المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ~*~ هداني إلى حبِّ الله ِ " كافر" ~*~



همس الروح
24-01-2007, 04:52 PM
كان يوماً ككل يوم, لا يشبهُ نقاط التحول بشيء, و ربما لهذا لم أحاول حفظ الكثير من تفاصيله, كل ما بوسعي استحضراه من ذاك اليوم اليوم, هو انتفاضة الروح على القشور الزائفة .

رأيته يدخل مبتسماً كعادته, بمظهره الدمث المحبب, ألقى السلام فلم يُجَب, و لم يغيّر صدهم من إقباله شيئاً.
تهافتوا من كل حدب ٍ و صوب, وقفوا صفوفاً من المُصلين مخيفة, بلحاهم الداكنة و أثوابهم الموحدة, كبّروا لله و صلوا, فلما انتهوا انسحب كعادته متمتماً ببعض الدعاء, تطرده نظراتهم المستنكرة, و همساتهم الكارهة.
التفوا حول أبي متلهفين لحديثه, و قد كنتُ يومها نصف مريض, فعذرني والدي و أذن لي بالخروج.
خرجتُ كلائذ ٍ من لهيب حروفه, من تهديده و وعيده, من تزمته الأعمى, و غيرته النكراء.
و بينما أسير بخطاي المتثاقلة, رأيته ينتعُ أشياءهُ بتعب, فهممتُ إليه أود المساعدة, و ما كان ليرفضها.
سألني عن اسمي فقلتُ " أحمد" , سألني عن عمري فقلتُ " خمسة عشر", سألني عن طريقي, فأجبتهُ و دون تردد " طريقي طريقك يا أبي " . كان في وجهه ألقٌ غريب لم أصادفه في وجوه ِ أئمتي, و تلك البسمة التي ما فارقته زادتني اطمئناناً و رغبة ً بمعرفته أكثر, طوال الطريق حيرني أمره, هذا الرجل المهذب, هذا الرقيق المتفائل, كيف له أن يكون في موازينهم " كافر" ؟!.
وصلنا منزله البسيط, فألح عليَّ لأدخل, و حقاً فعلت, و كان أن تفاجأت , تفاجأت بسيدة ٍ رقيقة تفتح الباب مرحبة ً سعيدة, قبلت يد الرجل الواقف أمامي, و حملت عنه الأغراض للداخل, ربتَ على كتفي و أدخلني بيده إلى منزل ٍ كل ما فيه يبتسم, كل ما فيه يتكلم, صور أهله, ألوان أثاثه, و نقوشٌ كثيرة, لآيات ٍ تجلب السكينة و الأمان.
" اغسل يديك فغداؤك اليوم معنا." قالها و انحنى جاثياً على ركبتيه, ليحتضن صغيرة ً جميلة, ركضت إليه و ارتمت في حضنه, حملها على ظهره ثم قال " هذه سارة , حفيدتي الغالية, إنها ابنة آمنة ابنتي التي فتحت الباب قبل قليل." تبسمتُ متعجباً, فنساؤنا لا يفتحن الأبواب, و نساؤنا لا يرحبن بالضيوف, و نساؤنا لا يُبحن لبناتهن الركوب على ظهور جدودهن .

" تفضل " اقتربت مني و دعتني للغداء, آمنة ذات الوجه الماسي, جلستُ إلى جانبه, فأخذتني الدهشة, فسكان هذا المنزل غريبو الطباع, لا يشبهوننا في شيء, يجلسون إلى مائدة ٍ واحدة, رجالاً و نساءً , و يقبلون على ذات الدعاء قبل البدء بالطعام, و يتبادلون الأحاديث و الضحكات و صحون الطعام و أكواب اللبن, يشبهونه في كل شيء, حتى في ألفته و تودده .

" اعذرني يا ولدي, فالجوع أنساني تعريفك بأغلى الناس على قلبي, ملائكة حياتي, زهوري اليانعة, هذه آمنة ابنتي الكبرى, و هذه ابنتها الجميلة سارة, ربما تستغرب حضورها معنا, لكنها مقيمة ٌ هنا مذ تم طلاقها, و الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه ٍ سواه, أما هذه الأميرة الخجولة فهي غاليتي فاطمة, طبيبة العائلة, و إلى يمينها ربيع قلبي عائشة, مُدرّسة ٌ مجتهدة, أما هؤلاء البواسل, فأبدأهم بمبدأ حياتي, محمد, يتلوه فؤادي, خالد, و على يساره علي, سندي . "

تأملتهم الواحد تلو الآخر, و تذكرت أخوتي و أخواتي, أمينة التي زوجها أبي لصديق ٍ آذاها ضرباً و إهانة, فجاءت شاكية ً و رُدّت خائبة, لأن الفتاة لا تخرج من بيت أبيها إلا لبيت زوجها, و لا تخرج من هذا الأخير إلا لقبرها, تذكرت خديجة التي أخرجها أبي من المدرسة مذ بلغت, و قد كانت إلى إكمال تعليمها تائقة, تذكرت رقية و أم كلثوم , اللاتي عشن حياتهن في حبس ٍ أبدي لا يدخله إلا النساء, تذكرت أخوتي الأكبر و الأصغر و ابتسمت إرضاءً لهذا الرجل الطيب .

فرغنا من غدائنا, و دخلنا جميعاً غرفة صغيرة اتسعت لنا رغم ضيقها, جلسوا جوار بعضهم, ليكملوا أحاديثاً ما انتهت, نظرت إلى صورة ٍ توسطت الجدار الأبيض, كانوا فيها و لكن من هذه ؟!

" إنها زوجتي المرحومة, فارقتنا قبل ثلاث سنوات, قد كانت روح المنزل و دفأه, رحمها الله و أثابها الجنة . "
اغرورق الدمع في عينيه فما أخفاه, أصابهم الشحوب و قد كانوا باسمين, فدعاهم للصلاة و قاموا طائعين .
تركوني لوحدتي و حيرتي و فراغ حياتي .

جاؤوا بعد حين, و قد حان موعد ذهابي.
زرتهم بعدها مرات ٍ كثيرة, علمتُ فيها أن هذا الرجل صاحب مكتبة ٍ صغيرة يعمل فيها مذ كان شاباً, و أنه إنما يتخلف عن الصلوات في المسجد, لرغبته بالصلاة مع أولاده في المنزل, و أنه إنما لا يحضر حلقاتنا لثقته باختلاف فكره عن فكرنا, و أنه يرى الله رحمة ً لا مجرد رهبة , و يراه قريباً لا بعيداً خلف الحجب السماوية, و يراه رحيماً و إن كان شديد العقاب, علمتُ أن للدين عنده أبعاداً لا نراها, و نوراً تجاهلناه في عزلتنا, و أواصر قطعناها بتزمتنا, و طقوساً أهملناها مذ انحسر الكون في نظرنا و اختصر في بيت الله !!

هذا المعلمُ الحذقُ الصبور , لونَّ حياتي التي ما كان فيها إلا سواداً و بياضا , و أدخلني جنة الدنيا التي من لم يدخلها لن يدخل جنان الآخرة , و صار أبي , فاعذرني يا أبي , إذ أقول , قد هداني إلى حبِّ الله " كافر" !! ..