أحمد سعد الدين
02-03-2005, 12:57 PM
الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله القائل: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً رسولُ الله القائل: (( الوالدُ أوسطُ أبوابِ الجنة، فإنْ شئتَ فأضِعْ ذلك البابَ أو احفظْه)) اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على هذا النبي العظيم الذي أرسلتَه رحمةً للعالمين، وارض اللهمَّ بفضلك عن آل نبيك الأطهار، وصحبه الأبرار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عبادَ الله:
أوصيكم –ونفسي- بتقوى الله، فإن التقوى شعارُ المؤمنين، ودثارُ الصالحين، ووصيةُ الله في الناس أجمعين، قال تعالى:(وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتاَبَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ)
أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون: إن ظاهرة العقوق قد فشت في الأمة بصورة لم تعهد من قبل، وكثرت شكاوى الآباء والأمهات، وإذا كنا قد تحدثنا في الجمعة الماضية عن حقوق الأولاد على والديهم فمن المناسب أن نتناول في هذه الخطبة حقوق الآباء على أولادهم والآية الكريمة التي سمعتموها (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) أصل كبير في بر الوالدين حيث يوصينا ربنا تبارك وتعالى فيها ويأمرنا بأمرين اثنين:
أما الأمر الأول:
فهو عبادةُ الله وحدَه، لأنه ربُّ العالمين، الذي خلق الإنسانَ من عَدَم، ونفخَ فيه الروحَ، وسخَّر له ما في الكون من أجل أن يحقق غاية الخلق، وهي: معرفتُهُ سبحانه وعبادتُه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنـسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُون إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)
وأما الأمر الثاني:
فهو الإحسانُ إلى الوالدين وبرُّهما، وبذلُ كلِّ غالٍ ونفيسٍ من أَجْلِ إسعادهما، لأنهما السببُ في وجوده، وتربيةِ جَسَدِه، وانضاجِ عقله، واطمئنانِ نفسه، يومَ كان لا يملك لنفسه جلبَ نفع، ولا دفع ضرّ، فلم يكنْ أحدٌ بعد الله تعالى أعظمَ فضلاً عليه منهما، لذلك كان حقُّهما عليه كبيراً، والواجبُ تُجاههما عظيماً، وقد أمَرَهُ تعالى بالتذلل عندهما، وخفضِ الجناح لهما، رأفةً ورحمةً بهما، وحرَّم عليه أذيتَهُمَا، بأي كلمة مهما صَغُرَتْ، وبأي فعلة مهما دقَّت.
أيها الإخوة المؤمنون:
إنَّ الله تعالى يؤكِّد معنى الآيةِ الأولى بآية ثانية في سورة لقمان، حيثُ قَرَنَ شكرَهُ جلّ جلاله بشـكرِهما بقوله: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) فلم يقبلِ اللهُ شكرَه له دونَ شكرِهِما، وفي هذا يقول حَبْرُ الأمة ابنُ عباس –رضي الله عنهما- ((ثلاثُ آياتٍ نزلتْ مقرونةً بثلاثٍ، لا تُقْبَلُ منها واحدة بغير قرينتها (إحداها) قولُ الله تعالى (وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)فمن أطاع الله ولم يُطعِ الرسولَ لم يُقبلْ منه، (الثانية) قولُ الله تعـالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآَتُوا الزَّكَاةَ) فمن صلى ولم يزكِّ لم يُقبلْ منه (الثالثة) قول الله تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)فمن شَكَرَ الله ولم يَشكرْ لوالديه لم يُقبلْ منه .
وقد جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين في القرآن العظيم، بعد الأمر بعبادة الله وتوحيده، قال الله تعالى:(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) كما ذُكر عقوقُ الوالدين بعد الشرك مباشرة في تصنيف الكبائر، حيث قالصلى الله عليه وسلم : ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين…. الحديث))
ولهذا فقد جعلَ المصطفىصلى الله عليه وسلم برَّ الوالدين في الدرجة الثانية من لائحة أعظمِ الأعمال وأحبِّها إلى الله تعالى، بعد الصلاةِ التي هي رأسُ العبادة، وأعظمُ دعائم الدين، قال عبدُ الله بنُ مسعود-رضي الله عنه: سألت النبيصلى الله عليه وسلم : أيُّ العملِ أحبُّ إلى الله عز وجل؟، قال: ((الصلاةُ على وقتها، قلت: ثم أيّ؟ قال: برُّ الوالدين، قلتُ: ثم أيّ؟ قال: الجهادُ في سبيل الله)) ففضَّل برَّ الوالدين على الجهادِ في سبيل الله تعالى، وفي موطن آخر: جعل برهما وخدمتهما جهاداً ومجاهدة، جاء رجلٌ يستأذن النبيَّصلى الله عليه وسلم في الجهاد معه، فقال النبيصلى الله عليه وسلم : ((أحيٌّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهِدْ)) وأما من جاهَدَ بغير رضاهمِا فقُتل في الجهاد، فأمره إلى الله، سُئِلَ ابن عباس –رضي الله عنهما- عن أصحاب الأعراف منْ هُمْ ، وما الأعرافُ! فقال: ((أما الأعرافُ فهو جبلٌ بين الجنة والنار، وإنما سُميَ الأعرافَ لأنه مشرفٌ على الجنة والنار، وعليه أشجارٌ وثمارٌ وأنهارٌ وعيونٌ، وأما الرجالُ الذين يكونون عليه فهم رجالٌ خرجوا إلى الجهاد بغير رضا آبائهم وأمهاتِهم، فقُتِلوا في الجهاد، فمَنَعَهُمْ القتلُ في سبيل الله عن دخول النار، ومنَعَهُمْ عقوقُ الوالدين عن دخول الجنة، فهم على الأعراف حتى يقضيَ اللهُ فيهم أمرَهُ)) .
جاء رجل إلى النبيصلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي أخذ كل مالي.! فقال النبيصلى الله عليه وسلم : ((اذهبْ فأتِني بأبيك، فنـزل جبريلُ عليه السلام على النبيصلى الله عليه وسلم فقال: إن الله عز وجل يُقرِئُك السلام، ويقولُ لك: إذا جاءكَ الشيخُ فسَلْهُ عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أُذناه، فلما جاء الشيخُ قال النبيصلى الله عليه وسلم : ما بالُ ابنِكَ يشكوك، تريد أن تأخذَ مالَه؟ قال: سَـلْه يا رسول الله هل أنفقتُهُ إلا على عمَّاته وخالاته أو على نفسي! فقال النبيصلى الله عليه وسلم : إيه، دعنا من هذا، وأخبرني عن شيء قلتَهُ في نفسك لم تسـمعْهُ أذناك، فقال: والله يا رسول الله، ما يزال اللهُ يَزيدُنا بك يقيناً، لقد قلتُ في نفسي شيئاً ما سمعتْهُ أذناي: فقال: قلْ وأنا أسمع)) فقال:
غذوتُكَ مولوداً وعِلْتُـكَ يافِـعاً تَعُـلُّ بِما أجني عليك وتَنْهَـلُ
إذا ليلةٌ ضافَتْكَ بالسُّـقمِ لم أَبِتْ لسُــقمِكَ إلا سـاهراً أتَمَلْمـلُ
كأني أنا المطروقُ دونك بالـذي طُـرِقْتَ بـه دوني فَعَيْـنِيَ تَهمـلُ
تخافُ الردى نفسـي عليك وإنّها لتعـلمَ أن المـوتَ وقـتٌ مؤجَّـلُ
فلما بلغتَ السنَّ والغـايةَ التـي إليها مدى مـا كنتُ فيـكَ أؤمـلُ
جعلتَ جزائي غلظـةً وفظـاظةً كـأنَّـكَ أنـتَ المنعـمُ المتفضـلُ
فليتكَ إذْ لم تَرْعَ حـقَّ أُبوَّتـي فعلتَ كمـا الجارُ المصاقبُ يفعلُ
فأوليتني حقَّ الـجـوارِ ولم تكنْ عليَّ بِمـالٍ دونَ مالـكَ تبـخـلُُ
فأخذ النبيصلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه وقال له: أنتَ ومالُكَ لأبيك)) . أيها الإخوة الأحبة: اسمعوا كيف كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبرون والديهم ، هذا أبو هريرة رضي الله عنه كان إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب حجرة أمه فقال: السلام عليك -يا أماه- ورحمة الله وبركاته فتقول: وعليك السلام –يا ولدي- ورحمة الله وبركاته، فيقول : رحمك الله كما ربيتني صغيراً ،فتقول : رحمك الله كما بررتني كبيراً.
وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما طلبت منه أمه الماء في ليلة من الليالي ، ذهب ليأتي به ، فلما رجع وجدها نائمة، فوقف عند رأسها يحمل الماء إلى الصباح. وبرُّ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بأمه ووقوفه يحمل الماء ليلاً وهي نائمة يذكرنا بأصحاب الغار الذين أطبقت عليهم الصخرة فسدت باب الغار، ودعوا الله بصالح أعمالهم وكان أحدهم قد وقف هذا الموقف البار النادر ، يحمل اللبن ينتظر استيقاظ والديه ، ففرج الله عنهم بهذا البر، وأزيحت الصخرة بدعواتهم جميعاً. وهذا أويس القرني رحمه الله آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وأراد الهجرة، ولكن لم يجد من يقوم بخدمة أمه لو تركها ، فآثر برها على الهجرة، فاستحق بالبر والصدق البشاراتِ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما ورد في صحيح مسلم وغيره، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (( يأتي عليكم أويسُ بن عامر مع أمداد من أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرئ منه إلا موضع درهم، له والدةٌ هو بها بَرٌّ، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعتَ أن يستغفرَ لك فافعل)).
أيها الأحبة الكرام :
إن أكبرَ الكبائر بعدَ الإشراكِ بالله تعالى عقوقُ الوالدين، والعاقُّ لوالديه لا يدخل الجنة قالصلى الله عليه وسلم ((لا يدخلُ الجنةَ عاقٌّ ولا مَنَّانٌ ولا مُدْمِنُ خمرٍ)) ولسوف يلقى العاقُّ جزاءَ عُقوقه، حيثُ يَشقى في الدنيا، ويَصْلى في الآخرة نارَ جهنم، أما شقاءُ الدنيا فقد أوضحه رسولُ اللهصلى الله عليه وسلم بقوله: ((كلُّ الذنوبِ يغفرُ اللهُ منها ما يشاء إلا عقوقَ الوالدين، فإنه يُعجَّل لصاحبه في الحياة قبل الممات)) ومن شقائه في الدنيا أنْ يعقَّـه ولدُه جزاءً وفاقاً، واسمعوا -أيها الإخوة الكرام- هذه القصة الواقعية: روي أن شاباً أصاب والدَهُ الخرفُ (أي: فسد عقله من الكِبَر)، وتضايقت زوجتُهُ من أبيه كثيراً، فألَحَّتْ على زوجها بأن يتخلص من أبيه، فاستجاب الشابُّ لطلب زوجته، فأخذ أباه إلى منطقة جبلية، ثم تركه وهرب، والأبُ يستغيث فلا يُغاثُ، ولم يَعرفْ بعدها ما حلَّ بأبيه، ثم مرَّت الأيامُ، وكَبِرَ الابنُ، وصار أباً، وأصابه الخَرَف الذي أصاب والدَهُ، وماتت زوجتُه، فتضايقت منه زوجةُ ابنه أيضاً، وألَحَّتْ على زوجها بأن يتخلص من أبيه، فأخذ والدَهُ إلى المنطقة نفسها التي ترك فيها الشيخُ أباه، ثم تركه وولى، فناداه أبوه، وتوسل إليه بأن يضعَهُ في غير هذا المكان، وأشار إلى مكان قريبٍ منه، فسأله الابنُ ولماذا؟ وما الفرق بين هذا المكان وذاك؟ قال: لأنني تركتُ جدَّك في ذلك المكان، فلما سمع الابنُ كلامَ أبيه ندم وخاف انتقامَ الله منه، ورجع بأبيه إلى البيت، وقال لزوجته: إن شئتِ بقيتِ معي ومع أبي، وإلا فانصرفي إلى أهلِك.
أيها الإخوة الكرام:
البرُّ لا يبلى، والذنبُ لا يُنسى، والديَّانُ لا يموت، اعمل ما شئت، كما تَدين تُدانُ، لقد أخذ الابنُ العبرةَ، وعلم أنه لا بد أن يَحلَّ به ما حل بأبيه وجده إن هو سار على طريقهما، والسعيد من اتعظ بغيره، ومن برَّ أباه برَّه أبناؤه.
وأما عذاب الآخرة، فقد أشار إليه رسولُ اللهصلى الله عليه وسلم بقوله: ((لا يدخلُ الجنةَ عاقٌّ ولا منَّانٌ ولا مدمنُ خمرٍ)) وحَسْبُ العاقِّ نكداً وخسراناً، أن يبوءَ بسخطِ الله ويُحْرَمَ من رضائه، فرضا الله في رضا الوالدين، وسخطُه في سخطهما. فاحرِصوا -عباد الله- كلَّ الحرص على رضا الوالدين، واحذروا كلَّ الحذر من عقوقهما، فهما الجنةُ والنارُ، جاء رجل إلى النبيصلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: أرأيتَ إذا صليتُ الصلواتِ الخمـس، وصمتُ رمضانَ، وأديتُ الزكاةَ، وحججتُ البيتَ، فماذا لي؟ فقـال: رسـولُ اللهصلى الله عليه وسلم : (( من فعل ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحينَ إلا أنْ يعقَّ والديه)) .
نسأل اللهَ العظيمَ أن يوفقَنا لبرهما، حتى نفوزَ برضاه، وأن يقيَنا عقوقَهُما، حتى نتجنبَ سخطَه، إنه جوادٌ كريمٌ رؤوفٌ رحيم.
أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم
عبادَ الله:
أوصيكم –ونفسي- بتقوى الله، فإن التقوى شعارُ المؤمنين، ودثارُ الصالحين، ووصيةُ الله في الناس أجمعين، قال تعالى:(وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتاَبَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ)
أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون: إن ظاهرة العقوق قد فشت في الأمة بصورة لم تعهد من قبل، وكثرت شكاوى الآباء والأمهات، وإذا كنا قد تحدثنا في الجمعة الماضية عن حقوق الأولاد على والديهم فمن المناسب أن نتناول في هذه الخطبة حقوق الآباء على أولادهم والآية الكريمة التي سمعتموها (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) أصل كبير في بر الوالدين حيث يوصينا ربنا تبارك وتعالى فيها ويأمرنا بأمرين اثنين:
أما الأمر الأول:
فهو عبادةُ الله وحدَه، لأنه ربُّ العالمين، الذي خلق الإنسانَ من عَدَم، ونفخَ فيه الروحَ، وسخَّر له ما في الكون من أجل أن يحقق غاية الخلق، وهي: معرفتُهُ سبحانه وعبادتُه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنـسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُون إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ)
وأما الأمر الثاني:
فهو الإحسانُ إلى الوالدين وبرُّهما، وبذلُ كلِّ غالٍ ونفيسٍ من أَجْلِ إسعادهما، لأنهما السببُ في وجوده، وتربيةِ جَسَدِه، وانضاجِ عقله، واطمئنانِ نفسه، يومَ كان لا يملك لنفسه جلبَ نفع، ولا دفع ضرّ، فلم يكنْ أحدٌ بعد الله تعالى أعظمَ فضلاً عليه منهما، لذلك كان حقُّهما عليه كبيراً، والواجبُ تُجاههما عظيماً، وقد أمَرَهُ تعالى بالتذلل عندهما، وخفضِ الجناح لهما، رأفةً ورحمةً بهما، وحرَّم عليه أذيتَهُمَا، بأي كلمة مهما صَغُرَتْ، وبأي فعلة مهما دقَّت.
أيها الإخوة المؤمنون:
إنَّ الله تعالى يؤكِّد معنى الآيةِ الأولى بآية ثانية في سورة لقمان، حيثُ قَرَنَ شكرَهُ جلّ جلاله بشـكرِهما بقوله: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) فلم يقبلِ اللهُ شكرَه له دونَ شكرِهِما، وفي هذا يقول حَبْرُ الأمة ابنُ عباس –رضي الله عنهما- ((ثلاثُ آياتٍ نزلتْ مقرونةً بثلاثٍ، لا تُقْبَلُ منها واحدة بغير قرينتها (إحداها) قولُ الله تعالى (وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)فمن أطاع الله ولم يُطعِ الرسولَ لم يُقبلْ منه، (الثانية) قولُ الله تعـالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآَتُوا الزَّكَاةَ) فمن صلى ولم يزكِّ لم يُقبلْ منه (الثالثة) قول الله تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)فمن شَكَرَ الله ولم يَشكرْ لوالديه لم يُقبلْ منه .
وقد جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين في القرآن العظيم، بعد الأمر بعبادة الله وتوحيده، قال الله تعالى:(وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) كما ذُكر عقوقُ الوالدين بعد الشرك مباشرة في تصنيف الكبائر، حيث قالصلى الله عليه وسلم : ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين…. الحديث))
ولهذا فقد جعلَ المصطفىصلى الله عليه وسلم برَّ الوالدين في الدرجة الثانية من لائحة أعظمِ الأعمال وأحبِّها إلى الله تعالى، بعد الصلاةِ التي هي رأسُ العبادة، وأعظمُ دعائم الدين، قال عبدُ الله بنُ مسعود-رضي الله عنه: سألت النبيصلى الله عليه وسلم : أيُّ العملِ أحبُّ إلى الله عز وجل؟، قال: ((الصلاةُ على وقتها، قلت: ثم أيّ؟ قال: برُّ الوالدين، قلتُ: ثم أيّ؟ قال: الجهادُ في سبيل الله)) ففضَّل برَّ الوالدين على الجهادِ في سبيل الله تعالى، وفي موطن آخر: جعل برهما وخدمتهما جهاداً ومجاهدة، جاء رجلٌ يستأذن النبيَّصلى الله عليه وسلم في الجهاد معه، فقال النبيصلى الله عليه وسلم : ((أحيٌّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهِدْ)) وأما من جاهَدَ بغير رضاهمِا فقُتل في الجهاد، فأمره إلى الله، سُئِلَ ابن عباس –رضي الله عنهما- عن أصحاب الأعراف منْ هُمْ ، وما الأعرافُ! فقال: ((أما الأعرافُ فهو جبلٌ بين الجنة والنار، وإنما سُميَ الأعرافَ لأنه مشرفٌ على الجنة والنار، وعليه أشجارٌ وثمارٌ وأنهارٌ وعيونٌ، وأما الرجالُ الذين يكونون عليه فهم رجالٌ خرجوا إلى الجهاد بغير رضا آبائهم وأمهاتِهم، فقُتِلوا في الجهاد، فمَنَعَهُمْ القتلُ في سبيل الله عن دخول النار، ومنَعَهُمْ عقوقُ الوالدين عن دخول الجنة، فهم على الأعراف حتى يقضيَ اللهُ فيهم أمرَهُ)) .
جاء رجل إلى النبيصلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي أخذ كل مالي.! فقال النبيصلى الله عليه وسلم : ((اذهبْ فأتِني بأبيك، فنـزل جبريلُ عليه السلام على النبيصلى الله عليه وسلم فقال: إن الله عز وجل يُقرِئُك السلام، ويقولُ لك: إذا جاءكَ الشيخُ فسَلْهُ عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أُذناه، فلما جاء الشيخُ قال النبيصلى الله عليه وسلم : ما بالُ ابنِكَ يشكوك، تريد أن تأخذَ مالَه؟ قال: سَـلْه يا رسول الله هل أنفقتُهُ إلا على عمَّاته وخالاته أو على نفسي! فقال النبيصلى الله عليه وسلم : إيه، دعنا من هذا، وأخبرني عن شيء قلتَهُ في نفسك لم تسـمعْهُ أذناك، فقال: والله يا رسول الله، ما يزال اللهُ يَزيدُنا بك يقيناً، لقد قلتُ في نفسي شيئاً ما سمعتْهُ أذناي: فقال: قلْ وأنا أسمع)) فقال:
غذوتُكَ مولوداً وعِلْتُـكَ يافِـعاً تَعُـلُّ بِما أجني عليك وتَنْهَـلُ
إذا ليلةٌ ضافَتْكَ بالسُّـقمِ لم أَبِتْ لسُــقمِكَ إلا سـاهراً أتَمَلْمـلُ
كأني أنا المطروقُ دونك بالـذي طُـرِقْتَ بـه دوني فَعَيْـنِيَ تَهمـلُ
تخافُ الردى نفسـي عليك وإنّها لتعـلمَ أن المـوتَ وقـتٌ مؤجَّـلُ
فلما بلغتَ السنَّ والغـايةَ التـي إليها مدى مـا كنتُ فيـكَ أؤمـلُ
جعلتَ جزائي غلظـةً وفظـاظةً كـأنَّـكَ أنـتَ المنعـمُ المتفضـلُ
فليتكَ إذْ لم تَرْعَ حـقَّ أُبوَّتـي فعلتَ كمـا الجارُ المصاقبُ يفعلُ
فأوليتني حقَّ الـجـوارِ ولم تكنْ عليَّ بِمـالٍ دونَ مالـكَ تبـخـلُُ
فأخذ النبيصلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه وقال له: أنتَ ومالُكَ لأبيك)) . أيها الإخوة الأحبة: اسمعوا كيف كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبرون والديهم ، هذا أبو هريرة رضي الله عنه كان إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب حجرة أمه فقال: السلام عليك -يا أماه- ورحمة الله وبركاته فتقول: وعليك السلام –يا ولدي- ورحمة الله وبركاته، فيقول : رحمك الله كما ربيتني صغيراً ،فتقول : رحمك الله كما بررتني كبيراً.
وهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما طلبت منه أمه الماء في ليلة من الليالي ، ذهب ليأتي به ، فلما رجع وجدها نائمة، فوقف عند رأسها يحمل الماء إلى الصباح. وبرُّ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بأمه ووقوفه يحمل الماء ليلاً وهي نائمة يذكرنا بأصحاب الغار الذين أطبقت عليهم الصخرة فسدت باب الغار، ودعوا الله بصالح أعمالهم وكان أحدهم قد وقف هذا الموقف البار النادر ، يحمل اللبن ينتظر استيقاظ والديه ، ففرج الله عنهم بهذا البر، وأزيحت الصخرة بدعواتهم جميعاً. وهذا أويس القرني رحمه الله آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وأراد الهجرة، ولكن لم يجد من يقوم بخدمة أمه لو تركها ، فآثر برها على الهجرة، فاستحق بالبر والصدق البشاراتِ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما ورد في صحيح مسلم وغيره، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (( يأتي عليكم أويسُ بن عامر مع أمداد من أهل اليمن، من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرئ منه إلا موضع درهم، له والدةٌ هو بها بَرٌّ، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعتَ أن يستغفرَ لك فافعل)).
أيها الأحبة الكرام :
إن أكبرَ الكبائر بعدَ الإشراكِ بالله تعالى عقوقُ الوالدين، والعاقُّ لوالديه لا يدخل الجنة قالصلى الله عليه وسلم ((لا يدخلُ الجنةَ عاقٌّ ولا مَنَّانٌ ولا مُدْمِنُ خمرٍ)) ولسوف يلقى العاقُّ جزاءَ عُقوقه، حيثُ يَشقى في الدنيا، ويَصْلى في الآخرة نارَ جهنم، أما شقاءُ الدنيا فقد أوضحه رسولُ اللهصلى الله عليه وسلم بقوله: ((كلُّ الذنوبِ يغفرُ اللهُ منها ما يشاء إلا عقوقَ الوالدين، فإنه يُعجَّل لصاحبه في الحياة قبل الممات)) ومن شقائه في الدنيا أنْ يعقَّـه ولدُه جزاءً وفاقاً، واسمعوا -أيها الإخوة الكرام- هذه القصة الواقعية: روي أن شاباً أصاب والدَهُ الخرفُ (أي: فسد عقله من الكِبَر)، وتضايقت زوجتُهُ من أبيه كثيراً، فألَحَّتْ على زوجها بأن يتخلص من أبيه، فاستجاب الشابُّ لطلب زوجته، فأخذ أباه إلى منطقة جبلية، ثم تركه وهرب، والأبُ يستغيث فلا يُغاثُ، ولم يَعرفْ بعدها ما حلَّ بأبيه، ثم مرَّت الأيامُ، وكَبِرَ الابنُ، وصار أباً، وأصابه الخَرَف الذي أصاب والدَهُ، وماتت زوجتُه، فتضايقت منه زوجةُ ابنه أيضاً، وألَحَّتْ على زوجها بأن يتخلص من أبيه، فأخذ والدَهُ إلى المنطقة نفسها التي ترك فيها الشيخُ أباه، ثم تركه وولى، فناداه أبوه، وتوسل إليه بأن يضعَهُ في غير هذا المكان، وأشار إلى مكان قريبٍ منه، فسأله الابنُ ولماذا؟ وما الفرق بين هذا المكان وذاك؟ قال: لأنني تركتُ جدَّك في ذلك المكان، فلما سمع الابنُ كلامَ أبيه ندم وخاف انتقامَ الله منه، ورجع بأبيه إلى البيت، وقال لزوجته: إن شئتِ بقيتِ معي ومع أبي، وإلا فانصرفي إلى أهلِك.
أيها الإخوة الكرام:
البرُّ لا يبلى، والذنبُ لا يُنسى، والديَّانُ لا يموت، اعمل ما شئت، كما تَدين تُدانُ، لقد أخذ الابنُ العبرةَ، وعلم أنه لا بد أن يَحلَّ به ما حل بأبيه وجده إن هو سار على طريقهما، والسعيد من اتعظ بغيره، ومن برَّ أباه برَّه أبناؤه.
وأما عذاب الآخرة، فقد أشار إليه رسولُ اللهصلى الله عليه وسلم بقوله: ((لا يدخلُ الجنةَ عاقٌّ ولا منَّانٌ ولا مدمنُ خمرٍ)) وحَسْبُ العاقِّ نكداً وخسراناً، أن يبوءَ بسخطِ الله ويُحْرَمَ من رضائه، فرضا الله في رضا الوالدين، وسخطُه في سخطهما. فاحرِصوا -عباد الله- كلَّ الحرص على رضا الوالدين، واحذروا كلَّ الحذر من عقوقهما، فهما الجنةُ والنارُ، جاء رجل إلى النبيصلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: أرأيتَ إذا صليتُ الصلواتِ الخمـس، وصمتُ رمضانَ، وأديتُ الزكاةَ، وحججتُ البيتَ، فماذا لي؟ فقـال: رسـولُ اللهصلى الله عليه وسلم : (( من فعل ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحينَ إلا أنْ يعقَّ والديه)) .
نسأل اللهَ العظيمَ أن يوفقَنا لبرهما، حتى نفوزَ برضاه، وأن يقيَنا عقوقَهُما، حتى نتجنبَ سخطَه، إنه جوادٌ كريمٌ رؤوفٌ رحيم.
أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم