المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأخذ بالأسباب



أحمد سعد الدين
25-02-2005, 10:56 PM
الأخذ بالأسباب

أحمد سعد الدين
25-02-2005, 10:57 PM
إن منطق الإسلام هو احترام قانون السببية؛ لأن الله تعالى لا ينصر المفرطين ولو كانوا مؤمنين، بل ينتقم من المقصرين المفرطين كما ينتقم من الظالمين المعتدين، "وإذا تكاسلت عن أداء ما عليك وأنت قادر، فكيف ترجو من الله أن يساعدك وأنت لم تساعد نفسك". كيف ينتظر المرء من الله أن يقدم له كل شيء وهو لم يقدم له شيئًا؟!

وليس معنى الأخذ بالأسباب الاعتماد عليها، بل الطريقة المثلى في التصور الإسلامي أن يقوم المسلم بالأسباب كأنها كل شيء في النجاح، ثم يتوكل على الله كأنه لم يقدم لنفسه سببًا، ولا أحكم خطة، ولا سد ثغرة.

وهذا هو الفرق بين موقف المؤمن والكافر من الأخذ بالأسباب؛ فالمؤمن يأخذ بالأسباب ولا يعتمد عليها ولا يعتقد أنها هي التي تفعل أو تترك، بل يؤمن أن الأمور بيد الله، وأن النتائج تتم بقدرة الله، وأن شيئًا لا قيام له إلا بالله.

بينما يعتقد الكافر -إن جاز أن تكون له عقيدة- أن الأسباب هي الفاعلة والمعوَّل عليها، ولا علاقة لها بالتوفيق الأعلى.

أحمد سعد الدين
25-02-2005, 10:57 PM
فإننا نعلم أنه لا شبع إلا بأكل ولا ولد إلا بنكاح ولا دخول في الجنة إلا بعمل صالح ولا استحقاق للنار إلا بعمل سيئ فالأسباب النافعة مأمور بها شرعا وهي مقتضى الفطرة فلا تنكر أبدا بل إنما يحمد فاعلها إذا كان ذلك على الوجه الشرعي ولكن الشي الذي يجب على المؤمن أن يعتقد أن الأسباب غير موجبة لمسببا ولكن الشي الذي يجب على المؤمن أن يعتقد أن الأسباب غير موجبة لمسبباتها بذاتها فلا يجوز للإنسان أن يعتقد أن السبب نفسه هو الفاعل وهو الموجب للشيء ولكن يجب أن يعتقد أن كل شيء بتقدير الله وإن كل شيء له سبب علمناه أم جهلناه ولو شاء الله عز وجل لأبطل تلك الأسباب كما جعل النار بردا وسلاما على إبراهيم مع أن النار سبب للاحتراق ولكن إرادة الله فوق كل شيء

أحمد سعد الدين
25-02-2005, 10:58 PM
هُوَ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولاً فَامْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النّشُورُ

( الملك: 15 )



قال ابن كثير:



} أي فسافروا حيث شئتم من أقطارها وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات, واعلمواأن سعيكم لا يجدي عليكم شيئاً إلا أن ييسره الله لكم, ولهذا قال تعالى: {وكلوا من رزقه} فالسعي في السبب لا ينافي التوكل كما قال الإمام أحمد,: حدثنا أبو عبد الرحمن, حدثنا حيوة, أخبرني بكر بن عمرو أنه سمع عبد الله بن هبيرة يقول: إنه سمع أبا سهم الحبشاني يقول: إنه سمع عمر بن الخطاب يقول: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لوأنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير, تغدو خماصاً وتروح بطاناً» رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن هبيرة, وقال الترمذي: حسن صحيح, فأثبت لها رواحاً وغدواً لطلب الرزق مع توكلها على الله عز وجل وهو المسخر المسير المسبب

أحمد سعد الدين
25-02-2005, 10:58 PM
مَآ أَصَابَ مِن مّصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلاَ فِيَ أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مّن قَبْلِ أَن نّبْرَأَهَآ إِنّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ * لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىَ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ

( الحديد: 22، 23 )



فال ابن كثير:



يخبر تعالى عن قدره السابق في خلقه قبل أن يبرأ البرية فقال: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم} أي في الاَفاق وفي أنفسكم {إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} أي من قبل أن نخلق الخليقة ونبرأ النسمة. وقال بعضهم: من قبل أن نبرأها عائد على النفوس, وقيل: عائد على المصيبة, والأحسن عوده على الخليقة والبرية لدلالة الكلام عليها كما قال ابن جرير: حدثني يعقوب, حدثني ابن علية عن منصور بن عبد الرحمن قال: كنت جالساً مع الحسن فقال رجل سله عن قوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} فسألته عنها فقال: سبحان الله ومن يشك في هذا ؟ كل مصيبة بين السماء والأرض ففي كتاب الله من قبل أن يبرأ النسمة. وقال قتادة: ما أصاب من مصيبة في الأرض قال: هي السنون يعني الجدب {ولا في أنفسكم} يقول: الأوجاع والأمراض, قال: وبلغنا أنه ليس أحد يصيبه خدش عود ولا نكبة قدم ولاخلجان عرق إلا بذنب, وما يعفوالله عنه أكثر.

وهذه الاَية الكريمة العظيمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق ـ قبحهم الله ـ وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن, حدثنا حيوة وابن لهيعة قالا: حدثنا أبو هانىء الخولاني أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة». ورواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن وهب وحيوة بن شريح ونافع بن زيد وثلاثتهم عن أبي هانىء به, وزاد ابن وهب «وكان عرشه على الماء» ورواه الترمذي وقال حسن صحيح. وقوله تعالى: {إن ذلك على الله يسير} أي إن علمه تعالى الأشياء قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها سهل على الله عز وجل, لأنه يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون.

وقوله تعالى: {لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بماآتاكم} أي أعلمناكم بتقدم علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها, وتقديرنا الكائنات قبل وجودها, لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم وما أخطأكم لم يكن ليصيبكم, فلا تأسوا على ما فاتكم لأنه لو قدر شيء لكان {ولا تفرحوا بما آتاكم} أي جاءكم, وتفسير آتاكم أي أعطاكم وكلاهما متلازم أي لا تفخروا على الناس بما أنعم الله به عليكم, فإن ذلك ليس بسعيكم ولا كدكم, وإنما هو عن قدر الله ورزقه لكم فلا تتخذوا نعم الله أشراً وبطراً تفخرون بها على الناس, ولهذا قال تعالى: {والله لا يحب كل مختال فخور} أي مختال في نفسه متكبر فخور أي على غيره. وقال عكرمة: ليس أحد إلا هو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا الفرح شكراً والحزن صبراً.

أحمد سعد الدين
25-02-2005, 10:59 PM
التوكل على الله لا يعني ترك الأسباب، وإنما يعني الأخذ بالأسباب في الظاهر ويكون القلب تعلقه ليس بالأسباب و لكن بمسبب الأسباب سبحانه، فاتخاذ السبب لا يعني وجوب تحقق النتيجة، فسبحانه وتعالى بيده أن يجعل السبب يثمر نتيجة أو لا يثمرها. فمثلا المقولة المشهورة التي كانوا يعلموها لنا و التي تقول "إن تذاكر تنجح" مقولة خاطئة وضد الإيمان لأنها تُرتِب النتيجة على السبب، والحقيقة كما رأينا جميعا كثيرا من النابهين يذاكرون كثيرا ثم في الامتحانات يرسبون أو ينجحون بالكاد لأسباب أو لأخرى. وعلى هذا تكون صحة العبارة "إن تذاكر و يشاء الله أن تنجح تنجح، وإن لم يشأ لا تنجح".
وأيضا نرى الفلاح يزرع الأرض ويأخذ بكل الأسباب التي تكفل له محصولا وفيرا، ثم لا يشاء الله أن يحدث ذلك فلا يحدث، وسبحانه وتعالى أكد ذلك في قوله (أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون . لونشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون. إنا لمغرمون. بل نحن محرومون).

أحمد سعد الدين
25-02-2005, 10:59 PM
فتاوى نور على الدرب ( ابن عثيمين رحمه الله)






السؤال: يقول إذا كان قضاء الله وقدره سابق على إنسان بالسعادة أو الشقاوة فما حكم تركه الأخذ بالأسباب والعمل؟




الجواب



الشيخ: حكم ترك الأسباب والعمل سفه لأن الله سبحانه وتعالى يقدر الأشياء بأسبابها فلحكمته جل وعلا صار لكل شئ سبباً كل شئ يكون فإنه لابد له من سبب إما معلوم لنا وإما مجهول لنا وقد بين الله لنا أسباب السعادة وأسباب الشقاوة وأمرنا بأن نعمل في أسباب السعادة فقال جل وعلا (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) ولما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه أنه ما من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار قالوا أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب فقال (اعملوا فكل ميسر له لما خلق له) ثم قرأ هذه الآية (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) فهذا ما دل عليه الشرع أنه لابد من الأخذ بالأسباب وكذلك دل عليه العقل فإن الإنسان لو قال أنا لا أتزوج ولكن إن كان الله قد كتب لي أولادا فسيأتون لعده الناس من أسفه السفهاء وكذلك لو قال أنا لا أنا لن أسعى لطلب الرزق ولو قدر الله سبحانه وتعالى لي أن أشبع وأن أروى لعد ذلك من أسف السفه فلابد من فعل الأسباب ولا يتم التوكل ولا الاعتماد إلا بالامتثال أمر الله عز وجل لفعل الأسباب النافعة التي تؤدي إلى المقصود.

أحمد سعد الدين
25-02-2005, 11:00 PM
قال تعالى "إياك نعبد وإياك نستعين" فهل الاستعانة بالخلق والأخذ بالأسباب تتعارض مع وجوب الاستعانة بالله عز وجل؟








مجموعة من المفتين



نص الإجابة


بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فسنن الله في كونه وشرعه تحتم علينا الأخذ بالأسباب كما فعل ذلك أقوى الناس إيمانًا بالله وقضائه وقدره، وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد أخذ الحذر، وأعد الجيوش، وبعث الطلائع والعيون، وظاهر بين درعين، ولبس المغفر على رأسه، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة وهاجر هو بنفسه، واتخذ أسباب الحيطة في هجرته ... أعد الرواحل التي يمتطيها، والدليل الذي يصحبه، وغير الطريق، واختبأ في الغار، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوت سنة، ولم ينتظر أن ينزل عليه الرزق من السماء، وقال للذي سأله أيعقل ناقته أم يتركها ويتوكل: اعقلها وتوكل.
فالأخذ بالأسباب التي يسرها الله تعالى هي استعانة بالله تعالى عن طريق القوانين التي وضعها في الكون.

يقول فضيلة الشيخ علي الطنطاوي –من علماء سوريا-:
1- معنى الاستعانة أن تعمل ما تقدر عليه وأن تطلب من غيرك ما تعجز عنه، فمن كان يحمل حملاً ثقيلاً، واستعان بك ضممت قوتك إلى قوته، وأعنته على حمله، وأما إذا قعد في المقهى يشرب الشاي ووضع حمله على الأرض، وطلب أن تعينه، فهذه ليست استعانة بمعناها الحقيقي.

2- الاستعانة بالمخلوق منها ما هو مشروع ومنها ما هو ممنوع.
فإذا مرض ولدك فاستعنت بالطبيب على شفائه، فإنما تستعين في الحقيقة بقوانين الله التي وضعها في هذا الكون، أي بأسباب الشفاء التي خلقها الله وعرفها الطبيب ولم تعرفها أنت، فهذه استعانة بالله لكنها جاءت عن طريق الأسباب التي يقدر عليها من تستعين به.

3- أما إذا مات الطبيب ولم يعد قادرًا على نفعك بعلمه بهذه القوانين وذهبت إلى قبره وطلبت منه "العمل على شفاء ولدك" كان هذا من الاستعانة الممنوعة، وكذلك كل طلب من ميت ولو كان وليا أو كان نبيًا لأنه لا يقدر بعد موته على اتخاذ الأسباب التي تؤدي إلى شفاء ولدك عن طريق قوانين الله في هذا الوجود.

4- فالاستعانة الحقيقية بالله: إما عن طريق قوانينه التي وضعها في هذا الكون وإما أن تطلبها منه رأسًا. أي أن تدعوه والدعاء سبب من الأسباب، والله قادر على الاستجابة لك، وقادر على خرق القانون الطبيعي الذي وضعه وهو لا يسأل عما يفعل، ولكن المشاهد أن الذي جعله مستحيلا عقلاً لا يحققه بالدعاء. أما إذا طلبت من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله من غير طريق القوانين الطبيعية التي طبعها الله كان هذا ممنوعًا.


ويقول فضيلة الشيخ عطية صقر –رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا-:
التوكُّل هو الإيمان بأن الله سبحانه هو الواحد المتفرد بالخلق، ومنه كل النعم، وإليه المرجع والمصير، مع إظهار مِسْحة هذا الإيمان على السلوك في القول والعمل، وامتثال أمر الله والسير على منهجه الذي أوحى به إلى الرسل.

ولو طبقنا هذا المعنى في طلب الرزق مثلاً فلابد في التوكل من الإيمان بأن السعي والجد في العمل وحده لا يمكن أن يوصل إلى النتيجة إلا بإرادة الله سبحانه، فقد يكون هناك سعي وجد وعمل ولا يكون من وراء ذلك تحقيق ما يريده الإنسان، فلابد من الأمرين: الأخذ بالأسباب ثم تفويض الأمر إلى الله سبحانه وانفراد واحد منهما عن الآخر خطأ. فالأخذ بالأسباب دون التفويض لله يناقض الإيمان، وربما لا يوصل إلى المطلوب، والتفويض لله فقط دون الأخذ بالأسباب. تعطيل لقانون الله وعدم الامتثال لأمره بالسعي والعمل، وهذا ما يعرف بالتواكل.

وعلى ضوء ذلك من يقتصر على الإيمان بقوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا) (سورة هود : 6) دون تنفيذ لقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَاْمُشوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) (سورة الملك : 15) يكون مخطئًا ويطلق عليه اسم المتواكل، يوضح ذلك ما حدث أن رجلاً ترك ناقته على باب المسجد النبوي وقال للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هل أتركها بدون عقل ـ قيد ـ وأتوكل على الله ليحفظها أو أعقلهاـ أقيدها بالعقال؟ فقال له "قيِّدها وتوكل" رواه ابن خزيمة والطبراني بإسناد جيد.

وقد يوضح هذا أيضًا قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خِمَاصًا وتروح بِطانًا" رواه الترمذي وقال: حسن صحيح فالطير تبارح الأعشاش لتطلب رزقها ولا تنتظر وتفتح أفواهها لينزل لها الرزق من السماء وهي راقدة في الأعشاش.

يقول أبو الفتوح الرازي الواعظ المفسر الفارسي المولود بالري في أواخر القرن الخامس الهجري:

توكل على الرحمن في كل حاجة.. ولا تتركن الجد في شدة الطلب
ألم تر أن الله قال لمريم .. وهزي إليك الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزه .. جنته ولكن كل شيء له سبب
والله أعلم .

أحمد سعد الدين
25-02-2005, 11:00 PM
هل كل ما يحدث للإنسان في الدنيا مكتوب عليه من الأزل: الموت والرزق، والنجاح والفشل، والسعادة والشقاء في الدنيا، وإن كان من أهل الجنة أو أهل النار ... فما قيمة سعي الإنسان إذن ؟ وهل للأطباء أن ينقذوا إنسانًا من الموت في حادثة من الحوادث ؟ وهل للاجتهاد والعمل المتواصل، أو حسن إدارة التجارة أو الزراعة علاقة بزيادة الرزق، أم أن الرزق محدد مقدر ... عملنا أم تكاسلنا ؟.


الدكتور الشيخ يوسف عبد الله القرضاوي
نص الإجابة



بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

المسلم مطالب بأن يأخذ بالأسباب، ويسعى بكل ما أوتي من قوة لجلب النفع أو دفع الضر، وهو يوقن تمام اليقين أنه لا يجلب لنفسه نفعا أو يدفع عنها ضرا إلا بإذن الله.








يقول فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي:-
هذا السؤال سؤال قديم معروف، ويبدو أنه مهما طال الزمن سيظل يخطر على الأفئدة، ويدور على الألسنة، ولا داعي للحيرة في شأنه، فإن الإسلام قد شفى في جوابه وكفى وسنعرض لهذه المسألة في النقاط التالية:

(أ) كل ما في الكون مكتوب مسجل:
أما أن كل ما في الكون مكتوب مسجل . فهذا معلوم من الدين بالضرورة ولا شك فيه، وإن كنا لا نعلم كيفية الكتابة، وماهية الكتاب، وكل الذي نعلمه أن الله تعالى قد أبدع هذا الكون بأرضه وسمائه، وجماداته وأحيائه، على وفق تقدير أزلي عنده، وأنه أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، وأن كل ما يحدث في هذا الكون العريض يحدث وفق علمه وإرادته (ولا يعزب عن ربك مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) (سورة يونس: 61) (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) (سورة الأنعام: 59)، (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير). (سورة الحديد: 22).

( ب ) هذا العلم المستوعب، والإحصاء الدقيق، والتسجيل الشامل للأشياء والأحداث قبل وقوعها لا ينافي الاجتهاد في العمل واتخاذ الأسباب






فإن الله كما كتب المسببات كتب الأسباب، وكما قدر النتائج، قدر المقدمات فهو لا يكتب للطالب النجاح فحسب بحيث يصل إلى هذه النتيجة بأي وسيلة، ولكن يكتب له النجاح بوسائله من جد وحرص وانتباه ووعي وصبر وجلد إلى آخر هذه الأسباب . فهذا مقدر مكتوب، وهذا مقدر مكتوب.


إن الأخذ بالأسباب لا ينافي القدر بل هو من القدر أيضًا،ولهذا حين سئل - صلى الله عليه وسلم - عن الأدوية والأسباب التي يتقي بها المكروه، هل ترد من قدر الله شيئًا، كان جوابه الفاصل: " هي من قدر الله " رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وحسنه.

ولما انتشر الوباء في بلاد الشام قرر عمر بمشورة الصحابة العدول عن دخولها، والرجوع بمن معه من المسلمين . فقيل له: أتفر من قدر الله يا أمير المؤمنين ؟ قال: نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت إن نزلت بقعتين من الأرض، إحداهما مخصبة والأخرى مجدبة، أليس إن رعيت المخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت المجدبة رعيتها بقدر الله ؟!.

(جـ) إن القدر أمر مغيب مستور عنا:






فنحن لا نعرف أن الشيء مقدر إلا بعد وقوعه، أما قبل الوقوع فنحن مأمورون أن نتبع السنن الكونية، والتوجيهات الشرعية لنحرز الخير لديننا ودنيانا.

إنما الغيب كتاب صانه عن عيون الخلق رب العالمين.
ليس يبدو منه للناس سوى صفحة الحاضر حينًا بعد حين.

وسنن الله في كونه وشرعه تحتم علينا الأخذ بالأسباب كما فعل ذلك أقوى الناس إيمانًا بالله وقضائه وقدره، وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد أخذ الحذر، وأعد الجيوش، وبعث الطلائع والعيون، وظاهر بين درعين، ولبس المغفر على رأسه، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة وهاجر هو بنفسه، واتخذ أسباب الحيطة في هجرته ... أعد الرواحل التي يمتطيها، والدليل الذي يصحبه، وغير الطريق، واختبأ في الغار، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوت سنة، ولم ينتظر أن ينزل عليه الرزق من السماء، وقال للذي سأله أيعقل ناقته أم يتركها ويتوكل: اعقلها وتوكل (رواه ابن حبان بإسناد صحيح عن عمرو بن أمية الضمري ورواه ابن خزيمة والطبراني بإسناد جيد بلفظ "قيدها وتوكل")، وقال: " فرّ من المجذوم فرارك من الأسد " (رواه البخاري) و" لا يوردن ممرض على مصح " (رواه البخاري) أي لا يخلط صاحب الإبل المريضة إبله بالإبل السليمة، اتقاء العدوى.

( د ) الإيمان بالقدر إذن لا ينافي العمل والسعي والجد في جلب ما نحب، واتقاء ما نكره
.فليس لمتراخ أو كسلان أن يلقى على القدر كل أوزاره وأثقاله، وأخطائه وخطاياه، فهذا دليل العجز والهرب من المسئولية، ورحم الله الدكتور محمد إقبال إذ قال: " المسلم الضعيف يحتج بقضاء الله وقدره، أما المسلم القوي فهو يعتقد أنه قضاء الله الذي لا يرد، وقدره الذي لا يغلب".

وهكذا كان المسلمون الأولون يعتقدون:
ففي معارك الفتح الإسلامي دخل المغيرة بن شعبة على قائد من قواد الروم فقال له: من أنتم ؟ قال: نحن قدر الله، ابتلاكم الله بنا، فلو كنتم في سحابة لصعدنا إليكم، أو لهبطتم إلينا !!.
ولا ينبغي أن يلجأ الإنسان إلى الاعتذار بالقدر إلا حينما يبذل وسعه، ويفرغ جهده وطاقته، وبعد ذلك يقول: هذا قضاء الله.

غلب رجل آخر أمام النبي عليه السلام، فقال المغلوب: حسبي الله، فغضب النبي، ورأى ظاهر هذه الكلمة إيمانًا، وباطنها عجزًا، فقال: " إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله " .

(هـ) ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر:






إن من ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر - حينما يبذل الإنسان كل ما تحت يده، ويرتقب ما في يد الله - أن يهبه المضاء في موقف اليأس، والعزيمة في مجال الكفاح، والشجاعة ساعة الخطر، والصبر عند الصدمة، والرضا بالكسب الحلال عند تفاوت الحظوظ الدنيوية.


إنه سيقول عند الكفاح: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
وسيقول عند المعركة: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم).
وسيقول عند المصيبة: قدر الله وما شاء فعل.
وسيقول للسلطان الجائر: إنك لن تقدم أجلي، ولن تحرمني رزقًا هو لي.
إن عقيدة القدر إذا فهمت على وجهها الصحيح تستطيع أن تخلق من أمتنا أمة مجاهدة صامدة، جديرة بأن تقود زمام التاريخ.
والله أعلم