواص الرقى أمور ثلاثة:‏
‏1-‏ النفث.‏
‏2-‏ أنها تعويذ للمريض من شر ما يجد من أذى كائن به.‏
‏3-‏ أنها تعويذ للمريض من شر ما يحاذر من أذى يخاف أن يكون. ونستكمل باقي الخواص بعد ‏استكمال المعنى اللغوي.‏

في القامــــــــوس: ‏
مهد الفيروزباذي لبيان معنى الرقية في مادة "عوذ" فذكر أن "العَوْذ" هو الالتجاء كالعياذ والمعاذ ‏والمعاذة والتعوذ والاستعاذة، وأنه بالهاء [العوذة]: الرقية كالمعاذة والتعويذ. وبهذا فرق بين المصدر ‏والاسم. ولعل المراد بالتعويذ المذكور قرين الرقية عمل الراقي، ولعل الأوفق في معنى الرقية أن يقال: ‏التعويذة، حتى لا يلتبس الاسم بالمصدر(463).‏
‏463- القاموس المحيط للفيروزآبادي (1/369).‏
والهاء في العوذة هي المميزة للاسم عن المصدر، كما ذكر في القاموس، فليكن ذلك مع كلمة التعويذ ‏أيضاً.‏

في المعجم الوسيط: "عاذ"(464).‏
‏"أعاذه بالله: حصنه به وبأسمائه. ‏
وعوذه: أعاذه و- علق عليه العُوذة.‏
وتعوذ به: لجأ إليه واعتصم، ويقال: تعوذ بالله. ‏
واستعاذ به: تعوذ، يقال: استعاذ بالله. ‏
والعوذ: الملجأ، يقال: فلان عوذ لبني فلان. ‏
ويقال: عوذ بالله منك أي أعوذ بالله". ‏
وهي أمثلة منوعة تقرب معنى التعــوذ بالله في الرقية ثم قـال: "والعُوذة" التميمة و- الرقية يرقي بها ‏الإنسان من فزع أو جنون. ج عوذ.‏
فأفاد أن العُوذة بضم العين وزان الرقية. ‏
وأن الجمع عُوَذ كجمع الرقية: رُقىً.‏

أما في مادة "رقى" فقد جاء في المعجم أيضاً:‏
رقى المريض ونحوه رَقْـياً ورقيَّا ورُقـية عوّذه.‏
فأفادنا مصدراً آخر، ثم ضبط الرقية بفتح الراء وضمها. ‏
ثم قال: باسم الله أرقيك والله يشفيك.‏
ورقيت فلاناً إذا تملقت له. ‏
ورقاه: سل حقده في رفق. ‏
‎…‎‏. والرقية: العوذة التي يرقى بها المريض ونحوه، والجمع رُقى، ويقال لما يؤثر: رقية. ‏
‏464- المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية: (2/641). ‏
وأفدنا من هذا في الجانب اللغوي أن من خواص الرقية: ‏
‏1-‏ التملق = التودد والتلطف.‏
‏2-‏ الترفق في طلب المأمول.‏
‏3-‏ تكرير الطلب مرة بعد أخرى حتى تتحقق الغاية.‏
‏4-‏ التأثير.‏
‏5-‏ استلال ما بالمرء من شر.‏

الزمخشري في الأساس: (247-248) ‏
ذكر أن من المجاز في هذه المادة:‏
ورقى عليه كلاماً: رفع ‏
ورُقي إلى سمعه كذا: [نُمى ورُفع]‏
ورقيت فلاناً إذا تملقت له، وسللت حقده بالرفق؛ كما تُرقى الحية حتى تجيب، ثم استشهد لهذا بقول ‏كثير لعبد الملك بن مروان: ‏
ومازالت رُقـاك تسـُلّ ضغني وتخرج من مكامنها ضِبابي ‏
ويرقيــني لك الحاوون حتى أجابك حية تحت الحجــاب ‏

فأكد ما ذكر آنفاً، إلا أنه أفادنا ما ذكره عن مجاز الاستعمال في هذه المادة، وسوف نفيد منه ‏فيما يتعلق باستكمال خصائص الرقية، تمهيداً لاستكمال عناصر تعريفها، وبيان وجه العلاقة اللغوية ‏بين كلمتي الرقية والعوذة، حتى يتبين لنا لماذا سميت العوذة: رقية، أو لماذا فسرت الرقية بالعوذة؟. ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 07:40 PM
ولنتابع الاستقراء بحثاً عن باقي خصائص الرقية: ‏
‏1-‏ المسح على الوجه وما بلغت اليدان من الجسد: ‏
ففي صحيح البخاري: (5748) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ "قل هو الله أحد"، وبالمعوذتين جميعاً ثم يمسح بهما وجهه ‏وما بلغت يداه من جسده قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن افعل ذلك به"(465). ‏
وفي صحيح مسلم (2191) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه، ثم قال: أذهب الباس رب الناس! وأشف أنت الشافي‎…‎‏ الحديث ‏وهو عند البخاري: (5675) (466). ‏

‏2- وضع اليد على موضع الألم مع الدعاء: ‏
ففي حديث عثمان بن أبي العاص عن مسلم (2202)(467): أنه شكا إلى رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم وجعاً يجده في جسده منذ أسلم؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ضع يدك على ‏الذي يألم من جسدك وقل: باسم الله ثلاثا وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر".‏

‏465- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل القرآن: باب فضل المعوذات ح(5017) وأبو داود في ‏سننه: كتاب الأدب: باب ما يقول عند النوم ح(5056) والترمذي في سننه: كتاب الدعوات: باب ما جاء ‏فيمن يقرأ من القرآن عند المنام ح(3413) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. ‏
‏466- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ح(5675) ومسلم في صحيحه: ‏كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض ح(2191) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ‏ح(3883) والترمذي في سننه: كتاب أحاديث شتى: باب في دعاء المريض ح(3576) وقال هذا حديث حسن ‏وابن ماجه في سننه: كتاب الجنائز باب ما جاء في ذكر مرض الرسول (صلى الله عليه وسلم) ح(1619) وانظر ‏تحفة الأشراف ح(17638) وأخرجه أحمد في مسنده (3/267) و(4/259) و(6/42) والنسائي في اليوم والليلة ‏ح(1042) وابن السني في اليوم والللة ح(543) قال النووي: الحديث فيه استحباب مسح الريض باليمين والدعاء ‏له وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحة جمعتها في كتاب الأذكار انظر النووي على صحيح مسلم (14/180). ‏
‏467- أخرجه مالك في موطأه: كتاب العين: باب التعوذ والرقية من المرض (2/942) ومسلم في ‏صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء ح(2202) وأبو داود في ‏سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3891) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (29) ‏ح(2087) وقال هذا حديث حسن صحيح وابن ماجه في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي (صلى ‏الله عليه وسلم) وما عوذ به ح(3522) وانظر تحفة الأشراف ح(9774) وأخرجه أحمد في مسنده ‏‏(6/390) والنسائي في اليوم والليلة ح(1001) قال النووي: يستحب وضع يده علىموضع الألم ويأتي ‏بالدعاء المذكور ‏‎–‎انظر شرح للنووي على صحيح مسلم (14/189) ش ح (2202).‏
‏3- الدعاء فقط من غير ذكر تعوذ: ‏
في إحدى روايات الحديث السابق في صحيح مسلم (2191) (468). عن أم المؤمنين عائشة أن رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عاد مريضاً يقول: "أذهب الباس رب الناس! اشفه أنت الشافي لا شفاء ‏إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً".‏
وفي رواية أخرى لهذا الحديث: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المريض يدعو له قال: ‏‏"أذهب الباس رب الناس‎…‎‏ الحديث".‏
وفي رواية ثالثة: فدعا له وقال: "وأنت الشافي". ‏
وفي رواية رابعة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرقي بهذه الرقية: "أذهب الباس رب الناس ‏بيدك الشفاء لا كاشف له إلا أنت". ‏

‏4- التعوذ في الرقية:‏
قد يكون بمادة التعوذ وقد يكون بمادة الرقية، فمن الأول: قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من ‏حديث عثمان السابق (2202)‏‎…‎‏ وقل سبع مرات: "أعوذ بالله وقدرته‎…‎‏ الحديث".‏
ومن الثاني ما رواه مسلم في صحيحه (2185) من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ‏كان إذا اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقاه جبريل قال: "باسـم الله

‏ ‏
‏468- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ح(5675) ومسلم في ‏صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض ح(2191) وابو داود في سننه: كتاب الطب: ‏باب في تعليق التمائم ح(3883) والترمذي في سننه: كتاب أحاديث شتى: باب في دعاء المريض ‏ح(3576) وقال هذا حديث حسن وابن ماجه في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض ‏الرسول (صلى الله عليه وسلم) ح(1619) وانظر تحفة الأشراف ح(17638) وأخرجه أحمد في ‏مسنده (3/267) و(4/259) و(6/42) والنسائي في اليوم والليلة ح(1042) وابن السني في اليوم ‏والليلة ح(543) قال النووي: الحديث فيه استحباب مسح المريض باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه ‏روايات كثيرة صحيحة جمعتها في كتاب الأذكار انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/180). ‏
يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسدٍ إذا حسد، وشر كل ذي عين"(469).‏
ومن هذا أيضاً ما رواه مسلم في صحيحه عقب هذا الحديث من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله ‏عنه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمداً اشتكيت؟ فقال: "نعم". قال: "باسم الله ‏أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسدٍ الله يشفيك، باسم الله أرقيك". ‏
وهذا الحديث يفسر سابقه.‏
فقول عائشة رضي الله عنها: "رقاه جبريل تعنى: عوذه، وقولها: قال: باسم الله تقديره: أعوذك باسم ‏الله، ومعناه أعوذك بالله: وقول جبريل عليه السلام يبريك معناه: الله يبريك يعني: يشفيك‎…‎‏ وقول ‏جبريل: ومن شر حاسدٍ‎…‎‏ أي وأعوذك بالله من شر حاسدٍ‏‎…‎‏ الحديث".‏
التقدير في الحديث الثاني واضح، وقوله أرقيك لا تحتمل إلا معنى: أعوذك.‏

‏6-‏ وقد يتبادر من الفقرة (3) التي أوردناها عن الرقية بالدعاء من غير ذكر تعوذ أن الرقية تتم ‏بالدعاء وحده في بعض صورها. بيد أن روايات الحديث في صحيح البخاري ترينا أن الأمر ليس ‏على ما قد يتبادر.‏


‏469- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطب والمرض والرقى ح(2185) ‏أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطب والمرض والرقى ح(2186) والترمذي في ‏سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في التعوذ للمريض ح(974) وابن ماجه في سننه: كتاب ‏الطب: باب ما عوذ به النبي (صلى الله عليه وسلم) وما عوذ به ح(3523) وانظر تحفة ‏الأشراف ح(5363) وأخرجه أحمد في مسنده (3/28-56) والنسائي في اليوم والليلة ح(1005) قال ‏النووي هذا تصريح بالرقى بأسماء الله تعالى وفيه توكيد الرقية والدعاء وتكريره، وقوله من شر كل ‏نفس قيل: يحتمل أن المراد بالنفس نفس الأدمى وقيل يحتمل أن المراد بها العين فإن النفس تطلق على ‏العين ويقال رجل نفوس إذا كان يصيب الناس بعينه. انظر شرح النووي على صحيح مسلم ‏‏(14/170). ‏
فأول روايــات الحديث فيه (5675) (470). جاءت دعـــاء فحسب بنحـو ما عند مسلم (2191) (471).‏
وثاني الروايات للحديث في البخاري (5743) (472). عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله ‏عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: "اللهم رب الناس! اذهب الباس واشفه‎…‎‏ ‏الحديث". ‏
وثالث الروايات (5744) (473). عنها رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرقي ‏يقول: "امسح الباس رب الناس‎…‎‏ الحديث". ‏
‏470- "أذهب الباس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما" أخرجه البخاري في ‏صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ح(5675) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب رقية ‏المريض ح(2191) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3883) والترمذي في سننه: كتاب ‏أحاديث شتى: باب في دعاء المريض ح(3576) وقال هذا حديث حسن وابن ماجه في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء ‏في ذكر مرض الرسول (صلى الله عليه وسلم) ح(1619) وانظر تحفة الأشراف ح(17638) وأخرجه أحمد في مسنده ‏‏(3/267) و(4/259) و(6/42) والنسائي في اليوم والليلة ح(1042) وابن السني في اليوم والليلة ح(543) قال ‏النووي: الحديث فيه استحباب مسح المريض باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحة جمعتها في كتاب ‏الأذكار انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/180).‏
‏471- "كان يعوذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: اللهم رب الناس اذهب الباس، اشفه أنت الشافي، لا شفاء ألا ‏شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما". أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ح(5675) ومسلم ‏في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض ح(2191) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق ‏التمائم ح(3883) والترمذي في سننه: كتاب أحاديث شتى: باب في دعاء المريض ح(3576) وقال هذا حديث حسن ‏وابن ماجه في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض الرسول (صلى الله عليه وسلم) ح(1619) وانظر تحفة ‏الأشراف ح(17638) وأخرجه أحمد في مسنده (3/267) و(4/259) و(6/42) والنسائي في اليوم والليلة ح(1042) ‏وابن السني في اليوم والليلة ح(543) قال النووي: الحديث فيه استحباب مسح المريض باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه ‏روايات كثيرة صحيحةجمعتها في كتاب الأذكار انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/180).‏
‏472- "كان يرقي يقول: امسح الباس، بيدك الشفاء لا كاشف له إلا أنت" أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب ‏دعاء العائد للمريض ح(5675) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض ح(2191) وأبو داود ‏في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3883) والترمذي في سننه: كتاب أحاديث شتى: باب في دعاء المريض ‏ح(3576) وقال هذا حديث حسن وابن ماجه في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض الرسول (صلى الله عليه ‏وسلم) ح(1619) وانظر تحفة الأشراف ح(17638) وأخرجه أحمد في مسنده (3/267) و(4/259) و(6/42) ‏والنسائي في اليوم والليلة ح(1042) وابن السني في اليوم والليلة ح(543) قال النووي: الحديث فيه استحباب مسح المريض باليمين ‏والدعاء له وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحة جمعتها في كتاب الأذكار انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/180). ‏
‏473- كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يعوذ بعضهم، بمسحه بيمينه: "اذهب الباس، رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا ‏شفاؤك، شفاء ى يغادر سقما".‏
أما الرواية الرابعة (5750) (474). ففيها قول عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم ‏يعوذ بعضهم يمسحه بيمينه، ويقول: "أذهب الباس رب الناس‎…‎‏ الحديث". ‏
وهي روايات تكمل رواية مسلم التي خلت من التعويذ ومن لفظ الرقية، كما تكمل الرواية الأولى ‏للحديث عند البخاري، إذ أنها جميعاً رواية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. فإذا كانت الرواية عند ‏مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا عاد مريضاً يقول، أو يدعو لـه، قال: "أذهب الباس ‏رب الناس!‏‎…‎‏ الحديث". وبنحوه عنه البخاري في روايته الأولى للحديث: أن رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم كان إذا أتى مريضاً أو أتى به قال: "أذهب الباس رب الناس‎…‎‏ الحديث". فمعنى الحديث بضميمة ‏ما في الروايات الأخرى عند البخاري أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أتى مريضاً أو أتى له به- من ‏أهله أو من غيرهم- عوذه بأن قال مثلاً باسم الله أرقيك، ونفث في عوذته ثم مسح بيده أو بيديه اللتين ‏تلقتا نفسه الشريف ونفثه الندي برقيته- على موضع الألم أو على ما بلغت يده أو يداه الشريفتان من ‏جسد المريض. ثم دعا له بقوله: "اللهم رب الناس أذهب الباس‎…‎‏ الحديث"، ونحو ذلك. ‏
فكل عنصر يستفاد من رواية يضم إلى باقي عناصر الروايات الأخرى، ثم تفهم كل رواية في ‏ضوء ما يفهم من غيرها، وفقه المسألة وحكمها وكيفيتها يؤخذ من الروايات جميعاً سواء أكانت ‏الروايات لراو واحد من الصحابة أو لعدة رواة.‏
‏474- رواية مسلم: "اذهب الباس، رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر ‏سقما". أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ح(5675) ومسلم في ‏صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض ح(2191) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في ‏تعليق التمائم ح(3883) والترمذي في سننه: كتاب أحاديث شتى: باب في دعاء المريض ح(3576) وقال ‏هذا حديث حسن وابن ماجه في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض الرسول (صلى الله عليه ‏وسلم) ح(1619) وانظر تحفة الأشراف ح(17638) وأخرجه أحمد في مسنده (3/267) و(4/259) و(6/42) ‏والنسائي في اليوم والليلة ح(1042) وابن السني في اليوم والليلة ح(543) قال النووي: الحديث فيه استحباب مسح ‏المريض باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحة جمعتها في كتاب الأذكار انظر شرح النووي على ‏صحيح مسلم (14/180). ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 07:41 PM
تعريف الرقية (شرعاً):‏

وبناء على ما سبق نستطيع أن نعرف الرقية بما يلي: ‏
الرقية هي ما شرعه الله وبينه رسوله ليلتجئ المرء به إلى الله عز وجل وحده تطلباً لمعافاته سبحانه ‏من شر كائن، أو وقاية له من شر يحاذر أن يكون. ‏

كيفيتها:‏
أما كيفيتها فهي تلقي نفث المتعوذ أو نفسه المتندى بريقه على باطن كفيه حين يرقي بكلمات الرقية ثم ‏مسحه بيده على وجهه وما بلغت يداه من ظاهر بدنه، أو وضع اليد على موضع الألم حين الرقية. ‏

شروط صحتها: ‏
‏1-‏ ‏ أن تكون بما جاء عن الله ورسوله في الكتاب والسنة نصاً، وهو الأولى والأفضل، أو معنى إن لم ‏يتيسر التزام اللفظ. ‏
‏2-‏ ‏ أن تكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.‏
‏3-‏ ‏ أن يعتقد الراقي أن الشافي والواقي هو الله وحده، وأنه لا شفاء إلا شفاؤه، ولا معافاة إلا معافاته. ‏
‏4-‏ ‏ أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، إنما التأثير بأمر الله وإذنه، حتى لا يتنافى عمل الراقي مع ‏حقيقة التوكل، ولا مع التوكل الحقيقي على الله عز وجل ويراجع ‏‎–‎لزاماً- ما أورده ابن حجر في ‏الفتح (10/205-208) تعليقاً علـى حديث رقم (5735) كتاب الطب: باب الرقية بالقرآن ‏والمعوذات(475).‏

‏475- انظر فتح الباري لابن حجر (10/205-208) ش ح (5735).‏
تسمية العوذة رقية:‏
‏ ونحسب أن التعويذة سميت رقية لما يلي: ‏
‏1-‏ ‏ أن الاستعمال اللغوي للرقية يأتي بمعنى التعويذ، ومن ذلك قول جبريل عليه السلام للنبي صلى ‏الله عليه وسلم: "باسم الله أرقيك"، أي أعوذك، وتقديم الجار والمجرور يفيد القصر، وكما مضى: ‏فالتقدير بالله أعوّذك لا بغيره؛ فما لدى غيره نفع ولا ضرر. ‏
‏2-‏ ‏ ذكرنا المعنى اللغوي لقولهم: "رقى عليه كلاماً" -أي: رفع. والمعوذ كأنما يرقَي على نفسه أو ‏على غيره بكلام الرقية؛ سيما وهو يمسح بيده نفثه على الوجه، وما نالته اليدان من ظاهر البدن.‏
‏3-‏ ‏ التأثير؛ حيث يتوخى الراقي التأثير بالرقية، والعرب تقول لما يؤثر: رقية، وقد سبق ذلك. ‏
إلا أن المسلم يوقن ‏‎–‎كما قلنا- أن التأثير بذاته تعالى لا برقية الراقي، أما غير المسلم فيعتقد أن للرقية تأثيراً ‏بذاتها؛ ولهذا أبطل الإسلام هذا الاعتقاد، واعتبره شركاً، كما اعتبر من الشرك كل ما يعتقد المسلم أن له تأثيراً ‏بذاته كالتميمة والتـِّولَة وما إليها.‏
‏4-‏ الاستسلال؛ حيث يضرع الراقي إلى الله أن يستل ما به أو بمن يرقيه من مرض كائن أو خوف من ‏خطر يوشك أن يكون.‏
ومن ذلك ما رواه أبو داود (3883) (476). وابن ماجه (3530) (477). وغيرهما بإسناد صحيح من ‏حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرقى والتمائم ‏والتولة شرك". والمقصود بالرقى ما كان على نهج الجاهلية بأسماء الشياطين والأصنام واعتقاد تأثيرها ‏بذاتها. ‏
‏476- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3883) وابن ماجه في سننه: كتاب الطب: ‏باب تعليق التمائم ح(3530) وانظر تحفة الأشراف ح(9643) وأخرجه أحمد في مسنده (1/381) والحاكم في ‏مستدركه (4/217) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي. وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب ‏الضحايا: باب التمائم (9/350) وانظر صحيح سنن أبو داود للألباني ح(3288). ‏
‏477- انظر شرح السندي على ابن ماجه (4/128) ش ح(3530) بتصريف. ‏
والتمائم: جمع تميمة وهي الخرزات التي يعلقها النساء في أعناق الأولاد بزعم أنها تؤثر وتدفع العين ‏وتحفظ الطفل. قال أبو منصور: "وجعلها ابن مسعود من الشرك لأنهم جعلوها واقية من المقادير ‏والموت، وأرادوا دفع ذلك بها، وطلبوا رفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه، فكأنهم جعلوا له شريكاً ‏فيما قدر وكتب من آجال العباد والأعراض التي تصيبهم، ولا دافع لما قضى، ولا شريك له تعالى ‏وتقدس فيما قدر. ‏

والتولـة: نوع من السحـر تجـلب به المرأة محبة زوجـها، وهي شرك إذ تقترن ‏‎–‎عادة- باعتقاد أن لها ‏تأثيرا حقيقة ويراجع فتح الباري (10/206) ومصباح الزجاجة (4/128) واللسان (تمم) وكان الأولى ‏بأبي منصور الثعالبي أن يقول: وجعلها الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الحديث المرفوع ينبئ عن ‏ذلك وإن كان الراوي له عبد الله بن مسعود(478).‏

‏5-‏ التكرار: وهذا ظاهر فالعربي كان حين يرقي (يعزم) للحية يكرر رقياه ويتلطف في ذلك حتى ‏تخرج من مكمنها.‏

والرقية الشرعية: تكرر في نفسها وكل يوم وليلة حسبما ورد في السنة الصحيحة. ولا غنى عنها ‏لمؤمن لأنه لا يخلو حاله من أذى يجده أو أذى يحاذره. ‏

الترفق والتلطف:‏
ودليل هذا: النفث في الرقية الذي يتطلب خفض الصوت في مخاطبة المولى سبحانه والإخبات ‏والضراعة في طلب الشفاء منه سبحانه، سواء في ذلك ما كان بآيات الشفاء وسوره، أو ما كان ‏بالمأثور الصحيح من السنة.‏
‏ ‏
‏478- انظر لسان العرب لابن منظور (12/70) مادة (تمم) وكان أولى بأبي منصور الثعالبي ‏أن يقول: وجعلها الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأن الحديث المرفوع ينبئ عن ذلك وإن كان ‏الراوي له عبد الله بن مسعود.‏
‏ ‏
وفي تفسير آيات الاستشفاء ومساقها وسور الرقي والشفاء معاني آياتها كالفاتحة والإخلاص والمعوذتين ‏أورد ابن القيم في زاد المعاد والعلاَّمة الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير والعلامة البقاعي في ‏نظم الدرر في تناسب الآيات والسور الرائع والفريد.‏

ضرورة الخبرة بالرقية: ‏
ولنمهد لذلك بالسؤال التالي: ‏
هل من ضرورات المجتمع الإسلامي أو حاجياته أن يكون من بين أفراده خبراء في فقه الرقية ‏الشرعية، بصراء بالسنة الصحيحه فيها؛ بحيث يفزع إليهم المجتمع كلما نصب الباطل شر آله فيها، أو ‏لوح الدجل بشراعه في محيطها، وبحيث يرجع إليهم الفرد الذي لا خبرة له بها، أو لا صلاحية عنده ‏‎–‎آنياً- لممارستها، وذلك إذا حزبه للرقية مرض، أو حفزه إليها غرض؟.‏

استقراء التاريخ والسنة: ‏
وقبل أن نجيب على هذا السؤال يحسن بنا أن نستقرئ التاريخ والسنة النبوية. ‏
ولعلنا واقفون من السنة ‏‎–‎بعون الله- على توثيق التاريخ وتأصيل الحكم الذي يجاب به على السؤال ‏الآنف. ‏

‏1-‏ خبراء الرقية في العهد النبوي: ‏
في واقعة الرقية بالفاتحة: ‏
وهي واقعة مشهورة يروي قصتها الشيخان وأصحاب السنن وغيرهم، وسنركز منها على ما يتعلق ‏بهذه الجزئية. ‏
أ‌-‏ في صحيح البخاري: ‏
في مواضيع مختلفة روى البخاري هذه الواقعة، سيما من رواية أبي سعيد الخدري. وأول هذه ‏المواضع: 37- كتاب الإجارة: 16-باب ما يعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب ح ‏‏(2276) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ‏في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ‏ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا؟ لعله أن ‏يكون عند بعضهم شيء؟ فأتوهم، فقالوا: يأيها الرهط! إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء، لا ينفعه، ‏فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله! إني لأرقي‎…‎‏ الحديث(1).‏
وقبل أن نمضي إلى الروايات الأخرى ينبغي أن نكون على ذكر مما يلي: ‏
‏1-‏ قول أهل الحي: "لعله أن يكون عند بعضهم شيء". ‏
وهم يرومون الرقية كما سوف يجيء. ‏
وقولهم هذا يشى بما كان متعارفا حتى قبل الإسلام من أن الخبرة بالرقية لم تكن أمراً شائعاً، بل كانت ‏عند الخبراء بها، وأهل ذاك الحي لم يجاوزوا هذا العرف عند ما قال بعضهم‎…‎‏ لعله أن يكون عند ‏بعضهم شيء. ‏
‏2-‏ قول اهل الحي للمسلمين ‏‎–‎وقد استنفدوا وسائل العلاج المتاحة لهم: فهل عند أحد منكم شيء؟ (أي ‏من رقية؟) فهي التي لا علم لنا بها، ولا خبرة لنا فيها.‏
‏3-‏ قول الخبير بالرقية ‏‎–‎وهو أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: نعم والله! إني لأرقي‎…‎‏ الحديث. ‏
واستغراب أصحابه كما سوف يجيء.‏
ب‌-‏ الموطن الثاني للحديث في صحيح البخاري: ‏
في: 66 -كتاب فضائل القرآن: 9 ‏‎–‎باب فاتحة الكتاب ح (5007) وفيه يقول أبو سعيد: كنا في مسير ‏لنا فنزلنا (أي بقوم ليلاً فسألناهم القرى) فجاءت جارية (منهم أي وكان معها غيرها جمعا بينها وبين ما ‏جاء في غيرها عند البخاري وغيره كما أفاد ابن حجر في الفتح (4/533) فقالت: إن سيد الحي سليم، ‏وإن نفرنا غيب؛ (أي الذين يرقون أو يبحثون عمن يرقي) فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ماكنا نأبنه ‏برقية (أي ماكنا نظنه يحسن رقية) فرقاه فبرأ‎…‎‏ الحديث(1).‏
ولنلحظ هنا قول الجارية: فهل منكم راق؟ ‏
وكيف أنه لم يقم معها ومع من جاء معها إلا رجل واحد وليتأكد به ما سبق أن أومأنا إليه. ‏
جـ- الموضع الثالث في صحيح البخاري: ‏
في: 76 ‏‎–‎كتاب الطب: 33 ‏‎–‎باب الرقى بفاتحة الكتاب ح (5736) وفيه أن أهل الحي قالوا لهم: هل ‏معكم من دواء أوراق؟‎…‎‏ الحديث. ‏
ولنلحظ قول أهل الحي: هل معكم‎…‎‏ إلخ.‏
ليتأكد لنا ما قاله ابن حجر في الفتح (4/533) تعليقاً على قول الجارية (يحمل على أنه كان معها ‏غيرها زاد البزار في حديث جابر فقالوا لهم: قد بلغنا أن صاحبكم جاء بالنور والشفاء؟ قالوا: نعم". ‏
ورواية البزار تفيد بالإضافة إلى ما صرح به ابن حجر: أن الدافع لهم إلى الاسترقاء بهذا الرهط من ‏الصحابة ما بلغهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه جاء بالنور والشفاء، وهؤلاء هم صحابته، ‏والآخذون عنه ما جاء به.‏
وينظر أيضاً صحيح مسلم ح (2201) بطرقه ووجوهه.‏
ومن حديث أبي سعيد كذلك رواه أحمد في المسند (11070) قال أبو سعيد: بعثنا رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم في سرية، ثلاثين راكباً، قال: فنزلنا بقوم من العرب، ‏

‏(1) راجع الفتح 4/532. ‏

قال: فسألناهم أن يضيفونا فأبوا قال: فلدغ سيدهم قال: فأتونا فقالوا: فيكم أحد يرقى من العقرب؟ قال: ‏فقلت: نعم أنا‎…‎‏ الحديث. ‏
ويلحظ أن أبا سعيد كان هو أمير السرية، وكان هو الراقي وأن أهل الحي سألوا عمن لديه خبرة برقية ‏العقرب.‏
كما رواه أحمد في المسند (11472) من حديث أبي سعيد أيضاً وفيه أن رجلاً من أهل القرية جاءهم ‏فقال: يا معشر العرب! فيكم رجل يرقى؟ فقال أبو سعيد: قلت: وما ذاك؟ قال: ملك القرية يموت قال: ‏فانطلقنا معه، فرقيته بفاتحة الكتاب، فرددتها عليه مرارا فعوفى، فبعث إلينا بطعام وبغنم تساق فقال ‏أصحابي: لم يعهد إلينا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا بشيء لا نأخذ منه شيئاً حتى نأتي النبي صلى ‏الله عليه وسلم فسقنا الغنم حتى أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فحدثناه فقال: كل وأطعمنا معك وما ‏يدريك أنها رقية؟ قال: قلت: ألقي في روعي". ‏
ويلحظ من هاتين الروايتين أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه كانت لديه خبرة برقية العقرب بيد أنه ‏لما قام يرقى بها الرجل ألقى الله في روعه أن يرقيه بالفاتحة، وسأله النبي صلى الله عليه وسلم "وما ‏يدريك ؟".‏
‏ وكما ذكر ابن حجر (4/534) ففي رواية أخرى "وما أدراك؟" وفي رواية ثالثة: "وما كان يدريه؟" ‏وهي كلمة تقال عند التعجب من الشيء، وتستعمل في تعظيم الشيء أيضاً وهو لائق هنا، وقد فسر أبو ‏سعيد كيف رقى الرجل بالفاتحة. ‏
وعند الدارقطنى في السن (2/48) ح (3018) قلت: يا رسول الله! "شيء ألقى في روعى". ‏

دلالة هذه الروايات: ‏
والدلالة بيّـنة من هذه الروايات: ‏
‏1- إن كلا منها يؤكد أن الخبرة بالرقية إنما هي عند أهل الفقه فيها والصلاحية لها. ‏
‏2-‏ ‏ الأمر بالتماس الخبير بالرقية ذى الأهلية لها.‏
في: 76 ‏‎–‎كتاب الطب: 35 ‏‎–‎باب رقية العين ح (5739): روي البخاري في صحيحه من حديث أم ‏سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة (صفرة ‏وشحوبا) فقال: "استرقوا لها؛ فإن بها النظرة". ‏
والاسترقاء هو التماس الراقي العارف بفقهها وصيغتها، الخبير بشروطها وكيفيتها.‏
ولقد كان من الممكن أن يرقيها صلى الله عليه وسلم كما كان من الممكن أن يأمر أم سلمة أن ترقيها؛ ‏ولعله صلوات الله وسلامه عليه أراد أن يقر المبدأ الهام في هذا أعني مبدأ وجوب تخير الفقيه العارف ‏المبارك، أو الفقيهة الصالحة المباركة، سيما والمراد رقيتُها: جاريةٌ أصابتها عين. ‏
وليس كل الناس يحسنون الرقية، أو يصلحون لها. ‏

وكل مسلم مدعو إلى الأخذ بسنة الرقية: ‏
وذلك لا ينافي دعوة الإسلام كل مسلم ومسلمة إلى سنة الرقية، سيما إذا كانت وقاء للمرء مما ‏يحاذر، أو كانت عند افتقاد الطبيب، أو تعذر الراقي. ‏
‏3- التماس المبارك مع وجود الخبرة:‏
ونحن على ذكر من صنيع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين استرقاها الرسول صلى ‏الله عليه وسلم لنفسه، وذلك عندما ثقل به المرض، لقد رأيناها ترقى وتنفث في الرقية على يد الرسول ‏صلى الله عليه وسلم لتمسح بها بدنه لأنها كانت توقن أنها أعظم بركة من يدها، وأطيب أثراً. ‏

إبن حجر يوضح معنى الاسترقاء:‏
وتعليقاً على ما رواه البخاري في صحيحه: 76 ‏‎–‎كتاب الطب: 35 ‏‎–‎باب رقية العين ح (5738) عن ‏عائشة رضي الله عنها قالت: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر أن يسترقى من العين". ‏
قال ابن حجر في الفتح (10/211):‏
أي أمر بطلب الرقية ممن يعرف الرقى بسبب العين. ‏

‏4- عرض الخبير بالرقية على الرسول صلى الله عليه وسلم وترخيصه منها بما ليس شركاً: ‏
روى مسلم في صحيحه: 39 ‏‎–‎كتاب السلام: 21 ‏‎–‎باب لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك ح ‏‏(2200) من حديث عوف ابن مالك الأشجعي قال: ‏
كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا على رقاكم، لا ‏بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك". ‏

حديث جابر:‏
وفي باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة من الكتاب نفسه روى مسلم حديث جابر ‏رضي الله عنه (2199) قال: أرخص النبي صلى الله عليه وسلم في رقية الحية لبني عمرو. ‏
وفي رواية تالية يقول جابر: كان لي خال يرقى من العقرب فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ‏الرقى، قال: فأتاه فقال: يا رسول الله! إنك نهيت عن الرقى، وأنا أرقى من العقرب فقال: "من استطاع ‏منكم أن ينفع أخاه فليفعل". ‏

هل نفع الآخرين مطلق؟ ‏
وقد يتبادر إلى الذهن أن هذا القول النبوي الجامع ترخيص مطلق غير مشروط. ‏
كما قد يتبادر أنه صلى الله عليه وسلم فوض إليهم في ذلك دون أن يبلو الرقية بنفسه. ‏
ولهذا أعقب مسلم هذه الرواية بما رواه عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏عن الرقى فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! إنه كانت ‏عندنا رقية نرقى بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى؟ قال: فعرضوها عليه فقال: ما أرى بها بأساً، ‏من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه". ‏
وعرضهم للرقية على النبي صلى الله عله وسلم قد يكون لأمره إياهم في هذا الحديث ولم يذكر ‏اكتفاء بما يدل عليه من قول جابر: فعرضوها عليه، أي بعد أمره صلى الله عليه وسلم بذلك. ‏
وقد يكون ذلك لسبق علمهم بأمره صلى الله عليه وسلم لخبراء الرقية بعرض ما عندهم منها ‏عليه صلى الله عليه وسلم ليبلو ما فيها من حق، ومن براءة من الشرك. ‏
وقد سبق أن ذكرنا حديث عوف بن مالك الأشجعي في صحيح مسلم (2200) ‏وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: "اعرضوا على رقاكم". ‏

‏5- تنمية مهارات الرقية ‏
ورقية المفضول مع وجود الأفضل: ‏

كان صلى الله عليه وسلم يرقي نفسه، كما كان يرقي غيره، كما كان يأمر المسلم أن يرقي ‏نفسه ويرقي غيره ويأذن لمن استأذنه أن يرقي غيره. ‏
وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول (2198): ‏رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لال حزم في رقية الحية، وقال لأسماء بنت عميس: "مالي أرى ‏أجسام بني أخي (جعفر بن أبي طالب) ضارعة؟ تصيبهم الحاجة؟ قالت: لا ولكنها العين تسرع إليهم، ‏قال: ارقيهم قالت: فعرضت عليه فقال: ارقيهم".‏
وذلك تنمية لمهارة الرقية، وإجازة لرقية المفضول مع وجود الفاضل. ‏
ثم روى عقبه من حديث أبي الزبير قال: وسمعت جابر بن عبد الله يقول: لدغت رجلاً منا ‏عقرباً ونحن جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من القوم أرقيه؟ يا رسول الله؟ فقال ‏صلى الله عليه وسلم: "من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل". ‏
ولولا ضيق المقام لأوردنا من ذلك ما يقفنا على بعض أسراره، ويضيء حياتنا بقبس من ‏أنواره، ولعل من واجبنا أن نفرد لذلك بحثاً على حياله، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 07:43 PM
كيف كان القرآن شفاء لأمراض الإنسان
وقاية وعلاجاً

الأستاذ الدكتور عمر سليمان الأشقر


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، ‏وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين، ‏وبعد: ‏
فإن الصحة والمرض حالتان تعتوران الإنسان. وقد عَرَّف عبد اللطيف ‏البغدادي هاتين الحالتين بقوله: "الصحة هيئة بدنية تكون الأفعال معها سليمة، ‏والمرض حالة مضادة للصحة"(80).‏
‏ والإنسان يكون صحيحاً إذا كان على الحال الذي خلقه الله عليها في بدنه ‏وروحه. فإذا خرج عن الحال الذي فطر الله العباد عليها اعتل بدنه واعتلت ‏روحه، واحتاج إلى معالجة حتى يتعافى بعودته إلى الخلقة السوية.‏

وخير ما تعالج به الأمراض القرآن الكريم، وقد دل على أن القرآن شفاء ‏نصوص من القرآن، قال الله تعالى: ‏
‏ (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ‏ورحمة للمؤمنين)(81).‏
وقال:‏
‏(وننـزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا ‏خسارا)(82). ‏
‏80- انظر الطب النبوي لابن القيم: (31-33). والطب النبوي ‏لعبد اللطيف البغدادي ص 31-33. ‏
‏81- سورة يونس: آية 57.‏
‏82- سورة الإسراء: آية 82. ‏
وقال تبارك وتعالى: (ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته ‏أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم ‏وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد)(83) . ‏

كيف كان القرآن شفاء؟ ‏
وقد يسأل سائل عن أبعاد المعالجة بالقران، فيقول: هل كون القرآن شفاء ‏على حقيقته؟ أم أن ذلك واقع على طريق المجاز؟ وهل يعالج أمراض القلوب ‏والأرواح فحسب؟ أم يمتد العلاج به إلى أمراض الأبدان؟ وإذا كان العلاج ‏ممتدا به إلى أمراض الأبدان فما وجه المعالجة به؟ وكيف يكون علاجا؟
والجواب :أن القرآن علاج باعتبارات متعددة:‏

أولاً : معالجته لأمراض النفوس والقلوب:‏
أما معالجة القرآن لأمراض النفـــوس والقلوب فإنه تفرد بذلك دون سواه، ‏ومعالجة البشر بأفكارهم ونظرياتهم ومباحثهم لهذه الأمراض موهومة تدخل ‏في باب الأوهام والخيالات في كثير من الأحيان. وقد يظن البشر أنهم يقدمون ‏الدواء في هذه المجالات، وهم في الحقيقة يفسدون ويُمْرضون من حيث ظنوا ‏الإصلاح.‏
إن إدراك حقيقة الروح وحقيقة الأمراض التي تُمْرضها وتُميتها، والأدوية ‏التي تُصلحها وتجلب لها العافية ليس في طاقة البشر أن يعرفوه ويعلموه، ‏فعلمهم في هذا المجال أقل من القليل. وفى ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: ‏‏(ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا ‏قليلا)(84).‏
‏83- سورة فصلت: آية 44. ‏
‏84- سورة الإسراء: آية 85.‏
إن البشر لا يعلمون حقيقة الروح، فكيف يعرفون طريقة معالجتها؟ ‏
إن الذي أنزل القرآن شفاءً لأرواحنا هو خالق هذه الأرواح ومبدعها، وهو العالم بما ‏يصلحها ويفسدها.‏
يقول ابن القيم مبينا أن علاج الأرواح إنما هو للوحي السماوي المنزل على ‏الرسل والأنبياء دون غيرهم: "فأما طب القلوب فمسلم إلى الرسل صلوات الله ‏وسلامه عليهم، ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم، وعلى أيديهم. فإن صلاح ‏القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأحكامه، وأن تكون ‏مُؤْثرة لمرضاته ولمحابه، متجنبة لمناهيه ومساخطه، ولا صــحة لها ولا حياة ‏ألبتة إلا بذلك، ولا سـبيل إلى تلقيه إلا من جهـة الرسل، وما نظن من حصول ‏صحة القلب بدون اتباعهم فغلط ممن يظن ذلك. وإنما ذلك حياة نفسه البهيمية ‏الشهوانية وصحتها وقوتها، وحياة قلبه وصحته وقوته عن ذلك بمعزل. ومن لم ‏يميز بين هذا وهذا فليبك على حياة قلبه، فإنه من الأموات، وعلى نوره فإنه ‏منغمس في بحار الظلمات"(85). ‏
وعملية إصلاح النفس الإنسانية أطلق عليها القرآن "تزكية النفس". وعملية ‏إفساد هذه النفس سماها "بتدسية النفس" وأقسم الحق تبارك وتعالى أقساما سبعة ‏في مطلع سورة الشمس على أن المفلح من زكى نفسه، والخائب الخاسر من ‏دساها فقال:‏
‏(والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها، ‏والسماء وما بناها، والأرض وما طحاها، ونفس وما سواها، فألهمها فجورها ‏وتقواها، قد أفلح من زكَّاها، وقد خاب من دساها)(86). ‏
وقال في موضع آخر.‏
‏85- انظر زاد المعاد لابن القيم (4/7).‏
‏86- سورة الشمس: آية 1-10. ‏

‏ (قد أفلح من تزكى)(87).‏
وقال لموسى عندما أرسله إلى فرعون:‏

‏(إذهب إلى فرعون إنه طغى، فقل هل لك إلى أن تزكى، وأهديك إلى ‏ربك فتخشى)(88).‏
ولما كان القران هو طب القلوب وأدواءها، وبه تتحقق تزكية النفوس ‏والأرواح. فإنه بمثابة الروح لأرواحنا، والنور لبصائرنا.‏

‏(وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان ‏ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا)(89).‏
‏ فأنت ترى أن الله وصف الوحي بوصفين؛ الأول: أنه روح، والثاني: أنه ‏نور. وبالروح تكون الحياة، وبالنور تكشف الظلمات. ولذا فإن الله يحي بهذا ‏القرآن من ماتت قلوبهم وعميت بصائرهم بالكفر والضلال.‏

‏ (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في ‏الظلمات ليس بخارج منها)(90). ‏
وأمراض القلوب التي أنزل القرآن شفاء لها نوعان: أمراض شبهات ‏تجعل الإنسان في حيرة وقلق وضياع، وأمراض شهوات، فأمراض الشبهات ‏مذكورة في مثل قوله تعالى: ‏

‏(في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا)(91). ‏
‏87- سورة الأعلى: آية 14.‏
‏88- سورة النازعات: آية 17-19. ‏
‏89- سورة الشورى: آية 52. ‏
‏90- سورة الأنعام: آية 122. ‏
‏ 91- سورة البقرة: آية 10. ‏
وأمراض الشهوات مذكورة في مثل قوله تعالى: ‏
‏ (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض)(92).‏

وهذان النوعان من أمراض القلوب أصل فساد العبد وشقائه في معاشه ‏ومعاده. وشفاؤه في معرفته لربه، واستقامته على طاعته، والبعد عما نهى ‏عنه، وحذر منه. ‏

وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم في الحديث عن أدواء ‏القلوب وكيفية معالجتها، ولى في ذلك رسالة لطيفة ضمنتها كتابي الموسوم، ‏‏"محاضرات إسلامية هادفة"، (ص127-146)، بعنوان: "منهج الإسلام في ‏تزكية النفس". ‏

ولا يفوتني هنا أن أبين أن أكثر أمراض النفوس إنما تأتي من الشيطان، ‏والنفس الأمّارة بالسوء. فالشيطان يستعين على بلوغه غرضه من الإنسان ‏بالنفس الأمّارة بالسوء. وليس من طريق للخلاص من الشيطان إلا بالالتجاء ‏إلى الرحمن. وقد علَّمنا الله أن نلجأ إليه دائما، ونحتمي به من نزغات ‏الشيطان: ‏
‏(وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون)(93). ‏

و(قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس، ‏الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس)(94).‏

‏92- سورة الأحزاب: آية 32.‏
‏93- سورة المؤمنون: آية 97-98. ‏
‏94- سورة الناس: الآيات من 1إلى 5. ‏
هل شفاء القرآن قصر على أمراض القلوب:‏
عندما نرجع إلى شراح القرآن لكتاب الله تراهم يقصرون النصـوص ‏المتحدثة عن كون القرآن شفاء على أمراض القلوب. وهى أمراض الكفر ‏والنفاق وسوء الأخلاق. يقول ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: ‏
‏(قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور)(95). ‏

‏"أي من الشبه والشكوك، وهو إزالة ما فيها من دنس"(96).‏

وقال في تفسيره لقوله تعالى:‏

‏ (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) (97) ‏
يقول تعالى عن كتابه الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم وهو ‏القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ‏إنه شفاء ورحمه للمؤمنين. أي يذهب ما في القلوب من أمراض من شك ‏ونفاق وشرك وزيغ وميل. فالقرآن يشفى من ذلك كله"(98). وإذا أنت دققت في ‏النصوص المقررة لكون القرآن شفاء وجدتها تتحدث عن أمراض القلوب دون ‏أمراض الأبدان.‏
فآية سورة يونس جعلته شفاء لما في الصدور، والذي تحويه الصدور هو ‏القلوب كما قال تعالى:‏
‏(فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)(99). ‏
‏95- سورة يونس: آية 57.‏
‏96- انظر تفسير ابن كثير: (2/421). ‏
‏97- سورة الإسراء: آية 82.‏
‏98- تفسير ابن كثير: (3/9). ‏
‏99- سورة الحج: آية 46. ‏
والقلوب التي في الصدور هي التي ينسب القرآن إليها الإيمان والفقه والتدبر، ‏وهي التي يقع فيها الكفر والشك والنفاق. ‏

وقد أخبر الحق تبارك وتعالى: أن القرآن شفاء للمؤمنين دون الكافرين، ‏وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين(100).‏
‏ ‏
‏(وتنزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)(101). ‏

أما الكفار فلا يزيدهم إلا خسارا. ‏

‏(ولا يزيد الظالمين إلا خسارا)(102).‏

وقال في الآية الثالثة :‏
‏ (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر ‏وهو عليهم عمى)(103).‏

وقد حدثنا ربنا في موضوع رابع عما يفعله القرآن المنزل من عنده في ‏نفوس المؤمنين ونفوس الكافرين:‏
‏(وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيّكم زادته هذه إيماناً، فأما الذين آمنوا ‏فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا ‏إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون)(104).‏
‏100-سورة يونس: آية 57. ‏
‏101- سورة الإسراء: آية 82.‏
‏102- سورة الإسراء: آية 82. ‏
‏103- سورة فصلت: آية 44. ‏
‏104- سورة التوبة: آية 124-125. ‏
ولو كان القرآن شفاء للأبدان كما هو شفاء للقلوب لشفى المؤمنين ‏والكفار.‏

الذين يذهبون إلى أن النصوص عامة في أمراض القلوب والأبدان: ‏
ويـذهب جمهور علماء أهل السنة إلى النصوص المقررة لكون القرآن ‏شفاء، أنها عامة في أمراض القلوب والأبدان. وفى ذلك يقول العلامة ابن القيم ‏رحمة الله تعالى: "قال الله تعالى:‏

‏ (وتنزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)(105). ‏

والصحيح أن (مِنْ) هنا لبيان الجنس لا للتبعيض. وقال تعالى: ‏

‏(يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور)(106).‏
‏ فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا ‏والآخرة. وما كل أحد يؤهل ويوفق للاستشفاء به. وإذا أحسن العليل التداوي ‏به ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تـام واعتقاد جازم، واستيفاء ‏شروطه؛ لم يقاومه الداء أبدا. وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء ‏الذي لو نزل على الجبال لصدعها، أو على الأرض لقطعها. فما من مرض ‏من أمراض القلوب والأبدان إلا وفى القرآن سبيل الدلالة على دوائه، وسببه، ‏والحمية منه لمن رزقه الله فهما في كتابه"(107). ‏

‏105- سورة الإسراء: آية 82. ‏
‏106- سورة يونس: آية 57.‏
‏107- انظر زاد المعاد لابن القيم: (3/178). ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 07:44 PM
الأدلة على أن القرآن شفاء لأمراض الأبدان: ‏
وعلى كل، فسواء أكانت النصوص القرآنية المقررة لكون القرآن شفاء خاصة ‏بأمراض القلوب، أو شاملة لها ولأمراض الأبدان؛ فقد قامت أدلة كثيرة على أن ‏القرآن شفاء لأمراض الأبدان، ومن هذه الأدلة: ‏
الأول: ثبت أن القرآن يُطَهِّر الأرواح ويباركها ويصلحها. وإذا صلحت الأرواح ‏كان في صلاحها صلاح للأبدان. يقول ابن القيم: "قد علم أن الأرواح متى قويت ‏وقويت النفوس والطبيعة تعاونا على دفع الداء وقهره. فكيف ينكر لمن قويت ‏طبيعته ونفسه، وفرحت بقربها من بارئها وأنسها به، وحبها له، وتنعمها بذكره ‏وانصراف قواها كلها إليه، وجمعها عليه، واستعانتها به، وتوكلها عليه أن يكون ‏لها ذلك من أكبر الأدوية، وتوجب لها هذه القوة دفع الألم بالكلية"(108). ‏
الثانـي: ثبوت معالجة الرسول صلى الله عليه وسلم بالرقى وإرشاد أصحابه إلى ‏المعالجة بها. ‏
والرقية كما يقول ابن الأثير: "العوذة التي يُرْقى بها صاحب الآفة كالحمى ‏والصرع وغير ذلك من الآفات"(109). ‏
ويقول القرافي في تعريفها. "الرقى ألفاظ خاصة يحدث عندها الشفاء من ‏الأسقام والأدواء والأسباب المهلكة، ولا يقال لفظ رقى على ما يحدث ضرراً، بل ‏ذلك يقال له السحر"(110). ‏
والأحاديث التي تدل على مشروعية الرقى متواترة تواتراً معنوياً، فهي وإن ‏اخـتلفت ألفاظــها ووقائعــها؛ إلاّ أن كل واحد منها يدل على مشروعية الرقى. ‏

‏108- انظر زاد المعاد لابن القيم: (3/66). ‏
‏109- انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير: ‏‏(2/254). ‏
‏110- انظر الفروق للقرافي: (4/147).‏
وقد يقال: نعم صح أن الرسول صلى الله عليه وسلم عالج المرضى ‏بالرقى، وأرشد أصحابه إلى المعالجة بها، ولكن هذا في الرقية بغير القرآن. ‏

والجواب عن هذا من وجهين:‏
‏1-‏ إذا ثـبت أن الرقــى عامة مما يشفــي من الأمراض والأسقام، فإن ‏كــلام الله أفضل ما يرقى به، لأن له من الخصائص مــا ليس لغيره. ‏وفي ذلك يقول ابن القيم – فيما نقله عنه ابن حجر العسقلانى: "إذا ‏ثبت أن لبعض الكلام خواص ومنافع فما الظن بكلام رب ‏العالمين"(111). وقراءة القرآن من أنفع الأدوية للأدواء التي يسببها ‏الجان، أو يكون له دخل في الإصابة بها؛ كتلبيس الجان بالإنسان، ‏والسحر والعين والحسد ونحوها.‏
‏2-‏ صح في الأحاديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم رقى بكتاب الله ‏كما صح أنه أقر من رقى بكتاب الله؛ ففي صحيح البخاري ومسلم ‏والموطأ والسنن لأبي داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها أن ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه ‏بالمعوذات وينفث"(112). ‏
وفي سن الترمذي، عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏كان يتعوذ ويقول: "أعوذ بالله من الجان، وعين الإنسان". فلما نزلت ‏المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما (113). ‏
‏111- انظر فتح الباري لابن حجر: (10/198) ش ح ‏‏(5736). ‏
‏112- جامع الأصول: 7/562.‏
‏113- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء ‏في الرقية بالمعوذتين ح(2065) وقال: هذا حديث حسن ‏غريب. والنسائي في سننه: كتاب الاستعاذة: باب الاستعاذة ‏من عين الجان ح(5509). وابن ماجة في سننه: كتاب ‏الطب: باب من استرقى من العين ح(3511). وانظر تحفة ‏الأشراف ح(4327). وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ‏ح(1681). ‏
وصح في صحيحي البخاري ومسلم والسنن لأبى داود والترمذي أن رجلا من ‏صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رقى رجلاً كان سيداً في قومه من ‏لدغة حية أو عقرب بفاتحة الكتاب، فشفاه الله، وأخذ على رقيه أجراً. فذكروا ‏ذلك للنبي صلى الله علية وسلم، فأقره على رقيته. وعلى ما أخذه من أجر ‏على رقيته(114). والحديث برواياته في كتب السنة في جامع الأصول.‏
وأورد صاحب جامع الأصول حديثاً آخر رواه أبو داود ذكر فيه أن ‏صحابيا رقي معتوها في القيود بفاتحه الكتاب، فشفاه الله. وأن الرسول صلى ‏الله عليه وسلم أقره على رقيته، وعلى ما أخذه من أجر عليها(115). ‏
الثـالـث: ومما يدل على صحة التشافي بالرقى وأعظمها الرقى القرآنية، أنه ‏ثبت بما لا يقبل الشك أن الرقى ذات تأثير على أمراض الأبدان. وهذا أمر ‏مشاهد في كل عصر ومصر. ولا ينكر مثل هذا إلا مكابر أو جاهل. يقول ابن ‏حزم "جربنا من كان يرقي الدمل الحاد القوي الظهور في أول ظهـوره، فيبدأ ‏من يومه ذاك بالذبول، ويتـم يبسه في اليـوم الثالث، ويقلع كما تقلع قشرة ‏القرحة إذا تم يبسها جربنا ذلك ما لا نحصيه. وكانت هذه المرأة ترقي أحد ‏دملين قد دفعا على إنسان واحد، ولا ترقي الثاني، فيـيـبس الذي رقت، ويتم ‏ظهور الذي لم ترق، ويلقى منه حامله الأذى الشديد. وشاهدنا من كان يرقي ‏الورم المعروف بالخنازير، فيندمل ما يفتح منها، ويذبل ما لم ينفتح، ‏ويبرأ"(116). ‏
‏ 114- أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين: باب الرقية من العين ‏‏(2/940). والبخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ‏ح(5749). ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب جواز أخذ الأجر على ‏الرقية بالقرآن والأذكار ح(2201). وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب ‏كيف الرقى ح(3900). والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في ‏أخذ الأجر على التعويذ ح(2070) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن ‏صحيح. وابن ماجة في سننه كتاب التجارات: باب أجر الراقي ‏ح(2156). وانظر تحفة الأشراف ح(4249) و(4307). ‏
‏115- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقي: ح ‏‏(3896)، وأخرجه أحمد في مسنده (5/211)، وصححه الألباني في ‏صحيح سنن أبي داود ح (3297). ‏
‏116- انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل: (2/4). ‏
وقد ثبت في صحيح الأحاديث أن الذين رقَوْا شفى الله على أيديهم من رقَوْه، ‏وقد سقنا: الأحاديث المثبتة لذلك فيما سبق. ‏

الاستشفاء بالقرآن ليس قصراً على الرقية به: ‏
ما قرره الحق تبارك وتعالى من كون القرآن شفاءً ليس قصراً على قراءة ‏القرآن على المريض، بل هي دائرة أوسع من ذلك بكثير، ويمكننا أن ندرك ‏سعة هذه الدائرة من خلال الأمرين التاليين: ‏
الأول: دلالة القرآن على قواعد العلاج وأصوله. ‏
الثاني: وقاية القرآن الفرد والمجتمع من الأمراض من خلال تشريعات كثيرة. ‏
‏ ‏
الأول: دلالة القرآن على قواعد العلاج وأصوله حوت النصوص من الكتاب ‏والسنة الأصول والقواعد التي تدل على كيفية معالجة الأبدان، بل دلت على ‏تفاصيل مهمة في علاج الأمراض، وفي ذلك يقول ابن القيم: "قواعد طب ‏الأبدان ثلاثة: حفظ الصحة، والحمية عن المؤذي، واستفراغ المواد الفاسدة. ‏وذكر المولى تبارك وتعالى هذه الأصول الثلاثة في ثلاثة مواضع. ‏
فقال في آية الصوم: ‏
‏ (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر)(117).‏
فأباح الفطر للمريض لعذر المرض، وللمسافر طلباً لحفظ صحته وقوته ‏لئلا يذهبها الصوم في السفر لاجتماع شدة الحركة، وما يوجبه من التحلل ‏وعدم الغذاء الذي يخلف ما تحلل، فتخور القوة وتضعف، فأباح للمسافر الفطر ‏حفظاً لصحته وقوته عما يضعفها.‏

‏117- سورة البقرة: آية 184. ‏
وقال تعالى في آية الحج:‏
‏(فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو ‏نسك)(118). ‏
فأباح للمريض، ومن به أذى من رأٍسه من قمل أو حكة أو غيرها أن يحلق ‏رأسه في الإحرام استفراغاً لمادة الأبخرة الرديئة التي أوجبت له الأذى في رأسه ‏باحتقانها تحت الشعر. فإذا حلق رأٍسه، ففتحت المسام، فخرجت تلك الأبخرة ‏منها، فهذا الاستفراغ يقاس عليه كل استفراغ يؤذى انحباسه. ‏
والأشياء التي يؤذى انحباسها ومدافعتها عشرة: الدم إذا هاج، والمنى إذا سبغ، ‏والبول، والغائط، والريح، والقئ، والعطاس، والنوم، والجوع، والعطش.‏
وكل واحد من هذه العشرة يوجب حبسه داء من الأدواء بحبسة. وقد نبه ‏سبحانه باستفراغ أدناها، وهو البخار المحتقن في الرأس على استفراغ ما هو ‏أصعب منه كما هي طريقة القرآن التنبيه بالأدنى على الأعلى. ‏
وأما الحمية فقال تعالى في آية الوضوء: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو ‏جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً ‏طيباً)(119). ‏
فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيب جسده ما ‏يؤذيه. وهذا تنبيه على الحمية من كل مؤذ له من داخل أو خارج(120).‏
وقد عقب ابن القيم على كلامه هذا الذي نقلناه عنه بقوله: "فقد أرشد سبحانه ‏عباده إلى أصول الطب الثلاثة ومجامع قواعده"(121). ‏
وقد أطال ابن القيم بعد ذلك في ذكر هدي النبي صلى الله عليه ‏وسلم في الطب والمعالجة في نفسه وأهله وأصحابه. وذكر في ذلك هديه في ‏الأمر ‏
‏118- سورة البقرة: آية 196.‏
‏119- سورة النساء: آية 43. ‏
‏120- انظر زاد المعاد لابن القيم: (3/64) بتصرف.‏
‏121- زاد المعاد: (3/94). ‏
بالتداوي، وهديه في معالجة استطلاق البطن، والطاعون، وداء الاستسقاء، وهديه ‏في المعالجة بالعسل والحجامة والكي، وهديه في معالجة الصرع وغير ذلك، مما ‏يجعل ما أورده فيه مؤلفاً مستقلا بذاته. ‏

الثاني: الطب الوقائي في الكتاب والسنة ‏
النوع الثاني الذي يوسع دائرة الاستشفاء بالقرآن هو الطب الوقائي الذي ‏يستفاد من جملة الأحكام والتوجيهات التي جاء بها القرآن وصحيح الأحاديث. ‏وهذا باب واسع، فالنصوص الآمرة بالطهارة والنظافة كثيرة جــداً. بل إن طهارة ‏البدن عبادة لا تتم الصلاة بغيرها. فقد أوجب الله الاغتسال من الجنابة. كما ‏أوجب الغسل على المرأة إذا هي طهرت من حيضها ونفاسها. وحبب الرسول ‏صلى عليه وسلم الاغتسال في كل يوم جمعة. ‏
ولم يكتف بذلك بل أوجب الوضوء كلما أراد الصلاة إذا خرج منه بول أو ‏غائط أوريح. والوضوء يشمل غسل الأعضاء الظاهرة من الوجوه والأيدي ‏والأرجل، كما أمر بمسح الرؤوس.‏
وأمرت النصوص بتقليم الأظافر، وغسل اليدين عند الاستيقاظ من نوم الليل، ‏وحببت غسلهما عند الطعام، وأمرت بالاستنجاء من البول والغائط. وهى عملية ‏يُطهِّر المسلم فيها مخرج البول والغائط بعد خروجهما منه. ‏
وأمرت الشريعة المباركة بقص الأظافر، وقص الشارب، ونتف شعر ‏الإبط، وحلق شعر العانة؛ كما أوجبت الختان في حق الذكور. ‏
وحث الرسول صلى الله عليه وسلم كثيراً على تطهير الفم بالسواك، وأخبر أنه ‏مطهرة للفم مرضاة للرب. ‏
كما حث أيضاً على نظافة المساكن وأفنية البيوت. وأمر برفع الأذى عن ‏الطريق، وجعله إحدى خصال الإيمان، ونهى أشدَّ النهي عن إيذاء المسلمين في ‏طرقاتهم، وأماكن جلوسهم، وموارد مياهم. ‏
وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتداوي. ونهى المسلمين عن دخول البلاد ‏الموبوءة بالأمراض المعدية. ونهى من كان في تلك الديار عن الخروج منها. ‏وهذه أفضل وسيلة لمنع انتشار الأمراض والأوبئة التي تنتقل بالعدوى السريعة، ‏وهذا ما يسمى اليوم بالحجر الصحي. ‏
وشرع لنا تناول الطيبات من الأطعمة والأشربة، ونهانا عن تناول الخبيث ‏منهما. ونهانا عن الإسراف في تناول الطعام والشراب. وحرم علينا الأكل من ‏الميتة، والدم، ولحم الخنزير. كما نهانا عن الخمر، والمخدرات. وشرع لنا ‏الزواج، ونهى عن الزنا واللواط. ‏
ومن تتبع ما جاء به الإسلام مما يقيم صحة الإنسان، ويحفظ بدنه، ويدفع عنه ‏الأسقام؛ فإنه يجد منهجاً كاملاً يحفظ الله به الإنسان من كثير من الأسقام. وقد ‏استقرأ علماء الشريعة التشريعات التي جاء بها الكتاب والسنة؛ فوجدوا أن ‏الشريعة وُضِعَت لجلب المصالح للعباد، ودفع المفاسد عنهم. ووجدوا أن ‏تشريعات هذا الدين تتجه كلها إلى أن تحفظ على الناس دينهم وأنفسهم وعقولهم ‏وأنسابهم وأموالهم. ‏

نظرة في عالم الغرب ‏
إذا نظرنا في عالم الغرب اليوم، فإنه يذهلنا التقدم الهائل الذي بلغه أولئك ‏الأقوام. لقد حلق البشر في أجواء الفضاء. ولم يكتفوا بذلك، بل غادروا أجواء ‏الأرض إلى كواكب أخرى. فحطوا رحالهم فوق القمر، وأرسلوا مراكبهم تجوب ‏كوكب المريخ والزهرة وغيرها من العوالم البعيدة. ‏
وكما انطلقوا في الفضاء، غاصوا في أعماق البحار، ونفذوا بعلومهم إلى ‏أعماق الأرض. وجعلوا من عالمنا "الأرض" قرية صغيرة بما اخترعوه من ‏وسائل الاتصال. وأصبحت الأمراض التي كانت مستعصية على البشر قابلة ‏للشفاء. ومع ذلك التقدم المذهل في مختلف المجالات، فإن البشر في عالم الغرب ‏يرزح تحت أمراض نفسية واجتماعية، بل وجسدية تشقيه وتؤرقه. لقد حاول ‏البشر أن يضعوا منهجاً لأنفسهم بعيداً عن هدى السماء. وظنوا أن ما حصلوه من ‏علوم كافٍ لإصلاح نفوسهم وأجسادهم وأسرهم ومجتمعاتهم. ولكن الحال التي ‏هم عليها اليوم تقول: إن علمهم لم يجلب لهم الراحة والهناء بحال.‏
إن العقد النفسية والهموم النفسية –اليوم– سمة المجتمعات الغربية. وعلى ‏الرغم من كثرة العيادات النفسية، والمعالجين النفسيين؛ فإن الأمراض النفسية في ‏ازدياد. فالكآبة والقلق والحيرة والشكوك تموج بها النفوس كموج البحر. ‏
وقد غرقت تلك المجتمعات في مستنقعات الشهوات. فالإباحية، والشذوذ ‏الجنسي، والعب من الخمور والمخدرات، وتفشي الجريمة قد أثمرت هذه البلايا ‏ثمارا مرة. فقد انتشرت الأمراض الجنسية، وأوجدت أمراضاً عجز علمهم ‏وطبهم عن علاجها. فالأمراض الجنسية بلغت المئات، وتوج الإيدز تلك ‏الأمراض. فهو مرض قاتل فتاك، يهد الجسد، ولا يغادره إلا بعد أن يصبح جثة ‏هامدة. وقد بذلت الأموال الطائلة لتحقيق العلاج- ولا علاج. ‏
لقد باض الشيطان وفرخ في تلك الديار، وصد الناس عن الهدي الذي جاء ‏من عند الله، فشقي أولئك الأقوام بعلمهم وتقدمهم. وكان ثمار الإعراض عن ‏الوحي السماوي الشقوة التي تصاحب كل معرض عن الدين الحق: ‏
‏(ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة ‏أعمى)(122).‏


‏122- سورة طه: آية 124. ‏
إنك ترى المعيشة الضنك هناك في أجيال التافهين من الهيبز، ومدمني ‏المخدرات، وثمار أولاد السفاح الذين تمتلئ بهم الملاجئ، وفى السجون التي ‏تموج بالمجرمين من كل الألوان، وفى عصابات الإجرام التي أخذت تفوق الدول ‏ثروة وسلاحاً وتنظيما، وفي حياة الفسق والفجور، في نوادي العراة، وعلى ‏شواطئ البحار، ومواخير الليل. ‏
إنها ظلمات بعضها فوق بعض، تكاد تأتى على الأخضر واليابس، وتهد ‏الفرد والأسرة والمجتمع. وكل ذلك ينادى بالناس أيها الحيارى التائهون عودوا ‏إلى الله ومنهجه، كي تصلح دنياكم وأخراكم والله المستعان.‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 07:47 PM
ضوابط التداوي بالرقى والتمائم ‏
في الفقه الإسلامي ‏

الدكتور محــــمـد عثمان شـــــــبير ‏

بسم الله الرحمن الرحيم ‏

المقدمة
‏ ‏
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات ‏أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له. وأشهد أن لا إله إلا الله ‏وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. ‏
‏(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)(131). ‏
‏(يـا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث ‏منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم ‏رقيباً)(132). (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ‏ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً)(133).‏
‏ أما بعد! فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد صلى الله ‏عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ‏ضلالة في النار. ‏
وإن موضوع التداوي بالرقى والتمائم من الموضوعات المهمة في هذا ‏العصر، والتي يحتاج إليها كثير من الناس، وبخاصة بعد أن انتشرت مراكز العلاج ‏بالرقى والتمائم، وكثر من أقحم نفسه في معالجة الناس بها دون أن يعرف أصول ‏التداوي بها، والضوابط الشرعية لها. كما كثر المترددون على تلك المراكز ‏وتهافتوا عليها من غير معرفة حقيقية للغث والسمين منها؛ فكتبت هذا البحث لبيـان ‏

‏131- سورة آل عمران: (102).‏
‏132- سورة النساء: (1).‏
‏133- سورة الأحزاب : (70-71).‏
حقيقة التداوي بالرقى والتمائم، وأحكامها الشرعية، وضوابط التداوي بها. ‏
ولما كان البعد الفقهي هو الأساس في هذا البحث، فقد رجعت إلى عدد وافر من ‏المصادر الفقهية التي تمثل أكثر المذاهب الفقهية ذيوعاً، هذا بالإضافة إلى كتب ‏العقيدة، وكتب تفسير القرآن الكريم، وشروح الأحاديث النبوية الشريفة، وكتب اللغة ‏والمصطلحات وغير ذلك. ‏

وقد قسمت هذا البحث إلى ثلاثة مباحث وخاتمة:‏
تكلمت في المبحث الأول: عن حقيقة التداوي بالرقى والتمائم، وفي المبحث الثاني: ‏أحكام التداوي بالرقي والتمائم، وفى المبحث الثالث: ضوابط التداوي بالرقى ‏والتمائم، وفى الخاتمة لخصت أهم نتائج البحث. والله أسال أن يكون هذا العمل ‏خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله في ميزان حسناتي يوم لا ينفع مال ولا بنون.‏



















المبحث الأول
حقيقة التداوي بالرقى والتمائم ‏

لما كان الحكم على الشيء فرعاً عن تصوره، فلابدّ من بيان حقيقة التداوي بالرقى ‏والتمائم. ولتحقيق ذلك لابد من معرفة معنى التداوي وحكمه، وموقع الرقى والتمائم ‏منه، وبيان معنى كل من الرقى والتمائم، وواقع الرقى والتمائم في الجاهلية. ‏
المطلب الأول: موقع الرقى والتمائم من التداوي. ‏
التداوي بالرقى والتمائم نوع من أنواع التداوي. فما معنى التداوي وما حكمه وما ‏أنواعه؟ ‏

أولاً ‏: معنى التداوي ‏
التداوي لغة: مصدر تداوى، أي تناول الدواء. وهو مأخوذ من داواه مداواة: عالجه ‏‏(134). وجمع الدواء أدوية، وهو: اسم لما استعمل بقصد إزالة المرض والألم"(135). ‏ويطلق على المرض الداء. وهو مصدر من داء الرجل يداء. وفى لغة: دَوى يَدْوَى ‏دوي. وجمع الداء أدوية وهو: "علة تحصل بغلبة الأخلاط على بعض"(136).‏
والتداوي لا يخرج في استعمال الفقهاء عن المعنى اللغوي له. فهو: "ما يكون به ‏شفاء المرض بإذن الله من عقار (طبي)، أو رقية، أو علاج طبيعي: كالتدليك ‏ونحوه"(137). ‏
‏134-انظر معجم مقابيس اللغة لابن فارس (2/309) والمصباح المنير ‏للفيومي (1/278) والقاموس المحيط للفيرزو ابادي (1656).‏
‏135- انظر الكليات لابن البقاء العكبري (2/339).‏
‏136- انظر التعريفات للجرجاني (138). ‏
‏137- انظر الفتاوى الهندية (5/354) وكتاب الجامع من المقدمات لابن ‏رشد (313) والقوانين الفقهية لابن جزي (4859) والمجموع للنووي ‏‏(5/95) والانصاف للمرداوي (2/463).‏
ثانياً ‏: حكم التداوي
اتفق فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على مشروعية التداوي(138)، ‏واستدلوا لذلك بما يلي: ‏
‏1-‏ روى الإمام مسلم – بسنده – عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم، قال: لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز ‏وجل"(139). ‏
فالحديث فيه إشارة إلى مشروعية التداوي، لأن الأشياء تداوى بأضدادها، فإذا ‏لاقى الدواء الداء برئ بإذن الله تعالى المريض. لكن قد يدق المرض، وتغمض ‏حقيقته، وقد تغمض حقيقة طبع الدواء فيتأخر البرء. قال القرطبي: هذه كلمة صادقة ‏العموم لأنها خبر عن الصادق عن الخالق؛ ألا يعلم من خَلَقَ. فالداء خلقه، والشفاء ‏والهلاك فعله، وربط الأسباب بالمسببات حكمته، وحكمه. وكل ذلك بقدر لا معدول ‏عنه(140).‏
ولهذا كانت وصفات النبي صلى الله عليه وسلم الطبية قطعية متيقنة قال ابن ‏القيم: "وليس طبه– صلى الله علية وسلم– كطب الأطباء، فإن طب النبي صلى الله ‏عليه وسلم متيقن قطعي إلهي صادر عن الوحي ومشكاة النبوة، وكمال العقل. وطب ‏غيره أكثره حدس وظنون. ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة، فإنه ‏إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول، واعتقاد الشفاء له"(141).‏

‏138- انظر شرح النووي على مسلم (14/191) ش ‏ح(2204).‏
‏139- أخرجه مسلم في صحيحه كتاب السلام: باب لكل داء ‏دواء واستحباب التداوي ح(2204) وانظر تحفة الأشراف ‏ح(2785) وأحمد في مسنده (3/335). ‏
‏140- انظر فيض القدير للمناوي (5/283).‏
‏141- انظر الطب النبوي لابن القيم (35-36).‏
‏2- وما روى الترمذي –بسنده– عن أسامة بن شريك قال: "قالت الأعراب : يا ‏رسول الله ألا نتداوى؟ قال: نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له ‏شفاء، أو قال: دواء- إلا داءً واحداً. قالوا يا رسول الله وما هو؟، قال: الهرم"(142). ‏
فالحديث يدل على أن التداوي مباح غير مكروه، وقد سمى الهرم داء، لأنه ‏جالب للتلف: كالأدواء التي يتعقبها الموت والهلاك(143). ‏
‏3- ما روى أبو داود بسنده– عن أبى الدرداء قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏‏"إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء فتداووا، ولا تتداووا بمحرم"(144).‏
فالحديث يدل على جواز التداوي، لأن إنزال الدواء من الله تعالى أمارة على ‏ذلك(145).‏

ثالثاً ‏ : أنواع التداوي وموقع الرقى والتمائم منها ‏
استعمل النبي صلى الله عليه وسلم في علاج أمراض البدن ثلاثة أنواع من ‏الأدوية وهى: أحدها: العلاج بالأدوية الطبيعية، مثل العسل والحبة السوداء. ‏والثاني: العلاج بالأدعية والأذكار: كالرقي بآيات القرآن الكريم. والثالث: العلاج ‏المركب من الأمرين(146). ‏
‏142- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في الرجل يتداوى ‏ح(3855) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في الدواء والحث ‏عليه ح(2045) قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في ‏سننه: كتاب الطب: باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ح(3436) وانظر ‏تحفة الأشراف ح(127) وأحمد في مسنده (4/278) وانظر صحيح سنن ابن ‏ماجة ح(2772).‏
‏143- انظر معالم السنن للخطابي (5/346) ش ح(3706).‏
‏144- ذكره الهيثمي في المجمع (5/86) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. ‏وحسنه الألباني في الصحيحة ح(1633) وقال: هذا إسناد حسن ورجاله ثقاب ‏معروفون غير ثعلبة هذا، ذكره ابن حبان في (الثقات) وروى عنه جمع، فهو ‏حسن الحديث إن شاء الله تعالى إذا لم يخالف. وله شواهد ذكرها الألباني في ‏السلسلة الصحيحة تحت ح(1633).‏
‏145- انظر الفواكه الدواني للنفراوي (2/440).‏
‏146- انظر الطب النبوي لابن القيم (24).‏
ويرجع سبب هذا التنوع إلى طبيعة تكوين الإنسان، فهو مركب من بدن، ‏وروح. قال تعالى (الذي أحسن كل شئ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل ‏نسله من سلالة من ماء مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه. وجعل لكم السمع ‏والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون)(147).‏
‏ فالأدوية الطبيعية تناسب البدن، والأدوية الإلهية تناسب البدن والروح معاً، فهي ‏تؤدى إلى اطمئنان القلب وقوته وانتعاشه، كما تؤدى إلى قوة النفس ودفع الأوهام ‏التي ينتج عنها كثير من أمراض البدن. ‏
ولهذا ينبغي على المسلمين استعمال النوعين من الأدوية، دون إفراط أو ‏تفريط، أو دون إهمال لأحدهما، وتزيد في الآخر. فنرى بعض الناس يُفِّرطُون في ‏التداوي بالأدوية الإلهية من الرقى والتمائم والتعويذات مقتصرين في علاج ‏الأمراض على الأدوية الطــبيعية. فهؤلاء قد حرموا أنفسهم من بركات القـرآن ‏الكريم والأدعية والأذكار. وفى المقابل نجد آخرين أهملوا الدواء الطبيعي وزهدوا ‏الناس فيه، وأفرطوا في استعمال الأدوية الروحية، ولم يقفوا عند الرقى الشرعية، ‏وأدخلوا فيها ما ليس له معنى، وأصبحوا يكتبون الأحجبة والتمائم، ويستعينون في ‏كتابتها بكتب الدجل والشعوذة، واتخذوا ذلك حرفة ومورداً للرزق فضلوا وأضلوا، ‏وأوقعوا الناس في حبائلهم، وأكلوا أموالهم بالباطل. ‏
والاعتدال في ذلك اتباع هدى النبي صلى الله عليه وسلم في علاج الأمراض، ‏بحيث يجمع بين التداوي بالأدوية الطبيعية والعقاقير الطبية التي دلت الأبحاث ‏العلمية على فائدتها في علاج الأمراض، وبين التداوي بالأدوية الإلهية من الرقى ‏الشرعية التي ضبطتها الشريعة الإسلامية. ومما يؤيد ذلك ما روى الإمام مسلم عن ‏عائشة رضي الله عنها: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى الإنسـان ‏الشيء
‏ ‏
‏147- سورة السجدة: (7-9).‏

‏ منه، أو كانت به قرحة أو جرح؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم بإصبعه هكذا ‏‏(و وَضَع سفيان سبابته على الأرض ثم رفعها) باسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ‏ليشفى به سقيمنا"(148).‏
ومعنى الحديث أنه يأخذ بريق نفسه على إصبعه السبابة، ثم يضعها على ‏التراب، فيعلق بها شيء: فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل، ويقول هذا ‏الكلام في حال المسح(149). فهو يجمع بين الأدوية الطبيعية، والأدعية والأذكار.‏
وروى عن علي رضى الله عنه: لدغت النبَّي صلى الله عليه وسلم عقربٌ وهو ‏يصلى، فلما فرغ، قال: لعن الله العقرب، لا تدع مصلياً ولا غيره. ثم دعا بماء وملح ‏فجعل يمسح عليها ويقرأ (قل يا أيها الكافرون …) و(قل أعوذ برب الفلق) و(قل ‏أعوذ برب الناس)(150). ‏
فالحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل الدواء المركب من ‏الأدوية الطبيعية والأدعية والأذكار.‏
‏148- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية ‏النبي (صلى الله عليه وسلم) ح(5746) ومسلم في صحيحه: ‏كتاب السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمه ‏والنظرة ح(2194) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف ‏الرقى ح(3895) وابن ماجة في سننه: باب ما عوذ به النبي ‏‏(صلى الله عليه وسلم) وما عوذ به ح(3521) وانظر تحفة ‏الأشراف ح(17906) وأخرجه أحمد في مسنده (6/93) ‏والبغوي في شرح السنة (5/224) والنسائي في اليوم والليلة ‏ح(1023) وابن السني في اليوم والليلة ح(576).‏
‏149- انظر شرح النووي على مسلم (14/184) ش ‏ح(2194).‏
‏150- أخرجه ابن ماجة في سننه: كتاب إقامة الصلاة: باب ما ‏جاء في قتل الحية والعقرب في الصلاة ح(1246) وانفرد به- ‏انظر تحفة الأشراف ح(16125). وصححه الألباني في صحيح ‏سنن ابن ماجة ح(1030). وانظر السلسلة الصحيحة للألباني ‏ح(547) و(548).‏
بهذا يتبين أن الرقى والتمائم عنصر مهم في باب التداوي من أمراض البدن ‏والروح، وهى المرتكز الأساسي في العلاج لكل من الطبيب والمريض. فما حقيقة ‏الرقى والتمائم؟ هذا ما سنجيب عنه في المطلب التالي- إن شاء الله تعالى. ‏

المطلب الأول ‏: حقيقة الرقى والتمائم ‏
أولاً ‏: معنى الرقى
الرقى في اللغة: جمع رقية. وهى اسم من الرقِي. يقال: رقى الراقي المريض ‏يرقية رَقياً و رُقيا. وأصل (رقى) يرجع إلى ثلاثة أمور هي: الصعود، والبقعة من ‏الأرض والتعويذ. وجاء في الأمر الثالث قوله تعالى. (كلاً إذا بلغت التراقي وقيل ‏من راقٍ) (151). أي من يرقيه تنبيهاً إلى أنه لا راق يرقيه برقية فيحميه0 والراقي ‏صانع الرقية، أو صاحب الرقى، والمرْقى المريض الذي يقرأ عليه. والمرقاة وسيلة ‏الرقى(152). ‏
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي للرقية عن المعنى اللغوي لها، فهي ألفاظ ‏خاصة يحدث عند قولها الشفاء من المرض إذا كانت من الأدعية التي يتعوذ بها من ‏الآفات: من الصرع والحمى. ‏
ومن الرقى ما ليس بمشروع كرقى الجاهلية(153). وقد عرفها ابن الأثير بأنها: ‏‏"العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة: كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات(154). ‏
والعوذة في اللغة: اسم من العوذ، فتقول عاذ به عوذاً وعياذاً ومعاذاً: التجأ واعتصم ‏به(155). ‏
والعوذة والمعاذة: التي يتعوذ بها الإنسان من فزع أو جنون(156). ‏
‏151- سورة القيامة: (26-27).‏
‏152- انظر معجم مقاييس اللغة لابن فارس (2/126) والمصباح المنير ‏للفيومي (1/322) والمفردات للراغب (201) والمعجم الوسيط (1/368).‏
‏153- انظر الموسوعة الفقهية الكويتية (24/261) والفروق للقرافي ‏‏(4/147).‏
‏154- أنظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (2/254). ‏
‏155-انظر معجم مقاييس اللغة لابن فارس (4/183) والمصباح المنير ‏للفيومي (2/597) والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (3/318) ‏والمعجم الوسيط (2/461). ‏
‏156- انظر معجم مقايـيس اللغة لابن فارس (4/184).‏
ثانياً : معنى التمائم
التمائم في اللغة: جمع تميمة. وهى مأخوذة من تمَّ الشيء يتم تكملت أجزاؤه. فأصل ‏‏"تم" الكمال. وسميت التميمة بهذا الإسم، لأنها تمام الدواء والشفاء المطلوب(157). ‏
والتميمة في الاصطلاح تطلق على معنيين: ‏
الأول: خرزات كان العرب يعلقونها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم(158). ‏
والثاني: ورقة يكتب فيها شئ من القرآن أو غيره، وتعلق على الرأس، مثلاً: ‏للتبرك(159).‏

ثالثاً ‏ : الرقى والتمائم في الجاهلية ‏
استعمل العرب في الجاهلية الأدوية الطبيعية من البصل، والثوم والحلبة، والحبة ‏السوداء، والعسل والأدوية الروحية من الرقى والتمائم. لكن غلب على النوع الأخير ‏تأثرها بالشرك والسحر والخرافة. ‏
‏1.‏ تأثر الرقى والتمائم في الجاهلية بالشرك. ‏
اختلطت الرقى والتمائم في الجاهلية بالكهانة والعرافة والتنجيم، فادعى محترفوها ‏معرفتهم للغيب. واستعانوا بغير الله تعالى من الجن والشياطين والكواكب والنجوم. ‏
أ‌-‏ فالكهانة: ادعاء علم الغيب وذلك عن طريق اتصال الأرواح البشرية بالأرواح ‏المجردة من الجن والشياطين، واستعلامهم عن الأحوال الجزئية للإنسان، ‏ومعرفة أسراره، وما يتعرض له في يومه ومستقبله من مرض وشقاء، وعافية ‏وشفاء(160). ويسمى متعاطي الكهانة "الكاهن" وهو: "الذي يخبر عن الكوائن في ‏مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار ومطالعة علم الغيب"(161).‏
‏157- انظر معجم مقايـيس اللغة لابن فارس (1/339) والمصباح ‏المنير للفيومي (1/106). ‏
‏158- انظر حاشية ابن عابدين (6/363).‏
‏159- انظر حاشية الجمل (1/76).‏
‏160- انظر مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده (1/364) وأبجد ‏العلوم لصديق حسن (2/453). ‏
‏161- انظر التعريفات للجرجاني (235) والمقدمة لابن خلدون ‏‏(87).‏
ب‌-‏ العرافة: هي معرفة الاستدلال ببعض الحوادث الخالية على الحوادث الآتية ‏بالمناسبة أو المشابهة الخفية التي تكون بينهما، أو الاختلاط، أو الارتباط؛ ‏على أن يكونا معلولي أمر واحد، أو يكون ما في الحال علة لما في ‏الاستقبال(162). ويطلق على محترفها "العراف" وهو "المنجم أو الحازي ‏الذي يدعي علم الغيب "(163). وسموا العراف بالطبيب كما جاء في قول ‏الشاعر:‏
فقلت لعراف اليمامة داوني فإنك إن داويتني لطبيب ‏

د– والتنجيم: هو الاعتقاد بأن بين طلوع النجوم وغروبها أمراضاً وأوبئة وعاهات ‏في الناس والإبل. وكانوا ينسبون إلى النجوم التأثيرات. ويسمى محترف التنجيم ‏‏"المنجم" وهو: "كل من يدعى الغيب من مستقبل بعيد ومكنونات الصدور"(164). ‏وكان أهل الجاهلية يتوجهون للمنجم يسألوه عن الغيب(165). ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 07:49 PM
‏2-تأثر الرقى والتمائم في الجاهلية بالسحر. ‏
تأثرت الرقى والتمائم في الجاهلية بالسحر والسحرة، وكتبت العقد والعزائم ‏لمداواة المرضى ولأغراض أخرى. فقد زعم العرب في الجاهلية أنها تؤثر في ‏الأبدان والقلوب ، فتشفى أو تُمرض، أو تقتل، أو تفرق بين المرء وزوجه، أو غير ‏ذلك"(166). ويزاول السحرة صناعتهم بالتقرب إلى الشياطين بأنواع القبائح التي فيها ‏مدح الشياطين والشرك بالله تعالى. وقد عرف العرب عدة أنواع من السحر ‏كالشعبذة، والعزيمة، والطلاسم. ‏
‏162- انظر مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده (1/357) وأبجد العلوم ‏الصديق حسن (2/379).‏
‏163-انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (3/218).‏
‏164- انظر معجم لغة الفقهاء لقتيبي وقلعجي (463).‏
‏165- انظر أبجد العلوم لصديق حسن (2/551). ‏
‏166- انظر التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (399) والمغني ‏لابن قدامة (8/15).‏
أ – فالشعبذة: ويقال لها الشعوذة معرب من شعباذة، وهو اسم رجل ينسب إليه علم ‏الشعوذة. وهى: الخداع والتخييلات التي لا حقيقة لها، مبنية على خفة اليد، وصرف ‏البصر عما يفعله المشعوذ(167). ‏
ب- والعزيمة من الرقى التي كانوا يعزمون بها على الجن. وجمعها عزائم، فيقال ‏عزم الراقي- كأنه أقسم على الداء(168). وأصلها- كما ذكر القرافي الإقسام والتعزيم ‏على أسماء معينة زعموا أنها أسماء ملائكة وكلهم سليمان بقبائل الجان، فإذا أقسم ‏على صاحب الاسم ألزم الجن بما يريد(169). ‏
جـ– والطلاسم أو الطلسمات: جمع طلسم. وهى أسماء خاصة كانوا يزعمون أن لها ‏تعلقاً بالكواكب، تجعل في أجسام من المعادن أو غيرها تحدث آثاراً خاصة. ولذلك ‏يستعين صاحبها بالمنجمين(170). ‏
‏3- تأثر الرقى والتمائم في الجاهلية بالخرافة. ‏
اختلطت الرقى والتمائم في الجاهلية بالخرافات والأوهام فزعموا أن للحروف ‏خصائص معينة تفيد في شفاء الأمراض، كما زعموا أن بعض الأحجار تجلب ‏الخير وتدفع الشر. ‏
أ – علم الحروف: وهو علم باحث عن خواص الحروف إفراداً وتركيباً وموضوعه ‏الحروف الهجائية. ويزعمون أن للحروف جسماً، وروحاً، ونفساً، وقلباً، وعقلاً، ‏وقوة كلية. وقوة طبيعية. وأنهم يمزجون بعلمهم قوى الحروف والكلمات بقوى ‏الكواكب؛ فيرشدهم هذا المزج إلى المغيبات، ويدلهم على المقدرات. وتوهموا أن ‏للحروف خواصَّ: فمنها النارية والهوائية والمائية والترابيـة على حسب تنوع ‏العناصر: فالألف

‏167-انظر المفردات للراغب (226).‏
‏168- انظر لسان العرب لابن منظور (3/769).‏
‏169- انظر الفروق للقرافي (4/147). ‏
‏170- انظر الفروق للقرافي (4/142) وتذكر أولى الألباب لداود ‏الانطاكي (2/154). ‏
للنار، والباء للهواء، والجيم للماء، والدال للتراب. ثم يرجع كذلك على التوالي من ‏الحروف والعناصر إلى أن تنعقد. وتستعمل الحروف النارية لدفع الأمراض ‏الباردة، ولمضاعفة قوة الحرارة، حيث تطلب مضاعفتها إما حساً أو حكماً. ‏وتُستعمل الحروف المائية لدفع الأمراض الحارة من الحميات وغيرها، خرافات ‏وأوهام ولمضاعفة القوة الباردة(171). ‏
ب – الأحجار والخرز. ‏
تعلم العرب في الجاهلية ممن سبقهم ما نُقِلَ عنهم من خرافات وأوهام تتعلق ‏بالأحجار والخرز ومن ذلك: ‏
‏1-‏ اليشب أو اليصب: وهو حجر فضي يزعمون أنه يقطع نزف الدم، ويرد العين، ‏ويدفع السحر إذا علق على الرقبة أو العضد، وإذا علق على الفخذ نفح من عسر ‏الولادة، وإذا علق على الرقبة بحيث يحاذي المريء والمعدة نفع في أمراض ‏المعدة(172). ‏
‏2-‏ العقيق: وهو على سبعة أنواع: الأحمر الكبدي، والأحمر الوردي، والأصفر، ‏والأبيض، والأسود، والأزرق، وذو اللونين؛ يزعمون أنه يسكن الروع عند ‏الخصام، ويدخل في علاج العين(173).‏
‏3-‏ الزمرد: يؤخذ من جبل في أسوان، يدفع داء الصرع. وإذا علق بمحاذاة الكبد دفع ‏مرض "الدوسنطاريا"(174). ‏
‏4-‏ خرزة العفرة: زعموا أن المرأة إذا شدتها على حقويها (موضع شد الإزار على ‏الخاصرة) تمنع الحمل(175). ‏
‏5-‏ خرزة الوجيهة: للوقاية من الأمراض(176).‏
‏171- انظر مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده (2/592) وأبجد العلوم لصديق ‏حسن (2/236).‏
‏172- انظر معدن النوادر في معرفة الجواهر للبيهقي (113). ‏
‏173- انظر معدن النوادر في معرفة الجواهر للبيهقي (100). ‏
‏174- انظر معدن النوادر في معرفة الجواهر للبيهقي (89).‏
‏175- انظر الطب عند العرب لأحمد شوكت الشطي (16).‏
‏176- انظر الطب عند العرب لأحمد شوكت الشطي (16).‏
المبحث الثاني ‏
أحكام التداوي بالرقي والتمائم ‏

يشتمل هذا المبحث على أمرين؛ الأول: مشروعية التداوي بالرقى والتمائم. والثاني: ‏الأحكام المتعلقة بأنواع التداوي بالرقى والتمائم. ‏
المطلب الأول: مشروعية التداوي بالرقى والتمائم.‏
اتفق الفقهاء على مشروعية التداوي بالرقى والتمائم في الجملة(177)، واستدلوا لذلك ‏بما يلي: ‏
‏1-‏ قوله تعالى:‏
‏ (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلاّ ‏خساراً)(178). ‏
فالمراد بكون القرآن الكريم شفاء للإنسان من جهتين: من جهة القلب؛ فهو يشفيه من ‏الجهل والريب والضلال، لما فيه من الهداية؛ ومن جهة البدن، فهو يشفيه من ‏الأمراض التي تصيبه، لما فيه من البركة(179). ‏
‏2-‏ المعوذتان: ‏
‏(قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر ‏النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد)(180).‏
‏177- انظر حاشية ابن عابدين (6/363) والفتاوي الهندية ‏‏(5/356) والجامع لابن رشد (308) والمنتقى للباجي ‏‏(7/258) والشرح الصغير للدردير (4/678) والإفادة لابن ‏حجر (77) وصرع الجن للإنسان لابن تيمية (61) والآداب ‏الشرعية لابن مفلح (2/455).‏
‏178- سورة الإسراء: (82).‏
‏179- انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/316) وتفسير ‏الماوردي (2/453) وزاد المسير لابن الجوزي (5/79).‏
‏180- سورة الفلق ‏
‏(قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي ‏يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس)(181).‏
قال القرطبي: هذه السور (يقصد سورة الفلق)، وسورة الناس والإخلاص تعوَّذ بهن ‏النبي صلى الله عليه حين سحرته اليهود". وقال في معنى"من شر ما خلق"؛ قيل ‏من إبليس وذريته، وقيل جهنم، وقيل: هو عام؛ أي من شر كل ذي شر خلقه الله عز ‏وجل(182). ‏
وقوله تعالى : ‏
‏(وأيوب إذ نادى ربه أنى مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فاستجبنا له ‏فكشفنا ما به من ضر، وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى ‏للعابدين)(183).‏
ذكر الله تعالى عن أيوب عليه السلام ما كان أصابه من البلاء في ماله، وولده، ‏وجسده، فقد أصيب فيه بالمرض الشديد، وجاءه الأطباء من كل مكان، فلم يفلحوا ‏في تحقيق الشفاء له، فدعا الله عز وجل بأن يزيل ما فيه من بلاء، فاستجاب له ‏وشافاه مما هو فيه من مرض، وأعاد إليه أهله وماله(184).‏
‏4- روى البخاري –بسنده– عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناساً من ‏أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حي من أحياء العرب فلم يَقْروهم. ‏فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك. فقالوا هل معكم من دواء أو راقٍ؟ فقالوا: إنكم لم ‏تقرُونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعلاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الشاة، فجعل يقرأ بأم ‏القـرآن ويجمع بزاقه ويتفل فبرئ. فأتوا بالشـاء فقالوا: لا نأخذ حتى نسأل النبـي

‏181- سورة الناس‏
‏182- انظر الجامع حكام القرآن للقرطبي (20/251). ‏
‏183- سورة الأنبياء الآيات: (83-84).‏
‏184- انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/188).‏
صلى الله عليه وسلم. فسألوه فضحك وقال: وما أدراك أنها رقية. خذوها واضربوا ‏لي بسهم"(185). وفى رواية للترمذي "أن الذي رقاه أبو سعيد الخدري. وفيه أنه قرأ ‏الحمد لله سبع مرات، وأن الغنم كانت ثلاثين شاة(186). ‏
فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على الرقية بأم القرآن، وهو دليل ‏على المشروعية. ‏
وروى البخاري ‏‎–‎بسنده- عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏كان يعوِّذُ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: "اللهم رب الناس اذهب الباس ‏واشفه أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سَقماً"(187). ‏
‏6-‏ وقد أجمع العلماء على جواز الرقية بكتاب الله تعالى، وما ورد عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم(188). ‏
‏185- أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين: باب الرقية من العين ‏‏(2/940). والبخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب النفث في ‏الرقية ح(5749). ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب جواز ‏أخذ الأجر على الرقية بالقرآن والأذكار ح(2201). وأبو داود في ‏سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3900). والترمذي في ‏سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ ‏ح(2070) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه ‏كتاب التجارات: باب أجر الراقي ح(2156). وانظر تحفة الأشراف ‏ح(4249) و(4307). ‏
‏186- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب أخذ الأجر على ‏التعويذ ح(2070) وقال هذا حديث حسن صحيح وانظر صحيح ‏سنن الترمذي للألباني ح(1685). ‏
‏187-أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد ‏للمريض ح(5675) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب ‏استحباب رقية المريض (2191) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: ‏باب في تعليق التمائم ح(3883) والترمذي في سننه: كتاب أحاديث ‏شتى: باب في دعاء المريض ح(3576) وقال هذا حديث حسن ‏وابن ماجه في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض ‏الرسول (صلى الله عليه وسلم) ح(1619) وانظر تحفة الأشراف ‏ح(17638) وأخرجه أحمد في مسنده (3/267) و(4/259) ‏و(6/42) والنسائي في اليوم والليلة ح(1042) وابن السني في اليوم ‏والليلة ح(543) قال النووي: الحديث فيه استحباب مسح المريض ‏باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحة جمعتها ‏في كتاب الأذكار انظر شرح النووي على صحيح مسلم ‏‏(14/180). ‏
‏188- انظر الجامع لابن رشد (309) وزاد المسلم للشنقيطي ‏‏(4/83). ‏
‏7-‏ قال ابن القيم: "ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة. فما ‏ظنك بكلام رب العالمين الذي فضله على كل كلام"(189).‏
‏ وقال ابن تيمية: "الأدوية أنواع كثيرة، والدعاء والرقى أعظم نوعى الدواء ‏حتى قال أبقراط: نسبة طبنا إلى طب أرباب الهياكل كنسبة طب العجائز إلى طبنا. ‏وقد يحصل الشفاء بغير سبب اختياري، بل بما يجعله الله في الجسم من القوى ‏الطبيعية"(190).‏

الشبهات التي ترد على مشروعية التداوي بالرقى والتمائم
‏ أورد بعض العلماء بعض الشبهات التي ترد على مشروعية التداوي بالرقى ‏والتمائم سأوردها وأجيب عنها- إن شاء الله تعالى. ‏
‏1-‏ مشروعية التداوي بالرقي والتمائم تتعارض مع حديث مدح ترك الرقية. فقال ‏صلى الله عليه وسلم في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب: "هم الذين ‏يتطيرون، ولا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون"(191). ‏
ولذا يكره التداوي بها. يجاب عن ذلك بأن الجـمع بينه وبين أحاديث مشروعية ‏التداوي بالرقى والتمائم ممكن من عدة وجوه وهي: ‏
‏189- اأنظر الطب النبوي لابن القيم (177).‏
‏190- انظر الآداب الشرعية لابن مفلح (3/116).‏
‏191- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب من لم يرق ‏ح(5752) ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب الدليل على دخول ‏طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب ح(216) والترمذي في ‏سننه: كتاب صفة القيامة: باب (81) ح(2454) وقال هذا حديث حسن ‏صحيح. وأحمد في مسنده (1/271). وقال الهيثمي في المجمع (10/405) ‏رجال أحمد والبزار رجال الصحيح. وأخرجه الطبراني في الكبير (18/23) ‏والبيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب ما جاء في استحباب ترك الاكتواء ‏والاسترقاء (9/341) والبغوى في شرح السنة (15/135) ح(4322). ‏
أ‌-‏ حديث: "لا يسترقون"، يحمل على الرقى الجاهلية التي تتضمن الكفر والسحر ‏والكلام غير المعروف. وأما الرقى بآيات القرآن والأذكار المعروفة فلا نهى فيها، ‏بل هو سنة(192). ‏
ب-حديث: ولا يسترقون " يحمل على الأفضلية لا على الوجوب وأما الأحاديث ‏الأخرى فتحمل على الجواز مع أن ترك التداوي أفضل(193). ‏
ج- حديث: "لا يسترقون"، يحمل على صفة الأوليـاء الصـابرين على البـلاء، ‏المُعْرِضين عن أسباب الدنيا الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها، وتلك درجة ‏الخواص لا يبلغها غيرهم. ‏
وأما الأحاديث الأخرى التي ترخص في التداوي بالرقى؛ فتحمل علـى أنها خاصة ‏بعوام الناس الذين لم يصلوا إلى مرتبة الخواص(194). ‏
‏2-‏ مشروعية التداوي بالرقى تتعارض مع أحاديث النهى عن الاسترقاء. فقد ثبت ‏عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الرقى، وقال: "إن الرقى والتمائم ‏والتولة(195) شرك"(196). ولذا يمنع التداوي بها. ‏
وأجيب عن ذلك من عدة وجوه: ‏
‏‌أ-‏ أن النهي عن الرقى كان في بداية الإسلام، ثم نسخ بأحاديث الجواز. ‏
‏‌ب-‏ النهي خاص بالرقى المجهولة المكتوبة بغير العربية ولا يعرف معناها.‏
‏192- انظر شرح النووي على مسلم (14/169) ش ح(2186) والنهاية في ‏غريب الحديث لابن الأثير (2/255).‏
‏193- انظر شرح النووي على مسلم (14/ 169) ش ح(2186).‏
‏194- انظر النهاية لاين الأثير (2/255) والفواكه الدواني للنفراوي ‏‏(2/440) وإحياء علوم الدين للغزالي (4/287).‏
‏195- التوله: تميمة تصنع للمرأة ليحبها زوجها، وهي ضرب من السحر ‏وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند ‏غير الله- انظر حاشية ابن عابدين (6/364) وفتح الباري لابن حجر ‏‏(10/196) ش ح(5735). ‏
‏196- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ‏ح(3883). وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب تعليق التمائم ح(3530). ‏وانظر تحفة الأشراف ح(9643). وأخرجه أحمد في مسنده (1/381) ‏والحاكم في مستدركه (4/217) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ‏وأقره الذهبي. وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب التمائم ‏‏(9/350) وانظر صحيح سنن أبو داود للألباني ح(3288). ‏

‏‌ج-‏ ‏ أن النهي لقوم كانوا يعتقدون منفعتها وتأثيرها بطبعها، كما كانت الجاهلية ‏تزعمه في أشياء كثيرة(197). ‏
‏3-‏ القول بمشروعية الرقى قادح في التوكل على الله تعالى. ويؤيد ذلك ما روى ‏الترمذي قال صلى الله عليه وسلم: "من اكتوى أو استرقى، فقد برئ من ‏التوكل"(198). ‏
ويجاب عن ذلك بأن الاسترقاء لا يكون قادحاً في التوكل ولا منافياً له، لأن النبي ‏صلى الله عليه وسلم كان على غاية من التوكل وكان يسترقي. فقد روت السيدة ‏عائشة رضى الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في ‏المرض الذي مات فيه بالمعوذات، فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه ‏لبركتها"(199). ‏
وقال ابن القيم في رد هذه الشبهة: "إن هذه الأحاديث- يقصد أحاديث جواز ‏التداوي- لا تنافي التوكل كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد ‏بأضدادها بل لا يتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيــات
‏197- انظر شرح النووي على مسلم (14/169) ش ح(2186) ‏والمنتقي للباجي (7/258) والشرح الصغير (4/770) والفواكه ‏الدواني للنفراوي (2/440). ‏
‏198- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في ‏كراهية الرقية ح(2062) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ‏ماجة في سننه: كتاب الطب: باب الكي ح(3489) وانظر تحفة ‏الأشراف ح(11518) وأخرجه أحمد في مسنده (4/249) ‏والبيهقي في الكبرى (9/341) وابن أبي شيبه في مصنفه (8/69) ‏وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1677).‏
‏199- أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين: باب التعوذ والرقية ‏في المرض (2/193) والبخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب ‏في المرأة ترقى الرجل ح(5751) ومسلم في صحيحه: كتاب ‏السلام: باب رقية المريض بالمعوذات والنفث ح(2192) وأبو ‏داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3602) وابن ‏ماجة في سننه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(3529) ‏وانظر تحفة الأشراف ح(16589) وأحمد في مسنده (6/104) ‏والنسائي في اليوم والليلة ح(1009) قال النووي: وسئلت عائشة ‏عن نفث النبي (صلى الله عليه وسلم) في الرقية فقالت كما ينفث ‏آكل الزبيب لا ريق معه. قال: ولا اعتبار بما يخرج عليه من بلة ‏ولا يقصد ذلك- انظر شرح النووي على صحيح مسلم ‏‏(14/182). ‏
لمسبباتها قدراً وشرعا. وإن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر ‏والحكمة ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها ‏عجزاً ينافى حقيقته التوكل الذي هو اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد ‏في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه. ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة ‏الأسباب، وإلا كان معطلاً للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً ولا توكله ‏عجزاً"(200). ‏
وأما الحديث الذي استدل به من أثار هذه الشبهة فيحمل على من اعتقد منفعتها ‏وتأثيرها بطبعها كما كانت الجاهلية تزعم. ‏
‏4- القول بمشروعية التداوي بالرقى والتمائم قادح في إيمان المسلم بالقضاء والقدر، ‏فالمرض من قدر الله تعالى، فلا يدفع بالتداوي. لأن قدر الله لا يدفع ولا يرد. ‏
ويجاب عن ذلك بأن التداوي من قدر الله تعالى ، فيدفع قدر الله بقدره. روى ‏الترمذي عن أبى خزاعة عن أبيه قال: قلت يا رسول الله: "أرأيت رقة نسترقي بها ‏ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاً؟ قال: هو من قدر الله"(201). ‏
قال ابن القيم: "هذا السؤال – يقصد ما في الحديث- هو الذي أورده الأعراب ‏على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأماّ أفاضل الصحابة فأعلم بالله وحكمته ‏وصفاته من أن يوردوا مثل هذا. ‏
وقد أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بما شفى وكفى. فقال هذه الأدوية ‏والرقى والتقى من قدر الله. فما خرج شئ من قدره، بل يرد قدره بقدره، وهذا الرد ‏من قدره، فلا سبيل للخروج عن قدره بوجه ما. ‏
‏200- انظر الطب النبوي لاين القيم ص(15) وتلبيس إبليس لابن ‏الجوزي (278). ‏
‏201- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب الرقى والأدوية ‏ح(2072) وقال هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب ‏الطب: باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ح(3437). وأحمد في ‏مسنده (3/421). قال الهيثمي في المجمع (5/85): رواه الطبراني ‏والحرث لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح غير أبي خزاعة. ‏وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجة ح(749). ‏
وهذا كرد قدر الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، وكرد قدر العدو ‏بالجهاد، وكل من قدر الله الدافع والمدفوع والدفع. ويقال لمورد هذا السؤال: هذا ‏يوجب عليك أن لا تباشر سبباً من الأسباب التي تجلب بها منفعة، أو تدفع بها ‏مضرة، لأن المنفعة والمضرة إن قدرتا لم يكن بد من وقوعهما، وإن لم تقدرا لم ‏يكن سبيل إلى وقوعهما. وفى ذلك خراب الدين والدنيا، وفساد العالم، وهذا لا يقوله ‏إلا دافع للحق معاند له، فيذكر القدر ليدفع حجة المحق عليه: كالمشركين الذين ‏قالوا: (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا )(202). (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما ‏عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا)(203) . فهذا قالوه دفعاً لحجه الله عليهم ‏بالرسل(204). ‏
‏5- التداوي بالرقى من القرآن يعرض كتاب الله تعالى إلى خطر كبير إن فشل ‏المعالج في العلاج، فسوف يؤدى ذلك إلى فقدان الثقة بالقرآن(205). ‏
والجواب على ذلك: أن فشل العلاج لا يرجع إلى القرآن. لأن الله تعالى أخبرنا بأنه ‏شاف، والرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن ذلك لنا وطبقه في واقع حياته على نفسه ‏وأهله وأصحابه فبرئ المريض الذي عولج به، فلا تتأثر عقيدة المسلم بذلك. وإنما ‏يرجع الفشل إلى المريض، أو إلى المعالج، أو إلى طريقة الوصفة وكميتها؛ فهناك ‏شروط محددة للرقية والمريض والمعالج- سيأتي بيانها في المبحث الثالث- فإذا ‏تخلف شرط منها لم يتأثر المريض بالرقية وفشل العلاج.‏
المطلب الثاني: الأحكام المتعلقة بأنواع الرقى والتمائم. قسـم العلماء الرقى والتمائم- ‏باعتبار طريقة استعمالها- إلى ثلاثة أقسام وهى: القراءة على المريض، تعليـق ‏التميمـة، تعاطى غسالة الرقية والتميمة. وسوف أبين حكم كل قسم منها، وما
‏202- سورة الأنعام: (148).‏
‏203- سورة النحل: (35).‏
‏204- انظر الطب النبوي لابن القيم (16).‏
‏205- انظر الطب النبوي لابن القيم. ‏
يتعلق به من أحكام.‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 07:50 PM
أولاً: القراءة على المريض والدعاء له. ‏
اتفق الفقهاء على جواز أن يقرأ المريض على نفسه، وأن يستعين بغيره ليقرأ عليه ‏بالرقى الشرعية. كما اتفقوا على أنه يجوز للمريض أو لمن يقرأ عليه أن يضع يده ‏على مكان الألم أثناء القراءة(206). ويؤيد ذلك ما ذكرت من أحاديث المشروعية، ‏ويضاف إلى ذلك ما روى البخاري –بسنده– عن عائشة رضي الله عنها قالت ‏‏" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ بعضهم يمسحه بيمينه ويقول: ‏أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر ‏سقماً"(207). وقــال صلى الله عليه وسلم لعثمان ابن أبى العاص الثقفي لما شكا إليه ‏وجعاً في جسده: "ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل باسم الله ثلاثاً، وقل أعوذ ‏بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر"(208). ‏
‏206- انظر عمده القاري للعيني (17/399) والاستذكار لابن عبد البر ‏‏(27/29) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (20/258) وفتح ‏الباري لابن حجر (10/197) ش ح(5735). ‏
‏207- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد ‏للمريض ح(5675)؛ ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطب ‏والمرض والرقى ح(2186)؛ والترمذي في سننه كتاب الجنائز: باب ما ‏جاء في التعوذ للمريض ح(974)؛ وابن ماجة في سننه: كتاب الطب، ‏باب ما عوذ به النبي، وعوذ به ح(3523)؛ انظر تحفة الأشراف ‏ح(4363)، واخرجه أحمد في مسنده 3/28/56؛ والنسائي في اليوم ‏والليلة ح(1005)، قال النووي: هذا تصريح بالرقى بأسماء الله تعالى ‏وفيه توكيد الرقية والدعاء وتكريره، وقوله من شر كل نفس قيل، يحتمل ‏أن المراد بالنفس؛ نفس الآدمي، وقيل يحتمل أن المراد بها العين، فإن ‏النفس تطلق على العين، ويقال رجل نفوس إذا كان يصيب الناس بعينه. ‏انظر شرح النووي على صحيح مسلم 14/170. ‏
‏208-أخرجه مالك في موطأه: كتاب العين: باب التعوذ والرقية من ‏المرض (2/942) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب ‏وضع يده على موضع الألم مع الدعاء ح(2202) وأبو داود في سننه: ‏كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3891) والترمذي في ‏سننه: كتاب الطب: باب (29) ح(2087) وقال هذا حديث حسن صحيح ‏وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي (صلى الله عليه ‏وسلم) وما عوذ به ح(3522) وانظر تحفة الأشراف ح(9774) ‏وأخرجه أحمد في مسنده (6/390) والنسائي في اليوم والليلة ح(1001) ‏قال النووي: يستحب وضع يده على موضع الألم ويأتي بالدعاء ‏المذكور- انظر شرح للنووي على صحيح مسلم (14/189) شرح ‏‏(2202).‏
‏* حكم النفث والمسح ‏
النفث لغة: من نفث من فمه نفثاً رمى به أو قذف به. والنفث قذف الريق القليل، ‏وهو أقل من التفل(209). فنفث الراقي هو النفخ في اليدين بدون ريق، أو بريق قليل، ‏ومسح جسم المريض. فما حكم النفث في الرقية؟ ‏
اختلف الفقهاء في نفث الراقي ومسحه على قولين: ‏
القول الأول : ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في ‏رواية، وهو قول عطاء ومحمد بن سيرين إلى جواز النفث والمسح(210). واستدلوا ‏لذلك بما يلي: ‏
‏1- ما روى البخاري –بسنده– عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه ‏وسلم: "كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات، فلما ثقل كنت ‏أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركته"(211). وفى رواية: "كان ينفث على يديه ‏ثم يمسح بهما رأسه فالحديث صريح في جواز النفث والمسح عند الرقية"(212). ‏
‏209- انظر المصباح المنير للفيومي (2/845) والمفردات للراغب ‏‏(500). ‏
‏210- انظر المراجع الفقهية السابقة.‏
‏211- أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين: باب التعوذ والرقية في ‏المرض (2/193) والبخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب في المرأة ‏ترقى الرجل ح(5751) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب رقية ‏المريض بالمعوذات والنفث ح(2192) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: ‏باب كيف الرقى ح(3602) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب النفث ‏في الرقية ح(3529) وانظر تحفة الأشراف ح(16589) وأحمد في مسنده ‏‏(6/104) والنسائي في اليوم والليلة ح(1009) قال النووي: وسئلت عائشة ‏عن نفث النبي (صلى الله عليه وسلم) في الرقية فقالت كما ينفث آكل ‏الزبيب لا ريق معه. قال: ولا اعتبار بما يخرج عليه من بلة ولا يقصد ‏ذلك- انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/182). ‏
‏212- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ‏ح(5748) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب رقية المريض ‏بالمعوذات والنفث ح(2192) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف ‏الرقى ح(3902) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ‏ح(3529) وانظر تحفة الأشراف ح(16589) قال النووي: وسئلت عائشة ‏عن نفث النبي (صلى الله عليه وسلم) في الرقية فقالت كما ينفث آكل ‏الزبيب لا ريق معه- انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/182) قال ‏ابن حجر: فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء الذي ماسه الذكر كما ‏يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر- انظر فتح الباري (10/197) ش ‏ح(5735). ‏
‏2- وروى البخاري -بسنده– عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان رسول ‏الله إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد وبالمعوذتيـن جميعاً، ‏
‏3- ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده". قالت عائشة: " فلما اشتكى كان ‏يأمرني أن أفعل ذلك به"(213). ‏
‏4- وفائدة النفث والمسح كما قال القاضي عياض: التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء ‏الذي ماسه الذِّكرْ، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر. وقد يكون على سبيل ‏التفاؤل بزوال الألم من المريض كانفصال ذلك عن الراقي(214). ‏
القول الثاني: ذهب أحمد في رواية إلى كراهة النفث والمسح في الرقية، وهو ‏قول إبراهيم النخعي، والضحاك، وعكرمة. والحكم، وحماد. فقال عكرمة: "لا ينبغي ‏للراقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد"(215). واستدلوا لذلك بقوله تعالى.‏
‏ (قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر ‏النفاثات في العقد ومن حاسدٍ إذا حسد)(216). ‏
فهي تدل على كراهة النفث في الرقية.‏
‏213- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ‏ح(5748) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب رقية المريض ‏بالمعوذات والنفث ح(2192) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب ‏كيف الرقى ح(3902) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب النفث في ‏الرقية ح(3529) وانظر تحفة الأشراف ح(16589) قال النووي ‏وسئلت عائشة عن نفث النبي (صلى الله عليه وسلم) في الرقية فقالت ‏كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه- انظر شرح النووي على صحيح ‏مسلم (14/182) قال ابن حجر: فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو ‏الهواء الذي ماسة الذكر كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر- انظر فتح ‏الباري (10/197) ش ح(5735).‏
‏214- انظر فتح الباري لابن حجر (10/197) ش ح(5735). ‏
‏215- انظر الاستذكار لابن عبد البر (26/34) والجامع لأحكام القرآن ‏للقرطبي (20/458) والآداب الشرعية (2/457). ‏
‏216- سورة الفلق. ‏
والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من جواز النفث والمسح عند الرقية ‏للأحاديث الصريحة في ذلك، وأما الاستدلال بسورة الفلق فلا يصح؛ لأن المكروه ‏ما كان من نفث السحرة وأهل الباطل، ولا يلزم منه ذم النفث مطلقاً ولاسيما بعد ‏ثبوته في الأحاديث الصحيحة(217). ولأن فيه استعانة بتلك الرطوبة والهواء والنفس ‏المباشر للرقية والذكر والدعاء– كما قال ابن القيم- فإن الرقية تخرج من قلب ‏الراقي وفمه، فإذا صاحبها شيء من أجزاء باطنه من الريق والهواء والنفس كانت ‏أتم تأثيراً، وأقوى فعلاً ونفوذاً، ويحصل بالازدواج بينهما كيفية مؤثرة شبيهة ‏بالكيفية الحادثة عند تركيب الأدوية. وفى النفث سر آخر، فإنه تستعين به الأرواح ‏الطيبة والخبيثة، ولهذا تفعله السحرة كما يفعله أهل الإيمان … وذلك لأن النفس ‏تتكيف بكيفية الغضب والمحاربة، وترسل أنفاسها سهاماً لها، وتمدها بالنفث والتفل ‏الذي معه شيء من ريق مصاحب لكيفية مؤثرة(218). ‏

ثانياً : تعليق التميمة: ‏
اتفق الفقهاء على عدم جواز تعليق التميمة بالمعنى الجاهلي(219). وهى "الخرزة ‏التي تعلق على الأولاد يتقون بها العين في زعمهم(220). "وعلى هذا المعنى تحمل ‏أحاديث النهي عن تعليق التمائم. ‏
واختلفوا في جواز تعليق التميمة بالمعنى الآخر وهو: "ورقة يكتب فيها شيء من ‏القرآن أو غيره، وتعلق على الرأس مثلاً للتبرك"(221). ‏
‏217-انظر فتح الباري لابن حجر (10/209) باب (39).‏
‏218- انظر الطب النبوي لابن القيم (179). ‏
‏219- انظر المراجع الفقهية التي سترد في القول الأول.‏
‏220- انظر حاشية ابن عابدين (6/363). ‏
‏221- انظر حاشية الجمل (1/76). ‏
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في قول ‏إلى جواز تعليق التميمة في عنق المريض أو على رأسه. وهو ما قال به بعض ‏السلف مثل عائشة رضي الله عنها، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والضحاك، ‏وأبى جعفر: محمد بن على، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن المسيب(222). ‏
فقد سئل سعيد بن المسيب عن التعويذ يعلق قال: إذا كان في قصبة أو رقعة يحرز ‏فلا بأس"(223).‏
وعن الضحَّاك أنه لم يكن يرى بأساً "أن يعلق الرجل الشيء من كتاب الله إذا ‏وضعه عند الجماع، وعند الغائط"(224). ورخَّص أبو جعفر محمد بن على في ‏التعويذ يعلق على الصبيان(225). وكان ابن سيرين لا يرى بأساً بالشيء من القرآن ‏يعلقه الإنسان(226). وقال الإمام مالك: " لا بأس بتعليق الكتب التي فيها أسماء الله ‏عز وجل على أعناق المرضى على وجه التبرك"(227). ‏
وروى عن الإمام أحمد بن حنبل أنه أجاز ذلك وكان يكتب بخطه، فقد قال ‏المروذى: "شكت امرأة إلى أبى عبد الله أنها مستوحشة في بيت وحدها، فكتب لها ‏رقعة بخطه: بسم الله وفاتحة الكـتاب والمعوذتين وآية الكرسي". وقال: وكتب أبو ‏عبد الله من الحمى؛ بسم الله الرحمن الرحيم، بسـم الله وبالله ومحمد رسول الله (يا ‏نار كوني برداً
‏222- انظر حاشية ابن عابدين (3/364)-(6/363) والفتاوى ‏الهندية (5/356) والجامع لابن رشد (309) والقوانين لابن جزي ‏‏(486) والشرح الصغير (4/769) والمعيار المعرب (11/29) ‏واسهل المدارك (7/368) والفتاوى الحديثية لابن حجر (90) ‏والمجموع للنووي (9/56) والآداب الشرعية لابن مفلح (2/455-‏‏459) والدليل والبرهان على صرع الجن للإنسان لابن تيمية ‏‏(62). ‏
‏223- انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/319).‏
‏224- انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/319).‏
‏225- انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/319).‏
‏226- انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/319).‏
‏227- انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/319). ‏
وسلاماً على إبراهيم وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين)(228). ‏
‏"اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل اشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك ‏وجبروتك إله الحق آمين". ‏
وقال الميموني: "سألت أبا عبد الله عن التمائم تعلق بعد نزول البلاء؟ قال أرجو أن ‏لا يكون به بأس". ‏
وقال أبو داود: "رأيت على ابن لأبي عبد الله وهو صغير تميمة في رقبته في أديم". ‏
قال الخلال: "قد كتب هو من الحمى بعد نزول البلاء، والكراهة من تعليق ذلك قبل ‏وقوع البلاء. وهو الذي عليه العمل"(229). واستدل من أجاز ذلك بما يلي:‏
‏1-‏ ‏ ما روى البيهقي-بسنده- عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه ‏وسلم أنها قالت: "وليست بتميمة ما علق بعد أن يقع البلاء". ‏
‏ وفى رواية: التمائم ما علق قبل نزول البلاء، وما علق بعد نزول البلاء فليس ‏بتميمة"(230). ‏
فهو يدل على جواز تعليق التميمة بعد نزول البلاء، وهو موقوف على عائشة ‏رضي الله عنها، لكن له حكم المرفوع.‏
‏1-‏ ما روى مسلم في صحيحه عن جابر – في الرقية من العقرب- "من استطاع ‏منكم أن ينفع أخاه فليفعل"(231). ‏
فإذا ثبت النفع بالتعليق فلا بأس من فعله.‏
‏228- سورة الأنبياء: (69-70).‏
‏229- انظر الآداب الشرعية لابن مفلح (2/456) والدليل والبرهان ‏على صرع الجن للإنسان (61). ‏
‏230-أخرجه البيهقي في الكبرى (9/350) وقال صحيح والحاكم في ‏مستدركه (4/217) وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم ‏يخرجاه. وسكت عنه الذهبي.‏
‏231-أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام باب استحباب الرقية من ‏العين والنملة والحمة والنظرة ح(2199) وأحمد في مسنده (3/382) ‏والبيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية (9/348) قال ‏الألباني: وفي الحديث استحباب رقية المسلم لأخيه المسلم بما لا بأس ‏به من الرقى، وذلك ما كان معناه معروفاً مشروعاً، وأما الرقى بما لا ‏يعقل معناه من الألفاظ فغير جائز-انظر الصحيح ح(472). ‏
‏2-‏ ولأن القرآن الكريم مبارك : لقوله تعالى:‏
‏ (كتاب أنزلناه مبارك)(232). ‏
فتعليقه على الإنسان يحقق البركة له. ‏
القول الثاني: ذهب الإمام أحمد في رواية إلى أن التعليق للتميمة مكروه كراهة ‏شديدة تصل إلى التحريم ، فقد سُئل الإمام أحمد عن تعليق التميمة فقال: "التعليق كله ‏مكروه كان ابن مسعود يتشدد فيه". وهو ما قال به ابن عباس وحذيفة وعقبة بن ‏عامر(233). واسدتلوا لذلك بما يلي: ‏
‏1-‏ ما روى أبو داود –بسنده– عن عبد الله بن مسعود قال، سمعت رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم يقول : "إن الرقى والتمائم والتولة شرك(234). ‏
قالت زوجة عبد الله بن مسعود لزوجها؛ لم تقول هذا؟ والله لقد كانت عيني ‏تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيني، فإذا رقاني سكنت، فقال عبد الله: ‏إنما ذاك عمل الشيطان كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كف عنها، إنما كان يكفيك أن ‏تقولي كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اذهب الباس رب الناس اشف ‏أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً"(235).‏

‏232- سورة الأنعام: (155).‏
‏233- انظر الآداب الشرعية لابن مفلح (2/459). ‏
‏234- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق ‏التمائم ح(3883). وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب تعليق ‏التمائم ح(3530) وانظر تحفة الأشراف ح(9643) وأخرجه أحمد ‏في مسنده (1/381). والحاكم في مستدركه (4/217) وقال هذا ‏حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي. وأخرجه ‏البيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب التمائم (9/350). وانظر ‏صحيح سنن أبو داود للألباني ح(3288). ‏
‏235- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق ‏التمائم ح(3883). وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب تعليق ‏التمائم ح(3530) وانظر تحفة الأشراف ح(9643) وأخرجه أحمد ‏في مسنده (1/381). والحاكم في مستدركه (4/217) وقال هذا ‏حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي. وأخرجه ‏البيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب التمائـم (9/350). وانظر ‏صحيح سنن أبو داود للألباني ح(3288).‏
‏2- وروى أحمد -بسنده– عن عقبه بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ‏‏"من علق تميمة فقد أشرك"(236).‏
فهو يدل على أن من علَّق على نفسه أو على غيره تميمة فقد فعل أهل ‏الشرك(237).‏
‏3- وروى الترمذي –بسنده– عن عيسى بن عبد الرحمن بن أبى ليلى، قال: "دخلت ‏على عبد الله بن عكيم أبى معبد الجهني أعوده وبه حمرة فقلنا: ألا تعلق شيئاً؟ قال: ‏الموت أقرب من ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: من تعلق شيئاً وكل ‏إليه"(238).‏
فهو يدل على عدم جواز تعليق التميمة، لأن الله تعالى لم يشفه بذلك، وإنما ‏يوكل شفاءه إلى ذلك الشيء فلا يحصل الشفاء. ‏
‏4- روى الإمام أحمد –بسنده– عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم يقول: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله ‏له"(239). ‏
‏236- أخرجه أحمد في مسنده (4/156) وقال الهيثمي في المجمع: رواه ‏أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقاب (5/103). وأخرجه الحاكم في ‏مستدركه (4/219) وسكت عنه وكذلك الذهبي. قال الألباني: وهذا إسناد ‏صحيح. رجاله ثقاب رجال مسلم غير دخين وهو ابن عامر الحجري أبو ‏ليلي المصري وثقة يعقوب بن سفيان وابن حبان وصحح له الحاكم ‏‏(4/384) وقد أخرجه (4/219) من طريق أخرى عن يزيد بن ‏أبي منصور- انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ح(492). ‏
‏237- انظر فيض القدير للمناوي (6/180). ‏
‏238-أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في كراهية ‏التعليق ح(2079) وقال: وفي الباب عن عقبة بن عامر: قال المبارك ‏فوري في التحفة (6/201) وحديث عقبة بن عامر أخرجه أحمد وأبـو يعلي ‏والطبراني بمعناه. قال الهيثمي في المجمـع: رجاله ثقات. وأخـرجه أحمد ‏في مسنده (4/310- 311) والحاكم في مستدركه (4/216) وسكت عنه ‏هو والذهبي. والبغوي في شرح السنة (12/160) وانظر صحيح سنن ‏الترمذي للألباني ح(1691).‏
‏239-أخرجه أحمد في مسنده (4/154) والهيثمي في المجمع (5/103) ‏وقال: رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني ورجالهم ثقات. والحاكم في ‏مستدركه (4/216) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه ‏الذهبي. والحديث حسن لغيره- راجع الترغيب للمنذري وهامشه (4/202-‏‏203) ح(5064) و(5065) و(5066) بتحقيق محي الدين مستو وآخرين. ‏وانظر تحفة الأحوذي (6/201) والضعيفة للألباني ح(1266). ‏
‏ ‏
والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من جواز تعليق ما فيه ذكر الله، فإنه ‏إنما جُعل للتبرك والتعوذ، ومن وكل إلى ذكر الله وأسمائه أخذ الله بيده.‏
‏ ‏ وأما أحاديث النهي عن التعليق فهي محمولة على تعليق تمائم الجاهلية التي ‏يظن بها أنها تجلب الخير وتدفع الشر، فإن ذلك حرام، والحرام لا شفاء فيه، وكذا ‏تمائم العرّافين والكُهان التي يكتب فيها غير القرآن.‏

ثالثا ‏ : تعاطى ماء الرقية والسوائل المقروء عليها:‏
من الطرق المستعملة في العلاج بالرقى والتمائم أن يكتب في ورقة أو إناء نظيف ‏سوراً من القرآن، أو آيات منه، أو الأذكار، أو أسماء الله تعالى؛ ثم يغسله بالماء، ‏فيَغتسل بالماء أو يشربه ويمسح جسده بها. أو أن يقرأ آيات من القرآن على ماء أو ‏زيت فيتعاطاه المريض. وأُطلق على ذلك "النشرة" فهل يجوز ذلك؟ ‏
اختلف العلماء في ذلك على قولين: ‏
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية وأحمد في رواية ‏إلى جواز ذلك(240). وبه قال بعض السلف فذُكر عن ابن عباس أنه أمر أن يكتب ‏لامرأة يعسر عليها ولادها آيتان من القرآن يغسل ويسقى. ‏
وقال أيوب "رأيت أبا قلابة كتب كتاباً من القرآن، ثم غسله بماء وسقاه رجلاً ‏كان به وجع"(241). وعن محمد بن مروان عن أبى جعفر قال: "من وجد في قلبه ‏سوءاً فليكتب "يس" في جام بزعفران ثم يشربه". وعن مجاهد قال: "لا بأس أن ‏يكتب القرآن ثم يغسله ويسقي المريض"(242). ‏
‏240- انظر حاشية ابن عابدين (6/364) وأسهل المدارك ‏للكشناوي (3/367) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/318) ‏والفتاوى الحديثية لابن حجر (90) والآداب الشرعية لابن مفلح ‏‏(2/456) والدليل والبرهان لابن تيمية (61). ‏
‏341- انظر الطب النبوي لابن القيم (170-171). ‏
‏342- انظر نوادر الأصول للحكيم الترمذي (333). ‏

وقال الإمام عبد الله المروزي: "لا بأس بالتداوي بالنشرة، تكتب في ورق أو ‏إناء نظيف سور من القرآن، أو بعض سور، أو آيات متفرقة من سورة، أو سور، ‏مثل آيات الشفاء … ثم قال: وما زال الأشياخ من الأكابر رحمة الله عليهم يكتبون ‏الآيات من القرآن والأدعية فيسقونها لمرضاهم ويجدون العافية"(243). ‏
قال صالح بن أحمد بن حنبل ربما اعتللت فيأخذ أبى قدحاً فيه ماء، فيقرأ عليه ‏ويقول: اشرب منه واغسل وجهك ويديك. ‏
ونقل عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه رأى أباه يعوّذ في الماء ويقرأ عليه ‏ويشربه، ويصب على نفسه منه. قال عبد الله: ورأيته قد أخذ قصعة النبي صلى الله ‏عليه وسلم فغسلها في جب الماء ثم شرب فيها. ‏
ورأيته غير مرة يشرب ماء زمزم فيستشفي به، ويمسح به يديه ووجهه. وقال ‏يوسف بن موسى إن أبا عبد الله كان يؤتى بالكوز ونحن بالمسجد فيقرأ عليه ويعوذ. ‏
وقال أحمد: "يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولادها في جام أبيض، أو شيء ‏نظيف: بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش ‏العظيم، الحمد لله رب العالمين".‏
‏(كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلاّ ساعة من نهار بلاغ)(244).‏
‏(كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها)(245).‏
ثم تسقى منه وينضح ما بقى على صدرها(246). ‏
واستدلوا لذلك بما يلي: ‏
‏1-‏ ما روى ابن السني –بسنده– عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال: "إذا عسر على المرأة ولادها أخذ إناء لطيفاً (نظيفاً) يكتب فيه:‏
‏343- انظر المدخل لابن الحاج (4/121) وأسهل المدارك ‏للكشناوي (3/367).‏
‏244- سورة الأحقاف: (35).‏
‏245-سورة النازعات: (46). ‏
‏246-انظر الآداب الشرعية لابن مفلح (2/456-457). ‏
‏ (كأنهم يوم يرون ما يوعدون .. إلى آخر الآية)‏‎…‎‏ و (كأنهم يوم يرونها لم ‏يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) و(لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب)‏‎…‎‏ إلى ‏آخر الآية. ثم يغسل ويسقى المرأة منه وينضح على بطنها وفرجها"(247). ‏
‏2-‏ ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ بالمعوذتين في إناء، ثم ‏تأمر أن يصب على المريض(248).‏
‏3-‏ ‏ ولأن القرآن الكريم مبارك ، والبركة تلحق كل شيء تلاقيه من ماء وغيره، ‏فيكون الماء مباركاً ببركة القرآن الكريم، فيقع بذلك الماء الشفاء إن شاء الله ‏تعالى. ‏
القول الثاني: ذهب أحمد في رواية الخلال إلى عدم جواز التداوي بغسالة الرقية، ‏وهو ما ذهب إليه الحسن البصري وإبراهيم النخعي(249). واستدلوا لذلك بما روى ‏عن الحسن البصري قال: سئل أنس عن النشرة فقال: "ذكر لي أن رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم سئل عنها فقال: هي من عمل الشيطان"(250). والراجـح ما ذهب إليه
‏ ‏
‏247- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يجوز أن يكتب للمصاب وغيره ‏من المرضى شيئاً من كتاب الله بالمداد المباح ويغسل ويسقى كما ‏نص على ذلك أحمد وغيره. وروى الإمام أحمد علاج عسر ‏الولادة عن ابن عباس (ر) وقال: يكتب في إناء نظيف فيسقى. قال ‏عبد الله بن الإمام أحمد: رأيت أبي يكتب للمرأة في جام أو شيء ‏نظيف- انظر فتاوى أبي تيمية (19/64) وزاد المعاد لابن القيم ‏‏(4/358) والأثر موقوف علي ابن عباس(ر) ولم يرفعه إلى النبي ‏‏(صلى الله عليه وسلم). ‏
‏248 - انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/318). ‏
‏249- انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/318) والآداب ‏الشرعية لابن مفلح (2/456). ‏
‏250- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في النشرة ‏ح(3868) وأحمد في مسنده (3/294) والهيثمي في مجمعه ‏‏(5/102) وقال رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال البزار ‏رجال الصحيح. وأخرجه ابن أبي شيبه في مصنفه (7/387) ‏وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ح(3277). ‏
أصحاب القول الأول من جواز تعاطي ماء الرقية والسوائل المقروء عليها، لأنه ‏استعمال لسائل اختلط بشيء له فضل، وهذا له أصل في السنة؛ فقد كان الصحابة ‏رضوان الله عليهم يتبركون بفضلة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم. ‏
وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينفث على الرقية ويمسح بها المريض. ‏
أما الحديثان اللذان استدل بهما المجيزون فقد بحثت عنهما فلم أجد من ذكرهما ‏في كتب السنة المعتبرة. ‏
وأما حديث "النشرة" الذي استدل به المانعون فيحمل على ما إذا كانت النشرة ‏مخالفة لما في القرآن والسنة، أو على النشرة المعروفة عند أهل السحـر والتعزيم- ‏كما قال البيهقي: "القول فيما يكره من النشرة، وفيما لا يكره- كالقول في ‏الرقية(251).‏
‏251- انظر السنن الكبرى للبيهقي (9/351). ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 07:52 PM
المبحث الثالث ‏
ضوابط التداوي بالرقى والتمائم ‏
لكي تؤتى الرقى ثمارها المرجوة، وهي تحقيق الشفاء للمريض؛ لا بد من ‏مراعاة الضوابط الشرعية- عند استعمالها- في كل من الرقية، والراقي، والمرقى.‏
المطلب الأول: الضوابط الشرعية للرقية. بينا سابقاً أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏طلب ممن كانوا يرقون قبل الإسلام أن يعرضوا عليه رقاهم للنظر في إقرارها ‏واعتبارها شرعية. فما الضوابط التي ينبغي أن تقيد الرقية بها حتى تكون شرعية؟ ‏
أولاً: أن يكون للرقية أصل في القرآن أو السنة: ‏
اتفق الفقهاء على أنه يشترط في الرقية أو التميمة أن يكون لها أصل في القرآن أو ‏السنة. بأن تكون موافقة لهما(252). فتجوز الرقية بآية أو آيات من كتاب الله تعالى، ‏أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته، أو بذكر الله تعالى أو دعائه الذي ورد في ‏القرآن أو السنة. ‏
ويؤيد ذلك ما روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: "جاء آل ‏عمرو بن حزم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: يا رسول إنه كانت ‏عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى. قال: فعرضوها عليه. ‏فقال: ما أرى بأساً من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه"(253).‏
‏252- انظر حاشية ابن عابدين (6/363) والشرح الصغير ‏للدردير (4/768) والجامع من المقدمات لابن رشد (307) ‏والمجموع للنووي (9/54) وفتح الباري لابن حجر (10/197) ‏ش ح(5735) والآداب الشرعية لابن مفلح (1/455). ‏
‏253- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب ‏الرقية من العين والنملة والحمه والنظرة ح(2199) وأحمد ‏في مسنده (3م382) والبيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب ‏إباحة الرقية (9/348) قال الألباني: وفي الحديث رقية المسلم ‏لأخيه المسلم بما لا بأس به من الرقى، وذلك ما كان معناه معروفاً ‏مشروعاً، وأما الرقى بما لا يعقل معناه من الألفاظ فغير جائز- ‏انظر الصحيح ح(472). ‏
فقد طلب النبي صلى الله عليه وسلم من آل عمرو بن حزم أن يعرضوا عليه رقاهم ‏ليرى هل هي موافقة لما جاء به من القرآن أو لا. فأقرها لأنها موافقة. وقال لهم: ‏‏"ما أرى بأساً". ‏
وروى الترمذي عن أبى سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ‏يتعوذ ويقول: "أعوذ بالله من الجان ومن عين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ ‏بهما وترك ما سواهما"(254). ‏
وقال الربيع سألت الشافعي عن الرقى فقال: "لا بأس إن رقى بكتاب الله، أو ‏بما يعرف من ذكر الله"(255). ‏
أما إذا لم يكن للرقية أو التميمة أصل في القرآن أو السنة، أو لم تكن موافقة ‏لهما، فيحرم التداوي بها؛ فلا يجوز التداوي بالرقى اليهودية والنصرانية المخالفة ‏لما في القرآن والسنة، ولا يجوز التداوي بتعليق خرزة زرقاء، أو حلقة من حديد أو ‏نحاس أو خزف، ولا بتراب قبر ولي، أو بتعليق قطعة سترة تابوت ولي، أو ‏بالشرب من ماء طاسة الضربة "الرجه"، أو غير ذلك من الخرافات التي ورثها ‏الناس عن الشعوب الجاهلية؛ مما لا يوجد له أصل في القرآن والسنة. ‏
والقرآن الكريم كله شفاء يصح التداوي بأية سورة منه، أو آية منه؛ لقوله ‏تعالى: (وننزل من القرآن ما فيه شفاء ورحمة للمؤمنين)(256). وهنا "من" الآية ‏للبيان، وليست للتبعيض، لأنه يلزم من كونها للتبعيض أن بعض القرآن لا شفاء ‏فيه، وهو ليس كذلك(257). ‏
‏254- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في الرقية ‏بالمعوذتين ح(2065) وقال: هذا حديث حسن غريب والنسائي في سننه: ‏كتاب الاستعاذة من عين الجان ح(5509) وابن ماجة في سننه: كتاب ‏الطب: باب من استرقى من العين ح(3511) وانظر تحفة الأشراف ‏ح(4327) وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1681). ‏
‏255-انظر فتح الباري لابن حجر(10/195) ش ح(5735). ‏
‏256- سورة الإسراء: (82).‏
‏257- انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/315). ‏
لكن الأولى تحرى الآيات والسور التي ورد استعمالها في الرقى والتعوذات، ‏لإعطاء نتائج سريعة. ومن ذلك:‏
‏1-‏ فاتحة الكتاب. ‏
‏2-‏ المعوذات (قل هو الله أحد ‏‎…‎، قل أعوذ برب الفلق‎…‎‏ ، وقل أعوذ برب ‏الناس‎…‎‏). ‏
‏3-‏ آية الكرسي (البقرة 255). ‏
‏4-‏ أســـماء الله تعالى وصفاته. ‏
‏5-‏ آيات الأدعـــية والأذكــار. ‏
وفى الســنة النبوية وردت تعــوذات لكثير من الأمراض تنظر في مواضعها ‏من كــتب الأحاديث. وكان النبــي صلى الله عليه وسلم يكثر من اســتعمال هذه ‏الرقيــة: "اللهــم رب الناس اذهب الباس اشــف أنت الشافي لا شافي إلا أنت، شفاء ‏لا يغادر ســـقماً"(258). وكان صلى الله عليه وسلم إذا مرض رقاه جبريـل عليه ‏الســلام فقال: "باسـم اللـه يبريك، من كل داء يشـفيك ، ومن شـــر حاســـد إذا ‏حســد، وشر كل ذي عيـن".‏

‏258- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء ‏العائد للمريض ح(5675) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب ‏استحباب رقية المريض ح(2191) وأبو داود في سننه: كتاب ‏الطب: باب في تعليق التمائم ح(3883) والترمذي في سننه: كتاب ‏أحاديث شتى: باب في دعاء المريض ح(3576) وقال هذا حديث ‏حسن وابن ماجة في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في ذكر ‏مرض الرسول (صلى الله عليه وسلم) ح(1619) وانظر تحفة ‏الأشراف ح(17638) وأخرجه احمد في مسنده (3/267) ‏و(04/259) و(6/42) والنسائي في اليوم والليلة ح(1042) وابن ‏السني في اليوم والليلة ح(543) قال النووي: الحديث فيه استحباب ‏مسح المريض باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه روايات كثيرة ‏صحيحة جمعتها في كتاب الأذكار. انظر شرح النووي على ‏صحيح مسلم (14/180). ‏
وفى رواية قال جبريل: "باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو ‏عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك"(259).‏
ثانياً: أن لا تتضمن الرقية شركاً. ‏
الشرك لغة: من أشرك بالله إذا كفر به فهو مشرك(260). وشرك الإنسان في الدين ‏ضربان(261). ‏
الأول: الشرك العظيم، وهو إثبات شريك لله تعالى. يقال أشرك فلان بالله وذلك ‏أعظم كفر. قال تعالى: ‏
‏(إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله ‏فقد ضل ضلالاً بعيداً)(262).‏
وهذا الضرب أنواع وهى: ‏
‏1-‏ شرك الاستقلال: وهو إثبات إلهين مستقلين كشرك المجوس. ‏
‏2-‏ شرك التبعيض: وهو تركيب الإله من آلهة كشرك النصارى. ‏
‏3-‏ ‏ شرك التقريب: وهو عبادة غير الله ليقرب إلى الله زلفى، كشرك متقدمي ‏الجاهلية. ‏
‏259- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطب ‏والمرض والرقى ح(2186) والترمذي في سننه: كتاب الجنائز: ‏باب ما جاء في التعوذ للمريض ح(974) وابن ماجة في سننه: ‏كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي (صلى الله عليه وسلم) وما عوذ ‏به ح(3523) وانظر تحفة الأشراف ح(4363) وأخرجه أحمد في ‏مسنده (3/28-56) والنسائي في اليوم والليلة ح(1005) قال ‏النووي هذا تصريح بالرقى بأسماء الله تعالى وفيه توكيد الرقية ‏والدعاء وتكريره، وقوله من شر كل نفس قيل: يحتمل أن المراد ‏بالنفس نفس الأدمي وقيل يحتمل أن المراد بها العين فإن النفس ‏تطلق على العين ويقال رجل نفوس إذا كان يصيب الناس بعينه. ‏انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/170). ‏
‏260- انظر المصباح المنير الفيومي (1/423). ‏
‏261- انظر تقسيم الشرك في: المفردات للراغب الأصفهاني ‏‏(259)، بصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي 3/313، الكليات لأبي ‏البقاء (3/70).‏
‏262- سورة النساء: (116). ‏
‏4-‏ شرك التقليد: وهو عبادة غير الله تبعاً للغير، كشرك متأخري الجاهلية.‏
‏5-‏ ‏ شرك الأسباب: وهو إسناد التأثير للأسباب العادية، كشرك الفلاسفة ‏والطبائعيين ومن تبعهم على ذلك، فمن قال في الأسباب العادية: إنها تؤثر ‏بطبعها فقد كفر. بخلاف من قال: إنها تؤثر بقوة أودعها الله فيها فلا يكفر ‏وإنما يعتبر فاسقاً(263). ‏
الثاني: الشرك الأصغر، وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرياء ‏والنفاق المشار إليه بقوله تعالى:‏
‏ (جعلا له شركاء فيما آتاهما)(264). ‏
فينبغي أن تخلو الرقية والتميمة من أي نوع من أنواع الشرك(265). كما روى عن ‏عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا نرقى في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى ‏ذلك؟ فقال: "اعرضوا علي رقاكم. لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك"(266). ‏
وبناء على ذلك، لا يجوز التداوي بكل رقية أو تعزيم أو قسم فيه شرك بالله، وإن ‏أطاعته به الجن أو غيرهم، وكذلك كل كلام فيه كفر لا يجوز التداوي به(267). ولا ‏تجوز الاستعانة بالودع والخرز وغير ذلك لكشف الضر وعلاج المرضى، لقوله ‏تعالى: ‏
‏263- انظر تقسيم الشرك في: المفردات للراغب الأصفهاني (259) ‏وبصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي (3/313) والكليات لأبي البقاء ‏‏(3/70). ‏
‏264- سورة الأعراف: (190).‏
‏265-أخرجه مالك في الموطأ (2/272 التمهيد) ومسلم في صحيحه: ‏كتاب السلام: باب لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك ح(2200) وأبو ‏داود في سننه: كتاب الطب باب ما جاء في الرقى ح(3886) والحاكم ‏في مستدركه (4/212) وقال وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ‏ووافقه الذهبي. والطبراني في الكبير (18/49) والبيهقي في الكبرى: ‏كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية ح(9/349).‏
‏266-انظر الاستذكار لابن عبد البر (26/34) والجامع لأحكام القرآن ‏للقرطبي (20/458) والآداب الشرعية (2/457).‏
‏267- انظر شرح العقيدة الطحاوية (570) وكتاب التوحيد لمحمد بن ‏عبد الوهاب ضمن مجموعة التوحيد (236).‏
‏(قل أرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره)(268).‏
وروى الإمام أحمد –بسنده– عن عمران بن الحصين رضى الله عنه أن النبي صلى ‏الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: ما هذا؟، قال: من الواهنة. ‏فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدً"(269). ‏
ولا يجوز التداوي برقى تتضمن الاستغاثة بالموتى الذين انقطع عملهم ولا ‏يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، كما روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم قال: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"(270).‏
ثالثاً: أن لا تتضمن الرقية سحراً.‏
السحر في اللغة: من سحر يسحر سحراً، بمعنى صرف الشيء عن وجهه. ويطلق ‏على أربعة أمور وهى: الأول: ما لصق بالحلقوم والمريء من أعلى البطن ويقال له ‏الرئة. والثاني: الخداع والشبهة، أو إخراج الباطل في صورة الحق. والثالث: ‏الوقت: وهو السَّحر أو الصبح. والرابع: كل ما لطف مأخذه ودق، فيقال في الشيء ‏الشديد الخفاء أخفى من السحر(271). ‏
والسحر في الاصطلاح يطلق على ثلاثة معان وهي: ‏
‏268- سورة الزمر: (38). ‏
‏269-أخرجه ابن ماجة في سنن: كتاب الطب: باب تعليق التمائم ‏ح(3531) واحمد في مسنده (4/445) والهيثمي في المجمع ‏‏(5م1039)، وقال: رواه احمد والطبراني وفيه مبارك بن فضالة ‏وهو ثقة وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات. وحسن البوصيري في ‏الزوائد إسناده- ورد الألباني تحسينه وحكم بضعفه. انظر ضعيف ‏سنن ابن ماجة للألباني ح(772) والضعيفة للألباني (1029). ‏
‏270-أخرجه الترمذي في سننه: كتاب صفة القيامة: باب (59) ‏ح(2524) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأحمد في مسنده ‏‏(1/293) والطبراني في الكبير (11/123) ح(11243) وابن ‏السني في عمل اليوم والليلة ح(425) وانظر صحيح سنن الترمذي ‏للألباني ح(2043) والسنة لابن أبي عاصم ح(316). ‏
‏271- انظر مجمع مقاييس اللغة لابن فارس (3/138) والمصباح ‏المنير للفيومي (1/364). ‏
الأول: الخداع، وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار ‏عما يفعله بخفة يد، وما يفعله النمام بقول مزخرف عائق للأسماع. وعلى ذلك قوله ‏تعالى:‏
‏ (سحروا أعين الناس واسترهبوهم)(272).‏
‏ وقوله تعالى:‏
‏ (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى)(273).‏
والثاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه. قال تعالى: ‏
‏(هل أنبئكم على من تـنزل الشياطين، تـنزل على كل آفاك أثيم)(274).‏
وقال تعالى: ‏
‏(ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر)(275).‏
والثالث: ما يذهب إليه "الذين لا يفصحون ولا يبلون" وهو اسم لفعل يزعمون أنه ‏من قوته يغير الصور والطبائع، فيجعل الإنسان حماراً. ولا حقيقة لذلك عند ‏المحصلين(276). ‏
فالذي يعنينا في بحثنا هو النوع الثاني، وهو الذي يعتمد الساحر في رقاه على ‏الجن والشياطين. وقد اتفق العلماء على منع التداوي بالرقى التي تتضمن السحر ‏كالعقد والعزائم والطلسمات التي تشتمل على أسماء معينه، يزعم السحرة أنها ‏ملائكة وكلهم سليمان بقبائل الجان، فإذا أقسم على صاحب الاسم ألزم الجن بما ‏يريد.‏
وبعضهم يقسم على أسماء خاصة يزعمون أن لها تعلقاً بالكواكب تجعل ‏في أجسام من المعادن أو غيرها، ويزعمون أنها تحدث آثاراً خاصة(277). ‏
‏272- سورة الأعراف: (116). ‏
‏273- سورة طه: (66).‏
‏274-سورة الشعراء: (221-222).‏
‏275- سورة البقرة: (102). ‏
‏276- انظر المفردات للراغب (226) وبصائر ذوي التمييز ‏للفيروز آبادي (3/198).‏
‏277- انظر حاشية ابن عابدين (6/363) وأسهل المدارك (3/366) ‏والفروق للقرافي (4/147) والمجموع للنووي (9/56) والآداب ‏الشرعية لابن مفلح (2/455).‏
ومما يؤيد منع هذه الرقى، وما يقوم به السحرة من أعمال السحر قوله تعالى: (وألق ‏ما في يمينك تلقف ما صنعوا، إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث ‏أتى)(278). وقولـه صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات. قيل يا رسول وما ‏هن؟ قال: الشرك بالله، والسحـر، وقتل النفـس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال ‏اليـتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات ‏المؤمــنات"(279).‏
وقال ابن حجر في الحكمة من منع تلك الرقى "يدعي تسخير الجن له ، فيأتي ‏بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر ‏الشياطين والاستعانة بهم والتعوذ بمردتهم"(280). ‏
ولا يصل الساحر إلى مرحلة الاستعانة بالشياطين إلا بعد أن يتنازل عن ‏عقيدته ودينه، وأن يتفانى في طاعة الشياطين، فيعصى الله تعالى ويعبد ما سواه. ‏فقد كان يعيش في أوائل هذا القرن ساحر بالوجه القبلي من مصر، وكان يطلب من ‏أعيان الناس أن يلقوا خواتمهم في البحر، فإذا فعلوا أعادها إليهم، وكان يأتي ‏بعجائب أكثر من ذلك. فلما مات أراد ابنه أن يزاول صنعته، فنهته أمه عن ذلك ، ‏فلما سألها عن السبب، فتحت "دولاباً وأخرجت منه صنماً وقالت له: إن أباك كان ‏يسجد لهذا الصنم لكي تساعده الشياطين على إظهار العجائب؛ فلا تكفر كما كفر ‏أبوك(281).‏
وقد لاحق المحتسبون السحرة في كل مكان في المجتمع الإسلامي ‏ومنعوهم من كتابة الرقى السحرية: كالعقد والعزائم، وأوقعوا بهم أشد العقوبات. قال ‏ابن
‏278- سورة طه: (69). ‏
‏279- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الوصايا: باب قول الله ‏تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في ‏بطونهم نارا وسيصلون سعيرا)-النساء 10-ح(2766) ومسلم في ‏صحيحه: كتاب الإيمان: باب بيان الكبائر وأكبرها ح(145) وأبو ‏داود في سننه: كتاب الوصايا: باب اجتناب آكل مال اليتيم ‏ح(3673) وانظر تحفة الأشراف ح(12915). ‏
‏280- انظر فتح الباري لابن حجر (10/196)ش ح(5735).‏
‏281- انظر هادي الأرواح لمصطفى محمد الطير (90).‏
الأخوة: "ويلزمهم بالقسامة أنهم لا يكتبون لأحد من الناس شيئاً من الروحانيات ‏مثل: محبة، وتهييج، ونزيف، ورمد، وعقد لسان، وغير ذلك؛ فإن السحر حرام ‏فعله، ومتى وجد أحداً يفعل ذلك عزره ليرتدع به غيره(282). ‏
رابعاً: أن تكون الرقية بلغة مفهومة المعنى.‏
اتفق الفقهاء على أنه يشترط في الـرقية أن تكون بلغة مفهومة المعنى(283). فيقرأ ‏على العربي بلغة عربية. ولذا لا تصح الرقية بلغة أعجمية أو عبرية أو غير ذلك ‏من اللغات. كما لا تصح الرقية بالدعوات المجهولة التي لا تعرف لها حقيقة ولا ‏أصل، وإنما يزعم أهلها أنها من الدعوات المستجابة. ‏
ومن ذلك: لمخيثا وشمخيثا وباغليهوش، كشهشطليوس، قطيهوج وطحير طمحيليال، ‏برهيم، يالوش، هميالوش، طياروش، طلوش، طلش، عجريش، وهليش، ‏مراهيش(284).‏
ويدل على منع التداوي بتلك الرقى قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن كان ‏يرقي قبل الإسلام: "اعرضوا على رقاكم؛ لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه ‏شرك"(285).‏
قال ابن حجر: "دل الحديث أنه ما كان من الرقى يؤدى إلى الشرك يمنع، وما لم ‏يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك، فتمنع احتياطاً"(286). ‏
‏282- انظر معالم القربة في أحكام الحسبة لابن الأخوة (276). ‏
‏283- انظر حاشية ابن عابدين (6/363) ونصاب الاحتساب للسنامي ‏‏(250) والقوانين لابن جزي (486) والجامع لابن رشد (309) ‏والشرح الصغير للدردير (4/769) والمعيار المعرب (11/87) ‏وفتاوى العزبن عبد السلام (341) والآداب الشرعية لابن مفلح ‏‏(2/455-459).‏
‏284- انظر الإبداع في مضار الابتداع لعلى محفوظ (425). ‏
‏285- أخرجه مالك في الموطأ (2/272 التمهيد). ومسلم في صحيحه: ‏كتاب السلام: باب لا بأس بالرقى مالم يكن فيه شرك ح(2200). وأبو ‏داود في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في الرقى ح(3886). ‏والطبراني في الكبير (18/49). والبيهقي في السنن: كتاب الضحايا: ‏باب اباحة الرقية (9/349).‏
‏286-انظر فتح الباري لابن حجر (10/195) ش ح(5735).‏
وقال ابن عابدين: "إنما تكره العوذة إذا كانت بغير لسان العرب ولا يدرى ما ‏هو ولعله يدخله سحر أو كفر أو غير ذلك"(287). ‏
وقال ابن تيمية: "نهي علماء المسلمين عن الرقي التي لا يفقه معناها لأنها ‏مظنة الشرك، وإن لم يعرف الراقي أنها شرك"(288).‏
‏ وسبب منع الرقى إذا كانت باللغة الأعجمية، أو بما لا يدرى معناه أنها مظنة ‏الشرك بالله تعالى والسحر؛ فتمنع تلك الرقى وإن لم يعرف الراقي أنها شرك أو ‏سحر، ولا يجوز للمريض استعمالها والتداوي بها.‏
خامساً: أن تكتب الرقية أو التميمة بطاهر. ‏
إذا كانت الرقية مكتوبة في ورقة، فلابد أن تكتب بمادة طاهرة كالحبر، ‏والزعفران، وبعض الأصباغ. فلا يجوز أن يكتبها بما هو نجس كالدم، والبول، ‏والغائط؛ لأن كلام الله تعالى وأسماءه وصفاته ينبغي أن تـنزه عن ذلك. ‏
قال ابن تيمية: "لا يجوز كتابتها بدم كما يفعله الجهال، فإن الدم نجس، فلا ‏يجوز أن يكتب به كلام الله"(289). ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 07:53 PM
المطلب الثاني: الضوابط الشرعية للراقي. ‏
لما كانت الرقى والتمائم (الطب الروحاني) على لسان الأبرار من الخلق ‏حصل الشفاء للمرضى بإذن الله تعالى، فلما عز هذا النوع، لجأ الناس إلى الطب ‏الجسماني. فما هي الضوابط الشرعية التي ينبغي مراعاتها في الراقي؟ ‏
أولاً: أن يكون الراقي مسلماً. ‏
يشترط فيمن يعالج المرضى بالرقى والتمائم أن يكون مسلماً ‏فلا يجوز لغير المسلم أن يعالج بها عند الإمام مالك بن أنس في رواية(290). ‏
‏287-انظر حاشية ابن عابدين (6/363).‏
‏288-انظر إيضاح الدلالة لابن تيمية ضمن مجموعة الرسائل ‏المنيريه (2/103). ‏
‏289- انظر الآداب الشرعية لابن مفلح (1/457).‏
‏290- انظر المنتقى للباجي (7/258) وأسهل المدارك للكشناوي ‏‏(3/367).‏
لأن غير المسلم سواء أكان يهودياً أم نصرانياً لا يعلم بحقيقة الرقى الإسلامية التي ‏توافق كتاب الله تعالى وسنة نبيه، وإذا مارس هذا العمل سيرقي بكتابه من التوراة، ‏أو الإنجيل، أو بالسحر. فإذا رقى بكتابه فلا يجوز، لأن ذلك الكتاب دخله التحريف؛ ‏بدليل قوله تعالى:‏
‏ (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا)(291). وقال ‏تعالى:‏
‏ (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا ‏حظاً مما ذكروا به)(292).‏
وقد يقع التبديل لكتب أهل الكتاب بغير قصد بسبب ترجمتهم لكتبهم من لغة إلى لغة ‏كما هو معلوم من حالهم بالضرورة. ومن المعلوم أن إبدال كلام الله بغير اللفظ الذي ‏أنزل به ممنوع؛ لما يؤدى له من تغيير المعاني الكثيرة، وانتهاك حرمته وعظمته، ‏وحينئذ لم تبق فائدة في رقاهم ألبتة(293). وإذا رقى غير المسلم بالسحر فلا يجوز، ‏كما بينت عند الضوابط الشرعية للرقية. ‏
وقد خالف في ذلك الإمام الشافعي فأجاز لغير المسلم أن يرقى المسلم(294). وهو ‏رواية ثانية للإمام مالك رواها عنه ابن وهب(295). كما روى الإمام مالك عن عمرة ‏بنت عبد الرحمن أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة، وهى تشتكي ويهودية ‏ترقيها، فقال أبو بكر: "ارقيها بكتاب الله"(296).‏
‏291- سورة النساء: (46).‏
‏292- سورة المائدة: (13).‏
‏293- انظر زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم للشنقيطي ‏‏(4/83). ‏
‏294- انظر المجموع للنووي (9/56) وفتح الباري لابن حجر ‏‏(10/197) ش ح(5735) والإفادة لما جاء في المرض والعيادة ‏لابن حجر الهيتمي (77). ‏
‏295- انظر الجامع لابن رشد (309) والمنتقى للباجي (7/258).‏
‏296- انظر فتح الباري لابن حجر (10/196-197) ش ‏ح(5735).‏
والذي أميل إليه ما ذهب إليه الإمام مالك وهو اشــتراط الإسلام في الراقي، فلا ‏يجوز للمسلم أن يقصد غير المسلم من أجل الرقية بعد أن استقر الطب الروحاني ‏عند المسلمين وتحددت معالمه في القرآن الكريم، وبين النبي صلى الله عليه ‏وسلم بفعله وقوله. حتى قال أبو سعيد الخـدري رضـي الله عنه: "كان رسول الله ‏صلى الله عليه وسلك يتعوَّذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان، فلمّا ‏نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما"(297). وأمّا ما روي عن أبي بكر فهو محمول على ‏أنه كان في بداية الإسلام، وقبل تحديد معالم الطب الروحاني الإسلامي. أمّا بعد ‏استقراره فلا يجوز للمسلم أن يسترقي بما عند غير المسلمين من رقى.‏
ثانياً: أن يكون الراقي عدلاً في دينه. ‏
نبه كثير من العلماء إلى ضرورة تحقق العدالة والصلاح في الراقي الذي يرقى ‏بذكر الله تعالى وأسمائه وصفاته، لأن الشفاء الذي يأذن به الله تعالي يحصل على ‏لسان الراقي الصالح. دون الطالح. قال ابن التبين: "الرقى بالمعوذات وغيرها من ‏أسماء الله هو الطب الروحاني إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء ‏بإذن الله"(298). وقال الخطابي: "الرقية التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏هو ما يكون بقوارع القرآن وبما فيه ذكر الله على ألسن الأبرار من الخلق الطاهرة ‏النفوس وهو الطب الروحاني. وعليه كان معظم الأمر في الزمان المتقدم الصالح ‏أهله. فلما عزّ وجود هذا الصنف من أبرار الخليقة مال الناس إلى الطب الجسماني، ‏حيث لم يجدوا للطب الروحاني نجوعاً في الأسقام، لعدم المعاني التي كان يجمعها ‏الرقاة المقدمة من البركات"(299). ولأن لنفس الراقي أثراً في نفس المرقي، فالنفس ‏الصالحة الطيبة إذا التقت بنفس المريض (المرقي) حصل بينهما فعل وانفعال، ‏كالذي يحصل بين الداء والدواء؛ فإذا أصاب الدواء الداء برئ.. بإذن ‏
‏297- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في الرقية ‏بالمعوذتين ح(2065) وقال: هذا حديث حسن غريب. والنسائي في سننه: ‏كتاب الاستعاذة: باب الاستعاذة من عين الجان ح(5509). وابن ماجة في ‏سننه: كتاب الطب: باب من استرقى من العين ح(3511). وانظر تحفة ‏الأشراف ح(4327). وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1681). ‏
‏298- انظر فتح الباري لابن حجر (10/198) ش ح(5736).‏
‏299- انظر عمدة القاري للعيني (17/403).‏
الله تعالى. قال ابن القيم: "ونفس الراقي تفعل في نفس المرقي فيقع بين نفسيهما فعل ‏وانفعال، كما يقع بين الداء والدواء، فتقوى نفس المرقى وقوته بالرقية على ذلك ‏الداء فيدفعه بإذن الله. ومدار تأثير الأدوية والأدواء على الفعل والانفعال، وهو كما ‏يقع بين الداء والدواء الطبيعيين؛ يقع بين الداء والدواء الروحانيين(300). ومما يؤيد ‏ذلك تبرك الصحابة رضوان الله عليهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يؤتى ‏إليه صلى الله عليه وسلم بالمرضى وأصحاب العاهات والمجانين فيمسح عليهم بيده ‏الشريفة، فيزول ما بهم من مرض وجنون وعاهة(301). ووضع يده الشريفة صلى ‏الله عليه وسلم على يد حنظلة بن حذيم وبرَّك عليه فكان حنظلة يؤتى بالرجل الوارم ‏وجهه، أو الشاة الوارم ضرعها، فيقول: "بسم الله" على موضع كف رسول الله، ‏فيمسحه فيذهب الورم(302).‏
‏ وحقيقة عدالة الراقي: هي صفة في الإنسان تحمله على أداء ما وجب عليه ‏من فرائض وواجبات: كالقيام بالصلاة، والصيام، والزكاة، والتحلي بالأخلاق ‏الفاضلة من صدق وأمانة وتقوى ومروءة، كما تحمله على اجتناب الكبائر من شرك ‏بالله، وسحر، وكذب، وبدعة مكفرة، وإصرار على صغائر الذنوب، وتجنب ما فيه ‏خسة من التصرفات(303). ‏
فإذا ترك شيئاً مما وجب عليه، أو أتى شيئاً مما يجب عليه اجتنابه؛ فليس بعدل ‏ولا يجوز للمسلم أن يسترقيه؛ لأنه غير أهل أن يجري الله على يديه الشفاء ‏بالرقى والتمائم. ولذا لا يجوز استرقاء العصاة والسحرة والكهنة والعرافين أو من
‏ ‏
‏300-انظر الطب النبوي لابن القيم (178-179).‏
‏301-انظر نسيم الرياض في شرح الشفاء للقاضي عياض ‏‏(3/147).‏
‏302-ذكره الهيثمي في المجمع (9/408) وقال: رواه الطبراني ‏في الأوسط والكبير بنحوه، وأحمد في حديث طويل ورجال أحمد ‏ثقات.‏
‏303-انظر التعريفات للجرجاني (191) والتوقيف على مهمات ‏التعاريف للمناوي (505).‏
يستعمل وسائلهم. كما نبه إلى ذلك الإمام مالك وبينه الباجي: "كأن يرقى وفى يده ‏حديدة، أو ملح، أو عقد في خيط؛ ووجه ذلك عند الباجي- أنه لم يعرف وجه منفعته ‏فإنه يكره استعماله لما يضاف إليه"(304). ‏
ومما يدل على عدم جواز استرقاء الكهنة والعرافين ما روى البخاري –‏بسنده– عن عائشة رضي الله عنها قالت: "سأل ناس رسول صلى الله عليه وسلم ‏عن الكهان؛ فقال: ليس بشيء. فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثوننا أحياناً بشيء ‏فيكون حقاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تلك الكلمة من الحق يخطفها ‏الجني، فيقرها في أذن وليه، فيخلطون معها مائة كذبة"(305). فهو يدل على النهي ‏عن إتيان الكهان. ‏
قال القرطبي: "يجب على من قدر على ذلك من محتسب وغيره أن يقيم من ‏يتعاطى شيئاً من ذلك من الأسواق، ويُنكِّر عليهم أشد النكير وعلى من يجيء إليهم، ‏ولا يغتر بصدقهم في بعض الأمور، ولا بكثرة من يجيء إليهم ممن ينسب إلى العلم ‏فإنهم غـير راسخين فـي العـلم، بل من الجهـال بما في إتيانهم من المحذور" ‏‏(306). وروى مســلم -بســنده- عن صفية عن بعض أزواج النبـي صلى الله عليه ‏وسلم قال: "من أتى عرافاً فســأله عن شيء، لم تقبل له صــلاة أربعيـن ليلة"(307).‏

‏304-انظر المنتقى للباجي (7/258).‏
‏305-أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب الكهانة ‏ح(5762) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب تحريم الكهانة ‏وإتيان الكهان ح(2228) وانظر تحفة الأشراف ح(17349).‏
‏306-انظر فتح الباري لابن حجر (10/221) ش ح(5762).‏
‏307-أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب تحريم الكهانة ‏وإتيان الكهان ح(2230) وأحمد في مسنده (4/68) و (5/380) ‏والبيهقي في الكبرى: كتاب النكاح: باب إتيان النساء في أدبارهن ‏‏(7/198). ‏
وفى رواية لأبى داود قال صلى الله عليه وسلم: "من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد ‏بريء مما أنزل الله على محمد"(308).‏
حل السحر بالسحر.‏
قد يتبادر إلى الذهن سؤال وهو: هل يجوز لمن سُحر أن يأتي السحرة والكهان ‏لحل السحر عنه؟ ‏
اتفق الفقهاء على أن السحر يحل بالرقى والتمائم الشرعية، واختلفوا في جواز حل ‏السحر بالسحر.‏
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من المالكية في قول، والحنابلة في قول وابن القيم ‏من الحنابلة إلى عدم جواز إتيان الكُهّان والعرافين لحل السحر بالسحر. وهو منقول ‏عن ابن مسعود، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين. واستدلوا لذلك بعموم الأدلة ‏التي تنهى عن إتيان الكهان والعرافين. فقد روي عن الحسن البصري أنه قال: "لا ‏يحل السحر إلا ساحر". وروى عن محمد بن سيرين، أنه سئل عن امرأة يعذبها ‏السحرة فقال رجل: أخط خطا عليها وأغرز السكين عند مجمع الخط وأقرأ القرآن. ‏فقال محمد بن سيرين ما أعلم بقراءة القرآن بأساً، وما أدري ما الخط ‏والسكين"(309).‏
‏308- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في الكاهن ‏ح(3904) والترمذي في سننه: كتاب الطهارة: باب ما جاء في ‏كراهية إتيان الحائض ح(135). وقال لا نعرف هذا الحديث إلا ‏من حديث حكيم الأشرم عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي هريرة. ‏وابن ماجة في سننه: كتاب الطهارة: باب النهي عن إتيان الحائض ‏ح(639) وانظر تحفة الأشراف (13536) وأخرجه أحمد في ‏مسنده (2/408-476) والبيهقي في الكبرى (7/198) والطحاوي ‏في شرح معاني الآثار (3/44) وصححه الألباني في صحيح سنن ‏الترمذي ح(116). ‏
‏309-انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (2/49) والتاج ‏والإكليل لمختصر خليل للمواق مع مواهب الجليل (6/256) ‏والمغنى لابن قدامة (8/154) وفتح الباري لابن حجر (10/233) ‏ش ح(5765) وعمدة القاري للعيني (17/224). ‏
القول الثاني: ذهب المالكية في قول، والحنابلة في قول إلى جواز حل السحر ‏بالسحر للضرورة، وهو مروي عن سعيد بن المسيب. ‏
وتوقف فيه الإمام أحمد. قال ابن قدامة: "توقف أحمد في الحل، وهو إلى ‏الجواز أميل(310). وروى البخاري عن قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طب ‏أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس إنما يريدون به الإصلاح فإن ‏ما ينفع لم ينه عنه"(311). ‏
والراجح عدم جواز حل السحر بالسحر، لأن حله بالرقى الشرعية ممكن. فلا ‏يصار إلى الحرام مع وجود المشروع ولو للإصلاح والضرورة، لأن الضرورة ‏تكون في حالة عدم وجود طريقة مشروعة. ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 07:54 PM
ثالثاً: أن يعتقد الراقي أن الله هو الشافي.‏
اتفق العلماء على أنه ينبغي على الراقي أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن الشافي هو الله ‏سبحانه وتعالى، وأن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بإذن الله تعالى وقدرته، لأن الذي ‏أنزل الداء هو الذي أنزل الدواء، وهو الذي يرفع البلاء ويدفعه(312)، وإلا وقع ‏الراقي في شرك الأسباب الذي أشرنا إليه سابقاً، فمن قال: إن الأسباب بما فيها ‏الرقى تؤثر بطبعها في المريض فتشفيه فقد أشرك بالله تعالى وكفر. ويدل على ذلك ‏ما يلي: ‏
‏310-انظر المراجع السابقة.‏
‏311-أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم في كتاب الطب: باب ‏هل يستخرج السحر- انظر فتح الباري لابن حجر (10/232) ‏وقال الحافظ ابن حجر في التعليق (5/49) رواه الأثرم في السنن ‏وساق إسناده ثم قال: ,إسناده صحيح.‏
‏312-انظر حاشية ابن عابدين (6/364) والذخيرة للقرافي ‏‏013/311) والمجموع للنووي (9/56) وفتح الباري ‏لابن حجر (10/195) ش ح(5735) والآداب الشرعية لابن مفلح ‏‏(2/455).‏
‏1-‏ قوله تعالى:‏
‏(أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو ‏أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون)(313). ‏
فالآية تخاطب المشركين الذين كانوا يعترفون أن الله عز وجل هو الخالق ‏للأشياء كلها، لكنهم يتوجهون بالدعاء والعبادة إلى غير الله ليكشف عنهم الضر، ‏ويدفع البلاء؛ مع أنه لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً. ‏
‏2-‏ وروى الترمذي –بسنده– عن النبي صلى الله عليه وسلم: من تعلق شيئاً وكل ‏إليه"(314). وفى رواية: "من علق تميمة فقد أشرك"(315). وفى رواية: "من ‏تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له"(316). ‏
فهي تدل على أن التمائم لا تؤثر بذاتها، ومن اعتمد عليها بذاتها فقد أشرك، ‏ويوكل شفاؤه إلى تلك التمائم فلا يحصل الشفاء له.‏
‏313- سورة الزمر: (38).‏
‏314-أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في كراهية ‏التعليق ح(2079) وقال: وفي باب عن عقبة بن عامر: قال المبارك ‏فوري في التحفة (6/201) وحديث عقبة بن عامر أخرجه أحمد وأبو ‏يعلي والطبراني بمعناه. قال الهيثمي في المجمع: رجاله ثقات. ‏وأخرجه أحمد في مسنده (4/310-311) والحاكم في مستدركه ‏‏(4/216) وسكت عنه هو والذهبي. والبغوي في شرح السنة ‏‏(12/160) وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1691).‏
‏315-أخرجه أحمد في مسنده (4/156) وقال الهيثمي في المجمع: ‏رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات (5/103) وأخرجه الحاكم ‏في مستدركه (4/219) وسكت عنه وكذلك الذهبي. قال الألباني: ‏وهذا إسناد صحيح. رجاله ثقات رجال مسلم غير دخين وهو ابن ‏عامر الحجري أبو ليلي المصري وثقة يعقوب بن سفيان وابن حبان ‏وصحح له الحاكم (4/384) وقد أخرجه (4/219) من طريق أخرى ‏عن يزيد بن أبي منصور- انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ‏ح(492).‏
‏316-أخرجه أحمد في مسنده (4/154) والهيثمي في المجمع ‏‏(5/103) وقال: رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني ورجالهم ثقات. ‏والحاكم في مستدركه (4/216) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم ‏يخرجاه ووافقه الذهبي. والحديث حسن لغيره- راجع الترغيب ‏للمنذري وهامشه (4/202-203) ح(5065) و(5066) بتحقيق ‏محي الدين مستو وآخرين. وانظر تحفة الأحوذي (6/201) ‏والضعيفة للألباني ح(1266). ‏
‏3-‏ وروى البخاري -بسنده– عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه ‏وسلم كان يعوِّذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: "اللهم رب الناس أَذهب ‏الباس واشف، أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً"(317). ‏
فقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن كل ما يقع من الدواء والتداوي إن لم ‏يصادف تقدير الله عز وجل لم ينجح(318). ‏
رابعاً: أن يكون الراقي خبيراً بطرق المعالجة بالرقية الشرعية.‏
‏ ينبغي أن يستعان في كل شيء بأعلم أهله، أو بالمختصين فيه. وعلم الرقى ‏الشرعية أو الطب النبوي أصبح علماً قائماً بذاته، وهو: "علم باحث عن الطب الذي ‏ورد في الأحاديث النبوية الذي داوى به المرضى"(319). وقد أفرد بكتب خاصة في ‏مجامع السنة النبوية، ففي صحيح البخاري كتاب الطب، وفى سنن الترمذي كـتاب ‏الطب، وفى سنن أبى داود كتاب الطب .. إلخ. كما وأفرد بمؤلفات مستقلة مثل: ‏الطب النبوي لأبى نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني (430هـ)، الطب النبوي لجعفر ‏بن محمد المستغفري (432 هـ)، والطب النبوي لمحمد بن أبى بكر ابن قيم ‏الجوزية ( 751 هـ ). هذا بالإضافة إلى كتب الأذكار والدعوات التي أفردها ‏المصنفون بكتب مستقلة. وقد اشتملت هذه الكتب وغيرها على وصفات لكل مرض، ‏وطرق متعددة للمعالجة، وعوارض لبعض الأمراض وأسبابها، وغير ذلك. ‏
‏317-أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ‏ح(5675) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض ‏ح(2191) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ‏ح(3883) والترمذي في سننه: كتاب أحاديث شتى: باب في دعاء المريض ‏ح(3576) وقال هذا حديث حسن وابن ماجة في سننه: كتاب الجنائز: باب ‏ما جاء في ذكر مرض الرسول (صلى الله عليه وسلم) ح(1619) وانظر ‏تحفة الأشراف (17638) وأخرجه أحمد في مسنده (3/267) ‏و(4/259)و(6/42) والنسائي في اليوم والليلة ح(1042) وابن السني في ‏اليوم والليلة ح(543) قال النووي: الحديث فيه استحباب مسح المريض ‏باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحه جمعتها في كتاب ‏الأذكار انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/180).‏
‏318-انظر عمدة القاري للعيني (17/407).‏
‏319-انظر أبجد العلوم لصديق حسن (2/360).‏
واستيعاب ما في هذه الكتب من معلومات يحتاج إلى همة عالية وذكاء، لأن العلم ‏بالتعلم. ونبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن علم الرقى يحتاج إلى التعلم في ‏حديث الشفاء بنت عبد الله حيث قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏وأنا عند حفصة فقال: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة"(320). ‏
ولمّا كان الناس متفاوتين في استعدادتهم وأفهامهم ومداركهم واستيعابهم فلا بد أن ‏يتفاوتوا في تحصيلهم العلمي لهذا العلم وإتقانهم له. وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد ‏من الاستعانة في علاج الأمراض بالرقى الشرعية بأعلم الناس بها، وأحذقهم، ‏وأتقاهم، وأورعهم، وأكثرهم خشية من الله تعالى. ‏
المطلب الثالث: الضوابط الشرعية للمرقي.‏
‏ المرقي هو محل الرقية. وهو يشمل الإنس، والجن، والحيوان. وسوف أقتصر في ‏هذا المطلب على الإنسان، لأنه محل التكريم من الله تعالى. ‏
أولاً: أن يعتقد المرقى أن الشافي هو الله.‏
ينبغي على المرقي أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن الشافي هو الله سبحانه وتعالى، كما ‏بينت في اعتقاد الراقي؛ لأن ذلك الاعتقاد أنفع علاج له. فإن وجد الراقي إيمان ‏المرقى واعتقاده في ذلك ضعيفاً قواه بإعطائه درساً في العقيدة، يبين فيه أن كمال ‏التلقي للعلاج يحصل بالإيمان بالله تعالى، والإذعان له، والاعتقاد بأنه الشافي ولا ‏شفاء بعده، وأن هذه الرقى لا تؤثر بذاتها، وإنما بقدر الله. ولذا فلا ينتفع بها من ‏أنكرها، أو سخر منها، أو شك فيها أو فعلها مجرباً لا يعتقد أن ذلك ينفعه(321). ‏
‏320-أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في الرقى ح(3887). ‏وأحمد في مسنده (6/372). والحاكم في مستدركه (4/14) عن أبي ‏حثمة القرشي أن رجلاً من الأنصار خرجت به نملة فدل أن الشفاء بنت عبد الله ‏ترقي من النملة فجاءها فسألها أن ترقيه فقالت: والله ما رقيت منذ أسلمت فذهب ‏الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي قالت الشفاء، فدعا ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفاء فقال: "اعرضي علي فعرضتها عليه فقال: ‏أرقيه وعلميها حفصة كما علمتيها الكتابة"- قال الحاكم: هذا حديث صحيح على ‏شرط الشيخين ووافقه الذهبي. والبيهقي في السنن: كتاب الضحايا: باب اباحة ‏الرقية (9/349). انظر صحيح سنن أبي داود للألباني ح(3291). ‏النملة: قروح تخرج في الجنبين، ويقال أيضاً أنها تخرج في غير الجنب ترقى ‏فتذهب بإذن الله قال الخطابي: وفي الحديث دليل على أن تعليم الكتابة للنساء غير ‏مكروه- معالم السنن (5/364). ‏
‏321-انظر الطب النبوي لابن القيم (171) وفتح الباري لابن حجر (10/205) ‏ش ح(5740) والآداب الشرعية لابن مفلح (3/98).‏
ثانياً: أن يتعاطى الرقى للعلاج من الأمراض عند بعض الفقهاء.‏
‏ الرقى والتمائم يتعاطاها المريض لعلاج الأمراض، فلا يجوز أن يتعاطاها الصحيح ‏للوقاية من الأمراض والاحتراز منها عند الإمام مالك في رواية، وأحمد في رواية ‏الخلال(322)، لقول عائشة رضي الله عنها: "التمائم ما علق قبل نزول البلاء، وما ‏علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة"(323). أي أن التميمة المنهي عنها ما علقت قبل ‏نزول البلاء، وأما ما علق بعد نزول البلاء فليس من التمائم المنهي عنها.‏
وخالف في ذلك الشافعية، ومالك في رواية أشهب وأحمد في رواية، حيث ‏ذهبوا إلى عدم اشتراط هذا الشرط، فأجازوا الرقية للصحيح والمريض لعموم أدلة ‏جواز الرقية .؟
والراجح ما ذهب إليه الشافعية ومن معهم من عدم اشتراط هذا الشرط، لأنه ‏ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما أنه كان يقرأ ‏بالمعوذات قبل النوم خوفاً من الشيطان والجن. ‏
ثالثاً: صيانة الرقى عن الإهانة. ‏
ينبغي على المرقى أن يحافظ على الرقى التي يستعملها ويصونها عن الإهانة ‏لأنها تتضمن آيات من القرآن الكريم وأسماء الله وصفاته. فإن كانت تمائم تعلق على ‏جسده فإنها تلف لفاً محكماً وتحفظ في وعاء من شمع، أو كيس من جلد، بحيث لا ‏تتسرب إليها النجاسة والقاذورات. ولا يدخل بها بيت الخلاء، ولا يقعد عليها، ‏وينـزعها عند الجماع(324). وإن كانت سائلاً مقروءاً عليه أعد للشرب سمى الله على ‏كل نفس وعظم النية فيه، فإن الله يؤتيه على قدر نيته. وإن كان معداً للاغتسال فلا ‏يصبه على كناسة، أو في حفرة نجاسة، أو على موضع يوطأ. ولكن يصبه ناحية ‏من الأرض في بقعة لا يطأها الناس، ويحفر حفرة في موضع طاهر ويصبه ‏فيها(325). ‏
‏322-انظر الجامع لابن رشد (310) والقوانين لابن جزي (486) والآداب ‏الشرعية لابن مفلح (2/460).‏
‏323- انظر المراجع السابقة والإفادة لابن حجر الهيثمي (77) وفتح الباري ‏لابن حجر (10/196) ش ح(5735).‏
‏324-انظر حاشية ابن عابدين (6/364) والفتاوي الهندية (5/356) واسهل ‏المدارك (3/367) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/320) ومغنى ‏المحتاج (1/37) وحاشية الجمل (1/76) والآداب الشرعية لابن مفلح ‏‏(1/457).‏
‏325-انظر نوادر الأصول للحكيم الترمذي (335).‏
رابعاً: أن يبتعد المرقى عن المعاصي في فترة العلاج وبعدها. ‏
ينبغي على المرقي أن يبتعد عن المعاصي صغيرة كانت أو كبيرة- في ‏جميع الأوقات وبخاصة في أثناء العلاج، فلا يستمع للغناء، ولا يتناول الدخان، ولا ‏يهمل في صلاته. وإذا كانت امرأة فلا تتبرج، ولا تخرج كاسية عارية، فإن فعل ‏الطاعات واجتناب المعاصي من أعظم العلاجات كما قال ابن القيم: "من أعظم ‏علاجات المرضى فعل الخير والإحسان، والذكر والدعاء، والتضرع والابتهال إلى ‏الله، والتوبة، ولهذه تأثير في دفع العلل وحصول الشفاء أعظم من الأدوية ‏الطبيعية "(326).‏
326- انظر الطب النبوي لابن القيم (114). ‏
خاتمة
بعد عرض موضوع البحث وهو التداوي بالرقى والتمائم، تتضح بعض ‏النتائج التالية:‏
‏1-‏ القرآن الكريم دواء من عند ربنا شفاء لأمراض عقولنا، وأمراض نفوسنا، ‏وأمراض أبداننا، وأمراض مجتمعاتنا لا تنقضى عجائبه، ولا يخلق من كثرة ‏الرده والاستعمال؛ ينبغي الاستفادة منه في جميع الحالات. ‏
‏2-‏ ‏ يغلب على الرقى والتمائم في الجاهلية التأثر بالشرك والسحر والخرافة، ‏فيمنع استعمالها، وتجب محاربتها. ‏
‏3-‏ الرقى والتمائم في الإسلام منزهة عن الشرك والسحر والخرافة، وموافقة لما ‏في القرآن والسنة من سور وآيات وأدعية مأثورة، فيجوز استعمالها؛ ولا ‏يتنافى ذلك مع التوكل على الله تعالى، ولا مع الإيمان بالقضاء والقدر.‏
‏4-‏ النفث والمسح المصاحبان لقراءة الرقية جائزان شرعاً لفعل النبي صلى الله ‏عليه وسلم لهما أثناء الرقية. ‏
‏5-‏ تعليق التمائم المكتوب فيها آيات من القرآن الكريم وأدعية وأذكار جائز شرعاً ‏شريطة أن يصان عن الإهانة. ‏
‏6-‏ تعاطى سوائل (ماء، زيت زيتون، زيت الحبة السوداء) الرقى والتمائم سواء ‏أكانت غسالة أو مقروءاً عليها جائز شرعاً شريطة أن يصونها المرقى عن ‏الإهانة. ‏
‏7-‏ يشترط في الرقية الشرعية: أن يكون لها أصل في القرآن والسنة، وأن تكون ‏منزهة عن الشرك والسحر والخرافة، وأن تكون بلغة مفهومة المعنى. ‏
‏8-‏ يشترط في الراقي الممارس للرَّقية: أن يكون مسلماً، عدلاً في دينه، معتقداً ‏اعتقاداً جازماً بأن الله هو الشافي، خبيراً بأمور الرقية. ‏
‏9-‏ يشترط في الإنسان المرقى، أن يكون معتقداً بأن الله هو الشافي، مطمئناً ‏للعلاج بالرقى، محافظاً لما يستعمله منها. ‏
‏10-‏ العلاج بالرقى والتمائم الشرعية لا يلغي وجود الطب الجسماني والطبيعي، ‏وينبغي الاستفادة منهما دون إفراط في أحدهما أو تفريط في الآخر.‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 07:56 PM
فتاوي صادرة عن قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية ‏
بشـأن

التــشـــافــــي بـالقـــــــرآن









بسم الله الرحمن الرحيم

وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ‏
إدارة الإفتـاء والبحـوث الشرعية هيئـة الفتــوى ‏
‏(لجنـة الأمور العامة) ‏

التاريخ : 20 / 1 / 1413 هـ ‏ الموافق : 21 / 7 / 1992 ‏م ‏

فتوى رقم 87 ع / 92‏

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه ‏وبعد، فقد عرض على لجنة الأمور العامة في هيئة الفتوى في جلستها المنعقدة ‏صباح يوم الخميس 15 محرم 1413هـ الموافق 16 / 7 / 1992م الاستفتاء المقدم ‏من ونصه: ما حكم الشرع في طريقة العلاج بالقرآن حسب الأوراق المرفقة. ‏
وبعد اطلاع اللجنة على الأوراق المرفقة أجابت اللجنة بما يلي: ‏

تجوز الرقية بشروط ثلاثة: ‏
أولها ‏: أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته. ‏
ثانيها ‏: أن تكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره. ‏
ثالثها ‏: أن يعتمد الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بإذن الله تعالى ‏وقدرته. ‏

لما روى عوف بن مالك رضي الله عنه قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا يا ‏رسول الله كيف ترى في ذلك فقال صلى الله عليه وسلم اعرضوا عليَّ رقاكم لا ‏بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك (أخرجه مسلم). ‏
أما الرقى المرفقة بالفتوى فهي وإن كانت من آيات القرآن الكريم إلا أن ‏تخصيص الآيات المذكورة بما يقابلها من أمراض مخصوصة على أن تقرأ مرات ‏بعدد معين هو تخصيص بلا مخصص فلا يكون العمل به مشروعاً فضلاً عما فيها ‏من حمل للآيات على غير معانيهــا كما في ألم الأذن والاصفرار والحصر والدم ‏ونحوها كثير، كما أنه قد وردت

بعض الصيغ فيها تحريف لنص الآية الكريمة كما في رقية الأمراض الجلدية حيث ‏كررت كلمة "موتوا" سبع مرات. ‏
لهذا ترى اللجنة عدم مشروعية الرقى بهذه الآيات الكريمة على النحو الوارد ‏في السؤال والله أعلم. ‏




رئيس قطاع
الإفتــاء والبحــوث الشرعيــة

المديـــر العـــام للإفتــاء والبحـــوث الشرعيـــة
مشعل مبارك عبد الله الأحمد الصباح





















‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏

وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ‏
إدارة الإفتـاء والبحـوث الشرعية ‏
هيئـة الفتــوى ‏
‏(لجنـة الأمور العامة) ‏

التاريخ : 27 محرم 1415 هـ ‏ الموافق : 6 / 7 / 1994 ‏م ‏

فتوى رقم 3ع / 94‏

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:‏
فقد عرض على لجنة الأمور العامة في هيئة الفتوى في اجتماعها المنعقد صباح يوم ‏السبت 3 من محرم 1415هـ الموافق 12 / 6 / 1994 الاستفتاء المقدم من رئيسة ‏لجنة الاستشفاء بالقرآن الكريم في وزارة الصحة، ونصه: ‏
تتقدم لجنة الاستشفاء بالقرآن الكريم في مركز الكويت لمكافحة السرطان لأصحاب ‏الفضيلة أعضاء لجنة الفتوى بجزيل التحية والتقدير على جهودهم المخلصة في ‏خدمة الإسلام والمسلمين متمنين لكم دوام التوفيق. ‏
تعتزم لجنة الاستشفاء بالقرآن الكريم اتخاذ القرآن الكريم كأسلوب علاجي للمريض ‏يتحقق من خلاله رقية المريض بالماء والزيت كما ورد عن رسولنا عليه أفضل ‏الصلاة والتسليم في دعائه المأثور. جاء جبريل عليه السلام إلى النبي (صلى الله ‏عليه وسلم) وهو موجع فقال يا محمد اشتكيت؟ قال نعم. فقال بسم الله أرقيك من كل ‏شيء يؤذيك ومن شر كل نفس أو عين وحاسد: بسم الله أرقيك والله يشفيك. لهذا ‏تتقدم لكم بطلب بيان الحكم الشرعي في اتخاذ الرقية كأسلوب علاجي للأمراض ‏المستعصية. ‏

وقد أجابت اللجنة بالتالي: ‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز الرقية من كل داء يصيب الإنسان بشروط أربعة:‏
الأول ‏: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته وبالمأثور الثابت عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم، وبذكر الله مطلقاً. ‏

الثاني ‏: أن يكون بكلام مفهوم المعنى، وألا يستعمل فيها الطلاسم والرموز التي ‏لا يفهم معناها. ‏
الثالث ‏: أن يعتقد الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بإذن الله تعالى ‏وقدرته. ‏
الرابع ‏: أن لا تشتمل الرقية على شرك أو معصية. ‏
وقد روي عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: كنا نرقى في الجاهلية، فقلنا: يا ‏رسول الله، فكيف ترى في ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: اعرضوا عليَّ رقاكم، لا ‏بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك. أخرجه مسلم. ‏
وقد روي جواز القراءة على الماء عن ابن عباس، وعائشة، ومجاهد، وأبي قلابة، ‏وابن تيمية، والقاضي عياض. ‏
وعلى ذلك فترى اللجنة جواز القراءة على الماء ثم شربه أو الاغتسال أو التمسح ‏به. ‏
وأما القراءة على زيت الزيتون والادهان به فلا ترى اللجنة بأسا به أيضاً قياساً ‏على الماء، ولأنه من شجرة مباركة، وذلك ما لم يكن في استعماله ضرر على ‏المريض. ‏
وتنبه اللجنة إلى أن هذا النوع من الرقى لا يكون حائلاً دون التطبب لدى الطبيب، ‏وبخاصة أن التداوي قد أمر به في نصوص متعددة، والله أعلم، وصلى الله على ‏نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ‏

‏ ‏



رئيس قطاع
الإفتــاء والبحــوث الشرعيــة

المديـــر العـــام للإفتــاء والبحـــوث الشرعيـــة
مشعل مبارك عبد الله الأحمد الصباح







‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏

وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ‏
إدارة الإفتـاء والبحـوث الشرعية ‏
هيئـة الفتــوى ‏
‏(لجنـة الأمور العامة) ‏

التاريخ : 9 من ربيع الآخر 1417هـ ‏ الموافق : 24 / 8 / 1996 ‏م ‏

فتوى رقم 138 ع / 96‏

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:‏
فقد عرض على لجنة الأمور العامة في هيئة الفتوى في اجتماعها المنعقد صباح يوم ‏الثلاثاء 23 من صفر 1417هـ الموافق 9 / 8 / 1996، الاستفتاء المقدم من / ‏، ونصه: ‏
لوحظ في الآونة الأخيرة قيام بعض الأدعياء والزاعمين بالإعلان في الصحف ‏المحلية مدعين قدرتهم على العلاج بالقرآن الكريم مستغلين جهل البسطاء وسهولة ‏خداعهم وأكل أموالهم بالباطل ولا يخفى عليكم أن القرآن الكريم دستور خالد نزل ‏لهداية الناس والتشريع لهم وتنظيم عباداتهم ومعاملاتهم وقد جاءت جميع آيات ‏القرآن الكريم مؤكدة هذه الحقيقة مثل قوله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا ‏آياته) (29ص)، (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه) (64 ‏النحل)، (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) (2 البقرة)، وغير ذلك من الآيات ‏الكثيرة الدالة على مراد الشارع الحكيم من إنزال الكتب السماوية وخاصة القرآن ‏الكريم. ‏
ورغبة في حفظ كتاب الله عن امتهان الأدعياء والزاعمين، ونأياً به عن أن يستغل ‏لكسب غير مشروع فإنني التمس من سيادتكم إصدار فتوى بهذا الخصوص تبين ‏الضوابط الشرعية لهذا العمل لتكون مرجعاً لمن أراد معرفة الحكم الشرعي. ‏




وقد أجابت اللجنة بالتالي: ‏
ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز الرقية بالقرآن من كل داء يصيب الإنسان لقوله ‏تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين...) ولما أخرجه البخاري ‏في صحيحه عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه سألت عائشة رضي الله عنها عن ‏الرقية من الحمة فقالت: رخص النبي صلى الله عليه وسلم الرقية من كل ذي حُمَةٍ، ‏والحمة: ذوات العوم، وأيضاً لما أخرجه البخاري في صحيحه عند عائشة رضي ‏الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات ‏فيه بالمعوذتين فلما ثقل كنت أنفث عليه وأمسح بيده نفسه لبركتها. ‏
وجواز الرقية مشروط بأربعة أمور وهي: ‏
الأول ‏: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته أو بالمأثور الثابت عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم. ‏
الثاني ‏: أن يكون بكلام مفهوم المعنى، وألا يستعمل فيها الطلاسم والرموز التي لا ‏يفهم معناها. ‏
الثالث ‏: أن يعتقد الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بإذن الله تعالى ‏وقدرته. ‏
الرابع ‏: أن لا تشمل الرقية على شرك أو معصية. ‏
وقد روي عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: كنا نرقى في الجاهلية، فقلنا: يا ‏رسول الله، كيف ترى في ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: اعرضوا عليّ رقاكم، لا ‏بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك. أخرجه مسلم.‏
إلا أن اللجنة ترى التـنزه عن اتخاذ الرقية مهنةً لما فيها من تزكية الراقي لنفسه، ‏ولأنه قد يؤدي عدم تحقق الفائدة المرجوة أحياناً إلى تشكيك العوام في القرآن، ‏وضعف ثقتهم بأنه شفاء، هذا ولم يعهد العمل بذلك عن سلف الأمة وعلمائها. والله ‏تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ‏


رئيس قطاع
الإفتــاء والبحــوث الشرعيــة

المديـــر العـــام للإفتــاء والبحـــوث الشرعيـــة
مشعل مبارك عبد الله الأحمد الصباح


‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏

وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ‏
إدارة الإفتـاء والبحـوث الشرعية ‏
هيئـة الفتــوى ‏
‏(لجنـة الأمور العامة) ‏

التاريخ : 17 من شوال 1418هـ ‏ الموافق : 14 / 2 / 1998 ‏م ‏

فتوى رقم 215 ع / 97‏

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: ‏
فقد عرض على لجنة الأمور العامة في هيئة الفتوى في اجتماعها المنعقد صباح يوم ‏الثلاثاء 9 من شعبان 1418هـ الموافق 9 / 12 / 1997م، الاستفتاء المقدم من/ ‏‏(جريدة الأنباء)، ونصه: ‏
ما رأي فضيلتكم والسادة العلماء الكرام في لجنة الفتوى بمن يدعو إلى شراء مادة ‏تسمى (عرق الحلاوة) وهي متوفرة في محلات العطارة ويقوم بوضعها في قليل ‏من الماء ثم قراءة سورة "يس" على الماء المخلوط بمادة (عرق الحلاوة) ومسح ‏الماء بالمنزل، وأن ذلك يحمي المنزل من الجن.. وهل هذه الأمور كانت سائدة في ‏عصر النبوة. ‏

وقد أجابت اللجنة بالتالي: ‏
لا يوجد دليل شرعي على أن مادة عرق الحلاوة مع قراءة سورة ياسين عليها تنفع ‏في الحماية من الجن، ولم يثبت عن أحد الصحابة أو التابعين أو الأئمة أنه قال بذلك ‏أو فعله، وعليه فلا يجوز الاعتقاد بأن وضع عرق الحلاوة في الماء مع قراءة ‏سورة ياسين عليه ثم مسح الماء بالمنزل ينفع في التوقي من الجن لعدم قيام الدليل ‏الشرعي على صحته، ولا تجوز الدعوة إلى تبني هذا الاعتقاد لعدم صحته، إنما ‏الجائز شرعاً هو الرقية الشرعية بالشروط التالية: ‏
‏1-‏ أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه، أو صفاته، أو بالمأثور الثابت عن ‏النبي صلى الله عليه وسلم، أو بذكر الله مطلقاً.‏

‏ ‏
‏2-‏ أن تكون بكلام مفهوم المعنى، وألا تستعمل فيها الطلاسم والرموز التي لا ‏يفهم معناها. ‏
‏3-‏ أن يعتقد الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بإذن الله تعالى ‏وقدرته. ‏
‏4-‏ أن لا تشمل الرقية على شرك أو معصية. ‏

ولا بأس بتحصين البيت من الشياطين بما يلي: ‏
‏( أ ) قراءة المعوذتين والإخلاص: ‏
لحديث عبد الله بن حبيب قال: (خرجنا في ليلة مظلمة، نطلب رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم ليصلي لنا فأدركناه، فقال: قل، فلم أقل شيئاً، ثم قال: قل فلم أقل شيئاً ثم ‏قال: قل. قلت: يا رسول الله، ما أقول؟ قال: "قل هو الله أحد" والمعوذتين حين ‏تمسي، وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء) رواه الترمذي. وقال: حديث ‏حسن صحيح.‏
‏ ‏
‏( ب ) قراءة سورة البقرة لحديث: ‏
‏(اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا الزهراوين –البقرة ‏وآل عمران- فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما ‏فرقان من طير صواف، تحاجان عن صاحبهما، اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها ‏بركة وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة) قال معاوية بن سلام: بلغني أن البطلة ‏هم السحرة، رواه مسلم. ‏
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏قال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر وإن البيت الذي تقرأ فيه البقرة لا يدخله الشيطان) ‏رواه الترمذي، وقال عنه: حديث حسن صحيح. ‏

‏( جـ ) قراءة خواتيم سورة البقرة لحديث: ‏
إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم ‏بهما سورة البقرة، ولا يقرءان في دار ثلاث ليال فيقر بها الشيطان) رواه الترمذي ‏بإسناد حسن. ‏

‏( د ) قراءة آية الكرسي: ‏
لحديث أبي هريرة رضي الله عنه (لما وكله الرسول صلى الله عليه وسلم بحفظ ‏الصدقة، فتمثل له الشيطان بصورة إنسان محتاج إلى الطعام فجعل يحثو من ‏الطعام، فأخذه أبو هريرة رضي الله عنه وقال: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم وتكرر ذلك ثلاث ليال، إلى أن قال لـه: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله ‏بها. قال: وما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنك لن يزال ‏عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي صلى الله عليه ‏وسلم: أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ ‏قال: لا، قال: ذلك الشيطان) رواه البخاري. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا ‏محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ‏



‏ ‏

رئيس قطاع
الإفتــاء والبحــوث الشرعيــة

المديـــر العـــام للإفتــاء والبحـــوث الشرعيـــة
مشعل مبارك عبد الله الأحمد الصباح







‏ ‏













شكــر وتقديــــر

تتوجه الجمعية الكويتية لمكافحة التدخين والسرطان بخالص الشكر والتقدير لدولة ‏الكويت المضيافة أميراً وحكومة وشعباً على تفضلهم برعاية تلك الندوة والدعوة لها ‏وإحسان استقبال العلماء المشاركين فيها كما تتوجه بالشكر إلى معالي وزير العدل ‏والأوقاف والشئون الإسلامية الأسبق الأستاذ محمد ضيف الله شرار على رعايته ‏ودعمه للندوة وكذلك إلى مسئولي وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية على تعاونهم ‏الفعال لإنجاح الندوة، كما توجه الشكر إلى اللجنة المنظمة لها برئاسة الدكتور ‏يوسف يعقوب السلطان وتخص بالشكر المجهود الكبير الذي قام به الدكتور خالد ‏أحمد الصالح وكل من عاونه من الإداريين كما تتقدم بالشكر إلى فضيلة شيخ ‏الأزهر الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي على تفضله بإيفاد ممثل شخصي ‏لفضيلته وهو الأستاذ الدكتور عبد الله النجار، وتتوجه بالشكر إلى معالي وزير ‏الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة بالمملكة العربية السعودية معالي الأستاذ ‏الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي الذي أوفد إلى الندوة الأستاذ الدكتور ناصر ‏فقيهي، هذا وقد كان لمشاركة الأستاذ الدكتور محمد الأحمدي أبو النور رئيس لجنة ‏الصياغة ووزير الأوقاف الأسبق بمصر أثر كبير في إثراء الندوة ودعم مناقشتها. ‏وتشكر الندوة كافة الذين شاركوا بالحضور والمناقشات سواء بالندوات الخاصة أم ‏بالمحاضرات الجماهرية. ‏
وترفع كذلك الجمعية أسمى آيات التقدير والامتنان إلى معالي وزير العدل والأوقاف ‏والشئون الإسلامية أحمد باقر العبد الله لتبنيه ودعمه أللا محدود لنشر هذه الوثيقة، ‏إذ كان لمعاليه نظرة ثاقبة وفكر سديد ورأي صائب لأهمية نشر أبحاث من هذه ‏الندوة لما فيه الخير والسلام إن شاء الله للأمة العربية والإسلامية.‏
كما ترفع الجمعية جزيل الشكر إلى الشيخ مشعل مبارك عبد الله الأحمد الصباح ‏رئيس قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية لرحابة ‏صدره وتشجيعه أللا محدود لإعداد هذه الوثيقة. ‏


وفق الله الجميع لما يحب ويرضى وبالله التوفيق ،،،

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 07:58 PM
الرقى الشرعية ‏

الدكتور فلاح إسماعيل مندكار

بسم الله الرحمن الرحيم ‏

‏ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله ‏فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمداً ‏عبده ورسوله.‏
‏(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)(327).‏
‏(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا ‏كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)(328).‏
‏(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع ‏الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً)(329).‏

أما بعد، ‏
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ وشر ‏الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.‏
يقول الله تعالى: ‏
‏(وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)(330).‏
ويقول أيضاً جل وعلا:‏
‏(قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء)(331).‏
‏327-سورة آل عمران: (102).‏
‏328- سورة النساء: (1).‏
‏329- سورة الأحزاب: (70/71).‏
‏330- سورة الإسراء: (82).‏
‏331-سورة فصلت: (44). ‏
إن موضوع التدواي والرقية بالقرآن الكريم من أهم الموضوعات التي اعتنى بها المسلمون قديما ‏وحديثا، والتي استحوذت على أذهانهم، وشدت انتباههم، وأثارت تساؤلات كثيرة حول مفهوم هذا ‏التداوي، وأبعاده وجوانبه؛ لتحديد جدية هذا الاستشفاء، وكيفية الإفادة منه، مع مراعاة الجائز والممنوع ‏منه. وهذا يدل على حرص المسلمين على فهم كتاب ربهم والإفادة منه، وعلى البحث في ثناياه؛ تجلية ‏لإعجازه، وعظيم تنزيله من لدن حكيم خبير، تأكيداً وتصديقاً لقول الحق تبارك وتعالى: ‏
‏(وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)(332).‏
وكذلك يدل دلالة واضحة على حب المسلمين لحياة خالية من الأدواء ليكونوا أصحاء أقوياء، ‏ليكونوا أمة قوية سليمة من الأمراض والآفات والعلل التي توهن وتضعف المجتمع.‏
وكذلك يدل على حرصهم على سبل وأسباب الوقاية والعلاج في ظل توجيهات الدين الحنيف، ‏وعلى سعيهم لتحقيق ما جاء في الكتاب والسنة من الأمر والتوجيه بالعلاج والتداوي وعدم الاستسلام ‏للأمراض والعاهات. كل ذلك سعياً منهم إلى التطلع لنيل خيري الدنيا والآخرة، وليزدادوا إيماناً مع ‏إيمانهم، ويزدادوا يقينا على يقينهم في صدق وعد الله ووعد رسوله، وفي شهود روائع وعجائب ‏ومعجزات آيات الله تعالى ووحيه الكريم.‏
ومشاركة مني في ذلك، وإسهاما في بيان هذه الحقائق؛ كان هذا البحث المتواضع مني نصحا ‏لله ولكتابه ولرسوله وللأمة وأهل الإسلام.‏

الرقى الشرعية‏
وهو بحث موجز على ما تسمح به أطر هذا المؤتمر المبارك إن شاء الله، ‏
‏332- سورة فصلت: (41/42).‏
ومستعينا بعد الله عز وجل بما كتبه أهل العلم، ومستفيداً من جهودهم المباركة في بيان الحق. وأتقدم ‏بعد شكر الله عز وجل، بالشكر للقائمين على هذا المؤتمر، ولمن أسهم في عقده ماديا ومعنويا، ولمن ‏أسهم فيه علميا، وشارك في بحوثه. ‏

تمهـــيد ‏
إن القرآن الكريم شفاء للقلوب، فهو يزيل الران الذي يعتريها ويعلوها فيمرضها ويهلكها مما ‏يعرض عليها من الآفات بسبب الخرافات والأوهام والضلالات والبدع، وكذلك بسبب ما يرهقها من ‏الوساوس، والخطرات، والشبهات. فإن ذلك يجهد القلوب ويملؤها من الهموم والأحزان والشكوك، ‏ويحملها على الذل والعبودية لغير الله، وعلى الخوف من غير الله تبارك وتعالى.‏
فالقرآن فيه شفاء من هذا كله، لأنه حق، وكلام الله الحق. فإنه يتغلغل في القلوب ويصل إلى سويدائها ‏فتسكن وتطمئن، ثم تشعر بالتيقن من وعد الله المطلق في الحياة الدنيا وما بعدها.‏
قال تعالى: ‏
‏(الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ‏ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم ‏وأولئك هم المفلحون)(333).‏
ويقول أيضاً عز وجل:‏
‏ (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين هدى وبشرى للمؤمنين)(333-أ). ‏
ويقول أيضاً تبارك وتعالى:‏
‏ (.... فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن ‏الله)(334).‏
‏(333)- سورة البقرة: (1).‏
‏(333-أ)-سورة النمل: (1-2).‏
‏334- سورة البقرة: (102).‏
ويقول أيضاً عز من قائل: (الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين ‏يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدى به من يشاء)(335).‏
والقرآن الكريم شفاء للعقول والفكر الذي انحرف عن الاستقامة وسلامة التفكير وصحة التوبة ‏بسبب الأمراض التي تؤثر على التفكير، فتحول بين العقل وبين مقتضاه، وبين التفكير الصحيح ‏ولوازمه. وأمراض العقول هي الآصار والأغلال التي تقيد العقول وتنحرف بها عن الجادة القويمة ‏والتفكير الصحيح. فالقرآن الكريم شفاء لهذه العقول وتصحيح لمسار الفكر بتخليصها من غل التقليد، ‏ومن التعلق والتبعية لجهة غير معصومة، واتباعها بلا دليل ولا عقل ولا برهان. وبتخليصها أيضاً من ‏العثرات والسقطات في ضلالات موروثات الآباء ومألوفات الأجداد رغم ترديهم في العمى والخرافة، ‏وانحرافهم الفكري، وتلبسهم وخلطهم الحق بالباطل. فالقرآن الكريم شفاء للعقول وهداية ونور لتصحيح ‏مسارات الفكر لتتفق مع الفطرة التي خلقهم الله عز وجل عليها؛ فهو يحرر العقول من ذل التبعية ‏الخاطئة، ويعتق الضمائر البشرية لتمارس حقها في التفكير، ويطلق الفكر من القيود ليتدبر ويتأمل ‏ويستقل في ظل حدوده الشرعية.‏
قال تعالى:‏
‏(وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون أم آتيناهم كتاباً من قبله ‏فهم به مستمسكون. بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون. وكذلك ما أرسلنا من ‏قبلك في قرية من نذير إلا قـال مترفوها انا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. قال أو لو ‏جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة ‏المكذبين)(336).‏
‏335- سورة الزمر: (23). ‏
‏336- سورة الزخرف: (20-25).‏
وفى القرآن الكريم إرشاد للعقول بعد تحريرها من ذل التبعية، وتوجيه إلى الطريق السوي من ‏حيث صحة النظر، وتوجيه الفكر إلى النظر والتدبر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله، وفي ‏هذا شفاء للعقول من سقام الجهل، واختلال الفكر، وفساد الاستنتاج، وفيه أيضاً كفها عن تبديد الطاقات، ‏وإنفاق الجهود فيما يتعلق بما لا يغني ولا يجدي مثل أمور الغيب التي غيبها الله عن مدارك العقول ‏والحواس.‏
قال تعالى:‏
‏ (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب)(337). ‏
وقال تعالى:‏
‏ (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء)(338).‏
وقال تعالى:‏
‏ (وفى الأرض آيات للموقنين وفى أنفسكم أفلا تبصرون)(339).‏
وقال تعالى:‏
‏ (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما ‏رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون)(340).‏

‏337- سورة آل عمران: (190). ‏
‏338- سورة الأعراف: (185).‏
‏339-سورة الذاريات: (20-21).‏
‏340- سورة البقرة: (1-4).‏



وقال تعالى: ‏
‏(هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في ‏قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ‏العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب)(341).‏
وقال تعالى: ‏
‏(ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضداً)(342).‏
وفى القرآن الكريم شفاء للنفس البشرية وعلاجها وصحتها من أمراض الهوى وأدناس ‏وأرجاس متابعة الملذات وتحقيق الشهوات، ومن الطمع والحسد وغيرها من الأمراض النفسية ‏والاجتماعية التي تفتك بالنفس، وتضعف المجتمع، وتجعل الإنسان أسيراً لأهوائه وشهواته، وسجينا ‏لملذاته وأطماعه.‏
فالقرآن الكريم يحرر النفس من هذا الأمر ومن الانقياد وراء الزائل الفاني لتسمو برغباتها ‏وأهدافها نحو الكمال البشري، ولتعلو عن مواطن العلل والآفات والأمر بالسوء، ولترقى إلى أعلى ‏درجات الاطمئنان.‏
فالقرآن الكريم شفاء للقلوب، وشفاء للعقول، وشفاء للنفوس البشرية، وهذا ما يريده الله عز ‏وجل من خلقه أن يكونوا أصحاء أقوياء.‏
إن المرء إذا سلم قلبه، وصح عقله بالمنهج القرآني، وتغذى به، واستقام على هديه ثم اطمأنت ‏نفسه، وسلمت من آفاتها وأمراضها، وترفعت عن الأمر بالسوء أو الهم بالباطل. أقول إذا حصل ذلك ‏كله للمرء فإنه الإنسان وإنه العبد الذي أراده الله تعالى، فانه بذلك يتعرف حقيقة على الغاية من خلقه ‏وإيجاده، ويتعرف على صفات الباري جل وعلا، ويدرك كماله وجلاله في خلقه وإبداعه، وفي أمره ‏ونهيه، ‏
‏341-سورة آل عمران: (7).‏
‏342-سورة الكهف: (51). ‏
ويتعرف كذلك على غاية إرسال الرسل وإنزال الكتب، وعلى غاية الحياة الدنيا، ويدرك البرزخ وما ‏بعد الموت، والحياة الأخرى بعد البعث والنشور وبعد الحساب والجزاء من الله تعالى على ما قدم وما ‏فعل وعمل، وبذلك يدرك ويتعرف على حقيقة العلاقة بين الخالق والمخلوق، ويدرك دوره والأعمال ‏المنوطة به في هذه الحياة الدنيا من خلافه وعمارة، ومن ثم يلتزم ما يمليه عليه القلب السليم والعقل ‏الصحيح والنفس المطمئنة، فتزول الأمراض والأحقاد التي تفتك بالفرد أولاً ثم بالمجتمع ثانياً، تلك ‏الأمراض التي تذهب بتماسك المجتمع والجماعة، وتزلزل أمنها وطمأنينتها، وبالمقابل تسود الأخلاق ‏وتظهر الفضيلة ويشيع المعروف ويزول المنكر، وتكثر الطيبات وتوءد المنكرات وترتفع الآصار ‏والأغلال، فتنطلق القلوب السليمة والعقول الصحيحة، والنفوس المطمئنة إلى بناء المجتمع والأمة على ‏أساس صحيح ومنهج رباني قرآني قويم.‏
قال تعالى: ‏
‏(أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس ‏بخارج منها)(343).‏
وقال تعالى:‏
‏ (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون)(344).‏

التداوي بالقرآن
إن التداوي بالقرآن الكريم والاستشفاء به من الأمراض الجسمية والآفات والعلل العضوية عن ‏طريق تلاوته أو قراءة بعض سوره وآياته هو المقصود في هذا المقام، ولأجله ينعقد هذا المؤتمر ‏المبارك إن شاء الله، سواء كان سبب المرض من ‏
‏343- سورة الأنعام: (122).‏
‏344- سورة هود: (24). ‏
سوء في التصرفات، أو التعرض لبعض الإيذاء من الدواب والهوام، أو مس وإيذاء واعتداء من الجن ‏أو غيرهم من المخلوقات، أو كان تلفا وخللا في بعض الأجهزة العضوية وغيرها، وهذا موضوع قد ‏كثر حوله الكلام وطال فيه الجدل والخلاف، بين مانع من ذلك جملة وتفصيلاً بأدلة عقلية وأقيسة ‏منطقية بزعمه، وبين مغالٍ في إجازته معتمداً عليه معرضاً عن بذل الأسباب المادية الحسية وعن ‏التداوي بغيرها والاستشفاء بما نفعه من خلال التجربة، والدراسة العلمية. والحق إنما يتوسط بين ‏الجافي والغالي، ويعتدل بين الإفراط والتفريط. والتداوي والاستشفاء بالقرآن الكريم جاء في النصوص ‏الشرعية الثابتة، ويقرره العقل والقياس الصحيح، لذلك وجب التصديق به، والإيمان بما جاء به النص، ‏وأجازه العقل، والنصوص الشرعية كثيرة جداً، منها: ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 07:59 PM
أ‌-‏ قول الله تعالى:‏
‏ (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)(345).‏
وقوله تعالى: ‏
‏(قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء)(346).‏
ولفظ "شفاء" عام يتناول شفاء الأمراض القلبية والعقلية، كما يتناول الأمراض ‏الجسدية والعوارض المادية الحسية. والأصل بقاء العـام
على عمومه وعدم تخصيصه إلا بمخصص، ولا مخصص هنا- على ما قرره العلماء.‏

أ‌-‏ ما جاء في سنة رسول الله صلى عليه وسلم، فقد ثبت أنه استشفى واسترقى ببعض آيات القرآن، ‏وأمر بذلك وأوصى به، وفعله عليه الصلاة والسلام لنفسه ولغيره، وأقره كذلك من فعل بعض ‏أصحابه رضي الله تعالى عنهم.‏
‏345- سورة الإسراء: (82).‏
‏346- سورة فصلت: (44).‏

روى الإمام البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد وبالمعوذتين جميعا، ثم يمسح بهما وجهه، وما ‏بلغت يداه من جسده. قالت عائشة: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به"(347).‏
وروى الشيخان: البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال: انطلق نفر من أصحاب ‏رسول الله في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم. ‏فلدغ سيد الحي فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء. فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا ‏لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ‏ينفعه، فهل عند أحد منك من شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم ‏تضيفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جعلا. فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه، ‏ويقرأ: الحمد لله رب العالمين، فكأنما نشط من عقال ‏‎……‎‏." وفيه إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم ‏لما ذكروا له، فقال عليه الصلاة والسلام: "وما يدريك أنها رقية؟ ثم قال: قد أصبتم، واقسموا واضربوا ‏لي معكم سهماً"(348).‏
‏347- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(5748) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: ‏باب رقية المريض بالمعوذات والنفث ح(2192) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3902) وابن ‏ماجة في سننه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(3529) وانظر تحفة الأشراف ح(16589) قال النووي: وسئلت ‏عائشة عن نفث النبي (صلى الله عليه وسلم) في الرقية فقالت كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه- انظر شرح النووي ‏على صحيح مسلم (14/182) قال ابن حجر: فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء الذي ماسه الذكر كما يتبرك ‏بغسالة ما يكتب من الذكر- انظر فتح الباري (10/197) ش ح(5735).‏
‏348-أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين: باب الرقية من العين (2/940). والبخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب ‏النفث في الرقية ح(5749). ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب جواز أخذ الأجر على الرقية بالقرآن والأذكار ‏ح(2201). وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3900). والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما ‏جاء في أخذ الأمر على التعويذ ح(2070) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب ‏التجارات: باب أجر الراقي ح(2156).وانظر تحفة الأشراف ح(4249) و(4307). ‏

يقول الإمام ابن القيم- رحمه الله: مربي وقت بمكة، سقمت فيه، وفقدت الطبيب والدواء ، ‏فكنت أعالج بها (بالحمد لله رب العالمين): آخذ شربة من ماء زمزم، وأقرؤها عليها مراراً، ثم أشربه، ‏فوجدت لذلك البرء التام، ثم صرت أعتمد على ذلك عند كثير من الأوجاع فأنتفع بها غاية ‏الانتفاع(349).‏
وليس معنى هذا ولازمه ترك التداوي والاستشفاء بالأدوية الطبيعية المادية، والإكتفاء بقراءة ‏آيات من القرآن الكريم. فليس ذلك من الرشد في الدين، ولا من الفقه لسنن الله تعالى الكونية. ولكن ‏الشأن هو الجمع بين هذا وذاك، والانتفاع بالأمرين، والجمع بين بذل الأسباب الحسية والمادية؛ مع ‏الاعتماد على ما جاء به التوجيه الشرعي، وتعلق القلب بالله تعالى وحده، فهو النافع وهو رب الأسباب ‏تبارك وتعالى.‏
وأما إقرار العقل لهذا التداوي فواضح؛ إذ العقل لا يحيل ذلك ولا يمنعه أبداً، كيف وقد جاء ‏الخبر الصادق بذلك، والعقل قد صدق المخبر فيما هو أعظم من مجرد الإخبار بالاستشفاء بتلاوة بعض ‏الآيات والسور.‏
ثم إنه لا يترتب على التصديق به أمر مستحيل؛ لأن العقل قد قرر أن الله سبحانه وتعالى هو ‏المالك الفاعل المتصرف في الكون وما فيه من خلق، وهو سبحانه رب الأسباب والأدواء التي لا تشفي ‏ولا تنفع بذاتها، بل هو الشافي والدافع لجميع الأفراد، وهو النافع والواهب للصحة والعافية، وهو الذي ‏يحول بين الأسباب وبين مقتضياتها، وهو الذي يجعل فيها النفع سبحانه.‏
فالاستشفاء والتداوي بتلاوة آيات وسور من القرآن على الأمراض الجسدية قررتها الشريعة ‏السمحة، وجعلتها أسباباً شرعية صحيحة نافعة بإذن الله تعالى، كما تقررها العقول الصحيحة. ‏

‏349-الطب النبوي لابن القيم (141).‏

وهذا التداوي هو ما يسمى بالرقى الشرعية، وهو عنوان هذا البحث المتواضع. وهو ما سأبين ‏بعض جوانبه إن شاء الله، والله تعالى أسأل أن ينفعنا جميعا بما جاء في كتابه الكريم من شفاء للقلوب ‏والأبدان، وأن يهدي المسلمين لأسرار كتابه العظيم بما يمنحهم أسباب الصحة والعافية، ويسلك بهم ‏سبل الحياة السليمة القوية، ليزدادوا تمسكاً بكتاب ربهم، وتقديراً له، وإقبالاً عليه، وإفادة منه، إنه تعالى ‏ولي ذلك والقادر عليه.‏

الرقية الشرعية ‏
تعريفها:‏
الرقية- بسكون القاف- ‏
ويقال: "رقى"- بالفتح في الماضي، "ويرقي" بالكسر في المستقبل، و"رقيت" فلاناً- بكسر ‏القاف، "أرقيه" ‏
ويقال: "استرقى"، أي طلب الرقية.‏
والرقية تجمع على رُقى.‏
وتقول: استرقيته، فرقاني رقية، فهو راق(350).‏
ويقال: رقى الراقي رقية ورقياً، إذا عوذ ونفث في عوذته.‏
ويعرفها ابن الأثير: الرقية، العُوذة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من ‏الآفات(351).‏
ويقول ابن منظور: والرقية: العوذة، معروفة. قال رؤبة:‏
فما تركـا من عـُـوذة يعــرفانها ‏ ولا رُقية إلا بها رقيانـــي(352).‏

‏350- الصحاح للجوهري (6/2361) والمصباح المنير للفيومي (1/236). ‏
‏351-النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (2/254). ‏
‏352- لسان العرب لابن منظور (13/332).‏
وقال أيضاً: والعوذة والمعاذات والتعويذ: الرقية، يرقى بها الإنسان من فزع أو جنون، لأنه ‏يعاذ بها، وقد عوذه. يقال عوذت فلانا بالله وأسمائه، وبالمعوذتين، إذا قلت: أعيذك بالله وأسمائه من كل ‏ذي شر(353).‏
‏ وعرفها بعض الفقهاء: ما يرقى به من الدعاء لطلب الشفاء(354).‏
وقال ابن التين: الرقي بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى الحسنى هو الطب الروحاني، ‏إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله تعالى، ولما عز هذا النوع فزع الناس إلى ‏الطب الجسماني(355).‏

وجودها قبل الإسلام:‏
عن عمرة بنت عبد الرحمن: "أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة وهي تشتكي، ويهودية ‏ترقيها فقال أبو بكر ارقيها بكتاب الله"(356). ‏
وعن ابن عباس أن ضماداً- هو ضماد بن ثعلبة الأزدي- قدم مكة وكان من أزد شنوءة وكان ‏يرقى من هذه الريح، فسمع سفهاء أهل مكة يقولون: إن محمداً مجنون. فقال: لو أني رأيت هذا الرجل ‏لعل الله يشفيه على يدي. فقال: فلقيته. فقال: "يا محمد إني أرقى من هذه الريح. وإن الله يشفي على يدي ‏من شاء، فهل لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الحمد لله نحمده ونستعينه‎……‎‏.." ‏الحديث(357).‏

‏353- المصدر السابق (3/499).‏
‏354-حاشية العدوي على شرح الرسالة (1/452).‏
‏355-فتح الباري لابن حجر (10/196) ش ح(5735).‏
‏356- أخرجه مالك في موطئه: كتاب العين: باب التعوذ والرقية في المرض (2/943) ‏انظر تنوير الحوالك (2/230). ‏
‏357- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجمعة: باب رفع الصوت في الخطبة وما يقول ‏فيها ح(868) وابن ماجة في سننه: كتاب النكاح: باب خطبة النكاح ح(1893) والنسائي ‏في سننه: كتاب النكاح: باب ما يستحب من الكلام عند النكاح ح(3278) وانظر تحفة ‏الأشراف ح(5586).‏
وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا نرقى في الجاهلية، فقلنا يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ ‏فقال: أعرضوا على رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك(358).‏

مشروعيتها:‏
أ- رقى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه:‏
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه ‏ثم نفث فيهما وقرأ: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح ما استطاع ‏من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات(359).‏
‏ وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان ‏وعين الإنسان حتى نزلت المعوذات فأخذ بها وترك ما سواها(360).‏
ب- رقى رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره:‏
‏358- أخرجه مالك في الموطأ (2/272 التمهيد) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب لا بأس ‏بالرقى ما لم يكن فيه شرك ح(2200). وأبو داود في سننه: كتاب الطب باب ما جاء في الرقى ‏ح(3886) والحاكم في مستدركه (4/212) وقال وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه ‏الذهبي. والطبراني في الكبير (18/49) والبيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية ‏‏(9/349). ‏
‏359- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(5748) ومسلم في ‏صحيحه: كتاب السلام: باب رقية المريض بالمعوذات والنفث ح(2192) وأبو داود في سننه: كتاب ‏الطب: باب كيف الرقى ح(3902) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(3529) ‏وانظر تحفة الأشراف ح(16589) قال النووي: وسئلت عائشة عن نفث النبي (صلى الله عليه وسلم) ‏في الرقية فقالت كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه- انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/182) ‏قال ابن حجر: فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء الذي ماسة الذكر كما يتبرك بغسالة ما يكتب ‏من الذكر- انظر فتح الباري (10/197) ش ح(5735).‏
‏360- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في الرقية بالمعوذتين ح(2065) وقال: هذا ‏حديث حسن غريب والنسائي في سننه: كتاب الاستعاذة: باب الاستعاذة من عين الجان ح (5509) وابن ‏ماجة في سننه: كتاب الطب: باب من استرقى من العين ح(3511) وانظر تحفة الأشراف ح(4327) ‏وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1681).‏

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله، يمسـح بيده اليمنى ويقول: ‏‏"اللهم رب الناس أذهب الباس، واشف إنك الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقما"(361). ‏
‏ وعن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين، ويقول: "إن أباكما كان ‏يعوذ بها إسماعيل وإسحاق، أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة"(362).‏
جـ- رسول الله صلى عليه وسلم يرقيه غيره:‏
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان إذا اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقاه جبريل ‏عليه السلام، قال: "بسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، وشر كل ذي ‏عين"(363).‏
‏361- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ح(5675) ومسلم في ‏صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض ح(2191) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب ‏في تعليق التمائم ح(3883) والترمذي في سننه: كتاب أحاديث شتى: باب في دعاء المريض ح(3576) ‏وقال هذا حديث حسن وابن ماجة في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض الرسول (صلى ‏الله عليه وسلم) ح(1619) وانظر تحفة الأشراف ح(17638) وأخرجه أحمد في مسنده (3/267) ‏و(4/259)و(6/42) والنسائي في اليوم والليلة ح(1042) وابن السني في اليوم والليلة ح(543) قال ‏النووي: الحديث فيه استحباب مسح المريض باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحة ‏جمعتها في كتاب الأذكار انظر النووي على صحيح مسلم (14/180). ‏
‏362- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء: باب (10) ح(3371) وأبو داود في سننه: ‏كتاب السنة: باب في القرآن ح(4737) وقال: "هذا القرآن ليس بمخلوق. مستدلاً على أنه لو كان مخلوقاً ‏لما صح الاستعاذة به". وأخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (18) ح(2067) وقال: هذا ‏حديث حسن صحيح وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي (صلى الله عليه وسلم) وما ‏عوذ به ح(3525) وانظر تحفة الأشراف ح(5627) وأخرجه أحمد في مسنده (1/270)-136) ‏والنسائي في اليوم والليلة ح(1007) الهامة: واحدة من الهوام وهي ذوات السموم اللامة: بتشديد الميم ‏أي ذات لمم، واللمم كل داء يلم من خبل أو جنون أو نحوهما. أي في كل عين تصيب بسوء انظر شرح ‏السندي على سنن ابن ماجة (4/125).‏
‏363-أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطب والمرض والرقى ح(2185) وانظر تحفة ‏الأشراف ح(17746). ‏
وعن أبي سعيد أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا محمد اشتكيت؟ قال: ‏نعم، قال: "بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله ‏أرقيك"(364).‏
د-الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر ويندب غيره، ويرخص في الرقية: عن أم سلمة رضي ‏الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة. فقال: "استرقوا لها فإن ‏بها النظرة"(365).‏



‏364- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطب والمرض والرقى ‏ح(2186) والترمذي في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في التعوذ للمريض ‏ح(974) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي (صلى الله عليه ‏وسلم) وما عوذ به ح(3523) وانظر تحفة الأشراف ح(4363) وأخرجه أحمد ‏في مسنده (3/28-56) والنسائي في اليوم والليلة ح(1005) قال ‏النووي هذا تصريح بالرقى بأسماء الله تعالى وفيه توكيد الرقية والدعاء وتكريره، ‏وقوله من شر كل نفس قيل: يحتمل أن المراد بالنفس نفس الأدمي وقيل يحتمل أن ‏المراد بها العين فإن النفس تطلق على العين ويقال رجل نفوس إذا كان يصيب ‏الناس بعينه. انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/170). ‏
‏365- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية العين ح(5739) ‏ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة ‏والنظرة ح(2197) والبيهقي في السنن: كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية بكتاب ‏الله ح(9/348) وانظر شرح معاني الآثار للطحاوي (4/327) قال النووي: ‏السفعة يعني بوجهها صفرة، وقيل سواد وقال ابن تيمية هي لون يخالف لون ‏الوجه، وقيل أخذه من الشيطان- انظر شرح النووي على صحيح مسلم ‏‏(14/185) قال ابن عبد البر: فيه دليل على أن العين تسرع إلى قوم فوق ‏إسراعها إلى آخرين، وأنها تؤثر في الإنسان بقضاء الله وقدره وتصرعه في ‏أشياء كثيرة. وإنما يسترقى من العين إذا لم يعرف العائن. وإما إذا عرف الذي ‏أصابه بعينه فإنه يؤمر بالوضوء- التمهيد (2/269). ‏
وعن عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "ضع يدك على ‏الذي تألم من جسدك وقل بسم الله- ثلاثا- وقل- سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد ‏وأحاذر"(366). ‏
وعن خــولة بنت حكيم رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من نزل ‏منزلا ثم قال: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ‏ذلك(367).‏
هـ- الرسول صلى الله عليه وسلم يقر غيره على الرقية:‏
عن جابر رضي الله عنه أن آل عمرو بن حزم قالوا: يا رسول الله انه كانت عندنا رقى نرقي بها من ‏العقرب، وإنك نهيت عن الرقى. قال: فعرضوا عليه، فقال: "ما أرى بها بأساً، ‏من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل"(368).‏
‏366-أخرجه مالك في موطأه: كتاب العين: باب التعوذ والرقية من المرض (2/942) ومسلم ‏في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء ح(2202) ‏وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3891) والترمذي في سننه: كتاب الطب: ‏باب (29) ح(2087) وقال هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما ‏عوذ به النبي (صلى الله عليه وسلم) وما عوذ به ح(3522) وانظر تحفة الأشراف ح(9774) ‏وأخرجه أحمد في مسنده (6/390) والنسائي في اليوم والليلة ح(1001) قال النووي: يستحب ‏وضع يده على موضع الألم ويأتي بالدعاء المذكور- انظر شرح للنووي على صحيح مسلم ‏‏(14/189) ش ح (2202). ‏
‏367- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الذكر والدعاء: باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك ‏الشفاء وغيره ح(2708) والترمذي في سننه: كتاب الدعوات: باب ما يقول إذا نزل منزلاً ‏ح(3448) وقال هذا حديث حسن غريب صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب الفزع ‏والأرق وما يتعوذ منه ح(3547) قال النووي: وقوله "أعوذ بكلمات الله التامات". قبل معناه ‏الكاملات التي لا يدخل فيها نقص ولا عيب. وقيل النافعة الشافية. وقيل المراد بالكلمات هنا ‏القرآن والله أعلم انظر شرح النووي على صحيح مسلم (17/31). ‏
‏368-أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة ‏والنظرة ح(2199) وأحمد في مسنده (3/382) والبيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب ‏إباحة الرقية (9/348) قال الألباني: وفي الحديث استحباب رقية المسلم لأخيه المسلم بما لا بأس ‏به من الرقى، وذلك ما كان معناه معروفاً مشروعاً، وأما الرقى بما لا يعقل معناه من الألفاظ ‏فغير جائز- انظر الصحيحة ح(472).‏
وكذلك إقراره للراقي، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، لما رقى سيد القوم ‏الذين استضافوهم فلم يضيفوهم. وقد تقدم ذكره وهو مروى في الصحيحين(369).‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:01 PM
أنـــــــــواع الرقـــــــــــــى

أ- أنواع الرقى من جهة متى تقرأ:‏
‏- أولاً: تقرأ الرقية لدفع البلاء قبل وقوعه.‏
عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول .... ‏الحديث(370).‏
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال ‏في أول يومه أو في أول ليله: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء
‏369- أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين: باب الرقية من العين (2/940). والبخاري في ‏صحيحه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(5749). ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب ‏جواز أخذ الأجر على الرقية بالقرآن والأذكار ح(2201). وأبو داود في سننه: كتاب الطب: ‏باب كيف الرقى ح(3900). والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في أخذ الأمر على ‏التعويذ ح(2070) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب ‏التجارات: باب أجر الراقي ح(2156).وانظر تحفة الأشراف ح(4249) و(4307).‏
‏370- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء: باب (10) ‏ح(3371) وأبو داود في سننه: كتاب السنة: باب في القرآن ح(4737) وقال: ‏‏"هذا دليل على أن القرآن ليس بمخلوق. مستدلاً على أنه لو كان مخلوقاً لما صح ‏الاستعاذة به". وأخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (18) ح(2067) ‏وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به ‏النبي (صلى الله عليه وسلم) وما عوذ به ح(3525) وانظر تحفة الأشراف ح(5627) ‏وأخرجه أحمد في مسنده (1/270-136) والنسائي في اليوم والليلة ح(1007) الهامة: ‏واحدة من الهوام وهي ذوات السموم اللامة: بتشديد الميم أي ذات لمم، واللمم كل داء يلم ‏من خبل أو جنون أو نحوهما. أي من كل عين تصيب تسوء- انظر شرح السندي على ‏سنن ابن ماجة (4/125).‏
في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات- لم يضره شيء في ذلك اليوم، أو ‏في تلك الليلة"(371).‏
وعن أبي مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ بالآيتين من آخر سورة ‏البقرة في ليلة كفتاه"(372).‏
وتقدم ذكر حديث خولة بنت حكيم فيمن إذا نزل منزلاً قرأ أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما ‏خلق مرفوعاً(373).‏
ثانياً- تقرأ الرقية لدفع البلاء بعد وقوعه.‏
وقد تقدم ذكر طائفة من الأحاديث المرفوعة الصحيحة في هذا المعنى عن عائشة في رقية ‏جبريل النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه وشكواه، وعن عثمان بن أبي العاص في وضع اليد على ‏موضع الألم من الجسد ثم القراءة ونحوها. مما يفيد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ورقيته لنفسه، ‏ورقيته لغيره، ورقية غيره له، وترغيب النبي في ذلك، ووصيته لمن وجد ألما أونزل به بلاء(374).‏
‏371- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأدب: باب ما يقول إذا أصبح ح(5088) والترمذي في سننه: ‏كتاب الدعوات: باب ما جاء في الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى ح(3399) وقال: هذا حديث حسن غريب ‏صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب الدعاء: باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح وإذا أمسى ح(3869) ‏وانظر تحفة الأشراف ح(9778) وانظر صحيح سنن ابن ماجة للألباني ح(3120) وتمام الحديث: وكان ‏إبان قد أصابه طرف من الفالج، فجعل الرجل ينظر إليه فقال له إبان: ما تنظر إلى؟ أما الحديث كما قد ‏حدثتك ولكني لم أقله يومئذ، ليمضي الله علي قدره.‏
‏372-أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أفضل القرآن: باب فصل سورة البقرة ح(5009) ومسلم في ‏صحيحه: كتاب صلاة المسافرين: باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة ح(808) وأبو داود في سننه: ‏كتاب الصلاة: باب تحزيب القرآن ح(1397) والترمذي في سننه: كتاب فضائل القرآن: باب آخر سورة ‏البقرة ح(2890) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء ‏فيمن يرجى أن يكفي من قيام الليل ح(1369) وانظر تحفة الأشراف ح(9999).‏
‏373- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الذكر والدعاء: باب في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشفاء ‏وغيره ح(2708) والترمذي في سننه: كتاب الدعوات: باب ما يقول إذا نزل منزلاً ح(3448) وقال هذا ‏حديث حسن غريب صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب الفزع والأرق وما يتعوذ منه ‏ح(3547). قال النووي: وقوله "أعوذ بكلمات الله التامات". قبل معناه الكاملات التي لا يدخل فيها نقص ‏ولا عيب. وقيل النافعة الشافية. وقيل المراد بالكلمات هنا القرآن والله أعلم انظر شرح النووي على صحيح ‏مسلم (17/31). ‏
‏374- راجع ما تقدم ذكره من نصوص في موضوع مشروعية الرقية.‏
ب- أنواع الرقى من جهة ما يقرأ به:‏
أولاً: الرقية بالقرآن الكريم. ‏
ثبت فيما تقدم ذكره قراءة سورة الفاتحة، كما في حديث النفر الذي انطلقوا في سفرة، وإقرار ‏النبي صلى الله عليه وسلم للراقي قراءة سورة الفاتحة وإنها رقية(375).‏
وثبت كذلك أن سورة البقرة رقية ونافعة، كما في حديث أبي أمامه قال: سمعت رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم يقول: "اقرأوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها ‏البطلة"(376-377).‏
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن ‏الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة"(378).‏
‏375- أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين: باب الرقية من العين (2/940). والبخاري ‏في صحيحه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(5749). ومسلم في صحيحه: كتاب ‏السلام: باب جواز أخذ الأجر على الرقية بالقرآن والأذكار ح(2201). وأبو داود في ‏سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3900). والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما ‏جاء في أخذ الأجر على التعويذ ح(2070) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وابن ‏ماجة في سننه: كتاب التجارات: باب أجر الراقي ح(2156).وانظر تحفة الأشراف ‏ح(4249) و(4307).‏
‏376- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صلاة المسافرين: باب فضل القرآن وسورة البقرة ‏ح(804) والترمذي في سننه: كتاب فضل القرآن: باب ما جاء في سورة آل عمران ‏ح(2892) وقال: هذا حديث حسن غريب وانظر تحفة الأشراف ح(4931) قال النووي: ‏سميت الزهراوين لنورهما وعظم أجرهما.‏
‏377- قولـه (صلى الله عليه وسلم) "فإنهما يتأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما ‏غيايتان" قال أهل اللغة: الغمامة والغياية كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه من سحابة ‏وغيره ونحوهما، قال العلماء: المراد أن ثوابهما يأتي كغمامتين. وقوله (صلى الله عليه ‏وسلم) أو كأنهما فرقان من طير صواف أي قطيعان وجماعتان انظر شرح النووي على ‏صحيح مسلم (6/89-91).‏
‏378- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صلاة المسافرين: باب استحباب صلاة النافلة في ‏البيت ح(780) والترمذي في سننه: كتاب فضائل القرآن: باب ما جاء في فضل سورة ‏البقرة ح(2886) وقال: هذا حديث حسن صحيح وانظر تحفة الأشراف ح(12769) ‏وأخرجه أحمد في مسنده (2/284).‏
وثبت كذلك أن قراءة آية الكرسي من الرقى النافعة بإذن الله تعالى، كما في حديث أبي هريرة ‏حيث كان يحرس الصدقة، وفيه.... إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي- الله لا اله إلا هو الحي ‏القيوم- حتى تختم الآية، فإنه لا يزال عليك من الله حافظ حتى تصبح- وفيه إقرار النبي صلى الله عليه ‏وسلم أنها رقية(379).‏
وثبت كذلك أن قراءة المعوذات من الرقى النافعة، وقد تقدم ذكر النصوص الدالة على ذلك من ‏قول النبي وفعله صلى الله عليه وسلم، ومن فعل غيره له(380).‏
ثانياً: الرقية بالأدعية والأذكار.‏
وقد ثبت ذلك كما في أحاديث وأدعية النبي صلى الله عليه وسلم، وأمره ووصيته لأصحابه. ‏وقد تقدم ذكر طائفة لا بأس بها منها(381).‏

حكم رقى الجاهلية وأهل الكتاب ‏
ذكر الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله، قال: .... وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية، فقال: لا بأس ‏أن يرقي بكتاب الله وما يعرف من ذكر الله. قلت: أيرقي أهل الكتاب المسلمين؟ قال: نعم، إذا رقوا بما ‏يعرف من كتاب الله وبذكر الله. ثم (قال: وفي الموطأ أن أبا بكر قال لليهودية التي كانت ترقي عائشة ‏ارقيها بكتاب الله).‏
وقال أيضاً: وقال المازري: اختلف في استرقاء أهل الكتاب، فأجازها قوم، وكرهها مالك لئلا ‏يكون مما بدلوه. وأجاب من أجاز بأن مثل هذا يبعد أن يقولوه، وهو كالطب سواء، كان غير الحاذق لا ‏يحسن أن يقول والحاذق يأنــف أن يبدل حرصـاً
‏379- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الوكالة: باب إذا وكل رجلا فترك الوكيل ‏شيئاً فأجازه الموكل فهو جائز ح(2311) والبيهقي في دلائل النبوة (7/107) ونقول في ‏قوله (صلى الله عليه وسلم) "لا يزال عليك من الله حافظ" أي أن الله يرسل إليك ملكاً ‏يحرسك حتى تصبح. ولا يقربك شيطان: فالشيطان نفسه يعلم أنه لا يستطيع أن يقترب ‏من الذي قرأ آية الكرسي عند نومه. فصدق النبي (صلى الله عليه وسلم) الشيطان على ‏هذه المعلومة.‏
‏380- راجع ما تقدم من نصوص في موضوع مشروعية الرقية. ‏
‏381- راجع ما تقدم من نصوص في موضوع مشروعية الرقية. ‏
على استمرار وصفه بالحذق لترويج صناعته. والحق أنه يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال(382). ‏
ويقول الدكتور على بن نفيع العلياني: وفى قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: "ارقيها ‏بكتاب الله"، يعني ارقيها بكتاب الله بما في التوراة. وفى هذا دلالة على أن اليهود إنما يغيرون الأحكام ‏والعقائد، وأما الرقى، فإنهم لم يغيروها حفاظا على فائدتها. فإنها إذا غيرت لا تنفع، هذا الذي يظهر، ‏والله اعلم. وإلا لو كانت مما دخله التحريف لما أمنها أبو بكر الصديق على الرقية(383).‏

حكم الرقية،وشروطها، وضوابطها ‏
ذكر جماعة من العلماء شروطاً لا بد من مراعاتها لتكون الرقية جائزة مقررة شرعاً، ‏وللانتفاع بها من جانب آخر:‏
أولاً: أن لا يعتقد أنها تنفع بذاتها دون الله. فإن اعتقد ذلك فإنها محرمة لما فيها من الشرك. فالواجب ‏اعتقاد أنها سبب لا تنفع إلا بإذن الله عز وجل(384).‏
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح يضار به لا ‏بحده فقط، فمتى كان السلاح تاماً لا آفة فيه، والساعد قوياً، والمانع مفقوداً، حصلت به النكاية في ‏العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير"(385).‏
ثانياً: ألا تكون الرقية مما يخالف الشرع، كأن تتضمن دعاء غير الله، أو استغاثة بالجن، وما أشبه ذلك. ‏فإنه محرم لما فيه من الشرك(386).‏
‏382- فتح الباري لابن حجر (10/197) ش ح(5735).‏
‏383- انظر الرقى على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة لعلي بن نفيع العلياني ‏‏(ص 8).‏
‏384- انظر القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح العثيمين (1/184). ‏
‏385- انظر الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم (ص 25).‏
‏386- انظر القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح العثيمين (1/185).‏
فلا تكون برقية شركية لحديث: "لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك"(387).‏
ولا تكون برقية سحرية لحديث: "ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر ‏له"(388).‏
ولا تكون من عراف ولا من كاهن ولو لم يكن ساحراً لحديث: "من أتى عرافا أو كاهنا، فصدقه بما ‏يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم"(389).‏
ولا تكون بعبارات محرمة كالسب والشتم واللعن، وغير ذلك لحديث: "إن الله خلق الداء ‏والدواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام"(390).‏
ثالثاً: أن تكون بكلام عربي، وتكون مفهومة معلومة، فإن كانت من جنس الطلاسم والشعوذة فإنها لا ‏تجوز(391).‏
فلا تكون بالحروف المقطعة، والكلمات المبهمة؛ وإن كانت باللغة العربية. ولا تكون على ‏هيئة محرمة، كأن يتعمد الرقية في الحمام، أو يكتب حروف أبا جاد، أو بالنظر في النجوم وما شابه ‏ذلك. ‏
‏387- أخرجه مالك في الموطأ (2/272 التمهيد) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب لا بأس بالرقى ما ‏لم يكن فيه شرك ح(2200) وأبو داود في سننه: كتاب الطب باب ما جاء في الرقى ح(3886) والحاكم ‏في مستدركه (4/212) وقال وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. والطبراني في ‏الكبير (18/49) والبيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية (9/349).‏
‏388- هذا جزء من حديث أورده المنذري في الترغيب ح(4467) وقال رواه البزار بإسناد جيد ورواه هو ‏والطبراني من حديث ابن عباس بإسناد حسن. قال الهيثمي في المجمع (5/117) رواه البزار ورجاله ‏رجال الصحيح خلا اسحق بن الربيع وهو ثقة. قال الألباني في الصحيحه ح(2195) أخرجه البزار (ص ‏‏389- زوائده)، والطبراني في الكبير (ق 73/1- منتقى منه) عن اسحق بن الربيع بن حمزة العطار عن ‏الحسن عن عمران بن حصين‎…‎‏ انظر صحيح الجامع للألباني ح(5311).‏
‏389- رواه الإمام أحمد (2/429)، والحاكم في مستدركه (1/8). وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما ‏ولم يخرجاه. وأخرجه الترمذي بأتم من هذا ح(135). والبيهقي في الكبرى (8/35). وصححه العراقي في ‏الأمالي كما في الفيض (2/404) ونقل عن الذهبي أنه قوي إسناده. وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ‏ح(135). ‏
‏390- ذكره الهيثمي في المجمع (5/86) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في ‏الصحيحة ح(1633) وقال: هذا إسناد حسن ورجاله ثقات معروفون غير ثعلبة هذا، ذكره ابن حبان في ‏‏(الثقات) وروى عنه جمع، فهو حسن الحديث إن شاء الله تعالى إذا لم يخالف. وله شواهد ذكرها الألباني ‏في السلسلة الصحيحة ح(1633).‏
‏391- انظر القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح العثيمين (1/185). ‏

قال ابن عباس رضي الله عنه في قوم يكتبون أبا جاد، وينظرون في النجوم: "ما أدرى، من ‏فعل ذلك له عند الله خلاق"(392).‏
يقول الإمام الخطابي رحمه الله: "ما كان من الرقى مفهوم المعنى، وكان فيه ذكر الله تعالى، ‏فإنه مستحب، متبرك به"(393).‏
ويقول الإمام النووي رحمة الله: "الرقي بآيات القرآن وبالأذكار المعروفة لا نهي فيه، بل هو ‏سنة"(394).‏
ويقول الإمام ابن حجر رحمه الله: "وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة ‏شروط: أن يكون بكلام الله تعالى وبأسمائه وصفاته، وباللسان العربي، أو بما يعرف معناه من غيره، ‏وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى، واختلفوا في كونها شرطا، والراجح أنه لابد من ‏اعتبار الشروط المذكورة"(395).‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:02 PM
هل الرقية عامة لكل داء أم مخصوصة ‏
يقول الإمام النووي رحمه الله في شرحه لحديث أنس في الرخصة في الرقية من العين والحمة ‏والنملة: "ليس معناه تخصيص جوازها بهذه الثلاثة وإنما معناه أنه سئل عن هذه، فأذن فيها. ولو سئل ‏عن غيرها لأذن فيه. وقد أذن لغير هؤلاء، وقد رقى هو صلى الله عليه وسلم في غير هذه ‏الثلاثة"(396).‏
‏392- أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11/26) ح(19805) وقال رسول الله ‏‏(صلى الله عليه وسلم) من اقتبس علماً من النجوم، اقتبس شعبة من السحر، زاد ‏ما زاد- أخرجه أبو داود في سننه كتاب الطب: باب في النجوم ح(3905) وحسنه ‏الألباني في صحيح سنن أبي داود ح(3305) والبيهقي في الكبرى (8/136).‏
‏393- انظر معالم السنن للخطابي (5/362) ش ح(3883).‏
‏394- انظر شرح النووي على مسلم (14/169) ش ح(2186).‏
‏395-انظر فتح الباري لابن حجر (10/195) ش ح(5735).‏
‏396- انظر شرح النووي على مسلم (14/185) ش ح(2196).‏
ويقول الإمام ابن حجر في شرحه لحديث أنس في الإذن في الرقية من الحمة والأذن: "وأما ‏رقيه الأذن، فقال ابن بطال: المراد وجع الأذن، أي رخص في رقية الأذن إذا كان بها وجع، وهذا يرد ‏الحصر الماضي في الحديث المذكور في "باب من اكتوى"، حيث قال: "لا رقية إلا من عين أو حمة". ‏فيجوز أن يكون رخص فيه، بعد أن منع منه أو يحتمل أن يكون المعنى لا رقية أنفع من رقية العين ‏والحمه، ولم يرد نفي الرقى من غيرهما(397).‏
وقال أيضاً في شرحه لحديث ابن عباس فـي المرأة التي كانت تصرع وتنكتشف: "وفيه أن علاج ‏الأمراض كلها بالدعاء، والالتجاء إلى الله أنجح وأنفع من العلاج بالعقاقير، وأن تأثير ذلك وانفعال ‏البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنية....(398).‏
‏ ونقل صاحب الفتح الرباني عن الإمام النووي في حديث أبي سعيد عند قوله: وما أدراك أنها ‏رقيه: "فيه التصريح بأنها رقية، فيستحب أن يقرأ بها على اللديغ والمريض، وسائر أصحاب الأسقام أو ‏العاهات(399).‏
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله في بيان هديه صلى الله عليه وسلم في العلاج العام لكل ‏شكوى بالرقية الإلهية: "فما تقولون في الحديث الذي رواه أبو داود"؛ "لا رقيه إلا من عين أو حمة"- ‏والحمه فوق السموم كلها. فالجواب أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد نفي جواز الرقية في غيرها، بل ‏المراد به: لا رقية أولى وأنفع منها في العين والحمة، ويدل عليه سياق الحديث. فإن سهل بن حنيف ‏قال لما أصابته العين: أو في الرقي خير؟ فقال: لا رقية إلا في نفس أو حمة. ويدل عليه سائر أحاديث ‏الرقى العامة والخاصة(400).‏

‏397- انظر فتح الباري لابن حجر (10/173) ش ح(5719-5720-5721).‏
‏398- انظر فتح الباري لابن حجر (10/115) ش ح(5652).‏
‏399- انظر الفتح الرباني للساعاتي (17/184) ش ح(142).‏
‏400- انظر زاد المعاد لابن القيم (4/175).‏
ويقول شيخنا محمد بن صالح العثيمين- حفظه الله- في تعليقه على باب ما جاء في الرقى ‏والتمائم من كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: "وظاهر كلام المؤلف: أن الدليل لم ‏يرخص بجواز القراءة إلا في هذين الأمرين (العين، والحمة)، ولكن ورد بغيرهما، فقد ‏كان النبي صلى الله عليه وسلم ينفخ على يديه في منامه بالمعوذات ويمسح بهما ما استطاع من جسده، ‏وهذا من الرقيـة، ليس عيناً أو حمة. ولهذا يرى بعض أهل العلم الترخيص فــي الرقية من القرآن ‏للعين والحمة، وغيرهما عامة، ويقول: إن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا رقية إلا من عين ‏أو حمة"؛ أي لا يُطلب الاسترقاء إلا من العين، والحمة. فالمصيب بالعين "العائن"، يطلب منه أن يقرأ ‏على المعيون"(401).‏

هل الرقية تنافي التوكل؟
النصوص في تقرير الرقية الشرعية كثيرة، كما تقدم ذكر طائفة لا بأس بها فيما سبق. وهذا الاستفهام ‏منشؤه، حديث عرض الأمم على النبي صلى الله عليه وسلم. عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه ‏وسلم أنه قال: "عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ‏وليس معه أحد. إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا ‏سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب"‏‎…‎‏. الحديث؛ ‏وفيه‎…‎‏."هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون .... (402).‏
‏401- انظر القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح العثيمين (1/184).‏
‏402- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب من لم يرق ح(5752) ومسلم في صحيحه: ‏كتاب الإيمان: باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب ح(216) ‏والترمذي في سننه: كتاب صفة القيامة: باب (81) ح(2454) وقال هذا حديث حسن صحيح. وأحمد ‏في مسنده (1/271) وقال الهيثمي في المجمع (10/405) رجال أحمد والبزار رجال الصحيح. ‏وأخرجه الطبراني في الكبـير (18/23) والبيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب ما جاء في ‏استحباب ترك الاكتواء والاسترقاء (9/341) والبغوى في شرح السنة (15/135) ح(4322). ‏
نظر بعض الأقوام على أن الحديث يفيد التنافي بين الرقية والاستشفاء والعلاج، وبين التوكل ‏على الله تبارك وتعالى. والحق أن الأصل هو جمع النصوص الشرعية وعدم ضرب بعضها ببعض، ثم ‏الرجوع إلى أقوال أهل العلم والفضل وفهمهم وتطبيقهم وجمعهم بين النصوص الشرعية، من الصحابة ‏ومن تبعهم بإحسان.‏
إن الرقية قد تثبت مشروعيتها، وأنها من الأسباب التي جعلها الله عز وجل نافعة بإذنه في ‏التداوي والاستشفاء من الأمراض. والأسباب إما أن تكون شرعية، أي مقررة في الشرع الحنيف ‏ومنصوصاً عليها، وإما أن تكون حسية مادية محجوبة عند أهل الحل والعقد والاختصاص.‏
وأما التوكل على الله عز وجل عند أهل السنة والجماعة؛ فهو بذل الأسباب المشروعة في ‏جلب المنافع ودفع المضار عن النفس والغير، مع اعتماد القلب في حصول نتائج هذه الأسباب على الله ‏سبحانه وتعالى وحده، إذ هو رب الأسباب وبيده الخير كله، وهو النافع وحده لا إله إلا هو.‏
وبهذا يتبين أنه لا منافاة بين بذل الأسباب والسعي في تحصيلها بما هو مشروع، وبين التوكل ‏على الله تعالى، واعتقاد القلب واطمئنانه إليه جل وعلا في حصول المنافع ودفع المضار. بل إن في ‏بذلها كمال التوكل على الله وامتثال أمره. فقد جاءت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة تأمر ببذل ‏الأسباب والسعي الجاد في تحصيلها.‏
يقول الإمام ابن حجر رحمه الله في شرحه لحديث ابن عباس: "تمسك بهذا الحديث من كره ‏الرقى والكي من سائر الأدوية، وزعم أنهما قادحان في التوكل دون غيرهما. وأجاب العلماء عن ذلك ‏بأجوبة: ‏
أحدهما: قال الطبري والمازري وطائفته، إنه محمول على من جارى اعتقاد الطبائعيين في أن الأدوية ‏تنفع بطبعها، كما كان أهل الجاهلية يعتقدون. وقال غيره: الرقى التي يحمد تركها ما كان من كلام ‏الجاهلية، ومن الذي لا يعقل معناه لاحتمال أن يكون كفراً؛ بخلاف الرقي بالذكر ومعناه ونحوه. وتعقبه ‏عياض وغيره بأن الحديث يدل على أن للسبعين ألفاً مزية على غيرهم، وفضيلة انفردوا بها عمن ‏شاركهم في أصل الفضل والديانة. ومن كان يعتقد أن الأدوية تؤثر بطبعها أو يستعمل رقى الجاهلية ‏ونحوها فليس بمسلم. فلم يسلم هذا الجواب.‏
ثانيها: قال الداودي وطائفة: إن المراد بالحديث، الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء، ‏وأما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء به فلا!! وقد قدمت هذا عن ابن قتيبة وغيره في باب من ‏اكتوى، وهذا اختيار ابن عبد البر، غير أنه معترض بما قدمته من ثبوت الاستعاذة قيل وقوع الداء. ‏
ثالثها: قال الحليمي: يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث من غفل عن أحوال الدنيا ‏وما فيها من الأسباب المعهودة لدفع العوارض، فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء، وليس لهم ملجأ ‏فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله والرضا بقضائه، فهم غافلون عن طب الأطباء، ورقى الرقاة، ‏ولا يحسنون من ذلك شيئاً، والله أعلم.‏
رابعها: أن المراد بترك الرقي والكي الاعتماد على الله في دفع الداء، والرضا بقدره، لا القدح في ‏جواز ذلك لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة، وعن السلف الصالح. لكن مقام الرضا والتسليم أعلى ‏من تعاطي الأسباب، إلى هذا نحا الخطابي ومن تبعه. ‏
قال ابن الأثير: هذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها، وهؤلاء خواص ‏الأولياء، ولا يرد على هذا وقوع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، فعلاً وأمراً، لأنه كان في أعلى ‏مقامات العرفان ودرجات التوكل ، فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، ومع ذلك فلا ينقص ‏ذلك من توكله، لأنه كامل التوكل ‏
يقيناً، فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئاً بخلاف غيره(403). ‏
وقال الإمام النووي رحمه الله في شرحه الحديث، وبعد أن ذكر قول الخطابي: "والظاهر من ‏معنى الحديث ما اختاره الخطابي، ومن وافقه كما تقدم، وحاصله أن هؤلاء كمل تـفويضهم إلى الله عز ‏وجل.." (404).‏
وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله بعد ذكره لحديث ابن عباس: "فهؤلاء من أمته، وقد جمعهم بأنهم لا ‏يسترقون، والاسترقاء أن يطلب من غيره أن يرقيه، والرقية نوع من الدعاء، وكان صلى الله عليه ‏وسلم يرقى نفسه وغيره، ولا يطلب من أحد أن يرقيه...."(405).‏
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: "فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول ‏من أنكرها، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل كما لا ينافيه فيه دفع داء الجوع والعطش والحر ‏والبرد بأضدادهما، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها ‏قدراً وشرعاً، وأن تعطليها يقدح في مباشرة التوكل نفسه، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من ‏حيث يظن معطلها أن تركها أقوى من التوكل، فإن تركها عجز ينافى التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب ‏على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا ‏الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلاً للأمر، والحكمة، والشرع؛ فلا يجعل عجزه توكلاً، ولا ‏توكله عجزاً"(406)‏
‏ وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله في شرحه لحديث ابن عباس:‏

‏403- انظر فتح الباري لابن حجر (10/211-212) ش ح(5752). ‏
‏404- انظر شرح النووي على مسلم (3/91) ش ح(374).‏
‏405- انظر مجموع الفتاوي لابن تيمية (1/328).‏
‏406- انظر تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد ‏الوهاب (111).‏

إنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلاً على الله، كالاسترقاء ‏والاكتواء، فتركهم لها ليس لكونها سبباً، ولكن لكونها سبباً مكروهاً؛ لاسيماً المريض يتشبث بما يظنه ‏سبباً لشفائه بخيط العنكبوت. أما مباشرة الأسباب نفسها، والتداوي على وجه لا كراهية فيه، فغير قادح ‏في التوكل، فلا يكون تركه مشروعاً، كما في الصحيح عن أبى هريرة مرفوعاً، "ما أنزل الله من داء ‏إلا وأنزل له شفاء"(407). ‏
فالحاصل أنه يتعين على الإنسان أن يبذل الأسباب التي شرعها الله ورسوله، أو التي نصبها ‏الله قدراً في تحصيل منافعه ودفع المضار عن نفسه وعن غيره. وذلك لا ينافى التوكل، بل يحققه ‏ويكمله. وأما ما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنه فحاصل كلام العلماء فيه التفريق أولاً بين ‏الذين يرقون أنفسهم أو غيرهم، وبين الذين يسترقون، أي يطلبون الرقية من غيرهم، ثم ثانياً: أنه بيان ‏ووصف لطائفة من هذه الأمة بقوة اعتمادهم وتعلقهم بالله تعالى وحده في حصول المنافع ودفع ‏المضار، وبعزة نفوسهم وعدم التذلل وسؤال غير الله، وبكمال إيمانهم وتعلق قلوبهم بالله، ومخافة ‏التعلق بغيره من الأسباب والأشخاص، وبكمال استسلامهم لقضاء الله وقدره وتلذذهم بالبلاء في جنب ‏الله تعالى. وهذا كله لا يعني ولا يلزم منه ترك التداوي وترك الإحسان إلى الناس بإيصال الخير لهم، ‏ودفع الشر عنهم. ‏


‏407- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب ما أنزل الله داء إلا أنزل ‏له شفاء ح(5678) وأحمد في مسنده (1/377).‏





الخاتمة
تقرر مما سبق ذكره ونقله إباحة وإجازة الرقى، واستحبابها على حسب الحاجة إليها ووفق ‏الضوابط الشرعية لاجتناب الوقوع في المحاذير الشرعية من التعلق بغير الله، واعتقاد الانتفاع بغيره ‏عز وجل مما هو طريق الشرك الذي هو أعظم ما عصي الله تعالى به.‏
ومعلوم أن ما كان مباحاً وجائزاً، وربما مستحباً أيضاً فإن أخذ الأجرة عليه تابع لأصل الفعل، ‏فحكم أخذ الأجرة والتكسب فرع حكم الرقية والتداوي.‏
ولكن ما نشاهده اليوم من كيفيات متعددة تتم بها الرقية، وهي قائمة على التفرغ لهذا العمل ‏واتخاذه حرفة ومهنة، واشتهار أشخاص يقومون بهذا العمل، واشتهار عيادات متخصصة في هذا النوع ‏من التداوي حتى ازدحم الناس على أبواب هذه العيادات، وتعلق كثير منهم ببعض القراء دون النظر ‏والاعتبار بالمقروء، الأمر الذي ترتب عليه كثير من المفاسد من أهمها: ‏
‏1- اعتقاد كثير الناس خصوصية معينة على القاريء الذي يزدحم عليه الناس؛ مما يسبب الغلو ‏بالقاريء على حساب المقروء. والأصل في الشريعة سد الذرائع التي قد تفتح باب شر وضلال على ‏أهل الإسلام. ‏
‏2- عدم ورود مثل هذه الكيفيات، واتخاذ الرقية حرفة لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن ‏أحد من أصحابه، ولا عن أحد من أهل العلم والفضل رغم وجود الحاجة، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، ‏والأصل متابعتهم والاقتداء بهم. ‏
‏1-‏ فتح باب شر للقاريء إذا رأى ازدحام الناس عليه فيصاب بالعجب، ويظن في نفسه ما فيه فتـنتها- ‏وقد تزيد الشياطين في هذه الفتنة حين تنطق وتعلن خوفها وفزعها من هذا القاريء استدراجاً وفتنة ‏له. ‏
ورضي الله عن عمر في سده لهذا الباب حين قال لأُبَّي رضي الله عنه وحوله جماعة من أتباعه: "أما ‏علمت أنها فتنة للمتبوع ومذلة للتابع". ‏
ولهذا كان بعض من اشتهر بإجابة الدعوة من السلف يخفون أنفسهم ولم يزدحم الناس على أبوابهم. ‏وفي قصة أُوَيْـسٍ القرني عظة وعبرة في مخافة الفتنة وسد أبوابها ووسائلها صيانة للنفس والدين. ‏
‏4- انتشار هذه الظاهرة في مجتمعاتنا اليوم لما تدره من أموال على المتفرغ وغيره، قد تفتح بابا ‏للمشعوذين والدجالين وأصحاب النفوس المريضة وطلاب الكسب غير المشروع في فتح عيادات ‏واستقبال الناس والعامة.‏
‏5- يتوهم كثير من الناس أن هذه الطريقة، وهي التردد على هذه العيادات هي طريقة الرقى الشرعية، ‏فيظل يطلبها ويسترقي غيره، وتتعطل بذلك الطريقة الشرعية وهي رقية الإنسان نفسه، والالتجاء ‏بصدق إلى الله عز وجل، الأمر الذي يؤدى إلى تعلق المريض بغير الله ولجوئه إليه واطمئنان قلبه إليه؛ ‏مما ينافي توكله على الله تعالى وحده، ومن ثم ينقص توحيده أو ينقضه تماماً. ‏
وقد سئل شيخنا الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في محاضرة له عن فتح عيادات خاصة ‏للقراءة. فأجاب حفظة الله: ‏
‏"هذا لا يجوز لأنه يفتح باباً للفتنه وباباً لاحتيال المحتالين، وما كان هذا من عمل السلف أن يفتحوا ‏دوراً أو محلات للقراءة. وأن التوسع في هذا يحدث شراً، ويدخل فيه من لا يحسنه، لأن الناس يجرون ‏وراء الطمع، ويحبون جلب الناس إليهم، ولو بعمل أشياء محرمة، ومن يأمن الناس؟ ولا يقال: هذا ‏رجل صالح، لأن الإنسان يفتن والعياذ بالله، ولو كان صالحاً. ففتح هذا الباب لا يجوز ويجب إغلاقه. ‏
هذا والله أسأل أن يوفق الجميع لما يحبه يرضاه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، ‏وصلى الله وبارك على نبينا وآله وصحبه أجمعين. ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:03 PM
رسالة إلى الرقاة

عبد المحسن محمد الرويشد


مقدمة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، ‏
أما بعد:‏
فلما ابتعد الناس عن منهج الله وأصبحوا في منأى عن آياته في عصرنا هذا، جرت فينا السنة الإلهية ‏ابتلاءً من الله تعالى لينظرنا هل نكفر أو نرجع، قال تعالى: ‏
‏(ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا فلا تعجل عليهم)(479).‏
وحيث إن ظاهرة الأمراض المتعلقة بالجن قد انتشرت، فقد انبرى لها من سخرهم الله تعالى لخدمة ‏عباده من أصحاب المنهج القويم، ثم فُتِح الباب فكان الناس فيه ثلاثة أصناف:‏
الأول: مرتزقة مشعوذون فهؤلاء- لا حياهم الله - لا يستحقون منا إلا الطرد كي لا يفسدوا على الناس ‏عقائدهم.‏
الثاني: من التزموا منهج السلف في العلاج بالقرآن، فأفادوا واستفادوا لهم الأجر الجزيل من الله ‏تعالى.‏
الثالث: جماعة من المسلمين يحبون الخير وابتغاء مرضاة الله، ولكنهم ضلوا الطريق عن حسن نية، ولم ‏يجدوا موجها، ولم يدركوا أصول هذا الفن من العلم.‏
لذلك كان لزاما علىَّ أن أكتب إليهم هذا البحث؛ فإلى الصنف الأول: تحذير الناس منه ‏وصرفهم عنه. وإلى الصنف الثاني: ذكرى لي ولهم لعل الذكرى تنفعنا. وإلى الصنف الثالث: تعليم ‏وتوجيه.‏
وبعد، فهذه رسالة مفيدة مختصرة أوجهها لكل راق سلك طريق العلاج بالقرآن الكريم.. أوجهها لكل ‏مؤمن ومؤمنة من أتباع الرسول المعلم محمد بن عبد الله صلى الله ‏
‏ 479- سورة مريم: (83).‏
عليه وسلم.. فيها ذكرى لمن أراد أن يذكر، أو أراد شكورا.. وأوجهها لمن نذروا أنفسهم لخدمة ‏إخوانهم المسلمين. لمن يخافون الله ويرجون ثوابه، ولمن يشعرون بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم ‏بالدعوة إلى الله وعلاج إخوانهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.‏

وقد ضمنتها ثلاثة فصول:‏
الأول: فيما يتعلق بالرقية؛ كونها آيات وأحاديث لمساعدة الناس.‏
الثاني: فيما يتعلق بالراقي نفسه والآداب التي يجب أن يتحلى بها، وأدواته، وأهم المعلومات التي ‏يحتاج إليها.‏
الثالث: خمنته مسألة طال الخلاف فيها وهي: مسألة الجلوس للرقية. وقد وضعت لها ضوابط وشروط؛ ‏توفيقا بين الآراء وخروجا من الخلاف، والله أعلم.‏
وأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقني والمسلمين العلم النافع والعمل الصالح الخالص لوجهه ‏الكريم. وصلى الله وسلم على قدوتنا ومعلمنا وإمامنا وقائدنا محمد بن عبد الله وآله وصحبه ومن والاه ‏إلى يوم الدين.‏

أخي في الله ‏
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: ‏
يقول الله عز وجل: ‏
‏(وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)(480). ‏
وقال تعالى:‏
‏(وتعاونوا على البر والتقوى)(481).‏

‏480- سورة الذاريات: (55).‏
‏481- سورة المائدة: (2).‏
وعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنه قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم"(482). ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ‏يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"(483).‏
‏482- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب بيان أن الدين النصيحة ‏ح(55). وأبو داود في سننه: كتاب الأدب في النصيحة ح(4944) والترمذي في ‏سننه: كتاب البر والصلة: باب ما جاء في النصيحة ح(1932). وقال: هذا حديث ‏حسن صحيح. والنسائي في سننه: كتاب البيعة: باب النصيحة للإمام ح(4208). ‏وانظر تحفة الأشراف (2053). وأخرجه أحمد في مسنده (1/351) ‏و(2/297) قال الخطابي: النيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح ‏له فمعنى النصيحة لله سبحانه: صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته. ‏والنصيحة لكتابه: الإيمان به والعمل بما فيه. والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوته ‏وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهى عنه. والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى ‏مصالحهم ‏‎–‎انظر جامع العلوم والحكم لابن لاجب ص (74). كما أخرجه البخاري ‏في صحيحه: كتاب الشروط: باب ما يجوز من الشروط في الإسلام والأحكام ‏والمبايعة ح(2715) ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب بيان أن ‏الدين النصيحة ح(56). والترمذي في سننه: كتاب البر والصلة: باب ما جاء في ‏النصيحة ح(1933). وقال: وهذا حديث صحيح. والنسائي في سننه: كتاب البيعة: ‏باب البيعة على النصح لكل مسلم ح(4167). وانظر تحفة الأشراف ‏ح(3210) وأخرجه أحمد في مسنده (4/358 و365).‏
‏483- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان: باب من الإيمان أن يحب لأخيه ‏ما يحب لنفسه ح(13). ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب الدليل على أن من ‏خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير ح(45). والترمذي ‏في سننه: كتاب صفة القيامة: باب (59) ح(2523) وقال: هذا حديث حسن ‏صحيح. والنسائي في سننه: كتاب الإيمان: باب علامة الإيمان ح(5031) وابن ماجة ‏في سننه: كتاب السنة: باب في الإيمان ح(66) وانظر تحفة الأشراف ‏ح(1239). قال العلماء رحمهم الله: معناه لا يؤمن الإيمان التام وإلا فأصل الإيمان يحصل ‏لمن لم يكن بهذه الصفة. والمراد يحب لأخيه من الطاعات والأشياء المباحات ‏‎–‎شرح ‏النووي على صحيح مسلم (2/16). ‏
أخي في الله
‏ بدافع من التوحيد، والحب لكم في الله، أكتب لكم هذه الرسالة لعل الله أن ينفع بها؛ سائلا ‏المولى عز وجل أن يزيدني وإياكم علماً وعملا وإخلاصا، وأن يجعلني وإياكم ممن إذا أعطي شكر، ‏وإذا أذنب استغفر، وإذا ابتلي صبر.‏

أخي في الله
‏ ‏ إعلم وفقك الله للعلم والعمل والإخلاص في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ‏دل على خير فله مثل أجر فاعله"(484). ويقول رسول صلى الله عليه وسلم: "لأنْ يهدي الله بك رجلا ‏واحدا خير لك من حمر النعم"(485). ‏
وأن كل عمل له مثوبته إذا أقدم عليه الإنسان باحتساب وإخلاص ومتابعة لرسول الله صلى الله ‏عليه وسـلم، والشعور بأنه رسـالة يجـب أن يؤديها وبشرط أن لا يتحول العمـل إلى وظيفة لكسـب ‏الرزق؛ وكذلك العلاج بالقرآن إذا تحول إلى وظـيفة لكسب المال - فتلك طامة كبرى.‏
‏484- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة: باب فضل إعانة الغازي في سبيل ‏الله بمركوب وغيره وخلافته في أهله ح(1893).وأبو داود في سننه: كتاب الأدب: ‏باب في الدال على الخير ح(5129). والترمذي في سننه: كتاب العلم: باب ما ‏جاء الدال على الخير كفاعله ح(2680) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأحمد في ‏مسنده (4م120) و(5/272 و273). قال النووي: المراد بمثل أجر فاعله أن له ‏ثوابا بذلك الفعل كما أن لفاعله ثواباً ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء ‏‎–‎أنظر ‏شرح النووي على صحيح مسلم (13/39).‏
‏485- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسير: باب دعاء النبي صلى ‏الله عليه وسلم إلى الإسلام والنبوة وأن لا يتخذ بعضهم بعضاً أربابا من دون الله ‏ح(2942). ومسلم في صحيحه: كتاب فضائل الصحابة: باب فضائل علي بن أبي ‏طالب ح(2406). وأبو داود في سننه: كتاب العلم: باب فضل نشر العلم ح(3661). ‏وأحمد في مسنده (5/333). قال النووي: حمر النعم: هي الإبل الحمر وهي أنفس أموال ‏العرب يضربون بها المثل في نفاسة الشيء وأنه ليس هناك أعظم منه. انظر شرح النووي ‏على صحيح مسلم (15/178). ‏
تمهــــيد

القرآن شفاء من كل داء

قال تعالى:‏
‏(وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا)(486).‏
قال: ابن كثير - رحمه الله: القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين، أي يذهب ما في القلوب من ‏أمراض، من شك ونفاق وشرك وزيغ وميل. فالقرآن يشفي من ذلك كله، وهو أيضا رحمة يحصل فيها ‏الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه فإنه يكون شفاء ‏في حقه ورحمة.‏
أما الكافر الظالم نفسه بذلك فلا يزيده سماعه للقرآن إلا بعدا وكفرا، والآفة من ذلك الكافر لا ‏من القرآن لقوله تعالى:‏
‏ (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ‏ينادون من مكان بعيد)(487)، كما فهمها المفسرون(488).‏
قال قتادة - في قوله تعالى: ‏
‏(وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)‏
قال: إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه. (ولا يزيد الظالمين إلا خسارا)، أي لا ينتفع به الظالم ‏ولا يحفظه ولا يعيه. فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين(489).‏
‏486- سورة الإسراء: (82).‏
‏487- سورة فصلت: (44).‏
‏488- انظر مثلاً تفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/59).‏
‏489- المرجع السابق (3/59).‏
قال القرطبي - رحمه الله: القرآن شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الريب، ولكشف غطاء القلب ‏من مرض الجهل. وكذلك شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقي والتعوذ ونحوه(490).‏

فالأصل في التداوي يكون بالقرآن ثم بالأسباب الدوائية - فالقرآن طب القلوب ودواؤها، وعافية الأبدان ‏وشفاؤها فمنه ينزل ما هو شفاء للإنسان. ‏
فالله تبارك وتعالى قال "شفاء" ولم يقل "دواء" لأنها نتيجة ظاهرة، أما الدواء فيحتمل أن يشفي ‏وقد لا يشفي.‏
يقول ابن قيم: فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية وأدواء الدنيا والآخرة، ‏وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق، ‏وإيمان، وقبول تام، واعتقاد جازم، واستيفاء شروطه، لم يقاومه الداء أبدا -إلى أن يقول- فما من مرض ‏من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه فمن لم يشفه القرآن فلا ‏شفاه الله، ومن لم يكفه فلا كفاه الله(491).‏
ولقد أعلن إبراهيم عليه السلام الاحتياج الحقيقي إلى الله تعالى، كما جاء على لسانه عليه ‏السلام:‏
‏ (الذي خلقني فهو يهدين. والذي هو يطعمني ويسقين. وإذا مرضت فهو يشفين. والذي يميتني ‏ثم يحيين. والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين)(492).‏
ومن هنا نعلم أن حسن القصد ونية التوكل، وطلب الشفاء من الله.. كل ذلك مقرون بالإيمان، ‏فالإيمان من المعالج بأن الله هو الشافـي، والإيمان من المريض بـأن‏
‏ ‏
‏490- انظر جامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/316).‏
‏491- انظر زاد المعاد لابن القيم (4/352).‏
‏492- سورة الشعراء: (78-82). ‏
في القرآن الشفاء، وبدون ذلك لا يتم الشفاء؛ لأن الشافي هو الله تعالى.‏
ولا يفهم من هذا الكلام وذاك ترك الأسباب الدوائية كالذهاب إلى المستشفيات والمصحات ‏النفسية مثلا، لكن الأساس في علاج أي مرض هو القرآن الكريم ويضم إليه السبب الدوائي لأنه لابد ‏من اليقين بأن الشفاء من الله. وإذا نزل الشفاء نفع الدواء بإذن الله، وليس العكس لقوله تعالى:‏
‏ (وإذا مرضت فهو يشفين)(493).‏
فالدواء مجرد سبب من الأسباب الشفائية.‏

والعلاج بالقرآن الكريم والرقى الشرعية هو إحياء لسنة نبوية كريمة كانت مهجورة، وقد ‏عدها ابن قيم -رحمة الله- من هجر القرآن فقال: ومن هجر القرآن هجر التدواي والاستشفاء به(494).‏
‏ ‏
فالعلاج بالقرآن حقيقة واقعة لا ينكرها إلا جاهل أو حاقد، استفاد منه كثير من الناس، بل إن هناك ‏بعض الأمراض ليس لها علاج إلا في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.‏

وقد جاء في الفتوى رقم 8016 في 22 / 1 / 1405 هـ الصادرة عن اللجنة الدائمة للبحوث ‏العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية برئاسة سماحة الوالد الشيخ بن باز ما نصه: "تجوز الرقية ‏بالقرآن وبالأذكار والدعوات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم للحفظ والوقاية ولدفع ما أصيب به ‏الإنسان من الأمراض ‏‎…‎‏. إلخ"(495).‏
‏493- سورة الشعراء: (80).‏
‏494- انظر الفوائد لابن القيم (ص 156).‏
‏495- انظر فتاوي اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ‏‎–‎العقيدة (1/164).‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:06 PM
الفصل الأول:‏
أحكام الرقية الشرعية

المبحث الأول: الرقى
المبحث الثاني: حكم الرقي والعلاج بالقرآن
المبحث الثالث: الرقية تحصين وعلاج
المبحث الرابع: الاستشفاء بالرقي
المبحث الخامس: النصوص التي جاءت في الرقى
المبحث السادس: طلب الرقية
المبحث السابع: الرقية لجميع الأمراض




المبحث الأول
‏ الرقـــــــى‏
الرقى جمع رقية، وهي عوذة يتعوذ بها، من العوذ وهو الالتجاء -وهي آيات وأذكار وأدعية ‏تقرأ على المريض. والاستعاذة لا تكون إلا بالله، والالتجاء لا يكون إلا إلى الله تعالى. جاء في كتاب الله ‏العزيز أن امرأة عمران نذرت ما في بطنها محررا... ‏
‏(فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله اعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها ‏مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم)(496).‏
وقال تبارك وتعالى: ‏
‏(فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا. قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن ‏كنت تقيا)(497).‏
وقال تعالى:‏
‏(إدفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك ‏رب أن يحضرون)(498). ‏
همزات الشياطين. المراد بها نزغات الشياطين كما في قوله تعالى: ‏
‏(وإما ينزغك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم)(499).‏
نلاحظ من النصوص الآنفة أن امرأة عمران استعاذت لابنتها بالله من الشيطان الرجيم. وأن مريم ‏استعاذت لنفسها بالرحمن من هذا الذي تمثل لها بشرا سويا. ‏
‏496- سورة آل عمران: (36).‏
‏497- سورة مريم: (17-18).‏
‏498- سورة المؤمنون: (96-98).‏
‏499- سورة الأعراف: (200). ‏
فسواء كان مصدر الخوف والخطر هو الشيطان، أو كان إنسانا يعجز المستعيذ عنه، فالمستعاذ به ‏والملتجأ إليه هو الله تعالى. فدفع عداوة الشيطان واتقاء كيده ووساوسه وإيذائه لا يكون إلا بالالتجاء منه ‏إلى الله.‏
والرقية في حقيقتها التجاء ولوذ بالله وإلى الله، وهو تعالى وحده الذي يرفع البلاء عما ألم بمن ‏نرقيه من عين، أو جن، أو حسد، أو سحر، أو سائر الأمراض والأسقام.‏
وجاءت النصوص في الرقية متعددة مختلفة، فمنها ما يفيد النهي عنها، ومنها ما يفيد الندب ‏إليها، ومنها ما يفيد الإباحة.‏

‏(1) فالذي يفيد النهي، قوله صلى الله عليه وسلم: "أن الرقى والتمائم والتوله شرك" (500). فالحديث ‏جمع الرقى مع التمائم والتولة تحت مسمى الشرك.‏
والتمائم جمع تميمة وهو ما يعلق على المريض، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من علق ‏تميمة فقد أشرك"(501).‏

‏500- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3883). ‏وإبن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب تعليق التمائم ح(3530). وانظر تحفة ‏الأشراف ح(9643) وأخرجه أحمد في مسنده (1/381). والحاكم في مستدركه ‏‏(4/217) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي. وأخرجه ‏البيهقي في الكبرى. كتاب الضحايا: باب التمائم (9/350). وأنظر صحيح سنن أبو ‏داود للألباني ح(3288).‏
‏501- أخرجه أحمد في مسنده (4/156). وقال الهيثمي في المجمع: رواه أحمد ‏والطبراني ورجال أحمد ثقاب (5/103). وأخرجه الحاكم في مستدركه (4/219) ‏وسكت عنه وكذلك الذهبي. قال الألباني: وهذا إسناد صحيح. رجاله ثقاب رجال مسلم ‏غير دخين وهو ابن عامر الحجري أبو ليلي المصري وثقة يعقوب بن سفيان وابن ‏حبان وصحح له الحاكم (4/384) وقد أخرجه (4/219) من طريق أخرى عن يزيد ‏بن أبي منصور ‏‎–‎انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ح(492). ‏
والتولـه نوع من السحر. وهي شيء تصنعه المرأة تجلب محبة زوجها لها، أو الرجل يصنعه ‏يجلب محبة امرأته له.‏
وهذا الحديث لا حجة فيه لمن منع الرقي مطلقا، فهو محمول على الرقي الشركية. ولهذا ‏الحديث قصة مع ابن مسعود وزوجته - رضي الله عنها - حيث رأى في عنقها خيطا فقال: ما هذا؟ ‏قالت: خيط رقي لي فيه، فأخذه ابن مسعود فقطعه ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك"، وعلَّم زوجته رقية رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم فقال لها: إنما يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ‏‏"أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما"(502).‏
فهذا الحديث لا حجة فيه لمن منع الرقى مطلقا لان ابن مسعود رضي الله عنه منع من تلك ‏الشركية التي فيها خيط ولا يعلم بما رقي. ثم هو نفسه رضي الله عنه يعلم زوجته رقية رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم "أذهب البأس رب الناس...."‏
‏(2) ومن النصوص التي تفيد الندب ما وراه جابر رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم فقال: "إني أرقي من العقرب"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استطاع منكم ‏أن ينفع أخاه فليفعل"(503).‏
‏502- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التائم ح(3883). وابن ‏ماجة في سننه: كتاب الطب: باب تعليق التمائم ح(3530). وانظر تحفة الأشراف ‏ح(9643) وأخرجه أحمد في مسنده (1/381) والحاكم في مستدركه (4/217) وقال هذا ‏حديث صحيح إسناده ولم يخرجاه. وأقره الذهبي. وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب ‏الضحايا: باب التمائم (9/350). وانظر صحيح سنن أبو داود للألباني ح(3288). ‏
‏503- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب الرقية من العين ‏والنملة والحمة والنظرة ح(2199) وأحمد في مسنده (3/382) والبيهقي في الكبرى: ‏كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية (9/348) قال الألباني: وفي الحديث إستحباب ‏رقية المسلم لأخيه المسلم بما لا بأس به من الرقى، وذلك ما كان معناه معروفاً مشروعا، ‏وأما الرقى بما لا يعقل معناه من الألفاظ فغير جائز ‏‎–‎انظر الصحيحة ح(472). ‏
وهذا الحديث يحمل على رقية جربت منفعتها دون أن يكون فيها شرك. فالرقى التي تؤدى إلى ‏الشرك تُمَنع. وكذلك الرقي التي لا يُفْهم معناها، لأنها قد تؤدي إلى الشرك، فتُمْنع أيضا احتياطا، كما ‏جاء في حديث عوف بن مالك رضي الله عنه قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى ‏ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اعرضوا على رقاكم، لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه ‏شرك"(504).‏
فالمشروع من الرقى مندوب إليه سواء كان من العين أو من غيرها. ورسول الله صلى الله ‏عليه وسلم رقى واسترقى، وأمر بالرقى وأجازها. فإذا كانت بالقرآن أو بأسماء الله تعالى وصفاته فهي ‏مباحة، أو مأمور بها، إنما جاءت الكراهية والمنع فيما كان بغير اللسان العربي، فإنه ربما كان كفرا أو ‏قولا يدخله شرك.‏

قال القرطبي الرقي ثلاثة أقسام:‏
أحدها: ما كان يرقى به في الجاهلية، مما لا يعقل معناه، فيجب اجتنابه؛ لئلا يكون شرك أو يؤدى إلى ‏شرك. ‏
الثاني: ما كان بكلام الله تعالى أو أسمائه، فيجوز، وما كان مأثورا فيستحب.‏
الثالث: ما كان بأسماء غير الله تعالى من ملك أو صالح أو مُعَظَّم من المخلوقات فهذا يجب ‏اجتنابه(505).‏


‏504- أخرجه مالك في الموطأ (2/272 التمهيد) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: ‏باب لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك ح(2200). وأبو داود في سننه: كتاب الطب ‏باب ما جاء في الرقى ح(3886) والحاكم في مستدركه (4/212) وقال ‏وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. والطبراني في الكبير ‏‏(18/49) والبيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية ‏‏(9/349).‏
‏505- انظر فتح الباري لابن حجر (10/196-197) ش ح(6735).‏
قال الحافظ بن حجر في فتح الباري:‏
وقد اجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:‏
‏1) أن تكون بكلام الله أو بأسمائه أو بصفاته. ‏
‏2) أن تكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.‏
‏3) أن يعتقد كل من الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى(506).‏
قال صديق حسن خان(507): وكل عمل ودعاء ينشر المرض والداء ينفع من الأسقام والأدواء ‏يصدق أنه نشرة، ويجوز الانتفاع به، إن كان من ألفاظ القرآن والسنة، أو من المأثور من السلف ‏الصلحاء، الخالي عن أسماء الشرك وصفاته، باللسان العربي، وإلا كان حراما وشركا.‏
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: الرقية بالنسبة للراقي سنة لما فيها من الإحسان للمرقي، ‏أما بالنسبة للمرقي فإنها مباحة، والأفضل عدم طلبها لحديث الذين يدخلون الجنة بغير حساب ومن ‏أوصافهم أنهم لا يسترقون.‏

المبحث الثاني
حكمة الرقي والعلاج بالقرآن
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:‏
والصائل المعتدي يستحق دفعه سواء كان مسلما أو كافرا. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل ‏دون ماله فهو شهيد" ‏‎–‎أخرجه أحمد، وهو صحيح- فإذا كان المظلـوم ‏
‏506- انظر فتح الباري لابن حجر (10/195) ش ح(5753).‏
‏507- المحدث المفسر ناصر السنة، قامع البدعة، السيد أبو الطيب صديق بن حسن بن علي ‏الحسيني القنوجي البخاري. ولد في قنوج بالهند 1248 هـ الموافق 1832م وتوفى 1307 هـ ‏الموافق 1889م -انظر الدين الخالص للقنوجي (2/343). ‏
له أن يدفع عن ماله ولو بقتل الصائل العادي، فكيف لا يدفع عن عقله وبدنه وحرمته؟ فإن الشيطان ‏يفسد عقله ويعاقبه في بدنه، وقد يفعل معه فاحشة إنسى بإنسى، وإن لم يندفع إلا بقتل جاز قتله.‏
وأما إسلام صاحبه والتخلي عنه فهو مثل إسلام أمثاله من المظلومين، وهذا فرض على ‏الكفاية مع القدرة. ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم "المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا ‏يظلمه." فإن كان عاجزاً عن ذلك، أو هو مشغول بما هو أوجب منه أو قام به غيره لم يجب. وإن كان ‏قادرا، وقد تعين عليه، ولا يشغله عما هو أوجب منه؛ وجب عليه(508).‏
‏ ‏
جاء في كتاب الدليل والبرهان على صرع الجن للإنسان لشيخ الإسلام ابن تيمية تحت عنوان ‏‏"استحباب ووجوب دفع أذى الجن، وجوب نصر الإنسان المصروع" بما نصه: إذا عرف الأصل في ‏هذا الباب فنقول يجوز بل يستحب وقد يجب أن يذب عن المظلوم وأن ينصر، فإن نصر المظلوم ‏مأمور به بحسب الإمكان(509).‏

أما قول السائل هل هذا مشروع؟ فهذا من أفضل الأعمال، وهو من أعمال الأنبياء ‏والصالحين، فإنه ما زال الأنبياء والصالحون يدفعون الشياطين عن بني آدم بما أمر الله ورسوله(510). ‏
‏508- انظر مجموع لفتاوي لابن تيمية (19/56).‏
‏509- انظر الدليل والبرهان على صرع الجن للإنسان لابن تيمية (ص 47).‏
‏510- المرجع السابق (ص 53). ‏
المبحث الثالث
الرقية تحصــــين وعــــــــلاج

رقية التحصين:‏
هي التي تعمل قبل حصول المرض كالالتزام بأذكار الصباح والمساء وأذكار النوم وغيرها ‏من أذكار اليوم والليلة، وقراءة آية الكرسي والإخلاص والمعوذتين بعد كل صلاة وقبل النوم. كان ‏النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحق: ‏‏"أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة"(511).‏

رقية العلاج:‏
هي التي تعمل بعد حصول المـرض بقصد الاستشفاء من هذا المرض، أو تخفيف الألم. كرقية جبريل ‏للنبي صلى الله عليه وسلم عندما اشتكى النبي صلى الله عليـه وسلم أتاه جبريل فقال: يا محمد اشتكيت؟ ‏قال. نعم، قال: "بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله ‏يشفيك‎…‎‏."(512).‏
‏511- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء: باب (10) ح(3371) وأبو داود في سننه: كتاب ‏السنة: باب في القرآن ح(4737) وقال: "هذا دليل على أن القرآن ليس بمخلوق. مستدلا على أنه ولو كان مخلوقاً ‏لما صح الاستعاذة به". وأخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (18) ح(2067) وقال: هذا حديث حسن ‏صحيح وأبن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه وسلم وما عوذ به ح(3525) وأنظر ‏تحفة الشراف ح(5627) وأخرجه أحمد في مسنده (1/270-136) والنسائي في اليوم والليلة ح(1007). الهامة: ‏واحدة من الهوام وهي ذوات السموم. اللامة: بتشديد الميم أي ذات لمم، واللمم كل داء يلم من خبل او جنون أو ‏نحوهما. أي في كل عين تصيب بسوء ‏‎–‎‏ أنظر شرح السندي على سنن ابن ماجة (4/125). ‏
‏512- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطب والمرض والرقى ح(2186) والترمذي في سننه: كتاب ‏الجنائزك باب ما جاء في التعوذ للمريض ح(974) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي صلى ‏الله عليه وسلم وما عوذ به ح(3523) وانظر تحفة الأشراف ح(4363) واخرجه أحمد في مسنده (3/28-56) ‏والنسائي في اليوم والليلة ح(1005) قال النووي هذا حديث تصريح بالرقى باسماء الله تعالى وفيه توكيد الرقية ‏والدعاء وتكريره، وقوله في شر كل نفس قيل: يحتمل أن المراد بالنفس نفس الأدمى وقيل يحتمل أن المراد بها ‏العين فإن النفس تطلق على العين ويقال رجل النفوس إذا كان يصيب الناس بعينه. انظر شرح النووي على صحيح ‏مسلم (14/170).‏
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرقى أهله يقول: "أذهب البأس، رب الناس اشف وأنت ‏الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما"(513).‏
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من اشتكى شيئا يضع يده على الذي يشتكي ويقول: "بسم ‏الله (ثلاث مرات) أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر (سبع مرات)"(514).‏
وعن عائشة رضي الله عنها "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على ‏نفسه بالمعوذات وينفث، قالت: فلما اشتد وجعه كنت أنا أقرأ عليه وأمسح عليه بيمينه رجاء ‏بركتها"(515).‏
‏513- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ح(5675) ومسلم في ‏صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض (2191) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في ‏تعليق التمائم ح(3883) والترمذي في سننه: كتاب أحاديث شتى: باب في دعاء المريض ح(3576) وقال ‏هذا حديث حسن وابن ماجة في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض الرسول صلى الله عليه ‏وسلم ح(1619) وانظر تحفة الأشراف (17638) وأخرجه أحمد في مسنده (3/267) و(4/259) ‏و(6/32) والنسائي في اليوم والليلة ح(1042) وابن السني في اليوم والليلة ح(543) قال النووي: الحديث ‏فيه استحباب مسح المريض باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحة جمعتها في كتاب ‏الأذكار انظر النووي على صحيح مسلم (14/180).‏
‏514- أخرجه مالك في موطأه: كتاب العين: باب التعوذ والرقية من المرض (2/942) ومسلم في ‏صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء (2202) وأبو داود في سننه: ‏كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3891) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (29) ح(2087) وقال ‏هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه وسلم وما ‏عوذ به ح(3522) وانظر تحفة الأشراف ح(9774) وأخرجه أحمد في مسنده (6/390) والنسائي ‏في اليوم والليلة ح(1001) قال النووي: يستحب وضع يده على موضع الألم وياتي بالدعاء المذكور ‏‎–‎انظر ‏شرح النووي على صحيح مسلم (14/189) شرح (2202). ‏
‏515- أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين: باب التعوذ والرقية في المرض (2/193) والبخاري في ‏صحيحه: كتاب الطب: باب في المرأة ترقي الرجل ح(5751) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب رقية ‏المريض بالمعوذات والنفث ح(2192) وابو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3602) وابن ‏ماجة في سننهك كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(3529) وانظر تحفة الأشراف ح016589) واحمد ‏في مسنده (6/104) والنسائي في اليوم والليلة ح(1009) قال النووي: وسئلت عائشة عن نفث النبي صلى ‏الله عليه وسلم في الرقية فقالت كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه. قال: ولا اعتبار بما يخرج عليه من بله ‏ولا يقصد ذلك ‏‎–‎انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/182).‏
قال أبو عمر: فيه إثبات الرقي، والرد على من أنكره من أهل الإسلام. وفيه الرقى بالقرآن، ‏وفي معناه كل ذكر لله جائز أن يرقى به، وفيه إباحة النفث بالرقي والتبرك به، وفيه المسح باليد عند ‏الرقية، وفي معناه المسح باليد على كل ما ترجى بركته وشفاؤه وخيره(516).‏
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عاد مريضا وضع يده على صدره وقال: "أسأل الله العظيم ‏رب العرش العظيم أن يشفيك - سبع مرات"(517).‏
من غير شك أن يرقي الإنسان نفسه أفضل من أن يرقيه غيره. فالأحاديث التي أتت بالرقي ‏تحث على أن يرقي المسلم نفسه. كأن يقول اللـهم رب النــاس ‏
أذهب الباس اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما(518).‏
‏516- انظر التمهيد لابن عبد البر (8/129). ‏
‏517- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الجنائز: باب الدعاء للمريض عند العيادة ‏ح(3106) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (32) ح(2060) وقال حديث حسن ‏غريب لا نعرفه إلا من حديث المنهال بن عمرو وأحمد في مسنده (1/239-243) والحاكم في ‏مستدركه (1/432) عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من عاد ‏مريضاً لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا ‏عافاه الله من ذلك المرض قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه ‏الذهبي. وأخرجه ابن ماجة في صحيحه (714) موارد والنسائي في اليوم والليلة ح(1043) وابن ‏السني في اليوم والليلة ح(544) وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1698). ‏
‏518- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ح(5675) ‏ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض (2191) وأبو داود في ‏سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3883) والترمذي في سننه: كتاب أحاديث ‏شتى: باب في دعاء المريض ح(3576) وقال هذا حديث حسن وابن ماجة في سننه: كتاب ‏الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض الرسول صلى الله عليه وسلم ح(1619) وانظر ‏تحفة الأشراف (17638) وأخرجه أحمد في مسنده (3/267) و(4/259) و(6/42). ‏والنسائي في اليوم والليلة ح(1042) وابن السني في اليوم والليلة ح(543) قال النووي: ‏الحديث فيه استحباب مسح المريض باليمين والدعاء لـه وقد جاءت فيه روايات كثيرة ‏صحيحة جمعتها في كتاب الأذكار أنظر النووي على صحيح مسلم (14/180).‏

وإذا اشتكى يضع يده مكان الذي يؤلمه ويقول: بسم الله (ثلاثا)، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ‏ما أجد وأحاذر (سبعاً)(519).‏
فالأفضل أن يرقي الإنسان نفسه وأولاده وزوجه، ويعوذ أولاده كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ ‏الحسن والحسين: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامه"(520).‏
فإن تعسر عليه أن يرقي نفسه وأولاده وزوجه، كأن يكون جاهلاً بالرقية وشروطها، ذهب ‏لمن يثق بدينه وعلمه من أهل الصلاح ليرقيه. ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:07 PM
المبحث الرابع
‏ الاســـــتشفاء بالرقـــــى‏

الاستشفاء لغة طلب الشفاء، كالاستغفار طلب المغفرة. والاستشفاء يكون من مرض، والمرض ‏نوعان:‏
‏1) مرض حسي: وهو المرض العضوي، والمسبب عن علة. ‏
‏2) مرض غير حسي (معنوي): وهو ما لا تعرف له علة، ولاتدرك له حقيقة؛ كالعين مثلا، فإنها ليست ‏مرضا محسوسا ولا عضويا.‏
‏519- أخرجه مالك في موطأه: كتاب العين: باب التعوذ والرقية من المرض (2/942) ومسلم في صحيحه: كتاب ‏السلام: باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء ح(2202) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف ‏الرقى ح(3891) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (29) ح(2087) وقال هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة ‏في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه وسلم وما عوذ به ح(3522) وانظر تحفة الأشراف ‏ح(9774) وأخرجه أحمد في مسنده (6/390) والنسائي في اليوم والليلة ح(1001) قال النووي: يستحب وضع يده ‏على موضع الألم ويأتي بالدعاء المذكور ‏‎–‎انظر شرح للنوي على صحيح مسلم (14/189) شرح (2202).‏
‏520- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء: باب (10) ح(3371) وأبو داود في سننه: كتاب السنة: ‏باب في القرآن ح(4737) وقال: هذا دليل على أن القرآن ليس بمخلوق. مستدلاً على أنه لو كان مخلوقاً لما ‏صح الاستعاذة به. وأخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (18) ح(2067) وقال: هذا حديث حسن صحيح ‏وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه وسلم وما عوذ به ح(3525) وانظر تحفة ‏الأشراف ح(5627) وأخرجه أحمد في مسنده (1/270-136) والنسائي في اليوم والليلة ح(1007) الهامة: ‏واحدة من الهوام وهي ذوات السموم. اللامة: بتشديد الميم أي ذات لمم، واللمم كل داء يلم من خبل أو جنون أو ‏نحوهما. أي في كل عين تصيب بسوء ‏‎–‎انظر شرح السندي على سنن إبن ماجة (4/125).‏
والاستشفاء بالرقى والتعاويذ يشمل القسمين معا الحسي والمعنوي، واليقين بالله تعالى ‏ضرورة. لأن الله تعالى هو الذي أنزل الداء، وأنزل الدواء، وبيده الشفاء، مهما كان نوع الدواء أو قوة ‏الداء. كما قال تعالى: ‏
‏ (وإذا مرضت فهو يشفين)(521).‏
فالواجب على المسلم المحافظة على عقيدته مما يفسدها أو يخل بها، فلا يتعاطى ما لا يجوز ‏من الأدوية، ولا يذهب إلى المخرفين والمشعوذين ليتعالج عندهم من الأمراض لأنهم يمرضون قلبه ‏وعقيدته؛ ومن توكل على الله كفاه.‏
وبعض الناس يعلق أشياء على نفسه سواء كانت هذه الأشياء من القرآن أو من غيره كالخرز، ‏والعظام، والودع، والخيوط، وأسماء الشياطين والجن، والطلاسم؛ بقصد دفع الضر أو جلب المنفعة. ‏وهو ليس فيه مرض حسي، وإنما فيه مرض وهمي، وهو الخوف من العين أو الحسد. أو يعلق هذه ‏الأشياء على سيارته، أو بيته، أو دكانه. وهذا كله من ضعف العقيدة، وضعف توكله على الله. وإن ‏ضعف العقيدة هو المرض الحقيقي الذي يجب علاجه بصدق التوحيد والعقيدة الصحيحة.‏
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تعلق شيئا وكل إليه"(522). أي وكله الله إلى ذلك ‏الشيء الذي تعلقه. فمن تعلق بالله، والتجأ إليه، وفوض أمره إليه كفاه، وقرب إليه كل بعيد، ويسر لـه ‏كل عسير. ومن تعلق بغيره من المخلوقين، والتمائم، والأدوية؛ خسر عقيدته، وانقطعت صلته بربه، ‏وخذله الله.‏
‏521- سورة الشعراء: (80).‏
‏522- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في كراهية التعليق ‏ح(2079) وقال وفي الباب عن عقبة بن عامرك قال المبارك فوري في التحفة (6/20) ‏وحديث عقبة بن عامر أخرجه احمد وأبو يعلي والطبراني بمعناه. قال الهيثمي في ‏المجمع: رجاله ثقات. وأخرجه أحمد في مسنده (4/310-311) والحاكم في مستدركه ‏‏(4/216) وسكت عنه هو والذهبي. وأخرجه البغوي في شرح السنة (12/160) وانظر ‏صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1691).‏

المبحث الخامس ‏
‏ النصوص التي جاءت في الرقى‏

جاءت النصوص في الرقية من كل ألم، من العين، وألم السن، والرأس، والبطن، ومن كل ‏عرق ينبض في الجسم.‏
‏1) تقدم حديث ابن مسعود مع زوجته رضي الله عنه في قوله لها: كان يكفيك أن تقولى كما كان رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أذهب الباس رب الناس واشف، أنت الشافي، شفاء لا يغادر ‏سقما"(523). ‏
‏2) عن عثمان بن أبي العاص أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بي وجع قد كاد يهلكني، فقال ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم "امسحه بيمينك سـبع مرات، وقل: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما ‏أجد، قال: فعلت ذلك فأذهب الله عز وجل ما كان بي، فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم"(524).‏
‏523- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ح(5675) ‏ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض (2191) وأبو داود في سننه ‏كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3883) والترمذي في سننه كتاب أحاديث شتى: ‏باب في دعاء المريض ح(3576) وقال هذا حديث حسن وابن ماجة في سننه: كتاب الجنائز: ‏باب ما جاء في ذكر مرض الرسول صلى الله عليه وسلم ح(1619) وانظر تحفة الأشراف ‏‏(17638) وأخرجه أحمد في مسنده (3م267) و(4/259) و(6/42) والنسائي في اليوم والليلة ‏ح(1042) وابن السني في اليوم والليلة ح(543) قال النووي الحديث فيه استحباب مسح المريض ‏باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحة جمعتها في كتاب الأذكار انظر شرح ‏النووي على صحيح مسلم (14/180). ‏
‏524- أخرجه مالك في موطأه: كتاب العين: باب التعوذ والرقية من المرض (2/942) ‏ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء ‏ح(2202) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3891) والترمذي في سننه: كتاب ‏الطب: باب (29) ح(2087) وقال هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ‏ما عوذ به النبي صلى الله عليه وسلم وما عوذ به ح(35229 وانظر تحفة الأشراف ح(9774) ‏وأخرجه احمد في مسنده (6/390) والنسائي في اليوم والليلة ح(1001) قال النووي: يستحب وضع ‏يده على موضع الألم ويأتي بالدعاء المذكور ‏‎–‎انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/189) شرح ‏‏(2202).‏
‏3) عن عائشة رضي الله عنها، كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا اشتكى الإنسان أو شكا -إذا كانت ‏به قرحة أو جرح قال: "بإصبعه هكذا بالأرض ثم رفعها وقال: بسم الله، تربه أرضنا، بريقة بعضنا، ‏يشفي بها سقيمنا، بإذن ربنا"(525).‏
‏4) وقد رقى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال: نعم قال: "بسم الله أرقيك، ‏من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك"(526).‏
‏(5) عن خالد بن الوليد - رضي الله عنه، أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا بالليل، ‏فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أعلمك كلمات علمنيهن جبريل عليه السلام، وزعم أن عفريتا ‏من الجن يكيدني، فقال: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من ‏السماء، وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، إلا ‏طارقاً يطرق بخير يا رحمن"(527).‏
‏525- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية النبي صلى الله عله وسلم ح(5746) ومسلم في صحيحه: ‏كتاب السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة ح(2194) وابو داود في سننه: كتاب الطب: باب ‏كيف الرقى ح(3895) وابن ماجة في سننه: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه وسلم وما عوذ به ح(3521) وانظر ‏تحفة الأشراف ح(17906) واخرجه أحمد في مسنده (6/93) والبغوي في شرح السنة (5/224) والنسائي في اليوم ‏والليلة ح(1023) وابن السني في اليوم والليلة ح(576).‏
‏526- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطب والمرض والرقى ح(2186) والترمذي في سننه كتاب ‏الجنائز باب ما جاء في التعوذ للمريض ح(974) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه ‏وسلم وما عوذ به ح(3523) وأنظر تحفة الأشراف ح(5363) واخرجه أحمد في مسنده (3/28-56) والنسائي ‏في اليوم والليلة ح(1005) قال النووي هذا تصريح بالرقى بأسماء الله تعالى وفيه توكيد الرقية والدعاء وتكريره، وقوله ‏من شر كل نفس قيل يحتمل أن المراد بالنفس نفس الأدمي وقيل يحتمل أن المراد بها العين فإن النفس تطلق على العين ‏ويقال رجل نفوس إذا كان يصيب الناس بعينه. انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/170). ‏
‏527- أخرجه أحمد في مسنده (3/419) والهيثمي في المجمع (10/127) وقال رواه أحمد وابو يعلي والطبراني بنحوه ‏ورجال أحد إسنادي أحمد وأبي يعلي وبعض أسانيد الطبراني رجال الصحيح، وكذلك رجال الطبراني. وأخرجه ابن أبي ‏شيبة في مصنفه: كتاب الدعاء: (10/357) ح(9650) وعبد الرزاق في مصنفه (36:11) ح(19833) وأبو ‏نعيم في الحلية (5/377) وابن السني في اليوم والليلة ح(637) قال الألباني في شرح العقيدة الطحاوية (178) صحيح ‏رواه أحمد (3/419) وابن السني (631) عن عبد الرحمن بن حنبش مرفوعاً بسند صحيح.‏
‏6) عن علي - رضي الله عنه، قال: "لدغت النبي صلى الله عليه وسلم عقربٌ وهو يصلي، فلما فرغ ‏قال: "لعن الله العقرب، لا تدع مصليا ولا غيره، ثم دعا بماء وملح فجعل يمسح عليها ويقرأ: قل يا أيها ‏الكافرون، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس" ‏‎–‎رواه إبن ماجه والترمذي، وإسناده ‏حسن(528).‏
‏7) عن الشفاء بنت عبد الله عن رسول الله صلى اله عليه وسلم أنه قال: "ألا تُعلِّمين هذه رقية النملة ‏كما علمتيها الكتابة"(529).‏
‏8) عن عائشة رضي الله عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "ما لصبيكم هذا يبكي؟ ‏فهلا استرقيتم له من العين"(530).‏
‏9) عن أبي سعيد الخدري أن نفرا رقوا لديغا بفاتحة الكتاب على قطيع من الغنم فقال رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم: "وما يدريك أنها رقية، قد أصبتم، اقسموا لي واضربوا لي معكم سهما"(531).‏
‏528- أخرجه ابن ماجة في سننه: كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء في قتل الحية والعقرب في الصلاة ح(1246) وأنفرد به. ‏وأنظر تحفة الأشراف (16125) قال الهيثمي في المجمع (5/111) رواه الطبراني في الصغير وإسناد حسن انظر صحيح سنن ‏ابن ماجة للألباني ح(1030) وانظر السلسلة الصحيحة للألباني ح(547) و(548).‏
‏529- أخرجه أبو داود في سننه كتاب الطب: باب ما جاء في الرقى ح(3887) واحمد في مسنده (6/372) والحاكم ‏في مستدركه (4/56) عن أبي حثمة القرشي ان رجلا من الأنصار خرجت به نملة فدل أن الشفاء بنت عبد الله ترقي ‏من النملة فجاءها فسألها أن ترقيه فقالت والله ما رقيت منذ أسلمت فذهب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏فأخبره بالذي قالت الشفاء فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفاء فقال: أعرضي على فأعرضتها عليه فقال أرقيه وعلميها ‏حفصة كما علمتها الكتابة ‏‎–‎قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. واخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب ‏الضحايا: باب إباحة الرقية (9/349) وانظر صحيح سنن أبي داود للألباني ح(3291) والسلسلة الصحيحة للألباني ح(178) ‏النملة: قروح تخرج في الجنبين، ويقال أنها تخرج أيضاً في غير الجنب ترقى فتذهب بإذن الله عز وجل. قال الخطابي: وفي ‏الحديث دليل على أن تعليم الكتابة للنساء غير مكروه ‏‎–‎انظر معالم السنن (5/364). ‏
‏530- أخرجه أحمد في مسنده (6/72) وقال الهيثمي في المجمع (5/112) رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه سهل ‏بن مودود ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح قال الألباني: وهذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقاب، رجال الشيخين ‏غير أبي أويس وهو عبد الله بن أويس، قال في التقريب (صدوق يهم) وأخرج له مسلم في الشواهد ‏‎–‎انظر السلسلة ‏الصحيحة للألباني ح(1048). ‏
‏531- أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين باب الرقية من العين (2/940) والبخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب ‏النفث في الرقية ح(5749) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب جواز أخذ الأجر على الرقية بالقرآن ‏والأذكار ح(2201). وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى (3900) والترمذي في سننه: كتاب الطب: ‏باب ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ ح(2070) وقال هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب ‏التجارات: باب أجر الراقي ح(2156) وانظر تحفة الأشراف ح(4249) و(4307). ‏
‏10) عن علي رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "ما من مريض لم يحضر ‏أجله يتعوذ بهذه الكلمات إلا خفف عنه: بسم الله العظيم، أسأل الله رب العرش العظيم أن يشفيه - سبع ‏مرات"(532).‏

‏11) عن ابن عباس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "هاتوا ابنَّي حتى ‏أعوذهما بما عوذ به إبراهيم ابنيه إسماعيل وإسحق، أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ‏ومن كل عين لامة"(533). ‏
‏532- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الجنائز: باب الدعاء للمريض عند العيادة ‏ح(3106) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (32) ح(2060) وقال حديث ‏حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث المنهال بن عمرو وأحمد في مسنده (1/239-‏‏243) والحاكم في مستدركه (1/432) عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم قال: من عاد مريضاً لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات أسأل ‏الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض. قال الحاكم: ‏هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن جان ‏في صحيحه (714) موارد والنسائي في اليوم والليلة ح(1043) وابن السني في ‏اليوم والليلة ح(544) وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1698). ‏
‏533- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء: باب (10) ح(3371) ‏وأبو داود في سننه: كتاب السنة: باب في القرآن ح(4737) وقال: هذا دليل على أن ‏القرآن ليس بمخلوق. مستدلاً على أنه لو كان مخلوقاً لما صح الاستعاذة به. وأخرجه ‏الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (18) ح(2067) وقال: هذا حديث حسن ‏صحيح. وإبن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه وسلم ‏وما عوذ به ح(3525) وانظر تحفة الأشراف ح(5627) وأخرجه أحمد في مسنده ‏‏(1/270-136) والنسائي في اليوم والليلة ح(1007). الهامة: واحدة من الهوام ‏وهي ذوات السموم. اللامةك بتشديد الميم أي ذات لمم، واللمم كل داء يلم من خبل او ‏جنون أو نحوهما. أي من كل عين تصيب بسوء ‏‎–‎انظر شرح السندي على سنن ابن ‏ماجة (4/125). ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:09 PM
المبحث السادس ‏
‏ طـلــــــب الرقـــــــية‏

بعض الناس يتحرجون من طلب الرقية والعلاج، مع أنهم بحاجة إليها، محتجين بأن هذا ينافي ‏التوكل.‏

هؤلاء الذين يتحرجون من طلب الرقية يحتجون بحديث السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير ‏حساب.‏
والحديث رواه ابن عباس، رضي الله عنه، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏يوما فقال: عرضت على الأمم فجعل النبي يمر ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه ‏الرهط، والنبي ليس معه أحد. ورأيت سوادا كثير سد الأفق فرجوت أن تكون أمتي؛ فقيل هذا موسى ‏وقومه، ثم قيل انظر إلى الأفق، فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق، فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا ‏يدخلون الجنة بغير حساب. فتفرق الناس ولم يبين لهم. فتذاكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ‏فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكن آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا. فبلغ النبي صلى الله ‏عليه وسلم فقال: "هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة ‏بن محصن فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: نعم. فقام آخر فقال أمنهم أنا يا رسول الله؟ فقال رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم - سبقك بها عكاشة"(534).‏
‏534- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب من لم يرق ح05752) ومسلم في ‏صحيحه: كتاب الإيمان باب الدليل هلى دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا ‏عذاب ح(216) والترمذي في سننه: كتاب صفة القيامة: باب (81) ح(2454) وقال هذا ‏حديث حسن صحيح. وأحمد في مسنده (1/271) وقال الهيثمي في المجمع (10/405) رجال ‏أحمد والبزار رجال الصحيح. وأخرجه الطبراني في الكبير (18/23) والبيهقي في الكبرى: ‏كتاب الضحايا: باب ما جاء في استحباب ترك الاكتواء والاسترقاء (9/341) وأخرجه ‏البغوى في شرح السنة (15/135) ح(4322). ‏
هذه ثلاثة أصناف للسبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: لا يتطيرون، ولا يكتوون، ‏ولا يسترقون؛ فمن حقق هذه الصفات كان من الذين على ربهم يتوكلون.‏
وقيل هذه أربع صفات للسبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب، أنهم لا يتطيرون، ولا ‏يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون. ‏
التطير يأتي بمعنى التشاؤم ويأتي بمعنى الفأل. فإن كان في شؤم فهو المراد بهذا الحديث، ‏وهو المنهي عنه. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث: ‏المرأة، والدار، والدابة"(535).‏
أما إذا أريد بالتطير الفأل فهذا حسن، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا طيرة ‏وخيرها الفأل"(536). فالفأل من الطيرة. وكان النبي صلى الله عليــه ‏
‏535- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب الطيرة ح(5753) ومسلم في صحيحه: ‏كتاب السلام: باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم ح(2225) وابو داود في سننه: كتاب ‏الطب: باب في الطيرة ح(3921) والترمذي في سننه: كتاب الأدب باب ما جاء في الشؤم ح(2833) ‏وقال هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في سننه كتاب الخيل: باب شؤم الخيل ح(3570) ‏وانظر تحفة الأشراف (6826) وأخرجه أحمد في مسنده (2/153) قال الخطابي: الشؤم في ‏هذه الأشياء: أنه لا يأتي الرجل في اختيارها والتفتيش عن دين المرأة وأخلاقها، وعن أصالة ‏الفرس وجودتها، وعن أساس الدار ومتانة بنيانها، ولا يتفحص عن ذلك ويسأل أهل الخبرة ‏العارفين الناصحين، بل يغتر بظاهر جمالها، وحسن منظرها. ثم يتبين بعد ذلك سوءها، وما بها ‏من شر، ويصعب عليه التخلص منها فيبقيها على مضض، موهما نفسه أنه يمكنه الإنتفاع بها، ‏مع أنه لا يحاول إصلاحها، أو تكون هي غير قابلة للإصلاح فيكون ذلك شقاء عليه أي شقاء، ‏ولو أنه تخلص منها لكان خيراً له، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفروه بن مسيك ‏‏"دعها عنك" ‏‎–‎انظر معالم السن للخطابي (5/380). ‏
‏536- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب الطيرة ح(5754) ومسلم في ‏صحيحه: كتاب السلام: باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم ح(2223) وابو داود ‏في سننه: كتاب الطب: باب في الطيرة ح(3916) والترمذي في سننه: كتاب السير: ما جاء ‏في الطيرة ح(1621) وقال هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ‏من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة ح(3537) وانظر تحفة الأشراف ح(1259) وقال ‏النووي: قيل يا رسول الله وما الفأل؟ قال: الكلمة الحسنة يسمعها أحدكم. وفي رواية لا طيرة ويعجبني ‏الفأل الكلمة الحسنة الكلمة الطيبة. وفي رواية واحب الفأل الصالح ‏‎–‎انظر شرح النووي على صحيح ‏مسلم (14/218). ‏
وسلم "إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع يا نجيح، يا راشد"(537). وكان إذا بعث عاملاً سأله عن اسمه ‏فإن أعجبه فرح به"(538).‏
وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر، فإن رأي ‏طيرا طار عن يمينه تيامن به واستمر، وإن رآه طار عن شماله تشاءم به ورجع. وكان بعضهم يزجر ‏الطير فإذا طار الطير شمالا تطير به(539).‏
أيضا من صفات السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم لا يكتوون. والكي أيضا ‏نوعان: فإن كان الشفاء من المرض بالكي محتملا وليس محققا. أو كان الجرح الذي يتركه الكي أكبر ‏من المرض، أو وجد دواء يصار إليه قبل الكي، فلا يجوز الكي، لأنه من باب التعذيب بالنار. وكذلك ‏كي الصحيح لئلا يعتل، هذا هو الكي المنهي عنه، والمراد به في حديث السبعين ألف(540).‏
أما إذا كان الكي سبباً في حصول الشفاء، ككي الجرح إذا فسد ونزف وككي العضو إذا قطع، ‏فالكي هنا واجب؛ خاصة إذا لم توجد طريقة للاستشفاء غير الكي. والنبي صلى الله عليه وسلم اكــتوى ‏للجـرح الذي أصابه في أُحُــد، فقد أحـرقت
‏537- أخرجه الترمذي في سننه كتاب السير: باب ما جاء في الطيرة ح(1622) ‏وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي للألباني (1316) ‏وانظر فتح الباري لابن حجر (10/215) ش ح(5755-5756). ‏
‏538- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب باب في الطيرة ح(3920) وأحمد في ‏مسنده (1/257-304) و(5/347) وصححه الألباني في صحيح سنن ‏أبي داود ح(3319) وانظر السلسلة الصحيحة للألباني ح(762) وأنظر فتح الباري ‏لابن حجر (10/215) ش ح(5756) قال البغوي: وينبغي للإنسان أن يختار لولده ‏وخادمه الأسماء الحسنة فإن الأسماء المكروهة قد توافق القدر ‏‎–‎شرح السنة ‏‏(12/176).‏
‏539- انظر فتح الباري (10/121) ش ح(5753-5754).‏
‏540- قال الحافظ ابن حجر: والنهي فيه محمول على الكراهية أو على خلاف ‏الأولى لما يقتضيه مجموع الأحاديث ‏‎–‎فتح الباري (10/155) ش ح(5704). ‏
فاطمة - رضي الله عنها - حصيرا فحشت به جرحه صلى الله عليه وسلم(541). وقال النبي صلى الله ‏عليه وسلم: "إن كان في شيء مما تداوون به خير ففي شرطة محجم أو لسعة بنار"(542).‏
وقد كان الكي نافعا ومجربا لبعض الأمراض. والنهي الوراد في الحديث "لايكتوون" محمول ‏على من ينسب الشفاء إليه كالجاهلية، بخلاف من يراه سببا وأن الله هو الشافي. ‏
أيضا من صفات السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، أنهم لا يسترقون. أي لا ‏يطلبون الرقيه، وذلك في حال الصحة وخشية وقوع المرض، اعتقادا منهم أنها تمنع حلوله. ‏
أما من يطلب الرقيه والعلاج بعد حصول المرض، فهذا لا بأس به، ولا شيء فيه. وهذا من ‏تعاطي الأسباب التي أمرنا الله بالأخذ بها. فمن وثق بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه ‏وسلم رسولا ونبيا؛ لم يخدش في توكله تعاطيه للأسباب.‏
‏541- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب حرق الحصير ليسد به الدم ‏ح(5722) ومسلم في صحيحه: كتاب الجهاد والسير: عزوة احد ح(1790) ‏والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب التداوي بالرماد ح(2092) وقال هذا حديث ‏حسن صحيح. وابن ماجة في سنة. كتاب الطب: باب دواء الجراحة ح(3464) ‏وانظر فتح الباري لابن حجر (10/156) ش ح(5704). ‏
‏542- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب من اكتوى أو كوى غيره ‏وفضل من لم يكتو ح(5704) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب لكل داء دواء ‏واستحباب التداوي ح(2205) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب الكي ‏ح(3491) وانظر تحفة الأشراف ح(5509) وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب ‏الضحايا: باب ما جاء في استحباب ترك الاكتواء والاسترقاء (9/341) قال السندي ‏في شرحه على سنن ابن ماجة: وقوله "الشفاء في ثلاث" "أي منفردة لا مجتمعة" ‏و"شرطه محجم" من شرط الحاجم إذا ضرب على موضع الحجامة ضرباً شق به ‏الجلد وإضافتها إلى الحجم للملابسة. والكي فإنه أشد الثلاثة فلا ينبغي استعماله إلا ‏لضرورة. وبالجملة فإن النهي للتنـزيه -انظر سنن ابن ماجة (4/113). ‏
فالنبي صلى الله عليه وسلم رقى واسترقى وأمر بالرقية. والصحابة رضوان الله عليهم رقى ‏بعضهم بعضا، واسترقى بعضهم من بعض، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم ينههم.‏
والنبي صلى الله عليه وسلم استرقى. كما قالت عائشة، رضي الله عنها، كان رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد والمعوذتين جميعا ثم يمسح بهما وجهه ‏وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة رضي الله عنها فلما اشتكى -أي في مرضه الذي مات فيه- كان ‏يأمرني أن أفعل ذلك به(543). ‏
‏ فالنبي صلى الله عليه وسلم رقى واسترقى وأمر بالاسترقاء، فقد أمر عائشة رضي أن تسترقى من ‏العين، كما قالت عائشة، رضي الله عنها: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أسترقي من ‏العين"(544). وقال صلى الله عليه وسلم لأم سلمة عــندما ‏

‏543- أخرجه البخاري في صحيحه: باب النفث في الرقية ح(5748) ومسلم في ‏صحيحه: كتاب السلام: باب رقية المريض بالمعوذات والنفث ح(2192) وأبو داود ‏في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3902) وابن ماجةفي سننه: كتاب الطب: ‏باب النفث في الرقية ح(3529) وأنظر تحفة الأشراف ح(16589) قال النووي: ‏وسئلت عائشة عن نفث النبي صلى الله عليه وسلم في الرقية فقالت كما ينفث آكل ‏الزبيب لا ريق معه ‏‎–‎انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/182) قال ابن ‏حجر: فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء الذي ماسه الذكر كما يتبرك بغسالة ‏ما يكتب من الذكر ‏‎–‎انظر فتح الباري (10/197) ش ح(5735). ‏
‏544- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية العين ح(5738) ‏ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة ‏والنظرة ح(2195) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب من استرقى من العين ‏ح(3512) وانظر تحفة الأشراف (16199) وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب ‏الضحايا: باب إباحة الرقية بكتاب الله (9/347) وأنظر شرح معاني الآثار للطحاوي ‏‏(4/327) قال الحافظ ابن حجر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة أن ‏يسترقى من العين أي يطلب الرقية ممن يعرف الرقى بسبب العين ‏‎–‎انظر فتح الباري ‏‏(19/201). ‏
وجد عندها الجارية وبها السفعة قال: استرقوا لها فإن بها النظرة"(545). ‏
فطلب الرقيه لا يخدش في التوكل إذا كان بعد وقوع المرض، بل هو من تعاطي الأسباب.‏
‏"ورأى النبي صلى الله عليه وسلم ابني جعفر بن أبي طالب وهما ضارعان فقال: مالي أراهما ‏ضارعين؟ قالوا تسرع إليهما العين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استرقوا لهما"(546).‏
قال الزرقاني: والأمر بالرقى وأنها نافعة لا يعارضه النهي عنها في عدة أحاديث كخبر الذين لا ‏يسترقون، لأن الرقية المأذون فيها ما كانت باللسان العربي أو بما يفهم معناه، ويجوز شرعا، مع اعتقاد ‏أنها لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله عز وجل، والمنهي عنها ما فقد فيها شرط من ذلك(547).‏
‏545- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية العين ح(5739) ‏ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة ‏والنظرة ح(2197) والبيهقي في السنن: كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية بكتاب الله ‏ح(9/348) وانظر شرح معاني الآثار للطحاوي (4/327) قال النووي: ‏السفعة يعني بوجهها صفرة، وقيل سواد وقال ابن تيمية هي لون يخالف لون الوجه، ‏وقيل أخذه من الشيطان ‏‎–‎انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/185) قال ابن ‏عبد البر: فيه دليل على أن العين تسرع إلى قوم فوق اسراعها إلى آخرين، وأنها ‏تؤثر في الإنسان بقضاء الله وقدره وتصرعه في أشياء كثيرة. وإنما يسترقى من ‏العين إذا لم يعرف العائن. وأما إذا عرف الذي أصابه بعينه فإنه يؤمر بالوضوء ‏‎–‎التمهيد (2/269).‏
‏546- أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين: باب الرقية من العين (2/939) ومسلم ‏في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة ‏ح(2198) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في الرقية من العين ‏ح(2066) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ‏من استرقى من العين ح(3510) وأحمد في مسنده (3/333) وقال الهيثمي في ‏المجمع (5/109) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه البيهقي في الكبرى: ‏كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية بكتاب الله (9/348) والطحاوي في شرح معاني ‏الآثار (4/327). ‏
‏547- انظر شرح الزرقاني على موطأ مالك (4/232) ش ح(1812). ‏
قال النووي: لا مخالفة، بل المدح في ترك الرقى التي هي من كلام الكفار، والرقى المجهولة ‏التي بغير العربية، وما لا يعرف معناه؛ فهذه مذمومة لاحتمال أن معناه كفر أو قريب منه، أو مكروه. ‏وأما الرقي بالقرآن والأذكار المعروفة فلا نهي عنها، بل هي سنة.‏
ومنهم من قال بالجمع بين الحديثين؛ أن المدح في ترك الرقى للأفضلية وبيان التواكل، والذي ‏فعل الرقى وأذن فيها لبيان الجواز مع أن تركها أفضل؛ وبهذا قال ابن عبد البر.‏
والمختار الأول، وقد نقلوا الإجماع على جواز الرقى بالآيات وأذكار الله تعالى كما في كتاب ‏الطب والإيمان.‏
ثم قال النووي: وأما قولهم في الرواية الأخرى يا رسول الله! إنك نهيت عن الرقى، فأجاب ‏العلماء بأجوبة منها:‏
‏1- كان نهيا أولا، ثم نسخ، وأذن فيها وفعلها واستقر الشرع على الإذن.‏
‏2- النهي عن الرقى المجهولة كما سبق.‏
‏3- النهي لقوم كانوا يعتقدون منفعتها وتأثيرها بطبعها.‏
أقول في النهاية، أنه من يستطيع الصبر وتحمل المرض فالصبر أفضل له من الاسترقاء ‏والتداوي، كما جاء في حديث الجارية عندما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "إن شئت دعوت الله ‏لك، وإن شئت تصبري ولك الجنة. فقالت أصبر ولكن ادع الله أن لا أتكشف"(548).‏
‏548- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المرض: باب فضل من يصرع من الريح ح(5652) ‏ومسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة: باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن ‏ح(2576) وأحمد في مسنده (1/347) قال الحافظ ابن حجر: من فوائد الحديث: فضل من ‏يصرع. وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة. وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة ‏لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام الشدة. وفيه دليل على جواز ترك التداوي. وفيه ‏أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، وأن تأثير ذلك ‏وإنفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنية ولكن إنما ينجع بأمرين: أحدهما من جهة العليل ‏وهو صدق القصد، والآخر من جهة المداوي وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل على الله ‏والله أعلم ‏‎–‎انظر فتح الباري (10/115).‏
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "عجبا لأمر المؤمن كل أمره له خير، إن أصابته سراء ‏شكر فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له. وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن"(549). ‏
أما من لا يستطيع الصبر، وقد يصاب بالجزع نتيجة المرض فالتدواي والاسترقاء في حقه ‏أفضل، والله أعلم.‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:11 PM
المبحث السابع
الرقية لجميع الأمــــــراض

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا رقية إلا من عين أو حمة"(550). ‏
‏549- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزهد: باب المؤمن أمره خير كله ‏ح(2999)، وأحمد في مسنده (4/332)، وانظر فتح الباري لابن حجر (10/106): ‏كتاب المرض. قال المنذري: النبي صلى الله عليه وسلم يبشر المؤمن بما يصيبه ‏ويخبره أن كل شيء أحاطه كسب منه ثوابا: فإن أمده الله بنعم فحمده نال أجرا، وإن ‏أصابته سيئة فصبر نال ثوابا؛ فهو في الحالتين مكرم مثاب مؤجر -الترغيب ‏والترهيب (4/278). ‏
‏550- أخرجه أبو داود في سننه كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3884) ‏والترمذي في سننه كتاب الطب باب ما جاء في الرخصة في ذلك ح02064) وقال: ‏وروى شعبه هذا الحديث عن حصين عن الشعبي عن بريدة عن النبي صلى الله عليه ‏وسلم بمثله وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما رخص فيه من الرقى ‏ح03513) وانظر تحفة الأشراف ح(1945) وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب ‏الضحايا: باب إباحة الرقى (9/348) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ‏ح(3289) قال الخطابي الحمة: اسم ذوات السموم. وقد تسمى أبره العقرب والزنبور ‏حمة، وذلك لأنها مجرى السم، وليس في هذا نفي جواز الرقية في غيرها من ‏الأمراض والأوجاع، لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رقى بعض ‏أصحابه من وجع كان به، وقال للشفاء"علمي حفصة رقية النملة" وإنما معناه: أنه لا ‏رقية أولى وأنفع من رقية العين والسم. وهذا كما قيل لا فتى إلا علي.. ولا سيف إلا ‏ذو الفقار ‏‎–‎معالم السنن (5/363) ش ح(3736). ‏

العين معلومة ومعروفة، وهي الإصابة بالعين أو الحسد. والحمة هي ذوات السموم كالعقرب ‏والحية أو غيرهما من ذوات السموم. ‏

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا رقية إلا من عين أو حمة" هذا ليس معناه تخصيص ‏جواز الرقية من العين والحمة فقط. وإنما معنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرقية من ‏العين والحمة. وقد رقى النبي صلى الله عليه وسلم من غير العين والحمة. فقد أذن النبي صلى الله عليه ‏وسلم في رقية النملة وغيرها والنملة جروح وقروح تكون في الجسم. ‏
‏ وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد الخدري، عندما رقى سيد القوم اللديـغ؛ بالفاتحة. ‏قال له صلى الله عليه وسلم: "وما أدراك أنها رقية؟" فيه تصريح بأن الفاتحة رقية، فيستحب أن يقرأ ‏بها على المريض واللديغ وغيرهما من أصحاب الأسقام والأمراض. ‏

والمراد من الحصر في قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا رقية إلا من عين أو حمة" أي لا ‏رقية أنفع. كما قيل: "لا سيف إلا ذو الفقار"(551). ‏
‏551- انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/184-188).‏
الفصل الثاني ‏
الراقي في الكتاب والسنة ‏

المبحث الأول ‏: صلة الراقي بربه
المبحث الثاني ‏: قبل البدء في العلاج
المبحث الثالث ‏: ادعاء علم الغيب في العلاج
المبحث الرابع ‏: كلام المصروع من فعله ‏
المبحث الخامس ‏: العلاج بالقرآن ‏
المبحث السادس:‏ ‏: أدوات الراقي ‏
‏1-‏ العلم قبل العمل ‏
‏2-‏ الإخلاص
‏3-‏ الاتباع
‏4-‏ قوة الإيمان
‏5-‏ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
‏6-‏ القدوة
‏7-‏ الدعوة قبل العلاج
‏8-‏ الفتنة الكبرى ‏


المبحث الأول
‏ صــــــلة الراقـــــــــي بربه‏

التقلبات التي تصيب القلوب سببها الفتن التي تواجه المسلم أو توجه إليه. فقد يقترن المرء ‏بأصدقاء أشرار. وقد يبتلى بمجتمع فاجر ضال تحكمه شريعة الشيطان. وقد تسيطر الجاهلية على ‏وسائل الإعلام، وتملك توجيه الناس؛ والقلوب تتأثر بما حولها. ولذلك كان على المسلم أن يكون حذرا، ‏وعليه أن يأخذ بالأسباب التي تثبته وتديم صلته بربه ومنها: ‏

‏1) أن يلح على الله أن يثبته ويحفظه من شياطين الجن والإنس، كما كان رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم دائم القول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"(552).‏

‏2) أن يُكْثِر من ذكر الله، فذكر الله حصن حصين، يشرح النفس ويطمئن القلب. كما قال الله تبارك ‏وتعالى:‏
‏ (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)(553).‏
‏ وقوله تبارك وتعالى:‏
‏ (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا)(554).‏
وجاء في وصف أولى الألباب أنهم:‏
‏ (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم)(555). ‏
‏552- أخرجه الترمذي في سننه كتاب الدعوات: باب (95) ح(3533) وقال هذا ‏حديث حسن. وأحمد في مسنده (3/257) وقال الهيثمي في المجمع (10/176) ‏رواه أحمد في إسناده حسن وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(2792) وانظر ‏كتاب السنة لابن أبي عاصم (1/98-106).‏
‏553- سورة الرعد: (28). ‏
‏554- سورة الأحزاب: (41- 42).‏
‏555- سورة آل عمران: (191).‏
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحوال حياته وفي كافة الأحيان(556). ‏

‏3) أن يديم قراءة القرآن، فإنه حبل الله المتين والصراط المستقيم. فمن عمل به سعد. وهو يُقوِّم ويصلح ‏النفوس
‏ (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)(557).‏

‏4) أن يحافظ على الفرائض، ويكثر من النوافل؛ كما جاء في الحديث القدسي: "وما تقرب إلي عبدي ‏بأحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه ‏الذي يسمع به، وبصــره الذي يبصر به، ويده ‏


‏556- أخرجه البخاري في صحيحه تعليقا: كتاب الآذان: باب هل يتبع المؤذن فاه ‏وههنا وههنا وهل يلتفت في الآذان. ومسلم في صحيحه: كتاب الحيض: باب ذكر الله ‏تعالى في حال الجنابة ح(373) وأبو داود في سننه: كتاب الطهارة: باب في الرجل ‏يذكر الله تعالى على غير الطهر ح(18) والترمذي في سننه: كتاب الدعوات: باب ‏ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة ح(3395) وقال هذا حديث حسن غريب. وابن ‏ماجة في سننه: كتاب الطهارة: باب ذكر الله عز وجل على الخلاء والخاتم في ‏الخلاء ح(302) وانظر تحفة الأشراف ح(16361). قال النووي: هذا ‏الحديث أصل في جواز ذكر الله تعالى بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد وشبهها ‏من الأذكار وهذا جائز بإجماع المسلمين وإنما اختلف العلماء في جواز قراءة القرآن ‏للجنب والحائض فالجمهور على تحريم القراءة عليهما جميعا ولا فرق عندنا بين آية ‏وبعض آية فإن الجميع يحرم ولو قال الجنب سم الله أو الحمد لله ونحو ذلك إن قصد ‏به القرآن حرم عليه وإن قصد به الذكر أو لم يقصد شيئا لم يحرم ويجوز للجنب أو ‏الحائض أن يجريا القرآن على قلوبهما وأن ينظرا في المصحف -انظر شرح النووي ‏على صحيح مسلم (4/68) على هذا فلا يجوز للجنب ولا للحائض أن يرقي أحدهما ‏بشيء من القرآن قبل التطهر. ‏
‏557- سورة الإسراء: (9).‏
التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه"(558).‏

‏5) أن يحرص على الصحبة الطيبة، وحضور مجالس العلم، والسعي إلى لقاء الإخوة في الله. كما قال ‏رسول الله،‎ ‎صلى الله عليه وسلم: "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه ‏بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده"(559).‏
‏558- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق: باب التواضع ح(6502) والبيهقي في ‏الكبرى (3/346) وأبو نعيم في الحلية (4-5) والحديث رواه أبو هريرة عن ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكملة "وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس ‏المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا حديث شريف قد ‏رواه البخاري من حديث أبي هريرة وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد ورد ‏هذا الكلام طائفة وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد فإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، ‏والله أعلم بالعواقب وربما قال بعضهم: إن الله يعامل معاملة التردد: -انظر الفتاوي لابن ‏تيمية (18/129). قال ابن رجب: المراد بالتردد أن الله تعالى قضى على عباده بالموت ‏كما قال تعالى: كل نفس ذائقة الموت -آل عمران (185)-والموت مفارقة الروح للجسد، ‏ولا يجعل ذلك إلا بألم عظيم جداً، وهو أعظم الآلام التي تصيب العبد في الدنيا، قال عمر ‏رضي الله عنه لكعب: أخبرني عن الموت؟ قال: يا أمير المؤمنين، هو مثل شجرة كثيرة ‏الشوك في جوف ابن آدم، فليس منه عرق ولا مفصل إلا ورجل شديد الذراعين، فهو ‏يعالجها ينـزعها، فبكى عمر الحلية (5/365) قال ابن رجب: فلما كان الموت بهذه الشدة ‏والله تعالى قد حتمه على عباده كلهم، ولا بد لهم منه، وهو تعالى يكره أذى المؤمن ‏ومساءته، سمي ذلك ترددا في حق المؤمن، فأما الأنبياء فلا يقبضون حتى يخيروا -انظر ‏جامع العلوم والحكم (ص 348) ش ح(38).‏
‏559- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الذكر: باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن ‏ح(2699) وأبو داود في سننه: كتاب الأدب: باب في المعونة للمسلم ح(4946) والترمذي ‏في سننه: كتاب القراءات: باب (12) ح(2954). وابن ماجة في سننه: كتاب السنة: باب ‏فضل العلماء والحث على طلب العلم ح(225) وانظر تحفة الأشراف ح(12510) وقوله ‏‏"في بيت من بيوت الله: قال الطيبي شامل لجميع ما يبني لله تقربا إليه من المساجد ‏والمدارس والربط". وقوله "يتدارسونه" قيل شامل لجميع ما يتعلق بالقرآن من التعلم ‏والتعليم والتفسير والاستكشاف عن دقائق معانيه. ونقول: والاستشفاء به. وقوله: حفتهم ‏الملائكة أي طافوا بهم وداروا حولهم تعظيماً لصنيعهم -انظر شرح السندي على سنن ابن ‏ماجة (1/148).‏
المبحث الثاني
‏ قبل البــــدء في العــــــلاج‏

لمن أرد أن يهيء نفسه للعلاج بالقرآن، عليه قبل البدء في ذلك بدراسه التوحيد دراسة كافية، ‏حتى لا يقع في حبائل الشرك والكفر، فيقرأ كتب التوحيد ويدرسها دراسة وافية ككتاب فتح المجيد، أو ‏كتاب التوحيد والعقيدة الطحاوية. ويقرأ كتب شيخ الإسلام ابن تيميه، وتلميذه ابن القيم؛ خاصة في هذا ‏العلم.‏

المبحث الثالث
‏ ادعاء علم الغيب في العلاج

لا يعلم الغيب إلا الله وحده:‏
‏ (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله)(560).‏
وقد يُطلع رسله على ما شاء من غيبه، لحكمه يعلمها الله:‏
‏ (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ارتضى من رسول)(561).‏
فمن ادعى علم الغيب بأي وسيلة من الوسائل غير من استثناه الله من رسله؛ فهو كاذب كافر، ‏سواء ادعى ذلك بواسطة قراءة الكف، أو الفنجان، أو الكهانة، أو السحر، أو التنجيم، أو غير ذلك. ‏وهذا الذي يحصل من بعض المشعوذين والدجالين في الإخبار عن مكان الأشياء المفقودة، وعن أسباب ‏بعض الأمراض؛ فيقولون فلان عمل لك كذا وكذا فمرضت بسببه، إنما هو استخدام للجن والشياطين، ‏ويُظْهرون للناس أن هذا يحصل عن علم منهم.‏
‏560- سورة النمل: (65).‏
‏561- سورة الجن: (26-27). ‏
وقد يذهب بعض الجهال وضعاف الإيمان إلى هؤلاء المشعوذين فيسألهم عن مستقبل حياته، ‏وما يجري عليه، وعن زواجه، وغير ذلك.‏
ومن ادعى علم الغيب، أو صَدَّق من يدعيه فهو مشرك كافر، لأنه يدعي مشاركة الله فيما هو ‏من خصائصه. إنما هذا كله من أعمال الشياطين الذين يسترقون السمع(562). قال رسول صلى الله عليه ‏وسلم: "من أتى كاهنا أو عرافا فسأله عن شيء فلا تقبل له صلاة أربعين ليلة"(563). هذا مجرد السؤال، ‏أما إن كان مصدقا فينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما ‏يقول فقد كفر بما أنزل على محمد"(564).‏
‏562- قال النووي: كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب أحدها يكون للإنسان ولي ‏من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من السماء وهذا القسم بطل من حين بعث الله ‏نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. والثاني: إن يخبره بما يطرأ أو يكون في أقطار ‏الأرض وما خفي عنه مما قرب أو بعد وهذا لا يبعد وجوده، ونفت المعتزلة وبعض ‏المتكلمين هذين الضربين وأحوالهما ولا استحالة في ذلك ولا بعد في وجوده لكنهم يصدقون ‏ويكذبون والنهي عن تصديقهم والسماع منهم عام. والثالث: المنجمون وهذا الضرب يخلق ‏الله تعالى فيه بعض الناس قوة ما لكن الكذب فيه أغلب. ومن هذا الفن العرافة وصاحبها ‏عراف وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفته بها وقد يعتضد هذا ‏الفن ببعض في ذلك بالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة وهذه الأحزاب كلها تسمى ‏كهانة وقد أكذبهم كلهم الشرع ونهى عن تصديقهم وإتيانهم والله أعلم -انظر شرح النووي ‏على صحيح مسلم (14/223). ‏
‏563- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب تحريم الكهانة وإتيان الكهانة ‏ح(2230). وأحمد في مسنده (4/68) و(5م380). والبيهقي في الكبرى: كتاب ‏النكاح: باب إتيان النساء في أدبارهن (7/198). ‏
‏564- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في الكاهن ح(3904). ‏والترمذي في سننه: كتاب الطهارة: باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض ‏ح(135). وقال لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأشرم عن أبي تيمية ‏الهجيمي عن أبي هريرة. وأبن ماجة في سننه: كتاب الطهارة: باب النهي عن إتيان ‏الحائض ح(639). وانظر تحفة الأشراف (13536). وأخرجه أحمد في مسنده ‏‏(2/408-476). والبيهقي في الكبرى (7/198) والطحاوي في شرح معاني الآثار ‏‏(3/44). وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ح(116).‏
المبحث الرابع
‏ كلام المصروع من فعله‏

فائدة في بيان حركات المصروع وكلامه، هل هي من فعله أو فعل الجني؟ قال العلامة بدر ‏الدين شلبي: أكثر الناس يعتقدون أن كلام المصروع من فعل الجن ويضيفونه إليه. ولا دليل نقطع به ‏على أن ما سمع منه كلام له أو للشيطان فيكون الكلام للمصروع، وإضافته إلى الشيطان مجازاً. ‏فالمتكلم من قام بالكلام، لا من فعل الكلام. والكلام الذي يقوم به البشر قد يكون من فعله وكسبه، وقد ‏يكون مضطراً إليه (565). ‏
قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت لأبي إن قوما يقولون إن الجن لا تدخل في بدن ‏الإنسي؟ قال يا بني! يكذبون، هو ذا يتكلم على لسانه، يعني لسان المصروع، فقد جعل المتكلم هو ‏الجني. فكذلك الحركة والله أعلم(566). ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:12 PM
المبحث الخامس
العلاج بالقرآن

على المعالج بالقرآن، قبل البدء في الرقية والعلاج، أن يتبع الخطوات التالية: ‏

‏(1) أن يأمر من معه بالمحافظة على الطاعات، ويعرفهم أن الشافي الحقيقي هو الله وحده. ‏

‏(2) أن يخرج ما مع المريض من أحجبة، أو تمائم، أو نحوهما؛ فهذا شرك يجب إنكاره بالقول، ‏وإزالته بالفعل. ‏
‏565- انظر آكام المرجان في أحكام الجان للشبلي (ص 110). ‏
‏566- المصدر السابق (ص 107-110). ‏
‏ (3) أن لا يتم علاج النساء إلا في وجود محارم لكل منهن. ويجب على المرأة ألا تكون متبرجة، ولا ‏متعطرة؛ بل ترتدي الملابس الشرعية. ‏
‏ (4) أن يأمر صاحب البيت إن كان متزينا بزينة محرمة أن يدعها. فإن العلاج بالقرآن ما هو إلا دعاء ‏وقبول. ‏

المبحث السادس
‏ أدوات الراقي‏
‏1- العلم قبل العمل ‏
إبليس عليه لعنة الله يعمل جاهدا للنيل من دين العبد ما استطاع. فهدفه الأول أن يجعل العبد ‏يشرك بالله ويكفر به. فإن لم يستطع جاهده على ترك الفرائض وفعل الكبائر. فإن لم يستطع جاهده ‏على ترك السنن وفعل المكروهات. فإن لم يستطع لبَّس عليه في الطاعة، فيحبب له التلهي بالمباح عن ‏المستحب والواجب. فإن لم يقدر حبب إليه التلهي بالمستحب عن الواجبات. فإن ترك ما أوجبه الله ‏عليه، فقد عصى الله وخالف أوامره، ولا ينفعه انشغاله بالمستحب، فالله لم يوجب المستحبات إلا بعد ‏الفراغ من الواجبات. ‏
لذا نرى كثيرا ممن اشتغل بالعلاج بالقرآن دخل في هذا المجال قبل تحصيله وإلمامه به. وقد ‏ظنوا الأمر سهلا، ونسوا أن العدو في هذه المعركة ليس بالهين ولا بالساذج، بل هو عدو لدود ماكر، ‏قد ملأ الحقد قلبه. لدرجة أنه يقتل نفسه من أجل إضلال العباد وكفرهم. ‏
فينبغي لمن أراد أن يشتغل في مجال العلاج بالقرآن أن يتسلح بالعلم النافع، والدعوة إلى الله، ‏ومعرفة مكائد الشيطان. ‏
قال تعالى: ‏
‏(وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون)(567).‏
‏567- سورة الأنعام: (121).‏
أخبر الله تعالى أن الشياطين يوحون إلى أوليائهم من السحرة والكهنة، ومن يتولاهم، ولو دعى دين ‏الإسلام، فهو من المشركين الذين يوحي لهم الشيطان. ‏
فالشيطان يلبس على الإنسان يوقعه في الشرك من حيث لا يشعر، يزعم له. كذبا أنه قد اسلم ‏على يديه، وتاب لله عز وجل، وندم على ما فعل، فَيُهوِّن عليه المعالج ويخبره أن الله غفور رحيم، ‏ويطمئن ويركن إليه، والجن بدوره يعرض على هذا المعالج العون والمساعدة. فإن صدقه هذا المعالج، ‏وقع في الفخ، فيترك هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ويُقبل على عدوه، وبه يستعين، فيصحبه هذا ‏الجني في علاج المرضى فيخبره أن هذا به جني، وذاك به سحر، وآخر به عين وحسد، فيلبس عليه؛ حتى ‏يخرج هذا المعالج عن هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ويتبع هدي إبليس اللعين. ‏
هذا أخطر ما يمكن أن يناله الشيطان من هذا المعالج، فإن ظفر بذلك وإلا فإنه سيجاهده حتى ‏يوقعه في الكبائر والمعاصي.‏
‏ ‏
‏2- الإخلاص ‏
لاشك أن المعالج بالقرآن المخلص لله تعالى في عمله يكون علاجه للمريض نافعاً بإذن الله، ‏وينفع به الناس. ‏
والإخلاص هو عمل القلب الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره. وهو شرط لقبول الأعمال. لأن ‏الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه كما قال تعالى:‏
‏(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين ‏القيمة)(568).‏
وقال تعالى: ‏
‏(قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله)(569).‏
‏ ‏
‏568- سورة البينة: (5).‏
‏569- سورة آل عمران: (29).‏
والإخلاص هو المقياس الحقيقي لقوة الرقية. وذلك أن المعالج حين يرقي المريض يكون همه ‏علاج هذا المريض محتسبا لله، جاعلا نصب عينيه قول النبي صلى الله عليه وسلم "من نَفَّس عن أخيه ‏كربة، نفس الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة"(570). وقولـه صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال ‏بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"(571).‏
والنية هي الأصل، تجد رجلين يصليان في صف واحد مقتديين بإمام واحد، يكون بين ‏صلاتيهما كما بين المشرق والمغرب. لأن القلب مختلف؛ أحدهما قلبه غافل، بل ربما يكون مرائيا في ‏صلاته ‏‎–‎‏ والعياذ بالله ‏‎–‎‏ يريد بها الدنيا، والآخر قلبه حاضر، يريد بصلاته وجه الله واتباع سنة ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينهما فرق عظيم، فالعمل على ما في القلب، وعلى ما في القلب يكون ‏الجزاء يوم القيامة.‏
‏ 570- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الذكر: باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن ‏ح(2699) وأبو داود في سننه: كتاب الأدب: باب في المعونة للمسلم ح(4946) ‏والترمذي في سننه: كتاب القراءات: باب (12) ح(2954). وابن ماجة في سننه: كتاب ‏السنة: باب فضل العلماء والحث على طلب العلم ح(225) وانظر تحفة الأشراف ‏ح(12510). وقوله "في بيت من بيوت الله: قال الطيبي: شامل لجميع ما يبني الله تقرباً ‏إليه من المساجد والمدارس والربط". وقوله"يتدارسونه" قيل شامل لجميع ما يتعلق بالقرآن ‏من التعلم والتعليم والتفسير والاستكشاف عن دقائق معانيه. ونقول: والاستشفاء به". ‏وقوله: "حفتهم الملائكة" أي طافوا بهم وداروا حولهم تعظيماً لصنيعهم-انظر شرح السندي ‏على سنن ابن ماجة (1/148).‏
‏571- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الوحي: باب كيف كان بدء الوحي إلى ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم ح(1). ومسلم في صحيحه: كتاب الإمارة: باب قوله صلى ‏اله عليه وسلم إنما الأعمال بالنية ح(1907). وأبو داود في سننه: كتاب الطلاق: باب فيما ‏عني به الطلاق والنيات ح(2201) والترمذي في سننه: كتاب فضائل الجهاد: باب ما جاء ‏فيمن يقاتل رياء للدنيا ح(1653) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في سننه: ‏كتاب الطهارة: باب النية في الوضوء ح(75). وابن ماجة في سننه: كتاب الزهد: باب ‏النية ح(3227). وانظر تحفة الأشراف ح(10612). والبيهقي في الكبرى (1/298).‏
فإذا كان الله في كتابه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته يؤكدان على إصلاح ‏النية، فالواجب على الإنسان أن يُصلح نيته، ويُصْلح قلبه.‏
فالواجب على المعالج بالقرآن أن يكون همه وهدفه شفاء المريض وإخلاص النية لله تعالى.‏

‏3- الاتباع ‏
ينبغي للمعالج بالقرآن أن يكون متبعا لهدي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رقيته وعلاجه. ‏ولا ينبغي له التوسع في مجال الرقى. خاصة أن بعض الرقاة والمعالجين بالقرآن يتوسعون في هذا ‏المجال، محتجين بقول النبي صلى الله عليه وسلم "وما أدراك أنها رقيه"(572). وكأن هناك رُقى لم ‏يوضحها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو القائل: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي ‏رواية" "من عمـل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"(573). ‏
‏572- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب الرقى بفاتحة الكتاب ح(5736). ومسلم في صحيحه: كتاب ‏السلام: باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار ح(2201). وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف ‏الرقى ح(3900). والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ (2071) وقال: هذا ‏حديث حسن صحيح، ثم قال: ورخص الشافعي للمعلم أن يأخذ على تعليم القرآن أجرا ويرى له أن يشترط على ذلك. ‏وابن ماجة في سننه: كتاب التجارات: باب أجر الراقي ح(2156). وانظر تحفة الأشراف ح(4249) و(4307) ‏وأخرجه الداقطني في سننه (3/65). والبيهقي في الكبرى (6/124). والبغوي في شرح السنة ح(2187).‏
‏573- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الصلح: باب "إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح ‏مردود ح(2697). ومسلم في صحيحه: كتاب الأقضية: باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات ‏الأمور ح(1718).وأبو داود في سننه: كتاب السنة: باب في لزوم السنة ح(4606). وابن ماجة ‏في سننه: كتاب السنة: باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه ‏ح(14). وانظر تحفة الأشراف ح(17455). وأخرجه أحمد في مسنده (6/240-270). والبيهقي في ‏الكبرى: كتاب آداب القاضي: باب من اجتهد ثم رأى أن اجتهاده خالف نصاً أو إجماعاً أو ما في معناه رده ‏على نفسه وعلى غيره (10/119). قال النووي: هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من ‏جوامع كلمة صلى الله عليه وسلم فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات سواء أحدثها الفاعل أو سبق ‏بإحداثها -انظر شرح النووي على صحيح مسلم (12/16).‏
قال ابن رجب الحنبلي: هذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وكما أن حديث "إنما الأعمال ‏بالنيات" ميزان للأعمال في باطنها، وكل عمل لا يراد به وجه الله فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك هذا ‏الحديث ميزان للأعمال في ظاهرها، فكل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، ‏وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء(574).‏
وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا ‏يزيغ عنها إلا هالك"(575).‏
بعض المعالجين بالقرآن يقتفون أثر المشعوذين فيضعون الآيات في غير مواضعها، ‏ويستعينون بالجن المسلم -حسب زعمهم- في علاجهم عن طريق التبخير أو غيره، مما يؤدي إلى ‏الشرك -والعياذ بالله- فالحذر الحذر من ذلك.‏

‏4- قوة الإيمان ‏
يُشترط في المعالج بالقرآن أن يكون قوى الإيمان. فالإيمان سلاح المؤمن. ويختلف هذا السلاح ‏قوة وضعفا من شخص لآخر. وحيث إن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، ‏وكذلك جميع شعب الإيمان وما تزيده ضدها ينقصه.‏
‏574- أنظر جامع العلوم والحكم لابن رجب (1/176) شرح (5).‏
‏575- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب السنة: باب في لزوم السنة ح(4607). والترمذي ‏في سننه: كتاب العلم: باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع ح(2685). وقال: هذا حديث ‏حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب السنة: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين ‏ح(43). وانظر تحفة الأشراف ح(9891). وأخرجه أحمد في مسنده (4/126). والدرامي في ‏سننه (1/44-45). والحاكم في مستدركه (1/95-96) وقال: هذا حديث صحيح ليس له علة ‏ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب آداب القاضي: باب ما يقضي به القاضي ‏ويفتي به المفتي (10/114). وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(2157). قال أبو الدرداء ‏رضي الله عنـه: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم تركنا والله على مثل البيضاء عليها ‏ونهارها سواء -انظر صحيح سنن ابن ماجة للألباني ح(5). ‏
فيجب على المعالج أن يكون قوي الإيمان، لأنه يتعامل مع كفرة الجن. والله تبارك وتعالى ‏يقول: ‏
‏(إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)(576).‏
فقوة الإيمان عند المعالج تجعله يملك السيطرة على الشيطان، فيتحكم في الحالة التي أمامه. ‏
والمعالج بالقرآن يجب أن يكون تقيّاً يخاف الله، فيخوف الله منه عدوه. يخشى الله، فيجعل الله في وجهه ‏مهابة. وبقدر ما يكون العبد المسلم تقيّاً بقدر ما يخضع له عدوه. والشيطان ضعيف بكفره ومعاصيه، ‏والعبد قوي بإيمانه وتقواه. ‏
وقد بلغ من تقوى الإمام أحمد بن حنبل أنه أرسل قبقابه للجني بدون أن يذهب إلى المريض، فقال ‏الجني المتلبس للجارية: سمعا وطاعة، وخرج من الجارية. وبعد أن مات الإمام أحمد بن جنبل رجع ‏الجني وصرع الجارية، وذهب إليه من يأمره بالخروج فرفض، وقال: ذاك أحمد أطاع ربه فأطاع الله ‏له كل شيء(577).‏
‏ ‏
‏5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ‏
ينبغي للمعالج بالقرآن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بدرجاته الثلاث: باليد، أو باللسان، أو ‏القلب. وبشرط العلم فيما يأمر والعلم فيما ينهي، والرفق فيمن يأمر وفيمن ينهي، فقد وصف الله ‏المؤمنين فقال: ‏
‏(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون ‏الصلاة)(578).‏


‏576- سورة الحجر: (42). ‏
‏577- آحكام المرجان في أحكام الجان لبدر الدين الشلبي ص(114).‏
‏578- سورة التوبة: (71).‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأي منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع ‏فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"(579). ‏
وقال تبارك وتعالى: ‏
‏(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ‏المفلحون)(580).‏
وظاهر النصوص وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل مسلم؛ كل على قدر ‏طاقته، أينما كان.‏
فإذا رأى المعالج بالقرآن في المريض منكراً كتعليق حجاب أو غيره، وجب عليه إزالة هذا ‏المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، وينصح المريض بالسر ويخوفه من الله وأليم عقابه، سواء كان هذا ‏المنكر ترك صلاة، أو شرب دخان، أو حلفا بغير الله، أو لبس خاتم ذهب للذكور، أو تصويراً، أو غناء ‏وموسيقى، أو غيره ذلك من المناكير. ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:14 PM
وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آداب يجب على المعالج بالقرآن أن يتخلق بها، منها:‏
‏ ‏
‏(1) أن يكون عالما بحقيقة ما يأمر به من أنه معروف في الشرع، وأنه قد تُرِكَ، عالماً بحقيقة المنكر ‏الذي ينهى عنه، وأن يكون قد ارتكب حقيقة.‏
‏ ‏
‏579- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب كون النهي عن المنكر من الإيمان ح(49). وأبو ‏داود في سننه: كتاب الصلاة: باب الخطبة يوم العيد ح(1140). والترمذي في سننه: كتاب الفتن: باب ‏ما جاء في تغير المنكر باليد ح(2179) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنائي في سننه: كتاب ‏الإيمان: باب تفاضل أهل الإيمان ح(5023). وابن ماجة في سننه: كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء في ‏صلاة العيدين ح(1275). وانظر تحفة الأشراف ح(4085). قال النووي: أما قوله صلى الله عليه ‏وسلم "فليغيره" فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن ‏المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة وهو أيضاً من النصيحة التي هي الدين. ونقول: ما لم يؤدي ذلك ‏إلى منكر اشد وما لم يؤدي ذلك إلى إيذاء الأمر والناهي -انظر شرح النووي على صحيح مسلم ‏‏(2/22). ‏
‏580- سورة آل عمران: (104).‏
‏ (2) أن يكون ورعا لا يأتي الذي ينهى عنه، ولا يترك الذي يأمر به؛ لقوله تعالى: ‏
‏(يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)(581).‏
وقوله تعالى: ‏
‏(أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون)(582).‏

‏(3) أن يكون حسن الخلق حليما يأمر بالرفق، وينهى باللين، ولا يغضب لنفسه بل يصبر لقوله ‏تعالى:‏
‏(وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور)(583). ‏
قال تعالى:‏
‏ ‏ ‏"واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة"(584).‏
‏ أي لا تختص بالمعتدي، بل تتناول من رأى منكراً ولم يغيره.‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وإن من الناس ‏مفاتيح للشر مغاليق للخير. فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، و ويل لمن جعل الله مفاتيح ‏الشر على يديه"(585).‏
فعلى المعالج بالقرآن أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن يحسن الظن بمن يأمرهم ‏وينهاهم، باعتبارهم بشراً على الأرض وليسوا ملائكة.‏
‏581- سورة الصف: (3).‏
‏582- سورة البقرة: (44).‏
‏583- سورة لقمان: (17). ‏
‏584- سورة الأنفال: (25).‏
‏585- أخرجه ابن ماجة في سننه كتاب السنن: باب من كان مفتاحاً للخير ح(237) وانفرد به. وانظر ‏تحفة الأشراف ح(550). وصححه الألباني: انظر صحيح سنن ابن ماجة ح(194). قال ابن الأثير: ‏وقوله صلى الله عليه وسلم "فطوبى" فعل من الطيب، وقيل اسم للجنة، وقيل شجرة فيها -انظر النهاية ‏في غريب الحديث (1413) -والويل: الهلاك.‏
فإذا أخطأ بنو آدم خطأ، وإذا أذنبوا فقد أذنب أبوهم الأول:‏
‏ (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما)(586).‏
‏ فلا غرابة إذاً أن يخطئ الناس ويصيـبوا:‏
‏(قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه ‏هو الغفور الرحيم)(587). ‏
فانظر إلى إيناسه تبارك وتعالى لهم، حين ناداهم "يا عبادي"، وأضافهم إلى ذاته المقدسة تلطفاً ‏بهم.‏
إن سب الناس ولعنهم ولو كانوا عصاة منحرفين، لا يصلحهم، ولا يقربهم من الخير. وأولى من هذا ‏أن تتقدم إلى أخيك العاصي فتدعوه أو تدعو لـه، ولا تدعه فريسة للشيطان، كما قال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم: "لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم"(588). وقد قال أحد الحكماء "بدلاً من أن تلعن ‏الظلام أضيء شمعة تنير الطريق".‏

‏6 - القدوة ‏
ينبغي للمعالج بالقران أن يكون قدوة للناس. فإذا أنعم الله عليه بكونه سبباً في شفاء الناس، فإن ‏الناس يتساءلون بم استحق هذه المنزلة؟ فينبغي له أن يكون قدوة للناس في عبادته ومعاملته، وفي شأنه ‏كله. وهذه التزكية مطلب شرعي، قال تعالى:‏
‏ (قد أفلح من زكاها)(589). ‏
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتق المحارم تكن أعبد الناس"(590).‏
‏586- سورة طه: (115).‏
‏587- سورة الزمر: (52).‏
‏588- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الحدود: باب ما يكره من شارب الخمر وأنه ليس بخارج عن ‏الملة ح(6781). وأبو داود في سننه: كتاب الحدود: باب الحد في الخمر ح(4477). واحمد في مسنده ‏‏(1/438). والبيهقي في الكبرى (8/331). ‏
‏589- سورة الشمس: (9). ‏
‏590- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الزهد: باب الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ‏ح(2312)، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان. وأحمد في مسنده ‏‏(2/310). وصححه الألباني: انظر صحيح سنن الترمذي ح(1876). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ‏للألباني ح(930). ‏
فينبغي للمعالج بالقرآن أن يكون مقتديا برسول الله صلى الله عليه وسلم في كل شيء عاملا بقوله ‏تعالى: ‏
‏(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)(591). ‏
محبا لله صادقا في محبته؛ متبعا للنبي صلى الله عليه وسلم في عبادته، ومعاملته، وأخلاقه، ‏وسلوكه، وسياسته، واقتصاده، وأمور حياته كلها. قال تعالى:‏
‏ (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)(592).‏
ومن ذلك جمال المظهر، وطيب الباطن والظاهر. ويتحقق ذلك بإزالة الشهوات والشبهات، وتعلم ‏ما يحتاجه المسلم من العلوم الإسلامية من: توحيد، وقرآن، وحديث، وفقه، وسيرة. وليكن جميل ‏المظهر، لأن الله جميل يحب الجمال. ومن ذلك حف الشارب، وإكرام اللحية، عملا بقوله صلى الله ‏عليه وسلم: "خالفوا المشركين، اخفوا الشوارب، وأوفروا الحى"(593). ومن جمال المظهر عدم إسبال ‏الثياب تحت الكعبين لقولـه صلى الله عليه وسلم: "ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار"(594). فالإسبال ‏حرام سواء قصد الخيلاء أم لم يقصدها.‏

‏591- سورة الأحزاب: (21). ‏
‏592- سورة آل عمران: (31).‏
‏593- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب اللباس: باب تقليم الأظفار ح(5892) ومسلم ‏في صحيحه: كتاب الطهارة: باب خصال الفطرة ح(259) والترمذي في سننه: كتاب ‏الأدب: باب ما جاء في إعفاء اللحية ح(2772) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وانظر ‏تحفة الأشراف ح(8177) والنسائي في سننه: كتاب الطهارة: باب إحفاء الشارب وإعفاء ‏اللحية ح(15). وأخرجه أحمد في مسنده (2/16). ‏
‏594- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب اللباس: باب ما أسفل من الكعبين فهو في ‏النار ح(5787). وابن ماجة في سننه: كتاب اللباس: باب موضع الإزار أين هو ‏ح(3573). وانظر تحفة الأشراف ح(4136). وأخرجه أحمد في مسنده (3/5-‏‏6-31-97). والبيهقي في الكبرى (2/244).‏
فحياة المعالج بالقرآن وسلوكه الخاص والعام موضع ملاحظة، فحين يكون بعيدا عن الالتزام ‏بالسنن والنوافل - فضلا عن الواجبات - فإنه يكون فتنة للناس، حيث يصرفهم بسلوكه عن دين الله.‏

‏7 - الدعوة قبل العلاج‏
مما لا شك فيه أن مجال العلاج بالقرآن أحسن مجال للدعوة إلى الله تعالى، إذ يلتقي هذا المعالج ‏بعشرات المرضى، يجلسون إليه، ويستمعون لما عنده من معلومات ومبادئ، ينظرون إلى سلوكه ‏وتعامله؛ فإذا كان المعالج بالقرآن يحمل توحيدا علميا وعمليا أثر في مرضاه تأثيرا طيبا بإذن الله.‏
فينبغي للمعالج بالقرآن أن يعيد تنظيم حياة المريض، ويرسم له البرنامج العلاجي والإصلاحي، ‏ويربط المريض بخالقه:‏
‏ (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه)(595). ‏
مذكراً المريض بقوله تعالى: ‏
‏(قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه ‏هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له)(596). ‏
فالبعد عن الله عز وجل يورث العيش المر، والضنك، وتسلط الشياطين.‏

‏8 - الفتنة الكبرى‏
أعظم الفتن ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنها حيث قال: "ما تركت فتنة بعدى أضر على ‏الرجال من النساء"(597).‏
‏595- سورة الكهف: (28). ‏
‏596- سورة الزمر: (53-54). ‏
‏597- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب النكاح: باب ما يتقي من شؤم المرأة ح(5096). ومسلم في ‏صحيحه: كتاب الرقاق: باب أكثر أهل الجنة الفقراء ح(2740). والترمذي في سننه: كتاب الأدب: باب ما جاء ‏في تحذير فتنة النساء ح(2789) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب الفتن: باب فتنة ‏النساء ح(3998) وانظر تحفة الأشراف ح(4188) وأخرجه أحمد في مسنده (5/200) والبيهقي في الكبرى ‏‏(7/91). ‏
وقال صلى الله عليه وسلم: "فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في ‏النساء"(598). ‏
هذا باب عظيم من أبواب الفتنة قد يقع فيها المعالج من حيث لا يدري ولا يشعر. فقد يزين ‏الشيطان للمعالج أن الخلوة بالمريضة أفضل من جهة عدم إحراجها، ومن جهة عدم إطلاع الناس من ‏أقربائها على أسرارها، فيحدث في ذلك معصية، وكبيرة من الكبائر، يكفر بسببها صاحبها إذا استحلها.‏
فالحذر الحذر أيها الأخ المعالج من أن ينال منك الشيطان ذلك، بأن يوقعك في شيء من هذه الكبائر من ‏المعاصي والمنكرات، فإن هذا أعظم مطلب يطلبه منك الشيطان بعد الشرك بالله. وحديث النبي صلى ‏الله عليه وسلم في هذا الأمـر معلوم ومشهور. فقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: ‏‏"إياكم والدخول على النساء"(599). وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: "لا يخلو رجل بامرأة إلا مع ذي ‏محرم"(600) -فكيف بجلسة بين اثنين الشيطان ثالثهما، فيكون بذلك وليهما والله عدوهما، فأنَّى يستجاب ‏لهما، وأنَّى يكون الخير.‏
‏598- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الذكر والدعاء: باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء وبيان ‏الفتنة بالنساء ح(2742). وأحمد في مسنده (3/19-22-46-61-84). وابن حبان في صحيحه -انظر الإحسان ‏ح(3211). والبيهقي في السنن (7/91). والحميدي في مسنده ح(752). والمنذري في الترغيب (3/448). وابن ‏خزيمة في صحيحه ح(1699) وابن أبي شيبة في مصنفه (13/424). ‏
‏599- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب النكاح باب لا يخلون رجل بإمرأة إلا ذو محرم والدخول على المغيبة ‏ح(5232). ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها ح(2172). والترمذي في ‏سننه: كتاب الرضاع: باب ما جاء في كراهية الدخول على المغيبة ح(1174) وقال: حديث عقبة بن عامر حديث حسن ‏صحيح. وأحمد في مسنده (4/149) والبيهقي في الكبرى (7/90) وابن أبي شيبة في مصنفه (4/409).‏
‏600- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب النكاح: باب لا يخلون رجل بإمرأة إلا ذو محرم والدخول على المغيبة ‏ح(5233). ومسلم في صحيحه: كتاب الحج: باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره ح(1341) وأحمد في مسنده ‏‏(1/18). والمنذري في الترغيب (3/39). وعبد الرزاق في مصنفه ح(12548). قال النووي: محتمل أن يريد محرماً ‏لها أوله وهذا الاحتمال الثاني هو الجاري على قواعد الفقهاء فإنه لا فرق بين أن يكون معها محرماً لها كإبنها وأخيها ‏وأمها وأختها أو يكون محرماً له كأخته وبنته وعمته وخالته فيجوز القعود معها في هذه الأحوال ثم إن هذا الحديث ‏مخصوص أيضاً بالزوج فإنه لو كان معها زوجاً كان كالمحرم وأولى بالجواز وأما إذا خلى الأجنبي بالأجنبية من غير ‏ثالث معها فهو حرام بإتفاق العلماء أو كذا لو كان معها من لا يستحي منه لصغره كإبن سنتين أو ثلاث ونحو ذلك فإن ‏وجوده كالعدم وكذا لو اجتمع رجال بإمرأة أجنبية فهو حرام بخلاف ما لو اجتمع بنسوة أجانب فإن الصحيح جوازه -‏انظر شرح النووي على صحيح مسلم (9/109).‏
هذه بعض القواعد للرقية الشرعية أقدمها نصيحة للإخوة العاملين في مجال العلاج بالقرآن ‏الكريم والرقية الشرعية. وكذلك لمن ابتلوا ببعض الأمراض، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: "الدين ‏النصيحة"(601).‏
‏601- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب بيان أن الدين النصيحة ‏ح(55). وأبو داود في سننه: كتاب الأدب باب في النصيحة ح(4944). والترمذي ‏في سننه: كتاب البر والصلة: باب ما جاء في النصيحة ح(1932). وقال: هذا ‏حديث حسن صحيح. والنسائي في سننه: كتاب البيعة: باب النصيحة للإمام ‏ح(4208). وانظر تحفة الأشراف (2053). وأخرجه أحمد في مسنده ‏‏(1/351) و(2/297). قال الخطابي: النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة ‏الخير للمنصوح له فمعنى النصيحة لله سبحانه: صحة الاعتقاد في وحدانيته ‏وإخلاص النية في عبادته. والنصيحة لكتابه: الإيمان به والعمل بما فيه. والنصيحة ‏لرسوله: التصديق بنبوته وبذل الطاعة له فيما أمر ونهى عنه. والنصيحة لعامة ‏المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم -انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب ص ‏‏(74).‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:15 PM
الاستشفــــاء بالقـــرآن‏

الدكتور مصطفى محمود حلمي
الدكتور يوسف يعقوب السلطان



لقد أُعد هذا الفصل باللغة الإنجليزية ليكون أحد الفصول الرئيسية في الكتاب بغية ‏توصيل مفهوم ومضمون وأسس الاستشفاء بالقرآن للمسلمين غير الناطقين بالعربية ‏ولغير المسلمين كذلك لعله يكون لهم نبراساً يتضمن الفصل ما يلي: ‏

مقدمـة
يتطرق الباحثان في المقدمة إلى أدبيات استعرض به مؤلفيها إلى أهمية الصلاة إلى ‏صحة الإنسان وكوسيلة للعلاج. كما أفاد أحدهم بعدم جدوى الاستعانة بالطبيب ‏التقليدي عندما يعجز الطب التقليدي عن العلاج، وبعدم الاعتماد على الوسائل ‏البديلة عندما يكون الطب التقليدي نافعاً. ‏
وأضاف الباحثان بأن بحثهم سيركز على ثلاثة أمور رئيسية وهي: ‏
أولاً ‏: مصطلح الرقية
ثانياً ‏: آراء حول الرقية ‏
ثالثاً ‏: فلسفة أو مبادئ الاستشفاء بالقرآن

أولاً ‏: مصطلح الرقية ‏
يفيد لسان العرب بأن أرقاه تعني تهدئة الإنسان، لذا، فإن الرقية هي التعويذة ‏أو الحماية. ويسرد الباحثان بعد ذلك تعاريف مرجعية للرقية. ويضيفان بأن النفث ‏يعتبر إحدى عناصر الرقية. ‏
ثانياً ‏: آراء حول الرقية ‏
أوضح الباحثان بأن هنالك تبيان حول الرقية. فمن بين حاثاً لها إلى ناهياً عنها ‏‏(كراهية). [في المذهب السني]. وفي المذهب الشيعي، يتفق معظم علمائهم على ‏تفضيل الرقية. ‏
ولقد أجاز الحنيفة والمالكية الرقية تاركين للشخص حرية ممارستها أو عدم ‏ممارستها، ولا ضرر في ذلك. إلا أن البعض أخذ "لا إكراه" كإشارة على عدم ‏الرقية مستندين بذلك إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم "يدخل الجنة سبعون ‏من أمتي دون حساب وهم الذين لا يرقون أو يسترقون.." واتفق الحنابلة على ‏شرعية الرقية، إلا أنهم لا يفضلون ممارستها. ‏
كما أن البعض استند في ذلك إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه لا رقية ‏إلا لروح أو حمى أو عين موضحين الحالات التي بينها صلى الله عليه وسلم لرقية ‏الشخص لنفسه أو لغيره. بينت الأدبيات بأن الرقية كانت قليلة الاستعمال في فجر ‏الإسلام. ‏

ثالثاً ‏: مبادئ الاستشفاء في القرآن ‏
بدء الباحثون بتعريفهم لمعنى "القلب والمرض" في القرآن حيث استشهدوا بقوله ‏تعالى في الآية (10) من سورة البقرة، والآية (7) من سورة المائدة، والآيتين ‏‏(2،1) من سورة الأعراف، والآيتين (15،14) من سورة التوبة. وأن القلوب تعنى ‏ما في داخل الصدور التي تصاب بالأمراض وليس هي العضلة التي تضخ الدم، إذ ‏أنها مرتبطة بالصحة الروحية. كما تطرق الباحثان إلى مفهوم القلب في سورة ‏أخرى مثل: الآية (54) من سورة الحج، الآية (89) من سورة الشعراء، الآية (49) ‏من سورة العنكبوت، الآية (5) من سورة فصلت، الآية (5) من سورة الصف. ‏
وأضاف الباحثان أن المنافقين هم من أصحاب القلوب المريضة بالتصرف وليس ‏بالمرض كما ورد في الآية (12) من سورة الأحزاب. كما أن القرآن الكريم ربط ‏أحياناً أمراض القلب بالخوف، كما ورد في الآية (50) من سورة النور. وبين ‏الباحثان كذلك أن أحد أسباب أمراض القلب، وهو من المراحل البدائية للشقاء، يقود ‏إلى جحود وجمود القلب، كما ورد في الآية (53) من سورة الحج. ‏
وبعد ذلك تطرق الباحثان أمر تطور واختلاف مفهوم الأمراض في الحضارات ‏المتعاقبة مثل: ‏
‏1-‏ طب ما قبل التاريخ في العصر الحجري وخلافه حيث كان يتم حفر جمجمة ‏المريض لإخراج الشيطان. ‏
‏2-‏ الطب المصري القديم: ثم اكتشاف عدة وصفات طبية على ورق البردي ‏المصري ثم ربط الأمراض بقوى خارجية. ‏
‏3-‏ الطب اليوناني القديم والذي ارتبط في القرن الخامس قبل ميلاد سيدنا ‏المسيح عليه السلام بابوقراط. ‏
‏4-‏ العصور الوسطى والتي افترض بها بأن الله هو الطبيب الشافي وأن ‏المريض عقوبة من الخطايا مما استوجب التوجه إلى الصلاة. ‏
‏5-‏ عصر النهضة الأوربية وذلك في القرون 14-16 ميلادية حيث أدخلت ‏علوم حديثة مثل التشريح والعقاقير، الخ. وكان هنالك جملة تتكرر بأن ‏الطبيب يعالج والشافي هو الله. ‏
‏6-‏ القرن السابع عشر وفيه اكتشفت آلات ومعدات طبية مثل الترمومتر ‏والميكروسكوب. ‏
‏7-‏ القرن الثامن عشر وفيه طورت نظريات للعلاج. ‏
‏8-‏ القرن التاسع عشر وفيه تطور علمي التخدير والتعقيم. ‏
‏9-‏ القرن العشرون وفيه شهد العالم تطورات طبية عديدة في الأجهزة والمعدات ‏ووسائل التشخيص والعلاج. ‏

وأختتم الباحثان البحث بالتطرق لآيات شفاء القلب في القرآن كما وردت في ‏سورة الإسراء (82)، يونس (57)/ فصلت (44)، الشعراء (80). ‏
وكذلك شفاء نادى به القرآن للناس جميعاً وليس فقط للمسلمين كما ورد في ‏الآيتين (68، 69) من سورة النحل.‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:16 PM
العلاج بالقرآن والسُّنَّة

المقدمة: أهمية العلاج بالقرآن الكريم والسنة المطهرة.‏

‏-1 علاج السحر.‏

‏-2 علاج العين‏

‏-3 علاج التباس الجني بالإنسي‏

‏-4 علاج الأمراض النفسية.‏

‏-5 علاج القرحة والجرح.‏

‏-6 علاج المصيبة.‏

‏-7 علاج الهم والحزن.‏

‏-8 علاج الكرب.‏

‏-9 علاج المريض لنفسه.‏

‏-10 علاج المريض في عيادته.‏

‏-11 علاج القلق والفزع في النوم.‏

‏-12 علاج الحمى.‏

‏-13 علاج اللسعة واللدغة.‏

‏-14 علاج الغضب.‏

‏-15 العلاج بالحبة السوداء.‏

‏-16 العلاج بالعسل.‏

‏-17 العلاج بماء زمزم.‏

‏-18 علاج أمراض القلوب.‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:18 PM
المقدمة: أهمية العلاج بالقرآن والسُّنَّة


إِن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن ‏سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن ‏لا إِله إِلا الله وحدهُ لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه ‏وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإِحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما ‏بعدُ:‏

فلا شك ولا ريب أنَّ العلاج بالقرآن الكريم وبما ثبت عن النبي صلى الله عليه ‏وسلم من الرقى هو علاجٌ نافعٌ وشفاءٌ تامٌ {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} ‏‏[فصلت: 44]، {وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: ‏‏82] ومن هنا لبيان الجنس، فإِنَّ القرآن كله شفاءٌ كما في الآية المتقدمة {يَا أَيُّهَا ‏النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ‏لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57].‏

فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، ‏وما كلُّ أحدٍ يُوهَّل ولا يُوفَّق للاستشفاء بالقرآن، وإِذا أحسن العليل التَّداوي به ‏وعالج به مرضهُ بصدقٍ وإِيمانٍ، وقبولٍ تامٍ، واعتقاد جازمٍ، واستيفاء شروطه، لم ‏يُقاومه الداءُ أبداً. وكيف تُقاوم الأدواء كلام ربِّ الأرض والسماء الذي لو نزل ‏على الجبال لصدعها، أو على الأرض لقطعها، فما من مرضٍ من أمراض القلوب ‏والأبدان إِلا وفي القرآن سبيل الدلالة على علاجه، وسببه، والحمية منه لمن رزقه ‏الله فهماً لكتابه. والله عزَّ وجلَّ قد ذكر في القرآن أمراض القلوب والأبدان، ‏وطبَّ القلوب والأبدان.‏

فأمَّا أمراض القلوب فهي نوعان: مرض شبهةٍ وشكٍ، ومرض شهوةٍ وغيٍّ، وهو ‏سبحانه يذكر أمراض القلوب مفصلةً ويذكر أسباب أمراضها وعلاجها. قال ‏تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً ‏وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51]، قال العلامة ابن القيِّم رحمه الله: ‏‏"فمن لمن يشفه القرآن فلا شفاه الله ومن لم يكفه فلا كفاه الله".‏

وأما أمراض الأبدان فقد أرشد القرآن إلى أصول طبِّها ومجامعه وقواعده، وذلك ‏أنَّ قواعد طبِّ الأبدان كلها في القرآن العظيم وهي ثلاثةٌ: حفظ الصحة، والحمية ‏عن المؤذي، واستفراغ الموادِّ الفاسدة المؤذية، والاستدلال بذلك على سائر أفراد ‏هذه الأنواع.‏

ولو أحسن العبد التداوي بالقرآن لرأى لذلك تأثيراً عجيباً في الشفاء العاجل.‏

قال الإِمام ابن القيِّم رحمه الله تعالى: "لقد مرَّ بي وقتٌ في مكة سقمت فيه، ولا ‏أجد طبيباً ولا دواءً فكنت أعالج نفسي بالفاتحة، فأرى لها تأثيراً عجيباً، آخذ ‏شربه من ماء زمزم وأقرؤها عليها مراراً ثم أشربه فوجدت بذلك البرء التام، ثم ‏صرت أعتمد ذلك عند كثيرٍ من الأوجاع فانتفع به غاية الانتفاع، فكنت أصف ‏ذلك لمن يشتكي ألماً فكان كثيرٌ منهم يبرأ سريعاً".‏

وكذلك العلاج بالرقى النبوية الثابتة من أنفع الأدوية، والدعاء إذا سلم من الموانع ‏من أنفع الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، فهو من أنفع الأدوية، ‏وخاصةً مع الإِلحاح فيه، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، أو يخفِّفه ‏إذا نزل، "الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء" "لا يردُّ ‏القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إِلا البرُّ" ولكن هاهنا أمرٌ ينبغي التَّفطُّن له: ‏وهو أنَّ الآيات، والأذكار، والدعوات، والتعوذات التي يُستشفى بها ويُرقى بها ‏هي في نفسها نافعةٌ شافيةٌ، ولكن تستدعي قبول وقوة الفاعل وتأثيره فمتى تخلَّف ‏الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المنفعل، أو لمانعٍ قويٍّ فيه يمنع أن ‏ينجع فيه الدواء، فإِن العلاج بالرُّقى يكون بأمرين:‏

أمرٍ من جهة المريض، وأمرٍ من جهة المعالج، فالذي من جهة المريض يكون بقوة ‏نفسه وصدق توجُّهه إلى الله تعالى، واعتقاده الجازم بأنَّ القرآن شفاءٌ ورحمةٌ ‏للمؤمنين، والتَّعوذ الصحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان، فإِن هذا نوعُ ‏محاربةٍ، والمحارب لا يتم له الانتصار من عدوه إِلا بأمرين:‏

أن يكون السلاح صحيحاً في نفسه جيداً، وأن يكون الساعد قوياًن فمتى تخلَّف ‏أحدهما لم يغن السلاح كثير طائلٍ فكيف إِذا عدم الأمران جميعاً: يكون القلب ‏خراباً من التوحيد والتوكُّل والتَّقوى والتَّوجه، ولا سلاح له.‏

الأمر الثاني من جهة المعالج بالقرآن والسنة أن يكون فيه هذان الأمران أيضاً، ‏ولهذا قال ابن التِّين رحمه الله تعالى: "الرُّقى بالمعوِّذات وغيرها من أسماء الله هو ‏الطبُّ الروحانيُّ إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإِذن الله ‏تعالى".‏

وقد أجمع العلماء على جواز الرُّقى عند اجتماع ثلاثة شروط:‏

‏-1 أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته أو كلام رسوله صلى الله عليه ‏وسلم.‏

‏-2 أن تكون باللسان العربيِّ أو بما يُعرف معناه من غيره.‏

‏-3 أن يُعتقد أنَّ الرقية لا تُؤثِّر بذاتها بل بقدرة الله تعالى والرُّقية إِنما هي سببٌ ‏من الأسباب.‏

ولهذه الأهمية البالغة اختصرت قسم الرُّقى من كتابي "الذكر والدعاء والعلاج ‏بالرُّقى من الكتاب والسُّنَّة" وزدت عليه فوائد نافعة إِن شاء الله تعالى. وأسال الله ‏عزَّ وجلَّ بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفعني ‏به، وأن ينفع به من قرأه، أو طبعه، أو كان سبباً في نشره، وجميع المسلمين إِنَّه ‏سبحانه وليُّ ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ وعلى ‏آله وأصحابه ومن تبعهم بإِحسان إِلى يوم الدين.‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:19 PM
‏-1 علاج السحر‏


العلاج الإلهي للسِّحر قسمان:‏

القسم الأول: ما يُتَّقى به السحر قبل وقوعه ومن ذلك:‏

‏-1 القيام بجميع الواجبات، وترك جميع المحرَّمات، والتوبة من جميع السيِّئات.‏

‏-2 الإِكثار من قراءة القرآن الكريم بحيث يجعل له ورداً منه كل يومٍ.‏

‏-3 التحصُّن بالدَّعوات والتعوَّذات والأذكار المشروعة ومن ذلك: "بسم الله ‏الذي لا يضرُّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم" ثلاث ‏مراتٍ في الصباح والمساء [الترمذي وأبو داود وابن ماجه وانظر صحيح ابن ماجه ‏‏2/332]، وقراءة آية الكرسيِّ دبر كلِّ صلاةٍ وعند النوم، وفي الصباح والمساء ‏‏[انظر الحاكم وصححه ووافقه الذهبي 1/562]، وقراءة "قل هو الله أحدٌ" ‏والمعوِّذتين ثلاث مراتٍ في الصباح والمساء وعند النوم وقول "لا إِله إِلا الله وحده ‏لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قديرٌ مائة مرةٍ كل يوم ‏‏[البخاري 4/95، ومسلم 4/2071]، والمحافظة على أذكار الصباح والمساء، ‏والأذكار أدبار الصلوات، وأذكار النوم، والاستيقاظ منه، وأذكار دخول المنزل ‏والخروج منه، وأذكار الرُّكوب، وأذكار دخول المسجد والخروج منه، ودعاء ‏دخول الخلاء والخروج منه، ودعاء من رأى مُبتلىً، وغير ذلك وقد ذكرت كثيراً ‏من ذلك في حصن المسلم على حسب الأحوال، والمناسبات، والأماكن ‏والأوقات، ولا شكَّ أنَّ المحافظة على ذلك من الأسباب التي تمنع الإِصابة ‏بالسِّحر، والعين، والجانِّ بإذن الله تعالى وهي أيضاً من أعظم العلاجات بعد ‏الإصابة بهذه الآفات وغيرها. [انظر: زاد المعاد 4/126].‏

‏-4 أكل سبع تمراتٍ على الرِّيق صباحاً إِذا أمكن، لقوله عليه الصلاة والسلام: ‏‏"من اصطبح بسبع تمرات عجوةً لم يضُرُّهُ ذلك اليوم سُمٌّ ولا سحرٌ" [البخاري ‏مع الفتح 10/247، ومسلم 3/1618]، والأكمل أن يكون من تمر المدينة ممَّا ‏بين الحرَّتين كما في رواية مسلم، ويرى سماحة شيخنا العلاَّمة عبد العزيز بن عبد ‏الله ابن بازٍ حفظه الله أنَّ جميع تمر المدينة توجد فيه هذه الصفة لقوله صلى الله ‏عليه وسلم: "من أكل سبع تمرات ممَّا بين لابتيها حين يصبح ..." الحديث. ‏‏[مسلم 3/1618].‏

كما يرى حفظه الله أنَّ ذلك يُرجى لمن أكل سبع تمراتٍ من غير تمر المدينة ‏مُطلقاً.‏


القسم الثاني: علاج السحر بعد وقوعه وهو أنواعٌ:‏

النوع الأول: استخراجه وإبطاله إذا عُلم مكانه بالطرق المباحة شرعاً وهذا من ‏أبلغ ما يُعالج به المسحور. [انظر: زاد المعاد4/124، والبخاري مع الفتح ‏‏10/123 ومسلم 4/1917].‏

النوع الثاني: الرُّقية الشرعية ومنها: ‏

أ- "يدقُّ سبع ورقاتٍ من سدر أخضر بين حجرين أو نحوهما ثمَّ يصبُّ عليها ما ‏يكفيه للغسل من الماء ويقرأ فيها: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا ‏هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا ‏الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ ‏مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ‏وَهُوَالْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}. [البقرة: 255]‏

‏{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ ‏وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ‏سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} [الأعراف: 117-‏‏122]‏

‏{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا ‏مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ ‏لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} ‏‏[يونس: 79-82].‏


‏{قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا ‏حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً ‏مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ‏إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا ‏آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} [طه: 65-70].‏


بســــمِ الله الرحمــــن الرحيــــــــمِ

‏{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا ‏عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}‏


بســـــمِ الله الرحمــــن الرحيــــــــمِ

‏{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}‏


بســـــمِ الله الرحمــــن الرحيــــــــمِ

‏{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ ‏النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}‏


بســـــمِ الله الرحمــــن الرحيــــــــمِ

‏{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاس * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * ‏الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}‏

وبعد قراءة ما ذُكر في الماء يشرب منه ثلاث مراتٍ ويغتسل بالباقي وبذلك يزول ‏الدَّاء إِن شاء الله تعالى وإِن دعت الحاجة إِلى إِعادة ذلك مرتين أو أكثر فلا بأس ‏حتى يزول المرض وقد جُرِّب كثيراً فنفع الله به وهو جيدٌ لمن حُبس عن زوجته. ‏‏[مصنف عبد الرزاق 11/13 وفتح الباري 10/233].‏


ب- تقرأ سورة الفاتحة، وآية الكرسيِّ، والآيتين الأخيرتين من سورة البقرة، ‏وسورة الإِخلاص، والمعوِّذتين ثلاث مراتٍ أو أكثر مع النفث ومسح الوجع باليد ‏اليمنى. [انظر: البخاري مع الفتح 9/62، ومسلم 4/1723، والبخاري مع ‏الفتح 10/208].‏


جـ- التعوذات والرُّقى والدعوات الجامعة:‏

‏-1 أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيك (سبع مرات). [الترمذي ‏وأبو داود 3/187، والترمذي 2/410 وانظر صحيح الجامع 5/180 و ‏‏322].‏

‏-2 يضع المريض يده على الذي يُؤلمه من جسده ويقول: "بسم الله" ثلاث ‏مراتٍ، ويقول: "أعوذُ بالله وقدرته من شرِّ ما أجد وأُحاذر (سبع مراتٍ)". ‏‏[مسلم 4/1728].‏

‏-3 "اللهم ربَّ الناس أذهب البأس واشف أنت الشافي لا شفاء إِلا شفاؤك شفاءً ‏ولا يُغادر سقماً". [البخاري مع الفتح 10/206، ومسلم 4/1721].‏

‏-4 أعوذ بكلمات الله التامات من كلِّ شيطانٍ وهامَّهٍ ومن كلِّ عينٍ لامَّةٍ". ‏‏[البخاري مع الفتح 6/408].‏

‏-5 "أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق". [مسلم 4/1728].‏

‏-6 "أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشرِّ عباده ومن همزات ‏الشياطين وأن يحضرون". [أبو داود والترمذي، وانظر صحيح الترمذي ‏‏3/171].‏

‏-7 "أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يُجاوزُهنُّ برٌّ ولا فاجرٌ من شرِّ ما خلق، ‏وبرأ وذرأ، ومن شرِّ ما ينزل من السماء، ومن شرِّ ما يعرج فيها، ومن شرِّ ما ذرأ ‏في الأرض، ومن شرِّ ما يخرجُ منها، ومن شرِّ فتن الليل والنهار، ومن شرِّ كلِّ ‏طارقٍ إِلا طارقاً يطرق بخيرٍ يا رحمن". [مسند أحمد 3/119 بإسناد صحيح، ‏وابن السني برقم 637، وانظر مجمع الزوائد 10/127].‏

‏-8 "اللهم ربَّ السماوات السَّبعِ وربَّ العرش العظيم، ربَّنا وربَّ كلِّ شيءٍ، ‏فالق الحبِّ والنَّوى، ومُنزل التوراة والقرآن، أعوذ بك من شرِّ كل شيءٍ أنت ‏آخذٌ بناصيته، أنت الأوَّل فليس قبلك شيءٌ، وأنت الآخر فليس بعدك شيءٌ، ‏وأنت الظاهر فليس فوقك شيءٌ، وأنت الباطن فليس دونك شيءٌ ...". [مسلم ‏‏4/2084].‏

‏-9 "بسم الله أرقيك من كل شيءٍ يُؤذيك ومن شرِّ كلِّ نفسٍ أو عين حاسدة ‏الله يشفيك بسم الله أرقيك". [مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه 4/1718].‏

‏-10 "بسم الله يُبريك ومن كُلِّ داءٍ يشفيك ومن شرِّ حاسدٍ إذا حسد ومن شرِّ ‏كلِّ ذي عينٍ". [مسلم عن عائشة رضي الله عنها 4/1718].‏

‏-11 "بسم الله أرقيك من كلِّ شيءٍ يؤذيك من حسد حاسدٍ ومن كلِّ ذي عينٍ ‏الله يشفيك". [سنن ابن ماجه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وانظر ‏صحيح ابن ماجه 2/268].‏

وهذه التعوذات، والدَّعوات، والرُّقى يعالج بها من السحر، والعين، ومسِّ الجان، ‏وجميع الأمراض، فإِنها رُقىً جامعةٌ نافعةٌ بإِذن الله تعالى. [انظر: زاد المعاد ‏‏4/125 وهناك أنواع من علاج السحر بعد وقوعه لابأس بها إذا جربت ‏ونفعت. انظر: مصنف ابن أبي شيبة 7/387 وفتح الباري 10/233-334، ‏ومصنف عبد الرزاق 11/13، والصارم البتار ص 194-200، والسحر ‏حقيقته وحكمه للدكتور مسفر الدميني ص 64-66].‏


النوع الثالث: الاستفراغ بالحجامة في المحلِّ أو العضو الذي ظهر أثر السِّحر عليه ‏إِن أمكن ذلك وإِن لم يمكن كفى ما سبق ذكره من العلاج بحمد الله تعالى.‏


النوع الرابع: الأدوية الطبيعية، فهناك أدويةٌ طبيعيةٌ نافعةٌ دلَّ عليها القرآن الكريم ‏والسَّنة المطهرة إذا أخذها الإِنسان بيقينٍ وصدقٍ وتوجهٍ مع الاعتقاد أن النفع من ‏عند الله نفع الله بها إِن شاء الله تعالى، كما إِن هناك أدويةٌ مركبةٌ من أعشاب ‏ونحوها، وهي مبينةٌ على التجربة فلا مانع من الاستفادة منها شرعاً ما لم تكن ‏حراماً". [انظر: فتح الحق المبين في علاج الصرع والسحر والعين ص 139]. ‏ومن العلاجات الطبيعية النافعة بإذن الله تعالى: العسل [انظر: ص 142، وفتح ‏الحق المبين ص 140]، والحبة السوداء [انظر: ص141، وفتح الحق المبين ص ‏‏141]، وماء زمزم [انظر: ص 143، وفتح الحق المبين ص 144]، وماء ‏السماء، لقوله تعالى: {ونزلنا من السماء ماءً مُباركاً} [ق: 9]، وزيت الزيتون، ‏لقوله صلى الله عليه وسلم : "كُلوا الزيت وادهنوا به فإِنه من شجرةٍ مباركةٍ"، ‏وقد ثبت من واقع التجربة والاستعمال، والقراءة أنه أفضل زيتٍ [انظر: فتح ‏الحق المبين في علاج الصرع والسحر والعين ص 142]، ومن الأدوية الطبيعية: ‏الاغتسال والتنظف والتطيُّب. [انظر: المرجع السابق ص 145].‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:19 PM
‏-2 علاج العين‏


علاج الإصابة بالعين أقسام:‏

القسم الأول: قبل الإصابة وهو أنواع:‏

‏-1 التحصُّن وتحصين من يُخاف عليه بالأذكار، والدَّعوات، والتعوُّذات ‏المشروعة كما في القسم الأول من علاج السحر. [انظر: ص85 من هذا ‏الكتاب].‏

‏-2 يدعو من يخشى أو يخاف الإِصابة بعينه - إِذا رأى من نفسه أو ماله أو ولده ‏أو أخيه أو غير ذلك مما يُعجبه - بالبركة "ما شاء الله لا قوة إِلا بالله اللهم بارك ‏عليه" لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِذا رأى أحدكم من أخيه ما يُعجبه فليدع له ‏بالبركة". [موطأ مالك 938 وابن ماجه 2/1160 وأحمد 4/447، وانظر: ‏صحيح ابن ماجه 2/265. وانظر: زاد المعاد 4/170].‏

‏-3 ستر محاسن من يُخاف عليه العين. [انظر: شرح السنة للبغوي 13/116 ‏وزاد المعاد 4/173].‏


القسم الثاني: بعد الإِصابة بالعين وهو أنواع:‏

‏-1 إِذا عُرف العائن أُمر أن يتوضَّأ ثم يغتسل منه المصاب بالعين. [انظر: سنن أبي ‏داود 4/9 وزاد المعاد 4/163].‏

‏-2 الإِكثار من قراءة "قل هو الله أحد" والمعوذتين، وفاتحة الكتاب، وآية ‏الكرسيِّ، وخواتيم سورة البقرة، والأدعية المشروعة في الرُّقية مع النَّفث ومسح ‏موضع الألم باليد اليمنى كما في النوع الثاني من علاج السحر فقرة "ج" من رقم ‏‏1 - 11. [انظر ص 96 من هذا الكتاب]. ‏

‏-3 "يقرأُ في ماءٍ مع النَّفث ثمَّ يشرب منه المريض ويصبُّ عليه الباقي، [سنن أبي ‏اود 4/10 فعل ذلك صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس]. أو يقرأ في زيتٍ ‏ويدَّهن به" [مسند أحمد 3/497، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/108 ‏برقم 379]. وإِذا كانت القراءة في ماء زمزم كان أكمل إن تيسَّر [انظر: ‏ص78و 103، 143]، أو ماء السماء. [انظر: ص103].‏

‏-4 لا بأس أن تُكتب للمريض آياتٌ من القرآن ثمَّ تُغسل ويشربها [انظر: زاد ‏المعاد لابن القيم 4/170] ومن ذلك الفاتحة، وآية الكرسي، والآيتان الأخيرتان ‏من سورة البقرة، وقل هو الله أحدٌ، والمعوِّذتان وأدعيةٌ الرُّقية كما في النوع الثاني ‏من علاج السحر فقرة "ب" و "ج" من رقم 1 -11 . [انظر ص 96 من هذا ‏الكتاب].‏


القسم الثالث: عمل الأسباب التي تدفع عين الحاسد وهي كالتالي:‏

‏-1 الاستعاذة بالله من شره.‏

‏-2 تقوى الله وحفظه عند أمره ونهيه سبحانه "احفظ الله يحفظك" [الترمذي، ‏وانظر صحيح الترمذي 2/309].‏

‏-3 الصبر على الحاسد والعفو عنه فلا يُقاتله، ولا يشكوه، ولا يُحدث نفسه ‏بأذاه.‏

‏-4 التَّوكُّل على الله فمن يتوكَّل على الله فهو حسبه.‏

‏-5 لا يخافُ الحاسد ولا يملأُ قلبه بالفكر فيه وهذا من أنفع الأدوية.‏

‏-6 الإِقبال على الله والإِخلاص له وطلب مرضاته سبحانه.‏

‏-7 التوبة من الذنوب لأنها تُسلِّط على الإِنسان أعداءه {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ ‏فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30].‏

‏-8 الصدقة والإِحسان ما أمكن فإِن لذلك تأثيراً عجيباً في دفع البلاء والعين ‏وشرِّ الحاسد.‏

‏-9 إِطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إِليه فكلَّما ازداد لك أذى ‏وشراً وبغياً وحسداً ازددت إليه إِحساناً وله نصيحةً وعليه شفقةً وهذا لا يُوفَّق له ‏إِلا من عظم حظُّه من الله.‏

‏10تجريد التوحيد وإِخلاصه للعزيز الحكيم الذي لا يضرُّ شيءٌ ولا ينفع إِلا بإِذنه ‏سبحانه وهو الجامع لذلك كله وعليه مدار هذه الأسباب، فالتوحيد حصن الله ‏الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين.‏

فهذه عشرة أسباب يندفع بها شرُّ الحاسد والعائن والساحر [انظر: بدائع الفوائد ‏لابن القيم 2/238-245].‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:20 PM
‏-3 علاج التباس الجنِّيِّ بالإِنسيِّ‏

علاج المصروع الذي يدخل به الجنِّيُّ ويلتبس به قسمان:‏


القسم الأول: قبل الإِصابة:‏

من الوقاية المحافظة على جميع الفرائض والواجبات والابتعاد عن جميع المحرَّمات، ‏والتوبة من جميع السَّيِّئات، والتَّحصُّن بالأذكار والدَّعوات، والتَّعوُّذات المشروعة.‏


القسم الثاني: العلاج بعد دخول الجنِّيِّ:‏

ويكون بقراءة المسلم الذي وافق قلبه لسانه ورقيته للمصروع، وأعظم العلاج ‏الرُّقية بفاتحة الكتاب [انظر: سنن أبي داود 4/13-14، وأحمد 5/120]، ‏وسلسلة الأحاديث الصحيحة رقم 2028]، وآية الكرسيِّ، والآيتين الأخيرتين ‏من سورة البقرة، وقل هو الله أحد، وقل أعوذ بربِّ الفلق، وقل أعوذ بربِّ ‏الناس، مع النَّفث على المصروع وتكرير ذلك ثلاث مراتٍ أو أكثر وغير ذلك من ‏الآيات القرآنية، لأن القرآن كلَّه فيه شفاءٌ لما في الصُّدور، وشفاءٌ وهدىً ورحمةٌ ‏للمؤمنين [انظر: الفتح الرباني ترتيب مسند الإمام أحمد 17/183]. وأدعية ‏الرُّقية كما في النوع الثاني من علاج السحر فقرة "ب" و "ج" ولا بدَّ في هذا ‏العلاج من أمرين: الأول من جهة المصروع، بقوة نفسه، وصدق توجُّهه إِلى الله، ‏والتعوَّذ الصَّحيح الذي قد تواطأ عليه القلب واللسان، والثاني من جهة المعالج أن ‏يكون كذلك فإِن السلاح بضاربه.‏

وإِن أُذِّن في أُذُنِ المصروع فحسنٌ، لأنَّ الشيطان يفرُّ من ذلك [انظر: فتح الخق ‏المبين في علاج الصرح والسحر والعين ص 112، والبخاري برقم 574]. ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:21 PM
‏-4 علاج الأمراض النفسية ‏

أعظم العلاج للأمراض النفسية وضيق الصدر باختصارٍ ما يلي:‏

‏-1 الهدى والتوحيد، كما أنَّ الضلال والشرك من أعظم أسباب ضيق الصدر.‏

‏-2 نور الإِيمان الصادق الذي يقذفه الله في قلب العبد، مع العمل الصالح.‏

‏-3 العلم النافع، فكلَّما اتَّسع علم العبد انشرح صدره واتسع.‏

‏-4 الإِنابة والرُّجوع إلى الله سبحانه، ومحبَّتُه بكلِّ القلب، والإِقبال عليه والتَّنعُّم ‏بعبادته.‏

‏-5 دوام ذكر الله على كلِّ حالٍ وفي كلِّ موطنٍ فللذِّكر تأثيرٌ عجيبٌ في انشراح ‏الصَّدر، ونعيم القلب، وزوال الهم والغمِّ.‏

‏-6 الإِحسان إِلى الخلق بأنواع الإِحسان والنَّفع لهم بما يُمكن فالكريم المحسن ‏أشرح الناس صدراً، وأطيبهم نفساً، وأنعمهم قلباً.‏

‏-7 الشجاعة، فإِنَّ الشجاع مُنشرح الصدر متَّسع القلب.‏

‏-8 إِخراج دغل [ودغل الشيء عيبٌ فيه يُفسده] القلب من الصِّفات المذمومة ‏التي توجب ضيقه وعذابه: كالحسد، والبغضاء، والغلِّ، والعداوة، والشَّحناء، ‏والبغي، وقد ثبت أنَّه عليه الصلاة والسلام سُئل عن أفضل الناس فقال: "كلُّ ‏مخموم القلب صدوق اللسان"، فقالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ ‏قال: "هو التقيُّ"، النَّقيُّ، لا إِثم فيه، ولا بغي، ولا غلَّ، ولا حسد". [أخرجه ابن ‏ماجه برقم 4216، وانظر صحيح ابن ماجه 2/411].‏

‏-9 ترك فضول النظر والكلام، والاستماع، والمخالطة، والأكل، والنوم، فإِنَّ ‏ترك ذلك من أسباب شرح الصدر، ونعيم القلب وزوال همه وغمِّه.‏

‏-10 الاشتغال بعملٍ من الأعمال أو علمٍ من العلوم النَّافعة، فإِنها تُلهي القلب ‏عمَّا أقلقه.‏

‏-11 الاهتمام بعمل اليوم الحاضر وقطعه عن الاهتمام في الوقت المستقبل وعن ‏الحزن على الوقت الماضي فالعبد يجتهد فيما ينفعه في الدين والدُّنيا، ويسأل ربَّه ‏نجاح مقصده، ويستعينه على ذلك، فإِنَّ ذلك يُسلِّي عن الهم والحزن. ‏

‏-12 النظرُ إِلى من هو دونك ولا تنظر إلى من هو فوقك في العافية وتوابعها ‏والرِّزق وتوابعه.‏

‏-13 نسيان ما مضى عليه من المكاره التي لا يُمكنه ردَّها فلا يُفكر فيه مطلقاً.‏

‏-14 إِذا حصل على العبد نكبةٌ من النَّكبات فعليه السَّعي في تخفيفها بأن يُقدِّر ‏أسوأ الاحتمالات التي ينتهي إليها الأمر، ويدافعها بحسب مقدوره.‏

‏-15 قوة القلب وعدم انزعاجه وانفعاله للأوهام والخيالات التي تجلبها الأفكار ‏السَّيِّئة، وعدم الغضب، ولا يتوقع زوال المحابِّ وحدوث المكاره بل يكل الأمر ‏إلى الله عزَّ وجلَّ مع القيام بالأسباب النافعة، وسؤال الله العفو والعافية.‏

‏-16 اعتماد القلب على الله والتَّوكُّل عليه وحسن الظنِّ به سبحانه وتعالى، فإِنَّ ‏المتوكل على الله لا تؤثِّر فيه الأوهام.‏

‏-17 العاقل يعلم أنَّ حياته الصحيحة حياة السعادة والطمأنينة وأنها قصيرةٌ جداً ‏فلا يُقصِّرها بالهمِّ والاسترسال مع الأكدار، فإِنَّ ذلك ضدُّ الحياة الصحية.‏

‏-18 إِذا أصابه مكروه قارن بين بقيَّة النعم الحاصلة له دينيَّةً أو دنيويَّةً وبين ما ‏أصابه من المكروه فعند المقارنة يتَّضح كثرةُ ما هو فيه من النِّعم، وكذلك يُقارن ‏بين ما يخافه من حدوث ضرر عليه وبين الاحتمالات الكثيرة في السلامة فلا يدع ‏الاحتمال الضعيف يغلب الاحتمالات الكثيرة القوية، وبذلك يزول همه وخوفه.‏

‏-19 يعرف أنَّ أذيَّة الناس لا تضُرُّه خصوصاً في الأقوال الخبيثة بل تضرُّهم فلا ‏يضع لها بالاً ولا فكراً حتى لا تضرُّه.‏

‏-20 يجعل أفكاره فيما يعود عليه بالنفع في الدين والدنيا.‏

‏-21 أن لا يطلب العبد الشكر على المعروف الذي بذله وأحسن به إِلا من الله ‏ويعلم أنَّ هذا معاملة منه مع الله فلا يُبال بشكر من أنعم عليه {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ ‏لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا} [الإنسان: 9]. ويتأكد هذا في ‏معاملة الأهل والأولاد.‏

‏-22 جعل الأمور النافعة نصب العينين والعمل على تحقيقها وعدم الالتفات إِلى ‏الأمور الضارَّة فلا يشغل بها ذهنه ولا فكره.‏

‏-23 حسم الأعمال في الحال والتَّفرُّغ في المستقبل حتى يأتي للأعمال المستقبلة ‏بقوة تفكير وعمل.‏

‏-24 يتخيَّر من الأعمال النافعة والعلوم النافعة الأهم فالأهم وخاصةً ما تشتد ‏الرغبة فيه ويستعين على ذلك بالله ثم بالمشاورة فإِذا تحقَّقت المصلحة وعز توكَّل ‏على الله.‏

‏-25 التحدُّث بنعم الله الظاهرة والباطنة، فإِنَّ معرفتها والتحدُّث بها يدفع الله به ‏الهمَّ والغمَّ ويحثُّ العبد على الشُّكر.‏

‏-26 معاملةُ الزوجة والقريب والمعامل وكلِّ من بينك وبينه علاقةٌ إذا وجدت ‏به عيباً بمعرفة ماله من المحاسن ومقارنة ذلك، فبملاحظة ذلك تدوم الصحبة ‏وينشرح الصدر "لا يفرك مؤمنٌ مؤمنةً إن كره منها خُلقاً رضي منها آخر". ‏‏[مسلم: 2/1091].‏

‏-27 الدعاء بصلاح الأمور كلها وأعظم ذلك "اللهم أصلح لي ديني الذي هو ‏عصمة أمري، ودنياي التي فيها معاشي، وآخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة ‏زيادةً لي في كلِّ خيرٍ، والموت راحةً لي من كلِّ شرٍّ"، وكذلك "اللهم رحمتك ‏أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عينٍ وأصلح لي شأني كله لا إِله إِلا أنت". [أبو ‏داود 4/324، وأحمد 5/42].‏

‏-28 الجهاد في سبيل الله لقوله عليه الصلاة والسلام: "جاهدوا في سبيل الله، ‏فإِنَّ الجهاد في سبيل الله بابٌ من أبواب الجنة يُنجِّي الله به من الهمِّ والغمِّ". [أحمد ‏‏5/314، 316، 319، 326، 330، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي ‏‏2/75].‏

وهذه الأسباب والوسائل علاجٌ مفيدٌ للأمراض النَّفسية ومن أعظم العلاج للقلق ‏النَّفسيِّ لمن تدبَّرها وعمل بها بصدقٍ وإِخلاصٍ، وقد عالج بها بعض العلماء كثيراً ‏من الحالات والأمراض النفسية فنفع الله بها نفعاً عظيماً. [انظر مقدمة الوسائل ‏المفيدة الطبعة الخامسة ص 6].‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:22 PM
‏-5 علاج القُرحة والجُرح‏

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى الإنسان أو كانت به قُرحةٌ أو ‏جرحٌ قال بأصبعه هكذا ووضع سفيان سبَّابته بالأرض ثم رفعها وقال "بسم الله ‏تُربةُ أرضنا بريقهِ بعضنا يُشفى سقيمنا بإِذن ربِّنا". [البخاري مع الفتح ‏‏10/206، ومسلم 4/1724 برقم 2194].‏

ومعنى الحديث أنه يأخذ من ريق نفسه على أصبع السَّبَّابة ثم يضعها على التُّراب ‏فيعلق بها منه شيءٌ فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل ويقول هذا الكلام في ‏حال المسح. [انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 14/184 وفتح الباري ‏‏10/208 وانظر شرحاً وافياً للحديث في زاد المعاد 4/186-187].‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:23 PM
‏-6 علاج المصيبة‏

‏-1 {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ ‏نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا ‏آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد 22-23].‏

‏-2 {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ ‏شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن: 11].‏

‏-3 "ما من عبدٍ تُصيبه مصيبة فيقول: إِنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في ‏مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها". ‏‏[مسلم 2/633].‏

‏-4 "إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقول نعم، ‏فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقول:حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتاً ‏في الجنة وسموه بيت الحمد". [الترمذي، وانظر: صحيح الترمذي 1/298].‏

‏-5 "يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إِذا قبضت صفيه من أهل ‏الدنيا ثم اتسبه إلا الجنة". [البخاري مع الفتح 11/242].‏

‏-6 وقال عليه الصلاة والسلام لرجلٍ مات ابنه: "ألا تحب أن لا تأتي باباً من ‏أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك". [أحمد والنسائي وسنده على شرط الصحيح ‏وصححه الحاكم وابن حبان وانظر فتح الباري 11/234].‏

‏-7 "يقول الله عزَّ وجلَّّ إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر [واحتسب] عوضته ‏منهما الجنة" يريد عينيه. [البخاري مع الفتح 10/116 وما بين المعكوفين من ‏سنن الترمذي انظر صحيح الترمذي 2/286].‏

‏-8 "ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما ‏تحط الشجرة ورقها". [البخاري مع الفتح 10/120 ومسلم 4/1991].‏

‏-9 "ما من مسلم يشاك شوكةً فما فوقها إلا كتبت له بها درجةٌ ومحيت عنه بها ‏خطيئةٌ". [مسلم 4/1991].‏

‏-10 "ما يصيب المؤمن من وصبٍ [الوصب: الوجع اللازم ومنه قوله تعالى: ‏‏{وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} [الصافات: 9] أي لازم ثابت. انظر شرح النووي ‏‏16/130] ولا نصبٍ [النصب: التعب] ولا سقمٍ ولا حزنٍ حتى الهمِّ يهمه ‏‏[قيل بفتح الياء وضم الهاء "يهمه" وقيل "يهمه" بضم الياء وفتح الهاء، أي: يغمه ‏وكلاهما صحيح، انظر شرح النووي 16/130]. إلا كُفِّر به من سيئاته". ‏‏[مسلم 4/1993].‏

‏-11 "إنَّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإنَّ الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن ‏رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط". [الترمذي وابن ماجه وانظر صحيح ‏الترمذي 2/286].‏

‏-12 "... فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه ‏خطيئةٌ". [الترمذي وابن ماجه وانظر صحيح الترمذي 2/286].‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:24 PM
‏-7 علاج الهم والحزن‏

‏-1 ما أصاب عبداً همٌ ولا حزنٌ فقال: "للهمَّ إني عبدك وابن عبدك ابن أمتك ‏ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك ‏سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحداً من خلقك أو استأثرت به ‏في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري وجلاء حزني ‏وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وهمه وأبدله مكانه فرحاً". [أحمد 1/391].‏

‏-2 "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل والبخل والجبن، ‏وضلع الدين وغلبة الرجال". [البخاري 7/158 كان الرسول صلى الله عليه ‏وسلم يكثر من هذا الدعاء، انظر البخاري مع الفتح 11/173].‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:24 PM
‏-8 علاج الكرب‏

‏-1 "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ‏ربُّ السماوات وربُّ الأرض وربُّ العرش الكريم". [البخاري 4/154 ومسلم ‏‏4/2092]. ‏

‏-2 "اللهم رحمتك أرجو لا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله "لا ‏إله إلا أنت". [أبو داود 324 وأحمد 5/42].‏

‏-3 "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين". [الترمذي 5/529 ‏والحاكم وصححه ووافقه الذهبي 1/505 وانظر صحيح الترمذي 3/168].‏

‏-4 "الله الله ربي لا أُشرك به شيئاً". [أخرجه أبو داود 2/87 وانظر صحيح ابن ‏ماجه 2/335 وانظر صحيح الترمذي 4/196].‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:25 PM
‏-9 علاج المريض لنفسه‏

‏"ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله، ثلاثاً، وقل سبع مراتٍ: ‏أعوذ بالله وقدرته من شرِّ ما أجد وأحاذر". [مسلم 4/1728].‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:26 PM
‏-10 علاج المريض في عيادته‏

‏"ما من عبدٍ مسلمٍ يعود مريضاً لم يحضر أجله فيقول سبع مرات: أسأل الله ‏العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيك إلا عُوفي". [أخرجه الترمذي وأبو داود ‏وانظر صحيح الترمذي 2/210 وصحيح الجامع 5/180].‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:27 PM
‏-11 علاج القلق والفزع في النوم‏

‏"أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه، وشر عباده، ومن همزات ‏الشياطين وأن يحضرون". [أبو داود 4/12 وانظر صحيح الترمذي 3/171].‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:27 PM
‏-12 علاج الحمى ‏

قال عليه الصلاة والسلام "الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء". [البخاري مع ‏الفتح 10/174 ومسلم 4/1733].‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:28 PM
‏-13 علاج اللسعة واللدغة‏

‏-1 تُقرأ فاتحة الكتاب مع جمع البزاق تفله على اللسعة. [البخاري مع الفتح ‏‏10/208].‏

‏-2 يُمسح عليها بماءٍ وملح مع قراءة: قل يا أيها الكافرون، والمعوذتين. [الطبراني ‏في المعجم الصغير 2/830، وانظر مجمع الزوائج 5/111 وحسن إسناده].‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:29 PM
‏-14 علاج الغضب‏

علاج الغضب يكون بطرقتين:‏

الطريق الأول: الوقاية

وتحصل باجتناب أسباب الغضب ومن هذه الأسباب الكبر، والإِعجاب بالنفس، ‏والافتخار، والحرص المذموم، والمزاح في غير مناسبةٍ، والهزل وما شابه ذلك.‏


الطريق الثاني: العلاج إذا وقع الغضب

وينحصر في أربعة أنواعٍ:‏

‏-1 الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.‏

‏-2 الوضوء.‏

‏-3 تغيير الحالة التي عليها الغضبان: بالجلوس أو الاضطجاع، أو الخروج، أو ‏الإِمساك عن الكلام، أو غير ذلك. ‏

‏-4 استحضار ما ورد في كظم الغيظ من الثواب وما ورد في عاقبة الغضب من ‏الخذلان.‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:29 PM
‏-15 العلاج بالحبة السوداء‏

قال عليه الصلاة والسلام: "إنَّ في الحبة السوداء شفاءً من كل داءٍ إلا السَّام" قال ‏ابن شهاب: السَّام: الموت، والحبة السوداء: "الشونيز". [البخاري مع الفتح ‏‏10/134، ومسلم 1735]. والحبة السوداء كثيرة المنافع جداً. وقوله: "شفاءً ‏من كل داءٍ" مثل قوله تعالى: {تدمر كل شيء بأمر ربها} [الأحقاف: 25]، أي ‏كل شيءٍ يقبل التدمير ونظائره.‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:30 PM
‏-16 العلاج بالعسل‏

‏-1 قال الله عزَّ وجلَّ في ذكر النحل: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ‏فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 69].‏

‏-2 وقال عليه الصلاة والسلام: "الشفاء في ثلاث: في شرطة محجمٍ، أو شربة ‏عسلٍ، أو كيَّةٍ بنار، وأنا أنهى أمتي عن الكيِّ".‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:31 PM
‏-17 العلاج بماء زمزم

‏-1 قال عليه الصلاة والسلام في ماء زمزم: "إنها مباركةٌ إنها طعام طعمٍ [وشفاء ‏سُقمٍ]" [مسلم 4/1922 وما بين المعكوفين عند البزار والبيهقي والطبراني ‏وإسناده صحيح، انظر: مجمع الزوائد 3/286].‏

‏-2 وحديث جابرٍ يرفعه: "ماء زمزم لما شُرب له" [أخرجه ابن ماجه وغيره، ‏وانظر: صحيح ابن ماجه 2/183، وإرواء الغليل 4/320].‏

‏-3 و "كان يحمل ماء زمزم [في الأداوي] والقرب، فكان يصبُّ على المرضى ‏ويسقيهم" [الترمذي والبيهقي 5/205، وانظر صحيح الترمذي 1/284]. قال ‏ابن القيِّم رحمه الله تعالى: وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أموراً ‏عجيبةً واستشفيت به من عدة أمراضٍ فبرأت [وغير أهل الحجاز يقولون: ‏‏"فبرئتُ". انظر: النهاية في غريب الحديث 1/111]. بإذن الله [زاد المعاد ‏‏4/393و 178].‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:32 PM
‏-18 علاج أمراض القلوب‏

القلوب ثلاثةٌ:‏

‏-1 قلبٌ سليمٌ: وهو الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، قال تعالى: ‏‏{يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88-‏‏89].‏

والقلب السليم هو الذي قد سلم من كل شهوةٍ تُخالف أمر الله ونهيه، ومن كلِّ ‏شبهةٍ تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله ‏صلى الله عليه وسلم. الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شركٌ بوجهٍ ما، بل قد ‏خلصت عبوديته لله: إِرادةً، ومحبةً، وتوكلاً، وإِنابةً، وإِخباتاً، وخشيةً، ورجاءً، ‏وخلص عمله لله، فإِن أحبَّ أحبَّ لله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى ‏أعطى لله، وإن منع منع لله، فهمه كله لله، وحُبُّه كله لله، وقصده له، وبدنه له، ‏وأعماله له، ونومه له، ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كلِّ ‏حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه، ومحابه. [انظر: إغاثة اللهفان من مصائد ‏الشيطان لابن القيم رحمه الله 1/7 و 73]. نسأل الله تعالى هذا القلب.‏


‏-2 القلب الميت: وهو ضدُّ الأول وهو الذي لا يعرف ربه ولا يعبده بأمره وما ‏يحبه ويرضاه، بل هو واقفٌ مع شهواته ولذاته، ولو كان فيها سخط ربِّه وغضبه، ‏فهو متعبدٌ لغير الله: حباً، وخوفاً، ورجاءً، ورضاً وسخطاً، وتعظيماً، وذُلاً، إن ‏أبغض أبغض على لهواه، وإن أحب أحب لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع ‏منع لهواه، فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركبه. [انظر: ‏المرجع السابق 1/9]. نعوذ بالله من هذا القلب.‏

‏-3 القلب المريض: هو قلبٌ له حياةٌ وبه علةٌ، فله مادتان تمده هذه مرةً وهذه ‏أخرى، وهو لما غلب عليه منهما. ففيه من محبة الله تعالى والإيمان به، والإِخلاص ‏له، والتوكل عليه: ما هو مادة حياته، وفيه من محبة الشهوات والحرص على ‏تحصيلها، والحسد والكبر، والعجب، وحبِّ العلوِّ، والفساد في الأرض بالرياسة، ‏والنفاق، والرياء، والشحِّ والبخل ما هو مادة هلاكه وعطبه. [انظر: إغاثة ‏اللفهان: 1/9]. نعوذ بالله من هذا القلب.‏

وعلاج القلب من جميع أمراضه قد تضمَّنه القرآن الكريم.‏

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ‏وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]، {وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ ‏وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا} [الإسراء: 82].‏


وأمراض القلوب نوعان:‏

نوع لا يتألم به صاحبه في الحال وهو مرض الجهل، والشبهات والشكوك، وهذا ‏أعظم النوعين ألماً ولكن لفساد القلب لا يُحسُّ به.‏

ونوعٌ: مرضٌ مؤلمٌ في الحال: كالهمِّ، والغمِّ، والحزن، والغيظ، وهذا المرض قد ‏يزول بأدويةٍ طبيعيةٍ بإِزالة أسبابه وغير ذلك. [انظر: إغاثة اللفهان 1/44].‏


وعلاج القلب يكون بأمورٍ أربعةٍ:‏

الأمر الأول: بالقرآن لكريم، فإنه شفاءٌ لما في الصدور من الشك، ويزيل ما فيها ‏من الشرك ودنس الكفر، وأمراض الشبهات، والشهوات، وهو هدىً لمن علم ‏بالحقِّ وعمل به، ورحمةٌ لما يحصل به للمؤمنين من الثواب العاجل والآجل: ‏‏{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي ‏الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا}. [الأنعام: 122].‏

الأمر الثاني: القلب يحتاج إلى ثلاثة أمورٍ:‏

‏(أ) ما يحفظ عليه قوته وذلك يكون بالإيمان والعمل الصالح وعمل أوراد ‏الطاعات.‏

‏(ب) الحمية عن المضار وذلك باجتناب جميع المعاصي وأنواع المخالفات.‏

‏(ج) الاستفراغ من كلِّ مادةٍ مؤذيةٍ وذلك بالتوبة والاستغفار.‏

الأمر الثالث: علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه: له علاجان: محاسبتها ‏ومخالفتها والمحاسبة نوعان:‏

أ- نوع قبل العمل وله أربع مقاماتٍ:‏

‏-1 هل هذا العمل مقدورٌ له؟‏

‏-2 هل هذا العمل فعله خيرٌ له من تركه؟

‏-3 هل هذا العمل يُقصد به وجه الله؟‏

‏-4 هل هذا العمل معانٌ عليه وله أعوانٌ يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل ‏يحتاج إلى أعوانٍ؟ فإذا كان الجواب موجوداً أقدم وإلا لا يُقدم عليه أبداً.‏


ب- نوعٌ بعد العمل وهو ثلاثة أنواعٍ:‏

‏-1 محاسبة نفسه عل طاعةٍ قصَّرت فيها من حقالله تعالى فلم توقعه على الوجه ‏المطلوب، ومن حقوق الله تعالى: الإخلاص، والنصحية، والمتابعة، وشهود مشهد ‏الإحسان، وشهود منَّة الله عليه فيه، وشهود التقصير بعد ذلك كله.‏

‏-2 محاسبة نفسه على كلِّ عملٍ كان تركه خيراً له من فعله.‏

‏-3 محاسبة نفسه على أمرٍ مباحٍ أو معتادٍ لم يفعله وهل أراد به الله والدار الآخرة ‏فيكون رابحاً، أو أراد به الدنيا فيكون خاسراً.‏

وجماع ذلك أن يُحاسب نفسه أولاً على الفرائض، ثم يُكمِّلها إن كانت ناقصةً، ‏ثم يحاسبها على المناهي، فإن عرف أنه ارتكب شيئاً منها تداركه بالتوبة ‏والاستغفار، ثم على ما عملت به جوارحه، ثم على الغفلة. [انظر إغاثة اللهفان ‏‏1/136].‏


الأمر الرابع علاج مرض القلب من استيلاء الشيطان عليه:‏

الشيطان عدو الإنسان والفكاك منه هو بما شرع الله من الاستعاذة وقد جمع النبي ‏صلى الله عليه وسلم بين الاستعاذة من شر النفس وشر الشيطان، قال عليه ‏الصلاة والسلام لأبي بكرٍ: "قل اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب ‏والشهادة، ربَّ كل شيءٍ ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر ‏نفسي، ومن شرِّ الشيطان وشركه، وأن اقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى ‏مسلم. قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك". [الترمذي وأبو ‏داود، وانظر: صحيح الترمذي 3/142].‏

والاستعاذة، والتوكل، والإِخلاص، يمنع سلطان الشيطان. [انظر: إغاثة اللهفان ‏‏1/145-162].‏

وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم ‏بإحسان إلى يوم الدين.‏