مشاهدة النسخة كاملة : صفات المسلم كما يجب أن تكون
أحمد سعد الدين
02-03-2005, 11:28 AM
الحمد لله ربِّ العالمين، ياربِّ لك الحمدُ كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ، يحيي ويميت وهُو على كل شئ قدير، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُ الله ورسولُه، وصَفِيُّهُ مِنْ خلْقه وخليلُه، بلَّغ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَحَ الأُمَّةَ، وكشف الغُمَّةَ، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، اللهمّ صلِّ وسلِّمْ وباركْ على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله: أوصيكم ونفسى بتقوى الله عز وجل، وأحثكم على طاعته وطاعة رسوله . أما بعد: فإنَّ المتأملَ في تاريخ الإسلام وانتشارِ دعوتِه في الأرضِ يَجِدُ أنَّ الأخلاقَ الحسنة وفي مقدمتها التواضعُ، وخَفْضُ الجَناحِ للمؤمنين، ولِينُ الجانب كان لها أثرٌ في نَشْرِ الإسلامِ، وتحْبِيبِهِ إلى الناس، وترغيبِهم فيه، والتفافِهم حوْلَه، واعتناقِهم لشرائعه. قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ وقـال تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ . فالناس جميعاً سواسية، ربهم واحد وأبوهم واحد، فعلاَمَ التكبر؟ وقال تعالى في وصف المؤمنين: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ . أذلة على المؤمنين: أي عاطفين متواضعين، أعزة على الكافرين: أي أقويـاء متغلبين، ونظيره قوله تعـالى : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ . وقال رسول الله : ((إنَّ اللهَ أوْحَى إليَّ أنْ تَواضَعُوا حتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ على أَحَدٍ، ولاَ يَبْغِيَ أَحَدٌ علَى أَحَدٍ)) .
والحقُّ – أيها الإخوة المؤمنون – أنَّ انتشاراتِ الإسلامِ وانتصاراتِه، ورِفْعَةَ أهلِه وعُلُوَّ راياتِه هي سُنَّة الله في التواضع والمتواضعين. قال رسول الله : ((مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مالٍ، ومازادَ اللهُ عبداً بعفوٍ إلاَّ عِزاًّ، وماتَواضَعَ أَحَدٌ للهِ إلاَّ رَفَعَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ)) .
ولاَ يَحْسَبَنَّ أَحَدٌ أَنَّ رفعةَ التواضع والمتواضعين تقفُ عند حدود الحياة الدنيا! كَلاَّ، كَلاَّ، إِنَّ هذه الرفعةَ تتجاوز الدنيا إلى الآخرة، لاَ بلْ إِنَّ الدار الآخرة كُلَّها جعلها اللهُ لأهل التواضع الذين لا يُريدون عُلُوًّا في الأرض ولا فساداً كدأْب فرعونَ وقارونَ وغيرهما مِنْ أهلِ التكبر والتجبر على عباد الله.
قال تعالى في عاقبة أهلِ التواضع بعد أنْ بيَّن عاقبةَ أهلِ التكبر والتجبر الذين خَسَفَ بهم وبدارهم الأرضَ: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . وقال رسول الله : إنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إليَّ وأَقْرَبِكُمْ منِّي مجلساً يومَ القيامةِ أحَاسنكم أخلاقاً، وإنَّ أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا: يارسول الله قد علمنا الثرثارين والمتشدقين فما المتفيهقون؟ قال: ((المتكبرون)) ..
أيها الإخوة المؤمنون: والمتأملُ في سيرة النبي الأعظم والرسولِ الأكرمِ سيدِ ولدِ آدمَ يجدُ صوراً عجيبةً من التواضع تستحقُّ أنْ نقفَ عندها طويلاً لنتعلم كيف نتواضع لله، وكيف نتواضع لأهلنا وفي بيوتنا، وكيف نتواضع لأصحابنا وأحبابنا والناس أجمعين، وكيف نُصلِحُ بالتواضع دنيانا التي فيها معاشُنا وآخرتَنا التي فيها معادُنا. في الصورة الأولى من صور تواضعه نجده يقف بباب ربه بِضَعْفٍ وافتقار، وخُضوعٍ وانكسار، يرجو رحمته ويخشى عذابه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان فيما دعا به رسولُ الله في حجة الوداع: ((اللهم إنك تسمعُ كلامي، وترى مكاني، وتعلمُ سِرِّي وعلانيتي، ولا يَخْفَى عليك شيء من أَمْري، أناَ البائسُ الفقيرُ، المستغيثُ المستجيرُ، الوجِلُ المشفقُ، المقِرُّ المعترفُ بذنبهِ، أسألك مسألةَ المسكين، وأبتهلُ إليك ابتهالَ الذليل، وأدعوكَ دعاءَ الخائفِ الضرير، مَنْ خَضَعَتْ لكَ رَقَبَتُه، وفاضتْ لك عَبْرتُهُ، وذَلَّ لكَ جسدُه ورَغِمَ لكَ أَنْفُه، اللهم لا تجعلْني بدعائكَ ربِّ شقيا، وكُنْ بي رؤوفاً رحيماً، يا خيرَ المسؤولين، ويا خيرَ المعطين)) ..
عباد الله: هكذا يكون التواضُع لله، بالخضوع لعظمته، والتذلل في ساحة عبوديته، والافتقار إلى عفوه ورحمته، والفزع إلى حوله وقوته. وفي الصورة الثانية من صور تواضعه نجده بَشَراً من البشر لاَ يأْنَفُ مِنْ خِدمة أَهْلِهِ وهُوَ سيدُ الأولين والآخرين.
سُئِلَتْ عائشةُ رضي الله عنها: ((ما كان النبي يَصْنَعُ في بيته؟ قالتْ: كان يكونُ في مِهْنةِ أهلِه " يعني خِدْمَةَ أَهْلِه " فإذا حضرتِ الصلاةُ خرجَ إلى الصلاة)) . وقيل لعائشة رضي الله عنها: ((ماذا كان يعمل رسول الله في بيته؟ قالت: كانَ بَشَراً من البَشَرِ، يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، ويَخْدِمُ نَفْسَهُ)) .
وفي الصورة الثالثة من صُور تواضعه نجده مع أصحابه كواحد منهم، لا يتكلف ولا يتزمت، بلْ يَتَبَسَّطُ معهم، ولا يترفع عليهم.
يقول خارجة بن زيدِ بنِ ثابت: دَخَلَ نَفرٌ علَى زيد بن ثابت فقالوا له: حَدِّثْنَا أَحاديثَ رسول الله ، قال: ((ماذا أُحَدِّثُكُمْ، كنتُ جارَه، فكان إذا نَزَلَ عليه الوحيُ بَعَثَ إليَّ فكتبْتُه له، فكان إذا ذَكَرْنَا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذَكَرْنَا الآخرةَ ذكرها معنا، وإذا ذَكَرْنَا الطعامَ ذَكَرَهُ معنا، فكُلُّ هذا أُحَدِّثُكُمْ عن رسول الله )) .
وفي الصورة الرابعة من صُور تواضعه نجده لكمال تواضعه يُفْشي السلامَ على الصبيان، ويعودُ المرضى، ويُشيِّعُ الجنائز، ويُجيبُ الدعوةَ ولو إلى شئ بسيط من الطعام، ويَقْبَلُ الهدية، ويَرْكَبُ الحمارَ، ويمشِي في الأسواق، ويَحْمِلُ متاعَه بنفسه. عن أنس رضي الله عنه أنَّه مرَّ علَى صبيان فسلَّم عليهم، وقال: ((كان النبي يفعله)) . وعنه رضي الله عنه قال: ((إِنْ كانتِ الأَمَةُ مِنْ إماء المدينة لتأخذ بيد النبي فتنطلق به حيثُ شاءتْ)) . وعنه رضي الله عنه قال: (( كان يَعُودُ المريضَ، ويَتَّبِعُ الجنازة، ويُجيبُ دعوةَ المملوك، ويَرْكَبُ الحمارَ، لقد رأيتُه يومَ خَيْبرَ على حمارٍ خِطامُهُ لِيفٌ)) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: ((لَوْ دُعِيتُ إلى كُرَاعٍ أو ذراعٍ لأجبتُ، ولوْ أُهْدِيَ إليَّ ذِراعٌ أو كُراعٌ لَقَبِلْتُ)) . وعنه رضي الله عنه قال: دخلتُ يوماً السُّوقَ مع رسول فجلس إلى البزَّازينَ . فاشْترَى سَراويلَ بأربَعة دراهم، وكان لأهل السوق وَزَّانٌ فقال له : ((زِنْ وأَرْجِحْ)) . وأَخَذَ رسولُ الله السراويلَ فذهبتُ لأَحْمِلَ عنه فقال: ((صاحِبُ الشئ أَحَقُّ بشيئه أَنْ يَحْمِلَهُ إِلاَّ أَنْ يكون ضَعيفًَا فيَعْجِزَ عنه فَيُعِينَهُ أخوه المسلم)) .
وفي الصورة الخامسة من صُور تواضعه نجده يوم الفتح والنصر والظَّفَر يتَنسَّكُ وَيَتَخَشَّعُ ويَضَعُ رأسَهُ تواضُعاً لله. يقول أنس رضي الله عنه: لَمَّا دَخَلَ رسولُ الله مكة استَشَرَفَهُ الناسُ . ((فَوَضَعَ رَأْسَهُ على رَحْلِهِ تَخَشُّعًا)) .
وفي رواية: ((وَإنَّ رسولَ الله ليضعُ رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح)) . وعن ابن مسعود رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً كَلَّمَ رسولَ الله يوم الفتح فأَخَذتْهُ الرعدة، فقال النبي : ((هَوِّنْ عليكَ فإني لستُ بملكٍ، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد)) .
أيها الإخوة المؤمنون: هذا هُوَ التواضعُ الذي أُمِرْنا به، وهذه هي معالمه، وهذه هي صوره ونماذجه المشرقة التي يجب التأسي بها: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا .
نسأل الله سبحانه وتعالى من فضله أن يجعلنا من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم .
أحمد سعد الدين
02-03-2005, 11:41 AM
إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن سار على طريقهم وسلك سبيلهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد بُعِثََ النبي صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق، بل إنه صلى الله عليه وسلم حصر بعثته في هذه المهمة حيث قال: ((إنما بُعِثْتُ لأتمم مكارم الأخلاق)) .
ومن أمهات مكارم الأخلاق التي بُعِثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم لتتميمها الصدقُ، ونقيضُ الصدقِ الكذبُ الذي بيَّن الله تبارك وتعالى في كتابه أنه ليس من صفات المؤمنين،
قال تعالى: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلـئِكَ هُمُ الْكَاذِبُون . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يُطْبَعْ المؤمنُ على كُلِّ خُلُقٍ ليسَ الخيانةَ والكذبَ)) فالأصل في المؤمن أن يكون صادقاً لا يكذب، أميناً لا يخون، وأن يكون متأسياً في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين الذي لم يتهم قط بالكذب،كما قال الله تعالى : ( فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ ) وقال عبد الله بن سلام رضي الله عنه–الذي كان أحد أحبار يهود: ((لمَّا قَدِمَ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كنتُ فيمن انْجَفلَ[أي ذهبوا مسرعين] فلمَّا تبينتُ وَجْهَهُ عرفتُ أنَّ وَجْهَهُ ليس بوجه كذاب)) . وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((ما كان خُلُقٌ أبغضَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب، ولقد كان الرجلُ يُحدِّثُ عند النبي صلى الله عليه وسلم بالكذبة فما يزال في نفسه حتى يعلم أن قد أحدث منها توبة)) . ولقد أخبر الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم عن انتشار الكذب بعد القرون الفاضلة،فقال: ((أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمّ الّذِينَ يَلُونَهُمُ ثُمّ يَفْشُو الْكَذِبُ [أي ينتشر] حَتّى يَحْلِفَ الرّجُلُ وَلاَ يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدَ الشّاهِدُ وَلاَ يُسْتَشْهَدُ..)) . ويكفي الكذب سوءاً أنه يحول بين المسلم وبين كمال الإيمان، فعن صفوان بن سليم قال: قيل يا رسول الله أيكون المؤمن جبانا؟ قال: نعم، قيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: نعم، قيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: لا . وإذا كان هذا في التحذير من الكذب بكل أنواعه، فإن هناك أنواعاً من الكذب شدَّد الإسلام في التحذير منها، ومن ذلك الكذب على الله في التحليل والتحريم بدون دليل،
قال الله تعالى: (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ). وقال تعـالى:( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُون )َ. ومن ذلك أيضاً الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يردي صاحبه في النيران فعن علي قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((لا تكذبوا عليَّ ؛ فإنه من كذب علي فليلج النار))
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كذب عليَّ فليتبوأ مقعده من النار)) . ومن الكذب الذي شدَّد الإسلام في التحذير منه الأيمانُ الكاذبة في بيع السلعة، فعَنْ أَبِي ذَر رضي الله عنه عَنِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلّمُهُمُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" قَالَ: فقالها رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم ثَلاَثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرَ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: "الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ وَالْمَنّانُ وَالْمُنَفّقُ سِلْعَتَهُ بالحلف الكاذب"
عباد الله:
ومن أكثر أنواع الكذب انتشاراً الكذب في المزاح حيث يظن البعض أنه يحل له الكذب إذا كان مازحاً، وهو العذر الذي يستبيحون به الكذب في أول إبريل "نيسان" أو في غيره من الأيام، وهذا خطأ ولا أصل له في الشرع المطهَّر، والكذب حرام مازحاً كان صاحبه أو جادّاً،
فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إني لأمزح ولا أقول إلا حقّاً" . وعن أبي هريرة قال: قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا، قال: "إني لا أقول إلا حقا"
وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب من المزاح، ويترك المراء وإن كان صادقا" ، وكذبة إبريل هذه نوع من الجهل والمحاكاة العمياء التي تسبب أضراراً جسيمة، وكمْ رأينا وكمْ سمعنا عن العواقب السيئة لهذه الكذبة، وكم جَرَّتْ من ويلات على الناس وعلى أهل البيت الواحد، فمن الناس من أُخْبِرَ بوفاة ولده أو زوجته أو بعض محبيه فلم يحتمل الصدمة فمات، ومنهم من يخبر بإنهاء وظيفته أو بوقوع حريق أو حادث تصادم لأهله، فيصاب بشلل أو جلطة أو ما شابههما من الأمراض، وبعضُ الناسِ يُتحدث معه كذباً عن زوجته وأنها شوهدت مع رجل فيسبب ذلك قتلها أو تطليقها، وهكذا في قصص لا تنتهي وحوادث لا نهاية لها، وكله من الكذب الذي يحرمه الدين، وتأباه المروءة الصادقة. وقد رأينا كيف أن الشرع حرَّم الكذب حتى في المزاح ، وأنه نهى عن أن يُروَّع المسلم ولو بالمزاح، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا تُرَوِّعُوا المسلم فإن روعة المسلم ظلم عظيم)) فهذا شرع الله فيه الحكمة والعناية بأحوال الناس وإصلاحهم، وإضافة لخطر الكذب وإثمه، فإن في كذبة إبريل التشبه بالكافرين مع أننا نهينا عن ذلك، حيث أمرنا الله سبحانه بالسير على تعاليم دينه والصراط المستقيم ونهانا عن اتباع سبيل المغضوب عليهم وسبيل الضالين،قال الله تعالى:( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من تشبه بقوم فهو منهم" .
أيها المسلمون:
إن الإسلام يحرص على تنشئة الصغار على بغض الكذب، والتنـزه عن الوقوع فيه، ومن ثَمَّ حذر من الكذب في ملاعبة الصبيان فإنه يُكتب على صاحبه، فعن عبدالله بن عامر أنه قال: "دعتني أمي يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا، فقالت: ها تعال أعطيك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أردت أن تعطيه؟ قالت: أعطيه تمرًا، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إنك لو لم تعطه شيئا كتبت عليك كذبة" .
والويل كل الويل لمن يتفنن في الكذب لإضحاك الناس ونيل إعجابهم، فعن معاوية بن حيدة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((ويْلٌ للذي يُحدِّثُ بالحديث لِيُضْحِكَ به القومَ فيكذب، ويـل له، ويل له" . ومما ينبغي الوقوف عليه أيها الأحباب أنه لا يجوز الكذبُ إلا في مواضع معينة لا يترتب عليها أكل حقوق، ولا سفك دماء، ولا طعن في أعراض، وهذه المواضع هي: الحرب، والإصلاح بين المتخاصِمين، وكذب الزوج على زوجته والعكس لأجل المودة وعدم الشقاق، فعن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحل الكذب إلا في ثلاث : يحدث الرجل امرأته ليرضيها ، والكذب في الحرب ، والكذب ليصلح بين الناس" .
والمراد بكذب الزوج على زوجه وكذبها عليه إظهار الود والوعد بما لا يلزم ونحو ذلك، وأما المخادعة في منع ما عليه أو عليها، أو أخذ ما ليس له أو لها، فإنه يفقد الثقة بينهما.
واعلموا إخوة الإسلام أنه لا يجوز اتخاذ هذه الرخصة ذريعة للكذب فيما عدا ذلك، فعن سفيان بن أسيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق، وأنت له به كاذب" .
واعلموا يا عباد الله أن للكذب ثماراً خبيثة، وعواقب وخيمة، في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنه ينقص الرزق، فعن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((البيعان بالخيار مالم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما" . فالكذب ينـزع من الرزق البركة، ويجلب الضيق، ويزيل الثقة من الكاذب فتكسد بضاعته، وتخسر تجارته، فالموظف أو الصانع أو التاجر أو الزارع يضرهم الكذب، ويؤخرهم، ويفسد حالهم ويجعلهم عرضة للخطر، فليحذر التجار من الكذب حتى لا ينـزع الله البركة من كسبهم.
ومن آثار الكذب أنه يخلف في الفم نتناً يجعل الملائكة تنفر منه،فعن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: "إذا كَذَبَ العَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ المَلَكُ مِيلاً مِنْ نَتنِ ما جاءَ به" . ويقول الله تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشياطين. تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ . يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ .
ومن آثار الكذب في الدنيا أيضاً أن الكذاب يعيش في شك وريبة، وتكون حياته مضطربة ويتحقق فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ » . وفي هذا الحديث إشارة إلى أن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم قد حذر قبل قرون طويلة مما لم تهتد إليه البشرية إلا في العصر الحديث، حيث تقول التقارير الطبية: إن أحد مسببات القلق والضغوط النفسية هو الكذب، وباعثُه على ذلك الخوف الدائم من أن يفتضح أمره، ويظل الباعث في داخله ليستأصل من نفسه الطمأنينه والسكينة، كما بينت التقارير الطبية أن الإنسان الصادق يكون على العكس من ذلك حيث يستمتع بحياة نفسية مطمئنة، وتشير الأبحاث الطبية إلى أنه كلما كانت الكذبة شنيعة كان التأثير النفسي أشد وأنكى على الجسم.
كما أن الكذب يصبغ القلب بالسواد، فعن مالك أنه بلغه أن ابن مسعود قال: لا يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب، فتنكت في قلبه نكتة حتى يسود قلبه، فيكتب عند الله من الكاذبين" . وعن بريدة الأسلمي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ألا إن الكذب يسود الوجه، والنميمة عذاب القبر" .
والكذب أيضاً يحرمُ صاحبه من صحبة الصادقين، ويجعله في عداد المنافقين ما دام قائماً عليه، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" .
ومن آثار وعواقب الكذب في الآخرة أنه يجرُّ إلى النار، كما جاء في الحديث: "إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا" .
أيها الإخوة :
أوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعته وأحذركم ونفسي من عصيانه ومخالفة أمره: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
أحمد سعد الدين
02-03-2005, 11:44 AM
الحمدُ للهِ بجميع مَحامِدِه كُلِّها، ما علمتُ منها وما لم أَعْلم، يارَبِّ لك الحمدُ كما ينبغي لجلال وجْهِكَ وعظيمِ سلطانِك، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ، وهو على كل شئ قدير. وأشهد أنَّ سيدَنا محمداً عبدُ اللهِ ورسولُه، وصَفِيُّهُ مِن خَلْقه وخليلُه، فَتَح اللهُ به أَعْيُنًا عُمْيا، وآذاناً صُمَّا، وقلوباً غُلْفا، فبلَّغ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَحَ الأُمَّةَ، وكَشَفَ الغُمَّةَ، وجاهَدَ في الله حق جهادهِ حتى أتاهُ اليقينُ، اللهم صَلِّ وسَلِّمْ وبارِكْ على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أمَّا بعد:
فإن الصدقَ والأمانةَ مِن عزائم الدِّين وكرائم الأخلاقِ التي يتقدم بها الناسُ في الدنيا وتبَيَضُّ بها وجُوهُهم في الآخرة، والغِشّ ُ والخِداعُ من نواهي الدِّين ورذائل الأخلاقِ التي يَتَخلَّفُ بها الناسُ في الدنيا وتَسْوَدُّ بها وجُوهُهمْ في الآخرة. قال تعالى : أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ وقال: أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا، والمكْرُ والخِداعُ في النار)) . وقال : ((لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دِينَ لمن لا عَهْدَ له)) . أيها الإخوةُ المؤمنون: إنَّ الإسلامَ يَكْرهُ الغِشَّ ، ويَبْرَأُ مِنْ الغاشِّ في كُلِّ مُعامَلةٍ مادِيَّةٍ أو مَعْنَويَّةٍ، والغاشُّ الذي يتبرأ الإسلامُ منه هو كُلُّ مَنْ ألْبَسَ الباطِلَ ثَوْبَ الحقِّ ، وحَسَّنَ غيرَ الحَسَنِ، وزَيَّنَ غيْرَ المصْلَحةِ.
وتَعَالَوْا معيَ إخوةَ الإيمانِ نَسْتَعْرِضْ بعضَ صُوَرِ الغِشِّ والخِداعِ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عنْ بَيِّنَة، ويَحْيَا مَنْ حيَّ عنْ بيِّنَة.
الصورةُ الأُولى مِنْ صور الغِشِّ والخداع:
تتعلقُ ببابِ البَيْعِ والشِّراءِ، وهو بابٌ يَكْثُرُ فيه الغِشُّ والخِدَاعُ بصورةٍ ملْحُوظةٍ ، تَارةً بالثناءِ عَلى السلعةِ بما ليْسَ فيها ، وتارةً بِكِتْمَان عُيوبها، وتارةً بنقْصِ وزْنِها، وتارةً أُخْرى بالإيهام برخصِ ثَمَنِها. والحقُّ أنَّ هذه الأساليبَ الملتوية لا يلجأُ إليها إلا ضُعفاءُ الإيمانِ ظناً منهم أنها هي التي ستُحَقق لهم المكاسبَ والأرباحَ، والحقيقةُ أنها تُوردهم مَوارِدَ الهلاك.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ[الطعام المجتمع كالكومة] فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً فَقَالَ « مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ »؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ [نزل عليه المطر] قَالَ:« أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَىْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّى » .
وعنهَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :« ثَلاَثةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلاَةِ يَمْنَعُهُ مِنَ ابْنِ السَّبِيلِ وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ لأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِدُنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى له، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ». وفي روايةٍ نحوَهُ وقال: « ورَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَتهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ وَهْوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ له: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي، كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ » .
أيها الإخوةُالمؤمنون:
وفي الوقت الذي حذَّر فيه النبي صلى الله عليه وسلم من أساليب الغش والخداع في البيع والشِّراءِ رغَّبَ في التزام الصدق والأمانة والنصيحة، فعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضى الله عنه أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ « الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِى بَيْعِهِمَا ، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا فَعَسَى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا ، وَيُمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا، اليمينُ الفاجِرةُ مَنْفَقةٌ لِلسِلْعَةِ مَمْحَقَةٌ للكَسْب» .
وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: « التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ » .
وعن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قال : قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ((إنَّ أَطْيَبَ الكَسْبِ كَسْبُ التُّجَّارِ الذين إذا حَدَّثُوا لم يَكْذِبُوا، وإذا ائتُمنوا لمْ يَخُونوا، وإذا وَعَدُوا لم يُخْلِفوا، وإذا اشتروا لم يَذُمُّوا ، وإذا باعوا لم يَمْدحُوا ، وإذا كان عليهم لم يَمْطُلُوا ، وإذا كان لهم لم يُعَسِّروا)) .
أيها الإخوةُ المؤمنون:
وعندما باع النبيُّ صلى الله عليه وسلم واشترى ضَرَبَ أروعَ المَثَل في صِدق المعاملةِ ، فعَنِ السَّائِبِ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَىَّ وَيَذْكُرُونِى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « أَنَا أَعْلَمُكُمْ » يَعْنِى بِهِ، قُلْتُ: صَدَقْتَ بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى، كُنْتَ شَرِيكِى فَنِعْمَ الشَّرِيكُ، كُنْتَ لاَ تُدَارِى وَلاَ تُمَارِى . أيْ لا تُخْفِي ولا تُجادِل.
وجاء في مكاتبته صلى الله عليه وسلم للْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ « هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ ، بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ ، لاَ دَاءَ، وَلاَ خِبْثَةَ ، وَلاَ غَائِلَةَ » .
وقولُه صلى الله عليه وسلم : (( بَيعَ المسلمِ المسلمَ)) فيه إشارةٌ رائعةٌ إلى أنَّ المسلم ليس من شأنه الخديعة، وقولهُ صلى الله عليه وسلم : ((لا داءَ ولا خِبْثَةَ ولا غَائِلَةَ)) فيه إشارةٌ إلى أنَّ البائع لا يَحِلُّ له أن يَكتُم داءً في السِّلعة أو أن يَحْتَالَ بحيلةٍ يَغْتَال بها المالَ.
والخلاصةُ إخوةَ الإيمان :
أنَّ الصِّدقَ والأمانةَ مِنْ أكبر العوامل التي تَجْلِبُ الثقةَ والبركةَ في البيع والشراء ، وأنَّ الغِشَّ والخِداعَ مِنْ أكبر ِ العوامِلَ التي تُهْدِرُ الثقةَ وتَمْحقُ البركةَ وتُؤذِنُ بخراب العمران، ومِنْ أجْلِ ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكيل والوزن: ((إنِّكم قد وُلِّيْتُمْ أمْراً فيه هَلَكَتِ الأممُ السالِفةُ قَبْلَكُمْ)) .
الصورةُ الثانيةُ - أيها الإخوةُ المؤمنون-
مِنْ صوَر الغِشِّ والخِداع: تتعلق ببَيتِ الزوجية ، وبيتُ الزوجيةِ أجَلُّ وأشرفُ من أنْ يُبنَى على الغِشِّ والخداع، وإذا كان الإسلامُ قد حرَّم كِتْمَانَ العيوبِ في السِّلَعِ فكيف بكتمان العيوب في النكاح؟ إنَّ كتمان العيوبِ في النكاح سواء كانت شكليةً أو جوهريةً يُعَدُّ تَدْلِيساً وعدواناً على حق الطرف الآخر في أن يَظْفَر بالشَّريكِ الذي يَمْلأُ نَفْسَهُ ، ويُشْبِعُ عواطِفَهُ،ويُرضي أحاسِيسَهُ ومشاعِرَه.
ومِنْ أَجْلِ ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمةَ بنتِ قَيْسٍ حين استشارتْه في نكاح مُعاويةَ بن أبي سُفيان أو أبي جَهْم: ((أما أبو جَهْمٍ فلا يَضَع ُ عصاهُ عن عاتِقه [أي أنه كثير الأسفار أو كثيرُ الضرب للنساء] وأما مُعاويةُ فصُعْلُوكٌ لا مالَ له، انْكِحِي أسامةَ بنَ زَيْدٍ)) .
وعن عُمَرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه قال : ((أَيُّما امرأةٍ غُرَّ بها رَجُلٌ ، بها جُنونٌ ، أو جُذامٌ، أو بَرَصٌ، فلها المهْرُ بما أصاب منها، وصَدَاقُ الرَّجُلِ على مَنْ غَرَّه)) .
الصورةُ الثالثةُ – أيها الإخوةُ المؤمنون –
من صور الغِشِّ والخِداع: تتعلق باللباسِ والزِّينةِ وطَلَبِ الحُسنِ والجمالِ ولو كان ذلك بالخروج على الفطرة وتَغْييرِ خَلْقِ اللهِ الذي هو مِنْ وسائلِ الشيطان في إغوائه للناسِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ . ويدخل في هذا الباب من أبواب الغش والخداع تشبُّهُ الرجلِ بالمرأة، والمرأةِ بالرجل، ووصْلُ الشَّعْر بِشَعْرٍ مُسْتَعَارٍ طَبِيعِيٍّ أو صِنَاعِيٍّ، وتَفْليجُ الأسنان بالمبردِ ونحوه، والنَّمْصُ الذي هو إزالةُ شَعْر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما ، والوشْمُ وهو النَّقْشُ باللون الأزرق عن طريق الوخْز بالإبرِ أو نحو ذلك، وعملياتُ التجميل التي تَشُدُّ الجِلْدَ، وتمنعُ ظهورَ التجاعيدِ وتقدُّمَ السِّن، وكُلُّها مُحرمةٌ مَلعونٌ من عَمِلَها ومَنْ عُمِلَتْ به.
عن أَسْمَاءَ رضي الله عنها أنَّ امرأة سَأَلَتِ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِى أَصَابَتْهَا الْحَصْبَةُ ، فَتمَرَّقَ شَعَرُهَا ، وَإِنِّى زَوَّجْتُهَا أَفَأَصِلُ فِيهِ فَقَالَ: « لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمَوْصُولَةَ » . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: لَعَنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الْوَاشِمَاتِ وَالْمُستوْشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ .فقالت له امرأة في ذلك، فَقَالَ: وَمَا لِى لاَ أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَفي كِتَابِ اللَّهِ قال اللهُ تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا .
وعن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ الْمَدِينَةَ، فَخَطَبَنَا فَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ فَقَالَ مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا غَيْرَ الْيَهُودِ ، وَإِنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم سَمَّاهُ الزُّورَ . يَعْنِى الْوِصَالَ فِى الشَّعَرِ.
والحِكْمَةُ أيُّها الإخوة المؤمنون من التحريم في هذا كله أنه ضَرْبٌ من ضُروب الغش والخداع والتدليس مع ما فيه من إسرافٍ وتبذير وفتنةٍ وإغواء، وإذا ظهرتْ هذه المحرماتُ في مجتمع أفرغَتْهُ من مضمونه ومحتواه، وجفَّفتْ فيه ماءَ الحياة ، وفي الحديث الشريف: ((إنما هَلَكَتْ بَنُو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم)) .
والصورةُ الرابعةُ - أيها الإخوةُ المؤمنون- من صورِ الغِشِّ والخِدَاع: تتعلق بالمشورة والنصيحة، والقاعدةُ العامَّةُ في هذا الباب أنَّ كُلَّ مَن أشارَ على أخيه بغيرِ الرُّشْد، أو نَصَح له بغير صِدْقٍ وإخْلاصٍ، أو زَيَّنَ لَهُ غيرَ المصلحة، أو رَضِيَ لَهُ ما يَكْرهُهُ لنفْسِهِ كان غَاشًّا مُخادِعاً.
عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((المستشار ُ مُؤْتَمَنٌ، فإذا اسْتشُير فَلْيُشِرْ بما هو صانعٌ لنفسه)) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مَنْ تَقَوَّلَ عَليَّ ما لم أَقُلْ فلْيتبوأْ مَقْعَدَهُ مِن النَّارِ ، ومَن اسْتَشاره أخوهُ المسلمُ فأشارَ عليه بغير رشدٍ فقد خانه، ومن أفتىَ فُتيا بغير ثَبَتٍ فإثمُهُ علىَ مَن أفتَاه)) . وعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِىِّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«الدِّينُ النَّصِيحَةُ » قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ » .
والحقُّ أيُّها الإخوةُ المؤمنون: أنَّ الغِشَّ في المشورة والنصيحة يَخْدِشُ الإيمانَ الذي هو أعزُّ على المؤمن من الدنيا وما فيها، وفي الحديث ((لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» .
نسأل الله أن يجلعنا نَصَحةً وادِّينَ غيرَ غَشَشَةٍ ولا مُتَخاونين. آمين وفي الختام: أُوصِيكُمْ ونفْسِي بتقوى اللهِ عز وجل فإنه مَنْ يتق اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً.
أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم
أحمد سعد الدين
02-03-2005, 12:00 PM
الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحي ويميت وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُه وسولُه، بلَّغ الرسالة وأدى والأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أوصيكم عبادَ الله –ونفسي- بتقوى الله ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) .
أما بعد:
فقد نهانا الله في كتابه العزيز عن الإسراف والتبذير فقال: ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ) .
وقال: ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ) .
وقال تعالى في صفات عباد الرحمن: ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) .
هذا هو دِينُنا، ينهانا عن الإسراف والتبذير، ويأمرنا بالاقتصاد والتوسط والاعتدال في الأمور كلها، ولكن من المؤسف أن تغيبَ هذه الوسطية عن حياة كثير من الناس، فكمْ هُمْ هؤلاء الذين تورطوا في الإسراف والتبذير؟ وكأنهم لم يقرأوا قول الله تعالى في كتابه الحكيم: ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لايحب المسرفين ) ، وكَمْ هُمْ هؤلاء الذين تجاوزوا ما يَكْفِي ويُغْنِي إلى ما يُلْهِي ويُطْغِي؟ وكأنهم لم يَسْمعوا قَوْلَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم :((كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِى غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ مَخِيلَةٍ)) . وَقَولَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما:"كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ، مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ " .
أخي المسلم:
إن الإسلام لم يُحَرِّم زينةَ الحياة الدنيا والطيباتِ من الرزقِ كما حرمتها بعضُ الديانات والفلسفات، وإنما حَرَّمَ الاعتداءَ والطغيانَ والإسرافَ والتبذيرَ في الاستمتاع بها، يقول الله تعالى: :( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون) .
ويقول تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) .
عباد الله:
إن الله جل وعلا أنعم علينا نعماً عظيمة كثيرة، وتفضل علينا بخيرات وفيرة، فكان من ذلك أن أغنانا بعد فقر، وأطعمنا بعد جوع، وفتح لنا من أبواب الخير وسُبل الرزق مالم يخطر لنا على بال، فلنشكر الله تعالى على ذلك حق الشكر، وذلك بالمحافظة على تلك النعم وعدم استخدامها بِشَكْلٍ فيه إسراف أو تبذير، لأن الله جل شأنه سيسألنا عن هذه النعم ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) ، والنعيمُ المسؤول عنه نوعان: نَوْعٌ أُخِذَ مِنْ حِلِّهِ، وصُرِفَ في حَقِّهِ، فيسألنا عن شكره، ونوع أُخِذَ بَغير حِله، وصُرِفَ في غير حقِّهِ، فيسألنا عن مستخرجه ومصرفه. قال سيدنا معاوية رضي الله عنه : "ما رأيتُ تبذيراً إلا وإلى جانبه حقٌ مُضَيَّعٌ".
أيها المؤمنون:
إنَّ من مظاهر السَّرَفِ والتبذير في حياة الناس اليوم إنفاق الأموال الطائلة في المراكب والملابس والمساكن والأعراس، فتجد أقواماً تحمَّلوا الديونَ العظيمة، ليحصل أحدهم على السيارة الفارهة أو الثوب الزاهي أو المسكن الفاخر، تكاثراً وتفاخراً، وقد يستدين البعض بالربا ليقيم عُرْساً ينفق فيه مئات الألوف من الدراهم مباهاة ومفاخرة، ويرمي بأطنان الطعام والشراب في القمامة والنفايات، ومَلايِِينُ المسلمين مشردون هنا وهناك لا يأويهم مسكن ولا يجدون ما يقتاتون به، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
أمَا يُدْرك هؤلاء الَّذينَ يستدينون في أبواب السرف والترف أن الدَّين هَمٌّ بالليل وَمَذَلَةٌ في النهار؟! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إياكم والدَّين فإنه همٌّ بالليل ومَذَلَةٌ في النَّهارِ)) . بل إن المدين يفقد حريته فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوصي رجلاً وهو يقول: (( أَقِلَّ مِنَ الذنوب يَهُنْ عليك الموتُ، وأَقِلَّ مِنَ الدَّين تَعِشْ حُراً)) .
وعنه رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدَّيْنُ رايةُ الله في الأرض، فإذا أراد أَنْ يُذِلَّ عبداً وضَعها في عُنُقه)) . وإنَّ الدَّيْن لَيَعْدِلُ الكفرَ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( أعوذ بالله من الكفر والدَّيْن))، قال رجل يا رسول الله: أَتَعْدِلُ الدَّين بالكُفْر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((نعم)) .
وإن من مظاهر الإسراف والتبذير الإسراف في استخدام المرافق الحيوية التي تقوم عليها حياة الناس اليوم من ماء وكهرباء ونحو ذلك، فالماء الذي هو أرخص موجود وأعز مفقود يُهْدر بالكميات الكبيرة الهائلة والنبيُّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الإسراف في الماء ولو كان استعمالُه في عبادة فضلاً عن غيرها، فعَن عبد الله بن عمرو ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِسَعْدٍ وهو يتوضأ فقال: ما هذا الإسراف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف؟! قال: نعم ، وإن كنتَ على نهرٍ جارٍ)) .
فاتقوا الله عباد الله وأحسنوا جوار النِّعَم حتى لا تزول،واحذروا أن تكونوا من الذين يقال لهم يوم القيامة: ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعم بها) .
وإن من مظاهر الإسراف والتبذير أن نُضَيِّعَ المال الذي تفضَّل الله به علينا في السرف والترف واللهو الفجور وغير ذلك من المعاصي الموبقات، فعن المغيرة رضي الله عنه قال: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الله كره لكم ثلاثاً: قيلَ وقال، وإضاعةَ المال، وكثرةَ السؤال)) .
فاتقوا الله عباد الله وتوبوا من الإسراف والتبذير، واقتصدوا وتوسطوا في الإنفاق وفي شتى الأمور، وأعدوا للسؤال جواباً، فإن الله سائلكم عن هذا المال من أين اكتسبتموه وفيمَ أنفقتموه، فعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ « لاَ تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلاَهُ وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَ عَلِمَ » .
أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم
أحمد سعد الدين
02-03-2005, 12:02 PM
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونسترشده ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يُضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله القائل:(وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ، هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ، مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) .
وأشهد أن سيدنا ومولانا وقائدنا محمداً رسول الله القائل : ((وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ ، الَّذِى يَأْتِى هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ ، وَيَأْتِى هَؤُلاَءِ بِوَجْهٍ )) .
اللهم صل وسلم وبارك على هذا الرسول الكريم صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الغُرِّ المحجلين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله:
أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله العظيم ، وأحثكم على طاعته وأحذركم وبال عصيانه ومخالفة أمره ، وأستفتح بالذي هو خير(فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) .
أما بعد :
فيا أيها الإخوة المؤمنون : إن داء الغيبة والنميمة داء من أفسد وأفتك الأدواء التي تبتلى بها الأفراد والجماعات، ومن ثَمَّ حذَّرنا اللهُ تبارك وتعالى من هذا الداء في كتابه العزيز فقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ) .
إن أشد ما يكرهه الإنسان وينفر منه طبعه أن يتناول لحم ميت ليأكله، وأشد منه غلظة وأكثر منه بشاعةً أن يكون ذلك الميت أخاه ، بهذه الصورة البشعة المستقذرة شَبَّه الله الغيبة وما يتناوله المغتاب من أخيه المُستغاب، وشبه الله الغيبة بهذه الصورة لينفر الناس منها كما ينفرون من ذلك ولتستقر في نفوسهم بشاعتُها. والغيبة هي أن تذكر أخاك بما يَكْره، قال صلى الله عليه وسلم : (( أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ ))؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (( ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ )). قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِى أَخِى مَا أَقُولُ؟ قَالَ: (( إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ)) .
فالغيبة إذاً هي ذكرك أخاك بما يكره سواء كان ذلك فيه أو لم يكن فيه، على أن ذكرك ما فيه تتناوله حرمة الغيبة، وذكرَك ما ليس فيه تتناوله حرمة البهتان والعياذ بالله تعالى.
وسواء كان ذلك بحضوره أو بغيابه، أو كان ذلك في خُلُقهِ أو خَلْقهِ كل ذلك اعتداء على حرمة المسلم ونيلٌ من عرضه وشخصه.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)) .
والنميمة هي نقل الحديث من قوم إلى قومٍ، أو من إنسان إلى إنسانٍ آخر على وجه الإفساد، فهي خصلة ذميمة تجلب الشر وتدعو إلى الفرقة، وتوغرُ الصدور، وتثير الأحقاد وتحطُّ بصاحبها إلى أسفل الدركات، وتنفر الناس منه، فيصبح ولا أنيس له ولا جليس، والعاقل من تبرَّأ من تلك الخصال الدنيئة ، وتطهر من أدرانها الخبيثة ، وعمل على محاربتها بكل ما في وسعه، قال تعالى:( وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ، هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ، مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ)) .
فالغيبة والنميمة يا عباد الله داءان خطيران يسببان عذاب القبر وشدة الحساب، فقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ: (( إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ)) .
والغيبة والنميمة انتهاك لحرمة المسلم التي أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم صونها، وحفظها، فقد خطب صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال: (( فَإِنَّ اللَّهَ حرَّمَ عَلَيْكُمْ دِماءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِى شَهْرِكُمْ هَذَا، فِى بَلَدِكُمْ هَذَا)) .
فالغيبة خيانة وهتك ستر وغدرٌ وإيذاءٌ للمسلمين، وهي زادُ الخبيث، وطعامُ الفاجر، ومرعَى اللئيم، وضيافةُ المنافق، وفاكهةُ المجالس المحرمة.
ولقد بَيَّنَ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطر الغيبة والنميمة وإثمهما وسوء عاقبة أصحابهما فقال عليه الصلاة والسلام: ((لما عُرج بي مررتُ بقوم لهم أظفار من نُحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم )) . وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ بعض الرواة: تَعْنِى قَصِيرَةً. فَقَالَ: (( لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ )) .
إن كلمة السيدة عائشة رضي الله عنها على ما فيها بالنسبة لما نحن اليوم عليه من نيل من أعراض المسلمين وذكر عيوبهم ومثالبهم ونقائصهم لا تُعتبر شيئاً.
عباد الله:
لما عَلِمَ سلفُنا الصالح حرمة الغيبة وأدركوا خطرها على المجتمعات، وخطورتها على المغتاب في يوم العرض على الله تعالى أمسكوا ألسنتهم عن التكلم في عرض أحد أو طعنه أو شتمه، وشغلوها بذكر الله وطاعته، والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإذا جاءهم فاسق بنبأ لامُوهُ على نقله الحديث، وحذروه من مغبة سوء فعله، فقد جاء رجل إلى عمرو بن عبيد فقال له: إن الأسواريَّ ما زال يذكرك في مجالسه بشرٍّ، فقال عمرو: ياهذا ما راعيت حقَ مجلس الرجل حين نقلت إلينا حديثه، ولا أديتَ حقي حين أعلمتني عن أخي ما أكره ، ولكن قل له : إن الموت يعمنا، والقبر يضمنا ، والقيامة تجمعنا، والله يحكم بيننا، وهو خير الحاكمين. ورُوِيَ أن رجلاً قال لعبد الملك بن مروان: إني أريد أن أُسِرَّ إليكَ حديثاً، فأشار الخليفة إلى أصحابه بالانصراف ، فلما أراد الرجل أن يتكلم قال الخليفة: قِفْ، لا تَمْدحني، فأنا أعلم بنفسي منك، ولا تَكْذِبْني فأنا لا أعفو عن كذوب، ولا تَغْتَبْ عندي أحداً فلستُ أسمع إلى مغتاب فقال الرجل: هل تأذن لي في الخروج؟ فقال الخليفة : إن شئت فاخرج.
أيها المسلمون:
هذه مخاطر الغيبة وطرقُ علاجها ، ولا تباح إلا لغرض شرعي كأن يعلن المظلوم عن ظلمه ، أو يُدعى إنسان للشهادة، أو يشهدَ من غير أن يُدعى لإثبات حق قد يضيعُ.
قال تعالى:(وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) .
فإحقاق الحقوق والسعيُ في إيصالها لأهلها مما هو مطلوب ومأمور به شرعاً. فقد سألتْ هِنْدُ زوجة أبي سفيان رضي الله عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ ، وَلَيْسَ يُعْطِينِى مَا يَكْفِينِى وَوَلَدِى ، إِلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهْوَ لاَ يَعْلَمُ فَقَالَ: (( خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ)) .
كما تجوز الغيبة عندما يسألك إنسان عن مصاهرة إنسانٍ أو مشاركته أو معاملته فإنه يجوز لك أن تبين مِنْ حاله وواقِعه بقدر الحاجة وبنية النصيحة لا التشفي. كما أن المجاهر في المعاصي لا تحرم غيبته إن أُمِنَ شَرُّهُ، وكذا الفاسق والمنافق والمارق من الدين. كي يجتَنَبْ الناس شرورهم.
عباد الله:
أما النميمة فهي أشد خطراً من الغيبة ، لأنها نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد والفتنة، وهي تورث الفتنة والضغينة وتفرق بين المتآلفين، وتفضي إلى كثير من المفاسد والشرور ، والنمام بنميمته يباعد ويفرق بين المتآلفين ، ويفصم عقدة النكاح بين الزوجين، ويسبب الحرب بين الأهلين، ثم إن النمام يجمع إلى قبح النميمة قبح الغيبة لأنه يهتك ستر أخيه وبذكر عيوبه، وهو حين يسعى بين الناس بالإفساد يقترف جريمة الغدر والخيانة ، ولقد حذر الله عز وجل المؤمنين شر النمام ونهاهم عن تصديق قوله وصرح لهم بفسقه فقال جل شأنه:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) .
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهي الله عنه ، واعلم أخي المسلم أن من نَمَّ لك نَمَّ عليك ومن نقل لك خبر سوء سينقل عنك مثله.
أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم
أحمد سعد الدين
02-03-2005, 12:03 PM
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى، ورسوله المجتبى، وعلى آله الأطهار، وأصحابه الأبرار، وأتباعه الأخيار ، إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،القائل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، سيد الخلق وحبيب الحق، بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
اللهم صلِّ وسلِّم على هذا الرسول الكريم، والسيد السند العظيم وعلى آله وصحبه أجمعين.
أوصيكم عباد الله _ وأوصي نفسي - بتقوى الله العظيم، وأحثكم على طاعته، وأحذركم وبال عصيانه، ومخالفة أمره، وأستفتح بالذي هو خير (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ).
أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون: إنَّ مقام الحياء مقام عظيم، وإنه لَيَجبُ على المؤمن أن يُراقب مولاه، وأن يخشاه في سره ونجواه، وأن يستحيي منه حق الحياء، باجتناب المعاصي والقبائح والشرور، وتهذيب النفس وترويضها وردْعها عن الشهوات المحرمة، وردِّها إلى العفة والرزانة والزهادة وكريم الأخلاق ومحاسن الشِّيَم.
وفي فضل الحياء قال صلى الله عليه وسلم: ((الحياءُ خَيْرٌ كُلُّهُ)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((الحَياءُ لا يَأْتِي إلا بِخَيْرٍ)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((الحياءُ من الإيمان، والإيمانُ في الجنة، والبذاءُ من الجفاء، والجفاءُ في النار)) وقال صلى الله عليه وسلم: ((ما كان الفُحْشُ في شيءٍ إلا شَانَه، وما كان الحياءُ في شيء إلا زانه)).
هذا هو الحياءُ: رأسُ الفضائل الخلقية، وعمادُ الشُّعَب الإيمانية، به يكمل الدين، وتصلح الحياة، وتسود الفضيلة، وتختفي الرذيلة.
إخوةَ الإيمان : يكفي الحياءَ شرفاً أنه خُلُقٌ من أخلاق الأنبياء الذين اصطفاهم الله واجتباهم، فعن أبي سـعيد الخدري–رضي الله عنه- قال: ((كان رسـولُ الله أشدَّ حياءً من العَذْراء في خِدْرها، إذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه))
وكان نبي الله إبراهيم عليه السلام أوَّل من اتخذ السراويل لشدة حيائه، لذلك كان جزاؤه أنه أوَّل من يُكْسَى يومَ القيامة يومَ يُحشر الناس حفاة عراة غرلاً.
ولقد وصف الله تبارك وتعالى بنتَ شعيب عليه السلام بهذا الخُلُق الكريم خُلق الحياء فقال: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَت إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيتَ لَنَا.
إخوة الإسلام: تعالَوْا بنا نتعرَّفْ على أنواعٍ وألوانٍ من الحياء، ولنبدأْ بحياء الكرم، كرمِ النفس بتحمُّلِ الأذى وغضِّ الطرف عما عساه يقع من الآخرين. يقول أنس بن مالك –رضي الله عنه- قال ((كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا مَرَّ بِجَنَبَاتِ أُمِّ سُلَيْمٍ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَلَّمَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ قَالَ: كَانَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم عَرُوسًا بِزَيْنَبَ فَقَالَتْ لِى أُمُّ سُلَيْمٍ: لَوْ أَهْدَيْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ هَدِيَّةً فَقُلْتُ لَهَا: افْعَلِى. فَعَمَدَتْ إِلَى تَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَاتَّخَذَتْ حَيْسَةً فِى بُرْمَةٍ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا مَعِى إِلَيْهِ، فَانْطَلَقْتُ بِهَا إِلَيْهِ فَقَالَ لِى:«ضَعْهَا». ثُمَّ أَمَرَنِى فَقَالَ: «ادْعُ لِى رِجَالاً -سَمَّاهُمْ- وَادْعُ لِى مَنْ لَقِيتَ». قَالَ: فَفَعَلْتُ الَّذِى أَمَرَنِى فَرَجَعْتُ فَإِذَا الْبَيْتُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ، فَرَأَيْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى تِلْكَ الْحَيْسَةِ ، وَتَكَلَّمَ بِهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً، يَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَيَقُولُ لَهُمُ: «اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ ، وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ». قَالَ: حَتَّى تَصَدَّعُوا كُلُّهُمْ عَنْهَا، فَخَرَجَ مِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ ، وَبَقِىَ نَفَرٌ يَتَحَدَّثُونَ قَالَ: وَجَعَلْتُ أَغْتَمُّ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ الْحُجُرَاتِ ، وَخَرَجْتُ فِى إِثْرِهِ فَقُلْتُ: إِنَّهُمْ قَدْ ذَهَبُوا. فَرَجَعَ فَدَخَلَ الْبَيْتَ، وَأَرْخَى السِّتْرَ، وَإِنِّى لَفِى الْحُجْرَةِ، وَهْوَ يَقُولُ..يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيوتَ النَّبِيِّ إلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُم إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِن إِذَا دُعِيتُم فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُم فانتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُم كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيي مِنكُم.
هذا هو حياءُ الكرم الذي منع النبيَّ صلى الله عليه وسلم من أن يقول شيئاً لمن أطالوا الجلوس في بيته.
ومن أنواع الحياء – عبادَ الله - حياءُ الإجلال، والباعثُ عليه المعرفةُ بعظمةِ مَنْ تَسْتَحْيي منه، وعلى قدر المعرفة يكون الحياء.
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أشدَّ الناسِ حياءً من الله لأنه أعلمُ الخلقِ به عز وجل.
ولقد كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم يستحيون من أن يديموا النظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالاً له.
قال عبد الله بن عمرو بن العاص:صحبتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم سنينَ طويلة، وشهدتُ معه المشاهد، وما ملأتُ عيني منه صلوات الله عليه مهابةً وحياءً وإجلالاً وتعظيماً له، ولو قيل لي صفه لما استطعت.
ومن أنواع الحياء – عباد الله- حياءُ العبودية:ويتحقق بالْكَفِّ عمَّا نهى الله تعالى عنه، وامتثال ما أمر الله به، وتذَكُّرِ الموت والقدومِ على الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ )). قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ ((لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الاِسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)).
عباد الله : وإذ ذُكِرَ الحياءُ ذُكِرَ عثمانُ رضي الله عنه، ذاك الذي تستحيي منه الملائكة في السـماء.
تحكي لنا أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس في حجرتها، وقد ظهر بعض ساقه، ودخل عليه نفر من الصحابة وهو على حاله فلم يُغَيِّر من جلسته، فلما دخل عثمان استوى وغطى ما ظهر من ساقه، فقالت له عائشة رضي الله عنها: لعلك استحييت من عثمان يارسول الله! فقال: يا عائشة وكيف لا أستحيي ممن تستحيي منه ملائكة السماء.
إخوة الإيمان: لقد كان سلف هذه الأمة مَضْرِبْ المَثل في سمو الأخلاق واستقامة السلوك، والترفع عن الدنايا وعن سفاسف الأمور.. ثم خَلَفَ من بعدهم خَلْفٌ أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وداسوا القِيَم ومَزَّقُوا العفاف وهَتَكُوا أستار الحياء.. ترى بعض الرجال قد فقدوا الغَيْرَةَ والأَنَفَةَ والحمية، وترى بعض ربات الخدور قد خَرَجْنَ كاسيات عاريات دون خجل أو حياء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أيها الإخوةُ المؤمنون: إن الحياء عزة وعفة وحشمة وطهارة، وإذا ذهب الحياء فعلى الدنيا السلام، يقول المعصوم صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ، إِذَا لَمْ تَسْتَحِي فَافْعَلْ مَا شِئْتَ)). إن الحياء رأسُ الفضائل وعمادُ المحامد وخُلُقُ الإسلام الأصيل فتَجَمَّلُوا عباد الله بهذا الخُلُقِ الكريم حتى تكونوا من الفائزين.
أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم
أحمد سعد الدين
02-03-2005, 12:05 PM
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال في محكم تنـزيله:(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ)
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، كان شاكراً لمولاه فَعبدَ الله حتى تَوَرَّمَتْ قدماه، فلما سُئل في ذلك؟ قال: ((أفلا أكونُ عبداً شَكُوراً؟!))
اللهم صلِّ وسلم وبارك على هذا الرسول الكريم وعلى آله وأصحابه الأبرار الأتقياء الأطهار، وسلِّم تسليماً كثيراً.
أُوصيكم –عبادَ الله- ونفسي بتقوى الله، وأَحُثُّكُم على طاعته، وحُسْنِ عبادته وكثرة ذكره وشكره، وأُحَذِّرُكُم وبال عصيانه ومخالفة أمره، فقد كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((اللَّهُمَّ أَعِنِّى عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ))
أما بعد فيا عباد الله: لقد خَلَقَنا اللهُ في أحسن صورة، وركَّب فينا من الحواسِّ والجوارح ما يمنحنا حريةَ الحركة والتنقل في كل مكان، وما يمكِّننا من التمتع بكل ما في الكون من خيرٍ وجَمَال، كما أنعم اللهُ علينا بنعمٍ كثيرة، وخيرات وفيرة، ورزقنا من طيبات الأرزاق ما يقيم أبداننا، ويحفظ علينا حياتنا، وصدق الله إذ يقول:(?وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)
والحقُّ أنَّ هذه النعمَ تقتضي منا أن نشكر المنعم، وقد أمرنا الله تعالى بذلك، فقال:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ )
فشُكْرُ الله على نعَمِهِ مِنْ مقتضياتِ العبوديةِ وتمامها، كما أنه الطريق لنيل مرضاة الله عز وجل، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا))
وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أنعم اللهُ على عبد من نعمة، فعلم أنّها من عند الله إلا كتب الله له شكْرَها، قبل أن يحمدَه، وما علم الله من عبدٍ ندامةً على ذنب إلا غَفَرَ له قبل أن يستغفره، وإن الرجلَ ليشتري الثوب بالدينار فَيَلْبَسهُ، فيحمدُ اللهَ، فما يبلغُ ركبتيه حتى يغفرَ له))
عبادَ الله: إن شكر الله لا يكفي أن يكون باللسان، وإنّما يكون بالقلب واللسان والجوارح، ومِنْ شُكْر النعمة أن تسخِّرها في طاعة الله، وأن لا تستعينَ بِها على معصيته، فعن الجنيد رضي الله عنه قال: قال السَّرِيُّ يوماً: ما الشكرُ؟ فقلتُ له: الشكر عندي أن لا يُسْتَعانَ على المعاصي بشيءٍ من نعمه
وقال ذو النون المصري: الشكر لمن فوقَكَ بالطاعةِ، ولنظيرِكَ بالمكافأةِ، ولِمَنْ دونك بالإحسان والإفضال
والشكر بالعمل قليلٌ مَنْ يَفْعَلُه، وهو ما جاء في قوله تعالى:( اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)
ولقد رُوِيَ أن داود عليه السلام قال: كيف أشكرك يا ربّ، والشكرُ نعمة منك! قال: الآن قد عرفتني وشكرتني، إذ قد عرفتَ أن الشكرَ مني نعمة. قال: يا ربّ فأرني أَخْفَى نِعَمِكَ عليَّ. قال: يا داودُ تَنَفَّسْ، فتنفس داودُ. فقال الله تعالى: مَنْ يُحْصِي هذه النعمةَ الليلَ والنهارَ؟! وعن ثابتٍ البُنَانِي رضي الله عنه قال: كان داود عليه السلام قد جزَّأ على أهله وولدِهِ ونسائه الصلاةَ، فكان لا تأتي عليهم ساعةٌ من الليلِ والنهارِ إلا وإنسانٌ من آل داودَ قائمٌ يصلي، فغمَّرَتْهُمُ هذه الآيةُ( اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)
وأما شكرُ الله عز وجل على ما أنعم به علينا من جوارحَ فقد روي أن أبا حازم جاءه رجلٌ فقال له: ما شكرُ العينين؟ قال: إنْ رأيتَ بِهما خيراً أعلنتَهُ، وإن رأيتَ بِهما شراً سترتَهُ، قال: فما شكرُ الأذنين؟ قال: إنْ سمعتَ خيراً وَعَيْتَهُ، وإنْ سمعتَ شراً أخفيته. قال: فما شكرُ اليدين؟ قال: لا تأخذُ بِهما ما ليس لَهما، ولا تمنع حقاً لله عز وجل هو فيهما. قال: فما شكرُ البطن؟ قال: أن يكونَ أسفلُهُ طعاماً، وأعلاه علماً. قال: فما شكرُ الفَرْجِ؟ قال: كما قال الله عز وجل:( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)
فأما منْ شكر بلسانه، ولم يشكر بجميع أعضائه، فَمَثَلُهُ كمثل رَجُـلٍ له كِساء، فأخذ بطرفه، ولم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر
وأما شكرُ المال فإنّما يكون بأداءِ الحق المعلوم منه للسائل والمحروم، والإنفاق منه سراً وعلانية بالليل والنهار، وأما شكرُ العلم فإنَّما يكون بالإنفاق منه، بأن يعلِّمَ غيره، وَيُفَقِّهَ أهلَهُ وجارَهُ، وأما شكرُ الجاه فإنّما يكون باستعماله في تيسيرِ الحاجاتِ للآخرين، وقضاءِ مصالحهم، وإذا كان شكرُ الله بالعمل، حقاً على المسلم الشاكر، فإن من الحق عليه أيضاً أن يشكرَ اللهَ دائماً باللسان في كل صباح ومساء، وهذا ما علَّمنا إياه الرسولُ صلى الله عليه وسلم حيث قال: (( مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِى مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ . فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِى فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ))
فحقيقةُ الشكر هي نسبةُ النعمةِ إلى المنعم، والاعترافُ بأنّها منه، لا من غيره، ثم استعمالُها في طاعةِ الله تعالى بعيداً عن معاصيه، وقد أنشد الخليفةُ العباسيُّ الهادي في هذا المعنى وهو يأكل:
أنالَكَ رِزْقَـه لتقـومَ فـيـه بطاعتِهِ وتشكرَ بعضَ حقِّه
فلم تشكرْ لنعمتِـهِ ولكـنْ قوِيتَ على معاصيهِ برزقِهِ
فغصَّ باللقمة، وخنقته العَبرة.
إخوةَ الإسلام: إن الرسولَ صلى الله عليه وسلم يَمنحنا وصيةً ذهبيةً تُعينُنَا على الشكر، وتحولُ بيننا وبين الجحودِ وكفرانِ النِّعَمِ، حيث قال فيما رواه عنه أنس رضي الله عنه: ((خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا وَمَنْ لَمْ تَكُونَا فِيهِ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلاَ صَابِرًا مَنْ نَظَرَ فِى دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَاقْتَدَى بِهِ وَنَظَرَ فِى دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا فَضَّلَهُ بِهِ عَلَيْهِ كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا وَمَنْ نَظَرَ فِى دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ وَنَظَرَ فِى دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَأَسِفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْهُ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلاَ صَابِرًا ))، وفي ذلك يقول الشاعر:
من شاءَ عَيْشاً رحيباً يستطيلُ به في دينه ثم في دنياه إقبالا
فلْينظرَنَّ إلى مـن فوقَـه وَرَعـاً ولْيَنْظُرَنَّ إلى من دونَهُ مالا
ومَنْ رَزَقَهُ اللهُ الأمنَ والقوتَ والسكنَ فهو في خيرٍ وافرٍ ونعمةٍ كبيرةٍ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى: (( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِى سِرْبِهِ مُعَافًى فِى جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا))
عباد الله: وإذا كان شكرُ الله فرضاً واجباً علينا، فإن شكر مَنْ أَجْرَىَ اللهُ الخيرَ على يديه لازمٌ واجب أيضاً. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (( مَنْ لاَ يَشْكُرِ النَّاسَ لاَ يَشْكُرِ اللَّهَ))
وهذا الكلامُ يُتأولُ على معنيين: أحدهما: أن من كان من طبعه كفرانُ نعمة الناس، وتركُ الشكر لمعروفهم، كان من عادته كفرانُ نعمة الله عز وجل وتركُ الشكر له، والوجه الآخر: أن الله سبحانه لا يقبل شكرَ العبد على إحسانه إليه، إذا كان العبدُ لا يشكرُ الناسَ، لاتصال أحدِ الأمرين بالآخر.
عباد الله: وفي مقدمة من يجب شكرهم من الناس: الوالدان، قال الله تعالى:
( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)
فالشكر هنا لله تعالى على مطلق النعم عموماً وعلى نعمة الإيمان خصوصاً، وللوالِدَيْنِ على نعمةِ التربيةِ، قال سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ: من صلى الصلواتِ الخمس، فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكرهما، ومن أسدى إليك معروفاً لا تَقدرُ على مكافئتـه بِمثلـه فشُكـركَ له يكون بالدعاءِ له والثناءِ عليه، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ أُعْطِىَ عَطَاءً فَوَجَدَ [أي فوجد ما يكافئ به] فَلْيَجْزِ بِهِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُثْنِ فَإِنَّ مَنْ أَثْنَى فَقَدْ شَكَرَ وَمَنْ كَتَمَ فَقَدْ كَفَرَ وَمَنْ تَحَلَّى بِمَا لَمْ يُعْطَهُ كَانَ كَلاَبِسِ ثَوْبَىْ زُورٍ))
عباد الله: وعلاجُ القلوبِ البعيدةِ عن الشكر إنّما يكون بأن تعرفَ أنَّ النعمةَ إذا لم تُشْكَرْ زالتْ، ولم تَعُدْ، قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه: عليكم بِملازمة الشكر على النعم، فقلما نعمةٌ زالتْ عن قوم فعادتْ إليهم، وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيز رضي الله عنه قال: قيِّدوا نعمَ الله بالشكر لله عز وجل، وشكرُ الله تركُ المعصية.
وعن عمارة بن حمزة قال: إذا وصلتْ إليكم أطرافُ النعمِ، فلا تُنَفِّروا أقصاها بقلةِ الشكر
أخي المسلم:
إذا كنـتَ في نعمة فارْعَها فإن المعاصي تُزِيل النعم
وحافـظ عليها بشكر الإله فإن الإله سـريع النقم
قال الله تعالى: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)
أقول قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم
أحمد سعد الدين
02-03-2005, 12:07 PM
الحمدُ لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالكِ الملك، وملكِ الملوك، قلوبُ العبادِ بيدِه، أمَرَهُم بتقواه، وأثابهم على طاعته.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، له الملك وله الحمد يحي ويُميت وهو على كل شيءٍ قدير.
وأشهد أن سيدَنا ومولانا محمداً رسولُ الله البشيرُ النذيرُ سيِّدُ الخلقِ وحبيبُ الحقِّ صلى الله عليه وسلم وعلى آله الأطهار وأصحابه الأبرار وأتباعِهِ الأخيار إلى يوم الدين.
أما بعد: فأوصيكم عبادَ الله ونفسي بتقوى الله وطاعته، وأحذركم ونفسي من معصيته ومخالفة أمره، قال الله تعالى:( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ(
عباد الله: للعدلِ أثرٌ كبيرٌ في بناء الأسرة وسعادتها، ومن أجل ذلك اهتمَّ الإسلامُ اهتماماً كبيراً بتحقيقه بين الأبناء، وبين الزوجات، وبين الوالدَيْن، وبين ذوي القربى.
أما العدل بين الأبناء ثمراتِ قلوبِنا وفلذاتِ أكبادِنا فقد جاءت فيه نصوصٌ كثيرةٌ تأمر به وتحضُّ عليه وترغبُ فيه وتُحَذِّرُ مِنْ إهماله وتركه، ومن هذه النصوص ما رُوِيَ عن عامرٍ رضي الله عنه أنه سمعَ النُّعْمَانَ بن بَشِيرٍ رضي الله عنهما وهو على المنبر يقول: ((أَعْطَانِى أَبِى عَطِيَّةً، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لاَ أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: إِنِّى أَعْطَيْتُ ابْنِى مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِى أَنْ أُشْهِدَكَ يَارَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (( أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا))؟قَالَ: لاَ، قَالَ: ((فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ )) قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ))
وقد بيَّنَ لنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في روايةٍ أخرى لهذا الحديث السرَّ والحكمةَ في إقامة العدل بين الأبناء فقال:(( أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِى الْبِرِّ سَوَاءً))؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: ((فَلاَ إِذًا))
هذا هو العدل، وهذه هي حكمه وأسراره وآثاره.
وتعالوْا بنا عباد الله نتأملْ هذه الصورةَ من العدل والحنان والإيثار لتلك المرأةِ المسلمةِ التي تُحَدِّثُنا عنها أُمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها فتقول: ((جَاءَتْنِى مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا فَأَطْعَمْتُهَا ثَلاَثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتِى كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا، فَأَعْجَبَنِى شَأْنُهَا فَذَكَرْتُ الَّذِى صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ)).
أَلاَ ماأروعَ وأعظم هذه الصورةَ من العدلِ والحنانِ والعطفِ والإيثارِ، وماأروعَ وأعظم الثوابَ الذي أعدَّه اللهُ لتلك المرأة المسلمة، وكل من سار على نهجها في العدل والعطف والحنان والإيثار(وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (
عباد الله: إنَّ المسلمَ الحقَّ الحريصَ على مرضاة الله وثوابه لا يفرِّق في حبه وعطفه وعطائه بين أبنائه، ولا يؤثرُ ببرِّهِ أحداً على أحدٍ، وبصفةٍ خاصةٍ لا يُؤْثِرُ الذَّكَرَ على الأُنْثَى، عملاً بقولِ رسول الله (: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْهَا وَلَمْ يُهِنْهَا وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا - يَعْنِى الذُّكُورَ - أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ))
إنَّ هذا العدلَ بين الأبناء يترك أحسنَ الأثر في نفوسهم: يُطَهِّرُ قلوبهم، ويُصَفِّي الحبَّ والمودةَ بينهم، ويَنْزِعُ من صُدُورِهم الغِلَّ والحِقْدَ والحسدَ.
وقد ثَبَتَ بما لا يَدَعُ مجالاً للشك أنَّ الحبَّ يتشربهُ الإنسانُ ويتأثر به في بيئتهِ الأولى، وذلك حين يرى العدلَ يُرفرف على جنبات البيت، ويُظَلِّلُ كُلَّ مَن فيه دون تفرقةٍ بين ذكرٍ وأُنثى، أو بينَ كبيرٍ وصغيرٍ، أو بين جميل ودميم ، أو بين موهوب وغير موهوب.
وثَبَتَ أيضاً بما لا يدع مجالاً للشك أنَّ الحِقْدَ يتسربُ إلى النفوس حين يغيبُ العدلُ في البيتِ، بل إنَّ غياب العدلِ في البيتِ قد يدفعُ الأبناءَ إلى أنْ يكيد بعضُهم لبعض، وقد يَصِلَ الكيدَ إلى حدِّ القتل والعياذ بالله، ولأنْ يَتْرُكَ الوالدانِ الابنَ المُحَبَّبَ إليهما ينعمُ بحبِ إخوتِه ومودتهِم خيرُ له من أن يتركاهُ يرتع في حطام الماديات وترفيات الحياة ويشقى بالحرمان من مودة إخوته ومحبتهم.
أيها الإخوة المؤمنون: وكما حضَّ الإسلامُ على العدل بين الأبناء حضَّ كذلك على العدل بين الزوجات لتنعم الأسرةُ كُلُّها بجوِّ المودةِ والرحمةِ والصفاءِ والاستقرار، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ))
عباد الله: ويجب أن نعرف أنَّ الميلَ القلبي لا يؤاخَذُ به المسلمُ مالم يَظْهَرْ لهذا المَيلِ أثرٌ ماديٌ في التعامل والتعايش، فعن عائشةَ رضي الله عنها قالت:كان النبي صلى الله عليه وسلم يَقْسِمُ ويعدلُ ويقول: ((اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِى فِيمَا أَمْلِكُ فَلاَ تَلُمْنِى فِيمَا تَمْلِكُ وَلاَ أَمْلِكُ))، يعني به الحبَّ والموَدَّةَ لأنها تتعلق بالقلب، وميلُ القلبِ أمرٌ غيرُ مقدورٍ للعبدِ بل هو من الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله تعالى:( وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ (
ولكن يجب أن ننتبه عباد الله إلى أن ماعدا ما يتعلقُ بالقلبِ من النفقه والقسمة وغيرها من الأمور الحسية والمادية يجب التسوية فيه.
وتأملوا عباد الله هذه الصورةَ المشرقةَ التي ترسمها لنا أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عن عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين نسائه، وذلك عندما تقول رضي الله عنها:
((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم تَبْتَغِى بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللَّهِ
أيها الإخوة المؤمنون: وكما يقيم المسلمُ الحقَّ والعدْلَ بين أبنائهِ وبين نسائه يُقيم الحقَّ والعدلَ كذلك بين والديه، وذلك باهتمامه ببرِّهِما على حَدٍّ سواءٍ، وإن كانت الأم تستحقُّ الحظَّ الأوفرَ من البر، ويُقَدَّمُ حقُّها على حق الأب عند المزاحمة، وذلك لما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِى؟ قَالَ: (( أُمُّكَ ))، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (( ثُمَّ أُمُّكَ ))، قَالَ: ثُمَّ مَنْ قَالَ؟ (( ثُمَّ أُمُّكَ))، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (( ثُمَّ أَبُوكَ ))
وكم يحزن المسلمُ حين يرى ذلك التفريقَ في المعاملة من الأبناء لوالديهم، هذا يهمل أباه من أجل أُمِّه أو يهمل أمَّهُ من أجل أبيه، وهذه تهمل أمها من أجل أبيها أو تهمل أباها من أجل أمّها، وغير ذلك من الصور المؤسفة التي تقع في دنيا الناس.
عباد الله : وينبغي أن نَعْدِلَ كذلك بين أصحاب الأرحام وذوي القربى، في الزيارة والمودة وغير ذلك من صور البر والعدل دون تفريق بين ذكر أو أنثى أوغنىٍ وفقير، فالجميع له حق، وواجبنا أن نعطيَ كُلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ ولو في النظر والمجلس.
جاء في الشمائلِ للإمام الترمذي في وصْفِ مجلس النبي صلى الله عليه وسلم:كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقوم ولا يجلس إلا على ذِكْرٍ، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمرُ بذلك، ويُعْطِي كل جلسائه بنصيبه حتى لا يَحْسب جليسُه أن أحداً أكرم عليه منه.
وعن محمد بن كعب القرظي قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال: صف لي العدل، فقلت: بخ. سألتَ عن أمرٍ جسيمٍ، كُنْ لِصغير الناسِ أباً ولكبيرِهِم ابناً، وللمثْلِ منهم أخاً، وللنساءِ كذلك، وعاقبِ الناسَ على قدرِ ذنوبهم، وعلى قدر أجسامهم، ولا تضرب بغضبِك سوطاً متعدياً، فتكون من العادين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
ملحوظة : وقت الخطبة مع الصلاة ثلاثون دقيقة، يرجى مراعاة ذلك.
أحمد سعد الدين
02-03-2005, 12:08 PM
الحمد لله، أَمَرَ ألاَّ تعبدوا إلا إياه، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، بيده الخير، وله الملك، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير .
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، إمام النبيين، وقدوة المتوكلين، وسـيد ولد آدمَ أجمعين، والرحمة المهداة للعالمين.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على هذا الرسول الكريم، والسيد السند العظيم.
عباد الله: أوصيكم وأوصي نفسي بتقوى الله، وأحثكم على طاعتـه، وأحـذركم وبال عصيانه ومخالفة أمره، وأستفتح بالذي هو خير: ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهٌ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه)
أما بعد:
فياأيها الإخوة المؤمنون: يقول الله تعالى في محكم كتابه:( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا)
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ قَالَ- يَعْنِى إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ - بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، يُقَالُ لَهُ: كُفِيتَ وَوُقِيتَ، وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ"
وقال بعض العارفين: متى رضيتَ بالله تعالى وكيلا وجدت إلى كل خير سبيلا!.
توكَّلْ على الرحمـنِ في الأمـر كُلِّهِ فما خابَ إنسانٌ عَلَيهِ توكَّلا
وكن واثقـاً بالله وارضَ بِحكمـه تَفُزْ بالذي ترجُوه منه تَفُضَّلا أيها المسلمون: التوكلُ على الله عز وجل والثقةُ بوعدِهِ وتفويضُ الأمرِ إليه والاعتمادُ في كُلِّ شأن من الشؤون عليْهِ هو مصدرُ كلِّ قوةٍ ونصرٍ، وأساسُ كلِّ سعادةٍ وعز، وسبيلُ كلِّ نجاحٍ وفلاحٍ، ومن هنا جاءَ الأمرُ الإلهيُ لعباده المؤمنين:( وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)
والتوكلُ على الله تعالى -أيها الإخوة- في كل الأمور وفي جميع الأحوال والشؤون هو الحصن الحصين عند نزول البلاء، وهو الدرعُ الواقيةُ من شرور المعتدين والأعداء، وهو بابُ الأملِ والرجاءِ عندما تنقطع الآمال ويقلُّ الرجاء، فإن من توكل على الله كفاه، ومن فوَّض أمـره إليه وقاه، ومن كل شدة خلَّصـه ونجَّاه، ولنستمعْ للحقّ تباركَ وتعالى حيثُ يقول:( وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا )
والتوكلُ على الله عز وجل -أيها الإخوة- هو سِمَةُ المؤمنين الصادقين، وخُلُقُ المسلمين الكاملين، وشعارُ الصفوةِ من عبادِ الرحمنِ أهلِ الصدقِ واليقين، يقول الله تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ )
أيها المسلمون: انظروا وتأملوا كيف كان توكلُ الأنبياءِ والمرسلين وعبادِ الله الصالحين على الله وثقتُهم بوعدِهِ، وكيفَ كانَ نصرُ الله وتأييدُه لهم خاصة إذا حزبتهمُ الأمورُ وضاقَتْ عليهم الدنيا وطوَّقتهم مكائدُ الأعداءِ وأحاطَ بهم البلاءُ.
فهذا نبيُّ اللهِ نوحٌ عليه السلامُ حين كذَّبه قومُهُ وسخِرُوا منه وتألبوا عليه ماذا فعل؟ نادى في وجه قومه:(إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ )
فماذا كانت نتيجةُ توكلِهِ على ربِّهِ واعتصامِهِ بحبلِ خالقه؟ أغرق الله قومَه الظالمين ونجَّى نوحاً عليه السلامُ ومن معه من المؤمنين.
وهذا نبيُّ اللهِ هودٌ عليه السلامُ تمرَّدَ عليه قومُهُ ((عادٌ)) الذين طغوا في البلادِ فأكثروا فيها الفسادَ، وهددوه وتوعدوه بالقتل، فماذا كان موقفه معهم؟ لم يعبأ بهم ولم يخشَ كيدَهم وصاحَ فيهم بأعلى صوته: ( إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ )
فماذا كانت نتيجةُ توكلِهِ؟
نجَّى اللهُ نبيَّهُ هوداً عليهِ السَّلامُ وأهلَكَ قومَهُ عاداً ( بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ )
وهذا هو الحبيبُ المصطفى سيدُنا محمدٌ ( لمَّا كذَّبَهُ قومُهُ وجَحَدُوا رسالتَهُ وأعرضوا عنه وتولَّوْا ناداه مولاه بقوله: ( فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) فامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه وتوكَّلَ عليه فكانت عاقبةُ أمرِهِ تأييداً وفتحاً مبيناً ونصراًعزيزاً ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا)
أيها المسلمون: هذِهِ هِيَ ثمرةُ التوكُّلِ على اللهِ تعالى: طمأنينةٌ في القلبِ، وسكينةٌ في النفسِ، وقوةٌ في مواطنِ الضعفِ، ونصرٌ على العدوِّ، وخلاصٌ من كل شِدَّة.
عباد الله: والسؤالُ المطروحُ هنا: ما هيَ حقيقةُ التوكلِ على الله الذي يدعونا إليهِ الإسلامُ ويُعْطينَا هذِهِ الثمَراتِ الطيبةَ؟
هل التوكُّلُ على اللهِ تَرْكٌ للأسباب، وتَسَوُّلٌ على الأبواب، ونومٌ وتعطُّلٌ وتخاذل وتسَكُّعٌ؟
اللهم لا، فإن هذا هو التواكلُ المهينُ والعَجزُ المشينُ الذي يأباه الإسلامُ ولا يرضاه لأهله ولا يُقِرُّهُ في مجتمعه، ولن يجنيَ صاحبُهُ من ورائِهِ إلا الخيْبَةَ والعارَ والفشَلَ والخسران!؟
هل التوكلُ على الله تعالى هو أن تعتمد في كلِّ أمورِكَ وشؤونكَ على نفسِكَ، مكتفياً بعَملِكَ وجهدِك مقتنعاً بتقديرك وتدبيرك، واثقاً من ذكائك وفهمك، ناسياً ربَّك الذي بيده الخلقُ والأمرُ، غافلاً عن مولاكَ الذي له وحدَه النفعُ والضر، غيرَ عابئٍ بالعليِّ القديرِ الذي ليس لأحدٍ مما قضاهُ وقدَّرَهُ مفر؟
اللهم لا، ولكن هذا هو الغرورُ المشؤومُ الذي قد يؤدي بصاحِبِهِ إلى أسوأِ العواقبِ وأوخمِ النتائجِ، فقد تأتي الرياحُ على خلافِ ما قَدَّرَ، وتخسفُ المقاديرُ كلَّ مادبَّر..!!.
إذاً فما هي حقيقة التوكل الذي يجبُ على المسلمِ الحقِّ أن يتخلقَ بِهِ والمؤمنِ الصادقِ أن يتحققَ بهِ؟
التوكلُ على اللهِ هو طَرْحُ البدنِ في العبوديةِ، وتَعَلُّقُ القلبِ بالربوبيةِ، والثقةُ بوعدِ اللهِ!.
عباد الله: هذه هي حقيقةُ التوكلِ على الله، وتتجلى هذه الحقيقةُ في كلماتٍ ثلاثٍ ما أغلاها وأعلاها:
الكلمةُ الأولى: طَرْحُ البَدَنِ في العبودية، ومعناها أن تعملَ أعضَاؤُكَ كلُّها بطاعةِ اللهِ، وأن تتحرَّكَ جوارحُك جميعُها وفْقَ سننِ الله في كونِهِ، ومنهجِهِ في شَرْعِهِ، آخذاً في تحصيلِ الخيرِ بالأسبابِ، وطارقاً من أجلِ الوصولِ إليهِ كُلَّ بابٍ.
الكلمةُ الثانية: تَعَلُّقُ القلبِ بالربوبيةِ: ومعناها أنَ يكون سِرُّك وقلبُك دائماً في حضرةِ ربِّك، مستعيناً في كل تصرفاتِكَ بخالقِكَ، متبرئاً من حولِكَ وقُوَّتِكَ، بالله تقومُ وتقعُدُ، وبالله تتحرَّكُ وتسكُنُ، وباللهِ تُفَكِّرُ وتُدَبِّرُ، فإنَّ اللهَ عز وجل يقول:( وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ )
الكلمةُ الثالثة: الثقةُ بوعدِ الله، فاللهُ تبارك وتعالى قولُهُ الحقُّ، ووعْدُهُ الصدقُ، وما علينا إلا أن نعملَ صالحاً كما أمرَنَا، ثم نجني بعد ذلك ثمرةَ عمَلِنَا الصالِحِ كما وعَدَنَا، يقول الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)
هذِهِ هي حقيقةُ التوكلِ: حركةٌ دائبةٌ لا تعرِفُ التوقُّفَ، وعملٌ صالِحٌ مستمرٌ وفقَ سنن اللهِ الكونيةِ وأحكامِهِ الشرعيةِ لايعرفُ الكسلَ والمللَ، وتقديرٌ وتخطيطٌ مدروسٌ منظَّمٌ لايعرفُ العشوائيةَ والعفويةَ، وعزيمةٌ ماضيةٌ لا تعرفُ الترددَ، وثقةٌ في الله لا تعرفُ الشكَّ كما قال تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ )
فاتقوا الله -أيها المسلمون- واعلموا أن الأمرَ كُلَّهُ مِنَ اللهِ وإليْهِ، فاعبدوه وتوكَّلُوا عليه تُرْزَقُوا وتُنْصَرُوا وتُجْبَرُوا وتُؤْجَرُوا، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا "
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم..
أحمد سعد الدين
02-03-2005, 05:24 PM
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد اللهُ فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له القائلُ:(واذْكُرْ فِي الكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّه كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا)
وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُه ورسولُه، خيرُ من وفَّى بوعوده وحافظ على عهوده وعقوده.
اللهم صَلِّ وسَلِّمْ وبَارِكْ على سيدِنا رسولِ الله وعلى آله وأصحابه وسَلِّمْ تسليماً كثيراً.
أما بعد: فأوصيكم عبادَ الله ونفسي بتقوى الله وطاعته، وأحذركم ونفسي من معصيته ومخالفة أمره، قال الله تعالى:(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ)
أيها المسلمون: إنَّ صفةَ الوفاءِ مِنْ حميدِ سجَايا المؤمنِ، وكريمِ خصالِ المسلمِ التي يجب أن يحرصَ عليها في كل أحيانه ومع كل من يتعامل معهم، قال الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وقال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً)، وقال تعالى: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ)
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (ما خَطَبَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له، ولا دِينَ لمن لا عهدَ له)
إخوة الإيمان: ومن أول وأقدس وأعظم العهود التي يجب على المسلم أن يوفي بها: التحققُ بالعبودية لله والانخلاع من عبودية الشيطان وطاعته، قال الله تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)
ومِن أحَقِّ وآكَدِ العقودِ التي يجب الوفاءُ بشروطها: عَقْدُ النكاحِ، فعن عُقْبَةَ بنِ عامرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ”أَحَقُّ الشروطِ أنْ تُوفوا بِها ما استحللتم به الفروج“
أيها المسلمون: إن الوفاءَ في حياة المسلم خُلُقٌ أصيل، يَمْتَزِجُ بلحمه ودمه، ولا ينفك عنه، ومن ثَمَّ فهو يتعامل بِه مع جميع الناس، ولنا في وفاءِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابهِ الأبرارِ رضي الله عنهم الأسوةُ الحسنةُ.
وهذه صورةٌ حَيَّةٌ مُشرقةٌ لوفاءِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُ فيها أصحابَه وأمتَهُ كيف يكون الوفاءُ بالعهدِ حتى ولو كان مع الأعداء، فَعَنْ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ قَالَ: مَا مَنَعَنِى أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلاَّ أَنِّى خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِى - حُسَيْلٌ - قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلاَّ الْمَدِينَةَ، فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلاَ نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: «انْصَرِفَا نَفِى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ “
وهذه صورٌ أُخْرَى مُشْرِقَةٌ من حياةِ أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم نرى من خلالها كيف يكونُ الوفاءُ بحَقٍّ، فعَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ - رَجُلٍ مِنْ حِمْيَرَ - قَالَ: كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ وَكَانَ يَسِيرُ نَحْوَ بِلاَدِهِمْ حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْعَهْدُ غَزَاهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لاَ غَدْرٌ، فَنَظَرُوا، فَإِذَا عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ”مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلاَ يَشُدُّ عُقْدَةً وَلاَ يَحُلُّهَا حَتَّى يَنْقَضِىَ أَمَدُهَا أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ “. فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ
وعن ميمونَ بنِ مهران رضي الله عنه قال: ”ثلاثةٌ: المسلمُ والكافرُ فيهنَّ سواءٌ، مَنْ عاهدتَهُ فوفِّ بعهدِهِ مسلماً كان أو كافراً فإنما العهدُ لله، وَمَنْ كان بينك وبينه رَحِمٌ فَصِلْهَا مسلماً كان أو كافراً، وَمَنْ ائْتَمَنَكَ على أمانة فأدِّها إليه مسلماً كان أو كافراً“
وهذا سيدُنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يَحرصُ مِنْ عظيمِ وفائِهِ عَلَى أن يُوَفِّيَ بوعودِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، فعن ابْنُ الْمُنْكَدِرِ قال: سَمِعْتُ جَابِرًا رضى الله عنه قَالَ: قَالَ لِى النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم :”لَوْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا ثَلاَثًا“. فَلَمْ يَقْدَمْ حَتَّى تُوُفِّىَ النَّبِىُّ، فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا فَنَادَى مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم وَعَدَنِى، فَحَثَى لِى ثَلاَثًا“
ويُرْوَى أنَّ سيدَنا عمرَ بنَ الخطابِ رضي الله عنه قال لِجَرِيرِ بنِ عبدِالله البَجَلِي رضي الله عنه -والناسُ يُحاصِرُونَ العراقَ مِنْ قِبَلِ الأعاجم-: سِرْ إلى قومك، فما غلبتَ فلك ربعه، فلما جُمِعَتْ غنائم ”جلولاء“ ادَّعَى جريرٌ أنَّ له ربع ذلك كله، فكتب سيدنا سعد رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه، فكتب عمر: صَدَقَ جرير، قد قلت ذلك له، فإن شاء أن يقول: قاتَلَ هو وقومُه على جُعْلٍ فأعطُوه جُعْلَه، وإن كان إنما قاتَلَ لله ولدينه، فهو رجل من المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، فلما قدم الكتاب على سعد أخبر بذلك جريراً، فقال: صَدَقَ أميرُ المؤمنين، لا حاجة لي به، بل أنا رجل من المسلمين!.
أحبتي في الله: وإذا كان الوفاء خلقاً أصيلاً في حياة المسلم، فإن الغدر والخُلْف من صفات المنافقين، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ”أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ“
وإذا كان الغدرُ والخيانةُ دَيْدَن المنافقين فلقد توارثوا ذلك عمن خالطهم من اليهود الذين قال الله تعالى في حقهم: (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ)
قال الحسن البصري رحمه الله: نعم ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، يعاهدون اليوم وينقضون غداً.
وإذا كان اليهود قد نقضوا عهدهم مع الله فإنهم لن يوفوا مع غيره، ومَنْ صدَقَ منهم ووفَّى بعهده مع النبي صلى الله عليه وسلم وأَبَى أن يغدر فإنَّ الله أنجاه من القتل، حيث يروى أنه في الليلة التي نزلتْ فيها قُريْظة على حُكْم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عمرو بن سعدى القرظي، فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه محمد بن مسلمة الأنصاري تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا؟ قال: عمرو بن سعدى، وكان عمرو قد أبىَ أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لا أغدر بمحمد أبداً، فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمني عثرات الكرام، ثم خلَّى سبيله، فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب فلا يُدرى أين ذهب من أرض الله إلى يومه هذا، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم نشأته فقال: ”ذلك رجل نجاه الله بوفائه“
أيها المسلمون: إن عاقبةَ نقضِ العهودِ وَخِيمَةٌ، وما نَراه مِنْ تَفَشِّي القَتْلِ في أرجاءِ المعمورة إنما هو بسبب نقض العهود كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، فعن بُرَيْدَةَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”ما نَقَضَ قومٌ العهدَ إلاَّ كان القتلُ بينهم، ولا ظَهَرَتِ الفاحشةُ في قوم إلا سُلِّطَ عليهم الموتُ، ولا مَنَعَ قومٌ الزكاةَ إلاَّ حُبِسَ عنهم قَطْرُ المطرِ“
كما أن الغدر يُعَرِّضُ صاحبَه للإتلاف والهَلَكَة، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ”مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ “
بل إن مَنْ يَظْلِمُ صاحبَ عهْدٍ من غيرِ المسلمين فإنه يدخل في خصومة مع النبي صلى الله عليه وسلم القائل: ”أَلاَ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوِ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ“
وفي يوم القيامة يُرْفَعُ لمن غدر لواء الغدر، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ”إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ هَذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ“
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم....
أحمد سعد الدين
02-03-2005, 05:26 PM
الحمد لله رب العالمين، يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، أَمَر ألا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
وأشهد أن سيدنا محمداً رسولُ الله، إمامُ المخلصين وسيدُ خلق الله أجمعين. اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا ونبينا وشفيعنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد:
فيا أيها الناس اتقوا الله حق تقواه، وراقبوه مراقبة من يعلم أنه يسمعه ويراه.
معشر المسلمين: يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)
أيها المسلمون:
إن الله تبارك وتعالى لا يقبل عملاً إلا إذا كان خالصاً له، لا رياءَ فيه ولاسُمْعَة، فمهما كان العمل صغيرًا فهو عند الله عظيم إذا كان خالصاً له، ومهما كان العمل كبيراً فهو عند الله حقير إذا لم يكن خالصاً لله عز وجل (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) .
أيها المسلمون:
إنَّ الرسالاتِ السماويةَ منذ مَبْعَثِ آدمَ عليه السلامُ وإلى مَبْعَثِ رسولِنا محمد ٍصلى الله عليه وسلم ، إنما جاءت لإقرار ”لا إله إلا اللهُ“ في النفوس إقراراً يقينياً،حيث يقول نبينا صلى الله عليه وسلم : ”خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَاقُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِى: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ“ .
ومعنى ”لا إله إلا الله“ معنىً عظيمٌ وجليلٌ، أي لا معبودَ بحق إلا الله، فالذي اتخذ اللهَ إلهاً ينبغي أن يدرك عظمة هذا الإله يقيناً، فإذا أَدْرَك هذه العظمةَ عَبَدَهُ جل جلاله مخلصاً له الدين، حيثُ يَعْلَمُ حَقَّ العلمِ أنَّ الأُمَّةَ لو اجتمعتْ على أن يضروه بشيء لا يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، ولو اجتمعتْ على أن ينفعوه بشيء لا ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، لذلك تراه دائمَ الخشوعِ لله عز وجل، يَرْتَجِي بأي عمل يعمله وَجْهَ الله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى وحده الذي يمده بالعون والمدد والسند في حياته ومعيشته، وهو وحده سبحانه الذي يجيره إذا أَلَمَّتْ به مصيبة من مصائب الحياة، وهو وحده سبحانه الذي يرزقه ويجبره، فمَنْ أيقن بهذه الحقائق العظيمة ماكان ليرائيَ أو ينافق في أي عمل إرضاءً لأي مخلوق مهما كانت مكانته سواء كان حاكماً أو محكوماً .
أيها المسلمون:
إن الله عز وجل أنزل على نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو إمام المخلصين قولَهُ سبحانه: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَلاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)
وقدكان صلى الله عليه وسلم شديدَ العناية بالإخلاص لله تعالى، وكان دائمَ التوجيه لأصحابه في هذا الأمر العظيم، فكان يذكرهم بإخلاص النيات لله عز وجل، فعن عُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ”الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ“ .
وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ”إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلاَ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ “ .
وعَن أبي مُوسَى الأَشْعَري رضى الله عنه قَالَ: قَالَ أَعْرَابِىٌّ لِلنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم : الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، مَنْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: ”مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا فَهْوَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ“ .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِى عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ:”إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً“ .
فالنية الصالحة تَرْقَى بصاحبها إلى مراقي الفلاح والنجاة،وإنَّ أيَّ عملٍ يعمله المرء يبتغي به وجهَ الله يُثِيبُهُ الله عليه ويُفَرِّجُ به كَرْبَهُ في الدنيا والآخرة، وقد بيَّن لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذلك من خلال هذه القصةِ الواقعيةِ المؤَثِّرة التي رواها لأصحابه الكرام رضي الله عنهم فقال صلى الله عليه وسلم :”انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوُا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمُ: اللَّهُمَّ كَانَ لِى أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لاَ أَغْبِقُ [أي لا أُقَدِّم في الشرب] قَبْلَهُمَا أَهْلاً وَلاَ مَالاً، فَنَأَى بِى فِى طَلَبِ شَىْءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ [أي أرجع] عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلاً أَوْ مَالاً ، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَىَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ ، فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لاَ يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ، وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِى بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَىَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَتْ مِنِّى حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِى فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّىَ بَيْنِى وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ:لاَ أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّه. فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهْىَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَىَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِى أَعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا. قَالَ النَّبِىُّ: وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّى اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ، غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِى لَهُ وَذَهَبَ فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِى بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَاعَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَىَّ أَجْرِى. فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ يَاعَبْدَ اللَّهِ: لاَ تَسْتَهْزِئْ بِى، فَقُلْتُ: إِنِّى لاَ أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ“ .
أيها المسلمون:
لقد وَعَىَ الصحابةُ رضي اللهُ عنهم حقيقةَ إخلاصِ العبادة لله عز وجل، فهذا أحدهم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعه على الجهاد، ويَخُوْضُ غمار إحدى الغزوات راجياً مرضاة الله وإعلاء كلمته، وعند انقضاء المعركة يَقْسِمُ له رسولُ الله نصيبَهُ من الغنائم، فيقولُ هذا الصحابي الجليل: ماعَلَى هذا بايعتُك يا رسول الله؟ إنما بايعتك على سَهْمٍ يدخل من ههنا ويخرج من ههنا ويشير إلى حلقومه! وفي المعركة التالية وُجِدَ هذا الصحابي مقتولاً بسهم على نحو ما أراد.!!. وهذا سيفُ الله المسلول سيدُنا خالدُ بنُ الوليد رضي الله عنه عندما يتلقى أمر عزله من قيادة جيوش المسلمين من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يذعن لأمر خليفته بقلبٍ راضٍ مطمئن، ويرضى برحابة صدرٍ أن يكون جندياً تحت إمرة من كان بالأمس القريب قائدًا له، ويترفع عن حظوظ النفس والهوى لأنه يجاهد لإعلاء كلمة الله لا لبناء أمجادٍ له.
بهذا الإخلاص استحقوا نصر الله وتأييده ففتحوا العالم من أقصاه إلى أقصاه،وسادوا الدنيا شرقاً وغرباً، وذَلَّتْ لهم النُّفُوسُ وخَضَعَتْ لهم الرِّقابُ، لأنهم ذَلُُّوا لخالقهم وخَضَعُوا له، وأخلصُوا النيةَ في أعمالهِم له، فكافأهم اللهُ بعِزِّ الدنيا والآخرة،وصاروا أساتذةً للإنسانية وقادةً للبشرية.
أيها المسلمون:
إن من يستشعر عظمة الله في قلبه ويراقبه في سره وعلانيته لا يفكر إلا في مرضاة ربه، فهو مراده ومطلوبه، ونيتهُ دائماً حاضرةٌ في رضا ربه فهو لا يعمل عملاً إلا ويبتغي به وجه الله راجياً به رحمته وقربه، ومن أخلص في عبادته لربه قربه الله منه وجعله مع عباده المخلصين المقربين الذين أنعم عليهم مِنَ النَّبِيِّين وَالصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ والصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
أحمد سعد الدين
02-03-2005, 05:31 PM
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحاتُ، وبشكره تدوم النعم، أحمده على إحسانه وإنعامه، وأشكره على بِرِّهِ وإكرامه، وأصلي وأسلم على صاحب الخُلُقِ العظيمِ، والفضلِ العميمِ، سيدِ الخلقِ وحبيبِ ا¬لحقِّ، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المتصف بالصدقِ والأمانةِ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدَنا محمداً عبدُه ورسولُه، اللهم صل وسلم وبارك على سيدِنا محمد الذي ربىَّ أصحابَهُ على مكارمِ الأخلاقِ، وارضَ اللهم عن آله وأصحابه مصابيحِ الهُدى وأئمة الرشاد.
أما بعد فيا عباد الله:
أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم وأحثكم وإيايَ على طاعته وأحذركم وبالَ عصيانه ومخالفة أمره، وأستفتح بالذي هو خير فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.
أيها المسلمون:
يقول الله تعالى في محكم التنـزيل وهو أصدق القائلين: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ) .
إخوة الإسلام:
إنَّ دينَكم الحنيفَ يحث أبناءه على التحلِّي بمكارم الأخلاق ومحاسنِ الصفات، ومن أعظمِ الصفات التي حضَّ الإسلام على التمسك بها صفةُ الأمانةِ التي تتمثل في رعاية حقوقِ الله وحقوقِ العباد وحفظِ الأبدان والأرواحِ وصيانةِ الأموالِ والأعراضِ والمحافظةِ على المقدسات والدفاعِ عن الأوطان.
واعلموا أنَّ مَنْ حَفِظَ الأمانة كان من عباد الله المفلحين قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) ... إلى أن قال (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) أي قائمون بحفظها عاملون على إصلاحها.
إخوة الإسلام:
ولقد بينت السنةُ النبويةُ المطهرةُ أنَّ كمالَ الإيمانِ لا يجتمعُ مع الخيانة فقال صلى الله عليه وسلم : ”المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمِنَهُ الناسُ على دمائهم وأموالهم “ . وقال صلى الله عليه وسلم : ” يُطْبَعُ المؤمن على الخِلال كُلِّها الاَّ الخيانةَ والكذِبَ“ .
واعلموا أن عدم الأمانةِ يعني عدم الإيمانِ فعن أنس بن مالك رض قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في الخطبة:”لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له“ كما يعني عدم الأمان يقول الشاعر:
إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحي دينـا
ومن رضي الحياة بغير دين فقد جعل الفناءَ لها قرينا
أيها المسلمون:
ولا تنسَوا أن تضييع الأمانة يُنْذِرُ بقرب قيام الساعة فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رض قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ”إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ“ قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَارَسُولَ اللَّهِ؟“ قَالَ: ”إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ“ .
وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: ”الأمانة تجلب الرزق، والخيانة تجلب الفقر“ . وإذا فشت الخيانة في أمةٍ من الأمم فقد ذهب ريحها، وتَقَوَّضَ مجدُها، وفُقِدَ عزُّها، وهَوَتْ إلى الحضيض ، وأصبحت لقمةً سائغةً في يدِ عَدُوِّها.
والأمانةُ ليستْ مقصورةً على الودائع التي تُودَعُ عند الناس من غالٍ وثمين كالجواهر والحلي والأموال ، بل الأمانة أوسع من هذا كلِّه فهي القيام بالتكاليف واتباعُ كُلِّ مالله فيه طاعة، واجتنابُ كُلِّ مالله فيه مخالفة وعصيان، سواء كان ذلك في عبادة الله أو في معاملة عباده.
والأمانة بهذا المعنى الشامل هي التي عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً.
واعلموا عباد الله أن حياةَ الإنسانِ وعقلَه، وسمعَه وبصرَه، ومالَه وعرضَه، وسائر جوارحه أمانة عنده.
وأداء الأمانة في هذه النعم يكون بالحرص على استعمالها فيما خلقت من أجله، لأن العبد سيسأل عنها يوم القيامة قال تعالى: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) .
ومن الأمانة العامة رعايةُ حقوقِ الناسِ من أرواح وأموال وأعراض وشهادات وأداءُ الأمانة فيها يكون بأداء هذه الحقوق كاملة، وعدم مسِّها بسوء، قال تعالى في محكم تنـزيله: ( وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) .
أيها الأخوة المؤمنون:
واعلموا أن كل واحد فيكم مسؤول بين يدي الله يوم القيامة عما ائتمنه الله عليه في هذه الحياة الدنيا من زوجة وأولاد وعمل ومال يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم : ”كُلُّكُمْ رَاعٍ ومسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالأَمِيرُ الَّذِى عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ“ .
واعلموا أيها المسلمون في كل مكان من أرض الله أنَّ مِنْ أوجبِ الأمانات أداءً وحفظاً وحرصاً مقدساتِنا الإسلاميةَ فهي أمانةٌ في أعناقنا، كُلٌّ منا مسؤول حسب استطاعته، إنْ كان ذا مال فعليه أن يبذل ماله لإنقاذها وحمايتها، وإن كان ذا علم فعليه أن يَبْذُلَ علمه لحفظها وصيانتها، وإن كان ذا سلطان استخدم سلطانه، وإن كان ذا قوة استعمل قوته للحفاظ على المقدسات واستردادها من أيدي الأعداء الغاشمين . وعدوُّنا الذي يعتدي علي مقدساتنا في فلسطين وبيت المقدس مغرور بقوته فلا تردعه إلا القوة، فعلينا أن نستعد له بكل ما أوتينا من قوةٍ، وعلينا أن نُعدَّ أبناءنا لذلك، وبدون هذا سيزداد عدوُّنا استهانةً بنا وإذلالاً لكرامتنا ، وتدميراً لمقدساتنا.
لقد أحرق المسجد الأقصى منذ خمسةٍ وثلاثين عاماً ولم يحرك ذلك من المسلمين ساكناً، والفاجعةُ ستكون أشد إذا نفذت إسرائيل – لا قَدَّرَ الله - تهديدها بهدم المسجد الأقصى وإقامة هيكلهِم المزعومِ مكانهِ.
فياأمة الإسلام هُبِّي لنجدة المسجد الأقصى، وياأحفاد صلاح الدين أعيدوا أمجادَ صلاح الدين.
قُمْ ياصلاحَ الدينِ عادَ عدوُّنا عادتْ جَحَافِلُه بلونٍ ثـَـاني
عادَ التتارُ فيا جموعُ تَحَشَّدي واستمْسِكِي بسلاحِكِ الرَّبَّاني
إن أهلنا في القدس وفي فلسطين كلها يلاقون أشد أنواع العذاب والاستهانة بالحرمات ولا يزال منا أناس يستحقون أن يقال فيهم :
رُبَّ وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليُتَّم
ِ لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم
أكررُ أيها الإخوة: لا يردع القوَّةَ إلا القوةُ ، ولا يفُل الحديدَ إلا الحديدُ . وبدون ذلك ستظل كرامتنا ضائعةً أمام الأمم، وأمام أجيالنا الآتية، وأمام التاريخ وسنلقى عقاب الله في الدنيا والآخرة :
أُمَّتِي هلْ لكِ بينَ الأُمَمِ مِنْبَرٌ للسَّيْفِ أو للْقَلَــمِ
أتلقاكِ وطَرْفِي مُطْرِقٌ خَجَلاً مِنْ أمْسِكِ المُنْصَرِمِ
وإن نحن حفظنا الأمانة بالدفاع عن مقدساتنا وبذلِ الأموال والأرواح من أجلها ارتفعت رؤوسنا في الدنيا، ونلنا حسن الجزاء في الآخرة ، قال تعالى : ( وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) .
اللهم قوِّ إيماننا بك، وبملائكتك وبكتبك ورسلك وباليوم الآخر وبالقدرِ خيره وشره، وثبتنا على قولك الثابت في الدُّنيا والآخرة، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم .
Powered by vBulletin™ Version 4.0.2 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir