المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة ثلث القرآن... أم قراءة‎ ‎سورة الإخلاص‎



أحمد سعد الدين
27-02-2005, 06:25 PM
إذا كانت سورة الإخلاص ( قل هو الله‎ ‎أحد) تعدل ثلث القرآن، فلماذا نتعب أنفسنا بقراءة القرآن كله، ونحن ‏نستطيع أن نحصل‎ ‎ثواب قراءته كله إذا أعدنا سورة الإخلاص ثلاث مرات؟‎

الشيخ محمد صالح‎ ‎المنجد‎


نص الإجابة‎
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول‎ ‎الله، وبعد‎:-

قراءة سورة الإخلاص ( قل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن في‎ ‎الثواب والحسنات والجزاء، لكن قراءتها لا ‏تغني عن بقية القرآن، ولا تجزيء عنه،‎ ‎ولذلك لا بد من قراءة الفاتحة في الصلاة، ولا يغني عنها تكرير ‏الشخص لسورة الإخلاص‎ ‎مئات المرات، وإنما اختصت هذه السورة بهذا الفضل ؛ لأن القرآن ثلاثة أثلاث: ‏ثلث‎ ‎تحدث عن إثبات أسماء الله وصفاته، وثلث تحدث عن الوعد والوعيد، وثلث تحدث عن‎ ‎الأحكام، وسورة ‏الإخلاص اشتملت على الثلث الأول، لكن الإنسان بحاجة إلى بقية معني‎ ‎القرآن، وهذا لن يحصل له إلا ‏باشتغاله بالقرآن كله‎.

يقول الشيخ محمد صالح‎ ‎المنجد من علماء المملكة العربية السعودية‎:-
أولاً : هذه بعض الأحاديث الثابتة‎ ‎عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والتي فيها أن سورة ( قل هو الله أحد ) ‏تعدل ثلث‎ ‎القرآن‎ .
روى البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا‏‎ ‎يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يُرَدِّدُهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى‎ ‎رَسُولِ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ ،‎ ‎وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا [أي يراها قليلة] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ‎ ‎صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ‏وَسَلَّمَ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا‎ ‎لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ‎) .
وروى مسلم عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ‎ ‎النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ‎ ‎يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ‏؟ قَالُوا : وَكَيْفَ يَقْرَأْ ثُلُثَ‎ ‎الْقُرْآنِ . قَالَ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ‎ .
وروى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ‎ ‎عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْشُدُوا فَإِنِّي سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ ‏الْقُرْآنِ‎ ‎فَحَشَدَ مَنْ حَشَدَ ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ‎ ‎وَسَلَّمَ فَقَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثُمَّ دَخَلَ ، فَقَالَ بَعْضُنَا‎ ‎لِبَعْضٍ : إِنِّي أُرَى هَذَا خَبَرٌ جَاءَهُ مِنْ السَّمَاءِ ، فَذَاكَ الَّذِي‎ ‎أَدْخَلَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‎ ‎فَقَالَ ‏‏: إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ سَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ، أَلَا‎ ‎إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ‎ .

ثانياً : فضل الله واسع ، فقد‎ ‎تفضَّل الله على الأمة ، وعوَّض قِصَر عمرها بمزيد من الأجر على أعمال يسيرة‎ ‎‎. ‎والعجيب أن بعض الناس بدلاً من أن يكون ذلك دافعاً له على الازدياد من الخير والحرص‎ ‎عليه تحوَّل هذا ‏عنده إلى فتور وكسل عن أداء الطاعات ، أو تَعَجُّبٍ واستبعادٍ لهذا‎ ‎الفضل والثواب‎ .

أحمد سعد الدين
27-02-2005, 06:25 PM
وأما معنى الحديث‎ :
فهناك فرق بين الجزاء والإجزاء‎ . ‎والذي أوقع الأخ السائل في الإشكال هو عدم التفريق بينهما‎ .
فالجزاء : هو‎ ‎الثواب الذي يعطيه الله تعالى على الطاعة‎ .
والإجزاء : هو أن يسدَّ الشيء عن‎ ‎غيره ويجزئ عنه‎ .

فقراءة { قل هو الله أحد } لها جزاء قراءة ثلث القرآن ،‎ ‎لا أنها تجزئ عن قراءة ثلث القرآن‎ .
فمن نذر – مثلاً – أن يقرأ ثلث القرآن ،‏‎ ‎فلا يجزئه قراءة { قل هو الله أحد } لأنها تعدل ثلث القرآن في ‏الجزاء والثواب لا في‎ ‎الإجزاء والإغناء عن قراءة ثلث القرآن‎ .
ومثل هذا يقال في قراءتها ثلاث مرات ،‎ ‎فمن قرأها في صلاته ثلاث مرات لا تجزئه عن قراءة الفاتحة ، مع ‏أنه يُعطى جزاء وأجر‎ ‎قراءة القرآن كاملاً ، لكن لا يعني هذا أنها أجزأته عن الفاتحة‎.
ومثل هذا في‎ ‎الشرع : ما أعطاه الشارع لمن صلَّى صلاة واحدة في الحرم المكي ، وأنه له أجر مائة‎ ‎ألف ‏صلاة ، فهل يفهم أحد من هذا الفضل الرباني أنه لا داعي للصلاة عشرات السنين‏‎ ‎لأنه صلَّى صلاة واحدة في ‏الحرم تعدل مائة ألف صلاة ؟‎ .
بل هذا في الجزاء‎ ‎والثواب ، أما الإجزاء فشيء آخر‎ .
ثم إنه لم يقل أحد من أهل العلم إنه ليس بنا‎ ‎حاجة لقراءة القرآن ، وأن { قل هو الله أحد} كافية عنه؛ ذلك أن ‏القول الصحيح من‎ ‎أقوال أهل العلم أن هذه السورة كان لها هذا الفضل لأن القرآن أُنزل على ثلاثة أقسام‎ : ‎ثلث منها للأحكام ، وثلث منها للوعد والوعيد ، وثلث منها للأسماء والصفات‎ .
وهذه السورة جمعت الأسماء الصفات‎ .
هذا قول أبي العباس بن سريج واستحسنه‎ ‎شيخ الإسلام ابن تيمية‎ .
والمسلم لا غنى له عن الأمرين الآخرين وهما الأحكام‎ ‎والوعد والوعيد ، ولا يتم له معرفتهما إلا بالنظر في ‏كتاب الله كاملاً ، ولا يمكن‎ ‎لمن يقف عند سورة " الصمد " أن يعرف هذين الأمرين‎ .

قال شيخ الإسلام ابن‎ ‎تيمية رحمه الله‎ : -
والثواب أجناس مختلفة كما أن الأموال أجناس مختلفة من‎ ‎مطعوم ومشروب وملبوس ومسكون ونقد وغير ‏ذلك ، وإذا ملك الرجل من أحد أجناس المال ما‎ ‎يعدل ألف دينار مثلا لم يلزم من ذلك أن يستغنيَ عن سائر ‏أجناس المال ، بل إذا كان‎ ‎عنده مال وهو طعام فهو محتاج إلى لباس ومسكن وغير ذلك ، وكذلك إن كان من ‏جنس غير‎ ‎النقد فهو محتاج إلى غيره ، وإن لم يكن معه إلا النقد فهو محتاج إلى جميع الأنواع‏‎ ‎التي يحتاج ‏إلى أنواعها ومنافعها ، والفاتحة فيها من المنافع: ثناء ودعاء مما يحتاج‎ ‎الناس إليه ما لا تقوم { قل هو الله ‏أحد } مقامه في ذلك ، وإن كان أجرها عظيماً‎ ‎فذلك الأجر العظيم إنما ينتفع به صاحبه مع أجر فاتحة الكتاب ‏ولهذا لو صلى بها وحدها‎ ‎بدون الفاتحة : لم تصح صلاته ، ولو قدِّر أنه قرأ القرآن كله إلا الفاتحة : لم تصح‎ ‎صلاته لأن معاني الفاتحة فيها الحوائج الأصلية التي لابد للعباد منها‎ .

وقال- رحمه الله- في موضع آخر‏‎ : -
فالقرآن يحتاج الناس إلى ما فيه من‎ ‎الأمر والنهي والقصص ، وإن كان التوحيد أعظم من ذلك، وإذا احتاج ‏الإنسان إلى معرفة‎ ‎ما أُمر به وما نهي عنه من الأفعال أو احتاج إلى ما يؤمر به ويعتبر به من القصص‎ ‎والوعد والوعيد : لم يسدَّ غيرُه مسدَّه ، فلا يسدُّ التوحيدُ مسدَّ هذا ، ولا‎ ‎تسدُّ القصص مسدَّ الأمر والنهي ولا ‏الأمر والنهي مسدَّ القصص ، بل كل ما أنزل الله‎ ‎ينتفع به الناس ويحتاجون إليه‎ .
فإذا قرأ الإنسان { قل هو الله أحد } : حصل له‎ ‎ثوابٌ بقدر ثواب ثلث القرآن لكن لا يجب أن يكون الثواب من ‏جنس الثواب الحاصل ببقية‎ ‎القرآن ، بل قد يحتاج إلى جنس الثواب الحاصل بالأمر والنهي والقصص ، فلا ‏تسد { قل‎ ‎هو الله أحد } مسد ذلك ولا تقوم مقامه‎ .

ثم قال رحمه الله‎ : -
فالمعارف‎ ‎التي تحصل بقراءة سائر القرآن لا تحصل بمجرد قراءة هذه السورة فيكون من قرأ القرآن‎ ‎كله ‏أفضل ممن قرأها ثلاث مرات من هذه الجهة لتنوع الثواب ، وإن كان قارئ { قل هو‎ ‎الله أحد } ثلاثاً يحصل له ‏ثواب بقدر ذلك الثواب لكنه جنس واحد ليس فيه الأنواع‎ ‎التي يحتاج إليها العبد كمن معه ثلاثة آلاف دينار ‏وآخر معه طعام ولباس ومساكن ونقد‎ ‎يعدل ثلاثة آلاف دينار فإن هذا معه ما ينتفع به في جميع أموره وذاك ‏محتاج إلى ما مع‎ ‎هذا ، وإن كان ما معه يعدل ما مع هذا ، وكذلك لو كان معه طعام من أشرف الطعام يساوي‎ ‎ثلاثة آلاف دينار فإنه محتاج إلى لباس ومساكن وما يدفع به الضرر من السلاح والأدوية‎ ‎وغير ذلك مما لا ‏يحصل بمجرد الطعام‎ .

والله أعلم‎ .‎