المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف أفعل مع من ظلمنى



أحمد سعد الدين
28-02-2005, 01:13 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته‎
بارك الله فيك‎

والتسامح والعفو والصفح‎ ‎هى من شيم المحسنين إمتثالا لقدوتنا الحبيب صلى الله عليه وسلم‎.

ولأن الخالق‎ ‎خبير بنا ، فمن رحمته أنه سبحانه أعطانا الخيار فى مقابلة من أساء إلينا،‎
فإما‎: ( ‎وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به‎)‎،‎
وإما: ( ولئن صبرتم لهو خير للصابرين‎. ‎واصبر وما صبرك إلا بالله، ولا تحزن عليهم ولا تك فى ضيق مما ‏يمكرون. إن الله مع‎ ‎الذين اتقوا والذين هم محسنون‎)‎،‎
أو: ( ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه‎ ‎عداوة كأنه ولىُّ حميم. وما يُلقَّاها إلا الذين صبروا وما ‏يُلقَّاها إلا ذو حظ‎ ‎عظيم. وإما ينزغنك من الشيكان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم‎)‎،‎
وأخيرا‎: ( ‎ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يُؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين فى‎ ‎سبيل الله ‏وليعفوا وليصفحوا ، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ، والله غفور‎ ‎رحيم‎).

أخى الفاضل‎
تلك خيارات( البدائل بلغة الإدارة واتخاذ القرار‎) ‎تفضَّل بها سبحانه علينا، يتبقى لنا إتخاذ‎
القرار الذى هو اختيار من بين‎ ‎البدائل المطروحة وجميعها ما بين الحسن والأحسن طبقا للموقف والظروف ‏وما تبغيه فى‎ ‎الدنيا والآخرة،‎
فقد م++++* سبحانه حرية الإختيار بين البدائل التى بينها لنا‎ ‎ونتائجها الإيجابية فى آيات محكمات بكتابه الكريم‎.
‎- ‎هل تريد رد الإساءة بالمثل؟‎ ‎هذا حق كفله الله لك، ولكن إنتبه ل ( مثل)، لا زيادة‎.
‎- ‎هل تريد جزاء الصابرين؟‎ ‎هذا حق كفله الله لك وبين لك ثواب الصابرين‎.
‎- ‎هل تريد جزاء الإحسان؟ فينقلب‏‎ ‎العدو صديقا فى الدنيا بإذن ربه، وتنال أنت مرتبة المحسنين فى الآخرة‎.
‎- ‎هل تريد‎ ‎مغفرة الله؟ فلتعفوا وتصفح عمن أساء إليك‎.

اللهم إنا نشهدك ونشهد نبيك صلى‎ ‎الله عليه وسلم ونشهد ملائكتك بأنك الله الواحد الأحد الفرد الصمد، وأن لا ‏تكلنا‎ ‎الى أنفسنا طرفة عين ولا لأحد من خلقك، ونحن نتوكل عليك، وأننا نعهد إليك بأننا‏‎ ‎عفونا وصفحنا عمن ‏ظلمنا من المسلمين، فاعفوا عنا وعنهم‎.
وصل اللهم على نبيك محمد‎ ‎صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين الأطهار وعلى صحبه الأبرار ومن تبعهم ‏بإحسان‎ ‎الى يوم لقائك‎.‎


أحمد سعد الدين

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 04:58 PM
فإن ظاهرة انتشرت في بعض الناس ذكرها القرآن الكريم والسنة النبوبة المطهرة، ‏إما‎ ‎على سبيل الذم، أو على سبيل بيان سوء عاقبة من فعلها‎. ‎
إنها ظاهرة الظلم، وما أدراك ما الظلم، الذي حرمه الله سبحانه وتعالى على نفسه‎ ‎وحرمه على الناس، فقال سبحانه وتعالى فيما رواه رسول الله‎ ‎ في الحديث القدسي‎: ‎‎{ ‎يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا‎ ‎تظالموا‎ } [‎رواه ‏مسلم‎]. ‎
وعن جابر‎ ‎ أن رسول‎ ‎الله‎ ‎ قال‎: { ‎أتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، ‏واتقوا الشح فإن‎ ‎الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا ‏محارمهم‎ } [‎رواء مسلم‎]. ‎
والظلم: هو وضع الشيء في غير محله باتفاق أئمة اللغة‎. ‎
وهو ثلاثة أنواع‎:‎
النوع الأول: ظلم الإنسان لربه، وذلك بكفره بالله تعالى، قال تعالى‎: ‎ وَالْكَافِرُونَ هُمُ ‏الظَّالِمُونَ‎ ‎ ‎[‎البقرة:254]. ويكون بالشرك في عبادته وذلك بصرف بعض‎ ‎عبادته لغيره ‏سبحانه وتعالى، قال عز وجل‎: ‎ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‎ ‎ ‎[‎لقمان:13‏‎]. ‎
النوع الثاني: ظلم الإنسان نفسه، وذلك باتباع الشهوات وإهمال الواجبات، وتلويث‎ ‎نفسه بآثار أنواع الذنوب والجرائم والسيئات، من معاصي لله ورسوله. قال جل شأنه‎: ‎ ‎وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‎ ‎ ‎[‎النحل:33‏‎]. ‎
النوع الثالث: ظلم الإنسان لغيره من عباد الله ومخلوقاته، وذلك بأكل أموال الناس‎ ‎بالباطل، وظلمهم بالضرب والشتم والتعدي والاستطالة على الضعفاء، والظلم يقع غالباً‎ ‎بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار‎. ‎
صور من ظلم الإنسان لغيره من عباد الله ومخلوقاته‎: ‎
غصب الأرض: عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى اللع عليه وسلم قال‎: ‎‎{ ‎من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين‎ } [‎متفق عليه‎]. ‎
مماطلة من له عليه حق: عن أبي هريرة‎ ‎ قال: قال رسول الله‎ ‎ ‎: { ‎مطل ‏الغني ظلم‎ } [‎متفق عليه‎]. ‎
منع أجر الأجير: عن أبي هريرة‎ ‎ عن النبي‎ ‎ قال‎: { ‎قال الله تعالى‎: ‎ثلاثة أنا ‏خصمهم يوم القيامة...،...، ورجل أستأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره‎ } [‎رواه ‏البخاري‎]. ‎
وأذكر هنا قصة ذكرها أحد المشايخ في كلمة له في أحد المساجد بمكة، قال: ‏‏"كان رجل‎ ‎يعمل عند كفيله فلم يعطه راتب الشهر الأول والثاني والثالث، وهو يتردد إليه ‏ويلح‎ ‎وأنه في حاجة إلى النقود، وله والدان وزوجة وأبناء في بلده وأنهم في حاجة ماسة، ‏فلم‎ ‎يستجب له وكأن في أذنيه وقر، والعياذ بالله. فقال له المظلوم: حسبي الله؛ بيني‎ ‎وبينك، والله سأدعو عليك، فقال له: أذهب وأدعوعلي عند الكعبة (انظر هذه الجرأة‎) ‎وشتمه وطرده. وفعلا استجاب لرغبته ودعا عليه عند الكعبة بتحري أوقات الإجابة، على‎ ‎حسب طلبه، وبريد الله عز وجل أن تكون تلك الأيام من أيام رمضان المبارك‎ ‎ وَسَيَعْلَمُ ‏الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ‎ ‎ ‎[‎الشعراء:227]، ومرت الأيام،‎ ‎فإذا بالكفيل مرض مرضاً ‏شديداً لا يستطيع تحريك جسده وانصب عليه الألم صباً حتى‎ ‎تنوم في إحدى ‏المستشفيات فترة من الزمن. فعلم المظلوم بما حصل له، وذهب يعاوده مع‎ ‎الناس. فلما ‏رآه قال: أدعوت علي؟ قال له: نعم وفي المكان الذي طلبته مني. فنادى على‎ ‎ابنه وقال: ‏أعطه جميع حقوقه، وطلب منه السماح وأن يدعو له بالشفاء‎". ‎
الحلف كذباً لإغتصاب حقوق العباد: عن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي‎ ‎ أن ‏رسول الله‎ ‎ قال‎: { ‎من اقتطع حق امرىء مسملم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، ‏وحرم عليه الجنة، فقال‎ ‎رجل: وإن كان شيهـئاً يسيرًا يا رسول الله؟ فقال: وإن قضيبًا من ‏أراك‎ } [‎رداه مسلم‎]. ‎
السحر بجميع أنواعه: وأخص سحر التفريق بين الزوجين، قال تعالى‎: ‎ فَيَتَعَلَّمُونَ ‏مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ‎ ‎ ‎[‎البقرة:102]. وعن أبي هريرة‎ ‎ عن النبي‎ ‎ ‎قال‎: { ‎اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله‎ ‎وما هن؟ فال:... والسحر، وقتل ‏النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال‎ ‎اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف ‏المحصنات المؤمنات الغافلات‎ } [‎رواه‎ ‎البخاري ومسلم‎]

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 04:59 PM
عدم العدل بين الأبناء: عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أنه قال‎:{ ‎نحلني أبى ‏نحلاً فقالت أمى عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى‎ ‎تشهد عليه رسول الله‎ ‎ ،‎ ‎فجاءه ‏ليشهده على صدقتى فقال: "أكل ولدك نحلت مثله" قال: لا، فقال: "اتقوا الله‎ ‎واعدلوا ‏في أولادكم"، وقال: "إني لا أشهد على جور"، قال: فرجع أبي فرد تلك الصدقة‎. } [‎متفق ‏عليه‎]. ‎
حبس الحيوانات والطيور حتى تموت: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن ‏رسول‎ ‎الله‎ ‎ قال‎: { ‎عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا فدخلت فيها‎ ‎النار‎} ‎‎[‎رواه البخاري ومسلم]. حبستها: أي بدون طعام‎. ‎
شهادة الزور: أي الشهادة بالباطل والكذب والبهتان والافتراء، وانتهاز الفرص‎ ‎للإيقاع ‏بالأبرار والانتقام من الخصوم، فعن انس‎ ‎ قال: ذكر رسول الله‎ ‎ الكبائر فقال‎: { ‎الشرك‎ ‎بالله، وعقوق الوالدين وقتل النفس، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قول الزور، أو‎ ‎قال: "شهادة الزور‎" } [‎متفق عليه‎]. ‎
وأكل صداق الزوجة بالقوة ظلم.. والسرقة ظلم.. وأذيه المؤمنين والمؤمنات والجيران‎ ‎ظلم... والغش ظلم... وكتمان الشهادة ظلم... والتعريض للآخرين ظلم، وطمس الحقائق‎ ‎ظلم، والغيبة ظلم، ومس الكرامة ظلم، والنميمة ظلم، وخداع الغافل ظلم، ونقض العهود‎ ‎وعدم الوفاء ظلم، والمعاكسات ظلم، والسكوت عن قول الحق ظلم، وعدم رد الظالم عن ‏ظلمه‎ ‎ظلم... إلى غير ذلك من أنواع الظلم الظاهر والخفيى‎. ‎
فيا أيها الظالم لغيره‎:‎
اعلم أن دعوة المظلوم مستجابة لا ترد مسلماً كان أو كافراً، ففي حديث أنس‎ ‎ ‎قال: قال رسول الله‎ ‎ ‎: { ‎اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً؛ فإنه ليس دونها حجاب‎ }. ‎فالجزاء يأتي عاجلاً من رب العزة تبارك وتعالى، وقد أجاد من قال‎: ‎
لاتظلمن إذا ما كنت مقتدراً ++++* فالظلم آخره يأتيك بالندم
نامت عيونك والمظلوم منتبه ++++* يدعوعليك وعين الله لم تنم
فتذكر أيها الظالم: قول الله عز وجل‎: ‎ وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً‎ ‎عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ‏إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ‎ ‎الأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ‎ ‎طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء‎ ‎ ‎[‎ابراهيم:43،42]. وقوله سبحانه‎: ‎ أَيَحْسَبُ‎ ‎الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ ‏سُدًى‎ ‎ ‎[‎القيامة:36]. وقوله تعالى‎: ‎ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ ‏إِنَّ‎ ‎كَيْدِي مَتِينٌ‎ ‎ ‎[‎القلم:45،44]. وقوله‎ ‎ ‎: { ‎إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته‎ ‎‎}‎، ثم قرأ‎: ‎ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى‎ ‎وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ‎ ‎ ‎[‎هود:102]، ‏وقوله تعالى‎: ‎ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ‎ ‎ ‎[‎الشعراء:227‏‎]. ‎
وتذكر أيها الظالم: الموت وسكرته وشدته، والقبر وظلمته وضيقه، والميزان ودقته،‎ ‎والصراط وزلته، والحشر وأحواله، والنشر وأهواله. تذكر إذا نزل بك ملك الموت ليقبض‎ ‎روحك، وإذا أنزلت في القبر مع عملك وحدك، وإذا استدعاك للحساب ربك، وإذا طال يوم‎ ‎القيامة وقوفك‎. ‎
وتذكر أيها الظالم: قول الرسول‎ ‎ ‎: { ‎لتؤدن الحقوق إلى أهلها‎ ‎يوم القيامة حتى ‏يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء‎ } [‎رواه مسلم‎]. ‎والاقتصاص يكون يوم القيامة بأخذ ‏حسنات الظالم وطرح سيئات المظلوم، فعن أبي هريرة‎ ‎ عن النبي‎ ‎ قال‎: { ‎من ‏كانت عنده مظلمة لأخيه؛ من عرضه أو من شيء، فليتحلله من‎ ‎اليوم قبل أن لا يكون ‏دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن‎ ‎لم يكن له حسنات أخذ ‏من سيئات صاحبه فحمل عليه‎ } [‎رواه البخاري]. وعن‎ ‎أبي هريرة‎ ‎ أن رسول‎ ‎الله‎ ‎ ‎قال‎: { ‎أتدرون ما المفلس، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا‎ ‎متاع فقال: إن المفلس ‏من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم‎ ‎هذا، وقذف هذا وأكل ‏مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من‎ ‎حسناته، فإن ‏فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم وطرحت عليه، ثم طرح‎ ‎في النار‎ ‎‎} [‎رواه مسلم‎]. ‎
ولكن أبشر أيها الظالم‎:‎
فما دمت في وقت المهلة فباب التوبة مفتوح، قال‎ ‎ ‎: { ‎إن الله تعالى يبسط يده‏‎ ‎بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس ‏من‎ ‎مغربها‎ } [‎رواه مسلم]. وفي رواية للترمذي وحسنه‎: { ‎إن الله عز وجل يقبل توبة ‏العبد ما لم يغرغر‎ }. ‎ولكن تقبل التوبة بأربعة شروط‎: ‎
‎1- ‎الإقلاع عن الذنب‎. ‎
‎2- ‎الندم على ما فات‎. ‎
‎3- ‎العزم على أن لا يعود‎. ‎
‎4- ‎إرجاع الحقوق إلى أهلها من مال أو غيره‎. ‎
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم‎.‎

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:00 PM
يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي


عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه ‏قال : ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ، يا عبادي ، كلكم ‏ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أطعمكم ‏، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم ، يا عبادي ، إنكم تخطئون بالليل والنهار ، ‏وأنا أغفر الذنوب جميعا ، فاستغفروني أغفر لكم ، يا عبادي ، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا ‏نفعي فتنفعوني ، يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ‏ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل ‏واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد ‏فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ، يا ‏عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك ‏فلا يلومن إلا نفسه ) .

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:01 PM
تخريج الحديث
الحديث أخرجه الإمام مسلم ولم يخرجه غيره من أصحاب الكتب الستة.

غريب الحديث
الظلم : وضع الشيء في غير موضعه ، ويطلق على مجاوزة الحد ، والتصرف في حق الغير بغير وجه حق ‏‏.
فلا تظالموا : أي لا يظلم بعضكم بعضاً .
فاستهدوني : اطلبوا الهداية مني .
صعيد واحد : الصعيد الموضع المرتفع أو الواسع من الأرض ، والمقصود في أرض واحدة ومكان واحد .
المِخْيط : بكسر الميم وسكون الخاء ومعناه الإبرة
أُحصيها لكم : أضبطها لكم بعلمي وملائكتي الحفظة .
أوفيكم إياها : أعطيكم جزاءها في الآخرة .

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:01 PM
منزلة الحديث
اشتمل هذا الحديث على كثير من قواعد الدين وأصوله ، فنص على تحريم الظلم بين العباد ، وهو من ‏أعظم المقاصد التي جاءت الشريعة بتقريرها .
وجاء التأكيد فيه على أهمية الدعاء ، وطلب الهداية من الله وحده ، وسؤال العبد ربه كل ما يحتاجه من ‏مصالح دينه ودنياه ، والدعاء هو العبادة .
كما أنه تضمن تنزيه الله ، وإثبات صفات الكمال ونعوت الجلال له سبحانه ، وبيان غناه عن خلقه وأنه لا ‏تنفعه طاعة الطائعين ، ولا تضره معصية العاصين .
وفيه أيضاً التنبيه على محاسبة النفس ، وتفقد الأعمال ، والندم على الذنوب .
ولذلك كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه ، وكان الإمام أحمد يقول عنه : " ‏هو أشرف حديث لأهل الشام " .

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:02 PM
تحريم الظلم
لما كانت حقيقة الظلم هي وضع الشيء في غير موضعه ، نزه سبحانه نفسه عن الظلم قال سبحانه : ‏‏{ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } ( النساء 40) ، وقال عز وجل : { وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ } (فصلت 46) ، فهو ‏سبحانه أحكم الحاكمين ، وأعدل العادلين ، وكما حرم الظلم على نفسه جل وعلا فكذلك حرمه على ‏عباده ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم .
والظلم نوعان : ظلم العبد لنفسه ، وأعظمه الشرك بالله عز وجل قال سبحانه : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ ‏عَظِيمٌ } ( لقمان 13) ، لأن الشرك في حقيقته هو جعل المخلوق في منزلة الخالق ، فهو وضع الأشياء ‏في غير مواضعها ، ثم يليه ارتكاب المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائر وصغائر ، فكل ذلك من ظلم ‏العبد لنفسه بإيرادها موارد العذاب والهلكة في الدنيا والآخرة ، قال سبحانه : { وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً ‏لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } (البقرة 231) .
وأما النوع الثاني من أنواع الظلم : فهو ظلم الإنسان لغيره بأخذ حقه أو الاعتداء عليه في بدنه أو ماله أو ‏عرضه أو نحو ذلك ، وقد وردت النصوص كثيرة ترهب من الوقوع في هذا النوع ، من ذلك - قوله - صلى ‏الله عليه وسلم - في خطبته في حجة الوداع : (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة ‏يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ) ،

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:02 PM
افتقار الخلق إلى الله سبحانه
ثم بين جل وعلا أن الخلق كلهم مفتقرون إلى الله في جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم في شؤون ‏دينهم ودنياهم ، وأنهم لا يملكون لأنفسهم شيئا ، فالهداية من الله ، والرزق بيد الله ، والمغفرة من عند ‏الله ، ومن لم يتفضل الله عليه بالهداية والرزق فإنه يحرمهما ، ومن لم يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه ‏أهلكته خطاياه ، ولذلك فإن الله يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم من طعام وشراب ‏وكسوة وغير ذلك ، كما يسألونه الهداية والمغفرة ، وفي الحديث ( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى ‏شسع نعله إذا انقطع ) رواه أبو يعلى وغيره وحسنه بعض أهل العلم ، وكان بعض السلف يسأل الله في ‏صلاته كل حوائجه حتى ملح عجينه وعلف شاته .

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:02 PM
غنى الله عن خلقه
ثم بين جل وعلا غناه عن خلقه ، وأن العباد لا يستطيعون أن يوصلوا إليه نفعا ولا ضرا ، بل هو سبحانه ‏غني عنهم وعن أعمالهم ، لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين ، ولكنه يحب من عباده أن ‏يتقوه ويطيعوه ، و يكره منهم أن يعصوه ، مع غناه عنهم ، وهذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده ، ‏ومحبته لنفعهم ودفع الضر عنهم ، قال سبحانه :{ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ ‏بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } (فصلت 46) .

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:03 PM
خزائن الله لا تنفد
ثم بين سبحانه كمال قدرته وسعة ملكه ، وعظيم عطائه ، وأن خزائنه لا تنفذ ، ولا تنقص بالعطاء ، ولو ‏أَعْطَي الأولين والآخرين من الجن والإنس ، جميع ما سألوه في وقت واحد ، وفي ذلك حثُ للخلق على ‏سؤاله وحده ، وإنزال حوائجهم به ، وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي - صلى ‏الله عليه وسلم - قال : ( يد الله ملأي لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق ‏السموات والأرض فإنه لم يغض - أي لم ينقص - ما في يمينه ) .

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:12 PM
إحصاء الأعمال
ثم ختم الحديث ببيان عدله وإحسانه على عباده ، فبين أنه يحصي أعمال العباد ثم يوفيهم أجورها ‏وجزاءها يوم القيامة ، فإن وجد العبد في صحيفته أعمالاً صالحة ، فهي محض إحسان وتفضل منه جل ‏وعلا ، حيث وفق العبد إليها وأعانه عليها ، ووفاه أجرها وثوابها ، ولذلك استحق الحمد والثناء ، وإن وجد ‏غير ذلك فليوقن أن الله عامله بالعدل ولم يظلمه شيئا ، وإن كان هناك من يستحق اللوم فهي النفس ‏التي أمرته بالسوء وسولت له المعصية والذنب .‏

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:13 PM
الظلم ظلمات يوم القيامه

عبد الرحمن عبد الخالق

إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه‎ ‎ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا من ‏يهده الله فلا مضل‎ ‎له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن‎ ‎محمداً عبده ورسوله أما بعد‎:
فإن خير الكلام كلام الله تعالى ، وخير الهدي هدي‎ ‎محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور ‏محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل‎ ‎ضلالة في النار‎ .
عباد الله : ثبت من قول النبي صلى الله عليه وسلم أنه قا ل‎ : [ ‎الظلم ظلمات يوم القيامة‎ ] (‎أخرجه أحمد‎ ‎‎(2/137،156) ‎والبخاري (5/100 الفتح) وفي الأدب المفرد (485) ومسلم (2579) عن ابن‎ ‎عمر‎).
وقد جاء الإسلام بالعدل كما قال سبحانه‎ ‎وتعالى‎ { ‎إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ‎ ‎وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ‏وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ‎ ‎وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‎ } (‎النحل:90‏‎).
والظلم والبغي واحد وهو ضد العدل ، وقد تطلق العرب الظلم‎ ‎على وضع الشيء في غير محله ، وقد ‏جاء معنى هذا في الشرك كما قال سبحانه وتعالى‎ : { ‎إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‎ } (‎لقمان:13‏‎).
وذلك أنه وضع للشيء في غير محله ، وقد كان الشرك ظلماً‎ ‎عظيماً لأنه وضع للعبادة التي هي ‏أشرف الأعمال في غير محلها لغير الله سبحانه‎ ‎وتعالى ، فلا يستحق العبادة إلا الله جل وعلا ، ‏فالتسبيح والتقديس والسجود والركوع‎ ‎والذبح والنذر والخوف والخشية وسائر أنواع العبادة من ‏أعمال القلوب أو أعمال‎ ‎الجوارح لا تنبغي إلا للإله الواحد سبحانه وتعالى الذي لا إله غيره ولا رب ‏سواه ،‎ ‎فكل من صرف نوعاً من هذه الأنواع لغير الله تبارك وتعالى فقد وضع العبادة في غير‎ ‎محلها ‏، ولذلك كان الشرك أعظم الظلم ، وقد فسر به النبي صلى الله عليه وسلم قول‎ ‎الله تبارك وتعالى‎ { ‎الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ‎ ‎يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ‎ ‎مُهْتَدُونَ‎ } (‎الأنعام:82‏‎). ‎قال أصحاب رسول ‏الله صلى‎ ‎الله عليه وسلم أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه‎ ‎ليس بذاك ‏، ألا تسمع قول لقمان لابنه‎ { ‎إِنَّ‎ ‎الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‎ } (‎أخرجه البخاري (8/513 الفتح) وغيره عن عبدالله بن‎ ‎مسعود‎).
هذا لا شك هو أعلى أنواع الظلم ،‎ ‎ولكن يدخل في هذا المعنى العام كل اعتداء على حق الآخرين ، ‏وكل ما هو ضد العدل ،‎ ‎فمن أخذ مالك بغير حق أو سفك دمك بغير حق أو اعتدى على عرضك ‏بغير حق فلا شك أنه قد‎ ‎ظلمك ، وهذا من معاني الظلم ، وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : ‏‏[ الظلم‎ ‎ظلمات يوم القيامة‎ ] .
ولا شك أن كل من ظلم فهو محاسب بين يدي الله تبارك وتعالى‎ ‎، والظلم بين العباد درجات ، فمن ‏أعظم الظلم القتل ، قتل المسلم من أعظم العدوان ،‎ ‎ولذلك أوجب الله تبارك وتعالى النار على قتل ‏المؤمن عمداً وظلماً كما قال الله‎ ‎تبارك وتعالى‎ { ‎وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا‎ ‎مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ‏وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ‎ ‎وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا‎ } (‎النساء:93‏‎).
وذلك أنه أعظم عدوان ، ولا شك أنه يتدرج العدوان بعد ذلك نزولاً حتى‎ ‎تكون مجرد الكلمة والغمزة ‏واللمزة في حق المؤمن ظلم إذا كانت بغير حق فهي ظلم ، ولا‎ ‎شك أن كل من ظلم ظلمة فإنه لا ‏تزول قدمه يوم القيامة حتى يؤديها ، وإن كان من أهل‎ ‎الإيمان ومن أهل الصلاح كما قال النبي صلى ‏الله عليه وسلم : [ أتدرون ما المفلس؟‎ ] ‎قالوا : المفلس فينا ما لا درهم له ولا متاع ، قال صلى الله ‏عليه وسلم [ إن المفلس‎ ‎من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي قد شتم هذا ، ‏وقذف هذا ،‎ ‎وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته ، وهذا من ‏حسناته ،‎ ‎فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه ، أخذ من خطاياهم ، فطرحت عليه ، ثم طرح في‎ ‎النار‎ ] (‎أخرجه أحمد (2/303،334،372) ومسلم‎ (2581) ‎والترمذي (2418) عن أبي هريرة وقال الترمذي: حسن صحيح‎).
وقد أذن الله تبارك وتعالى وشاء أن يقيم العدل يوم‎ ‎القيامة على أكمل وجوهه ، حتى إنه يقتص ‏للعجماوات بعضها من بعض وليس للبشر فقط كما‎ ‎قال صلى الله عليه وسلم : [ لتؤدن الحقوق إلى ‏أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة‎ ‎الجلحاء من الشاة القرناء‎ ] (‎أخرجه أحمد‎ (2/235‎،‎/310،411) ‎ومسلم (2582) ‏والترمذي (2420) عن أبي هريرة وقال الترمذي: حسن‎ ‎صحيح). والجلحاء: الشاة التي لا قرون لها . والقرناء: التي لها قرون‎.
ومعنى يقتص لها يعني يؤخذ القصاص إذا نطحتها بغير حق فإنه‎ ‎يقتص وكذلك يقتص لها ، ويؤخذ ‏حق الحيوان كما قال صلى الله عليه وسلم : [ عذبت امرأة‎ ‎في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها ‏النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ، ولا هي‎ ‎تركتها تأكل من خشاش الأرض‎ ] (‎أخرجه البخاري‎ (5/41-‎‎6/356،515) ‎وفي الأدب المفرد (379) ومسلم (2242) عن ابن عمر‎).
فهذه امرأة دخلت النار في ظلم هرة قطة لما ظلمتها كان‎ ‎مصيرها إلى النار، وهذا يدل على أن الظلم ‏هو إيقاع غير العدل حتى على الحيوان ،‎ ‎وحتى على النبات كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ ‏قاطع السدر يصوب الله رأسه‎ ‎في النار‎ ] (‎أخرجه البيهقي (6/141) عن معاوية بن‎ ‎حيدة، وحسنه الألباني في الصحيحة (615‏‎)).
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم العدوان على شجرة نافعة بدون حق ، ليست‎ ‎سادة للطريق وليس ‏هناك مصلحة من قطعها ، وإنما لمجرد الظلم والعدوان والعبث فإن‎ ‎صاحبها يقول عنه النبي صلى ‏الله عليه وسلم : [ صوب الله رأسه في النار‎ ] .

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:13 PM
‎هذا‎ ‎كله من معاني الظلم ومن معاني قول النبي صلى الله عليه وسلم : [ الظلم ظلمات يوم‏‎ ‎القيامة‎ ] .
قلنا بأن أعلى درجات ، الظلم ظلم المؤمن بسفك دمه ، ثم ما دون ذلك ،‎ ‎وكذلك ظلم الأرض ، وهو ‏أن تأخذ أرض أخيك بغير وجه حق ، ولذلك قال النبي صلى الله‎ ‎عليه وسلم : [ من اقتطع شبراً من ‏الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع‎ ‎أرضين‎ ] (‎أخرجه أحمد (1/187،190) والبخاري‎ (5/103 ‎الفتح) ومسلم (1610) ‏والترمذي (1418‏‎) ‎وفي‎ ‎رواية : [ من سرق الأرض..] وكذلك : [ من أخذ شبراً من الأرض‎..].
ومعنى طوقه‎ : ‎يعني أنه يقطع له هذا الجزء الذي اغتصبه ظلماً من أرض أخيه تصبح طوقاً على ‏رقبته‎ ‎عياذاً بالله إلى سبع أرضين يوم القيامة ، يعني جيء به يوم القيامة وهو يحمل مظلمته‏‎ ‎، ولذلك ‏كان ظلم الأرض من أعظم الظلم ، وحذر النبي من هذا بل لعن النبي صلى الله‎ ‎عليه وسلم من غير ‏منار الأرض ، كما جاء في حديث مسلم : [ لعن الله من لعن والده ،‎ ‎ولعن الله من ذبح لغير الله ، ‏ولعن الله من غير منار الأرض‏‎ ] (‎أخرجه أحمد (1/108،118،152) ومسلم (1978) والنسائي (4422‏‎) ‎والبخاري في الأدب المفرد (17) عن علي بن ‏أبي طالب‎).
ومنار الأرض : حدودها ، فمن غير حدود الأرض بمعنى أنه رفع الحدود ،‎ ‎والعلامات التي توضع ‏‏_وأخذ جزءاً من حق جاره فهذا ملعون على لسان رسول الله صلى‏‎ ‎الله عليه وسلم لأن هذا من الظلم‎ ‎‎.
ولا شك أن أخذ أموال الناس ، وجلد أبشارهم أو‎ ‎سبهم أو حبسهم بغير حق ظلم ، وهذا يستوي فيه من ‏له ولاية ، ومن ليس له ولاية ، بل‎ ‎الذي له ولاية هو أشد جرماً عند الله تبارك وتعالى ، ومن له ولاية ‏يعني من ولاه‎ ‎الله عز وجل ولاية المسلمين فلا شك أنه إذا ظلمهم كان أعظم وزراً عند الله تبارك‏‎ ‎وتعالى إذا جلد أبشارهم ، أو أخذ أموالهم ، أو اغتصب أراضيهم أو ظلمهم أي شيء بغير‎ ‎حق ، لا ‏شك أنه مسؤول على ذلك بين يدي الله تبارك وتعالى ، ولا شك أن هذه مسؤولية‎ ‎لا يقدرها إلا من ‏علمها ، وأما من يجهلها فإنه قد يفرح بظلمه ، أما من يعلمها ،‎ ‎فإنه يقدرها حق قدرها كما قيل لعمر ‏بن الخطاب رضي الله عنه وهو على سرير الموت قيل‎ ‎له يا أمير المؤمنين : أبشر فلقد صحبت ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسنت صحبته‎ ‎ومات يوم مات وهو راض عنك ثم صحبت خليفة ‏رسول الله يعني أبا بكر فأحسنت صحبته فمات‏‎ ‎يوم مات وهو راض عنك ثم صحبت صحابتهم يعني ‏من صحبوا النبي ومن صحبوا أبا بكر فأحسنت‎ ‎صحبتهم فلئن كان الموت - هذا كلام ابن عباس لعمر ‏بن الخطاب رضي الله عنه- لتموتن‏‎ ‎والأمة راضية عنك فلما سمع عمر بن الخطاب هذا من قول ابن ‏عباس وهو الفقيه رضي الله‏‎ ‎عنهما ، قال : اجلسوني وكان قد طعن فأجلسوه فقال : لئن قلت ما قلت ‏من أني صحبت رسول‎ ‎الله فمات يوم مات وهو راض عني ، إنما ذاك من فضل الله ومنه ، ثم إني ‏صحبت خليفة‎ ‎رسول الله فمات يوم مات وهو راض عني ، إنما ذلك من فضل الله ومنه ، ثم أني ‏صحبت‎ ‎صحابتهم وأني يوم أموت أموت وهم راضون عني ، فأقول هذا من فضل الله ومنه ، وإنما‎ ‎يجزعني مخافتي عليك وعلى أصحابك - يعني مخافته على الأمة - ثم قال : وددت لو أن هذا‎ ‎كان ‏كفافاً لا لي ولا علي وهذا موضع الشاهد يقول : " وددت لو أن هذا كان كفافاً لا‎ ‎لي ولا علي‎ " .
يعني أتمنى على الله تبارك وتعالى أن أكون ما أديته من أمانة ،‎ ‎وما حملته ، وما أبليت من صحبة ‏النبي صلى الله عليه وسلم وصحبة أبي بكر وصحبة‎ ‎المسلمين كفافاً لا لي ولا علي‎ .
يعني لا شيء لي عند الله ، ولا علي شيء أطالب‎ ‎به ، ثم قال : " والله لئن عثرت بغلة بالعراق ‏ليسألن عنها عمر يوم القيامة‎ " .
يقول إن المسئولية جسيمة ، وإنني إن فرطت في شيء مما وليته سيسألني الله تبارك‎ ‎وتعالى عنه يوم ‏القيامة ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الإمارة : [ إنها‎ ‎أمانة وإنها يوم القيامة خزي ‏وندامة إلا من أخذها بحقها ، وأدى الذي عليه فيها‎ ] (‎أخرجه مسلم (1825‏‎)
وقال فيها النبي صلى الله عليه وسلم : [ نعمت المرضعة ، وبئست الفاطمة‎ ] (‎قطعة من حديث أخرجه أحمد ‏‏(2/448،467) والبخاري‎ (13/125 ‎الفتح) والنسائي (4211،5385) عن أبي هريرة‎).
الأمارة قال : [ نعمت المرضعة ] . يعني أنها ترضع ، ثديها مليء بالحليب‎ ‎، فالإمارة تمكن من ‏يملكها من أموال الناس ومن أبشارهم ومن دمائهم وتملكه من المال‎ ‎ولكن : [ بئست الفاطمة ] يعني ‏إذا فطم بالموت ثم أتى بعد ذلك لكشف الحساب فبئس‎ ‎الأمر لأنه سيحاسب على كل شيء‎.
الشاهد من كل هذا أن الظلم ظلمات يوم القيامة‎ ‎أياً كان ، ومن أي كان ، ولا شك أنه من ذي الولاية ‏أعظم عند الله تبارك وتعالى‎ ‎لمكانته ومنزلته وتمكنه ، ولذلك لم تكن النهبة كالغصب علماً أنها كلها ‏أخذ للمال‎ ‎لكن المنتهب غير الغاصب لأنه الغاصب لا يغصب إلا وهو يقدر أما المنتهب جبان يسرق‎ ‎ويهرب ، هذا الجبان الذي يسرق ويهرب ، لا شك أن جريمته أقل من المغتصب لأن المغتصب‏‎ ‎متمكن يستطيع أن يأخذ مالك وهو في مكنته ، ولا تستطيع أن تفعل شيئاً ولذلك قال‎ ‎النبي : [ من ‏اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين‎ ] .
وذلك أن الأرض تغتصب ، ولا تنهب لأنه لا يقدر أن يسرق ويهرب بها إنما لا‎ ‎يفعلها إلا من هو ‏قادر على ذلك‎..

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:14 PM
فالشاهد من كل هذا أنه لا شك أن ذا الولاية من‎ ‎ولاه الله تبارك وتعالى ولاية من الولايات ، لا شك ‏أن ذنبه أعظم ممن لم يكن صاحب‎ ‎ولاية ، كل هذا يبين أن الظلم لا شك أنه ظلمات يوم القيامة ولذلك ‏كان الإمام العادل‎ ‎من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، لأنه مع قدرته يمتنع كما‎ ‎قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام‎ ‎عادل‎..] (‎أخرجه أحمد ‏‏(2/439) والبخاري‎ (11/312-12/112 ‎الفتح) ومسلم (1031) والنسائي (5380) عن أبي هريرة‎).
فبدأ به صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأنه مع تمكنه يعدل‎ ‎بل إن العادلين هم من أقرب الناس من ‏الرحمن يوم القيامة ، كما قال النبي صلى الله‎ ‎عليه وسلم : [ إن المقسطين عند الله على منابر من نور ‏عن يمين الرحمن وكلتا يديه‎ ‎يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا‎ ] (‎أخرجه أحمد (2/160) ومسلم ‏‏(1827) والنسائي (5379) عن عبدالله بن‎ ‎عمرو‎).
فالمقسط هو العادل الذي يقوم بالقسط ،‎ ‎والقسط هو العدل ، ويخبر النبي بأنهم على منابر من نور يوم ‏القيامة عن يمين الرحمن‎ ‎يوم القيامة ، ثم فسر النبي المقسطين فقال : هم الذين يعدلون في أهلهم ‏وذويهم وما‎ ‎ولوا ، يعني وما ولاهم الله تبارك وتعالى‎ .
فالعدل ضد الظلم ، والمسلم لا شك أن‎ ‎شأنه أن يكون عادلاً ، كما أن الكافر من شأنه الظلم كما قال ‏تبارك وتعالى‎: { ‎والكافرون هم الظالمون‎..} (‎البقرة:254‏‎).
وذلك أن الكافر لا شك‎ ‎أولاً أنه ظلم نفسه بشركه بالله تبارك وتعالى ، وعبادته غير الله ، ووضعه ‏للعبادة‎ ‎في غير محلها ، وهذا أعظم أنواع الظلم‎ .
كما قال صلى الله عليه وسلم لما سأله‎ ‎عبد الله بن مسعود قلت يا رسول أي الذنب أعظم ؟‎
قال : [ أن تجعل لله نداً وهو‎ ‎خلقك‎ ] .
هذا أعظم ظلم لأنه لا ند لله ولا كفؤ له سبحانه وتعالى‎ .
قال : قلت‎ ‎ثم أي : قال : [ أن تزاني حليلة جارك‎ ] .
وهذا كذلك من الظلم من ظلم الجار ومن‎ ‎الخيانة‎ .
قال : قلت ثم أي : قال : [ أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك‎ ] (‎أخرجه أحمد (1/380،431،434،462،464) والبخاري‎ ‎‎(8/163،492،10/433،12/114،187-13/503 ‎الفتح) ومسلم (86) وأبو داود (2310) والترمذي‎ (3182) ‎من طرق عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود‎).
قتل الولد ، وهو عدوان كذلك ولا شك أنه من أعظم الظلم لأن‎ ‎هذه نفس مخلوقة خلقها الله تبارك ‏وتعالى ، ثم لا شك أن الذي خلقها ضمن رزقها كما‎ ‎قال تبارك وتعالى‎ : { ‎وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي‎ ‎الْأَرْضِ ‏إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا‎ ‎وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ‎ } (‎هود:6‏‎).
فالله تبارك وتعالى ما خلق دابة إلا خلق لها رزقها ، ولكن يأتي الجوع‎ ‎والفقر من الظلم لولا أن الناس ‏لم يتظالموا ، ما بقي جائع ولا عريان ، وإلا فإن‎ ‎الله تبارك وتعالى خلق من الأرزاق ومن النعم في ‏هذه الأرض وذخر فيها ما هو فائض‎ . ‎فالأصل هو الفيض وليس الندرة كما يقول كفار علماء ‏الاقتصاد يقولون : الأصل في‎ ‎الاقتصاد هو الندرة ، وهذا باطل بل الأصل هو الوفرة ولا شك أن الله ‏تبارك وتعال خلق‎ ‎من الأرزاق ، ومن النعم ما هو موفور لخلقه ، ولكن إنما تأتي المجاعة بالتظالم‎ ‎وبالظلم ، وأن يأخذ الأغنياء غير ما يستحقون ، وأن يحرموا الفقراء من حقوقهم ،‎ ‎فالتظالم والتقاطع ‏والتدابر وقطع الطريق والفتن والبلاء هو الذي يقع بسببه هذا‎ ‎النقص ، فالشاهد أن الإسلام جاء ‏بالعدل وأمر الله تبارك وتعالى بأن نكون عادلين ،‏‎ ‎ونهانا عن الظلم ، وأخبر سبحانه وتعالى بأنه ولو ‏مثقال ذرة لا بد أن يسأل عنها‎ ‎العبد يوم القيامة كما قال تبارك وتعالى‎ : { ‎فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا ‏يَرَه‎(7) ‎وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ‎ ‎شَرًّا يَرَه‎ } (‎الزلزلة:8،7‏‎) . ‎ولا شك أن الظلم من أعظم‎ ‎الشرور . أقول هذا ‏لأن الداء الذي حل بالأمة إنما هو داء العدوان والظلم ، كل إنسان‎ ‎يقدر للأسف أن يظلم إلا من شاء ‏الله ، وإلا من خاف الله تبارك وتعالى ، ثم لا شك أن‎ ‎الظلم من طبائع النفوس ، ولذلك كان أول ‏أخوين في الأرض ظلم أحدهما الآخر مع اتساع‎ ‎هذه الأرض ، يعني الإنسان يعجب أن أحد ابني آدم ‏، أخوان لا يوجد في الأرض غيرهما لا‎ ‎بشر غيرهم هم وأبوهم ، أبوهم آدم سواءً وقعت هذه الحادثة ‏بعد موت آدم أو في حياته‎ ‎ما كان في الأرض غيرهم ومع ذلك تظالموا ، ولذلك قال الله عز وجل‎ : { ‎مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ‎ ‎أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ‎ ‎فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ ‏جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا‎ ‎النَّاسَ جَمِيعًا‎ } (‎المائدة:32‏‎).
من أجل ذلك يعني من أجل‎ ‎أن الأخ يقتل أخاه إذا قدر عليه كما قال تبارك وتعالى‎ : { ‎وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ‏ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ‎ ‎قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ‎ ‎الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ‎ ‎الْمُتَّقِينَ‎ } (‎المائدة:27‏‎).

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:15 PM
الأمر هذا ليس من فعلي‎ ‎، كون أن الله عز وجل يتقبل مني ولا يتقبل منك هذا من فعل الله عز وجل ، ‏لم تحاسبني‎ ‎على فعل الله عز وجل‎ { ‎قَالَ إِنَّمَا‎ ‎يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ‎ }‎، يعني‎ ‎اتقيت الله عز وجل ، ‏فتقبل قرباني ، وأنت لم تتق الله تبارك وتعالى فلم يتقبل‎ ‎قربانك ، فلم القتل حسداً وبغياً وظلماً لذلك . ‏قال الله عز وجل‎ : { ‎فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ‎ ‎فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ‎ } (‎المائدة:30‏‎) . ‎أصبح من‎ ‎الخاسرين لأنه قتل نفساً عدواناً وظلماً ، ثم قال الله تبارك وتعالى بعد ذلك‎ : { ‎مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ‎ .. } . ‎يعني من أجل هذا الأمر، وهو أن الأخ والشقيق ممكن أن يقتل‎ ‎أخاه إذا قدر عليه‎ { ‎كَتَبْنَا عَلَى بَنِي‎ ‎إِسْرَائِيلَ‎ } ‎أي في التشريع‎ : { ‎أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ‎ } . ‎يعني قتل نفساً بغير نفس بغير قصاص‎ ‎‎{ ‎أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ‎ } . ‎أي قتل فساداً في الأرض ، فالمفسد في الأرض يقتل ، وقتله حق . المفسد‎ ‎بقطع طريق أو بعدوان على إمام حق ، فلا شك أن هذا مفسد في الأرض ، وهو الحد الذي‎ ‎يسميه ‏الفقهاء بحد الحرابة ، هذا إفساد في الأرض‎ { ‎أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ‏‎ ‎فَكَأَنَّمَا ‏قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا‎ ‎النَّاسَ جَمِيعًا‎ } . ‎فالشاهد الظلم من شيم‎ ‎النفوس ، ولذلك جاء ‏الإسلام بالرادع‎ .
الرادع الأول التقوى : أن الإنسان يتقي‎ ‎ربه تبارك وتعالى ، ويعلم أنه مطلع عليه وأنه لن يسلم في ‏الدنيا ولا يسلم في الآخرة‎ ‎، وقد تسلم في الدنيا بغصبك ونهبك وبقتلك ، ممكن أن تسلم وتبقى معززاً ‏مكرماً في‎ ‎سربك إلى أن تموت لكن لن تسلم في الاخرة ، ستحاسب على هذا وستؤديه رغماً عنك ، ‏لابد‎ ‎أن تؤديه فلذلك كان أول وازع هو الخوف من الله تبارك وتعالى تقوى الله عز وجل‏‎ _‎والمعرفة ، ‏إن كل إنسان مسؤول بين يدي الله ، هذا أعظم وازع وهو الذي يمنع الإنسان‎ ‎من الظلم‎ .
الوازع الثاني السلطان : الذي وضعه الله تبارك وتعالى أو أنزله الله‎ ‎عز وجل هو السلطان والسيف ، ‏فالسلطان وازع ، ولذلك ينصب الإمام في المسلمين ليردع‎ ‎الظالم ، ولذلك كانت أول خطبة لأبي بكر ‏الصديق رضي الله تعالى عنه قال : " القوي‎ ‎فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه والضعيف منكم ‏قوي عند حتى آخذ الحق له‎ " .
هذا‎ ‎واجب السلطان أو هذا من كلام عمر بن الخطاب سواء كان هذا أو هذا‎ .

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:26 PM
هذا من واجبات‎ ‎السلطان أنه ينصب لردع الظلمة ، ولمنع الظلم ، ولإقامة العدل بين الناس ، ولذلك ‏أول‎ ‎ما يسأله الله تبارك وتعالى هل أقام العدل في الرعية أم لا ، لكن المصيبة كل‎ ‎المصيبة إذا كان ‏السلطان نفسه هو الجائر ، وهو الظالم ، هذه تصبح هي الكارثة هو‎ ‎الذي يظلم ، فإذا كان يطلب منه ‏ويرجى منه ردع الظلمة ، إذا كان هو ظالماً من يردعه‎ ‎؟ وعلى كل حال ، قد أمر الله تبارك وتعالى ‏وأمر النبي بالصبر على ظلم الإمام ، وذلك‎ ‎أنه قد يكون القيام في وجهه يؤدي إلى مظالم أكبر من ‏هذا ، ولذلك قال النبي صلى الله‎ ‎عليه وسلم : [ إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها ] قالوا : فما ‏تأمرنا يا رسول‎ ‎الله ؟ قال : [ أدوا إليهم حقهم وسلوا الله الذي لكم‎ ] (‎أخرجه أحمد (1/384،386،387،433) والبخاري ‏‏(6/612-13/5) الفتح) ومسلم (1843‏‎) ‎والترمذي (2190) عن ابن مسعود، وقال الترمذي: حسن صحيح‎).
يعني أن الله سبحانه وتعالى سيسألهم عن رعيتهم ، التي استرعاهم إياها‎ ‎وسيأخذ الحق منهم ولا شك ‏هذا على كل حال فيما لم يأت من وراء تبديله ، ما هو أشد‎ ‎ضرراً على المسلمين منه ولا شك أنه ‏مطلوب من الأمة ، أن تقوم بالعدل لا يقام إلا‎ ‎بهذين الأمرين كما ذكرنا‎ .
الأمر الأول : أن تكون هناك تقوى لله تبارك وتعالى ،‎ ‎وأن ينشر معنى تقوى الله تبارك وتعالى ‏ومخافة الله عز وجل‎ .
الأمر الثاني : ثم‎ ‎لابد أن يقوم السيف والتشريع الذي يحمي الضعيف ، ويأخذ الحق من القوي ، أما ‏إذا وجد‎ ‎في المجتمع من ينصر الظالم ويبقى الضعيف بلا ظهر يستطيع أن يأخذ حقه، فلا شك أنه‎ ‎ينتشر الظلم ويعم ويطم ، ولا شك أن الظلم مؤذن بخراب العمران ، هذه قاعدة من‎ ‎القواعد كما أخبر ‏الله تبارك وتعالى في كل الآيات التي أخبر أنه أهلك القرى فيها‎ ‎أنه لا يهلكها إلا بظلم أهلها ، إذا ظلم ‏أهلها فإن الله تبارك وتعالى يهلكها كما‎ ‎قال تبارك وتعالى‎ : { ‎وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي‎ ‎الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ‏ظَالِمُونَ‎ } (‎القصص:59‏‎) . ‎هذه قاعدة عامة‎ { ‎وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي‎ ‎الْقُرَى‎ } ‎يعني المدن والأمم إلا وأهلها ‏ظالمون‎ ‎، وهنا وأهلها ظالمون هذه جملة حالية يعني حال كون ظلم أهلها ، أما إذا أقاموا‎ ‎العدل فيما ‏بينهم فإن الله تبارك وتعالى قد يمد في أعمارهم حتى لو كانوا كفاراً‎ ‎وأقاموا العدل ، فإن هذا لمد ‏أعمارهم ولذلك قال إمام علم الاجتماع عبد الرحمن بن‎ ‎خلدون : " الظلم مؤذن بخراب العمران " ‏وهذا الكلام من كلامه لكنه مأخوذ من هذه‎ ‎الآيات ومن هذه السنن الجارية لله تبارك وتعالى في خلقه ‏، وكذلك قال شيخ الإسلام‎ ‎ابن تيمية : " إن الله تبارك وتعالى قد يؤيد الدولة العادلة وإن كانت كافرة ‏‏" . حتى‎ ‎وإن كانت كافرة لكنها إذا أقامت العدل أيدها الله تبارك وتعالى ، أما الدولة‎ ‎المسلمة إذا تظالم ‏أهلها ، ولم يؤخذ الحق لضعيفهم وقوي ظالمهم ، فإن هذا لا شك أنه‎ ‎منذر بخراب عمرانهم وفساد ‏أحوالهم واضطراب أمورهم ، فالأمم لا تقام إلا بالعدل ،‎ ‎إذا قام العدل قام سوق البقاء ، وأيد الله ‏تبارك وتعالى الدولة أما إذا قام الظلم‎ ‎فلا شك أن هذا مؤذن بخراب عمرانهم‎ .
على كل حال لابد أن يتنادى المسلمون في كل‎ ‎مكان في أرض الإسلام ، وفي غير أرض الإسلام أن ‏يكونوا عادلين ، وأن يبتعدوا عن كل‎ ‎الظلم ، وأعظم الظلم كما ذكرنا الشرك بالله تبارك وتعالى ، ثم ‏عن ظلم أي شيء ، إياك‎ ‎وظلم أي شيء ، واعلم أن الله سائلك أن تظلم شجرة ، أن تظلم هرة ، ثم بعد ‏ذلك لا شك‎ ‎أنه أعظم من هذا أن تظلم أخاك المسلم‎ .
أسأل الله تبارك وتعالى أن يجمع بين‎ ‎قلوبنا ، وأن يؤلف بيننا ، وأن يهدينا سبل السلام‎.‎

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:28 PM
خالد ابن عبد الله المصلح

احذروا الظلم

الخطبة الأولى ‏
أما بعد. . . ‏
فاتقوا الله أيها المؤمنون فإنه لا فلاح لكم في الدنيا ولا نجاة في الآخرة إلا بتقوى الله ‏تعالى. أيها المؤمنون إن البغي والظلم ذنب عظيم وإثم مرتعه وخيم وهو سبب كل شر ‏وفساد وكل بلاء وعقاب فهو منبع الرذائل والموبقات ومصدر الشرور و السيئات ‏وعنه تصدر سلاسل العيوب والآفات متى فشا في أمة آذن الله بأفولها ومتى شاع في ‏بلدة فقد انعقدت أسباب زوالها وتحول لباسها، فبه تفسد الديار وتخرب الأوطان ‏وتدمر الأمصار به ينزل غضب الواحد الجبار القهار قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَتِلْكَ ‏الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾(1) وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ‏إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾(2) وقال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾(3) وقال ‏تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ ‏وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾(4). ‏
أيها المؤمنون إن الله تعالى نفى عن نفسه الظلم فقال عز وجل: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ ‏لِلْعَبِيد﴾(5) وقال: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾(6) وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة﴾(7) ‏‏﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ﴾(8) وقد حرمه تعالى على نفسه ففي الحديث الإلهي عن أبي ‏ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ‏‎‎‏ فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: ((ياعبادي ‏إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا))(9) رواه مسلم فأعلم الله ‏تعالى عباده في هذا الحديث العظيم أنه حرم الظلم على نفسه قبل أن يجعله محرماً بين ‏عباده. وقد أعلن النبي ‏‎‎‏ حرمة الظلم في أعظم مجمع وموقف فقال في خطبته يوم ‏عرفة: ((ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في ‏شهركم هذا في بلدكم هذا))(10) وفي الصحيحين أن النبي ‏‎‎‏ قال: ((اتقوا الظلم فإن ‏الظلم ظلمات يوم القيامة))(11) وقال ‏‎‎‏ فيما يرويه مسلم وغيره: ((المسلم أخو المسلم ‏لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره))(12). وقد تهدد الله أرباب الظلم وأهله فقال جل ذكره: ‏‏﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾(13) فالله تعالى للظالمين بالمرصاد ففي ‏الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول ‏‎‎‏: (( إن الله ‏ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ ‏‎‎‏: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى ‏وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾))(14). وقد لعن الله الظالمين فقال: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ ‏عَلَى الظَّالِمِينَ﴾(15) وأخبر سبحانه أنه يبغضهم فقال: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾(16). ‏والظلم يا عباد الله أعظم أسباب ارتفاع الأمن وزوال الاهتداء عن الأفراد والمجتمعات ‏قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ ‏مُهْتَدُونَ﴾(17) فبقدر ما يكون مع الفرد و المجتمع من الظلم بقدر ما يرتفع عنه الأمن ‏والاهتداء فالجزاء من جنس العمل ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾(18). ‏
أيها المؤمنون إن الظلم الذي وردت به النصوص التحريمية وبيان سوء عاقبته والتحذير ‏منه درجات ومراتب أولها الظلم الكبير الخطير العظيم الذي لا يغفر الله الغفور الرحيم ‏الكريم لصاحبه إلا بالإقلاع عنه وتوبته منه ألا وهو الإشراك بالله تعالى. بصرف العبادة ‏أو بعض أنواعها لغير الله كدعاء غيره والسجود لغيره والذبح والنذر لغيره ونبذ شرعه ‏والتحاكم إلى سواه قال الله تعالى حاكياً عن لقمان وصيته لابنه: ﴿يابني لا تُشْرِكْ باللَّهِ ‏إِنَّ الشرك لظُلْم عظيم﴾(19) فهذا الظلم لا يغفره الله إلا بالتوبة منه قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ ‏لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرِكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾(20) فأخلصوا أيها المؤمنون ‏عبادتكم لله تعالى فإنه من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة وحاربوا ‏الشرك وأهله بالدعوة إلى التوحيد. ‏
وأما ثاني مراتب الظلم فذاك الظلم الذي لا يتركه الله تعالى وهو ظلم العبد غيره من ‏الخلق فهذا لابد فيه من أخذ الحق للمظلوم من الظالم كما قال الله سبحانه في الحديث ‏الإلهي: ((وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين))(21).

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:34 PM
وقد أجاد من قال: ‏
لا تظلمن إذا ماكنت مقتدراً‎ ‎فالظلم ترجع عقباه إلى الندم
تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم‏
أيها المؤمنون اتقوا الظلم فإن نبيكم الصادق المصدوق قد أخبر أن الدنيا تملأ في آخر ‏الزمان ظلماً وجوراً وها نحن نشهد صدق ما أخبر به ‏‎‎‏ فإن الظلم قد فشا وشاع بين ‏الناس في الدماء والأموال والأبضاع والأعراض حتى صدق في سلوك كثير من أبناء ‏هذا الزمان ما قاله الشاعر الجاهلي: ‏
الظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلم‏
ولا تظنن أيها الأخ أن هذه مبالغة أو مزايدة بل ذلك هو واقع كثير من الناس فكم هم ‏أصحاب الأعمال الذين ظلموا عمالهم بتحميلهم ما لا يطيقون أو بتأخير رواتبهم ‏ومستحقاتهم أو جحد حقوقهم أو فرض الإتاوات عليهم. وكم هم أرباب الأسر ‏والبيوت الذين جنوا على أهليهم وظلموا أولادهم وزوجاتهم. وكم هم التجار الذين ‏دلسوا بضائعهم وغشوا عملاءهم وكم هم الولاة الذين نبذوا كتاب الله وراء ‏ظهورهم وحكموا القوانين فلم يعدلوا في الرعية ولم يقسموا بالسوية ولم يسيروا ‏بالسرية. وكم هم الذين أطلقوا لأنفسهم العنان في أعراض الناس ودمائهم فتمضمضوا ‏بأعراض المؤمنين وتفكهوا بدمائهم إنهم كثير كثير كثير قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ ‏مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾(22). فللّه ما أكثر المفلسين الذين يعملون لغيرهم ‏ويتحملون فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ‏‎‎‏: ((أتدرون من المفلس ‏؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم ‏القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم ‏هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن ‏يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار))(23) فيالها من تجارة ‏بائرة وصفقة خاسرة أن تأتي يوم القيامة وأنت أحوجُ ما تكون إلى حسنة تثقل بها ‏ميزانك فإذا بخصمائك قد أحاطوا بك فهذا آخذ بيدك وهذا قابض على ناصيتك وهذا ‏متعلق بتلابيبك هذا يقول: ظلمتني وهذا يقول: شتمتني وهذا يقول: اغتبتني أو ‏استهزأت بي وهذا يقول: جاورتني فأسأت جواري وهذا يقول: غششتني وهذا يقول: ‏أخذت حقي ‏
أما والله إن الظلم شؤم وما زال المسيء هو المظلوم‏
ستعلم يا ظلوم إذا التقينا غداً عند المليك من الملوم‏
فياعباد الله تداركوا الأمر قبل فوات الأوان فما هي والله إلا ساعة ثم تبعثر القبور ‏ويحصّل ما في الصدور وعند الله تجتمع الخصوم. فيقتص للمظلوم من الظالم فتحللوا ‏أيها الإخوان من المظالم قبل ألا يكون درهم ولا دينار فعن أبي هريرة رضي الله عنه ‏قال: قال رسول الله ‏‎‎‏: ((من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه ‏اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ‏وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه))(24). ‏
أيها المؤمنون أما ثالث مراتب الظلم فهو ظلم العبد نفسه بالمعاصي والسيئات فكل ‏ذنب وخطيئة تقارفها يا عبد الله فإن ذلك ظلم منك لنفسك وبغي عليها قال الله ‏تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(25) وما أكثر ما قال الله عند ذكر ‏العصاة والمذنبين والظالمين: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون﴾(26) فكل ‏مذنب وعاصٍ فإنما يجني على نفسه ويعرضها لعذاب الله الأليم وعقابه الشديد كما قال ‏النبي ‏‎‎‏ فيما أخرجه ابن ماجه وغيره بسند لابأس به عن سليمان بن عمرو بن ‏الأحوص عن أبيه قال: سمعت رسول الله ‏‎‎‏ يقول في حجة الوداع: ((ألا لا يجني جان ‏إلا على نفسه))(27).‏
فتخففوا عباد الله من ظلم أنفسكم بامتثال ما أمركم الله به وترك مانهاكم عنه والتوبة ‏مما فرط من الذنوب فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:35 PM
الخطبة الثانية
أما بعد ...‏
فيا أيها المؤمنون اعلموا أن الله سبحانه نهى عن الظلم بجميع صوره وأمر بمجاهدة ‏الظالمين ورفع الظلم عن المظلومين وقد أرسل الله سبحانه رسله وأنزل كتبه لإقامة ‏القسط ورفع الظلم قال الله تعالى: ﴿َقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ ‏وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾(28). ‏
فإذا تركنا الظالم ولم نأخذ على يده فقد خالفنا ما جاءت به الرسل ونحن مهددون ‏بعقوبة عامة ومحنة عاجلة فعن أبي بكر الصديق أنه قال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه ‏الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾(29) وإني ‏سمعت رسول الله ‏‎‎‏ يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن ‏يعمهم الله بعقاب منه))(30) رواه أبو داود والترمذي بإسناد جيد. فرفع الظلم والإنكار ‏على الظالم واجب على كل أحد حسب قدرته وطاقته ووسعه قال النبي ‏‎‎‏: ((انصر ‏أخاك ظالماً أو مظلوماً. قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ ‏قال: تأخذ فوق يديه))(31).‏
أيها المؤمنون إن أولى المظلومين بالنصر والتأييد والإعانة هم أولئك الذين ظلموا في ‏دينهم فحُورِبوا وقُوتِلوا وهُجِّروا وضُرِبوا وسُجِنوا وأُوذوا من أجل أنهم رضوا بالله رباًَ ‏وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ ‏الْحَمِيدِ﴾(32) فهؤلاء وأضرابهم هم أولى الناس بالنصر والتأييد لاسيما في هذا العصر ‏المفتون الذين انتعش فيه أعداء الله من اليهود والنصارى والوثنيين والملحدين والمبتدعين ‏والمنافقين فرموا أهل الإسلام عن قوس واحدة كما أخبر النبي ‏‎‎‏ في حديث ثوبان: ‏‏(( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها))(33) فليس ما يجري ‏على الإسلام وأهله في كثير من بلدان العالم إلا تصديقاً لما أخبر به الصادق المصدق ‏
أحل الكفر بالإسلام ظلماً يطول به على الدين النحيب‏
فقوموا بما أوجب الله عليكم من نصرة دينكم وإخوانكم وذلك من خلال عدة أمور: ‏
الأول: التوبة النصوح من جميع الذنوب قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ‏الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(34) فإن ما أصاب أمتنا هو بما كسبت أيدينا ويعفو عن ‏كثير قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ ‏كَثِيرٍ﴾(35) فالتوبة إلى الله تعالى من أعظم أسباب رفع ظلم الظالمين وتسلط الطاغين قال ‏ابن القيم رحمه الله: ((فليس للعبد إذا بغي عليه أو أوذي أو تسلط عليه خصومه شيء ‏أنفع من التوبة النصوح)). ‏
الأمر الثاني: مجاهدة أعداء الله تعالى ومراغمتهم على اختلاف أنواعهم كل حسب ما ‏يناسبه فالكفار والمشركون جهادهم بالسيف والسنان وأما المنافقون والمشككون ‏والمرتابون فبالحجة والبرهان والعلم والبيان وأما الظالمون والعصاة فبالأمر بالمعروف ‏والنهي عن المنكر وبيان الدين وتبليغ ما في الكتاب والسنة من الأمر والنهي و الخير. ‏
الأمر الثالث: مدُ يد العون والمساعدة لكل من أوذي في سبيل الله قريباً كان أو بعيداً ‏وذلك من خلال تقديم كل ما يمكن تقديمه من دعم مادي أو معنوي لا سيما أيها ‏الإخوة ونحن في هذه البلاد لا زال كثير منا ولله الحمد يعيش في سعة من الرزق ورغد ‏من العيش فالواجب علينا أكبر من الواجب على غيرنا فمدوا بارك الله فيكم أيديكم ‏بسخاء لإخوانكم المسلمين في كل مكان واعلموا أن الصدقة تطفئ غضب الرحمن ‏وتقي مصارع السوء فإياكم والبخل فإنه من يبخل فإنما يبخل عن نفسه.‏
فإن شحت نفسك أو عدمت ما تقدمه لإخوانك فلن تعدم هداك الله لساناً بالدعاء ‏والتضرع لاهجاً ولله سائلاً أن يعز أهل دينه وأن يذل أعداءه فادعوا أيها المؤمنون ‏لإخوانكم المسلمين المظلومين في دينهم فإن دعوة المظلوم والدعوة له ليس بينها وبين ‏الله حجاب عن ابن عباس ‏‎‎‏ أن النبي ‏‎‎‏ بعث معاذاً إلى اليمن فقال: (( اتق دعوة ‏المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب))(36).‏

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:35 PM
‏(1) الكهف: 59.
‏(2) هود: 102.
‏(3) الأنبياء: 11.
‏(4)الحج: 45.
‏(5) فصلت: 46.
‏(6) الكهف: 49.
‏(7) النساء: 40.
‏(8) غافر: 31.
‏(9) أخرجه مسلم في البر والصلة برقم 2577.
‏(10) أخرجه أحمد في مسنده من حديث حذيم السعدي رضي الله عنه برقم 18487 وأخرجه البخاري في العلم ‏برقم 67 وأخرجه مسلم في الحج برقم 1679 بلفظ (فإن دماءكم ... الحديث).
‏(11) أخرجه البخاري في المظالم والمغاصب من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنه برقم 2447 بلفظ ( الظلم ‏ظلمات يوم..) وأخرجه مسلم في البر والصلة من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه برقم 2578.
‏(12) أخرجه مسلم في البر والصلة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم 2564 وأخرجه أحمد برقم ‏‏7670.
‏(13) إبراهيم: 42.
‏(14) أخرجه البخاري في تفسير القرآن من حديث أبي موسى برقم 4686 وأخرجه مسلم في البر والصلة برقم ‏‏4680.
‏(15) هود: 18.
‏(16) آل عمران: 57.
‏(17) الأنعام: 82.
‏(18) فصلت: 46.
‏(19) لقمان: 13.
‏(20) النساء: 48.
‏(21) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه بسند لا بأس به ( الصحيحة، 868).
‏(22) الأنعام: 116.
‏(23) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب برقم 2581.
‏(24) أخرجه البخاري في المظالم والمغاصب برقم 2449.
‏(25)البقرة: 229.
‏(26) النحل: 118.
‏(27) أخرجه ابن ماجه في الديات برقم 2669 وأخرجه الترمذي في كتاب الفتن برقم 2159.
‏(28) الحديد: 25.
‏(29) المائدة: 105.
‏(30) أخرجه الترمذي في الفتن برقم 2168 وأخرجه أبو داود في الملاحم برقم 4338.
‏(31) أخرجه البخاري في المظالم والمغاصب من حديث أنس رضي الله عنه برقم 2444.
‏(32) البروج: 8.
‏(33) أخرجه أبو داود في الملاحم برقم 4297.
‏(34) النور: 31.
‏(35) الشورى: 30.
‏(36) أخرجه البخاري في المظالم والغصب برقم 2448.

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:46 PM
صحيح مسلم

باب تحريم الظلم‎ ‎
‎55 - ‎‏(‏2577‏)‏ حدثنا عبيدالله بن عبدالرحمن بن بهرام الدارمي‏.‏‎ ‎حدثنا مروان ‏(‏يعني ابن محمد ‏الدمشقي‏)‏‏.‏ حدثنا سعيد بن عبدالعزيز عن ربيعة بن‏‎ ‎يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر،‎ ‎
عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه‏‎ ‎قال ‏"‏يا عبادي‏!‏ إني حرمت ‏الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما‏.‏ فلا تظالموا‏.‏‎ ‎يا عبادي‏!‏ كلكم ضال إلا من هديته‏.‏ فاستهدوني ‏أهدكم‏.‏ يا عبادي‏!‏ كلكم جائع‏‎ ‎إلا من أطعمته‏.‏ فاستطعموني أطعمكم‏.‏ يا عبادي‏!‏ كلكم عار إلا من ‏كسوته‏.‏‎ ‎فاستكسوني أكسكم‏.‏ يا عبادي‏!‏ إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب‏‎ ‎جميعا‏.‏ ‏فاستغفروني أغفر لكم‏.‏ يا عبادي‏!‏ إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني‏.‏ ولن‏‎ ‎تبلغوا نفعي فتنفعوني‏.‏ يا ‏عبادي‏!‏ لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم‏.‏ كانوا على‎ ‎أتقى قلب رجل واحد منكم‏.‏ ما زاد ذلك في ‏ملكي شيئا‏.‏ يا عبادي‏!‏ لو أن أولكم‏‎ ‎وآخركم‏.‏ وإنسكم وجنكم‏.‏ كانوا على أفجر قلب رجل واحد‏.‏ ما ‏نقص ذلك من ملكي‎ ‎شيئا‏.‏ يا عبادي‏!‏ لو أن أولكم وآخركم‏.‏ وإنسكم وجنكم‏.‏ قاموا في صعيد واحد‏‎ ‎فسألوني‏.‏ فأعطيت كل إنسان مسألته‏.‏ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا‏‎ ‎أدخل البحر‏.‏ ‏يا عبادي‏!‏ إنما هي أعمالكم أحصيها لكم‏.‏ ثم أوفيكم إياها‏.‏ فمن‏‎ ‎وجد خيرا فليحمد الله‏.‏ ومن وجد غير ‏ذلك فلا يلومن إلا نفسه‏"‏‏.‏‎ ‎
قال سعيد‏:‏ كان أبو إدريس الخولاني، إذا حدث بهذا الحديث، جثا على‎ ‎ركبتيه‏.‏‎ ‎
‏[‏ش ‏(‏إلا كما ينقص المخيط‏)‏ قال العلماء‏:‏ هذا تقريب إلى‏‎ ‎الإفهام‏.‏ ومعناه لا ينقص شيئا أصلا‏.‏ كما ‏قال في الحديث الآخر ‏"‏لا يغيضها‎ ‎نفقة‏"‏ أي لا ينقصها نفقة‏.‏ لأن ما عند الله لا يدخله نقص، وإنما ‏يدخل النقص‎ ‎المحدود الفاني‏.‏ وعطاء الله تعالى من رحمته وكرمه، وهما صفتان قديمتان لا يتطرق‏‎ ‎إليهما نقص‏.‏ فضرب المثل بالمخيط في البحر لأنه غاية ما يضرب به المثل في القلة‏.‏‎ ‎والمقصود ‏التقريب إلى الأفهام بما شاهدوه‏.‏ فإن البحر من أعظم المرئيات عيانا‏‎ ‎وأكبرها‏.‏ والإبرة من أصغر ‏الموجودات مع أنها صقيلة لا يتعلق بها ماء‏]‏‏.‏‎ ‎
‎55-‎م - ‏(‏2577‏)‏ حدثنيه أبو بكر بن إسحاق‏.‏ حدثنا أبو مسهر‏.‏‎ ‎حدثنا سعيد بن عبدالعزيز، بهذا ‏الإسناد‏.‏ غير أن مروان أتمهما حديثا‏.‏‎ ‎
‎55-‎م 2 - ‏(‏2577‏)‏ قال أبو إسحاق‏:‏ حدثنا بهذا الحديث الحسن‏‎ ‎والحسين، ابنا بشر‏.‏ ومحمد بن يحيى‏.‏ ‏قالوا‏:‏ حدثنا أبو مسهر‏.‏ فذكروا الحديث‏‎ ‎بطوله‏.‏‎ ‎
‎55-‎م 3 - ‏(‏2577‏)‏ حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن المثنى‏.‏‎ ‎كلاهما عن عبدالصمد بن ‏عبدالوارث‏.‏ حدثنا همام‏.‏ حدثنا قتادة عن أبي قلابة، عن‏‎ ‎أبي أسماء، عن أبي ذر‏.‏ قال‏:‏‎ ‎
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى‎ ‎‏"‏إني حرمت على نفسي الظلم ‏وعلى عبادي‏.‏ فلا تظالموا‏"‏‏.‏ وساق الحديث بنحوه‏.‏‎ ‎وحديث أبي إدريس الذي ذكرناه أتم من هذا‏.‏‎ ‎
‎56 - ‎‏(‏2578‏)‏ حدثنا عبدالله بن مسلمة بن قعنب‏.‏ حدثنا داود‏‎ ‎‏(‏يعني ابن قيس‏)‏ عن عبيدالله بن مقسم، ‏عن جابر بن عبدالله؛‎ ‎
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏اتقوا الظلم‏.‏ فإن الظلم‏‎ ‎ظلمات يوم القيامة‏.‏ واتقوا الشح فإن ‏الشح أهلك من كان قبلكم‏.‏ حملهم على أن‏‎ ‎سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم‏"‏‏.‏‎ ‎
‏[‏ش ‏(‏اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة‏)‏ قال القاضي‏:‏‎ ‎قيل هو على ظاهره‏.‏ فيكون ظلمات ‏على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة سبيلا حين يسعى‎ ‎نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم‏.‏ ويحتمل أن ‏الظلمات، هنا، الشدائد‏.‏ وبه‏‎ ‎فسروا قوله تعالى‏:‏ قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر، أي شدائدهما‏.‏ ‏ويحتمل‎ ‎أنها عبارة عن الأنكال والعقوبات‏.‏ ‏(‏واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم‏)‏‎ ‎قال القاضي‏:‏ ‏يحتمل أن هذا الهلاك هو الهلاك الذي أخبر عنهم به في الدنيا بأنهم‎ ‎سفكوا دماءهم‏.‏ ويحتمل أنه هلاك ‏الآخرة‏.‏ وهذا الثاني أظهر‏.‏ ويحتمل أنه أهلكهم‏‎ ‎في الدنيا والآخرة‏.‏ قال جماعة‏:‏ الشح أشد البخل وأبلغ ‏في المنع من البخل‏.‏‎ ‎وقيل‏.‏ هو البخل مع الحرص‏.‏ وقيل‏:‏ البخل في أفراد الأمور، والشح عام‏.‏ وقيل‏.‏‎ ‎الشح الحرص على ما ليس عنده، والبخل بما عنده‏]‏‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:46 PM
‎‏(‏2579‏)‏ حدثني محمد بن حاتم‏.‏ حدثنا شبابة‏.‏ حدثنا‏‎ ‎عبدالعزيز الماجشون عن عبدالله بن دينار، ‏عن ابن عمر‏.‏ قال‏:‏‎ ‎
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إن الظلم ظلمات يوم‎ ‎القيامة‏"‏‏.‏‎ ‎
‎58 - ‎‏(‏2580‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا ليث عن عقيل، عن‏‎ ‎الزهري، عن سالم، عن أبيه؛‎ ‎
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏المسلم أخو المسلم، لا‎ ‎يظلمه ولا يسلمه‏.‏ من كان في حاجة ‏أخيه، كان الله في حاجته‏.‏ ومن فرج عن مسلم‏‎ ‎كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة‏.‏ ‏ومن ستر مسلما، ستره الله يوم‎ ‎القيامة‏"‏‏.‏‎ ‎
‏[‏ش ‏(‏من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته‏)‏ أي أعانه عليها‏‎ ‎ولطف به فيها‏.‏ ‏(‏ومن فرج عن ‏مسلم كربة‏.‏‏.‏‏)‏ في هذا فضل إعانة المسلم وتفريج‏‎ ‎الكرب عنه وستر زلاته‏.‏ ويدخل في كشف الكربة ‏وتفريجها من أزالها بماله أو جاهه أو‎ ‎مساعدته‏.‏ والظاهر أنه يدخل فيه من أزالها بإشارته ورأيه ‏ودلالته‏.‏ وأما الستر‏‎ ‎المندوب إليه هنا، فالمراد به الستر على ذوي الهيآت ونحوهم، مما ليس هو ‏معروفا‎ ‎بالأذى والفساد‏.‏ فأما المعروف بذلك فيستحب أن لا يستر عليه‏.‏ بل ترفع قضيته إلى‏‎ ‎ولي ‏الأمر، إن لم يخف من ذلك مفسدة‏.‏ لأن الستر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد‏‎ ‎وانتهاك الحرمات ‏وجسارة غيره على مثل فعله‏.‏ هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت‏.‏‎ ‎أما معصية رآه عليها وهو، ‏بعد، متلبس بها فتجب المبادرة بإنكارها عليه ومنعه منها‎ ‎على من قدر على ذلك‏.‏ ولا يحل تأخيرها‏.‏ ‏فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي الأمر، إذا‎ ‎لم تترتب على ذلك مفسدة‏]‏‏.‏‎ ‎
‎59 - ‎‏(‏2581‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا‏‎ ‎إسماعيل ‏(‏وهو ابن جعفر‏)‏ عن ‏العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة؛‎ ‎
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏أتدرون ما المفلس‏؟‏‏"‏‎ ‎قالوا‏:‏ المفلس فينا من لا درهم له ولا ‏متاع‏.‏ فقال ‏"‏إن المفلس من أمتي، يأتي‎ ‎يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف ‏هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم‎ ‎هذا، وضرب هذا‏.‏ فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته‏.‏ فإن فنيت ‏حسناته، قبل أن‎ ‎يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه‏.‏ ثم طرح في النار‏"‏‏.‏‎ ‎
‏[‏ش ‏(‏إن المفلس من أمتي‏)‏ معناه أن هذا حقيقة المفلس‏.‏ أما من‏‎ ‎ليس له مال، ومن قل ماله، فالناس ‏يسمونه مفلسا، وليس هو حقيقة المفلس‏.‏ لأن هذا‏‎ ‎الأمر يزول وينقطع بموته‏.‏ وربما ينقطع بيسار ‏يحصل له بعد ذلك في حياته‏.‏ وإنما‏‎ ‎حقيقة المفلس هذا المذكور في الحديث فهو الهالك الهلاك التام ‏والمعدوم الإعدام‎ ‎المقطع‏.‏ فتؤخذ حسناته لغرمائه‏.‏ فإذا فرغت حسناته أخذ من سيئاتهم فوضع عليه، ‏ثم‎ ‎ألقي في النار، فتمت خسارته وهلاكه وإفلاسه‏]‏‏.‏‎ ‎
‎60 - ‎‏(‏2582‏)‏ حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر‏.‏ قالوا‏:‏‎ ‎حدثنا إسماعيل ‏(‏يعنون ابن جعفر‏)‏ عن ‏العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة؛‎ ‎
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم‎ ‎القيامة‏.‏ حتى يقاد للشاة الجلحاء ‏من الشاة القرناء‏"‏‏.‏‎ ‎
‏[‏ش ‏(‏لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة‏)‏ هذا تصريح بحشر‏‎ ‎البهائم يوم القيامة وإعادتها يوم القيامة ‏كما يعاد أهل التكليف من الآدميين‏.‏‎ ‎وكما يعاد الأطفال والمجانين ومن لم تبلغه دعوة‏.‏ وعلى هذا ‏تظاهرت دلائل القرآن‎ ‎والسنة‏.‏ قال الله تعالى‏:‏ وإذا الوحوش حشرت‏.‏ وإذا ورد لفظ الشرع، ولم يمنع ‏من‎ ‎إجرائه على ظاهره عقل ولا شرع، وجب حمله على ظاهره‏.‏ قال العلماء‏:‏ وليس من شرط‏‎ ‎الحشر والإعادة في القيامة، المجازاة والعقاب والثواب‏.‏ وأما القصاص من القرناء‏‎ ‎والجلحاء فليس ‏هو من قصاص التكليف‏:‏ إذ لا تكليف عليها‏.‏ بل هو قصاص مقابلة‏.‏‎ ‎والجلحاء هي الجماء التي لا ‏قرن لها‏]‏‏.‏‎ ‎
‎61 - ‎‏(‏2583‏)‏ حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير‏.‏ حدثنا أبو‏‎ ‎معاوية‏.‏ حدثنا بريد بن أبي بردة عن أبيه، ‏عن أبي موسى‏.‏ قال‏:‏‎ ‎
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏إن الله عز وجل يملي للظالم‏.‏‎ ‎فإذا أخذه لم يفلته‏"‏‏.‏ ثم قرأ‏:‏‎ ‎وكذلك ‏أخذ ربك إذا أخذ‎ ‎القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد‏.‏ ‏[‏11 /هود /10‏‎2‎‏]‏‎ ‎
‏[‏ش ‏(‏يملي للظالم‏)‏ معنى يملي يمهل ويؤخر ويطيل له في المدة‏.‏‎ ‎وهو مشتق من الملوة، وهي المدة ‏والزمان، بضم الميم وفتحها وكسرها‏.‏ ‏(‏لم يفلته‏)‏‎ ‎أي لم يطلقه ولم ينفلت منه‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ يقال أفلته ‏أطلقه‏.‏ وانفلت تخلص‏‎ ‎منه‏]‏‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:47 PM
اتقـوا الظلـم

الدكتور. عبد الرحمن إبراهيم فودة
أستاذ الأدب المقارن بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة


بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم وبعد ...
أيها المستمع الكريم ... سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وأهلاً ومرحبًا ‏بكم فى حلقة جديدة من برنامج "قبس من نور النبوة"

روى مسلم (1) عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم قال:
‏"اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك ‏من كان قبلكم. حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم".
مسمتعىَّ الكرام
يبين لنا هذا الحديث الشريف عاقبة الظلم ومصيرَ الظالمين، ذلك المصير ‏المشئوم لأنه يكون يوم القيامة ظلامًا حالكًا يحل بصاحبه فلا يرى طريقه ‏ولا يعرف إلى أين يمضى أو كيف يسير ؟

بهذا التعبير الموجز عن مصير الظالمين ينفر النبىُّ صلى الله عليه وسلم ‏من الظلم بجميع أشكاله وألوانه، ويُحذر من عاقبته التى هى أسوأ عاقبة ‏‏(وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون) [الشعراء 227] وليس هذا ‏فحسب، بل إن الظالم سينتقم الله تعالى منه فى الدنيا قبل الآخرة، فإذا ‏تأخر عنه العذاب، فليس هذا إهمالاً من الله، بل إنه زيادة فى عذاب هذا ‏الظالم

واستدراج له، وفى ذلك يقول صلى الله عليه وسلم : "إن الله تعالى يُملى ‏للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وتلا قوله تعالى (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ ‏القرى وهى ظالمة إن أخذه أليم شديد)" [هود 102].

وأقبح أنواع الظلم وأبشعُه صورةً أن يظلم المرء قريبَه أو صديقَه أو من يجبُ ‏الإحسانُ إليه والعطفُ عليه، ولقد صدق القائل:
وظلمُ ذوى القربى أشدُّ مضاضةً على النفس من وقع الحُساَم المهنَّد

وفى الحديث تحذير من مرض اجتماعى فتاك، ألا وهو الشحُّ والبخل. ‏البخل يكون بالمال، أما الشح فيكون بالمال وبعمل الخير، فهو أعم.
والمعنى: اتقوا شدة البخل الذى يُعِّرضُ المجتمع للهلاك لأن المجتمع ‏المسلم هو مجتمعُ التكافل والتضامن والتعاون على البر والتقوى بين ‏أفراده، إذ يعود غنيُهم بما آتاه الله من مالٍ على فقيرهم، فيتحققُ الوئامُ ‏وتفشو المحبةُ بين الناس. أما إذا فشا فيهم البخل، عمَّت العداوة والبغضاء ‏وأَكَلَ الحسدُ والحقدُ قلوب الفقراء على الأغنياء، ولذا كان البخل سبباً فى ‏هلاك السابقين، حيث دفعهم ـ وتأمل معى لفظة دفعهم ـ فترى صورة ‏إنسانٍ يدفعُ آخرَ لحتفه، دفعهم إلى سفك الدماء، وقتل النفوس، ‏واستحلال المحارم التى حرمها الله عز وجل.

فما أقبح الظلمَ وما أشنعَ البخلَ والشح من جريمةٍ عاقبتها وخيمة تسبب ‏الشقاء والخسران المبين، وتعجِّل بخراب المجتمعات.

ومن هنا ندرك قيمة دعاء النبى صلى الله عليه وسلم حين يتعوذ بالله ‏تعالى من أن يَظْلم أو يُظلم وحين يتعوذُ بالله عز وجل من الجبن والبخل .. ‏جعلنا الله تعالى من أهل العدل وجنّبنا البخل والشح إنه ولى ذلك والقادر ‏عليه.

تأمل معى أخى المستمع قول النبى صلى الله عليه وسلم "اتقوا الظلم" ‏الذى يشبّه الظلَم بمن يريد أن يقتحم عليك حياتك أو يهجم عليك ليفتك ‏بك، فيأمرك صلى الله عليه وسلم بالحذر منه والابتعاد عنه، والظلم هو ‏التصرف فى حق الغير بغير حق أو هو مجاوزة الحد. وهو يشتمل على ‏معصيتين:
الأولى : أخذ حق الغير بدون حق.
الثانية : مبارزة الله تعالى بالمخالفة والمعصية
وغالباً ما يقع الظلم بالضعفاء غير القادرين على الانتصار لأنفسهم، وإنما ‏ينشأ الظلم من ظلمة القلب، فلو استنار القلب اعتبر.

ولقد ترتب على نتيجة الظلم فى الدنيا أن يكون ظلماتٍ يومَ القيامة، وكأن ‏فى إيثار الجمع (ظلمات) بدلاً من (ظلام أو ظلمة) إشارةً إلى تعدد ألوان ‏الظلم الحادث من البشر، فهذا يظلم نفسه، وهذا يظلم زوجه، وثالث يظلم ‏أبناءه وغيرهم، ويترقى بعضهم إلى أعلى أنواع الظلم وهو الشرك بالله عز ‏وجل (إن الشرك لظلم عظيم) [لقمان 13].

لذا آثر الحديث لفظة (ظلمات) أى شدة الظلام بحيث لا يرى المرء ما يحيط ‏به، وكأن الظلم حاجز عن رؤية الأشياء، وقد طمس على قلب الظالم فلا ‏يرى شيئاً بل هى ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها، ‏ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.

هذا ... والله تعالى ولى التوفيق
وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته

‏-------------------
‏(1) فى كتاب البر والصلة والآداب. باب تحريم الظلم رقم 2578.‏

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:48 PM
دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب‏.‏‎ ‎

رواه الشيخان وأحمد والترمذي واللفظ له عن ابن عباس بلفظ أن رسول‎ ‎الله صلى الله عليه وسلم ‏بعث معاذا إلى اليمن، فقال اتق دعوة المظلوم فإنه ليس‎ ‎بينها وبين الله حجاب،‎ ‎
ورواه أحمد عن أبي هريرة بسند حسن بلفظ دعوة المظلوم مستجابة، وإن‎ ‎كان فاجرا، ففجوره على ‏نفسه،‎ ‎
ورواه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في‎ ‎صحيحيهما عن أبي هريرة ‏بلفظ ثلاثة لا ترد دعوتهم‏:‏ الصائم حتى يفطر، والإمام‎ ‎العادل، ودعوة المظلوم‏:‏ يرفعها الله فوق ‏الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول‎ ‎الرب عز وجل وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين،‎ ‎
وورد بلفظ آخر‏:‏ منها ما رواه الترمذي بسند حسن ثلاث دعوات لا شك‏‎ ‎في إجابتهن‏:‏ دعوة المظلوم، ‏ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده، ومنها ما أخرجه‏‎ ‎أبو داود بتقديم وتأخير، ورواه الطبراني ‏بسند صحيح عن عقبة بن عامر ثلاث تستجاب‎ ‎دعوتهم‏:‏ الوالد والمسافر والمظلوم، وفي الباب ما ‏تقدم في‏:‏ اتقوا دعوة‏‎ ‎المظلوم‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:48 PM
دعاء المظلوم

اللهم إنا ندعوك دعوة المظلوم ودعوة المظلوم ليس بينها وبينك حجاب ، اللهم اكفنا من ظلمنا بما شئت وكيفما ‏شئت ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكل شئ عنده بمقدار.‏
‎‎‏ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏‎‎‏ ‏
‎‎أَلَيْسَ اللّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوّفُونَكَ بِالّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ‎‎‏ ‏
‎‎إِنّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ‎‎‏ ‏
‎‎‏ إِنّ اللّهَ يُدَافِعُ عَنِ الّذِينَ آمَنُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ خَوّانٍ كَفُورٍ* أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنّ اللّهَ عَلَىَ ‏نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ‎‎‏ . ‏

‎‎‏ الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * ‏فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوَءٌ وَاتّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنّمَا ذَلِكُمُ الشّيْطَانُ ‏يُخَوّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مّؤْمِنِينَ‎‎‏ [آل عمران :173-175]‏

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:49 PM
‎1- ‎الأساس هو دفع الظلم بجميع الوسائل المشروعة أفرادا وجماعات حتى لا يتفشى فى‎ ‎المجتمع ، والأخذ ‏على يد الظالم حتى لا يتمادى فى ظلمه‎.

‎2- ‎الأمر بالمعروف‎ ‎والنهى عن المنكر واجب على كل مسلم، وإن تُرِك استحققنا عقوبة المولى عز وجل ‏ظالمين‎ ‎ومظلومين‎.
‎( ‎وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة، إن أخذه أليم شديد)، 102‏‎/ ‎هود‎

‎3- ‎الشريعة جاءت للحفاظ على الكليات الخمس للمسلم‎:
الدين - النفس‏‎ - ‎العرض - العقل - المال‏‎

‎4- ‎إذا كان الظلم من عدو للإسلام استباح الدين‎ ‎والعرض وديار المسلمين، فيجب دفعه بكل الوسائل رجالا ‏وشيوخا ونساء‎.

‎5- ‎إذا‎ ‎كان الظلم من طائفة مسلمة أو أخ مسلم، فلنسمع كلام الله‎:
‎( ‎وإن طائفتان من‎ ‎المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت احداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى‎ ‎تفىء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين‎. ‎إنما المؤمنون إخوة ‏فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون)، 9، 10/ الحجرات‎

‎6- ‎إذا لم يجد المظلوم من يعينه على دفع ظلم أخيه ( المسلم وليس الكافر‎) ‎امتثالا لقول النبى صلى الله عليه ‏وسلم: ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما)، فله الخيار‎:
أ- وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به‏‎.
ب- ولئن صبرتم لهو خير‏‎ ‎للصابرين‎. ‎واصبر وما صبرك إلا بالله، ولا تحزن عليهم ولا تك فى ضيق مما ‏يمكرون‎. ‎‏إن الله مع‎ ‎الذين اتقوا والذين هم محسنون‎.
ج- ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى‏‎ ‎بينك وبينه‎ ‎عداوة كأنه ولىُّ حميم. وما يُلقَّاها إلا الذين صبروا وما يُلقَّاها‎ ‎إلا ‏ذو حظ‎ ‎عظيم. وإما ينزغنك من الشيكان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم‎.
د- ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يُؤتوا أولى القربى والمساكين‏‎ ‎والمهاجرين فى‎ ‎سبيل الله وليعفوا ‏‏وليصفحوا ، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ، والله‎ ‎غفور‎ ‎رحيم‎.

والعفو والإحسان يكونان عن قدرة وليس عن ضعف وخنوع واستسلام‎.

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:49 PM
أما عن جواب سؤالك عن الدعاء الذى يقال عند الظلم‎:

‎1- ‎دعوة‎ ‎المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب‏.‏‎ ‎
رواه الشيخان وأحمد والترمذي واللفظ له‎ ‎عن ابن عباس بلفظ أن رسول‎ ‎الله صلى الله عليه وسلم ‏بعث معاذا ‏إلى اليمن، فقال‎ ‎اتق دعوة المظلوم فإنه ليس‏‎ ‎بينها وبين الله حجاب،‎ ‎
ورواه أحمد عن أبي‎ ‎هريرة بسند حسن بلفظ دعوة المظلوم مستجابة، وإن‎ ‎كان فاجرا، ففجوره على ‏نفسه،‎ ‎
ورواه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في‎ ‎صحيحيهما عن‎ ‎أبي هريرة ‏بلفظ ثلاثة ‏لا ترد دعوتهم‏:‏ الصائم حتى يفطر، والإمام‏‎ ‎العادل، ودعوة‎ ‎المظلوم‏:‏ يرفعها الله فوق ‏الغمام وتفتح لها أبواب ‏السماء، ويقول‎ ‎الرب عز وجل‎ ‎وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين،‎ ‎
وورد بلفظ آخر‏:‏ منها ما رواه الترمذي بسند حسن‏‎ ‎ثلاث دعوات لا شك‏‎ ‎في إجابتهن‏:‏ دعوة المظلوم، ‏ودعوة ‏المسافر، ودعوة الوالد على‎ ‎ولده، ومنها ما أخرجه‏‎ ‎أبو داود بتقديم وتأخير، ورواه الطبراني ‏بسند صحيح ‏عن عقبة‎ ‎بن عامر ثلاث تستجاب‎ ‎دعوتهم‏:‏ الوالد والمسافر والمظلوم، وفي الباب ما ‏تقدم‎ ‎في‏:‏ اتقوا دعوة‏‎ ‎‎المظلوم‏.‏‎ ‎

‎2- ‎لم يرد دعاء مخصوص للمظلوم ، فلتدعوا‎ ‎بما تشاء، قال تعالى‎:
‎( ‎لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلِم)، 148‏‎/ ‎النساء‎

‎3- ‎وردت أدعية عن بعض الشيوخ، نذكر منها‎:

اللهم إنا ندعوك‎ ‎دعوة المظلوم ودعوة المظلوم ليس بينها وبينك حجاب ، اللهم اكفنا من ظلمنا بما شئت‎ ‎وكيفما ‏شئت ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وكل شئ عنده بمقدار.‏‎

‎‏ ‏‎‎‏ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏‎‎

‎أَلَيْسَ اللّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوّفُونَكَ بِالّذِينَ مِن‎‎ ‎‏ ‏‎‎دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ‎
‎إِنّا‎‎ ‎‏ ‏‎‎كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ‎

‎‏ إِنّ اللّهَ يُدَافِعُ عَنِ‎‎ ‎الّذِينَ آمَنُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ خَوّانٍ كَفُورٍ* أُذِنَ لِلّذِينَ‎ ‎‏‎‎يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنّ اللّهَ ‏عَلَىَ ‏نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ‎ . ‎‏‎

‎‏ الّذِينَ قَالَ لَهُمُ النّاسُ إِنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُواْ‏‎‎ ‎لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ‎ ‎حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ‎ * ‎‏فَانْقَلَبُواْ‎ ‎بِنِعْمَةٍ مّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوَءٌ وَاتّبَعُواْ رِضْوَانَ‎ ‎اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنّمَا ذَلِكُمُ ‏الشّيْطَانُ ‏يُخَوّفُ‎ ‎‏ [آل‎‎أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مّؤْمِنِينَ‏‎ ‎عمران :173-175]‏‎


والله أعلم