مشاهدة النسخة كاملة : هل تستطيع الملائكة أن تكلّم البشر أو أن توحي لهم بأشياء؟
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:02 PM
رؤية الملائكة في الدنيا
المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
السؤال
السلام عليكم، وبعد:
هل يمكن أن يرى بعض الناس الملائكة في الدنيا؟
الجواب
الحمد لله، الذي يظهر أن السائل يقصد هل يمكن لبعض الناس أن يرى الملائكة في الدنيا، رؤية الملائكة للناس حاصلة، ولكن الأصل أن الناس لا يرون الملائكة، لكن يمكن أن يروهم إذا تمثلوا بغير صورتهم التي خُلقوا عليها، وهذا قد حصل للصحابة – رضي الله عنهم -، رأوا جبريل في صورة دحية الكلبي انظر البخاري (4980)، مسلم (2451)، وفي صورة إنسان غير معروف كما في حديث جبريل الطويل حديث عمر – رضي الله عنه – انظر : مسلم (8)، وكذلك تمثّل جبريل لمريم كما قال –تعالى-:"فتمثل لها بشراً سوياً"[مريم:17] ، وكذلك تمثل الملائكة لإبراهيم ولوط –عليهم السلام- في قصة ضيف إبراهيم، وأما من بعدهم فلا نقول إنه مستحيل، لأن الله على كل شيء قدير، فيمكن أن يتمثل بعض الملائكة ببعض الناس، لكن هذا يتوقف على الدليل، ومن يستطيع أن يثبت أن ما رآه فلان أو فلان أنه ملك؟ هذا والله أعلم.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:03 PM
علاقة الملائكة بذرية آدم:
للملائكة علاقة وثيقة بذرية آدم، فمنهم الحفظة الذين يقومون بحفظ الإنسان، قال تعالى: له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله {الرعد: 11}، والمعقبات من الله هم الملائكة يحفظون العبد من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء القدر خَلَّوْا عنه، وجاءت الآيات القرآنية تؤكد هذا المعنى في قوله تعالى: وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة {الأنعام: 62}.
وقوله سبحانه: إن كل نفس لما عليها حافظ ، ولذلك لما قيل لعلي رضي الله عنه: إن نفرًا يريدون قتلك، فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه فيما لم يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، إن الأجل جنة حصينة.
ومنهم الكتبة الذين يكتبون عمل الإنسان، يقول سبحانه: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ، فإذا تكلم الإنسان بكلمة يرقبها الملك الموَكَّل بكتابتها فيكتبها إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، قال سبحانه: وإن عليكم لحافظين (10) كراما كاتبين (11) يعلمون ما تفعلون .
ومنهم الموَكَّل بالرحم: فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا مر بالنطفة اثنان وأربعون ليلة بعث الله تعالى إليها ملكًا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: أي ربِّ: ذكر أم أنثى، فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك". رواه مسلم.
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع؛ بِكَتْبِ رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد". رواه البخاري ومسلم.
ومنهم الموَكَّل بالوحي، يقول تعالى: نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين ، ويقول سبحانه: قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه ، ويكاد جبريل عليه السلام يختص بهذه الوظيفة.
ومنهم الموكل بقبض روح العباد، يقول سبحانه: قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون ، وملك الموت له أعوان ينزعون روح المؤمن في سهولة ويسر كما تنزع القطرة من فم الإناء وينزعون روح الكافر بصعوبة كما تنزع الشوكة من الصوف المبتل، يقول جل شأنه: وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ، ويقول سبحانه: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون ، ويقول جل شأنه: فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم .
يقول سبحانه: الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (8) وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم {غافر: 7- 9}. ويقول سبحانه: هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما .
وصلاة الملائكة استغفارهم للمؤمنين والدعاء لهم، وهذه بعض الأعمال التي تصلي الملائكة على أهلها:
1- معلم الناس الخير، ففي حديث أبي أمامة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله وملائكته، حتى النملة في حجرها، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير". {صحيح الجامع 2-133}.
2- الذين يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ، ففي الحديث: "ما من عبد يصلي عليَّ إلا صلت عليه الملائكة، ما دام يصلي عليَّ فليقل العبد من ذلك أو ليكثر". {صحيح الجامع 5-174}.
3- المتسحرون، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : "إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين". {صحيح الجامع 153}.
4- من عاد مريضًا، فعن علي رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "ما من امرئ مسلم يعود مسلمًا إلا ابتعث الله سبعين ألف ملك يصلون عليه..." {صحيح الجامع}.
5- المصلون في الصف الأول، ففي الحديث: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول". {صحيح الجامع 6-21}.
يقول سبحانه: والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (23) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ، والملائكة تستغُفر للمؤمنين وتصلي عليهم.
والملائكة تبشر المؤمن عند الاحتضار عند خروج الروح وقبل أن تفارق الجسد بالنعيم والرضوان، يقول سبحانه: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون .
كما أن الملائكة تحب المؤمنين، ففي الحديث "أن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل، إن الله قد أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله قد أحب فلانًا فأحبوه فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في الأرض". {رواه مسلم}.
فإن أراد العبد قبولاً في الأرض فطريقه محبة الله التي لا تأتي إلا بفعل الواجبات وترك المحرمات، ثم بفعل المستحبات وترك المكروهات، ففي الحديث: "وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه..."، كما أنها تدعو العباد إلى فعل الخيرات، ففي صحيح البخاري: "ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا".
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:04 PM
رأى في منامه كأن الملائكة نزلت من السماء تلتقط الياسمين من البصرة
حكي أن رجلا أتى الحسن البصري رحمه الله فقال رأيت البارحة كأن الملائكة نزلت من السماء تلتقط الياسمين من البصرة فاسترجع الحسن وقال ذهب علماء البصرة
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:04 PM
من مقدمة ابن خلدون:
المقدمة السادسة في أصناف المدركين للغيب من البشر بالفطرة أو بالرياضة ويتقدمه الكلام في الوحي والرؤيا
اعلم أن الله سبحانه اصطفى من البشر أشخاصاً فضلهم بخطابه وفطرهم على معرفته وجعلهم وسائل بينه وبين عباده يعرفونهم بمصالحهم ويحرضونهم على هدايتهم ويأخذون بحجزاتهم عن النار ويدلونهم على طريق النجاة. وكان فيما يلقيه إليهم من المعارف ويظهره على ألسنتهم من الخوارق والأخبار الكائنات المغيبة عن البشر التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من الله بوساطتهم ولا يعلمونها إلا بتعليم الله إياهم. قال صلى الله عليه وسلم " ألا وإني لا أعلم إلا ما علمني الله ". واعلم أن خبرهم في ذلك من خاصيته وضرورته الصدق لما يتبين لك عند بيان حقيقة النبوة. وعلامة هذا الصنف من البشر أن توجد لهم في حال الوحي غيبة عن الحاضرين معهم مع غطيط كأنها غشي أو إغماء في رأي العين وليست منهما في شيء وإنما هي في الحقيقة استغراق في لقاء الملك الروحاني بإدراكهم المناسب لهم الخارج عن مدارك البشر بالكلية. ثم يتنزل إلى المدارك البشرية: إما بسماع دوي من الكلام فيتفهمه أو يتمثل له صورة شخص يخاطبه بما جاء به من عند الله. ثم تنجلي عنه تلك الحال وقد وعى ما ألقي إليه. قال صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن الوحى: " أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول ". ويدركه أثناء ذلك من الشدة والغط ما لا يعبر عنه. ففي الحديث: " كان مما يعالج من التنزيل شدة وقالت عائشة: " كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً " وقال تعالى: " إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ". ولأجل هذه الحالة في تنزل الوحي كان المشركون يرمون الأنبياء بالجنون ويقولون: له رئي أو تابع من الجن. وإنما لبس عليهم بما شاهدوه من ظاهر تلك الأحوال: " ومن يضلل الله فما له من هاد ". ومن علاماتهم أيضاً أنه يوجد لهم قبل الوحي خلق الخير والزكاء ومجانبة المذمومات والرجس أجمع. وهذا هو معنى العصمة. وكأنه مفطورعلى التنزه عن المذمومات والمنافرة لها وكأنها منافية لجبلته. وفي الصحيح أنه حمل الحجارة وهو غلام مع عمه العباس لبناء الكعبة فجعلها في إزاره فانكشف فسقط مغشياً عليه حتى استتر بإزاره ودعي إلى مجتمع وليمة فيها عرس ولعب فأصابه غشي النوم إلى أن طلعت الشمس ولم يحضر شيئاً من شأنهم بل نزهه الله عن ذلك كله حتى أنه بجبلته يتنزه عن المطعومات المستكرهة. فقد كان صلى الله عليه وسلم لا يقرب البصل والثوم فقيل له في ذلك فقال: " إني اناجي من لا تناجون ". وانظر لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله عنها بحال الوحي أول ما فجأته وأرادت اختباره فقالت: " إجعلني بينك وبين ثوبك " فلما فعل ذلك ذهب عنه فقالت: " إنه ملك وليس بشيطان " ومعناه إنه لا يقرب النساء. وكذلك سألته عن أحب الثياب إليه أن يأتيه فيها فقال البياض والخضرة فقالت إنه الملك يعني أن البياض والخضرة من ألوان الخير والملائكة والسواد من ألوان الشر الشياطين وأمثال ذلك. ومن علاماتهم أيضاً دعاؤهم إلى الدين والعبادة من الصلاة والصدقة والعفاف. وقد استدلت خديجة على صدقه صلى الله عليه وسلم بذلك وكذلك أبو بكر ولم يحتاجا في أمره إلى دليل خارج عن حاله وخلقه. وفي الصحيح أن هرقل حين جاءه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام أحضر من وجد ببلده من قريش وفيهم أبو سفيان ليسألهم عن حاله فكان فيما سأل أن قال: بم يأمركم فقال أبو سفيان: بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف إلى آخر ما سأل فأجابه فقال: " إن يكن ما تقول حقاً فهو نبي وسيملك ما تحت قدمي هاتين ". والعفاف الذي أشار إليه هرقل هو العصمة. فانظر كيف أخذ من العصمة والدعاء إلى الدين والعبادة دليلاً على صحة نبوته ولم يحتج إلى معجزة. فدل على أن ذلك من علامات النبوة. ومن علاماتهم أيضاً أن يكونوا ذوي حسب في قومهم. وفي الصحيح: " ما بعث الله نبياً إلا في منعة من قومه " وفي رواية أخرى في ثروة من قومه استدركه الحاكم على الصحيحين وفي مساءلة هرقل لأبي سفيان كما هو في الصحيح قال: " كيف هو فيكم " قال أبو سفيان: " هو فينا ذو حسب فقال هرقل: والرسل تبعث في أحساب قومها. ومعناه أن تكون له عصبة وشوكة تمنعه عن أذى الكفار حتى يبلغ رسالة ربه ويتم مراد الله من إكمال دينه وملته. ومن علاماتهم أيضاً وقوع الخوارق لهم شاهدة بصدقهم وهي أفعال يعجز البشر عن مثلها فسميت بذلك معجزة وليست من جنس مقدور العباد وإنما تقع في غير محل قدرتهم. وللناس في كيفية وقوعها ودلالتها على تصديق الأنبياء خلاف. فالمتكلمون بناء على القول بالفاعل المختار قائلون بأنها واقعة بقدرة الله لا بفعل النبي وإن كانت أفعال العباد عند المعتزلة صادرة عنهم إلا أن المعجزة لا تكون من جنس أفعالهم. وليس للنبي فيها عند سائر المتكلمين إلا التحدي بها بإذن الله وهو أن يستدل بها النبي صلى الله عليه وسلم قبل وقوعها على صدقه في مدعاه. فإذا وقعت تنزلت منزلة القول الصريح من الله بأنه صادق وتكون دلالتها حينئذ على الصدق قطعية. فالمعجزة دالة بمجموع الخارق والتحدي ولذلك كان التحدي جزءاً منها. وعبارة المتكلمين صفة وهو واحد لأنه معنى الذاتي عندهم. والتحدي هو الفارق بينها وبين الكرامة والسحر إذ لا حاجة فيهما إلى التصديق فلا وجود للتحدي إلا إن وجد اتفاقاً.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:06 PM
وإن وقع التحدي في الكرامة عند من يجيزها وكانت لها دلالة فإنما هي على الولاية وهي غير النبوة. ومن هنا منع الأستاذ أبو إسحق وغيره وقوع الخوارق كرامة فراراً من الالتباس بالنبوة عند التحدي بالولاية. وقد أريناك المغايرة بينهما وأنه يتحى بغير مايتحدى به النبي فلا لبس على أن النقل عن الأستاذ في ذلك ليس صريحاً وربما حمل على وأما المعتزلة فالمانع من وقوع الكرامة عندهم أن الخوارق ليست من أفعال العباد وأفعالهم معتادة فلا فرق. وأما وقوعها على يد الكاذب تلبيساً فهو محال. أما عند الأشعرية فلأن صفة نفس المعجزة التصديق والهداية فلو وقعت بخلاف ذلك انقلب الدليل شبهة والهداية ضلالة والتصديق كذباً واستحالت الحقائق وانقلبت صفات النفس وما يلزم من فرض وقوعه المحال لا يكون ممكناً. وأما عند المعتزلة فلأن وقوع الدليل شبهة والهداية ضلالة قبيح فلا يقع من الله. وأما الحكماء فالخارق عندهم من فعل النبي ولو كان في غير محل القدرة بناء على مذهبهم في الإيجاب الذاتي ووقوع الحوادث بعضها عن بعض متوقف على الأسباب والشروط الحادثة مستندة أخيراً إلى الواجب الفاعل بالذات لا بالاختيار وأن النفس النبوية عندهم لها خواص ذاتية منها صدور هذه الخوارق بقدرته وطاعة العناصر له في التكوين. والنبي عندهم مجبول على التصريف في الأكوان مهما توجه إليها واستجمع لها بما جعل الله له من ذلك. والخارق عندهم يقع للنبي سواء أكان للتحدي أو لم يكن وهو شاهد بصدقه من حيث دلالتها على تصرف النبي في الأكوان الذي هو من خواص النفس النبوية لا بأنه يتنزل منزلة القول الصريح بالتصديق. فلذلك لا تكون دلالتها عندهم قطعية كما هي عند المتكلمين ولا يكون التحدي جزءاً من المعجزة ولم يصح فارقاً لها عن السحر والكرامة. وفارقها عندهم عن السحر أن النبي مجبول على أفعال الخير مصروف عن أفعال الشر فلا يلم الشر بخوارقه والساحر على الضد فأفعاله كلها شر وفي مقاصد الشر. وفارقها عن الكرامة أن خوارق النبي مخصوصة كالصعود إلى السماء والنفوذ في الأجسام الكثيفة وإحياء الموتى وتكليم الملائكة والطيران في الهواء وخوارق الولي دون ذلك كتكثير القليل والحديث عن بعض المستقبل وأمثاله مما هو قاصر عن تصريف الأنبياء. ويأتي النبي بجميع خوارقه ولا يقدر هو على مثل خوارق الأنبياء. وقد قرر ذلك المتضوفة فيما كتبوه في طريقتهم ولقنوه عمن أخبرهم. وإذا تقرر ذلك فاعلم أن أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة القرآن الكريم المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقاه النبي ويأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه والقرآن هو بنفسه الوحي المدعى وهو الخارق المعجز فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل والمدلول فيه. وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم " ما من نبي من الأنبياء إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أتيته وحياً أوحي إلي. فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة " يشير إلى أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوة الدلالة وهو كونها نفس الوحي كان الصدق لها أكثر لوضوحها فكثر المصدق المؤمن وهو التابع والأمة.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:06 PM
تفسير حقيقة النبوة ولنذكر الآن تفسير حقيقة النبوة على ما شرحه كثيرمن المحققين ثم نذكر حقيقة الكهانة ثم الرؤيا ثم شأن العرافين وغير ذلك من مدارك الغيب فنقول: اعلم أرشدنا الله وإياك أنا نشاهد هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والإحكام وربط الأسباب بالمسببات واتصال الأكوان بالأكوان واستحالة بعض الموجودات إلى بعض لا تنقضي عجائبه في ذلك ولا تنتهي غاياته. وأبدأ من ذلك بالعالم المحسوس الجثماني. وأولاً عالم العناصر المشاهدة كيف تدرج صاعداً من الأرض إلى الماء ثم إلى الهواء ثم إلى النار متصلاً بعضها ببعض. وكل واحد منها مستعد إلى أن يستحيل إلى ما يليه صاعداً وهابطاً ويستحيل بعض الأوقات. والصاعد منها ألطف مما قبله إلى أن ينتهي إلى عالم الأفلاك وهو ألطف من الكل على طبقات اتصل بعضهما ببعض على هيئة لا يدرك الحس منها إلا الحركات فقط وبها يهتدي بعضهم إلى معرفة مقاديرها وأوضاعها وما بعد ذلك من وجود الذوات التي لها هذه الآثار فيها. ثم انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج. آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذر له وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد الغريب لأن يصير أول أفق الذي بعده. واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه وانتهى في تدريج التكوين إلى الانسان صاحب الفكر والروية ترتفع إليه من عالم القدرة الذي اجتمع فيه الحس والإدراك ولم ينته إلى الروية والفكر بالفعل وكان ذلك أول أفق من الإنسان بعده. وهذا غاية شهودنا. ثم إنا نجد في العوالم على اختلافها آثاراً متنوعة: ففي عالم الحس آثار من حركات الأفلاك والعناصر وفي عالم التكوين آثار من حركة النمو والإدراك تشهد كلها بأن لها مؤثراً مبايناً للأجسام. فهو روحاني ويتصل بالمكونات لوجود اتصال هذا العالم في وجودها وذلك هو النفس المدركة والمحركة. ولا بد فوقها من وجود آخر يعطيها الإدراك والحركة ويتصل بها أيضاً ويكون ذاته إدراكاً صرفاً وتعقلاً محضاً وهو عالم الملائكة. فوجب من ذلك أن يكون للنفس استعداد للانسلاخ من البشرية الى الملكية لتصير بالفعل من جنس الملائكة وقتاً من الأوقات في لمحة من اللمحات وذلك بعد أن تكمل ذاتها الروحانية بالفعل كما نذكره بعد ويكون لها اتصال بالأفق الذي بعدها شأن الموجودات المرتبة كما قدمناه.
فلها في الاتصال جهتا العلو والسفل: فهي متصلة بالبدن من أسفل منها ومكتسبة به المدارك الحسية التي تستعد بها للحصول على التعقل بالفعل ومتصلة من جهة الأعلى منها بأفق الملائكة ومكتسبة به المدارك العلمية والغيبية فإن عالم الحوادث موجود في تعقلاتهم من غير زمان. وهذا ما قدمناه من الترتيب المحكم في الوجود باتصال ذواته وقواه بعضها ببعض. ثم إن هذه النفس الإنسانية غائبة عن العيان وآثارها ظاهرة في البدن فكأنه وجميع أجزائه مجتمعة ومفترقة آلات للنفس ولقواها أما الفاعلية فالبطش باليد والمشي بالرجل والكلام باللسان والحركة الكلية بالبدن متدافعاً. وأما المحركة وإن كانت قوى الإدراك مرتبة ومرتقية إلى القوة العليا منها ومن المفكرة التي يعبر عنها بالناطقة فقوى لظاهرة بآلاته من السمع والبصر وسائرها يرتقي إلى الباطن وأوله الحس وهو قةة تدرك المحسوسات مبصرة ومسموعة وملموسة وغيرها في حالة واحدة وبذلك فارقت قوة الحس الظاهر لأن المحسوسات لا تزدحم عليها في الوقت الواحد ثم يؤديه الحس المشترك إلى الخيال وهي قوة تمثل الشيء المحسوس في النفس كما هو مجرد عن المواد الخارجة فقط. وآلة هاتين القوتين في تصريفهما البطن الأول من الدماغ: مقدمة للأولى ومؤخرة للثانية. ثم يرتقي الخيال إلى الواهمة والحافظة فالواهمة لإدراك المعاني المتعلقة بالشخصيات كعداوة زيد وصداقة عمرو ورحمة الأب وافتراس الذئب. والحافظة لإيداع المدركات كلها متخيلة وغير متخيلة وهي لها كالخزانة تحفظها لوقت الحاجة إليها. وآلة هاتين القوتين في تصريفهما البطن المؤخر من الدماغ: أوله للأولى ومؤخره للأخرى. ثم ترتقي جميعها إلى قوة الفكر. وآلته البطن الأوسط من الدماغ وهي القوة التي يقع بها حركة الرؤية والتوجه نحو التعقل فتحرك النفس بها دائماً لماركب فيها من النزوع للتخلص من درك القوة والاستعداد الذي للبشرية وتخرج إلى الفعل في تعقلها متشبهة بالملإ الأعلى الروحاني. وتصير في أول مراتب الروحانيات في إدراكها بغير الآلات الجسمانية. فهي متحركة دائماً ومتوجهة نحو ذلك. وقد تنسلخ بالكلية من البشرية وروحانيتها إلى الملكية من الأفق الأعلى من غير اكتساب بل بما جعل الله فيها من الجبلة والفطرة الأولى في ذلك. أصناف النفوس البشرية والنفوس البشرية على ثلاثة أصناف: صنف عاجز بالطبع عن الوصول إلى الإدراك الروحاني فينقطع بالحركة إلى الجهة السفلى نحو المدارك الحسية والخيالية وتركيب المعاني من الحافظة والواهمة على قوانين محصورة وترتيب خاص يستفيدون به العلوم التصورية والتصديقية التي للفكر في البدن وكلها خيالي منحصر نطاقه إذ هو من جهة مبدئه ينتهي إلى الأوليات ولا يتجاوزها وإن فسد فسد ما بعدها. وهذا هو في الأغلب نطاق الإدراك البشري الجسماني. وإليه تنتهي مدارك العلماء وفيه ترسخ أقدامهم. وصنف متوجة بتلك الحركة الفكرية نحو العقل الروحاني والإدراك الذي لا يفتقر إلى الآلات البدنية بما جعل فيه من الاستعداد لذلك فيتسع نطاق إدراكه عن الأوليات التي هي نطاق الإدراك الأول البشري ويسرح في فضاء المشاهدات الباطنية وهي وجدان كلها لا نطاق لها من مبدئها ولا من منتهاها. وهذه مدارك العلما الأولياء أهل العلوم اللدنية والمعارف الربانية وهي الحاصلة بعد الموت لأهل السعادة في البرزخ. وصنف مفطور على الانسلاخ من البشرية جملة جسمانيتها وروحانيتها إلى الملائكة من الأفق الأعلى ليصير في لمحة من اللمحات ملكاً بالفعل ويحصل له شهود الملإ الأعلى في أفقهم وسماع الكلام النفساني والخطاب الإلهي في تلك اللمحة. الوحي وهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جعل الله لهم الانسلاخ من البشرية في تلك اللمحة وهي حالة الوحي فطرة فطرهم الله عليها وجبلة صورهم فيها ونزههم عن موانع البدن وعوائقه ما داموا ملابسين لها بالبشرية بما ركب في غرائزهم من لقصد والاستقامة التي يحاذون بها تلك الوجهة وركز في طبائعهم رغبة في العبادة تكشف بتلك الوجهة وتسيغ نحوها. فهم يتوجهون إلى ذلك الأفق بذلك النةع من الانسلاخ متى شاؤوا بتلك الفطرة التي فطروا عليها لا باكتساب ولا صناعة. فلذا توجهوا وانسلخوا عن بشريتهم وتلقوا في ذلك الملإ الأعلى ما يتلقونه وعاجوا به على المدارك البشرية منزلاً في قواها لحكمة التبليغ للعباد. فتارة يسمع أحدهم دوياً كأنه رمز من الكلام يأخذ منه المعنى الذي ألقي إليه فلا ينقضي الدوي إلا وقد وعاه وفهمه.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:08 PM
وتارة يتمثل له الملك الذي يلقي إليه رجلاً فيكلمه ويعي ما يقوله. والتلقي من الملك والرجوع إلى المدارك البشرية وفهمه ما ألقي عليه كله كأنة في لحظة واحدة بل أقرب من لمح البصر لأنه ليس في زمان بل كلها تقع جميعاً فيظهر كأنها سريعة ولذلك سميت وحياً لأن الوحي في اللغة الإسراع. واعلم أن الأولى وهي حالة الدوي هي رتبة الأنبياء غيرالمرسلين على ما حققوه والثانية وهي حالة تمثل الملك رجلاً يخاطب هي رتبة الأنبياء المرسلين ولذلك كانت أكمل من الأولى. وهذا معنى الحديث الذي فسر فيه النبي صلى الله عليه وسلم الوحي لما سأله الحارث بن هشام وقال وكيف يأتيك الوحي فقال: " أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول. وإنما كانت الأولى أشد لأنها مبدأ الخروج في ذلك الإتصال من القوة إلى الفعل فيعسر بعض العسر ولذلك لما عاج فيها على المدارك البشرية بالسمع وصعب ما سواه. وعندما يتكرر الوحي ويكثر التلقي يسهل ذلك الاتصال فعندما يعرج إلى المدارك البشرية يأتي على جميعها وخصوصاً الأوضح منها وهو إدراك البصر. وفي العبارة عن الوعي في الأولى بصيغة الماضي وفي الثانية بصيغة المضارع لطيفة من البلاغة وهي أن الكلام جاء مجيء التمثيل لحالتي الوحي فمثل الحالة الأولى بالدوي الذي هو في المتعارف غير كلام وأخبر أن الفهم والوعي يتبعه غب انقضائه فناسب عند تصوير انقضائه وانفصاله العبارة عن الوعي بالماضي المطابق للانقضاء والانقطاع ومثل الملك في الحالة الثانية برجل يخاطب ويتكلم والكلام يساوقه الوعي فناسب العبارة بالمضارع المقتضي للتجدد. واعلم أن في حالة الوحي كلها صعوبة على الجملة وشدة قد أشار إليها القرآن قال تعالى: " إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً " وقالت عائشة: " كان مما يعاني من التنزيل شدة وقالت: " كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً ". ولذلك كان يحدث عنه في تلك الحالة من الغيبة والغطيط ما هو معروف. وسبب ذلك أن الوحي كما قررناه مفارقة البشرية إلى المدارك الملكية وتلقي كلام النفس فيحدث عنه شدة من مفارقة الذات ذاتها وانسلاخها عنها من أفقها إلى ذلك الأفق الآخر. وهذا هو معنى الغط الذي عبر به في مبدأ الوحي في قوله: " فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارىء وكذا ثانية وثالثة " كما في الحديث. وقد يفضي الاعتياد بالتدريج فيه شيئاً فشيئاً إلى بعض السهولة بالقياس إلى ما قبله. ولذلك كان تنزل نجوم القرآن وسوره وآيه حين كان بمكة أقصر منها وهو بالمدينة. وانظر إلى ما نقل في نزول سورة براءة في غزوة تبوك وأنها نزلت كلها أو أكثرها عليه وهو يسير على ناقته بعد أن كان بمكة ينزل عليه بعض السورة من قصار المفصل في وقت وينزل الباقي في حين آخر. وكذلك كان آخر ما نزل بالمدينة آية الدين وهي ما هي في الطول بعد أن كانت الآية تنزل بمكة مثل آيات الرحمن والذاريات والمدثر والضحى والفلق وأمثالها. واعتبر من ذلك علامة تميز بها بين المكي والمدني من السور والآيات. والله المرشد للصواب. هذا محصل أمر النبوة. الكهانة وأما الكهانة فهي أيضاً من خواص النفس الإنسانية. وذلك أنه وقد تقدم لنا في جميع ما مر أن للنفس الإنسانية استعداداً للانسلاخ من البشرية إلى الروحانية التي فوقها وأنه يحصل من ذلك لمحة للبشر في صنف الأنبياء بما فطروا عليه من ذلك وتقرر أنه يحصل لهم من غير اكتساب ولا استعانة بشيء من المدارك ولا من التصورات ولا من الأفعال البدنية كلاماً اوحركة ولا بأمر من الأمور إنما هو انسلاخ من البشريه إلى الملكية بالفطرة في لحظة أقرب من لمح البصر. وإذا كان كذلك وكان ذلك الاستعداد موجوداً في الطبيعة البشرية فيعطي التقسيم العقلي وإن هنا صنفاً آخر من البشر ناقصاً عن رتبة الصنف الأول نقصان الضد عن ضده الكامل لأن عدم الاستعانة في ذلك الإدراك ضد الاستعانة فيه وشتان مابينهما. فإذا أعطي تقسيم الوجود إلى هنا صنفاً آخر من البشر مفطوراً على أن تتحرك قوته حركتها الفكرية بالإردة عندما يبعثها النزوع لذلك وهي ناقصة عنه بالجبلة لها بالجبلة عندما يعوقها العجز عن ذلك تشبث بأمور جزئية محسوسة أو متخيلة كالأجسام الشفافة وعظام الحيوانات وسجع الكلام وما سنح من طير أو حيوان فيستديم ذلك الإحساس أو التخيل مستعيناً به في ذلك الانسلاخ الذي يقصده ويكون كالمشيع له. وهذه القوة التي فيهم مبدأ لذلك الإدراك هي الكهانة.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:08 PM
ولكون هذه النفوس مفطورة على النقص والقصور عن الكمال كان إدراكها في الجزئيات أكثر من الكليات. ولذلك تكون المخيلة فيهم في غاية القوة لأنها آلة الجزئيات فتنفذ فيها نفوذاً تاماً أو يقظة وتكون عندها حاضرة عتيدة تحضرها المخيلة وتكون لها كالمرآة تنظر فيها دائماً. ولا يقوى الكاهن على الكمال في إدراك المعقولات لأن وحيه من وحي الشيطان. وأرفع أحوال هذا الصنف أن يستعين بالكلام الذي فيه السجع والموازنة ليشتغل به عن الحواس ويقوى بعض الشيء على ذلك الاتصال الناقص فيهجس في قلبه عن تلك الحركة والذي يشيعها من ذلك الأجنبي ما يقذفه على لسانه صدق ووافق الحق وربما كذب لأنه يتمم نقصه بأمر أجنبي عن ذاته ومباين لها غير ملائم فيعرض له الصدق والكذب جميعاً ولا يكون موثوقاً به. وربما يفزع إلى الظنون والتخمينات حرصاً على الظفر بالإدراك بزعمه وتمويهاً على السائلين. وأصحاب هذا السجع هم المخصصون باسم الكهان لأنهم أرفع سائر وقد قال صلى الله عليه وسلم في مثله: " هذا من سجع الكهان ". فجعل السجع مختصاً بهم بمقتضى الإضافة. وقد قال لابن صياد حين سأله كاشفاً عن حاله بالأخبار: كيف يأتيك هذا الأمر قال: يأتيني صادقاً وكاذباً فقال: خلط عليك الأمر! يعني أن النبوة خاصتها الصدق فلا يعتريها الكذب بحال لأنها اتصال من ذات النبي بالملإ الأعلى من غير مشيع ولا استعانة بأجنبي. والكهانة لما احتاج صاحبها بسبب عجزه إلى الاستعانة بالتصورات الأجنبية كانت داخلة في إدراكه والتبست بالإدراك الذي توجه إليه فصار مختلطاً بها وطرقه الكذب من هذه الجهة فامتنع أن تكون نبوة. وإنما قلنا أن أرفع مراتب الكهانة حالة السجع لأن معنى السجع أخف من سائر المغيبات من المرئيات والمسموعات. وتدل خفة المعنى على قرب ذلك الاتصال والإدراك والبعد فيه عن العجز بعض الشيء. وقد زعم بعض الناس أن هذه الكهانة قد انقطعت منذ زمن النبوة بما وقع من شأن رجم الشياطين بالشهب بين يدي البعثة وأن ذلك كان لمنعهم من خبر السماء كما وقع في القرآن والكهان إنما يتعرفون أخبار السماء من الشياطين فبطلت الكهانة من يومئذ. ولا يقوم من ذلك دليل لأن علوم الكهان كما تكون من الشياطين تكون من نفوسهم أيضاً كما قررناه. وأيضاً فالآية إنما دلت على منع الشياطين من نوع واحد من أخبار السماء وهو ما يتعلق بخبر البعثة ولم يمنعوا مما سوى ذلك. وأيضاً فإنما كان ذلك الانقطاع بين يدي النبوة فقط ولعلها عادت بعد ذلك إلى ما كانت عليه وهذا هو الظاهر لأن هذه المدارك كلها تخمد في زمن النبوة كما تخمد الكواكب والسرج عند وجود الشمس لأن النبوة هي النور الأعظم الذي يخفى معه كل نور ويذهب. وقد زعم بعض الحكماء أنها إنما توجد بين يدي النبوة ثم تنقطع وهكذا مع كل نبوة وقعت لأن وجود النبوة لا بد له من وضع فلكي يقتضيه وفي تمام ذلك الوضع تمام تلك النبوة التي دل عليها ونقض ذلك الوضع عن التمام يقتضي وجود طبيعة من ذلك النوع الذي يقتضيه ناقصة وهو معنى الكاهن على ما قررناه. فقبل أن يتم ذلك الوضع الكامل يقع الوضع الناقص ويقتضي وجود الكاهن إما واحداً أو متعدداً. فإذا تم ذلك الوضع تم وجود النبي بكماله وانقضت الأوضاع الدالة على مثل تلك الطبيعة فلايوجد منها شيء بعد. وهذا بناء على أن بعض الوضع الفلكي يقتضي بعض أثره وهو غير مسلم. فلعل الوضع إنما يقتضي ذلك الأثر بهيئة الخاصة ولو نقص بعض أجزائها فلا يقتضي شيئاً لا أنه يقتضي ذلك الأثر ناقصا كما قالوه. ثم أن هؤلاء الكهان إذا عاصروا زمن النبوة فإنهم عارفون بصدق النبي ودلالة معجزته لأن لهم بعض الوجدان من أمر النبوة كما لكل إنسان من أمر النوم. ومعقولية تلك النسبة موجودة للكاهن بأشد مما للنائم. ولا يصدهم عن ذلك ويوقعهم في التكذيب إلا قوة المطامع في أنها نبوة لهم فيقعون في العناد كما وقع لأمية بن أبي الصلت فإنه كان يطمع أن يتنبأ وكذا وقع لابن صياد ولمسيلمة وغيرهم. فإذا غلب الإيمان وانقطعت تلك الأماني آمنوا أحسن إيمان كما وقع لطليحة الأسدي وسواد بن قارب وكان لهما في الفتوحات الإسلامية من الآثار الشاهدة بحسن الإيمان. الرؤيا وأما الرؤيا فحقيقتها مطالعة النفس الناطقة في ذاتها الروحانية لمحة من صور الواقعات فإنها عندما تكون روحانية تكون صور الواقعات فيها موجودة بالفعل كما هو شأن الذوات الروحانية كلها. وتصير روحانية بأن تتجرد عن المواد الجسمانية والمدارك البدنية وقد يقع لها ذلك لمحة بسبب النوم كما نذكر فتقتبس بها علم ما تتشوف إليه الأمور المستقبلة وتعود به إلى مداركها
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:09 PM
فإن كان ذلك الاقتباس ضعيفاً وغير جلي بالمحاكاة والمثال في الخيال لتخلطه فيحتاج من أجل هذه المحاكاة إلى التعبير وقد يكون الاقتباس قوياً يستغنى فيه عن المحاكاة فلا يحتاج إلى تعبير لخلوصه من المثال والخيال. والسبب في وقوع هذه اللمحة للنفس أنها ذات روحانية بالقوة مستكملة ومداركه حتى تصيرذاتها تعقلاً محضاً ويكمل وجودها بالفعل فتكون حينئذ ذاتاً روحانية مدركة بغير شيء من الآلات البدنية. إلا أن نوعها في الروحانيات دون نوع الملائكة أهل الأفق الأعلى الذين لم يستكملوا ذواتهم بشيء من مدارك البدن ولا غيره. فهذا الاستعداد حاصل لها ما دامت في البدن: ومنه خاص كالذي للأولياء ومنه عام للبشر على العموم وهو أمر الرؤيا. وأما الذي للأنبياء فهو استعداد بالانسلاخ من البشرية إلى الملكية المحضة التي هي أعلى الروحانيات. ويخرج هذا الاستعداد فيهم متكرراً في حالات الوحي وهو عندما يعرج على المدارك البدنية ويقع فيها ما يقع من الإدراك يكون شبيهاً بحال النوم شبهاً بيناً وإن كان حال النوم أدون منه بكثير. فلأجل هذا الشبه عبر الشارع عن الرؤيا بأنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة وفي رواية ثلاثة وأربعين وفي رواية سبعين وليس العدد في جميعها مقصوداً بالذات وإنما المراد الكثرة في تفاوت هذه المراتب بدليل ذكر السبعين في بعض طرقه وهو للتكثير عند العرب. وما ذهب إليه بعضهم في رواية ستة وأربعين من أن الوحي كان في مبتدئه بالرؤيا ستة أشهر وهي نصف سنة ومدة النبوة كلها بمكة والمدينة ثلاث وعشرون سنة فنصف السنة منها جزء من ستة وأربعين فكلام بعيد من التحقي. لأنه إنما وقع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ومن أين لنا أن هذه المدة وقعت لغيره من الأنبياء مع أن ذلك إنما يعطي نسبة زمن الرؤيا من زمن النبوة ولا يعطي نسبة حقيقتها من حقيقة النبوة. وإذا تبين لك هذا مما ذكرناه أولاً علمت أن معنى هذا الجزء نسبة الاستعداد الأول الشامل للبشر إلى الاستعداد القريب الخاص بصنف الأنبياء الفطري لهم صلوات الله عليهم إذ هو الاستعداد البعيد وإن كان عاماً في البشر ومعه عوائق وموانع كثيرة من حصوله بالفعل. ومن أعظم تلك الموانع الحواس الظاهرة. ففطر اللة البشر على ارتفاع حجاب الحواس بالنوم الذي هو جبلي لهم فتتعرض النفس عند ارتفاعه إلى معرفة ما تتشوف إليه في عالم الحق فتدرك في بعض الأحيان منه لمحة يكون فيها الظفر بالمطلوب. ولذلك جعلها الشارع من المبشرات فقال: لم يبق من النبوة إلا المبشرات قالوا وما وأما سبب ارتفاع حجاب الحواس بالنوم فعلى ما أصفه لك وذلك أن النفس الناطقة إنما إدراكها وأفعالها بالروح الحيواني الجسماني وهو بخار لطيف مركزه بالتجوبف الأيسر من القلب على ما في كتب التشريح لجالينوس وغيره. وينبعث مع الدم في الشريانات والعروق فيعطي الحس والحركة وسائر الأفعال البدنية. ويرتفع لطيفه إلى الدماغ فيعدل من برده وتت أفعال القوى التي في بطونه. فالنفس الناطقة إنما تدرك وتعقل بهذا الروح البخاري وهي متعلقة به لما اقتضتة حكمة التكوين في أن اللطيف لا يؤثر في الكثيف ولما لطف هذا الروح الحيواني من بين المواد البدنية صار محلا لآثار الذات المباينة له في جسمانيته وهي النفس الناطقة وصارت آثارها حاصلة في البدن بواسطته. وقد كنا قدمنا أن إدراكها على نوعين إدراك بالظاهر وهو بالحواس الخمس وإدراك بالباطن بالقوى الدماغية. وأن هذا الإدراك كله صارف لها عن إدراكها ما فوقها من ذواتها الروحانية التي هي مستعدة له بالفطرة. ولما كانت الحواس الظاهرة جسمانية كانت معرضة للوسن والفشل بما يدركها من التعب والكلال وتغشى الروح بكثرة التصرف. فخلق الله لها طلب الاستجمام لتجرد الإدراك على الصورة الكاملة. وإنما يكون ذلك بانخناس الروح الحيواني من الحواس الظاهرة كلها ورجوعه إلى الحس الباطن. ويعين على ذلك ما يغشى البدن من البرد بالليل فتطلب الحرارة الغريزية أعماق البدن وتذهب من ظاهره إلى باطنه فتكون مشيعة مركبها وهو الروح الحيواني إلى الباطن. ولذلك كان النوم للبشر في الغالب إنما هو بالليل. فإذا انخنس الروح عن الحواس الظاهرة ورجع إلى القوى الباطنة وخفت عن النفس شواغل الحس وموانعه ورجعت إلى الصورة التي في الحافظة تمثل منها بالتركيب والتحليل صور خيالية وأكثر ما تكون معتادة لأنها منتزعة من المدركات المتعاهدة قريباً. ثم ينزلها الحس المشترك الذي هو جامع الحواس الظاهرة فيدركها على أنحاء الحواس الخمس الظاهرة وربما التفتت النفس لفتة إلى ذاتها الروحانية مع منازعتها القوى الباطنية فتدرك بإدراكها الروحاني لأنها مفطورة عليه وتقتبس من صور الأشياء التي صارت متعلقة في ذاتها حينئذ. ثم يأخذ الخيال تلك الصور المدركة فيمثلها بالحقيقة أو المحاكاة في القوالب المعهودة. والمحاكاة من هذه هي المحتاجة للتعبير وتصرفها بالتركيب والتحليل في صور الحافظة قبل أن تدرك من تلك اللمحة ما تدركه هي أضغاث أحلام. وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الرؤيا ثلاث: رؤيا من الله ورؤيا من الملك ورؤيا من الشيطان ". وهذا التفصيل مطابق لما ذكرناه: فالجلي من الله والمحاكاة الداعية إلى التعبير من الملك وأضغاث الأحلام من الشيطان لأنها كلها باطل والشيطان ينبوع الباطل. هذه حقيقة الرؤيا وما يسببها ويشيعها من النوم وهي خواص للنفس الإنسانية موجودة في البشر على العموم لا يخلو عنها أحد منهم بل كل واحد من الأناسي رأى في نومه ما صدر له في يقظته مراراً غير واحدة وحصل له على القطع أن النفس مدركه للغيب في النوم ولا بد. وإذا جاز ذلك في عالم النوم فلا يمتنع في غيره من الأحوال لأن الذات المدركة واحدة وخواصها عامة في كل حال. والله الهادي إلى الحق بمنه وفضله.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:10 PM
الإخبار بالمغيبات ووقوع ما يقع للبشر من ذلك غالباً
إنما هو من غير قصد ولا قدرة عليه وإنما تكون النفس متشوفة لذلك الشيء فيقع لها بتلك اللمحة في النوم لا أنها تقصد إلى ذلك فتراه. وقد وقع في كتاب الغاية وغيره من كتب أهل الرياضات ذكر أسماء تذكر عند النوم فتكون عنها الرؤيا فيما يتشوف إليه ويسمونها الحالومية. وذكر منها مسلمة في كتاب الغاية حالومة سماها حالومة الطباع التام وهو أن يقال عند النوم بعد فراغ السر وصحة التوجه هذه الكلمات الأعجمية وهي تماغس بعد أن يسواد وغداس نوفنا غادس ويذكر حاجته فإنه يرى الكشف عما يسأل عنه في النوم. وحكي أن رجلاً فعل ذلك بعد رياضة ليال في مأكله وذكره فتمثل له شخص يقول له أنا طباعك التام فسأله وأخبره عما كان يتشوف إليه. وقد وقع لي أنا بهذه الأسماء مراء عجيبة واطلعت بها على أمور كنت أتشوف إليها من أحوالي. وليس ذلك بدليل على أن القصد للرؤيا يحدثها وإنما هذه الحالومات تحدث استعداداً في النفس لوقوع الرؤيا فإذا قوي الاستعداد كان أقرب إلى حصول ما يستعد له وللشخص أن يفعل من الاستعداد ما أحب ولا يكون دليلاً على إيقاع المستعد له. فالقدرة على الاستعداد غير القدرة على الشيء فاعلم ذلك وتدبره فيما تجد من أمثاله. والله الحكيم الخبير.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:11 PM
فصل ثم إنا نجد في النوع الإنساني أشخاصاً يخبرون بالكائنات قبل وقوعها
بطبيعة فيهم يتميز بها صنفهم عن سائر الناس ولا يرجعون في ذلك إلى صناعة ولا يستدلون عليه بأثرمن النجوم ولا غيرها إنما نجد مداركهم في ذلك بمقتضى فطرتهم التي فطروا عليها وذلك مثل العرافين والناظرين في الأجسام الشفافة كالمرايا وطساس الماء والناظرين في قلوب الحيوانات وأكبادها وعظامها وأهل الزجر في الطير والسباع وأهل الطرق بالحصى والحبوب من الحنطة والنوى وهذه كلها موجودة في عالم الإنسان لا يسع أحداً جحدها ولا إنكارها. وكذلك المجانين يلقى على ألسنتهم كلمات من الغيب فيخبرون بها. وكذلك النائم والميت لأول موته أو نومه يتكلم بالغيب. وكذلك أهل الرياضات من المتصوفة لهم مدارك في الغيب على سبيل الكرامة معروفة. ونحن الآن نتكلم على هذه الإدراكات كلها ونبتدىء منها بالكهانة ثم نأتي عليها واحدة واحدة إلى آخرها. ونقدم على ذلك مقدمة في أن النفس الإنسانية كيف تستعد لإدراك الغيب في جميع الأصناف التي ذكرناها. وذلك أنها ذات روحانية موجودة بالقوة من بين سائر الروحانيات كما ذكرناه قبل وإنما تخرج من القوة إلى الفعل بالبدن وأحواله. وهذا أمر مدرك لكل أحد. وكل ما بالقوة فله مادة وصورة. وصورة هذه النفس التي بها يتم وجودها هو عين الإدراك والتعقل. فهي توجد أولاً بالقوة مستعدة للإدراك وقبول الصور الكلية والجزئية. ثم يتم نشؤها ووجودها بالفعل بمصاحبة البدن وما يعودها بوررود مدركاتها المحسوسة عليها وما تنترع من تلك الإدراكات من المعاني الكلية فتتعقل الصور مرة بعد أخرى حتى يحصل لها الإدراك والتعقل بالفعل فتتم ذاتها وتبقى النفس كالهيولى والصور متعاقبة عليها بالإدراك واحدة بعد واحدة. ولذلك نجد الصبي في أول نشأته لا يقدر على الإدراك الذي لها من ذاتها لا بنوم ولا بكشف بغيرهما. وذلك لأن صورتها التي هي عين ذاتها وهو الإدراك والتعقل لم يتم بعد بل لم يتم لها انتزاع الكليات. ثم إذا تمت ذاتها بالفعل حصل لها ما دامت مع البدن نوعان من الإدراك: إدراك بآلات الجسم تؤديه إليها المدارك البدنية وإدراك بذاتها من غير واسطة وهي محجوبة عنه بالانغماس في البدن والحواس وبشواغلها لأن الحواس أبداً جاذبة لها إلى الظاهر بما فطرت عليه أولاً من الإدراك الجسماني. وربما تنغمس من الظاهر إلى الباطن فيرتفع حجاب البدن لحظة: إما بالخاصية التي هي للإنسان على الإطلاق مثل النوم أو بالخاصية الموجودة لبعض البشر مثل الكهانة والطرق أو بالرياضة مثل أهل الكشف من الصوفية. فتلتفت حينئذ إلى الذوات التي فوقها من الملإ الأعلى لما بين أفقها وأفقهم من الإتصال في الوجود كما قررناه قبل. وتلك الذوات روحانية وهي إدراك محض وعقول بالفعل وفيها صور الموجودات وحقائقها كما مر. فيتجلى فيها شيء من تلك الصور وتقتبس منها علوماً. وربما دفعت تلك الصور المدركة إلى الخيال فيصرفها في القوالب المعتادة ثم يراجع الحس بما أدركت إما مجرداً أو في قوالبه فتخبر به. هذا هو شرح استعداد النفس لهذا الإدراك الغيبي. ولنرجع إلى ما وعدنا به من بيان أصنافه: فأما الناظرون في الأجسام الشفافة من المرايا وطساس المياه وقلوب الحيوان وأكبادها وعظامها وأهل الطرق بالحصى والنوى فكلهم من قبيل الكهان إلا أنهم أضعف رتبة فيه في أصل خلقهم لأن الكاهن لا يحتاج في رفع حجاب الحس إلى كثير معاناة وهؤلاء يعانونه بانحصار المدارك الحسية كلها فى نوع واحد منها وأشرفها البصر فيعكف على المرئي البسيط حتى يبدو له مدركه الذي يخبر به عنه وربما يظن أن مشاهدة هؤلاء لما يرونه هو في سطح المرآة وليس كذلك. بل لا يزالون ينظرون في سطح المرآة إلى أن يغيب عن البصر ويبدو فيما بينهم وبين سطح المرآة حجاب كأنه غمائم يتمثل فيه صور هي مداركهم فيشيرون إليهم بالمقصود لما يتوجهون إلى معرفته من نفي أو إثبات فيخبرون بذلك على نحو ما أدركوه. وأما المرآة وما يدرك فيها من الصور فلا يدركونه في تلك الحال وإنما ينشأ لهم بها هذا النوع الآخر من الإدراك وهو نفساني ليس من إدراك البصر بل يتشكل به المدرك النفساني للحس كما هو معروف. ومثل ذلك ما يعرض للناظرين في قلوب الحيوانات وأكبادها وللناظرين في الماء والطساس وأمثال ذلك.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:11 PM
وقد شاهدنا من هؤلاء من يشغل الحس بالبخور فقط ثم بالعزائم للاستعداد ثم يخبر كما أدرك ويزعمون أنهم يرون الصور متشخصة في الهواء تحكي لهم أحوال ما يتوجهون إلى إدراكه بالمثال والإشارة. وغيبة هؤلاء عن الحس أخف من الأولين. والعالم أبو الغرائب. وأما الزجر وهو ما يحدث من بعض الناس من التكلم بالغيب عند سنوح طائر أو حيوان والفكر فيه بعد مغيبه وهي قوة في النفس تبعث على الحرص والفكر فيما زجر فيه من مرئي أومسموع. وتكون قوته المخيلة كما قدمناه قوية فيبعثها في البحث مستعيناً بما رأه أو سمعه فيؤديه ذلك إلى إدراك ما كما تفعله القوة المتخيلة في النوم وعند ركود الحواس إذ تتوسط بين المحسوس المرئي في يقظته وتجمعه مع ما عقلتة فيكون عنها الرؤيا. وأما المجانين فنفوسهم الناطقة ضعيفة التعلق بالبدن لفساد أمزجتهم غالباً وضعف الروح الحيواني فيها فتكون نفسه غيرمستغرقة في الحواس ولا منغمسة فيها بما شغلها في نفسها من ألم النقص ومرضه وربما زاحمها على التعلق به روحانية أخرى شيطانية تتشبث به وتضعف هذه عن ممانعتها فيكون عنه التخبط. فإذا أصابه ذلك التخبط إما لفساد مزاجه من فساد في ذاتها أو لمزاحمة من النفوس الشيطانية في تعلقه غاب عن حسه جملة فأدرك لمحة من عالم نفسه وانطبع فيها بعض الصور وصرفها الخيال. وربما نطق على لسانه في تلك الحال من غير إرادة النطق. وإدراك هؤلاء كلهم مشوب فيه الحق بالباطل لأنه لا يحصل لهم الاتصال وإن فقدوا الحس إلا بعد الاستعانة بالتصورات الأجنبية كما قررناه. ومن ذلك يجيء الكذب في هذه المدارك وأما العرافون فهم المتعلقون بهذا الإدراك وليس لهم ذلك الاتصال فيسلطون الفكر على الأمر الذي يتوجهون إليه ويأخذون فيه بالظن والتخمين بناء على ما يتوهمونه من مبادئ ذلك الاتصال والإدراك ويدعون بذلك معرفة الغيب وليس منه على الحقيقة. هذا تحصيل هذه الأمور. وقد تكلم عليها المسعودي في مروج الذهب فما صادف تحقيقاً ولا إصابة. ويظهر من كلام الرجل أنه كان بعيداً عن الرسوخ في المعارف فينقل ما سمع من أهله ومن غير أهله. وهذه الإدراكات التي ذكرناها موجودة كلها في نوع البشر. فقد كان العرب يفزعون إلى الكهان في تعرف الحوادث ويتنافرون إليهم في الخصومات ليعرفوهم بالحق فيها من إدراك غيبهم. وفي كتب أهل الأدب كثير من ذلك. واشتهر منهم في الجاهلية شق بن أنمار بن نزار وسطيح بن مازن بن غسان وكان يدرج كما يدرج الثوب ولا عظم فيه إلا الجمجمة. ومن مشهور الحكايات عنهما تأوبل رؤيا ربيعة بن مضر وما أخبراه به من ملك الحبشة لليمن وملك مضر من بعدهم وظهور النبوة المحمدية في قريش ورؤيا الموبذان التي أولها سطيح لما بعث إليه بها كسسرى عبد المسيح فأخبره بشأن النبوة وخراب ملك فارس. وهذه كلها مشهورة. وكذلك العرافون كان فى العرب منهم كثير وذكروهم في أشعارهم قال: فقلت لعراف اليمامة داوني فإنك إن داويتني لطبيب وقال الآخر: جعلت لعراف اليمامة حكمه وعراف نجد إن هما شفياني وعراف اليمامة هو رباح بن عجلة وعراف نجد الأبلق الأسدي. ومن هذه المدارك الغبية ما يصدر لبعض الناس عند مفارقة اليقظة والتباسه بالنوم من الكلام على الشيء الذي يتشوف إليه بما يعطيه غيب ذلك الأمر كما يريد. ولا يقع ذلك إلا في مبادئ النوم عند مفارقة اليقظة وذهاب الاختيار في الكلام فيتكلم كأنه مجبور على النطق وغايته أن يسمعه ويفهمه. وكذلك يصدر عن المقتولين عند مفارقة رؤوسهم وأوساط أبدانهم كلام بمثل ذلك. ولقد بلغنا عن بعض الجبابرة الظالمين أنهم قتلوا من سجونهم أشخاصا ليتعرفوا من كلامهم عند القتل عواقب أمورهم في أنفسهم فأعلموهم بما يستبشع. وذكر مسلمة في كتاب الغاية له في مثل ذلك أن آدمياً إذا جعل في دن مملوء بدهن السمسم ومكث فيه أربعين يوماً يغذى بالتين والجوز حتى يذهب لحمه ولا يبقى منه إلا العروق وشؤون رأسه فيخرج من ذلك الدهن فحين يجف عليه الهواء يجيب عن كل شيء يسأل عنه من عواقب الأمور الخاصة والعامة. وهذا فعل من مناكير أفعال السحرة لكن يفهم منه عجائب العالم الإنساني. ومن الناس من يحاول حصول هذا المدرك الغيبي بالرياضة فيحاولون بالمجاهدة موتاً صناعياً بإماتة جميع القوى البدنية ثم محو آثارها التي تلونت بها النفس ثم تغذيتها بالذكر لتزداد قوة في نشئها. ويحصل ذلك بجمع الفكر وكثرة الجوع.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:12 PM
ومن المعلوم على القطع أنه إذا نزل الموت بالبدن ذهب الحس وحجابه واطلعت النفس على ذاتها وعالمها. فيحاولون ذلك بالاكتساب ليقع لهم قبل الموت ما يقع لهم بعده وتطلع النفس على المغيبات. ومن هؤلاء أهل الرياضة السحرية يرتاضون بذلك ليحصل لهم الاطلاع على المغيبات والتصرفات في العوالم. وأكثر هؤلاء في الأقاليم المنحرفة جنوباً وشمالاً خصوصاً بلاد الهند. ويسمون هنالك الحوكية ولهم كتب في كيفية هذه الرياضة كثيرة والأخبار عنهم في ذلك غريبة. وأما المتصوفة فرياضتهم دينية وعرية عن هذه المقاصد المذمومة وإنما يقصدون جمع الهمة والإقبال على الله بالكلية ليحصل لهم أذواق أهل العرفان والتوحيد ويزيدون في رياضتهم إلى الجمع والجوع التغذية بالذكر فبها تتم وجهتهم في هذه الرياضة. لأنه إذا نشأت النفس على الذكر كانت أقرب إلى العرفان بالله وإذا عريت عن الذكر كانت شيطانية. وحصول ما يحصل من معرفة الغيب والتصرف لهؤلاء المتصوفة إنما هو بالعرض ولا يكون مقصودا من أول الأمر لأنه إذا قصد ذلك كانت الوجهة فيه لغير الله وإنما هي لقصد التصرف والاطلاع على الغيب وأخسر بها صفقة فإنها في الحقيقة شرك. قال بعضهم: " من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني ". فهم يقصدون بوجهتهم المعبود لا لشيء سواه. وإذا حصل في أثناء ذلك ما يحصل فبالغرض وغير مقصود لهم. وكثير منهم يفر منه إذا عرض له ولا يحفل به وإنما يريد الله لذاته لا لغيره. وحصول ذلك لهم معروف. ويسمون ما يقع لهم من الغيب والحديث على الخواطر فراسة وكشفاً وما يقع لهم من التصرف كرامة وليس شيء من ذلك بنكير في حقهم. وقد ذهب إلى إنكاره الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني وأبو محمد بن أبي زيد المالكي في آخرين فراراً من التباس المعجزة بغيرها. والمعول عليه عند المتكلمين حصول التفرقة بالتحدي فهو كاف. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن فيكم محدثين وإن منهم عمر ". وقد وقع للصحابة من ذلك وقائع معروفة تشهد بذلك في مثل قول عمر رضي الله عنه: " يا سارية! الجبل ". وهو سارية بن زنيم كان قائداً على بعض جيوش المسلمين بالعراق أيام الفتوحات وتورط مع المشركين في معترك وهم بالانهزام وكان بقربه جبل يتجهز إليه فرفع لعمر ذلك وهو يخطب على المنبر بالمدينة فناداه: " يا سارية! الجبل " وسمعه سارية وهو بمكانه ورأى شخصه هنالك والقصة معروفة. ووقع مثله أيضاً لأبي بكر في وصيته عائشة ابنته رضي الله عنهما في شأن ما نحلها من أوسق التمر من حديقته ثم نبهها على جذاذه لتحوزه عن الورثة. فقال في سياق كلامه: " وإنما هما أخواك وأختاك فقالت: " إنما هي أسماء فمن الأخرى فقال: إن ذا بطن بنت خارجة أراها جارية " فكانت جارية. وقع في الموطأ في باب ما لا يجوز من النحل. ومثل هذه الوقائع كثيرة لهم ولمن بعدهم من الصالحين وأهل الاقتداء. إلا أن أهل التصوف يقولون إنه يقل في زمن النبوة إذ لا يبقى للمريد حالة بحضرة النبي حتى أنهم يقولون إن المريد إذا جاء للمدينة النبوية يسلب حاله ما دام فيها حتى يفارقها. والله يرزقنا الهداية ويرشدنا إلى الحق.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:12 PM
فصل ومن هؤلاء المريدين من المتصوفة
قوم بهاليل معتوهون أشبه بالمجانين من العقلاء وهم مع ذلك قد صحت لهم مقامات الولاية وأحوال الصديقين وعلم ذلك من أحوالهم من يفهم عنهم من أهل الذوق مع أنهم غير مكلفين. ويقع لهم من الإخبار عن المغيبات عجائب لأنهم لا يتقيدون بشيء فيطلقون كلامهم في ذلك ويأتون منه بالعجائب. وربما ينكر الفقهاء أنهم على شيء من المقامات لما يرون من سقوط التكليف عنهم والولاية لا تحصل إلا بالعبادة وهوغلط فإن فضل الله يؤتيه من يشاء ولا يتوقف حصول الولاية على العبادة ولا غيرها. وإذا كانت النفس الأنسانية ثابتة الوجود فالله تعالى يخصها بما شاء من مواهبه. وهؤلاء القوم لم تعدم نفوسهم الناطقة ولا فسدت كحال المجانين وإنما فقد لهم العقل الذي ينال به التكليف وهي صفة خاصة للنفس وهي علوم ضرورية للإنسان يشتد بها نظره ويعرف أحوال معاشه واستقامة منزله. وكإنه إذا ميز أحوال معاشه واستقامة منزله لم يبق له عذر في قبول التكاليف لإصلاح معاده. وليس من فقد هذه الصفة بفاقد لنفسه ولا ذاهل عن حقيقته فيكون موجود الحقيقة معدوم العقل التكليفي الذي هو معرفة المعاش ولا استحالة في ذلك ولا يتوقف اصطفاء الله عباده للمعرفة على شيء من التكاليف. وإذا صح ذلك فاعلم أنه ربما يلتبس حال هؤلاء بالمجانين الذين تفسد نفوسهم الناطقة ويلتحقون بالبهائم. ولك في تمييزهم علامات: منها أن هؤلاء البهاليل تجد لهم وجهة ما لا يخلون عنها أصلاً من ذكر وعبادة لكن على غير الشروط الشرعية لما قلناه من عدم التكليف والمجانين لا تجد لهم وجهة أصلاً. ومنها أنهم يخلقون على البله من أول نشأتهم والمجانين يعرض لهم الجنون بعد مدة من العمر لعوارض بدنية طبيعية فإذا عرض لهم ذلك وفسدت نفوسهم الناطقة ذهبوا بالخيبة. ومنها كثرة تصرفهم في الناس بالخير والشر لأنهم لا يتوقفون على إذن لعدم التكليف في حقهم والمجانين لا تصرف لهم. وهذا فصل انتهى بنا الكلام إليه والله المرشد للصواب.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:13 PM
فصل وقد يزعم بعض الناس أن هنا مدارك للغيب من دون غيبة عن الحس
وقد يزعم بعض الناس أن هنا مدارك للغيب من دون غيبة عن الحس: فمنهم المنجمون القائلون بالدلالات النجومية ومقتضى أوضاعها في الفلك وآثارها في العناصر وما يحصل من الإمتزاج بين طباعها بالتناظر ويتأدى من ذلك المزاج إلى الهواء. وهؤلاء المنجمون ليسوا من الغيب في شيء إنما هي ظنون حدسية وتخمينات مبنية على التأثير النجومية وحصول المزاج منه للهواء مع مزيد حدس يقف به الناظر على تفصيله في الشخصيات في العالم كما قاله بطليموس. ونحن نبين بطلان ذلك في محله إن شاء الله. وهو لو ثبت فغايته حدس وتخمين وليس مما ذكرناه في شيء. ومن هؤلاء قوم من العامة استنبطوا لاستخراج الغيب وتعرف الكائنات صناعة سموها خط الرمل نسبة إلى المادة التي يضعون فيها عملهم. ومحصول هذه الصناعة أنهم صيروا من النقط أشكالاً ذات أربع مراتب تختلف باختلاف مراتبها في الزوجيه والفردية واستوائها فيهما فكانت ستة عشر شكلاً لأنها إن كانت أزواجاً كلها أو أفراداً كلها فشكلان وإن كان الفرد فيهما في مرتبتين واحده فقط فأربعة أشكال وإن كان الفرد في مرتبتين فستة أشكال وإن كان في ثلاث مراتب فأربعة أشكال. جاءت ستة عشر شكلاً ميزوها كلها بأسمائها وأنواعها إلى سعود ونحوس شأن الكواكب وجعلوا لها ستة عشر بيتاً طبيعية بزعمهم وكأنها البروج الاثنا عشر التي للفلك والأوتاد الأربعة وجعلوا لكل شكل منها بيتاً وخطوطاً ودلالة على صنف من موجودات عالم العناصر يختص به واستنبطوا من ذلك فناً حاذوا به فن النجامة ونوع قضائه. إلا أن أحكام النجامة مستندة إلى أوضاع طبيعية كما زعم بطليموس وهذه إنما مستندها أوضاع تحكمية وأهواء اتفاقية ولا دليل يقوم على شيء منها. ويزعمون أن أصل ذلك من النبوات القديمة في العالم وربما نسبوها إلى دانيال أو إلى إدريس صلوات الله عليهما شأن الصنائع كلها. وربما يدعون مشروعيتها ويحتجون بقوله صلى الله عليه وسلم: " كان نبي يخط فمن وافق خطه فذاك ". وليس في الحديث دليل على مشروعية خط الرمل كما يزعمه بعض من لا تحصيل لديه لأن معنى الحديث كان نبي يخط فيأتيه الوحي عند ذلك بخط ولا استحالة في أن يكون ذلك عادة لبعض الأنبياء فمن وافق خطه ذلك النبي فهو ذاك أي فهو صحيح من بين الخط بما عضده من الوحي لذلك النبي الذي كانت عادته أن يأتيه الوحي عند الخط. وأما إذا أخذ ذلك من الخط مجرداً من غير موافقة وحي فلا. وهذا معنى الحديث والله أعلم. فإذا أرادوا استخراج مغيب بزعمهم عمدوا إلى قرطاس أو رمل أو دقيق فوضعوا النقط سطوراً على عدد المراتب الأربع ثم كرروا ذلك أربع مرات فتجيء ستة عشر سطراً. ثم يطرحون النقط أزواجاً ويضعون ما بقي من كل سطر زوجاً كان أو فرداً في مرتبته على الترتيب فتجيء أربعة أشكال يضعونها في سطر متتالية ئم يولدون منها أربعة أشكال آخرى من جانب العرض باعتبار كل مرتبة وما قابلها من الشكل الذي بإزائه وما يجتمع منهما من زوج أو فرد فتكون ثمانية أشكال موضوعة في سطر ثم يولدون من كل شكلين شكلاً تحتهما باعتبار ما يجع في كل مرتبة من مراتب الشكلين أيضاً من زوج أو فرد فتكون أربعة أخرى تحتها ثم يولدون من الأربعة شكلين كذلك تحتها ثم من الشكلين شكلاً كذلك تحتهما ثم من هذا الشكل الخامس عشر مع الشكل الأول شكلاً يكون آخر الستة عشر. ثم يحكمون على الخط كله بما اقتضته أشكاله من السعودة والنحوسة بالذات والنظر والحلول والامتزاج والدلالة على أصناف الموجودات وسائر ذلك تحكماً غريباً. وكثرت هذه الصناعة في العمران ووضعت فيها التآليف واشتهر فيها الأعلام من المتقدمين والمتآخرين وهي كما رأيت تحكم وهوى. والتحقيق الذي ينبغي أن يكون نصب فكرك أن الغيوب لا تدرك بصناعة البتة ولا سبيل إلى تعرفها إلا للخواص من البشر المفطورين على الرجوع عن عالم الحس إلى عالم الروح. ولذلك يسمي المنجمون هذا الصنف كلهم بالزهريين نسبة إلى ما تقتضيه دلالة الزهرة بزعمهم في أصل مواليدهم على إدراك الغيب. فالخط وغيره من هذه إن كان الناظر فيه من أهل هذه الخاصية وقصد بهذه الأمور التي ينظر فيها من النقط أو العظام أو غيرها أشغال الحس لترجع النفس إلى عالم الروحانيات لحظة ما فهو من باب الطرق بالحصى والنظر في قلوب الحيوانات والمرايا الشفافة كما ذكرناه. وإن لم يكن كذلك وإنما قصد معرفة الغيب بهذه الصناعة وإنها تفيده ذلك فهذر من القول والعمل. والله يهدي من يشاء. والعلامة لهذه الفطرة التي فطر عليها أهل هذا الإدراك الغيبي أنهم عند توجههم إلى تعرف الكائنات يعتريهم خروج عن حالتهم الطبيعية كالتثاؤب والتمطط ومبادىء الغيبة عن الحس ويختلف ذلك بالقوة والضعف على اختلاف وجودها فيهم. فمن لم توجد له هذه العلامة فليس من إدراك الغيب في شيء وإنما هو ساع في تنفيق كذبه.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:14 PM
فصل ومنهم طوائف يضعون قوانين لاستخراج الغيب ليست من الطور الأول الذي هو من مدارك النفس الروحانية ولا من الحدس المبني على تأثيرات النجوم كما زعمه بطليموس ولا من الظن والتخمين الذي يحاول عليه العرافون وإنما هي مغالط يجعلونها كالمصائد لأهل العقول المستضعفة. ولست أذكر من ذلك إلا ما ذكره المصنفون وولع به الخواص. فمن تلك القوانين الحساب الذي يسمونه حساب النيم وهو مذكور في آخر كتاب السياسة المنسوب لأرسطو يعرف به الغالب من المغلوب في المتحاربين من الملوك. وهو أن تحسب الحروف التي في اسم أحدهما بحساب الجمل المصطلح عليه في حروف أبجد من الواحد إلى الألف آحاداً وعشرات ومئين وألوفاً. فإذا حسبت الاسم وتحصل لك منه عدد فاحسب اسم الآخر كذلك. ثم اطرح من كل واحد منهما تسعة تسعة واحفظ بقية هذا وبقية هذا. ثم انظر بين العددين الباقيين من حساب الاسمين: فإن كان العددان مختلفين في الكمية وكانا معاً زوجين أو فردين معاً فصاحب الأقل منهما هو الغالب وإن كان أحدهما زوجاً والآخر فرداً فصاحب الأكثر هو الغالب وإن كانا متساويين في الكمية وهما معاً زوجان فالمطلوب هو الغالب وإن كانا معاً فردين فالطالب هو الغالب. ويقال هنالك بيتان في هذا العمل اشتهرا بين الناس وهما: أرى الزوج والأفراد يسمو أقلها وأكثرها عند التخالف غالب ويغلب مطلوب إذا الزوج يستوي وعند استواء الفرد يغلب طالب ثم وضعوا لمعرفة ما بقي من الحروف بعد طرحها بتسعة قانوناً معروفاً عندهم في طرح تسعة وذلك أنهم جمعوا الحروف الدالة على الواحد في المراتب الأربع وهي: " أ " الدالة على الواحد و " ي " الدالة على العشرة و هي واحد في مرتبه العشرات و " ق " الدالة على المائة لأنها واحد في مرتبة المئين " وش " الدالة على الألف لأنها واحد في مرتبة الآلاف. وليس بعد الألف عدد يدل ثم رتبوا هذه الأحرف الأربعة على نسق المراتب فكان منها كلمة رباعية وهي " ايقش ". ثم فعلوا ذلك بالحروف الدالة على اثنين في المراتب الثلاث وأسقطوا مرتبة الألاف منها لأنها كانت آخر حروف أبجد فكان مجموع حروف الاثنين في المراتب الثلاث ثلاثة حروف: وهي " ب " الدالة على اثنين في الأحاد و " ك " الدالة على اثنين في العشرات وهي عشرون و " ر " الدالة على اثنين في المئين وهي مائتان وصيروها كلمة واحدة ثلاثية على نسق المراتب وهي بكر. ثم فعلوا ذلك بالحروف الدالة على ثلاثة فنشأت عنها كلمة جلس. وكذلك إلى آخر حروف أبجد. وصارت تسع كلمات نهاية عدد الأحاد وهي " إيقش بكر جلس دمت هنث وصخ زغد حفظ طضغ ". مرتبة على توالي الأعداد ولكل كلمة منها عددها الذي هي في مرتبته فالواحد لكلمة أيقش والاثنان لكلمة بكر والثلاثة لكلمة جلس وكذلك إلى التاسعة التي هي طضغ فتكون لها التسعة. فإذا أرادوا طرح الاسم بتسعة نظروا كل حرف منه في أي كلمة هو من هذه الكلمات وأخذوا عددها مكانه ثم جمعوا الأعداد التي يأخذونها بدلاً من حروف الاسم فإن كانت زائدة على التسعة أخذوا ما فضل عنها وإلا أخذوه كما هو ثم يفعلون كذلك بالاسم الآخر وينظرون بين الخارجين بما قدمناه. والسر في هذا القانون بين. وذلك أن الباقي من كل عقد من عقود الأعداد بطرح تسعة إنما هو واحد فكأنه يجمع عدد العقود خاصة من كل مرتبة فصارت أعداد العقود كأنها آحاد فلا فرق بين الاثنين والعشرين والمائتين والألفين وكلها اثنان وكذلك الثلاثة والثلاثون والثلثمائة والثلاثة الألاف كلها ثلاثة ثلاثة. فوضعت الأعداد على التوالي دالة على أعداد العقود لا غير وجعلت الحروف الدالة على أصناف العقود في كل كلمة من الأحاد والعشرات والمئين والألوف وصارعدد الكلمة الموضوع عليها نائباً عن كل حرف فيها سواء دل على الأحاد أو العشرات أو المئين فيؤخد عدد كل كلمة عوضاً عن الحروف التي فيها وتجمع كلها إلى آخرها كما قلناه. هذا هو العمل المتداول بين الناس منذ الأمر القديم. وكان بعض من لقيناه من شيوخنا يرى أن الصحيح فيها كلمات أخرى تسعة مكان هذه ومتوالية كتواليها ويفعلون بها في الطرح بتسعة مثل ما يفعلونه با لأخرى سواء وهي هذه أرب يسقك جزلط مدوص هف تحذن عش خغ تضظ تسع كلمات على توالي العدد ولكل كلمة منها عدها الذي في مرتبته فيها الثلاثي والرباعي والثنائي. وليست جارية على أصل مطرد كما تراه. لكن كان شيوخنا ينقلونها عن شيخ المغرب في هذه المعارف من السيمياء وأسرار الحروف والنجامة وهو أبو العباس بن البناء ويقولون عنه إن العمل بهذه الكلمات في طرح حساب النيم أصح من العمل بكلمات أيقش. والله أعلم كيف ذلك. وهذه كلها مدارك للغيب غير مستندة إلى برهان ولا تحقيق. والكتاب الذي وجد فيه حساب النيم غير معزو إلى أرسطو عند المحققين لما فيه من الأراء البعيدة عن التحقيق والبرهان يشهد لك بذلك تصفحه إن كنت من أهل الرسوخ. ومن هذه القوانين الصناعية لاستخراج الغيوب فيما يزعمون الزايرجة المسماة بزايرجة العالم " المعزوة إلى أبي العباس سيدي أحمد السبتي من أعلام المتصوفة بالمغرب كان في آخر المائة السادسة بمراكش ولعهد أبي يعقوب المنصور من ملوك الموحدين. وهي غريبة العمل صناعة.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:14 PM
وكثير من الخواص يولعون بإفادة الغيب منها بعملها المعروف الملغوز فيحرضون بذلك على حل رمزه وكشف غامضه. وصورتها التي يقع العمل عندهم فيها دائرة عظيمة في داخلها دوائر متوازية للأفلاك والعناصر والمكونات والروحانيات وغير ذلك من أصناف الكائنات والعلوم. وكل دائرة مقسومة بأفسام فلكها: إما البروج وإما العناصر أو غيرهما. وخطوط كل قسم مارة إلى المركز ويسمونها الأوتار. وعلى كل وتر حروف متتابعة موضوعة فمنها برشوم الزمام التي هي أشكال الأعداد عند أهل الدواوين والحساب بالمغرب لهذا العهد ومنها برشوم الغبار المتعارفة في داخل الزايرجة. وبين الدوائر أسماء العلوم ومواضع الأكوان. وعلى ظاهر الدوائر جدول متكثر البيوت المتقاطعة طولاً وعرضاً يشتمل على خمسة وخمسين بيتاً في العرض ومائة وواحد وثلاثين في الطول جوانب منه معمورة البيوت تارة بالعدد وأخرى بالحروف وجوانب التي عينت البيوت العامرة من الخالية. وحافات الزايرجة أبيات من عروض الطويل على على روي اللام المنصوبة تتضمن صورة العمل في استخراج المطلوب من تلك الزايرجة. الا أنها من قبيل الألغاز في عدم الوضوح والجلاء. وفي بعض جوانب الزايرجة بيت من الشعر منسوب لبعض أكابر أهل الحدثان بالمغرب وهو مالك بن وهيب من علماء اشبيلية كان في الدولة اللمتونية ونص البيت: سؤال عظيم الخلق حزت فصن إذن غرائب شك ضبطه الجد مثلا وهو البيت المتداول عندهم في العمل لاستخراج الجواب من السؤال في هذه الزايرجة وغيرها. فإذا أرادوا استخراج الجواب عما يسأل عنه من المسائل كتبوا ذلك السؤال وقطعوه حروفاً ثم أخذوا الطالع لذلك الوقت من بروج الفلك ودرجها وعمدوا إلى الزايرجة ثم إلى الوتر المكتنف فيها بالبرج الطالع من أوله ماراً إلى المركز ثم إلى محيط الدائرة قبالة الطالع. فيأخذون جميع الحروف المكتوبة عليه من أوله إلى أخره والأعداد المرسومة بينهما ويصيرونها حروفاً بحساب الجمل. وقد ينقلون آحادها إلى العشرات وعشراتها إلى المئين وبالعكس فيهما كما يقتضيه قانون العمل عندهم. ويضعونها مع حروف السؤال ويضيفون إلى ذلك جميع ما على الوتر المكتنف بالبرج الثالث من الطالع من الحروف والأعداد من أوله إلى ا لمركز فقط لا يتجاوزونه إلى المحيط. ويفعلون بالأعداد ما فعلوه بالأول ويضيفونها إلى الحروف الأخرى. ثم يقطعون حروف البيت الذي هو أصل العمل وقانونه عندهم وهو بيت مالك بن وهيب المتقدم ويضعونها ناحية ثم يضربون عدد درج الطالع في أس البرج. وأسه عندهم هو بعد البرج عن آخر المراتب عكس ما عليه الأس عند أهل صناعة الحساب فإنه عندهم البعد عن أول المراتب. ثم يضربونه في عدد آخر يسمون الأس الأكبر والدور الأصلي. ويدخلون بما تجمع لهم من ذلك في بيوت الجدول على قوانين معروفة وأعمال مذكورة وأدوار معدودة. ويستخرجون منها حروفاً ويسقطون أخرى. ويقابلون بما معهم في حروف البيت وينقلون منه ما ينقلون إلى حروف السؤال وما معها ثم يطرحون تلك الحروف بأعداد معلومة يسمونها الأدوار ويخرجون في كل دور الحرف الذي ينتهي عنه الدور يعاودون ذلك بعدد الأدوار المعينة عندهم لذلك فيخرج آخرها حروف متقطعة وتؤلف على التوالي فتصير كلمات منظومة في بيت واحد على وزن البيت الذي يقابل به العمل ورويه وهو بيت مالك بن وهيب المتقدم حسبما نذكر ذلك كله في فصل العلوم عند كيفية العمل بهذه الزايرجة.
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:15 PM
وقد رأينا كثيراً من الخواص يتهافتون على استخراج الغيب منها بتلك الأعمال ويحسبون أن ما وقع من مطابقة الجواب للسؤال في توافق الخطاب دليل على مطابقة الواقع. وليس ذلك بصحيح لأنه قد مر لك أن الغيب لا يدرك بأمر صناعي البتة وإنما المطابقة التي فيها بين الجواب والسؤال من حيث الأفهام والتوافق في الخطاب حتى يكون الجواب مستقيماً أو موافقاً للسؤال. ووقوع ذلك بهذه الصناعة في تكسير الحروف المجتمعة من السؤال والأوتار. والدخول في الجدول بالأعداد المجتمعة من ضرب الأعداد المفروضة واستخراج الحروف من الجدول بذلك وطرح آخرى ومعاودة ذلك في الأدوار المعدودة ومقابلة ذلك كله بحروف البيت على التوالي غير مستنكر. وقد يقع الأطلاع من بعض الأذكياء على تناسب بين هذه الأشياء فيقع له معرفة المجهول. فالتناسب بين الأشياء هو سبب الحصول على المجهول من المعلوم الحاصل للنفس وطريق لحصوله ولا سيما من أهل الرياضة فإنها تفيد العقل قوة القياس وزيادة في الفكر. وقد مر تعليل ذلك غير مرة. ومن أجل هذا المعنى ينسبون هذه الزايرجة في الغالب لأهل الرياضة فهي منسوبة للسبتي. ولقد وقفت على أخرى منسوبة لسهل بن عبد الله. ولعمري أنها من الأعمال الغريبة والمعاناة العجيبة والجواب الذي يخرج منها فالسر في خروجه منظوماً يظهر لي إنما هو المقابلة بحروف ذلك البيت. ولهذا يكون النظم على وزنه ورويه. ويدل عليه أنا وجدنا أعمالاً أخرى لهم في مثل ذلك أسقطوا فيها المقابلة بالبيت فلم يخرج الجواب منظوماً كما تراه عند الكلام على ذلك في موضعه. وكثيرمن الناس تضيق مداركهم عن التصديق بهذا العمل ونفوذه إلى المطلوب فينكر صحتها ويحسب أنها من التخيلات والإيهامات وأن صاحب العمل بها يثبت حروف البيت الذي ينظمه كما يريد بين أثناء حروف السؤال والأوتار ويفعل تلك الصناعات على غير نسبة ولا قانون ثم يجيء بالبيت ويوهم أن العمل جاء على طريقة منضبطة. وهذا الحسبان توهم فاسد حمل عليه القصور من فهم التناسب بين الموجودات والمعدومات والتفاوت بين المدارك والعقول. ولكن من شأن كل مدرك إنكار ما ليس في طوقه إدراكه. ويكفينا في رد ذلك مشاهدة العمل بهذه الصناعة والحدس القطعي فإنها جاءت بعمل مطرد وقانون صحيح لا مرية فيه عند من يباشر ذلك ممن له ذلك وحدس. وإذا كان كثير من المعاياة في العدد الذي هو أوضح الواضحات يعسر على الفهم إدراكه لبعد النسبة فيه وخفائها فما ظنك بمثل هذا مع خفاء النسبة فيه وغرابتها. فلنذكر مسألة من المعاياة يتضح لك بها شيء مما ذكرنا. مثاله: لو قيل لك خذ عدداً من الدراهم واجعل بإزاء كل درهم ثلاثة من الفلوس ثم اجمع الفلوس التي أخذت واشتر بها طائراً ثم اشتر بالدراهم كلها طيوراً بسعر ذلك الطائر فكم الطيور المشتراة بالدراهم والفلوس فجوابه أن تقول هي تسعة. لأنك تعلم أن فلوس الدراهم أربعة وعشرون وأن الثلاثة ثمنها وأن عدة أثمان الواحد ثمانية فإذا جمعت الثمن من الدراهم إلى الثمن الآخر فكان كله ثمن طائر فهي ثمانية طيور عدة أثمان الواحد وتزيد على الثمانية طائراً آخر وهو المشترى بالفلوس المأخوذة أولاً وعلى سعره اشتريت بالدراهم فتكون تسعة. فأنت ترى كيف خرج لك الجواب المضمر بسر التناسب الذي بين أعداد المسألة. والوهم أول ما يلقي إليك هذه وأمثالها إنما يجعله من قبيل الغيب الذي لا يمكن معرفتة. وظهر أن التناسب بين الأمور هو الذي يخرج مجهولها من معلومها. وهذا إنما هو في الواقعات الحاصلة في الوجود أو العلم. وأما الكائنات المستقبلة إذ ا لم تعلم أسباب وقوعها ولا يثبت لها خبر صادق عنها فهو غيب لا يمكن معرفته. وإذا تبين لك ذلك فالأعمال الواقعة في الزايرجة كلها إنما هي في استخراج الجواب من ألفاظ السؤال لأنها كما رأيت استنباط حروف على ترتيب من تلك الحروف بعينها على ترتيب آخر. وسر ذلك إنما هو من تناسب نينهما يطلع عليه بعض دون بعض. فمن عرف ذلك التناسب تيسر عليه استخراج ذلك الجواب بتلك القوانين. والجواب يدل في مقام آخر من حيث موضوع ألفاظه وتراكيبه على وقوع أحد طرفي السؤال من نفي أو إثبات. وليس هذا من المقام الأول بل إنما يرجع لمطابقة الكلام لما في الخارج. ولا سبيل إلى معرفة ذلك من هذه الأعمال بل البشر محجوبون عنه وقد استأثره الله بعلمه " والله يعلم وأنتم لا تعلمون ".
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:15 PM
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
نحن لا ننكر أن النفس يحصل لها نوع من الكشف إما يقظةً وإما مناماً بسبب قلة علاقتها مع البدن إما برياضة أو بغيرها ، وهذا هو الكشف النفساني وهو القسم الأول من أنواع الكشف .
لكن قد ثبت أيضاً بالدلائل العقليَّة مع الشرعيَّة وجود الجن وأنها تخبر الناس بأخبار غائبة عنهم كما للكهان المصروعين وغيرهم …
ولكن المقصود هنا أنه يعلم وجود أمور منفصلة مغايرة لهذه القوى كالجن المخبرين لكثير من الكهان بكثير من الأخبار وهذا أمر يعلمه بالضرورة كل من باشره أو من أخبره من يحصل له العلم بخبره ونحن قد علمنا ذلك بالاضطرار غير مرة فهذا نوع من المكاشفات والإخبار بالغيب غير النفساني وهو القسم الثاني من أنواع الكشف .
وأما القسم الثالث : وهو ما تخبر به الملائكة فهذا أشرف الأقسام كما دلت عليه الدلائل الكثيرة السمعية والعقلية ، فالإخبار بالمغيبات يكون عن أسباب نفسانية ويكون عن أسباب خبيثة شيطانية وغير شيطانية ويكون عن أسباب ملكية .
" الصفدية " ( ص 187 - 189 ) .
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:16 PM
وقال ابن القيم :
الكشف الجزئي مشترك بين المؤمنين والكفار والأبرار والفجار كالكشف عما في دار إنسان أو عما في يده أو تحت ثيابه أو ما حملت به امرأته بعد انعقاده ذكراً أو أنثى وما غاب عن العيان من أحوال البعد الشاسع ونحو ذلك فإن ذلك يكون من الشيطان تارة ، ومن النفس تارة ، ولذلك يقع من الكفار كالنصارى وعابدي النيران والصلبان فقد كاشف ابن صياد النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بما أضمره له وخبَّأه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما أنت من إخوان الكهان " ، فأخبر أن ذلك الكشف من جنس كشف الكهان ، وأن ذلك قدره ، وكذلك مسيلمة الكذاب مع فرط كفره كان يكاشف أصحابه بما فعله أحدهم في بيته وما قاله لأهله يخبره به شيطانه ليغوي الناس ، وكذلك الأسود العنسي ، والحارث المتنبي الدمشقي الذي خرج في دولة عبد الملك بن مروان وأمثال هؤلاء ممن لا يحصيهم إلا الله ، وقد رأينا نحن وغيرنا منهم جماعة وشاهد الناس من كشف الرهبان عباد الصليب ما هو معروف .
والكشف الرحماني من هذا النوع هو مثل كشف أبي بكر لما قال لعائشة رضي الله عنهما إن امرأته حامل بأنثى ، وكشف عمر رضي الله عنه لما قال يا سارية الجبل – أي إلزم الجبل - وأضعاف هذا من كشف أولياء الرحمن .
" مدارج السالكين " ( 3 / 227 ، 228 ) .
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:16 PM
ثانياً :
وما حدث مع عمر بن الخطاب رضي الله صحيح ثابت عنه ، فقد قال نافع أن عمر بعث سريَّة فاستعمل عليهم رجلاً يقال له " سارية " ، فبينما عمر يخطب يوم الجمعة ، فقال : " يا ساريةُ الجبلَ ، يا ساريةُ الجبلَ " ، فوجدوا " سارية " قد أغار إلى الجبل في تلك الساعة يوم الجمعة وبينهما مسيرة شهر " .
رواه أحمد في " فضائل الصحابة " ( 1 / 269 ) ، وصححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " ( 1110 ) .
وهذا كرامة لعمر رضي الله عنه وذلك إما بإلهامه وتبليغ صوته – وهو ما يراه ابن القيم – أو بالكشف النفساني وتبليغ صوته – وهو ما سيأتي في كلام الشيخ الألباني - ، وفي كلا الحالين هو كرامة له ولا شك .
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:17 PM
ثالثاً :
وأمّا ما يحصل مع الصوفية فليس من الكشف الرحماني بل إما أن يكون من النفساني وهو ما يشركهم به الكفار ، وإما أن يكون الشيطاني وهو الأغلب .
والكشف الرحماني إنما يحدث لأولياء الله تعالى الذين يقيمون الشرع ويعظمونه ، وقد عُرف من حال الصوفية أنهم ليسوا كذلك ، وما حصل من عمر إن صحَّ تسميته " كشفاً " فهو من الكشف الرحماني
أحمد سعد الدين
28-02-2005, 08:17 PM
قال الشيخ الألباني – عن حادثة عمر بن الخطاب - :
ومما لا شك فيه أن النداء المذكور إنما كان إلهاماً من الله تعالى لعُمر ، وليس ذلك بغريب عنه فإنه " محدَّث " كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن ليس فيه أن عمر كُشف له حال الجيش ، وأنه رآهم رأي العين ، فاستلال بعض المتصوفة بذلك على ما يزعمونه من الكشف للأولياء وعلى إمكان اطلاعهم على ما في القلوب : من أبطل الباطل ، كيف لا وذلك من صفات رب العالمين المنفرد بعلم الغيب والاطلاع على ما في الصدور .
وليت شعري كيف يزعم هؤلاء ذلك الزعم الباطل والله عز وجل يقول في كتابه { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً . إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ } الجـن / 26 ، 27 ؟ فهل يعتقدون أن أولئك الأولياء رسل الله حتى يصحَّ أن يقال إنهم يطلعون على الغيب باطلاع الله إياهم ؟! سبحانك هذا بهتان عظيم ….
فالقصة صحيحة ثابتة ، وهي كرامة أكرم الله بها عمر ، حيث أنقذ به جيش المسلمين من الأسر أو الفتك به ، ولكن ليس فيها ما زعمه المتصوفة من الاطلاع على الغيب ، وإنما هو من باب الإلهام ( في عرف الشرع ) أو ( التخاطر ) في عرف العصر الحاضر الذي ليس معصوماً ، فقد يصيب كما في هذه الحادثة ، وقد يخطئ كما هو الغالب على البشر ، ولذلك كان لا بدَّ لكل وليٍّ من التقيد بالشرع في كل ما يصدر منه من قول أو فعل خشية الوقوع في المخالفة ، فيخرج بذلك عن الولاية التي وصفها الله تعالى بوصف جامع شامل { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } يونس / 63 ، ولقد أحسن من قال :
إذا رأيت شخصاً قد يطير وفوق ماء البحر قد يسير
ولم يقف على حدود الشرعِ فإنه مُستَدرج وبدعــي .
" السلسلة الصحيحة " ( 3 / 102 – 104 ) .
والله أعلم .
Powered by vBulletin™ Version 4.0.2 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir