المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كليوباترا بين شوقي وشكسبير



ضياء الدين ظاظا
05-03-2005, 08:02 PM
كليوباترا
بين شوقي وشكسبير
أ- ضياء الدين ظاظا
مقدمة:
ظل الأدب العربي خالياً من المؤلفات المسرحية المثلى أحقاباً وعصوراً إلى أن قَيَصَ الله له فناناً يجيد الوصف والرصف ، يبدع من القديم حديثاً ، وهبته الطبيعة الشعرية نفسها فدانت له طوعاً ، وحَبَتْهُ شقيقتها المادية بكل ما فيها من رونق ونضارة وجمال ، فراحَ يجمع حلالاً ما بين الأختين ، هذه توحي وتلك تتلو، هذه تعزف ، وتلكُ تُغرَّد ، فيؤلف من صويتهما قصائد أوابد تحلىَّ بها صدر العربية بعد ذلك العري الطويل ، فطلع على المسرح بمصرع كليوباترا ، ومجنون ليلى ، ومحمد علي بك الكبير ، عنترة ، قمبيز ، أميرة الأندلس ، الست هدى ، البخيلة ... ...
فملأ بها ذاك الفراغ وأتم ذلك النقص فأبدى بعمله هذا للعربية مفخرة لم تكد تعد العدة لشكره عليها حتى غادرها إلى عالم الخلود في 14 أكتوبر (تشرين الأول ) 1932 ولسان حاله يقول: اليوم أكملتُ لكم أدبكم فقرّوا عينا .. انه أمير الشعراء احمد شوقي.
ولقد بلغ شوقي من النبوغ والشهرة ومن العبقرية والخلود ما أجاز به حدود بلاده إلى بلاد العالم الأخرى ، وقد أثبت في حياته الأدبية أن الشعر العربي يستطيع أن يَتفّرد ويغزو كل ميدان وأن يتناول كل غرض من أغراض القصيدة والقصة والرواية والمسرح ، وأن ينافس النثر في دقة الحوار وبلاغة الأداء والتمثيل ، وقد جارى شوقي في مسرحياته الشعرية عظماء الروائيين أمثال شكسبير ، وراسين ، وفيكتور هوجو ..وملأ في ذلك الجانب فراغاً لم يملأه شاعر عربي قبله .
ولاريب أن مدينة روما التي أُحتفل بإقامة تمثاله فيها منذ خمسة َ وثلاثون عاماً ستذكر له ما خصّها في قصيده ورواياته من مكانة بارزة أضافت إلى خلودها خلوداً وجعلت لمجدها القديم صدىً قوياً في عالمنا الحديث بين قرّاء العربية.
لقد كان شوقي الشاعر الكبير الذي انفرد بمجد روما قبل مائة عام وهو في نحو الثلاثين من عمره حينما عاد من معرض باريس العالمي ، وعرج عليها في عودته إلى مصر ، وكان القرن التاسع عشر يأفل غارباً في أطواء الزمن ، فما لبث بروما طويلاً حتى أثارت شاعريته بما لها من آثار رائعة وذكريات عظيمة ، فنظم فيها قصيدته النونية التي أهداها إلى صديقه إسماعيل رأفت ، وقَدَّمها بخطاب جاء فيه :
( صديقي المحترم ..... صدرت عن باريس وكأنها بابل ذات البرج والجسر ، وهي في دولتها ، أو طيبة في الزمن الأول – إلاً أنها مدينة الشمس ، وباريس مدينة النور ، أو رومة مقرً القياصر، ومزدحم الأجناس والعناصر وهي في رفعة ملكها الفاخر ، تَموجُ بالأمم كالبحر الزاخر ، أو الإسكندرية ذات المسلّة وهي في ذروة سعدها وأوج كمالها ، تغير الشمس في سرير مجدها بجلالتها وجمالها ، أو بغداد إبّان إقبالها وسلطان إقبالها وأعين أمرها وأسعد حالتها ..) إلى أن يقول.. (برحتها وهي تَجرُّ الذيل على المدائن الكبرى وتزرى بالحضارات ما حضر منها وما غبر ،وقصدت الى رومة لعلي أردُّ النفس الى الخشوع وأداوي الفؤاد من نشوة اغتراره بما رأى،فبلغتها واذ أنا بين أَثرٍ يكاد يتكلم وحجرٍ كان لكرامته يستلم،فوقفت أتأملُ ذا الجدار وذا الجدار،وأنشدُ ذلك القصر وتلك الدار الى أن ثار الشعر،والشعر ابن أبوين:
التاريخ،والطبيعة..فنَظَمتُ وكأني بها في يديك تقرأ:
(أحب التوفيق اليّ –أيها الأستاذ-إكرامُ العالم ،واجلالُ الصديق،وأنت لي بحمد الله هذان كلاهما،فهل تَمنُّ بقبول هدية هي الى التاريخ أدنى منها الى الشعر؟ ) .. !!
ولقد اعتزَّ بها صديقه المؤرخ إسماعيل رأفت بهذه الهدية،كما اعتزَّ بها الشعر العربي واعتزت بها روما ذات التاريخ المجيد وذات الشرائع وأصول الأحكام وربَّةُ القيادة والنظام والتي يقول فيها شوقي:
قِفْ بروما وشاهد الأمرَ واشهَدْ أن للمُلكِ مالكاً سـبحانهْ
دولةٌ في الثرى وأنقاضُ مُلـكٍ هَدَمَ الدهرُ في العُلا ببنيانـه
مَزَّقَتْ تاجه الخطوبُ وألقت في التراب الذي أرى صولجانه
طللٌ عند دِمنَهٍ عند رسـمٍ ككتاب محا البِلَى عُنوانـَـه .
ثم يصف هذا الملك الراحل وما شاهده من عظمة آثاره وبقايا مجده وفخامة بنائه ودياره إلى أن يقول متسائلاً واعظاً :

عالَمٌ قُلـبٌ وأحـلامُ خَلــقٍ تتــبارى غَباوةً وفطانـــه.
رومةُ الزَّهوِ في الشرائع والحكمةِ في الحــكم والهـوى والمجـانة.
أين مُلكٌ في الشرق والغرب عالٍ َتحسُدُ الشمسُ في الضحى سُلطانه.
أين أََشـرافُك الذين طغـوا في الدهر حتى أذاقهــم طغيانهـه.
أين قاضيــك ؟ ما أناخَ عليه أين ناديك ؟مادهـى شِيخـانه .
قد رأينـا عليـك آثارَ حٌزْنٍ ومن الدهر ما تـرى أحزانــه .
وهذا بعض ما نظمه شوقي من قصيدته (رومه) وما سجله من عظمتها وبكاه من مجدها القديم ولقد كان احتفال شوقي بروما في مسرحيته ( مصرع كليوباترة) المكانة البارزة في غير موقف من مواقف هذه المسرحية !
فهذا أنطونيو القائد الروماني وصريع كليوباترة يستغفر روما ويتضرع إليها أن تحنو عليه حين يودعها ويودع الحياة فيقول :
روما حَنانك واغفري لفتاكِ أوَّاهُ منك وآهِِ ما أقسـاكِ .
روما سلامٌ من طريدٍ شاردٍ في الأرض وَطَّنَ نفَسه لهلاكِ .
وهذا القيصر اكتافيوس بعد نصره يفتخر بالإتنساب إليها فيقول :
وما أنا إلا سيفُ رومةَ باتــراً أصيب بـه سـيفٌ لرومةَ باتــر.
زَجرتُ فلم أسمَعْ فقاتلتُ مُكرَهاً وفي الحرب إن لم ترَوع السِّلم زاجر .
فإذا كنا نرى تمثالاً لهذا الشاعر العظيم في عاصمة الرومان يزاح الستار عنه اعترافاً بفضله ، فقد سبق أن احتفل بها وأزاح الستار عن أمجادها ...
لقد كان موضوع كليوباترا من الموضوعات التي تداولتها أقلام كتَّاب المسرح منذ عصر النهضة الأوربية حتى القرن العشرين ففي الأدب الفرنسي نعثر على سلسة من المسرحيات التي تتناول بعض نواحي الشخصية الأسطورية ، وذلك ابتداءً من
( جودل ) في بداية عصر النهضة الى (ﭭيكتوريان ساردو ) أوائل القرن العشرين ، وفي إنكلترا من شكسبير إلى برناردوشو في العصر الحديث ، بل وتناولها الموسيقيون مؤلفو الأوبرا ، ولعلَّ أوبرا ( مسينه ) التي ألّفت سنة 1919 من خير ما لحن الملحون لترجمة تلك القصة ألحاناً وأنغاماً .
وشوقي وشكسبير كلاهما كتب في ( مصرع كليوباترة) مسرحية شعرية وإذا قارنا المسرحيتين نجد أن شخصية كليوباترة كما رسمها شوقي تختلف في كثير من جوانبها عن الصورة التي رسمها شكسبير .
















فذلكة تاريخية:

بطليموس:وهو بطليموس الأول، أحد كبار الاسكندر الأكبر حَكَمَتْ أسرته البطالسة مصر سنة 323-30ق.م إذ سقطت كليوباترة .وقد جاهد في أضعاف الإمبراطورية المقدونية ليستقل بمصر.
اشتبك في الصراع الذي نشب بين خلفاء الاسكندر أربعين عاماً، واتخذ لقب ملك سنة 305ق.م وفتح أبواب مصر للأجانب ،وعني بجعل الاسكندرية عاصمة الحضارة الإغريقية ،فدعا إليها كثيراً من الشعراء والفلاسفة والفنانين الإغريق ،وأنشأ جامعة الاسكندرية ومكتبتها .
أشرك معه في الحكم ابنه وخليفته بطليموس الثاني .توفي سنة 283-أو 282ق.م.
وكليوباترة السابعة هي بنت بطليموس الثاني عشر ،ولدت سنة 69ق.م وتزوجت أخاها الأكبر بطليموس الثامن عشر وارتقيا العرش معاً تنفيذاً لوصية أبيها سنة 51ق.م .ونوزع بينها وبين زوجها أو(أخيها) على العرش ففرَّت الى سورية لتعبىء جيشاً هناك تستعيد بها تاجها المفقود ،وهناك صادفها يوليوس قيصر ،فوقعت من نفسه فمكّنها من العرش شركة مع أصغر أخويها ،فما لبثت أن قتلته مسموماً،وتبعت قيصر الى روما فاحتفى بها حفاوةً أثارت سخط الرومان.
كانت كليوباترة سيدة واسعة الثقافة شجاعة ذات عزيمة قوية، كثيرة الآمال جميلة جذَّابة .
تولت الحكم وروما أقوى دول العصر،ومصر في الحضيض،كادت تصير ولاية رومانية ،فاستعانت كليوباترة بمواهبها واستغلت الرومان لتحقيق آمالها في إنشاء إمبراطورية مصرية ،فأوقعت قيصر في حبها وغرامها ،ولكن الرومان حالوا دون تحقيق هذا الأمل وأجهزوا على قيصر ،فترددت كليوباترة أيَّ الصفين تتبع ،أصف :وترايه أم صف: الموتورين فيه حتى إذا تم النصر لخلفاء قيصر على قتلته دعاها أنطونيوس الى طرسوس لتقدم حساباً عن هذا التردد المقصود ،وقد لَبَّت دعوته فسارت إليه في موكب بحري فخم تَجَلَّت فيه روعة الشرق وجلاله وغناه،وكانت يومئذ في الثامنة والثلاثين من عمرها على أبهى ما كانت من سحر وفتنة وجمال فما لبث أنطونيوس أن رآها حتى افتتن بها ،وضحَّى في سبيلها بمكانه وكبريائه ،وأخيراً بملكه ومطامعه وحياته.
وقضيا الشتاء التالي في الاسكندرية في غرام نسيا فيه كل شىء،وعلى أن أنطونيو قد رجع الى روما وتزوج من إكتافيا شقيقة إكتافيوس ،فقد عاد الى كليوباترة وأقام معها وسخا لها ولأبنائها بالعطف والتكريم .
وفي نشوة هذا الجنون كان اسمه يتضاء ل في روما وكانت قواه السياسية والحربية تخور.وتزوجته سنة37ق.م ووزَّع عليها وعلى أولادها النصف الشرقي من الامبرطورية الرومانية .وبعد هذا حرَّضته على محاربة إكتافيوس ،لكن إكتافيوس انتصر عليها في موقعة إكتيوم سنة 31ق.م .
وفي سنة 30ق.م اشتبك القيصران في وقعة إكتيوم البحرية ،وكانت كليوباترة بطبيعة الحال تؤازر بأسطولها أسطول أنطونيوس ،فَفَرَّت أثناء المعركة ،وفَرَّ في اثرها حبيبها المفتون،وبذلك كُتبت عليهما الهزيمة الأولى،ثم اشتبك الجيشان في معركة برية على أسوار الاسكندرية ،وكاد النصر في أولها يواتي أنطونيوس لكن سرعان ما تنكَّر له وتم عليهما الخذلان الأخير.
وحاولت كليوباترة أن تأسر بجمالها القيصر الظافر،وأن تفعل به ما فعلت بأنطونيوس فاشتركت معه في مفاوضات لصالحها الخاص وأرسلت الى أنطونيوس من أوحى اليه بموتها،فاتكأ على ظبة سيفه حتى إذا علم في احتضاره كذب هذا الوحي أمَرَ أن ينقل اليها حيث جاد تحت شفتيها بالنفس الأخير .وعندما اقترب إكتافيوس من مصر وأيقنت كليوباترة أنه من المستحيل أن تدافع عن مملكتها عزمت على أن تضحي بحياتها في سبيل أبنائها ،فأرسلت الى إكتافيوس تاجها وصولجانها وطلبت منه تتويج أحد بنيها مكانها .. فلما أيقنت أنه لن يلبي رغبتها وأنه سيحملها الى روما سبيّة وأنه يخدعها عن نفسه ،وإنما يريدها شارة ممتازة في موكب انتصاره،انتحرت تاركة وراءها بنتين من أنطونيوس كفلتهما إكتافيا،وولداً من يوليوس قيصر (قيصرون) قُتل في عهد إكتافيوس ،وجسداً هامداً ضمَّهُ القبر الى رفات أنطونيوس ،وذكريات حَيَّة خالدة...
وقد أثبتت الأبحاث الحديثة أنها لم تكن خليعة ولا غادرة ،وأبطلت مزاعم خصومها الذين لوّثوا سمعتها زلفى لإكتافيوس.
ومن سيرتها الحافلة بالأحداث استمد كثير من الشعراء والكتَّاب مادة لقصص شائعة مثل شكسبير،برناردشو،و شوقي.
في الأعوام الثلاثة الأخيرة من حياة المرحوم أحمد شوقي أمير الشعراء شُغل الناس بمسرحياته التي مثلت في ذلك الحين على مسرح الاوبرا ومسرح حديقة الأزبكية(1).
وقد بدأت بمسرحية كليوباترة ،ثم بمجنون ليلى،وتلتهما مسرحياته الأخرى .وقد كان ظهور هذه المسرحيات حدثاً هاماً في عالم الأدب وعالم الشعر وعالم المسرح الحديث
نحو ما كان يفعل شكسبير في اللغة الانكليزية ..!
يقول شوقي رحمه الله: (كنت قبل تأليف هذه الرواية أشهد رواية في احدى دور السينما عن ملكة فرنسية صَوَّرها المؤلف السينمائي في صورة امرأة داعر لا تتورع عن الاستجابة لشهواتها ،فأسيت لهذه الملكة وقلت في نفسي ،وماذا في عرض الفضائح على الناس دون جدوى؟ ثم كم في التاريخ من أغلاط وأكاذيب ،وقد يكون الشأن في ذلك لنزعة المؤلف وهواه السياسي ،أو ميوله الدينية أو القومية،أو رغبته في
الاتيان بما يثير الجماهير !!
(وهنا برزت كليوباترة على صفحة ذهني ،فقلت :لا يبعد أن تكون هذه الملكة قد جنى عليها المؤرخون من ذوي الأغراض ،وبالغوا في التجني عليها .
وحفَّزني ذلك الى وضع هذه الرواية عنها ،لأنه لا يُعقل أن تكون كليوباترة بهذه الحال الزرية التي نراها في كتب المؤرخين(وقد وجدت أن منشأ تشويه سمعتها أتى مما كتبه المؤرخ "بلوتارك" وهو من صنائع حكَّام الرومان ،فأمعن النظر في الحطَّ من شأنها مسوقاً بأغراضه،وعن "بلوتارك"أخذ غيره من المؤرخين الذين حملوا عليها ،فأردت أن أكشف اللثام عما طمسته الأغراض،وأن أبرز ما في حياتها العظيمة من عِبر ومُثُل عليا ،كالتضحية بالذات في سبيل العزة والكرامة،وقَدَّمتها كإنسانة فاتنة ،لها ما للفاتنات من غنى وفتنة ،وكملكة عظيمة لها ما للعظماء من طموح وكبرياء وجلال..يأبى عليها أن تسلم تاج مصر لأعدائها ،وتفضل الموت على حياة الذل والهوان وتقول للأفعى:
هلمّي منقذتي هلمّي وأهــلاً بالخلاص وقد سعى لى
سطت روما على مُلكي ولصَّت جواهر أسرتي وحلّي آلي
فرمتُ الموت لم أجبن ولكـن لعل جلاله يحمي جلالي
حياة الذل تدفـع بالمنايــا تعالي حية الوادي تعالي
ولم أبالغ كما بالغ بعض المؤرخون فأجعلها بريئة من كل عيب ،وأنسب اليها ما نسبه غيري من فضائل روحية و دينية ،فقد كتب عنها بعضهم واصفاً إياها أنها كانت متعمقة في الديانة المصرية القديمة أكثر من آبائها ،و متضلعة في العلم والفلسفة وأنها كانت حكيمة وفيلسوفة)
هذا من أهم ما عنى به شوقي في مسرحياته وهو البعد عن المبالغة والكشف عن الحقيقة ، و إبراز المُثُل العليا وفي مقدمتها مثال التضحية في سبيل الوطن وفي سبيل الحرية والكرامة والتمسك بالأخلاق الفاضلة.
ألَّفَ شوقي مسرحيته في عصر خاص وتأثر بأحوال اجتماعية ومسرحية خاصة.على أن للمسرحية قيمة فنية عامة من حيث تحقيقها لمطالب الفن المسرحي الرفيع ومن حيث قيمتها الانسانية العامة.ولا بد من التخلص من العوامل البيئية الخاصة قدر الإمكان ،وبنائها على أسس المسرحية ،أي كمسرحية تُمثَّل أمام الجمهور وعن طريق ممثلين،وعن عرض الموضوع المسرحي وتحليل الشخصيات وما بلغ ذلك من عمق،وعن ارتباط الحوار بالشخصية والموقف وقيمته الأدبية والمسرحية ،وعن القيمة العامة للمسرحية في تاريخ الأدب المسرحي عامة .ومذهب شوقي كما سبق القول مذهب غنائي يسترسل في نظم الشعر الغنائي ويحاول التاثير في الجمهور والارتقاء به عن طريق الشعر أكثر منه عن طريق التشخيص والعرض المسرحي للموضوع.
فشوقي كتب مسرحيته من رؤية خاصة به كشاعر مصري ينتمي الى ذلك الوطن الذي حكمت الملكة ووقعت فيه تلك الأحداث (كما أسلفنا).
ومن يقرأ المسرحية ويتأمل جوانب الصورة التي رسمها شوقي (لكليوباترة)يشعر أن المؤلف قد أقبل على كتابة مسرحيته بقصد خاص،وهو أن يبرّئها من التهم التي ينسبها اليها المؤرخون،ويرسم لها صورة تخالف صورة (الملكة الخليعة)(كما وردت عند شكسبير) فشوقي يعتبرها بطلة قومية وليست مجرد امرأة ذات نزوات عابرة .
على أنه لم يسلك مسلك شوقي في التأليف..المسرح الغنائي "أحد من الكتّاب من بعده مباشرة ،وإنما اتجه المسرح نحو التأليف المسرحي النثري بشكل عام،ويُمثّلُ هذا الاتجاه بوضوح الأستاذ توفيق الحكيم ،ثم ظهر بعد شوقي بنحو خمسة عشر عاماً كاتب نَهَجَ منهج أستاذه شوقي في كتابة المسرحية الغنائية وهو عزيز أباظة فألف مسرحيته الأولى (قيس ولبنى)وقد مُثّلت في دار الأوبرا الملكية في نوفمبر 1943م .
وفي مصرع كليوباترة نلاحظ أن الموضوع الأصلي فيها هو حب أنطونيو وكليوباترة أو الصراع الذي يجري في نفس البطلة بين الحب والمجد.
ولكننا نلاحظ أن شوقي عرض في نفس المسرحية موضوعاً ًآخر ثانوياً هو حب وصيفتها (هيلانة) لتابعها المصري(حابي) ونبحث عن كيفية ارتباط هذا الموضوع الثانوي بالموضوع الأصلي وتأثيره فيه فلا نتبين شيئاً من ذلك.وعلى العكس نرى هذا الموضوع الثانوي يضعف من تأثير الموضوع الأصلي في خانة المسرحية عندما ينتحر كل من كليوباترة وأنطونيو،وبذلك كان من الممكن أن نختتم المسرحية ،ولكننا يدلاً من ذلك نرى هيلانة تسعف من السم وتنهض لتتأبط ذراع حابي،وتخرج من المسرح الى جيث نعلم أنها ستقيم معه أي في الضيعة التي اقتطعها إياها كليوباترة قبل انتحارها
ثم يسدل الستار.
ولقد يقال ان المؤلف قد قصد من وراء هذه الخاتمة الثانوية الى ما يسمى في الفن المسرحي بالترويح على نحو ما نشاهد أحياناً في مسرحيات شكسبير أو غيرها من المسرحيات الفنية حيث يلجأ المؤلفون الى حيلة مسرحية يخففَّون بها من وقع الفاجعة في النفوس ،وكذلك الأمر في كثير من المقطوعات الغنائية التي تتخلل مسرحياته ،فهي وإن تكن من الشعر الغنائي الجميل العذب إلا أنها كثيراً ما تبدو دخيلة على الحوار كأنها قصائد غنائية قائمة بحد ذاتها ،فهبي لا تخبرنا بجديد ولا تؤدي الى تطور في أحداث المسرحية وإنما هي تغنًّ خالص بالحب ولواعجه أو حنين الى الماضي وذكرياته،ولقد يحدث أن نلتقي في بعض المسرحيات العالمية الكبيرة بمونولوجات فيها بعض ما يشبه هذا الغناء،ولكنها تحتوي في الغالب على اعترافات تنبئنا بما نجهل أو تكشف الستار عن مخبوء أو تضيء بعض حنايا الشخصية المسرحية.
و أما مجرّد الغناء العاطفي بأشجان النفس أو بمظاهر الطبيعة وما يختلط بها من مشاعر الشخصيات وذكرياتهم فذلك ما لم نعد نشهد له وجوداً في المسرح الحديث بعد أن تخلص من الجوقة التي كانت تردد مثل هذه الأغاني في المسرح اليوناني القديم والأمثلة لهذه الأغاني كثيرة في مسرح شوقي ( حتى لقد استطاع بعض الملحنين أن ينتزعوا بعضها من سياق المسرحيات وأن يلحونها منفردة كقصائد قائمة بذاتها وأن يتفننوا بها مثل أغنية كيلو بترا (2) التي غناها الفنان محمد عبد الوهاب :

أنا انطونيو وأنطونيــــــو ما لرُوحينا عن الُحب غِنَى
غَنِنا في الشـــوق أو غَنَّ بنا نحن في الحب حديثٌ بعدنا


رَجَّعتْ عن شجونا الريح الحنـونْ وبعينينا بكى المزن التهـون
وبعثنا من نفاثاتِ الشــــجون في حواشي الليل برقاً وسنى

خَبَّري يا كأس واشــــهد ياوتر وارو ياليل وحدَّث ياسـحر
هل جنبينا من ربا الأنس الســـمر ورشفنا من دَواليها المـُـنى


الحياةُ الحبُّ والحبُّ الحيـــــاه هو من سَرحتها سِـرُّ النواه
وعلى صحرائها مَرَّت يــــداه فجرت ماءً وظــلاً وجنى

نحن شعرٌ وأغانيُّ غــــــدا بهوانـــا راكبُ البيد حَدا
وبنا الملاحُ في اليمّ شــــــدا وبكــى الطيُر وغنَّىموهـنا

من يكن في الحب ضحى بالكــرى أو بمسفوح من الدمع جرى
نحن قرّبنا له مُلك الثــــــرى ولقينا المـــوتَ فيه هيّنا

في الهوى لم نألُ جهد المؤثــــر وذهبنا مثــلاً في الأعصُــر
هو أعطى الحبَّ تاجي قيصـــر لم لا أعطى الهوى تاجي مِنــاً

فهذه القصيدة على روعتها الغنائية لا تكاد تساهم في بناء المسرحية ، حتى لو أنها حذفت لما تركت فراغاً ولما أحسسنا بخلل في ذلك البناء ، وإن تكن خليقة بأن تفسح المجال للحن رائع جميل فيما لو قدمت هذه المسرحية كأوبرا لا كمأساة عادية نعتمد على الحوار والحركة دون غيرها .
ونستطيع أن نعثر على أمثلة متشابهة في معظم مسرحياته الأخرى وبخاصة في مسرحيته ( مجنون ليلى ) (3) ، حيث نجد فيها قصائد غنائية رائعة تكاد تقوم بذاتها منها : جبل التوباد .. وغيرها .
ويقول الدكتور محمد مندور ( ويكاد يجمع عليه النقّاد من طغيان العنصر الغنائي على مسرح شوقي حتى اتهموه بأنه قد أقحم نفسه على الشعر الدراما يتكي دون أن يستطيع التخلص من طابعه الغنائي أو ينزل على مقتضيات الفن المسرحي .
وطبيعة الحوار التمثيلي ، وإن كنا لن نملّ القول بأن مسرحيات شوقي خليقة بأن تلقى أكبر النجاح لو أنها لُحَّنَتْ وتغنى بها وقُدمت للجمهور كمسرحيات غنائية فعندئذ لن تلوح المقطوعات الغنائية دخيلة عليها بل ستزيدها جمالاً وتزيد من متعتنا الروحية بسماع الشعر الرائع ملحّنَاً منغمّاً كفن جميل مكتف بذاته ).
بينما مذهب شكسبير مذهب التصوير المباشر للحقائق وعن طريق عرض الموضوع عرضاً مسرحياً كأزمة تتطور وتتوتر وتحل ، بحيث يحدث هذا التطور من داخل الشخصيات وينسجم معها فتؤثر حوادث الموضوع في سلوك الشخصيات وتؤثر الشخصيات في تحريك حوادث المواضيع كوجهتين لعملة واحدة .
ويعبّر الحوار تعبيراً طبيعياً عما تقتضيه المواقف معبّراً عن أهواء هذه الشخصيات العميقة وعواطفها كما تخرج الحرارة عن النار والرائحة من الزهور .
وقد دفع مذهب شوقي صاحبه إلى الخلط بين وسائل القصة وهي السرد والتفصيل والاسترسال ، بينما ساعد شكسبير على إتقان فنه المسرحي حياته المتصلة بالمسرح من تمثيل وإخراج منذ بداية حياته .
ولم يكن الشعر الغنائي عنده إلاّ مخرجاً ثانوياً لعواطفه الجّياشة ، بل إن قصصه الطويلة الغنائية الأولى تعتبر مقدمة كميوله المسرحية مثل أن تصقل أو تهذب ، وقد عبَّر فيها عما يجيش في أعماق قلب الإنسان .
يضاف إلى ذلك على عبقرية نادرة في تفهم أعماق القلب البشري ، وقدرة فذَّة على تصورها في لوحة متسعة الشخصيات متسعة الأفق في الفلسفة والمدلول .
بينما نجد عكس الصورة في مسرحية شكسبير الذي كان مشغولاً بالكشف عن شخصية (انطونيو) في المقام الأول .
فكليوباترا في مسرحيته جاءت في المحل الثاني ، وهي تلعب دور ( الغانية ) لتدعيم سيطرتها على أنطونيو وإن كان شكسبير يضيف إلى شخصية كليوباترا بعض الحوافز التي تتفق مع الصورة التي رسمها شوقي وهي تنتحر حين قالت تناجي نفسها :
أأدخل في ثياب الذل رومـا وأعرض كالسبي على الرجـال ؟
وأصدح بالشماتة عن يمينـي ويعرض لي التهكم عن شـمالي ؟
وألقي في الندى شيوخ روما مكان التاج من فرقي خالــي؟


إلى أن تقول :
أموت كما حييت لعرش مصر وابذل دونه عرش الجمـــال .
حياة الذل تدفع بالمنايـــا تعالي حية الوادي تعالــــي .
فلا يجعل شكسبير انتحارها في نهاية المسرحية مجرد هروب من موقف لا مخرج منه ، بل استجابة لكبريائها وأنفتها ، وإن أضاف شكسبير على هذا لَمسّة أنوثية ، تقول كليوباترة وقد سألها انطونيو وهو يحتضر خارج الهيكل أن تخرج إليه : ( كلا ياحبيي ، لست أجسر بامولاي ، فاعف عني ، لست أجسر على الخروج إليك من مقصورتي خشية أن أوقع في الأسر ، فما دام للنصل وللجسم أفعى وللأفعى ناب ، فلن يجعل مني قيصر الظافر الجوهرة التي تزيّن موكبه الملكي ، إني في حصن حصين ،ولن تنتصر على زوجتك ( أكتافيا ) ذات البصر الخفيض والفكر الهادئ ، إذ تتطلع إليَّ بنظراتها الوديعة )، أنطونيوس وكليوباترا .
وإذا كان شكسبير قد حافظ على الحقيقة التاريخية في تصويره الدافع المباشر لانتحار انطونيو كما وردت في سيّر (بلوتارخ ) إذ كانت كليوباترة قد أرسلت غليه من يزعم له أنها انتحرت ، فإن شوقي قد احتال لكي يبَّرئ كليوباترة من هذه الخيانة بأن أوكل إلى أولمبوس الطبيب الخائن إبلاغ النبأ الزائف .
على أن الخلاف الأكبر بين المؤلفين يتمثل في بطولة المسرحية وبنائها الفني .فقد رأى شكسبير في انطونيو شخصية تنطوي على صراع حاد متعدد الجوانب يمكن أن يكون مجالاً طيباً لتصوير صراع مسرحي في نفس بطل ( نبيل ) تقوده ( نقطة ضعيفه على الهاوية ، لذا وَجَّه اهتمامه على هذه الشخصية وبدتْ كليوباترة وكأنها لإثارة هذا الصراع بين الحب والواجب ، وبين البطولة المقتحمة والجبن المتخاذل لذلك فإن شخصيتها شاحبة إذا قيست في المسرحية إلى انطونيو .
ونجد مصداقاً لهذا الصراع في أول جملة في المسرحية حيث يقول فيلو أحد رجال انطونيو :( نعم ، ولكن هذه الصبابة الحمقاء التي سيطرت على قائدنا حتى طفح بها الكيل ... لقد كانت عيناه الجميلتان هاتان تبرقان على حشود الحرب وجنود الوغى كأنهما عينا ( مارس) المدرَّع إليه الحرب ! فإذا هما الآن كسيرتان ، وإذا هما الآن تنصرفان بالولاء والتفاني الى وجه امرأة سمراء في لون النحاس ... حتى لقد غدا كالكير أو كالمروحة يبرد شهوة غجرية).
وبعد هذا المشهد يسمع صوت نفير ويدخل انطونيو وكليوباترة ووصيفاتها وحاشيتها والخصيان يروحون عنها بالمراوح ، ويمضي ( فيلو) مخاطباً صديقه :( انظر إلى حيث هما قادمان ، تأمله جيداً ، ترى أن العماد الثالث ارتكزت عليه الدنيا قد صار إلى مأفون تلهو به عاهرة ، انظر وتأمل !).
لم يكن شكسبير يهمه أن يُبرَّئ كليوباترة من تلك الصورة العامة التي نقلها عنها التاريخ ، كما اهتم شوقي ، لذلك نراه احتفل بشخصية بطلة في المقام الأول ، وصوَّر شخصية كليوباترة امرأة – قبل أن تكون ملكة ، اجتذبت الرجال بتقلباتها ونزواتها وحبها الذي يتأرجح بين الخضوع والتمرّد الظاهري من لحظة إلى أخرى ، بينما نجد أن أهم ملامح شخصيتها في مسرحية شوقي تتلخص في المعاني القومية وفي تلك التضحية الممتدة في بناء المسرحية منذ ان كشفت عن دافع انسحابها من معركة ( اكتيوم ) إلى ان آثرت الموت على الحياة حفاظاً على وطنها .
هلُمَّـي الآن مُنقذتي هَلُمـَّـي وأهلاً بالخلاص وقد سعى لي
شربتُ السـمّ من فيكِ المفدَّى بسلطاني وزدتُ عليـه مالي
على نابيك من زُرق المنايــا شفاءُ النفس من سودِ الليالي
دعوت الراحة الكبرى ، فلبـَّتْ فبعداً للحيـــاة ِوللنضـال
سَطَت روما على ملكي ولَصَّتْ جواهرَ أسرتي وحُلـِيّ آلـي
فرمتُ الموتَ لم أجبن ولكـن لعل جلاله يحمي جلالــي
فلا تمشي على تاجي ولكـن على جسد ببطن الأرض بال
يطالبني بـه وطنٌ عزيــزٌ وآباءٌ ودائعهم غوالــي .
على أن شوقي مع ذلك لم يبرئها من ضعف بشري طبيعي يراود كل نفس إنسانية فتنساق على حين وراء نزاعها ، ثم تتماسك وتعود على طبيعتها الأصلية ، فكليوباترة امرأة يمكن أن تحب ويمكن أن تتجاوز بها عواطفها حدود ما ينبغي لملكة جليلة في بعض الأحيان فهي عنده ملكة طموح أرادت أن تستغل جمالها وفتنة القياصرة بها لكي تبني لنفسها ولبلدها مجداً سياسياً كبيراً ن وتوقع بين قادة الرومان فيحطم بعضهم بعضاً وتنفرد هي بعد ذلك بالقوة والسلطان.
وإذا كان المؤرخون قد ألحوّا على الحديث عن نزواتها وخضوعها لشهواتها الجسدية حتى أضاعت ملكيتها وساقت بلدها إلى استعمار روماني طويل ، فإن شوقي يحاول أن يبّرر طموح فطري عند كليوباترة لتربط حياتها بحياة العباقرة والأفذاذ من أبطال التاريخ ، ونجد ذلك في المشاهد الأخيرة للمسرحية حين تصمت كليوباترة صمت الموت فلا تستطيع أن تمجد تضحيتها وبطولتها ، ويجيء هذا التمجيد على لسان الكاهن( أنوبيس ):
(بنتي ! رجوتك للضحية والفدا فوجدت عندك فوق ما أناراجي
إن تصبحي جسداً ،فنفسك حرة وعلاك سالمة وعرضك ناجـي
سيقول بعدك كل جيل منصف : ذهبت ، ولكن في سبيل التـاج
كما يجري على لسانها قبل هذا المشهد ما يبّرر مغامرتها العاطفية الكثيرة وهي تناجي نفسها :
كأني بعدي بالأحاديث سلطت على سيرتي أو وكَّلتْ بحياتـي
وبالجيل بعد الجيل يروي زخارفاً فمن زور أخبار وإفـك رواة
يقولون :أنثى أفنت العمر بالهوى بهيّمية اللذات والشــهوات
فِداً لغرامي بالرجال وحُسنِهم غرام الغواني أو هوى الملكـاتِ
فليس الغلامُ البارعُ الحسن فتنتني ولا الرائعُ الأجلاد والعضلات
ولكن عُشِقتُ للعبقرية طِفلـة وفي الغافلات البُلهِ من سنواتي
وبمقارنة مسرحية شكسبير بمسرحية شوقي نجد اختلافاً جوهرياً يرجع الى المنهج الفني والى الأهداف الإنسانية ،فشكسبير حرصه الأول مُنصب على تحليل المشاعر الإنسانية ولذلك نراه يحرص في مسرحيته على الوقائع التاريخية التي تسعفه دون تقييد بأي قاعدة أو أصل من الأصول المسرحية التي نادت بها الكلاسيكية فيما بعد ،ولذلك نراه يستغل حادثة زواج أنطونيو من أكتافيا خصم أنطونيو اللدود ويتخذ من هذا الزواج سبباً من أسباب إشعال نيران الحرب بين القائدين الرومانيين،وسبباً لتحريك عنصر الغيرة في نفس كليوباترة،كما كان سبباً لتحريك حفيظة اكتافيوس ضد أنطونيو وكليوباترة انتقاماً لأخته المهجورة.
ولايجد شكسبير حرجاً في أن ينقل مكان المسرحية من الشرق الى الغرب،ومن الاسكندرية الى روما وصقلية وبلاد اليونان تبعاً لانتقال الأحداث بعد وفاة زوجة لأنطونيو الأولى وسفره من مصر إلى إيطاليا حيث تم الصلح بينه وبين إكتافيوس،كما تم زواجه من أخته ثم هجره لهذه الزوجة الجديدة وعودته الى كليوباترة ،واشتعال الحرب بينهما وانهزام أنطونيو وكليوباترة وانتحارهما.
بينما يغفل شوقي هذه الحادثة التاريخية الهامة، ولعله أراد أن يجاري في ذلك الكلاسيكيين الفرنسيين الذين يحرصون على مشاكلة الواقع في حدود تمثيل المسرحية لقطاع محدَّد من الحياة،ولذلك ينفرون من أن يجمعوا في المسرحية الواحدة بين الشرق والغرب وبين أطراف الزمان والمكان واكتفى بأن يجري مسرحيته حول الحوادث التي وقعت في أكتيوم الاسكندرية بعد عودة أنطونيو،بل واستعاض بالقصص عن المشاهدة على نحو ما يفعل الكلاسيكيون،
فنراه يكتفي بوصف معركة أكتيوم الحربية ومعارك الاسكندرية البرية وهذا الوصف ليس بدعاً في الفن المسرحي وله نظـائر عند الكتَّاب الكلاسيكيين(كراسين racin وغيره.
وقد يبلغ الوصف الفني الناجح أكثر مما تبلغه المشاهدة في إثارة القارئ أو المشاهد على نحو ما نرى في مسرحية شهيرة كمسرحية فدر feder إذ يقص راسين حادثة مصرع بطلها هيبوليت –قصصاً يفوق في قوة إثارته مشاهدة البصر.وبذلك يتجنب بشاعة المنظر دون أن يفقد عنصر الإثارة التي يسعى اليها كل مؤلف مسرحي،ويصل اليها بوسائله الخاصة فيؤثر
الكلاسيكي الوصف ،بينما يؤثر الرومانتيكي المشاهدة،ولا يتردد في أن يعرض على خشبة المسرح أبشع المناظر وأشدها عنفاً،فيريق الدماء وينثر الأشلاء أمام المشاهدين.
وإذا تجاوزنا هذين العملين المسرحيين وما قدّما من صورتين لكليوباترة،ونظرنا الى وقائع التاريخ الثابتة بالوثائق لرأينا أن كليوباترة لم تكن غانية تستغل جمالها لاصطياد الرجال ،بل كانت تنهج سياسة واعية تدرك طبيعة الصراع القديم حينذاك بين روما والشرق،وتحاول بوسائلها الخاصة أن تُبقي على استقلال الشرق وتحميه من أطماع روما،أو أن تسيطر هي على روما نفسها إذا استطاعت.


استنتاج

1-كليوباترة تضحي بحبها في سبيل وطنها ،وتضع مجده فوق عبقري جمالها.
2-وهي لا تغدر بأنطونيو لأنها أحسَسَّت بأفول نجمه وشروق نجم إكتافيوس .ورغبت في إغواء هذا النجم الصاعد لانحلال خلقها وسيطرة شهوة المجد على نفسها ،بل لسياسة وطنية عميقة هي أن تترك قوَّاد الرومان يفني بعضهم بعض،ولتنفرد هي بعد ذلك بالسيطرة على الشرق والغرب معاً.
3-انتحارها مع صاحبها ووحيد فتاها .
4-الصراع بينها وبين حبها ومجدها السياسي .
5-حب هيلانة من (حابي)وصيفتها من أحد أتباعها.
6-زواج هيلانة من (حابي) وانطلاقهما الى طيبة ليعيشا سعيدين في الضيعة التي أوصت لها الملكة المنتحرة.
7-المسرحية تصوّر فترة انتهاء استقلال مصر ووقوعها تحت سيطرة الرومان.
8-ردَّ أمير الشعراء شوقي الى مصر اعتبارها وأشاد بمجدها وصدق وطنية كليوباترة .لكنه لم يُظهر إخلاص الشعب المصري وغيرته على وطنه وتفانيه في سبيله.
9-كليوباترة لا تخون أنطونيو ولا تتخلى عنه في المعركة كغدر منها ،وإنما لسياسة عُليا هي أن تترك قوّاد الرومان يفني بعضهم بعض ليخلو لها الجو بعد ذلك وتسيطر على العالم ،و، تجعل من الاسكندرية عاصمته الكبرى.
10-وهي لا تضحي في سبيل مصر بعبقري جمالها ،علماً أنها كانت ملكة أجنبية دخيلة على مصر.
























الهوامش


1-وَرَدَ في مذكرات فاطمة رشدي...ذات ليلة بين فصول إحدى المسرحيات طَرَقَ باب مقصورتي (عزيز عيد)ودخل عليَّ ومعه أحمد شوقي أمير الشعراء وقَدَّمه اليّ وكانت أول مرة أتعرف فيها بشوقي ،وجلس معي فترة في مقصورتي وقال لي:
إنه يتابع مسرحياتي الواحدة بعد الأخرى ،وانه معجب بي وبفني كل الإعجاب وقال في النهاية وهو يصافحني :سأهديك هدية عظيمة تستحقينها ..
ولم تغب عني طويلاً هدية أمير الشعراء ..وكانت هدية عظيمة ،وعظيمة جداً كانت معجزة ،ومثَّلتُ دور كليوباترة أحد أدوار عمري الخالدة..وجاءني شوقي بمحمد عبد الوهاب ليغني في مسرحيته (أنا أنطونيو وأنطونيو) لَحنَهُ الخالد،وقررتُ له أجراً في كل ليلة عشرة جنيهات.
فلما مثَّلنا المسرحية في الأوبرا توقَّفَ وساومني أن أرفع أجره كل ليلة الى ثلاثين جنيهاً..بدون فِصال،واضطررتُ الى مداراته والموافقة حتى ينتهي موسم الأوبرا.
وفي قمة نشوة شوقي بنجاح مسرحيته الشعرية الأولى قال لي:
لا بدَّ أن أكافئك يا فاطمة ،فماذا تطلبين؟
-عدني ألا ترفض طلبي ..
-أعدك..
-أطلب منك هدية أخرى..مسرحية شعرية مثلها.؟
-فليكن يا فاطمة..وهذه المرة ستكونين الى جانبي وأنا انظمها ..
ونَظَمَ شوقي عبقريته الثانية (مجنون ليلى) وأنا الى جانبه.
كنا نجلس في عش أمير الشعراء على النيل (كرمة ابن هانئ)ومعنا محمد عبد الوهاب يغني لشوقي وأنا الى جانب شوقي وهو يرُبَّتُ على كتفي في حنو حتى يروح في غيبوبة الوحي ثم يصحو فيكتب على الورق الذي أمامه وحيَّهُ من شعر المسرحية الجديدة..فإن لم يجد الورق كَتَبَ على كم قميصه الأبيض.
وانتهى شوقي من (مجنون ليلى)وبدأنا البروفات ،واستغرق استعدادنا لها أربعة أشهر..وأفرغ عزيز عيد فيها عبقريته(كمخرج وممثّل)وأصرَّ على أن يُقدَّم الصحراء على طبيعتها على المسرح وجاء بحمولة (15)عربة من الرمل فرشَّها فوق خشبة المسرح ..كثبانا ً ومهاداً كما تبدو الصحراء الحقيقية .
وقدَّمنا (مجنون ليلى)ومَثَّلتُ ليلى ،والمجنون (أحمد علاَّم) وكان نجاح أعظم وأبهر من نجاح مصرع كليوباترة.. ولم يقبل شوقي أيَّ اجرٍ للمسرحيَّتين،بل أصرَّ أن تكون هديَّتين لي بالفعل
-رحمَ الله أمير الشعراء شوقي_.
هامش:
2-لقد حمل شوقي قيثارة الشعر وهو غلام يافع وعَزَفَ أنغاماً شجية حاكى فيها أعظم شعراء الغزل،لذلك كانت أوتار قيثارته القديمة في يده تخرج ألحاناً مستجدة في كل موضوع.
وقد استفاد شوقي من معرفته واطّلاعه على الشعر الفرنسي حيث صار شاعراً عالمياً ،لم يقتصر نظره على وطنه بل أضاف إليه الشرق والغرب فَنَظَمَ قصائد رائعة في كل موضوع داخل وطنه وخارجه،ولم يترك باباً في مجال الحب ،حتى غدت قصائده الغزلية مادة ثرية لعباقرة المغنين والمغنيات رددها في بلاد الشرق كله وغدت ظاهرة فريدة منتشرة في كل مكان.
وإن جيلاً كاملاً حفظ تلك القصائد لما فيها من رقة وعذوبة وموسيقا تنساب مع النفس انسياب النسيم العليل .غنَّى قصائده محمد عثمان،وسيد درويش،ومحمد عبد الوهاب،وأم كلثوم،عبده الحامولي ،وفتحية أحمد،أسمهان..وغيرهم الكثيرين من كبار المغنين،فمن لا يعرف تلك القصائد الخالدة:نهج البردة-سلوا قلبي-يا جارة الوادي-مضناك..أوبريت مجنون ليلى..و هاملت ..
3-راجع كتابنا غنائيات أمير الشعراء شوقي (ضياء الدين ظاظا).