المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذيل الحية - قصة قصيرة للأطفال



فاطمة ابراهيم
28-01-2007, 06:14 PM
ذيل الحية
اليوم عيد بهيج – عيد النشاط المسرحى ... انه المهرجان الختامى – ويتم الاحتفال به كل عام مع عيد الربيع – حيث تتفتح الورود والزهور فى الدروب والحدائق المحيطة بالإدارة التعليمية – تجتمع المسابقات الدورية طوال العام الدراسى ابتداءً من مسابقة الطفولة ، ثم الإلقاء الشعرى ، ويعقبها مسابقة مسرحة المناهج الدراسية ، وتنتهى بالمسابقة النهائية وهى الفنون المسرحية ، نشاط مستمر من العمل الفنى المتواصل ، المصاحب للاحتفالات القومية والوطنية مصحوبة بالأحداث الجارية ، ما أن ينتهى توجيه التربية المسرحية من مسابقة ، حتى يشرع فى غيرها فى قالب فنى جميل .. وفى كل مسابقة تجتمع المدارس على خشبة المسرح بأفواج المشرفين ومدربى المدارس أيضا ، وكذلك المخرجين ، كل آتى ليشاهد عروض مدرسته .. وكم حازت من الدرجات فى الأداء التعبيرى ، واللغة والحركة المسرحية التمثيلية ، وهل سيتوقف على مستوى الإدارة أم يرتفع ويرتقى ليصعد إلى المستوى القمى الجمهورى .. !
فبعد السلام الجمهورى ، صعد أحمد إلى خشبة المسرح وأخذ يتلو آيات من القرآن الكريم وهو جالس ، ثم بدأ العرض المسرحى فقام فريق التربية المسرحية بإحدى المدارس الابتدائية بعرض المسرحية الخاصة به وهى بعنوان (ذيل الحية) .
حينئذ صعدت سلوى إلى المسرح تجرجر خلفها ذيل الحية التى بذلت أخصائية النشاط من أجله جهدا جهيدا ، حيث قامت بحشوه بالقطن بطول الذيل وألصقته بسروالها بمشاركة المخرج المسرحى ، وجماعة النشاط ، فكان ذلك دورها فى المسرحية التى أعدت لهذا العام فى مسابقة " الفنون المسرحية " وشاركها باقى الفريق ، فأخيها محمود قام بدور الفلاح ، وزميله عادل بدور ابن الفلاح ، وغيرهم من الأطفال أدوا دور جماعة من الفلاحين ، وموضوع المسرحية باختصار: أن هناك حية تسكن فى أرض فلاح ، قد حفرت لها حجرا تتوارى فيه ، ومن حين لأخر تنقض على مزرعة الكروم التى يمتلكها ، وكل يوم يزداد بطشها بصاحب تلك المزرعة ، فأعد فأسه ، وداهمها فى جحرها ، ولكنها بمهارة أفلتت منه ، بل وباغتته ولدغت ابنه الصغير . وأظهرت ما كانت تضمر بجرأة وحماقة سافرة ؛ وأعلنت أنها ستقاسمه أرضه وثماره .
لم يأبه الفلاح لتهديدها ، وغافلها ليلاً أثناء التهامها عناقيد العنب التى أتلفت محصوله بأنيابها الحادة وأجهز عليها . وهدم مسكنها وقطع ذيلها .
انحدرت دموعها حسرة على فقدانه ، وبعد أن هدأت من روعها ، نادته مستعطفة ، وتوصلاً إلى معاهدة بينهما على ألا يعتدى أحدهما على الأخر وأن يرضخ لمطلبها السابق .
فالأرض والمحصول مناصفة بينهما كى يعيشا معا فى سلام على أرض واحدة . وتتوالى الأحداث تباعا " وسلوى " الطفلة الصغيرة تمرق فى رشاقة خلف السياج الخشبى ، الذى يمثل تكعيبة العنب التى يتدلى منها الأوراق الخضراء ، تزحف كالحية ، تنظر من خلفه وتختفى ؛ تمثل خداع وغدر الحية فى كل مرة .
أسدل الستار بين تصفيق ، ومزاح ، ودهشة ، لتلك الموهبة الأثيرة ، تعدو فى أدوارها السابقة كغزالة ، عقدت ضفيرتها الطويلة مسترسلة خلف ظهرها . وتلك صورة تطابق صورتها ، ظل يرافق ظلها ، أمها الحنون التى تلامسها ذهاباً وإياباً ، دوما تخشى عليها حتى من النسيم العابر .
وتتوالى العروض المسرحية فقدمت طالبات المدارس الإعدادية والثانوية قصائد وطنية هادفة بأداء تعبيرى رائع .
ومدارس أخرى للبنين قدمت مسرحية هزت مشاعر الحاضرين بعنوان (السبنسة) ، عزفت أغانيها بإيقاع راقص بديع .
وتتوالى الفقرات المسرحية ، والأدبية ، التى جعلت جمهور الحاضرين يصفق بحرارة ، وفى نهاية العروض ، قام وكيل الإدارة الأستاذ سيد بسيونى بتقديم شهادات استثمار وتقدير لجماعات النشاط المسرحى فى المدارس ، وهو يثنى على الأداء الرائع الذى تم به العرض المسرحى .
واحتضنت سلوى وكذلك أخيها محمود شهادتا استثمار وتقدير لتفوقهما فى الأداء المسرحى .... !!
" سلوى " زهرة وليدة ، خدها الطرى كالفل البكر ، قطة حالمة ، ممثلة موهوبة ، أدوارها متنوعة تؤيدها ببراعة فائقة ، نهر من السعادة يتفجر من قلب أمهما .
بعدما انتهى الحفل عادت سلوى إلى منزلها هى وأخيها وقد احتضنتهم أمهما بذراعيها .
ومرت الأيام ، وبدأت الإجازة الصيفية ، وعزمت الأسرة على زيارة أقاربها فى مدينة شرم الشيخ ، فقد مضت أعوام طويلة منذ أن سافر زوج عمة سلوى إلى هذه المدينة النائية ، للعمل بمهنة التدريس هناك ، واشترى منزلا جميلا ، تحيطه حديقة صغيرة ، وعاشت معه أسرته منذ خمس سنوات فى آمن وآمان .
وفى اليوم المحدد للزيارة أعدت سلوى حقيبة ملابسها ، وكتبها وكذلك كل فرد فى الأسرة منذ الصباح الباكر ، وبعد بضع ساعات وصلت السيارة ، وقد استضافتهم أسرة الأستاذ احمد بحفاوة وكرم بالغ .
فكانت تصطحبهم لمشاهدة المناظر الطبيعية الجميلة من سهول خضراء ، وجبال شاهقة ، تتناثر عليها خيوط الشمس الذهبية ، وقد غمرها العمران والحضارة فى أوج عصرها ، وقد وقف الجميع ، وقد سلب الجمال عقولهم ، فأخذوا يرددون : (ما أجملك يا مصر ، نيلك ، وأهرامك ، وسواحلك ، وصحرائك ، ومدنك الجديدة .... أنتِ حقا ام الدنيا ........ !!
مضت أيام وبينما كانت الأسرتين تجلس فى حديقة المنزل ، عرضت عمة سلوى فكرة ، فقالت : (ما رأيكم ان نذهب إلى السوق التجارى ، لنشاهد المعروضات المتنوعة من الملابس والأقمشة ، والأطعمة الشهية) ، ففرحت سلوى وأمها لهذا العرض وارتسمت البسمة على وجوه الجميع ، فقالوا : حقا إنها فكرة بديعة .... فموعدنا غدا بإذن الله .
وفى اليوم التالى خرجت الأسرتين الى السوق التجارى ، فشاهدوا المحلات التجارية وقد عرضت مبيعاتها فى نظام ورونق دقيق .
مضت ساعات وهم يتجولون هنا وهناك ، وجعلوا يشترون كل ما يروق لهم من منتجات ، وبينما كانوا يعبرون الشارع العمومى ، لدخول أحد المنتزهات ليأخذوا قسط من الراحة ، ليعاودوا الشراء إذا بفرقعة شديدة أنطلقت على آثارها ألسنة النار فى كل مكان ، وكأنه زلزال انشقت له الأرض ، فإذا بواجهات المحلات تتهاوى وتندثر فى الجو ، وكذلك الأبنية من خلفها هى الأخرى ، فى لمح البصر أصبحت كومة من الأخشاب والأحجار ، وإذا بالناس يهرعون فى فزع من المنطقة ، تتقاذفهم الشظايا ، وآخرون يرتطمون بالأرض ، والدماء تنزف من أجسادهم كالسيول ، وتمزقت الأسلاك الكهربائية هى الأخرى ، واشتعلت النيران وتطايرت فى كل ناحية ، تلتهم الأخضر واليابس ، وحجبت السحب الرمادية الرؤيا ، ولاحت سيارات الإسعاف وهى تحمل الجرحى من رجال ونساء وأطفال وقد تخضبت الأرض من جروحهم النازفة ، ومنهم من استشهد فى الحال من هول الحدث ، فقد لفظ أنفاسه الأخيرة .
العيون مذهولة مما حدث ... استحالت المنطقة الخضراء بعمرانها وحيويتها ، الى صحراء دامية ، وأنقاض متفحمة ، يرقد تحتها آلاف الأبرياء من البشر ...
ومن بين هؤلاء كانت سلوى ، وزوج عمتها ، وابنتيه ، وباقى الأسرتين كانوا فى حالة متفاوتة من الخطر ، حملتهم سيارات الإسعاف الى المستشفى المركزى .
ازدحمت الشوارع برجال الأمن والشرطة التى وقفت تتقصى الحيقة ممن نجوا من الانفجار.... انه الإرهاب الأسود الذى يطاردنا فى كل مكان . . . . . شرقا وغربا ... !!
حية تبث سمومها لتحرق بها ارض الوطن ، زرعت الألغام فى جحور تحت الأرض ... لتحرق وتهدم وتمزق البنيان .... إرهاب غاشم يموله أعداء الوطن .... قد تجردوا من الدين والعقيدة وجفت فى شرايينهم الوطنية .
وما لبثت ساعات حتى تمكن رجال الأمن من محاصرة الجناة واحدا تلو الآخر ، فقد لاحقوهم بإطلاق النيران عليهم ، وهم يحاولون الفرار ، فلقوا حتفهم جزاء خيانتهم لوطنهم الغالى .
أما الشهيدة سلوى وباقى أقاربها فقد صعدت أرواحهم البريئة إلى السماء ، وكأن القدر قد اعد لها حية أخرى لتلدغها ، وهى التى مثلت دورها على خشبة المسرح .
وأخذت البطولة فى هذه المسرحية ومسرحيات أخرى .... !!!
فوداعا ياعروس السماء ............ !!!
بقلم / فاطمة إبراهيم