أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:51 PM
الشيخ عطية صقر
بسم الله ،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد:
فالإسراء والمعراج كان بالروح والجسد ، وهذا مكمن كونه معجزة ، وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء والمحدثين والمتكلمين ، والأدلة عليه كثيرة .
يقول فضيلة الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر:
اختلف العلماء في الإسراء والمعراج : هل كان بروح النبي -صلى الله عليه وسلم- وجسده أو كان بروحه فقط؟
والصحيح أنه كان بالروح والجسد معاً ، كما ذهب إليه جمهور العلماء من المحدثين والفقهاء والمتكلمين وذلك لما يأتي :
1 - أن الله -تعالى- قال: { أسرى بعبده } ولفظ العبد لا يطلق في اللغة على الروح فقط، بل على الإنسان كله: روحه وجسده، كما جاء ذلك في مواضع كثيرة من القرآن الكريم مثل قوله تعالى { أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى } [ العلق: 9 ، 10 ] وقوله { وأنه لما قام عبد الله يدعوه } [ الجن: 19 ] .
2 - أن الإسراء بالروح فقط ليس أمرًا خارقًا للعادة، بل هو أمر عادي يحصل للناس في فترة النوم حيث تكون للروح جولات بعيدة في الكرة الأرضية تقضيها بوسائل غير عادية في مدة لا تحسب بالزمن العادي لحركة الجسم، ولو كان كذلك فلا داعي لأن يجعله الله تكريمًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- ويصدّر الخبر بقوله { سبحان } وما فيه من معنى العظمة والجلال الذي يقرن دائمًا بكل أمر عظيم .
3 - أن الله -تعالى- قال { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } [ الإسراء: 60 ] أي امتحانًا واختبارًا لهم كيف يصدقونها، وذلك لا يكون إلا إذا تمت الرحلة بالجسد والروح معاً، فليس في إسراء الروح فقط فتنة ولا غرابة، ولذلك حين سمع المشركون خبرها كذبوا أن تتم في ليلة مع أنهم يقطعون هذه المسافة على ظهور الإبل في أيام عدة.
4 - أن الإسراء بالروح والجسد معًا هو فعل الله - سبحانه - وليس فعل سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - والعقل لا يحيل ذلك على قدرة الله، فهو على كل شيء قدير، وليس هناك ما يمنع قبول الخبر الموثوق به في حصوله بالروح والجسد معًا .
هذا ومن قال: إن هذه الرحلة كانت بالروح فقط - استند إلى قوله تعالى { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } [ الإسراء: 60 ] حيث قال : إن الرؤيا مصدر "رأى" الحُلْمية لا البصرية، فإن مصدر " رأي " البصرية هو رؤية. لكن أجيب على ذلك بأن الرؤيا والرؤية مصدران لرأى البصرية مثل: قُرْبى وقُرْبة، قال المتنبي وهو من كبار الشعراء:
* ورؤياك أحلى في الجفون من الغمض *
وإن كان ابن مالك وغيره خطؤوه في ذلك، لكن ليس كلامهم حجة حتى لو كان كلام المتنبي غير حجة. وقال ابن عباس في تفسير الآية : إنها رؤية عين، كما رواه البخاري .
كما استدل القائل بأن الإسراء كان بالروح فقط بقول عائشة رضي الله عنها:
ما فُقد جسده الشريف ، لكن رد هذا بما يأتي :
1 - أن هذا الحديث ليس ثابتًا عنها؛ لأن سنده فيه انقطاع وراوٍ مجهول، وقال ابن دحية: إنه موضوع.
2 - أنها لم تُحدّث به عن مشاهدة، بل عن سماع؛ لأنها لم تكن قد تزوجته إذ ذاك، بل لم تكن ولدت على الخلاف في زمن الإسراء متى كان .
3 - أنها كانت تقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ير ربه رؤية عين؛ وذلك لاعتقادها أن الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد معًا، ولو كان ذلك منامًا أي بالروح فقط لم تنكره، وما دام الحديث المنسوب إلى عائشة غير صحيح فلا داعي للتحايل في تفسيره بقول بعضهم: إن معنى: ما فقد جسده الشريف، ما تركت الروح جسده الشريف والمهم أن الإسراء قد تم، وقد أخبر الله عنه في القرآن الكريم، وهذا هو القدر الواجب اعتقاده، أما أن يكون على كيفية كذا أو كذا فذلك ما لا يتحتم اعتقاده، ولكل أن يختار ما يشاء، مع اعتقاد أن الله على كل شيء قدير، وأن رؤيا الأنبياء حق باتفاق العلماء، ولا داعي للخلاف في هذه النقطة، ومن أراد الاستزادة من المعرفة فليرجع إلى كتاب " المواهب اللدنية " للقسطلاني في المقصد الخامس الخاص بالإسراء والمعراج مع شرح الزرقاني (ج 6 ص 3 وما بعدها ) .
والله أعلم
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:52 PM
خواطر الشيخ الشعراوى:
وقوله: (أسرى) من السري، وهو السير ليلاً، وفي الحكم: (عند الصباح يحمد القوم السري). فالحق سبحانه أسرى بعبد، فالفعل لله تعالى، وليس لمحمد صلى الله عليه وسلم فلا تقس الفعل بمقياس البشر، ونزه فعل الله عن فعلك، وقد استقبل أهل مكة هذا الحدث استقبال المكذب. فقالوا: كيف هذا ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً، وهم كاذبون في قولهم؛ لأن رسول الله لم يدع أنه سرى بل قال: أسرى بي. ومعلوم أن قطع المسافات يأخذ من الزمن على قدر عكس القوة المتمثلة في السرعة. أي: أن الزمن يتناسب عكسياً مع القوة، فلو أردنا مثلاً الذهاب إلى الإسكندرية سيختلف الزمن لو سرنا على الأقدام عنه إذا ركبنا سيارة أو طائرة، فكلما زادت القوة قل الزمن، فما بالك لو نسب الفعل والسرعة إلى الله تعالى، إذا كان الفعل من الله فلا زمن. فإن قال قائل: مادام الفعل مع الله لا يحتاج إلى زمن، لماذا لم يأت الإسراء لمحة فحسب، ولماذا استغرق ليلة؟ نقول: لأن هناك فرقاً بين قطع المسافات بقانون الله سبحانه وبين مراء عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم في الطريق، فرأى مواقف، وتكلم مع أشخاص، ورأى آيات وعجائب، هذه هي التي استغرقت الزمن. وقلنا: إنك حين تنسب الفعل إلى فاعله يجب أن تعطيه من الزمن على قدر قوة الفاعل. هب أن قائلاً قال لك: أنا صعدت بابني الرضيع قمة جبل "إفرست"، هل تقول له: كيف صعد ابنك الرضيع قمة "إفرست"؟ هذا سؤال إذن في غير محله، وكذلك في مسألة الإسراء والمعراج يقول تعالى: أنا أسريت بعبدي، فمن أراد أن يحيل المسألة وينكرها، فليعترض على الله صاحب الفعل لا على محمد. لكن كيف فاتت هذه القضية على كفار مكة؟ ومن تكذيب كفار مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج نأخذ رداً جميلاً على هؤلاء الذين يخوضون في هذا الحادث بعقول ضيقة وبإيمانية سطحية في عصرنا الحاضر، فيطالعونا بأفكار سقيمة ما أنزل الله بها من سلطان. ونسمع منهم من يقول: إن الإسراء كان مناماً، أو كان بالروح دون الجسد. ونقول لهؤلاء: لو قال محمد لقومه: أنا رأيت في الرؤيا بيت المقدس، هل كانوا يكذبون؟ ولو قال لهم: لقد سبحت روحي الليلة حتى أتت بيت المقدس، أكانوا يكذبونه؟ أتكذب الرؤى أو حركة الأرواح؟! إذن: في إنكار الكفار على رسول الله وتكذيبهم له دليل على أن الإسراء كان حقيقة تمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بروحه وجسده، وكأن الحق سبحانه ادخر الموقف التكذيبي لمكذبي الأمس، ليرد به على مكذبي اليوم. وقوله سبحانه: {بعبده .. "1" } (سورة الإسراء) العبد كلمة تطلق على الروح والجسد معاً، هذا مدلولها، لا يمكن أن تطلق على الروح فقط. لكن، لماذا اختار الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم هذه الصفة بالذات؟ نقول: لأن الله تعالى جعل في الكون قانوناً عاماً للناس، وقد يخرق هذا القانون أو الناموس العام ليكون معجزة للخاصة الذين ميزهم الله عن سائر الخلق، فكأن كلمة (عبده) هي حيثية الإسراء. أي: أسرى به؛ لأنه صادق العبودية لله، ومادام هو عبده فقد أخلص في عبوديته لربه، فاستحق أن يكون له ميزة وخصوصية عن غيره، فالإسراء والمعراج عطاء من الله استحقه رسوله بما حقق من عبودية لله. وفرق بين العبودية لله والعبودية للبشر، فالعبودية لله عز وشرف يأخذ بها العبد خير سيده، وقال الشاعر: ومما زادني شرفاً وعزاً وكدت بأخصمي أطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبياً أما عبودية البشر للبشر فنقص ومذلة وهوان، حيث يأخذ السيد خير عبده، ويحرمه ثمره كده. لذلك، فالمتتبع لآيات القرآن يجد أن العبودية لا تأتي إلا في المواقف العظيمة مثل: {سبحان الذي أسرى بعبده .. "1"} (سورة الإسراء)
وقوله: {وإنه لما قام عبد الله يدعوه .. "19" } (سورة الجن)
ويكفيك عزاً وكرامة أنك إذا أردت مقابلة سيدك أن يكون الأمر في يدك، فما عليك إلا أن تتوضأ وتنوي المقابلة قائلاً: الله اكبر، فتكون في معية الله عز وجل في لقاء تحدد أنت مكانه وموعده ومدته، وتختار أنت موضوع المقابلة، وتظل في حضرة ربك إلى أن تنهي المقابلة متى أردت. وما احسن ما قال الشاعر: حسب نفسي عزاً بأني عبد يحتفي بي بلا مواعيد رب هو في قدسه الأعز ولكني أنا ألقي متى وأين احب فما بالك لو حاولت لقاء عظيم من عظماء الدنيا؟ وكم أنت ملاق من المشقة والعنت؟ وكم دونه من الحجاب والحراس؟ ثم بعد ذلك ليس لك أن تختار لا الزمان ولا المكان، ولا الموضوع ولا غيره. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المتخلق بأخلاق الله إذا سلم على أحد لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده. وقوله: {ليلاً .. "1" } (سورة الإسراء)
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:52 PM
سبق أن قلنا: إن السري هو السير ليلاً، فكانت هذه كافية للدلالة على وقوع الحدث ليلاً، ولكن الحق سبحانه أراد أن يؤكد ذلك، فقد يقول قائل: لماذا لم يحدث الإسراء نهاراً؟ نقول: حدث الإسراء ليلاً، لتظل المعجزة غيباً يؤمن به من يصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو ذهب في النهار لرآه الناس في الطريق ذهاباً وعودة، فتكون المسألة ـ إذن ـ حسية مشاهدة لا مجال فيها للإيمان بالغيب. لذلك لما سمع أبو جهل خبر الإسراء طار به إلى المسجد وقال: إن صاحبكم يزعم أنه أسرى به الليلة من مكة إلى بيت المقدس، فمنهم من قلب كفيه تعجباً، ومنهم من أنكر، ومنهم من ارتد. أما الصديق أبو بكر فقد استقبل الخبر استقبال المؤمن المصدق، ومن هذا الموقف سمي الصديق، وقال قولته المشهورة: "إن كان قال فقد صدق". إذن: عمدته أن يقول رسول الله، وطالما قال فهو صادق، هذه قضية مسلم بها عند الصديق رضي الله عنه. ثم قال: "إنا لنصدقه في أبعد من هذا، نصدقه في خبر السماء (الوحي)، فكيف لا نصدقه في هذا"؟ إذن: الحق سبحانه جعل هذا الحادث محكاً للإيمان، وممحصاً ليقين الناس، حين يغربل من حول رسول الله، ولا يبقى معه إلا أصحاب الإيمان واليقين الثابت الذي لا يهتز ولا يتزعزع. لذلك قال تعالى في آية أخرى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس .. "60" } (سورة الإسراء) وهذا دليل آخر على أن الإسراء لم يكن مناماً، فالإسراء لا يكون فتنة واختباراً إلا إذا كان حقيقة لا مناماً، فالمنام لا يكذبه أحد ولا يختلف فيه الناس. لكن لماذا قال عن الإسراء (رؤيا) يعني المنامية، ولم يقل "رؤية" يعني البصرية؟ قالوا: لأنها لما كانت عجيبة من العجائب صارت كأنها رؤيا منامية، فالرؤيا محل الأحداث العجيبة. وورد في الإسراء أحاديث كثيرة تكلم فيها العلماء: أكان بالروح والجسد؟ أكان يقظة أم مناماً؟ أكان من المسجد الحرام أم من بيت أم هانئ؟ ونحن لا نختلف مع هذه الآراء، ونوضح ما فيها من تقارب. فمن حيث: أكان الإسراء بالروح فقط أم بالروح والجسد؟ فقد أوضحنا وجه الصواب فيه، وأنه كان بالروح والجسد جميعاً، فهذا مجال الإعجاز، ولو كان بالروح فقط ما كان عجيباً، وما كذبه كفار مكة. أما من ذهب إلى أن الإسراء كان رؤيا منام، فيجب أن نلاحظ أن أول الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان الرؤيا الصادقة، فكان صلى الله عليه وسلم لا يرى رؤيا إلا وجاءت كفلق الصبح، فرؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ليست كرؤيانا، بل هي صدق لابد أن يتحقق. ومثال ذلك ما حدث، من إرادة الله له رؤيا الفتح. قال تعالى: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون .. "27" } (سورة الفتح) وقد أخبر صلى الله عليه وسلم صحابته هذا الخبر، فلما ردهم الكفار عند الحديبية، فقال الصحابة لرسول الله: ألم تبشرنا بدخول المسجد الحرام؟ فقال: ولكن لم أقل هذا العام. لذلك يسمون هذه الرؤى رؤى الإيناس، وهي أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم الشيء مناماً، حتى إذا ما تحقق لم يفاجأ به، وكان له أنس به. ومادام لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح فلابد أن هذه الرؤيا ستأتي واقعاً وحقيقة، وقد يرى هذه الرؤيا مرة أخرى على سبيل التذكرة بذلك الإيناس. إذن: من قال: إن الإسراء كان مناماً نقول له: نعم كان رؤيا إيناس تحققت في الواقع، فلدينا رؤى الإيناس أولاً، ورؤى التذكير بالنعمة ثانياً، وواقع الحادث في الحقيقة ثالثاً، وبذلك نخرج من الخلاف حول: أكان الإسراء يقظة أم مناماً؟ وحتى بعد انتهاء حادث الإسراء كانت الرؤيا الصادقة نوعاً من التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان كلما اشتدت به الأهوال يريه الله تعالى ما حدث له ليبين له حفاوة السماء والكون به صلى الله عليه وسلم؛ ليكون جلداً يتحمل ما يلاقي من التعنت والإيذاء. أما من قال: إن الإسراء كان من بيت أم هانئ، فهذا أيضاً ليس محلاً للخلاف؛ لأن بيت أم هانئ كان ملاصقاً للمطاف من المسجد الحرام، والمطاف من المسجد. إذن: لا داعي لإثارة الشكوك والخلافات حول هذه المعجزة؛ لأن الفعل فعل الحق سبحانه وتعالى، والذي يحكيه لنا هو الحق سبحانه وتعالى، فلا مجال للخلاف فيه. وقوله تعالى: {من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى .. "1" } (سورة الإسراء) المسجد الحرام هو بيت الله: الكعبة المشرفة، وسمي حراماً؛ لأنه حرم فيه ما لم يحرم في غيره من المساجد. وكل مكان يخصص لعبادة الله نسميه مسجداً، قال تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر .. "18" } (سورة التوبة
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:53 PM
تفسير القرطبى:
. واختلفوا في تاريخ الإسراء وهيئة الصلاة، وهل كان إسراء بروحه أو جسده؛ فهذه ثلاث مسائل تتعلق بالآية، وهي مما ينبغي الوقوف عليها والبحث عنها، وهي أهم من سرد تلك الأحاديث، وأنا أذكر ما وقفت عليه فيها من أقاويل العلماء واختلاف الفقهاء بعون الله تعالى.
فأما المسألة الأولى: وهي هل كان إسراء بروحه أو جسده؛ اختلف في ذلك السلف والخلف، فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح، ولم يفارق شخصه مضجعه، وأنها كانت رؤيا رأى فيها الحقائق، ورؤيا الأنبياء حق. ذهب إلى هذا معاوية وعائشة، وحكي عن الحسن وابن إسحاق. وقالت طائفة: كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح؛ واحتجوا بقوله تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى" فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء. قالوا: ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى لذكره، فإنه كان يكون أبلغ في المدح. وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه كان إسراء بالجسد وفي اليقظة، وأنه ركب البراق بمكة، ووصل إلى بيت المقدس وصلى فيه ثم أسري بجسده. وعلى هذا تدل الأخبار التي أشرنا إليها والآية. وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة، ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة، ولو كان مناما لقال بروح عبده ولم يقل بعبده. وقوله "ما زاغ البصر وما طغى" [النجم: 17] يدل على ذلك. ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة، ولما قالت له أم هانئ: لا تحدث الناس فيكذبوك، والأفضل أبو بكر بالتصديق، ولما أمكن قريشا التشنيع والتكذيب، وقد كذبه قريش فيما أخبر به حتى ارتد أقوام كانوا آمنوا، فلو كان بالرؤيا لم يستنكر، وقد قال له المشركون: إن كنت صادقا فخبرنا عن عيرنا ابن لقيتها؟ قال: (بمكان كذا وكذا مررت عليها ففزع فلان) فقيل له: ما رأيت يا فلان، قال: ما رأيت شيئا! غير أن الإبل قد نفرت. قالوا: فأخبرنا متى تأتينا العير؟ قال: (تأتيكم يوم كذا وكذا). قالوا: أية ساعة؟ قال: (ما أدري، طلوع الشمس من ها هنا أسرع أم طلوع العير من ها هنا). فقال رجل: ذلك اليوم؟ هذه الشمس قد طلعت. وقال رجل: هذه عيركم قد طلعت، واستخبروا النبي صلى الله عليه وسلم عن صفة بيت المقدس فوصفه لهم ولم يكن رآه قبل ذلك. روى الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط - قال - فرفعه الله لي أنظر إليه فما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به...) الحديث. وقد اعترض قول عائشة ومعاوية (إنما أسري بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم (بأنها كانت صغيرة لم تشاهد، ولا حدثت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما معاوية فكان كافرا في ذلك الوقت غير مستشهد للحال، ولم يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن أراد الزيادة على ما ذكرنا فليقف على (كتاب الشفاء) للقاضي عياض يجد من ذلك الشفاء. وقد احتج لعائشة بقوله تعالى: "وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس" [الإسراء: 60] فسماها رؤيا. وهذا يرده قوله تعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا" ولا يقال في النوم أسرى. وأيضا فقد يقال لرؤية العين: رؤيا، على ما يأتي بيانه في هذه السورة. وفي نصوص الأخبار الثابتة دلالة واضحة على أن الإسراء كان بالبدن، وإذا ورد الخبر بشيء هو مجوز في العقل في قدرة الله تعالى فلا طريق إلى الإنكار، لا سيما في زمن خرق العوائد، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم معارج؛ فلا يبعد أن يكون البعض بالرؤيا، وعليه يحمل قوله عليه السلام في الصحيح: (بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان...) الحديث. ويحتمل أن يرد من الإسراء إلى نوم. والله أعلم.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:54 PM
في تاريخ الإسراء، وقد اختلف العلماء في ذلك أيضا، واختلف في ذلك على ابن شهاب؛ فروى عنه موسى بن عقبة أنه أسري به إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة. وروى عنه يونس عن عروة عن عائشة قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة. قال ابن شهاب: وذلك بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بسبعة أعوام. وروي عن الوقاصي قال: أسري به بعد مبعثه بخمس سنين. قال ابن شهاب: وفرض الصيام بالمدينة قبل بدر، وفرضت الزكاة والحج بالمدينة، وحرمت الخمر بعد أحد. وقال ابن إسحاق: أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس، وقد فشا الإسلام بمكة في القبائل. وروى عنه يونس بن بكير قال: صلت خديجة مع النبي صلى الله عليه وسلم. وسيأتي. قال أبو عمر: وهذا يدلك على أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام؛ لأن خديجة قد توفيت قبل الهجرة بخمس سنين وقيل بثلاث وقيل بأربع. وقول ابن إسحاق مخالف لقول ابن شهاب، على أن ابن شهاب قد اختلف عنه كما تقدم. وقال الحربي: أسري به ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة. وقال أبو بكر محمد بن علي ابن القاسم الذهبي في تاريخه: أسري به من مكة إلى بيت المقدس، وعرج به إلى السماء بعد مبعثه بثمانية عشر شهرا. قال أبو عمر: لا أعلم أحدا من أهل السير قال ما حكاه الذهبي، ولم يسند قول إلى أحد ممن يضاف إليه هذا العلم منهم، ولا رفعه إلى من يحتج به عليهم.
وأما فرض الصلاة وهيئتها حين فرضت، فلا خلاف بين أهل العلم وجماعة أهل السير أن الصلاة إنما فرضت بمكة ليلة الإسراء حين عرج به إلى السماء، وذلك منصوص في الصحيح وغيره. وإنما اختلفوا في هيئتها حين فرضت؛ فروي عن عائشة رضي الله عنها أنها فرضت ركعتين ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر فأكملت أربعا، وأقرت صلاة السفر على ركعتين. وبذلك قال الشعبي وميمون بن مهران ومحمد بن إسحاق. قال الشعبي: إلا المغرب. قال يونس بن بكير: وقال ابن إسحاق ثم إن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم حين فرضت عليه الصلاة يعني في الإسراء فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت عين ماء فتوضأ جبريل ومحمد ينظر عليهما السلام فوضأ وجهه واستنشق وتمضمض ومسح برأسه وأذنيه ورجليه إلى الكعبين ونضح فرجه، ثم قام يصلي ركعتين بأربع سجدات، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقر الله عينه وطابت نفسه وجاءه ما يحب من أمر الله تعالى، فأخذ بيد خديجة ثم أتى بها العين فتوضأ كما توضأ جبريل ثم ركع ركعتين وأربع سجدات هو وخديجة، ثم كان هو وخديجة يصليان سواء. وروي عن ابن عباس أنها فرضت في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين. وكذلك قال نافع بن جبير والحسن بن أبي الحسن البصري، وهو قول ابن جريج، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يوافق ذلك. ولم يختلفوا في أن جبريل عليه السلام هبط صبيحة ليلة الإسراء عند الزوال، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ومواقيتها. وروى يونس بن بكير عن سالم مولى أبي المهاجر قال سمعت ميمون بن مهران يقول: كان أول الصلاة مثنى، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا فصارت سنه، وأقرت الصلاة للمسافر وهي تمام. قال أبو عمر: وهذا إسناد لا يحتج بمثله، وقوله (فصارت سنة) قول منكر، وكذلك استثناء الشعبي المغرب وحدها ولم يذكر الصبح قول لا معنى له. وقد أجمع المسلمون أن فرض الصلاة في الحضر أربع إلا المغرب والصبح ولا يعرفون غير ذلك عملا ونقلا مستفيضا، ولا يضرهم الاختلاف فيما كان أصل فرضها.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:54 PM
تفسير ابن كثير:
وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها, يحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس وأنه مرة واحدة, وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه, أو زاد بعضهم فيه أو نقص منه, فإن الخطأ جائز على من عدا الأنبياء عليهم السلام, ومن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة, فأثبت إسراءات متعددة فقد أبعد وأغرب, وهرب إلى غير مهرب, ولم يتحصل على مطلب. وقد صرح بعضهم من المتأخرين بأنه عليه السلام أسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط, ومرة من مكة إلى السماء فقط, ومرة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماء, وفرح بهذا المسلك, وأنه قد ظفر بشيء يخلص به من الإشكالات, وهذا بعيد جداً, ولم ينقل هذا عن أحد من السلف ولو تعدد هذا التعدد, لأخبر النبي صلى الله عليه وسلم به أمته, ولنقله الناس على التعدد والتكرر.
قال موسى بن عقبة الزهري: كان الإسراء قبل الهجرة بسنة, وكذا قال عروة. وقال السدي: بستة عشر شهراً, والحق أنه عليه السلام أسري به يقظة لا مناماً من مكة إلى بيت المقدس راكباً البراق, فلما انتهى إلى باب المسجد, ربط الدابة عند الباب ودخله, فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين, ثم أتى بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها, فصعد فيه إلى السماء الدنيا, ثم إلى بقية السموات السبع, فتلقاه من كل سماء مقربوها, وسلم على الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم, حتى مر بموسى الكليم في السادسة, وإبراهيم الخليل في السابعة, ثم جاوز منزلتهما صلى الله عليه وسلم وعليهما وعلى سائر الأنبياء, حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام, أي أقلام القدر بما هو كائن, ورأى سدرة المنتهى وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة وغشيتها الملائكة ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة جناح ورأى رفرفاً أخضر قد سد الأفق, ورأى البيت المعمور, وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسند ظهره إليه, لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. ورأى الجنة والنار فرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفاً بعباده, وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها.
ثم هبط إلى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة, ويحتمل أنها الصبح من يومئذ, ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء, والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس, ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه. والظاهر أنه بعد رجوعه إليه لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحداً واحداً, وهو يخبره بهم, وهذا هو اللائق, لأنه كان أولاً مطلوباً إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى, ثم لما فرغ من الذي أريد به, اجتمع به هو وإخوانه من النبيين ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة, وذلك عن إشارة جبريل عليه السلام له في ذلك.
ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس, والله سبحانه وتعالى أعلم, وأما عرض الاَنية عليه من اللبن والعسل أو اللبن والخمر, أو اللبن والماء أو الجميع فقد ورد أنه في بيت المقدس وجاء أنه في السماء. ويحتمل أن يكون ههنا وههنا, لأنه كالضيافة للقادم, والله أعلم, ثم اختلف الناس: هل كان الإسراء ببدنه عليه السلام وروحه, أو بروحه فقط ؟ على قولين, فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا مناماً, ولا ينكرون أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قبل ذلك مناماً ثم رآه بعد يقظة, لأنه كان عليه السلام لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح, والدليل على هذا قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام, فلو كان مناماً لم يكن فيه كبير شيء, ولم يكن مستعظماً, ولما بادرت كفار قريش إلى تكذبيه, ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم, وأيضاً فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد, وقال تعالى {أسرى بعبده ليلا} وقال تعالى: {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به, والشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم, رواه البخاري, وقال تعالى: {وما زاغ البصر وما طغى} والبصر من آلات الذات لا الروح, وأيضاً فإنه حمل على البراق وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان, وإنما يكون هذا للبدن لا للروح لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه, والله أعلم.
وقال آخرون بل أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم بروحه لا بجسده, قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: حدثني يعقوب بن عبتة بن المغيرة بن الأخنس أن معاوية بن أبي سفيان, كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت رؤيا من الله صادقة. وحدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أسري بروحه. قال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولها لقول الحسن إن هذه الاَية نزلت {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} ولقول الله في الخبر عن إبراهيم {إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى} قال: ثم مضى على ذلك, فعرفت أن الوحي يأتي للأنبياء من الله أيقاظاً ونياماً, فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تنام عيناي وقلبي يقظان» والله أعلم, أي ذلك كان قد جاءه وعاين من الله فيه ما عاين على أي حالاته كان نائماً أو يقظاناً, كل ذاك حق وصدق, انتهى كلام ابن إسحاق. وقد تعقبه أبو جعفر بن جرير في تفسيره بالرد والإنكار والتشنيع بأن هذا خلاف ظاهر سياق القرآن, وذكر من الأدلة على رده بعض ما تقدم, والله أعلم
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:55 PM
فتح القدير للشوكانى:
وقد اختلف أهل العلم هل كان الإسراء بجسده صلى الله عليه وسلم مع روحه أو بروحه فقط؟ فذهب معظم السلف والخلف إلى الأول. وذهب إلى الثاني طائفة من أهل العلم منهم عائشة ومعاوية والحسن وابن إسحاق وحكاه ابن جرير عن حذيفة بن اليمان. وذهبت طائفة إلى التفصيل فقالوا: كان الإسراء بجسده يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح، واستدلوا على هذا التفصيل بقوله إلى المسجد الأقصى، فجعله غاية للإسراء بذاته صلى الله عليه وسلم، فلو كان الإسراء من بيت المقدس إلى السماء وقع بذاته لذكره، والذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة هو ما ذهب إليه معظم السلف والخلف من أن الإسراء بجسده وروحه يقظة إلى بيت المقدس، ثم إلى السموات، ولا حاجة إلى التأويل وصرف هذا النظم القرآني وما يماثله من ألفاظ الأحاديث إلى ما يخالف الحقيقة، ولا مقتضى لذلك إلى مجرد الاستبعاد وتحكيم محض العقول القاصرة عن فهم ما هو معلوم من أنه لا يستحيل عليه سبحانه شيء، ولو كان ذلك مجرد رؤيا كما يقوله من زعم أن الإسراء كان بالروح فقط، وأن رؤيا الأنبياء حق لم يقع التكذيب من الكفرة للنبي صلى الله عليه وسلم عند إخباره لهم بذلك حتى ارتد من ارتد ممن لم يشرح بالإيمان صدراً، فإن الإنسان قد يرى في نومه ما هو مستبعد، بل ما هو محال ولا ينكر ذلك أحد، وأما التمسك لمن قال بأن هذا الإسراء إنما كان بالروح على سبيل الرؤيا بقوله "وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس" فعلى تسليم أن المراد بهذه الرؤيا هو هذا الإسراء، فالتصريح الواقع هنا بقوله: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً" والتصريح في الأحاديث الصحيحة الكثيرة بأنه أسرى به لا تقصر عن الاستدلال بها على تأويل هذه الرؤيا الواقعة في الآية برؤية العين، فإنه قد يقال لرؤية العين رؤيا، وكيف يصح حمل هذا الإسراء على الرؤيا مع تصريحه صلى الله عليه وسلم بأنه كان عند أن أسري به بين النائم واليقظان. وقد اختلف أيضاً في تاريخ الإسراء، فروي أن ذلك كان قبل الهجرة إلى المدينة بسنة، وروي أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام. ووجه ذلك أن خديجة صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد ماتت قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل بثلاث، وقيل بأربع، ولم تفرض الصلاة إلا ليلة الإسراء. وقد استدل بهذا ابن عبد البر على ذلك، وقد اختلفت الرواية عن الزهري. وممن قال بأن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة الزهري في رواية عنه، وكذلك الحربي فإنه قال: أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة. وقال ابن القاسم في تاريخه: كان الإسراء بعد مبعثه بثمانية عشر شهراً. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من أهل السير قال بمثل هذا. وروي عن الزهري أنه أسري به قبل مبعثه بسبعة أعوام، وروي عنه أنه قال: كان قبل مبعثه بخمس سنين. وروى يونس عن عروة عن عائشة أنها قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:55 PM
الروض الآنف:
أكان الإسراء يقظة أم مناما
فصل وتقدم بين يدي الكلام في هذا الباب هل كان الإسراء في يقظة بجسده أو كان في نومه بروحه كما قال سبحانه الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها [ الزمر 43 ]
وقد ذكر ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية أنها كانت رؤيا حق ، وأن عائشة قالت لم تفقد بدنه وإنما عرج بروحه تلك الليلة ويحتج قائل هذا القول بقوله سبحانه وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس [ الإسراء 60 ] . ولم يقل الرؤية وإنما يسمى رؤيا ما كان في النوم في عرف اللغة ويحتجون أيضا بحديث البخاري عن أنس بن مالك قال ليلة أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام ، فقال أولهم أيهم هو ؟ فقال أوسطهم هو هذا ، وهو خيرهم فقال آخرهم خذوا خيرهم فكان تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى ، فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه وكذلك الأنبياء عليهم السلام تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم ، فتولاه منهم جبريل . الحديث بطوله وقال في آخره واستيقظ وهو في المسجد الحرام ، وهذا نص لا إشكال فيه أنها كانت رؤيا صادقة
وقال أصحاب القول الثاني : قد تكون الرؤيا بمعنى الرؤية في اليقظة وأنشدوا للراعي يصف صائدا :
وكبر للرؤيا ، وهش فؤاده وبشر قلبا كان جما بلابله
قالوا : وفي الآية بيان أنها كانت في اليقظة لأنه قال وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ولو كانت رؤيا نوم ما افتتن بها الناس حتى ارتد كثير ممن أسلم ، وقال الكفار : يزعم محمد أنه أتى بيت المقدس ، ورجع إلى مكة ليلته والعير تطرد إليها شهرا مقبلة وشهرا مدبرة ولو كانت رؤيا نوم لم يستبعد أحد منهم هذا ، فمعلوم أن النائم قد يرى نفسه في السماء وفي المشرق والمغرب فلا يستبعد منه ذلك
واحتج هؤلاء أيضا بشربه الماء من الإناء الذي كان مغطى عند القوم ووجدوه حين أصبح لا ماء فيه وبإرشاده للذين ند بعيرهم حين أنفرهم حس الدابة وهو البراق حتى دلهم عليه فأخبر أهل مكة بأمارة ذلك حتى ذلك الغرارتين السوداء والبرقاء كما في هذا الكتاب وفي رواية يونس أنه وعد قريشا بقدوم العير التي أرشدهم إلى البعير وشرب إناءهم وأنهم سيقدمون ويخبرون بذلك فقالوا : يا محمد متى يقدمون ؟ فقال " يوم الأربعاء " ، فلما كان ذلك اليوم ولم يقدموا ، حتى كربت الشمس أن تغرب فدعا الله فحبس الشمس حتى قدموا كما وصف قال ولم يحبس الشمس إلا له ذلك اليوم وليوشع بن نون وهذا كله لا يكون إلا يقظة
وذهبت طائفة ثالثة منهم شيخنا القاضي أبو بكر [ بن العربي ] رحمه الله إلى تصديق المقالتين وتصحيح الحديثين وأن الإسراء كان مرتين إحداهما : كان في نومه وتوطئة له وتيسيرا عليه كما كان بدء نبوته الرؤيا الصادقة ليسهل عليه أمر النبوة فإنه عظيم تضعف عنه القوى البشرية وكذلك الإسراء سهله عليه بالرؤيا ، لأن هوله عظيم فجاءه في اليقظة على توطئة وتقدمة رفقا من الله بعبده وتسهيلا عليه ورأيت المهلب في شرح البخاري قد حكى هذا القول عن طائفة من العلماء وأنهم قالوا : كان الإسراء مرتين مرة في نومه ومرة في يقظته ببدنه - صلى الله عليه وسلم -
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 05:56 PM
قال المؤلف وهذا القول هو الذي يصح ، وبه تتفق معاني الأخبار ألا ترى أنه قال في حديث أنس الذي قدمنا ذكره أتاه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه ومعلوم أن الإسراء كان بعد النبوة وحين فرضت الصلاة كما قدمنا في الجزء قبل هذا ، وقيل كان قبل الهجرة بعام ولذلك قال في الحديث فارتد كثير ممن كان قد أسلم ، ورواة الحديثين حفاظ فلا يستقيم الجمع بين الروايتين إلا أن يكون الإسراء مرتين وكذلك ذكر في حديث أنس أنه لقي إبراهيم في السماء السادسة وموسى في السابعة وفي أكثر الروايات الصحيحة أنه رأى إبراهيم عند البيت المعمور في السماء السابعة ولقي موسى في السادسة وفي رواية ابن إسحاق أتي بثلاثة آنية أحدها ماء فقال قائل إن أخذ الماء غرق وغرقت أمته وفي إحدى روايات البخاري في الجامع الصحيح أنه أتي بإناء فيه عسل ولم يذكر الماء والرواة أثبات ولا سبيل إلى تكذيب بعضهم ولا توهينهم فدل على صحة القول بأنه كان مرتين وعاد الاختلاف إلى أنه كان كله حقا ، ولكن في حالتين ووقتين مع ما يشهد له من ظاهر القرآن فإن الله سبحانه يقول ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ثم قال ما كذب الفؤاد ما رأى [ النجم 8 - 11 ] فهذا نحو ما وقع في حديث أنس من قوله فيما يراه قلبه وعينه نائمة والفؤاد هو القلب ثم قال أفتمارونه على ما يرى ولم يقل ما قد رأى ، فدل على أن ثم رؤية أخرى بعد هذه ثم قال ولقد رآه نزلة أخرى أي في نزلة نزلها جبريل إليه مرة فرآه في صورته التي هو عليها عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى قال يغشاها فراش من ذهب وفي رواية ينتثر منها الياقوت وثمرها مثل قلال هجر ثم قال ما زاغ البصر ولم يقل الفؤاد كما قال في التي قبل هذه فدل على أنها رؤية عين وبصر في النزلة الأخرى ، ثم قال لقد رأى من آيات ربه الكبرى وإذا كانت رؤية عين فهي من الآيات الكبرى ، ومن أعظم البراهين والعبر ، وصارت الرؤيا الأولى بالإضافة إلى الأخرى ليست من الكبر لأن ما يراه العبد في منامه دون ما يراه في يقظته لا محالة وكذلك قال في أكثر الأحاديث إنه رأى عند سدرة المنتهى نهرين ظاهرين ونهرين باطنين وأخبره جبريل أن الظاهرين النيل والفرات ،
وذكر في حديث أنس أنه رأى هذين النهرين في السماء الدنيا ، وقال له الملك هما النيل والفرات ، أصلهما وعنصرهما ، فيحتمل أن يكون رأى في حال اليقظة منبعهما ، ورأى في المرة الأولى النهرين دون أن يرى أصلهما والله أعلم .
فقد جاء في تفسير قوله تعالى : وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض [ المؤمنون 18 ] أنهما النيل والفرات أنزلا من الجنة من أسفل درجة منها على جناح جبريل ، فأودعهما بطون الجبال ثم إن الله سبحانه سيرفعهما ، ويذهب بهما عند رفع القرآن وذهاب الإيمان فلا يبقى على الأرض خير ، وذلك قوله تعالى : وإنا على ذهاب به لقادرون وفي حديث مسند ذكره النحاس في المعاني بأتم من هذا فاختصره
ووقع في كتاب المعلم للمازري قول رابع في الجمع بين الأقوال قال كان الإسراء بجسده في اليقظة إلى بيت المقدس ، فكانت رؤيا عين ثم أسري بروحه إلى فوق سبع سموات ولذلك شنع الكفار قوله وأتيت بيت المقدس في ليلتي هذه ولم يشنعوا قوله فيما سوى ذلك .
Powered by vBulletin™ Version 4.0.2 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir