المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل تستطيع الملائكة أن تكلّم البشر أو أن توحي لهم‎ ‎بأشياء؟



أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:02 PM
رؤية الملائكة في الدنيا‎ ‎

المجيب‎ ‎ عبد‎ ‎الرحمن بن ناصر البراك‎
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية‎ ‎


‎السؤال‎ ‎
السلام عليكم، وبعد‎:
هل يمكن أن يرى بعض‎ ‎الناس الملائكة في الدنيا؟‎

الجواب‎ ‎
الحمد لله، الذي يظهر أن السائل يقصد هل يمكن لبعض الناس أن يرى‎ ‎الملائكة في ‏الدنيا، رؤية الملائكة للناس حاصلة، ولكن الأصل أن الناس لا يرون‎ ‎الملائكة، لكن ‏يمكن أن يروهم إذا تمثلوا بغير صورتهم التي خُلقوا عليها، وهذا قد‎ ‎حصل للصحابة – ‏رضي الله عنهم -، رأوا جبريل في صورة دحية الكلبي انظر البخاري‎ (4980)‎، مسلم ‏‏(2451)، وفي صورة إنسان غير معروف كما في حديث جبريل الطويل حديث عمر‎ ‎‎– ‎رضي الله عنه – انظر : مسلم (8)، وكذلك تمثّل جبريل لمريم كما قال –تعالى-‏‏:"فتمثل‎ ‎لها بشراً سوياً"[مريم:17] ، وكذلك تمثل الملائكة لإبراهيم ولوط –عليهم ‏السلام- في‏‎ ‎قصة ضيف إبراهيم، وأما من بعدهم فلا نقول إنه مستحيل، لأن الله على ‏كل شيء قدير،‎ ‎فيمكن أن يتمثل بعض الملائكة ببعض الناس، لكن هذا يتوقف على ‏الدليل، ومن يستطيع أن‎ ‎يثبت أن ما رآه فلان أو فلان أنه ملك؟ هذا والله أعلم‎. ‎

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:03 PM
علاقة الملائكة بذرية آدم:

للملائكة علاقة وثيقة بذرية آدم، فمنهم الحفظة الذين يقومون بحفظ الإنسان، قال تعالى: ‏ له معقبات من ‏بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ‏ {الرعد: 11}، والمعقبات من الله هم الملائكة يحفظون العبد من ‏بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء القدر خَلَّوْا عنه، وجاءت الآيات القرآنية تؤكد هذا المعنى في قوله تعالى: ‏ ‏وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة‏ ‏ {الأنعام: 62}.
وقوله سبحانه: ‏ إن كل نفس لما عليها حافظ ، ولذلك لما قيل لعلي رضي الله عنه: إن نفرًا يريدون ‏قتلك، فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه فيما لم يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، إن الأجل جنة ‏حصينة.
ومنهم الكتبة الذين يكتبون عمل الإنسان، يقول سبحانه: ‏ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ، فإذا تكلم ‏الإنسان بكلمة يرقبها الملك الموَكَّل بكتابتها فيكتبها إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، قال سبحانه: ‏ وإن ‏عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) يعلمون ما تفعلون ‏.
ومنهم الموَكَّل بالرحم: فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا ‏مر بالنطفة اثنان وأربعون ليلة بعث الله تعالى إليها ملكًا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها ‏وعظامها، ثم قال: أي ربِّ: ذكر أم أنثى، فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك". رواه مسلم.
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون ‏علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع؛ بِكَتْبِ رزقه، ‏وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد". رواه البخاري ومسلم.
ومنهم الموَكَّل بالوحي، يقول تعالى: ‏ نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) ‏بلسان عربي مبين ، ويقول سبحانه: ‏ قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما ‏بين يديه ، ويكاد جبريل عليه السلام يختص بهذه الوظيفة.
ومنهم الموكل بقبض روح العباد، يقول سبحانه: ‏ قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ‏ترجعون ، وملك الموت له أعوان ينزعون روح المؤمن في سهولة ويسر كما تنزع القطرة من فم الإناء ‏وينزعون روح الكافر بصعوبة كما تنزع الشوكة من الصوف المبتل، يقول جل شأنه: ‏ وهو القاهر فوق ‏عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ، ويقول سبحانه: ‏ ‏ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب ‏الهون ، ويقول جل شأنه: ‏ فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ‏.
يقول سبحانه: ‏ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ‏آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7) ربنا ‏وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (8) ‏وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم ‏ {غافر: 7- 9}. ويقول سبحانه: ‏ هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما ‏.
وصلاة الملائكة استغفارهم للمؤمنين والدعاء لهم، وهذه بعض الأعمال التي تصلي الملائكة على أهلها:
‏1- معلم الناس الخير، ففي حديث أبي أمامة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله وملائكته، حتى ‏النملة في حجرها، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير". {صحيح الجامع 2-133}.
‏2- الذين يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ، ففي الحديث: "ما من عبد يصلي عليَّ إلا صلت عليه ‏الملائكة، ما دام يصلي عليَّ فليقل العبد من ذلك أو ليكثر". {صحيح الجامع 5-174}.
‏3- المتسحرون، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : "إن الله ‏وملائكته يصلون على المتسحرين". {صحيح الجامع 153}.
‏4- من عاد مريضًا، فعن علي رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "ما من امرئ مسلم ‏يعود مسلمًا إلا ابتعث الله سبعين ألف ملك يصلون عليه..." {صحيح الجامع}.
‏5- المصلون في الصف الأول، ففي الحديث: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول". {صحيح الجامع ‏‏6-21}.
يقول سبحانه: ‏ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (23) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ، ‏والملائكة تستغُفر للمؤمنين وتصلي عليهم.
والملائكة تبشر المؤمن عند الاحتضار عند خروج الروح وقبل أن تفارق الجسد بالنعيم والرضوان، يقول ‏سبحانه: ‏ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة ‏التي كنتم توعدون ‏.
كما أن الملائكة تحب المؤمنين، ففي الحديث "أن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل، إن الله قد أحب فلانًا ‏فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله قد أحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء ‏ويوضع له القبول في الأرض". {رواه مسلم}.
فإن أراد العبد قبولاً في الأرض فطريقه محبة الله التي لا تأتي إلا بفعل الواجبات وترك المحرمات، ثم بفعل ‏المستحبات وترك المكروهات، ففي الحديث: "وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه..."، كما أنها ‏تدعو العباد إلى فعل الخيرات، ففي صحيح البخاري: "ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان، فيقول ‏أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا".‏

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:04 PM
رأى في منامه كأن الملائكة نزلت من السماء تلتقط الياسمين من البصرة ‏

حكي أن رجلا أتى الحسن البصري رحمه الله فقال رأيت البارحة كأن الملائكة نزلت من السماء تلتقط ‏الياسمين من البصرة فاسترجع الحسن وقال ذهب علماء البصرة

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:04 PM
من مقدمة ابن خلدون:‏

المقدمة السادسة في أصناف المدركين للغيب من البشر بالفطرة أو بالرياضة ويتقدمه‎ ‎الكلام في ‏الوحي والرؤيا‎ ‎
اعلم أن الله سبحانه اصطفى من البشر أشخاصاً فضلهم بخطابه وفطرهم‎ ‎على معرفته وجعلهم وسائل ‏بينه وبين عباده يعرفونهم بمصالحهم ويحرضونهم على هدايتهم‎ ‎ويأخذون بحجزاتهم عن النار ‏ويدلونهم على طريق النجاة‏.‏ وكان فيما يلقيه إليهم من‏‎ ‎المعارف ويظهره على ألسنتهم من الخوارق ‏والأخبار الكائنات المغيبة عن البشر التي لا‎ ‎سبيل إلى معرفتها إلا من الله بوساطتهم ولا يعلمونها إلا ‏بتعليم الله إياهم‏.‏ قال‏‎ ‎صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ألا وإني لا أعلم إلا ما علمني الله ‏"‏‏.‏ واعلم أن خبرهم‏‎ ‎في ‏ذلك من خاصيته وضرورته الصدق لما يتبين لك عند بيان حقيقة النبوة‏.‏ وعلامة هذا‏‎ ‎الصنف من ‏البشر أن توجد لهم في حال الوحي غيبة عن الحاضرين معهم مع غطيط كأنها غشي‎ ‎أو إغماء في ‏رأي العين وليست منهما في شيء وإنما هي في الحقيقة استغراق في لقاء‎ ‎الملك الروحاني بإدراكهم ‏المناسب لهم الخارج عن مدارك البشر بالكلية‏.‏ ثم يتنزل‏‎ ‎إلى المدارك البشرية‏:‏ إما بسماع دوي من ‏الكلام فيتفهمه أو يتمثل له صورة شخص‎ ‎يخاطبه بما جاء به من عند الله‏.‏ ثم تنجلي عنه تلك الحال ‏وقد وعى ما ألقي إليه‏.‏‎ ‎قال صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن الوحى‏:‏ ‏"‏ أحيانا يأتيني مثل صلصلة ‏الجرس وهو‎ ‎أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما‎ ‎يقول ‏"‏‏.‏ ويدركه أثناء ذلك من الشدة والغط ما لا يعبر عنه‏.‏ ففي الحديث‏:‏ ‏"‏‎ ‎كان مما يعالج من التنزيل ‏شدة وقالت عائشة‏:‏ ‏"‏ كان ينزل عليه الوحي في اليوم‏‎ ‎الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد ‏عرقاً ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏‎ ‎إنا سنلقي عليك قولاً‎ ‎ثقيلاً‎ ‎‏"‏‏.‏ ولأجل هذه الحالة في تنزل الوحي كان المشركون ‏يرمون‎ ‎الأنبياء بالجنون ويقولون‏:‏ له رئي أو تابع من الجن‏.‏ وإنما لبس عليهم بما شاهدوه‎ ‎من ظاهر ‏تلك الأحوال‏:‏ ‏"‏‎ ‎ومن يضلل الله فما له من هاد‎ ‎‏"‏‏.‏ ومن علاماتهم أيضاً‏‎ ‎أنه يوجد لهم قبل الوحي خلق ‏الخير والزكاء ومجانبة المذمومات والرجس أجمع‏.‏ وهذا‏‎ ‎هو معنى العصمة‏.‏ وكأنه مفطورعلى التنزه ‏عن المذمومات والمنافرة لها وكأنها منافية‎ ‎لجبلته‏.‏ وفي الصحيح أنه حمل الحجارة وهو غلام مع ‏عمه العباس لبناء الكعبة فجعلها‎ ‎في إزاره فانكشف فسقط مغشياً عليه حتى استتر بإزاره ودعي إلى ‏مجتمع وليمة فيها عرس‎ ‎ولعب فأصابه غشي النوم إلى أن طلعت الشمس ولم يحضر شيئاً من شأنهم ‏بل نزهه الله عن‎ ‎ذلك كله حتى أنه بجبلته يتنزه عن المطعومات المستكرهة‏.‏ فقد كان صلى الله عليه‏‎ ‎وسلم لا يقرب البصل والثوم فقيل له في ذلك فقال‏:‏ ‏"‏ إني اناجي من لا تناجون‏‎ ‎‏"‏‏.‏ وانظر لما أخبر ‏النبي صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها بحال الوحي‎ ‎أول ما فجأته وأرادت اختباره فقالت‏:‏ ‏‏"‏ إجعلني بينك وبين ثوبك ‏"‏ فلما فعل ذلك‏‎ ‎ذهب عنه فقالت‏:‏ ‏"‏ إنه ملك وليس بشيطان ‏"‏ ومعناه إنه لا ‏يقرب النساء‏.‏ وكذلك‏‎ ‎سألته عن أحب الثياب إليه أن يأتيه فيها فقال البياض والخضرة فقالت إنه الملك ‏يعني‎ ‎أن البياض والخضرة من ألوان الخير والملائكة والسواد من ألوان الشر الشياطين وأمثال‎ ‎ذلك‏.‏ ‏ومن علاماتهم أيضاً دعاؤهم إلى الدين والعبادة من الصلاة والصدقة والعفاف‏.‏‎ ‎وقد استدلت خديجة ‏على صدقه صلى الله عليه وسلم بذلك وكذلك أبو بكر ولم يحتاجا في‎ ‎أمره إلى دليل خارج عن حاله ‏وخلقه‏.‏ وفي الصحيح أن هرقل حين جاءه كتاب النبي صلى‏‎ ‎الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام أحضر ‏من وجد ببلده من قريش وفيهم أبو سفيان‎ ‎ليسألهم عن حاله فكان فيما سأل أن قال‏:‏ بم يأمركم فقال أبو ‏سفيان‏:‏ بالصلاة‏‎ ‎والزكاة والصلة والعفاف إلى آخر ما سأل فأجابه فقال‏:‏ ‏"‏ إن يكن ما تقول حقاً فهو‎ ‎نبي وسيملك ما تحت قدمي هاتين ‏"‏‏.‏ والعفاف الذي أشار إليه هرقل هو العصمة‏.‏‎ ‎فانظر كيف أخذ من ‏العصمة والدعاء إلى الدين والعبادة دليلاً على صحة نبوته ولم يحتج‎ ‎إلى معجزة‏.‏ فدل على أن ذلك ‏من علامات النبوة‏.‏ ومن علاماتهم أيضاً أن يكونوا ذوي‏‎ ‎حسب في قومهم‏.‏ وفي الصحيح‏:‏ ‏"‏ ما بعث ‏الله نبياً إلا في منعة من قومه ‏"‏ وفي‏‎ ‎رواية أخرى في ثروة من قومه استدركه الحاكم على ‏الصحيحين وفي مساءلة هرقل لأبي‎ ‎سفيان كما هو في الصحيح قال‏:‏ ‏"‏ كيف هو فيكم ‏"‏ قال أبو ‏سفيان‏:‏ ‏"‏ هو فينا‏‎ ‎ذو حسب فقال هرقل‏:‏ والرسل تبعث في أحساب قومها‏.‏ ومعناه أن تكون له عصبة ‏وشوكة‎ ‎تمنعه عن أذى الكفار حتى يبلغ رسالة ربه ويتم مراد الله من إكمال دينه وملته‏.‏ ومن‏‎ ‎علاماتهم أيضاً وقوع الخوارق لهم شاهدة بصدقهم وهي أفعال يعجز البشر عن مثلها فسميت‎ ‎بذلك ‏معجزة وليست من جنس مقدور العباد وإنما تقع في غير محل قدرتهم‏.‏ وللناس في‏‎ ‎كيفية وقوعها ‏ودلالتها على تصديق الأنبياء خلاف‏.‏ فالمتكلمون بناء على القول‏‎ ‎بالفاعل المختار قائلون بأنها واقعة ‏بقدرة الله لا بفعل النبي وإن كانت أفعال‎ ‎العباد عند المعتزلة صادرة عنهم إلا أن المعجزة لا تكون من ‏جنس أفعالهم‏.‏ وليس‏‎ ‎للنبي فيها عند سائر المتكلمين إلا التحدي بها بإذن الله وهو أن يستدل بها النبي‎ ‎صلى الله عليه وسلم قبل وقوعها على صدقه في مدعاه‏.‏ فإذا وقعت تنزلت منزلة القول‏‎ ‎الصريح من ‏الله بأنه صادق وتكون دلالتها حينئذ على الصدق قطعية‏.‏ فالمعجزة دالة‏‎ ‎بمجموع الخارق والتحدي ‏ولذلك كان التحدي جزءاً منها‏.‏ وعبارة المتكلمين صفة وهو‏‎ ‎واحد لأنه معنى الذاتي عندهم‏.‏ والتحدي ‏هو الفارق بينها وبين الكرامة والسحر إذ لا‎ ‎حاجة فيهما إلى التصديق فلا وجود للتحدي إلا إن وجد ‏اتفاقاً‏.‏

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:06 PM
وإن وقع التحدي في‏‎ ‎الكرامة عند من يجيزها وكانت لها دلالة فإنما هي على الولاية وهي غير ‏النبوة‏.‏ ومن‏‎ ‎هنا منع الأستاذ أبو إسحق وغيره وقوع الخوارق كرامة فراراً من الالتباس بالنبوة عند‎ ‎التحدي بالولاية‏.‏ وقد أريناك المغايرة بينهما وأنه يتحى بغير مايتحدى به النبي‏‎ ‎فلا لبس على أن النقل ‏عن الأستاذ في ذلك ليس صريحاً وربما حمل على وأما المعتزلة‎ ‎فالمانع من وقوع الكرامة عندهم أن ‏الخوارق ليست من أفعال العباد وأفعالهم معتادة‎ ‎فلا فرق‏.‏ وأما وقوعها على يد الكاذب تلبيساً فهو ‏محال‏.‏ أما عند الأشعرية فلأن‏‎ ‎صفة نفس المعجزة التصديق والهداية فلو وقعت بخلاف ذلك انقلب ‏الدليل شبهة والهداية‏‎ ‎ضلالة والتصديق كذباً واستحالت الحقائق وانقلبت صفات النفس وما يلزم من ‏فرض وقوعه‎ ‎المحال لا يكون ممكناً‏.‏ وأما عند المعتزلة فلأن وقوع الدليل شبهة والهداية ضلالة‏‎ ‎قبيح ‏فلا يقع من الله‏.‏ وأما الحكماء فالخارق عندهم من فعل النبي ولو كان في غير‏‎ ‎محل القدرة بناء على ‏مذهبهم في الإيجاب الذاتي ووقوع الحوادث بعضها عن بعض متوقف‎ ‎على الأسباب والشروط ‏الحادثة مستندة أخيراً إلى الواجب الفاعل بالذات لا بالاختيار‎ ‎وأن النفس النبوية عندهم لها خواص ‏ذاتية منها صدور هذه الخوارق بقدرته وطاعة‎ ‎العناصر له في التكوين‏.‏ والنبي عندهم مجبول على ‏التصريف في الأكوان مهما توجه‎ ‎إليها واستجمع لها بما جعل الله له من ذلك‏.‏ والخارق عندهم يقع ‏للنبي سواء أكان‎ ‎للتحدي أو لم يكن وهو شاهد بصدقه من حيث دلالتها على تصرف النبي في ‏الأكوان الذي هو‎ ‎من خواص النفس النبوية لا بأنه يتنزل منزلة القول الصريح بالتصديق‏.‏ فلذلك لا ‏تكون‎ ‎دلالتها عندهم قطعية كما هي عند المتكلمين ولا يكون التحدي جزءاً من المعجزة ولم‎ ‎يصح ‏فارقاً لها عن السحر والكرامة‏.‏ وفارقها عندهم عن السحر أن النبي مجبول على‏‎ ‎أفعال الخير ‏مصروف عن أفعال الشر فلا يلم الشر بخوارقه والساحر على الضد فأفعاله‎ ‎كلها شر وفي مقاصد ‏الشر‏.‏ وفارقها عن الكرامة أن خوارق النبي مخصوصة كالصعود إلى‏‎ ‎السماء والنفوذ في الأجسام ‏الكثيفة وإحياء الموتى وتكليم الملائكة والطيران في‎ ‎الهواء وخوارق الولي دون ذلك كتكثير القليل ‏والحديث عن بعض المستقبل وأمثاله مما هو‎ ‎قاصر عن تصريف الأنبياء‏.‏ ويأتي النبي بجميع ‏خوارقه ولا يقدر هو على مثل خوارق‎ ‎الأنبياء‏.‏ وقد قرر ذلك المتضوفة فيما كتبوه في طريقتهم ‏ولقنوه عمن أخبرهم‏.‏ وإذا‏‎ ‎تقرر ذلك فاعلم أن أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة القرآن ‏الكريم المنزل على‎ ‎نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي ‏يتلقاه‎ ‎النبي ويأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه والقرآن هو بنفسه الوحي المدعى وهو الخارق المعجز‎ ‎فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي فهو أوضح‎ ‎دلالة لاتحاد ‏الدليل والمدلول فيه‏.‏ وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ما من‏‎ ‎نبي من الأنبياء إلا وأوتي من ‏الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أتيته‎ ‎وحياً أوحي إلي‏.‏ فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعاً ‏يوم القيامة ‏"‏ يشير إلى أن‏‎ ‎المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوة الدلالة وهو كونها نفس ‏الوحي كان‎ ‎الصدق لها أكثر لوضوحها فكثر المصدق المؤمن وهو التابع والأمة‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:06 PM
تفسير حقيقة النبوة ولنذكر الآن تفسير حقيقة النبوة على ما شرحه‎ ‎كثيرمن المحققين ثم نذكر حقيقة ‏الكهانة ثم الرؤيا ثم شأن العرافين وغير ذلك من‎ ‎مدارك الغيب فنقول‏:‏ اعلم أرشدنا الله وإياك أنا ‏نشاهد هذا العالم بما فيه من‎ ‎المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والإحكام وربط الأسباب ‏بالمسببات واتصال‎ ‎الأكوان بالأكوان واستحالة بعض الموجودات إلى بعض لا تنقضي عجائبه في ‏ذلك ولا تنتهي‎ ‎غاياته‏.‏ وأبدأ من ذلك بالعالم المحسوس الجثماني‏.‏ وأولاً عالم العناصر المشاهدة‎ ‎كيف ‏تدرج صاعداً من الأرض إلى الماء ثم إلى الهواء ثم إلى النار متصلاً بعضها‎ ‎ببعض‏.‏ وكل واحد منها ‏مستعد إلى أن يستحيل إلى ما يليه صاعداً وهابطاً ويستحيل بعض‎ ‎الأوقات‏.‏ والصاعد منها ألطف مما ‏قبله إلى أن ينتهي إلى عالم الأفلاك وهو ألطف من‎ ‎الكل على طبقات اتصل بعضهما ببعض على ‏هيئة لا يدرك الحس منها إلا الحركات فقط وبها‎ ‎يهتدي بعضهم إلى معرفة مقاديرها وأوضاعها وما ‏بعد ذلك من وجود الذوات التي لها هذه‎ ‎الآثار فيها‏.‏ ثم انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ‏ثم النبات ثم‎ ‎الحيوان على هيئة بديعة من التدريج‏.‏ آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل‏‎ ‎الحشائش وما لا بذر له وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل‎ ‎الحلزون ‏والصدف ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن‎ ‎آخر أفق منها ‏مستعد بالاستعداد الغريب لأن يصير أول أفق الذي بعده‏.‏ واتسع عالم‏‎ ‎الحيوان وتعددت أنواعه ‏وانتهى في تدريج التكوين إلى الانسان صاحب الفكر والروية‎ ‎ترتفع إليه من عالم القدرة الذي اجتمع ‏فيه الحس والإدراك ولم ينته إلى الروية‎ ‎والفكر بالفعل وكان ذلك أول أفق من الإنسان بعده‏.‏ وهذا ‏غاية شهودنا‏.‏ ثم إنا نجد‎ ‎في العوالم على اختلافها آثاراً متنوعة‏:‏ ففي عالم الحس آثار من حركات ‏الأفلاك‎ ‎والعناصر وفي عالم التكوين آثار من حركة النمو والإدراك تشهد كلها بأن لها مؤثراً‎ ‎مبايناً ‏للأجسام‏.‏ فهو روحاني ويتصل بالمكونات لوجود اتصال هذا العالم في وجودها‏‎ ‎وذلك هو النفس ‏المدركة والمحركة‏.‏ ولا بد فوقها من وجود آخر يعطيها الإدراك‏‎ ‎والحركة ويتصل بها أيضاً ويكون ‏ذاته إدراكاً صرفاً وتعقلاً محضاً وهو عالم‎ ‎الملائكة‏.‏ فوجب من ذلك أن يكون للنفس استعداد ‏للانسلاخ من البشرية الى الملكية‎ ‎لتصير بالفعل من جنس الملائكة وقتاً من الأوقات في لمحة من ‏اللمحات وذلك بعد أن‎ ‎تكمل ذاتها الروحانية بالفعل كما نذكره بعد ويكون لها اتصال بالأفق الذي ‏بعدها شأن‎ ‎الموجودات المرتبة كما قدمناه‏.‏
فلها في الاتصال جهتا العلو والسفل‏:‏ فهي متصلة‏‎ ‎بالبدن ‏من أسفل منها ومكتسبة به المدارك الحسية التي تستعد بها للحصول على التعقل‎ ‎بالفعل ومتصلة من ‏جهة الأعلى منها بأفق الملائكة ومكتسبة به المدارك العلمية‎ ‎والغيبية فإن عالم الحوادث موجود في ‏تعقلاتهم من غير زمان‏.‏ وهذا ما قدمناه من‏‎ ‎الترتيب المحكم في الوجود باتصال ذواته وقواه بعضها ‏ببعض‏.‏ ثم إن هذه النفس‏‎ ‎الإنسانية غائبة عن العيان وآثارها ظاهرة في البدن فكأنه وجميع أجزائه ‏مجتمعة‎ ‎ومفترقة آلات للنفس ولقواها أما الفاعلية فالبطش باليد والمشي بالرجل والكلام‎ ‎باللسان ‏والحركة الكلية بالبدن متدافعاً‏.‏ وأما المحركة وإن كانت قوى الإدراك‏‎ ‎مرتبة ومرتقية إلى القوة العليا ‏منها ومن المفكرة التي يعبر عنها بالناطقة فقوى‎ ‎لظاهرة بآلاته من السمع والبصر وسائرها يرتقي ‏إلى الباطن وأوله الحس وهو قةة تدرك‎ ‎المحسوسات مبصرة ومسموعة وملموسة وغيرها في حالة ‏واحدة وبذلك فارقت قوة الحس الظاهر‎ ‎لأن المحسوسات لا تزدحم عليها في الوقت الواحد ثم يؤديه ‏الحس المشترك إلى الخيال‎ ‎وهي قوة تمثل الشيء المحسوس في النفس كما هو مجرد عن المواد ‏الخارجة فقط‏.‏ وآلة‏‎ ‎هاتين القوتين في تصريفهما البطن الأول من الدماغ‏:‏ مقدمة للأولى ومؤخرة‏‎ ‎للثانية‏.‏ ثم يرتقي الخيال إلى الواهمة والحافظة فالواهمة لإدراك المعاني المتعلقة‏‎ ‎بالشخصيات كعداوة ‏زيد وصداقة عمرو ورحمة الأب وافتراس الذئب‏.‏ والحافظة لإيداع‏‎ ‎المدركات كلها متخيلة وغير ‏متخيلة وهي لها كالخزانة تحفظها لوقت الحاجة إليها‏.‏‎ ‎وآلة هاتين القوتين في تصريفهما البطن ‏المؤخر من الدماغ‏:‏ أوله للأولى ومؤخره‏‎ ‎للأخرى‏.‏ ثم ترتقي جميعها إلى قوة الفكر‏.‏ وآلته البطن ‏الأوسط من الدماغ وهي‎ ‎القوة التي يقع بها حركة الرؤية والتوجه نحو التعقل فتحرك النفس بها دائماً ‏لماركب‎ ‎فيها من النزوع للتخلص من درك القوة والاستعداد الذي للبشرية وتخرج إلى الفعل في‎ ‎تعقلها متشبهة بالملإ الأعلى الروحاني‏.‏ وتصير في أول مراتب الروحانيات في إدراكها‏‎ ‎بغير الآلات ‏الجسمانية‏.‏ فهي متحركة دائماً ومتوجهة نحو ذلك‏.‏ وقد تنسلخ بالكلية‏‎ ‎من البشرية وروحانيتها إلى ‏الملكية من الأفق الأعلى من غير اكتساب بل بما جعل الله‎ ‎فيها من الجبلة والفطرة الأولى في ذلك‏.‏ ‏أصناف النفوس البشرية والنفوس البشرية على‎ ‎ثلاثة أصناف‏:‏ صنف عاجز بالطبع عن الوصول إلى ‏الإدراك الروحاني فينقطع بالحركة إلى‎ ‎الجهة السفلى نحو المدارك الحسية والخيالية وتركيب المعاني ‏من الحافظة والواهمة على‎ ‎قوانين محصورة وترتيب خاص يستفيدون به العلوم التصورية ‏والتصديقية التي للفكر في‎ ‎البدن وكلها خيالي منحصر نطاقه إذ هو من جهة مبدئه ينتهي إلى ‏الأوليات ولا يتجاوزها‎ ‎وإن فسد فسد ما بعدها‏.‏ وهذا هو في الأغلب نطاق الإدراك البشري ‏الجسماني‏.‏ وإليه‏‎ ‎تنتهي مدارك العلماء وفيه ترسخ أقدامهم‏.‏ وصنف متوجة بتلك الحركة الفكرية نحو‏‎ ‎العقل الروحاني والإدراك الذي لا يفتقر إلى الآلات البدنية بما جعل فيه من‎ ‎الاستعداد لذلك فيتسع ‏نطاق إدراكه عن الأوليات التي هي نطاق الإدراك الأول البشري‎ ‎ويسرح في فضاء المشاهدات ‏الباطنية وهي وجدان كلها لا نطاق لها من مبدئها ولا من‎ ‎منتهاها‏.‏ وهذه مدارك العلما الأولياء أهل ‏العلوم اللدنية والمعارف الربانية وهي‎ ‎الحاصلة بعد الموت لأهل السعادة في البرزخ‏.‏ وصنف مفطور ‏على الانسلاخ من البشرية‎ ‎جملة جسمانيتها وروحانيتها إلى الملائكة من الأفق الأعلى ليصير في ‏لمحة من اللمحات‎ ‎ملكاً بالفعل ويحصل له شهود الملإ الأعلى في أفقهم وسماع الكلام النفساني ‏والخطاب‎ ‎الإلهي في تلك اللمحة‏.‏ الوحي وهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جعل الله‏‎ ‎لهم ‏الانسلاخ من البشرية في تلك اللمحة وهي حالة الوحي فطرة فطرهم الله عليها وجبلة‎ ‎صورهم فيها ‏ونزههم عن موانع البدن وعوائقه ما داموا ملابسين لها بالبشرية بما ركب‎ ‎في غرائزهم من لقصد ‏والاستقامة التي يحاذون بها تلك الوجهة وركز في طبائعهم رغبة في‎ ‎العبادة تكشف بتلك الوجهة ‏وتسيغ نحوها‏.‏ فهم يتوجهون إلى ذلك الأفق بذلك النةع من‏‎ ‎الانسلاخ متى شاؤوا بتلك الفطرة التي ‏فطروا عليها لا باكتساب ولا صناعة‏.‏ فلذا‏‎ ‎توجهوا وانسلخوا عن بشريتهم وتلقوا في ذلك الملإ الأعلى ‏ما يتلقونه وعاجوا به على‎ ‎المدارك البشرية منزلاً في قواها لحكمة التبليغ للعباد‏.‏ فتارة يسمع أحدهم ‏دوياً‎ ‎كأنه رمز من الكلام يأخذ منه المعنى الذي ألقي إليه فلا ينقضي الدوي إلا وقد وعاه‎ ‎وفهمه‏.‏

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:08 PM
‏وتارة يتمثل له الملك الذي يلقي إليه رجلاً فيكلمه ويعي ما يقوله‏.‏‎ ‎والتلقي من الملك والرجوع إلى ‏المدارك البشرية وفهمه ما ألقي عليه كله كأنة في لحظة‎ ‎واحدة بل أقرب من لمح البصر لأنه ليس في ‏زمان بل كلها تقع جميعاً فيظهر كأنها سريعة‎ ‎ولذلك سميت وحياً لأن الوحي في اللغة الإسراع‏.‏ واعلم ‏أن الأولى وهي حالة الدوي هي‎ ‎رتبة الأنبياء غيرالمرسلين على ما حققوه والثانية وهي حالة تمثل ‏الملك رجلاً يخاطب‎ ‎هي رتبة الأنبياء المرسلين ولذلك كانت أكمل من الأولى‏.‏ وهذا معنى الحديث ‏الذي فسر‎ ‎فيه النبي صلى الله عليه وسلم الوحي لما سأله الحارث بن هشام وقال وكيف يأتيك الوحي‎ ‎فقال‏:‏ ‏"‏ أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما‏‎ ‎قال وأحياناً ‏يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول‏.‏ وإنما كانت الأولى أشد‏‎ ‎لأنها مبدأ الخروج في ذلك ‏الإتصال من القوة إلى الفعل فيعسر بعض العسر ولذلك لما‎ ‎عاج فيها على المدارك البشرية بالسمع ‏وصعب ما سواه‏.‏ وعندما يتكرر الوحي ويكثر‏‎ ‎التلقي يسهل ذلك الاتصال فعندما يعرج إلى المدارك ‏البشرية يأتي على جميعها وخصوصاً‎ ‎الأوضح منها وهو إدراك البصر‏.‏ وفي العبارة عن الوعي في ‏الأولى بصيغة الماضي وفي‎ ‎الثانية بصيغة المضارع لطيفة من البلاغة وهي أن الكلام جاء مجيء ‏التمثيل لحالتي‎ ‎الوحي فمثل الحالة الأولى بالدوي الذي هو في المتعارف غير كلام وأخبر أن الفهم‎ ‎والوعي يتبعه غب انقضائه فناسب عند تصوير انقضائه وانفصاله العبارة عن الوعي‎ ‎بالماضي ‏المطابق للانقضاء والانقطاع ومثل الملك في الحالة الثانية برجل يخاطب‎ ‎ويتكلم والكلام يساوقه ‏الوعي فناسب العبارة بالمضارع المقتضي للتجدد‏.‏ واعلم أن في‏‎ ‎حالة الوحي كلها صعوبة على ‏الجملة وشدة قد أشار إليها القرآن قال تعالى‏:‏ ‏"‏‎ ‎إنا سنلقي عليك قولاً‎ ‎ثقيلاً‎ ‎‏"‏ وقالت عائشة‏:‏ ‏"‏ كان مما ‏يعاني من التنزيل شدة وقالت‏:‏‎ ‎‏"‏ كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ‏ليتفصد عرقاً‎ ‎‏"‏‏.‏ ولذلك كان يحدث عنه في تلك الحالة من الغيبة والغطيط ما هو معروف‏.‏ وسبب‏‎ ‎ذلك ‏أن الوحي كما قررناه مفارقة البشرية إلى المدارك الملكية وتلقي كلام النفس‏‎ ‎فيحدث عنه شدة من ‏مفارقة الذات ذاتها وانسلاخها عنها من أفقها إلى ذلك الأفق‎ ‎الآخر‏.‏ وهذا هو معنى الغط الذي عبر به ‏في مبدأ الوحي في قوله‏:‏ ‏"‏ فغطني حتى‏‎ ‎بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارىء وكذا ‏ثانية وثالثة ‏"‏ كما‏‎ ‎في الحديث‏.‏ وقد يفضي الاعتياد بالتدريج فيه شيئاً فشيئاً إلى بعض السهولة بالقياس‏‎ ‎إلى ما قبله‏.‏ ولذلك كان تنزل نجوم القرآن وسوره وآيه حين كان بمكة أقصر منها وهو‏‎ ‎بالمدينة‏.‏ ‏وانظر إلى ما نقل في نزول سورة براءة في غزوة تبوك وأنها نزلت كلها أو‎ ‎أكثرها عليه وهو يسير ‏على ناقته بعد أن كان بمكة ينزل عليه بعض السورة من قصار‎ ‎المفصل في وقت وينزل الباقي في ‏حين آخر‏.‏ وكذلك كان آخر ما نزل بالمدينة آية الدين‏‎ ‎وهي ما هي في الطول بعد أن كانت الآية تنزل ‏بمكة مثل آيات الرحمن والذاريات والمدثر‎ ‎والضحى والفلق وأمثالها‏.‏ واعتبر من ذلك علامة تميز ‏بها بين المكي والمدني من‎ ‎السور والآيات‏.‏ والله المرشد للصواب‏.‏ هذا محصل أمر النبوة‏.‏ الكهانة ‏وأما‎ ‎الكهانة فهي أيضاً من خواص النفس الإنسانية‏.‏ وذلك أنه وقد تقدم لنا في جميع ما مر‏‎ ‎أن للنفس ‏الإنسانية استعداداً للانسلاخ من البشرية إلى الروحانية التي فوقها وأنه‎ ‎يحصل من ذلك لمحة للبشر ‏في صنف الأنبياء بما فطروا عليه من ذلك وتقرر أنه يحصل لهم‎ ‎من غير اكتساب ولا استعانة بشيء ‏من المدارك ولا من التصورات ولا من الأفعال البدنية‎ ‎كلاماً اوحركة ولا بأمر من الأمور إنما هو ‏انسلاخ من البشريه إلى الملكية بالفطرة‎ ‎في لحظة أقرب من لمح البصر‏.‏ وإذا كان كذلك وكان ذلك ‏الاستعداد موجوداً في الطبيعة‎ ‎البشرية فيعطي التقسيم العقلي وإن هنا صنفاً آخر من البشر ناقصاً عن ‏رتبة الصنف‎ ‎الأول نقصان الضد عن ضده الكامل لأن عدم الاستعانة في ذلك الإدراك ضد الاستعانة ‏فيه‎ ‎وشتان مابينهما‏.‏ فإذا أعطي تقسيم الوجود إلى هنا صنفاً آخر من البشر مفطوراً على‏‎ ‎أن تتحرك ‏قوته حركتها الفكرية بالإردة عندما يبعثها النزوع لذلك وهي ناقصة عنه‎ ‎بالجبلة لها بالجبلة عندما ‏يعوقها العجز عن ذلك تشبث بأمور جزئية محسوسة أو متخيلة‎ ‎كالأجسام الشفافة وعظام الحيوانات ‏وسجع الكلام وما سنح من طير أو حيوان فيستديم ذلك‏‎ ‎الإحساس أو التخيل مستعيناً به في ذلك ‏الانسلاخ الذي يقصده ويكون كالمشيع له‏.‏‎ ‎وهذه القوة التي فيهم مبدأ لذلك الإدراك هي الكهانة‏.‏

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:08 PM
ولكون ‏هذه النفوس مفطورة على‎ ‎النقص والقصور عن الكمال كان إدراكها في الجزئيات أكثر من الكليات‏.‏ ‏ولذلك تكون‎ ‎المخيلة فيهم في غاية القوة لأنها آلة الجزئيات فتنفذ فيها نفوذاً تاماً أو يقظة‎ ‎وتكون عندها ‏حاضرة عتيدة تحضرها المخيلة وتكون لها كالمرآة تنظر فيها دائماً‏.‏ ولا‏‎ ‎يقوى الكاهن على الكمال ‏في إدراك المعقولات لأن وحيه من وحي الشيطان‏.‏ وأرفع أحوال‎ ‎هذا الصنف أن يستعين بالكلام ‏الذي فيه السجع والموازنة ليشتغل به عن الحواس ويقوى‎ ‎بعض الشيء على ذلك الاتصال الناقص ‏فيهجس في قلبه عن تلك الحركة والذي يشيعها من ذلك‎ ‎الأجنبي ما يقذفه على لسانه صدق ووافق ‏الحق وربما كذب لأنه يتمم نقصه بأمر أجنبي عن‎ ‎ذاته ومباين لها غير ملائم فيعرض له الصدق ‏والكذب جميعاً ولا يكون موثوقاً به‏.‏‎ ‎وربما يفزع إلى الظنون والتخمينات حرصاً على الظفر ‏بالإدراك بزعمه وتمويهاً على‎ ‎السائلين‏.‏ وأصحاب هذا السجع هم المخصصون باسم الكهان لأنهم ‏أرفع سائر وقد قال صلى‎ ‎الله عليه وسلم في مثله‏:‏ ‏"‏ هذا من سجع الكهان ‏"‏‏.‏ فجعل السجع مختصاً بهم‏‎ ‎بمقتضى الإضافة‏.‏ وقد قال لابن صياد حين سأله كاشفاً عن حاله بالأخبار‏:‏ كيف‏‎ ‎يأتيك هذا الأمر قال‏:‏ ‏يأتيني صادقاً وكاذباً فقال‏:‏ خلط عليك الأمر‏!‏ يعني أن‏‎ ‎النبوة خاصتها الصدق فلا يعتريها الكذب بحال ‏لأنها اتصال من ذات النبي بالملإ‎ ‎الأعلى من غير مشيع ولا استعانة بأجنبي‏.‏ والكهانة لما احتاج ‏صاحبها بسبب عجزه إلى‎ ‎الاستعانة بالتصورات الأجنبية كانت داخلة في إدراكه والتبست بالإدراك ‏الذي توجه‎ ‎إليه فصار مختلطاً بها وطرقه الكذب من هذه الجهة فامتنع أن تكون نبوة‏.‏ وإنما قلنا‎ ‎أن ‏أرفع مراتب الكهانة حالة السجع لأن معنى السجع أخف من سائر المغيبات من المرئيات‎ ‎والمسموعات‏.‏ وتدل خفة المعنى على قرب ذلك الاتصال والإدراك والبعد فيه عن العجز‏‎ ‎بعض ‏الشيء‏.‏ وقد زعم بعض الناس أن هذه الكهانة قد انقطعت منذ زمن النبوة بما وقع‏‎ ‎من شأن رجم ‏الشياطين بالشهب بين يدي البعثة وأن ذلك كان لمنعهم من خبر السماء كما‎ ‎وقع في القرآن والكهان ‏إنما يتعرفون أخبار السماء من الشياطين فبطلت الكهانة من‎ ‎يومئذ‏.‏ ولا يقوم من ذلك دليل لأن علوم ‏الكهان كما تكون من الشياطين تكون من‎ ‎نفوسهم أيضاً كما قررناه‏.‏ وأيضاً فالآية إنما دلت على منع ‏الشياطين من نوع واحد‎ ‎من أخبار السماء وهو ما يتعلق بخبر البعثة ولم يمنعوا مما سوى ذلك‏.‏ ‏وأيضاً فإنما‎ ‎كان ذلك الانقطاع بين يدي النبوة فقط ولعلها عادت بعد ذلك إلى ما كانت عليه وهذا هو‎ ‎الظاهر لأن هذه المدارك كلها تخمد في زمن النبوة كما تخمد الكواكب والسرج عند وجود‎ ‎الشمس ‏لأن النبوة هي النور الأعظم الذي يخفى معه كل نور ويذهب‏.‏ وقد زعم بعض‏‎ ‎الحكماء أنها إنما توجد ‏بين يدي النبوة ثم تنقطع وهكذا مع كل نبوة وقعت لأن وجود‎ ‎النبوة لا بد له من وضع فلكي يقتضيه ‏وفي تمام ذلك الوضع تمام تلك النبوة التي دل‏‎ ‎عليها ونقض ذلك الوضع عن التمام يقتضي وجود ‏طبيعة من ذلك النوع الذي يقتضيه ناقصة‎ ‎وهو معنى الكاهن على ما قررناه‏.‏ فقبل أن يتم ذلك الوضع ‏الكامل يقع الوضع الناقص‎ ‎ويقتضي وجود الكاهن إما واحداً أو متعدداً‏.‏ فإذا تم ذلك الوضع تم وجود ‏النبي‎ ‎بكماله وانقضت الأوضاع الدالة على مثل تلك الطبيعة فلايوجد منها شيء بعد‏.‏ وهذا‏‎ ‎بناء على ‏أن بعض الوضع الفلكي يقتضي بعض أثره وهو غير مسلم‏.‏ فلعل الوضع إنما‏‎ ‎يقتضي ذلك الأثر ‏بهيئة الخاصة ولو نقص بعض أجزائها فلا يقتضي شيئاً لا أنه يقتضي‎ ‎ذلك الأثر ناقصا كما قالوه‏.‏ ثم ‏أن هؤلاء الكهان إذا عاصروا زمن النبوة فإنهم‎ ‎عارفون بصدق النبي ودلالة معجزته لأن لهم بعض ‏الوجدان من أمر النبوة كما لكل إنسان‎ ‎من أمر النوم‏.‏ ومعقولية تلك النسبة موجودة للكاهن بأشد مما ‏للنائم‏.‏ ولا يصدهم‏‎ ‎عن ذلك ويوقعهم في التكذيب إلا قوة المطامع في أنها نبوة لهم فيقعون في العناد ‏كما‎ ‎وقع لأمية بن أبي الصلت فإنه كان يطمع أن يتنبأ وكذا وقع لابن صياد ولمسيلمة‎ ‎وغيرهم‏.‏ فإذا ‏غلب الإيمان وانقطعت تلك الأماني آمنوا أحسن إيمان كما وقع لطليحة‎ ‎الأسدي وسواد بن قارب ‏وكان لهما في الفتوحات الإسلامية من الآثار الشاهدة بحسن‎ ‎الإيمان‏.‏ الرؤيا وأما الرؤيا فحقيقتها ‏مطالعة النفس الناطقة في ذاتها الروحانية‎ ‎لمحة من صور الواقعات فإنها عندما تكون روحانية تكون ‏صور الواقعات فيها موجودة‎ ‎بالفعل كما هو شأن الذوات الروحانية كلها‏.‏ وتصير روحانية بأن تتجرد ‏عن المواد‎ ‎الجسمانية والمدارك البدنية وقد يقع لها ذلك لمحة بسبب النوم كما نذكر فتقتبس بها‏‎ ‎علم ما ‏تتشوف إليه الأمور المستقبلة وتعود به إلى مداركها‏

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:09 PM
فإن كان ذلك الاقتباس‏‎ ‎ضعيفاً وغير جلي ‏بالمحاكاة والمثال‎ ‎في الخيال لتخلطه فيحتاج من أجل هذه المحاكاة‎ ‎إلى التعبير وقد يكون الاقتباس ‏قوياً يستغنى فيه عن المحاكاة فلا يحتاج إلى تعبير‎ ‎لخلوصه من المثال والخيال‏.‏ والسبب في وقوع ‏هذه اللمحة للنفس أنها ذات روحانية‎ ‎بالقوة مستكملة ومداركه حتى تصيرذاتها تعقلاً محضاً ويكمل ‏وجودها بالفعل فتكون‎ ‎حينئذ ذاتاً روحانية مدركة بغير شيء من الآلات البدنية‏.‏ إلا أن نوعها في‏‎ ‎الروحانيات دون نوع الملائكة أهل الأفق الأعلى الذين لم يستكملوا ذواتهم بشيء من‎ ‎مدارك البدن ‏ولا غيره‏.‏ فهذا الاستعداد حاصل لها ما دامت في البدن‏:‏ ومنه خاص‏‎ ‎كالذي للأولياء ومنه عام للبشر ‏على العموم وهو أمر الرؤيا‏.‏ وأما الذي للأنبياء‏‎ ‎فهو استعداد بالانسلاخ من البشرية إلى الملكية ‏المحضة التي هي أعلى الروحانيات‏.‏‎ ‎ويخرج هذا الاستعداد فيهم متكرراً في حالات الوحي وهو ‏عندما يعرج على المدارك‎ ‎البدنية ويقع فيها ما يقع من الإدراك يكون شبيهاً بحال النوم شبهاً بيناً وإن ‏كان‎ ‎حال النوم أدون منه بكثير‏.‏ فلأجل هذا الشبه عبر الشارع عن الرؤيا بأنها جزء من‎ ‎ستة وأربعين ‏جزءاً من النبوة وفي رواية ثلاثة وأربعين وفي رواية سبعين وليس العدد‎ ‎في جميعها مقصوداً بالذات ‏وإنما المراد الكثرة في تفاوت هذه المراتب بدليل ذكر‎ ‎السبعين في بعض طرقه وهو للتكثير عند ‏العرب‏.‏ وما ذهب إليه بعضهم في رواية ستة‎ ‎وأربعين من أن الوحي كان في مبتدئه بالرؤيا ستة ‏أشهر وهي نصف سنة ومدة النبوة كلها‎ ‎بمكة والمدينة ثلاث وعشرون سنة فنصف السنة منها جزء ‏من ستة وأربعين فكلام بعيد من‎ ‎التحقي‏.‏ لأنه إنما وقع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ومن أين لنا أن ‏هذه المدة‎ ‎وقعت لغيره من الأنبياء مع أن ذلك إنما يعطي نسبة زمن الرؤيا من زمن النبوة ولا‎ ‎يعطي ‏نسبة حقيقتها من حقيقة النبوة‏.‏ وإذا تبين لك هذا مما ذكرناه أولاً علمت أن‏‎ ‎معنى هذا الجزء نسبة ‏الاستعداد الأول الشامل للبشر إلى الاستعداد القريب الخاص بصنف‎ ‎الأنبياء الفطري لهم صلوات الله ‏عليهم إذ هو الاستعداد البعيد وإن كان عاماً في‎ ‎البشر ومعه عوائق وموانع كثيرة من حصوله بالفعل‏.‏ ‏ومن أعظم تلك الموانع الحواس‎ ‎الظاهرة‏.‏ ففطر اللة البشر على ارتفاع حجاب الحواس بالنوم الذي ‏هو جبلي لهم فتتعرض‎ ‎النفس عند ارتفاعه إلى معرفة ما تتشوف إليه في عالم الحق فتدرك في بعض ‏الأحيان منه‎ ‎لمحة يكون فيها الظفر بالمطلوب‏.‏ ولذلك جعلها الشارع من المبشرات فقال‏:‏ لم يبق‏‎ ‎من ‏النبوة إلا المبشرات قالوا وما وأما سبب ارتفاع حجاب الحواس بالنوم فعلى ما أصفه‎ ‎لك وذلك أن ‏النفس الناطقة إنما إدراكها وأفعالها بالروح الحيواني الجسماني وهو بخار‎ ‎لطيف مركزه بالتجوبف ‏الأيسر من القلب على ما في كتب التشريح لجالينوس وغيره‏.‏‎ ‎وينبعث مع الدم في الشريانات ‏والعروق فيعطي الحس والحركة وسائر الأفعال البدنية‏.‏‎ ‎ويرتفع لطيفه إلى الدماغ فيعدل من برده ‏وتت أفعال القوى التي في بطونه‏.‏ فالنفس‏‎ ‎الناطقة إنما تدرك وتعقل بهذا الروح البخاري وهي متعلقة ‏به لما اقتضتة حكمة التكوين‎ ‎في أن اللطيف لا يؤثر في الكثيف ولما لطف هذا الروح الحيواني من ‏بين المواد البدنية‎ ‎صار محلا لآثار الذات المباينة له في جسمانيته وهي النفس الناطقة وصارت ‏آثارها‎ ‎حاصلة في البدن بواسطته‏.‏ وقد كنا قدمنا أن إدراكها على نوعين إدراك بالظاهر وهو‎ ‎بالحواس الخمس وإدراك بالباطن بالقوى الدماغية‏.‏ وأن هذا الإدراك كله صارف لها عن‏‎ ‎إدراكها ما ‏فوقها من ذواتها الروحانية التي هي مستعدة له بالفطرة‏.‏ ولما كانت‏‎ ‎الحواس الظاهرة جسمانية كانت ‏معرضة للوسن والفشل بما يدركها من التعب والكلال وتغشى‎ ‎الروح بكثرة التصرف‏.‏ فخلق الله لها ‏طلب الاستجمام لتجرد الإدراك على الصورة‎ ‎الكاملة‏.‏ وإنما يكون ذلك بانخناس الروح الحيواني من ‏الحواس الظاهرة كلها ورجوعه‎ ‎إلى الحس الباطن‏.‏ ويعين على ذلك ما يغشى البدن من البرد بالليل ‏فتطلب الحرارة‎ ‎الغريزية أعماق البدن وتذهب من ظاهره إلى باطنه فتكون مشيعة مركبها وهو ‏الروح‎ ‎الحيواني إلى الباطن‏.‏ ولذلك كان النوم للبشر في الغالب إنما هو بالليل‏.‏ فإذا‏‎ ‎انخنس الروح عن ‏الحواس الظاهرة ورجع إلى القوى الباطنة وخفت عن النفس شواغل الحس‎ ‎وموانعه ورجعت إلى ‏الصورة التي في الحافظة تمثل منها بالتركيب والتحليل صور خيالية‎ ‎وأكثر ما تكون معتادة لأنها ‏منتزعة من المدركات المتعاهدة قريباً‏.‏ ثم ينزلها الحس‏‎ ‎المشترك الذي هو جامع الحواس الظاهرة ‏فيدركها على أنحاء الحواس الخمس الظاهرة وربما‎ ‎التفتت النفس لفتة إلى ذاتها الروحانية مع ‏منازعتها القوى الباطنية فتدرك بإدراكها‎ ‎الروحاني لأنها مفطورة عليه وتقتبس من صور الأشياء ‏التي صارت متعلقة في ذاتها‎ ‎حينئذ‏.‏ ثم يأخذ الخيال تلك الصور المدركة فيمثلها بالحقيقة أو المحاكاة ‏في‎ ‎القوالب المعهودة‏.‏ والمحاكاة من هذه هي المحتاجة للتعبير وتصرفها بالتركيب‎ ‎والتحليل في ‏صور الحافظة قبل أن تدرك من تلك اللمحة ما تدركه هي أضغاث أحلام‏.‏ وفي‏‎ ‎الصحيح أن النبي ‏صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ الرؤيا ثلاث‏:‏ رؤيا من الله ورؤيا‏‎ ‎من الملك ورؤيا من الشيطان ‏"‏‏.‏ وهذا ‏التفصيل مطابق لما ذكرناه‏:‏ فالجلي من الله‏‎ ‎والمحاكاة الداعية إلى التعبير من الملك وأضغاث الأحلام ‏من الشيطان لأنها كلها باطل‎ ‎والشيطان ينبوع الباطل‏.‏ هذه حقيقة الرؤيا وما يسببها ويشيعها من النوم ‏وهي خواص‎ ‎للنفس الإنسانية موجودة في البشر على العموم لا يخلو عنها أحد منهم بل كل واحد من‎ ‎الأناسي رأى في نومه ما صدر له في يقظته مراراً غير واحدة وحصل له على القطع أن‏‎ ‎النفس ‏مدركه للغيب في النوم ولا بد‏.‏ وإذا جاز ذلك في عالم النوم فلا يمتنع في‏‎ ‎غيره من الأحوال لأن الذات ‏المدركة واحدة وخواصها عامة في كل حال‏.‏ والله الهادي‏‎ ‎إلى الحق بمنه وفضله‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:10 PM
‎الإخبار بالمغيبات ووقوع ما يقع للبشر من ذلك‎ ‎غالباً‎ ‎

إنما هو من غير قصد ولا قدرة عليه وإنما تكون النفس متشوفة لذلك‎ ‎الشيء فيقع لها بتلك اللمحة في ‏النوم لا أنها تقصد إلى ذلك فتراه‏.‏ وقد وقع في‏‎ ‎كتاب الغاية وغيره من كتب أهل الرياضات ذكر ‏أسماء تذكر عند النوم فتكون عنها الرؤيا‎ ‎فيما يتشوف إليه ويسمونها الحالومية‏.‏ وذكر منها مسلمة في ‏كتاب الغاية حالومة‎ ‎سماها حالومة الطباع التام وهو أن يقال عند النوم بعد فراغ السر وصحة التوجه ‏هذه‎ ‎الكلمات الأعجمية وهي تماغس بعد أن يسواد وغداس نوفنا غادس ويذكر حاجته فإنه يرى‎ ‎الكشف عما يسأل عنه في النوم‏.‏ وحكي أن رجلاً فعل ذلك بعد رياضة ليال في مأكله‏‎ ‎وذكره فتمثل له ‏شخص يقول له أنا طباعك التام فسأله وأخبره عما كان يتشوف إليه‏.‏‎ ‎وقد وقع لي أنا بهذه الأسماء ‏مراء عجيبة واطلعت بها على أمور كنت أتشوف إليها من‎ ‎أحوالي‏.‏ وليس ذلك بدليل على أن القصد ‏للرؤيا يحدثها وإنما هذه الحالومات تحدث‎ ‎استعداداً في النفس لوقوع الرؤيا فإذا قوي الاستعداد كان ‏أقرب إلى حصول ما يستعد له‎ ‎وللشخص أن يفعل من الاستعداد ما أحب ولا يكون دليلاً على إيقاع ‏المستعد له‏.‏‎ ‎فالقدرة على الاستعداد غير القدرة على الشيء فاعلم ذلك وتدبره فيما تجد من‎ ‎أمثاله‏.‏ والله ‏الحكيم الخبير‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:11 PM
‎فصل ثم إنا نجد في النوع الإنساني أشخاصاً‎ ‎يخبرون بالكائنات قبل وقوعها‎ ‎

بطبيعة فيهم يتميز بها صنفهم عن سائر الناس ولا يرجعون في ذلك إلى‎ ‎صناعة ولا يستدلون عليه ‏بأثرمن النجوم ولا غيرها إنما نجد مداركهم في ذلك بمقتضى‎ ‎فطرتهم التي فطروا عليها وذلك مثل ‏العرافين والناظرين في الأجسام الشفافة كالمرايا‎ ‎وطساس الماء والناظرين في قلوب الحيوانات ‏وأكبادها وعظامها وأهل الزجر في الطير‎ ‎والسباع وأهل الطرق بالحصى والحبوب من الحنطة ‏والنوى وهذه كلها موجودة في عالم‎ ‎الإنسان لا يسع أحداً جحدها ولا إنكارها‏.‏ وكذلك المجانين يلقى ‏على ألسنتهم كلمات‎ ‎من الغيب فيخبرون بها‏.‏ وكذلك النائم والميت لأول موته أو نومه يتكلم بالغيب‏.‏‎ ‎وكذلك أهل الرياضات من المتصوفة لهم مدارك في الغيب على سبيل الكرامة معروفة‏.‏‎ ‎ونحن الآن ‏نتكلم على هذه الإدراكات كلها ونبتدىء منها بالكهانة ثم نأتي عليها واحدة‎ ‎واحدة إلى آخرها‏.‏ ونقدم ‏على ذلك مقدمة في أن النفس الإنسانية كيف تستعد لإدراك‎ ‎الغيب في جميع الأصناف التي ذكرناها‏.‏ ‏وذلك أنها ذات روحانية موجودة بالقوة من بين‎ ‎سائر الروحانيات كما ذكرناه قبل وإنما تخرج من ‏القوة إلى الفعل بالبدن وأحواله‏.‏‎ ‎وهذا أمر مدرك لكل أحد‏.‏ وكل ما بالقوة فله مادة وصورة‏.‏ وصورة ‏هذه النفس التي‎ ‎بها يتم وجودها هو عين الإدراك والتعقل‏.‏ فهي توجد أولاً بالقوة مستعدة للإدراك‎ ‎وقبول الصور الكلية والجزئية‏.‏ ثم يتم نشؤها ووجودها بالفعل بمصاحبة البدن وما‏‎ ‎يعودها بوررود ‏مدركاتها المحسوسة عليها وما تنترع من تلك الإدراكات من المعاني‎ ‎الكلية فتتعقل الصور مرة بعد ‏أخرى حتى يحصل لها الإدراك والتعقل بالفعل فتتم ذاتها‎ ‎وتبقى النفس كالهيولى والصور متعاقبة ‏عليها بالإدراك واحدة بعد واحدة‏.‏ ولذلك نجد‏‎ ‎الصبي في أول نشأته لا يقدر على الإدراك الذي لها من ‏ذاتها لا بنوم ولا بكشف‎ ‎بغيرهما‏.‏ وذلك لأن صورتها التي هي عين ذاتها وهو الإدراك والتعقل لم يتم ‏بعد بل‎ ‎لم يتم لها انتزاع الكليات‏.‏ ثم إذا تمت ذاتها بالفعل حصل لها ما دامت مع البدن‎ ‎نوعان من ‏الإدراك‏:‏ إدراك بآلات الجسم تؤديه إليها المدارك البدنية وإدراك بذاتها‏‎ ‎من غير واسطة وهي ‏محجوبة عنه بالانغماس في البدن والحواس وبشواغلها لأن الحواس‎ ‎أبداً جاذبة لها إلى الظاهر بما‎ ‎فطرت عليه أولاً من الإدراك الجسماني‏.‏ وربما‏‎ ‎تنغمس من الظاهر إلى الباطن فيرتفع حجاب البدن ‏لحظة‏:‏ إما بالخاصية التي هي‏‎ ‎للإنسان على الإطلاق مثل النوم أو بالخاصية الموجودة لبعض البشر ‏مثل الكهانة والطرق‎ ‎أو بالرياضة مثل أهل الكشف من الصوفية‏.‏ فتلتفت حينئذ إلى الذوات التي فوقها ‏من‎ ‎الملإ الأعلى لما بين أفقها وأفقهم من الإتصال في الوجود كما قررناه قبل‏.‏ وتلك‏‎ ‎الذوات روحانية ‏وهي إدراك محض وعقول بالفعل وفيها صور الموجودات وحقائقها كما مر‏.‏‎ ‎فيتجلى فيها شيء من ‏تلك الصور وتقتبس منها علوماً‏.‏ وربما دفعت تلك الصور المدركة‏‎ ‎إلى الخيال فيصرفها في القوالب ‏المعتادة ثم يراجع الحس بما أدركت إما مجرداً أو في‎ ‎قوالبه فتخبر به‏.‏ هذا هو شرح استعداد النفس ‏لهذا الإدراك الغيبي‏.‏ ولنرجع إلى ما‏‎ ‎وعدنا به من بيان أصنافه‏:‏ فأما الناظرون في الأجسام الشفافة ‏من المرايا وطساس‎ ‎المياه وقلوب الحيوان وأكبادها وعظامها وأهل الطرق بالحصى والنوى فكلهم ‏من قبيل‎ ‎الكهان إلا أنهم أضعف رتبة فيه في أصل خلقهم لأن الكاهن لا يحتاج في رفع حجاب الحس‎ ‎إلى كثير معاناة وهؤلاء يعانونه بانحصار المدارك الحسية كلها فى نوع واحد منها‎ ‎وأشرفها البصر ‏فيعكف على المرئي البسيط حتى يبدو له مدركه الذي يخبر به عنه وربما‏‎ ‎يظن أن مشاهدة هؤلاء لما ‏يرونه هو في سطح المرآة وليس كذلك‏.‏ بل لا يزالون ينظرون‏‎ ‎في سطح المرآة إلى أن يغيب عن ‏البصر ويبدو فيما بينهم وبين سطح المرآة حجاب كأنه‎ ‎غمائم يتمثل فيه صور هي مداركهم فيشيرون ‏إليهم بالمقصود لما يتوجهون إلى معرفته من‎ ‎نفي أو إثبات فيخبرون بذلك على نحو ما أدركوه‏.‏ وأما ‏المرآة وما يدرك فيها من‎ ‎الصور فلا يدركونه في تلك الحال وإنما ينشأ لهم بها هذا النوع الآخر من ‏الإدراك وهو‎ ‎نفساني ليس من إدراك البصر بل يتشكل به المدرك النفساني للحس كما هو معروف‏.‏ ‏ومثل‎ ‎ذلك ما يعرض للناظرين في قلوب الحيوانات وأكبادها وللناظرين في الماء والطساس‎ ‎وأمثال ‏ذلك‏.‏

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:11 PM
وقد شاهدنا من هؤلاء من يشغل الحس بالبخور فقط ثم بالعزائم للاستعداد‏‎ ‎ثم يخبر كما أدرك ‏ويزعمون أنهم يرون الصور متشخصة في الهواء تحكي لهم أحوال ما‎ ‎يتوجهون إلى إدراكه بالمثال ‏والإشارة‏.‏ وغيبة هؤلاء عن الحس أخف من الأولين‏.‏‎ ‎والعالم أبو الغرائب‏.‏ وأما الزجر وهو ما يحدث ‏من بعض الناس من التكلم بالغيب عند‎ ‎سنوح طائر أو حيوان والفكر فيه بعد مغيبه وهي قوة في ‏النفس تبعث على الحرص والفكر‎ ‎فيما زجر فيه من مرئي أومسموع‏.‏ وتكون قوته المخيلة كما قدمناه ‏قوية فيبعثها في‎ ‎البحث مستعيناً بما رأه أو سمعه فيؤديه ذلك إلى إدراك ما كما تفعله القوة المتخيلة‎ ‎في ‏النوم وعند ركود الحواس إذ تتوسط بين المحسوس المرئي في يقظته وتجمعه مع ما‎ ‎عقلتة فيكون ‏عنها الرؤيا‏.‏ وأما المجانين فنفوسهم الناطقة ضعيفة التعلق بالبدن‏‎ ‎لفساد أمزجتهم غالباً وضعف ‏الروح الحيواني فيها فتكون نفسه غيرمستغرقة في الحواس‎ ‎ولا منغمسة فيها بما شغلها في نفسها من ‏ألم النقص ومرضه وربما زاحمها على التعلق به‎ ‎روحانية أخرى شيطانية تتشبث به وتضعف هذه ‏عن ممانعتها فيكون عنه التخبط‏.‏ فإذا‏‎ ‎أصابه ذلك التخبط إما لفساد مزاجه من فساد في ذاتها أو ‏لمزاحمة من النفوس الشيطانية‎ ‎في تعلقه غاب عن حسه جملة فأدرك لمحة من عالم نفسه وانطبع فيها ‏بعض الصور وصرفها‎ ‎الخيال‏.‏ وربما نطق على لسانه في تلك الحال من غير إرادة النطق‏.‏ وإدراك ‏هؤلاء‎ ‎كلهم مشوب فيه الحق بالباطل لأنه لا يحصل لهم الاتصال وإن فقدوا الحس إلا بعد‎ ‎الاستعانة ‏بالتصورات الأجنبية كما قررناه‏.‏ ومن ذلك يجيء الكذب في هذه المدارك‏‎ ‎وأما العرافون فهم ‏المتعلقون بهذا الإدراك وليس لهم ذلك الاتصال فيسلطون الفكر على‎ ‎الأمر الذي يتوجهون إليه ‏ويأخذون فيه بالظن والتخمين بناء على ما يتوهمونه من مبادئ‎ ‎ذلك الاتصال والإدراك ويدعون ‏بذلك معرفة الغيب وليس منه على الحقيقة‏.‏ هذا تحصيل‏‎ ‎هذه الأمور‏.‏ وقد تكلم عليها المسعودي في ‏مروج الذهب فما صادف تحقيقاً ولا‎ ‎إصابة‏.‏ ويظهر من كلام الرجل أنه كان بعيداً عن الرسوخ في ‏المعارف فينقل ما سمع من‎ ‎أهله ومن غير أهله‏.‏ وهذه الإدراكات التي ذكرناها موجودة كلها في نوع ‏البشر‏.‏ فقد‏‎ ‎كان العرب يفزعون إلى الكهان في تعرف الحوادث ويتنافرون إليهم في الخصومات ‏ليعرفوهم‎ ‎بالحق فيها من إدراك غيبهم‏.‏ وفي كتب أهل الأدب كثير من ذلك‏.‏ واشتهر منهم في‏‎ ‎الجاهلية شق بن أنمار بن نزار وسطيح بن مازن بن غسان وكان يدرج كما يدرج الثوب ولا‏‎ ‎عظم ‏فيه إلا الجمجمة‏.‏ ومن مشهور الحكايات عنهما تأوبل رؤيا ربيعة بن مضر وما‏‎ ‎أخبراه به من ملك ‏الحبشة لليمن وملك مضر من بعدهم وظهور النبوة المحمدية في قريش‎ ‎ورؤيا الموبذان التي أولها ‏سطيح لما بعث إليه بها كسسرى عبد المسيح فأخبره بشأن‎ ‎النبوة وخراب ملك فارس‏.‏ وهذه كلها ‏مشهورة‏.‏ وكذلك العرافون كان فى العرب منهم‏‎ ‎كثير وذكروهم في أشعارهم قال‏:‏ فقلت لعراف ‏اليمامة داوني فإنك إن داويتني لطبيب‎ ‎وقال الآخر‏:‏ جعلت لعراف اليمامة حكمه وعراف نجد إن هما ‏شفياني وعراف اليمامة هو‎ ‎رباح بن عجلة وعراف نجد الأبلق الأسدي‏.‏ ومن هذه المدارك الغبية ما ‏يصدر لبعض‎ ‎الناس عند مفارقة اليقظة والتباسه بالنوم من الكلام على الشيء الذي يتشوف إليه بما‎ ‎يعطيه غيب ذلك الأمر كما يريد‏.‏ ولا يقع ذلك إلا في مبادئ النوم عند مفارقة اليقظة‏‎ ‎وذهاب الاختيار ‏في الكلام فيتكلم كأنه مجبور على النطق وغايته أن يسمعه ويفهمه‏.‏‎ ‎وكذلك يصدر عن المقتولين عند ‏مفارقة رؤوسهم وأوساط أبدانهم كلام بمثل ذلك‏.‏ ولقد‏‎ ‎بلغنا عن بعض الجبابرة الظالمين أنهم قتلوا من ‏سجونهم أشخاصا ليتعرفوا من كلامهم‎ ‎عند القتل عواقب أمورهم في أنفسهم فأعلموهم بما يستبشع‏.‏ ‏وذكر مسلمة في كتاب‎ ‎الغاية له في مثل ذلك أن آدمياً إذا جعل في دن مملوء بدهن السمسم ومكث فيه ‏أربعين‎ ‎يوماً يغذى بالتين والجوز حتى يذهب لحمه ولا يبقى منه إلا العروق وشؤون رأسه فيخرج‎ ‎من ذلك الدهن فحين يجف عليه الهواء يجيب عن كل شيء يسأل عنه من عواقب الأمور الخاصة‎ ‎والعامة‏.‏ وهذا فعل من مناكير أفعال السحرة لكن يفهم منه عجائب العالم الإنساني‏.‏‎ ‎ومن الناس من ‏يحاول حصول هذا المدرك الغيبي بالرياضة فيحاولون بالمجاهدة موتاً‎ ‎صناعياً بإماتة جميع القوى ‏البدنية ثم محو آثارها التي تلونت بها النفس ثم تغذيتها‎ ‎بالذكر لتزداد قوة في نشئها‏.‏ ويحصل ذلك ‏بجمع الفكر وكثرة الجوع‏.

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:12 PM
ومن المعلوم‏‎ ‎على القطع أنه إذا نزل الموت بالبدن ذهب الحس وحجابه ‏واطلعت النفس على ذاتها‎ ‎وعالمها‏.‏ فيحاولون ذلك بالاكتساب ليقع لهم قبل الموت ما يقع لهم بعده ‏وتطلع النفس‎ ‎على المغيبات‏.‏ ومن هؤلاء أهل الرياضة السحرية يرتاضون بذلك ليحصل لهم ‏الاطلاع على‎ ‎المغيبات والتصرفات في العوالم‏.‏ وأكثر هؤلاء في الأقاليم المنحرفة جنوباً وشمالاً‏‎ ‎خصوصاً بلاد الهند‏.‏ ويسمون هنالك الحوكية ولهم كتب في كيفية هذه الرياضة كثيرة‏‎ ‎والأخبار عنهم ‏في ذلك غريبة‏.‏ وأما المتصوفة فرياضتهم دينية وعرية عن هذه المقاصد‎ ‎المذمومة وإنما يقصدون ‏جمع الهمة والإقبال على الله بالكلية ليحصل لهم أذواق أهل‎ ‎العرفان والتوحيد ويزيدون في رياضتهم ‏إلى الجمع والجوع التغذية بالذكر فبها تتم‎ ‎وجهتهم في هذه الرياضة‏.‏ لأنه إذا نشأت النفس على الذكر ‏كانت أقرب إلى العرفان‎ ‎بالله وإذا عريت عن الذكر كانت شيطانية‏.‏ وحصول ما يحصل من معرفة ‏الغيب والتصرف‎ ‎لهؤلاء المتصوفة إنما هو بالعرض ولا يكون مقصودا من أول الأمر لأنه إذا قصد ‏ذلك‎ ‎كانت الوجهة فيه لغير الله وإنما هي لقصد التصرف والاطلاع على الغيب وأخسر بها صفقة‎ ‎فإنها في الحقيقة شرك‏.‏ قال بعضهم‏:‏ ‏"‏ من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني‏‎ ‎‏"‏‏.‏ فهم يقصدون ‏بوجهتهم المعبود لا لشيء سواه‏.‏ وإذا حصل في أثناء ذلك ما يحصل‏‎ ‎فبالغرض وغير مقصود لهم‏.‏ ‏وكثير منهم يفر منه إذا عرض له ولا يحفل به وإنما يريد‎ ‎الله لذاته لا لغيره‏.‏ وحصول ذلك لهم ‏معروف‏.‏ ويسمون ما يقع لهم من الغيب والحديث‏‎ ‎على الخواطر فراسة وكشفاً وما يقع لهم من ‏التصرف كرامة وليس شيء من ذلك بنكير في‎ ‎حقهم‏.‏ وقد ذهب إلى إنكاره الأستاذ أبو إسحاق ‏الأسفراييني وأبو محمد بن أبي زيد‎ ‎المالكي في آخرين فراراً من التباس المعجزة بغيرها‏.‏ والمعول ‏عليه عند المتكلمين‎ ‎حصول التفرقة بالتحدي فهو كاف‏.‏ وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله ‏عليه‎ ‎وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إن فيكم محدثين وإن منهم عمر ‏"‏‏.‏ وقد وقع للصحابة من ذلك وقائع‏‎ ‎معروفة تشهد ‏بذلك في مثل قول عمر رضي الله عنه‏:‏ ‏"‏ يا سارية‏!‏ الجبل ‏"‏‏.‏ وهو‏‎ ‎سارية بن زنيم كان قائداً على ‏بعض جيوش المسلمين بالعراق أيام الفتوحات وتورط مع‎ ‎المشركين في معترك وهم بالانهزام وكان ‏بقربه جبل يتجهز إليه فرفع لعمر ذلك وهو يخطب‎ ‎على المنبر بالمدينة فناداه‏:‏ ‏"‏ يا سارية‏!‏ الجبل ‏"‏ ‏وسمعه سارية وهو بمكانه‎ ‎ورأى شخصه هنالك والقصة معروفة‏.‏ ووقع مثله أيضاً لأبي بكر في ‏وصيته عائشة ابنته‎ ‎رضي الله عنهما في شأن ما نحلها من أوسق التمر من حديقته ثم نبهها على ‏جذاذه لتحوزه‎ ‎عن الورثة‏.‏ فقال في سياق كلامه‏:‏ ‏"‏ وإنما هما أخواك وأختاك فقالت‏:‏ ‏"‏ إنما‏‎ ‎هي أسماء ‏فمن الأخرى فقال‏:‏ إن ذا بطن بنت خارجة أراها جارية ‏"‏ فكانت جارية‏.‏‎ ‎وقع في الموطأ في باب ما ‏لا يجوز من النحل‏.‏ ومثل هذه الوقائع كثيرة لهم ولمن‏‎ ‎بعدهم من الصالحين وأهل الاقتداء‏.‏ إلا أن أهل ‏التصوف يقولون إنه يقل في زمن‎ ‎النبوة إذ لا يبقى للمريد حالة بحضرة النبي حتى أنهم يقولون إن ‏المريد إذا جاء‎ ‎للمدينة النبوية يسلب حاله ما دام فيها حتى يفارقها‏.‏ والله يرزقنا الهداية‏‎ ‎ويرشدنا إلى ‏الحق‏.‏

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:12 PM
فصل ومن هؤلاء المريدين من المتصوفة‎ ‎

قوم بهاليل معتوهون أشبه بالمجانين من العقلاء وهم مع ذلك قد صحت‎ ‎لهم مقامات الولاية وأحوال ‏الصديقين وعلم ذلك من أحوالهم من يفهم عنهم من أهل الذوق‎ ‎مع أنهم غير مكلفين‏.‏ ويقع لهم من ‏الإخبار عن المغيبات عجائب لأنهم لا يتقيدون‎ ‎بشيء فيطلقون كلامهم في ذلك ويأتون منه بالعجائب‏.‏ ‏وربما ينكر الفقهاء أنهم على‎ ‎شيء من المقامات لما يرون من سقوط التكليف عنهم والولاية لا ‏تحصل إلا بالعبادة‎ ‎وهوغلط فإن فضل الله يؤتيه من يشاء ولا يتوقف حصول الولاية على العبادة ولا‎ ‎غيرها‏.‏ وإذا كانت النفس الأنسانية ثابتة الوجود فالله تعالى يخصها بما شاء من‏‎ ‎مواهبه‏.‏ وهؤلاء القوم ‏لم تعدم نفوسهم الناطقة ولا فسدت كحال المجانين وإنما فقد‎ ‎لهم العقل الذي ينال به التكليف وهي ‏صفة خاصة للنفس وهي علوم ضرورية للإنسان يشتد‎ ‎بها نظره ويعرف أحوال معاشه واستقامة ‏منزله‏.‏ وكإنه إذا ميز أحوال معاشه واستقامة‏‎ ‎منزله لم يبق له عذر في قبول التكاليف لإصلاح معاده‏.‏ ‏وليس من فقد هذه الصفة بفاقد‎ ‎لنفسه ولا ذاهل عن حقيقته فيكون موجود الحقيقة معدوم العقل ‏التكليفي الذي هو معرفة‎ ‎المعاش ولا استحالة في ذلك ولا يتوقف اصطفاء الله عباده للمعرفة على ‏شيء من‎ ‎التكاليف‏.‏ وإذا صح ذلك فاعلم أنه ربما يلتبس حال هؤلاء بالمجانين الذين تفسد‏‎ ‎نفوسهم ‏الناطقة ويلتحقون بالبهائم‏.‏ ولك في تمييزهم علامات‏:‏ منها أن هؤلاء‏‎ ‎البهاليل تجد لهم وجهة ما لا ‏يخلون عنها أصلاً من ذكر وعبادة لكن على غير الشروط‎ ‎الشرعية لما قلناه من عدم التكليف ‏والمجانين لا تجد لهم وجهة أصلاً‏.‏ ومنها أنهم‏‎ ‎يخلقون على البله من أول نشأتهم والمجانين يعرض ‏لهم الجنون بعد مدة من العمر لعوارض‎ ‎بدنية طبيعية فإذا عرض لهم ذلك وفسدت نفوسهم الناطقة ‏ذهبوا بالخيبة‏.‏ ومنها كثرة‏‎ ‎تصرفهم في الناس بالخير والشر لأنهم لا يتوقفون على إذن لعدم التكليف ‏في حقهم‎ ‎والمجانين لا تصرف لهم‏.‏ وهذا فصل انتهى بنا الكلام إليه والله المرشد للصواب‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:13 PM
‎فصل وقد يزعم بعض الناس أن هنا مدارك للغيب من‎ ‎دون غيبة عن الحس‎ ‎

وقد يزعم بعض الناس أن هنا مدارك للغيب من دون غيبة عن الحس‏:‏‎ ‎فمنهم المنجمون القائلون ‏بالدلالات النجومية ومقتضى أوضاعها في الفلك وآثارها في‎ ‎العناصر وما يحصل من الإمتزاج بين ‏طباعها بالتناظر ويتأدى من ذلك المزاج إلى‎ ‎الهواء‏.‏ وهؤلاء المنجمون ليسوا من الغيب في شيء ‏إنما هي ظنون حدسية وتخمينات‏‎ ‎مبنية على التأثير النجومية وحصول المزاج منه للهواء مع مزيد ‏حدس يقف به الناظر على‎ ‎تفصيله في الشخصيات في العالم كما قاله بطليموس‏.‏ ونحن نبين بطلان ‏ذلك في محله إن‎ ‎شاء الله‏.‏ وهو لو ثبت فغايته حدس وتخمين وليس مما ذكرناه في شيء‏.‏ ومن هؤلاء ‏قوم‎ ‎من العامة استنبطوا لاستخراج الغيب وتعرف الكائنات صناعة سموها خط الرمل نسبة إلى‎ ‎المادة التي يضعون فيها عملهم‏.‏ ومحصول هذه الصناعة أنهم صيروا من النقط أشكالاً‏‎ ‎ذات أربع ‏مراتب تختلف باختلاف مراتبها في الزوجيه والفردية واستوائها فيهما فكانت‎ ‎ستة عشر شكلاً لأنها ‏إن كانت أزواجاً كلها أو أفراداً كلها فشكلان وإن كان الفرد‎ ‎فيهما في مرتبتين واحده فقط فأربعة ‏أشكال وإن كان الفرد في مرتبتين فستة أشكال وإن‎ ‎كان في ثلاث مراتب فأربعة أشكال‏.‏ جاءت ستة ‏عشر شكلاً ميزوها كلها بأسمائها‎ ‎وأنواعها إلى سعود ونحوس شأن الكواكب وجعلوا لها ستة عشر ‏بيتاً طبيعية بزعمهم‎ ‎وكأنها البروج الاثنا عشر التي للفلك والأوتاد الأربعة وجعلوا لكل شكل منها بيتاً‎ ‎وخطوطاً ودلالة على صنف من موجودات عالم العناصر يختص به واستنبطوا من ذلك فناً‎ ‎حاذوا به ‏فن النجامة ونوع قضائه‏.‏ إلا أن أحكام النجامة مستندة إلى أوضاع طبيعية‎ ‎كما زعم بطليموس وهذه ‏إنما مستندها أوضاع تحكمية وأهواء اتفاقية ولا دليل يقوم على‎ ‎شيء منها‏.‏ ويزعمون أن أصل ذلك ‏من النبوات القديمة في العالم وربما نسبوها إلى‎ ‎دانيال أو إلى إدريس صلوات الله عليهما شأن ‏الصنائع كلها‏.‏ وربما يدعون مشروعيتها‏‎ ‎ويحتجون بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ كان نبي يخط فمن ‏وافق خطه فذاك ‏"‏‏.‏‎ ‎وليس في الحديث دليل على مشروعية خط الرمل كما يزعمه بعض من لا ‏تحصيل لديه لأن معنى‎ ‎الحديث كان نبي يخط فيأتيه الوحي عند ذلك بخط ولا استحالة في أن يكون ‏ذلك عادة لبعض‎ ‎الأنبياء فمن وافق خطه ذلك النبي فهو ذاك أي فهو صحيح من بين الخط بما عضده ‏من‎ ‎الوحي لذلك النبي الذي كانت عادته أن يأتيه الوحي عند الخط‏.‏ وأما إذا أخذ ذلك من‏‎ ‎الخط مجرداً ‏من غير موافقة وحي فلا‏.‏ وهذا معنى الحديث والله أعلم‏.‏ فإذا أرادوا‏‎ ‎استخراج مغيب بزعمهم عمدوا ‏إلى قرطاس أو رمل أو دقيق فوضعوا النقط سطوراً على عدد‎ ‎المراتب الأربع ثم كرروا ذلك أربع ‏مرات فتجيء ستة عشر سطراً‏.‏ ثم يطرحون النقط‏‎ ‎أزواجاً ويضعون ما بقي من كل سطر زوجاً كان ‏أو فرداً في مرتبته على الترتيب فتجيء‎ ‎أربعة أشكال يضعونها في سطر متتالية ئم يولدون منها ‏أربعة أشكال آخرى من جانب العرض‎ ‎باعتبار كل مرتبة وما قابلها من الشكل الذي بإزائه وما ‏يجتمع منهما من زوج أو فرد‎ ‎فتكون ثمانية أشكال موضوعة في سطر ثم يولدون من كل شكلين ‏شكلاً تحتهما باعتبار ما‎ ‎يجع في كل مرتبة من مراتب الشكلين أيضاً من زوج أو فرد فتكون أربعة ‏أخرى تحتها ثم‎ ‎يولدون من الأربعة شكلين كذلك تحتها ثم من الشكلين شكلاً كذلك تحتهما ثم من هذا‎ ‎الشكل الخامس عشر مع الشكل الأول شكلاً يكون آخر الستة عشر‏.‏ ثم يحكمون على الخط‏‎ ‎كله بما ‏اقتضته أشكاله من السعودة والنحوسة بالذات والنظر والحلول والامتزاج‎ ‎والدلالة على أصناف ‏الموجودات وسائر ذلك تحكماً غريباً‏.‏ وكثرت هذه الصناعة في‏‎ ‎العمران ووضعت فيها التآليف ‏واشتهر فيها الأعلام من المتقدمين والمتآخرين وهي كما‎ ‎رأيت تحكم وهوى‏.‏ والتحقيق الذي ينبغي ‏أن يكون نصب فكرك أن الغيوب لا تدرك بصناعة‎ ‎البتة ولا سبيل إلى تعرفها إلا للخواص من البشر ‏المفطورين على الرجوع عن عالم الحس‎ ‎إلى عالم الروح‏.‏ ولذلك يسمي المنجمون هذا الصنف كلهم ‏بالزهريين نسبة إلى ما‎ ‎تقتضيه دلالة الزهرة بزعمهم في أصل مواليدهم على إدراك الغيب‏.‏ فالخط ‏وغيره من هذه‎ ‎إن كان الناظر فيه من أهل هذه الخاصية وقصد بهذه الأمور التي ينظر فيها من النقط ‏أو‎ ‎العظام أو غيرها أشغال الحس لترجع النفس إلى عالم الروحانيات لحظة ما فهو من باب‎ ‎الطرق ‏بالحصى والنظر في قلوب الحيوانات والمرايا الشفافة كما ذكرناه‏.‏ وإن لم يكن‏‎ ‎كذلك وإنما قصد ‏معرفة الغيب بهذه الصناعة وإنها تفيده ذلك فهذر من القول والعمل‏.‏‎ ‎والله يهدي من يشاء‏.‏ والعلامة ‏لهذه الفطرة التي فطر عليها أهل هذا الإدراك الغيبي‎ ‎أنهم عند توجههم إلى تعرف الكائنات يعتريهم ‏خروج عن حالتهم الطبيعية كالتثاؤب‎ ‎والتمطط ومبادىء الغيبة عن الحس ويختلف ذلك بالقوة ‏والضعف على اختلاف وجودها‎ ‎فيهم‏.‏ فمن لم توجد له هذه العلامة فليس من إدراك الغيب في شيء ‏وإنما هو ساع في‎ ‎تنفيق كذبه‏.‏

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:14 PM
فصل ومنهم طوائف يضعون قوانين لاستخراج الغيب ليست من ‏الطور الأول‎ ‎الذي هو من مدارك النفس الروحانية ولا من الحدس المبني على تأثيرات النجوم كما ‏زعمه‎ ‎بطليموس ولا من الظن والتخمين الذي يحاول عليه العرافون وإنما هي مغالط يجعلونها‎ ‎كالمصائد لأهل العقول المستضعفة‏.‏ ولست أذكر من ذلك إلا ما ذكره المصنفون وولع به‏‎ ‎الخواص‏.‏ ‏فمن تلك القوانين الحساب الذي يسمونه حساب النيم وهو مذكور في آخر كتاب‎ ‎السياسة المنسوب ‏لأرسطو يعرف به الغالب من المغلوب في المتحاربين من الملوك‏.‏ وهو‏‎ ‎أن تحسب الحروف التي في ‏اسم أحدهما بحساب الجمل المصطلح عليه في حروف أبجد من‎ ‎الواحد إلى الألف آحاداً وعشرات ‏ومئين وألوفاً‏.‏ فإذا حسبت الاسم وتحصل لك منه عدد‏‎ ‎فاحسب اسم الآخر كذلك‏.‏ ثم اطرح من كل ‏واحد منهما تسعة تسعة واحفظ بقية هذا وبقية‎ ‎هذا‏.‏ ثم انظر بين العددين الباقيين من حساب الاسمين‏:‏ ‏فإن كان العددان مختلفين‎ ‎في الكمية وكانا معاً زوجين أو فردين معاً فصاحب الأقل منهما هو الغالب ‏وإن كان‎ ‎أحدهما زوجاً والآخر فرداً فصاحب الأكثر هو الغالب وإن كانا متساويين في الكمية‎ ‎وهما ‏معاً زوجان فالمطلوب هو الغالب وإن كانا معاً فردين فالطالب هو الغالب‏.‏‎ ‎ويقال هنالك بيتان في هذا ‏العمل اشتهرا بين الناس وهما‏:‏ أرى الزوج والأفراد يسمو‏‎ ‎أقلها وأكثرها عند التخالف غالب ويغلب ‏مطلوب إذا الزوج يستوي وعند استواء الفرد‎ ‎يغلب طالب ثم وضعوا لمعرفة ما بقي من الحروف بعد ‏طرحها بتسعة قانوناً معروفاً عندهم‎ ‎في طرح تسعة وذلك أنهم جمعوا الحروف الدالة على الواحد في ‏المراتب الأربع وهي‏:‏‎ ‎‏"‏ أ ‏"‏ الدالة على الواحد و ‏"‏ ي ‏"‏ الدالة على العشرة و هي واحد في مرتبه‏‎ ‎العشرات و ‏"‏ ق ‏"‏ الدالة على المائة لأنها واحد في مرتبة المئين ‏"‏ وش ‏"‏‎ ‎الدالة على الألف لأنها ‏واحد في مرتبة الآلاف‏.‏ وليس بعد الألف عدد يدل ثم رتبوا‏‎ ‎هذه الأحرف الأربعة على نسق المراتب ‏فكان منها كلمة رباعية وهي ‏"‏ ايقش ‏"‏‏.‏ ثم‏‎ ‎فعلوا ذلك بالحروف الدالة على اثنين في المراتب الثلاث ‏وأسقطوا مرتبة الألاف منها‎ ‎لأنها كانت آخر حروف أبجد فكان مجموع حروف الاثنين في المراتب ‏الثلاث ثلاثة حروف‏:‏‎ ‎وهي ‏"‏ ب ‏"‏ الدالة على اثنين في الأحاد و ‏"‏ ك ‏"‏ الدالة على اثنين في ‏العشرات‎ ‎وهي عشرون و ‏"‏ ر ‏"‏ الدالة على اثنين في المئين وهي مائتان وصيروها كلمة واحدة‏‎ ‎ثلاثية على نسق المراتب وهي بكر‏.‏ ثم فعلوا ذلك بالحروف الدالة على ثلاثة فنشأت‏‎ ‎عنها كلمة جلس‏.‏ ‏وكذلك إلى آخر حروف أبجد‏.‏ وصارت تسع كلمات نهاية عدد الأحاد وهي‏‎ ‎‏"‏ إيقش بكر جلس دمت ‏هنث وصخ زغد حفظ طضغ ‏"‏‏.‏ مرتبة على توالي الأعداد ولكل‏‎ ‎كلمة منها عددها الذي هي في ‏مرتبته فالواحد لكلمة أيقش والاثنان لكلمة بكر والثلاثة‎ ‎لكلمة جلس وكذلك إلى التاسعة التي هي ‏طضغ فتكون لها التسعة‏.‏ فإذا أرادوا طرح‏‎ ‎الاسم بتسعة نظروا كل حرف منه في أي كلمة هو من ‏هذه الكلمات وأخذوا عددها مكانه ثم‎ ‎جمعوا الأعداد التي يأخذونها بدلاً من حروف الاسم فإن كانت ‏زائدة على التسعة أخذوا‎ ‎ما فضل عنها وإلا أخذوه كما هو ثم يفعلون كذلك بالاسم الآخر وينظرون ‏بين الخارجين‎ ‎بما قدمناه‏.‏ والسر في هذا القانون بين‏.‏ وذلك أن الباقي من كل عقد من عقود‏‎ ‎الأعداد ‏بطرح تسعة إنما هو واحد فكأنه يجمع عدد العقود خاصة من كل مرتبة فصارت‎ ‎أعداد العقود كأنها ‏آحاد فلا فرق بين الاثنين والعشرين والمائتين والألفين وكلها‎ ‎اثنان وكذلك الثلاثة والثلاثون والثلثمائة ‏والثلاثة الألاف كلها ثلاثة ثلاثة‏.‏‎ ‎فوضعت الأعداد على التوالي دالة على أعداد العقود لا غير وجعلت ‏الحروف الدالة على‎ ‎أصناف العقود في كل كلمة من الأحاد والعشرات والمئين والألوف وصارعدد ‏الكلمة‎ ‎الموضوع عليها نائباً عن كل حرف فيها سواء دل على الأحاد أو العشرات أو المئين‎ ‎فيؤخد ‏عدد كل كلمة عوضاً عن الحروف التي فيها وتجمع كلها إلى آخرها كما قلناه‏.‏‎ ‎هذا هو العمل المتداول ‏بين الناس منذ الأمر القديم‏.‏ وكان بعض من لقيناه من شيوخنا‏‎ ‎يرى أن الصحيح فيها كلمات أخرى ‏تسعة مكان هذه ومتوالية كتواليها ويفعلون بها في‎ ‎الطرح بتسعة مثل ما يفعلونه با لأخرى سواء وهي ‏هذه أرب يسقك جزلط مدوص هف تحذن عش‎ ‎خغ تضظ تسع كلمات على توالي العدد ولكل كلمة ‏منها عدها الذي في مرتبته فيها الثلاثي‎ ‎والرباعي والثنائي‏.‏ وليست جارية على أصل مطرد كما تراه‏.‏ ‏لكن كان شيوخنا‎ ‎ينقلونها عن شيخ المغرب في هذه المعارف من السيمياء وأسرار الحروف والنجامة ‏وهو أبو‎ ‎العباس بن البناء ويقولون عنه إن العمل بهذه الكلمات في طرح حساب النيم أصح من‎ ‎العمل ‏بكلمات أيقش‏.‏ والله أعلم كيف ذلك‏.‏ وهذه كلها مدارك للغيب غير مستندة إلى‏‎ ‎برهان ولا تحقيق‏.‏ ‏والكتاب الذي وجد فيه حساب النيم غير معزو إلى أرسطو عند‎ ‎المحققين لما فيه من الأراء البعيدة ‏عن التحقيق والبرهان يشهد لك بذلك تصفحه إن كنت‎ ‎من أهل الرسوخ‏.‏ ومن هذه القوانين الصناعية ‏لاستخراج الغيوب فيما يزعمون الزايرجة‎ ‎المسماة بزايرجة العالم ‏"‏ المعزوة إلى أبي العباس سيدي ‏أحمد السبتي من أعلام‎ ‎المتصوفة بالمغرب كان في آخر المائة السادسة بمراكش ولعهد أبي يعقوب ‏المنصور من‎ ‎ملوك الموحدين‏.‏ وهي غريبة العمل صناعة‏.‏

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:14 PM
وكثير من الخواص يولعون بإفادة الغيب‏‎ ‎منها بعملها المعروف الملغوز فيحرضون بذلك على حل رمزه وكشف غامضه‏.‏ وصورتها التي‏‎ ‎يقع ‏العمل عندهم فيها دائرة عظيمة في داخلها دوائر متوازية للأفلاك والعناصر‎ ‎والمكونات ‏والروحانيات وغير ذلك من أصناف الكائنات والعلوم‏.‏ وكل دائرة مقسومة‎ ‎بأفسام فلكها‏:‏ إما البروج ‏وإما العناصر أو غيرهما‏.‏ وخطوط كل قسم مارة إلى‏‎ ‎المركز ويسمونها الأوتار‏.‏ وعلى كل وتر ‏حروف متتابعة موضوعة فمنها برشوم الزمام‎ ‎التي هي أشكال الأعداد عند أهل الدواوين والحساب ‏بالمغرب لهذا العهد ومنها برشوم‎ ‎الغبار المتعارفة في داخل الزايرجة‏.‏ وبين الدوائر أسماء العلوم ‏ومواضع الأكوان‏.‏‎ ‎وعلى ظاهر الدوائر جدول متكثر البيوت المتقاطعة طولاً وعرضاً يشتمل على ‏خمسة وخمسين‎ ‎بيتاً في العرض ومائة وواحد وثلاثين في الطول جوانب منه معمورة البيوت تارة ‏بالعدد‎ ‎وأخرى بالحروف وجوانب التي عينت البيوت العامرة من الخالية‏.‏ وحافات الزايرجة‏‎ ‎أبيات ‏من عروض الطويل على على روي اللام المنصوبة تتضمن صورة العمل في استخراج‎ ‎المطلوب ‏من تلك الزايرجة‏.‏ الا أنها من قبيل الألغاز في عدم الوضوح والجلاء‏.‏ وفي‏‎ ‎بعض جوانب الزايرجة ‏بيت من الشعر منسوب لبعض أكابر أهل الحدثان بالمغرب وهو مالك بن‎ ‎وهيب من علماء اشبيلية ‏كان في الدولة اللمتونية ونص البيت‏:‏ سؤال عظيم الخلق حزت‏‎ ‎فصن إذن غرائب شك ضبطه الجد ‏مثلا وهو البيت المتداول عندهم في العمل لاستخراج‎ ‎الجواب من السؤال في هذه الزايرجة وغيرها‏.‏ ‏فإذا أرادوا استخراج الجواب عما يسأل‎ ‎عنه من المسائل كتبوا ذلك السؤال وقطعوه حروفاً ثم أخذوا ‏الطالع لذلك الوقت من بروج‎ ‎الفلك ودرجها وعمدوا إلى الزايرجة ثم إلى الوتر المكتنف فيها بالبرج ‏الطالع من أوله‎ ‎ماراً إلى المركز ثم إلى محيط الدائرة قبالة الطالع‏.‏ فيأخذون جميع الحروف‏‎ ‎المكتوبة ‏عليه من أوله إلى أخره والأعداد المرسومة بينهما ويصيرونها حروفاً بحساب‎ ‎الجمل‏.‏ وقد ينقلون ‏آحادها إلى العشرات وعشراتها إلى المئين وبالعكس فيهما كما‎ ‎يقتضيه قانون العمل عندهم‏.‏ ‏ويضعونها مع حروف السؤال ويضيفون إلى ذلك جميع ما على‎ ‎الوتر المكتنف بالبرج الثالث من ‏الطالع من الحروف والأعداد من أوله إلى ا لمركز فقط‎ ‎لا يتجاوزونه إلى المحيط‏.‏ ويفعلون بالأعداد ‏ما فعلوه بالأول ويضيفونها إلى الحروف‎ ‎الأخرى‏.‏ ثم يقطعون حروف البيت الذي هو أصل العمل ‏وقانونه عندهم وهو بيت مالك بن‎ ‎وهيب المتقدم ويضعونها ناحية ثم يضربون عدد درج الطالع في ‏أس البرج‏.‏ وأسه عندهم‏‎ ‎هو بعد البرج عن آخر المراتب عكس ما عليه الأس عند أهل صناعة ‏الحساب فإنه عندهم‎ ‎البعد عن أول المراتب‏.‏ ثم يضربونه في عدد آخر يسمون الأس الأكبر والدور ‏الأصلي‏.‏‎ ‎ويدخلون بما تجمع لهم من ذلك في بيوت الجدول على قوانين معروفة وأعمال مذكورة‎ ‎وأدوار معدودة‏.‏ ويستخرجون منها حروفاً ويسقطون أخرى‏.‏ ويقابلون بما معهم في حروف‏‎ ‎البيت ‏وينقلون منه ما ينقلون إلى حروف السؤال وما معها ثم يطرحون تلك الحروف بأعداد‎ ‎معلومة ‏يسمونها الأدوار ويخرجون في كل دور الحرف الذي ينتهي عنه الدور يعاودون ذلك‎ ‎بعدد الأدوار ‏المعينة عندهم لذلك فيخرج آخرها حروف متقطعة وتؤلف على التوالي فتصير‎ ‎كلمات منظومة في ‏بيت واحد على وزن البيت الذي يقابل به العمل ورويه وهو بيت مالك بن‎ ‎وهيب المتقدم حسبما نذكر ‏ذلك كله في فصل العلوم عند كيفية العمل بهذه الزايرجة‏.‏‎

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:15 PM
‎وقد رأينا كثيراً من الخواص يتهافتون على ‏استخراج الغيب منها بتلك الأعمال ويحسبون‎ ‎أن ما وقع من مطابقة الجواب للسؤال في توافق ‏الخطاب دليل على مطابقة الواقع‏.‏ وليس‏‎ ‎ذلك بصحيح لأنه قد مر لك أن الغيب لا يدرك بأمر صناعي ‏البتة وإنما المطابقة التي‎ ‎فيها بين الجواب والسؤال من حيث الأفهام والتوافق في الخطاب حتى يكون ‏الجواب‎ ‎مستقيماً أو موافقاً للسؤال‏.‏ ووقوع ذلك بهذه الصناعة في تكسير الحروف المجتمعة من‏‎ ‎السؤال والأوتار‏.‏ والدخول في الجدول بالأعداد المجتمعة من ضرب الأعداد المفروضة‏‎ ‎واستخراج ‏الحروف من الجدول بذلك وطرح آخرى ومعاودة ذلك في الأدوار المعدودة ومقابلة‎ ‎ذلك كله بحروف ‏البيت على التوالي غير مستنكر‏.‏ وقد يقع الأطلاع من بعض الأذكياء‏‎ ‎على تناسب بين هذه الأشياء ‏فيقع له معرفة المجهول‏.‏ فالتناسب بين الأشياء هو سبب‏‎ ‎الحصول على المجهول من المعلوم الحاصل ‏للنفس وطريق لحصوله ولا سيما من أهل الرياضة‎ ‎فإنها تفيد العقل قوة القياس وزيادة في الفكر‏.‏ وقد ‏مر تعليل ذلك غير مرة‏.‏ ومن‏‎ ‎أجل هذا المعنى ينسبون هذه الزايرجة في الغالب لأهل الرياضة فهي ‏منسوبة للسبتي‏.‏‎ ‎ولقد وقفت على أخرى منسوبة لسهل بن عبد الله‏.‏ ولعمري أنها من الأعمال الغريبة‏‎ ‎والمعاناة العجيبة والجواب الذي يخرج منها فالسر في خروجه منظوماً يظهر لي إنما هو‎ ‎المقابلة ‏بحروف ذلك البيت‏.‏ ولهذا يكون النظم على وزنه ورويه‏.‏ ويدل عليه أنا‏‎ ‎وجدنا أعمالاً أخرى لهم في ‏مثل ذلك أسقطوا فيها المقابلة بالبيت فلم يخرج الجواب‎ ‎منظوماً كما تراه عند الكلام على ذلك في ‏موضعه‏.‏ وكثيرمن الناس تضيق مداركهم عن‏‎ ‎التصديق بهذا العمل ونفوذه إلى المطلوب فينكر ‏صحتها ويحسب أنها من التخيلات‎ ‎والإيهامات وأن صاحب العمل بها يثبت حروف البيت الذي ‏ينظمه كما يريد بين أثناء حروف‎ ‎السؤال والأوتار ويفعل تلك الصناعات على غير نسبة ولا قانون ثم ‏يجيء بالبيت ويوهم‎ ‎أن العمل جاء على طريقة منضبطة‏.‏ وهذا الحسبان توهم فاسد حمل عليه ‏القصور من فهم‎ ‎التناسب بين الموجودات والمعدومات والتفاوت بين المدارك والعقول‏.‏ ولكن من ‏شأن كل‎ ‎مدرك إنكار ما ليس في طوقه إدراكه‏.‏ ويكفينا في رد ذلك مشاهدة العمل بهذه الصناعة‏‎ ‎والحدس القطعي فإنها جاءت بعمل مطرد وقانون صحيح لا مرية فيه عند من يباشر ذلك ممن‎ ‎له ‏ذلك وحدس‏.‏ وإذا كان كثير من المعاياة في العدد الذي هو أوضح الواضحات يعسر على‏‎ ‎الفهم إدراكه ‏لبعد النسبة فيه وخفائها فما ظنك بمثل هذا مع خفاء النسبة فيه‎ ‎وغرابتها‏.‏ فلنذكر مسألة من المعاياة ‏يتضح لك بها شيء مما ذكرنا‏.‏ مثاله‏:‏ لو‏‎ ‎قيل لك خذ عدداً من الدراهم واجعل بإزاء كل درهم ثلاثة ‏من الفلوس ثم اجمع الفلوس‎ ‎التي أخذت واشتر بها طائراً ثم اشتر بالدراهم كلها طيوراً بسعر ذلك ‏الطائر فكم‎ ‎الطيور المشتراة بالدراهم والفلوس فجوابه أن تقول هي تسعة‏.‏ لأنك تعلم أن فلوس‏‎ ‎الدراهم أربعة وعشرون وأن الثلاثة ثمنها وأن عدة أثمان الواحد ثمانية فإذا جمعت‎ ‎الثمن من الدراهم ‏إلى الثمن الآخر فكان كله ثمن طائر فهي ثمانية طيور عدة أثمان‎ ‎الواحد وتزيد على الثمانية طائراً ‏آخر وهو المشترى بالفلوس المأخوذة أولاً وعلى‎ ‎سعره اشتريت بالدراهم فتكون تسعة‏.‏ فأنت ترى ‏كيف خرج لك الجواب المضمر بسر التناسب‎ ‎الذي بين أعداد المسألة‏.‏ والوهم أول ما يلقي إليك هذه ‏وأمثالها إنما يجعله من‎ ‎قبيل الغيب الذي لا يمكن معرفتة‏.‏ وظهر أن التناسب بين الأمور هو الذي ‏يخرج‎ ‎مجهولها من معلومها‏.‏ وهذا إنما هو في الواقعات الحاصلة في الوجود أو العلم‏.‏‎ ‎وأما الكائنات ‏المستقبلة إذ ا لم تعلم أسباب وقوعها ولا يثبت لها خبر صادق عنها فهو‎ ‎غيب لا يمكن معرفته‏.‏ وإذا ‏تبين لك ذلك فالأعمال الواقعة في الزايرجة كلها إنما هي‎ ‎في استخراج الجواب من ألفاظ السؤال ‏لأنها كما رأيت استنباط حروف على ترتيب من تلك‎ ‎الحروف بعينها على ترتيب آخر‏.‏ وسر ذلك إنما ‏هو من تناسب نينهما يطلع عليه بعض دون‎ ‎بعض‏.‏ فمن عرف ذلك التناسب تيسر عليه استخراج ذلك ‏الجواب بتلك القوانين‏.‏ والجواب‏‎ ‎يدل في مقام آخر من حيث موضوع ألفاظه وتراكيبه على وقوع أحد ‏طرفي السؤال من نفي أو‎ ‎إثبات‏.‏ وليس هذا من المقام الأول بل إنما يرجع لمطابقة الكلام لما في ‏الخارج‏.‏‎ ‎ولا سبيل إلى معرفة ذلك من هذه الأعمال بل البشر محجوبون عنه وقد استأثره الله‎ ‎بعلمه ‏"‏‎ ‎والله‎ ‎يعلم وأنتم لا تعلمون‎ ‎‏"‏‏.‏‎ ‎

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:15 PM
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :

نحن لا ننكر أن النفس يحصل لها نوع من الكشف إما يقظةً وإما مناماً بسبب قلة علاقتها مع البدن إما ‏برياضة أو بغيرها ، وهذا هو الكشف النفساني وهو القسم الأول من أنواع الكشف .

لكن قد ثبت أيضاً بالدلائل العقليَّة مع الشرعيَّة وجود الجن وأنها تخبر الناس بأخبار غائبة عنهم كما ‏للكهان المصروعين وغيرهم …

ولكن المقصود هنا أنه يعلم وجود أمور منفصلة مغايرة لهذه القوى كالجن المخبرين لكثير من الكهان ‏بكثير من الأخبار وهذا أمر يعلمه بالضرورة كل من باشره أو من أخبره من يحصل له العلم بخبره ونحن قد ‏علمنا ذلك بالاضطرار غير مرة فهذا نوع من المكاشفات والإخبار بالغيب غير النفساني وهو القسم الثاني ‏من أنواع الكشف .

وأما القسم الثالث : وهو ما تخبر به الملائكة فهذا أشرف الأقسام كما دلت عليه الدلائل الكثيرة ‏السمعية والعقلية ، فالإخبار بالمغيبات يكون عن أسباب نفسانية ويكون عن أسباب خبيثة شيطانية وغير ‏شيطانية ويكون عن أسباب ملكية .

‏" الصفدية " ( ص 187 - 189 ) .

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:16 PM
وقال ابن القيم :

الكشف الجزئي مشترك بين المؤمنين والكفار والأبرار والفجار كالكشف عما في دار إنسان أو عما في ‏يده أو تحت ثيابه أو ما حملت به امرأته بعد انعقاده ذكراً أو أنثى وما غاب عن العيان من أحوال البعد ‏الشاسع ونحو ذلك فإن ذلك يكون من الشيطان تارة ، ومن النفس تارة ، ولذلك يقع من الكفار كالنصارى ‏وعابدي النيران والصلبان فقد كاشف ابن صياد النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بما أضمره له وخبَّأه فقال له ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما أنت من إخوان الكهان " ، فأخبر أن ذلك الكشف من جنس كشف ‏الكهان ، وأن ذلك قدره ، وكذلك مسيلمة الكذاب مع فرط كفره كان يكاشف أصحابه بما فعله أحدهم في ‏بيته وما قاله لأهله يخبره به شيطانه ليغوي الناس ، وكذلك الأسود العنسي ، والحارث المتنبي ‏الدمشقي الذي خرج في دولة عبد الملك بن مروان وأمثال هؤلاء ممن لا يحصيهم إلا الله ، وقد رأينا نحن ‏وغيرنا منهم جماعة وشاهد الناس من كشف الرهبان عباد الصليب ما هو معروف .

والكشف الرحماني من هذا النوع هو مثل كشف أبي بكر لما قال لعائشة رضي الله عنهما إن امرأته ‏حامل بأنثى ، وكشف عمر رضي الله عنه لما قال يا سارية الجبل – أي إلزم الجبل - وأضعاف هذا من ‏كشف أولياء الرحمن .

‏" مدارج السالكين " ( 3 / 227 ، 228 ) .

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:16 PM
ثانياً :

وما حدث مع عمر بن الخطاب رضي الله صحيح ثابت عنه ، فقد قال نافع أن عمر بعث سريَّة فاستعمل ‏عليهم رجلاً يقال له " سارية " ، فبينما عمر يخطب يوم الجمعة ، فقال : " يا ساريةُ الجبلَ ، يا ساريةُ ‏الجبلَ " ، فوجدوا " سارية " قد أغار إلى الجبل في تلك الساعة يوم الجمعة وبينهما مسيرة شهر " .

رواه أحمد في " فضائل الصحابة " ( 1 / 269 ) ، وصححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " ( ‏‏1110 ) .

وهذا كرامة لعمر رضي الله عنه وذلك إما بإلهامه وتبليغ صوته – وهو ما يراه ابن القيم – أو بالكشف ‏النفساني وتبليغ صوته – وهو ما سيأتي في كلام الشيخ الألباني - ، وفي كلا الحالين هو كرامة له ولا ‏شك .

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:17 PM
ثالثاً :

وأمّا ما يحصل مع الصوفية فليس من الكشف الرحماني بل إما أن يكون من النفساني وهو ما يشركهم ‏به الكفار ، وإما أن يكون الشيطاني وهو الأغلب .

والكشف الرحماني إنما يحدث لأولياء الله تعالى الذين يقيمون الشرع ويعظمونه ، وقد عُرف من حال ‏الصوفية أنهم ليسوا كذلك ، وما حصل من عمر إن صحَّ تسميته " كشفاً " فهو من الكشف الرحماني

أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:17 PM
قال الشيخ الألباني – عن حادثة عمر بن الخطاب - :

ومما لا شك فيه أن النداء المذكور إنما كان إلهاماً من الله تعالى لعُمر ، وليس ذلك بغريب عنه فإنه " ‏محدَّث " كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن ليس فيه أن عمر كُشف له حال الجيش ، وأنه ‏رآهم رأي العين ، فاستلال بعض المتصوفة بذلك على ما يزعمونه من الكشف للأولياء وعلى إمكان ‏اطلاعهم على ما في القلوب : من أبطل الباطل ، كيف لا وذلك من صفات رب العالمين المنفرد بعلم ‏الغيب والاطلاع على ما في الصدور .

وليت شعري كيف يزعم هؤلاء ذلك الزعم الباطل والله عز وجل يقول في كتابه { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ ‏عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً . إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ } الجـن / 26 ، 27 ؟ فهل يعتقدون أن أولئك الأولياء رسل الله ‏حتى يصحَّ أن يقال إنهم يطلعون على الغيب باطلاع الله إياهم ؟! سبحانك هذا بهتان عظيم ….

فالقصة صحيحة ثابتة ، وهي كرامة أكرم الله بها عمر ، حيث أنقذ به جيش المسلمين من الأسر أو ‏الفتك به ، ولكن ليس فيها ما زعمه المتصوفة من الاطلاع على الغيب ، وإنما هو من باب الإلهام ( في ‏عرف الشرع ) أو ( التخاطر ) في عرف العصر الحاضر الذي ليس معصوماً ، فقد يصيب كما في هذه ‏الحادثة ، وقد يخطئ كما هو الغالب على البشر ، ولذلك كان لا بدَّ لكل وليٍّ من التقيد بالشرع في كل ‏ما يصدر منه من قول أو فعل خشية الوقوع في المخالفة ، فيخرج بذلك عن الولاية التي وصفها الله ‏تعالى بوصف جامع شامل { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } ‏يونس / 63 ، ولقد أحسن من قال :

إذا رأيت شخصاً قد يطير وفوق ماء البحر قد يسير

ولم يقف على حدود الشرعِ فإنه مُستَدرج وبدعــي .

‏" السلسلة الصحيحة " ( 3 / 102 – 104 ) .

والله أعلم .‏