المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل كانت حادثةالإسراء والمعراج للرسول بالروح فقط أم ‏بالروح والجسد معا؟



أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:51 PM
الشيخ عطية صقر‎ ‎

بسم الله ،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد:

فالإسراء والمعراج كان بالروح والجسد ، وهذا مكمن كونه معجزة ، وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء ‏والمحدثين والمتكلمين ، والأدلة عليه كثيرة .

يقول فضيلة الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر:

اختلف العلماء في الإسراء والمعراج : هل كان بروح النبي -صلى الله عليه وسلم- ‏وجسده أو كان بروحه فقط؟
والصحيح أنه كان بالروح والجسد معاً ، كما ذهب إليه جمهور العلماء من المحدثين ‏والفقهاء والمتكلمين وذلك لما يأتي :
‏1 - أن الله -تعالى- قال: { أسرى بعبده } ولفظ العبد لا يطلق في اللغة على الروح فقط، ‏بل على الإنسان كله: روحه وجسده، كما جاء ذلك في مواضع كثيرة من القرآن الكريم ‏مثل قوله تعالى { أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى } [ العلق: 9 ، 10 ] وقوله { وأنه لما ‏قام عبد الله يدعوه } [ الجن: 19 ] .
‏2 - أن الإسراء بالروح فقط ليس أمرًا خارقًا للعادة، بل هو أمر عادي يحصل للناس في ‏فترة النوم حيث تكون للروح جولات بعيدة في الكرة الأرضية تقضيها بوسائل غير عادية ‏في مدة لا تحسب بالزمن العادي لحركة الجسم، ولو كان كذلك فلا داعي لأن يجعله الله ‏تكريمًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- ويصدّر الخبر بقوله { سبحان } وما فيه من معنى ‏العظمة والجلال الذي يقرن دائمًا بكل أمر عظيم .
‏3 - أن الله -تعالى- قال { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } [ الإسراء: 60 ] ‏أي امتحانًا واختبارًا لهم كيف يصدقونها، وذلك لا يكون إلا إذا تمت الرحلة بالجسد ‏والروح معاً، فليس في إسراء الروح فقط فتنة ولا غرابة، ولذلك حين سمع المشركون ‏خبرها كذبوا أن تتم في ليلة مع أنهم يقطعون هذه المسافة على ظهور الإبل في أيام عدة.
‏4 - أن الإسراء بالروح والجسد معًا هو فعل الله - سبحانه - وليس فعل سيدنا محمد - ‏صلى الله عليه وسلم - والعقل لا يحيل ذلك على قدرة الله، فهو على كل شيء قدير، وليس ‏هناك ما يمنع قبول الخبر الموثوق به في حصوله بالروح والجسد معًا .
هذا ومن قال: إن هذه الرحلة كانت بالروح فقط - استند إلى قوله تعالى { وما جعلنا الرؤيا ‏التي أريناك إلا فتنة للناس } [ الإسراء: 60 ] حيث قال : إن الرؤيا مصدر "رأى" ‏الحُلْمية لا البصرية، فإن مصدر " رأي " البصرية هو رؤية. لكن أجيب على ذلك بأن ‏الرؤيا والرؤية مصدران لرأى البصرية مثل: قُرْبى وقُرْبة، قال المتنبي وهو من كبار ‏الشعراء:

‏* ورؤياك أحلى في الجفون من الغمض *
وإن كان ابن مالك وغيره خطؤوه في ذلك، لكن ليس كلامهم حجة حتى لو كان كلام ‏المتنبي غير حجة. وقال ابن عباس في تفسير الآية : إنها رؤية عين، كما رواه البخاري .
كما استدل القائل بأن الإسراء كان بالروح فقط بقول عائشة رضي الله عنها:

ما فُقد جسده الشريف ، لكن رد هذا بما يأتي :
‏1 - أن هذا الحديث ليس ثابتًا عنها؛ لأن سنده فيه انقطاع وراوٍ مجهول، وقال ابن دحية: ‏إنه موضوع.
‏2 - أنها لم تُحدّث به عن مشاهدة، بل عن سماع؛ لأنها لم تكن قد تزوجته إذ ذاك، بل لم ‏تكن ولدت على الخلاف في زمن الإسراء متى كان .

‏3 - أنها كانت تقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ير ربه رؤية عين؛ وذلك ‏لاعتقادها أن الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد معًا، ولو كان ذلك منامًا أي بالروح ‏فقط لم تنكره، وما دام الحديث المنسوب إلى عائشة غير صحيح فلا داعي للتحايل في ‏تفسيره بقول بعضهم: إن معنى: ما فقد جسده الشريف، ما تركت الروح جسده الشريف ‏والمهم أن الإسراء قد تم، وقد أخبر الله عنه في القرآن الكريم، وهذا هو القدر الواجب ‏اعتقاده، أما أن يكون على كيفية كذا أو كذا فذلك ما لا يتحتم اعتقاده، ولكل أن يختار ما ‏يشاء، مع اعتقاد أن الله على كل شيء قدير، وأن رؤيا الأنبياء حق باتفاق العلماء، ولا ‏داعي للخلاف في هذه النقطة، ومن أراد الاستزادة من المعرفة فليرجع إلى كتاب " ‏المواهب اللدنية " للقسطلاني في المقصد الخامس الخاص بالإسراء والمعراج مع شرح ‏الزرقاني (ج 6 ص 3 وما بعدها ) .

والله أعلم ‏

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:52 PM
خواطر الشيخ الشعراوى:‏

وقوله: (أسرى) من السري، وهو السير ليلاً، وفي الحكم: (عند الصباح يحمد القوم السري). فالحق سبحانه ‏أسرى بعبد، فالفعل لله تعالى، وليس لمحمد صلى الله عليه وسلم فلا تقس الفعل بمقياس البشر، ونزه فعل الله ‏عن فعلك، وقد استقبل أهل مكة هذا الحدث استقبال المكذب. فقالوا: كيف هذا ونحن نضرب إليها أكباد الإبل ‏شهراً، وهم كاذبون في قولهم؛ لأن رسول الله لم يدع أنه سرى بل قال: أسرى بي. ومعلوم أن قطع المسافات ‏يأخذ من الزمن على قدر عكس القوة المتمثلة في السرعة. أي: أن الزمن يتناسب عكسياً مع القوة، فلو أردنا ‏مثلاً الذهاب إلى الإسكندرية سيختلف الزمن لو سرنا على الأقدام عنه إذا ركبنا سيارة أو طائرة، فكلما زادت ‏القوة قل الزمن، فما بالك لو نسب الفعل والسرعة إلى الله تعالى، إذا كان الفعل من الله فلا زمن. فإن قال ‏قائل: مادام الفعل مع الله لا يحتاج إلى زمن، لماذا لم يأت الإسراء لمحة فحسب، ولماذا استغرق ليلة؟ نقول: ‏لأن هناك فرقاً بين قطع المسافات بقانون الله سبحانه وبين مراء عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم في ‏الطريق، فرأى مواقف، وتكلم مع أشخاص، ورأى آيات وعجائب، هذه هي التي استغرقت الزمن. وقلنا: إنك ‏حين تنسب الفعل إلى فاعله يجب أن تعطيه من الزمن على قدر قوة الفاعل. هب أن قائلاً قال لك: أنا صعدت ‏بابني الرضيع قمة جبل "إفرست"، هل تقول له: كيف صعد ابنك الرضيع قمة "إفرست"؟ هذا سؤال إذن في ‏غير محله، وكذلك في مسألة الإسراء والمعراج يقول تعالى: أنا أسريت بعبدي، فمن أراد أن يحيل المسألة ‏وينكرها، فليعترض على الله صاحب الفعل لا على محمد. لكن كيف فاتت هذه القضية على كفار مكة؟ ومن ‏تكذيب كفار مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج نأخذ رداً جميلاً على هؤلاء ‏الذين يخوضون في هذا الحادث بعقول ضيقة وبإيمانية سطحية في عصرنا الحاضر، فيطالعونا بأفكار سقيمة ‏ما أنزل الله بها من سلطان. ونسمع منهم من يقول: إن الإسراء كان مناماً، أو كان بالروح دون الجسد. ونقول ‏لهؤلاء: لو قال محمد لقومه: أنا رأيت في الرؤيا بيت المقدس، هل كانوا يكذبون؟ ولو قال لهم: لقد سبحت ‏روحي الليلة حتى أتت بيت المقدس، أكانوا يكذبونه؟ أتكذب الرؤى أو حركة الأرواح؟! إذن: في إنكار الكفار ‏على رسول الله وتكذيبهم له دليل على أن الإسراء كان حقيقة تمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بروحه ‏وجسده، وكأن الحق سبحانه ادخر الموقف التكذيبي لمكذبي الأمس، ليرد به على مكذبي اليوم. وقوله سبحانه: ‏‏{بعبده .. "1" } (سورة الإسراء) العبد كلمة تطلق على الروح والجسد معاً، هذا مدلولها، لا يمكن أن تطلق ‏على الروح فقط. لكن، لماذا اختار الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم هذه الصفة بالذات؟ نقول: لأن ‏الله تعالى جعل في الكون قانوناً عاماً للناس، وقد يخرق هذا القانون أو الناموس العام ليكون معجزة للخاصة ‏الذين ميزهم الله عن سائر الخلق، فكأن كلمة (عبده) هي حيثية الإسراء. أي: أسرى به؛ لأنه صادق العبودية ‏لله، ومادام هو عبده فقد أخلص في عبوديته لربه، فاستحق أن يكون له ميزة وخصوصية عن غيره، فالإسراء ‏والمعراج عطاء من الله استحقه رسوله بما حقق من عبودية لله. وفرق بين العبودية لله والعبودية للبشر، ‏فالعبودية لله عز وشرف يأخذ بها العبد خير سيده، وقال الشاعر: ومما زادني شرفاً وعزاً وكدت بأخصمي ‏أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً أما عبودية البشر للبشر فنقص ومذلة ‏وهوان، حيث يأخذ السيد خير عبده، ويحرمه ثمره كده. لذلك، فالمتتبع لآيات القرآن يجد أن العبودية لا تأتي ‏إلا في المواقف العظيمة مثل: {سبحان الذي أسرى بعبده .. "1"} (سورة الإسراء) ‏
وقوله: {وإنه لما قام عبد الله يدعوه .. "19" } (سورة الجن) ‏
ويكفيك عزاً وكرامة أنك إذا أردت مقابلة سيدك أن يكون الأمر في يدك، فما عليك إلا أن تتوضأ وتنوي ‏المقابلة قائلاً: الله اكبر، فتكون في معية الله عز وجل في لقاء تحدد أنت مكانه وموعده ومدته، وتختار أنت ‏موضوع المقابلة، وتظل في حضرة ربك إلى أن تنهي المقابلة متى أردت. وما احسن ما قال الشاعر: حسب ‏نفسي عزاً بأني عبد يحتفي بي بلا مواعيد رب هو في قدسه الأعز ولكني أنا ألقي متى وأين احب فما بالك لو ‏حاولت لقاء عظيم من عظماء الدنيا؟ وكم أنت ملاق من المشقة والعنت؟ وكم دونه من الحجاب والحراس؟ ثم ‏بعد ذلك ليس لك أن تختار لا الزمان ولا المكان، ولا الموضوع ولا غيره. وقد كان الرسول صلى الله عليه ‏وسلم وهو المتخلق بأخلاق الله إذا سلم على أحد لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده. ‏وقوله: {ليلاً .. "1" } (سورة الإسراء)

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:52 PM
سبق أن قلنا: إن السري هو السير ليلاً، فكانت هذه كافية للدلالة على وقوع الحدث ليلاً، ولكن الحق سبحانه ‏أراد أن يؤكد ذلك، فقد يقول قائل: لماذا لم يحدث الإسراء نهاراً؟ نقول: حدث الإسراء ليلاً، لتظل المعجزة ‏غيباً يؤمن به من يصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو ذهب في النهار لرآه الناس في الطريق ذهاباً ‏وعودة، فتكون المسألة ـ إذن ـ حسية مشاهدة لا مجال فيها للإيمان بالغيب. لذلك لما سمع أبو جهل خبر ‏الإسراء طار به إلى المسجد وقال: إن صاحبكم يزعم أنه أسرى به الليلة من مكة إلى بيت المقدس، فمنهم من ‏قلب كفيه تعجباً، ومنهم من أنكر، ومنهم من ارتد. أما الصديق أبو بكر فقد استقبل الخبر استقبال المؤمن ‏المصدق، ومن هذا الموقف سمي الصديق، وقال قولته المشهورة: "إن كان قال فقد صدق". إذن: عمدته أن ‏يقول رسول الله، وطالما قال فهو صادق، هذه قضية مسلم بها عند الصديق رضي الله عنه. ثم قال: "إنا ‏لنصدقه في أبعد من هذا، نصدقه في خبر السماء (الوحي)، فكيف لا نصدقه في هذا"؟ إذن: الحق سبحانه جعل ‏هذا الحادث محكاً للإيمان، وممحصاً ليقين الناس، حين يغربل من حول رسول الله، ولا يبقى معه إلا أصحاب ‏الإيمان واليقين الثابت الذي لا يهتز ولا يتزعزع. لذلك قال تعالى في آية أخرى: {وما جعلنا الرؤيا التي ‏أريناك إلا فتنة للناس .. "60" } (سورة الإسراء) وهذا دليل آخر على أن الإسراء لم يكن مناماً، فالإسراء لا ‏يكون فتنة واختباراً إلا إذا كان حقيقة لا مناماً، فالمنام لا يكذبه أحد ولا يختلف فيه الناس. لكن لماذا قال عن ‏الإسراء (رؤيا) يعني المنامية، ولم يقل "رؤية" يعني البصرية؟ قالوا: لأنها لما كانت عجيبة من العجائب ‏صارت كأنها رؤيا منامية، فالرؤيا محل الأحداث العجيبة. وورد في الإسراء أحاديث كثيرة تكلم فيها العلماء: ‏أكان بالروح والجسد؟ أكان يقظة أم مناماً؟ أكان من المسجد الحرام أم من بيت أم هانئ؟ ونحن لا نختلف مع ‏هذه الآراء، ونوضح ما فيها من تقارب. فمن حيث: أكان الإسراء بالروح فقط أم بالروح والجسد؟ فقد ‏أوضحنا وجه الصواب فيه، وأنه كان بالروح والجسد جميعاً، فهذا مجال الإعجاز، ولو كان بالروح فقط ما ‏كان عجيباً، وما كذبه كفار مكة. أما من ذهب إلى أن الإسراء كان رؤيا منام، فيجب أن نلاحظ أن أول الوحي ‏لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان الرؤيا الصادقة، فكان صلى الله عليه وسلم لا يرى رؤيا إلا وجاءت ‏كفلق الصبح، فرؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ليست كرؤيانا، بل هي صدق لابد أن يتحقق. ومثال ذلك ما ‏حدث، من إرادة الله له رؤيا الفتح. قال تعالى: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن ‏شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون .. "27" } (سورة الفتح) وقد أخبر صلى الله عليه وسلم ‏صحابته هذا الخبر، فلما ردهم الكفار عند الحديبية، فقال الصحابة لرسول الله: ألم تبشرنا بدخول المسجد ‏الحرام؟ فقال: ولكن لم أقل هذا العام. لذلك يسمون هذه الرؤى رؤى الإيناس، وهي أن يرى النبي صلى الله ‏عليه وسلم الشيء مناماً، حتى إذا ما تحقق لم يفاجأ به، وكان له أنس به. ومادام لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق ‏الصبح فلابد أن هذه الرؤيا ستأتي واقعاً وحقيقة، وقد يرى هذه الرؤيا مرة أخرى على سبيل التذكرة بذلك ‏الإيناس. إذن: من قال: إن الإسراء كان مناماً نقول له: نعم كان رؤيا إيناس تحققت في الواقع، فلدينا رؤى ‏الإيناس أولاً، ورؤى التذكير بالنعمة ثانياً، وواقع الحادث في الحقيقة ثالثاً، وبذلك نخرج من الخلاف حول: ‏أكان الإسراء يقظة أم مناماً؟ وحتى بعد انتهاء حادث الإسراء كانت الرؤيا الصادقة نوعاً من التسلية لرسول ‏الله صلى الله عليه وسلم، فكان كلما اشتدت به الأهوال يريه الله تعالى ما حدث له ليبين له حفاوة السماء ‏والكون به صلى الله عليه وسلم؛ ليكون جلداً يتحمل ما يلاقي من التعنت والإيذاء. أما من قال: إن الإسراء ‏كان من بيت أم هانئ، فهذا أيضاً ليس محلاً للخلاف؛ لأن بيت أم هانئ كان ملاصقاً للمطاف من المسجد ‏الحرام، والمطاف من المسجد. إذن: لا داعي لإثارة الشكوك والخلافات حول هذه المعجزة؛ لأن الفعل فعل ‏الحق سبحانه وتعالى، والذي يحكيه لنا هو الحق سبحانه وتعالى، فلا مجال للخلاف فيه. وقوله تعالى: {من ‏المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى .. "1" } (سورة الإسراء) المسجد الحرام هو بيت الله: الكعبة المشرفة، ‏وسمي حراماً؛ لأنه حرم فيه ما لم يحرم في غيره من المساجد. وكل مكان يخصص لعبادة الله نسميه مسجداً، ‏قال تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر .. "18" } (سورة التوبة

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:53 PM
تفسير القرطبى:‏

‏. واختلفوا في تاريخ الإسراء وهيئة الصلاة، وهل كان إسراء بروحه أو جسده؛ فهذه ثلاث مسائل ‏تتعلق بالآية، وهي مما ينبغي الوقوف عليها والبحث عنها، وهي أهم من سرد تلك الأحاديث، وأنا ‏أذكر ما وقفت عليه فيها من أقاويل العلماء واختلاف الفقهاء بعون الله تعالى. ‏
‏ فأما المسألة الأولى: وهي هل كان إسراء بروحه أو جسده؛ اختلف في ذلك السلف والخلف، ‏فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح، ولم يفارق شخصه مضجعه، وأنها كانت رؤيا رأى فيها ‏الحقائق، ورؤيا الأنبياء حق. ذهب إلى هذا معاوية وعائشة، وحكي عن الحسن وابن إسحاق. ‏وقالت طائفة: كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح؛ واحتجوا بقوله ‏تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى" فجعل المسجد ‏الأقصى غاية الإسراء. قالوا: ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى لذكره، فإنه ‏كان يكون أبلغ في المدح. وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه كان إسراء بالجسد وفي اليقظة، ‏وأنه ركب البراق بمكة، ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه ثم أسري بجسده. وعلى هذا تدل ‏الأخبار التي أشرنا إليها والآية. وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة، ولا يعدل عن ‏الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة، ولو كان مناما لقال بروح عبده ولم يقل بعبده. ‏وقوله "ما زاغ البصر وما طغى" [النجم: 17] يدل على ذلك. ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا ‏معجزة، ولما قالت له أم هانئ: لا تحدث الناس فيكذبوك، والأفضل أبو بكر بالتصديق، ولما أمكن ‏قريشا التشنيع والتكذيب، وقد كذبه قريش فيما أخبر به حتى ارتد أقوام كانوا آمنوا، فلو كان ‏بالرؤيا لم يستنكر، وقد قال له المشركون: إن كنت صادقا فخبرنا عن عيرنا ابن لقيتها؟ قال: ‏‏(بمكان كذا وكذا مررت عليها ففزع فلان) فقيل له: ما رأيت يا فلان، قال: ما رأيت شيئا! غير أن ‏الإبل قد نفرت. قالوا: فأخبرنا متى تأتينا العير؟ قال: (تأتيكم يوم كذا وكذا). قالوا: أية ساعة؟ قال: ‏‏(ما أدري، طلوع الشمس من ها هنا أسرع أم طلوع العير من ها هنا). فقال رجل: ذلك اليوم؟ ‏هذه الشمس قد طلعت. وقال رجل: هذه عيركم قد طلعت، واستخبروا النبي صلى الله عليه وسلم ‏عن صفة بيت المقدس فوصفه لهم ولم يكن رآه قبل ذلك. روى الصحيح عن أبي هريرة قال قال ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن ‏أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط - قال - فرفعه الله لي أنظر إليه فما ‏سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به...) الحديث. وقد اعترض قول عائشة ومعاوية (إنما أسري بنفس ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم (بأنها كانت صغيرة لم تشاهد، ولا حدثت عن النبي صلى الله ‏عليه وسلم. وأما معاوية فكان كافرا في ذلك الوقت غير مستشهد للحال، ولم يحدث عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم. ومن أراد الزيادة على ما ذكرنا فليقف على (كتاب الشفاء) للقاضي عياض ‏يجد من ذلك الشفاء. وقد احتج لعائشة بقوله تعالى: "وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس" ‏‏[الإسراء: 60] فسماها رؤيا. وهذا يرده قوله تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا" ولا يقال في ‏النوم أسرى. وأيضا فقد يقال لرؤية العين: رؤيا، على ما يأتي بيانه في هذه السورة. وفي ‏نصوص الأخبار الثابتة دلالة واضحة على أن الإسراء كان بالبدن، وإذا ورد الخبر بشيء هو ‏مجوز في العقل في قدرة الله تعالى فلا طريق إلى الإنكار، لا سيما في زمن خرق العوائد، وقد ‏كان للنبي صلى الله عليه وسلم معارج؛ فلا يبعد أن يكون البعض بالرؤيا، وعليه يحمل قوله عليه ‏السلام في الصحيح: (بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان...) الحديث. ويحتمل أن يرد من ‏الإسراء إلى نوم. والله أعلم.‏

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:54 PM
في تاريخ الإسراء، وقد اختلف العلماء في ذلك أيضا، واختلف في ذلك على ابن شهاب؛ ‏فروى عنه موسى بن عقبة أنه أسري به إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة. وروى ‏عنه يونس عن عروة عن عائشة قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة. قال ابن شهاب: ‏وذلك بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بسبعة أعوام. وروي عن الوقاصي قال: أسري به بعد ‏مبعثه بخمس سنين. قال ابن شهاب: وفرض الصيام بالمدينة قبل بدر، وفرضت الزكاة والحج ‏بالمدينة، وحرمت الخمر بعد أحد. وقال ابن إسحاق: أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد ‏الأقصى وهو بيت المقدس، وقد فشا الإسلام بمكة في القبائل. وروى عنه يونس بن بكير قال: ‏صلت خديجة مع النبي صلى الله عليه وسلم. وسيأتي. قال أبو عمر: وهذا يدلك على أن الإسراء ‏كان قبل الهجرة بأعوام؛ لأن خديجة قد توفيت قبل الهجرة بخمس سنين وقيل بثلاث وقيل بأربع. ‏وقول ابن إسحاق مخالف لقول ابن شهاب، على أن ابن شهاب قد اختلف عنه كما تقدم. وقال ‏الحربي: أسري به ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة. وقال أبو بكر محمد ‏بن علي ابن القاسم الذهبي في تاريخه: أسري به من مكة إلى بيت المقدس، وعرج به إلى السماء ‏بعد مبعثه بثمانية عشر شهرا. قال أبو عمر: لا أعلم أحدا من أهل السير قال ما حكاه الذهبي، ولم ‏يسند قول إلى أحد ممن يضاف إليه هذا العلم منهم، ولا رفعه إلى من يحتج به عليهم. ‏

وأما فرض الصلاة وهيئتها حين فرضت، فلا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السير أن ‏الصلاة إنما فرضت بمكة ليلة الإسراء حين عرج به إلى السماء، وذلك منصوص في الصحيح ‏وغيره. وإنما اختلفوا في هيئتها حين فرضت؛ فروي عن عائشة رضي الله عنها أنها فرضت ‏ركعتين ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر فأكملت أربعا، وأقرت صلاة السفر على ركعتين. ‏وبذلك قال الشعبي وميمون بن مهران ومحمد بن إسحاق. قال الشعبي: إلا المغرب. قال يونس بن ‏بكير: وقال ابن إسحاق ثم إن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم حين فرضت ‏عليه الصلاة يعني في الإسراء فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت عين ماء فتوضأ جبريل ‏ومحمد ينظر عليهما السلام فوضأ وجهه واستنشق وتمضمض ومسح برأسه وأذنيه ورجليه إلى ‏الكعبين ونضح فرجه، ثم قام يصلي ركعتين بأربع سجدات، فرجع رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم وقد أقر الله عينه وطابت نفسه وجاءه ما يحب من أمر الله تعالى، فأخذ بيد خديجة ثم أتى بها ‏العين فتوضأ كما توضأ جبريل ثم ركع ركعتين وأربع سجدات هو وخديجة، ثم كان هو وخديجة ‏يصليان سواء. وروي عن ابن عباس أنها فرضت في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين. وكذلك ‏قال نافع بن جبير والحسن بن أبي الحسن البصري، وهو قول ابن جريج، وروي عن النبي صلى ‏الله عليه وسلم ما يوافق ذلك. ولم يختلفوا في أن جبريل عليه السلام هبط صبيحة ليلة الإسراء ‏عند الزوال، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ومواقيتها. وروى يونس بن بكير عن سالم ‏مولى أبي المهاجر قال سمعت ميمون بن مهران يقول: كان أول الصلاة مثنى، ثم صلى رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم أربعا فصارت سنه، وأقرت الصلاة للمسافر وهي تمام. قال أبو عمر: ‏وهذا إسناد لا يحتج بمثله، وقوله (فصارت سنة) قول منكر، وكذلك استثناء الشعبي المغرب ‏وحدها ولم يذكر الصبح قول لا معنى له. وقد أجمع المسلمون أن فرض الصلاة في الحضر أربع ‏إلا المغرب والصبح ولا يعرفون غير ذلك عملا ونقلا مستفيضا، ولا يضرهم الاختلاف فيما كان ‏أصل فرضها. ‏

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:54 PM
تفسير ابن كثير:‏

وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها, يحصل مضمون ما اتفقت عليه من ‏مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس وأنه مرة واحدة, وإن اختلفت عبارات الرواة في ‏أدائه, أو زاد بعضهم فيه أو نقص منه, فإن الخطأ جائز على من‎ ‎عدا الأنبياء عليهم السلام, ومن جعل من الناس ‏كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة, فأثبت إسراءات متعددة فقد أبعد وأغرب, وهرب إلى غير مهرب, ولم ‏يتحصل على مطلب. وقد صرح بعضهم من المتأخرين بأنه عليه السلام أسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس ‏فقط, ومرة من مكة إلى السماء فقط, ومرة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماء, وفرح بهذا المسلك, وأنه قد ظفر ‏بشيء يخلص به من الإشكالات, وهذا بعيد جداً, ولم ينقل هذا عن أحد من السلف ولو تعدد هذا التعدد, لأخبر ‏النبي صلى الله عليه وسلم به أمته, ولنقله الناس على التعدد والتكرر.‏
‎ ‎قال موسى بن عقبة الزهري: كان الإسراء قبل الهجرة بسنة, وكذا قال عروة. وقال السدي: بستة عشر شهراً, ‏والحق أنه عليه السلام أسري به يقظة لا مناماً من مكة إلى بيت المقدس راكباً البراق, فلما انتهى إلى باب ‏المسجد, ربط الدابة عند الباب ودخله, فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين, ثم أتى بالمعراج وهو كالسلم ذو ‏درج يرقى فيها, فصعد فيه إلى السماء الدنيا, ثم إلى بقية السموات السبع, فتلقاه من كل سماء مقربوها, وسلم على ‏الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم, حتى مر بموسى الكليم في السادسة, وإبراهيم الخليل في ‏السابعة, ثم جاوز منزلتهما صلى الله عليه وسلم وعليهما وعلى سائر الأنبياء, حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه ‏صريف الأقلام, أي أقلام القدر بما هو كائن, ورأى سدرة المنتهى وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من ‏فراش من ذهب وألوان متعددة وغشيتها الملائكة ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة جناح ورأى رفرفاً ‏أخضر قد سد الأفق, ورأى البيت المعمور, وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسند ظهره إليه, لأنه الكعبة ‏السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. ورأى الجنة والنار ‏فرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفاً بعباده, وفي هذا اعتناء عظيم ‏بشرف الصلاة وعظمتها.‏
‎ ‎ثم هبط إلى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة, ويحتمل أنها الصبح من يومئذ, ‏ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء, والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس, ولكن في بعضها أنه ‏كان أول دخوله إليه. والظاهر أنه بعد رجوعه إليه لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحداً ‏واحداً, وهو يخبره بهم, وهذا هو اللائق, لأنه كان أولاً مطلوباً إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما ‏يشاء الله تعالى, ثم لما فرغ من الذي أريد به, اجتمع به هو وإخوانه من النبيين ثم أظهر شرفه وفضله عليهم ‏بتقديمه في الإمامة, وذلك عن إشارة جبريل عليه السلام له في ذلك.‏
‎ ‎ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس, والله سبحانه وتعالى أعلم, وأما عرض الاَنية عليه ‏من اللبن والعسل أو اللبن والخمر, أو اللبن والماء أو الجميع فقد ورد أنه في بيت المقدس وجاء أنه في السماء. ‏ويحتمل أن يكون ههنا وههنا, لأنه كالضيافة للقادم‏‎, ‎والله أعلم, ثم اختلف الناس: هل كان الإسراء ببدنه عليه ‏السلام وروحه, أو بروحه فقط ؟ على قولين, فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا مناماً, ‏ولا ينكرون أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قبل ذلك مناماً ثم رآه بعد يقظة, لأنه كان عليه السلام لا ‏يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح, والدليل على هذا قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد ‏الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام, فلو كان مناماً لم يكن فيه ‏كبير شيء, ولم يكن مستعظماً, ولما بادرت كفار قريش إلى تكذبيه, ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم, وأيضاً ‏فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد, وقال تعالى {أسرى بعبده ليلا} وقال تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي ‏أريناك إلا فتنة للناس} قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به, ‏والشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم, رواه البخاري, وقال تعالى: {وما زاغ البصر وما طغى} والبصر من آلات ‏الذات لا الروح, وأيضاً فإنه حمل على البراق وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان, وإنما يكون هذا للبدن لا للروح ‏لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه, والله أعلم.‏
‎ ‎وقال آخرون بل أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم بروحه لا بجسده, قال محمد بن إسحاق بن يسار في ‏السيرة: حدثني يعقوب بن عبتة بن المغيرة بن الأخنس أن معاوية بن أبي سفيان, كان إذا سئل عن مسرى رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت رؤيا من الله صادقة. وحدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول: ما فقد ‏جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أسري بروحه. قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولها لقول الحسن إن ‏هذه الاَية نزلت {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} ولقول الله في الخبر عن إبراهيم {إني أرى في ‏المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى} قال: ثم مضى على ذلك, فعرفت أن الوحي يأتي للأنبياء من الله أيقاظاً ونياماً, ‏فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تنام عيناي وقلبي يقظان» والله أعلم, أي ذلك كان قد جاءه وعاين ‏من الله فيه ما عاين على أي حالاته كان نائماً أو يقظاناً, كل ذاك حق وصدق, انتهى كلام ابن إسحاق. وقد تعقبه ‏أبو جعفر بن جرير في تفسيره بالرد والإنكار والتشنيع بأن هذا خلاف ظاهر سياق القرآن, وذكر من الأدلة على ‏رده بعض ما تقدم, والله أعلم

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:55 PM
فتح القدير للشوكانى:‏

وقد اختلف أهل العلم هل كان الإسراء بجسده صلى الله عليه وسلم مع روحه أو بروحه ‏فقط؟ فذهب معظم السلف والخلف إلى الأول. وذهب إلى الثاني طائفة من أهل العلم منهم ‏عائشة ومعاوية والحسن وابن إسحاق وحكاه ابن جرير عن حذيفة بن اليمان. وذهبت طائفة ‏إلى التفصيل فقالوا: كان الإسراء بجسده يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح، ‏واستدلوا على هذا التفصيل بقوله إلى المسجد الأقصى، فجعله غاية للإسراء بذاته صلى الله ‏عليه وسلم، فلو كان الإسراء من بيت المقدس إلى السماء وقع بذاته لذكره، والذي دلت ‏عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة هو ما ذهب إليه معظم السلف والخلف من أن الإسراء ‏بجسده وروحه يقظة إلى بيت المقدس، ثم إلى السموات، ولا حاجة إلى التأويل وصرف هذا ‏النظم القرآني وما يماثله من ألفاظ الأحاديث إلى ما يخالف الحقيقة، ولا مقتضى لذلك إلى ‏مجرد الاستبعاد وتحكيم محض العقول القاصرة عن فهم ما هو معلوم من أنه لا يستحيل ‏عليه سبحانه شيء، ولو كان ذلك مجرد رؤيا كما يقوله من زعم أن الإسراء كان بالروح ‏فقط، وأن رؤيا الأنبياء حق لم يقع التكذيب من الكفرة للنبي صلى الله عليه وسلم عند ‏إخباره لهم بذلك حتى ارتد من ارتد ممن لم يشرح بالإيمان صدراً، فإن الإنسان قد يرى في ‏نومه ما هو مستبعد، بل ما هو محال ولا ينكر ذلك أحد، وأما التمسك لمن قال بأن هذا ‏الإسراء إنما كان بالروح على سبيل الرؤيا بقوله "وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ‏للناس" فعلى تسليم أن المراد بهذه الرؤيا هو هذا الإسراء، فالتصريح الواقع هنا بقوله: ‏‏"سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً" والتصريح في الأحاديث الصحيحة الكثيرة بأنه أسرى به لا ‏تقصر عن الاستدلال بها على تأويل هذه الرؤيا الواقعة في الآية برؤية العين، فإنه قد يقال ‏لرؤية العين رؤيا، وكيف يصح حمل هذا الإسراء على الرؤيا مع تصريحه صلى الله عليه ‏وسلم بأنه كان عند أن أسري به بين النائم واليقظان. وقد اختلف أيضاً في تاريخ الإسراء، ‏فروي أن ذلك كان قبل الهجرة إلى المدينة بسنة، وروي أن الإسراء كان قبل الهجرة ‏بأعوام. ووجه ذلك أن خديجة صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد ماتت قبل الهجرة ‏بخمس سنين، وقيل بثلاث، وقيل بأربع، ولم تفرض الصلاة إلا ليلة الإسراء. وقد استدل ‏بهذا ابن عبد البر على ذلك، وقد اختلفت الرواية عن الزهري. وممن قال بأن الإسراء كان ‏قبل الهجرة بسنة الزهري في رواية عنه، وكذلك الحربي فإنه قال: أسري بالنبي صلى الله ‏عليه وسلم ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة. وقال ابن القاسم في ‏تاريخه: كان الإسراء بعد مبعثه بثمانية عشر شهراً. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من أهل ‏السير قال بمثل هذا. وروي عن الزهري أنه أسري به قبل مبعثه بسبعة أعوام، وروي عنه ‏أنه قال: كان قبل مبعثه بخمس سنين. وروى يونس عن عروة عن عائشة أنها قالت: ‏توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة.‏

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:55 PM
الروض الآنف:‏

أكان الإسراء يقظة أم مناما ‏
فصل وتقدم بين يدي الكلام في هذا الباب هل كان الإسراء في يقظة بجسده أو كان في نومه بروحه كما قال ‏سبحانه ‏ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ‏ ‏[ الزمر 43 ] ‏
وقد ذكر ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية أنها كانت رؤيا حق ، وأن عائشة قالت لم تفقد بدنه وإنما عرج بروحه ‏تلك الليلة ويحتج قائل هذا القول بقوله سبحانه ‏ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ‏ ‏[ الإسراء 60 ] . ‏ولم يقل الرؤية وإنما يسمى رؤيا ما كان في النوم في عرف اللغة ويحتجون أيضا بحديث البخاري عن أنس بن ‏مالك قال ليلة أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه ‏وهو نائم في المسجد الحرام ، فقال أولهم أيهم هو ؟ فقال أوسطهم هو هذا ، وهو خيرهم فقال آخرهم خذوا خيرهم ‏فكان تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى ، فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه وكذلك الأنبياء عليهم السلام ‏تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم ، فتولاه منهم جبريل . الحديث بطوله ‏وقال في آخره واستيقظ وهو في المسجد الحرام ، وهذا نص لا إشكال فيه أنها كانت رؤيا صادقة ‏

وقال أصحاب القول الثاني : قد تكون الرؤيا بمعنى الرؤية في اليقظة وأنشدوا للراعي يصف صائدا : ‏
وكبر للرؤيا ، وهش فؤاده ‏ وبشر قلبا كان جما بلابله ‏
قالوا : وفي الآية بيان أنها كانت في اليقظة لأنه قال ‏ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ‏ ولو كانت ‏رؤيا نوم ما افتتن بها الناس حتى ارتد كثير ممن أسلم ، وقال الكفار : يزعم محمد أنه أتى بيت المقدس ، ورجع ‏إلى مكة ليلته والعير تطرد إليها شهرا مقبلة وشهرا مدبرة ولو كانت رؤيا نوم لم يستبعد أحد منهم هذا ، فمعلوم ‏أن النائم قد يرى نفسه في السماء وفي المشرق والمغرب فلا يستبعد منه ذلك ‏
واحتج هؤلاء أيضا بشربه الماء من الإناء الذي كان مغطى عند القوم ووجدوه حين أصبح لا ماء فيه وبإرشاده ‏للذين ند بعيرهم حين أنفرهم حس الدابة وهو البراق حتى دلهم عليه فأخبر أهل مكة بأمارة ذلك حتى ذلك ‏الغرارتين السوداء والبرقاء كما في هذا الكتاب وفي رواية يونس أنه وعد قريشا بقدوم العير التي أرشدهم إلى ‏البعير وشرب إناءهم وأنهم سيقدمون ويخبرون بذلك فقالوا : يا محمد متى يقدمون ؟ فقال " يوم الأربعاء " ، فلما ‏كان ذلك اليوم ولم يقدموا ، حتى كربت الشمس أن تغرب فدعا الله فحبس الشمس حتى قدموا كما وصف قال ولم ‏يحبس الشمس إلا له ذلك اليوم وليوشع بن نون وهذا كله لا يكون إلا يقظة ‏

وذهبت طائفة ثالثة منهم شيخنا القاضي أبو بكر [ بن العربي ] رحمه الله إلى تصديق المقالتين وتصحيح الحديثين ‏وأن الإسراء كان مرتين إحداهما : كان في نومه وتوطئة له وتيسيرا عليه كما كان بدء نبوته الرؤيا الصادقة ‏ليسهل عليه أمر النبوة فإنه عظيم تضعف عنه القوى البشرية وكذلك الإسراء سهله عليه بالرؤيا ، لأن هوله عظيم ‏فجاءه في اليقظة على توطئة وتقدمة رفقا من الله بعبده وتسهيلا عليه ورأيت المهلب في شرح البخاري قد حكى ‏هذا القول عن طائفة من العلماء وأنهم قالوا : كان الإسراء مرتين مرة في نومه ومرة في يقظته ببدنه - صلى الله ‏عليه وسلم -

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:56 PM
قال المؤلف وهذا القول هو الذي يصح ، وبه تتفق معاني الأخبار ألا ترى أنه قال في حديث أنس الذي قدمنا ذكره ‏أتاه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه ومعلوم أن الإسراء كان بعد النبوة وحين فرضت الصلاة كما قدمنا في الجزء قبل ‏هذا ، وقيل كان قبل الهجرة بعام ولذلك قال في الحديث فارتد كثير ممن كان قد أسلم ، ورواة الحديثين حفاظ فلا ‏يستقيم الجمع بين الروايتين إلا أن يكون الإسراء مرتين وكذلك ذكر في حديث أنس أنه لقي إبراهيم في السماء ‏السادسة وموسى في السابعة وفي أكثر الروايات الصحيحة أنه رأى إبراهيم عند البيت المعمور في السماء السابعة ‏ولقي موسى في السادسة وفي رواية ابن إسحاق أتي بثلاثة آنية أحدها ماء فقال قائل إن أخذ الماء غرق وغرقت ‏أمته وفي إحدى روايات البخاري في الجامع الصحيح أنه أتي بإناء فيه عسل ولم يذكر الماء والرواة أثبات ولا ‏سبيل إلى تكذيب بعضهم ولا توهينهم فدل على صحة القول بأنه كان مرتين وعاد الاختلاف إلى أنه كان كله حقا ‏، ولكن في حالتين ووقتين مع ما يشهد له من ظاهر القرآن فإن الله سبحانه يقول ‏ ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين ‏أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ‏ ثم قال ‏ ما كذب الفؤاد ما رأى ‏ ‏[ النجم 8 - 11 ] فهذا نحو ما وقع في ‏حديث أنس من قوله فيما يراه قلبه وعينه نائمة والفؤاد هو القلب ثم قال أفتمارونه على ما يرى ولم يقل ما قد رأى ‏، فدل على أن ثم رؤية أخرى بعد هذه ثم قال ‏ ولقد رآه نزلة أخرى ‏ أي في نزلة نزلها جبريل إليه مرة فرآه ‏في صورته التي هو عليها ‏ عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ‏ قال يغشاها فراش ‏من ذهب وفي رواية ينتثر منها الياقوت وثمرها مثل قلال هجر ثم قال ‏ ما زاغ البصر ‏ ولم يقل الفؤاد كما قال ‏في التي قبل هذه فدل على أنها رؤية عين وبصر في النزلة الأخرى ، ثم قال ‏ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ‏ ‏وإذا كانت رؤية عين فهي من الآيات الكبرى ، ومن أعظم البراهين والعبر ، وصارت الرؤيا الأولى بالإضافة ‏إلى الأخرى ليست من الكبر لأن ما يراه العبد في منامه دون ما يراه في يقظته لا محالة وكذلك قال في أكثر ‏الأحاديث إنه رأى عند سدرة المنتهى نهرين ظاهرين ونهرين باطنين وأخبره جبريل أن الظاهرين النيل والفرات ، ‏
وذكر في حديث أنس أنه رأى هذين النهرين في السماء الدنيا ، وقال له الملك هما النيل والفرات ، أصلهما ‏وعنصرهما ، فيحتمل أن يكون رأى في حال اليقظة منبعهما ، ورأى في المرة الأولى النهرين دون أن يرى ‏أصلهما والله أعلم . ‏
فقد جاء في تفسير قوله تعالى : ‏ وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض ‏ ‏[ المؤمنون 18 ] أنهما النيل ‏والفرات أنزلا من الجنة من أسفل درجة منها على جناح جبريل ، فأودعهما بطون الجبال ثم إن الله سبحانه ‏سيرفعهما ، ويذهب بهما عند رفع القرآن وذهاب الإيمان فلا يبقى على الأرض خير ، وذلك قوله تعالى : ‏ وإنا ‏على ذهاب به لقادرون ‏ وفي حديث مسند ذكره النحاس في المعاني بأتم من هذا فاختصره
ووقع في كتاب المعلم ‏للمازري قول رابع في الجمع بين الأقوال قال كان الإسراء بجسده في اليقظة إلى بيت المقدس ، فكانت رؤيا عين ‏ثم أسري بروحه إلى فوق سبع سموات ولذلك شنع الكفار قوله وأتيت بيت المقدس في ليلتي هذه ولم يشنعوا قوله ‏فيما سوى ذلك .