أحمد سعد الدين
01-03-2005, 07:28 PM
الخطبة الأولى :
الحمد لله حمداً لا ينفذ، أفضل ما تبغي أن يحمد ، وصلى الله وسلم على أفضل المصطفين محمد ، وعلى آله وصحبه ومن تعبد .
أما بعد :
فاتقوا الله أيها المسلمون ، اتقوا الله حق التقوى ، وراقبوه في السر والنجوى ، فبتقوى الله عز وجل تجتمع الكلمة ، وتتم النعمة ، وتتجلى الحكمة .
أيها المســلمون :
إن في دنيا الناس ، ذكريات لا يمل حديثها ، ولا تسأم سيرتها ، بل قد تحلو أو تعلو إذا أعيدت وتكررت ، كما يحلو مذاق الشهد وهو يكرر ، ومن الذكريات التي لا يمل حديثها ، ولا تسأم سيرتها ، حياة محمد صلى الله عليه وسلم إمام البشرية ، وسيد ولد آدم فهي من الذكريات الغوالي ، التي تتجدد آثارها وعظاتها ، كلما سلك المرء وسبيله إلى الاعتبار والادكار ، والعبد المؤمن إذ يغشى معالم سيرته صلى الله عليه وسلم فهو كعابد يغشى في مصلاه ، ومن حسن حظ المؤمن ، أنه ما قلب سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم يوماً فأخطأ دمع العين مجراه ، وفي أيام محمد الجليلة النبيلة أيام خوالد ، ما تزال تتضوأ على الأيام . وتتألق في غرة الزمان ، ولعل من أسطعها وأروعها ، هو يوم الهجرة ، الذي تهب علينا نسمات ذكراه ، في كل عام من أعوام الزمن ، ومن شواهد عظم حادث الهجرة أنه يزداد بهاء وسناء كلما تناوله العرض والبحث كالذهب الإبريز ، كلما عرضته على النار لتمحصه ، ازداد إشراقاً وصفاءً ، وهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم كانت فاتحة الأمل ، وبارقة النصر ، وطريق العودة له ولأصحابه إلى مكة فاتحين ظافرين ، كما قال تعالى : ( إن الذي فرض عليك القرءان لرادك إلى معاد ) " سورة القصص ، الآية : 85 " يعني إلى مكة .
عباد الله : إننا هنا ، نعرض لمحات من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، في الوقت الذي يشهد فيه المسلمون نكبات وويلات ، تعصر قلوبهم ، وتمزق صدورهم ، وأمتهم وعقيدتهم وحرماتهم ومقدساتهم ، تستصرخ ولا مجيب ، وتطالب المسلمين بتضحيات وفداء وبذل . والهجرة النبوية تعطينا في هذا المجال ، قدوة وأسوة ، ففيها تتجلى دروس ودروس ، من التضحية والفداء والبذل ، فهذا رأس الأمة وإمام الملة صلوات الله وسلامه عليه يتحمل العبء الثقيل ، في سبيل الدعوة إلى الله ، وإعلاء كلمته ، ويشتط المجرمون من أعدائه في مقاومته ، والتطاول عليه بالسخرية والاستهزاء ، ثم بالكذب والافتراء ، ثم بحيلة الوعد والإغراء ، ثم بتسليط الغوغاء والسفهاء ، ثم بالتآمر الدنيء ، ينتهي إلى الإجماع على اغتياله بلا إرعواء ( وإذ يمكر ربك الذين كفروا ليثبتوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) " سورة الأنفال ، الآية : 30 " .
أيها المسلمون :
لما رأى المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزوا ، وخرجوا بالذراري والأطفال ، وساروا بهم إلى المدينة ، خافوا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، ولحوقه بهم ، فاشتد عليهم أمره ، ولم يبق بمكة من المسلمين ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلي رضي الله عنهم وخلا من اعتقله المشركون كرهاً ، فلما كانت ليلة ، هم المشركون بالفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم ، جاء جبريل بالوحي من عند ربه تبارك وتعالى ، فأخبره بذلك ، وأمره ألا ينام في مضجعه تلك الليلة . وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر نصف النهار ، في ساعة لم يكن يأتيه فيها ، فقال له : ( أخرج من عندك ) فقال إنما هم أهلك يا رسول الله ، فقال : ( إن الله قد أذن لي في الخروج ، فقال أبو بكر : الصحبة يا رسول الله ؟ قال : نعم ، فقال أبو بكر ، فخذ بأبي وأمي إحدى راحلتي هاتين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذها بالثمن .
وأمر علياً أن يبيت في مضجعه تلك الليلة ، واجتمع أولئك النفر من قريش ، يتطلعون من صير الباب ويرصدونه ، ويأتمرون أيهم يكون أشقاها ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنةً من البطحاء ، فجعل يذروه على رؤوسهم وهم لا يرونه وهو يتلو ( وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) " سورة يس ، الآية : 9 " ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي كبير ، فخرجا من خوخة في داره ليلاً ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى غار ثور فدخلاه ، وضرب العنكبوت على بابه ، وجدت قريش في طلبهما ، وأخذوا معهم القافة ، حتى انتهوا إلى باب الغار فوقفوا عليه ، فقال أبو بكر ، يا رسول الله : لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر ما ظنك باثنين ، الله ثالثهما . ولما يئس المشركون من الظفر بهما ، جعلوا لمن جاء بهما دية كل واحد منهما فجد الناس في الطلب ، فلما مروا بحي مدلج ، بصر بهم سراقة بن مالك فركب جواده وسار في طلبهم ، فلما قرب منهم سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فساخت يدا فرسه في الأرض ، ثم قال سراقة ، ادعوا الله لي ، ولكما علي أن أرد الناس عنكما ، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق ، ورجع يقول للناس : قد كفيتم ماههنا .
ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره ذلك بخيمة أم معبد ، فقال عندها ورأت من آيات نبوته في الشاة وحلبها لبناً كثيراً في سنة مجدبة ، ما بهر العقول صلوات الله وسلامه عليه .
وقد كان بلغ الأنصار مخرجه صلى الله عليه وسلم من مكة ، وقصده المدينة ، وكانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة ، ينتظرونه أول النهار ، فإذا اشتد حر الشمس ، رجعوا على عادتهم إلى منازلهم ، فلما كان يوم الاثنين ، ثاني عشر ربيع الأول ، على رأس ثلاث عشرة سنة من النبوة خرجوا على عادتهم ، فلما حمى حر الشمس رجعوا ، وصعد رجل من اليهود على حصن من حصون المدينة لبعض شأنه ، فرأى رسول الله وأصحابه ، فصرخ بأعلى صوته ، يا بني قيلة ، هذا صاحبكم قد جاء ، هذا جدكم الذي تنتظرونه ، فبادر الأنصار إلى السلاح ليلتقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت الرجة والتكبير ، وكبر المسلمون فرحاً بقدومه ، وخرجوا للقائه فتلقوه ، وحيوه بتحية النبوة ، فأحدقوا به مطيفين حوله ، والسكينة تغشاه ؛ وجاء المسلمون يسلمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم لم يره بعد ، وكان بعضهم أو أكثرهم ، يظنه أبا بكر ، لكثرة شيبة ، فلما اشتد الحر ، قام أبو بكر رضي الله عنه ، بثوب يظلل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحقق الناس حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم .
بذلك كله أيها المسلمون يتضح موقف هو أعظم المواقف ، التي وقفها رسول الله صلى الله عليه وسلم ضد العدوان فغير به مجرى الأحداث ، وضيع على خصومه فرصة الانتقام ، وأحبط مسعاهم ، وبلبل أفكارهم ، وأسفر عن مبلغ تأييد الله له ، وحمايته من كيد الكائدين ، وطيش الظلمة الجاحدين .
أيها الناس : بمثل هذه السيرة العطرة ، تتجلى الخواطر لننهل منها دروساً عظيمة . عميقة الدلالة ، دقيقة المغزى ، بعيدة الأثر في نفوس الكرام من أبناء الملة . ومن واجب المسلمين أن يحسنوا الانتفاع بها ، عن طريق التذكر المفضي إلى العمل بها ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) " سورة ق ، الآية : 37 " ومهما تتبار القرائح ، وتتحبر الأقلام ، مسطرة فوائد الهجرة ، فستظل جميعاًَ كأن لم تبرح مكانها ، ولم تحرك بالقول لسانها ، وقد يعجز عن حصرها كثير من الناس . قال شيخ الإسلام ، الإمام محمد بن عبد الوهاب _ المجدد لما اندرس من معالم الإسلام رحمه الله تعالى_ قال في حادث الهجرة : ( وفيها من الفوائد والعبر ما لا يعرفه أكثر من قرأها ) . انتهى كلامه رحمه الله .
ولعل من أبرز الدروس المستقاة من حادث الهجرة ، هو أن صاحب الدين القويم والعقيدة الصحيحة ، ينبغي ألا يساوم فيها ، أو يحيد عنها ، بل إنه يجاهد من أجلها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ، وإنه ليستهين بالشدائد والمصاعب _ تعترض طريقه عن يمين وشمال _ ولكنه في الوقت نفسه ، لا يصبر على الذل يناله ، ولا يرضى بالخدش يلحق دعوته وعقيدته . ويلوح لنا في حادث الهجرة خاطر آخر ، يتعلق بالصداقة والصحبة ، فالإنسان في هذه الحياة لا يستطيع أن يعيش وحيداً منفرداً ، بل لا بد من الصديق يلاقيه ؛ ويناجيه ويواسيه ، يشاركه مسرته ، ويشاطره مساءته . وقد تجلت هذه الصداقة والصحبة في تلك الرابطة العميقة ، التي ربطت بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر رضي الله عنه . لقد أصبحت علاقات الكثيرين من الناس في هذا العصر ، تقوم لغرض أو لعرض ، وتنهض على رياء أو نفاق ، إلا من رحم اله والأمة المسلمة اليوم أحوج ما تكون إلى عصبة أهل الخير ، التي تتصادق في الله ، وتتناصر على تأييد الحق ، تتعاون على البر والتقوى ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين )" سورة الزخرف ، الآية : 67 "
وخاطر ثالث يتجلى من ذكر هذه الحادثه ، وهو أن الله ينصر من ينصره ، ويعين من يلجأ إليه ويعتصم به ويلوذ بحماه ولا يكون ذلك إلا للمؤمن المخلص ، الموقن بما عند الله ، حين تنقطع به الأسباب ، وحين يخذله الناس ، وبعض الأغرار الجهلاء يرون مثل ذلك فراراً وانكساراً ، ولكنه _ في الحقيقة _ كان عزاً من الله وانتصاراً ( إلا تنصروه فقد نصره الله ) " سورة التوبة ، الآية : 40 " وبم نصره الله ؟ نصره بأضعف جنده ( ومايعلم جنود ربك إلا هو ) " سورة المدثر ، الآية : 31 " نصره بنسيج العنكبوت " قصة العنكبوت حسنها الحافظ ابن حجر رحمه الله ، انظر زاد المعاد بتحقيق الأرناؤوط " ( وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ) " سورة العنكبوت ، الآية : 41 " .
وخاطر رابع ؛ يشير إلى أن الشباب إذا نبتوا في بيئة الصلاح والتقوى ، نشأوا على العمل الصالح ، والسعي الحميد ، والتصرف المجيد ، والشباب المسلمون إذا رضعوا رحيق التربة الدينية الكريمة ، كان لهم في مواطن البطولة والمجد ، أخبار وذكريات . فعلي بي أبي طالب رضي الله عنه لم يتردد في أن ينام على فراش الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو يعلم أن سيوف المشركين تستعد للانقضاض على النائم فوق هذا الفراش ، ويتغطى ببردته ، في الليلة التي اجتمع فيها شياطين الكفر والغدر ، ليفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويالها من نومة تحيطها المخاوف والأهوال ، ولكن ( فالله خير حافظاً وهو ارحم الرحمين ) " سورة يوسف ، الآية : 64 "
أيها المسلمون : هكذا تعطينا الهجرة اليوم ما يعضنا في حاضرنا ، وينفعنا في أولانا وأخرانا ، وهناك اليوم في أرجاء المعمورة أخوان لنا مهاجرون مسلمون ، أرغموا على ترك ديارهم وأوطانهم ، بعد أن فعل بهم الكفرة الأفاعيل ، وبعد أن تربصوا بهم الدوائر ، ووقفوا لدعوة النور في كل مرصد ، يقطعون عليها الطريق ويعذبون أهلها العذاب الشديد ، لا لشيء إلا لأنهم قالوا ربنا الله ، فهاجروا كرهاً ، وأخرجوا كرهاً ، فهم يهاجرون من موطن لآخر ، إقامة لدين مضطهد ، وحق مسلوب في فلسطين ، وفي البوسنة والهرسك ، وفي كشمير ، وإريتريا ، وغيرها من بلاد المسلمين .
فاتقوا الله أيها المسلمون ، وقفوا وقفة المهاجر بنفسه ، وإن لم يهاجر بحسه فلنهاجر إلى الله تعالى بقلوبنا وعقولنا وأعمالنا ولنلجأ إلى الله ليكون ناصرنا ومؤيدنا ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) " سورة آل عمران ، الآية : 160 " .
الخطبــة الثــانيـة :
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، كما يحب ربنا ويرضاه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبارك عليه ، وعلى آله وأصحابه ، ومن سار على طريقه إلى يوم الدين
أما بعد :
فيها أيها الناس : لقد كان ابتداء التاريخ الإسلامي الهجري ، منذ عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حيث جمع الناس إبان خلافته ، فاستشارهم من أين يبدأ التاريخ ، فقال بعضهم يبدأ من مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال بعضهم يبدأ من بعثته ، وقال آخرون يبدأ من هجرته ، وقال بعضهم يبدأ من وفاته ، ولكنه رضي الله عنه رجح أن يبدأ من الهجرة ، لأن الله فرق بها بين الحق والباطل ، فجعل مبتدأ تاريخ السنين من الهجرة ، ثم تشاوروا من أي شهر يبدؤون السنة فقال بعضهم من ربيع الأول لأنه الشهر الذي قدم فيه النبي صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة ، واتفق رأي عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم على ترجيح البداءة بالمحرم لأنه شهر حرام ، ويلي ذا الحجة الذي به تمام أركان الإسلام وهو الحج .
فعلينا جميعاً أيها المسلمون ، أن نأخذ بالتاريخ الهجري ، فأعداء الله حريصون على أن يمسخوا الأمة المسلمة في كل شؤونها ، حتى في تسمية الشهور والأعوام وإن استبدال تاريخ الكفار بالتاريخ الهجري عدول عن الطريق السوي ، والمسلك القويم ، وتشبه بالكفرة والمشركين ، والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة في الأمور الباطنة ، على وجه المسارقة والتدريج الخفي ، والمشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن ؛ فتكون محرمة ، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله .
هذا وصلوا رحمكم الله على خير البرية ، وأزكى البشرية .
الحمد لله حمداً لا ينفذ، أفضل ما تبغي أن يحمد ، وصلى الله وسلم على أفضل المصطفين محمد ، وعلى آله وصحبه ومن تعبد .
أما بعد :
فاتقوا الله أيها المسلمون ، اتقوا الله حق التقوى ، وراقبوه في السر والنجوى ، فبتقوى الله عز وجل تجتمع الكلمة ، وتتم النعمة ، وتتجلى الحكمة .
أيها المســلمون :
إن في دنيا الناس ، ذكريات لا يمل حديثها ، ولا تسأم سيرتها ، بل قد تحلو أو تعلو إذا أعيدت وتكررت ، كما يحلو مذاق الشهد وهو يكرر ، ومن الذكريات التي لا يمل حديثها ، ولا تسأم سيرتها ، حياة محمد صلى الله عليه وسلم إمام البشرية ، وسيد ولد آدم فهي من الذكريات الغوالي ، التي تتجدد آثارها وعظاتها ، كلما سلك المرء وسبيله إلى الاعتبار والادكار ، والعبد المؤمن إذ يغشى معالم سيرته صلى الله عليه وسلم فهو كعابد يغشى في مصلاه ، ومن حسن حظ المؤمن ، أنه ما قلب سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم يوماً فأخطأ دمع العين مجراه ، وفي أيام محمد الجليلة النبيلة أيام خوالد ، ما تزال تتضوأ على الأيام . وتتألق في غرة الزمان ، ولعل من أسطعها وأروعها ، هو يوم الهجرة ، الذي تهب علينا نسمات ذكراه ، في كل عام من أعوام الزمن ، ومن شواهد عظم حادث الهجرة أنه يزداد بهاء وسناء كلما تناوله العرض والبحث كالذهب الإبريز ، كلما عرضته على النار لتمحصه ، ازداد إشراقاً وصفاءً ، وهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم كانت فاتحة الأمل ، وبارقة النصر ، وطريق العودة له ولأصحابه إلى مكة فاتحين ظافرين ، كما قال تعالى : ( إن الذي فرض عليك القرءان لرادك إلى معاد ) " سورة القصص ، الآية : 85 " يعني إلى مكة .
عباد الله : إننا هنا ، نعرض لمحات من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، في الوقت الذي يشهد فيه المسلمون نكبات وويلات ، تعصر قلوبهم ، وتمزق صدورهم ، وأمتهم وعقيدتهم وحرماتهم ومقدساتهم ، تستصرخ ولا مجيب ، وتطالب المسلمين بتضحيات وفداء وبذل . والهجرة النبوية تعطينا في هذا المجال ، قدوة وأسوة ، ففيها تتجلى دروس ودروس ، من التضحية والفداء والبذل ، فهذا رأس الأمة وإمام الملة صلوات الله وسلامه عليه يتحمل العبء الثقيل ، في سبيل الدعوة إلى الله ، وإعلاء كلمته ، ويشتط المجرمون من أعدائه في مقاومته ، والتطاول عليه بالسخرية والاستهزاء ، ثم بالكذب والافتراء ، ثم بحيلة الوعد والإغراء ، ثم بتسليط الغوغاء والسفهاء ، ثم بالتآمر الدنيء ، ينتهي إلى الإجماع على اغتياله بلا إرعواء ( وإذ يمكر ربك الذين كفروا ليثبتوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) " سورة الأنفال ، الآية : 30 " .
أيها المسلمون :
لما رأى المشركون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجهزوا ، وخرجوا بالذراري والأطفال ، وساروا بهم إلى المدينة ، خافوا خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، ولحوقه بهم ، فاشتد عليهم أمره ، ولم يبق بمكة من المسلمين ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلي رضي الله عنهم وخلا من اعتقله المشركون كرهاً ، فلما كانت ليلة ، هم المشركون بالفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم ، جاء جبريل بالوحي من عند ربه تبارك وتعالى ، فأخبره بذلك ، وأمره ألا ينام في مضجعه تلك الليلة . وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر نصف النهار ، في ساعة لم يكن يأتيه فيها ، فقال له : ( أخرج من عندك ) فقال إنما هم أهلك يا رسول الله ، فقال : ( إن الله قد أذن لي في الخروج ، فقال أبو بكر : الصحبة يا رسول الله ؟ قال : نعم ، فقال أبو بكر ، فخذ بأبي وأمي إحدى راحلتي هاتين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذها بالثمن .
وأمر علياً أن يبيت في مضجعه تلك الليلة ، واجتمع أولئك النفر من قريش ، يتطلعون من صير الباب ويرصدونه ، ويأتمرون أيهم يكون أشقاها ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ حفنةً من البطحاء ، فجعل يذروه على رؤوسهم وهم لا يرونه وهو يتلو ( وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) " سورة يس ، الآية : 9 " ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي كبير ، فخرجا من خوخة في داره ليلاً ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى غار ثور فدخلاه ، وضرب العنكبوت على بابه ، وجدت قريش في طلبهما ، وأخذوا معهم القافة ، حتى انتهوا إلى باب الغار فوقفوا عليه ، فقال أبو بكر ، يا رسول الله : لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر ما ظنك باثنين ، الله ثالثهما . ولما يئس المشركون من الظفر بهما ، جعلوا لمن جاء بهما دية كل واحد منهما فجد الناس في الطلب ، فلما مروا بحي مدلج ، بصر بهم سراقة بن مالك فركب جواده وسار في طلبهم ، فلما قرب منهم سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فساخت يدا فرسه في الأرض ، ثم قال سراقة ، ادعوا الله لي ، ولكما علي أن أرد الناس عنكما ، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق ، ورجع يقول للناس : قد كفيتم ماههنا .
ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره ذلك بخيمة أم معبد ، فقال عندها ورأت من آيات نبوته في الشاة وحلبها لبناً كثيراً في سنة مجدبة ، ما بهر العقول صلوات الله وسلامه عليه .
وقد كان بلغ الأنصار مخرجه صلى الله عليه وسلم من مكة ، وقصده المدينة ، وكانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة ، ينتظرونه أول النهار ، فإذا اشتد حر الشمس ، رجعوا على عادتهم إلى منازلهم ، فلما كان يوم الاثنين ، ثاني عشر ربيع الأول ، على رأس ثلاث عشرة سنة من النبوة خرجوا على عادتهم ، فلما حمى حر الشمس رجعوا ، وصعد رجل من اليهود على حصن من حصون المدينة لبعض شأنه ، فرأى رسول الله وأصحابه ، فصرخ بأعلى صوته ، يا بني قيلة ، هذا صاحبكم قد جاء ، هذا جدكم الذي تنتظرونه ، فبادر الأنصار إلى السلاح ليلتقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت الرجة والتكبير ، وكبر المسلمون فرحاً بقدومه ، وخرجوا للقائه فتلقوه ، وحيوه بتحية النبوة ، فأحدقوا به مطيفين حوله ، والسكينة تغشاه ؛ وجاء المسلمون يسلمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم لم يره بعد ، وكان بعضهم أو أكثرهم ، يظنه أبا بكر ، لكثرة شيبة ، فلما اشتد الحر ، قام أبو بكر رضي الله عنه ، بثوب يظلل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحقق الناس حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم .
بذلك كله أيها المسلمون يتضح موقف هو أعظم المواقف ، التي وقفها رسول الله صلى الله عليه وسلم ضد العدوان فغير به مجرى الأحداث ، وضيع على خصومه فرصة الانتقام ، وأحبط مسعاهم ، وبلبل أفكارهم ، وأسفر عن مبلغ تأييد الله له ، وحمايته من كيد الكائدين ، وطيش الظلمة الجاحدين .
أيها الناس : بمثل هذه السيرة العطرة ، تتجلى الخواطر لننهل منها دروساً عظيمة . عميقة الدلالة ، دقيقة المغزى ، بعيدة الأثر في نفوس الكرام من أبناء الملة . ومن واجب المسلمين أن يحسنوا الانتفاع بها ، عن طريق التذكر المفضي إلى العمل بها ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) " سورة ق ، الآية : 37 " ومهما تتبار القرائح ، وتتحبر الأقلام ، مسطرة فوائد الهجرة ، فستظل جميعاًَ كأن لم تبرح مكانها ، ولم تحرك بالقول لسانها ، وقد يعجز عن حصرها كثير من الناس . قال شيخ الإسلام ، الإمام محمد بن عبد الوهاب _ المجدد لما اندرس من معالم الإسلام رحمه الله تعالى_ قال في حادث الهجرة : ( وفيها من الفوائد والعبر ما لا يعرفه أكثر من قرأها ) . انتهى كلامه رحمه الله .
ولعل من أبرز الدروس المستقاة من حادث الهجرة ، هو أن صاحب الدين القويم والعقيدة الصحيحة ، ينبغي ألا يساوم فيها ، أو يحيد عنها ، بل إنه يجاهد من أجلها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ، وإنه ليستهين بالشدائد والمصاعب _ تعترض طريقه عن يمين وشمال _ ولكنه في الوقت نفسه ، لا يصبر على الذل يناله ، ولا يرضى بالخدش يلحق دعوته وعقيدته . ويلوح لنا في حادث الهجرة خاطر آخر ، يتعلق بالصداقة والصحبة ، فالإنسان في هذه الحياة لا يستطيع أن يعيش وحيداً منفرداً ، بل لا بد من الصديق يلاقيه ؛ ويناجيه ويواسيه ، يشاركه مسرته ، ويشاطره مساءته . وقد تجلت هذه الصداقة والصحبة في تلك الرابطة العميقة ، التي ربطت بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر رضي الله عنه . لقد أصبحت علاقات الكثيرين من الناس في هذا العصر ، تقوم لغرض أو لعرض ، وتنهض على رياء أو نفاق ، إلا من رحم اله والأمة المسلمة اليوم أحوج ما تكون إلى عصبة أهل الخير ، التي تتصادق في الله ، وتتناصر على تأييد الحق ، تتعاون على البر والتقوى ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين )" سورة الزخرف ، الآية : 67 "
وخاطر ثالث يتجلى من ذكر هذه الحادثه ، وهو أن الله ينصر من ينصره ، ويعين من يلجأ إليه ويعتصم به ويلوذ بحماه ولا يكون ذلك إلا للمؤمن المخلص ، الموقن بما عند الله ، حين تنقطع به الأسباب ، وحين يخذله الناس ، وبعض الأغرار الجهلاء يرون مثل ذلك فراراً وانكساراً ، ولكنه _ في الحقيقة _ كان عزاً من الله وانتصاراً ( إلا تنصروه فقد نصره الله ) " سورة التوبة ، الآية : 40 " وبم نصره الله ؟ نصره بأضعف جنده ( ومايعلم جنود ربك إلا هو ) " سورة المدثر ، الآية : 31 " نصره بنسيج العنكبوت " قصة العنكبوت حسنها الحافظ ابن حجر رحمه الله ، انظر زاد المعاد بتحقيق الأرناؤوط " ( وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ) " سورة العنكبوت ، الآية : 41 " .
وخاطر رابع ؛ يشير إلى أن الشباب إذا نبتوا في بيئة الصلاح والتقوى ، نشأوا على العمل الصالح ، والسعي الحميد ، والتصرف المجيد ، والشباب المسلمون إذا رضعوا رحيق التربة الدينية الكريمة ، كان لهم في مواطن البطولة والمجد ، أخبار وذكريات . فعلي بي أبي طالب رضي الله عنه لم يتردد في أن ينام على فراش الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو يعلم أن سيوف المشركين تستعد للانقضاض على النائم فوق هذا الفراش ، ويتغطى ببردته ، في الليلة التي اجتمع فيها شياطين الكفر والغدر ، ليفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويالها من نومة تحيطها المخاوف والأهوال ، ولكن ( فالله خير حافظاً وهو ارحم الرحمين ) " سورة يوسف ، الآية : 64 "
أيها المسلمون : هكذا تعطينا الهجرة اليوم ما يعضنا في حاضرنا ، وينفعنا في أولانا وأخرانا ، وهناك اليوم في أرجاء المعمورة أخوان لنا مهاجرون مسلمون ، أرغموا على ترك ديارهم وأوطانهم ، بعد أن فعل بهم الكفرة الأفاعيل ، وبعد أن تربصوا بهم الدوائر ، ووقفوا لدعوة النور في كل مرصد ، يقطعون عليها الطريق ويعذبون أهلها العذاب الشديد ، لا لشيء إلا لأنهم قالوا ربنا الله ، فهاجروا كرهاً ، وأخرجوا كرهاً ، فهم يهاجرون من موطن لآخر ، إقامة لدين مضطهد ، وحق مسلوب في فلسطين ، وفي البوسنة والهرسك ، وفي كشمير ، وإريتريا ، وغيرها من بلاد المسلمين .
فاتقوا الله أيها المسلمون ، وقفوا وقفة المهاجر بنفسه ، وإن لم يهاجر بحسه فلنهاجر إلى الله تعالى بقلوبنا وعقولنا وأعمالنا ولنلجأ إلى الله ليكون ناصرنا ومؤيدنا ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) " سورة آل عمران ، الآية : 160 " .
الخطبــة الثــانيـة :
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، كما يحب ربنا ويرضاه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبارك عليه ، وعلى آله وأصحابه ، ومن سار على طريقه إلى يوم الدين
أما بعد :
فيها أيها الناس : لقد كان ابتداء التاريخ الإسلامي الهجري ، منذ عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حيث جمع الناس إبان خلافته ، فاستشارهم من أين يبدأ التاريخ ، فقال بعضهم يبدأ من مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال بعضهم يبدأ من بعثته ، وقال آخرون يبدأ من هجرته ، وقال بعضهم يبدأ من وفاته ، ولكنه رضي الله عنه رجح أن يبدأ من الهجرة ، لأن الله فرق بها بين الحق والباطل ، فجعل مبتدأ تاريخ السنين من الهجرة ، ثم تشاوروا من أي شهر يبدؤون السنة فقال بعضهم من ربيع الأول لأنه الشهر الذي قدم فيه النبي صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة ، واتفق رأي عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم على ترجيح البداءة بالمحرم لأنه شهر حرام ، ويلي ذا الحجة الذي به تمام أركان الإسلام وهو الحج .
فعلينا جميعاً أيها المسلمون ، أن نأخذ بالتاريخ الهجري ، فأعداء الله حريصون على أن يمسخوا الأمة المسلمة في كل شؤونها ، حتى في تسمية الشهور والأعوام وإن استبدال تاريخ الكفار بالتاريخ الهجري عدول عن الطريق السوي ، والمسلك القويم ، وتشبه بالكفرة والمشركين ، والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة في الأمور الباطنة ، على وجه المسارقة والتدريج الخفي ، والمشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن ؛ فتكون محرمة ، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله .
هذا وصلوا رحمكم الله على خير البرية ، وأزكى البشرية .