مشاهدة النسخة كاملة : كيف أفعل مع من ظلمنى
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 01:13 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك
والتسامح والعفو والصفح هى من شيم المحسنين إمتثالا لقدوتنا الحبيب صلى الله عليه وسلم.
ولأن الخالق خبير بنا ، فمن رحمته أنه سبحانه أعطانا الخيار فى مقابلة من أساء إلينا،
فإما: ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به)،
وإما: ( ولئن صبرتم لهو خير للصابرين. واصبر وما صبرك إلا بالله، ولا تحزن عليهم ولا تك فى ضيق مما يمكرون. إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون)،
أو: ( ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولىُّ حميم. وما يُلقَّاها إلا الذين صبروا وما يُلقَّاها إلا ذو حظ عظيم. وإما ينزغنك من الشيكان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم)،
وأخيرا: ( ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يُؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ، والله غفور رحيم).
أخى الفاضل
تلك خيارات( البدائل بلغة الإدارة واتخاذ القرار) تفضَّل بها سبحانه علينا، يتبقى لنا إتخاذ
القرار الذى هو اختيار من بين البدائل المطروحة وجميعها ما بين الحسن والأحسن طبقا للموقف والظروف وما تبغيه فى الدنيا والآخرة،
فقد م++++* سبحانه حرية الإختيار بين البدائل التى بينها لنا ونتائجها الإيجابية فى آيات محكمات بكتابه الكريم.
- هل تريد رد الإساءة بالمثل؟ هذا حق كفله الله لك، ولكن إنتبه ل ( مثل)، لا زيادة.
- هل تريد جزاء الصابرين؟ هذا حق كفله الله لك وبين لك ثواب الصابرين.
- هل تريد جزاء الإحسان؟ فينقلب العدو صديقا فى الدنيا بإذن ربه، وتنال أنت مرتبة المحسنين فى الآخرة.
- هل تريد مغفرة الله؟ فلتعفوا وتصفح عمن أساء إليك.
اللهم إنا نشهدك ونشهد نبيك صلى الله عليه وسلم ونشهد ملائكتك بأنك الله الواحد الأحد الفرد الصمد، وأن لا تكلنا الى أنفسنا طرفة عين ولا لأحد من خلقك، ونحن نتوكل عليك، وأننا نعهد إليك بأننا عفونا وصفحنا عمن ظلمنا من المسلمين، فاعفوا عنا وعنهم.
وصل اللهم على نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين الأطهار وعلى صحبه الأبرار ومن تبعهم بإحسان الى يوم لقائك.
أحمد سعد الدين
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 04:58 PM
فإن ظاهرة انتشرت في بعض الناس ذكرها القرآن الكريم والسنة النبوبة المطهرة، إما على سبيل الذم، أو على سبيل بيان سوء عاقبة من فعلها.
إنها ظاهرة الظلم، وما أدراك ما الظلم، الذي حرمه الله سبحانه وتعالى على نفسه وحرمه على الناس، فقال سبحانه وتعالى فيما رواه رسول الله في الحديث القدسي: { يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا } [رواه مسلم].
وعن جابر أن رسول الله قال: { أتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم } [رواء مسلم].
والظلم: هو وضع الشيء في غير محله باتفاق أئمة اللغة.
وهو ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ظلم الإنسان لربه، وذلك بكفره بالله تعالى، قال تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254]. ويكون بالشرك في عبادته وذلك بصرف بعض عبادته لغيره سبحانه وتعالى، قال عز وجل: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].
النوع الثاني: ظلم الإنسان نفسه، وذلك باتباع الشهوات وإهمال الواجبات، وتلويث نفسه بآثار أنواع الذنوب والجرائم والسيئات، من معاصي لله ورسوله. قال جل شأنه: وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل:33].
النوع الثالث: ظلم الإنسان لغيره من عباد الله ومخلوقاته، وذلك بأكل أموال الناس بالباطل، وظلمهم بالضرب والشتم والتعدي والاستطالة على الضعفاء، والظلم يقع غالباً بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار.
صور من ظلم الإنسان لغيره من عباد الله ومخلوقاته:
غصب الأرض: عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى اللع عليه وسلم قال: { من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين } [متفق عليه].
مماطلة من له عليه حق: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : { مطل الغني ظلم } [متفق عليه].
منع أجر الأجير: عن أبي هريرة عن النبي قال: { قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة...،...، ورجل أستأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره } [رواه البخاري].
وأذكر هنا قصة ذكرها أحد المشايخ في كلمة له في أحد المساجد بمكة، قال: "كان رجل يعمل عند كفيله فلم يعطه راتب الشهر الأول والثاني والثالث، وهو يتردد إليه ويلح وأنه في حاجة إلى النقود، وله والدان وزوجة وأبناء في بلده وأنهم في حاجة ماسة، فلم يستجب له وكأن في أذنيه وقر، والعياذ بالله. فقال له المظلوم: حسبي الله؛ بيني وبينك، والله سأدعو عليك، فقال له: أذهب وأدعوعلي عند الكعبة (انظر هذه الجرأة) وشتمه وطرده. وفعلا استجاب لرغبته ودعا عليه عند الكعبة بتحري أوقات الإجابة، على حسب طلبه، وبريد الله عز وجل أن تكون تلك الأيام من أيام رمضان المبارك وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء:227]، ومرت الأيام، فإذا بالكفيل مرض مرضاً شديداً لا يستطيع تحريك جسده وانصب عليه الألم صباً حتى تنوم في إحدى المستشفيات فترة من الزمن. فعلم المظلوم بما حصل له، وذهب يعاوده مع الناس. فلما رآه قال: أدعوت علي؟ قال له: نعم وفي المكان الذي طلبته مني. فنادى على ابنه وقال: أعطه جميع حقوقه، وطلب منه السماح وأن يدعو له بالشفاء".
الحلف كذباً لإغتصاب حقوق العباد: عن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي أن رسول الله قال: { من اقتطع حق امرىء مسملم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة، فقال رجل: وإن كان شيهـئاً يسيرًا يا رسول الله؟ فقال: وإن قضيبًا من أراك } [رداه مسلم].
السحر بجميع أنواعه: وأخص سحر التفريق بين الزوجين، قال تعالى: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة:102]. وعن أبي هريرة عن النبي قال: { اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ فال:... والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات } [رواه البخاري ومسلم]
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 04:59 PM
عدم العدل بين الأبناء: عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أنه قال:{ نحلني أبى نحلاً فقالت أمى عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليه رسول الله ، فجاءه ليشهده على صدقتى فقال: "أكل ولدك نحلت مثله" قال: لا، فقال: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم"، وقال: "إني لا أشهد على جور"، قال: فرجع أبي فرد تلك الصدقة. } [متفق عليه].
حبس الحيوانات والطيور حتى تموت: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: { عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا فدخلت فيها النار} [رواه البخاري ومسلم]. حبستها: أي بدون طعام.
شهادة الزور: أي الشهادة بالباطل والكذب والبهتان والافتراء، وانتهاز الفرص للإيقاع بالأبرار والانتقام من الخصوم، فعن انس قال: ذكر رسول الله الكبائر فقال: { الشرك بالله، وعقوق الوالدين وقتل النفس، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور، أو قال: "شهادة الزور" } [متفق عليه].
وأكل صداق الزوجة بالقوة ظلم.. والسرقة ظلم.. وأذيه المؤمنين والمؤمنات والجيران ظلم... والغش ظلم... وكتمان الشهادة ظلم... والتعريض للآخرين ظلم، وطمس الحقائق ظلم، والغيبة ظلم، ومس الكرامة ظلم، والنميمة ظلم، وخداع الغافل ظلم، ونقض العهود وعدم الوفاء ظلم، والمعاكسات ظلم، والسكوت عن قول الحق ظلم، وعدم رد الظالم عن ظلمه ظلم... إلى غير ذلك من أنواع الظلم الظاهر والخفيى.
فيا أيها الظالم لغيره:
اعلم أن دعوة المظلوم مستجابة لا ترد مسلماً كان أو كافراً، ففي حديث أنس قال: قال رسول الله : { اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً؛ فإنه ليس دونها حجاب }. فالجزاء يأتي عاجلاً من رب العزة تبارك وتعالى، وقد أجاد من قال:
لاتظلمن إذا ما كنت مقتدراً ++++* فالظلم آخره يأتيك بالندم
نامت عيونك والمظلوم منتبه ++++* يدعوعليك وعين الله لم تنم
فتذكر أيها الظالم: قول الله عز وجل: وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء [ابراهيم:43،42]. وقوله سبحانه: أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى [القيامة:36]. وقوله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [القلم:45،44]. وقوله : { إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته }، ثم قرأ: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102]، وقوله تعالى: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ [الشعراء:227].
وتذكر أيها الظالم: الموت وسكرته وشدته، والقبر وظلمته وضيقه، والميزان ودقته، والصراط وزلته، والحشر وأحواله، والنشر وأهواله. تذكر إذا نزل بك ملك الموت ليقبض روحك، وإذا أنزلت في القبر مع عملك وحدك، وإذا استدعاك للحساب ربك، وإذا طال يوم القيامة وقوفك.
وتذكر أيها الظالم: قول الرسول : { لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء } [رواه مسلم]. والاقتصاص يكون يوم القيامة بأخذ حسنات الظالم وطرح سيئات المظلوم، فعن أبي هريرة عن النبي قال: { من كانت عنده مظلمة لأخيه؛ من عرضه أو من شيء، فليتحلله من اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه } [رواه البخاري]. وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: { أتدرون ما المفلس، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم وطرحت عليه، ثم طرح في النار } [رواه مسلم].
ولكن أبشر أيها الظالم:
فما دمت في وقت المهلة فباب التوبة مفتوح، قال : { إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها } [رواه مسلم]. وفي رواية للترمذي وحسنه: { إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر }. ولكن تقبل التوبة بأربعة شروط:
1- الإقلاع عن الذنب.
2- الندم على ما فات.
3- العزم على أن لا يعود.
4- إرجاع الحقوق إلى أهلها من مال أو غيره.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:00 PM
يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي
عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي ، كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي ، إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا ، فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي ، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ) .
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:01 PM
تخريج الحديث
الحديث أخرجه الإمام مسلم ولم يخرجه غيره من أصحاب الكتب الستة.
غريب الحديث
الظلم : وضع الشيء في غير موضعه ، ويطلق على مجاوزة الحد ، والتصرف في حق الغير بغير وجه حق .
فلا تظالموا : أي لا يظلم بعضكم بعضاً .
فاستهدوني : اطلبوا الهداية مني .
صعيد واحد : الصعيد الموضع المرتفع أو الواسع من الأرض ، والمقصود في أرض واحدة ومكان واحد .
المِخْيط : بكسر الميم وسكون الخاء ومعناه الإبرة
أُحصيها لكم : أضبطها لكم بعلمي وملائكتي الحفظة .
أوفيكم إياها : أعطيكم جزاءها في الآخرة .
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:01 PM
منزلة الحديث
اشتمل هذا الحديث على كثير من قواعد الدين وأصوله ، فنص على تحريم الظلم بين العباد ، وهو من أعظم المقاصد التي جاءت الشريعة بتقريرها .
وجاء التأكيد فيه على أهمية الدعاء ، وطلب الهداية من الله وحده ، وسؤال العبد ربه كل ما يحتاجه من مصالح دينه ودنياه ، والدعاء هو العبادة .
كما أنه تضمن تنزيه الله ، وإثبات صفات الكمال ونعوت الجلال له سبحانه ، وبيان غناه عن خلقه وأنه لا تنفعه طاعة الطائعين ، ولا تضره معصية العاصين .
وفيه أيضاً التنبيه على محاسبة النفس ، وتفقد الأعمال ، والندم على الذنوب .
ولذلك كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه ، وكان الإمام أحمد يقول عنه : " هو أشرف حديث لأهل الشام " .
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:02 PM
تحريم الظلم
لما كانت حقيقة الظلم هي وضع الشيء في غير موضعه ، نزه سبحانه نفسه عن الظلم قال سبحانه : { إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } ( النساء 40) ، وقال عز وجل : { وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ } (فصلت 46) ، فهو سبحانه أحكم الحاكمين ، وأعدل العادلين ، وكما حرم الظلم على نفسه جل وعلا فكذلك حرمه على عباده ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم .
والظلم نوعان : ظلم العبد لنفسه ، وأعظمه الشرك بالله عز وجل قال سبحانه : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } ( لقمان 13) ، لأن الشرك في حقيقته هو جعل المخلوق في منزلة الخالق ، فهو وضع الأشياء في غير مواضعها ، ثم يليه ارتكاب المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائر وصغائر ، فكل ذلك من ظلم العبد لنفسه بإيرادها موارد العذاب والهلكة في الدنيا والآخرة ، قال سبحانه : { وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } (البقرة 231) .
وأما النوع الثاني من أنواع الظلم : فهو ظلم الإنسان لغيره بأخذ حقه أو الاعتداء عليه في بدنه أو ماله أو عرضه أو نحو ذلك ، وقد وردت النصوص كثيرة ترهب من الوقوع في هذا النوع ، من ذلك - قوله - صلى الله عليه وسلم - في خطبته في حجة الوداع : (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ) ،
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:02 PM
افتقار الخلق إلى الله سبحانه
ثم بين جل وعلا أن الخلق كلهم مفتقرون إلى الله في جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم في شؤون دينهم ودنياهم ، وأنهم لا يملكون لأنفسهم شيئا ، فالهداية من الله ، والرزق بيد الله ، والمغفرة من عند الله ، ومن لم يتفضل الله عليه بالهداية والرزق فإنه يحرمهما ، ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه أهلكته خطاياه ، ولذلك فإن الله يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم من طعام وشراب وكسوة وغير ذلك ، كما يسألونه الهداية والمغفرة ، وفي الحديث ( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعله إذا انقطع ) رواه أبو يعلى وغيره وحسنه بعض أهل العلم ، وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه حتى ملح عجينه وعلف شاته .
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:02 PM
غنى الله عن خلقه
ثم بين جل وعلا غناه عن خلقه ، وأن العباد لا يستطيعون أن يوصلوا إليه نفعا ولا ضرا ، بل هو سبحانه غني عنهم وعن أعمالهم ، لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين ، ولكنه يحب من عباده أن يتقوه ويطيعوه ، و يكره منهم أن يعصوه ، مع غناه عنهم ، وهذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده ، ومحبته لنفعهم ودفع الضر عنهم ، قال سبحانه :{ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } (فصلت 46) .
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:03 PM
خزائن الله لا تنفد
ثم بين سبحانه كمال قدرته وسعة ملكه ، وعظيم عطائه ، وأن خزائنه لا تنفذ ، ولا تنقص بالعطاء ، ولو أَعْطَي الأولين والآخرين من الجن والإنس ، جميع ما سألوه في وقت واحد ، وفي ذلك حثُ للخلق على سؤاله وحده ، وإنزال حوائجهم به ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( يد الله ملأي لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض - أي لم ينقص - ما في يمينه ) .
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:12 PM
إحصاء الأعمال
ثم ختم الحديث ببيان عدله وإحسانه على عباده ، فبين أنه يحصي أعمال العباد ثم يوفيهم أجورها وجزاءها يوم القيامة ، فإن وجد العبد في صحيفته أعمالاً صالحة ، فهي محض إحسان وتفضل منه جل وعلا ، حيث وفق العبد إليها وأعانه عليها ، ووفاه أجرها وثوابها ، ولذلك استحق الحمد والثناء ، وإن وجد غير ذلك فليوقن أن الله عامله بالعدل ولم يظلمه شيئا ، وإن كان هناك من يستحق اللوم فهي النفس التي أمرته بالسوء وسولت له المعصية والذنب .
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:13 PM
الظلم ظلمات يوم القيامه
عبد الرحمن عبد الخالق
إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله تعالى ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .
عباد الله : ثبت من قول النبي صلى الله عليه وسلم أنه قا ل : [ الظلم ظلمات يوم القيامة ] (أخرجه أحمد (2/137،156) والبخاري (5/100 الفتح) وفي الأدب المفرد (485) ومسلم (2579) عن ابن عمر).
وقد جاء الإسلام بالعدل كما قال سبحانه وتعالى { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (النحل:90).
والظلم والبغي واحد وهو ضد العدل ، وقد تطلق العرب الظلم على وضع الشيء في غير محله ، وقد جاء معنى هذا في الشرك كما قال سبحانه وتعالى : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } (لقمان:13).
وذلك أنه وضع للشيء في غير محله ، وقد كان الشرك ظلماً عظيماً لأنه وضع للعبادة التي هي أشرف الأعمال في غير محلها لغير الله سبحانه وتعالى ، فلا يستحق العبادة إلا الله جل وعلا ، فالتسبيح والتقديس والسجود والركوع والذبح والنذر والخوف والخشية وسائر أنواع العبادة من أعمال القلوب أو أعمال الجوارح لا تنبغي إلا للإله الواحد سبحانه وتعالى الذي لا إله غيره ولا رب سواه ، فكل من صرف نوعاً من هذه الأنواع لغير الله تبارك وتعالى فقد وضع العبادة في غير محلها ، ولذلك كان الشرك أعظم الظلم ، وقد فسر به النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تبارك وتعالى { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } (الأنعام:82). قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه ليس بذاك ، ألا تسمع قول لقمان لابنه { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } (أخرجه البخاري (8/513 الفتح) وغيره عن عبدالله بن مسعود).
هذا لا شك هو أعلى أنواع الظلم ، ولكن يدخل في هذا المعنى العام كل اعتداء على حق الآخرين ، وكل ما هو ضد العدل ، فمن أخذ مالك بغير حق أو سفك دمك بغير حق أو اعتدى على عرضك بغير حق فلا شك أنه قد ظلمك ، وهذا من معاني الظلم ، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : [ الظلم ظلمات يوم القيامة ] .
ولا شك أن كل من ظلم فهو محاسب بين يدي الله تبارك وتعالى ، والظلم بين العباد درجات ، فمن أعظم الظلم القتل ، قتل المسلم من أعظم العدوان ، ولذلك أوجب الله تبارك وتعالى النار على قتل المؤمن عمداً وظلماً كما قال الله تبارك وتعالى { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } (النساء:93).
وذلك أنه أعظم عدوان ، ولا شك أنه يتدرج العدوان بعد ذلك نزولاً حتى تكون مجرد الكلمة والغمزة واللمزة في حق المؤمن ظلم إذا كانت بغير حق فهي ظلم ، ولا شك أن كل من ظلم ظلمة فإنه لا تزول قدمه يوم القيامة حتى يؤديها ، وإن كان من أهل الإيمان ومن أهل الصلاح كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ أتدرون ما المفلس؟ ] قالوا : المفلس فينا ما لا درهم له ولا متاع ، قال صلى الله عليه وسلم [ إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه ، أخذ من خطاياهم ، فطرحت عليه ، ثم طرح في النار ] (أخرجه أحمد (2/303،334،372) ومسلم (2581) والترمذي (2418) عن أبي هريرة وقال الترمذي: حسن صحيح).
وقد أذن الله تبارك وتعالى وشاء أن يقيم العدل يوم القيامة على أكمل وجوهه ، حتى إنه يقتص للعجماوات بعضها من بعض وليس للبشر فقط كما قال صلى الله عليه وسلم : [ لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ] (أخرجه أحمد (2/235،/310،411) ومسلم (2582) والترمذي (2420) عن أبي هريرة وقال الترمذي: حسن صحيح). والجلحاء: الشاة التي لا قرون لها . والقرناء: التي لها قرون.
ومعنى يقتص لها يعني يؤخذ القصاص إذا نطحتها بغير حق فإنه يقتص وكذلك يقتص لها ، ويؤخذ حق الحيوان كما قال صلى الله عليه وسلم : [ عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ] (أخرجه البخاري (5/41-6/356،515) وفي الأدب المفرد (379) ومسلم (2242) عن ابن عمر).
فهذه امرأة دخلت النار في ظلم هرة قطة لما ظلمتها كان مصيرها إلى النار، وهذا يدل على أن الظلم هو إيقاع غير العدل حتى على الحيوان ، وحتى على النبات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ قاطع السدر يصوب الله رأسه في النار ] (أخرجه البيهقي (6/141) عن معاوية بن حيدة، وحسنه الألباني في الصحيحة (615)).
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم العدوان على شجرة نافعة بدون حق ، ليست سادة للطريق وليس هناك مصلحة من قطعها ، وإنما لمجرد الظلم والعدوان والعبث فإن صاحبها يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم : [ صوب الله رأسه في النار ] .
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:13 PM
هذا كله من معاني الظلم ومن معاني قول النبي صلى الله عليه وسلم : [ الظلم ظلمات يوم القيامة ] .
قلنا بأن أعلى درجات ، الظلم ظلم المؤمن بسفك دمه ، ثم ما دون ذلك ، وكذلك ظلم الأرض ، وهو أن تأخذ أرض أخيك بغير وجه حق ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين ] (أخرجه أحمد (1/187،190) والبخاري (5/103 الفتح) ومسلم (1610) والترمذي (1418) وفي رواية : [ من سرق الأرض..] وكذلك : [ من أخذ شبراً من الأرض..].
ومعنى طوقه : يعني أنه يقطع له هذا الجزء الذي اغتصبه ظلماً من أرض أخيه تصبح طوقاً على رقبته عياذاً بالله إلى سبع أرضين يوم القيامة ، يعني جيء به يوم القيامة وهو يحمل مظلمته ، ولذلك كان ظلم الأرض من أعظم الظلم ، وحذر النبي من هذا بل لعن النبي صلى الله عليه وسلم من غير منار الأرض ، كما جاء في حديث مسلم : [ لعن الله من لعن والده ، ولعن الله من ذبح لغير الله ، ولعن الله من غير منار الأرض ] (أخرجه أحمد (1/108،118،152) ومسلم (1978) والنسائي (4422) والبخاري في الأدب المفرد (17) عن علي بن أبي طالب).
ومنار الأرض : حدودها ، فمن غير حدود الأرض بمعنى أنه رفع الحدود ، والعلامات التي توضع _وأخذ جزءاً من حق جاره فهذا ملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن هذا من الظلم .
ولا شك أن أخذ أموال الناس ، وجلد أبشارهم أو سبهم أو حبسهم بغير حق ظلم ، وهذا يستوي فيه من له ولاية ، ومن ليس له ولاية ، بل الذي له ولاية هو أشد جرماً عند الله تبارك وتعالى ، ومن له ولاية يعني من ولاه الله عز وجل ولاية المسلمين فلا شك أنه إذا ظلمهم كان أعظم وزراً عند الله تبارك وتعالى إذا جلد أبشارهم ، أو أخذ أموالهم ، أو اغتصب أراضيهم أو ظلمهم أي شيء بغير حق ، لا شك أنه مسؤول على ذلك بين يدي الله تبارك وتعالى ، ولا شك أن هذه مسؤولية لا يقدرها إلا من علمها ، وأما من يجهلها فإنه قد يفرح بظلمه ، أما من يعلمها ، فإنه يقدرها حق قدرها كما قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو على سرير الموت قيل له يا أمير المؤمنين : أبشر فلقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسنت صحبته ومات يوم مات وهو راض عنك ثم صحبت خليفة رسول الله يعني أبا بكر فأحسنت صحبته فمات يوم مات وهو راض عنك ثم صحبت صحابتهم يعني من صحبوا النبي ومن صحبوا أبا بكر فأحسنت صحبتهم فلئن كان الموت - هذا كلام ابن عباس لعمر بن الخطاب رضي الله عنه- لتموتن والأمة راضية عنك فلما سمع عمر بن الخطاب هذا من قول ابن عباس وهو الفقيه رضي الله عنهما ، قال : اجلسوني وكان قد طعن فأجلسوه فقال : لئن قلت ما قلت من أني صحبت رسول الله فمات يوم مات وهو راض عني ، إنما ذاك من فضل الله ومنه ، ثم إني صحبت خليفة رسول الله فمات يوم مات وهو راض عني ، إنما ذلك من فضل الله ومنه ، ثم أني صحبت صحابتهم وأني يوم أموت أموت وهم راضون عني ، فأقول هذا من فضل الله ومنه ، وإنما يجزعني مخافتي عليك وعلى أصحابك - يعني مخافته على الأمة - ثم قال : وددت لو أن هذا كان كفافاً لا لي ولا علي وهذا موضع الشاهد يقول : " وددت لو أن هذا كان كفافاً لا لي ولا علي " .
يعني أتمنى على الله تبارك وتعالى أن أكون ما أديته من أمانة ، وما حملته ، وما أبليت من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبة أبي بكر وصحبة المسلمين كفافاً لا لي ولا علي .
يعني لا شيء لي عند الله ، ولا علي شيء أطالب به ، ثم قال : " والله لئن عثرت بغلة بالعراق ليسألن عنها عمر يوم القيامة " .
يقول إن المسئولية جسيمة ، وإنني إن فرطت في شيء مما وليته سيسألني الله تبارك وتعالى عنه يوم القيامة ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الإمارة : [ إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها ، وأدى الذي عليه فيها ] (أخرجه مسلم (1825)
وقال فيها النبي صلى الله عليه وسلم : [ نعمت المرضعة ، وبئست الفاطمة ] (قطعة من حديث أخرجه أحمد (2/448،467) والبخاري (13/125 الفتح) والنسائي (4211،5385) عن أبي هريرة).
الأمارة قال : [ نعمت المرضعة ] . يعني أنها ترضع ، ثديها مليء بالحليب ، فالإمارة تمكن من يملكها من أموال الناس ومن أبشارهم ومن دمائهم وتملكه من المال ولكن : [ بئست الفاطمة ] يعني إذا فطم بالموت ثم أتى بعد ذلك لكشف الحساب فبئس الأمر لأنه سيحاسب على كل شيء.
الشاهد من كل هذا أن الظلم ظلمات يوم القيامة أياً كان ، ومن أي كان ، ولا شك أنه من ذي الولاية أعظم عند الله تبارك وتعالى لمكانته ومنزلته وتمكنه ، ولذلك لم تكن النهبة كالغصب علماً أنها كلها أخذ للمال لكن المنتهب غير الغاصب لأنه الغاصب لا يغصب إلا وهو يقدر أما المنتهب جبان يسرق ويهرب ، هذا الجبان الذي يسرق ويهرب ، لا شك أن جريمته أقل من المغتصب لأن المغتصب متمكن يستطيع أن يأخذ مالك وهو في مكنته ، ولا تستطيع أن تفعل شيئاً ولذلك قال النبي : [ من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين ] .
وذلك أن الأرض تغتصب ، ولا تنهب لأنه لا يقدر أن يسرق ويهرب بها إنما لا يفعلها إلا من هو قادر على ذلك..
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:14 PM
فالشاهد من كل هذا أنه لا شك أن ذا الولاية من ولاه الله تبارك وتعالى ولاية من الولايات ، لا شك أن ذنبه أعظم ممن لم يكن صاحب ولاية ، كل هذا يبين أن الظلم لا شك أنه ظلمات يوم القيامة ولذلك كان الإمام العادل من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، لأنه مع قدرته يمتنع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل..] (أخرجه أحمد (2/439) والبخاري (11/312-12/112 الفتح) ومسلم (1031) والنسائي (5380) عن أبي هريرة).
فبدأ به صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأنه مع تمكنه يعدل بل إن العادلين هم من أقرب الناس من الرحمن يوم القيامة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ] (أخرجه أحمد (2/160) ومسلم (1827) والنسائي (5379) عن عبدالله بن عمرو).
فالمقسط هو العادل الذي يقوم بالقسط ، والقسط هو العدل ، ويخبر النبي بأنهم على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن يوم القيامة ، ثم فسر النبي المقسطين فقال : هم الذين يعدلون في أهلهم وذويهم وما ولوا ، يعني وما ولاهم الله تبارك وتعالى .
فالعدل ضد الظلم ، والمسلم لا شك أن شأنه أن يكون عادلاً ، كما أن الكافر من شأنه الظلم كما قال تبارك وتعالى: { والكافرون هم الظالمون..} (البقرة:254).
وذلك أن الكافر لا شك أولاً أنه ظلم نفسه بشركه بالله تبارك وتعالى ، وعبادته غير الله ، ووضعه للعبادة في غير محلها ، وهذا أعظم أنواع الظلم .
كما قال صلى الله عليه وسلم لما سأله عبد الله بن مسعود قلت يا رسول أي الذنب أعظم ؟
قال : [ أن تجعل لله نداً وهو خلقك ] .
هذا أعظم ظلم لأنه لا ند لله ولا كفؤ له سبحانه وتعالى .
قال : قلت ثم أي : قال : [ أن تزاني حليلة جارك ] .
وهذا كذلك من الظلم من ظلم الجار ومن الخيانة .
قال : قلت ثم أي : قال : [ أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك ] (أخرجه أحمد (1/380،431،434،462،464) والبخاري (8/163،492،10/433،12/114،187-13/503 الفتح) ومسلم (86) وأبو داود (2310) والترمذي (3182) من طرق عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود).
قتل الولد ، وهو عدوان كذلك ولا شك أنه من أعظم الظلم لأن هذه نفس مخلوقة خلقها الله تبارك وتعالى ، ثم لا شك أن الذي خلقها ضمن رزقها كما قال تبارك وتعالى : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } (هود:6).
فالله تبارك وتعالى ما خلق دابة إلا خلق لها رزقها ، ولكن يأتي الجوع والفقر من الظلم لولا أن الناس لم يتظالموا ، ما بقي جائع ولا عريان ، وإلا فإن الله تبارك وتعالى خلق من الأرزاق ومن النعم في هذه الأرض وذخر فيها ما هو فائض . فالأصل هو الفيض وليس الندرة كما يقول كفار علماء الاقتصاد يقولون : الأصل في الاقتصاد هو الندرة ، وهذا باطل بل الأصل هو الوفرة ولا شك أن الله تبارك وتعال خلق من الأرزاق ، ومن النعم ما هو موفور لخلقه ، ولكن إنما تأتي المجاعة بالتظالم وبالظلم ، وأن يأخذ الأغنياء غير ما يستحقون ، وأن يحرموا الفقراء من حقوقهم ، فالتظالم والتقاطع والتدابر وقطع الطريق والفتن والبلاء هو الذي يقع بسببه هذا النقص ، فالشاهد أن الإسلام جاء بالعدل وأمر الله تبارك وتعالى بأن نكون عادلين ، ونهانا عن الظلم ، وأخبر سبحانه وتعالى بأنه ولو مثقال ذرة لا بد أن يسأل عنها العبد يوم القيامة كما قال تبارك وتعالى : { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه } (الزلزلة:8،7) . ولا شك أن الظلم من أعظم الشرور . أقول هذا لأن الداء الذي حل بالأمة إنما هو داء العدوان والظلم ، كل إنسان يقدر للأسف أن يظلم إلا من شاء الله ، وإلا من خاف الله تبارك وتعالى ، ثم لا شك أن الظلم من طبائع النفوس ، ولذلك كان أول أخوين في الأرض ظلم أحدهما الآخر مع اتساع هذه الأرض ، يعني الإنسان يعجب أن أحد ابني آدم ، أخوان لا يوجد في الأرض غيرهما لا بشر غيرهم هم وأبوهم ، أبوهم آدم سواءً وقعت هذه الحادثة بعد موت آدم أو في حياته ما كان في الأرض غيرهم ومع ذلك تظالموا ، ولذلك قال الله عز وجل : { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } (المائدة:32).
من أجل ذلك يعني من أجل أن الأخ يقتل أخاه إذا قدر عليه كما قال تبارك وتعالى : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ } (المائدة:27).
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:15 PM
الأمر هذا ليس من فعلي ، كون أن الله عز وجل يتقبل مني ولا يتقبل منك هذا من فعل الله عز وجل ، لم تحاسبني على فعل الله عز وجل { قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ }، يعني اتقيت الله عز وجل ، فتقبل قرباني ، وأنت لم تتق الله تبارك وتعالى فلم يتقبل قربانك ، فلم القتل حسداً وبغياً وظلماً لذلك . قال الله عز وجل : { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ } (المائدة:30) . أصبح من الخاسرين لأنه قتل نفساً عدواناً وظلماً ، ثم قال الله تبارك وتعالى بعد ذلك : { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ .. } . يعني من أجل هذا الأمر، وهو أن الأخ والشقيق ممكن أن يقتل أخاه إذا قدر عليه { كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ } أي في التشريع : { أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ } . يعني قتل نفساً بغير نفس بغير قصاص { أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ } . أي قتل فساداً في الأرض ، فالمفسد في الأرض يقتل ، وقتله حق . المفسد بقطع طريق أو بعدوان على إمام حق ، فلا شك أن هذا مفسد في الأرض ، وهو الحد الذي يسميه الفقهاء بحد الحرابة ، هذا إفساد في الأرض { أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } . فالشاهد الظلم من شيم النفوس ، ولذلك جاء الإسلام بالرادع .
الرادع الأول التقوى : أن الإنسان يتقي ربه تبارك وتعالى ، ويعلم أنه مطلع عليه وأنه لن يسلم في الدنيا ولا يسلم في الآخرة ، وقد تسلم في الدنيا بغصبك ونهبك وبقتلك ، ممكن أن تسلم وتبقى معززاً مكرماً في سربك إلى أن تموت لكن لن تسلم في الاخرة ، ستحاسب على هذا وستؤديه رغماً عنك ، لابد أن تؤديه فلذلك كان أول وازع هو الخوف من الله تبارك وتعالى تقوى الله عز وجل _والمعرفة ، إن كل إنسان مسؤول بين يدي الله ، هذا أعظم وازع وهو الذي يمنع الإنسان من الظلم .
الوازع الثاني السلطان : الذي وضعه الله تبارك وتعالى أو أنزله الله عز وجل هو السلطان والسيف ، فالسلطان وازع ، ولذلك ينصب الإمام في المسلمين ليردع الظالم ، ولذلك كانت أول خطبة لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال : " القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه والضعيف منكم قوي عند حتى آخذ الحق له " .
هذا واجب السلطان أو هذا من كلام عمر بن الخطاب سواء كان هذا أو هذا .
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:26 PM
هذا من واجبات السلطان أنه ينصب لردع الظلمة ، ولمنع الظلم ، ولإقامة العدل بين الناس ، ولذلك أول ما يسأله الله تبارك وتعالى هل أقام العدل في الرعية أم لا ، لكن المصيبة كل المصيبة إذا كان السلطان نفسه هو الجائر ، وهو الظالم ، هذه تصبح هي الكارثة هو الذي يظلم ، فإذا كان يطلب منه ويرجى منه ردع الظلمة ، إذا كان هو ظالماً من يردعه ؟ وعلى كل حال ، قد أمر الله تبارك وتعالى وأمر النبي بالصبر على ظلم الإمام ، وذلك أنه قد يكون القيام في وجهه يؤدي إلى مظالم أكبر من هذا ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها ] قالوا : فما تأمرنا يا رسول الله ؟ قال : [ أدوا إليهم حقهم وسلوا الله الذي لكم ] (أخرجه أحمد (1/384،386،387،433) والبخاري (6/612-13/5) الفتح) ومسلم (1843) والترمذي (2190) عن ابن مسعود، وقال الترمذي: حسن صحيح).
يعني أن الله سبحانه وتعالى سيسألهم عن رعيتهم ، التي استرعاهم إياها وسيأخذ الحق منهم ولا شك هذا على كل حال فيما لم يأت من وراء تبديله ، ما هو أشد ضرراً على المسلمين منه ولا شك أنه مطلوب من الأمة ، أن تقوم بالعدل لا يقام إلا بهذين الأمرين كما ذكرنا .
الأمر الأول : أن تكون هناك تقوى لله تبارك وتعالى ، وأن ينشر معنى تقوى الله تبارك وتعالى ومخافة الله عز وجل .
الأمر الثاني : ثم لابد أن يقوم السيف والتشريع الذي يحمي الضعيف ، ويأخذ الحق من القوي ، أما إذا وجد في المجتمع من ينصر الظالم ويبقى الضعيف بلا ظهر يستطيع أن يأخذ حقه، فلا شك أنه ينتشر الظلم ويعم ويطم ، ولا شك أن الظلم مؤذن بخراب العمران ، هذه قاعدة من القواعد كما أخبر الله تبارك وتعالى في كل الآيات التي أخبر أنه أهلك القرى فيها أنه لا يهلكها إلا بظلم أهلها ، إذا ظلم أهلها فإن الله تبارك وتعالى يهلكها كما قال تبارك وتعالى : { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } (القصص:59) . هذه قاعدة عامة { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى } يعني المدن والأمم إلا وأهلها ظالمون ، وهنا وأهلها ظالمون هذه جملة حالية يعني حال كون ظلم أهلها ، أما إذا أقاموا العدل فيما بينهم فإن الله تبارك وتعالى قد يمد في أعمارهم حتى لو كانوا كفاراً وأقاموا العدل ، فإن هذا لمد أعمارهم ولذلك قال إمام علم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون : " الظلم مؤذن بخراب العمران " وهذا الكلام من كلامه لكنه مأخوذ من هذه الآيات ومن هذه السنن الجارية لله تبارك وتعالى في خلقه ، وكذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " إن الله تبارك وتعالى قد يؤيد الدولة العادلة وإن كانت كافرة " . حتى وإن كانت كافرة لكنها إذا أقامت العدل أيدها الله تبارك وتعالى ، أما الدولة المسلمة إذا تظالم أهلها ، ولم يؤخذ الحق لضعيفهم وقوي ظالمهم ، فإن هذا لا شك أنه منذر بخراب عمرانهم وفساد أحوالهم واضطراب أمورهم ، فالأمم لا تقام إلا بالعدل ، إذا قام العدل قام سوق البقاء ، وأيد الله تبارك وتعالى الدولة أما إذا قام الظلم فلا شك أن هذا مؤذن بخراب عمرانهم .
على كل حال لابد أن يتنادى المسلمون في كل مكان في أرض الإسلام ، وفي غير أرض الإسلام أن يكونوا عادلين ، وأن يبتعدوا عن كل الظلم ، وأعظم الظلم كما ذكرنا الشرك بالله تبارك وتعالى ، ثم عن ظلم أي شيء ، إياك وظلم أي شيء ، واعلم أن الله سائلك أن تظلم شجرة ، أن تظلم هرة ، ثم بعد ذلك لا شك أنه أعظم من هذا أن تظلم أخاك المسلم .
أسأل الله تبارك وتعالى أن يجمع بين قلوبنا ، وأن يؤلف بيننا ، وأن يهدينا سبل السلام.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:28 PM
خالد ابن عبد الله المصلح
احذروا الظلم
الخطبة الأولى
أما بعد. . .
فاتقوا الله أيها المؤمنون فإنه لا فلاح لكم في الدنيا ولا نجاة في الآخرة إلا بتقوى الله تعالى. أيها المؤمنون إن البغي والظلم ذنب عظيم وإثم مرتعه وخيم وهو سبب كل شر وفساد وكل بلاء وعقاب فهو منبع الرذائل والموبقات ومصدر الشرور و السيئات وعنه تصدر سلاسل العيوب والآفات متى فشا في أمة آذن الله بأفولها ومتى شاع في بلدة فقد انعقدت أسباب زوالها وتحول لباسها، فبه تفسد الديار وتخرب الأوطان وتدمر الأمصار به ينزل غضب الواحد الجبار القهار قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾(1) وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾(2) وقال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾(3) وقال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾(4).
أيها المؤمنون إن الله تعالى نفى عن نفسه الظلم فقال عز وجل: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾(5) وقال: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾(6) وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة﴾(7) ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ﴾(8) وقد حرمه تعالى على نفسه ففي الحديث الإلهي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: ((ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا))(9) رواه مسلم فأعلم الله تعالى عباده في هذا الحديث العظيم أنه حرم الظلم على نفسه قبل أن يجعله محرماً بين عباده. وقد أعلن النبي حرمة الظلم في أعظم مجمع وموقف فقال في خطبته يوم عرفة: ((ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا))(10) وفي الصحيحين أن النبي قال: ((اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة))(11) وقال فيما يرويه مسلم وغيره: ((المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره))(12). وقد تهدد الله أرباب الظلم وأهله فقال جل ذكره: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾(13) فالله تعالى للظالمين بالمرصاد ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول : (( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾))(14). وقد لعن الله الظالمين فقال: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾(15) وأخبر سبحانه أنه يبغضهم فقال: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾(16). والظلم يا عباد الله أعظم أسباب ارتفاع الأمن وزوال الاهتداء عن الأفراد والمجتمعات قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾(17) فبقدر ما يكون مع الفرد و المجتمع من الظلم بقدر ما يرتفع عنه الأمن والاهتداء فالجزاء من جنس العمل ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾(18).
أيها المؤمنون إن الظلم الذي وردت به النصوص التحريمية وبيان سوء عاقبته والتحذير منه درجات ومراتب أولها الظلم الكبير الخطير العظيم الذي لا يغفر الله الغفور الرحيم الكريم لصاحبه إلا بالإقلاع عنه وتوبته منه ألا وهو الإشراك بالله تعالى. بصرف العبادة أو بعض أنواعها لغير الله كدعاء غيره والسجود لغيره والذبح والنذر لغيره ونبذ شرعه والتحاكم إلى سواه قال الله تعالى حاكياً عن لقمان وصيته لابنه: ﴿يابني لا تُشْرِكْ باللَّهِ إِنَّ الشرك لظُلْم عظيم﴾(19) فهذا الظلم لا يغفره الله إلا بالتوبة منه قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرِكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾(20) فأخلصوا أيها المؤمنون عبادتكم لله تعالى فإنه من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة وحاربوا الشرك وأهله بالدعوة إلى التوحيد.
وأما ثاني مراتب الظلم فذاك الظلم الذي لا يتركه الله تعالى وهو ظلم العبد غيره من الخلق فهذا لابد فيه من أخذ الحق للمظلوم من الظالم كما قال الله سبحانه في الحديث الإلهي: ((وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين))(21).
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:34 PM
وقد أجاد من قال:
لا تظلمن إذا ماكنت مقتدراً فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم
أيها المؤمنون اتقوا الظلم فإن نبيكم الصادق المصدوق قد أخبر أن الدنيا تملأ في آخر الزمان ظلماً وجوراً وها نحن نشهد صدق ما أخبر به فإن الظلم قد فشا وشاع بين الناس في الدماء والأموال والأبضاع والأعراض حتى صدق في سلوك كثير من أبناء هذا الزمان ما قاله الشاعر الجاهلي:
الظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلم
ولا تظنن أيها الأخ أن هذه مبالغة أو مزايدة بل ذلك هو واقع كثير من الناس فكم هم أصحاب الأعمال الذين ظلموا عمالهم بتحميلهم ما لا يطيقون أو بتأخير رواتبهم ومستحقاتهم أو جحد حقوقهم أو فرض الإتاوات عليهم. وكم هم أرباب الأسر والبيوت الذين جنوا على أهليهم وظلموا أولادهم وزوجاتهم. وكم هم التجار الذين دلسوا بضائعهم وغشوا عملاءهم وكم هم الولاة الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وحكموا القوانين فلم يعدلوا في الرعية ولم يقسموا بالسوية ولم يسيروا بالسرية. وكم هم الذين أطلقوا لأنفسهم العنان في أعراض الناس ودمائهم فتمضمضوا بأعراض المؤمنين وتفكهوا بدمائهم إنهم كثير كثير كثير قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾(22). فللّه ما أكثر المفلسين الذين يعملون لغيرهم ويتحملون فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((أتدرون من المفلس ؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار))(23) فيالها من تجارة بائرة وصفقة خاسرة أن تأتي يوم القيامة وأنت أحوجُ ما تكون إلى حسنة تثقل بها ميزانك فإذا بخصمائك قد أحاطوا بك فهذا آخذ بيدك وهذا قابض على ناصيتك وهذا متعلق بتلابيبك هذا يقول: ظلمتني وهذا يقول: شتمتني وهذا يقول: اغتبتني أو استهزأت بي وهذا يقول: جاورتني فأسأت جواري وهذا يقول: غششتني وهذا يقول: أخذت حقي
أما والله إن الظلم شؤم وما زال المسيء هو المظلوم
ستعلم يا ظلوم إذا التقينا غداً عند المليك من الملوم
فياعباد الله تداركوا الأمر قبل فوات الأوان فما هي والله إلا ساعة ثم تبعثر القبور ويحصّل ما في الصدور وعند الله تجتمع الخصوم. فيقتص للمظلوم من الظالم فتحللوا أيها الإخوان من المظالم قبل ألا يكون درهم ولا دينار فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه))(24).
أيها المؤمنون أما ثالث مراتب الظلم فهو ظلم العبد نفسه بالمعاصي والسيئات فكل ذنب وخطيئة تقارفها يا عبد الله فإن ذلك ظلم منك لنفسك وبغي عليها قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(25) وما أكثر ما قال الله عند ذكر العصاة والمذنبين والظالمين: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون﴾(26) فكل مذنب وعاصٍ فإنما يجني على نفسه ويعرضها لعذاب الله الأليم وعقابه الشديد كما قال النبي فيما أخرجه ابن ماجه وغيره بسند لابأس به عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه قال: سمعت رسول الله يقول في حجة الوداع: ((ألا لا يجني جان إلا على نفسه))(27).
فتخففوا عباد الله من ظلم أنفسكم بامتثال ما أمركم الله به وترك مانهاكم عنه والتوبة مما فرط من الذنوب فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:35 PM
الخطبة الثانية
أما بعد ...
فيا أيها المؤمنون اعلموا أن الله سبحانه نهى عن الظلم بجميع صوره وأمر بمجاهدة الظالمين ورفع الظلم عن المظلومين وقد أرسل الله سبحانه رسله وأنزل كتبه لإقامة القسط ورفع الظلم قال الله تعالى: ﴿َقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾(28).
فإذا تركنا الظالم ولم نأخذ على يده فقد خالفنا ما جاءت به الرسل ونحن مهددون بعقوبة عامة ومحنة عاجلة فعن أبي بكر الصديق أنه قال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾(29) وإني سمعت رسول الله يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه))(30) رواه أبو داود والترمذي بإسناد جيد. فرفع الظلم والإنكار على الظالم واجب على كل أحد حسب قدرته وطاقته ووسعه قال النبي : ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ قال: تأخذ فوق يديه))(31).
أيها المؤمنون إن أولى المظلومين بالنصر والتأييد والإعانة هم أولئك الذين ظلموا في دينهم فحُورِبوا وقُوتِلوا وهُجِّروا وضُرِبوا وسُجِنوا وأُوذوا من أجل أنهم رضوا بالله رباًَ وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾(32) فهؤلاء وأضرابهم هم أولى الناس بالنصر والتأييد لاسيما في هذا العصر المفتون الذين انتعش فيه أعداء الله من اليهود والنصارى والوثنيين والملحدين والمبتدعين والمنافقين فرموا أهل الإسلام عن قوس واحدة كما أخبر النبي في حديث ثوبان: (( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها))(33) فليس ما يجري على الإسلام وأهله في كثير من بلدان العالم إلا تصديقاً لما أخبر به الصادق المصدق
أحل الكفر بالإسلام ظلماً يطول به على الدين النحيب
فقوموا بما أوجب الله عليكم من نصرة دينكم وإخوانكم وذلك من خلال عدة أمور:
الأول: التوبة النصوح من جميع الذنوب قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(34) فإن ما أصاب أمتنا هو بما كسبت أيدينا ويعفو عن كثير قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾(35) فالتوبة إلى الله تعالى من أعظم أسباب رفع ظلم الظالمين وتسلط الطاغين قال ابن القيم رحمه الله: ((فليس للعبد إذا بغي عليه أو أوذي أو تسلط عليه خصومه شيء أنفع من التوبة النصوح)).
الأمر الثاني: مجاهدة أعداء الله تعالى ومراغمتهم على اختلاف أنواعهم كل حسب ما يناسبه فالكفار والمشركون جهادهم بالسيف والسنان وأما المنافقون والمشككون والمرتابون فبالحجة والبرهان والعلم والبيان وأما الظالمون والعصاة فبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان الدين وتبليغ ما في الكتاب والسنة من الأمر والنهي و الخير.
الأمر الثالث: مدُ يد العون والمساعدة لكل من أوذي في سبيل الله قريباً كان أو بعيداً وذلك من خلال تقديم كل ما يمكن تقديمه من دعم مادي أو معنوي لا سيما أيها الإخوة ونحن في هذه البلاد لا زال كثير منا ولله الحمد يعيش في سعة من الرزق ورغد من العيش فالواجب علينا أكبر من الواجب على غيرنا فمدوا بارك الله فيكم أيديكم بسخاء لإخوانكم المسلمين في كل مكان واعلموا أن الصدقة تطفئ غضب الرحمن وتقي مصارع السوء فإياكم والبخل فإنه من يبخل فإنما يبخل عن نفسه.
فإن شحت نفسك أو عدمت ما تقدمه لإخوانك فلن تعدم هداك الله لساناً بالدعاء والتضرع لاهجاً ولله سائلاً أن يعز أهل دينه وأن يذل أعداءه فادعوا أيها المؤمنون لإخوانكم المسلمين المظلومين في دينهم فإن دعوة المظلوم والدعوة له ليس بينها وبين الله حجاب عن ابن عباس أن النبي بعث معاذاً إلى اليمن فقال: (( اتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب))(36).
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:35 PM
(1) الكهف: 59.
(2) هود: 102.
(3) الأنبياء: 11.
(4)الحج: 45.
(5) فصلت: 46.
(6) الكهف: 49.
(7) النساء: 40.
(8) غافر: 31.
(9) أخرجه مسلم في البر والصلة برقم 2577.
(10) أخرجه أحمد في مسنده من حديث حذيم السعدي رضي الله عنه برقم 18487 وأخرجه البخاري في العلم برقم 67 وأخرجه مسلم في الحج برقم 1679 بلفظ (فإن دماءكم ... الحديث).
(11) أخرجه البخاري في المظالم والمغاصب من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنه برقم 2447 بلفظ ( الظلم ظلمات يوم..) وأخرجه مسلم في البر والصلة من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه برقم 2578.
(12) أخرجه مسلم في البر والصلة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 2564 وأخرجه أحمد برقم 7670.
(13) إبراهيم: 42.
(14) أخرجه البخاري في تفسير القرآن من حديث أبي موسى برقم 4686 وأخرجه مسلم في البر والصلة برقم 4680.
(15) هود: 18.
(16) آل عمران: 57.
(17) الأنعام: 82.
(18) فصلت: 46.
(19) لقمان: 13.
(20) النساء: 48.
(21) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه بسند لا بأس به ( الصحيحة، 868).
(22) الأنعام: 116.
(23) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب برقم 2581.
(24) أخرجه البخاري في المظالم والمغاصب برقم 2449.
(25)البقرة: 229.
(26) النحل: 118.
(27) أخرجه ابن ماجه في الديات برقم 2669 وأخرجه الترمذي في كتاب الفتن برقم 2159.
(28) الحديد: 25.
(29) المائدة: 105.
(30) أخرجه الترمذي في الفتن برقم 2168 وأخرجه أبو داود في الملاحم برقم 4338.
(31) أخرجه البخاري في المظالم والمغاصب من حديث أنس رضي الله عنه برقم 2444.
(32) البروج: 8.
(33) أخرجه أبو داود في الملاحم برقم 4297.
(34) النور: 31.
(35) الشورى: 30.
(36) أخرجه البخاري في المظالم والغصب برقم 2448.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:46 PM
صحيح مسلم
باب تحريم الظلم
55 - (2577) حدثنا عبيدالله بن عبدالرحمن بن بهرام الدارمي. حدثنا مروان (يعني ابن محمد الدمشقي). حدثنا سعيد بن عبدالعزيز عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر،
عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال "يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما. فلا تظالموا. يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته. فاستهدوني أهدكم. يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته. فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته. فاستكسوني أكسكم. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا. فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني. ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم. كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم. ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم. وإنسكم وجنكم. كانوا على أفجر قلب رجل واحد. ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم. وإنسكم وجنكم. قاموا في صعيد واحد فسألوني. فأعطيت كل إنسان مسألته. ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم. ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيرا فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".
قال سعيد: كان أبو إدريس الخولاني، إذا حدث بهذا الحديث، جثا على ركبتيه.
[ش (إلا كما ينقص المخيط) قال العلماء: هذا تقريب إلى الإفهام. ومعناه لا ينقص شيئا أصلا. كما قال في الحديث الآخر "لا يغيضها نفقة" أي لا ينقصها نفقة. لأن ما عند الله لا يدخله نقص، وإنما يدخل النقص المحدود الفاني. وعطاء الله تعالى من رحمته وكرمه، وهما صفتان قديمتان لا يتطرق إليهما نقص. فضرب المثل بالمخيط في البحر لأنه غاية ما يضرب به المثل في القلة. والمقصود التقريب إلى الأفهام بما شاهدوه. فإن البحر من أعظم المرئيات عيانا وأكبرها. والإبرة من أصغر الموجودات مع أنها صقيلة لا يتعلق بها ماء].
55-م - (2577) حدثنيه أبو بكر بن إسحاق. حدثنا أبو مسهر. حدثنا سعيد بن عبدالعزيز، بهذا الإسناد. غير أن مروان أتمهما حديثا.
55-م 2 - (2577) قال أبو إسحاق: حدثنا بهذا الحديث الحسن والحسين، ابنا بشر. ومحمد بن يحيى. قالوا: حدثنا أبو مسهر. فذكروا الحديث بطوله.
55-م 3 - (2577) حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن المثنى. كلاهما عن عبدالصمد بن عبدالوارث. حدثنا همام. حدثنا قتادة عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن أبي ذر. قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى "إني حرمت على نفسي الظلم وعلى عبادي. فلا تظالموا". وساق الحديث بنحوه. وحديث أبي إدريس الذي ذكرناه أتم من هذا.
56 - (2578) حدثنا عبدالله بن مسلمة بن قعنب. حدثنا داود (يعني ابن قيس) عن عبيدالله بن مقسم، عن جابر بن عبدالله؛
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "اتقوا الظلم. فإن الظلم ظلمات يوم القيامة. واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم. حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم".
[ش (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) قال القاضي: قيل هو على ظاهره. فيكون ظلمات على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة سبيلا حين يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم. ويحتمل أن الظلمات، هنا، الشدائد. وبه فسروا قوله تعالى: قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر، أي شدائدهما. ويحتمل أنها عبارة عن الأنكال والعقوبات. (واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم) قال القاضي: يحتمل أن هذا الهلاك هو الهلاك الذي أخبر عنهم به في الدنيا بأنهم سفكوا دماءهم. ويحتمل أنه هلاك الآخرة. وهذا الثاني أظهر. ويحتمل أنه أهلكهم في الدنيا والآخرة. قال جماعة: الشح أشد البخل وأبلغ في المنع من البخل. وقيل. هو البخل مع الحرص. وقيل: البخل في أفراد الأمور، والشح عام. وقيل. الشح الحرص على ما ليس عنده، والبخل بما عنده].
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:46 PM
(2579) حدثني محمد بن حاتم. حدثنا شبابة. حدثنا عبدالعزيز الماجشون عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر. قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الظلم ظلمات يوم القيامة".
58 - (2580) حدثنا قتيبة بن سعيد. حدثنا ليث عن عقيل، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه؛
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه. من كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته. ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة. ومن ستر مسلما، ستره الله يوم القيامة".
[ش (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) أي أعانه عليها ولطف به فيها. (ومن فرج عن مسلم كربة..) في هذا فضل إعانة المسلم وتفريج الكرب عنه وستر زلاته. ويدخل في كشف الكربة وتفريجها من أزالها بماله أو جاهه أو مساعدته. والظاهر أنه يدخل فيه من أزالها بإشارته ورأيه ودلالته. وأما الستر المندوب إليه هنا، فالمراد به الستر على ذوي الهيآت ونحوهم، مما ليس هو معروفا بالأذى والفساد. فأما المعروف بذلك فيستحب أن لا يستر عليه. بل ترفع قضيته إلى ولي الأمر، إن لم يخف من ذلك مفسدة. لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات وجسارة غيره على مثل فعله. هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت. أما معصية رآه عليها وهو، بعد، متلبس بها فتجب المبادرة بإنكارها عليه ومنعه منها على من قدر على ذلك. ولا يحل تأخيرها. فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر، إذا لم تترتب على ذلك مفسدة].
59 - (2581) حدثنا قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر. قالا: حدثنا إسماعيل (وهو ابن جعفر) عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة؛
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أتدرون ما المفلس؟" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال "إن المفلس من أمتي، يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه. ثم طرح في النار".
[ش (إن المفلس من أمتي) معناه أن هذا حقيقة المفلس. أما من ليس له مال، ومن قل ماله، فالناس يسمونه مفلسا، وليس هو حقيقة المفلس. لأن هذا الأمر يزول وينقطع بموته. وربما ينقطع بيسار يحصل له بعد ذلك في حياته. وإنما حقيقة المفلس هذا المذكور في الحديث فهو الهالك الهلاك التام والمعدوم الإعدام المقطع. فتؤخذ حسناته لغرمائه. فإذا فرغت حسناته أخذ من سيئاتهم فوضع عليه، ثم ألقي في النار، فتمت خسارته وهلاكه وإفلاسه].
60 - (2582) حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر. قالوا: حدثنا إسماعيل (يعنون ابن جعفر) عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة؛
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة. حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء".
[ش (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة) هذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة وإعادتها يوم القيامة كما يعاد أهل التكليف من الآدميين. وكما يعاد الأطفال والمجانين ومن لم تبلغه دعوة. وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة. قال الله تعالى: وإذا الوحوش حشرت. وإذا ورد لفظ الشرع، ولم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل ولا شرع، وجب حمله على ظاهره. قال العلماء: وليس من شرط الحشر والإعادة في القيامة، المجازاة والعقاب والثواب. وأما القصاص من القرناء والجلحاء فليس هو من قصاص التكليف: إذ لا تكليف عليها. بل هو قصاص مقابلة. والجلحاء هي الجماء التي لا قرن لها].
61 - (2583) حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير. حدثنا أبو معاوية. حدثنا بريد بن أبي بردة عن أبيه، عن أبي موسى. قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله عز وجل يملي للظالم. فإذا أخذه لم يفلته". ثم قرأ: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد. [11 /هود /102]
[ش (يملي للظالم) معنى يملي يمهل ويؤخر ويطيل له في المدة. وهو مشتق من الملوة، وهي المدة والزمان، بضم الميم وفتحها وكسرها. (لم يفلته) أي لم يطلقه ولم ينفلت منه. قال أهل اللغة: يقال أفلته أطلقه. وانفلت تخلص منه].
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:47 PM
اتقـوا الظلـم
الدكتور. عبد الرحمن إبراهيم فودة
أستاذ الأدب المقارن بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد ...
أيها المستمع الكريم ... سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وأهلاً ومرحبًا بكم فى حلقة جديدة من برنامج "قبس من نور النبوة"
روى مسلم (1) عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم. حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم".
مسمتعىَّ الكرام
يبين لنا هذا الحديث الشريف عاقبة الظلم ومصيرَ الظالمين، ذلك المصير المشئوم لأنه يكون يوم القيامة ظلامًا حالكًا يحل بصاحبه فلا يرى طريقه ولا يعرف إلى أين يمضى أو كيف يسير ؟
بهذا التعبير الموجز عن مصير الظالمين ينفر النبىُّ صلى الله عليه وسلم من الظلم بجميع أشكاله وألوانه، ويُحذر من عاقبته التى هى أسوأ عاقبة (وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون) [الشعراء 227] وليس هذا فحسب، بل إن الظالم سينتقم الله تعالى منه فى الدنيا قبل الآخرة، فإذا تأخر عنه العذاب، فليس هذا إهمالاً من الله، بل إنه زيادة فى عذاب هذا الظالم
واستدراج له، وفى ذلك يقول صلى الله عليه وسلم : "إن الله تعالى يُملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وتلا قوله تعالى (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة إن أخذه أليم شديد)" [هود 102].
وأقبح أنواع الظلم وأبشعُه صورةً أن يظلم المرء قريبَه أو صديقَه أو من يجبُ الإحسانُ إليه والعطفُ عليه، ولقد صدق القائل:
وظلمُ ذوى القربى أشدُّ مضاضةً على النفس من وقع الحُساَم المهنَّد
وفى الحديث تحذير من مرض اجتماعى فتاك، ألا وهو الشحُّ والبخل. البخل يكون بالمال، أما الشح فيكون بالمال وبعمل الخير، فهو أعم.
والمعنى: اتقوا شدة البخل الذى يُعِّرضُ المجتمع للهلاك لأن المجتمع المسلم هو مجتمعُ التكافل والتضامن والتعاون على البر والتقوى بين أفراده، إذ يعود غنيُهم بما آتاه الله من مالٍ على فقيرهم، فيتحققُ الوئامُ وتفشو المحبةُ بين الناس. أما إذا فشا فيهم البخل، عمَّت العداوة والبغضاء وأَكَلَ الحسدُ والحقدُ قلوب الفقراء على الأغنياء، ولذا كان البخل سبباً فى هلاك السابقين، حيث دفعهم ـ وتأمل معى لفظة دفعهم ـ فترى صورة إنسانٍ يدفعُ آخرَ لحتفه، دفعهم إلى سفك الدماء، وقتل النفوس، واستحلال المحارم التى حرمها الله عز وجل.
فما أقبح الظلمَ وما أشنعَ البخلَ والشح من جريمةٍ عاقبتها وخيمة تسبب الشقاء والخسران المبين، وتعجِّل بخراب المجتمعات.
ومن هنا ندرك قيمة دعاء النبى صلى الله عليه وسلم حين يتعوذ بالله تعالى من أن يَظْلم أو يُظلم وحين يتعوذُ بالله عز وجل من الجبن والبخل .. جعلنا الله تعالى من أهل العدل وجنّبنا البخل والشح إنه ولى ذلك والقادر عليه.
تأمل معى أخى المستمع قول النبى صلى الله عليه وسلم "اتقوا الظلم" الذى يشبّه الظلَم بمن يريد أن يقتحم عليك حياتك أو يهجم عليك ليفتك بك، فيأمرك صلى الله عليه وسلم بالحذر منه والابتعاد عنه، والظلم هو التصرف فى حق الغير بغير حق أو هو مجاوزة الحد. وهو يشتمل على معصيتين:
الأولى : أخذ حق الغير بدون حق.
الثانية : مبارزة الله تعالى بالمخالفة والمعصية
وغالباً ما يقع الظلم بالضعفاء غير القادرين على الانتصار لأنفسهم، وإنما ينشأ الظلم من ظلمة القلب، فلو استنار القلب اعتبر.
ولقد ترتب على نتيجة الظلم فى الدنيا أن يكون ظلماتٍ يومَ القيامة، وكأن فى إيثار الجمع (ظلمات) بدلاً من (ظلام أو ظلمة) إشارةً إلى تعدد ألوان الظلم الحادث من البشر، فهذا يظلم نفسه، وهذا يظلم زوجه، وثالث يظلم أبناءه وغيرهم، ويترقى بعضهم إلى أعلى أنواع الظلم وهو الشرك بالله عز وجل (إن الشرك لظلم عظيم) [لقمان 13].
لذا آثر الحديث لفظة (ظلمات) أى شدة الظلام بحيث لا يرى المرء ما يحيط به، وكأن الظلم حاجز عن رؤية الأشياء، وقد طمس على قلب الظالم فلا يرى شيئاً بل هى ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.
هذا ... والله تعالى ولى التوفيق
وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته
-------------------
(1) فى كتاب البر والصلة والآداب. باب تحريم الظلم رقم 2578.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:48 PM
دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
رواه الشيخان وأحمد والترمذي واللفظ له عن ابن عباس بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن، فقال اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب،
ورواه أحمد عن أبي هريرة بسند حسن بلفظ دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرا، ففجوره على نفسه،
ورواه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي هريرة بلفظ ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم: يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب عز وجل وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين،
وورد بلفظ آخر: منها ما رواه الترمذي بسند حسن ثلاث دعوات لا شك في إجابتهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده، ومنها ما أخرجه أبو داود بتقديم وتأخير، ورواه الطبراني بسند صحيح عن عقبة بن عامر ثلاث تستجاب دعوتهم: الوالد والمسافر والمظلوم، وفي الباب ما تقدم في: اتقوا دعوة المظلوم.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:48 PM
دعاء المظلوم
اللهم إنا ندعوك دعوة المظلوم ودعوة المظلوم ليس بينها وبينك حجاب ، اللهم اكفنا من ظلمنا بما شئت وكيفما شئت ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكل شئ عنده بمقدار.
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ
أَلَيْسَ اللّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوّفُونَكَ بِالّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
إِنّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
إِنّ اللّهَ يُدَافِعُ عَنِ الّذِينَ آمَنُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ خَوّانٍ كَفُورٍ* أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنّ اللّهَ عَلَىَ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ .
الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوَءٌ وَاتّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنّمَا ذَلِكُمُ الشّيْطَانُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مّؤْمِنِينَ [آل عمران :173-175]
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:49 PM
1- الأساس هو دفع الظلم بجميع الوسائل المشروعة أفرادا وجماعات حتى لا يتفشى فى المجتمع ، والأخذ على يد الظالم حتى لا يتمادى فى ظلمه.
2- الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب على كل مسلم، وإن تُرِك استحققنا عقوبة المولى عز وجل ظالمين ومظلومين.
( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة، إن أخذه أليم شديد)، 102/ هود
3- الشريعة جاءت للحفاظ على الكليات الخمس للمسلم:
الدين - النفس - العرض - العقل - المال
4- إذا كان الظلم من عدو للإسلام استباح الدين والعرض وديار المسلمين، فيجب دفعه بكل الوسائل رجالا وشيوخا ونساء.
5- إذا كان الظلم من طائفة مسلمة أو أخ مسلم، فلنسمع كلام الله:
( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت احداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين. إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون)، 9، 10/ الحجرات
6- إذا لم يجد المظلوم من يعينه على دفع ظلم أخيه ( المسلم وليس الكافر) امتثالا لقول النبى صلى الله عليه وسلم: ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما)، فله الخيار:
أ- وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.
ب- ولئن صبرتم لهو خير للصابرين. واصبر وما صبرك إلا بالله، ولا تحزن عليهم ولا تك فى ضيق مما يمكرون. إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
ج- ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولىُّ حميم. وما يُلقَّاها إلا الذين صبروا وما يُلقَّاها إلا ذو حظ عظيم. وإما ينزغنك من الشيكان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم.
د- ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يُؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ، والله غفور رحيم.
والعفو والإحسان يكونان عن قدرة وليس عن ضعف وخنوع واستسلام.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:49 PM
أما عن جواب سؤالك عن الدعاء الذى يقال عند الظلم:
1- دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
رواه الشيخان وأحمد والترمذي واللفظ له عن ابن عباس بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن، فقال اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب،
ورواه أحمد عن أبي هريرة بسند حسن بلفظ دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرا، ففجوره على نفسه،
ورواه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي هريرة بلفظ ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم: يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب عز وجل وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين،
وورد بلفظ آخر: منها ما رواه الترمذي بسند حسن ثلاث دعوات لا شك في إجابتهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده، ومنها ما أخرجه أبو داود بتقديم وتأخير، ورواه الطبراني بسند صحيح عن عقبة بن عامر ثلاث تستجاب دعوتهم: الوالد والمسافر والمظلوم، وفي الباب ما تقدم في: اتقوا دعوة المظلوم.
2- لم يرد دعاء مخصوص للمظلوم ، فلتدعوا بما تشاء، قال تعالى:
( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلِم)، 148/ النساء
3- وردت أدعية عن بعض الشيوخ، نذكر منها:
اللهم إنا ندعوك دعوة المظلوم ودعوة المظلوم ليس بينها وبينك حجاب ، اللهم اكفنا من ظلمنا بما شئت وكيفما شئت ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكل شئ عنده بمقدار.
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ
أَلَيْسَ اللّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوّفُونَكَ بِالّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
إِنّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
إِنّ اللّهَ يُدَافِعُ عَنِ الّذِينَ آمَنُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ خَوّانٍ كَفُورٍ* أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنّ اللّهَ عَلَىَ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ .
الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوَءٌ وَاتّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنّمَا ذَلِكُمُ الشّيْطَانُ يُخَوّفُ [آلأَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مّؤْمِنِينَ عمران :173-175]
والله أعلم
Powered by vBulletin™ Version 4.0.2 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir