المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دعائم الأسرة المسلمة



أحمد سعد الدين
02-03-2005, 12:52 PM
الحمدُ للهِ بجميع مَحامِدِه كُلِّها، ما علمتُ منها وما لم أَعْلم، يارَبِّ لك الحمدُ كما ينبغي لجلال وجْهِكَ وعظيمِ سلطانِك، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ، وهو على كل شئ قدير. وأشهد أنَّ سيدَنا محمداً عَبْدُ اللهِ ورسولُه، وصَفِيُّهُ مِن خَلْقه وخليلُه، فَتَح اللهُ به أَعْيُنًا عُمْيا، وآذاناً صُمَّا، وقلوباً غُلْفا، فبلَّغ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَحَ الأُمَّةَ، وكَشَفَ الغُمَّةَ، وجاهَدَ في الله حَقَّ جهادهِ حتى أتاهُ اليقينُ، اللهم صَلِّ وسَلِّمْ وبارِكْ على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

عباد الله :
أُوصِيكُمْ ونفْسِي بتقوى اللهِ عز وجل فإنه مَن يتق اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً.

أمَّا بعد:
فقد دعانا الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز إلى التأسي والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأَخْذِ بسُنَّتِهِ وسيرتِهِ، واتِّبَاعِ مِنْهاجِه وطريقتِه في كل جوانب الحياة، وَوَعَدَنا جل جلاله على ذلك مغفرةً وأجراً عظيماً، فقال جلَّ شأنه: ( لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كثِيرًا) .وقال تعالى: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وقال تعالى: ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌقُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ) .

أيها الإخوة المؤمنون:
إنَّ هذه الآياتِ الجليلةَ التي تأمرنا بالتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعه تَحْمِلُ في طَيَّاتِها شهادةً عُلْيا من الله جل جلاله بأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو المَثَل الأعلى، والنموذج الأكمل للبشرية كلها في كل زمان ومكان. وما أَحْسَنَ قولَ صاحبِ البُرْدَة رحمه الله في النبي صلى الله عليه وسلم :
فاقَ النَّبيينَ في خَلْقٍ وفي خُلُقٍ ولَمْ يُدَانُوهُ في عِلمٍ ولا كَرَمِ
وكُلُّهُم مِن رسولِ اللهِ مُلتَمِسٌ غَرْفَا مِنَ البحرِ أو رَشْفَاً مِنَ الدِّيَمِ
فَهْوَ الذي تَمَّ معناهُ وصـورَتُهُ ثم اصطفاهُ حبيباً بارِيءُ النَّسَــمِ

أيها الإخوة المؤمنون:
كيف لا يكون رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الأسوةَ الحسنةَ والقدوةَ الصالحةَ وهو الذي قال له ربه: ( وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ) . كيف لايكونُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الأسوةَ الحسنةَ والقدوة الصالحة وهو الذي قال له ربه: ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) .

وقال صلى الله عليه وسلم عن نفسه: ((إنَّمَا بُعِثْتُ لأُِتَمِّمَ مَكَارِمَ الأخلاقِ)) . كيف لا تَنْتَهِي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوةُ الحسنةُ والقدوةُ الصالحةُ وهو الذي انتهتْ إليه مكارمُ الأخلاقِ ومحاسنُ الشِّيَمِ حتى قالت لهُ أُمُّ المؤمنين الكُبْرَى خديجةُ رضي الله عنها: ((كَلاَّ أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لاَ يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَتَقْرِى الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ)) . وقالت عنه أُمُّ المؤمنين الصِّدِّيقَةُ عائشةُ رضي الله عنها: ((فَإِنَّ خُلُقَ نَبِىِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ الْقُرْآنَ)) .

وفي روايةٍ عنها: ((كان خُلُقُه القرآن يَرْضَى لِرِضَاهُ ، ويَسْخَطُ لِسَخَطِهِ)) .
أيها الناس :
إنه ليس في تاريخ الدنيا إنسانٌ تَنوَّعتْ حياتهُ تَنَوُّعاً استوعبَ وغَطَّى جميعَ جوانبِ الحياة ما دَقَّ منها وما جَلَّ كمـا تنوعَت حياةُ سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم !. وليس في تاريخ الدنيا أيضاً إنسانٌ حُفِظَتْ ونُقِلَتْ بِدِقَّةٍ تفاصيلُ حياته من أوَّل نشأته إلى أن اختاره الله إلى جواره كما حُفِظَتْ ونُقَلِتْ تفاصيلُ حياةِ سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم !.

والسِّرُّ في هذا كله- أيها الإخوة المؤمنون- أن الله جل جلاله اختار حَبِيبَهُ واصطفاه دون سُواه ليكونَ أُسوةً عامة وقدوة كاملة، فكان لابُدَّ من هذا التنوُّعِ والكمال في شخصيته صلى الله عليه وسلم في جميع مراحلها وأطوارها، وكان لابُدَّ من هذا الحفظ والنقل الدقيق لجميع أخبار حياته صلى الله عليه وسلم !.

ولذلِكَ فإنك أيها الإنسان لا تكون في شأن من شؤون الحياة تريدُ أن تتأسى فيه برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن تَقْتَفِيَ فيه أثَرَهُ إلا كان ذلك مُتاحاً لك!. إنكَ إذا كنتَ قائداً أو راعياً تأسيتَ به صلى الله عليه وسلم في كمال شفقته ورحمته، وكرم عشرته، ولِين عريكته. كان عليُّ بنُ أبي طالب رض إذا وصَفَ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "... أَجْوَدُ النَّاسِ كَفًّا وَأَشْرَحُهُمْ صَدْرًا وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً وَأَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ يَقُولُ نَاعِتُهُ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ" .

وإذا كنتَ غنياً أو ثرياً تأسيتَ به صلى الله عليه وسلم في كرمه وجوده وسخائه وسماحته. قال جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رض :"مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ لاَ " . وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "كان النبي صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ الناسِ بالخَير" .

وإذا كنتَ فقيراً أو خائفاً أو مستضعفاً تأسيتَ به صلى الله عليه وسلم في صبره على لأواء الحياة وشِدَّتِها. عَنْ أَنَسٍ رض قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : « لَقَدْ أُخِفْتُ فِى اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِى اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَىَّ ثَلاَثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَالِى وَلِبِلاَلٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلاَّ شَىْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلاَلٍ » .

وإذا كنتَ فاتحاً غالباً تأسيتَ به صلى الله عليه وسلم عندما قال لأهل مكة يوم الفتح الأعظم: ((يا معشرَ قريش ويا أهلَ مكةَ ما تَرَوْنَ أني فاعِلٌ بكم؟ قالوا: خيراً أَخٌ كريم وابنُ أخ كريم)) ثم قال: ((اذهبوا فأنتم الطُّلَقاء)) .

أَلاَ لَيْتَ العالمََ الذي يَدَّعِي الحريةَ والتحَضُّرَ والغَيْرةَ على حقوق الإنسان يعْرِفُ كيف عاملَ النبي الفاتح صلى الله عليه وسلم المغلوبِينَ، وكيف أمَرَ جنودَهُ وقوادَهُ أن يستوصوا بالأسرى خيراً.

لَكِنْ يبدو للأسف أنَّ هذا العالَم الذي أَعْمَتْهُ أحقادُه وأطماعُه ينطلقُ اليومَ في وحشيةٍ ضاريةٍ كأنه في غابةٍ لا يَلْوِي على شيءٍ ، ولا يَرْقُبُ في مؤمنٍ إِلاًّ ولا ذِمَّة . أخي المسلم: إنكَ إذا كنتَ مجاهداً أو مقاتلاً تأسيتَ به صلى الله عليه وسلم في شجاعةِ نفسهِ، ورباطة جأشه، وثبات قدمه، فعن عليٍّ رضي الله عنه قال: ((كنَّا إذا احْمَرَّ البأسُ ولَقِيَ القومُ القومَ اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون منا أحدٌ أدْنَى من القوم منه)) .

وإذا كنتَ قاضياً أو حاكماً تأسيتَ به صلى الله عليه وسلم في حرصه على إقامة العدل بين الناس ولو كان على ذوي القربى، فعَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِى سَرَقَتْ ، فَقَالَوا: وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «أَتَشْفَعُ فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟!». ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ:«إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا » .

وإذا كنتَ داعياً إلى الله تأسيتَ به صلى الله عليه وسلم في أسلوبه وحالهِ وهيئتهِ وحرصه على هداية الناس، قال تعالى: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .

وعن عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ الشَّىْءُ لَمْ يَقُلْ مَا بَالُ فُلاَنٍ يَقُولُ وَلَكِنْ يَقُولُ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا » .

و إذا كُنْتَ زَوْجاً تأسيتَ به صلى الله عليه وسلم في حُسْنِ عشرته ومحبته لنسائه، وملاعبتِه أهلَه، والوفاء لهن، والعدل بينهن، حتى إنهن رضي الله عنهن من أثر هذه المعاملة الكريمة اخْتَرْنَ اللهَ ورسولَه والدارَ الآخرةَ عندما نَزَل قولُ اللهِ تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا . وإذا كُنْتَ أباً أو جَدّاً تأسَيْتَ به صلى الله عليه وسلم في حنانه ورِقَّتِهِ عندما كان يعاملُ أولاده.

أيها الإخوة المؤمنون : إننا نريد من خلال هذه الوقفات وفي ضوء هذه القبسات من سيرة سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم أنْ نُؤكدَ علىَ أننا يجب أن نعيش على قدم النبوة، وأن نستمدَّ من هديها ما نصحح ونصلح به أنفسنا وعلاقاتنا ومؤسساتنا، لأن المرحلة والتحديات التي تمر بها أُمَّتُنا جِدُّ خطيرة، وسفينةُ النجاةِ في هذه الأمواج العاتية هي الأسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله كلها.

أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم

أحمد سعد الدين
02-03-2005, 12:53 PM
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أرسله ربه بالحق بشيراً ونذيراً، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن سار على طريقهم إلى يوم الدين.

عباد الله:
أوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعته وأحذركم من عصيانه ومخالفة أمره

أما بعد: فياأيها الإخوة المسلمون:
إن قوة المجتمع ونهضته من قوة الأسرة ومتانة العلاقة بين أفرادها. وإذا صلحت الأسرة فقد صلحَت الأمة، فالأسرة أمة مصغرة والأمة أسرة مكبرة، ولذلك يحرص الأعداء على هدم الأسرة، بتحويل حياتها من جو المودة والرحمة والطهر والعفة والتضحية والتوازن في الحقوق والواجبات إلى لون من الثنائية المتناقضة التي تؤذن بالصراع بين الرجل والمرأة، والأبناء والآباء، والصغار والكبار، كما أنهم يعملون على الترويج لأنماط أسرية بديلة، دون أدنى اعتبار للنواحي الشرعية والقانونية والأخلاقية، مثل زواج الجنس الواحد، والمعاشرة بدون زواج، وتيسير سبل الإجهاض، وغير ذلك من وسائل إشاعة الفاحشة، وغايتُهم من وراء ذلك تفكيكُ الأسْرة وهدمُها، لأنه إذا ساد الأسرة التفكك، فإن المجتمع يفقد أهم رافد من روافد قوته واستقراره، ويعاني من الضعف والاضطراب، كما أنه يعطل الطاقات البشرية عن الإنتاج، ويدفعها إلى التخريب والتدمير ونشر الجريمة، وإشاعة الخوف بين الناس، وجعل العلاقات الاجتماعية بينهم أوهى من خيط العنكبوت، وكل هذا يعرقل مسيرة التطور والتنمية في المجتمع، ويقضي بالتخلف وفقدان القوة الدافعة نحو التجديد والبناء.

أيها المسلمون:
إذا كان هذا ما يراد للأسرة المسلمة فإن الإسلام قد حمى الأسرة وحصَّنها من كل ألوان الضعف، وحفظها من كل أسباب التخريب بأن أرسى لها من الدعائم ما يحفظ لها بنيانها، وفي طليعة تلك الدعائم المساواةُ بين الرجل والمرأة في أصل الخلق وجَعْلُ التقوى أساس التفاضل والتفضيل. قال الله تعالى:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) وقال الله تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). ففي هاتين الآيتين بَيَّنَ الله وحدة الأصل البشري، وأمر بالتقوى في العلاقة بين الزوجين، وجعل هذه العلاقة تحت رقابته، ورتب على الإخلال بها مسؤولية في الدنيا والآخرة.

أيها المسلمون:
أما الدِّعامة الثانية فهي بناء الأسرة على الدين والخُلُقِ الذي يحفظ الأسرة، ويعمل على تماسك لبناتها والنهوض بها، وينشر عليها ظلال الأمن والأمان، والسعادة والاستقرار، قال الله تعالى:( وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك)) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض)) . وإن التمسك بالدين والخُلُق يجعل المسلم والمسلمة يحرصان على أداء حقوق الزوجية، كما أن التحلي بمكارم الأخلاق يرتقي بالمسلم إلى مراتب الخيرية. فعن عائشة- رضي اللّه عنها - قالت: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ((أكمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمانَاً أحْسَنُهُمْ خُلُقاً وألْطَفُهُمْ لأهْلِهِ)) . وعن علي رض قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي. مَا أَكْرَمَ النِّسَاءَ إلا كريمٌ، ولا أهانَهُنَّ إلا لَئيمٌ)) .

أيها الأخوة الأكارم:
أما الدعامة الثالثة التي تقوم عليها الأسرة فهي المودة والرحمة بين الزوجين وهذه الدعامة تكفل لهما حياة فاضلة تقوم على معاني التراحم والحب، والتعاون والسكن والوئام والسلام، قال الله تعالى:( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون) .

لقد بينت الآية أن العلاقة الزوجية تنبني على الصحبة التي يسودها الود والأنس والتآلف، وفي هذا الجو يتربى الأبناء في ظل أمومة حانية وأبوة كادحة، ومع هذه الوشائج والعلاقات تكوُنُ المودة والرحمة والعطف والشفقة، وذلك كله آية من آيات الله .

عباد الله:
والدعامة الرابعة تتجلى في رعاية الحقوق والواجبات، وذلك أساس متين لكي تستقر حياة الأسرة، وتكون في مأمن من الرياح التي تعصف بالبيوت، وتدمر الأسر، ولقد وضع الإسلام دستوراً عظيما للحقوق والواجبات في الأسرة، حيث قرر قوامة الرجال على النساء، قال الله تعالى:( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِم) وقال الله عز وجل :( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيم). وهي درجة القوامة والرئاسة البيتية الناشئة عن عهد الزوجية، وضرورة الاجتماع، وقد كُلِّفَ بها الرجل لأنه أقدر على القيام بها بسبب ما أودع الله فيه من القوة في البدن والعزيمة والإنفاق، وإن هذه القوامة، ليست محاباة للرجل أو إلغاء لشخصية المرأة، وليست كذلك سبيلاً للاستبداد والسيطرة من قبل الرجل، إنها تعني مسؤولية الرجل عن الأسرة من حيث الإنفاق والرعاية والحماية وحسن العشرة، وفي المقابل على المرأة أن تطيع زوجها فيما لا معصية فيه، وأن تنهض برسالتها المقدسة من حقوق الزوجية والأمومة ورعاية البيت على أحسن وجه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما- عَنِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنّهُ قَالَ: ((أَلاَ كُلّكُمْ رَاعٍ، وَكُلّكُمْ مَسْوولٌ عَنْ رَعِيّتِهِ، فَالأَمِيرُ الّذِي عَلَى النّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْوولٌ عَنْ رَعِيّتِهِ، وَالرّجُلُ رَاعٍ عَلَىَ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْوولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَىَ بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْؤولَةٌ عَنْهُمْ)) .

وعن عَمْرِو بن الأحْوَصِ رض أَنّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أَلاَ وَإِنّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقّا، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقّا، فأَمّا حَقّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلاَ يُوْطِئْنَ فُرُشَكُمْ من تَكْرَهُونَ، وَلا يَأْذَنّ في بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ. أَلاَ وَإِنّ حَقّهُنّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهنّ في كِسْوَتِهِنّ وَطَعَامِهِنّ)) . وفي قصة سلمان مع أخيه أبي الدرداء –رضي الله عنهما– ما يوضح ذلك فعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ رض قَالَ:(( آخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا مَا شَأْنُكِ قَالَتْ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ كُلْ قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ قَالَ مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ قَالَ فَأَكَلَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ قَالَ نَمْ فَنَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ قُمِ الْآنَ، فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَدَقَ سَلْمَانُ))

أيها الأخوة المسلمون: والدعامة الخامسة في بناء الأسرة المعاشرة بالمعروف يقول الله عز وجل:(وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) . ويتحقق ذلك بأدب متبادل بين الزوجين، فيكون من الزوج حسن العشرة، ولطافة الكلمة، وإظهار المودة، والتغافل عن الزلة، وإقالة العثرة، وصيانة عرضها، وقلة مجادلتها، وبذل المؤنة بلا بخل لها، وإكرام أهلها، وشدة الغيرة عليها، وفي المقابل فإن الزوجة تبادله الأدب بأدب، وكمالُ ذلك وتمامه في دوام الحياء منه، وقلة المماراة له، ولزوم الطاعة لأمره، والسكوت عند كلامه، والحفظ له في غيبته، وترك الخيانة في ماله، وطيب الرائحة، ونظافة الثوب، وإظهار القناعة، واستعمال الشفقة، ودوام الزينة له، وإكرام أهله، وقبول فعله بالشكر، وإظهار الحب والسرور عند رؤيته. ومن حسن المعاشرة بين الزوجين أن يستر كل من الزوجين على الآخر، وقد عبر القرآن الكريم عن العلاقة الزوجية أروع تعبير،في مثل قوله تعــالى: ( هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنّ) فهي علاقة الامتزاج الكامل والستر المشترك، وكما أن الثياب تستر سوءات الجسد فإن لباس الزوجية يستر عيوب الزوجين عن كل من سواهما من البشر، حتى عن أبنائهم وآبائهم وأمهاتهم، ولا يُظهر كل منهما من الآخر إلا كل ما هو جميل وطيب وبذلك يسود جو الأسرة الوئام والحبور،
عَنْ أَبَي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رض قال: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنّ مِنْ أَشَرّ النّاسِ عِنْدَ اللّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمّ يَنْشُرُ سِرّهَا)) . ومن حسن المعاشرة أن يفتح كل من الزوجين عينه على المحاسن والفضائل ويغض الطرف عما يكره من العيوب والمساويء، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رض قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: ((لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً. إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقاً رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ )) .

عباد الله:
ولتحقيق هذه الدعائم، فإنه على الأسرة المسلمة أن تكون على حذر في تعاملها مع وسائل الإعلام، وأن تراقب أبناءها في استخدامهم لتلك الوسائل التي تعمل على الترويج لأنماط وأشكال جديدة من الحياة الاجتماعية والاقتصادية تحطِّم القيَم الدينية والأخلاقية، وتنشر الإباحية باسم الحرية. ومع كل هذه المحاولات فإن الأسرة المسلمة بفضل الله لا تزال تحتفظ بالقيم الإسلامية، ولكنها تحتاج إلي يد أمينة تتعهدها وتغذيها وتمدها بماء الحياة بكل ما تيسر لها من مؤسسات الدولة المختلفة، وبذلك يكون عز الدولة ورفعتها، ومما يذكر بالفضل لصاحب السمو رئيس الدولة أنه- بحنان الوالد وشفقة المسؤول- لا يترك مناسبة إلا ويوصي فيها بالمحافظة على دعائم وقيم الأسرة المسلمة التي تعبر عن هُوية المجتمع وتدعم مسيرة الدولة والأمة نحو التقدم والرقي.

أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم

أحمد سعد الدين
02-03-2005, 12:55 PM
الحمد لله نحمده، ونستعين به ، ونستهديه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فهو المهتد،ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزَّ جنده ، وهزم الأحزاب وحده ، لا شيء قبله ولا شيء بعده.

وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسولُ اللهِ سيدُ الأولين والآخرين، وخاتمُ الأنبياء والمرسلين ، وحبيبُ رب العالمين. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الغرِّ الميامين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أوصيكم -عباد الله- ونفسي بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأحذركم وبال عصيانه ومخالفة أمره، وأستفتح بالذي هو خير( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) .

أما بعد فيا إخوة الإيمان والعقيدة:
نعيش هذه الدقائق الطيبة في هذا اليوم المبارك مع موضوع من أهم الموضوعات ، يحتاج إليه كل أب وكل أم وولد ، وذلك من أجل الحياة الطيبة السعيدة، ألا وهو حقوق الولد على أبويه. يقول مولانا تبارك وتعالى في كتابه العزيز:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) .

أيها الإخوة المؤمنون:
إن أولادَنا ثمراتُ قلوبنا، وفلذاتُ أكبادنا ، وهديةُ الله إلينا، وزينةُ حياتنا، والأثرُ الصالح الذي نُذكَر به إذا كانوا صالحين، وهم من كسبنا، ودعاؤهم من العمل الذي لا ينقطع بموتنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)) رواه مسلم والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي والنسائي.

أيها الإخوة:
إن أبناءَنا وبناتِنا هم جسدُ الأمة وعَقلُها المفكر وقلبُها النابض، جعلهم الله أمانةً في أعناقنا، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ )) متفق عليه. أيها الإخوة الكرام: إن دينَنا الإسلاميَّ الحنيفَ وازَنَ بين الحقوق والواجبات، فكما أوجب على الأولاد برَّ والديهم وأوصاهم بهم، فقد أوجبَ على الآباءِ رعايةَ أولادهم، والعنايةَ بهم، ليكونوا مصدرَ خيرٍ وقرةَ عينٍ لهم في الدنيا والآخرة، وليستجيب الله عز وجل لهم إذا دعَوا رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا .

أيها الأحبة في الله:
إذا أ ردنا أن تقرَّ أعينُنا بأولادنا ، ونأخذَ بأسباب نجابتهم وسعادتهم، فعلينا باختيار الأرض الطيبة التي يخرج نباتُها بإذن ربها طيباً مباركاً، ولابدَّ أن يبحثَ مريدُ الزواج عن الزوجةِ التَّقِيَةِ النَّقِيَةِ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( فاظفرْ بذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)) رواه البخاري ومسلم وأبوداود والنسائي.

وقد اعتبر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه انتقاء الزوجة واختيارها حقاً من حقوق الولد على أبيه ، وكذلك اختيارَ اسمِهِ وتعليمَهُ القرآنَ والدِّين. واسمع -يا أخا الإسلام- إلى الرجل الذي يشكو عقوق ولده إلى سيدِنا عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه، فأحضرَ أمير المؤمنين الغلامَ وأنَّبه ، فقال الغلام: يا أمير المؤمنين، أليس للولد حق على أبيه؟ قال: بلى، قال: فما حقه على أبيه؟ قال: أن يَنْتَقِيَ أُمَّهُ، ويُحْسِنَ اسمَهُ ، ويُعَلِّمَهُ الكتابَ. قال الغلامُ: يا أميرَ المؤمنينَ: إنَّ أبي لم يفعلْ شيئاً من ذلك، استولدني من أَمَةٍ زنجية كانت لمجوسي، وقد سماني جُعَلاً ، ولم يعلمْني من الكتاب حرفاً واحداً ، فالتفتَ أميرُ المؤمنينَ عُمرُ رضي الله عنه إلى الرجل وقال له: جئتَ إليَّ تشكو عقوقَ ولدِكَ ، وقد عقَقْتَهُ قبلَ أن يَعقَّك، وأسأْتَ إليه قبْلَ أنْ يُسيئَ إليك.

أيها الإخوة الأعزاء:
إن لأولادنا حقوقاً علينا ، فينبغي تخيرُ الأمهاتِ لهم، وقد نبَّه مبعوثُ العناية الإلهية ، وشمسُ الهداية الربانية سيدُنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله: ((تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ وَانْكِحُوا الأَكْفَاءَ وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ)) رواه ابن ماجه والديلمي.

فإذا أطلَّ المولودُ على الوجود فيستحبُّ الأذانُ بلطفٍ في أذنه اليمنى، والإقامةُ في اليسرى ، ليكونَ أولَ ما يطرقُ سَمْعَهُ، ويستقرُّ في أعماقه تكبيرُ الله عز وجل، وشهادةُ أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسولُ الله ، والدعوةُ إلى الصلاة والفلاح.

كما أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم باختيار أسماء أولادنا، وأن تكون الأسماءُ متصلةً بمَنْ اختارهم الله من الصفوة المباركة من الأنبياء والصديقين والصالحين، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ)) رواه أبو داود بإسناد جيد عن أبي الدرداء . ولم يكتفِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالإرشادِ القولي، بل أكَّدَ ذلك بالفعل عندما خرج على الناس صبيحةَ يومٍ وقال لهم:(( وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ غُلاَمٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبي إِبْرَاهِيمَ )) رواه مسلم. فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يلفتُ الأنظارَ إلى أن نسميَ أبناءنا بأسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد أخرج أبو داود والنسائي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرَّةُ)).

أيها الإخوة الأحباب:
إن من السنة أيضاً في حقوق الأولاد أن نذبحَ عن الغلام شاتينِ، وعن الأنثى شاةً ،وتجزئ شاة عن الغلام أيضاً وهو مذهب الإمام مالك رحمه الله وهو ما يسمى بالعقيقة، أو النسيكة.

ومن حكم مشروعيتها شكرُ اللهِ عز وجل على عطائه وآلائه، والتقربُ إليه بالذبح والتصدق والإطعام، والتكافل والتعاون، يقول رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ((كُلُّ غُلاَمٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُسمَّى)) [رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد] و(رهينة بعقيقته) معناه: محبوسٌ عن الشفاعة في أبويه.

أيها الإخوة المؤمنون:
إن من حقوقِ أولادنا الرضاعةَ الطبيعيةَ، قال الله تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ . ويخطىء بعض الآباء والأمهات حين يلجأون –دون ضرورة- إلى إرضاع أولادهم رضاعةً صناعية، وهذا أمرٌ خطيرٌ على صحةِ الطفلِ وأخلاقهِ وطباعهِ، فينبغي الحذرُ من ذلك إلا في ضرورة. وإذا تجاوزَ الطفلُ فترةَ الرضاعةِ ، فعلينا أن نرفقَ به ونلينَ في معاملته ، لأن ذلك أدعى إلى استجابته لتوجيهات أبويه.

وهكذا كان شأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مع أبنائه وبناته رضي الله عنهم، فعن عبد الله ابن شداد عن أبيه قال: ((خرجَ علَيْنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العَشِيِّ: الظهرِ أو العصرِ، وهو حاملٌ أحدَ ابنيه: الحسنَ والحسين، فتقدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فوضعَهُ عند قدمه اليمنى، فسجدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سجدةً أطالها، قال أبي: فرفعتُ رأسي من بين الناس فإذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ساجدٌ، وإذا الغلامُ راكبٌ على ظهره، فعدتُ فسجدتُ، فلما انصرفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال الناسُ: يا رسولَ الله، لقد سجدتَ في صلاتكَ هذه سجدةً ما كنتَ تسجدُها، أفشيءٌ أُمِرْتَ به أو كان يوحى إليك؟ قال: كلُّ ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهتُ أن أُعْجِلَهُ حتى يقضيَ حاجتَه)) رواه الحاكم. أيها الإخوة الأعزاء:
إن الإسلامَ يحمِّلُ الأبوين مسؤوليةَ التربيةِ لأولادهم، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ)) أخرجه البخاري ومسلم.

فكلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرة ، وعلى الإيمانِ والتوحيدِ، والحقِ والخيرِ والفضيلةِ، والنفورِ من الباطلِ والشرِ والرذيلةِ ، فلا يولدُ أحدٌ يهودِياً ولا نصرانياً ، ولا فاسقاً ولا منافقاً، إنما يوجهه إلى ذلك أبواه ومربوه، وأهله وجيرانه ، وأصحابه ومعلموه.

وينشأ ناشيءُ الفتيانِ فينـا على ما كـان عوَّده أبوه
وما دان الفتى بـِحِجَىً ولكنْ يعــوِّدهُ التدَيُّنَ أقربوه

معاشرَ الآباء والأمهات:
يجب علينا أن نباشرَ تربيةَ أولادِنا مباشرةً دونَ وساطةٍ، بحيثُ نعلمُ مدخلَهم ومخرجَهم، ونعلمُ أينَ يذهبون؟ ومَنْ يُصاحِبُون ويُصَادِقُون؟ وماذا يفعلون؟ لأن الصغارَ لا يوجدُ لديهم الوعيُ الديني الكاملُ الذي يمنعهم من المنكرات والآثام، ولا توجدُ عندهم العقولُ الكاملةُ التي تمنعهم من الفساد والانحراف.

إن كثيراً من الآباء والأمهات شُغِلُوا عن أبنائهم وبناتهم، فلم تَعُدْ لهم أوقاتٌ يجلسون فيها مع عائلاتهم، يسألون عن أخلاقهم وأحوالهم، ولكنهم يهتمون في الغالب بمن يمرضُ فيداوونه ، وبمن يجوعُ فيشبعونه، وغابَ عنهم أنهم في هذا الاهتمام يخدمون الجسمَ، ويهملون النفسَ والقلبَ والروحَ، والحكيم يقول:

ياخادمَ الجسمِ كمْ تشقى لخدمـتِهِ أتطلـبُ الربحَ مما فيه خسرانُ

أقبلْ على النفسِ واستكملْ فضائلَها فأنتَ بالنفسِ لا بالجسمِ إنسانُ
أيها الأحبة في الله:
إن أولادَنا أحوجُ إلى التربيةِ والتزكيةِ والرعايةِ منهم إلى الطعامِ والشرابِ والدواءِ، لأن الطعامَ والشرابَ والدواءَ ينفعُ البدنَ، ويدفعُ عنه الأخطارَ بمشيئة الله تعالى، أما التربيةُ والتزكيةُ فإنها تحفظُ الدينَ والعقلَ والعرضَ والنسلَ والجسمَ والمالَ، وأفضلُ هدية يقدمها الوالدان والمربون لأولادهم هي التربيةُ والتأديب، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (( مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ )).أخرجه الترمذي.

وقد كان العلماءُ والخلفاءُ والصالحون يهتمون بذلك أعظمَ الاهتمام، قال عبدُ الملك بن مروان الخليفة الأموي ينصحُ مُؤَدِّبَ ولده: علِّمْهم الصدقَ كما تعلمُهُمُ القرآنَ، واحملْهمْ على الأخلاقِ الجميلةِ، وجالسْ بهم أشرافَ الرجال ، وأهلَ العلم منهم، واضرْبهم على الكذب ، فإن الكذبَ يدعو إلى الفجور، وإن الفجورَ يدعو إلى النار.

أيها الإخوة الكرام:
يجبُ علينا تعهدُ أبنائنا وبناتنا وتوجيهُهم وتعويدُهم على فعلِ الطاعات، وتركِ المنكرات، وتقويةُ الوازع الديني في نفوسهم، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ((مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِعِ )) أخرجه أبو داود والحاكم .

وقد كان أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم يدَرِّبُون أولادَهم، ويروِّضُونَهم على الصلاةِ والصيامِ والأخلاقِ الحسنةِ، ويعلمونهم سيرةَ النبي صلى الله عليه وسلم العطرةَ، قال سعدُ بنُ أبي وقاصٍ رض :"كنا نعلِّمُ أولادَنا مَغازيَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كما نُعَلِّمُهُمُ السورةَ من القرآن".

وفي الختام: نصيحتي للآباء والأمهات أن يهتموا بأولادهم تربيةً وتعليماً، وألا يسْلموهم لأناسٍ غيرِ ثقاتٍ ولا طيبين من خدم أو معلمين وبخاصة إذا كانوا كافرين أو فاسقين، وألا يتيحوا لأولادهم فُرَصَ مشاهدةِ الأفلامِ والقنواتِ والمجلاتِ والإنترنت وغيرها من الوسائل التي تدمر الخُلُق والدين، كما ينبغي حفظُهم من أصحابِ السوءِ ورفقاءِ الشر، أهلِ المعاصي والفواحشِ والمنكراتِ والمسكرات والمخدرات وتضييعِ الأخلاقِ والأوقات، لأن الأمة ما وصلت إلى ما وصلت إليه من الذل والهوان وتداعي الأمم عليها إلا بتضييع نشئها والتفريط في أبنائها وبناتها، فاحفظوهم- عباد الله- وأصلحوهم حتى يكونوا صالحين مصلحين هادين مهديين غيرَ ضالين ولا مضلين. رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم لا تَدَعْنا في غَمْرَة ، ولا تَأْخُذْنا على غِرَّة، ولا تجعلْنا من الغافلين.

أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم

أحمد سعد الدين
02-03-2005, 12:57 PM
الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله القائل: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً رسولُ الله القائل: (( الوالدُ أوسطُ أبوابِ الجنة، فإنْ شئتَ فأضِعْ ذلك البابَ أو احفظْه)) اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على هذا النبي العظيم الذي أرسلتَه رحمةً للعالمين، وارض اللهمَّ بفضلك عن آل نبيك الأطهار، وصحبه الأبرار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

عبادَ الله:
أوصيكم –ونفسي- بتقوى الله، فإن التقوى شعارُ المؤمنين، ودثارُ الصالحين، ووصيةُ الله في الناس أجمعين، قال تعالى:(وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتاَبَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ)

أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون: إن ظاهرة العقوق قد فشت في الأمة بصورة لم تعهد من قبل، وكثرت شكاوى الآباء والأمهات، وإذا كنا قد تحدثنا في الجمعة الماضية عن حقوق الأولاد على والديهم فمن المناسب أن نتناول في هذه الخطبة حقوق الآباء على أولادهم والآية الكريمة التي سمعتموها (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) أصل كبير في بر الوالدين حيث يوصينا ربنا تبارك وتعالى فيها ويأمرنا بأمرين اثنين:

أما الأمر الأول:
فهو عبادةُ الله وحدَه، لأنه ربُّ العالمين، الذي خلق الإنسانَ من عَدَم، ونفخَ فيه الروحَ، وسخَّر له ما في الكون من أجل أن يحقق غاية الخلق، وهي: معرفتُهُ سبحانه وعبادتُه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنـسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُون إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)

وأما الأمر الثاني:
فهو الإحسانُ إلى الوالدين وبرُّهما، وبذلُ كلِّ غالٍ ونفيسٍ من أَجْلِ إسعادهما، لأنهما السببُ في وجوده، وتربيةِ جَسَدِه، وانضاجِ عقله، واطمئنانِ نفسه، يومَ كان لا يملك لنفسه جلبَ نفع، ولا دفع ضرّ، فلم يكنْ أحدٌ بعد الله تعالى أعظمَ فضلاً عليه منهما، لذلك كان حقُّهما عليه كبيراً، والواجبُ تُجاههما عظيماً، وقد أمَرَهُ تعالى بالتذلل عندهما، وخفضِ الجناح لهما، رأفةً ورحمةً بهما، وحرَّم عليه أذيتَهُمَا، بأي كلمة مهما صَغُرَتْ، وبأي فعلة مهما دقَّت.
أيها الإخوة المؤمنون:
إنَّ الله تعالى يؤكِّد معنى الآيةِ الأولى بآية ثانية في سورة لقمان، حيثُ قَرَنَ شكرَهُ جلّ جلاله بشـكرِهما بقوله: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) فلم يقبلِ اللهُ شكرَه له دونَ شكرِهِما، وفي هذا يقول حَبْرُ الأمة ابنُ عباس –رضي الله عنهما- ((ثلاثُ آياتٍ نزلتْ مقرونةً بثلاثٍ، لا تُقْبَلُ منها واحدة بغير قرينتها (إحداها) قولُ الله تعالى (وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)فمن أطاع الله ولم يُطعِ الرسولَ لم يُقبلْ منه، (الثانية) قولُ الله تعـالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآَتُوا الزَّكَاةَ) فمن صلى ولم يزكِّ لم يُقبلْ منه (الثالثة) قول الله تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)فمن شَكَرَ الله ولم يَشكرْ لوالديه لم يُقبلْ منه .

وقد جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين في القرآن العظيم، بعد الأمر بعبادة الله وتوحيده، قال الله تعالى:(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) كما ذُكر عقوقُ الوالدين بعد الشرك مباشرة في تصنيف الكبائر، حيث قالصلى الله عليه وسلم : ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين…. الحديث))
ولهذا فقد جعلَ المصطفىصلى الله عليه وسلم برَّ الوالدين في الدرجة الثانية من لائحة أعظمِ الأعمال وأحبِّها إلى الله تعالى، بعد الصلاةِ التي هي رأسُ العبادة، وأعظمُ دعائم الدين، قال عبدُ الله بنُ مسعود-رضي الله عنه: سألت النبيصلى الله عليه وسلم : أيُّ العملِ أحبُّ إلى الله عز وجل؟، قال: ((الصلاةُ على وقتها، قلت: ثم أيّ؟ قال: برُّ الوالدين، قلتُ: ثم أيّ؟ قال: الجهادُ في سبيل الله)) ففضَّل برَّ الوالدين على الجهادِ في سبيل الله تعالى، وفي موطن آخر: جعل برهما وخدمتهما جهاداً ومجاهدة، جاء رجلٌ يستأذن النبيَّصلى الله عليه وسلم في الجهاد معه، فقال النبيصلى الله عليه وسلم : ((أحيٌّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهِدْ)) وأما من جاهَدَ بغير رضاهمِا فقُتل في الجهاد، فأمره إلى الله، سُئِلَ ابن عباس –رضي الله عنهما- عن أصحاب الأعراف منْ هُمْ ، وما الأعرافُ! فقال: ((أما الأعرافُ فهو جبلٌ بين الجنة والنار، وإنما سُميَ الأعرافَ لأنه مشرفٌ على الجنة والنار، وعليه أشجارٌ وثمارٌ وأنهارٌ وعيونٌ، وأما الرجالُ الذين يكونون عليه فهم رجالٌ خرجوا إلى الجهاد بغير رضا آبائهم وأمهاتِهم، فقُتِلوا في الجهاد، فمَنَعَهُمْ القتلُ في سبيل الله عن دخول النار، ومنَعَهُمْ عقوقُ الوالدين عن دخول الجنة، فهم على الأعراف حتى يقضيَ اللهُ فيهم أمرَهُ)) .

جاء رجل إلى النبيصلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي أخذ كل مالي.! فقال النبيصلى الله عليه وسلم : ((اذهبْ فأتِني بأبيك، فنـزل جبريلُ عليه السلام على النبيصلى الله عليه وسلم فقال: إن الله عز وجل يُقرِئُك السلام، ويقولُ لك: إذا جاءكَ الشيخُ فسَلْهُ عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أُذناه، فلما جاء الشيخُ قال النبيصلى الله عليه وسلم : ما بالُ ابنِكَ يشكوك، تريد أن تأخذَ مالَه؟ قال: سَـلْه يا رسول الله هل أنفقتُهُ إلا على عمَّاته وخالاته أو على نفسي! فقال النبيصلى الله عليه وسلم : إيه، دعنا من هذا، وأخبرني عن شيء قلتَهُ في نفسك لم تسـمعْهُ أذناك، فقال: والله يا رسول الله، ما يزال اللهُ يَزيدُنا بك يقيناً، لقد قلتُ في نفسي شيئاً ما سمعتْهُ أذناي: فقال: قلْ وأنا أسمع)) فقال:

غذوتُكَ مولوداً وعِلْتُـكَ يافِـعاً تَعُـلُّ بِما أجني عليك وتَنْهَـلُ
إذا ليلةٌ ضافَتْكَ بالسُّـقمِ لم أَبِتْ لسُــقمِكَ إلا سـاهراً أتَمَلْمـلُ
كأني أنا المطروقُ دونك بالـذي طُـرِقْتَ بـه دوني فَعَيْـنِيَ تَهمـلُ
تخافُ الردى نفسـي عليك وإنّها لتعـلمَ أن المـوتَ وقـتٌ مؤجَّـلُ
فلما بلغتَ السنَّ والغـايةَ التـي إليها مدى مـا كنتُ فيـكَ أؤمـلُ
جعلتَ جزائي غلظـةً وفظـاظةً كـأنَّـكَ أنـتَ المنعـمُ المتفضـلُ
فليتكَ إذْ لم تَرْعَ حـقَّ أُبوَّتـي فعلتَ كمـا الجارُ المصاقبُ يفعلُ
فأوليتني حقَّ الـجـوارِ ولم تكنْ عليَّ بِمـالٍ دونَ مالـكَ تبـخـلُُ

فأخذ النبيصلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه وقال له: أنتَ ومالُكَ لأبيك)) . أيها الإخوة الأحبة: اسمعوا كيف كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبرون والديهم ، هذا أبو هريرة رضي الله عنه كان إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب حجرة أمه فقال: السلام عليك -يا أماه- ورحمة الله وبركاته فتقول: وعليك السلام –يا ولدي- ورحمة الله وبركاته، فيقول : رحمك الله كما ربيتني صغيراً ،فتقول : رحمك الله كما بررتني كبيراً.

وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما طلبت منه أمه الماء في ليلة من الليالي ، ذهب ليأتي به ، فلما رجع وجدها نائمة، فوقف عند رأسها يحمل الماء إلى الصباح. وبرُّ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بأمه ووقوفه يحمل الماء ليلاً وهي نائمة يذكرنا بأصحاب الغار الذين أطبقت عليهم الصخرة فسدت باب الغار، ودعوا الله بصالح أعمالهم وكان أحدهم قد وقف هذا الموقف البار النادر ، يحمل اللبن ينتظر استيقاظ والديه ، ففرج الله عنهم بهذا البر، وأزيحت الصخرة بدعواتهم جميعاً. وهذا أويس القرني رحمه الله آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وأراد الهجرة، ولكن لم يجد من يقوم بخدمة أمه لو تركها ، فآثر برها على الهجرة، فاستحق بالبر والصدق البشاراتِ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما ورد في صحيح مسلم وغيره، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (( يأتي عليكم أويسُ بن عامر مع أمداد من أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرئ منه إلا موضع درهم، له والدةٌ هو بها بَرٌّ، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعتَ أن يستغفرَ لك فافعل)).

أيها الأحبة الكرام :
إن أكبرَ الكبائر بعدَ الإشراكِ بالله تعالى عقوقُ الوالدين، والعاقُّ لوالديه لا يدخل الجنة قالصلى الله عليه وسلم ((لا يدخلُ الجنةَ عاقٌّ ولا مَنَّانٌ ولا مُدْمِنُ خمرٍ)) ولسوف يلقى العاقُّ جزاءَ عُقوقه، حيثُ يَشقى في الدنيا، ويَصْلى في الآخرة نارَ جهنم، أما شقاءُ الدنيا فقد أوضحه رسولُ اللهصلى الله عليه وسلم بقوله: ((كلُّ الذنوبِ يغفرُ اللهُ منها ما يشاء إلا عقوقَ الوالدين، فإنه يُعجَّل لصاحبه في الحياة قبل الممات)) ومن شقائه في الدنيا أنْ يعقَّـه ولدُه جزاءً وفاقاً، واسمعوا -أيها الإخوة الكرام- هذه القصة الواقعية: روي أن شاباً أصاب والدَهُ الخرفُ (أي: فسد عقله من الكِبَر)، وتضايقت زوجتُهُ من أبيه كثيراً، فألَحَّتْ على زوجها بأن يتخلص من أبيه، فاستجاب الشابُّ لطلب زوجته، فأخذ أباه إلى منطقة جبلية، ثم تركه وهرب، والأبُ يستغيث فلا يُغاثُ، ولم يَعرفْ بعدها ما حلَّ بأبيه، ثم مرَّت الأيامُ، وكَبِرَ الابنُ، وصار أباً، وأصابه الخَرَف الذي أصاب والدَهُ، وماتت زوجتُه، فتضايقت منه زوجةُ ابنه أيضاً، وألَحَّتْ على زوجها بأن يتخلص من أبيه، فأخذ والدَهُ إلى المنطقة نفسها التي ترك فيها الشيخُ أباه، ثم تركه وولى، فناداه أبوه، وتوسل إليه بأن يضعَهُ في غير هذا المكان، وأشار إلى مكان قريبٍ منه، فسأله الابنُ ولماذا؟ وما الفرق بين هذا المكان وذاك؟ قال: لأنني تركتُ جدَّك في ذلك المكان، فلما سمع الابنُ كلامَ أبيه ندم وخاف انتقامَ الله منه، ورجع بأبيه إلى البيت، وقال لزوجته: إن شئتِ بقيتِ معي ومع أبي، وإلا فانصرفي إلى أهلِك.

أيها الإخوة الكرام:
البرُّ لا يبلى، والذنبُ لا يُنسى، والديَّانُ لا يموت، اعمل ما شئت، كما تَدين تُدانُ، لقد أخذ الابنُ العبرةَ، وعلم أنه لا بد أن يَحلَّ به ما حل بأبيه وجده إن هو سار على طريقهما، والسعيد من اتعظ بغيره، ومن برَّ أباه برَّه أبناؤه.

وأما عذاب الآخرة، فقد أشار إليه رسولُ اللهصلى الله عليه وسلم بقوله: ((لا يدخلُ الجنةَ عاقٌّ ولا منَّانٌ ولا مدمنُ خمرٍ)) وحَسْبُ العاقِّ نكداً وخسراناً، أن يبوءَ بسخطِ الله ويُحْرَمَ من رضائه، فرضا الله في رضا الوالدين، وسخطُه في سخطهما. فاحرِصوا -عباد الله- كلَّ الحرص على رضا الوالدين، واحذروا كلَّ الحذر من عقوقهما، فهما الجنةُ والنارُ، جاء رجل إلى النبيصلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: أرأيتَ إذا صليتُ الصلواتِ الخمـس، وصمتُ رمضانَ، وأديتُ الزكاةَ، وحججتُ البيتَ، فماذا لي؟ فقـال: رسـولُ اللهصلى الله عليه وسلم : (( من فعل ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحينَ إلا أنْ يعقَّ والديه)) .

نسأل اللهَ العظيمَ أن يوفقَنا لبرهما، حتى نفوزَ برضاه، وأن يقيَنا عقوقَهُما، حتى نتجنبَ سخطَه، إنه جوادٌ كريمٌ رؤوفٌ رحيم.

أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم

أحمد سعد الدين
02-03-2005, 12:59 PM
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى، ورسوله المجتبى، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأبرار، وأتباعه الأخيار ، إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده القائل: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) . (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) .

وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، سيد الخلق وحبيب الحق، بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم صلِّ وسلِّم على هذا الرسول الكريم، والسيد السند العظيم وعلى آله وصحبه أجمعين.
أوصيكم عباد الله _ وأوصي نفسي - بتقوى الله العظيم، وأحثكم على طاعته، وأحذركم وبال عصيانه، ومخالفة أمره، وأستفتح بالذي هو خير ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ).

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:
لقد أقبل علينا موسمُ إجازة الصيف بعد أن أغلقتْ دُورُ العلم والثقافة أبوابها، حيث تكثر أسفار الناس في أرجاءِ المعمورةِ، يُشَرِّقُون في مناكبها ويُغَرِّبُون ، يجوبون أجواءَها، أو يقطعون بيداءَها، أو يمْخُرون عُبَاب بحارِها، ينتقلون من بلدٍ إلى بلدٍ أو من إقليم إلى إقليم، يطلبون المتعة في جمال الطبيعة، ويلتمسون راحة النفس وإسعادَها في كل أسرار الجمال، وهذا أمر مشروع مالم تخالطه معصية، يقول الباري جل في علاه ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ) وقال تعالى: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) .

ونصيحتي لمن عزم على السفر للاصطياف، وخاصةً إذا كان سفره إلى بلدٍ غير إسلامي، أن لا يجعل من هذا السفر مطيةً إلى الوقوع في المحظور، ومقارفةِ الموبقات، والتحلل من القيَم والأخلاق، والانحراف في تيار الأهواء. وحريٌّ بمن يعرف من نفسه الضعفَ أمام الشهوات، أو ضعف الفكر أو العلم أمام الشبهات، ألاَّ يَحُومَ حول الحِمَى لأن من حام حول الحِمَى يُوشِكُ أن يقعَ فيه، وفي الحديث الصحيح : ((الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِيِنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِى الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ. أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِى أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ. أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ)) .

أيها الإخوة المؤمنون:
إن بعض المسلمين يسافرون بعوائلهم للمصيف أو للسياحة، ثم إذا ذهبوا إلى بعض البلاد ذابت شخصيتهم، حتى نساؤهم يخلعن لباس السِّتْرِ ، وإذا كان هذا تحوُّلٌ بالظاهر فما بالك بتحول الباطن ، إن المسلم مطلوب منه أن يتقي الله في أي مكان، فالله مُطلَّع عليه في السر والعلن، ولا تخفى عليه خافية ، يعلم السر وأخفى، وعليه أن يتمسك بدينه، وألا يخاف في الله لومةَ لائم، وألا يُعْطِيَ الدنيةَ في دينه، إنه دينُ العزة والكرامةِ، والشرفِ في الدنيا والآخرة، ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) .

كيف يستبدل المسلمُ الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ وكيف يتنازل عن عليائه إلى الحضيض؟.

عباد الله :
مَنْ كان وضْعُهُ وضْعَ الضعفِ والخوفِ على دينه وأخلاقه، فعليه أن يختار من بلدان الإسلام ما يأمن فيها على دينِهِ وعِرْضِهِ وأخلاقه وقيمه.
أما مَنْ يعرف من نفسه الثباتَ والقوةَ على الدين والقيم فلا بأس بسفره، ونِعْمَ سفيرُ الإسلام هو، ونِعْمَ داعيةُ الإسلام في بلاد الكفر الذي يدعو الناس إلى الله بحاله ومقاله، وليكن قدوةً صالحة ومثالاً للأخلاق والقيم يُحتذى به .


عباد الله :
يقول النبي صلى الله عليه وسلم :((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ )) . صحيحٌ أن الشرع أجاز لنا أن نتمتع بالحلال، وأن نسافر ونصطاف في غير معصية ، لكن الشرع الحنيف ندبنا لما هو أعلى وأسمى، فحثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسارعة إلى الطاعة والمسابقة إلى فعل الخيرات، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمِك، وصحتكَ قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك)) . وأيامُ العمر -يا عباد الله- ثلاثة: يوم مضى لا نستطيع إرجاعه ولو كان بعضُنا لبعض ظهيراً، ويوم آتٍ لا ندري أنُدركه أم لا، ولنا اليوم الذي نحن فيه.
ما مضَى فاتَ والمُؤَمَّلُ غَيبٌ ولك الساعةُ التي أنتَ فيها
لذلك كان الحسنُ البصري رحمه الله يقول: المبادرَةَ المبادرةَ ، فإنما هي الأنفاسُ لو حُبستْ انقطعتْ عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله عز وجل، ورحم الله امرءاً نظر إلى نفسه وبكى على عدد ذنوبه، ثم قرأ هذه الآية (فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا )
وقيل لسفيان الثوري رحمه الله: اجلس معنا نتحدَّث، فقال: كيف نتحدَّث والنهار يعمل عمَلهُ!.
ولذلك شكى وبكى الصالحون والطالحون ضيقَ العمرِ، وبكى الأخيارُ والفجارُ انصرامَ الأوقات، أما الأخيارُ فبكوا لأنهم تمنَّوا أن لو كانوا قد ازدادوا من فعل الخيرات والطاعات والقُرُبات، وأما الفجار فندموا على أنهم لم يستعدُّوا للآخرة، ولم يتزوَّدوا لها بالعمل الصالح، وقد رُوِيَ أن أبا هريرة رضي الله عنه دخل السوق فوجد الناس يبيعون ويشترون، فقال لهم : ما لي أراكم هاهنا وميراثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقسمُ بالمسجد؟ فأسرع الناسُ إلى المسجدِ فوجدوا جماعات يتدراسون القرآن الكريم، ويرتلونه فخرجوا وقالوا: يا أبا هريرة يا صاحبَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم : ما رأينا مالاً يُقسَمُ،قال: ماذا رأيتم؟ قالوا: رأينا جماعاتٍ يتدارسون القرآن الكريم ويرتلونه فيما بينهم، فقال لهم سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه، ذلكم هو ميراث نبيكم محمدصلى الله عليه وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُخَلِّفْ درهماً ولا ديناراً وإنما خَلَّفَ لنا هذا الدينَ وهذا القرآنَ الكريمَ الذي هو المعجزةُ الباقيةُ على مرِّ الدهور والعصور ، من تمسك به فقد نجا ومن أعرض عنه فقد هلك.

فعلينا -يا عباد الله- أن نشْغل أنفسَنا وأولادَنا في هذا الصيف وفي هذه الإجازة بالقرآن الكريم حفظاً وترتيلاً وتطبيقاً، علينا أن نلتقي عليه وأن نفترق عليه، وإن مشروعَ حفظِ القرآنِ الكريم وتجويدِه لحاكم دبي صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد -مدَّ الله في حياته- ملأ المساجد بحلقات القرآن للذكور والإناث ، فعلينا أن نرسل أبناءنا وبناتنا إلى تلك الحلقات الكريمة التي هي مراتع الجنة على وجه الأرض، ولنبادر بتسجيل الأسماء لدى إدارة المشروع.

عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم :(( إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا)) قَالَوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم :((حِلَقُ الذِّكْرِ )) . فَحِلَقُ القرآنِ الكريم هي حلق الذكر.وقالصلى الله عليه وسلم ((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ)) .

إن الإمام الجنبيد رحمه الله حين حضرتْهُ الوفاةُ وغشيتْهُ سكراتُ الموتِ أخذ يقرأ القرآن ويبكي، قالوا له: تقرأ القرآن وأنت في سكرات الموت ؟ قال : سبحان الله من أحْوَجُ مني إلى قراءة القرآن وقد أصبحتْ أنفاسي معدودَة؟.

عبادَ الله:
إن الوقت من أكبر نعم الله علينا فماذا عملنا في أوقاتنا ؟ وبماذا شغلنا أنفسنا؟ هل شغلنا أنفسنا بطاعة الله عز وجل والسعي في مرضاته؟ بطلبِ علمٍ وحفظِ قرآنٍ وانشغالٍ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن التالي لكلام الله تعالى مُجالِسٌ لله تعالى، والقارئ لحديث رسول اللهصلى الله عليه وسلم جليسٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاحرص أخي المسلم على هذين الأمرين واشغل نفسك واملأ فراغك بهما، أَمْ جعلنا أوقاتَنا تضيع في اللهو واللعب واستماع الأغاني الماجنة والمسلسلات التي تهبط بالأخلاق والقِيَم والمبادئ؟ وقد نسهر متابعين لها إلى ما قبل الفجر ثم ننام وتفوتنا صلاة الصبح ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

عباد الله :
إن هناك أناساً يرتكبون في اليوم الواحد جبالاً من الخطايا والذنوب، ومع ذلك لا يهتمون ولا يتأسفون عليها ، فتراهم يلعبون ويمرحون، وكأنهم سوف يُخَلَّدون في هذه الدار، وكأن الموت بمعْزِلٍ عنهم، وكأنهم لن يُعرضوا على الله عز وجل ليس بينهم وبينه حجاب ولا ترجمان في يوم كان مقدراه ألفَ سنةٍ مما تَعُدُّون. فيا من انصرم عمره في الغفلة والضياع، ويا من ضاعتْ أوقاته في اللهو واللعب: بابُ التوبة مفتوح وساعاتُ الإجابة كثيرة، وفي الحديث: (( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِىءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِىءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا )) .

عباد الله :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْظُرُونَ إِلاَّ فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ » . قال عزَّ من قائل: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ )

أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم

أحمد سعد الدين
02-03-2005, 06:32 PM
الحمد لله الذي علَّم بالقلم علَّم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى وأسأله أن يهَبَ لنا علماً نافعاً ورزقاً طيباً وعملاً متقبلاً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائلُ في محكم كتابه: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ).
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، أَنْزَلَ اللهُ عليه الكتابَ والحكمةَ، وعَلَّمَهُ مالم يكن يَعْلَم، وكانَ فضلُ اللهِ عليه عظيماً .
اللهم صل وسلم وبارك على هذا الرسول الكريم والسيد السند العظيم وعلى آله وأصحابه الذين أحبوا العلم وأفنَوْا في طلبه أعمارهم، وأنفقُوا في تحصيلِهِ أموالهم فوفاهم الله أجورهم وزادهم من فضله ورفع أقدارهم (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُور لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) .
أوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) .

أما بعد :
فيُوْشِكُ - أيها الإخوة المؤمنون - في هذه الأيامِ أن يبدأ عامٌ دراسيٌ جديدٌ، تَفْتَحُ فيه المؤسساتُ العلميةُ أبوابَها لتستقبلَ أبناءَنا وبناتِنا في مختلف مراحلهم الدراسية، نَسأل الله لهم التوفيق فيما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وأن يكون عامُهم الدراسيُّ عامراً بالعلم النافع، والمعرفة الصالحة، والخلق الكريم، والنهج القويم.

أيها الإخوة المؤمنون:
تعلموا العلم، وعلموه أولادكم ، وتخيروا من العلم أنفعه وأفضله، مما يرفع المتعلم عند ربه ، ويحمله على خشيته وطاعته في هذه الدنيا، وينجيه من سخط الله وعذابه في الآخرة، وتتواصل آثاره الصالحة بعد موت صاحبه على قدر انتشاره، وانتفاع الناس به، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ”إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ “ .

أيها الإخوة الأحبة:
لقد تكاثرت الآيات والأخبار والآثار وتواترت وتطابقت الدلائل الصريحة وتوافقت على فضيلة العلم والحث على تحصيله ، والاجتهاد في اقتباسه وتعليمه.

أما الآيات فمنها قوله تعالى: (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) .
فانظر كيف بدأ سبحانه وتعالى بنفسه، وثَـنَّى بملائكته، وثلَّث بأهل العلم، وناهيك بهذا شرفاً وفضلاً ونبلاً، وقال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) .

وقال تعالى( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) . وأما الأحاديث فمنها ما جاء عن معاوية رض قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ”مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ“ وعن ابن مسعود رض قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ”لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِى اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِى الْحَقِّ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ ، فَهْوَ يَقْضِى بِهَا وَيُعَلِّمُهَا“ . وأما الآثار عن السلف فمنها ما جاء عن سيدنا علي كَرَّمَ الله وجهه أنه قال: ”العلم خير من المال، العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، والمال تنقصه النفقه والعلم يزكو بالإنفاق“ . وعنه رضي الله عنه قال:
ما الفخرُ إلاّ لأهل العلم إنهمُ على الهُدَى لمن استهدى أَدِلاِّءُ
وقَدْرُ كُلِّ امرئٍ ما كان يُحْسِنُه والجاهلُونَ لأهلِ العلم أعداءُ
فَفُزْ بِعِلْمٍ تَعِشْ حيًّا به أبـداً الناسُ مُوتَى وأهلُ العلمِ أحياءُ

أخي المعلم والمربي المرشد: إن رسالتك عظيمةٌ، ووظيفتَك جسيمةٌ، فأنت في الحقيقة من ورثة الأنبياء، لأن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورَّثوا العلم ، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر، فالعلماء ورثة الأنبياء، وليس هناك مرتبة أعظم من مرتبة النبوة، وليس هناك شرف أجلّ من شرف الوراثة لتلك المرتبة.

ومن آداب المعلِّم أن يكون قدوة حسنة للآخرين، حتى لا يكون ممن يأمر بالخير ولا يأتيه، وينهى عن الشر ويأتيه، فيستحق العذاب والفضيحة في الدنيا والآخرة. ومن آداب المعلِّم أيضاً: أن يكون شفيقاً بالمتعلمين، رحيماً بهم، يعاملهم كما يعامل الوالدُ الرحيمُ الناصحُ أولاده، وهذا ما قرره رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال:”إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ“ .

ومن آداب المعلِّم أن يكون صادقاً في عمله، مخلصاً في تعليمه، مراقباً لربه عز َّ وجلَّ، وأن لا يواجه المتعلم بالزجر والتوبيخ مواجهة صريحة إذا كان التعريض والتلميح كافياً؛ لأن التصريح يَهْتِك الحجاب، ويُوَرِّث الجرأة، ويدْفَع إلى الإصرار والعناد، ولقد كان من هدى النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في معالجة الأخطاء ما روته السيدة عَائِشَةُ رضى الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا بَلَغَهُ عَنِ الرَّجُلِ الشَّىْءُ لَمْ يَقُلْ مَا بَالُ فُلاَنٍ يَقُولُ، وَلَكِنْ يَقُولُ: ”مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا، ويفعلون كذا“ .

ومن آداب المعلم أن يخاطب الطالبَ على قدر عقله وفهمه، فلا يثقل عليه فيَمَلَّ، وأن يكون أميناً على دينه، وعلى تلاميذه، وعلى وقته، وعلى دروسه، وأن لا يفعل شيئاً ينهي عنه تلاميذه قال الشاعر:

لاتَنْهَ عن خُلقٍ وتأتي مثله عارٌ عليكَ إذا فعلتَ عظيمُ
وأما أنتم - أيها الطلاب يا رجال الغد المشرق، ويا من تتعلق بكم الآمال- فعليكم أن تتحلوْا بمكارم الأخلاق ، وأن تتأدبوا بأحسن وأرفع الآداب، فلا خير في علم لا أدب معه، ولا فائدة في معرفة لا أخلاق فيها، ولا خير في حياة لاعلم ولا تقوى لله فيها.
أيها المتعلمون :
وجِّهوا قلوبكم إلى العلم والتحصيل، واجعلوا همومكم هماً واحداً هو تحقيق السعادة في الدنيا والآخرة، وطريقُ ذلك هو العلم النافع، والعمل الصالح، والفهم الصحيح لأمور الدين والدنيا والآخرة على يد العلماء الربانيين والأساتذة المربين.

واعلموا أيها الأبناء أن العلم نور يُقْذَفُ به في قلوب عباد الله المؤمنين، قال عبد الله بن مسعودرضي الله عنه: ”ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نور يُقذف في القلب“، ولما سئل الإمام أحمد بن حنبل عن معروف الكرخي: هل عنده شيء من العلم ؟ - وكان معروف مشهوراً بالزهد والصلاح - قال الإمام أحمد: معه رأسُ العلم ؛ مخافةُ الله عز وجل.
فينبغي أن يكون الطالب مراقباً لله عز وجل خائفاً منه راجياً رحمته، يحب بيوت الله ، ويصحب الصالحين من عباد الله، ويحرص على أن يكون شاباً نشأ في عبادة الله حتى يستظل بظل الله يوم لا ظل إلا ظله، ولا تنشغلْ - أيها المتعلم - عن العلم ، برغبات النفس وأهوائها؛ فالعلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كُلَّك، ثم لا تنس -أيها المتعلم- أن تكون ذا وقار وتواضع وتقدير واحترام لمن يعلمك فقد ورد في الأثر : ”تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تَعَلَّمون منه“ .
أيها المتعلمون:
لا تتكبروا على العلم، ولا تسيئوا إلى العلماء ، فالتكبر والإساءة هما الحرمان والخسران، ولا تظنوا أن الدنيا كلها تساوي آية أو حديثاً مما يحفظه العلماء، أو تساوي صفة كريمة من صفات الأولياء، واسمعوا كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته الأطهار يُجِلُّون العلماء ويعظمونهم، فقد صلى زيد بن ثابت رض على جنازة فَقُرِّبت إليه بغلَتُهُ لِيَرْكَبها ، فجاء عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ابنُ عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بركابه فقال زيد: خَلِّ عنك يا ابنَ عَمِّ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ابن عباس: هكذا أُمِرْنا أنْ نفعل بالعلماء، فنـزل زيدٌ وقَبَّلَ يدَ ابنِ عباس وقال: هكذا أُمِرْنَا أنْ نفعل بأهل بيت نبينا“ .
واعلموا - أيها المتعلمون- أن العلم لا ينال إلا بالتواضع وإلقاء السمع : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) .
واعلموا أيضاً أن العلم والمعصية لا يجتمعان، قال الإمام الشافعي رحمه الله:
شكوتُ إلى وكيعٍ سُوءَ حفظي فأرشدني إلى تَرْكِ المعاصي
وأخبرني بأن العلْمَ نـــورٌ ونورُ اللهِ لا يُهدَى لعاصِي

ثم إن عليك أيها المتعلم أنْ تكثر من الحفظ، ولا تعتمد على الكتابة وحدها فلئن قيل:
العِلْمُ صَيْدٌ والكِتابةُ قَيْدُهُ قَيـِّدْ صُيُودَكَ بالحبالِ الوَاثقةْ

فقد قيل أيضاً:
عِلْمِي مَعي حيثُما يَممتُ أحملُـــهُ بَطْنِي وِعاءٌ له لا بَطْنُ صُنْــــدُوقِ
إنْ كُنتُ في البيتِ كان العِلْمُ فيهِ مَعي أو كنتُ في السوقِ كان العلمُ في السوقِ

واعلموا أن الاهتمام بالشكل والمظهر مطلوب ومحمود، ولكن لا ينبغي أن نغْرَقَ في الشكل والمظهر على حساب الجوهر والمضمون فقد قال صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلاَ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ “ وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ“ .

اللهم ارزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، والإخلاص في القول والعمل.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم .