المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التاريخ الإسلامى



الصفحات : [1] 2

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:12 AM
الخلافة الراشدة

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:14 AM
حروب الردة :

لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اتسع نطاق الردة ونجم النفاق في كل مكان إلا ما كان من المدينة ومكة والطائف والبحرين، ثم إن المناطق التي تقع إلى الشمال من المدينة، قد خاف أهلها بإرسال جيش أسامة، وقالوا : لو لم يكن للمسلمين قوة لما أرسلوا مثل هذا الجيش، فلنترك الأمر إلى قتالهم مع الروم، فإن انتصر الروم فقد كفونا القتال، وإن انتصر أسامة فقد ثبت الإِسلام، وهذا ما جعل الردة والنفاق تنكفأ في تلك البقاع.

وكان المرتدون فريقين، أولهما قد سار وراء المتنبئين الكاذبين أمثال مسيلمة وطليحة والأسود، وآمنوا بما يقول الكذّابون، وثانيهما بقي على إيمانه بالله وشهادته بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإقام الصلاة، إلا أنه قد رفض تأدية الزكاة وعدّها ضريبة يدفعها مكرهاً، وقد أرسل هذا الفريق الثاني وفداً إلى المدينة لمفاوضة خليفة رسول الله، وقد نزل على وجهاء الناس في المدينة، عدا العباس ابن عبد المطلب رضي الله عنه، وقد وافق عدد من كبار المسلمين على قبول ما جاءت به رسل الفريق الثاني، وناقشوا في ذلك الأمر، أبا بكر، ومنهم عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة، وغيرهم، إلا أن أبا بكر رضي الله عنه قد رفض منهم ذلك، وقال قولته المشهورة "والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاهدتهم عليه".

وقال عمر لأبي بكر رضي الله عنهما : كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال : لا إله إلا الله، فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله. فقال أبو بكر : والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً(1) لقاتلتهم على منعهم. وهكذا رأى أبو بكر رضي الله عنه أن الإِسلام كل لا يتجزأ وليس هنالك من فرق بين فريضة وأخرى، والزكاة وإن كانت من النظام الاقتصادي، إلا أنها ركن من أركان الإِسلام، وعبادة بحد ذاتها، ولا يمكن تطبيق جزء من الإِسلام وإهمال آخر. ورأى الصحابة أن الأخذ باللين أفضل إذ زلزلت الأرض بالردة والنفاق.

وقال عمر رضي الله عنه : يا خليفة رسول الله ! تألف الناس وارفق بهم، فأجابه أبو بكر : رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك ؟ أجبار في الجاهلية وخوار في الإِسلام ؟ إنه قد انقطع الوحي، وتمَ الدين، أوَ ينقص وأنا حي؟ أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بحقها، ومن حقها الصلاة وإيتاء الزكاة، والله لو خذلني الناس كلهم لجاهدتهم بنفسي.

وردّ أبو بكر وفد المنافقين الذين امتنعوا عن دفع الزكاة، مسفهاً رأيهم، مستمسكاً بالحق في إجبارهم على الخضوع الصحيح للدين فعاد رجال الوفد إلى قبائلهم وأخبروهم بقلة عدد المسلمين - وكان جيش أسامة قد انطلق - وأطمعوهم بغزو المدينة.

__________________

(1) العناق : السخلة، الأنثى الصغيرة من الماعز.

وكان أبو بكر رضي الله عنه عندما عاد إلى المدينة بعد أن شيعَ جيش أسامة قد جعل كبار الصحابة على منافذ المدينة إلى البادية، ومنهم علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وطلب من أهل المدينة أن يكونوا في المسجد استعداداً لكل طارئ، وقال لهم : إن الأرض كافرة، وقد رأى وفدهم قلة، وإنكم لا تدرون أليلاً تؤتون أما نهاراً وأدناهم منكم على بريد، وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادعهم، وقد أبينا عليهم، ونبذنا إليهم عهدهم، فاستعدوا وأعدّوا.

كان أبو بكر رضي الله عنه يريد أن يؤخر قتال المنافقين والمرتدين حتى يعود جيش أسامة، لذا كان يستقبل الرسل ويبعث بآخرين، إلا أنه في الوقت نفسه أراد بعض المنافقين أن يستغلوا الفرصة ويهاجموا المدينة قبل عودة الجيش الإِسلامي من بلاد الروم، وقبل استكمال المسلمين لقوتهم. فلم تمض أيام ثلاثة على عودة أبي بكر إلى المدينة من تشييع أسامة حتى داهمت المدينة غارة ليلاً، وقد اطمأن المغيرون إلى أن الجيش الإِسلامي قد ابتعد عن المدينة وأوغل في البعد.

وصلت الغارة إلى المدينة المنورة وقد خلفت وراءها قوةً ردءاً لها في (ذي حسى)(1)، وعندما طرقت الغارة الأنقاب وجدت عليها المقاتلة، ووراءهم أقوام أشبه بالمراسلين، فأوصلوا الخبر إلى أبي بكر في المسجد، فأرسل أبو بكر إلى المقاتلة عن الأنقاب أن اثبتوا، وسار بأهل المسجد إلى الأنقاب، فانهزم المغيرون وولوا الأدبار، ولحقهم المسلمون على إبلهم حتى (ذي حسى)، فوجدوا الردء هناك، وقد نفخوا الانحاء(2)، وربطوها بالجبال، ودهدهوها(3) بأرجلهم في وجه إبل المسلمين، فنفرت الإبل ورجعت بالمسلمين إلى المدينة، فأرسل المنافقون إلى إخوانهم في (ذي القصة)(4) بالخبر، فأسرعوا إليهم، وحضر أبو بكر ليلته، ثم خرج في آخر الليل ماشياً، وعلى الميمنة النعمان بن مُقَرّن(5)، وعلى الميسرة عبد الله بن مقرن(6)، وعلى الساقة سويد بن مقرن(7)، فلما أصبح الصباح لم يشعر المنافقون إلا والمسلمون يعجلون فيهم السيف. فلما كانت ضحوة ذلك النهار ولّى المنافقون الأدبار، ووصل المسلمون إلى (ذي القصة)، ترك أبو بكر النعمان بن مقرن في عدد من المسلمين، ورجع هو بالناس إلى المدينة.

__________________

(1) ذي الحُسى : موقع قرب المدينة.

(2) الانحاء : ضروف السمن.

(3) دهدهوها : دفعوها.

(4) ذي القصة : مكان يبعد 35 كيلو متراً عن المدينة.

(5) النعمان بن مقرن بن عائذ المزني : أبو عمرو، صحابي فاتح، من الأمراء القادة الشجعان، كان معه لواء مزينة يوم فتح مكة، استشهد يوم نهاوند عام 21 هـ . وله عشرة إخوة كلهم من الشجعان.

(6) عبدالله بن مقرن بن عائذ المزني : أخو النعمان.

(7) سويد بن مقرن بن عائذ المزني : أخو النعمان، أبو عائذ، أسلم مع أسرته، شهد فتح العراق، وحضر القادسية والمدائن، قاتل تحت لواء أخيه النعمان بنهاوند، وتحت لواء أخيه نعيم في الري وهمدان، ثم قاد فتح طبرستان وجرجان، سكن الكوفة ومات بها.

ارتفعت معنويات المسلمين في هذا النصر، وثبت مسلمو القبائل على دينهم، وجاء نصر آخر إذ وصلت إلى المسلمين أموال الصدقات من عدة جهات، فقد جاء صفوان بن صفوان(1) بصدقات بني عمرو وذلك في أول الليل من جهة النقب الذي عليه سعد بن أبي وقاص(2). وجاء الزبرقان بن بدر(3) في وسط الليل بصدقات بني عوف من جهة النقب الذي عليه عبد الرحمن ابن عوف(4) وجاء عدي بن حاتم الطائي(5) في آخر الليل بصدقات قومه من جهة النقب الذي عليه عبد الله بن مسعود(6)، وكان ذلك بعد مسير جيش أسامة ابن زيد بشهرين كاملين، ثم كان النصر الثالث إذ لم تمض عشرة أيام حتى رجع جيش أسامة غانماً ظافراً، فاستخلف أبو بكر أسامة بن زيد على المدينة، وقال له : أريحوا وأريحوا ظهركم، ثم خرج في الذين خرجوا إلى (ذي القصة) والذين كانوا على الأنقاب، فقال له المسلمون : ننشدك الله يا خليفة رسول الله، أن تعرض نفسك، فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام، ومقامكم أشد على العدو، فابعث رجلاً فإن تصب أمرت آخر، وجاء علي بن أبي طالب بزمام راحلة وقال له : أقول لك ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد : شمّ(7) سيفك ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة، فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإِسلام بعدك نظام أبداً فقال : لا والله لا أفعل، ولأواسينكم بنفسي. فخرج إلى (ذي الحسى) و (ذي القصة)، والنعمان بن مقرن وأخواه كما كانوا في التشكيل السابق، ثم نزل أبو بكر بمن معه إلى الرَبَذة بالأبرق وقاتل المنافقين وغلبهم، فولّوا الأدبار، ورجع أبو بكر إلى المدينة، وجاءت صدقات كثيرة إلى المسلمين تزيد على حاجاتهم، وكان جند أسامة قد أخذوا الراحة المطلوبة، فعقد أبو بكر أحد عشر لواءً لقتال المُرْتدِّيْن في كل أنحاء الجزيرة العربية وهم :

____________________

(1) صفوان بن صفوان بن أسيد من بني تميم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاه على صدقات بني عمرو الذين هم فرع من بني تميم.

(2) سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب الزهري، أبو اسحاق: من المسلمين الأوائل، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، فاتح القادسية والمدائن، فارس الإِسلام، أحد رجال الشورى، اعتزل الفتنة، وتوفي قرب المدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان عام 55 هـ .

(3) الزبرقان بن بدر التميمي : صحابي، أحد وجهاء قومه، ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات قومه، وبقي عليها حتى أيام عمر رضي الله عنه، كف بصره في آخر حياته، ومات عام 45هـ في أيام معاوية رضي الله عنه وكان شاعراً.

(4) عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي، أبو محمد : صحابي جليل، من العشرة المبشرين بالجنة، وأحد رجال الشورى، من السابقين إلى الإِسلام، شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان تاجراً مشهوراً، توفي عام 32هـ أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه.

(5) عدي بن حاتم الطائي، أبو طريف وأبو وهب : أمير : صحابي، أسلم في السنة التاسعة للهجرة، شهد فتح العراق، وحضر الجمل وصفين والنهروان مع علي رضي الله عنه، وفقئت عينه يوم صفين، مات بالكوفة عام 68 هـ أيام عبد الملك بن مروان.

(6) عبدالله بن مسعود الهذلي، أبو عبد الرحمن : صحابي، من السابقين للإسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة، خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان قصيراً، توفي في خلافة عثمان رضي الله عنه عام 32هـ، قال عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه : وعاء ملئ علماً.

(7) شم : اغمد.



1- خالد بن الوليد(1) : وأرسله إلى طليحة بن خويلد الأسدي(2)! فإذا فرغ منه سار إلى مالك بن نويرة اليربوعي التميمي(3) بالبطاح(4).

2- عكرمة بن أبي جهل(5) : وأرسله إلى مسيلمة الكذاب الحنفي(6) في اليمامة.

3- شرحبيل بن حَسَنة(7) : وأرسله دعماً إلى عكرمة بن أبي جهل في اليمامة.

4- المهاجر بن ابي أمية(8) : وبعثه لقتال أتباع الأسود العنسي(9) في اليمن، فإذا فرغ سار إلى حضرموت.

5- عمرو بن العاص(10) : وسيره إلى قبيلة قضاعة في الشمال.

6- خالد بن سعيد بن العاص(11) : ووجهه إلى مشارف الشام.

7- حذيفة بن محصن : وأمره بالحركة إلى أهل دَبا.

___________________

(1)خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي، أبو سليمان، سيف الله : الصحابي الجليل، من أشراف قريش في الجاهلية، كان يلي أعنة الخيل، أسلم عام 7هـ، سر به رسول الله وولاه الخيل، اشتهر بحروبه ضد المرتدين، قاد الفتوح في العراق ثم الشام، توفي في المدينة عام 21 هـ، وقيل بحمص.

(2) طليحة بن خوليد الأسدي ارتد : ثم عاد إلى الإِسلام، وبايع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان قد استخلف، ورجع طليحة إلى دار قومه وبقي فيها حتى خرج مجاهداً إلى العراق، وقد أبلى بلاء حسناً في الفتوحات.

(3) مالك بن نويرة بن جمرة بن شداد اليربوعي التميمي، أبو حنظلة : فارس شاعر، أسلم، وولاه رسول الله صدقات قومه، وعند وفاة رسول الله اضطرب أمره وفرق ما جمع من صدقات في قومه، وقيل ارتد، قتله ضرار بن الأزور بأمر خالد بن الوليد أثناء حروب المرتدين.

(4) البطاح : منزل لبني يربوع، وقيل ماء في ديار بني أسد بن خزيمة، وتقع جنوب وادي الرقة في بعض الأودية المتجهة إليه من الجنوب.

(5) عكرمة بن أبي جهل المخزومي، من صناديد قريش في الجاهلية والاسلام، أسلم بعد فتح مكة، وحسن إسلامه، كان على رأس كردوس في اليرموك واستشهد يومذاك عام 13 هـ .

(6) مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي، أبو تمامة : متنبئ كذاب، ولد ونشأ باليمامة في بلدة الجبلية القائمة حتى الآن في وادي حنيفة شمال الرياض بأربعين كيلاً. عرف في الجاهلية برحمان اليمامة، وعندما ظهر الإِسلام في الحجاز جاء مع وفد بني حنيفة قوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ويقال أنه تخلف عن الوفد، وأسلم الوفد، ولما رجعوا كاتب رسول الله، وأراد أن يشاركه في الأمر، وأن يكون لهم نصف الأرض ولقريش النصف الآخر، وأظهر أن قريشاً قوم يعتدون، وانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقض على فتنة مسيلمة، وعندما استخلف أبو بكر أرسل له الجيوش فقضت عليه عام 11 هـ. واستشهد في قتاله عدد كبير من الصحابة.

(7) شرحبيل بن حسنة الكندي حليف بن زهرة : صحابي من القادة، أسلم بمكة، وهاجر إلى الحبشة، وأوفده رسول الله إلى مصر، قاد جيشاً لفتح الشام، عزله عمر وولى معاوية مكانه، وتوفي بطاعون عمواس عام 18 هـ، وحسنة أمه أما أبوه فقاسم بن عبد الله.

(8) المهاجر بن أبي أمية : صحابي، من القادة المشهورين، شهد بدراً مع المشركين،ثم أسلم، وأخته هي أم المؤمنين أم سلمة هند، تخلف عن تبوك، ولاه رسول الله على صدقات كندة، أرسله رسول الله إلى اليمن وقبل أن يسير توفي رسول الله، أرسله أبو بكر لقتال من بقي من المرتدين في اليمن، وتولى إمرة صنعاء.

(9) الأسود العنسي : عيهلة بن كعب بن عوف العنسي المذحجي : متنبئ كذاب، أسلم لما أسلمت اليمن، وارتد أول من ارتد في الإِسلام وذلك أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وادعى النبوة، اغتيل قبل وفات رسول الله بشهر واحد تقريباً.

(10) عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، أبو عبد الله : أحد قادة الشام، وفاتح مصر، من أهل الرأي والحزم، أسلم بعد الحديبية، ولاه رسول الله إمرة ذات السلاسل، ثم استعمله على عُمان، فتح قنسرين، وصالح أهل حلب ومبج وإنطاكية، تولى أمر فلسطين، ثم مصر، عزله عثمان بن عفان رضي الله عنه عن مصر، ثم عاد إليها عام 38 بأمر من معاوية رضي الله عنه، وتوفي بالفسطاط عام 43 هـ.

(11) خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس : صحابي، من الولاة المجاهدين، أسلم في بداية الدعوة، لقي العذاب الشديد في سبيل دينه، هاجر إلى الحبشة، شهد فتح مكة وتبوك، أرسله رسول الله إلى اليمن، وتوفي رسول الله، فاستدعاه أبو بكر، فجاءه، وخرج مجاهداً، شهد فتح أجنادين، واستشهد في مرج الصفر قرب دمشق عام 13 هـ .

8- عرفجة بن هرثمة(1) : وسيّره إلى مهرة، وأمره أن يلتقي مع حذيفة.

9- طريفة بن حاجز : ووجه إلى بني سَليم ومن معهم من هوازن.

10- سويد بن مُقَرن : بعثه إلى تهامة اليمن.

11- العلاء بن الحضرمي(2) : وقد اتجه إلى بلاد البحرين.

أُسس قتال المرتدين : كتاب الصديق إلى الناس كافة (انظر في التاريخ الإسلامي ص 223).

وبعد أن قاتل أبو بكر الصديق عبس وذبيان (بالأبرق) من أرض (الرَّبّذة) وهزمهم، اتجه قسم منهم إلى (البزاخة)، وهي ماء لبني أسد، وهناك طليحة بن خويلد الأسدي، فلما عقد أبو بكر الألوية، طلب من خالد أن يسير إلى أرض طيء لتنخذل طيء وعبس وذبيان، وأظهر أن أبا بكر سيتجه إلى خيبر ومن هناك سيرفد خالداً في بلاد طيء.

سار خالد بن الوليد إلى بلاد طيء ولكن عدي بن حاتم طلب من خالد أن يمهله ثلاثة أيام ليكسب إليه قومه ففعل، ومن بلاد طيء، نزل خالد إلى (بُزاخة)، وقتلت طليعته (عكاشة بن محصن)(3) (وثابت بن أقرم)، ولما التقى الجماعة هزم (عيينة بن حصن)(4) مع قومه فزارة، فانفصل عن القوم، وفرّ طليحة بعدها نحو بلاد الشام، وكان طليحة قد ارتد في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم فارسل إليه ضرار بن الأزور(5)، فنزل المرتدون في (سميراء) وبدأ عددهم بالتناقص، وفي هذه الأثناء توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزاد عدد المرتدين وانضمت غطفان بإمرة عيينة بن حصن إلى بني أسد، وكانوا قد خالفوا طيئاً (عوف وجديلة وغوث)، فلما انضمت غطفان إلى أسد فرّ ضرار بن الأزور ببعض من معه إلى المدينة، وانفضت جموعه.

وعندما جاء خالد وهزم أعداءه في البزاخة أسلمت أسد وعامر وغطفان. وبعد انتهاء خالد من بني أسد وأحلافهم اتجه بأمر من الخليفة إلى بني يربوع في تميم في البطاح وعليهم مالك بن نويرة. وكان الخلاف في بني تميم على أشده وقد جاءتهم سجاح(6) من الجزيرة ببني تغلب فدخلت بلادهم

____________________________--

(1) عرفجة بن هرثمة الأزدي، من أهل البحرين، قاتل تحت إمرة العلاء بن الحضرمي فوجهه للعمل في البحر ففتح جزيرة، ثم سار مدداً إلى عتبة بن غزوان حين غزا (الأبلة) ثم صار إلى الموصل وتوفي في خلافة عمر في عام 20 هـ.

(2) العلاء بن الحضرمي : أصله من حضرموت، سكن أبوه مكة، فولد العلاء فيها، ونشأ في ربوعها، أسلم وهاجر، ولاه رسول الله البحرين، وجعله عاملاً على الصدقات فيها. وأقره أبو بكر وعمر عليها، ويعد أول مسلم ركب البحر للغزو، مات في طريقه إلى البصرة عام 21هـ.

(3) عكاشة بن محصن : من بني أسد، صحابي من أمراء السرايا، يعد من أهل المدينة إذ إنه حليف الأنصار مع أنه مع المهاجرين، شهد المشاهد مع رسول الله، قتل في حروب الردة، وكان طليعة للمسلمين.

(4) عيينة بن حصن : سيد فزارة، قاتل المسلمين أميراً لقومه، ثم أسلم وكان من المؤلفة قلوبهم، ثم كان مع طليحة الأسدي مرتداً، فأسر وأرسل إلى المدينة موثوقاً.

(5) ضرار بن الأزور بن أوس، من بني أسد، أحد الأبطال في الجاهلية والإِسلام، صحابي قاتل يوم اليمامة، شهد اليرموك وفتح الشام، وقطعت ساقاه، وتوفي بعدها بأيام.

(6) سجاح بنت الحارث بن سويد بن غطفان من بني تميم، فرع بني يربوع، أم صادر: متنبئة كذابة، كانت في بني تغلب في الجزيرة، منتصرة، شاعرة، جاءت من الجزيرة فتبعها بنو تميم، وسارت بهم إلى بني حنيفة، فالتقت بمسيلمة وتزوجت به، ثم رجعت إلى الجزيرة، وأسلمت =

فوادعها من وادعها، وفرّ من وجهها من فر. وسارت بعد ذلك إلى اليمامة فكان أمر مسيلمة قد قوي، فخافها مسيلمة فاستأمنها، فأمنته، وتزوجها وبقيت عنده ثلاثة أيام ثم رجعت إلى أرض قومها، وكانت قد تنبأت مثل مسيلمة، وسار معها عدد من وجهاء بني تميم، وكانت قد صالحت مسيلمة على نصف غلات اليمامة ... وعندما عادت إلى الجزيرة وجاء المسلمون أسلمت وحسن إسلامها.

ولما عادت سجاح إلى الجزيرة، تحير بنو تميم الذين وادعوها، وندموا على ما كان منهم، ولم يلبثوا طويلاً حتى وصلت إليهم جيوش خالد بن الوليد، فعندما جيء برؤسائهم إلى خالد، جادلهم، وشهد جماعة على بني يربوع أنهم لم يؤذنوا فقتلهم، وقتل ضرار بن الأزور الذي كان على طليعة خالد مالك بن نويرة ... وحدثت خلافات في قتله، فتزوج خالد امرأته أم تميم ابنة المنهال بعد انقضاء عدتها.

وسار عكرمة بن أبي جهل إلى مسيلمة الكذاب في اليمامة، وتبعه شرحبيل ابن حسنة، ولكنه لم يدركه، وكان عكرمة قد أسرع فهزمته جموع بني حنيفة فبقي شرحبيل ينتظر المدد، وجاء أمر أبي بكر لعكرمة بالانتظار أيضاً، وإذا فرغ سار إلى حذيفة بن محصن وعرفجة بن هرثمة لقتال المرتدين في عمان حتى يلتقوا مع المهاجر بن أبي أمية الذي يكون قد فرغ من اليمن وسار إلى حضرموت.

وكان خالد قد عاد إلى المدينة والتقى بأبي بكر وذلك بعد الانتهاء من البطاح، فاعتذر لأبي بكر فرضي عنه، وأرسله إلى مسيلمة الكذاب، فسار إلى البطاح والتقى بجنده هناك وانتظر حتى جاءه المدد، فقام إلى مسيلمة ... ولما وصل إليها كان شرحبيل بن حسنة قد سابقه في قتال القوم فهزم، وكان يساعده بعض بني حنيفة بإمرة ثمامة بن أثال(1) رضي الله عنه، فلام خالد شرحبيل في تسرعه : وعسكر مسيلمة في بني حنيفة في عقرباء في أعلى وادي حنيفة - وتسمى اليوم الجبيلة - وسلك خالد ثنية في جبل اليمامة (طويق) وعلى المجنبتين زيد بن الخطاب(2) أخو عمر، وأبو حذيفة بن عتبة(3)، وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة، وراية الأنصار مع ثابت بن قيس بن =

___________________________

بعد مقتل مسليمة، وأقامت بالبصرة وتوفيت في خلافة معاوية رضي الله عنه عام 55 هـ، وصلى عليها والي البصرة سمرة بن جندب.

(1) ثمامة بن أثال بن النعمان اليمامي، من بني حنيفة، أبو أمامة : صحابي، من سادات اليمامة، اسر بيد المسلمين وهو في طريقه لزيارة البيت، أطلق سراحه بأمر رسول الله، أسلم بعد ان أدى العمرة، ولما ارتد بنو حنيفة ثبت على إسلامه، وقاتل المرتدين بجانب عكرمة وشرحبيل، ثم سيره أبو بكر إلى البحرين فقاتل المرتدين هناك تحت إمرة العلاء بن الحضرمي، واستشهد هناك.

(2) زيد بن الخطاب بن نفيل العدوي القرشي : أخو عمر بن الخطاب،وكان أسن من عمر، وأسلم قبله، صحابي، يعد من شجعان العرب في الجاهلية والإِسلام كانت راية المسلمين بيده يوم اليمامة، وثبت يومذاك حتى استشهد، وقبره هناك.

(3) أبو حذيفة بن عتبة بن عبد شمس : صحابي، هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، شهد بدراً مع المسلمين وفيها قتل أبوه وعمه وأخوه كفاراً، وحضر المشاهد كلها، واستشهد يوم اليمامة.



شماس(1)، وكان ضرار بن الأزور قد سار في قسم من الجند من ثنية من الشمال، ونزلوا من جهة(ملهم)(2) إلى عقرباء، وجرت معركة حامية الوطيس تراجع المسلمون في أولها حتى دخل بنو حنيفة على خالد في فسطاطه، ثم حمل المسلمون حملة رجل واحد أزالت المرتدين عن مواقعهم، وأجبرت مسيلمة الالتجاء إلى حديقة عرفت باسم حديقة الموت، وفيها صرع مسيلمة الكذاب وعدد كبير من جنده، واستشهد من المسلمين عدد من القراء ووجهاء الناس، منهم زيد بن الخطاب وثابت بن قيس وغيرهم كثير.

وفي عمان ظهر لقيط بن مالك الأزدي، وغلب عليها، واضطر جيفر وعباد الإلتجاء إلى الجبال وعلى سواحل البحر، وأرسل جيفر إلى أبي بكر الصديق يستنجده، فبعث أبو بكر حذيفة بن محصن إلى عمان وعرفجة بن هرثمة إلى مهرة، وأوصاهما إذا التقيا أن يبتدئا بعمان، وإذا اقتربا منها راسلا جيفرا وعبادا، ثم أتبعهما بعكرمة بن أبي جهل الذي كانت وجهته اليمامة، فلما هزم طلب من الخليفة أن يسير بمن معه إلى عمان.

اتجه عكرمة في أثر حذيفة وعرفجة فأدركهما قبل الوصول إلى عمان، وهناك راسلوا جيفرا وعبادا، وعسكر المسلمون في صحار(3)، وتجمعت جموع لقيط في دبا، وجرت معركة بين الطرفين كاد ينجح فيها لقيط لولا النجدات التي وصلت للمسلمين من البحرين وغيرها، فانتصر المؤمنون، وهزم لقيط، واستولى المسلمون على الغنائم، وارسلوا الخمس مع عرفجة إلى أبي بكر الصديق، وبقي حذيفة يدير شؤون عمان، وسار عكرمة إلى مهرة. وكان القوم فيها قد ارتدوا، إلا أنهم اختلفوا فقسم منهم في السواحل مع (شخريت) وهم أقل عدداً، وبدأ بهم عكرمة، فدعاهم للإِسلام، فوافقوا، الأمر الذي أضعف القسم الثاني الذين كانوا في المناطق المرتفعة مع (المصبح)، فهزموا أمام المسلمين الذين حازوا على الغنائم، فأرسل عكرمة الخمس مع (شخريت) إلى المدينة المنورة.

وأما اليمن فقد كان عليها عدد من الولاة كلٌ على جزء، وقد ادعى فيها النبوة الأسود العنسي، وأرسل له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسل والكتب، واستمر ذلك حتى مات وهدأت الأمور باليمن، فلما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم انتقضت اليمن، فالتجأ عمال النبي عليه أفضل الصلاة والسلام إلى المسلمين إلا عمرو بن حزم(4) وخالد بن سعيد بن العاص فإنهما عادا إلى المدينة، ووصل الخبر إلى أبي بكر فحارب المرتدين بأن أرسل إليهم الرسل والكتب كما كان

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:17 AM
الفتوحات :

-الجبهة الفارسية :

فتوح الشام :



لم تكن الدعوة لتقف في أرض معينة، فالأرض كلها ساحتها وميدانها، وإذا توقفت قليلاً بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك بسبب الردة، فلما انتهت الردة كان لابد من أن تعاود نشاطها، وتسير بشكل طبيعي، ويقاتل كل من يقف في وجهها وذلك هو الجهاد.

__________________

(1) الأشعث بن قيس الكندي : أمير كندة في الجاهلية والإِسلام، وفد على رسول الله وأسلم، ولما ولي أبو بكر الخلافة امتنع الأشعث وبعض كندة من تأدية الزكاة، ولكنه هزم وسيق موثوقاً إلى أبي بكر في المدينة، فأطلقه أبو بكر وزوجه أخته أم فروة، وحسن إسلامه، وحضر اليرموك وفقد عينه، وحضر فتح العراق مع سعد، وكان مع علي في صفين والنهروان، وتوفي عام 41 هـ.

(2) المنذر بن ساوى بن الأخنس العبدي : أمير في الجاهلية والإِسلام، كان صاحب البحرين، أرسل له رسول الله رسالة مع العلاء بن الحضرمي يدعوه فيها إلى الإِسلام فأسلم، واستمر في عمله، وتوفي قبل ردة أهل البحرين أي قبل وفاة رسول الله بشهر واحد.

وانتهت حروب الردة، وكان لا بدّ من الجهاد، فالفرس يقفون في وجه الدعوة، ويحاولون دعم أعدائها، ومدّ المرتدين عليها، والروم يحاربون الدعوة، وينصرون خصومها، ويحرضون القبائل المتنصرة ضدها، وكان لا بدّ من قتال الطرفين، والاستعانة بالله عليهما وبالإيمان القوي بأن النصر من الله يؤتيه من يشاء ممن استقام على منهجه، وإذن كان على المسلمين أن يقاتلوا على جبهتين لم تكونا متفقتين وهذا ما ساعدهم على القتال وحرية الحركة دون الخوف من الطرف الآخر.



أ- الجبهة الفارسية :

كان الفرس يسيطرون على مناطق واسعة تبدأ من بادية الشام في الغرب، وشمال جزيرة العرب من الجنوب، وتتوسع منطقتهم في الغرب وتتناقص حسب انتصارهم على الروم، أو هزيمتهم أمامهم، فتارة يتوسعون وقد وصلوا إلى سواحل البوسفور ثم ارتدوا حتى حدود الفرات، وكان عدد من القبائل العربية تقيم في المناطق التي يسيطر عليها الفرس سواء في منطقة السواد أم على ضفاف الفرات والجزيرة، ومن هذه القبائل تغلب وبكر وشيبان وربيعة وطيء، وبعضها كانت مُتنصرّة في أغلبها كتغلب، وكانت طيء تعلو ويقيم رئيسها في بلدة الحيرة على مقربة من الفرات، ويعمل للفرس على توطيد سلطانهم في تلك الأنحاء، وكان من بني شيبان فارس مقدام قد دخل في الإِسلام هو المثنى بن حارثة الشيباني(1)، وقد طلب من أبي بكر بعد أن انتهى من حروب المرتدين في البحرين أن يؤمره على قومه وعلى من دان بالإِسلام في تلك الجهات ليجاهد الفرس، ويقاتل أعداء الله، فأمره أبو بكر فصار يناوش الفرس، وينتصر عليهم وقعة بعد وقعة إلا أنه في عدد قليل من المجاهدين، والفرس كثير، ومعهم عدد كبير من العرب المُتنصّرة، والقوة ستتناقص مع الأيام أمام الكثرة فكان لا بدّ من إرسال المدد للمثنى.

وانتهى خالد من حرب اليمامة، فجاءه الامر من أبي بكر بالتوجه إلى العراق ليدعم المثنى بن حارثة الشيباني وليكن دخوله من الجنوب على حين يدخلها عياض بن غنم(2) من جهة الشمال، وليكن لقاؤهما في الحيرة ومن سبق إليها كانت له الامرة على صاحبه. وكان ذلك في مطلع العام الثاني عشر للهجرة. وأمد خالداً بالقعقاع بن عمرو التميمي(3)، وأنجد عياض بن غنم بعبد ابن عوف الحميري.

___________________

(1) المثنى بن حارثة الشيباني : صحابي فاتح، من كبار القادة، أسلم عام 9 هـ، غزا بلاد فارس أيام أبي بكر، أمده أبو بكر بخالد بن الوليد، وأمده عمر بابي عبيد، وجرح في معركة الجسر، ثم أمده بسعد بن أبي وقاص، ولكنه توفي قبل وصول سعد إليه.

(2) عياض بن غنم بن زهير الفهري : قائد من شجعان الصحابة، شهد المشاهد مع رسول الله، وفتح الجزيرة الفراتية، وتوفي بالشام عام 20هـ.

(3) القعقاع بن عمرو التميمي : أحد فرسان العرب المشهورين وأبطالهم في الجاهلية والإِسلام، له صحبة، قال فيه أبو بكر : صوت القعقاع في الحرب خير من ألف فارس، شهد اليرموك وفتح دمشق، والقادسية وأكثر وقائع العراق، وسكن الكوفة، وشهد صفين بجانب سيدنا علي، وتوفي عام 40 هـ.

سار خالد بن الوليد مباشرة باتجاه الحيرة، والتقى في طريقه ببعض القريات (ألّيس) وما جاورها فصالح صاحبها (بَصْبَري بن صلوبا)، ثم اتجه نحو الحيرة، وكان عليها من قبل الفرس هانئ بن قبيصة الطائي(1)، فقال له خالد : إن أدعوكم إلى الله وإلى عبادته، وإلى الإِسلام، فإن قبلتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد جئناكم بقوم يحبون الموت كما تحبون أنتم شرب الخمر. فقالوا : لا حاجة لنا في حربك، فصالحهم على تسعين ومئة ألف درهم. وكان المثنى بن حارثة الشيباني يقاتل تارة في جهات كسكر وأخرى في جهات الفرات الأسفل، يقاتل الهرمزان في تلك البقاع، فاستدعى خالد المثنى ونزلوا إلى جهات الأُبُلّة لتجميع قوات المسلمين، وكانوا في ثمانية عشر ألفاً، وقد سار المثنى قبل خالد بيومين، وسار عدي بن حاتم وعاصم بن عمر التميمي(2) بعد المثنى بيوم، وأعطاهم خالد موعداً في الحفير. وقد التقوا بهرمز في أرض الأُبُلّة، وكانت المعركة وأراد هرمز أن يغدر بخالد إلا أن القعقاع بن عمرو قتل هرمز، والتحم مع حماته الذين أرادوا أن يغدروا بخالد، وركب المسلمون أكتاف أعدائهم حتى غشاهم الليل، وكان الفرس قد ربطوا أنفسهم بالسلاسل لذلك سميت هذه المعركة ذات السلاسل ... وأرسل خالد بن الوليد المثنى بن حارثة في أثر القوم، وبعث معقل بن مُقرّن(3) إلى الأَبلّة ليجمع المال والسبي، وسار المثنى حتى بلغ نهر المرأة، فحاصرها في الحصن الذي كانت فيه وكان على مقدمته أخوه المعنّى، فصالحت المرأة المثنى، وتزوجها المعنّى، أما المثنى فقد استنزل الرجال من الحصون، وقتل مقاتلتهم، وأقر الفلاحين الذين لم ينهضوا للقتال مع الفرس.

كان أردشير قد أمر بجيش كبير بقيادة (قارن بن قريانس) فلما وصل إلى (المذار)(4) وصل إليه خبر هزيمة هرمز ومقتله، فتجمع هناك، فسار إليه خالد، ونشبت معركة قتل فيها معقل بن الاعشى القائد الفارسي (قارن)، وقتل عاصم بن عمرو خصمه (الانوشجان) وقتل عدي بن حاتم عَوه (قُباذ) وقتل يومذاك من الفرس عدد كبير وصل إلى ثلاثين ألف مقاتل. وبعدها وزع خالد الغنائم وقسّم الفيء.

وتجمع الفرس ثانية في (الولجة) مع ما جاءهم من مدد قوامه جيشان الأول بقيادة (الأندرزعر) والثاني بإمرة (بهمن جاذويه) فسار إليهم خالد، وقد خلّف سويد بن مقرن في الحفير، وقد هزمت الفرس هزيمة منكرة أيضاً في هذه الجولة.

وتأثر نصارى العرب من هذه الانتصارات فكاتبوا الفرس وتجمّعوا في ألّيس، فأسرع إليهم .

____________________

(1) هانئ بن قبيصة الطائي : وهو أخو إياس بن قبيصة الذي تولى أمر الحيرة بأمر كسرى بعد استدعاء النعمان بن المنذر إلى فارس، وجعل ودائعه عند هانئ بن مسعود الشيباني، وجرت معركة ذي قار بين جيوش كسرى بقيادة اياس وهانئ بن مسعود الشيباني الذي يقود بني بكر.

(2) عاصم بن عمرو التميمي : أخ القعقاع، شاعر، له صحبه، أبلى في القادسية البلاء الحسن توفي عام 16 هـ.

(3) معقل بن مقرن : أحد إخوة النعمان بن مقرن.

(4) المذار : على ضفة نهر دجلة اليسرى تقع شمال القربة ب 37 كلم، بين البصرة وواسط، وهي قصبة ميسان.

خالد وانتصر عليهم انتصاراً مبيناً وقتل منهم ما يقرب من سبعين ألفاً، ثم اتجه نحو الحيرة ثانية.

ولما انتهى خالد من الحيرة ولّى عليها القعقاع بن عمرو، وخرج يريد دعم عياض بن غنم الذي كلف بشمال العراق، فنزل خالد إلى الفلّوجة ومنها إلى كربلاء فولى عليها عاصم بن عمرو، وكان على مقدمته الأقرع بن حابس(1)، أما المثنى فكان يناوش الفرس على شواطئ دجلة. وسار خالد إلى الأنبار ففتحها ثم استخلف عليها الزبرقان بن بدر، وقصد عين التمر، فهزم جموع أهلها الذين هم من العرب المُتنصّرة والعجم، ثم حصرها فنزلوا على حكمه، فقتل من قتل منهم وأسر وسبى. واستخلف على عين التمر عويم بن الكاهل، وسار باتجاه عياض بن غنم الذي علم أنه لا يزال في دومة الجندل(2) وقد كتب إليه يستنجده، فكتب إليه خالد "من خالد إلى عياض إياك أريد".

ولما علم أهل دومة الجندل مسير خالد إليهم استنجدوا بالقبائل المُتنصّرة من العرب من كلب وغسان وتنوخ والضجاعم فأمدوهم. ولما اقترب خالد من دومة الجندل اختلف رئيساها وهما : أكيدر بن عبد الملك، والجودي بن ربيعة، فاعتزل الأكيدر، وهَزم الجودي ومن معه ومن جاءه من الدعم الذين لم يتسع لهم الحصن. وأقام خالد بدومة الجندل، وأرسل الأقرع بن حابس إلى الأنبار، وبعد مدة لحق خالد بالحيرة.

وخرج خالد من الحيرة وولّى عليها عياض بن غنم، وكان على مقدمة خالد الأقرع بن حابس... ثم بعث وهو بالعين أبا ليلى بن فركي إلى الخنافس والقعقاع إلى حُصيد. فانتصر القعقاع في حصيد، وفر من بالخنافس إلى المصَيّخ إذا لم يجد أبو ليلى، بالخنافس كيدا. وسار خالد وأبو ليلى والقعقاع إلى المصيخ وكان قد اجتمع فيه من هرب من الخنافس والحصيد، وهناك انتصر المسلمون انتصاراً مبيناً. ثم ساروا إلى (الثني)(4) و (الزُّمَيْل)(5) فانتصروا على أعدائهم، ثم ساروا إلى (الرضاب)(6)، وبها هلال بن عَقَة، وقد انفض عنه أصحابه عندما سمعوا بدنو خالد وجيشه، ثم ساروا إلى (الفراض)(7) وهي على تخوم الشام والعراق والجزيرة وذلك في شهر رمضان، وتعاون الفرس والروم ضد المسلمين، والتقت الجموع على نهر الفرات فقتل من الفرس والروم والعرب المُتنصّرة أكثر من مئة ألف...

أقام خالد بن الوليد عشرة أيام بالفرائض، ثم اذن بالرجوع إلى الحيرة لخمس بقين من ذي .

____________________

(1) الأقرع بن حابس بن عقال المجاشعي الدارمي التميمي : صحابي، من سادات العرب في الجاهلية، وفد على رسول الله مع وفد قومه وأسلم وشهد فتح مكة وحنين والطائف، وكان من المؤلفة قلوبهم، استشهد بخراسان بالجوزجان عام 31 هـ أيام سيدنا عثمان.

(2) دومة الجندل : وهي في شمال جزيرة العرب، ومكانها اليوم مدينة الجوف.

(3) أكيدر بن عبد الملك الكندي : ملك دومة الجندل في الجاهلية، بعث رسول الله خالد بن الوليد إليه، فاسره وقدم إلى المدينة فأسلم وأعيد إلى بلاده، فلما توفي رسول الله نقض العهد، ومات عام 12 هـ.

(4) الثني : مكان بالجزيرة الفراتية يقع إلى الشرق من الرصافة، تجمعت فيه بنو تغلب.

(5) الزميل : موقع إلى الشرق من الرصافة.

(6) الرضاب : موقع إلى الشرق من الرصافة، أو مكانها قبل أن يعمرها هشام بن عبد الملك.

(7) الفراض : موضع بين إلى الشرق من البو كمال على بعد 40 كيلاً منها، قريبة من الحدود بين العراق وسوريا اليوم.

القعدة، وأمر عاصم بن عمرو أن يسير بالناس، وأظهر خالد أنه في الساقة، وسار مع عدة من أصحابه إلى مكة يؤدي الحج، ورجع من الحج، فوصل إلى الحيرة ولم تدخل الساقة البلدة بعد، ولم يدر الخليفة أبو بكر رضي الله عنه بما فعل خالد إلا بعد مدة، فعتب عليه، وصرفه عن العراق إلى الشام.

وصل كتاب أبي بكر إلى خالد وهو بالحيرة وفيه : أن سر حتى تأتي جموع المسلمين باليرموك، فإنهم قد شجوا وأشجوا، وإياك أن تعود لمثل ما فعلت، فإنه لم يشْجِ الجموعَ من الناس بعون الله شجاك، ولم ينزع الشجى من الناس نزعك، فليهنئك أبا سليمان النية والخطوة، فأتمم يتمم الله لك، ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل، وإياك أن تدل بعمل، فإن الله له المن، وهو ولي الجزاء.

وجاء فيما كتب أبو بكر لخالد : أما بعد فدع العراق وخلّف فيه أهله الذين قدمت عليهم، وهم فيه، وامض مختفياً في أهل القوة من أصحابك الذين قدموا معك العراق من اليمامة وصحبوك في الطريق، وقدموا عليك من الحجاز، حتى تأتي الشام فتلقى أبا عبيدة ومن معه من المسلمين، فإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة والسلام.

سار خالد من الحيرة في العراق، وقد استخلف المثنى به حارثة الشيباني على جند العراق، وسار هو إلى الشام، وكتب إلى أبي عبيدة(1) : أما بعد فإني أسأل الله لنا ولك الأمن يوم الخوف والعصمة في دار الدنيا من كل سوء، وقد أتاني كتاب خليفة رسول الله يأمرني بالمسير إلى الشام وبالقيام على جندها والتولي لأمرها، والله ما طلبت ذلك قط ولا أردته إذ وليته فأنت على حالك التي كنت عليها لا نعصيك ولا نخالفك ولا نقطع دونك أمراً، فأنت سيد المسلمين، لا ننكر فضلك، ولا نستغني عن رأيك تمم الله بنا وبك من إحسان ورحمنا وإياك من صلي النار والسلام عليك ورحمة الله.

سار خالد من الحيرة إلى دومة الجندل، وخرج منها من جهة وادي السرحان إلى الشمال.



ب- فتوح الشام :

بعد أن رجع خالد بن سعيد بن العاص من اليمن أمره أبو بكر أن ينزل بتيماء وأمره ألا يبرحها، وأن يدعوا من حوله بالانضمام إليه، وألا يقبل إلا من لم يرتد، ولا يقاتل إلا من قاتله، حتى يأتيه أمره. فأقام فاجتمعت إليه جموع كثيرة، وبلغ الروم عظم ذلك العسكر، فاستنفروا العرب الذين بالشام على المسلمين، فاستنفرت كلب وتنوخ ولخم وجذام وغسان، فكتب خالد بن سعيد .

__________________

(1) أبو عبيدة الجراح : عامر بن عبدالله بن الجراح بن هلال الفهري القرشي فاتح الديار الشامية وأحد العشرة المبشرين بالجنة، أمين الأمة وهو من السابقين إلى الإِسلام شهد المشاهد كلها مع رسول الله وتوفي بطاعون عمواس سنة 18 هـ .

إلى أبي بكر بذلك، فكتب إليه أبو بكر : أن أقدم ولا تحجم واستنصر الله، فسار إليهم خالد بن سعيد، فلما دنا منهم تفرقوا، فاتخذ موقعه مكانهم، وكتب إلى أبي بكر بذلك، فكتب إليه أبو بكر : أقدم ولا تقتحمن حتى لا تؤتى من خلفك. وحدث قتال، وطلب خالد ابن سعيد من أبي بكر المدد، فأمده بالوليد بن عتبة وعكرمة بن أبي جهل، وانتصر على (ما هان) قرب القدس، وانتقل ماهان إلى دمشق فلحق به خالد بن سعيد، فلما كان بمرح الصفر جاءت جموع كبيرة من الروم لتنظم إلى قيادة (ماهان) الأمر الذي جعل خالد بن سعيد يتراجع إلى ذي المروة على حين وقف عكرمة ابن أبي جهل يحمي المتراجعين، ووصل المجاهدون من اليمن، وكانت قد دخلت السنة الثالثة عشرة، فطلب أبو بكر استبدال عمال الصدقات. ومنهم عمرو بن العاص الذي كان قد سيره في السنة الحادية عشرة إلى قضاعة، ثم استدعاه فولاه ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاه على صدقات عُمان ثانية، وكتب إليه أبو بكر رضي الله عنه : إني كنت قد رددتك على العمل الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاكه مرة، وسماه لك أخرى، ومبعثك إلى عُمان إنجازاً لمواعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد وليته ثم وليته، وقد أحببت - أبا عبدالله - أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك. فكتب إليه عمرو : إني سهم من سهام الإِسلام، وأنت بعد الله الرامي بها، والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به شيئاً إن جاءك من ناحية من النواحي.

وصل خالد بن سعيد بن العاص إلى ذي المروة هرباً من جند (ماهان)، ووصل الخبر إلى أبي بكر فكتب إليه : أقم مكانك، فلعمري إنك مقدام محجام، نجّاء من الغمرات، لا تخوضها إلا إلى حق، ولا تصبر عليه. ولما كان بعد، وأذن له في دخول المدينة - كما سنرى - .

عبأ أبو بكر الصديق الجيوش إلى الشام في مطلع السنة الثالثة عشرة فسار :

1- يزيد بن أبي سفيان(1) في سبعة آلاف بعد عزل خالد بن سعيد، وكانت وجهته دمشق، وكان أول الأمراء الذين ساروا إلى الشام، وكان في جنده سهيل بن عمرو. ثم أمد أبو بكر يزيد بن أبي سفيان بأخيه معاوية بجند كثير، ولما مرّ معاوية بذي المروة أخذ من بقي من جند خالد بن سعيد، وسمح بعدها الصدِّيق لخالد بالعودة إلى المدينة.

2- عمرو بن العاص وكانت وجهته فلسطين.

3- شرحبيل بن حسنة وسار إلى الأردن، وقد استعمل على جند الوليد بن عقبة(2)، وأخذ عندما مر بذي المروة جمهور جند خالد بن سعيد.

________________

(1) يزيد بن أبي سفيان، أبو خالد، أسلم يوم فتح مكة، وبقي على صدقات بني فراس، وكان أحد قادة فتح الشام، ولاه عمر فلسطين، ثم دمشق، توفي في طاعون عمواس عام 18 هـ .

(2) الوليد بن عقبة بن أبي معيط، أبو وهب : من فتيان قريش وشعرائهم، أخو عثمان بن عفان لأمه، أسلم يوم فتح مكة، وبعثه رسول الله على صدقات بني المصطلق، ولاه عمر صدقات بني تغلب، ولاه عثمان الكوفة ثم عزله، توفي عام 61 هـ.

4- أبو عبيدة بن الجراح، وكانت وجهته حمص.

وبقي عكرمة في ستة آلاف من الجند ردءاً لجيوش المسلمين.

وعلم الروم بما عبأه المسلمون، فانتقل هرقل إلى حمص، وجمع جموعاً غفيرة من جنده، وأرسل أخاه (تذارق) ليواجه عمرو بن العاص، وبعث (جرجة ابن توذرا) نحو يزيد بن أبي سفيان، ووجه (الدُّراقص) نحو شرحبيل بن حسنة، وأعطى أوامره لـ (الفيقار بن نسطوس) أن يسير نحو أبي عبيدة بن الجراح، وصل عدد الروم يومذاك إلى 240 ألف مقاتل على حين كان المسلمون واحداً وعشرين ألفاً و6 آلاف مع عكرمة بن أبي جهل في المؤخرة دعماً لجموع المسلمين.

هاب المسلمون الروم لما رأوا كثرتهم فكتب قادتهم إلى عمرو بن العاص يستشيرونه، فاقترح أن يجتمع المسلمون في مكان يلتقون فيه مع الروم، ولن يهزموا من قلة حينذاك، كما كتبوا إلى الخليفة أبي بكر وطلبوا منه المدد، فكان رأيه الاجتماع كما رأى عمرو، وأضاف أن يكون مكان المعركة في موقع يسهل الاتصال فيه مع المدينة قاعدة الحكم، ووافق على اللقاء باليرموك، وكتب إلى خالد بالعراق أن يقدم إلى اليرموك لدعم المسلمين هناك وأن يكون هو الأمير.

سار خالد بن الوليد من الحيرة إلى قراقر حيث شيعه إليها المثنى بن حارثة، ومنها إلى سوى، ثم تحرك إلى دومة الجندل، وأغار خالد على مصيخ بهراء ثم تحرك نحو الشمال مع وادي السرحان إلى شرقي جبل حوران (الدروز) حتى وصل إلى (أرك)(1) ومنها إلى تدمر فالقريتين(2). ولما علمت غسان بذلك، اجتمعوا له بمرج راهط(3)، فسار إليهم، وعليهم الحارث بن الأيهم، فانتصر عليهم، ثم سار إلى بصرى الشام(4)، وكانت أول مدينة افتتحها من بلاد الشام، ثم ذهب إلى اليرموك فوصل إلى المسلمين في تسعة آلاف وغدا جند المسلمين ستة وثلاثين ألفاً. وفرح المسلمون بوصول خالد لأن الروم كانوا قد وصلتهم إمدادات بإمرة ماهان ومعه القساوسة والمطارنة والرهبان من أجل تشجيع المقاتلين. وربما يتساءل المرء لماذا هذه الطريق الطويلة التي قطعها خالد بن الوليد ؟ إنه أراد ألا يصطدم مع الروم قبل الالتقاء بالمسلمين وبخاصة أنه أصبح أمير المقاتلين في الشام فلا بد من الوصول إلى جنده ليقودهم في القتال، وإن خطة المسلمين كانت تقضي أن يكون القتال مجتمعين لا متفرقين ليتمكنوا من قتال الروم الذين يملكون أعداداً كبيرة تفوقهم بعشرة أمثال، وللروم ثغور وسط البادية حيث كانت من قبل مسرحاً للمعارك الدائرة بينهم وبين الفرس، فلو سار من الحيرة مباشرة نحو

____________________

(1) أرك : مدينة صغيرة قرب تدمر، وهي ذات نخل وزيتون، وكل أهلها كانوا من النصارى.

(2) القريتين : قرية كبيرة من أعمال حمص، وهي التي تدعى حوارين.

(3) مرج راهط : يقع إلى الشمال من دمشق، والمسافر من دمشق إلى حمص ما كان على يساره فهو مرج راهط، ومن كان على يمناه فهو مرج عذراء حتى الثنايا (ثنية العقاب).

(4) بصرى الشام : مدينة بحوران، من قواعد الغساسنة، وكانت مدينة رومانية، وفيها سوق دائمة للعرب. ولا تزال فيها آثار رومانية، منها المدرج الروماني الشهير.

الغرب لاصطدم بتلك الثغور، ولأضاع على المسلمين تجمعهم في اليرموك وقيادته لهم، ولهذا اضطر أن يسير نحو الجنوب ليتجاوز تلك الثغور عن طرق دومة الجندل ثم اتجه شمالاً، وعندما وصل إلى الشرق من بصرى الشام وجد نفسه أما جبل حوران (الدروز اليوم) البركاني الصعب الاجتياز، فأراد الالتفاف حوله فوجد نفسه بسرعته المعروفة في منطقة تدمر، لذا عاد فرجع إلى الغرب عن طريق القريتين فثنية العقاب (الثنايا) فشرقي دمشق إلى بصرى ففتحها ومنها سار إلى اليرموك. هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن لخالد بن الوليد طريقته الخاصة في القتال وهي التحرك بسرعة في عمق العدو والاغارة على مواقع خصمه المتأخرة، ثم الانسحاب للخوض في معركة حاسمة، وعندها يشعر العدو أن مجموعات من خصمه لا تزال تعمل خلف خطوطه الأمامية، وستداهمه في الوقت المناسب الأمر الذي يضعف معنوياته، ويبقى جزء من جنوده خارج المعركة لصد أي هجوم مرتقب من الخلف، وهذا ما رأيناه في قتاله في العراق إذا وصل إلى نقاط بعيدة من أرض العدو على حين لم تطهر أرض السواد بعد بل ولا منطقة الحيرة نفسها، ولم يأمن جانب المصالحين بشكل صحيح إذا سنراهم ينقضون العهد بعد ذلك. كما أن حركته كانت خلف ثغور الروم الأمر الذي يجعل الروم لا يستطيعون ترك مواقعهم خوفاً من أن يكون هناك اتفاق بين المسلمين والفرس وبخاصة أن خالداً كان في أرض فارس، كل هذا يجعل حركة خالد سهلة ويتنقل بحرية كأنه يقوم بمناورة معروفة الخطة.

وصل خالد بن الواليد إلى اليرموك، وصلى في اليوم الأول بجنده الذين قدموا معه من العراق، ورأى الروم مجتمعين فجمع المسلمين وخطب فيهم قائلاً بعد أن حمد الله وأثنى عليه : إن هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي. أخلصوا جهادكم، وأريدوا الله بعملكم ؛ فإن هذا يوم له ما بعده ؛ ولا تقاتلوا قوماً على نظام وتعبية، على تساند وانتشار، فإن ذلك لا يحل ولا ينبغي. وإن من وراءكم لو يعلم علمكم حال بينكم وبين هذا، فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي ترون أنه الرأي من واليكم ومحبته، قالوا : فهات، فما الرأي ؟ قال : إن أبا بكر لم يبعثنا إلا وهو يرى أنا سنتياسر، ولو علم بالذي كان ويكون، لما جمعكم، إن الذي أنتم فيه أشد على المسلمين مما قد غشيهم، وأنفع للمشركين من أمدادهم، ولقد علمت أن الدنيا فرقت بينكم، فالله الله، فقد أفرد كل رجل منكم ببلد من البلدان لا ينتقصه منه إن دان لأحد من أمراء الجند، ولا يزيده عليه إن دانوا له. إن تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هلموا فإن هؤلاء تهيئوا، وهذا يوم له ما بعده، إن رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردهم، وإن هزمونا لم نفلح بعدها. فهلموا فلنتعاور الإمارة، فليكن عليها بعضنا اليوم، والآخر غداً، والآخر بعد غد حتى يتأمر كلكم، ودعوني إليكم اليوم.

قسم خالد المسلمين إلى كراديس يتراوح عددها بين 36 ـ 40 كردوساً ويضم الكردوس الواحد ما يقرب من ألف مقاتل. وكان أبو عبيدة في القلب، وعمرو بن العاص وشر حبيل بن حسنة في الميمنة، ويزيد بن أبي سفيان في الميسرة، ومن أمراء الكراديس يومذاك القعقاع بن عمرو، ومذعور بن عدي، وعياض بن غنم، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص(1)، وسهيل بن عمرو(2)، وعكرمة بن أبي جهل، وعبدالرحمن بن خالد بن الوليد، وحبيب بن مسلمة(3)، وصفوان بن أمية(4)، وسعيد بن خالد بن العاص، وخالد بن سعيد بن العاص(5)، وعبدالله بن قيس(6)، ومعاوية بن حديج(7)، والزبير بن العوام(8)، وضرار بن الأزور.

وكان قاضي الجيش أبو الدرداء(9)، والقاص أبو سفيان بن حرب(10)، وعلى الغنائم عبدالله بن مسعود، وعلى الطلائع قباث بن أشيم، وكان المقرئ المقداد بن عمرو(11)، وقد كان عدد الصحابة في اليرموك أكثر من ألف صحابي بينهم مائة من أهل بدر. وكان أبو سفيان يسير فيقف على الكراديس، فيقول : الله الله! إنكم ذادة العرب، وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم وأنصار الشرك ! اللهم إن هذا يوم من أيامك! اللهم أنزل نصرك على عبادك!

ونشب القتال، والتحم الناس، وتطارد الفرسان، ولم يلبث الأمر قليلاً حتى جاء البريد

____________________

(1) هاشم بن عتبة بن أبي وقاص : صحابي، خطيب من الفرسان، ابن أخي سعد بن أبي وقاص، أقام بالشام بعد فتحها، فقد عينه باليرموك، وذهب مدداً لعمه سعد في القادسية، شهد صفين مع علي وكان قائد الراجلة فيها، وقتل في آخر أيامها.

(2) سهيل بن عمرو العامري القرشي : من الذين وقفوا في وجه الإِسلام، أسلم يوم فتح مكة، حسن إسلامه، خرج مجاهداً إلى الشام وهو خطيب قريش، توفي بالطاعون بالشام عام 18م.

(3) حبيب بن مسلمة بن مالك الفهري : قائد فاتح، خرج مجاهداً أيام أبي بكر، وشهد اليرموك وفتح دمشق، ولاه أبو عبيدة انطاكية، توغل في أرمينية، تولى أمر الجزيرة وأرمينيا واذربيجان توفي عام 61 هـ.

(4) صفوان بن أمية بن وهب الجمحي القرشي، أبو وهب : من السادات في الجاهلية والإِسلام، وقف ضد الدعوة، أسلم بعد الفتح، شهد اليرموك، توفي عام 41 هـ، بمكة المكرمة.

(5) خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس : صحابي، من الولاة الغزاة، من أوائل الذين أسلموا، ونال العذاب من أبيه (أبو أحيحة)، هاجر إلى الحبشة، غزا مع النبي، حضر فتح مكة، وغزوة تبوك، كتب لرسول الله وبعثه مع ملأ على اليمن، استدعاه أبو بكر، وخرج مجاهداً استشهد في مرج الصفر عام 14 هـ.

(6) عبدالله بن قيس الحارثي، حليف فزارة : أمير البحر في صدر الإِسلام، استشهد عام 53 هـ، وهو يطوف متخفياً في أحد الموانئ.

(7) معاوية بن حديج بن جفنة بن قنبر، أبو نعيم الكندي : الأمير الصحابي، شهد صفين مع معاوية، وتولى له مصر بعد أن أخذها له، وولي غزو المغرب عدة مرات، توفي عام 52 هـ.

(8) الزبير بن العوام الأسدي القرشي، ابن عمة رسول الله، أبو عبدالله : الصحابي الشجاع، أول من سل سيفه في الإِسلام، من أوائل الذين أسلموا، شهد المشاهد كلها مع رسول الله وحضر اليرموك، وهو أحد رجال الشورى، قتل غيلة عام 36 هـ. بعد معركة الجمل.

(9) أبو الدرداء : عويمر بن مالك بن قيس بن أمية الأنصاري الخزرجي : صحابي، من الحكماء الفرسان القضاة، اشتهر بالشجاعة والعبادة، وفي الحديث "عويمر حكيم أمتي" و"نعم الفارس عويمر" ولاه معاوية قضاء دمشق بأمر عمر بن الخطاب، توفي عام 32 هـ.

(10) أبو سفيان بن حرب : صخر بن حرب الأموي القرشي ، وقف في وجه الإِسلام، وقاد قريش في ذلك، أسلم يوم الفتح وهو وأولاده من الشجعان، قاتل تحت راية ابنه يزيد، فقد عينه الأولى في حنين والثانية في اليرموك، توفي عام 31 هـ .

(11) المقداد بن عمرو ويعرف بابن الأسود، ابو عمرو : صحابي، من الأبطال، من أوائل الذي أظهروا الإِسلام، كان من سكان حضرموت فر منها إلى مكة، توفي عام 33 هـ.

يحمل موت أبي بكر، وتولية عمر، وعزل خالد وتأمير أبي عبيدة رضي الله عنهم. وكان الرسول محمية بن زنيم، ولكن خالداً عندما سئل عن البريد، قال: السلامة وقرب وصول الأمداد.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:18 AM
وفاة الصديق

وكانت وفاة أبي بكر رضي الله عنه يوم الإثنين 22 جمادى الآخرة في السنة الثالثة عشرة من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذا تكون خلافته، سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام.

وإذا كانت الفتوحات الإسلامية في عهد الصديق تبدو ضيقة الرقعة إلا أننا يجب أن نضع في خلدنا الملاحظات التالية :

1ـ قصر مدة خلافة الصديق.

2ـ القضاء على حروب الردة التي شملت الجزيزة كلها.

3ـ كانت المعارك التي جرت في عهد الصديق بين المسلمين من جهة والفرس والروم من جهة ثانية، قد أرهبت أعداء الإسلام، وأظهرت قوة المسلمين وإمكاناتهم القتالية.

شعر أبو بكر الصديق رضي الله عنه بشيء من الراحة النفسية بعد أن قضى على المرتدين، وانطلقت الفتوحات في كل الجهات، وتحطم كبرياء الدولتين الكبريين اللتين كانتا تقفان في وجه الدعوة، وتدعمان المرتدين، وتستنفران قواتهما ومن والاها من العرب المتنصرة، كل ذلك في سبيل القضاء على الدولة الجديدة، وفي الوقت نفسه، فقد شعر أن مهمته في الحياة قد انتهت، فقد توطد الأمر، وثبت كيان الإسلام، وسيتابع الأمر الخلفاء من بعده، كما زاد شعوره في هذا الأمر أن سنه قد اقترب من سن حبيبه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم عندما فارق الحياة الدنيا وانتقل إلى الرفيق الأعلى. كما شعر أن استخلاف رجل من بعده وهو على قيد الحياة، يجنب المسلمين الكثير من الصعاب، وقد أشفق عليهم أن يختلفوا ويزهد في هذا المنصب أهله، ويبتعد عنه من يستحقه، وقد تداعى إلى ذهنه ما حدث عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما لم يخطر على بال المسلمين وفاة نبيهم، وحين ثقل عليهم مصابهم، والأمر لا بدّ له من خليفة يطبق منهج الله في الأرض. إذن لا بدَّ من استخلاف رجل يخلفه، ولا بدّ من الاستشارة، ولاح في ذهنه أولئك الصحابة الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشيرهم، وكبرت في نفسه شخصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومواقفه في الإسلام، وقوته في الحق، وهيبته في النفوس، ونظرة المسلمين إليه، ولكن كان لا بدَّ من أخذ رأيهم واستشارتهم، ولو كان الأمر منهم لكان أفضل.

وشعر أبو بكر بالمرض، واشتد عليه وثقل فجمع عدداً من الصحابة المعروفين الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاورهم في الأمر، وقال لهم : إنه قد نزل بي ما قد ترون ولا أظنني إلا ميتا لما بي، وقد أطلق الله إيمانكم من بيعتي، وحلّ عنكم عقدتي، وردّ عليكم أمركم، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر ألا تختلفوا بعدي.

فقاموا في ذلك فلم يستقم لهم أمر، وكل يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه إذ يرى فيه الصلاح والأهلية، لذا رجعوا إليه، فقالوا : رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال : فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده.

دعا أبو بكر عبد الرحمن بن عوف فقال له: أخبرني عن عمر بن الخطاب : فقال له: ما تسألني عنه أمراً إلا وأنت أعلم به مني. فقال له: وإن، فقال عبد الرحمن : هو أفضل من رأيك فيه.

ثم دعا عثمان بن عفان، فقال له مثل ذلك، فقال : علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر : يرحمك الله، والله لو تركته ما عدوتك.

ثم دعا أسيد بن حضير فقال له مثل ذلك، فقال أسيد : اللهم أعلمه الخيرة بعدك، يرضى للرضا، ويسخط للسخط، والذي يسرّ خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه.

وكذلك استشار سعيد بن زيد وعدداً من الأنصار والمهاجرين، وكلهم تقريباً كانوا برأي واحد في عمر إلا رجل خاف من شدته، وقد عاتبه بعضهم باستخلافه فقال أبو بكر : لا والله ولا نعمة عين، هو والله خير لكم، والله لو وليتك لجعلت أنفك في السماء ولرفعت نفسك فوق قدرك حتى يكون الله هو الذي يضعك، تريد أن تردني عن رأيي وتفتني في ديني ؟ فوالله لئن بلغني أنك عصيته أو ذكرته بسوء لأفعلن ولأفعلن... ثم دخل على أبي بكر عثمان وعلي فقال لهما مباشرة لعلكما تقولان في عمر ما قال فلان آنفاً ؟

قالا : وماذا قال يا خليفة رسول الله ؟

قال : زعم أن عمر أحدثكم إسلاماً و....

فقال عثمان رضي الله عنه : بئس لعمر الله ما قال فلان، عمر بحيث يحب من قوته مع سابقته.

وقال علي رضي الله عنه : بئس ما قال، عمر عند ظنك به، ورأيك فيه، إن وليته ـ مع أنه كان والياً معك ـ نحظى برأيه ونأخذ منه، فامض لما تريد، ودع مخاطبة الرجل فإن يكن على ما ظننت إن شاء الله فله عمدت، وإن يكن مالا تظن لم ترد إلا الخير.

ودخل عبد الرحمن بن عوف على أبي بكر الصديق يعوده في مرضه الذي مات فيه فوجده مقنعاً، فقال له عبد الرحمن : أصبحت بحمد الله بارئاً، فقال : أبرء ذاك ؟ قال : نعم، قال : أما إني على ذلك لشديد الوجع ولما لقيت منكم أيها المهاجرون أشد علي من وجعي، إني وليت أمركم خيركم في نفسي، فكلكم رغم أنفه أن يكون له الأمر دونه ورأيتم الدنيا قد أقبلت، ولما تقبل، وهي مقبلة، حتى تتخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج، وحتى يألم أحدكم بالاضطجاع على الصوف الأذربي(1) كما يألم أحدكم إذا نام على حسك السعدان(2)، والذي نفسي بيده لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حد، خير له من أن يخوض غمرات الدنيا، ثم أنتم غدا أول ضال بالناس يميناً وشمالاً، لا تضيعوهم عن الطريق، يا هادي الطريق جرت، إنما هو الفجر أو البجر(3). فقال له عبد الرحمن :حفظ الله عليك يرحمك الله فإن هذا يهيضك إلى ما بك، إنما الناس في أمرك رجلان : إما رجل رأى ما رأيت فهو معك، وإما رجل رأى ما لم تر فهو يشير عليك بما يعلم، وصاحبك كما تحب أو كما يحب، ولا نعلمك أردت إلا الخير، ولم تزل صالحاً مصلحاً مع أنك لا تأسى على شيء من الدنيا.

_______________

(1) الأذربي : نسبة إلى اذربيجان، وهو صوف شديد النعومة.

(2) حسك السعدان : نبات كثير الشوك.

(3) البجر : الدهماء والمعنى في الفجر تبصر الطريق، وفي الظلمة تنزل بالمكروه.

ودخل بعض الصحابة على أبي بكر وقد علموا باستشارته في عمر، فقال أحدهم : ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا، وقد ترى غلظته، وهو إذا ولى كان أفظ وأغلظ ؟ فقال أبو بكر : أجلسوني فلما جلس، قال : أباالله تخوفونني ؟ خاتزوّد من أمركم بظلم. أقول : اللهم إني قد استخلفت على أهلك خير أهلك. ثم قال للقائل أبلغ عني ما قلت لك من وراءك.

ثم اضطجع ودعا بعثمان، فقال له : اكتب، بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما دعا به أبو بكر ابن أبي قحافة، في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وأول عهده بالآخرة داخلاً فيها حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلف عليكم بعدي ... وأخذته غشية قبل أن يسمى أحداً. فكتب عثمان رضي الله عنه : إني استخلف عليكم بعدي عمر بن الخطاب ... ثم أفاق أبو بكر فقال : اقرأ علي ما كتبت فقرأ عليه ذكر عمر، فكبر أبو بكر، وقال : أراك خفت أن تذهب نفسي في غشيتي تلك فيختلف الناس، فجزاك الله عن الإسلام خيراً،والله إن كنت لها لأهلاً. ثم أمره أن يتمم فأملى عليه : فاسمعوا وأطيعوا، وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيراً، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدّل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت، ولا أعلم الغيب ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ثم أمره فختم الكتاب وخرج به مختوماً، ومعه عمر بن الخطاب وأسيد بن حضير. وأشرف أبو بكر على الناس من كوته فقال: أيها الناس إني قد عهدت عهداً، أفترضونه ؟ فقال الناس : رضينا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علي رضي الله عنه فقال : لا نرضى إلا أن يكون عمر.

فأقروا بذلك جميعاً. ورضوا به، ثم بايعوا، فرفع أبو بكر رضي الله عنه يديه فقال: اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، فعلمت فيهم ما أنت أعلم به، واجتهدت لهم رأيي، فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليه، وأحرصهم على ما أرشدهم. وقد حضرني من أول ما حضر، فاخلفني فيهم، فهم عبادك ونواصيهم بيدك، فأصلح لهم أميرهم، واجعله من خلفائك الراشدين، يتبع هدى نبي الرحمة، وهدى الصالحين بعده، وأصلح له رعيته، ثم دعاه فأوصاه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:21 AM
وَصيَّة أبي بَكر رَضيَ الله عَنه

1 ـ يرد ما عنده من مال إلى بيت مال المسلمين عن طريق الخليفة عمر بن الخطاب.

2 ـ يرد بستان يملكه إلى بيت مال المسلمين عوضاً عما أخذه من بيت المال مدة خلافته.

3 ـ أن يتصدق بمقدار خمس ما يملك من أرض العالية، وما يبقى يقسم بين أولاده وهم :

عبد الرحمن ومحمد وأسماء وعائشة.

وما تضع حبيبة بنت خارجة، ويتوقع أن تكون أنثى. وقد أوصى بها أولاده خيراً. (وبالفعل فقد وضعت أنثى - وهي أم كلثوم -).

4- أن يكفن بثوبيه بعد غسلها.

5- أن تغسله زوجه أسماء بنت عميس، وأن يدفن بجانب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:26 AM
الفتوحَات في عَهْـــدِ عمَر

يبدو أن القيادة الإِسلامية في المدينة المنورة بعد أن انتهت من حروب الردة وقررت مواجهة الدولتين العظميين آنذاك، كانت الخطة الموضوعة أن تفتح المعركة بكل ثقلها على جبهة، وتقوم بدور الدفاع على الجبهة الثانية، وتعتمد على سرعة الحركة بالانتقال من جبهة إلى أخرى حيث تبقى الدولتان في ذعر شديد وضعف معنوي كبير يحول دون التفاهم بينهما، إذ تستمر المعركة قائمة على الجبهتين معاً حيث تخاف كل دولة على وجودها فلا تحرص أن تتفق الواحدة مع الأخرى وإزالة ما كان بينهما من آثار الحرب.

ومع انتهاء حروب الردة كانت الدولة الفارسية هي التي تشكل الخطر الأكبر بالنسبة إلى المسلمين إذ كان الفرس يدعمون المرتدين، ويحاولون القضاء على المسلمين، ويمدون كل متنبئ كذاب أو مرتد خارج على الحكم بكل ما يمكنهم من دعم، لذا كانت الخطة البدء بالقتال على الجبهة الفارسية، لذا وافقت قيادة المدينة المنورة على طلب المثنى بن حارثة الشيباني بالتحرش بالفرس ومنازلتهم. وعندما انتهى خالد بن الوليد من حروب الردة طلبت منه القيادة التوجه إلى العراق لدعم المثنى بن حارثة، كما طلبت ذلك من عياض بن غنم، وأعطته قوة يتحرك بها نحو شمالي العراق.

استطاع خالد بن الوليد أن ينتصر على الفرس، وأن يجول بأرض العراق، وأن تجوس خيله منطقة السواد وجزءاً من أرض الجزيرة، هذا بالإضافة إلى مناطق غربي الفرات، وهذا ما جعل الفرس يشعرون بقوة الجيش الإِسلامي وإمكاناته القتالية والتعبوية - على عكس ما كانوا يظنون - الأمر الذي جعلهم يستعدون الاستعداد الكبير للمعركة الحاسمة المقبلة، وحشد الجنود لذلك. وفي هذا الوقت كانت القوة الإِسلامية على الجبهة الرومية تقوم بالدفاع فقط حيث كان خالد بن سعيد بن العاص يرابط بقواته قرب مناطق سيطرة الروم والقبائل العربية المتنصّرة المتحالفة مع الروم. ثم جهز الخليفة الصديق الجيوش وأرسلها إلى الشام - كما رأينا - إلا أن الروم كانوا يستعدون لذلك، ويتوقعون حرباً عامة شاملة، لذا فقد جمعوا أعداداً كبيرة وبعثوها باتجاه الجيوش الإِسلامية الأربعة، كما نقل هرقل مقر قيادته إلى حمص لتكون على مقربة من ساحة المعركة، ولما رأى المسلمون ذلك طلبوا المدد من المدينة والدعم، وكان على القيادة الإِسلامية أن تنقل المعركة الرئيسية من العراق إلى الشام إذ كان الفرس في حالة من الضعف بعد الهزيمة التي منوا بها، وهم بحاجةٍ إلى مدة للاستعداد والتفاهم على الحكم بعد الخلاف الواقع بينهم، لذا طلب الخليفة من خالد بن الوليد أن ينتقل بمن معه من الجند الذين كانوا معه في نجد والذين جاءوه دعماً من المدينة واليمن إلى الشام لدعم المسلمين هناك.

انتقل خالد بن الوليد إلى الشام وجرت معركة اليرموك بين الروم والمسلمين، وكانت معركة حاسمة، ولم تبدأ حتى كانت الخلافة قد آلت إلى عمر بن الخطاب، وبعد انتهاء المعركة كان استعداد الفرس قد تم، واتفاقهم قد حصل بعد اختلاف، وقرروا تصعيد القتال ضد المسلمين، الأمر الذي جعل القيادة الإِسلامية في المدينة تطلب من القيادة العسكرية في الشام إعادة قسم من جند العراق بإمرة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى العراق، هذا بالإضافة إلى إعلان النفير في جزيرة العرب للسير إلى العراق ودعم قوة المسلمين هناك وبدأت الامدادات تصل، قوة إثر أخرى إلى العراق. أما في الشام فقد تمّ طرد الروم وإنهاء الوجود البيزنطي فيها بعد عددٍ من المعارك، وهذا ما نلاحظه في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وبدأت المعارك في العراق ثم انتقلت إلى فارس حتى قضي على الدولة الفارسية نهائياً، ولم ينته عهد الفاروق بعد. وبانتهاء المقاومة على الجبهة الشرقية عاد القتال إلى الجبهة الغربية، إذا انتقل القتال إلى مصر وشمالي إفريقية وجزر البحر المتوسط، واستمر ذلك في عهد الخليفة الراشدي الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه.



معركة اليرموك :

تولى عمر بن الخطاب الخلافة في بداية القتال العنيف على الجبهة الغربية، إذ كان المسلمون قد تجمعوا في اليرموك أمام تحشدات الروم الهائلة.

كان تجمع المسلمين في المنطقة الغربية من درعا اليوم، وقد أخطأ كثير من المؤرخين، فجعلوا نهر اليرموك المنطقة الفاصلة بين المسلمين والروم، ومن يجول في تلك البقعة يدرك مباشرة أنه لا يمكن لهذا الوادي السحيق أن يكون ميداناً لمعركة أو تكون جنباته ساحة لها، هذا بالإضافة إلى أن الخليفة الصديق كان قد طلب من القيادة العسكرية في بلاد الشام أن يكون تجمع جندها في مكان يسهل معه الاتصال مع المدينة لإمكانية وصول الإِمدادات وسهولة الاتصال، ولو قطع المسلمون الوادي قبل احتدام المعركة وانتقلوا منه إلى الجهة الثانية وبصعوبة كبيرة لما أمكن وصول الامدادات إليهم، ولما أمكن الاتصال مع المدينة بعد نشوب الحرب، فكيف بالانتقال والحركة السريعة أثناء القتال كما يحلوا لبعض المؤرخين أن يخططوا ذلك، لهذا كله فقد جعل المسلمون مؤخرة جندهم إلى الشمال الغربي من درعا، لتكون درعا طريقاً لوصول الدعم إليها والاتصال مع المدينة، حيث يمكن في هذا المكان قطع الوادي بسهولة. هذا مع العلم أن خالد بن الوليد قد انتقل إلى اليرموك من بصرى فيكون طريقه عن درعا أو إلى الشمال قليلاً منها. وتكون معركة اليرموك قد وقعت على جانبي أحد روافد اليرموك وهي إما (الرقاد) أو (العلق)، ويكون عمر بن العاص الذي كان على ميمنة المسلمين إلى الشمال، ويزيد بن أبي سفيان الذي كان على الميسرة في الجنوب، على مقربة من نهر اليرموك وأبو عبيدة بينهما.

وخرج المسلمون على راياتهم وعلى الميمنة معاذ بن جبل وعلى الميسرة نفاثة ابن أسامة الكناني، وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعلى الخيالة خالد بن الوليد وهو المشير في الحرب الذي يصدر الناس كلهم عن رأيه، ولما أقبلت الروم في خيلائها وفخرها قد سدت أقطار تلك البقعة سهلها ووعرها كأنهم غمامة سوداء يصيحون بأصوات مرتفعة، ورهبانهم يتلون الانجيل، ويحثونهم على القتال، وكان خالد في الخيل بين يدي الجيش، فساق بفرسه إلى أبي عبيدة فقال له : إني مشير بأمر فقال : قل ما أمرك الله أسمع لك وأطيع. فقال له خالد : إن هؤلاء القوم لا بدّ لهم من حملة عظيمة لا محيد لهم عنها، وإني اخشى على الميمنة والميسرة، وقد رأيت أن افرق الخيل فرقتين وأجعلها وراء الميمنة والميسرة حتى إذا صدّوهم كانوا لهم ردءاً فنأتيهم من ورائهم. فقال له : نعم ما رأيت. فكان خالد في أحد الخيلين من وراء الميمنة، وجعل قيس بن هبيرة في الخيل الأخرى، وأمر أبا عبيدة أن يتأخر عن القلب إلى وراء الجيش كله حتى اذا رآه المنهزم استحى منه ورجع إلى القتال، فجعل أبو عبيدة مكانه في القلب سعيد بن زيد أحد العشرة رضي الله عنهم. وساق خالد إلى النساء أن يكنّ من وراء الجيش ومعهن عدد من السيوف وغيرها، فقال لهن : من رأيتموه مولياً فاقتلنه. ثم رجع إلى موقفه رضي الله عنه.

ولما تراءى الجمعان وتبارز الفريقان وعظ أبو عبيدة المسلمين فقال : عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، يا معشر المسلمين اصبروا فإن الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار، ولا تبرحوا مصافكم، ولا تخطوا إليهم خطوة، ولا تبدؤوهم بالقتال، واشرعوا الرماح، واستتروا، والزموا الصمت إلا من ذكر الله في أنفسكم حتى آمركم إن شاء الله وخرج معاذ بن جبل(1) على الناس فجعل يذكرهم ويقول : يا أهل القرآن والكتاب وأنصار الهدى والحق، إن رحمة الله لا تنال، وجنته لا تدخل بالأماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الصادق المصدق، ألم تسمعوا لقول الله تعالى "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ..." الآية، فاستحيوا - رحمكم الله - من ربكم أن يراكم فراراً من عدوكم، وأنتم في قبضته وليس لكم ملتحد من دونه ولا عز بغيره.

______________________

(1) معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الانصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن : كان عمره يوم هجرة المصطفى عشرين عاماً، أسلم وهو فتى، وآخى رسول الله بينه وبين جعفر بن أبي طالب، شهد العقبة الثانية، ثم حضر المشاهد كلها مع رسول الله، كان عالماً بالحلال والحرام، أرسله رسول الله إلى اليمن مرشداً، خرج مجاهداً إلى الشام، كان مع أبي عبيدة، واستخلفه عندما أصيب، وأقر ذلك عمر، ولكنه توفي في ذلك العام 18هـ، ولم ينجب.

وقال عمرو بن العاص : يا أيها المسلمون غضوا الأبصار، واجثوا على الركب، واشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا إليهم وثبة الأسد، فوالذي يرضى الصدق ويثيب عليه، ويمقت الكذب، ويجزي بالاحسان إحساناً - لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفراً كفراً(1) وقصراً وقصراً، فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد تطايروا تطاير أولاد الحجل.

_________________

(1) الكفر : المزرعة.

وقال أبو سفيان : يا معشر المسلمين أنتم العرب، وقد أحجمتم في دار العجم منقطعين عن الأهل، نائين عن أمير المؤمنين وامداد المسلمين، وقد والله أصبحتم بازاء عدو كثير عدده، شديد عليكم حنقه، وقد وترتموهم في أنفسهم وبلادهم ونسائهم، والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم، ولا يبلغ بكم رضوان الله غداً إلا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة، ألا وإنها سنة لازمة وأن الأرض وراءكم، بينكم وبين أمير المؤمنين وجماعة المسلمين صحارى وبراري، ليس لأحد فيها معقل ولا معدل إلا الصبر ورجاء ما وعد الله فهو خير معول، فامتنعوا بسيوفكم وتعاونوا ولتكن هي الحصون. ثم ذهب إلى النساء فوصّاهن، ثم عاد فنادى : يا معشر أهل الإِسلام حضر ما ترون، فهذا رسول والجنة أمامكم، والشيطان والنار خلفكم. ثم سار إلى موقفه رحمه الله.

وقد وعظ الناس أبو هريرة أيضاً فجعل يقول : سارعوا إلى الحور العين وجوار ربكم عز وجل في جنات النعيم. ما أنتم إلى ربكم في موطن بأحب إليه منكم في مثل هذا الموطن، ألا وإن للصابرين فضلهم.

ولما تقارب الناس تقدم أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان ومعهما ضرار بن الأزور، والحارث بن هشام، وأبو جندل بن سهيل بن عمرو إلى معسكر الروم، ونادوا : إنما نريد أميركم لنجتمع له، فأذن لهم في الدخول، وإذا هو جالس في خيمة من حرير. فقال الصحابة : لا نستحل دخولها، فأمر لهم بفرش بسط من حرير، فقالوا : لا نجلس على هذه، فجلس معهم حيث أحبوا ... وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم لا يقبلون الاستهانة بشيء من حرمات الله مهما قل، ومع أنه ليس فيه اللباس إلا أنهم رغبوا أن يأخذوا أنفسهم بالشدة، ورفض هذه الأمور وأمثالها، الأمر الذي جعلهم يعظمون في عين أعدائهم فيسايروهم، ويرتفعون في أنفسهم. وهذا ما وضعهم حيث وضعوا هم أنفسهم، وتميزوا بشخصيتهم فكان لهم ما تمنوا.

وعرض الصحابة على الاعداء : الإِسلام، أو الجزية، أو السيف، وكان من تعنت الروم ان كان لابدّ من القتال.

وطلب ماهان خالداً ليبرز إليه فيما بين الصفين فيجتمعا في مصلحة لهم، فقال له ماهان: إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم الجهد والجوع، فهلموا إلى أن أعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعاماً وترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها، فقال خالد : إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنا قوم نشرب الدماء، وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك. فقال أصحاب ماهان : هذا والله ما كنا نحدث به عن العرب، وهكذا كلمة واحدة بعزة النفس تميت معنويات الخصم.

تقدم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو - وهما على مجنبتي القلب -أشار لهما أن ينشبا القتال، وهكذا بدأت المعركة. وكان ذلك في أوائل شهر رجب من السنة الثالثة عشرة، وحملت ميسرة الروم على ميمنة المسلمين فمالوا إلى جهة القلب، وكان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول : اللهم زلزل أقدامهم، وأرعب قلوبهم، وأنزل السكينة علينا، وألزمنا حكمة التقوى، وحبب إلينا اللقاء، وأرضنا بالقضاء. وانكشفت زبيد، ثم تنادوا فتراجعوا، وحملوا على الروم وأشغلوهم عن اتباع من انكشف، وردت النساء من فرّ، فرجع الناس إلى مواقعهم.

وقال عكرمة بن أبي جهل : قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن وأفر منكم اليوم ؟ ثم نادى من يبايع على الموت ؟ فبايعه ضرار به الأزور، والحارث بن هشام عم عكرمة وعدد من المسلمين ووصل عددهم إلى أربعمائة رجل من أعيان الناس، وقاتلوا أمام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعاً جرحى، وقتل منهم عدد كبير منهم ضرار بن الأزور. ويذكر أنهم استسقوا ماء وهم جرحى فجيء إليهم بشربة ماء، فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر، فقال : ادفعها إليه، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر، فقال : ادفعها إليه، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعاً، ولم يشربها أحد منهم.

ثم حمل خالد بن الوليد بالخيل على ميسرة الروم التي حملت على ميمنة المسلمين، فأزالوهم إلى القلب، وقتل المسلمون في حملتهم هذه ستة آلاف من الروم، ثم حمل بمائة فارس على ما يقرب من مائة ألف من الروم فانهزموا أمامهم بإذن الله، وتبعهم ... ولما عاد المسلمون من حملتهم جاء البريد - الذي ذكرنا - يحمل وفاة الصديق وبيعة عمر وتولية أبي عبيدة إمرة القتال.

وخرج من بين الروم أحد أمرائهم الكبار وهو (جرجه) واستدعى خالد ابن الوليد إلى بين الصفوف حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال جرجة : يا خالد أخبرني فاصدقني ولا تكذبني، فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله، هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه فلا تسله على أحد إلا هزمتهم ؟ قال : لا ‍‍‍ قال : فبم سميت سيف الله ؟ قال : إن الله بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا منه ونأينا عنه جميعاً، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا كذبه وباعده، فكنت فيمن كذبه وباعده، ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه، فقال لي : أنت سيف من سيوف الله سلّه الله على المشركين. ودعا لي النصر، فسميت سيف الله بذلك فأنا أشد المسلمين على المشركين.

فقال جرجه : يا خالد إلى ما تدعون ؟ قال : إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله والإِقرار بما جاء به من عند الله عز وجل : قال : فمن لم يجبكم ؟ قال : فالجزية ونمنعهم. قال : فإن لم يعطها ؟ قال : نؤذنه بالحرب ثم نقاتله. قال : فما منزلة من يجيبكم ويدخل في هذا الأمر اليوم ؟ قال : منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا، شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا. قال جرجه: فلمن دخل فيكم اليوم من الأجر مثل ما لكم من الأجر والذخر قال : نعم وأفضل. قال : وكيف يساويكم وقد سبقتموه ؟ فقال خالد : إنا قبلنا هذا الأمر عنه وبايعنا نبينا وهو حي بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء، ويخبرنا بالكتاب ويرينا الآيات، وحق لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقةٍ ونيةٍ كان أفضل منا، فقال جرجه : بالله لقد صدقتني ولم تخادعني ؟ قال : تالله لقد صدقتك وأن الله ولي ما سألت عنه. فعند ذلك قلب جرجه الترس ومال مع خالد وقال : علمني الإِسلام، فمال به خالد إلى فسطاطه فسن عليه قربة من ماء ثم صلى به ركعتين ... فحملت الروم عند ذلك على المسلمين حملة أزالوا بها المسلمين عن مواقعهم إلى المدافعين أمثال عكرمة بن أبي جهل وعمه الحارث بن هشام.

وحمل خالد وجرجه بالمسلمين على الروم حتى هزموهم بإذن الله ... وقتل جرجه رحمه الله ولم يصل سوى هاتين الركعتين مع خالد، وصلى المسلمون يومذاك صلاة الظهر والعصر إيماء، وأخّروا صلاة العشاءين. وفرّ الروم ليلاً إلى الواقوصة، وسقط الذين ربطوا أنفسهم بالسلاسل.

وكان ممن شهد اليرموك الزبير بن العوام رضي الله عنه، وهو أفضل من هناك من الصحابة، وكان من فرسان الناس وشجعانهم، فاجتمع إليه جماعة من الأبطال يومئذ فقالوا : ألا تحمل فنحمل معك ؟ فقال : إنكم لا تثبتون، فقالوا : بلى فحمل وحملوا، فلما واجهوا صفوف الروم أحجموا وأقدم هو فاخترق صفوف الروم حتى خرج من الجانب الآخر وعاد إلى أصحابه. ثم جاءوا إليه مرة ثانية ففعل كما فعل في الأولى، جرح يومئذ جرحين في كتفه. وقتل عكرمة بن أبي جهل وعمه الحارث بن هشام، وابنه عمرو بن عكرمة، وسلمة بن هشام، وعمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد، وهشام بن العاص، وعمرو بن الطفيل بن عمرو الدوسي. وانهزم يومذاك عمرو بن العاص في أربعة حتى وصلوا إلى النساء فزجرنهم فعادوا. وانكشف شرحبيل بن حسنة وأصحابه فتراجعوا فوعظهم الأمير فرجعوا. وثبت يزيد بن أبي سفيان وقاتل قتالاً شديداً، وذلك أن أباه مرّ به فقال له : يا بني عليك بتقوى الله والصبر فإنه ليس رحل بهذا الوادي من المسلمين إلا محفوفاً بالقتال، فكيف بك وبأشباهك الذين ولّوا أمور المسلمين ؟ أولئك أحق الناس بالصبر والنصيحة، فاتق الله يا بني ولا يكونن أحد من أصحابك بأرغب في الأجر والصبر في الحرب ولا أجرأ على عدو الإِسلام منك. فقال : افعل إن شاء الله، فقاتل يومئذ قتالاً شديداً وكان من ناحية القلب رضي الله عنه.

وروى سعيد بن المسيب عن أبيه قال : هدأت الأصوات يوم اليرموك فسمعنا صوتاً يكاد يملأ العسكر يقول : يا نصر الله اقترب، الثبات الثبات يا معشر المسلمين، قال : فنظرنا فإذا هو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد.

وروي أن الأشتر قد شهد اليرموك ولم يشهد القادسية، فخرج يومئذٍ رجل من الروم، فقال: من يبارز ؟ فخرج إليه الأشتر، فاختلفا ضربتين، فقال للرومي : خذها وأنا الغلام الايادي، فقال الرومي: أكثر الله في قومك مثلك ‍‍ أما والله لو أنك من قومي لآزرت الروم، فأما الآن فلا أعينهم.

وروي أن هرقل قال وهو على إنطاكية لما قدمت منهزمة الروم : ويلكم أخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشراً مثلكم ؟ قالوا : بلى. قال : فأنتم أكثر أم هم ؟ قالوا : بل نحن أكثر منهم أضعافاً في كل موطن. قال : فما بالكم تنهزمون ؟ قال شيخ من عظمائهم : من أجل أنهم يقومون الليل ويصومون النهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزني، ونركب الحرام، وننقض العهد، ونغضب ونظلم ونأمر بالسخط وننهى عما يرضي الله ونفسد في الأرض. فقال : أنت صدقتني.

وروي أن أحد أمراء الروم وهو (القُبُقلار) بعث رجلاً عربياً من قضاعة عيناً له بين المسلمين، وقال له : ادخل في هؤلاء القوم فأقم فيهم يوماً وليلة، ثم ائتني بخبرهم. قال : فدخل في الناس رجل عربي لا ينكر، فأقام فيهم يوماً وليلة، ثم أتاه فقال له : ما وراءك ؟ قال : بالليل رهبان، وبالنهار فرسان، ولو سرق ابن ملكهم قطعوا يده، ولو زنى رجم، لإِقامة الحق فيهم. فقال له القبقلار : لئن صدقتني لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها، ولوددت أن حظي من الله أن يخلي بيني وبينهم، فلا ينصرني عليهم، ولا ينصرهم علي.

وفقد عدد من المسلمين عيونهم في يوم اليرموك منهم : أبو سفيان وكان قد فقده عينه الأولى يوم حنين والثانية في اليرموك، وعاش بعدها ضريراً، والمغيرة بن شعبة، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص، والأشعث بن قيس، وعمرو ابن معد يكرب، وقيس بن المكشوح وغيرهم.

وبعد معركة اليرموك التي فر منها الروم، وتابعهم المسلمون صالح أهل دمشق وأهل حمص، إذ خلت أكثر هذه المناطق من الجنود الروم، كما أن هرقل قد انتقل من مقره في حمص إلى إنطاكية التي اتخذها قاعدة له يسير فيها الجند، وتصدر عنه الأوامر.

وانتقل أبو عبيدة بالجيش من اليرموك إلى مرج الصفر ببقية الجيش الذي لم يلاحق الروم، وفي المرج وصل إليه الخبر بأن الروم قد تجمعوا بفحل بغور الأردن، فتوقف لا يدري بأي الأمرين يبدأ، أبدمشق ويتركزّ المسلمون فيها أم يعود إلى فحل ؟ فكتب إلى أمير المؤمنين يصف له الموقف، ويستشيره بالأمر، وجاء الأمر من أمير المؤمنين أن ابدأ بدمشق فإنها حصن الشام وبيت مملكتهم، فانهد لها، وأشغلوا عنكم أهل فحل بخيول تكون تلقاءهم، فإن فتحها الله قبل دمشق فذلك الذي نحب، وإن فتحت دمشق قبلها فسر أنت ومن معك واستخلف على دمشق، فإذا فتح الله عليكم فحل فسر أنت وخالد إلى حمص واترك عمراً و شرحبيل على الأردن وفلسطين.



معركة فحل :

بعث أبو عبيدة عمارة بن مُخِشَ إلى فحل، فوجد أن الروم يقاربون ثمانين ألفاً، وقد طوفوا المياه في المنطقة إلا أن المسلمين استطاعوا بإذن الله إحراز النصر ودخول (فحل) و (بيسان)، وذلك قبل فتح دمشق.



فتح دمشق :

أرسل أبو عبيدة أبا الأعور السلمي إلى طبريا ليفتحها وليكون ردءاً للمسلمين المتجهين إلى دمشق، وحائلاً دون وصول إمدادات رومية إلى دمشق التي نقض أهلها الصلح بعد أن رأوا أن الروم لا تزال لهم قوة في المناطق الجنوبية، وكذلك أهل حمص، ويبدو أن المناطق الداخلية من بلاد الشام كان تقدم المسلمين فيها سهلاً وذلك لقلة السكان إذا استثنينا المدن، وسهولة حركة الجند، ووجود الحياة القبلية التي يمكن أن يكون لها أثر في الصلح أو الخوف ومغادرة الديار على حين كانت المناطق الساحلية في المنطقة الجنوبية كثيرة السكان لخصوبتها ومنها مدينة القدس ذات الطابع الديني، والدفاع عنها يكون كبيراً لذلك السبب، والمناطق الشمالية من الجهات الساحلية جبلية وعرة المسالك، إضافة إلى قسوة السكان لطبيعة بلادهم الجبلية، وكان فيها المردة والجراجمة، وهم من قدامى السكان، وبعضهم من بقايا العمالقة، ولهم ارتباطات كبيرة بالروم أيضاً.

سار أبو عبيدة باتجاه دمشق، وقد جعل خالد بن الوليد في القلب، وسار هو في الميسرة، وعمرو بن العاص في الميمنة، وكان عياض بن غنم على الخيل، وشرحبيل بن حسنة على الرجالة. وفي الوقت نفسه بعث ذا الكلاع في فرقة لترابط بين دمشق وحمص لتحول دون وصول الامدادات إلى دمشق من جهة الشمال، كما جعل أبا الدرداء في فرقة أخرى لتكون في برزة على مقربة من دمشق ردءاً للجيش الإِسلامي الذي يحاصر المدينة.

وبعث أبو عبيدة طليعة تتألف من ثلاثة عناصر أحدهم وأميرهم أبو أمامة الباهلي الذي يقول : فسرت فلما كنا ببعض الطريق، أمرت أحد من معي أن يكمن، وبعد مسافة أمرت الآخر فكمن هناك وسرت أنا وحدي حتى باب البلد، وهو مغلق في الليل وليس هناك أحد، فنزلت وغرزت رمحي بالأرض ونزعت لجام فرسي، وعلقت عليه مخلاته ونمت، فلما أصبح الصباح قمت فتوضأت وصليت الفجر، فإذا باب المدينة بقعقع فلما فتح حملت على البواب فطعنته بالرمح فقتلته، ثم رجعت والطلب ورائي ، فلما انتهينا إلى الرجل الذي في الطريق من أصحابي ظنوا أنه كمين فرجعوا عني، ثم سرنا حتى أخذنا الآخر وجئت إلى أبي عبيدة فأخبرته بما رأيت، فأقام أبو عبيدة ينتظر كتاب عمر فيما يعتمده من أمر دمشق، فجاءه الكتاب يأمره بالمسير إليها، فساروا إليها حتى أحاطوا بها، واستخلف أبو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب في خيل هناك.

ولا شك فإن الإيمان وحده هو الذي كان سبب نصر المسلمين في معاركهم التي خاضوها ضد أعدائهم على الرغم من قلتهم وقلة إمكاناتهم، وبالإِيمان نفسه استطاع هذا الصحابي الجليل أبو أمامة أن ينطلق منفرداً إلى باب المدينة دمشق، وأن يبيت ليلة ونفسه مطمئنة وفكره مرتاحاً فيما سيكون وأن يصبح فيتوضأ ويصلي الفجر، ويقتل البواب وينطلق ... وهذا ما أرعب الروم، وأخاف السكان، وأضعف المعنويات إذ شعروا أن الغارات قد بدأت تصل إليهم، وأن الفرد من المسلمين وحده يمكن أن يكون غارة، يغير ويقتل وينصرف ولا يبالي.

انطلق الجيش الإسلامي نحو دمشق، فدخل الغوطة واحتلها كي لا يأمل أهل دمشق بمساعدات وتموينات منها، ووصل إلى دمشق من ناحية الشرق، فتوزع يحاصرها حسب التشكيل الذي يسير عليه، فتوقف خالد، وهو على قلب الجيش، على الباب الشرقي وحتى باب كيسان، وسارت الميسرة على جنوب دمشق، فنزل يزيد بن أبي سفيان على الباب الصغير وإلى باب كيسان، ونزل أبو عبيدة على باب الجابية من جهة الغرب وحتى الباب الصغير. وسارت الميمنة على شمالي دمشق فنزل عمرو بن العاص على باب توما، ونزل شرحبيل ابن حسنة على باب الفراديس وباب السلام.

استمر حصار دمشق عدة أشهر، وشعر أهل دمشق أن الامدادات لا يمكن أن تصل إليهم، وجاء وقت البرد، وكان قاسياً، فصعب القتال، وفي إحدى الليالي ولد لبطريق المدينة مولود، فأقام وليمته للجند والناس، فباتوا ليلتهم تلك سكارى، وشعر خالد بن الوليد بذلك نتيجة ضعف قتال الذين فوق الأسوار وقلة حركة الناس عامة، ونتيجة المعلومات التي وصلت إليه من العيون، وهو على عين يقظة لا ينام إلا قليلاً ولا ينيم، وكانت عنده سلالم مهيأة. فلما أحس بذلك استدعى بعض صنايد القوم أمثال القعقاع بن عمرو، ومذعور بن عدي، وأحضر جنده عند الباب، وقال لهم : إذا سمعتم تكبيرنا فوق السور فارقوا إلينا. ثم إنه قطع الخندق وهو وأصحابه سباحة وقد وضعوا قرباً في أعناقهم تساعدهم على السباحة. إذ كانت الخنادق تحيط بدمشق وهي مليئة بالماء عدا الجهة الشمالية حيث كان نهر بردى هناك يعد بمثابة الخندق، وكان السور على ضفافه يتعرج حسب المجرى على حين كانت الأسوار في الجهات الأخرى تسير بشكل مستقيم، وأثبت خالد وصحبه السلالم على شرفات السور، وصعدوا عليها، فلما صاروا أعلى السور رفعوا أصواتهم بالتكبير لإرهاب العدو ونزلوا على حراس الباب فقتلوهم، وفتحوا الباب عنوة، وقد طعنوا مغاليقه، واندفع الجند من الباب إلى الداخل.

وانطلق خالد بن الوليد مع جنده داخل المدينة يعمل في من وقف في وجهه قتلاً، ويتجه نحو مركزها، وأسرع وجهاؤها نحو بقية الأبواب وخاصة نحو الغرب حيث باب الجابية خوفاً من أن ينالهم القتل، فيعلنون الاستسلام وفتح مدينتهم، وطلب الصلح، ودخل بقية قادة المسلمين وجيوشهم من الأبواب الأخرى صلحاً يتجهون نحو داخل المدينة والتقوا مع مركزها، خالد يعمل السيف، وهم في السلم، فقالوا له : يا أبا سليمان إن القوم قد استسلموا، وطلبوا الصلح، وفتحوا الباب لنا، ودخلنا سلماً، فقال لهم : وإنما دخلت أنا ومن معي المدينة عنوة، ولم يزل يعمل السيف حتى طلب منه أبو عبيدة الكف عن ذلك. والتقى الأمراء عند المقسلاط قرب سوق النحاسين اليوم (المناخلية). وكان فتح دمشق في رجب من السنة الرابعة عشر أي بعد معركة اليرموك بسنة كاملة. وقد استمر حصارها عدة أشهر.

وبعد فتح دمشق طلب أمير المؤمنين من أبي عبيدة أن يسير بعض جند العراق الذي جاءوا منها مع خالد بن الوليد إلى العراق مرة ثانية ليدعموا الفاتحين فيها، فسيرهم بإمرة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص.

وولى أبو عبيدة على دمشق يزيد بن أبي سفيان، وسيّر شرحبيل بن حسنة إلى الأردن، وعمرو بن العاص إلى فلسطين، أي سار كل من الأمراء إلى المنطقة التي كانت وجهته الأولى إليها.

بعث يزيد بن أبي سفيان أمير دمشق دحية بن خليفة إلى تدمر، كما بعث أبا الزهراء القشيري إلى حوران فصالح أهلها، إذ كان طريق المسلمين إلى دمشق عن طريق مرج الصفرّ ومن جهة الغرب من حوران لذا فقد بقيت حوران دون مصالحة.



في البقاع :

وأرسل أبو عبيدة خالد بن الوليد إلى البقاع، وعندما وصل إلى تلك الجهة جاءت حملة من الروم عن طريق ما يعرف اليوم باسم ظهر البيدر تحت إمرة سنان، واستطاع قتل عدد من المسلمين عند (عين ميسون) وعرفت تلك العين بعد ذلك باسم عين الشهداء. ثم تابع خالد سيره في البقاع نحو الشمال فصالحه أهل بعلبك.



معركة مرج الروم وفتح حمص :

وكان أبو عبيدة قد اتجه إلى الشمال أيضاً فنزل على ذي الطلاع الذي كان في آخر ثنية العقاب وشرف على (القطيفة) اليوم، وإذ وصل إليه خبر ارسال هرقل بطريقاً من قبله يدعى (توذرا) إلى مرج الروم (منطقة الصبورة اليوم) لينزل دمشق فسار إليه أبو عبيدة وخرج إلى( توذرا) وجاء خالد من الخلف، وبدأ القتال فلم ينج من الروم إلا من شرد، وقتل خالد (توذرا)، وكان أبو عبيدة قد التقى ببطريق آخر يدعى (شنس) نزل بجانبه فتنازلا وقتل أبو عبيدة شنس أيضاً، وفر أتباعه باتجاه حمص فلاحقهم أبو عبيدة، ولما انتهى خالد من (توذرا) تبع أبا عبيدة نحو حمص فحاصراها معاً، وطال الحصار، وجاء فصل الشتاء، وكان شديد البرد، وصبر الصحابة صبراً عظيماً، ولما انسلخ الفصل البارد اشتد الحصار، وأجبر الأهالي المسؤولين على الاستسلام، وطلبوا الصلح حسب الصلح الذي صالح عليه أهل دمشق على نصف المنازل، وضرب الخراج على الأرض، وأخذ الجزية على الرقاب حسب الغنى والفقر. وبعث أبو عبيدة بالأخماس والبشارة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب مع عبد الله بن مسعود ... كما طلب منه الرأي بشأن هرقل ... فجاءه الجواب بالبقاء في حمص بالنسبة إلى أبي عبيدة.



فتح قنسرين :

وأرسل أبو عبيدة خالد بن الوليد إلى قنسرين فقاتل أهلها بعد حصار واعتذار بعد هزيمة أولى، وإثر ذلك دخل المدينة عنوة، وذلك في السنة الخامسة عشرة من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا التقدم السريع في المناطق الداخلية كان لا يوازيه تقدم آخر في المناطق الساحلية للأسباب التي سبق أن ذكرناها، الأمر الذي اقتضى أن يقوم عمرو بن العاص الذي ولي أمر فلسطين بحرب عنيفة في مناطقه الجنوبية حتى يستطيع المسلمون أن يتقدموا في الساحل والداخل بصورة متوازية، واقتضى الأمر من القيادة أن توجه حملات من الداخل إلى الساحل لتقطع المناطق الساحلية إلى وحدات، ولتقلل الضغط أمام الفاتحين المسلمين المتقدمين من الجنوب، وليضعف معنويات المتعنتين من الروم، وليقلل أملهم في إمكانية التشبث بالأرض والبقاء في تلك الجهات، لذا أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب معاوية بن أبي سفيان بالتحرك نحو قيسارية وتولي أمورها وكتب إليه : أما بعد فقد وليتك قيسارية فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا فنعم المولى ونعم النصير. فسار إليها فحاصرها، وقاتل أهلها عدة مرات وفي النهاية انتصر عليهم وقتل منهم ما يقرب من ثمانين ألفاً، وبهذا الفتح انقطع رجاء الروم في النصر ... ثم كتب عمر إلى عمرو بن العاص أن يسير إلى ايلياء (بيت المقدس).



فتح أجنادين :

سار عمرو بن العاص إلى أجنادين وهي موقع قريب من الفالوجة ومكان عبور فلسطين من الجنوب، إذا رابط فيها الأرطبون، كما كانت قوة للروم في الرملة، وأخرى في بيت المقدس، وكانت إذا جاءت قوات داعمة إلى عمرو أرسل بها تارة إلى الرملة وأخرى إلى بيت المقدس ليشاغلوا الروم في تلك الجهات خوفاً من دعمهم للأرطبون في أجنادين. وطال تأخر الفتح في أجنادين، وسارت الرسل بين الطرفين، ولم يشف أحدهما غليل عمرو، فسار بنفسه باسم رسول، ودخل على الأرطبون، وجرى الحديث بينهما، استنتج الأرطبون على أن هذا الرسول إنما هو عمرو بالذات أو أنه شخص ذو قيمة وأثر بين المسلمين، وقال في نفسه : ما كنت لأصيب القوم بأمر هو أعظم من قتله. فدعا حرساً فسارّه وأمره بالفتك به فقال : اذهب فقم في مكان كذا وكذا، فإذا مرَّ بك فاقتله، ففطن عمرو بن العاص فقال للأرطبون : أيها الأمير إني قد سمعت كلامك وسمعت كلامي، وإني واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب لنكون مع هذا الوالي لنشهد أموره. وقد أحببت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك ويروا ما رأيت. فقال الأرطبون : نعم ‍ فاذهب فائتني بهم، ودعا رجلاً فسارّه فقال : اذهب إلى فلان فردّه. وقام عمرو ابن العاص فرجع إلى جيشه، ثم تحقق الأرطبون أنه عمرو بن العاص نفسه فقال : خدعني الرجل، هذا والله أدهى العرب. وبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال : لله در عمرو. وحدث قتال عظيم في أجنادين كقتال اليرموك .. ثم دخل المسلمون أجنادين، وتقدموا نحو بيت المقدس.

فتح بيت المقدس :

لقي المسلمون عناداً قوياً من الروم الأمر الذي جعل الجيوش الإِسلامية تجتمع مرة أخرى، وولى أبو عبيدة على دمشق سعيد بن زيد، وسارت الجيوش لتحاصر بيت المقدس وتضيق على من فيها حتى أجابوا إلى الصلح بشرط أن يقدم عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. أرسل أبو عبيدة إلى عمر يخبره الخبر، واستشار عمر الصحابة فأشار علي بن أبي طالب عليه بالمسير ورأى عثمان بن عفان غير ذلك، فأخذ عمر برأي علي وولاّه على المدينة وسار إلى الشام وعلى مقدمته العباس بن عبد المطلب، واستقبله في الجابية أمراء المسلمين أبو عبيدة وخالد ويزيد، ومن الجابية سار عمر إلى بيت المقدس، ثم صالح النصارى، واشترط عليهم إخراج الروم خلال ثلاثة أيام، ثم دخل المسجد من حيث دخل رسول الله يوم الإسراء وصلى فيه مع المسلمين، ثم سار إلى الصخرة وجعل المسجد في قبلة بيت المقدس. وبعد فتح بيت المقدس رجع كل أمير إلى مكانه.



فتح حمص ثانية :

وما أن وصل أبو عبيدة إلى مركزه في حمص حتى حاصره الروم، وقد استنفروا معهم أهل الجزيرة، وكان أبو عبيدة قد استشار المسلمين في التحصن بالمدينة أو قتال الروم خارجها، فأشاروا عليه بالتحصن إلا خالد ابن الوليد الذي كان قد استقدمه من قنسرين لمساعدته ودعمه، فقد رأى قتال الأعداء خارج البناء، إلا أن أبا عبيدة رأى ما رآه بقية المسلمين، وكتب أبو عبيدة إلى أمير المؤمنين يعلمه الخبر. وكانت بقية مدن الشام كل منها مشغول بما فيه، ولو جاءته نجدة من أية مدينة فلربما اختل النظام في بلاد الشام كافة. وبخاصة أن هناك جيوب رومية كثيرة، ويختلط السكان، وكتب عمر ابن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص في العراق يطلب منه أن يسيّر مدداً بإمرة القعقاع بن عمرو إلى حمص، وأن يبعث بعثاً بإمرة عياض بن غنم إلى بلاد الجزيرة الذين مالؤوا الروم. خرج من الكوفة جيشان أولاهما اتجه نحو حمص وقوامه أربعة آلاف مقاتل بقيادة القعقاع بن عمرو، والآخر اتجه نحو الجزيرة بقيادة عياض بن غنم، وفي الوقت نفسه خرج عمر بن الخطاب نفسه من المدينة لينصر أبا عبيدة. علم أهل الجزيرة أن الجيش الإِسلامي قد طرق بلادهم فتركوا حمص ورجعوا إلى أرضهم. وأخبر الروم أن أمير المؤمنين قد سار إلى الشام ليدعم حمص فانهارت معنوياتهم وضعف أمرهم، وأشار خالد على أبي عبيدة بأن يبرز لهم ليقاتلهم فوافق، فنصر الله عباده المؤمنين على اعدائهم ولم يصل بعد القعقاع إذ وصل إلى حمص بعد انتصار المؤمنين بثلاثة أيام، كما أن عمر بن الخطاب كان قد وصل إلى الجابية وجاءه خبر المعركة وهو فيها، وعدّ المدد بين المقاتلين ونال نصيبه من الغنائم. كما صالح أهل حلب ومنبج وإنطاكية.



فتح الجزيرة :

أما عياض بن غنم فقد وصل إلى الجزيرة وصالح أهل (حران) و (الرها) و (الرقة)، وبعث أبا موسى الأشعري إلى (نصيبين)، وعمر بن سعد بن أبي وقاص إلى (رأس العين) وسار هو إلى (دارا)(1) ففتحت هذه المدن، كما أرسل عثمان بن أبي العاص إلى أرمينيا فحدث قتال ثم صالح عثمان أهل البلاد على جزية مقدارها دينار على كل أهل بيت.

____________________

(1) دارا : مكان دير الزور اليوم، وهي قرب قرقيساء التي هي مكان البصيرة عند التقاء نهر الخابور بنهر الفرات.



فتح سواحل الشام :

وفتحت (قرقيساء) على يد عمر بن مالك، وصالح أهل (هيت)، وكان يزيد بن أبي سفيان قد أرسل أخاه معاوية على مقدمته ففتح بناء على أوامر أبي عبيدة المدن الساحلية صور وصيدا وبيروت وجبيل وعرقة(1) وطرابلس. وبهذا أصبحت بلاد الشام كلها بيد المسلمين. إلا أن خطأ قد وقع أثناء الفتح، وهو أن المسلمين لم يكونوا ليمشّطوا البلاد التي يفتحونها تمشيطاً كلياً حيث يخلونها من كل من يمكن أن يتمرد في المستقبل أو يكون عوناً للروم الذين يفكرون في استعادة بلاد الشام ويعتقدون أنه لا تزال لهم مراكز قوة فيها، إذ أن المسلمين كما رأينا قد بدؤوا بالمناطق الداخلية التي هي مجال حركتهم، وعلى صلة بالمدينة المنورة قاعدة الحكم الإِسلامي، بناءً على أوامر القيادة العامة، وحاولوا الابتعاد عن السواحل التي كانت للروم فيها قواعد بحرية، الأسطول الرومي يجوب تلك السواحل على حين لم يكن للمسلمين بعد أية قوة بحرية، فهم بالدرجة الأولى أبناء داخل وصحارى ولربما كان أكثرهم لم ير البحر بعد، ومنهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نفسه. وكذلك فقد تركوا الجزر الجبلية والتفوا حولها ظناً منهم أن أولئك السكان الذين كانوا على درجة من القلة لا تمكنهم من عمل شيء، لذا فإنهم ينزلون على حكم المسلمين راضين أو كارهين إضافة إلى فقر تلك الجهات هذا ويزيد ذلك وعورة تلك الأماكن وصعوبة مسالكها، وهذه الخطيئة نفسها تكررت في الأندلس، فكان من تلك الجزر الجبلية البلاء العظيم الذي أطاح بالمسلمين من الأندلس بعد مدة طويلة من الزمن، والذي لا نزال نذوق منه الويلات في بلاد الشام حتى الآن، إذ كان سكان الجبال عوناً للروم ودعماً لهم كلما ظهر الروم على الشواطئ الشامية، وهذا ما كان يستشعره الروم من أن لهم قوة تعتصم في المناطق الجبلية كما دعت الحاجة، كما أن قوة أخرى كانت لهم، وهي أن الروم عندما اجلوا عن تلك البلاد الشامية رحلت معهم بعض القبائل العربية المتنصِّرة الحليفة لهم والمنتصّرة من غسان وتنوخ واياد ولخم وجذام وعاملة وكندة وقيس وكنانة ظناً من هذه القبائل أن الروم لا يمكنهم أن يتركوا الفاتحين الجدد في البلاد الشامية، وكان لهذه القبائل مراكزها وأنصارها في المنطقة، كل هذا كان يشجع الروم على التفكير في محاولة استرجاع البلاد، وقد تمكن الروم فعلاً من استعادة بعض السواحل اللبنانية، ولكنهم لم يلبثوا أن طردوا منها. ولعل من الأخطاء التي وقعت آنذاك الاستعانة بالجراجمة، وهم سكان منطقة الجرجومة وهي مدينة تقع في جبل الأمانوس (اللكام) شمال إنطاكية، وقد كانت لهم دولة مركزها مرعش، ويعتقد أنهم من بقايا الحثيين. وعندما صالح أبو عبيدة بن الجراح أهل إنطاكية همّ الجراجمة بالانتقال إلى بلاد الروم خوفاً على أنفسهم، إلا أن المسلمين لم يأبهوا بهم آنذاك، ولكن إنطاكية لم تلبث أن نقضت العهد، واضطر المسلمون إلى فتحها ثانية، وعين أبو عبيدة عليها (حبيب بن مسلمة الفهري) الذي استعد لغزو جرجومة، فاضطر أهلها

______________________________

(1) عرقة : مدينة كانت تقع إلى القرب من طرابلس.

لطلب الصلح، وكانوا يساعدون المسلمين أحياناً عندما يرون فيهم القوة، ولكنهم إن وجدوا في الروم قوة كاتبوهم على أن ينقضّوا على المسلمين، وهذا ما كان يشجع الروم، ويُبقي عندهم الأمل في العودة إلى بلاد الشام، ولربما كان المسلمون بحاجة إلى الجند آنذاك، وقد وجدوا في الجراجمة عنصراً محارباً ودعماً عسكرياً فاستفادوا منهم، إلا أنه لا يؤمن لهم ولا لعهودهم ما دامو لا يدينون دين الحق، ولا ينظرون إلا إلى مصالحهم، وهذا ما كان يجعلهم يقفون بجانب الروم أحياناً وبجانب المسلمين مرة أخرى، ثم توزعوا في المناطق الجبلية الغربية عوناً للروم، وبقي لهم خطر على البلاد ولأحفادهم الذين اعتقدوا عقائد غريبة حتى الآن.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:34 AM
فتح مصر :

لما انتهى فتح المسلمين لبلاد الشام، وانتهى عمرو بن العاص من فتح فلسطين، استأذن عمرو بن العاص من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في السير إلى مصر للفتح، فوافق عمر وسيّره إليها، ثم أمده بالزبير بن العوام ومعه بسر ابن أرطأة وخارجة بن حذافة، وعمير بن وهب الجمحي، فالتقيا عند باب مصر، ولقيهم أبو مريم ومعه الأسقف أبو مريام وقد بعثه المقوقس من الإسكندرية، فدعاهم عمرو بن العاص إلى الإِسلام أو الجزية أو القتال، وأمهلهم ثلاثة أيام فطلبوا منه أن يزيد المدة فزادها لهم يوماً واحداً، ثم نشب القتال، فهزم أهل مصر، وقتل منهم عدد كبير، منهم الأرطبون الذي فر من بلاد الشام إلى مصر، والذي أجبر أهل مصر على المقاومة، وحاصر المسلمون عين شمس، وارتقى الزبير بن العوام السور، فلما أحس السكان بذلك انطلقوا باتجاه عمرو على الباب الآخر، إلا أن الزبير كان قد اخترق البلد عنوة ووصل إلى الباب الذي عليه عمرو، فصالحوا عمراً وأمضى الزبير الصلح، وقبل أهل مصر كلهم الصلح، إذ كان قد وجه عبد الله بن حذافة إلى عين شمس فغلب على أرضها وصالح أهل قراها على مثل صلح الفسطاط.

ثم أرسل عمرو جيشاً إلى الإسكندرية حيث يقيم المقوقس، وحاصر الجيش المدينة، واضطر المقوقس إلى أن يصالح المسلمين على أداء الجزية واستخلف عمرو بن العاص عليها عبد الله بن حذافة. وانشئت مدينة الفسطاط مكان خيمة عمرو حيث بني المسجد الذي ينسب إليه الآن. وأقيمت البيوت حوله.

وأرسل عمرو قوة إلى الصعيد بإمرة عبد الله سعد بن أبي سرح بناءً على أوامر الخليفة ففتحها، وكان الوالي عليها كما أرسل خارجة بن حذافة إلى الفيوم وما حولها ففتحها وصالح أهلها، وأرسل عمير بن وهب الجمحي إلى دمياط وتنيس وما حولهما فصالح أهل تلك الجهات.

ثم سار عمرو بن العاص إلى الغرب ففتح برقة وصالح أهلها، وأرسل عقبة ابن نافع ففتح (زويلة) واتجه نحو بلاد النوبة، ثم انطلق عمرو إلى طرابلس الغرب ففتحها بعد حصار دامشهر، كما فتح (صبراته) و (شروس) ومنعه عمر بن الخطاب أن يتقدم أكثر من ذلك إلى جهة الغرب.



2- الجبهة الشرقية :

كان الخلاف على الحكم قوياً في الدولة الفارسية الفرس كما كان الحكام على خلاف فيما بينهم، فلما غادر خالد بن الوليد العراق إلى الشام شعر الفرس بقلة من بقي من جند المسلمين هناك، فأرادوا النيل منهم وطردهم من أرض العراق، فأرسل شهريار ملك الفرس جيشاً قوامه عشرة آلاف مقاتل لمحاربة جيش المسلمين بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني، إلا أن الفرس قد هزموا هزيمة منكرة أيضاً.

طلب المثنى بن حارثة المدد من المدينة، إلا أن أخبار الصديق قد تأخرت عليه لانشغاله بقتال الشام الأمر الذي جعل المثنى يسير بنفسه إلى المدينة وقد خلّف وراءه على المسلمين بشير بن الخصاصية، فلما وصل إلى قاعدة الحكم وجد أبا بكر في آخر عهده وقد استخلف عمر من بعده. فلما رأى أبو بكر المثنى قال لعمر : إذا أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس لحرب أهل العراق مع المثنى، وإذا فتح الله على أمرائنا بالشام فاردد أصحاب خالد إلى العراق فإنهم أعلم بحربه. فلما مات الصديق ندب عمر المسلمين إلى الجهاد في أرض العراق، وأمر على المجاهدين أبا عبيد بن مسعود الثقفي حيث كان أول من لبى النداء ولم يكن من الصحابة، مع العلم أن عمر لم يكن ليولي إلا من كان صحابياً، وعندما سئل في هذا الأمر أجاب : إنما أؤمر أول من استجاب، إنكم إنما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين، وإن هذا هو الذي استجاب قبلكم، ثم دعاه فوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً. وأمره أن يستشير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار المجاهدون إلى العراق.

وكتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في الوقت نفسه إلى أبي عبيدة في الشام أن يرسل من كان بالعراق ممن قدم مع خالد بن الوليد إلى العراق، فسيّرهم أبو عبيدة بعد فتح دمشق بإمرة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص.

وأرسل عمر أيضاً مدداً آخر بقيادة جرير بن عبد الله البجلي قوامه أربعة آلاف، فسار باتجاه الكوفة، والتقى بقائد فارس فهزمه شر هزيمة وسقط أكثر جند الفرس في النهر.





معركة النمارق :

بعث رستم جيشاً لقتال أبي عبيد فالتقى الطرفان في النمارق بين الحيرة والقادسية، وكان على خيل المسلمين المثنى بن حارثة، فهُزم الفرس، وولوا الأدبار، وساروا إلى (كسكر) فلحقهم أبو عبيد، ثم هزمهم ثانية بعد أن جاءتهم قوة داعمة لنصرتهم، وفرّ الفرس إلى المدائن.



معركة الجسر :

بعد أن هزم الفرس في النمارق وما بعدها اجتمعوا إلى رستم، فأرسل جيشاً كثيفاً ومعهم راية (كسرى) وراية (أفريدون) التي تسمى (الدرفس) وسار هذا الجيش نحو المسلمين فالتقوا، وبينهم جسر، فقال الفرس : إما أن تعبروا إلينا، أو نعبر إليكم، فقال المسلمون لأبي عبيد : أمرهم أن يعبروا إلينا، فقال أبو عبيد : ما هم أجرأ منا على الموت بل نعبر إليكم، ثم اقتحم الجسر إليهم، وجرت معركة عنيفة بين الطرفين. وكانت فيلة الفرس تؤذي المسلمين حيث تخافها خيولهم الأمر الذي جعل أبا عبيد يأمر المسلمين بقتل الفيلة فقتلوها وكان بين الفيلة فيل عظيم هجم عليه أبو عبيد، فضرب خرطومه فاستدمى الفيل وصرخ وقتل أبا عبيد وبرك فوقه، وقتل القادة الذين تولوا أمر المسلمين بعد أبي عبيد، حتى جاء دور المثنى بن حارثة في الإمارة، وكان قد ضعف أمر المسلمين، وأرادوا التراجع، وعبر بعضهم الجسر، ولتزاحمهم عليه تحطم الأمر الذي جعل ظهور المسلمين للفرس وبدأ القتل فيهم حتى عظم، فقتل منهم من قتل، وغرق من غرق. فجاء المثنى ووقف عند مدخل الجسر يحمي المسلمين ليقطعوا الطريق ببطء فأصلحوا الجسر وعبروا خلاله، حتى انتهوا والمثنى وشجعان المسلمين يحمونهم. وقد وقعت هذه المعركة بعد معركة اليرموك بأربعين يوماً أي في شهر شعبان في السنة الثالثة عشرة للهجرة واختلف الفرس ثانية على الحكم إذ خلعوا رستم، ثم عادوا فولوه، وأضافوا إليه الفيرزان، وسار الفرس إلى المدائن فلحقهم المثنى، وهزم من اعترض سبيله منهم وأسر عدداً كبيراً ضرب أعناقهم، وطلب النجدة والمدد من أمراء المسلمين، فوافوه، كما كان قد وصل إليه جرير بن عبد الله البجلي ومن معه.



معركة البويب :

لما علمت الفرس باجتماع عدد من جيوش المسلمين بعثت جيشاً كثيفاً، والتقى الطرفان في مكان يقال له (البويب) قرب الكوفة، وطلبت الفرس أن يعبر المسلمون إليها، أو تعبر إليهم، فأجاب المثنى بأن يعبر الفرس فعبر وجرت معركة عنيفة هزمت فيها المجوس، وقتل منهم عدد كبير قتلاً وغرقاً في النهر، وكانت هذه المعركة عظيمة إذ اقتص فيها المسلمون من معركة الجسر ونالوا غنائم عظيمة، وقتل فيها قائد الفرس مهران، وكان ذلك في شهر رمضان من السنة الثالثة عشرة الهجرية.

وبعد معركة البويب التي اقضت مضاجع الفرس اجتمع أمراؤهم على تمليك يزدجرد بن شهريار بن كسرى، واتفقوا على ذلك فيما بينهم، وأرسلوا بالخبر إلى إتباعهم في الأمصار كافة، الأمر الذي جعل المجوس وأنصارهم الذين صالحوا المسلمين وأظهروا الطاعة ينقضون العهد. وأخبر المسلمون بذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.

حث عمر بن الخطاب المسلمين على الجهاد وخرج بنفسه على رأس الجيش من المدينة بعد أن ولّى مكانه علي بن أبي طالب واستصحب معه عثمان بن عفان وسادات الصحابة حتى وصل إلى ماء يقال له ( الصرار ) فعقد مجلساً استشارياً في الذهاب، وقد أرسل إلى علي أن يأتي من المدينة، فكلهم وافقه على رأيه إلا عبد الرحمن بن عوف فإنه قال له : إني أخشى إن كسرت أن تضعف أمر المسلمين في سائر أقطار الأرض، وإني أرى أن تبعث رجلا وترجع إلى المدينة، فمال عمر إلى هذا الرأي، ووقع الاختيار على سعد بن أبي وقاص قائداً للجيش، فأوصاه، وكتب إلى المثنى بن حارثة وجرير بن عبد الله البجلي في إطاعة سعد، كما أصبح جميع أمراء العراق تبعاً له، ولكن المثنى قد توفي قبل وصول سعد إذ انتقض عليه جرحه الذي أصابه يوم الجسر.

اجتمع المسلمون في القادسية حسبما واعدهم سعد بن وقاص بناء على أوامر الخليفة عمر بن الخطاب، كما نصَّب الخليفة عبد الرحمن على القضاء ولما بلغ سعد ماء العذيب اعترضه جيش للفرس، فهزمه، وغنم منه غنائم كثيرة . ويبدو من هذه المعارك أن المسلمين كانوا يتوغلون في أعماق العدو دون تطهير كامل للمناطق الخلفية مما يجعل الفرس يستطيعون تحريك جيوشهم إلى قرب أماكن المعارك الأولى.

معركة القادسية : ثم سار سعد حتى نزل القادسية، فمكث فيها شهراً لم ير فيه أثر للفرس، وكان يبث سراياه في كل الجهات، فكانت تأتيه بالغنائم الأمر الذي جعل الفرس وحلفائهم يتضايقون جداً، وأخبروا ملكهم ( يزدجرد ) بأنه إن لم ينجدهم فإنهم سيضطرون إلى تسليم ما بأيديهم إلى المسلمين أو يصالحونهم، وهذا ما جعل ( يزدجرد ) يدعو رستم ويؤمره على الحرب بجيش كثيف، وقد حاول رستم أن يعفيه الملك من ذلك وأبدى الأعذار بأن إرسال جيش كثيف واحد إلى المسلمين فيه شيء من الخطأ، وإنما من الصواب أن يرسل جيشاً إثر آخر لإضعاف المسلمين، إلا أن الملك قد أصر على إرساله بهذا الجيش اللجب الذي يبلغ قوامه مائة وعشرين ألفاً، ويكون مثلها مدداً لها.

سار رستم وعسكر بساباط، وكان سعد يكتب في كل يوم إلى الخليفة حسب أوامره إليه، ولما اقترب رستم من المسلمين بعث إليه سعد جماعة من سادات المسلمين يدعونه إلى الله عز وجل وكان بينهم: النعمان بن مقرن، والمغيرة بن شعبة، والأشعث بن قيس، وفرات بن حبان، وعطارد بن حاجب، وحنظلة بن الربيع، وعمرو بن معد يكرب. فقال لهم رستم: ما أقدمكم ؟ فقالوا: جئنا لموعود الله إيانا، أخذ بلادكم وسبي نسائكم وأبنائكم وأخذ أموالكم، ونحن على يقين من ذلك. وقد تأخر رستم في الخروج من المدائن للقاء سعد في القادسية مدة أربعة أشهر عسى أن يضجر سعد ومن معه من المسلمين، كما أن رستم كان يعتقد أن النصر سكون حليف المسلمين لما يرى ويسمع عن معاركهم وأخلاقهم. وقد ضعفت معنويات رستم ومن معه بعد أن سمعوا كلام الوفد، وما فيه من ثقة بالله ويقين بالنصر.

ولما اقترب الجيشان طلب رستم من سعد أن يبعث له رجلاً عاقلاً عالماً يجيبه عن بعض أسئلته، فأرسل له سعد المغيرة بن شعبة. فقال له رستم : إنكم جيراننا وكنا نحسن إليكم ونكف الأذى عنكم، فارجعوا إلى بلادكم ولا نمنع تجارتكم من الدخول إلى بلادنا. فقال له المغيرة : إن ليس طلبنا الدنيا، وإنما همنا وطلبنا الآخرة، وقد بعث الله إلينا رسولاً قال له : إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني فأنا منتقم بهم منهم، واجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به إلا عز. فقال له رستم : فما هو ؟ فقال : أما عموده الذي لا يصلح شيء منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، فقال : ما أحسن هذا ! وأي شيء أيضاً، قال : وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله.قال : وحسن أيضاً وأي شيء أيضاً ؟ قال : والناس بنو آدم، فهم إخوة لأب وأم، قال : وحسن أيضاً : ثم قال رستم : أرأيتم إن دخلنا في دينكم أترجعون عن بلادنا ؟ قال : إي والله ثم لا نقرب بلادكم إلا في تجارة أو حاجة. قال : وحسن أيضاً. وإن هذا الحديث قد زاد إلى أضعاف معنويات رستم والفرس، وزاد يقينهم في انتصار المسلمين، وزادت قناعتهم بهذا الدين الجديد حتى إن رستم قد ذاكر وجهاء قومه في الدخول في الإِسلام فأنفوا وأبوا فأخزاهم الله.

وحاول رستم والفرس أن يلجؤوا إلى طريق الإغراء فزينوا مجلس رستم بالنمارق المذهبة والحرير، وأظهروا اللآلئ والياقوت والأحجار الكريمة الثمينة، والزينات العظيمة، وجلس رستم على سرير واسع من الذهب، وعليه تاج مرصع، ثم طلب رستم ثانية من سعد إرسال رجل آخر، فأرسل إليه ربعي بن عامر، فسار إليه بثياب صفيقة وأسلحة متواضعة وفرس صغيرة، ولم يزل راكبها حتى داست على الديباج والحرير، ثم نزل عنها وربطها في قطع من الحرير مزقها مما رأى أمامه، وأقبل على رستم وعليه سلاحه الكامل، فقالوا له : ضع سلاحك. فقال : إني لم آتكم، وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلا رجعت، فنقلوا ذلك لرستم فقال : ائذنوا له، فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق أكثرها، فقالوا له : ما جاء بكم ؟ فقال : الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإِسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله. قالوا : وما موعود الله ؟ قال : الجنة لمن مات على قتال من أبى والظفر لمن بقي. فقال رستم: قد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا ؟ قال : نعم ! كم أحب إليكم ؟ يوماً أو يومين ؟ قال : لا، بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا. فقال : ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث، فانظر في أمرك وأمرهم واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل، فقال : أسيدهم أنت ؟ قال : لا! ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم. فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال : هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل ؟ فقالوا : معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك إلى هذا الكلب، أما ترى إلى ثيابه ؟ فقال : ويلكم لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب يستخفون بالثياب والمأكل، ويصونون الأحساب.

وبعث الفرس في اليوم الثاني يطلبون رجلا آخر يريدون أن يعرفوا نماذج من المسلمين، فهل كلهم على هذا اليقين وهذا الرأي ؟ علهم يجدون ثغرة يستطعون أن ينفذوا منها، فبعث إليهم سعد بن أبي وقاص رجلا آخر هو حذيفة بن محصن، فتكلم على النحو الذي تكلم فيه ربعي بن عامر.

وتكرر الطلب في اليوم الثالث فأرسل إليهم سعد ثالثاً هو المغيرة بن شعبة. فقال رستم للمغيرة : إنما مثلكم في دخول أرضنا مثل الذباب رأى العسل. فقال : من يوصلني إليه وله درهمان؟ فلما سقط عليه غرق فيه، فجعل يطلب الخلاص فلم يجده، وجعل يقول : من يخلصني وله أربعة دراهم ؟ ومثلكم كمثل ثعلب ضعيف دخل حجراً في كرم، فلما رآه صاحب الكرم ضعيفاً رحمه فتركه، فلما سمن أفسد شيئاً كثيراً فجاء بجيشه، واستعان عليه بغلمانه فذهب ليخرجه فلم يستطع لسمنه فضربه حتى قتله، فهكذا تخرجون من بلادنا، ثم ازداد غضباً وحمقاً وأقسم بالشمس لأقتلنكم غداً.

فقال المغيرة : ستعلم. فقال رستم للمغيرة : قد أمرت لكم بكسوة ولأميركم بألف دينار وكسوة ومركوب وتنصرفون عنا.

فقال المغيرة : أبعد أن أوهنا ملككم وضعفنا عزكم، ولنا مدة نحو بلادكم ونأخذ الجزية منكم عن يد وأنتم صاغرون وستصيرون لنا عبيداً على رغمكم ؟

كان سعد بن أبي وقاص مريضاً لا يستطيع الركوب، لذا فقد جلس في القصر متكئاً على صدره فوق وسادة ينظر إلى الجيش يدبر أمره ويصدر تعليماته، وقد أعطى القيادة إلى خالد بن عرفطة، وكان على الميمنة جرير بن عبد الله البجلي وعلى الميسرة قيس بن مكشوح.

بدأت المعركة بعد الظهيرة وبعد أن صلى سعد الظهر بالناس وخطب فيهم وحثهم على القتال، واستمر القتال حتى الليل، ثم استؤنف في اليوم الثاني ولمدة ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع اشتد أثر الفيلة الفارسية على الجيش إذ كانت الخيول تنفر منها الأمر الذي جعل الصحابة يوجهون اهتمامهم اليها حتى قتلوها مع من عليها، وقد أبلى جرير بن عبد الله البجلي، والقعقاع بن عمرو، وطليحة الأسدي، وعمرو بن معد يكرب، وخالد بن عرفطة، وضرار بن الخطاب بلاء كبيراً، إذ كانوا يقلعون عيون الفيلة فتشرد بمن عليها ثم تقتل ويقتل أصحابها، فلما كان الزوال من ذلك الذي عرف بالقادسية وهو الاثنين الرابع عشر من شهر محرم من السنة الرابعة عشرة هبت ريح شديدة على الفرس فأزالت خيامهم وما كان منهم إلا الهرب. وقد قتل القعقاع بن عمرو التميمي وهلال بن علقمة التميمي رستم قائد الفرس، وفرّت جماعة منهم ولحقهم المسلمون حتى دخلوا وراءهم مدينة المدائن مركز الحكم ومقر يزدجرد بن شهريار. وقد قتل من الفرس في اليوم الرابع عشرة آلاف ومثلهم في الأيام السابقة، فكان مجموع القتلى عشرين ألفاً، وهو ما يقرب من ثلثي الجيش الفارسي، واستشهد من المسلمين في الأيام كلها ألفاً وخمسمائة شهيد، وغنم المسلمون غنائم كبيرة جداً، وأرسلت البشارة إلى أمير المؤمنين الذي كان في غاية الاهتمام بالمعركة حتى كان يخرج وحده أحياناً إلى خارج المدينة يسأل الركبان ويتقصى الأخبار حتى جاءه النبأ. وكانت المناطق التي فيها خالد بن الوليد من قبل قد نقضت العهد، فلما كانت معركة القادسية رجع أهلها إلى عهودهم وادعوا أن الفرس قد أجبروهم على ذلك النقض.

ثم تقدم المسلمون بإمرة زهرة بن حوية أميراً إثر أمير نحو المدائن فالتقوا بجيش فارسي فهزموه، واتجه المنهزمون نحو بابل، وانطلقت جماعة أخرى نحو نهاوند، فاقام سعد في بابل عدة أيام ثم سار نحو المدائن، فالتقى بجيش آخر من الفرس فهزمه، وفي ساباط التقى بكتائب أخرى ليزدجرد أصابها كلها ما أصاب سابقتها، وقَتَل هاشم بن عتبة بن أبي وقاص أسد يزدجرد الذي وضع في الطريق لإخافة المسلمين، وكان ذلك في نهاية السنة الرابعة عشرة من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتحصن الفرس (بهرسير) وهي قرية من المدائن لا يفصل بينها سوى نهر دجلة بعد أن هزموا أمامها، إلا أن حصارهم لم يهن من عزيمة المسلمين، وكان أن فرّ الفرس إلى المدائن، وسار المسلمون وراءهم، فلما اقتربوا منها لاح لهم القصر الأبيض قصر كسرى. وكان المسلمون قد قطعوا نهر دجلة وكان في حالة فيضان كبير الأمر الذي جعل الفرس يخافون لقاء المسلمين ويهابونهم.



فتح المدائن :

ودخل المسلمون المدائن فلم يجدوا بها أحداً بل فرّ أهلها كلهم مع الملك سوى بضعة من المقاتلة بقوا في القصر الأبيض، فدعاهم سلمان الفارسي رضي الله عنه ثلاثة أيام، نزلوا بعدها منه، وسكنه سعد، وجعل الايوان مصلى وتلا حين دخوله {كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوماً آخرين، فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين} [الدخان : 25-29]، كما صلى الجمعة في الايوان وذلك في شهر صفر من السنة السادسة عشرة للهجرة. وأقامت أسر المسلمين في المدائن حتى فتح الله عليهم جلولاء وتكريت والموصل، وبعدها تحولت الأسر إلى الكوفة. وأرسل سعد السرايا تتعقب الفارين فحصلت هذه السرايا على غنائم كثيرة لم يستطع الفارون حملها فتركوها وأكثرها من ثياب كسرى ولباسه. وقد خمّس سعد الغنائم، وبعث بها إلى المدينة مع بشير بن الخصاصية، وفيها بساط كسرى وتاجه وسواريه، فلما رآها عمر رضي الله عنه قال : إن قوما أدوا هذا لأمناء، فقال له علي رضي الله عنه: إنك عففت فعفت رعيتك ولو رتعت لرتعت.



فتح جلولاء :

فر يزدجرد من المدائن، وسار باتجاه حلوان، والتف حوله أثناء سيره عدد كثير من الفرس، فأمر عليهم مهران، وأقاموا بجلولاء، وقد تحصنوا بها، وحفروا الخنادق حولها، فبعث سعد إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يخبره بذلك، فأمره أن يقيم هو بالمدائن وأن يرسل إليهم ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وأن يكون على المقدمة القعقاع بن عمرو التميمي، وعلى الميمنة سعد بن مالك، وعلى الميسرة عمر بن مالك، وعلى المؤخرة عمرو بن مرة الجهني، ففعل، فسار هاشم وحاصرهم، واشتد القتال، وكانت تصل النجدات إلى الطرفين، وأخيراً فتح الله على المسلمين جلولاء، وقد قتلوا من الفرس الكثير حتى تجلت بجثثهم الأرض، وبرز من الأبطال في هذه المعركة القعقاع بن عمرو، وعمرو بن معد يكرب، وحجر بن عدي، وقيس بن مكشوح، وطليحة الأسدي.



فتح حلوان :

وبعث هاشم في أثر الفرس المنهزمين القعقاع بن عمرو فكانوا يفرون من وجهه، وقد غنم الكثير أثناء تحركاته تلك. وقد كانت غنائم جلولاء لا تقل عن غنائم المدائن. وقد ادرك القعقاع مهران وقتله، ونجا الفيرزان فسار إلى حلوان وأخبر يزدجرد فترك المدينة بعد أن ترك عليها قائدا، وسار هو إلى الري (طهران اليوم)، وسار القعقاع إلى حلوان فانتصر على حاميتها ودخلها.



فتح تكريت والموصل :

في الوقت الذي سار فيه هاشم بن عتبة إلى جلولاء سار أيضاً إلى تكريت عبد الله بن المعتم على رأس جيش بأمر الخليفة أيضاً، فلما وصل إلى تكريت وجد فيها جماعة من الروم، ومن نصارى العرب، من إياد وتغلب، وعدد من أهل الموصل فحاصرهم أربعين يوماً نازلهم خلالها أربعاً وعشرين مرة، وانتصر فيها كلها، ثم دخل المدينة عنوة، وقد قتل جميع من فيها سوى من أسلم من الأعراب. وسار ربعي بن الافكل بعدها إلى الموصل واضطر أهلها إلى الصلح والتسليم، وفرضت عليهم الجزية.





فتح ماسبذان :

بلغ سعد أن جماعة من الفرس قد تجمعت في ماسبذان الواقعة على يمين حلوان على الطريق إلى همدان، فأخبر بذلك أمير المؤمنين فطلب منه أن يرسل لهم جيشاً بإمرة ضرار بن الخطاب الفهري، ففعل وانتصر عليهم، وهرب أهل ماسبذان إلى رؤوس الجبال، فدعاهم ضرار فاستجابوا له، ومنهم من أسلم، ومنهم من لم يسلم فوضع عليه الجزية.



فتح الأهواز :

تغلب الهرمزان على منطقة الأهواز، وهو من أحد بيوتات فارس المشهورة وكان من الذين فروا من القادسية، وأصبح يغير على المناطق التي دانت لحكم المسلمين، فسار إليه جيشان من المسلمين، انطلق أحدهما من الكوفة من قبل واليها عتبة بن غزوان، وسار الثاني من البصرة من قبل حاكمها أبي موسى الأشعري، وانتصر المسلمون عليه وهذا ما أجبره على طلب الصلح، فأعطوه ذلك. ثم نقض الهرمزان الصلح بعد أن استعان بجماعة من الكرد، فبرز إليه المسلمون فهزموه فتحصن في تستر (ششتر اليوم)، إلا أن أهل المنطقة قد صالحوا المسلمين عندما رأوا إصلاح بلادهم، ودفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، وهذا ما جعل الهرمزان يطلب الصلح ثانية، ويصالح على عدد من المدن منها (تستر) و (جنديسابور)، وكان حرقوص بن زهير قد فتح سوق الأهواز. ثم نقض الهرمزان الصلح ثانية بناء على تحريض يزدجرد، وبلغ الخبر عمر، فأمر أن يسير إليه جيش من الكوفة بإمرة النعمان بن مقرن، وكانت الكوفة مقر سعد بن أبي وقاص، كما أمر أن يسير جيش آخر من البصرة بإمرة سهيل بن عدي، وأن يكون على الجميع أبو سيرة بن أبي رهم، فالتقى النعمان بالهرمزان فهزمه، ففر إلى تستر فسار إليه سهيل بن عدي، كما لحقه النعمان، فحاصروه هناك، وكان أمير الحرب أبو سبرة بن أبي رهم ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وجد أن مع الهرمزان عدداً كبيراً من المقاتلين، فكتبوا بذلك إلى أمير المؤمنين، فطلب من أبي موسى الأشعري أن يذهب إليهم مدداً، فسار نحوهم، وحاصروا الفرس، واضطرهم إلى الاستسلام بعد فتح البلد عنوة، ولجأ الهرمزان إلى القلعة، فحاصروه وأجبروه على الاستسلام، وأرسلوه إلى عمر بن الخطاب بالمدينة مع وفد فيه الأحنف بن قيس وأنس بن مالك.

ثم سار أبو سبرة بن أبي رهم في قسم من الجيش ومعه أبو موسى الأشعري والنعمان بن مقرن واستصحبوا معهم الهرمزان، وساروا حتى نزلوا (السوس) فحاصروها، وكتب إلى أمير المؤمنين بذلك، فأجابهم بأن يرجع أبو موسى الأشعري إلى البصرة، وأن يسير زر بن عبدالله بن كليب إلى جنديسابور، فسار، وبعث أبو سبرة بالخمس وبالهرمزان إلى المدينة، ولما وصل الوفد بالهرمزان إلى المدينة اتجه إلى بيت أمير المؤمنين، فقيل لهم : إنه بالمسجد للقاء وفد الكوفة، فانطلقوا إلى المسجد، فلم يروا فيه أحداً، ولما هموا بالعودة قال لهم غلمان يلعبون أمام المسجد : إنه نائم في زاوية المسجد، فانطلقوا فوجدوه نائماً، فقال الهرمزان : أين عمر ؟ فأشاروا إليه، وقد دهش لعدم وجود الحرس والحجاب كما اعتاد أن يرى في ملوك فارس وأكاسرتها.

وفتحت السوس عنوة بعد حصار حتى طلب أهلها الصلح، وكذلك فقد فتح زر بن عبد الله جند يسابور.

وتقدم المسلمون في بلاد فارس أيام عمر بن الخطاب من جهة ثانية، فقد كان العلاء بن الحضرمي والي البحرين يسابق سعد بن أبي وقاص في الفتح، فلما كتب الله النصر لسعد في القادسية، وكان له ذلك الصدى الواسع، أحب العلاء أن يكون له النصر على فارس من جهته، فندب الناس إلى الجهاد ضد فارس، فاجتمع الجيش وعبر العلاء بن الحضرمي البحر إلى فارس من جهته وذلك دون إذن أمير المؤمنين، اتجه العلاء نحو اصطخر، إلا أن الفرس قد حالوا بين المسلمين وسفنهم، فوجد المسلمون أنفسهم بين العدو والبحر، فعلموا جهدهم وقاتلوا بقوة فنصرهم على عدوهم، ثم خرجوا يريدون البصرة، فلم يجدوا سفنهم، كما رأوا أن الفرس قد قطعوا عنهم الطرق، فاضطروا إلى البقاء محاصرين، ووصل الخبر إلى عمر بن الخطاب، فتأثر جداً، وأمر بعزل العلاء، وطلب منه الالتحاق بسعد بن أبي وقاص، وطلب من عتبة بن غزوان أن ينجد العلاء، فأرسل قوة بإمرة أبي سبرة بن أبي رهم ومعه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعاصم بن عمرو، والأحنف بن قيس، وحذيفة بن محصن، وعرفجة ابن هرثمة، وكان عدد هذه القوة اثنا عشر ألفاً، وسارت هذه القوة حتى وصلت إلى مكان حصار المسلمين، وكاد القتال أن ينشب بين المحاصرين والفرس، فجاءت القوة في الوقت المناسب، وانتصر المسلمون انتصاراً رائعاً، ثم عاد الجميع إلى عتبة بن غزوان في البصرة.

وتجمع الفرس في مدينة نهاوند، وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لا يريد أن ينساح المسلمون في بلاد فارس الواسعة خوفاً عليهم من ضياعهم فيها، وخوفاً عليهم من الفرس، واستمر ذلك مدة حتى وصل إليه الأحنف بن قيس في الوفد الذي يسوق الهرمزان معه، فسأل عمر الأحنف بن قيس عن الأحوال، وكان عمر يخشى أن يكون المسلمون يحيفون على أهل الذمة الأمر الذي يجعلهم ينقضون العهد، فقال عمر : لعل المسلمين يفضون إلى أهل الذمة بأذى وبأمور لها ما ينتقضون بكم، فأجاب : ما نعلم إلا وفاء وحسن ملكة، قال : فكيف هذا ؟ فقال له الأحنف : يا أمير المؤمنين، أخبرك أنك نهيتنا عن الانسياح في البلاد، وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا، وإن ملك فارس حي بين أظهرهم، وإنهم لا يزالوا يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم ولم يجتمع ملكان يتفقان حتى يخرج أحدهما صاحبه : وقد رأيت أنا لم نأخذ شيئاً بعد شيء إلا بانبعاثهم، وأن ملكهم هو الذي يبعثهم، ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا فلنسح في بلادهم حتى نزيله عن فارس ونخرجه عن مملتكه وعزّ أمته : فهنالك ينقطع رجاء أهل فارس. فقال عمر : صدقتني والله وشرحت لي الأمر عن حقه.

وجاءت الأخبار إلى عمر بن الخطاب أن الفرس قد تجمعوا في نهاوند، وهذا ما جعله يأمر بالانسياح في أرض فارس، وقد رغب أن يسير هو بنفسه على رأس جيش لقتال الفرس، إلا أنه عندما استشار الصحابة رأوا غير ذلك، فعدل عن رأيه، وكان الذي أقنعه بذلك علي بن أبي طالب، فكتب إلى حذيفة ابن اليمان أن يسير بجند الكوفة، وإلى أبي موسى الأشعري أن يسير بجند البصرة، وإلى النعمان بن مقرن أن يسير بجند فإذا التقوا فكل على جنده أميرا، وعلى الجميع النعمان بن مقرن فإن قتل فقيس بن مكشوح و... حتى سمى عدة أمراء.

وسار المسلمون نحو نهاوند ولا يزيد عددهم على الثلاثين ألفاً إلا قليلاً، وكان قد تجمع فيها من الفرس ما يزيد على المائة والخمسين ألفاً، وكانت المعارك سجالا بين الطرفين مدة يومي الأربعاء والخميس، ثم انتصر المسلمون على أعدائهم الأمر الذي جعل الفرس يدخلون المدينة ويتحصنون فيها، فحاصرهم المسلمون، ولما طال الحصار استشار النعمان رجاله فأشاروا عليه بالتراجع أمامهم حتى إذا ابتعدوا من حصونهم انقضوا عليهم، فوافق النعمان على ذلك، وأمر القعقاع أن يبدأ القتال مع الفرس وأن يتراجع أولهم ففعل فلحقه الفرس. وعندما ابتعدوا من حصونهم بدأ النعمان بالقتال ونشبت معركة حامية قتل فيها من الفرس أكثر من مائة ألف رجل وتجلل وجه الثرى بالجثث، وسقط النعمان عن فرسه واستشهد، ولم يعلم بذلك سوى أخيه نعيم، فأخفى ذلك وأخذ الراية وسلمها لحذيفة بن اليمان فقاد المعركة إلى النهاية، وبانتهائها أعلم نعيم الجند عن مصرع قائدهم النعمان. أما قائد الفرس الفيرزان فقد فر، ولحقه القعقاع وقتله عند ثنية همدان، ودخل المسلمون نهاوند عنوة، ثم فتحوا أصبهان (جي). وفتح أبو موسى الأشعري (قم) وقاشان، وفتح سهيل بن عدي مدينة (كرمان). ولما وصلت أخبار نهاوند إلى عمر بن الخطاب بكى بكاء مريراً على شهدائها، وكلما ذكر له شهيد زاد بكاؤه، ولما وصلوا إلى ذكر أسماء لا يعرفها بكى وقال : وما ضرهم أن لا يعرفهم أمير المؤمنين ؟ لكن الله يعرفهم وقد أكرمهم بالشهادة، وما يصنعون بمعرفة عمر.

ولعل المرء يستطيع هنا أن يقف وقفة على اختيار عمر للأمراء وقادة الجند، وصحيح أنه كان لا يختار إلا الصحابة، إلا أنه في الوقت نفسه كان يعين الجندي أميراً ثم لا يلبث أن يضع أميراً عليه ويعيده جندياً يقاتل تحت راية من كان بالأمس يقاتل تحت رايته، وذلك حتى لا ترتفع بإنسان نفس وكي يشعر دائماً بالتواضع ويعرف مكانه الحقيقي، وأن قتاله إنما هو لله، وكذلك يشعر كل جندي في الجيش.

ولما فتحت نهاوند أمر عمر بن الخطاب المسلمين بالانسياح في أرض فارس، وأعطيت الأوامر لسبعة أمراء بالتوغل في أعماق فارس بغض النظر عن عدد الجيش المنطلق وبغض النظر عن عتاده وتجهيزاته وبغض النظر عن القوة التي يمكن أن يلاقيها وعددها إذ أن المسلمين لم يكونوا ليقاتلوا بعدد أو بقوة تجهيزات وإنما بقوة الإِيمان الذي يحملونه بين جوانحهم.

1- سار نعيم بن مقرن إلى همدان ففتحها، واستخلف عليها يزيد بن قيس، وتابع سيره إلى الري (موقع طهران اليوم) ففتحها، ثم بعث بأخيه سويد بن مقرن بناء على أوامر الخليفة إلى قومس فأخذها سلماً، وصالح أهلها، وجاء إليه أهل (جرجان) و (طبرستان) وصالحوه. وكان نعيم قد بعث وهو بهمدان (بكير بن عبد الله) إلى أذربيجان ثم أمده بسماك بن خرشة ففتح بعض بلاد أذربيجان على حين كان عتبة بن فرقد يفتح البلدان من الجهة الثانية.

2- سار سراقة بن عمرو نحو باب الأبواب على سواحل بحر الخزر الغربية، وكان على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة فصالح عبد الرحمن ملكها بعد أن أرسله إلى سراقة بن عمرو، ثم بعث سراقة إلى الجبال في تلك المناطق بكير ابن عبد الله، وحبيب بن مسلمة، وحذيفة بن أسيد، وسلمان بن ربيعة، ومات هناك سراقة بن عمرو واستخلف مكانه عبد الرحمن بن ربيعة، وأقر الخليفة ذلك.

3- سار الأحنف بن قيس على رأس جيش حتى دخل خراسان من الطبسين ففتح هراة عنوة، واستخلف عليها (صحار بن فلان العبدي)، وسار نحو (مرو الشاهجان) عن طريق نهر هراة، فامتلكها واستخلف عليها (حارثة بن النعمان)، ومنها سار إلى (مرو الروذ) مع وادي (مورغاب) ليلاحق يزدجرد حيث فر إليها، ووصلت الامدادات من الكوفة إلى الأحنف بن قيس، وسار المدد نحو (بلخ) حيث انتقل يزدجرد إليها، واستطاع أهل الكوفة دخول بلخ، ففر بزدجرد إلى بلاد ما وراء النهر، ولحق الأحنف بأهل الكوفة في بلخ وقد نصرهم الله على عدوهم، وأصبح الأحنف سيد خراسان إذ تتابع أهلها الذين كانوا قد شذوا أو تحصنوا إلى الصلح. وكان الأحنف وهو في طريقه إلى مرو قد بعث (مطرف بن عبد الله) إلى نيسابور، كما أرسل الحارث بن حسان إلى سرخس.

عاد الأحنف إلى مرو الروذ بعد أن استخلف على (طخارستان) (ربعي بن عامر التميمي)، وكتب الأحنف إلى الخليفة عمربن الخطاب بفتح خراسان، فكتب عمر بن الخطاب إلى الأحنف "أما بعد : فلا تجوزن النهر واقتصر على ما دونه، وقد عرفتم بأي شيء دخلتم على خراسان، فداوموا على الذي دخلتم به يدم لكم النصر، وإياكم أن تعبروا فتنفضوا".

4- واتجه عثمان بن أبي العاص على رأس جيشٍ إلى اصطخر، وقد اجتاز مياه الخليج العربي من البحرين ففتح جزيرة (بركاوان) ونزل أرض فارس، ففتح جور واصطخر وشيراز وكان قد انضم إليه أبو موسى الأشعري بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب. وكان الحكم بن أبي العاص عون أخيه في فتوحاته.

5- واتجه سارية بن زنيم الكناني نحو تحشد للفرس فحاصرهم فاستنجدوا بالأكراد فأمدوهم، فتكاثر العدو على المسلمين وأصبحوا في خطر عظيم، عندئذ التجأ سارية إلى سفح جبل واتخذ ذروته درءاً له يحمي مؤخرته، وواجه الفرس من جهة واحدة، واستطاع الانتصار عليهم. وفي هذا التحرك من قبل سارية نحو الجبل يذكر أن عمر بن الخطاب كان يخطب على المنبر يوم الجمعة، فعرض له في خطبته أن قال (يا سارية الجبل ... الجبل ... من استرعى فقد ظلم"، ويذكر أن سارية قد سمع كما سمع المسلمون الذين يسمعون خطبة عمر ذلك الكلام في ذلك اليوم وتلك السرعة، وأن الصوت الذي سمعه يشبه صوت عمر فعدل بالمسلمين إلى الجبل، ففتح الله عليهم.

6- وسار عاصم بن عمرو التميمي على رأس قوة من أهل البصرة إلى إقليم سجستان، ففتح المنطقة، ودخل عاصمتها (زرنج) بعد حصار طويل اضطر أهلها إلى طلب الصلح، وتولى عاصم ادارة المنطقة، وعمل على توطيد الأمن فيها.

7- وسار سهيل بن عدي الخزرجي بجيش إلى كرمان ففتحها.

8- وانطلق الحكم بن عمير التغلبي بقوة إلى (مكران)، وتبعه مدد، والتقى المسلمون بأعدائهم على شاطئ نهر هناك، وعبر الفرس إلى المسلمين، ولكنهم لم يصمدوا طويلاً أمامهم، فدخل المسلمون معسكر الفرس، وقتلوا منهم عدداً كبيراً، وفتحوا المنطقة كاملة.

9- واتجه عتبة بن فرقد إلى جهة شمال غربي فارس ففتحها - كما مر معنا - .

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:36 AM
مَقتَل الخليفَة عُمَر بن الخَطّابْ

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعيد النظر واسع الفكر، يخشى على المجتمع الإِسلامي من التلوث، ويخاف عليه من عدم التجانس بوجود عناصر غريبة فيه، تضيع معها الرقابة، وتنتشر آراء متباينة بالاختلاط، وتكثر فيه الإِساءة والنيل من مقوماته، يخشى أن يقوم الذي يأتون من خارج المجتمع من المجوس وسبي القتال بأعمال يريدون بها تهديم الكيان الإِسلامي، لهذا فإنه منع من احتلم من هؤلاء دخول مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، إلا أن عدداً من الفرس الذين دالت دولتهم قد أظهروا الإِسلام، ودخلوا المدينة، ولا تزال عندهم من رواسب الماضي صلات مختلفة بعقيدتهم المجوسية القديمة، وارتباطات بحكومتهم السابقة، أو أنهم أظهروا الإِسلام وأبطنوا المجوسية.

طلب المغيرة بن شعبة أمير الكوفة من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يسمح لغلامه (فيروز) الذي يدعى (أبا لؤلؤة) بدخول المدينة للعمل فيها خدمة للمسلمين حيث هو رجل ماهر يجيد عدداً من الصناعات التي تفيد المجتمع وتخدم الدولة، فهو حداد ونقاش ونجار، فأذن له عمر. وكان أبو لؤلؤة خبيثاً ماكراً، يضمر حقداً، وينوي شراً، يحن إلى المجوسية ولا يستطيع إظهارها، وتأخذه العصبية ولا يمكنه إبداءها، فكان إذا نظر إلى السبي الصغار يأتي فيسمح رؤوسهم ويبكي، ويقول : أكل عمر كبدي. وكان أبو لؤلؤة يتحين الفرص، ويراقب عمر وانتقاله وأفعاله، ويبدو أنه قد وجد أن قتل الخليفة وقت الصلاة أكثر الأوقات مناسبة له، إذ يستطيع أن يأخذه على غفلة منه، ويغدر به دون مواجهة، وكان عمر رضي الله عنه إذا مر بين صفوف المصلين قال : استووا، حتى إذا لم ير فيها خللاً تقدم فكبر ودخل في الصلاة.

فلما كانت صلاة فجر الثالث والعشرين من ذي الحجة في السنة الثالثة والعشرين من هجرة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، وفعل عمر كعادته، فما هو إلا أن كبر حتى سمُع يقول : قتلني الكلب، وقد طعنه أبو لؤلؤة ست طعنات، وهرب العلج بين الصفوف، وبيده سكين ذات طرفين لا يمر على أحد يميناً أو شمالاً إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً مات منهم ما يزيد على النصف، فلما رأى عبد الرحمن بن عوف ذلك القى عليه برنساً له، وأحس أبو لؤلؤة أنه مأخوذ لا محالة، لذا فقد أقدم على الانتحار بالسكين ذاتها. وجاء عبد الرحمن ليرى ما حل بالخليفة فوجده صريعاً، وعليه ملحفة صفراء قد وضعها على جرحه الذي في خاصرته، ويقول : (وكان أمر الله قدراً مقدوراً). وأخذ عمر بيد عبد الرحمن فقدمه للصلاة، وفقد عمر بعد ذلك وعيه، أما عبد الرحمن فقد صلى بالناس صلاة خفيفة. وقد رأى هذا من كان على مقربة من الإمام، أما الذين كانا في نواحي المسجد فإنهم لم يعرفوا ما الأمر، وإنما افتقدوا صوت عمر، فجعلوا يقولون : سبحان الله ... سبحان الله... حتى صلى عبد الرحمن فانقطع صوت التسبيح.

فلما أفاق عمر قال : أصلى الناس ؟ وهكذا لم ينقطع تفكيره بالصلاة على الرغم مما حل به.

قال عبد الله بن عباس : نعم.

قال عمر : لا إسلام لمن ترك الصلاة. ثم دعا بوضوء فتوضأ وصلى، وإن جرحه لينزف.

ثم احتمل إلى بيته، فقال لابن عباس - وكان معه - : اخرج، فسل من قتلني، فخرج فقيل له طعنه عدو الله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، ثم طعن رهطاً معه، ثم قتل نفسه. فرجع وأخبر عمر بذلك، فقال عمر : الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي يحاجني عند الله بسجدة سجدها له قط.

وخشي عمر رضي الله عنه أن يكون له ذنب إلى الناس لا يعلمه، وقد طعن من أجله، فدعا ابن عباس وقال له : أحب أن تعلم لي أمر الناس، فخرج إليه ثم رجع فقال يا أمير المؤمنين، ما أتيت على ملأ من المسلمين إلا يبكون، فكأنما فقدوا اليوم أبناءهم.

وجيء له بطبيب من الأنصار فسقاه لبناً فخرج اللبن من الجرح، فاعتقد الطبيب أنه منته، فقال : يا أمير المؤمنين اعهد. فبكى القوم لما سمعوا ذلك. فقال عمر : لا تبكوا علينا، من كان باكياً فليخرج، ألم تسمعوا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعذب الميت ببكاء أهله عليه.

وكان عمر رضي الله عنه يخشى ما هو قادم عليه، فالمؤمن بين الخوف والرجاء، فيخاف عمر أن يكون قد قصر بحق الرعية ومسؤوليته، ويقول لمن كان حاضراً "وما أصبحت أخاف على نفسي إلا بإمارتكم هذه". وكان ابن عباس رضي الله عنهما يريد أن يطمئنه ويخفف عنه، فيذكره بمكانه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأن رسول الله قد بشره بالجنة، فكان عمر يقول "والله لوددت أني نجوت منها كفافاً لا علي ولا لي"، "والذي نفسي بيده لوددت أني خرجت منها كما دخلت فيها لا أجر ولا وزر".

وقال به ابن عباس، لقد كان إسلامك عزّاً، وإمارتك فتحاً، ولقد ملأت الارض عدلاً. فقال عمر : أتشهد لي بذلك يا ابن عباس ؟ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لابن عباس : قل نعم وأنا معك.

وطلب عمر من ابنه عبد الله أن يفي ما عليه من الديون. ثم أرسله إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يستأذنها في أن يدفن بجانب صاحبيه، وقال له : قل لها : يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً، وقل : يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه. فمضي عبد الله فسلم واستأذن، ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي، فسلم عليها وقال : يقرأ عليك عمر السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت : كنت أريده (المكان) لنفسي ولأوثرنه به اليوم على نفسي.

وكان عمر رضي الله عنه لا يريد أن يستخلف إلا أن ابنه عبدالله قد أقنعه بذلك. فعن عبد الله بن عمر أنه قال : دخلت على حفصة ونوساتها (ضفائرها) تقطر ماء فقالت : علمت أن أباك غير مستخلف ؟ قلت : ما كان ليفعل، قالت : إنه فاعل.

فحلفت أن أكلمه في ذلك، فغدوت عليه ولم أكلمه فكنت كأنما أحمل بيميني جبلاً حتى رجعت فدخلت عليه، فسألني عن حال الناس وأنا أخبره، ثم قلت له إني سمعت الناس يقولون مقالة، فآليت أن أقولها لك، زعموا أنك غير مستخلف. أرأيت لو أنك بعثت إلى قيم أرضك ألم تحب أن يستخلف مكانه حتى يرجع إلى الأرض ؟ قال : بلى. قلت : أرأيت لو بعثت إلى راعي غنمك، ألم تكن تحب أن تستخلف رجلاً حتى يرجع ؟ فماذا تقول لله عز وجل إذا لقيته ولم تستخلف على عباده ؟ فأصابه كآبة ثم نكس رأسه طويلاً ثم رفع رأسه وقال : إن الله تعالى حافظ هذا الدين، وأي ذلك أفعل فقد سن لي، إن لم استخلف فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف، وإن استخلف فقد استخلف أبو بكر.

فعلمت أنه لا يعدل أحداً برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه غير مستخلف.

قال عمر : قد رأيت من أصحابي حرصاً شديداً، وإني جاعل هذا الأمر إلى هؤلاء النفر الستة الذين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، ثم قال : لو أدركني أحد رجلين، فجعلت هذا الأمر إليه لوثقت به. سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح فإن سألني ربي عن أبي عبيدة قلت : سمعت نبيك يقول إنه أمين هذه الأمة، وإن سألني عن سالم قلت : سمعت نبيك يقول إن سالماً شديد الحب لله.

قال : المغيرة بن شعبة : أدلك عليه، عبد الله بن عمر.

قال : قاتلك الله ‍ والله ما أردت الله بهذا، لا أرب لنا في أموركم وما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي، إن كان خيراً فقد أصبنا منه، وإن كان شراً فبحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد ويسأل عن أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أما لقد جهدت نفسي، وحرمت أهلي، وإن نجوت كفافاً لا وزر ولا أجر إني لسعيد.

وجعلها شورى في ستة : عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم. وجعل عبد الله عمر معهم مشيراً وليس منهم، وأجّلهم ثلاثاً، وأمر صهيباً أن يصلي بالناس.

وكان طلحة بن عبيد الله غير موجود آنذاك بالمدينة حيث كان مشغولاً، خارجاً ببعض أعماله. فدعا عمر القوم، وقال لهم : إني قد ظهرت لكم في أمر الناس فلم أجد عند الناس شقاقاً إلا أن يكون فيكم، فإن كان شقاق فهو منكم، وقال إن قومكم إنما يؤمرون أحدكم أيها الثلاثة (لعثمان وعلي وعبد الرحمن) فاتق الله يا علي، إن وليت شيئاً من أمور المسلمين فلا تحملن بني هاشم على رقاب المسلمين، ثم نظر إلى عثمان وقال : اتق الله، إن وليت شيئاً من أمور المسلمين فلا تحملن بني أمية على رقاب المسلمين. وإن كنت على شيء من أمر الناس يا عبد الرحمن فلا تحمل ذوي قرابتك على رقاب الناس. ثم قال : قوموا فتشاورا فأمّروا أحدكم.

فلما خرجوا قال : لو ولوها الأجلح (علي) لسلك بهم الطريق، فقال ابنه عبد الله : فما يمنعك يا أمير المؤمنين أن تقدّم علياً ؟ قال : أكره أن أحملها حياً وميتاً.

وذكر عمر سعد بن أبي وقاص فقال : إن وليتم سعداً فسبيل ذاك، وإلا فليستشره الوالي فإني لم أعزله عن عجزٍ ولا خيانة.

وقال عمر : أمهلوا فإن حدث بي حدث فليصل لكم صهيب - مولى بني جدعان - ثلاث ليالٍ، ثم أجمعوا أمركم، فمن تأمرّ منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه.

وأرسل عمر إلى أبي طلحة الأنصاري قبل أن يموت بقليل فقال له : كن في خمسين من قومك من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى فإنهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت أحدهم فقم على الباب بأصحابك، فلا تترك أحداً يدخل عليهم، ولا تتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمّروا أحدهم. وقم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلاً وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة ورضوا رجلاً منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما، فإن رضي ثلاثة رجلاً منهم وثلاثة رجلاً فحكموا عبد الله بن عمر فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلاً منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس، ولا يحضر اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم، اللهم أنت خليفتي فيهم.

وقد لزم أبو طلحة أصحاب الشورى بعد دفن عمر حتى بويع عثمان بن عفان.

وبقي عمر ثلاثة أيام بعد طعنه ثم توفي يوم الأربعاء لأربع بقين من شهر ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وقد غسله وكفنه ابنه عبد الله، وصلى عليه صهيب.

ويبدو أن سيدنا عمر رضي الله عنه سار في جعل الأمر بين رجال الشورى على غير الطريق كان يتبعهاوهي طريقة الحسم في الأمر، إذ أن الاختيار ربما يجعل الرجل يفكر في أمر لم يكن يخطر في باله من قبل، بل ربما حدثت خلافات لم تكن لتحدث لو استخلف رجل معين فالكل يطيعون، والجميع لا يرغبون في هذا الأمر، هكذا الفطرة البشرية ترغب عند الاختيار، وتطلب حين الترشيح.

وربما ظن بعضهم أن هذه خطيئة وقع فيها سيدنا عمر، ويحاولون تخفيف ذلك الخطأ بأنه كان مصاباً ومن أجل ذلك حدث ما وقع، إلا أن التخطيط للانتخاب، ومحاولته معرفة سبب قتله، والنظرة البعيدة إلى المستقبل مع إصابته لتدل على مدى صحة تفكيره وسلامة عقله وعدم إضاعة أي شيء من النظر لمصلحة المسلمين. ولكن الخوف مما هو قادم عليه، جعله يريد أن يرفع المسؤولية عن نفسه، لقد كان يريد أن يستخلف إلا أنه خاف من تحمل التبعات وهو قادم للقاء الله عز وجل، وقد قال : لو ولوها الأجلح لسلك بهم الطريق، ويعني علياً، ولما قال ابنه عبد الله : فما يمنعك يا أمير المؤمنين أن تقدم علياً ؟ قال : أكره أن أحملها حياً وميتاً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:38 AM
خلاَفة عُثمان بن عَفّان

لما دفن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن صلى عليه صهيب، جمع المقداد بن عمرو أصحاب الشورى في بيت المسور بن مخرمة، وكانوا خمسة وهم : عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبدالرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، ومعهم عبدالله بن عمر، وطلحة بن عبيد الله غائب، وكان أبو طلحة الأنصاري يحرسهم، ويحجبهم من أن يدخل الناس إليهم.

تداول القوم الأمر، وتكلم كل منهم بكلمة تبيّن الاشفاق على الأمة والخوف من الفرقة. ثم قال عبد الرحمن بن عوف وقد كان في البداية أول المتكلمين "أيكم يخرج منها نفسه، ويتقلدها على أن يوليها أفضلكم؟" فلم يجبه أحد، فقال : فأنا انخلع منها، فقال عثمان : أنا أول من رضي، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "أمين في الأرض أمين في السماء"، فقال القوم : قد رضينا - وعلي ساكت - فقال : ما تقول يا أبا الحسن ؟ قال : اعطني موثقاً لتؤثرن الحق ولا تتبع الهوى، ولا تخص ذا رحم، ولا تألوا الأمة ‍ فقال : اعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معي على من بدلّ وغيّر، وأن ترضوا من اخترت لكم، عليّ ميثاق ألا أخص ذا رحمٍ لرحمه، ولا آلو المسلمين. فأخذ منهم ميثاقاً وأعطاهم مثله، فقال لعلي : إنك تقول : إني أحق من حضر بالأمر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك في الدين ولم تبعد، ولكن أرأيت لو صُرف هذا الأمر عنك فلم تحضر، من كنت ترى من هؤلاء الرهط أحق بالأمر ؟ قال : عثمان. وخلا بعثمان، فقال : تقول : شيخ من بني عبد مناف، وصهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه، لي سابقة وفضل - لم تبعد - فلن يصرف هذا الأمر عني، ولكن لو لم تحضر فأي هؤلاء الرهط أحق به ؟ قال : علي. ثم خلا بالزبير فكلمه بمثل ما كلم به علياً وعثمان، فقال : علي. ثم خلا بسعد، فكلمه، فقال : عثمان. وهكذا حصر الأمر بين علي وعثمان، ولم يرد عبدالرحمن بن عوف أن يختار هو فيرجح الكفة، ويُنظر إليه أنه هو الذي اختار أو عيّن، فقد كانوا رضي الله عنهم يريدون أن يبتعدوا عن مثل هذه المواقف والمواطن.

ودار عبد الرحمن يلقى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وافى المدينة من أمراء الأجناد وأشراف الناس يشاورهم، فكان أكثرهم يشير إلى عثمان، حتى إذا كانت الليلة التي يستكمل في صبيحتها الأجل وهو ثلاثة أيام، أتى منزل المسور بن مخرمة بعد ابهيرار من الليل، فأيقظه فقال : ألا أراك نائماً ولم أذق هذه الليلة كثير غمض ‍ انطلق فادع الزبير وسعداً. ويبدو أن عبد الرحمن رغب أن ينهي القضية بين أصحاب الشورى بالذات بالمناقشة، وأن يدع رأي من استشار خارجهم، عسى أن يوفق في كسب رأي الزبير وسعد إلى جانب أحد صاحبي الأمر عثمان أو علي، وبعد اجتماعه بالزبير ثم بسعد رأى أن رأيهما لا يزال كالسابق، عندها حزم رأيه أن يأخذ البيعة لأحدهما أمام الصحابة حتى تكون أقوى وحتى لا تكون محاباة - معاذ الله - وحتى لا يستطيع أحدهما أن يعترض أو يظن شيئاً. وبعد أن صلى المسلمون الفجر في المسجد، جمع عبد الرحمن أصحاب الشورى، وبعث إلى من حضر من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار، وإلى أمراء الأجناد، فاجتمعوا حتى غصّ المسجد بأهله. فقام عبد الرحمن وقال : أيها الناس، إن الناس قد أجمعوا أن يلحق أهل الأمصار بأمصارهم وقد علموا من أميرهم. فأبدى بعض المسلمين رأيهم فتكلم سعيد بن زيد وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأعطى رأيه لصالح عبد الرحمن إذ قال : إن نراك لها أهلاً، فقال عبد الرحمن : أشيروا عليّ بغير هذا‍ فقام عمار بن ياسر وأيد علياً، ووافقه المقداد بن عمرو، ثم قام عبد الله بن سعد ابن أبي سرح فأيد عثمان ووافقه عبدالله بن أبي ربيعة. وكادت الأصوات تعلو، وعندها وقف سعد بن أبي وقاص وقال : يا عبد الرحمن، افرغ قبل أن يفتن الناس، فقال عبد الرحمن: إني قد نظرت وشاورت، فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلاً، ودعا علياً، فقال : عليك عهد الله وميثاقه لتعملنّ بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده ؟ قال : أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، قال : نعم، فبايعه، وبايع الناس جميعاً.

وهكذا استطاع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن يمنع الخلاف والفرقة، وألا يدخل رأي غير أصحاب الشورى الذين كانوا بجانب عثمان، وألا يقف بجانب واحدٍ من الرجلين وقد تساوت الآراء وتعادلت الأصوات، لقد استطاع هذا بمعرفة طبيعة الصحابيين الجليلين رضي الله عنهما.

وفي اليوم الذي بويع فيه عثمان قدم طليحة بن عبيد الله أحد رجال الشورى -وقد كان غائباً- فقيل له : بايع عثمان، فقال : أكل قريش راضٍ به ؟ قال : نعم، قال :أكل الناس بايعوك ؟ قال : نعم، قال : قد رضيت، لا أرغب عما قد أجمعوا عليه، وبايعه.

وصعد عثمان بعد بيعته المنبر وهو أكثر أهل الشورى كآبة، وتكلم كلمة قصيرة نصح فيها الناس وذكّرهم بالآخرة، وحذّرهم من فتنة الدنيا.

وكانت بيعته رضي الله عنه في الأيام الأخيرة من شهر ذي الحجة إلى غرة المحرم من السنة الرابعة والعشرين من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم : وكان الولاة على الأمصار كما يلي :

والي مكة المكرمة : نافع بن عبد الحارث الخزاعي.

والي الطائف : سفيان بن عبد الله الثقفي.

والي صنعاء : يعلى بن منبه، حليف بني نوفل بن عبد مناف.

والي جَنَد : عبدالله بن أبي ربيعة المخزومي.

والي الكوفة : المغيرة بن شعبة الثقفي.

والي البصرة : أبو موسى عبدالله بن قيس الأشعري.

والي الشام : معاوية بن أبي سفيان الأموي.

والي حمص : عمير بن سعد.

والي مصر : عمرو بن العاص السهمي.

والي البحرين : عثمان بن أبي العاص الثقفي.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:41 AM
الفتوحَات في عَهدِ عثمان

الجبهة الغربية :

معركة ذات الصواري :

الجبهة الشرقية :

· لقد كان عهد عثمان رضي الله عنه مليئاً بالفتوحات، وهي تتمة لما كان أيام الخليفة السابق له وهو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولقد استمرت هذه الفتوحات في البر والبحر مدة عشرة أعوام إلا ان ما حدث في العامين التاليين لها من فتنة، قد جعلها تنسى فطغت الفتنة حتى حسب الناس في عهد عثمان لم يكن سوى فتنة واختلاف نشأت من بيعته ودامت بقية حياته التي انتهت باستشهاده.

كان أمير الشام معاوية بن أبي سفيان قد قام بغزو الروم ووصل إلى عمورية قريباً من انقرة اليوم، وكان معه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة بن الصامت، وأبو أيواب الأنصاري خالد بن زيد، وأبو ذر الأنصاري، وشداد بن أوس.

لقد فتح المسلمون مناطق واسعة، وكان عدد جندهم قليلاً بالنسبة إلى تلك الأراضي الشاسعة، وبالنسبة إلى أعداد أعدائهم الكبيرة، وهذا ما جعلهم لا يتركون في المناطق التي يصالحونها إلا الجند القليل، ولا يبقون في البقاع التي يفتحونها إلا العدد الضئيل، وبخاصةٍ أنه كانت هناك جبهات مفتوحة، وثغور يجب حمايتها، ومراكز يجب الدفاع عنها والتجمع فيها للإمدادات في الأوقات اللازمة، كل هذا جعل عدد المسلمين قليلاً في البلاد المفتوحة حديثاً، وجعل أهلها يشحون في دفع الجزية، ويظنون أن بمقدورهم هزيمة المسلمين وقتالهم، وأن ما حدث معهم في المرة الأولى لم يكن سوى أخطاء ارتكبوها وقد عرفوها فيما بعد، ثم يتحسرون على عزهم الزائل وأيام مجدهم الخالية، لذا كانوا يتحينون الفرص للانقضاض على المسلمين ونقض عهودهم معهم - هكذا النفس البشرية - ومن هنا كان نقض العهد كثيراً. وقد انتهز الفرس والروم في المناطق التي دخلها المسلمون وفاة خليفتهم عمر بن الخطاب، ونقضوا العهد، وظنوا أن أمر المسلمين قد ضعف، ولكنهم فوجئوا بأن قوة المسلمين على ما هي عليه لم تختلف أيام عمر عن أيام عثمان الخليفة الجديد، وقد أدب المسلمون خصومهم مرة ثانية.







الجبهة الغربية :

نقضت الإسكندرية عهدها عام 25 هـ، فسار إليها أمير مصر عمرو بن العاص، وقاتل أهلها وأجبرهم على الخضوع، والعودة إلى عهدهم.

وكان عمر بن الخطاب قد منع عمرو بن العاص من الانسياح في إفريقية بعدما فتح طرابلس، إلا أن عثمان بن عفان قد سمح بذلك، وأرسل عبدالله ابن سعد بن أبي سرح على رأس قوة، فاجتاز طرابلس، واستولى على سفن للروم كانت راسية هناك على الشاطىء ثم واصل سيره في أفريقيه والتقى بجيوشٍ للبيزنطيين عام 27 هـ في موقع يقال له (سبيطلة) في جنوب غربي القيروان التي لم تكن قد أسست بعد، وقد قَتَل عبدالله بن الزبير، وكان مع الغزاة في تلك الموقعة القائد البيزنطي (جرجير)، وكان ذا أثر فعّال في الانتصار الذي أحرزه المسلمون على الروم، إلا أن عبدالله بن سعد بن أبي سرح قد اضطر إلى عقد معاهدة للصلح مع البيزنطيين مقابل جزية سنوية يدفعونها على أن يخلي إفريقية، وكان ذلك الاضطرار بسبب سيره إلى مصر لمواجهة النوبة الذين هددوا مصر من ناحية الجنوب.

وفي أيام عمر بن الخطاب ألح أمير الشام معاوية بن أبي سفيان على الخليفة عمر في غزو البحر وقرى الروم من حمص وقال : إن قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح كلابهم وصياح دجاجهم، حتى كاد ذلك يأخذ بقلب عمر، فكتب عمر إلى عمرو بن العاص : صف لي البحر وراكبه، فإن نفسي تنازعني إليه، فكتب إليه عمر : إني رأيت خلقاً كبيراً يركبه خلق صغير، إن ركن خرق القلوب، وإن تحرك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قلةً، والشك كثرةً، هم فيه كدودٍ على عودٍ، إن مال غرق، وإن نجا برق. فلما قرأه عمر كتب إلى معاوية : (لا والذي بعث محمداً بالحق لا أحمل فيه مسلماً أبداً). فلما ولى عثمان لم يزل به معاوية، حتى عزم على ذلك بأخرة، وقال : لا تنتخب الناس، ولا تُقرع بينهم، خيّرهم، فمن اختار الغزو طائعاً فاحمله وأعنه، ففعل، واستعمل على البحر عبدالله بن قيس الجاسي(1) حليف بني فزارة.

غزا معاوية قبرص وصالح أهلها على سبعة آلاف دينار يؤدونها إلى المسلمين كل سنة وذلك عام 28 هـ، وساعد أهل مصر في تلك الغزوة بإمرة عبدالله ابن سعد بن أبي سرح، فلما وصل إلى قبرص، كان معاوية على الناس جميعاً، وكان بين الغزاة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة بن الصامت، والمقداد بن عمرو، وشداد بن أوس، وأبو ذر الغفاري، وكانت مع عبادة بن الصامت زوجه أم حرام. وغزا حبيب بن مسلمة بعض أرض سورية التي كانت لا تزال بيد الروم وذلك عام 28هـ.

___________________

(1) غزا عبدالله بن قيس خمسين غزاة من بين شاتية وصائفةفي البحر، ولم يغرق فيه أحد ولم ينكب، وكان يدعو الله أن يرزقه العافية في جنده، وألا يبتليه بمصاب أحد منهم، حتى إذا أراد الله أن يصيبه وحده، خرج في قارب طليعة، فانتهى إلى المرقى من أرض الروم، وكان هناك ناس يسألون فتصدق عليهم، فرجعت امرأة من الذين كانوا يسألون إلى القرية، وقالت : هل لكم في عبدالله بن قيس ؟ قالوا : وأين هو ؟ قالت : في المرقى، قالوا : ومن أين تعرفين عبدالله بن قيس ؟ قالت : كان كالتاجر، فلما سألته أعطاني كالملك، فعرفت أنه عبدالله بن قيس. فثاروا إليه، فتجمعوا عليه، وقاتلوه حتى أصيب وحده، وأفلت الملاّح حتى رجع إلى أصحابه، فتسلم الإمرة بعده سفيان بن عوف الأزدي.



معركة ذات الصواري :

وفي عام 31 هـ جرت معركة بحرية حاسمة بين المسلمين والروم بالقرب من شواطئ كيليكيا، وهي التي تعرف بذات الصواري، وعرفت بذلك لأن صواري السفن ربطت بعضها مع بعض المسلمة والرومية، وذلك بعد أن أمن بعضهم بعضاً واختار الروم قتال البحر، وكان قائد المسلمين أمير مصر عبد الله ابن أبي سرح، وقائد الروم الإمبراطور نفسه قسطنطين الثاني الذي كان يقود أكثر من خمسمائة سفينة، ومع ذلك فقد فرّ من المعركة، وهزم الروم شرّ هزيمة. وكانت صواري السفن من أشجار السرو والصنوبر وهذا ما يدل على أهمية الأشجار والغابات لكلا الطرفين، وجبال تلك الشواطئ كانت مليئة بهذه الأنواع من الأشجار.

وفي عام 33 هـ غزا أمير الشام معاوية بن أبي سفيان حصن المرأة من أرض الروم قرب ثغر ملاطية.

ونقضت إفريقية العهد عام 33 هـ فسار إليها أمير مصر عبدالله بن سعد ابن أبي سرح ففتحها ثانية، وأجبر أهلها على الخضوع والعودة إلى دفع الجزية بعدما منعوها.



الجبهة الشرقية :

غزا الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينيا، وكان أهلهما قد منعوا ما صالحوا عليه حذيفة بن اليمان أيام عمر بن الخطاب، وكان على مقدمة الوليد سلمان بن ربيعة الباهلي، واضطر سكان المنطقتين إلى المصالحة من جديد.

وأمد أهل الكوفة أهل الشام بثمانية آلاف رجل بإمرة سلمان بن ربيعة الباهلي، وذلك عندما كان حبيب بن مسلمة بن خالد الفهري يغزو أرمينيا من الغرب، فاجتمع له عدد كبير من جند الروم الأمر الذي أخافه وطلب المدد فأنجده الوليد بن عقبة بسلمان بن ربيعة الباهلي.

وسار أمير خراسان عمير بن عثمان بن سعد غازياً حتى وصل إلى فرغانة وذلك عام 29هـ، كما سار في العام نفسه أمير سجستان عبد الله بن عمير الليثي فوصل إلى كابل، وانطلق أمير كرمان عبيدالله بن معمر التميمي فوصل إلى نهر السند. وانتفض أهل اصطخر فسار إليهم عبدالله عامر بن كريز أمير البصرة، وعلى مقدمته عثمان بن أبي العاص.

وسار أمير الكوفة سعيد بن العاص يريد خراسان ومعه الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن الزبير، إلا أن أمير البصرة عبدالله بن عامر قد سبقه نحو خراسان الأمر الذي جعل سعيداً يسير إلى قومس وهي لا تزال على الصلح الذي أعطته لحذيفة بن اليمان بعد معركة نهاوند، ومن قومس سار إلى جرجان فصالحه أهلها على مائتي ألف، وسار نحو الشمال حتى وصل إلى الصحراء، ولكن أهل جرجان لم يلبثوا أن كفروا واستمروا في قطع الطريق حتى تولى أمر خراسان قتيبة بن مسلم الباهلي.

وسار عبدالله بن عامر إلى فارس بعد أن انتفضت، فافتتحها وهرب يزدجرد إلى كرمان، فأرسل في أثره مجاشع بن مسعود السلمي ففر يزدجرد إلى خراسان، وطلب المال من مور فمنعه، ثم التجأ إلى رجل على شاطئ نهر مورغاب يعمل في نقر أحجار الرحى فقتله.

ووصل عبد الله بن عامر إلى خراسان، وكانت قد انتفضت، وكان الأحنف بن قيس على مقدمته، ففتح طوس، وأبيورد، ونسا، وبلغ سرخس، وصالح أهل مرو، وأعاد فتح خراسان.

وفي عام 32 هـ كتب عثمان إلى أمير الكوفة سعيد بن العاص أن أرسل سلمان بن ربيعة الباهلي للغزو في منطقة الباب، فسار سلمان إليها، وكان عبدالرحمن بن ربيعة الباهلي يخوض معركة ضد خصومه، فاستشهد فيها وتفرق المسلمون هناك، فمنهم من سار إلى جيلان وجرجان ومنهم أبو هريرة وسلمان الفارسي، ومنهم من سار نحو سلمان بن ربيعة الباهلي فحماه، وكان على الحرب مع سلمان حذيفة بن اليمان، وطلب عثمان من أهل الشام في أرمينيا بإمرة حبيب ابن مسلمة أن ينجدوا سلمان بن ربيعة الباهلي في منطقة الباب ففعلوا.

وعادت خراسان فانتفضت من جديد فبعث عبدالله بن عامر الأحنف بن قيس إلى مرو الروذ فصالح أهلها، واجتمع عليه أهل (الطالقان) و (فارياب) و (الجوزجان) و (طخارستان) فانتصر عليهم بإذن الله، وصالح أهل (بلخ)، وأرسل الأقرع بن حابس إلى (الجوزجان) ففتحها. ثم عاد الأحنف إلى خراسان مرة ثالثة في عام 33 هـ . وهكذا فقد كانت الفتوحات أيام سيدنا عثمان بن عفان واسعة إذ أضافت بلاداً جديدة في أفريقية وأرمينيا وأجبرت من نقض العهد إلى الصلح من جديد في فارس وخراسان وباب الأبواب وضمت إلى ذلك فتوحات جديدة من بلاد السند وكابل وفرغانة .

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:43 AM
المجتَمَع الإسْلاَميّ أيَّام عُثمان

كان المجتمع الإِسلامي أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاضلاً متماسكاً، ولم يختلف يوم تولى الأمر عثمان بن عفان رضي الله عنه، إن لم نقل أن الرضا كان من عثمان أكثر من عمر للينه، وقد ملّ المجتمع الحزم، ولرفقه وقد تعب الناس من الشدة وإن حاول الكثير إظهار الخلاف الكبير بين العهدين، والرضا بعهد عمر، وإنقاص حق عهد عثمان. ولم يكن للشورى التي أوصلت عثمان إلى الخلافة أي أثر في المجتمع، إذ تمت بشكل طبيعي ودون أن يحاول أحد رجالها أن يسعى للحكم، فعبد الرحمن بن عوف - كما نعلم - سلخ نفسه منها، والزبير رشح غيره، وكذا سعد، ولم يبق إلا علي وهو رجل زاهد فيها من البداية إلى النهاية، وبايع عثمان كما بايع غيره، ولم يختلف أحد من المسلمين.

إلا أن المشكلة التي كثر البحث فيها هي قتل الهرمزان وجفينة وابنة أبي لؤلؤة على يد عبيد الله بن عمر، فالحادثة التي قتل فيها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جريمة سياسية اشتركت فيها أطراف متعددة من مجوس ويهود ونصارى ... وبعضهم كان يظهر الإِسلام، وبعضهم من بلاد ثانية كان لهم دور في التخطيط للقتل ... والمشتركون فيها لا بدّ من قتلهم قصاصاً ووضعاً للحد من جرائم القتل وعبث أعداء الإِسلام بأهله، إلا أن القتل لا بدّ من أن يكون برأي الخليفة حتى لا يكون تعدٍ على صلاحيات صاحب الأمر، وحتى لا يفلت زمام الأمر، ويقوم بتنفيذ الأحكام كل امرئٍ حسب رأيه وهواه باسم إقامة الحدود ... ولما قام بالأمر عبيد الله بن عمر فلا بدّ من حسابه، ولكن الخليفة أيضاً هو الذي يحاسبه وينظر في أمره وليس سوى ذلك، لذا فقد حُبس عبيدالله بانتظار رأي الخليفة الجديد، فلما تولى عثمان كانت هذه أول مشكلة واجهته، ولا بدّ من إقامة الحد وهو القتل، وهذا ما أشار به علي بن أبي طالب وعدد من الصحابة، وقد صعب على عدد آخر أن يقتل عمر بن الخطاب بالأمس بأيدٍ قذرةٍ واليوم يقتل ابنه، إلا أن المسلم لا يقتل بغير المسلم، وشك الناس في إسلام الهرمزان لذا فقد عرضوا على عثمان أن يكون هو ولي أمر المقتولين بصفتهم غرباء، وأن يدفع الدية من بيت المال وتعود، إذ أن بعضهم لا أولياء لهم، وفكر بعضهم أن يقوم الخليفة بدفع الدية من ماله الخاص، وعلى كلٍ فإن الخليفة لا يمكن أن يقبل بهذا التحايل لتعطيل حدٍ من حدود الله، ولكنه دفع عبيد الله بن عمر إلى القماذبان بن الهرمزان ليقتله بابيه، إذ عدَّ الهرمزان مسلماً، فيقول القماذبان : كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض، فمرّ فيروز بأبي، ومعه خنجر له رأسان، فتناوله منه، وقال : ما تصنع بهذا في هذه البلاد ؟ فقال : آنس به، فرآه رجل، فلما أصيب عمر، قال : رأيت هذا مع الهرمزان، دفعه إلى فيروز. فأقبل عبيدالله فقتله، ولما ولي عثمان دعاني فأمكنني منه، ثم قال: يا بني، هذا قاتل أبيك، وأنت أولى به منه، فاذهب فاقتله، فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي، إلا أنهم يطلبون إلي فيه. فقلت لهم : ألي قتله ؟ قالوا : نعم - وسبُّوا عبيد الله - فقلت : أفلكم أن تمنعوه ؟ قالوا : لا، وسبّوه فتركته لله ولهم. فاحتملوني، فوالله ما بلغت المنزل إلا على رؤوس الرجال وأكفهم. وبهذا فقد عفا صاحب الحق، وعندها قام عثمان بدفع الدية من ماله الخاص، أما الذين لا أولياء لهم فالخليفة هو وليهم، وقد دفع الدية لهم ثم ردت إلى بيت المال. وهكذا حلت هذه المشكلة بطريقة سليمة، وانقطع الحديث فيها، وعاد للمجتمع تماسكه ورجع فاضلاً كما كان، إلا أنه مع الزمن بدأ يفقد مقوماته تدريجياً، وهذا الأمر يعود لأسباب منها ما تتعلق بالخليفة بالذات، ومنها ما يتعلق بتغير الظروف، ومنها ما يتعلق بالسياسة التي سار عليها.

كان عمر بن الخطاب حازماً شديداً على أمرائه وهذا ما أخاف الناس وجعل له هيبة بينهم بحيث لا يجرؤ أحد على مخالفته، فقد روى ابن الجوزي : أن عمر قدم مكة، فأقبل أهلها يسعون، فقالوا : يا أمير المؤمنين، إن أبا سفيان ابتنى داراً فحبس مسيل الماء ليهدم منازلنا، فأقبل عمر ومعه الدرة فإذا أبو سفيان قد نصب أحجاراً، فقال عمر : ارفع هذا، فرفعه ثم قال : وهذا، وهذا، حتى رفع أحجاراً كثيرة خمسة أو ستة، ثم استقبل عمر الكعبة فقال : الحمد لله الذي يجعل عمر يأمر أبا سفيان ببطن مكة فيطيعه.

وروى الطبري : أن عمر رضي الله عنه جاءه مال، فجلس يقسمه بين الناس فازدحموا عليه، فأقبل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يزاحم الناس حتى خلص إليه، فعلاه عمر بالدرة، وقال : أقبلت لا تهاب سلطان الله في الأرض، فأحببت أن أعلمك أن سلطان الله لا يهابك.

أما عثمان فقد كان ليناً للناس الأمر الذي أطمعهم فيه، وطالبوه بأشياء كثيرة منها عزل الولاة، فقد عزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة وولى سعد بن أبي وقاص، ثم عزله وولى الوليد بن عقبة، ثم عزله وولى سعيد بن العاص، ثم عزله وولى أبا موسى الأشعري. وعزل أبا موسى الأشعري عن البصرة وولى عليها عبدالله بن عامر بن كريز. وعزل عمرو بن العاص عن مصر وولى عبدالله بن سعد بن أبي سرح. كما كان ليناً على الولاة فتطاول بعضهم عليه. فعثمان رضي الله عنه كان بطبعه ليناً، وعمر بطبعه حازماً.

واشتد عمر على أهله، فكان إذا نهى عن شيء جمع أهله فقال لهم : إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، إني والله لا أوتى برجل منكم وقع فيما نهيت الناس عنه إلا اضعفت له العذاب لمكانه مني، فمن شاء فليتقدم ومن شاء فليتأخر، أما سيدنا عثمان فقد كان ليناً على أهله وأقربائه كما كان ليناً للناس جميعاً، بل الأولى والأحرى أن يكون ذا رفق بذي رحمه، ويوم قامت الدولة الإِسلامية كانت ينفق ما شاء الله أن ينفق على الدولة وتجهيز الجيوش، وإعداد الغزو، فلما قامت الفتوحات، وجاءت الغنائم والفيء، وأصبحت الدولة بحالة غنى وثراء التفت عثمان إلى أقربائه يعطيهم ويتقرب إليهم ويقربهم، وهذا أمر محبب ومطلوب يصل الإنسان رحمه، فهذا اللين لهم قد أطعمهم فيه أيضاً، وولى بعضهم لقدرته على العمل، وكفاءتهم في الإمارة، وقد كان بعضهم صاحب ولاية من قبل عثمان، وقد عرف رضي الله عنه أنه يحب اقرباءه لدرجة كبيرة.

عندما تولى عمر رضي الله عنه الخلافة كانت ماديات الدولة لا تزال ضعيفة وأحوال الناس المالية لا تزال قليلة، لذا كانوا أقرب إلى الحياة البسيطة الهادئة، والرضا بكل ما يأتي، والصبر على الشدائد، وقبول أوامر الولاة والأمراء، إضافة إلى انشغالهم بالجهاد والسير إلى الثغور والانطلاق من وراء الفتوحات في سبيل الدعوة ونشر الإِسلام، فلما توسعت الدولة، وجاءتها الغنائم من كل جهة، وزعت الغنائم على المقاتلين، وأعطيت الأموال إلى الناس حتى كثرت بأيديهم، وبطبيعة الحال فإن سيدنا عثمان كان يعطي ويوزع ما في بيت المال لكثرة ما يدخل، ولحاله وكرمه المعروفين، بل كان أحياناً يعطي من ماله الخاص إن لم يكن في بيت المال من فائض، وهذا ما جعل الحال تتغير تدريجياً عن أيام عمر حتى أواخر عهد عثمان حتى زادت زاوية التغير انفراجاً ووصلت إلى درجة واسعةٍ نسبياً في نهاية أيام عثمان.

كان عمر بن الخطاب قد منع كبار الصحابة من الخروج من المدينة، وأبقاهم بجانبه ليكونوا مستشارين له، وحتى يبقوا أسمى من مغريات الدنيا التي تعترض سبيلهم في البلاد المفتوحة، وخوفاً على المسلمين الذين يدخلون في الإِسلام جديداً من أهل الأمصار من أن يفتنوا بهؤلاء الصحابة فيقولون : هؤلاء صحابة سيد الخلق، وصحابة رسول الله و... وقال لهم رضي الله عنه : كفاكم ما جاهدتم به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء عثمان بن عفان سمح لهم بالانسياح في أرض الله، والانطلاق أينما شاؤوا، وقد زاد حالهم وكثرت أملاكهم، وبنوا الدور في الأمصار، فقد بنى الزبير بن العوام داراً له بالبصرة وغيرها في الكوفة ومصر، وبنى طلحة بن عبيد الله داراً له في الكوفة، وكانت ينتقلون بين أملاكهم وضياعهم، وهذا بالإضافة إلى ما بناه عبد الرحمن بن عوف في المدينة وزيد بن ثابت وغيرهم، وارتبط أهل الأمصار بمن كان يتصل بهم ويحتك معهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهكذا تغير المجتمع في عهد عثمان بن عفان، إلا أنه رضي الله عنه لم يغيّر ولم يبدل، ولم يحدث جديداً، ولم يبتعد عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن نهج الشيخين من قبله، وإنما لينه وحبه لأقربائه وكرمه في العطاء قد أطمع فيه فكثر القول، ووجود الموالي والأرقاء في المدينة والصحابة خارجها قد شجع أصحاب الأهواء البدء في العمل بالخفاء، وكثرة الأموال في أيدي الناس واكتفاؤهم قد جعل الألسنة تتكلم وبدأ الحديث عن الخليفة نقطة انطلاق والتهديم في المجتمع بدء ارتكاز.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:44 AM
عبدالله بن سبأ ودوره في ظهور الفتنة :

بدأت الفتنة عندما أشعلها عبد الله بن سبأ (ابن السوداء)، وهو من يهود صنعاء، وكانت أمه سوداء، لذا عُرف بذلك، وقد أسلم أيام عثمان ليستطيع التأثير على نفوس أولئك الأعراب والبدو والذين دانوا حديثاً بالإِسلام من سكان الأمصار، إذ تنقل في بلدان المسلمين فبدأ بالحجاز، ثم سار إلى البصرة، ومنها إلى الكوفة، ثم إلى الشام، إلا أنه لم يستطع التأثير على أحد من أهل الشام، وبعدها أخرجوه إلى مصر حيث استقر هناك، وكان في كل مكان يحلّ فيه يتصل بالأشخاص ويتحدث إليهم ويبدي تفهمه للإِسلام، ويُظهر معرفته، ويقف موقف العالم، فيقول : عجيب من يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمداً يرجع، والله سبحانه وتعالى يقول : {إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد}. فمحمد أحق بالعودة والرجوع من عيسى. وهكذا بدأ التشكيك في العقيدة، والناس على فطرتهم حديثو العهد بالإِسلام في الأمصار لا يعرفون الفلسفات والمناقشات، والبدو الذين يعيشون معهم أكثر جلافة وإذا اقتنعوا بشيء صعب استخلاصه من نفوسهم. ورأى هذا اليهودي أن علي بن أبي طالب على رأس الصحابة الذين بقوا من حيث الاحترام والتقدير، بل يعد الشخص الثاني بعد الخليفة، وكان له عند الشيخين مركز ووزن يستشار في كل أمر، ويدعى في كل معضلة، ويؤخذ رأيه في كل مشكلة، هذا بالإضافة إلى قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه وفهمه، لذا رأى هذا الخبيث أن يركز على هذا الصحابي الجليل، وأن يدعو له لا حباً به وتقديراً، وإنما لبذر الفتنة في المجتمع، وحتى لا يُعرف مخططه فيظهر أنه يدعو إلى الشك والربية، فدعوته لأحد البارزين من الصحابة تخفي ما يضمر، وتقرّبه من نفوس بعض الرجال الذين يعرفون قدر علي. فكان يقول : إن علياً هو وصي محمد صلى الله عليه وسلم، فإن لكل نبي وصياً. ثم انتقل بعد بذر الفتنة وإلقاء جذور البلاء في المجتمع يطعن بالخليفة نفسه وبولاته وامرائه وأنهم دون الصحابة الأجلاء، وأنهم لم يحتلوا هذه المراكز إلا لكونهم من ذوي رحم الخليفة الذي بلغ من العمر عتياً وأنهم قد أثروا عليه، وأصبح أداة طيعة في أيديهم.

ظهرت بذور الشر أول ما ظهرت في الكوفة إذ بدأ الحديث عن الوالي سعيد بن العاص حتى وصل إلى الخليفة، وذلك على ألسنة العوام وأولئك البداة والذي دانوا بالإِسلام، ومن هؤلاء مالك بن الحارث الأشتر النخعي وثابت ابن قيس النخعي، وكميل بن زياد النخعي، وزياد بن صوحان العبدي، وجندب بن زهير الغامدي، وجندب بن كعب الأزدي، وعروة بن الجعد، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وأمثالهم من أهل الصحراء والقبائل. وكان ذلك في أواخر عهد سيدنا عثمان، وبعد مرور عشر سنوات على تسلمه الخلافة، وفي عام 34 هـ، سُيّر هؤلاء المنحرفون من الكوفة إلى الشام، إلا أنهم ردّوا مرة ثانية إلى الكوفة، فقالوا : إن الكوفة والشام ليستا لنا بدار، فاتجهوا إلى الجزيرة، فشدد عليهم واليها عبدالرحمن بن خالد بن الوليد، وسيّر الأشتر إلى المدينة، فخيّره الخليفة في المكان الذي يرغب سكناه، فاختار منطقة عبد الرحمن بن خالد، وسار إليه. وكان ابن السوداء في مصر يراسل من أثّر عليهم في كل الأمصار، ويزيد في اضرام نار الفتنة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:47 AM
جمع أمراء الأمصار في موسم الحج

جمع الخليفة عثمان بن عفان أمراء الأمصار في موسم الحج عام 34 هـ وهم : معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وعبدالله بن سعد بن أبي سرح، وسعيد بن العاص، وعبدالله بن عامر، واستشارهم في أمر هؤلاء المنحرفين، وما يتكلمون به، فأشير عليه بأن ينقل هؤلاء المنحرفين إلى الثغور فينشغلوا بأنفسهم كما اقترح عليه إعطائهم الأعطيات حتى يرضخوا للأمر ويُطيعوا. ولكنه لم ير هذا الرأي ولا ذاك. ولما كثر الكلام عن سعيد ابن العاص أمير الكوفة، والمطالبة بأبي موسى الأشعري بدلاً عنه، استجاب الخليفة للطلب فعزل سعيداً وولىّ أبا موسى مكانه، وكتب لأهل الكوفة "أما بعد، فقد أمرت عليكم من اخترتم، وأعفيكم من سعيد، والله لأفرشنكم عرضي، ولأبذلن لكم صبري، ولأستصلحنكم بجهدي، فلا تدعوا شيئاً أحببتموه لا يُعصى الله فيه إلا سألتموه، ولا شيئاً لا يُعصى الله فيه إلا استعفيت منه، أنزل فيه عندما أحببتم حتى لا يكون لكم علي حجة". وفي الوقت نفسه سار حذيفة بن اليمان غازياً إلى باب الأبواب.

لم تفد المخربين أعمال الخليفة ولينه لهم بل استمروا في تصرفاتهم وكلامهم، فأرسل الخليفة بعض الصحابة إلى الأمصار يستطلعون آراء الناس، ويعرفون أخبار المسلمين وموقفهم، فقد بعث محمد بن مسلمة إلى الكوفة، وأسامة بن زيد إلى البصرة، وعبد الله بن عمر إلى الشام، وعمّار بن ياسر إلى مصر، ورجالا آخرين سواهم، فرجع الجميع ولم ينكروا شيئاً، إلا عمّار بن ياسر فقد تأخر واستمع إلى ما كان يشاع.

وجاء وفد من مصر في رجب عام 35 هـ إلى الحجاز يظهرون أنهم يريدون العمرة، وفي نيتهم مناظرة الخليفة ومناقشته في المدينة لبلبة الآراء وإشعال نار الفتنة، وتمت مقابلة الخليفة، وأبدى رأيه، واقنع الوفد خارج المدينة بنفسه أو بواسطة بعض الصحابة منهم علي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة، ودخل بعضهم المدينة، وحضر خطبة للخليفة أثنى فيها على الوفد، واستغفر الله، وبكى وأبكى الناس، وانصرف المصريون راجعين إلى بلادهم.

إلا أن أهل مصر عندما رجعوا بدؤوا يحرّضون الأمصار على التوجه إلى المدينة وإظهار الشكوى والتأفف من العمال والأوضاع العامة لأن المدينة أحرى بالفوضى أن تؤثر فيها، إذ أنها مقر الدولة ومركز الخليفة ومكان الصحابة ومدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اتفقوا على أن يسيروا إلى المدينة في شهر شوال في ذلك العام، وأن يكون مسيرهم مع الحجاج لمغافلة الصحابة، وإمكانية نشر الفساد على نطاق أوسع. وانطلق أهل مصر وعددهم 600-1000 رجل، وفي الوقت نفسه انطلق أهل الكوفة وأهل البصرة، وقد خرجت كل جماعة على شكل فرق أربع، وعلى كل فرقة أمير، وعلى الجميع أمير، فالأمر يبدو على تخطيط وتنظيم واحد دقيق، وكان على أهل مصر الغافقي بن حرب العكي، ومعهم ابن السوداء، وهم يريدون البيعة لعلي بن أبي طالب، وعلى أهل الكوفة عمرو بن الأصم، ومعهم زيد بن صوحان العبدي، وعلى أهل البصرة حرقوص ابن زهير السعدي، ومعهم حكيم بن جبلة العبدي. وبمسيرهم مع الحجاج لم يعلم الأمراء عدد الناقمين، ولم يكونوا ليتصوروا أن هذه الشرذمة قادرة أو تفكر بقتل الخليفة أو تجرؤ على القيام بهذا العمل في دار الهجرة، لذا لم يبذلوا جهداً بإرسال قوة تحول دون خروجهم، أو تسير إلى المدينة لتمنع أمير المؤمنين، ووصل المنحرفون إلى مقربة من المدينة، فنزل المصريون بذي المروة، ونزل أهل الكوفة بالأعوص، واستقر أهل البصرة بذي الخشب.

وسمع أهل المدينة بما يحدث، وأبوا أن تقتحم عليهم المدينة، وتكلموا في الأمر، وحدّث الخليفة عليا في أن يركب ويركب معه المسلمون ليمنعوا المنحرفين من دخول المدينة عنوة ففعل وخرج معه طلحة والزبير ومحمد بن مسلمة وكبار الصحابة، ولما رأى المنحرفون استعداد الصحابة للدفاع عن دار الهجرة وقع الخوف في نفوسهم، فعندما كلمهم علي أظهروا الطاعة والخضوع، وأبدوا الرغبة في العودة إلى أمصارهم والهدوء فيها، وبالفعل فقد رجعوا أدراجهم، وظنَّ علي والمسلمون أن الخطر قد زال عن دار الهجرة فعادوا إليها، ولم يستقروا فيها حتى أروعهم التكبير داخل أزقتها، ومحاصرة دار سيدنا عثمان، وعندما سألهم سيدنا علي عن سبب رجوعهم قالوا : إن الخليفة قد أرسل كتاباً لقتلنا، وأظهر أهل مصر كتابا فيه قتل محمد بن أبي بكر، قال علي : فما بال أهل الكوفة قد عادوا ؟ فقالوا : تضامنا مع رفاقنا، وكذا أهل البصرة، لكن من الذي أخبر كل فريق بما حدث مع الآخر ؟ وهنا يبدو الاتفاق المسبق والتخطيط لدخول المدينة على حين غفلة من أهلها، وهنا يظهر تلفيق الكتاب الذي أظهره المصريون.

كان حصار دار عثمان يسيراً حيث كان يخرج الخليفة ويصلي بالناس، ويأتي الصحابة إليه، ويأتي إليهم. ثم بعث إلى العمال في الأمصار يأمرهم أن يرسلوا إليه الجند لينصروه، ويخرجوا من المدينة هؤلاء الطارئين، وعندما عرف المنحرفون هذا الخبر، وأن حبيب بن مسلمة قد سار من الشام، ومعاوية ابن حديج من مصر، والقعقاع بن عمرو من الكوفة، ومجاشع السلمي من البصرة، وكل على رأس قوة لنصرة الخليفة تغيّر حصار الدار واشتد عمل المنحرفين.

وخرج عثمان كعادته إلى الصلاة، يوم الجمعة، وخطب، وخاطب المخربين، فقام محمد بن مسلمة فشهد على قوله فاسكته حكيم بن جبلة وتكلم زيد بن ثابت فأسكته محمد بن أبي قتيرة، وثار الناس، وحصب بعضهم بعضاً، وأصيب عثمان، وأغمي عليه، ونقل إلى داره، وثار الصحابة وأبناؤهم ومنهم الحسن بن علي، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت وغيرهم، وأرادوا قتال المنحرفين إلا أن الخليفة قد منعهم، وأراد ألا يحدث شيء بسببه، وزار بعد ذلك عثمان كلا من علي وطلحة والزبير، ثم عاد فدخل بيته، وشُدّد عليه الحصار فلم يعد يخرج أبداً حتى كان يوم استشهاده رضي الله عنه.

وأقام المنحرفون رجلا منهم يصلي بالناس وهو زعيم المصريين الغافقي بن حرب العكي، وإذا وجد علي أو طلحة صلى بالناس أحدهما. ومنع الماء عن الخليفة، فأرسل إلى علي وطلحة والزبير وعائشة وأمهات المؤمنين فأسعفه علي وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان. وزجر علي الثائرين فلم يرعووا، وكان بين الحين والآخر يطل الخليفة بنفسه على أولئك المنحرفين المحاصرين له فيعظهم، ولكن لا يأبهون لأحد حتى أن أم حبيبة لم تستطع الوصول إليه لإسعافه بالماء، إذ ضربوا وجه بغلتها وكادت تسقط عنها، وهذا ما ألزم الناس بيوتهم لا يخرج منهم أحد إلا ومعه سيفه، إذ اختل نظام الأمن في دار الهجرة، ودخل دار عثمان بعض أبناء الصحابة فيهم : عبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير والحسن والحسين أبناء علي، ومحمد بن طلحة وغيرهم، وطلب منهم عثمان ألا يقاتلوا، وعزم عليهم في ذلك أشد العزيمة.

سارت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إلى الحج، وطلب عثمان من ابن عباس أن يحج بالناس هذا العام، وكان على الباب مع أبناء الصحابة، فأراد أن يبقى مجاهداً إلا أن عثمان أصرّ عليه فخرج إلى الحج.

وصلت الأخبار إلى المدينة بأن الامداد قد دنت من المدينة، وأن من جاء منها من الشام قد وصل إلى وادي القرى فخاف المنحرفون، وأرادوا دخول الدار على عثمان فمنعهم من فيها : الحسن بن علي، وعبدالله بن الزبير، ومحمد بن طلحة، ومروان بن الحكم، وسعيد بن العاص وغيرهم، فتسوروا الدار من خوخة بينها وبين دار عمر بن حزم، ثم أحرقوا باب الدار، وسيدنا عثمان يقسم على أبناء الصحابة أن يلقوا سيوفهم حتى ألقاها بعضهم، وهجم المنحرفون على الخليفة فضربه الغافقي بن حرب العكي بحديدة، ثم ضرب قتيرة بن حمران زوج الخليفة نائلة التي رفعت يدها تدافع عن زوجها فقطع أصابعها ثم ضرب الخليفة أخوه سودان بن حمران السكوني، وكذلك كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي فقتل رضي الله عنه، وقيل بل قتله عمرو بن الحمق، وقتل غلام لعثمان سودان بن حمران فقتل قتيرة الغلام، ثم قتل غلام آخر لعثمان قتيرة، ونُهبت الدار، كما نُهب بيت المال، وكان أمر الله قدراً مقدوراً. وكان قتل الخليفة الراشدي الثالث سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه في 18 ذي الحجة من عام 35 من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبذا تكونه مدة خلافته اثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوماً، وكان عمره إذ ذاك اثنتين وثمانين سنة.

وعاد الحجاج فوجدوا خليفتهم مقتولا رضي الله عنه، والأمن غير مستتب.

وسيدنا عثمان هو الذي اشترى بئر أرومة وجعلها للمسلمين، وجمع القرآن الكريم، وأول من وسع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، استجابةً لرغبة رسول الله حين ضاق المسجد بأهله، وله من الفضائل الكثير رضي الله عنه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:48 AM
مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه



رواية أبي سعيد مولى أبي أسيد الساعدي التي نقلها الطبري في "تاريخه" 3/390-414

الجزء الأول: سيدنا عثمان يجتمع بالوفد القادم من مصر محتجاً عليه:

"سمع عثمان أن وفد أهل مصر قد أقبلوا عليه، فاستقبلهم وكان في قرية له خارجة عن المدينة، فلما سمعوا به أقبلوا نحوه إلى المكان الذي هو فيه، وكره أن يقدموا عليه المدينة، فآتوه فقالوا له: أدع بالمصحف: فدعا بالمصحف، فقالوا له: افتح السابعة، وكانوا يسمون سورة يونس السابعة، فقرأنها حتى أتى هذه الآية: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل الله أذن لكم أم على الله تفترون}[يونس: 59]. فقالوا له قف: أرأيت ما حميت من الحمى؟ آلله أذن لك به أم على الله تفتري؟ فقال: أمضه نزلت في كذا وكذا، فأما الحمى فإن عمر حمى الحمى قبلي لإبل الصدقة، فلما وُلِّيتُ زادت في إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد في إبل الصدقة. أمضه. فجعلوا يأخذونه بالآية فيقول: أمضه نزلت في كذا وكذا. والذي يتولى كلام عثمان… ابن ثلاثين سنة. ثم أخذوه بأشياء لم يكن عنده منها مخرج فعرفها فقال: استغفر الله وأتوب إليه، وقال لهم: ما تريدون؟ فقالوا: نأخذ ميثاقك وكتبوا عليه شرطاً، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا، ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم أو كما أخذوا عليه. وقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: نريد ألا يأخذ أهل المدينة عطاء. قال لا! إنما هذا المال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرضوا بذلك وأقبلوا معه إلى المدينة راضين. فقام فخطب فقال: إني والله ما رأيت وفداً في الأرض هم خير لحوباتي من هذا الوفد الذين قدوا علي. وقال مرة أخرى: خشية من هذا الوفد من أهل مصر، ألا من له زرع فليلحق بزرعه، ومن كان له ضرع فليحتلبه. ألا إنه لا مال لكم عندنا، إنما هذا المال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغضب الناس، فقالوا: هذا مكر بني أمية".





هذا ما يستخلص من الجزء الأول من رواية أبي سعيد:

1- تحكيم كتاب الله بين سيدنا عثمان الوفد القادم من مصر، وهذا يظهر من نص آخر عن محمد بن سيرين، حيث يقول: "فعرض عليهم كتاب الله فقبلوه" وَبقِيَّت الشروط تظهر في رواية محمد بن سيرين حيث يقول: "واشترطوا جميعاً أن المنفي يُقلب، والمحروم يعطى، ويوفر الفي ويعدل في القسم، ويستعمل ذو القوة والأمانة".

2- لم يستطيع سيدنا عثمان أن يبرر كل أعماله لوفد مصر.

3- القضية الهامة والأساسية هي توزيع مال الفتوح.

الجزء الثاني: عثور الوفد على كتاب مهور بخاتم سيدنا عثمان يأمر بقتل بعض أفراد الوفد:

"ثم رجع الوفد المصريون راضين، فبينا هم في الطريق إذا هم براكب يتعرض لهم، ثم يفارقهم، ثم يرجع إليهم، ثم يفارقهم ويسبقهم. قالوا له:ما لك؟ إن لك لأمراً، ما شأنك؟ فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر. ففتشوه، فإذا هم بكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه، إلى عامله بمصر: أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. فأقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا علياً، فقالوا: ألم تر إلى عدو الله؟ إنه كتب فينا بكذا وكذا وأن الله قد أحل دمه، قم معنا إليه. قال علي: والله لا أقوم معكم، فقالوا: فَلِمَ كتبت إلينا؟ فقال: وما كتبت إليكم كتاباً قط. فنظر بعضهم إلى بعض ثم قال بعضهم لبعض: ألهذا تقاتلون، أو لهذا تغضبون؟ فانطلق علي فخرج من المدينة إلى قرية، فانطلقوا حتى دخلوا على عثمان، فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا، فقال: إنما هما اثنتان: أن تقيموا عليّ رجلين من المسلمين، أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو: ما كتبت ولا أمللت ولا علمت. وقد تعلموا أن الكتاب يكتب على لسان الرجل، وقد ينقش الخاتم على الخاتم، فقالوا فقد والله أحل الله دمك، ونقضت العهد والميثاق. فحاصروه".

وهذا ما يُستخلص الجزء الثاني من رواية أبي سعيد، فهو غاية الأهمية حيث إنه كشف حقائق مطموسة.

1- الرسول المرسل من قِبل عثمان -كما زعموا- أمره عجيب حين إنه تعَّرض للوفد ثم فارقهم ثم رجع إليهم، وكأنه يريد أن يقول لهم شيئاً أو يريد أن يلفت نظرهم إليه ليسألوه عما به، فهو ليس برسول عادي أرسل بمهمة سرية -كما هو شأن المرسلين- ويريد أن يبلغ هدفه دون لفت أنظار الناس إليه، بل هو يقصد أن يثير الشبهة، وكأنه يقول لهم: أسألوني ما بي وما معي؟ وهذا ما حصل فعلاً أن أوقف وسئل عما معه.

2- الكتب التي تلقاها الوفد من سيدنا على بن أبي طالب تحثهم على المجيء للمدينة المنورة ومعاداة عثمان، فسيدنا علي ينكر بعثه لهذه الكتب ويقول: "والله ما كتبت إليكم كتاباً قط". فهذا الأمر يظهر أن هناك مزورين كتبوا هذه الكتب، ولا يستبعد أنهم هم الذين أرسلوا الكتاب المزعوم بقتل بعض وفد المصريين.

3- نفي سيدنا عثمان الكتاب المزعوم، مما يدل أن الخاتم الذي مهر به الكتاب خاتم مزور يشبه خاتم سيدنا عثمان.

يظهر لنا من هذه الحقائق الثلاث أن وراء هذه الأحداث مؤامرة تحاك، ويختبىء ورائها رجال مزورون يريدون وقوع الفتنة.

الجزء الثالث: مناقشة سيدنا عثمان للوفد، ومنعهم الماء عنه:

"وأشرف عثمان ذات يوم فقال: السلام عليكم، فما سمع أحداً من الناس رد عليه إلا أن يرد رجل في نفسه، فقال: أنشدكم بالله هل علمتم أني اشتريت بئر رومه من مالي يستعذب بها، فجعلت رشائي منها كرشاء رجل من المسلمين؟ قيل: نعم. قال: فَعَلامَ تمنعونني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر؟ وقال: أنشدكم الله هل علمتم أني اشتريت كذا وكذا من الأرض فزدته في المسجد؟ قيل: نعم. فقال: فهل علمتم أن أحداً من الناس منع أن يصلي فيه قبلي؟ وقال: أنشدكم الله هل سمعتم نبي الله صلى الله عليه وسلم يذكر كذا وكذا -أشياء في شأنه- وذكر الله إياه أيضاً في كتابه المفصّل، ففشا النهي فجعل الناس يقولون: مهلاً عن أمير المؤمنين. وفشا النهي وقام الأشتر يومئذ أو في يوم آخر فقال: لعله قد مُكر به وبكم. فوطئه الناس حتى لقي كذا كذا.

ثم يقول أبو سعيد مولى أبي أسيد الذي يقص هذه القصة: فرأيته أشرف عليهم مرة أخرى فوعظهم وذكّرهم، فلم تأخذ فيهم الموعظة، وكان الناس تأخذ فيهم الموعظة في أول ما يسمعونها فإذا أعيدت عليهم لم تأخذ فيهم".

هذا الجزء الثالث من رواية أبي سعيد:

وفيه إشارة إلى المؤامرة التي دبرت لسيدنا عثمان.



الجزء الرابع سيدنا عثمان يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وانتظاره الموت

"ثم إنه فتح الباب ووضع المصحف بين يديه، وذاك أنه رأى من الليل أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أفطر عندنا الليلة".



يُستخلص من الجزء الرابع من رواية أبي سعيد التالي:

رؤية سيدنا عثمان للنبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقوله له: "أفطر عندنا الليلة" واعتقاد سيدنا عثمان بالمنام الذي رآه، وتسليمه له. وهذا يوضح أمر سيدنا عثمان الصحابة والمدافعين بالذهاب إلى بيوتهم.

الجزء الخامس: مقتل سيدنا عثمان وبيان من قتله:

ودخل على عثمان رجل، فقال: بيني وبينك كتاب الله، فخرج وتركه. ثم دخل عليه آخر فقال: بيني وبينك كتاب الله، والمصحف بين يديه، فأهوى إليه بالسيف، فاتقاه بيده فقطعها -لا أدري أبانها أم قطعها ولم يَبِنْها- فقال: أما ولله إنها لأول كف خطت المفصَّل وأخذَت ابنة الفرافصة حليلها فوضعته في حجرها، وذلك قبل أن يقتل فلما اُشعر أو قتل تجافت عنه، فقال بعضهم: قاتلها ما أعظم عجيزتها، فعلمت أن أعداء الله لم يريدوا إلا الدنيا".

رواية سهم الأزدي التي رواها ابن عساكر في تاريخ دمشق:

قال ثور بن يزيد الرحبي: " أخبرني سهم أنه كان مع عثمان بن عفان يوم حُصر في الدار، فزعم أن ركب الشقاء من أهل مصر أتوه قبل ذلك فأجازهم، وأرضاهم، فانصرفوا.

"حتى إذا كانوا ببعض الطريق انصرفوا وخرج عثمان بن عفان فصلى إمّا صلاة الغداة وإمّا صلاة الظهر، فحصبه أهل المسجد، وقذفوه بالحصا والنعال والخفاف.

"فانصرف إلى الدار ومعه طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، ومروان بن الحكم، وأبو هريرة، والمغيرة بن الأخنس، في أناس لا أحفظ من ذكر منهم إلا هؤلاء النفر، فأشرفوا على ظهر البيت، فإذا هم بركب أهل الشقاء قد دخلوا المدينة، وأقبل ناس حتى قعدوا على باب الدار، عليهم السلاح. فقال عثمان لغلام له يقال له وثاب: خذ مكتلاً من تمر.. فانطلق بها إلى هؤلاء القوم، فإن أكلوا من طعامنا فلا بأس بهم، وإن شفقت منهم فدعهم وارجع، فانطلق بالمكتل، فلما رأوه رشقوه بالنبل، فانصرف الغلام وفي منكبه سهم، فخرج عثمان ومن معه إليهم ، فأدبروا وأدركوا رجلاً يمشي القهقرى فقلت له: ما القهقرى؟ قال: ينكص على عقبيه كراهية أن يُولى، فأخذناه أخذاً فأتيناه به عثمان بن عفان فقال: يا أمير المؤمنين إنَّا والله ما نريد قتلك، ولكن نريد معاتبتك، فأعتب قومك وأرضهم، قال: يا أبا هريرة فلعلهم يردون ذلك؛ فخلوا، قال: فخلينا سبيله.

"وخرجت عائشة أم المؤمنين فقالت الله الله يا عثمان في دماء المؤمنين؛ فانصرف إلى الدار.

فلما أصبح صلى بنا الغداة، فقال: أشيروا عليّ، فلم يتكلم أحد من القوم غير عبد الله بن الزبير فقال: يا أمير المؤمنين أشير عليك بثلاث خصال فاركب أيهن أحببت: إما أن نهل بعمرة فتحرم عليهم دماؤنا. ويكون إلى ذلك قد أتانا مددنا من الشام -وقد كان عثمان كتب إلى أهل الشام عامة وإلى أهل دمشق خاصة: إني في قوم قد طال فيهم عمري واستعجلوا القدر، وقد خيروني بين أن يحملوني على شوارف إلى جبل الدخان، وبين أن أنزع لهم رداء الله الذي كساني، وبين أن أُقيدهم، ومن كان على سلطان يخطىء ويصيب، وأن يا غوثاه، ولا أمير عليك دوني- وإما أن نهرب على نجائب سراع لا يدركنا أحد حتى نلحق بمأمننا من الشام، وإما أن نخرج بأسيفنا ومن شايعنا، فنقاتل فإنا على الحق وهم على الباطل.

قال عثمان: أما قولك أن نهل بعمرة فتحرم عليهم دماؤنا؛ فوالله لم يكونوا يرونها اليوم عليهم حراماً لا يحرِّمونها إن أهللنا بعمرة. وأما قولك أن نخرج نهرب إلى الشام؛ فوالله إني لأستحي أن آتي الشام هارباً من قومي وأهل بلدي. وأما قولك نخرج بأسيافنا ومن تابعنا، فنقاتل فإنا على الحقوهم على الباطل؛ فوالله إني لأرجو أن ألقى الله ولم أهرق محجمة من دم المؤمنين.

فمكثنا أياماً صلينا الغداة، فلما فرغ أقبل علينا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن أبا بكر وعمر أتياني الليلة، فقالا لي: صم يا عثمان، فإنك مفطر عندنا، فإني أشهدكم أني قد أصبحت صائماً وأعزم على من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر إلا خرج من الدار سالماً مسلماً.

فقلنا: يا أمير المؤمنين إن خرجنا لم نأمنهم على أنفسنا، فائذن لنا فلنكن في بيت من الدار يكون فيه حماية ومنعة؛ فأذن لهم فدخلوا بيتاً، وأمر بباب الدار ففتح، ودعا بالمصحف فأكب عليه، وعنده امرأتاه ابنة الفرافصة الكلبية وابنة شيبة.

"فكان أول من دخل عليه محمد بن أبي بكر الصديق، فمشى إليه حتى أخذ بلحيته فقال: دعها يا ابن أخي فوالله إن كان أبوك ليلهف لها بأدنى من هذا، فاستحى فخرج وهو يقول: أشعرته وأخذ عثمان ما امتعط من لحيته فأعطاه إحدى امرأتيه، ثم دخل رومان بن وردان -عداده في مراد- رجل قصير أرزق مجدور هو في آل ذي أصبح، معه جرْز من حديد فاستقبله فقال: على أي ملة أنت يا نعثل؟ فقال عثمان: لست نعثل ولكني عثمان بن عفان، وأنا على ملة إبراهيم حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، فقال: كذبت، فضربه بالجرْز على صدغه الأيسر، فقتله. وأدخلته بنت الفرافصة بينها وبين ثيابها".

رواية الأحنف بن قيس التي رواها الطبري في "تاريخه" 3/510-512:

قال الأحنف: "قدمنا المدينة ونحن نريد الحج، فإنا لبمنازلنا نضع رحالنا إذا أتانا آت فقال: قد فزعوا وقد اجتمعوا في المسجد، فانطلقنا، فإذا الناس مجتمعون في نفر في وسط المسجد، وإذا علي والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص، وإنَّا كذلك إذ جاء عثمان بن عفان فقيل: هذا عثمان قد جاء وعليه مليئة له صفراء قد قنّع بها رأسه، فقال: أههنا علي؟ قالوا: نعم، قال: أههنا الزبير؟ قالوا: نعم، قال: أههنا طلحة؟ قالوا: نعم، قال: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يبتع مربد بني فلان غفر الله له،

فابتعته بعشرين أو بخمسة وعشرين ألفاً، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله قد ابتعته. قال: اجعله في مسجدنا، وأجره لك، قالوا: اللهم نعم.

وذكر أشياء من هذا النوع.

قال الأحنف: فلقيت طلحة والزبير، فقلت: من تأمراني به وترضيانه لي؟ فإني لا أرى هذا الرجل إلا مقتولا. قالا: علي، قلت: أتأمراني به وترضيانه لي؟ قالا: نعم. فانطلقت حتى قدمت مكة، فبينا نحن بها إذ أتانا قتل عثمان، وبها عائشة أم المؤمنين فلقيتها، فقلت: من تأمرينني أن أتابع قالت: علي، قلت: تأمرينني به وترضينه لي؟ قالت: نعم، فمررت على علي بالمدينة فبايعته ،ثم رجعت إلى البصرة، ولا أرى الأمر إلا قد استقام، فبينا أنا كذلك إذ أتاني آت فقال: هذه عائشة وطلحة والزبير، قد نزلوا جانب الخريبة فقلت: ما جاء بهم؟ قالوا: أرسلوا إليك يدعونك يستنصرون بك على دم عثمان، فأتاني أفظع أمر أتاني قط، فقلت: إن خذلاني هؤلاء، ومعهم أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم لشديد، وإن قتالي رجلاً ابن عم رسول الله صلى الله علي وسلم قد أمروني ببيعته لشديد، فلما أتيتهم، قالوا: جئنا لنستنصر على دم عثمان رضي الله عنه قتل مظلوماً، فقلت: يا أم المؤمنين أنشدك بالله أقلت لك: من تأمرينني به، فقلت: علي، فقلتُ: أتأمرينني به وترضينه لي؟ قلت: نعم؟ قالت: نعم، ولكنه بدل، فقلت يا زبير يا حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا طلحة أنشدكما الله أقلت لكما ما تأمراني؟ فقلتما: علي، فقلت: أتأمراني به وترضيانه لي؟ فقلتما: نعم، قالا: نعم ولكنه بدلْ، فقلت: والله لا أقاتلكم ومعكم أم المؤمنين وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أقاتل رجلاً ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرتموني ببيعته".

ما يستخلص من الروايات الثلاث

1- رد سيدنا عثمان بن عفان كثيراً من التهم الموجهة إليه، واستغفر عن بعض أعماله التي أقر بأنها خطأ عمله، وبذلك رضي عنه الثائرون، حيث إنه وعدهم بتصحيحها.

2- لم يرسل عثمان إلى عامله في مصر أي كتاب يحرضه على قتل الثوار، وذلك لأن عثمان لم يغير وعده لهم.

3- كان باستطاعة عثمان مقاتلة الخارجين وردهم، ولكنه لم يُرد إهراق الدم في الدفاع عن نفسه، ولم يرد ترك المدينة، بل رضي أن يقتل لرؤية رأها في المنام.

4- كان بجانب عثمان الصحابة الأولين يوالونه ويشدون أرزه، وأبناؤهم أيضاً.

5- لم يكن يطمع طلحة والزبير في الاستيلاء على الخلافة بعد عثمان، لأنهما كانا يريان أن علياً هو الأصلح لها. وهذا هو رأي السيدة عائشة.

6- خروج السيدة عائشة وطلحة والزبير يطالبون بدم عثمان لاعتقادهم أنه قتل مظلوماً.

7- هناك عدد من أهل المدينة ينقمون على عثمان لأمور مادية، لأنه أراد أن يمنعهم من المشاركة في الفتوح.

8- إن بين الثائرين على عثمان من هم مدفوعون بالغيرة على الدين.

9- هناك أيدٍ خفية تحرك الأمور من وراء الستار لتوقع الفرقة بين المسلمين، فهي التي صاغت الكتب على لسان الصحابة، وهي التي زورت الكتاب المرسل إلى عامل عثمان في مصر، وهي التي كانت تستعجل الأمور.

10- كان بين هؤلاء الثوار رجال من الصحابة كمحمد بن أبي بكر، ولعل منهم: عمار بن ياسر، ولكن الأمر لم يبلغ بهم حد الاشتراك في القتل.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:50 AM
بيعة علي

بعد مقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه بقيت المدينة بلا أمير، وكان زعيم المنحرفين المصرين الغافقي بن حرب العكي هو الذي يدير شؤونها، وأتباعه هم الذين يسيطرون على أمورها، وأهلها وجلهم من الصحابة وأبنائهم لا يقدرون على فعل شيء، واستمر ذلك خمسة أيام، إلا أنه لا بد من خليفة ليعود الوضع إلى طبيعته، ويرجع الأعراب إلى بواديهم، ويؤوب المنحرفون إلى أمصارهم، والأمر يرجع في هذا للسابقين من المهاجرين والأنصار، لذا لا بد من اختيار أحدهم.

كان المنحرفون متفقين على الانتهاء من الخليفة السابق، وقد تم لهم ذلك إلا أنهم غير متفقين على الخليفة الجديد، وأهواؤهم شتى، فالمصريون يميلون إلى علي بن أبي طالب ولكنه لا يوافقهم بل ويبتعد عنهم، والبصريون هواهم مع طلحة بن عبيد الله إلا أنهم يطلبونه فلا يجدونه، والكوفيون يرغبون في الزبير بن العوام ولكنه يختفي عنهم ولا يرغب بهم. وتضايق أهل الكوفة وأهل البصرة إذ غدوا تبعاً لأهل مصر إذ لا يرغب من تميل نفوسهم إليه أن يقابلهم أو يوافقهم، وأمير المصريين هو أمير للمدينة في تلك الظروف الحرجة.

ولما لم يوافق أحد من هؤلاء الثلاثة مع المنحرفين في شيء ويرفضون الخلافة كلهم، رأوا أن يطلبوا من سعد بن أبي وقاص ذلك، وهو ممن بقي من أهل الشورى مع أولئك الثلاثة، إلا أنه ارفض منهم عندما عرضوا عليه ذلك، وكان قد اعتزل الأمر، وابتعد عن الجو العام، فاتجهوا إلى عبدالله بن عمر وكان رفضه أشد من سابقه.

واشتد الأمر على المنحرفين إذ عجزوا عن إيجاد خليفة وقد قتلوا الأمير السابق، واشتد كذلك الأمر على أهل المدينة، وقد وجدوا مدينتهم بين المنحرفين يتصرفون فيها، وهم لا يقدرون على شيء، ورأوا أنه لا بد من خليفة يخلصهم مما هم فيه، وينقذهم مما يعانون، ويسير الأمور لتعود الحالة إلى طبيعتها، ورأوا في شخص علي بن أبي طالب الخليفة المطلوب، فهو من أهل الشورى، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وله سابقة وجهاد قلما تكون لرجل آخر، وله من العلم والفقة ما يخوله ذلك، وبصورة عامة فقد كان أفضل من عليها، آنذاك، فذهبوا إليه، وطلبوا منه أن يتولى أمرهم فرفض منهم، وقال لهم : لا حاجة لي في أمركم، أن أكون وزيراً خيراً من أن أكون أميراً، وأنا معكم فمن اخترتم فقد رضيت.

ولما طال الوضع، وخاف المنحرفون من أن تصل جند الأمصار إلى المدينة، وتتسلم زمام الأمور، وتقبض على الثائرين قتلة عثمان وتعاقبهم وتقيم عليهم الحد، لذا كانت رغبتهم السرعة في مبايعة الناس لخليفة وهذا حق المهاجرين والأنصار، فإذا حدثت البيعة كان الخليفة على أقل تقدير منهم مضطراً لأن يأخذ برأيهم ما داموا في مركز قوتهم، ولا يستطيع أن يعاقبهم ما دامت المدينة في قبضتهم وتحت سيطرتهم، أو أن كثرتهم تحول دون أن يقوم بعمل ضدهم، أما إذا وصلت جنود الأمصار إلى المدينة فإنهم حينذاك لا يستطيعون قتالهم وبخاصة أن أهل المدينة ناقمين على قتلة عثمان الأمر الذي يجعلهم ينضمون لأهل الأمصار ويحاربون قتلة عثمان، وعندئذ تنالهم العقوبة، وينالهم القصاص، وتقام عليهم الحدود، ويختار أهل المدينة من يرغبون لا من يفكر به المنحرفون، ومن هذا المنطلق كانت السرعة في اختيار خليفة أهم نقطة يعمل لها المنحرفون، ولما لم يتم لهم ذلك هددوا أهل المدينة بقتل أهل الشورى وكبار الصحابة ومن يقدرون عليه من دار الهجرة إن لم يجدوا أحداً على قبول الخلافة، وقالوا لهم : دونكم يا أهل المدينة فقد أجلناكم يومين، فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلن علياً والزبير وأناساً كثيرين.

عرض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر على علي بن أبي طالب وجاءه الناس فقالوا : نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام، وما ابتلينا به من ذوي القربى، فقال علي : دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وله ألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول. فقالوا : ننشدك الله ألا ترى ما نرى ‍ ألا ترى الإِسلام ‍ ألا ترى الفتنة‍ ألا تخاف الله ‍ فقال : أجبتكم لما أرى، واعلموا إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم، إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، ثم افترقوا وتواعدوا في اليوم التالي فجاؤوا ومعهم طلحة والزبير وبايعوا علياً، وكان ذلك يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين.

بايع الناس جميعاً إلا سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد وصهيب من المهاجرين، وحسان بن ثابت، وزيد بن ثابت، وكعب بن مالك، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، ورافع بن خديج، وسلمة بن وقش، وأبو سعيد الخدري، وقدامة بن مظعون ومسلمة بن مخلد، وعبدالله بن سلام من الأنصار ومن كان قد غادر المدينة إلى مكة وأكثرهم من بني أمية أمثال سعيد بن العاص والوليد بن عقبة ومروان بن الحكم.

كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمام موقفين اثنين لا ثالث لهما، الأول منهما : أن يصر على رفض الأمر وعدم الموافقة على البيعة، وعندها سيبقى وضع المدينة كما هو يتسلط عليه المتمردون، ويتصرف في المدينة الأعراب والمنحرفون، بل ربما ازداد الوضع سوءاً وهو المحتمل فيعيث هؤلاء العابثون في الأرض فساداً، ويزداد قتلهم للناس، وقد ارتكبوا أكبر جريمة بقتلهم الإمام ظلماً وعدواناً، ومتى أقدم الإنسان على جريمته الأولى سهلت عليه الجرائم وأسوأ الأعمال بعد ذلك، وبالفعل فقد هددوا أصحاب الشورى وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا ما حدث أن جاءت جند من الأمصار أو طلبت لإِبعاد المتمردين عن المدينة وإقامة الحدود عليهم وإعادة نظام الأمن، فإنه يقع القتال داخل دار الهجرة ويذهب ضحيته أعداد من الصحابة، هذا بالإضافة إلى انقسام المسلمين وتفرق كلمتهم، وهذا ما يخافه العقلاء، وأهل الإِيمان، هذا بالإضافة إلى أن تدخل الجند في شؤون المدنيين، وتدخلهم في أعمال الناس، وبحثهم في أمر الخلافة لموضوع يجب الابتعاد عنه تمام الابتعاد، وهذا ما كان ينظر إليه الامام على كرم الله وجهه، ويحرص ألا يحدث، وهو الأمر الذي جعله يقبل الخلافة.

أما الموقف الثاني : وهو قبول الخلافة والرضا بالأمر الواقع وذلك من أجل انقاذ المسلمين من فتنة عمياء يمكن أن تحدث فيما لو رفض، والخوف من تفرقة الكلمة، وإعادة الثقة الطمأنينة إلى نفوس سكان دار الهجرة، وإبعاد المتمردين والأعراب والمنحرفين عن المدينة، وإقرار الأمن، وإعطاء الهيبة للخلافة، وتطبيق منهج الله في الأرض، ومع هذا فكان رضي الله عنه على علم بأن السير في الموقف الثاني، وهو أخذ البيعة وتسلم أمر الناس حالة صعبة وفيه مشقة كبيرة وعناء شديد، إذ لا يستطيع الخليفة إقامة الحدود على الجناة والتحقيق معهم إلا بعد مرور مدة ريثما يستتب الوضع، ويتمكن الحكم، وتستعيد الخلافة هيبتها، وهذا ما لا يدركه فئة من الناس فيطالبون بالقصاص وهو غير قادر عليه، ويسألونه إقامة الحدود على القتلة وهو لا يستطيع إذ لا تزال المدينة بأيديهم، ولا بد من إخراجهم قبل ذلك وتوزيعهم في الأمصار، أو إرسالهم إلى الثغور، وتفريق كلمتهم، هذا بالإضافة إلى أن عدداً من الرجال سيرفضون البيعة، ولكن هذا لا يجعله يتوقف، وهو الذي لا يخشى في الله لومة لائم، ولا يعرف المداهنة في الحق... فأما البيعة فيمكن أن يترك من لا يبايع باستثناء بعض رجال الشورى الذين ينظر إليهم بعض الناس ويميلون إليهم، ولهذا فقد ترك سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن عمر، ولكنه أصر على بيعة طلحة والزبير إذ كان يطمع بهما بعض المتمردين، وأما استمهال إقامة الحدود ريثما تتاح الفرصة فظن أن الناس يدركون هذا، بل يمكن تجاوزه إذ إن إعادة الأمن والنظام وإقامة الخلافة أمر أهم وواجب شرعي، ولهذا أقدم عليه وقبل الخلافة بعد إصرار الناس عليه وبعد أن تمنع عنه ورفضه، فهو الزاهد فيها وفي الدنيا جميعها.

رأى علي رضي الله عنه وقد تسلم الخلافة أن يعمل قبل كل شيء على إعادة الأمن ولن يكون هذا إلا بإبعاد المشاغبين عن المدينة، ولن يحدث هذا إلا باعتقادهم أنه قد تم ما يريدون وهو استقرار النظام في الدولة، وهذا ما يصار إليه بزوال الخليفة السابق وقد قتلوه قبحهم الله -ثم بالخلاص من ولاته على الأمصار، هذا بالإضافة إلى أنه هو رضي الله عنه قد كانت له بعض الملاحظات على بعض الولاة لذا قرر أن يستبدل الولاة، ولكن نصحه بعض الصحابة وبعض الرجال في أن يؤخر هذا الأمر حتى يستقر الوضع، إلا أنه رفض ذلك حيث رأى أن هيبة الدولة لا تكون إذا لم يستطع الخليفة أن يعزل والياً وأن يعين غيره، وإلا فما معنى أن الوالي يتبع الخليفة، وإذا لم يستطع الإمام عزل وال، فمعنى ذلك أن الوالي بمثابة خليفة أو أنه يرفض الأوامر ويرفض البيعة أو يأخذها لنفسه، ويتعدد عندها الخلفاء، وهذا أمر غير جائز ولا يكون في الإسلام، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن العصاة والمنحرفين يرون أن الوضع غير مستقر، وبذا يبقون في المدينة وعندها لا يستطيع الخليفة أن يفعل شيئاً ولا أن يقيم حدود الله، وهو لا يخاف في الله لومة لائم، إذن فلا بد من عزل الولاة واستبدالهم.

أرسل علي الولاة إلى الأمصار فبعث إلى البصرة عثمان بن حنيف وهو من أعلام الأنصار، فدخلها وارتحل عنها واليها السابق عبدالله بن عامر متجهاً إلى مكة. وأبقى على الكوفة أبا موسى الأشعري الذي أرسل بيعته وبيعة أهل مصره إلى أمير المؤمنين. وبعث سهل بن حنيف إلى الشام، ولكنه رد من حدودها، ردته خيل معاوية بأمر أو باجتهاد منهم. وبعث إلى مصر قيس بن سعد بن عبادة، وكان قد قتل من تسلمها وهو محمد بن أبي حذيفة، فدخل مصر وأخذ البيعة لأمير المؤمنين من أهلها، إلا فريقاً قليلا منهم اعتزلوا الناس وأووا إلى (خربتا) لا يشقون عصا الطاعة، ولا يقاتلون أحداً، وبهذا فقد اختار ثلاثة ولاة من الأنصار إلى أهم الأمصار وأكثرها ثغوراً وجهاداً. أما مكة فقد بعث إليها خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي، ولكنه وجد فيها كل من اعتزل الفتنة ومن اجتمع فيها من بني أمية، ومن ترك ولايته من الولاة السابقين، لذا فقد رفضت ولايته وبقيت مكة دون وال، ولكل مجموعة رجل يرجعون إليه. وبعث علي بن أبي طالب إلى اليمن ابن عمه عبيد اللهبن عباس عاملا له عليها، فلما وصل إليها رحل عنها عاملها السابق يعلى ابن أمية واتجه إلى مكة، وهكذا خضعت دار الهجرة مركز الدولة والأمصار كلها إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب باستثناء الشام التي كان يسير أمورها معاوية بن أبي سفيان إذ لم يرسل البيعة، وبهذا عقدت بيعة علي بن أبي طالب، وقام بالأمر، وأرسل إلى معاوية يطلب منه البيعة لكنه تأخر بالجواب، ينتظر ما تؤول إليه الأمور، ووضع العصاة في المدينة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:53 AM
المجتَمَع الإسْلاَمي أيَّام عَليّ

لم يختلف وضع المجتمع الإسلامي أيام علي عما كان عليه سابقاً، فالشرع هو المطبق وأحكام الله هي النافذة والمعمول بها، وإنما الشيء الوحيد الذي اختلف هو متابعة الناس لما يجري في الداخل بعد أن كان الاهتمام متجهاً إلى ما يحدث في الفتوح وأحوال الثغور، هذا بالنسبة إلى عامة الناس، أما فيما يتعلق بالعمال والولاة فكان اهتمامهم أكبر إذ يتعلق الأمر بهم وبأمصارهم لذا فقد اختلف الوضع بين مصر وآخر، وهناك أمر آخر يجب ألا نغفل عنه وهو أن المسلمين استقبلوا خلافة علي بغير ما استقبلوا خلافة عثمان، فقد جاء عثمان بعد عمر القوي الشديد الذي منع الصحابة من الخروج من المدينة، وأخذهم بالحزم والشدة، فأعطاهم عثمان اللين والرفق، وأغدق عليهم في الأعطيات حسب ما اعتاد عليه من البذل والعطاء، فلانوا له وأحبوه وخاصة في أيامه الأولى، وفضله بعضهم على عمر. وجاء علي بعد عثمان فسار بالناس سيرة عمر فلم يوسع لهم الأعطيات، ولم يعطهم النوافل من المال، واشتد على قريش وحال بينهم وبين الخروج بأية حال، وهيجه افتراق القوم إذ أن عدداً من بني أمية قد اتجهوا إلى مكة، وتفرق بعض الناس في الأمصار، واستأنف فيهم حزم عمر، وشدته، والنفس البشرية يصعب عليها الشدة بعد اللين على حين ترتاح وتطمئن للين بعد الشدة، لذا كانت نفوسهم يشوبها كثير من الوجوم والقلق بتسلم علي الأمر، هذا بالإضافة إلى تسلط المشاغبين الذين قتلوا عثمان على المدينة ولم تَطَلْهم بعدُ الحدود، ولننظر إلى حالة كل مصر وحده.

فاليمن سار إليها عبيدالله بن عباس والياً عليها من قبل علي فاستقبله، وخرج منها يعلى بن أمية، واستقر الأمر فيها، تقام الحدود، ويطبق الشرع بصورة تامة.

وأما مكة المكرمة فقد عاد إليها راجعاً عدد من أهل المدينة الذين وصل إليهم خبر مقتل سيدنا عثمان وهم في طريقهم إلى بلدهم بعد أن شهدوا موسم الحج، ورغبوا اعتزال الفتنة، فمكة حرم آمن لا يغار عليه ولا يذعر من أوى إليه، ومنهم من خرج إليها من المدينة غاضباً أو معتزلا مثل بني أمية، عبدالله ابن عمر : وردت مكة عامل علي عليها وهو خالد بن العاص بن المغيرة المخزومي، وعاشت دون وال، وبعد مدة استأذن طلحة والزبير عليا في الخروج إلى مكة لأداء العمرة فأذن لهما فخرجا، وبقيا فيها إذ وجدا الجو فيها أكثر مناسبة لهم من جو المدينة المليء بالخارجين على عثمان رضي الله عنه، وبعد مدة جاء قثم بن العباس واليا على مكة واستقر فيها، واستتب له الأمر.

ورأى الذين اعتزلوا الفتنة واستقروا في مكة أن جوها غير مناسب، وأن طلب الرزق غير متوفر، والتجارة التي اعتادوا عليها قد انقضت أيامها وقطع بينهم وبينها الزمن، ووجدوا أن البصرة أكثر ملاءمة، لهذا فقد قرروا السير إليها، وأقنعوا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالخروج معهم، وكادت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها تسير لولا أن منعها أخوها عبدالله بن عمر، وسار الموكب باتجاه البصرة، وكان يصلي فيهم عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد، وقد كان أبوه والي مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر. وكان عدد المغادرين مكة /700/ إنسان جلهم من أهل مكة والمدينة ومنهم طلحة، وعبدالله بن عامر، ويعلى بن أمية، وعبدالرحمن بن عتاب، وأم المؤمنين عائشة، ورجع من الطريق سعيد بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وعبدالله بن خالد بن أسيد، وفي الطريق تبعهم الناس من الأعراب حتى كانوا ثلاثة آلاف. وهدأ الوضع في مكة بعد خروجهم. وعندما وصل الركب المكي إلى ماء الحوأب نبحتهم كلابه، فأناخت عائشة رضي الله عنها وقالت : أنا والله صاحبة كلاب الحوأب طَرُوقاً ردوني فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وعنده نساؤه "ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب" فقالوا لها : ما هو بالحوأب، فسارت.

أما في المدينة فإن أهلها ينظرون إلى علي نظرة احترام وإكبار كما ينظر له كل المسلمين، إذ كان يومذاك أفضل من عليها، وقد ارتحل من الدنيا من سبقه، وقد أسرعوا إلى بيعته أو الاصرار على مبايعته لتقديرهم له قبل كل شيء، ثم للخلاص مما لحق المدينة من وجود الفئة الخارجة على النظام من قتلة عثمان، وقد استجاب بعد رفض إذ أن الأمر يستوجب وجود الأمير لإِعادة النظام، وما أن استلم حتى طلب منه عدد من الصحابة إقامة الحدود على هؤلاء المنحرفين، ولم يكن ذلك ليغيب عنه، وإنما ينتظر استتباب الوضع وقوة الخليفة بأخذ البيعة العامة والقبض على ناصية الأمر، إذ أن الحَلَّ السريع لا يستطيع أن يمارسه ما دام المنحرفون هم الذين يسيطرون على المدينة، وبيدهم القوة، والبيعة لم تأت من بعض الجهات ومنها الشام وبعض الصحابة، والمشكلة أنه في ساعة الفوضى لا يرى المرء الحل السليم إلا من خلال ما استقر ذهنه.

واشتد الصحابة في الطلب، وعلي لا يستطيع أن يفعل شيئاً. وأرسل علي الولاة إلى الأمصار، وإذ بوالي الشام سهل بن حنيف يعود إليه، وعلي الذي عرف بالشدة لم يقبل باللين، ولم يعرف التساهل بالحق، فقرر السير إلى الشام على الرغم من نصائح بعض الناصحين بإبقاء معاوية على الشام وإعطاء طلحة البصرة والزبير الكوفة ريثما تهدأ الأحوال، ولم ير أيضاً هذا عبدالله بن عباس عندما استشاره علي، وحث الناس بالنهوض إلى الشام فرأى توانيا، فلم يرغب بإخبار أحد وإنما نهض وسار مع من نهض، ودفع باللواء إلى ابنه محمد الأكبر بن الحنفية، ووجه عبدالله بن عباس إلى الميمنة، وعمر بن أبي سلمة إلى الميسرة، وأبا ليلى بن عمر بن الجراح إلى المقدمة وهو ابن أخي أبي عبيدة بن الجراح، وولى قُثَم بن العباس على المدينة، وكتب إلى عماله على الأمصار وهم قيس بن سعد والي مصر وأبو موسى الأشعري والي الكوفة، وعثمان بن حنيف والي البصرة بالنهوض إلى قتال أهل الفرقة، ويبدو من عمله هذا أنه بَعِيد كل البعد عن المنحرفين قتلة عثمان إذ لم يُوَلِّ أحداً منهم وفيهم الأشداء وأهل المقدرة.

وبينما هو كذلك إذ سمع بخبر سير من سار من مكة إلى البصرة، فخرج علي إلى الربذة يريد أن يحول دون انطلاقهم إلى البصرة، إلا أنهم قد فاتوه، وكان قد ولّى على المدينة قبل خروجه منها سهل بن حنيف، وبعث قُثَم بن العباس إلى مكة، وكانت أم المؤمنين أم سلمة تريد أن تسير معه وقالت له "لولا أني أعصي الله عز وجل وأنك لا تقبله مني لخرجت معك، وهذا ابني عمر، والله لهو أعز علي من نفسي، يخرج معك يشهد مشاهدك، فخرج معه، وكان على الميسرة، ولم يزل معه، واستعمله على البحرين ثم عزله. ونصحه بعض الناصحين بأن لا يخرج من المدينة فإن خرج منها فلن يعود إليها، وطلب منه أن يرسل من نهض ويمكث هو في دار الهجرة، ولكنه أصر إلا أن يكون على رأس الناهضين. وبقي سهل بن حنيف في المدينة يسيِّر أمورها، ويُطَبِّق شرع الله فيها، ويحكمها لعلي بن أبي طالب. ووصل علي إلى ذي قار ينتظر وصول جند الأمصار.

وأما مصر فقد سار إليها قيس بن سعد بن عبادة، ودخلها من غير جهد وكان قد خرج منها الوالي السابق عبدالله بن سعد بن أبي سرح وتسلمها محمد بن أبي حذيفة إلا أنه قتل، وأخذ قيس البيعة لعلي من عامة أهلها، إلا فريقاً اعتزلوا الناس وأووا إلى (خربتا) يطلبون بثأر عثمان، ولكن لا يقاتلون أحداً، ولا يشقون عصا الطاعة، فأمهلهم قيس ومنهم : مسلمة بن مخلد، ومعاوية بن حديج، وبسر بن أبي أرطأة وغيرهم، إلا أن بعض أصحاب علي كانوا يصرون عليه أن يأمر قيسا بقتالهم أو إعطاء البيعة حتى ينتهوا من مصر من كل معارض، فطلب علي منه ذلك، فرأى أن رأيه هو الأصوب، فترك مصر، واتجه إلى علي مار بالمدينة، وجاء محمد بن أبي بكر والياً على مصر، وما زال يلح على من في (خربتا) حتى جرى القتال بين الطرفين ولم يُحْرِز محمد بن أبي بكر النصر فعزله علي وولى الأشتر النخعي مكانه، ولكنه مات مسموماً قبل أن يصل إليها، فاضطر علي أن يثبت محمد بن أبي بكر على مصر ريثما يرى رأيه، وانتدب أهل الكوفة لمساعدة إخوانهم في مصر، ولكنهم لم ينتدبوا، وعندما أصر عليهم سار جند قليل، ولكن ما وصلوا إلى مصر حتى كان عمرو ابن العاص قد دخلها، وقُتل، محمد بن أبي بكر، وهكذا أصبحت مصر بعيدة عن خلافة علي وذلك عام 38 هـ.

وأما الكوفة فقد كان واليها من قبل أبو موسى الأشعري، وأقره علي على ما تحت يده، رغبة من أهل الكوفة به، وقد بايع عنه وعن أهل الكوفة للخليفة الجديد. وكان أبو موسى محباً للعافية لا يرغب في القتال وخاصة عندما يكون القتال بين المسلمين بعضهم ضد بعض. وأهل الكوفة ليسوا على رأي واحد، فبعضهم يميل إلى الزبير، وبعضهم يرغب في علي ولكنه لا يحب القتال، وبعضهم متشدد في ذلك يرى أن القتال أمر لا بدّ منه. وكتب أمير المؤمنين إلى أبي موسى يستنهضه للقتال ولكنه لم يفعل شيئاً، فأرسل له محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر، فلم يفد ذلك شيئاً، ثم أرسل له عبدالله بن عباس والأشتر النخعي فما أجدت المناقشات التي دارت بين الطرفين، ثم أرسل له ابنه الحسن بن علي وعمار بن ياسر، وتكلم الحسن كلاماً جميلاً. ودعا أهل الكوفة لنجدة خليفتهم وعندما انطلق سار معه عدة آلاف سار بعضهم بالفرات واتخذ الآخر طريق البر، وكان مجموعهم تسعة آلاف رجل، وأخرج الأشتر النخعي أبا موسى من قصر الإمارة، فانطلق أبو موسى إلى مكة وأقام بها. وكان الخليفة قد وصل إلى ذي قار فجاءه أهل الكوفة وهو في ذلك الموضع.

وأما البصرة فقد أرسل إليها الخليفة والياً جديداً هو عثمان بن حنيف فسار إليها فدخلها، وخرج منها واليها السابق عبدالله بن عامر الذي سار إلى مكة، وكان في البصرة شيء من الفرقة والخلاف، ولم يلبث أن وصل إليها ركب مكة، فدخلها عبدالله بن عامر على غفلة من أهلها، ووصل الخبر إلى عثمان بن حنيف فتهيأ إلا أن الناس متخاذلون منهم الخائف، ومنهم القاعد، ومنهم المتخاذل، ومنهم من يطلب بثأر عثمان، ومنهم مع الوالي بجانب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم دخل البصرة ركب مكة كله، والتقى في المربد، فتكلم طلحة والزبير وردّ عليهم جماعة ابن حنيف.

وكاد الناس يقتتلون، ثم تكلمت عائشة رضي الله عنها فانقسمت جماعة ابن حنيف، ومال بعضهم إلى جانب عائشة، وكان على خيل البصر حكيم به جبلة العبدي فأنشب القتال، وهو أحد الغوغائيين الذين تكلموا عن عثمان رضي الله عنه، وكاد القتال أن يتسع، إلا أن الفريقين قد اتفقا، إذ لم يكن أحد الجانبين لينظر إلى الآخر نظرة العداء أو الحقد وإنما نظرة الأخوة، والخلاف إنما هو في وجهات النظر، ولكن الغوغاء هي التي كانت تسير بالطرفين إلى التطرف أحياناً.

اتفق الجانبان على أن يبعثا رسولاً إلى المدينة لينظر هل بايع طلحة والزبير مكرهين أم لا ؟ فإن كان ذلك أخلى عثمان بن حنيف لهما البصرة، وإن كانا قد بايعا عن رضى خرجا من البصر، وأن يبقى كل فريق على ما تحت يده ريثما يعود الرسول، وينزل طلحة والزبير ومن معهما حيث شاؤوا، وأن يصلي عثمان بن حنيف بالناس، ويبقى بيت المال تحت يده، وله أمر البصرة. وذهب كعب بن ثور إلى المدينة رسولاً، فسأل أهلها عن بيعة طلحة والزبير فلم يجبه أحد، ثم أجابه أسامة بن زيد بأنهما بايعا مكرهين.

وكادت تحدث في المدينة حادثة لهذا الجواب، إذ لا يريد الناس إلا اطفاء النار وإخماد جذوتها، ورجع كعب إلى الناس بالخبر فاختلف القوم بالبصرة، وعاتب علي عامله على البصرة، وقال : إنما طلحة والزبير لم يجبرا على البيعة إلا خوفاً من الفرقة، وقلّ أنصار ابن حنيف حتى غضب عليه الغوغائيون في طرفه لهذا التصرف، انقضّ أهل السوء عليه فسجنوه، ونتفوا لحيته وحاجبيه، ثم أخرجوه حيث سار إلى علي بن أبي طالب وهو بذي قار، ولم يقتل عثمان بن حنيف لأنه لم يكن عدواً ولا مجرم حرب، وإنما كان أخاً ضعفت وجهة نظره أمام مناقشيه فقلّ أتباعه، وعدا عليه الرعاع فأخرجوه، ولو كان الخلاف كما يصوّره بعض المؤمنين لقتل أو أخذ على الأقل أسيراً فهو قائد الخصم أو رأس الجناح الآخر. وصار يصلي بالناس عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد.

وبخروج عثمان بن حنيف من البصرة أصبحت تحت إمرة الركب المكي فقتلوا من كان فيها من الأشخاص الذين شخصوا إلى المدينة، واشتركوا في حصار عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولم ينج منهم إلا حرقوص بن زهير العبدي، وكان ممن قتل حكيم بن جبلة العبدي، ولم يكن هذا القتل ليخفف من المشكلة وإنما زاد النقمة، إذ أن بعض القبائل غضبت لمقتل بعض أبنائها ممن كان من الغوغائيين، ومنهم بنو عبد القيس الذين ثاروا لمقتل حكيم بن جبلة فخرجوا على علي، أما علي فلم يتكلم في قتل هؤلاء لأنه يرغب فيه ولا علاقة له بأحد منهم، وإن كان يجب أن يدعم رأيه بأن في العجلة الندامة فالقتل السريع دون تروي أدى إلى النقمة. وكتب الركب المكي إلى بقية الأمصار أن يفعلوا فعلتهم، وأن يقتلوا من عندهم من قتلة عثمان.

أرسل علي بن أبي طالب القعقاع بن عمرو التميمي إلى البصرة، فكلم عائشة وطلحة والزبير وبينّ لهم تفرق القوم عنهم بسبب قتل الغوغائيين، وماذا يكون لو حدث هذا في كل مصر ؟ قالوا : فما رأيك ؟ قال : إن هذا أمر دواؤه التسكين واجتماع الشمل، حتى إذا صلح الأمر وهدأت الثائرة، وأمن الناس، واطمأن بعضهم إلى بعض، نظرنا في أمر الذين أحدثوا هذه الفتنة. وإني لأقول هذا وما أراه يتُّم حتى يأخذ الله من هذه الأمة ما يشاء، فقد انتشر أمرها، وألمت بها الملمات، وتعرضت لبلاء عظيم، فاستحسن القوم رأيه، وقالوا : إن وافق علي على هذا الرأي صالحناه عليه. ورجع القعقاع إلى علي راضياً وأنبأه بما حدث، فسُرّ علي بذلك أشد السرور وأعظمه.

وأقبلت الوفود من البصرة إلى معسكر علي بذي قار والتقى المضري مع المضري والربعي مع الربعي واليمني مع اليمني، وكل يتحدث في الصلح، وظن الناس كل الناس أن الأمر قد استقام، وأن الصلح قد أصبح وشيكاً، ودعوا أهل البصرة علياً أن يأتي إليهم، وأراد علي الرحيل وقال : ألا من أعان على عثمان بن عفان فلا يرتحل معنا. وهنا شعر الغوغائيون من قتلة عثمان أن الصلح سيدور عليهم، وأنه إذا تمّ لا بدّ من أن يكون عليهم، وستطالهم العقوبة، فإذن لما نبرمه على أنفسنا ؟ وتداولوا الرأي وعبدالله بن سبأ اليهودي لا يعجبه رأي حتى توصلوا إلى انشاب القتال إذا ما اقترب الطرفان بعضهم من بعض. وأرسل علي عبدالله بن عباس إلى طلحة والزبير اللذين أرسلا بدورهما محمد بن طلحة إلى علي وتحدثوا في الصلح وباتوا في ليلة من العافية.

ورحل علي إلى البصرة وعسكر بجانب معسكر أهل البصرة فأنشب الغوغائيون القتال بأسباب بسيطة وتافهة، إذ تسابّ الصبيان ثم تراموا وتتابع العبيد، حتى إذا توترت الأجواء باشر السفهاء، ولم يدخل الغوغائيون من البداية حتى لا يُعرف الكيد، وينكشف الأمر، وتفسد الخطة، وتصافّ الفريقان، وخرج علي بين الصفين ونادى طلحة والزبير فكلمهما، وقال مما قال للزبير أتذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لك : "... ولكنك ستقاتله وأنت له ظالم" قال : تذكرت ذلك، ولو كنت أذكر ما خرجت، وأراد الاعتزال، وخرج على وجهه وعندما وصل إلى وادي السباع غدر به ابن جرموز وقتله. واستطاعت السبئية أن تنشب القتال، وطلب علي من الناس أن يكفوا إلا أن الأمر قد خرج من يده والتحم الفريقان، وكان جيش البصرة يزيد على الثلاثين ألفاً، وجيش الكوفة يزيد على العشرين ألفاً، وكان اللقاء في منتصف جمادى الآخرة من عام 36 هـ.

والتحم الطرفان، واشتدت المعركة أمام الجمل الذي عليه هودج عائشة رضي الله عنها حتى قتل أمامه سبعون رجلاً كل أخذ بِخِطَامه، قُتلوا واحداً بعد الآخر، ثم عُقِر الجمل فانفرجت المعركة وهزم أهل البصرة، وأصيب طلحة وجرح جرحاً بليغاً بدأ ينزف منه الدم، وحملت عائشة بهودجها إلى دار عبدالله بن خلف، وكانت فاجعة أليمة ذهب ضحيتها على رأي المؤرخين عشرة آلاف من جيش البصرة وخمسة آلاف من جيش علي، ومع ما في هذه المعركة من الهول الذي زاد فيه المؤرخون، علينا أن نتروى قليلاً فننظر هل كانت معركة بين أعداء ألداء كما توصف أم بين أحبة أوقع الشيطان بينهم فطاشت أحلامهم، ثم ثابت ؟ ويمكن أن نتعرف على هذا من النتائج، كانت رؤوس جيش البصرة لا شك طلحة والزبير وعائشة فلننظر ما الرأي بهم ؟ التقى القعقاع بن عمرو التميمي أحد قادة جيش علي وحكمائه أثناء المعركة مع طلحة وهو يقاتل جريحاً فقال له : يا أبا محمد إنك جريح فحبذا لو دخلت أحد البيوتات. فبطل يرى قائد خصومه جريحاً فيطلب منه الخلود إلى الراحة من أجل العافية أم يجهز عليه !.

وجاء ابن جرموز بعد المعركة يستأذن علياً وقال : قل له : قاتل الزبير، فقال علي : أئذن له بشره بالنار. فهل القائد يفرح بقتل قائد خصومه أم يتأثر ثم يقول : إن قاتله لا شك في النار ؟

وزار علي عائشة بعد المعركة، وضرب من تكلم عنها، وقال عندما شيعها في غرة رجب مع أخيها محمد بن أبي بكر : أنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، وأعطاها مبلغاً كبيراً من المال، وسَيَّر في ركبها عدداً من النساء. وعندما زارها في دار عبدالله بن خلف كان عدد من الجرحى المختبئين في تلك الدار، وهو يعرف مكانهم ومكان غيرهم، وقد تجاهل ذلك وكأن لم يعلم شيئاً، إذ لم يكونوا خصوماً كما يصور ذلك بعضهم فلو كانوا كذلك لنالوا ما نالوا.

كما كان قد طلب من جنده ألا يجهزوا على جريح، ولا يتبعوا هارباً، ولا يدخلوا داراً، ولا يحوزوا مالاً، ولا يؤذوا امرأة ولا طفلاً ولا غير مقاتل مصر معاند، وهذا كله يدل على الأخوة التامة ولكن أوقع الشيطان بينهم، ولك وجهة نظره واجتهاده الخاص، وهو عليه مأجور بإذن الله.

وبعد المعركة بثلاثة أيام ولى علي على البصرة عبدالله بن عباس، وكان أهلها قد أعطوا البيعة، وسار هو إلى الكوفة ليتهيأ إلى الشام.

أما الشام فقد كان واليها معاوية بن أبي سفيان منذ أيام عمر رضي الله عنه، وقد خَبَر أهلها وخَبَروه وأخذهم بأسلوبه الخاص فأحبوه، ولأن لهم فأطاعوه، وحزمهم فانقادوا له، ولم يريدوا غيره، فعندما حدثت الفتنة في المدينة، وتسلم الغوغائيون الأمر، وقتلوا الخليفة عثمان بن عفان مظلوماً، وخرج النعمان بن بشير إلى الشام ومعه قميص عثمان المملوء بالدماء وعليه أصابع زوجه نائلة مقطعة، وعرضه على الناس ثاروا وبكوا أولاً لقتل الخليفة مظلوماً وهو شيخ طاعن في السن، وكان قتله على يد رعاع الناس، وثانياً لأنه لم يستطع بعد ذلك أحد أن يحرك ساكناً، بل إن هؤلاء الرعاع قد سيطروا على دار الهجرة. ويجب أن نعلم أن الأخبار من المدينة إلى الشام تحتاج إلى شهر ذهاباً ومثلها إياباً وأثناء هذه المدة تَجِدّ حوادث وتحدث مشكلات جديدة إضافة إلى ما تحمل الأخبار معها من زيادات مع الزمن.

ثم جاءت الأخبار بأن البيعة قد تمت لعلي بن أبي طالب، ولكن عدداً من الصحابة لم يعطوا البيعة أمثال : سعد بن أبي وقاص وهو من رجال الشورى، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وحسان بن ثابت، وزيد بن ثابت، وكعب بن مالك وغيرهم، وفوق كل هذا فإن طلحة والزبير قد أعطيا البيعة مكرهين وهما من رجال الشورى.

وأن رجال الشورى الذين بقوا على قيد الحياة هم : علي بن أبي طالب وهو صاحب البيعة، وطلحة والزبير لما يبايعا إلا مكرهين، وسعد بن أبي وقاص لم يبايع أبداً، فالأمر بحاجة إلى نظر، ومع هذا فإن علي لم يستطع أن يقبض على زمام الأمر، ويقيم الحدود على قتلة عثمان الذين لا يزالون يتحكمون في أمر المدينة.

هكذا وصلت الأخبار إلى الشام، وهذا ما علمه معاوية والي البلاد، وإن كانت هذه الأمور صحيحة، إلا أن روايتها كانت بأسلوب يحتم على معاوية التريث بإرسال البيعة إضافة إلى ما يجد في نفسه، وما يراه في المجتمع من حزن على الخليفة المقتول. وتتوالى الأخبار على الشام بأن عدداً من رجالات الأمة قد اجتمعوا في مكة والتجؤوا إليها يعتزلون الفتنة، أو يعترضون على تصرفات الغوغائيين في المدينة. ويرسل علي بن أبي طالب الخليفة الراشدي الجديد عماله إلى الأمصار ويرسل فيمن يرسل سهل بن حنيف إلى الشام ليتولى أمرها، ويعزل معاوية، ويرد الوالي الجديد من حدود بلاد الشام، ويبقى معاوية في حاضرته ينتظر ما يؤول إليه الأمر، ثم تصل إليه أخبار جديدة بأن عدداً قد خرج من مكة إلى البصرة معارضين للخليفة في المدينة، على رأسهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وطلحة، والزبير، إذن يفهم من هذه الأخبار أن الأمر لم يستقر لعلي بعد ولا بد من الانتظار في البيعة، وانتظر، وانتظر معه مجتمع الشام. وحدثت أحداث البصرة التي ذكرنا ووقعت معركة الجمل وتأسف المسلمون لما تم، وكل هذا جعل عامل الشام معاوية بن أبي سفيان ينتظر في إعطاء البيعة للخليفة الجديد، وهذا ما رآه، ورآه معه عدد من الناس، ويعد اجتهاداً.

أما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فيرى غير ذلك، إذ ينظر إلى معاوية على أنه عامل للخليفة، إن طلب منه ترك العمل تخلى، وإن طلب منه الاستمرار تابع، فهو تبع وليس بمجتهد في هذا الأمر، والوالي ليس عليه إلا أن يبايع هو وأهل مصره إذا بايع أهل المدينة وقد بايعوا فلماذا هذا التواني ؟ فهل أصبح من أهل الشورى ليؤخذ رأيه في البيعة أم لا ؟ وقد عزله الخليفة فعليه الامتثال، هذه نظرة علي إلى معاوية، وهي صحيحة، أما بالنسبة إلى الأوصاع فيرى أنها غير مستقرة والمنحرفون لا يزالون في المدينة فيجب الانتهاء من البيعة، وطمأنينة الناس، فمتى تم هذا يصرفوا إلى أمصارهم، فيتوزع أمرهم، ويضعف شأنهم.

وعندما تقام عليهم الحدود ويقتص منهم بما اقترفت أيديهم، أما الآن فلهم قوتهم، ويتمكنون من المدينة فيصعب الاقتصاص، لأنه ربما إن فعل أمير المؤمنين ذلك اقتصوا هم منه ومن أهل المدينة، وهو اجتهاد، ويؤجر عليه إن شاء الله تعالى. ولم يقبل سيدنا علي من عامل الشام هذا التصرف، وليس أمامه إلا تنفيذ أوامره، وهو الذي لا يعرف إلا الشدة في الحق، ولا يعمل إلا بالحزم، واللين عنده من الضعف، لذا قرر التعبئة والنهوض إلى الشام، وعبأ الجند، وهو يريد السير إذ جد له أمر الركب المكي فسار وراءهم نحو العراق، وتغير خط حركته من الشام إلى البصرة، ووقعت معركة الجمل في منتصف جمادي الآخرة، ودخل إثرها البصرة، فأصلح فيها، فعفا عن المسيء، وواسى المنكوب، ووزع الأموال على الغالب والمغلوب، ثم ولّى عليها عبدالله ابن عباس، وعبد قضاء مدة فيها تحرك إلى الكوفة ليتابع سيره إلى الشام قصده الرئيسي الذي كان.

وصل إلى الكوفة في نهاية شهر رجب من عام 36 هـ، ومكث فيها مدة أربعة أشهر استعد خلالها للقتال، وعبأ الجند، ولم يكن يرفق بنفسه ولا بأصحابه، هكذا اعتاد خلال حياته، يسلك الطريق المستقيم مهما اعترضه من صعاب، ويحث السير فيها مهما وجد من عقبات، ولم يكن أصحابه يرفقون بأنفسهم يسيرون سير أميرهم.

أرسل علي بن أبي طالب جرير بن عبدالله البجلي إلى معاوية يطلب منه أن يبايع، وأن يدخل فيما دخل فيه الناس، ويبين حجة علي ورأيه فيما يطلب إليه، ولكن معاوية لم يعط جواباً، ورجع جرير دون جواب، ولكن بعض أصحاب علي كانوا يريدون الجواب السريع، لذا عدوا أن جريراً لم يقم بالمهمة المنوطة به كما يجب، فاسمعه الأشتر كلاماً تأثر منه، فغادر المعسكر، وأقام في قرقيساء عند التقاء نهر الخابور بنهر الفرات. وبالمقابل فقد أرسل معاوية رسلاً كان منهم أبو مسلم الخولاني، ولكن لم تؤد تلك الرسل إلى نتيجة، وهذا ما جعل أصحاب علي يحثونه للسير، فما دخل شهر ذي الحجة إلا وكانت طلائع علي في بلاد الشام إلا أنه أمرهم ألا يبدؤوا بقتال قبل أن يدركهم...

وعلم معاوية بحركة جيش العراق فأسرع بجند الشام، ووصل قبل علي إلى صفين، ونزل مكاناً مناسباً يمكنه وجنده من الشرب من نهر الفرات، وعندما وصل علي إلى ذلك المكان وجد جنده في ظمأ، فطلب من معاوية أن يكون الماء حراً، ولكنه لم يحصل على جواب، الأمر الذي أدى إلى احتكاك، وانتصر جند العراق وأزاحوا جند الشام عن مواقعهم، ولكن علياً أمر أن يكون الماء حراً يشرب منه الطرفان بكل وقت يريدون.

وأقام الفريقان عدة أيام يلتقون على الماء، ويسعى بعضهم إلى بعض، وربما يسمرون معاً دون قتال ولكنه جدال ومناقشات تحدث، وربما يقف المرء أمام هذا طويلاً يسترجع ما صوره المؤرخون عن الخصومة العنيفة بين الجانبين، والرغبة الملحة من كليهما لقتل الآخر، وما هي كذلك إن هي إلا خلاف في الرأي، وأخوة مضمرة غير ظاهرة بسبب ذلك التباين في الاجتهاد.

ثم وقع القتال، ولم يكن ذلك الهجوم الكاسح بكلالامكانات وبكافة الطاقات، وكل منهما يبغي استئصال الآخر، وإنما هذا ما كان يخشاه الجانبان فإن القتل من أي طرف إنما هو اضعاف للمسلمين، لأن هؤلاء الحضور من أي جانب كان إنما هم جند المسلمين وقوتهم، وعلى عاتقهم حماية الثغور، واتمام الفتوحات، لذا كانت تتقدم فرقة إلى فرقة لعل الله يصلح الأمور، وتثوب العقول إلى رشدها، واستمر ذلك مدة شهر ذي الحجة، وأهل شهر المحرم، فتوقف القتال، وتصافوا لعلهم يتصالحون، وكثرت السفراء بين الفريقين ولكن دون جدوى. ولا بد هنا من وقفة قصيرة هل يترك الحقد لهم مجالاً للتفكير بالتوقف عن القتال لو كان هناك حقد ؟ إلا أن النفوس طيبة، وبالقلوب محبة صادقة تستغل أي شيء لعل الأمر يهدأ ويتم الصلح. ومع ذلك فقد بقي كل على رأيه مصر على موقفه، علي واضح بيّن رأيه، ومعاوية لا يبدي تجاوباً، وكان لابد من القتال العام.

عادت الفرق من الجانبين يناوش بعضها بعضاً، واستمر ذلك مدة النصف الأول من شهر صفر من عام 37 هـ، فلما رأى الطرفان أن التأخير لا يفيد كان لا بد من حملة عامة، وكانت، واستمر القتال ثلاثة أيام قتل من الفريقين العدد الكثير، فقد قتل عمار بن ياسر، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص من أصحاب علي، وقتل عبيدالله بن عمر بن الخطاب من أصحاب معاوية، وظهرت علائم الهزيمة على جيش الشام، ورفعت المصاحف، وتوقف القتال، وعلى الرغم مما قيل من أن العراق لم يكن قسم منهم يرغب في وقف القتال، ومنهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب نفسه، والاشتر النخعي أحد القادة البارزين والذي استمر في القتال على الرغم من إعطاء الأوامر له بالكف عن متابعة القتال، إلا أن الأمر قد تم، وتوقف القتال، فالمسلمون ينتظرون من كل بارقة أمل أن يكون فيها الصلح، ولو لما يكن ذلك لم توقف القتال، والنصر قد لاح لفريق وهو الطرف الشرعي، ويقاتل بعناد الطرف المعاند حسب رأي أمير المؤمنين على الأقل. ولما سأل الأشتر النخعي معاوية بن أبي سفيان عن رأيه، أجابه بفكرة الحكمين.

توقف القتال، وكتبت صحيفة التحكيم، وشهد عليها رجال من الطرفين، وجند الشام راضون وجند العراق بين راض وساخط وساكت مكرهاً. وبعد يومين من ذلك العقد أذن علي بالرحيل إلى الكوفة بعد أن دفنوا موتاهم، وسار الموكب نحو الكوفة، على حين تحرك معاوية بجيشه نحو الشام.

لم يدخل جيش علي كله الكوفة كما خرج منها، وإنما انحازت جماعة منه إلى حروراء مخالفين ما في صحيفة التحكيم، وغاضبين عما تم، وقد رتبوا أمورهم، فجعلوا أمر الحرب إلى شبث بن ربعي التميمي، وكان عبدالله بن الكواء يصلي بالقوم، فأرسل علي إليهم الرسل علهم يعودون إلى صوابهم، ويرجعون إلى إخوانهم وربما كانوا يفكرون في ذلك، لذلك كانوا يطالبون علياً بالعودة إلى القتال وترك التحكيم، وعاد بعضهم، ومنهم أمير حربهم شبث بن ربعي التميمي، ثم أرسل علي إليهم عبدالله بن عباس فناقشهم وأطال معهم الجدال، ثم ذهب إليهم علي بنفسه وحاجهم، وعادوا جميعاً فدخلوا الكوفة، وظن أن الأمر قد انتهى، إلا أنهم بقوا على الدوام يعلنون عن آرائهم، ويصيحون صحيتهم لا حكم إلا لله التي يقول عنها أمير المؤمنين : كلمة حق أريد بها باطل، ويناقشون، ويظنون أن علياً سيعود إلى القتال، وإنما ينتظر الناس حتى تستريح، وبعدها ينهض للحرب.

اجتمع الحكماء في دومة الجندل، ولم يتفقا على شيء بل رجعا من غير تفاهم، ولكن ليس ما ذكره المؤرخون بالصحيح، فلم يكن أبو موسى الأشعري ذلك الرجل المغفل البسيط الذي يلعب به، وهو الصحابي الجليل، والوالي لعمر بن الخطاب على الأمصار، وعمر لا يمكن أن يولي عاملاً من النوع الذي ينعت به المؤرخون أبا موسى، كما أن عمرو بن العاص لم يكن ذلك الرجل من الغدر، وقلة الدين، وعدم الوفاء والمروءة، وإنما افترقا من غير اتفاق.

أراد علي بعد فشل التحكيم أن يستعد للنهوض إلى الشام، وطلب من واليه على البصرة عبدالله بن عباس أن يستعد بأهل مصره، فأرسل ابن عباس المقاتلين، إلا أن علياً قد لاحظ أولئك الذين خرجوا من عسكره بالأمس ثم عادوا، ثم بدؤوا يتسللون رتلاً إثر رتل، ويكتبون إلى إخوانهم في البصرة ليوافوهم في النهروان، فسكت عنهم، وأراد أن يتركهم وما خرجوا له، وقال : إن سكتوا تركناهم، وإن تكلموا جادلناهم، وإن أفسدوا قاتلناهم، ورغب أن يسير إلى الشام ويتركهم وشأنهم، إلا أن فسادهم قد بدأ، فقد قتلوا عبدالله بن خباب بن الأرت وذبحوه ذبح النعاج، وقتلوا نسوة معه، فأرسل إليهم رسولاً فقتلوه، عندها اضطر إلى العودة إليهم، والتخلص منهم بصورة من الصور قبل أن يسير ويتركهم وراءه يعيثون في الأرض الفساد.

فسار إليهم، وجادلهم، وطلب منهم تسليم قتلة عبدالله بن خباب بن الارت فقالوا : كلنا قتلة، وتمادوا في الرد، ثم هجموا على جيشه، وبدؤوا بالقتال، فاضطر إلى حربهم وإبادتهم في مكانهم في النهروان، وكان أكثرهم من أهل الكوفة، وجيشه من أهل الكوفة، فقد قتل زيد بن عدي بن حاتم معهم، وأبوه عدي بن حاتم في جيش علي، وأكثر القتلى كانوا بهذه الصورة أو قريبة منها، فغدا جيشه حزيناً كئيباً على قتلى خصومه أو قتلى أهله فتغيرت النفوس، وتبدلت الطباع، وعلى هذه الصورة كانت تلك المعارك التي دارت في ذلك الوقت بين المسلمين : اختلاف في وجهات النظر وفي الرأي فينحاز كل فرد إلى جانب، ويقاتل فمن قتل فقد انتهى، ومن قتل فقد أصيب بمن فقد.

رأى علي بن أبي طالب أن ينتظر قليلاً ليستريح الناس من تعب القتال، ولينسى الذي أصيب مصيبته، وكان معاوية بن أبي سفيان بالشام قد سمع استعداد علي للسير إلى الشام فأسرع إلى صفين ولكن لم يجد للعراق جيشاً، وانتظر، وجاءت أخبار الخوارج، وما حدث بينهم وبين علي، فعرف الأمر، وقفل راجعاً إلى الشام وقد أراح واستراح.

رأى علي أن جنده قد استراحوا وحصلوا على ما أحبوا فدعاهم للقتال فلم ينفروا، وحثهم فلم يستجيبوا، وحرضهم فلم يسمعوا، وكان يخطبهم، ويقسو عليهم، فيسمعون ثم يخرجون ولكنهم كأنهم لم يسمعوا كلاماً حتى ضاق بهم علي رضي الله عنه ذرعاً وتمنى لو لم يعرفهم، وكانت حياته معهم محنة شاقة، وعيشاً مليئاً بالمشاق والصعاب والمنغصات يأمر فلا يطاع،ويدعو فلا يستجاب له، ولربما حدث هذا مع أهل الكوفة بسبب ما خاضوا من حروب من إمامهم، إلا أنهم رأوها عندما فكروا أنها بين المسلمين بعضهم مع بعض، وبسبب الحزن الذي أصابهم بعدما فقدوا إخوانهم في النهروان، وربما بسبب ما لاحظوه من توقف الفتوحات، وعدم امتداد سلطان الدولة كما كان، بل أخذ في الاضطراب، إذ طمع الروم بثغور الشام فأسكتهم معاوية بدفع جزء من المال ريثما تنتهي أوضاع المسلمين، واضطربت ثغور المشرق على عمال علي وكان يكلفه العناء الكبير حتى يهدأ الوضع وتستقر الحال.

وربما كان بسبب أوضاعهم المادية الحسنة إذ كان علي رضي الله عنه يقسم لهم المال باستمرار، ويعطيهم أعطياتهم، ويحب بين المدة والمدة أن يكنس بيت المال ويصلي فيه ركعتين، فلربما وجدوا في ذلك راحة مغرية، ودعة مطمعة فأخلدتهم إلى الأرض، ورغبتهم في الاستقرار. وكل هذا يجعل أمر علي صعباً وحياته قاسية وفي الوقت نفسه يبعد التفكير عند معاوية عن البيعة والدخول فيما دخل فيه الناس، حيث يرى أن وضع الخليفة غير مستقر، وكلمته غير مسموعة، وعدداً من الصحابة لم يبايعوا ...

وظهر علي أنه قد انتهى من الخوارج في النهروان، إلا أنه قد تبين له بعد حين أنه ما انتهى إلا من عدد قليل منهم أو جزء منهم، وأن في معسكره في الكوفة عدداً منهم، وكانوا يجاهرون برأيهم، ويناقشونهم، وهذا ما زاده إلا غماً على غم، ولما رأى ما رأى، ونظر إلى أنه يدعو فلا يستجاب له، لذا كان هادئ الطبع يناقشهم ويستمع إليهم، ولا يمنع عنهم أعطياتهم، وكانوا يعايشونه ويعايشون عامله على البصرة، ويخرجون تحت جنح الظلام ليلتقي بعضهم مع بعض، وقد يعيشون الفساد، ويقتلون إن رأوا مسلماً، فكان علي لذلك يتمنى الموت، ويقول : ما يؤخر أشقاها؟ أي ما يمنع أشقى الناس أن يقتله، ويريحه مما يجد من أصحابه، وكان يعلم أنه سيموت شهيداً حسبما أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه سيقتله أشقى الأمة.

وأصبح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الكوفة، وواليه عبدالله بن عباس في البصرة يأمران فلا يجابان، الأمر الذي جعل عبدالله بن عباس يفكر في الخلاص مما هو فيه كما يفكر الخليفة بالذات، ويقال إن ابن عباس قد ترك الولاية لزياد بن أبيه، وارتحل إلى مكة، ليعيش فيها بعد أن أعياه أصحابه، والحقيقة أنه لم يترك، بل بقي فيها حتى قتل الخليفة، بل وحتى بايع الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان، ثم سافر بعد ذلك إلى مكة، ولربما لو كان علي وزيراً لفعل ذلك لشدة ما وجد من رعاياه، ولكن الأمير لا يمكن أن يفعل ذلك.

ووجد جند الشام أن الخليفة لا يطاع، ولم يعد له إلا الرمز في السياسة الشامية، ولكنه يقوم بادارة البلاد بكل حزم، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، فأمعنوا في المعارضة. فاستطاع عمرو بن العاص أن يدخل مصر، وأن يحكمها بعد مقتل محمد بن أبي بكر والي علي عليها، ولم يستطع الاشتر النخعي أن يصل إليها، إذ مات بالطريق وهو إليها وذلك عام 38 هـ، إذا أن الأشتر كان مع علي في صفين فلما عاد منها أعاده إلى عمله بالجزيرة أميراً على مدينة (نصيبين) ثم وجهه إلى مصر فمات مسموماً. أما قيس بن سعد بن عبادة فكان على شرطة علي.

أرسل معاوية بن أبي سفيان إلى البصرة عبدالله بن عامر الحضرمي حيث يوجد في هذا المصر من يطالب بثأر سيدنا عثمان، ومن نكب في معركة الجمل، فحدثت اضطرابات، ولكن لم يصل إلى نتائج مرضية له.

وفي عام 39 هـ، فرق معاوية جيشه على أطراف أملاك علي، فأرسل النعمان بن بشير في ألفي رجل إلى عين التمر، وأرسل سفيان بن عوف في ستة آلاف إلى هيت، فلم يجد بها أحداً، فسار إلى الأنبار فأغار عليها ثم عاد. وأرسل الضحاك بن قيس إلى جهات تدمر، ولكنه هزم أمام حجر بن عدي الكندي قائد علي. وأرسل عبدالله بن مسعدة الفزاري في ألف وسبعمائة رجل إلى تيماء، وكانت غارات أهل الشام هذه أن زادت أهل العراق خوفاً، ورغبة في السلم، وعدم نهوض إلى القتال.

وأرسل معاوية يزيد بن شجرة الرهاويأميراً علىالموسم ليقيم للناس حجهم، فلما دنا من مكة خافه قثم بن العباس عامل علي عليها فاعتزله، وتوسط الناس في الأمر، واختاروا عثمان بن أبي طلحة أميراً للحج في ذلك العام 39 هـ، وعرف علي مسير يزيد بن شجرة فندب الناس لرده فتثاقلوا، ثم أرسل معقل بن قيس في جند فوصلوا عندما كان الموسم قد انتهى، ولكنهم أدركوا مؤخرة يزيد، فأسروا نفراً منهم، وعادوا بهم إلى الكوفة.

ولما اختلف الناس على علي، طمع أهل فارس وأهل كرمان فحجبوا الخراج، وطردوا سهل بن حنيف عامل علي هناك، فبعث إليهم علي زياد بن أبيه فأعاد الأمن وضبط المنطقة.

وفي عام 40 هـ أرسل معاوية بن أبي سفيان بسر بن أبي أرطأة إلى الحجاز في ثلاثة آلاف رجل، فدخل المدينة، وخرج منها عامل علي أبو أيوب الانصاري خالد بن زيد، واتجه إلى الكوفة، وبايع أهل المدينة بسراً ومنهم بعض الصحابة أمثال جابر بن عبدالله، وعبدالله بن زمعة، وعمر بن أبي سلمة، وذلك برأي أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها إذ خافت عليهم، وخافوا على أنفسهم.

ثم انطلق بسر بن أبي أرطأة إلى مكة المكرمة فخافه أبو موسى الأشعري، إلا أنه عفى عنه، ومن مكة سار بسر إلى اليمن التي عليها عبيدالله بن عباس من قبل علي، وكان قد لقي من أهلها فظاظة فكتب إلى أمير المؤمنين بذلك، فأرسل إليهم يستصلحهم، ولكن لم تصلح معهم الرأفة والرحمة، فههدهم فخافوه، فكتبوا إلى معاوية يستنصرونه فسار إليهم من مكة بسر، وهو يريد الايقاع بهم، وهمّ أن يقسو على أهل الطائف إلا أن المغيرة بن أبي شعبة نصحه فعدل عن رأيه، ولما وصل إلى اليمن كان عبيد الله بن عباس قد غادرها إلى الكوفة بعد أن استخلف عبدالله بن عبدالله المدان إلا أن بسراً قد دخلها، وأرسل علي إلى جزيرة العرب جارية بن قدامة، ومعه ألفان، ووهب بن مسعود ومعه ألفان، وسار جارية حتى أتى نجران، ففرّ بسر إلى مكة، فتبعه جارية فدخلها، وطلب من أهلها البيعة، فقالوا له : هلك أمير المؤمنين، فقال : بايعونا لمن بايع له أصحاب علي فبايعوه، ثم سار جارية إلى المدينة فدخلها وكان يصلي بالناس أبو هريرة رضي الله عنه، ثم بايع أهل المدينة الحسن بن علي.

كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه خلال هذه المدة كلها لا تشغله الأمور السياسية، ولا تحرفه عن طريق تصرفات أصحابه وتخاذلهم، ولا يمنعه ما لقي من بعض الولاة أن يتبع الصراط المستقيم وأن ينطلق من خلال فقهه وعلمه، فقد كان عمر بن الخطاب يقول : علي أقضانا، وقد سار علي في الناس سيرة عمر التي عرفت بالحزم، فقد منع الصحابة من مغادرة المدينة، وكان يحمل الدرة ويؤدب الناس بها، ثم الخيزرانة عندما لم تجد الدرة، ويمر بالأسواق، وينظر في الأسعار ويراقبها، ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ويجلس للناس في المسجد يحل مشكلاتهم، ويقضي لهم، ويعظ الناس، ويخطبهم.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:55 AM
مقتل علي :

اجتمع عدد من الخوارج فتذاكروا فيما آل إليه أمر المسلمين، وتذكروا قتلاهم يوم النهروان، فثارت بهم الحمية، ورأوا أن علياً ومعاوية وعمراً من أسباب بلاء الأمة -حسب رأيهم وما توصلوا اليه- لذا قرروا التخلص منهم. فتعهد عبدالرحمن بن ملجم المرادي علياً، وأخذ البرك بن عبدالله على عاتقه قتل معاوية، ووعد عمرو بن بكر التميمي بالتخلص من عمرو بن العاص، وتواعدوا كتم أمرهم، وأن يسير كل حسب جهته الموكل بها، وأن يكون موعدهم لتنفيذ الخطة صلاة الفجر من يوم 17 رمضان سنة 40 هـ.

ومرّ عبدالرحمن بن ملجم على تيم الرباب فوجد بينهم فتاة رائعة الجمال تدعى قطام ابنة الشجنة وكانت ممن أصابها وأصاب قومها النكبات يوم النهروان : فخطبها ابن ملجم، فاشترطت عليه مهراً كبيراً مقداره ثلاث آلاف دينار وعبد وقينة ثم رأس علي، فوافقها وأسرّ لها مهمته بعد أن قال لها : هذا طلب من لا تريد العيش مع زوجها، فأجابته : إن نجوت عشنا خير حياة، وإلا فزت بالجنة -حسب زعمها- وهو في الواقع أشقى من عليها. وجاء اليوم الذي اتفقوا عليه، فضرب ابن ملجم علي بسيفه المسموم فقتله، وأما معاوية فأصابه يومها البرك بن عبدالله في إليته، فنجا بعد مداواة، فاتخذ بعدها المقصورة، وأما عمرو بن العاص فلم يخرج يومها للصلاة لمرض أصابه، وكلّف مكانه صاحب شرطته خارجة بن حذافة فقتل.

ودخل جندب بن عبدالله على علي بعد إصابته فقال له : يا أمير المؤمنين إن فقدناك ولا نفقدك فنبايع الحسن، فقال : ما آمركم ولا أنهاكم أنتم أبصر. ونهى علي عن المثلة بقاتله وقال : إن مت فاقتلوه بي، وإن عشت رأيت رأيي فيه. ثم لم يلبث أن توفي، وغسله الحسن والحسين وعبدالله بن جعفر، وكفن، وكثرت الروايات حول دفنه، الأمر الذي جعل قبره مجهول المكان.

واتجه الناس إلى الحسن فبايعوه وكان أول من بايعه قيس بن سعد، وبقي الحسن في الخلافة ستة أشهر رأى خلالها تخاذل أصحابه، وضرورة اتفاق الأمة، فآثر الصلح، ودعا معاوية إليه فوافق، وتنازل الحسن له في 25 ربيع الأول عام 41 هـ، ودخل معاوية الكوفة، وانتقل الحسن والحسين إلى المدينة. ويبدو أن الحسين لم يكن برأي أخيه وكذا قيس بن سعد.

وهكذا انتهت مدة الخلافة الراشدة التي سارت على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبدأت بعدها زاوية الانحراف تنفرج تدريجياً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:58 AM
الدولة الأموية

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:23 AM
معاوية بن أبي سفيان

ترجمته:

هو معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف« ولد بمكة قبل الهجرة بخمس عشرة سنة وفي يوم الفتح كان سنه 23سنة وفي ذلك اليوم دخل في الإسلام مع من أسلم من مسلمة الفتح وكان بعد إسلامه يكتب بين يدي رسول اللَّه r ، وفي خلافة أبي بكر ولاه قيادة جيش مدداً لأخيه يزيد بن أبي سفيان وأمره أن يلحق به فكان غازياً تحت إمرة أخيه وكان على مقدمته في فتح مدن صيدا وعرقه وجبيل وبيروت وهي سواحل دمشق ثم ولاه عمر ولاية الأردن« ولما توفي يزيد في طاعون عمواس ولاه عمر بن الخطاب عمل يزيد على دمشق وما معها« وفي عهد عثمان جمع لمعاوية الشام كلها فكان ولاة أمصارها تحت إمره، وما زال والياً حتى استشهد عثمان بن عفان وبويع علي بالمدينة فرأى أن لا يبايعه لأنه اتهمه بالهوادة في أمر عثمان وإيواء قتلته في جيشه وبايعه أهل الشام على المطالبة بدم عثمان وكان وراء ذلك أن حاربه علي بن أبي طالب في صفين وانتهت الموقعة بينهم بالتحكيم فلما اجتمع الحكمان واتفقا على خلع علي ومعاوية من الخلافة وأن يكون أمر المسلمين شوري ينتخبون لهم من يصلح لإمامتهم بايع أهل الشام معاوية بالخلافة فصار معاوية إمام أهل الشام وعلي إمام أهل العراق وما زال الخلاف محتدماً بينهما حتى قتل علي بن أبي طالب وسلم ابنه الحسن بن علي الخلافة إلى معاوية، وحينئذ اجتمع على بيعة معاوية أهل العراق والشام وسمي ذلك العام الحادي والأربعون من الهجرة عام الجماعة لاتفاق كلمة المسلمين بعد الفرقة وبذلك يكون ابتداء خلافة معاوية الخلافة العامة في ربيع الأول سنة 41.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:25 AM
طريقة انتخاب معاوية:

لم ينتخب معاوية للخلافة انتخاباً عاماً يعني من جميع أهل الحل والعقد من المسلمين وإنما انتخبه أهل الشام للخلافة بعد صدور حكم الحكمين، ولا يعتبره التاريخ بذلك خليفة، فلما قتل علي بن أبي طالب وبايع جند العراق ابنه الحسن رأى من مصلحة المسلمين أن يبايع معاوية ويسلم الأمر إليه، فبايعه في ربيع الأول سنة 41 فبيعته اختيار من أهل الشام وبطريق الغلبة والقهر من أهل العراق، إلا أنها انتهت في الآخر بالرضا عن معاوية والتسليم له في جميع الأمة ما عدا الخوارج.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:26 AM
حالة الأمة عند استلام معاوية الأمر:

تولى معاوية أمر الأمة، وهي أقسام ثلاثة:

القسم الأول: شيعة بني أمية من أهل الشام ومن غيرهم في سائر الأمصار الإسلامية.

القسم الثاني: شيعة علي بن أبي طالب وهم الذين كانوا يحبونه ويرون أنه أحق بالأمر من معاوية وغيره وأن أعاقبه أحق بولاية أمر المسلمين من غيرهم ومعظمهم هؤلاء كان ببلاد العراق وقليل منهم بمصر.

القسم الثالث: الخوارج وهم أعداء الفريقين يستحلون دماء مخالفتهم ويرونهم مارقين من الدين، وهم أشداء الشكيمة متفانون فيما يعتقدون، يرون أن أول واجب عليهم قتال معاوية ومن تبعه وقتال شيعة علي لأن كلا قد ألحد على زعمهم في الدين ومع ما بينهم من هذا التباين كانت أمة متمتعة بصفة الشجاعة والإقدام، ومثل هذه الأمة تحتاج لسياسة حكيمة في إدارة شؤونها وإفاضة ثوب من الأمن عليها، أما معاوية نفسه فلم يكن أحد أوفر منه يداً في السياسة، صانع رؤس العرب وقروم ومضر بالأعضاء والاحتمال والصبر على الأذى والمكروه، وكانت غايته في الحلم لا تدرك وعصابته فيه لا تنزع ومرقاته فيه نزل عنها الأقدام.

كان الذي يهم معاوية ويقلقه أمر الخوارج لأنهم قوم قلما ينفع معهم حسن السياسة لأنهم قوم غلو في الدين غلواً عظيماً وفهموا كثيراً منه على غير وجهه، ففرقوا كلمة الأمة ورأوا من واجبهم استعراض الأنفس وأخذ الأموال. ولنبدأ بذكر أخبارهم لبيان تفاصيل أحوالهم.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:27 AM
الخوارج:

لما بويع معاوية بالكوفة كان فروة بن نوفل الأشجعي معتزلاً في 500 من الخوارج فرأوا أن الوقت قد حان لتجريد السيف فأقبلوا حتى نزلوا النخيلة فأرسل إليهم معاوية جمعاً من أهل الشام فانهزم أهل الشام أمامهم، فقال معاوية لأهل الكوفة واللَّه لا أمان لكم عندي حتى تكفونهم، فخرج إليهم أهل الكوفة فقال لهم الخوارج أليس معاوية عدونا وعدوكم دعونا حتى نقاتله فإن أصبناه كنا قد كفيناكم عدوكم، وإن أصابنا كنتم قد كفيتمونا فقالوا لا بد لنا من قتالكم فأخذت أشجع صاحبهم فروة قهراً وأدخلوه الكوفة، فولى الخوارج عليهم عبد اللَّه بن أبي الحوساء الطائي فقاتلهم أهل الكوفة فقتلوهم، وكان ابن أبي الحوساء قد خوف بالصلب فقال:

ماذا فعلتم بأوصال وأبشار

ما إن أبالي إذا أرواحنا قبضت

والشمس والقمر الساري بمقدار

تجري المجرة والنسران عن قدر

أن السعيد الذي ينجو من النار

وقد علمت وخير القول أنفعه


فلما قتل ابن الحوساء ولي الخوارج أمرهم حوثرة الأسدي فسار حتى قدم النخيلة في 150 وانضم إليه فل ابن الحوساء وهم قليل فقال معاوية لأبي حوثرة اكفني أمر ابنك فسار إليه أبوه فدعاه إلى الرجوع فأبى فأداره.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:28 AM
تولية زياد بن سمية والمغيرة بن شعبة بلاد العراق:

ثم توالت الخوارج حتى أخافوا بلاد العراق فرأى معاوية أنه لا بد من تولية العراق رجالاً ذوي قدرة وحكمة يأخذون على أيدي السفهاء ويشتدون في طلب المريب فاختار رجلين كلاهما قد عرف بالسياسة وحسن الرأي وهما زياد بن سمية والمغيرة بن شعبة.

فأما زياد فقد كان من شيعة علي وكان والياً على فارس وقُتل علي وهو بها فذكر معاوية اعتصامه بفارس وأمهم ذلك فجعل المغيرة وسيطاً استقدامه فأتى المغيرة زياداً وقال له إن معاوية استخفه الوجل حتى بعثني إليك ولم يكن أحد يمد يده إلى هذا الأمر غير الحسن وقد بايع فخذ لنفسك قبل التوطين فيستغين عنك معاوية فقال زياد أشر علي وأرم الغرض الأقصى فإن المستشار مؤتمن فقال له المغيرة أرى أن تصل حبلك بحبله وتشخص إليه.

وكتب إليه معاوية بأمانة بعد عودة المغيرة فخرج زياد من فارس حتى أتى معاوية فسأله عن أموال فارس فأخبره بما أنفق منها وبما حمل إلى علي وبما بقي عنده، فصدقه معاوية وقبض منه ما بقي عنده.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:29 AM
توليته البصرة وخراسان وسجستان:

وفي السنة الخامسة والأربعين ولاه معاوية البصرة وخراسان وسجستان فقدم البصرة آخر شهر ربيع الأول سنة 45 والفسق ظاهر فاش فيها فخطبهم خطبته الشهيرة بالبتراء، وإنما قيل لها ذلك لأنه لم يحمد اللَّه فيها. ولما في هذه الخطبة من روائع الكلم وبديع الحكم، وبيان سياسته في حكم البلاد، أحببنا إيرادها أولها قال:

أما بعد فإن الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والغي الموفى بأهله على النار ما فيه سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور والعظام ينبت فيها الصغير ولا يتحاشى عنها الكبير كأنكم لم تقرءوا كتاب اللَّه ولم تسمعوا ما أعده من الثواب الكريم لأهل طاعته والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمدي الذي لا يزول. أتكونون كم طرفت عينيه في الدنيا وسدت مسامعه الشهوات واختار الفانية على الباقية ولا تظنون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله؛ ما هذه المواخير المنصوبة الضعيفة المسلوبة في النهار المبصر والعدد غير قليل؟

وكان زياد أول من شدد أمر السلطان وأكد الملك لمعاوية وجرد سيفه وأخذ بالظنة وعاقب على الشبهة وخافه الناس خوفاً شديداً حتى أمن بعضهم بعضاً وحتى كان الشيء يسقط من يد الرجل أو المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأتيه صاحبه فيأخذه. ولا يغلق عن أحد بابه وأدر العطاء وبني مدينة الرزق وجعل الشرط أربعة آلاف.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:30 AM
معاملة زياد مع الخوارج:

قال أبو العباس المبرد في صفة زياد ومعاملته للخوارج كان يقتل المعلن ويستصلح المسر ولا يجرد السيف حتى تزول التهمة.

وبلغ زياداً عن رجل يكنى أبا الخير من أهل البأس والنجدة أنه يرى رأي الخوارج فدعاه فولاه جند نيسابور وما يليها ورزقه أربعة آلاف درهم كل شهر وجعل عمالته في كل سنة مائة ألف، فكان أبو الخير يقول ما رأيت شيئاً خيراً من لزوم الطاعة والتقلب بين أظهر الجماعة لم يزل والياً حتى أنكر منه زياد شيئاً فتنمر لزياد فحبسه فلم يخرج من حبسه حتى مات.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:32 AM
تولية زياد الكوفة:

وفي سنة 50 أضاف معاوية إلى زياد ولاية الكوفة بعد موت المغيرة بن شعبة فصار والي المصرين وهو أول من جمعا له فسار إلى الكوفة فلما وصلها خطب أهلها.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:33 AM
وفاة زياد:

توفي زياد في سنة 53 بالطاعون.

والمطلع على الطريقة التي حكم بها زياد بلاد العراق يراها بمثابة إعلان حكم عرفي فإن أخذ الولي بالمولي والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر والمطيع بالعاصي والصحيح في جسمه بالسقيم أمر ليس جارياً على القانون الشرعي الذي يقصر المسئولية على المجرم وإنما ذلك شيء يلجأ إليه الإداريون لتخفيف آلاف الجرائم وإرهاب الناس حتى يأمن الناس شرهم وفائدة ذلك في الغالب وقتيبة. ومن ذلك وضعه العقوبات التي شرعها للجرائم المحدثة كما قال من نقب عن بيت نقيب عن قلبه ومن نبش قبراً دفنته فيه حياً.

والتاريخ إنما يعطي الإنسان صفة السياسة والحكمة إذا تمكن من إصلاح الفاسد بقليل من العسف لا نقول ذلك هضماً لحق زياد لأنه يعتبر أقل ولاة العراق إسرافاً في الدماء، ولقد بذل من وعده ما يقول بوعيده فقال إنه لا يحتجب عن طالب حاجة وإن أتاه طارقاً بليل ولا يحبس عطاء ولا رزقاً عن إبانه ولا يجمر لهم بعثاً، وهذه الأشياء الثلاثة متى وفرها الوالي وصدقها لا تجد سبباً للثورات ولا الفتن، ولذلك يقول بعض المؤرخين إن زياداً لم يحتج لتنفيذ ما أوعد به من العقوبات إلا قليلاً لأن علمهم بصدقه في الإيعاد أخافهم وأرهبهم وصيرهم يقفون عند الحد المشروع لهم.

وعلى الجملة، فإن عهد زياد بالعراق على ما فيه من قسوة كان عهد رفاهة وأمن، وهذا مما يسطره التاريخ لعرب العراق آسفاً، وذلك أنهم قوم لا يصلحهم إلا الشدة، وإذا وليهم وال فيه لين ورحمة فسدوا وارتكبوا المصاعب وأجرموا إلى الأمراء أو الخلفاء من غير بينة واضحة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:34 AM
حال المغيرة بن شعبة مع الخوارج :

أما المغيرة بن شعبة فكانت سياسته أرفق وألين. أحب العافية وأحسن في الناس السيرة ولم يفش أهل الأهواء عن أهوائهم وكان يؤتي فيقال إن فلاناً يرى رأي الشيعة وإن فلاناً يرى رأي الخوارج، فكان يقول قضى اللَّه أن لا يزالوا مختلفين وسيحكم اللَّه بين عبادهفيما كانوا فيه يختلفون فأمنه الناس وكانت الخوارج يلقي بعضهم بعضاً، ويتذاكرون مكان إخوانهم بالنهروان، ويرون أن في الإقامة الغبن والوكف وأن في الجهاد أهل القبلة الفضل والأجر.

وقد فزع الخوارج في عهده إلى ثلاثة نفر، منهم المستورد بن علفة التميمي، من تيم الرباب، وحيان بن ظبيان السلمي، ومعاد بن جوين بن حصين الطائي فولوا أمرهم بعد الشورى المستورد بن علفة لأنه كان أسن القوم واتعدوا أن يتجهزوا ويتيسروا ثم يخرجوا في غرة الهلال هلال شعبان سنة 43 فكانوا في جهازهم وعدتهم فجاء رئيس شرطة المغيرة إليه وأخبره أن القوم مجتمعون في منزل حيان بن ظبيان وأنهم اتعدوا الخروج في هلال شعبان فأمره المغيرة أن يسير بالشرطة ويحيط بدار حيان ويأتيه بهم فسار رئيس الشرطة وأحاط بدار حيان وقبض على المجتمعين هناك.

فقال لهم المغيرة ما حملكم على ما أردتم من شق عصا المسلمين فقالوا ما أردنا من ذلك شيئاً ومن الغريب أنهم يكذبون مع أن الخوارج تبورأ من الكاذب. قال المغيرة بلى قد بلغني ذلك عنكم قد صدق ذلك عندي جماعتكم.

قالوا له أما اجتماعنا في هذا المنزل فإن حيان بن ظبيان أقرؤنا للقرآن فنحن نجتمع عنده في منزله فنقرأ القرآن عليه فأمر بهم إلى السجن فلم يزالوا فيه نحواً من سنة وسمع إخوانهم بأخذهم فحذروا وخرج المستورد وأصحابه فبلغ الخبر المغيرة أن الخوارج خارجة عليه في أيامه تلك وأنهم قد اجتمعوا على رجل فقام في أهل الكوفة خطيباً فقال:

أما بعد فقد علمتم أيها الناس أني لم أزل أحب لجماعتكم العافية وأكف عنكم الأذى وإني واللَّه لقد خشيت أن يكون أدب سوء لسفهائكم فأما الحلماء الأتقياء فلا وايم اللَّه لقد خشي أن لا أجد بداً من أن يعصب الحليم التقي بذنب السفيه الجاهل فكفوا أيها الناس سفهاءكم قبل أن يشمل البلاء عوامكم وقد ذكر لي أن رجالاً منكم يريدون أن يظهروا في المصر بالشقاق والخلاف وايم اللَّه لا يخرجون في حي من أحياء العرب في هذا المصر إلا أبدتهم وجعلتهم نكالاً لمن بعدهم فنظر قوم لأنفسهم قبل الندم فقد قمت هذا المقام إرادة الحجة والإعذار.

فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال أيها الأمير هل سمى لك أحد من هؤلاء القوم فإن كانوا سموا لك فأعلمنا من هم فإن كانوا منا كفياكهم وإن كانوا من غيرنا أمرت أهل الطاعة من أهل مصرنا فأتتك كل قبيلة بسفهائها فقال ما سمي لي أحد منهم ولكن قد قيل لي إن جماعة يريدون أن يخرجوا بالمصر، فقال معقل أصلحك اللَّه، فإني أسير في قومي وأكفيك ما هم فيه فليكفك كل امرىء من الرؤساء قومه. فنزل المغيرة وأرسل إلى الرؤساء وقال لهم لكيفيني كل امرىء من الرؤساء قومه وإلا فوالذي لا إله غيره لأتحولن عما كنت تعرفون إلى ما تنكرون وعما تحبون إلى ما تكرهون فلا يلم لائم إلا نفسه وقد أعذر من أنذر فخرجت الرؤساء إلى عشائرهم فناشدوهم اللَّه والإسلام إلا دلوهم على من يرون أنه يهيج فتنة أو يفارق جماعة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:35 AM
ولاية عبيد اللَّه بن زياد البصرة:

من ولاة العراق الأشداء عبيد اللَّه بن زياد ولاه معاوية البصرة سنة 55 وقد اشتد على الخوارج شدة لم يفعلها أبوه زياد فقتل منهم سنة 58 جماعة كثيرة صبراً وفي الحرب جماعة أخرى. وممن قتل صبراً عروة بن أدية، أخو أبي بلال مرداس بن أدية.

ولم يزل عبيد اللَّه على البصرة حتى توفي معاوية.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:36 AM
مصر:

وفي مصر كان الوالي عمرو بن العاص فاتحها وأعرف الناس بها ولم يزل والياً عليها حتى مات سنة 43 فولي بدله ابنه، ثم عزله بعد ذلك وولي غيره.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:37 AM
الحجاز:

أما الحجاز فكان ولائه ولاء دائماً من بني أمية وكانت ولاية المدينة بين مروان بن الحكم وسعيد بن العاص يتداولانها وكان معاوية إذا أراد أن يولي رجلاً من بني حرب ولاه الطائف فإن رأى منه خيراً وما يعجبه ولاه مكة معها فإن أحسن الولاية وقام بما ولي قياماً حسناً جمع له معهما المدينة، فكان إذا ولي الطائف رجلاً قيل هو في أبي جاد، فإذا ولاه مكة قيل هو في القرآن، فإذا ولاه المدينة قيل هو قد حذق، وكان ولاة المدينة في الغالب هم الذين يقيمون للناس الحج فإن معاوية لم يحج بنفسه إلا مرتين سنة 44 وسنة 50 وفيما عداهما كان يقيمه هؤلاء الولاة وكلهم من بني أمية.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:38 AM
الفتوح في عهد معاوية:

لم يكن في الشرق على حدود بلاد الفرس إلا فتوح قليلة والذي كان إنما هو إرجاع الناكثين من أهل تلك البلاد إلى الطاعة وغزا عبد اللَّه بن سوار العبدي الذي كان أميراً على ثغر السند القيقان مرتين وفي المرة الثانية استعان القيقان بالترك فقتلوه وغزا المهلب بن أبي صفرة الأزدي ثغر السند فأتى بتة ولاهور وهما بين الملتان وكابل فلقيه العدو وقاتله ولقي المهلب ببلاد القيقان ثمانية عشر فارساً من الترك فقاتلوه فقتلوا جميعاً فقال المهلب ما جعل هؤلاء الأعاجم أولى بالتشمير منا فحذف الخيل وكان أول من حذفها من المسلمين.

وكانت همة المسلمين موجهة نحو الشمال والغرب حيث مملكة الروم. كان على عهد معاوية من ملوك الروم ملكان أحدهما قسطنطين الثاني ابن هرقل الثاني الذي ولي الملك من سنة 641 م إلى سنة 668 م، وقسطنطين الرابع بوغاناتس الذي ولي من سنة 668 م إلى سنة 685 م ودولة الروم لم تزل فيها الحياة تغير على البلاد الإسلامية لما بينهما من الجوار.

فرتب معاوية الغزو إليها براً وبحراً أما البحر فكانت الأساطيل في زمنه كثيرة لاهتمامه بأمرها وساعده على ذلك كثرة الغابات بجبال لبنان حتى بلغت أساطيله 1700 ألفاً وسبعمائة سفينة كاملة العدد والعدد وصار يسيرها في البحر فترجع غانمة وافتتح بها عدة جهات منها جزيرة قبرص وبعض جزائر اليونان وجزيرة رودس افتتحها جنادة بن أبي أمية الأزدي ونزلها المسلمون وهم على حذر من الروم وكانوا أشد شيء على الروم يعترضونهم في البحر ويأخذون سفنهم وكان معاوية يكثر لهم العطاء وكان العدو قد خافهم.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:39 AM
محاولة فتح القسطنطينية:

وأما في البر فرتب الشواتي _ جمع شاتية وهي الجيش الذي يغزو في الشتاء _ والصوائف _ جمع صائفة وهي الجيش الذي يغزو في الصيف _ فكانت الغزوات متتابعة والثغور محفوظة من العدو. وفي سنة 48 جهز معاوية جيشاً عظيماً لفتح القسطنطينية براً وبحراً وكان على الجيش سفيان بن عوف وأمر ابنه يزيد أن يغزو معهم وكان في هذا الجيش ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وغيرهم وعبد العزيز بن زرارة الكلابي فساروا حتى بلغوا القسطنطينية فاقتتل المسلمون والروم في بعض الأيام واشتدت الحرب بينهم فلم يزل عبد العزيز يتعرض للشهادة فلم يقتل.

ثم حمل على من يليه فقتل فيهم وانغمس بينهم فشجره الروم برماحهم حتى قتلوه فبلغ خبر قتله معاوية فقال لأبيه واللَّه هلك فتى العرب فقال ابني أو ابنك قال ابنك فآجرك اللَّه.

ولم يتمكن هذا الجيش من فتح القسطنطينية لمتانة أسوارها ومنعة موقعها وفتك النار الإغريقية بسفنهم، وفي أثناء الحصار توفي أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد وهو الذي نزل عليه رسول اللَّه r بالمدينة حينما هاجر وقد دفن خارج المدينة قريباً من سور القسطنطينية ولا يزال قبره بها يزار للآن وعليه مسجد مشيد يتوج فيه خلفاء آل عثمان ثم اضطر المسلمون للعودة إلى الشام بعد أن فقدوا كثيراً من جنودهم ومراكبهم.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:40 AM
فتوح إفريقية:

ومن الفتوح العظيمة ما كان في إفريقية ففي سنة 50 ولي معاوية عقبة بن نافع وكان مقيماً ببرقة وزويلة مذ فتحها أيام عمرو بن العاص وله في تلك البلاد جهاد وفتوح، فلما استعمله معاوية سير إليه عشرة آلاف فدخل إفريقية وانضاف من أسلم من البربر فكثر جمعه ووضع السيف في أهل البلاد لأنهم كانوا إذا دخل عليهم أمير أطاعوا وأظهر بعضهم الإسلام فإذا عاد الأمير عنهم نكثوا وارتد من أسلم ثم رأى أن يتخذ مدينة يكون بها عسكر المسلمين وأهلهم وأموالهم ليأمنوا من ثورة تكون من أهل البلاد فقصد موضع القيروان وكان دجلة مشتبكة فقطع الأشجار وأمر ببناء المدينة فبنيت وبنى المسجد الجامع وبنى الناس مساجدهم ومساكنهم وكان دورها 3600 باع وتم أمرها سنة 55 وسكنها الناس وكان في أثناء عمارة المدينة يغزو ويرسل السرايا فتغير ودخل كثير من البربر في الإسلام واتسعت خطة المسلمين وقوي جنان من هناك من الجنود بمدينة القيروان وأمنوا واطمأنوا على المقام فثبت الإسلام فيها.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:41 AM
البيعة ليزيد بولاية العهد:

فكر معاوية أن يأخذ على الناس البيعة ليزيد ابنه بولاية العهد وكان الواضع لهذه الفكرة المغيرة بن شعبة قبل وفاته، دخل على يزيد وقال له قد ذهب أعيان أصحاب رسول اللَّه r وكبراء قريش وذوو أسنانهم وإنما بقي أباؤهم وأفضلهم وأحسنهم رأياً وأعلمهم بالسنة والسياسة، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة. قال أو ترى ذلك يتم؟ قال نعم. فأخبر يزيد أباه بما قال المغيرة فأحضره معاوية وسأله عما قال ليزيد، فقال قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان وفي يزيد منك خلف فاعقد له فإن حدث بك حادث كان كهفاً للناس وخلفاً منك ولا تسفك دماء ولا تكون فتنة. قال ومن لي بذلك قال أكفيك أهل الكوفة، ويكفيك زياد أهل البصرة، وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك. قال فارجع إلى عملك وتحدث مع من تثق به في ذلك؟ وترى ونرى.

فسار المغيرة إلى الكوفة وذاكر من يثق به ومن يعلم أنه شيعة لبني أمية، أمر يزيد، فأجابوا إلى بيعته فأوفد منهم وفداً عليهم ابنه موسى فقدموا على معاوية فزينوا له بيعة يزيد فقال معاوية لا تعجلوا بإظهار هذا وكونوا على رأيكم. فرجعوا وقوي عزم معاوية على البيعة ليزيد، فأرسل إلى زياد يستشيره فأحضر زياد عبيد بن كعب النميري وقال إن لكل مستشير ثقة ولكل سر مستودعاً. وإن الناس قد أبدع بهم خصلتان إذاعة السر وإخراج النصيحة إلى غير أهلها وليس موضوع السر إلا أحد رجلين رجل آخرة يرجو ثوابها ورجل دنيا له شرف في نفسه وعقل يصون حبسه قد خبرتهما عنك وقد دعوتك لأمر اتهمت عليه بطون الصف، إن أمير المؤمنين كتب إلي يستشيرني في البيعة ليزيد، إنه يتخوف نفرة الناس ويرجو طاعتهم وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم ويزيد صاحب رسلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد فالق أمير المؤمنين وأد إليه فعلات يزيد وقل له رويدك بالأمر فأحرى لك أن يتم لكولا تعجل فإن دركا في تأخير من فوت في عجلة.

وكان معاوية قد كتب إلى عماله بتقريظ يزيد ووصفه، وأن يوفدوا إليه الوفود من الأمصار. فكان فيمن أتاه محمد بن عمرو بن حزم من المدينة والأحنف بن قيس في وفد أهل البصرة، فقال محمد بن عمرو لمعاوية إن كل راع مسؤول عن رعيته فانظر من تولى أمر أمة محمد.

ثم إن معاوية قال للضحاك بن قيس الفهري لما اجتمعت الوفود عنده إني متكلم فإذا سكت فكن أنت الذي تدعو إلى بيعة يزيد وتحثني عليها، فلما جلس معاوية للناس تكلم فعظم أمر الإسلام وحرمة الخلافة وحقها وما أمر اللَّه به من طاعة ولاة الأمر ثم ذكر يزيد وفضله وعلمه بالسياسة وعرض بيعته.

فقام الضحاك فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال يا أمير المؤمنين إن لا بد للناس من وال بعدك وقد بلونا الجماعة والألفة فوجدناهما أحقن للدماء وأصح للدهماء وآمن للسبل وخيراً في العاقبة، والأيام عوج رواجع واللَّه كل يوم هو في شأن، ويزيد ابن أمير المؤمنين في حسن هديه وقصد سيرته أعلى ما علمت، وهو من أفضلنا علماً وحلماً وأبعدنا رأياً فوله عهدك واجعله لنا علماً بعدك ومفزعاً نلجأ إليه ونسكن في ظله، ثم تكلم غيره بمثل كلامه. فقال معاوية للأحنف بن قيس ما تقول يا أبا بحر؟ فقال نخافكم إن صدقنا ونخاف اللَّه إن كذبنا وأنت يا أمير المؤمنين أعلم بيزيد في ليله ونهاره وسره وعلانيته ومدخله ومخرجه فإن كنت تعلمه للَّه وللأمة رضا فلا تشاور فيه، وإن كنت تعلم فيه غير ذلك فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة، وإنما علينا أن نقول سمعنا وأطعنا.

ونقول إن فكر معاوية في اختيار الخليفة يعده حسن جميل وإنه ما دام لم توضع قاعدة لانتخاب الخلفاء ولم يعين أهل الحل والعقد الذين يرجع إليهم الاختيار فأحسن ما يفعل هو أن يختار الخليفة ولي عهده قبل أن يموت لأن ذلك يبعد الاختلاف الذي هو شر على الأمة من جور إمامها وقد فعل معاوية ما يظهر معه أنه لم يستبد بالأمر دون الأمة فطلب وفود الأنصار فحضروا عنده وأجابوه إلى طلبته من بيعة يزيد ابنه والذي ينقده التاريخ من أمره هو:

1.أنه استهان أولئك النفر _ هم: هم عبد اللَّه بن الزبير، وابن عمر، والحسين بن علي _ الذين لم يرضوا بيعة يزيدوهم من سادة الأمة الذين يتطلعون لولاية أمر المسلمين فلم يهم بخلافهم بل ادعى أنهم بايعوا لينال بيعته أهل مكة، وهذا غير لائق بمقام خليفة المسلمين.

2.مما انتقده الناس أنه اختار ابنه للخلافة، وبذلك سن في الإسلام سنة الملك المنحصر في أسرة معينة بعد أن كان أساسه الشورى ويختار من عامة قريش وقالوا إن هذه الطريقة التي سنها معاوية، تدعو في الغالب إلى انتخاب غير الأفضل الأليق من الأمة، وتجعل في أسرة الخلافة الترف والانغماس في الشهوات والملاذ والرفعة على سائر الناس، أما رأينا في ذلك فإن هذا الانحصار كان أمراً لا بد منه لصلاح أمر المسلمين وألفتهم ولم شعثهم فإنه كان كلما اتسعت الدائرة التي منها يختار الخليفة كثر الذين يرشحون أنفسهم لنيل الخلافة، وإذا انضم إلى ذلك اتساع المملكة الإسلامية وصعوبة المواصلات بين أطرافها وعدم وجود قوم معينين يرجع إليهم الانتخاب فإن الاختلاف لا بد واقع، إن أعظم من ينتقد معاوية في تولية ابنه هم الشيعة مع أنهم يرون انحصار ولاية الأمر في آل علي ويسوقون الخلافة في بنية يتركها الأب منهم للابن، وبنو العباس أنفسهم ساروا على هذه الخطة فجعلوا الخلافة حقاً من حقوق بيتهم لا يعدوهم إلى غيرهم. والنتيجة أن ما فعله معاوية كان أمراً لا بد منه مع الحال التي كانت عليها البلاد الإسلامية.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:42 AM
الإنجازات في عهد معاوية:

1ــ من المحدثات الجميلة التي حدثت في عهد معاوية البريد ومعنى ذلك أن تقسم الطرق منازل في كل منزل دواب مهيأة معدة لحمل كتب الخليفة إلى البلدان المختلفة، فتسلم الكتب بالحاضرة فيأخذها صاحب البريد ويمر مسرعاً حتى إذا وصل إلى أول منزلة سلمها لصاحب البريد فيها فيفعل بها كالأول وبذلك كانت تصل الكتب إلى الأمراء والعمال في أسرع وقت يمكن.

2ــ معاوية أول من اتخذ الحرس ولم يكن شيء من ذلك في عهد الخلفاء الراشدين وإنما اتخذه بعد أن كان من إرادة الخارجي قتله.

3ــ اتخذ معاوية ديوان الخاتم. وكان سبب ذلك أنه أمر لعمرو بن الزبير بمائة ألف درهم وكتب له بذلك إلى زياد. ففتح عمرو الكتاب وصير المائة مائتين فلما رفع زياد حسابه أنكرها معاوية وطلبها من عمرو وحبسه فقضاها عنه أخوه عبد اللَّه بن الزبير فأحدث معاوية عند ذلك ديوان الخاتم وحزم الكتب وكانت قبل لا تحزم.

4ــ كان كاتب معاوية سرجون الرومي لأن ديوان الشام كان لعهده بالرومية ويظهر أنه كاتب الخوارج، وكان سرجون صاحب أمره ومدبره ومشيره.

وكان حاجبه سعد مولاه.

وقاضيه فضالة بن عبيد الأنصاري ثم أبو إدريس الخولاني ومعنى ذلك أنه كان قاضي الشام وكان لكل ولاية قاض خاص.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:43 AM
وفاة معاوية:

مرض معاوية بدمشق في جمادي الثانية وكان يزيد ابنه غائباً، فأحضر معاوية الضحاك بن قيس ومسلم بن عقبة المري وأدى إليهما وصيته إلى يزيد وكان فيها: يا بني إني قد كفيتك الشد والترحال ووطأت لك الأمور وذللت لك الأعداء وأخضعت رقاب العرب وجمعت لك ما لم يجمعه أحد، فانظر أهل الحجاز فإنه أصلك وأكرم من قدم عليك منهم وتعاهد من غاب وانظر أهل العراق فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملاً فافعل فإن عزل عامل أسهل من أن يشهر عليك مائة ألف سيف، وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وغيبتك فإن رابك من عدوك شيء فانتصر بهم فإذا أصبتهم فأردد أهل الشام إلى بلادك فإنهم إن قاموا بغير بلادهم تغيرت أخلاقهم. وإني لست أخاف أن ينازعك في هذا الأمر إلا أربعة من قريش الحسين بن علي وعبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر.

فأما ابن عمر فإنه رجل قد وقدته العبادة فإذا لم يبق أحد غيره بايعك.

وأما الحسين بن علي فهو رجل خفيف ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه فإن خرج وظفرت به فأصفح عنه فإن له رحماً ماسة وحقاً عظيماً وقرابة من محمد .

وأما ابن أبي بكر فإن رأى أصحابه صنعوا شيئاً صنع مثله ليس له همة إلا في النساء واللهو.

وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب فذاك ابن الزبير فإن هو فعلها فظفرت به فقطعه إرباً أرباً، واحقن دماء قومك ما استطعت.

ثم مات بدمشق لهلال رجب سنة 60 هـ أبريل سنة 980 م. فخرج الضحاك بن قيس حتى صعد المنبر وأكفان معاوية على يديه فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال إن معاوية كان عود العرب وحد العرب وجد العرب قطع اللَّه به الفتنة وملكه على العباد وفتح البلاد إلا أنه قد مات وهذه أكفانه ونحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره ومخلون بينه وبين عمله ثم هو الهرج إلى يوم القيامة، فمن كان يريد أن يشهده فعنده الأولى وصلى عليه الضحاك وكان قد أرسل الخبر إلى يزيد ثم أقبل يزيد وقد دفن معاوية فأتى قبره فصلى عليه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:45 AM
يزيد الأول:

ترجمته:

هو يزيد بن أبي سفيان، وأمه ميسون بنت بحدل ولد سنة 26 هـ وأبوه أمير الشام لعثمان بن عفان فتربى في حجر الإمارة ولما شب في خلافة أبيه كان يرشحه للإمارة فولاه الحج مرتين وولاه الصائفة وأرسله في الجيش الذي غزا القسطنطينية لأول مرة وكان مغرماً بالصيد وهذا مما أخذه عليه الناس إذ ذاك لأنهم لم يكونوا فارقوا البداوة العربية والجد الإسلامي بعد.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:46 AM
كيفية انتخابه:

عهد إليه أبوه بالخلافة من بعده بعد أن استشار في ذلك وفود الأمصار فبايعه الناس ولم يتخلف عن البيعة إلا نفر قليل من أهل المدينة وهم الحسين بن علي وعبد اللَّه بن الزبير وعبد اللَّه بن عمر.

فلما توفي معاوية لم يكن ليزيد إلا مبايعتهم له فأرسل إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان أمير المدينة يقول له أما بعد فخذ حسيناً وعبد اللَّه بن عمر وابن الزبير أخذاً ليس فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام فلما أتاه نعى معاوية فظع به وكبر عليه فأرسل إلى هؤلاء النفر فأما حسين فجاءه فلما عرض عليه البيعة وأخبره بموت معاوية استرجع وترحم على معاوية وقال أما البيعة فإن مثلي لا يبايع سراً ولا يجتزي بها مني سراً فإذا خرجت إلى الناس ودعوتهم إلى البيعة ودعوتنا معهم كان الأمر واحداً. فقال له الوليد وكان يحب العافية انصرف. وأما ابن الزبير فترك المدينة وذهب إلى مكة وقال إني عائذ بالبيت ولم يكن يصلي بصلاتهم ولا يفيض في الحج بإفاضتهم وكان يقف هو وأصحابه ناحية وخرج من المدينة بعده الحسين بن علي وأخذ معه بنيه وإخوته وبني أخيه إلا محمد بن الحنفية فإنه أبى الخروج معه ونصحه فلم يقبل نصحه.

أما ابن عمر فإنه قال إذا بايع الناس بايعت فتركوه وكانوا لا يتخوفونه ولما بايع الناس بايع هو وابن عباس.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:47 AM
حادثة الحسين:

جاء الحسين مكة فكان أهلها يختلفون إليه ويأتونه ومن بها من المعتمرين وأهل الآفاق وابن الزبير قد لزم جانب الكعبة فهو قائم يصلي عندها عامة النهار ويطوف ويأتي الحسين فيمن يأتيه ولا يزال يشير عليه بالرأي وهو أثقل خلق اللَّه على ابن الزبير لأن أهل الحجاز لا يبايعوه ما دام الحسين بالبلد. لما بلغ أهل الكوفة موت معاوية وبيعة يزيد أرجفوا بيزيد واجتمعت الشيعة إلى منزل كبيرهم سليمان بن صرد الخزاعي واتفقوا أن يكتبوا إلى الحسين يستقدمونه ليبايعوه، فكتبوا إلى نحواً من 150 صحيفة. ولما اجتمعت الكتب عنده كتب إليهم أما بعد فقد فهمت كل الذي اقتصصتم وقد بعثت إليكم بأخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم فإن كتب إلي أنه قد اجتمع رأى ملئكم وذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم أقدم إليكم وشيكاً إن شاء اللَّه فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب والقائم والدائن بدين الحق والسلام. ثم دعا الحسين مسلم بن عقيل فسيره نحو الكوفة. وأمره بتقوى اللَّه وكتمان أمره واللطف، فإن رأى الناس مجتمعين عجل إليه بذلك فسار مسلم نحو الكوفة وأميرها النعمان بن بشير الأنصاري فأقبلت إليه الشيعة تختلف إليه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:49 AM
خروج الحسين إلى الكوفة:

أما أمر الحسين فإنه لما عزم على المسير إلى الكوفة جاءه عمرو بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له بلغني أنك تريد العراق وإني مشفق عليك أن تأتي بلداً فيه عماله وأمراؤه ومعهم بيوت الأموال، وإنما الناس عبيد الدرهم والدينار فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه فجزاه الحسين خيراً.

وجاءه ابن عباس فقال له قد أرجف الناس أنك تريد العراق فخبرني ما أنت صانع؟ فقال قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين فقال له ابن عباس أعيذك باللَّه من ذلك خبرني رحمك اللَّه أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم فإن كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم وعماله تجبي بلادهم فإنما دعوك إلى الحرب ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك ويستنفروا إليك فيكونوا أشد الناس عليك، فقال الحسين فإني أستخير اللَّه وأنظر ما يكون.

ثم جاءه ابن عباس ثاني يوم فقال يا ابن عم إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال. فإن أهل العراق قوم غدر فلا تقربنهم أقم بهذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عاملهم وعدوهم، ثم اقدم عليهم فإن أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فإن بها حصوناً وشعاباً وهي أرض عريضة طويلة ولأبيك بها شيعة وأنت عن الناس في عزلة فتكتب إلى الناس وترسل وتبث دعاتك فإني أرجوك أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية.

فلم يسمع منه الحسين فقال له ابن عباس فإن كنت سائراً فلا تسر بنسائك وصبيتك فإني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه فلم يفد كلامه شيئاً.

ثم سار بأهله وأولاده فقابله بالطريق الفرزدق الشاعر فسأله عن خبر الناس فقال له قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية والقضاء ينزل من السماء واللَّه يفعل ما يشاء.

ثم جاء كتاب من عبد اللَّه بن جعفر يقسم عليه باللَّه إلا ما انصرف ومع كتابه كتاب من عمرو بن سعيد أمير المدينة فيه الأمان له ويسأله الرجوع فأبى وتم على وجهه فقابله عبد اللَّه بن مطيع ولما علم بوجهه قال له أذكرك اللَّه يا ابن بنت رسول اللَّه r وحرمة الإسلام أن تنتهك أنشدك اللَّه في حرمة العرب. فواللَّه لئن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلنك ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحداً. واللَّه إنها لحرمة الإسلام وحرمة قريش وحرمة العرب فلا تفعل ولا تأت الكوفة ولا تعرض نفسك لبني أمية، فأبى إلا يمضي.

ولما كان بالثعلبية جاءه مقتل مسلم بن عقيل فقال له بعض أصحابه ننشدك اللَّه إلا ما رجعت من مكانك فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة بل نتخوف أن يكونوا عليك. فوثب بنو عقيل وقالوا واللَّه لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق كما ذاق مسلم.

فسار حتى نزل بطن العقبة وهناك لقيه رجل من العرب فقال أنشدك اللَّه إلا ما انصرفت فواللَّه ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف. إن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطئوا لك الأشياء فقدمت عليهم لكان ذلك رأياً. فأما على هذه الحال التي تذكر فلا أرى إلا أن ترجع.

ولما ترك شراف قابلته خيل عدتها ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي فقال لهم الحسين أيها الناس إنها معذرة إلى اللَّه وإليكم وإني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ورسلكم أن أقدم علينا فليس لنا إمام لعل اللَّه أن يجعلنا بك على الهدى جئتكم فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهود أقدم مصركم وإن لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلنا منه فلم يجيبوه بشيء في ذلك ثم قال له الحر إنا أمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد اللَّه بن زياد فقال الحسين الموت أدنى إليك من ذلك ثم أمر أصحابه فركبوا لينصرفوا فمنعهم الحر من ذلك، فقال الحسين ثكلتك أمك ما تريد؟

فقال أما واللَّه لو غيرك من العرب يقولها ما تركت ذكر أمه بالثكل كائناً من كان ولكني واللَّه مالي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما يقدر عليه ثم صار براقبه حتى لا يتمكن من الانصراف إلى المدينة فسار الحسين يتجه إلى الشمال حتى وصل نينوى وحينذاك قدم عليهم جيش سيره ابن زياد لقتال الحسين رسولاً يسأله ما الذي جاء به فقال الحسين كتب إلى أهل مصركم هذا أن أقدم عليهم فأما إذا كرهوني فإني أنصرف عنهم فكتب عمر إلى ابن زياد بذلك فقال:

الآن إذا عرضت مخالبنا به

يرجو النجاة ولا حين مناص

ثم كتب إلى ابن سعد يأمره أن يعرض على الحسين بيعة يزيد، فإذا قبل ذلك رأينا، وأن ينمعه وهو من معه الماء؛ وكان الحسين يعرض عليهم أن يدعوه يرجع إلى المكان الذي خرج منه، وليس بصحيح أنه عرض عليهم أن يضع يده في يد يزيد فلم يقبلوا منه تلك العودة وعرضوا عليه أن ينزل على حكم ابن زياد ومثل هذا الطلب لا يقبله الحسين مهما يكن من الأمر فلم يكن إلا القتال.

وفي عاشر المحرم سنة 61 انتشب القتال بين هاتين الفتئتين جيش العراق الذي لم يكن فيه أحد من أهل الشام وهذه الفئة القليلة ومن معه. وهم لا يزيدون عن 80 رجلاً ولم يكن إلا قليل وقت حتى قتل الحسين وسائر من معه، وعدة من قتل اثنان وسبعون رجلاً وقتل من أصحاب ابن سعد 88 رجلاً ثم أخذوا رأس الحسين وحملوها إلى ابن زياد ومعها بنات الحسين وإخوته ومعهم علي بن الحسين صغير مريض فأمر ابن زياد بحمل الرأس ومعها النساء والصبيان إلى يزيد فلما بلغوا الشام وأخبر يزيد بالخبر دمعت عيناه وقال كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين لعن اللَّه ابن سمية أما واللَّه لو أني صاحبه لعفوت عنه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:50 AM
وقعة الحرة:

لم تقف مصائب المسلمين عند قتل الحسين ومن معه بل حدثت حادثة هي في نظرنا أدهى وأشنع وهي انتهاك حرمة مدينة الرسول r ومهبط الوحي الإلهي وهي التي حرمها عليه السلام كما حرم إبراهيم مكة فصارت هاتان المدينتان مقدستين لا يحل فيهما القتال فانتهاك حرمة إحداهما من الشرور العظيمة والمصائب الكبرى فكيف انتهاك حرمتهما معاً في سنة واحدة؟

أما حادثة المدينة فإنه في عهد إمارة عثمان بن أبي سفيان عليها أوفد إلى يزيد بدمشق وفداً من أشراف أهل المدينة فيهم عبد اللَّه بن حنظلة الأنصاري وعبد اللَّه بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي والمنذر بن الزبير وغيرهم ولما قدموا على يزيد أكرمهم وأحسن إليهم وأعظم جوائزهم فأعطى عبد اللَّه بن حنظلة وكان شريفاً فاضلاً عابداً سيداً مائة ألف درهم وكان معه ثمانية بنين فأعطى كل ولد عشرة آلاف وأعطى المنذر بن الزبير مائة ألف فلما قدموا إلى المدينة أقاموا أهلها فأظهروا شتم يزيد وعيبه وأعلنوا أنهم خلعوه فتابعهم الناس وولوا أمرهم عبد اللَّه قومه فجاءهم وأمرهم بلزومهم الطاعة وخوفهم الفتنة وقال لهم إنكم لا طاقة لكم بأهل الشام فلم تجد نصيحته نفعاً فعاد عنهم وحينذاك قام هؤلاء الثائرون وحصروا من في المدينة من بني أمية في دار مروان فكتبوا إلى يزيد يتسغيثون به فلما جاءه كتابهم قال متمثلاً:

لقد بدلوا الحكم الذي في سجيتي

فبدلت قومي غلظة بليان

وحينذاك جهز جيشاً أمر عليه مسلم بن عقبة المري وكان عدة من تجهز معاً اثنا عشر ألفاً وقال له يزيد ادع القوم ثلاثاً فإن أجابوك وإلا فقاتلهم فإن ظهرت عليهم فأبحها ثلاثاً فكل ما فيها من مال أو دابة أو سلاح أو طعام فهو للجند فإذا مضت الثلاث فأكفف عن الناس وانظر علي بن الحسين فأكفف عنه واستوصي به خيراً فإنه لم يدخل مع الناس وإنه قد أتاني كتابه.

ثم سار مسلم حسب وصية عبد الملك فلما ورد المدينة دعا أهلها وقال إن أمير المؤمنين يزعم أنكم الأصل وإني أكره إراقة دمائكم وإني أؤجلكم ثلاثاً فمن ارعوى وراجع الحق قبلنا منه وانصرفت عنكم وسرت إلى هذا المحل الذي بمكة وإن أبيتم كنا قد أعذرنا إليكم فلم يبالوا وحاربوا وكان القتال بين الفريقين شديداً جداً ولكن انتهى بهزيمة أهل المدينة بعد أن قتلت ساداتهم وأباح مسلم المدينة ثلاثاً يقتلون الناس ويأخذون المتاع والأموال وبعد ذلك دعا مسلم الناس للبيعة ليزيد على أنهم خول له يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم، فمن امتنع عن ذلك قتله. ثم أتى بعلي بن الحسين فأكرمه لوصية يزيد ولم يلزمه بالبيعة وكانت هذه الواقعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة 63.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:51 AM
حصار مكة:

وثالثة الحوادث التي يقع معظم تبعتها على عبد اللَّه بن الزبير حصار مكة فإن مسلماً لما انتهى من أمر المدينة سار قاصداً مكة لحرب ابن الزبير واستخلف على مكة روح بن زنباع الجذامي، وقد أدركت المنية مسلماً بالشلل فاستخلف على الجند الحصين بن نهير كما أمر يزيد فسار بالجند إلى مكة فقدمها لأربع بقين من المحرم سنة 64 وقد بايع أهلها وأهل الحجاز لعبد اللَّه بن الزبير وقدم عليه نجدة بن عامر الحنفي الخارجي لمنع البيت، فخرج ابن الزبير للقاء أهل الشام فحاربهم حرباً انكشف فيها أصحابه فسار راجعاً إلى مكة فأقاموا عليه يقتلونه بقية المحرم وصفر كله حتى إذا مضت ثلاثة أيام من ربيع الأول رموا البلد بالمنجنيق ولم يزل الحصار حتى بلغهم نعي يزيد بن معاوية فوقف القتال.

هذه ثلاث فتن كبرى داخلية حصلت في أيام يزيد جعلت اسمه عند عامة المسلمين مكروهاً حتى استحل بعضهم لعنه ونحن بعد أن بسطنا أمامكم هذه الحوادث وآثارها لا نرى من العدل أن يتحمل يزيد كل تبعتها بل إن الذي يتحمله جزء صغير منها لأنه بايعه معظم المسلمين وخالف عليه قليل منهم من المعقول أن يتركهم وما يشتهون لتفرق الكلمة وليس من السهل أن ينزل لهم عما تقلده فيما ترى على فعل ما فعل وإنما الذي عليه تلك الشدة التي أجرتها جنوده بعد أن تم لها النصر.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:52 AM
الفتوح في عهد يزيد:

استعمل يزيد عقبة بن نافع على إفريقية كما وعده معاوية بذلك، فسار إليها ولما وصل إلى القيروان قبض على أبي المهاجر وأوثقه في الحديد وترك بالقيروان جنداً مع الذراري والأموال ثم سار في عسكر حتى دخل مدينة باغاية وقد اجتمع بها كثير من الروم فقاتلوه قتالاً شديداً وانهزموا عنه ودخل المنهزمون المدينة.

فحاصرهم عقبة ثم كره المقام عليهم فسار إلى بلاد الزاب وهي بلاد واسعة فيها عدة مدن وقرى كثيرة فقصد مدينتها العظمى واسمهاأربعة فامتنع من بها من الروم فقاتلتهم الجنود الإسلامية حتى هزمتهم ثم رحل إلى تاهرت، فلما بلغ الروم خبره استعانوا بالبربر فأجابوهم ونصروهم فاجتمعوا في جمع كثير واشتد الأمر على المسلمين لكثرة العدو ولكن العاقبة كانت لهم فانهزمت الروم والبربر وغنم المسلمون أموالهم وسلاحهم.

ثم سار حتى نزل على طنجة فلقيه بطريق رومي اسمه يليان فأهدى له هدية حسنة ونزل على حكمه ثم سار نحو السوس الأدنى وهو مغرب طنجة فلقيته البربر في جموع كثيرة فقاتلهم وهزمهم هزيمة منكرة.

ثم سار نحو السوس الأقصى وقد اجتمع له جمع عظيم من البربر فقاتلهم وهزمهم.

وسار بعد ذلك حتى بلغ بحر الظلمات، فقال يا رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهداً في سبيلك ثم عاد فنفر الروم من طريقة خوفاً منه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:53 AM
معاوية الثاني:

بعد موت يزيد كانت هناك بيعتان إحداهما بالشام لمعاوية بن يزيد، والثانية بمكة والحجاز لعبد اللَّه بن الزبير.

فأما معاوية فكانت سنه إحدى وعشرين سنة اختاره أهل الشام للخلافة بعد موت أبيه إلا أنه بعد قليل من خلافته نادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإني قد ضعفت عن أمركم فابتغيت لكم مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده فابتغيت ستة مثل ستة الشورى فلم أجدهم فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم ثم دخل منزله وتغيب حتى مات بعد ثلاثة أشهر من خلافته.

هكذا فعل الشاب الضعيف حينما رأى عصا المسلمين منشقة ولم ير من نفسه القدرة على لَم شعثها وإصلاح أمرها.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:54 AM
عبد اللَّه بن الزبير:

أما ابن الزبير فإن يزيد مات وحصين بن نمير محاصر له وقد اشتد الحصار عليه فجاءه الخبر قبل أن يصل لرئيس الجند المحاصر فناداه علام تقاتلون وقد هلك طاغيتكم فلم يصدقوه لما وصل الخبر الحصين بعث إلى ابن الزبير يريد محادثته فجاءه فكان فيما قال له أنت أحق بهذا الأمر هلم فلنبايعك ثم أخرج معنا إلى الشام فإن هذا الجند الذين معي هم وجوه الشام وفرسانه فواللَّه لا يختلف عليك اثنان وتؤمن الناس وتهدر هذه الدماء التي كانت بيننا وبينك وبين أهل الحرم فقال له أنا لا أهدر الدماء واللَّه لا أرضى أن أقتل بكل رجل منهم عشرة منكم وأخذ الحصين يكلمه سراً وهو يجهر ويقول واللَّه لا أفعل فقال له الحصين قد كنت أظن لك رأياً وأنا أكلمك سراً وتكلمني جهراً وأدعوك إلى الخلافة، وأنت لا تريد إلا القتل والهلكة. ثم فارقه ورحل إلى المدينة فالشام فوصلوها وقد بويع لمعاوية بن يزيد.

هذا حال الشام لا إمام فيه والحجاز فيه ابن الزبير. أما العراق فإن عبيد اللَّه بن زياد لم بلغه نعي يزيد نادى الصلاة جامعة فلما اجتمع الناس قال يا أهل البصرة إن مهاجرنا إليكم ودارنا فيكم ومولدي فيكم وليتكم... الخ ثم دعا لنفسه بالبيعة. فقالوا له قد سمعنا مقالتك وما نعلم أحداً أقوى عليها منك فهلم فلنبايعك فأبى عليهم ذلك ثلاثاً ثم بسط يده فبايعوه ثم انصرفوا عنه يمسحون أيديهم بالحيطان ويقولون أيظن ابن مرجانة أنا ننقاد له في الجماعة والفرقة ثم أرسل إلى أهل الكوفة من يطلب بيعتهم له فأبوا عليه. ولما علم أهل البصرة بآبائهم أظهروا النفرة منه وخلعوه ودعا بعضهم إلى بيعة ابن الزبير فأجابه إلى ذلك أكثرهم وضعف أمر ابن زياد وخاف أهل البصرة على نفسه فاستجار بالحارث بن قيس الأزدي ثم بمسعود بن عمر سيد الأزد فأجاره حتى هرب إلى الشام. واختار أهل البصرة والياً عليهم عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل الملقب ببية فبايعوه وأقبلوا به إلى دار الإمارة وذلك أول جمادى الآخرة سنة 64 وكذلك اختار أهل الكوفة لهم أميراً وكتب أهل المصرين إلى ابن الزبير بالبيعة فأرسل لهم العمال من عنده. وكذلك دخل في بيعة ابن الزبير أهل مصر ولم يبق إلا الشام.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:55 AM
حال الشام:

كان رأس بني أمية بالشام مروان بن الحكم، وكان أمير دمشق الضحاك بن قيس وكان هواه في ابن الزبير يدعو له وأمير حمص النعمان بن بشير وأمير قنسرين زفر بن الحارث الكلابي وهواهم كلهم في ابن الزبير يدعون له وكان أمير فلسطين حسان بن مالك الكلبي وهواه في بني أمية وقد بايعه على الدعوة لهم أهل الأردن على شرط أن يجنبهم هذين الغلامين عبد اللَّه وخالداً ابني يزيد لأنهم قالوا إنا نكره أن يأتينا الناس بشيخ نأتيهم بغلام فكتب حسان إلى الضحاك بن قيس كتاباً يعظم فيه حق بني أمية وحسن بلائهم عنده ويذم ابن الزبير وأنه خلع خليفتين وأمره أن يقرأ كتابه على الناس وكتب كتاباً آخر سلمه لرسوله وقال له إن قرأ الضحاك كتابي على الناس وإلا ففم واقرأه عليهم فلما ورد كتابه على الضحاك لم يقرأه على الناس فقام رسول حسان وقرأ عليهم الكتاب فقال الوليد بن عتبة بن أبي سفيان صدق حسان وقام غيره فقالوا مثل مقاله فأمر بهم الضحاك فحبسوا ولكن عشائرهم أخرجوهم من الحبس وكان الذين في دمشق فريقين فقيس تدعوا إلى ابن الزبير وكلب تدعو إلى بني أمية.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:56 AM
مروان بن الحكم:

خرج الضحاك بمجموعة فنزل مرج راهط بيده واجتمع بنو أمية بالجابية فتشاورا فيمن يلي أمر المسلمين واتفق رأيهم أخيراً على تولية مروان ابن الحكم فبايعوه لثلاث خلون من ذي القعدة سنة 64 هـ.

ولما تمت بيعته بالناس من الجابية إلى مرج راهط وبه الضحاك بن قيس ومن على رأيه واجتمع على مروان كلب وغسان والسكاسك والكون وكانت بين الفريقين مواقع هائلة عشرين ليلة في مرج راهط وكانت الغلبة أخيراً لمروان.

ولما تم الأمر لمروان بالشام سار إلى مصر فافتتحها وبايعه أهلها ثم عاد إلى دمشق فأقام بها.

لم تطل مدة مروان في سلطانه فإنه توفي في رمضان سنة 65 هـ وكان قد عهد بالخلافة لأبنيه عبد الملك ثم عبد العزيز.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:57 AM
ترجمة مروان:

هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية وأمه آمنة بنت علقمة بن صفوان الكناني ولد في السنة الثانية من الهجرة وأسلم أبوه الحكم يوم الفتح فنشأ مروان مسلماً وكان في عهد عثمان بن عفان كاتباً له ومدبراً وولي لمعاوية المدينة جملة مرات ولما مات يزيد أوشك أن يذهب إلى ابن الزبير فبايعه لولا عبد اللَّه بن زياد فإنه أشار عليه أن يطلب الخلافة لنفسه لأنه شيخ بني أمية فاستشرف لها ووجد من ينصره على ذلك وتم له الأمر بعد وقعة مرج راهط وكان أمره في الشام ومصر لم يتجاوزهما حتى مات وولي أمر الأمة من بعده ابنه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:58 AM
عبد الملك بن مروان:

ترجمته:

هو عبد الملك بن مروان بن الحكم ولد سنة 26 هـ بالمدينة وأمه عائشة بنت معاوية بن الوليد بن المغيرة بن العاص بن أمية. ولما شب كان عاقلاً حازماً أديباً لبيباً وكان معدوداً من فقهاء المدينة يقرن بسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وقال الشعبي ما ذاكرت أحداً إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبد الملك فإني ما ذاكرته حديثاً إلا زادني فيه، ولا شعراً إلا زادني فيه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 07:59 AM
توليه الحكم:

ولي الخلافة بعد أبيه بعهد منه. وكانت الحال في البلاد الإسلامية على غاية الاضطراب. فإن الحجاز به عبد اللَّه بن الزبير. وقد بايعه أهله وبلاد العراق أهلها ثلاث فرق زبيرية قد بايعوا ابن الزبير ودخلوا في طاعته، وشيعة تدعوا إلى آل البيت، وخوارج وهم من عرفتم حديثهم قبل. فتلقى الأمر بقلب ثابت وعزيمة صادقة حتى دان الناس واجتمعت الكلمة عليه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:00 AM
المعركة مع التوابين:

كان مروان قبل وفاته قد جهز جيشاً يقوده عبد اللَّه بن زياد إلى الجزيرة ومحاربة زفر بن الحارث بقرقيسيا واستعمله على كل ما يفتحه فإذا فرغ من الجزيرة توجه إلى العراق وأخذه من ابن الزبير فلما كان بالجزيرة بلغه موت مروان وأتاه كتاب عبد الملك يستعمله على ما استعمله عليه أبوه ويحثه على المسير إلى العراق فسار حتى إذا كان بعين الوردة قابلته جنود مقبلة من العراق لم يبعثهم أمير ولكنهم خرجوا للمطالبة بدم الحسين وسموا أنفسهم التوابين وهم جماعة الشيعة ندموا على خذلانهم الحسين بن علي ولم يروا أنهم يخرجون من هذا الذنب إلا إذا قاموا للمطالبة بثأره وقتلوا قتلته وكان رئيسهم كبير الشيعة بالكوفة سليمان بن صرد الخزاعي فما زالوا يجمعون آلة الحرب ويدعون الناس سراً إلى ما عزموا عليه حتى تم لهم ما أرادوا سنة 65 فخرجوا حتى إذا كانوا بعين الوردة قابلتهم جنود الشام فكان بين الفريقين موقعة عظيمة قتل فيها سليمان بن صرد رئيس الشيعة ومعظم من معه ونجا قليل منهم وكانوا نحواً من ستة آلاف ولما بلغ عبد الملك قتل سليمان قام خطيباً في أهل الشام فقال إن اللَّه قد أهلك من رؤوس أهل العراق ملقح فتنه ورأس ضلالة سليمان بن صرد ألا وإن السيوف قد تركت رأس المسيب خذاريف وقد قتل اللَّه منهم رأسين عظيمين ضالين مضلين عبد اللَّه بن سعد الأزدي وعبد اللَّه بن وال البكري. ولم يبق بعدهم من عنده امتناع.

بعد مقتل هؤلاء ثار بالكوفة رجل الفتنة الكبير المختار بن أبي عبيد الثقفي وكان وثوبه بها رابع عشر ربيع الأول سنة 66 فأخرج منها عامل ابن الزبير وهو عبد اللَّه بن مطيع وكان وثوبه باسم محمد بن الحنفية. زاعماً أنه هو الذي أرسله للأخذ بثأر الحسين ولقبه بالإمام المهدي.

ثم إن المختار تخير الجند لمحاربة ابن زياد وجعل قائدهم إبراهيم بن الأشتر فسار حتى التقى بجنود الشام على نهر الخارز فكان بين الفريقين موقعة هائلة انتصر فيها ابن الأشتر وقتل عبيد اللَّه بن زياد بعد أن ذهب من جند الشام عدد وافر قتلاً وغرقاً في نهر الخازر ولما انتهت الموقعة أرسل ابن الأشتر العمال إلى البلاد الجزرية.

وبذلك عاد أمر العراق لابن الزبير وكان الأمر بالشام ومصر لعبد الملكبن مروان أن يجمع كلمة الناس عليه فتجهز لقصد العراق.

ثم سار عبد الملك إلى العراق فبلغ خبره مصعباً فتجهز له وجعل على مقدمته إبراهيم بن الأشتر فتقابل الجيشان بمسكن، وكان كثير من أهل العراق كاتبوا عبد الملك وكاتبهم فكانت نياتهم فاسدة فلما حصلت الموقعة انهزم أهل العراق وبقي مصعب مع قليل من المخلصين له.

بذلك لم يبق خارجاً عن سلطان عبد الملك إلا الحجاز فوجه وهو بالكوفة جنداً إلى مكة بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي لقتال عبد اللَّه بن الزبير فسار إليه في جمادي الأولى سنة 72 هـ فلما وصل مكة حصر ابن الزبير بها ورماها بالمجانيق ولم يزل الأمر على ذلك حتى اشتدت الحال على أهل مكة من الحصار فتفرقوا عن ابن الزبير وخرجوا بالأمان إلى الحجاج وكان ممن فارقه ابناه حمزة وحبيب ولما رأى ابن الزبير أنه لم يبق معه إلا قليل لا يغنون عنه شيئاً.

فقاتل ابن الزبير حتى قتل وكانت سنه ثلاثاً وسبعين سنة وبعد قتله صلبت جثته ثم أنزلت بأمر من عبد الملك.

مكث ابن الزبير خليفة بالحجاز تسع سنين لأنه بويع له سنة 64 وبقتل ابن الزبير صفا الأمر لعبد الملك في جميع الأمصار الإسلامية، واجتمعت عليه الكلمة وبقي الحجاج والياً على مكة والمدينة حتى سنة 75 وفيها عزله عبد الملك عنهما وولاه العراقين فسار إلى الكوفة في اثني عشر راكباً على النجائب حتى دخلها فبدأ بالمسجد فصعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء فاجتمع إليه الناس. وهو ساكت قد أطال السكوت حتى أراد بعضهم أن يحصبه ثم كشف اللثام عن وجهه.

وفي سنة 89 ولى الحجاج عبيد اللَّه بن أبي بكرة سجستان فغزا رتبيل وقد كان يفعل مصالحاً وقد كانت العرب قبل ذلك تأخذ منه خراجاً وربما امتنع فلم يفعل فبعث الحجاج إلى ابن أبي بكرة يأمره بغزوه فتوغلوا في بلاده فأصيبوا وهلك معظمهم ونجا أقلهم فرأى الحجاج أن يجهز إليهم جنداً فجهز عشرين ألفاً من البصرة ومثلهم من الكوفة.

وجد في ذلك وشمر وأعطى الناس أعطياتهم كملاً وأخذهم بالخيول الروائع والسلاح الكامل واستعرض ولا يرى رجلاً تذكر منه شجاعة إلا أحسن معوفته ولما استتب أمر ذينك الجندين ولى عليهم عبد الرحمن بن الأشعث فسار حتى قدم سجستان فصعد منبرها وقال أيها الناس إن الأمير الحجاج ولاني ثغركم وأمرني بجهاد عدوكم الذي استباح بلادكم وأباد أخياركم فإياكم أن يتخلف منكم رجل فيحل بنفسه العقوبة اخرجوا إلى معسكركم فعسكروا به مع الناس.

ولما دخل الناس فارس قال بعضهم لبعض إذا خلعنا الحجاج فقد خلعنا عبد الملك فخلعوه وبايعوا عبد الرحمن على كتاب اللَّه وسنه ورسوله وخلع أئمة الضلالة وجهاد المحلين، ولما بلغ الحجاج خبره بعث إلى عبد الملك يخبره ويسأله أن يوجه الجنود إليه فهاله الأمر وبادر بإرسال الجنود الشامية إليه والحجاج مقيم بالبصرة فلما اجتمعت الجنود إليه سار بها حتى نزل تستر وقدم بين يديه مقدمته فقابلتها جنود ابن الأشعث فهزمت مقدمة الحجاج يوم الأضحى سنة 81 وأتت الحجاج الهزيمة فانصرف راجعاً حتى نزل الزاوية وجاءت جنود ابن الأشعث حتى نزلت البصرة فبايعه أهلها وكان دخوله إليها في آخر ذي الحجة ثم تقابل الجندان بالزاوية فهزمت جنود الحجاج.

أما ابن الأشعث، فقد تقلبت به الأحوال؛ وانتهى أمره إلى أن توجه إلى رتبيل مستغيثاً به، فكتب الحجاج إلى رتبيل يأمره أن يرسل إليه ابن الأشعث ويتوعده إن لم يفعل، فأراد رتبيل أن يرسله، فقتل ابن الأشعث نفسه بأن ألقى نفسه من فوق قصر فمات ثم ضرب رتبيل عنق بضعة عشر رجلاً من أقاربه، وأرسل بالرؤوس إلى الحجاج.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:01 AM
وفاة عبد الملك:

في يوم الخميس منتصف شوال سنة 86 هـ (أكتوبر سنة 705 م) توفي عبد الملك بدمشق فكانت مدة خلافته منذ بويع بالشام إحدى وعشرين سنة وشهراً ونصفاً من مستهل رمضان سنة 65 هـ إلى منتصف شوال سنة 86 هـ وكانت خلافته منذ قتل ابن الزبير واجتمعت عليه الكلمة ثلاث عشرة سنة وخمسة أشهر بناء على أن ابن الزبير قتل في 17 جمادي الأولى سنة 73 وكان عمر عبد الملك ستين سنة لأنه ولد سنة 26 هـ.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:02 AM
بيت عبد الملك:

تزوج عبد الملك:

1ــ ولادة بنت العباس بن جزء العبسي فولدت له الوليد وسليمان ومروان الأكبر.

2ــ عاتكة بنت يزيد بن معاوية فولدت له يزيد ومروان ومعاوية وأم كلثوم.

3ــ أم هشام بنت هشام بن إسماعيل المخزومي« فولدت له هشاماً.

4ــ عائشة بنت موسى بن طلحة التيمي فولدت له أبا بكر واسمه بكار.

5ــ أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان فولدت له الحكم.

6ــ أم المغيرة بنت المغيرة بن خالد المخزومي فولدت له فاطمة.

7ــ شقراء بنت سلمة بن حليس الطائي.

8ــ ابنة لعلي بن أبي طالب.

9ــ أم أبيها بنت عبد اللَّه بن جعفر.

وله من الأولاد عبد اللَّه ومسلمة والمنذر وعنبسة ومحمد وسعيد الخير والحجاج لأمهات الأولاد.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:03 AM
صفة عبد الملك:

كان عبد الملك قوي العزيمة ثابت النفس لا تعزعزه الشدائد، ولي أمر الأمة في غاية الاضطراب والاختلاف فما زال حتى جمعها وصيرها واحدة تدين لخليفة واحد وسلمها لابنه الوليد وهي على غاية من الهدوء والطمأنينة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:05 AM
الوليد بن عبد الملك (الأول):

ترجمته:

هو الوليد بن عبد الملك بن مروان وأمه ولادة بنت العباس بن جزء العبسي. ولد سنة 50 من الهجرة ولم تكن له ولاية العهد إلا بعد وفاة عمه عبد العزيز بن مروان ولما توفي أبوه عبد الملك بويع بالخلافة في اليوم الذي مات فيه. لما رجع من دفنه بدمشق لم يدخل منزله حتى صعد على منبر دمشق، فحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أيها الناس إنه لا مقدم لما أخر اللَّه، ولا مؤخر لما قدم اللَّه، وقد كان من قضايا اللَّه وسابق علمه، وما كتب على أنبيائه وحملة عرشه الموت وقد صار إلى منازل الأبرار ولي هذه الأمة بالذي يحق عليه للَّه من الشدة على المريب واللين لأهل الحق والفضل وإقامة ما أقام اللَّه من منار الإسلام وأعلامه من حج البيت وغزو هذه الثغور وشن هذه الغارة على أعداء اللَّه فلم يكن عاجزاً ولا مفرطاً. أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوج الجماعة فإن الشيطان مع الفرد. أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ومن سكت مات بدائه. ثم قام إليه الناس فبايعوه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:06 AM
الحال في عهد الوليد:

كانت مدة الوليد غرّة في جبين الدولة الأموية ففيها قام بإصلاح داخلي عظيم، واشتهر في الأمة قواد عظام فتحوا الفتوح العظيمة وأضافوا إلى المملكة الإسلامية بلاداً واسعة واستردوا هيبتها في أنفس الأمم المجاورة لها. وسبب ذلك أن الوليد تولى بعد أن وطأ عبد الملك الأمور ومهدها فاستلمها الوليد والأمة هادئة مطمئنة مجتمعة الكلمة وخبت نار الأهواء فإن الخوارج ذهبت حدتهم وشوكتهم وقلت جموعهم وشيعة آل البيت نالهم ما جعلهم يهتمون بأنفسهم، فلم يحركوا ساكناً، ولم يوقظوا فتنة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:06 AM
الإصلاح الداخلي:

كان الوليد ميالاً إلى العمارة فاهتم في زمنه بإصلاح الطرق وتسهيل السبل في الحجاز وغيره في سنة 88 إلى عامله بالمدينة عمر بن عبد العزيز في تسهيل الثنايا وحفر الآبار في البلدان وكتب إلى سائر البلاد بذلك فعمل عمر بالمدينة الفوارة التي يستقي منها أهل المدينة وأجرى إليها الماء وأمر لها بقوام يقومون عليها.

وإصلاح الطرق من أهم ما يذكر لولاة الأمر في إصلاح البلاد.

ومن أعماله العظيمة بناء ذينك المسجدين العظيمين مسجد المدينة وجامع دمشق ففي السنة المتقدمة أمر عمر بن عبد العزيز بهدم المسجد النبوي وهدم بيوت أزواج الرسول وإدخالها في المسجد وأن يشتري دوراً في مؤخره ونواحيه ليتسع حتى يكون مئتي ذراع في مثلها ومن أبى فليقوم داره قيمة عدل وتهدم ويدفع إليهم ثمنها فإن لك في ذلك سلف وصدق عمر وعثمان.

وأرسل إليه الوليد بالفعلة والبنائين من الشام فعمل في ذلك عمر مع فقهاء المدينة وبعث الوليد إلى ملك الروم يعلمه أنه أمر بهدم مسجد رسول اللَّه r ويطلب منه أن يعينه فيه فبعث إليه بمائة ألف مثقال ذهب وبعث إليه بمائة عامل وبعث إليه من الفسيفساء بأربعين جملاً فابتدىء بعمارته وأدخلت جمع الحجر التي لأزواج رسول اللَّه r ولم يبق إلا حجرة عائشة التي فيها القبور الثلاثة وكان من رأي بعض أهل المدينة أن لا تكون في المسجد حذر أن يستقبلها بعض المسلمين في صلاتهم يشبهونها بالكعبة ففكر في ذلك عمر وقد هداه الفكر أن يثلث جهتها الشمالية حتى تنتهي بزاوية لا يمكن استقبالها فصار شكل الحجرة مخمساً.

أما جامع دمشق وهو المعروف بالجامع الأموي فإن الوليد احتفل له احتفالاً عظيماً حتى خرج مناسباً لعظمة المملكة الإسلامية ولا يزال شيء من آثاره شاهداً بتلك العظمة وكان الناس في حايته قد شغفوا بالعمارة تبعاً له حتى كانت مسألتهم عنها إذا تقابلوا. وبنى الوليد المصانع في الشام لتسهيل الاستقاء.

ومن الإصلاح العظيم حجره على المجذومين أن يسألوا الناس وجعل لهم من العطاء ما يقوم بحياتهم وأعطى كل مقعد خادماً وكل ضرير قائداً.

ومن حسنات الوليد استعانته في عمله بعمر بن عبد العزيز الذي أعاد سيرة سلف هذه الأمة الصالح فقد ولاه المدينة سنة 77 فقدمها وسنه 25 سنة فنزل دار مروان ولما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة عروة بن الزبير وعبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة وأبا بكر بن عبد الرحمن وأبا بكر بن سليمان بن أبي خيثمة وسليمان بن يسار والقاسم بن محمد بن أبي بكر وسالم بن عبد اللَّه بن عمرو وعبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عامر بن ربيعة وخارجة بن زيد وهم إذ ذاك سادة فقهاء الدنيا فلما دخلوا عليه أجلسهم ثم حمد اللَّه وأثنى عليه إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه وتكونون فيه أعواناً على الحق ما أريد أن أقطع أمراً إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم فإن رأيتم أحداً يتعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة فأحرج اللَّه على من بلغه ذلك إلا بلغني. فخرجوا يجزونه خيراً وافترقوا وبهذا العمل جدد فيهم سيرة عمر بن الخطاب وهو جده من قبل أمه.

قد عزله الوليد عن المدينة سنة بسبب شكوى من الحجاج.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:08 AM
الفتوح في عهد الوليد:

اشتهر في زمن الوليدأربعة قواد عظام كان لهم أجمل الأثر في الفتح الإسلامي وهم:

1ــ محمد بن القاسم بن محمد الثقفي.

2ــ قتيبة بن مسلم الباهلي.

3ــموسى بن نصير.

4ــ مسلمة بن عبد الملك بن مروان.

فأما القاسم بن محمد: فإنه كان أميراً على ثغر السند من قبل الحجاج بن يوسف وكان الحجاج قد ضم إليه ستة آلاف من جند أهل الشام وجهزه بكل مااحتاج إليه فسار القاسم إلى بلاد السند حتى أتى الديبل فنزل عليه وكان به بد عظيم والبد منارة عظيمة تتخذ في بناء لهم فيه صنم أو أصنام لهم وكان كل شيء أعظموه من طريق العبادة فهو عندهم بد وكانت كتب الحجاج ترد على محمد وكتب محمد ترد على الحجاج بصفة ما قبله واستطلاع رأيه فيما يعمل به كل ثلاثة. ولم يزل القاسم حاصراً للديبل حتى خرج العدو إليه مرة فهزمهم ثم أمر بالسلاليم فوضعت وصعد عليها الرجال ففتحت عنوة وقتل عامل داهر عليها ثم بنى مسجداً وأنزلها أربعة آلاف، ثم أتى البيرون فأقام أهله العلوفة للقاسم وأدخلوه مدينتهم وكانوا قد بعثوا سمينين إلى الحجاج فصالحوه فوفى لهم محمد بن القاسم بالصلح ثم جعل لا يمر بمدينة إلا فتحها حتى عبر نهر دون مهران فأتاه سمين سريبدس فصالحوه على من خلفهم ووظف عليهم الخراج وسار إلى سهبان ففتحها ثم إلى مهران فبلغ ذلك داهر ملك السند فاستعد لمحاربته ثم إن محمد عبر مهران وهو نهر السند على جسر عقد فالتقى بداهر في جنوده الكثيرة؛ وهو على فيل وحوله الفيلة فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يسمع وترجل داهر وقاتل فقتل عند المساء وانهزم المشركون.

ولما قتل داهر غلب محمد على بلاد السند، ثم فتحوا راور عنوة ثم أتى برهمناباذ العتيقة فقاتله بها فل داهر ولكنهم انهزموا فخلف بها عاملاً، ثم سار فتلقاه أهل ساوندرى وسألوه الأمان فأعطاهم الأمان فأعطاهم إياه واشترط عليهم ضيافة المسلمين، ودولتهم ثم تقدم إلى يسمد فصالح أهلها على مثل صلح مثل صلح ساوندرى.

ثم انتهى إلى الرور وهي من مدائن السند فحصر أهلها ثم فتحها صلحاً على أن يقتلهم ولا يعرض لبدهم؛ وقال ما البد إلا ككنائس النصارى، واليهود، وبيوت نيران المجوس، ووضع عليهم الخراج وبنى بالرور مسجداً، ثم سار حتى قطع نهر بباس إلى الملتان فقاتله أهل الملتان فهزمهم حتى أدخلهم المدينة وحصرهم ثم نزلوا على حكمه فقتل كثيراً منهم وأصاب فيها مغانم كثيرة وافرة وكان بد الملتان تهدي إليه الأموال وتنذر له لنذور ويحج ويحلقون رؤوسهم ولحاهم عنده فحاز محمد ذلك كله.

وفي ذلك الوقت بلغته وفاة الحجاج فرجع عن الملتان إلى الرور وبغرور وكان قد فتحها فأعطى الناس ووجه إلى البيلمان جيشاً فلم يقاتلوه وأعطوا الطاعة وسالمه أهل سرست ثم أتى الكرج فخرج إليه دوهر فقاتله فانهزم العدو وهرب دوهر. بعد هذه الفتوح العظيمة التي نشرت ظل الإسلام على جميع بلاد السند مات الوليد بن عبد الملك فوقف أمر محمد وسنتكلم بعد على خاتمة حياته.

وأما قتيبة بن مسلم: فكان أميراً على خراسان للحجاج بن يوسف ولاه عليها بعد المفضل بن المهلب سنة 86.

ثم عرض الجند في السلاح والكراع وسار واستخلف على مرو. فلما كان بالطالقان تلقاه دهاقين بلخ وعظماؤهم فساروا معه ولما قطع النهر تلقاه ملك الصغانيان بهدايا ومفتاح من ذهب فدعاه إلى بلاد فأتاه وأتى ملك مفتان بهدايا وأموال، ودعاه إلى بلاده فمضى مع الصغانيان فسلم إليه بلاده وكان ملك آخرون وشومان قد أساءه جواره وضيق عليه فسار قتيبة إلى آخرون وشومان وهما من طخستان فجاءه الملك فصالحه على فدية أداها فقبلها قتيبة ورضي ثم عاد إلى مرو واستخلف على الجند ولما علم بذلك الحجاج كتب إليه يلومه ويعجز رأيه في تخليفه الجند وكتب إليه إذا غزوت فكن في مقدم الناس وإذا قفلت فكن في أخرياتهم وساقتهم.

وفي سنة 87 قدم على قتيبة نيزك وصالحه وكان سبب ذلك أنه كان في يد نيزك أسرى من المسلمين، فكتب إليه قتيبة يأمره بإطلاقهم ويتهدده، فخالفه نيزك فأطلق الأسرى فوجه إليه قتيبة يطلب منه القدوم عليه وحلف باللَّه لئن لم يفعل ليغزونه وليطلبنه حيث كان لا يقلع عنه حتى يظفر به أو يموت قبل ذلك. فقدم عليه نيزك وصالحه على أهل بادغيس على أن لا يدخلها.

وبعد ذلك غزا قتيبة بيكند وهي أدنى مدائن بخارى إلى النهر فلما نزل بهم استنصر الصغد واستمدوا من حولهم فأتوهم في جمع كثير وأخذوا بالطريق فلم ينفذ لقتيبة رسول ولم يصل إليه رسول ولم يجز له خبر شهرين وأبطأ خبره على الحجاج فأشفق على الجند والقتال دائر بين قتيبة وعدوه وذات يوم لقي المسلمون عدوهم بجد أنزل اللَّه عليهم نصرهم فانهزم العدو عنهم يريدون دخول المدينة فحال المسلمون بينهم وبينها فتفرقوا وركب المسلمون أكنافهم واعتصم بالمدينة عدد قليل دخلها ولما رأوا قتيبة ابتدأ بهدمها سألوه الصلح فصالحهم وولى عليهم أميراً وسار عنهم فلما كان على خمسة فراسخ بلغه أن أهل بيكند غدروا بالعامل فقتلوه وأصحابه فرجع إليهم وفتح المدينة عنوة فقتل مقاتلها وأصاب فيها مغانم كثيرة ثم عاد إلى مرو.

ولما كان الربيع سار عن مرو في عدة حسنة من الدواب السلاح وعبر النهر حتى أتى نومشكث وهي من بخارى فصالحه أهلها ثم سار إلى رامثينة فصالحه أهلها فانصرف عنهم وزحف إليه الترك معهم الصغد وأهل فرغانة فاعترضوا المسلمين في طريقهم فقاتلهم المسلمون قتالاً شديداً أبلى فيه نيزك بلاء حسناً وهو مع قتيبة حتى انهزم الترك وفض جمعهم ثم رجع إلى مرو فقطع النهر من ترمذ يريد بلخ ثم أتى مرو.

ثم أراد أن يفتح بخارى فعبر النهر ومضى إلى بخارى فنزل خرقانة السفلى فلقيته جموع كثيرة فقاتلهم وهزمهم ولما وصل بخارى استعد له ملكها فلم يظفر من البلد بشيء فرجع إلى مرو وكتب إلى الحجاج فكتب إليه الحجاج أن صورها لي فبعث إليه بصورتها فكتب إليه الحجاج أن ارجع إلى مراغتك فتب إلى اللَّه مما كان منك وائتها من مكان كذا فخرج قتيبة من مرور سنة 90 فانتصر ملك بخارى بالصغد والترك من حولهم، ولكن قتيبة سبقهم إلى بخارى فحصروها وفي أثناء الحصار جاء أهل بخارى المدد فخرجوا لقتال المسلمين فصبروا لهم ثم جال المسلمون وركبهم المشركون فحطموهم حتى دخلوا عسكر قتيبة في القلب وجاوزه حتى ضرب النساء وجوه الخيل وبكين فكر الناس راجعين وانطوت مجنبتا المسلمين على الترك فقاتلوهم حتى ردهم إلى مواقفهم فوقف الترك على نشر فقال قتيبة من يزيلهم لنا من هذا الموضع فلم يجبه أحد فمشى إلى بني تميم وقال لهم يوم كأيامكم أبي لكم الفداء فأخذ وكيع وهو رأسهم اللواء بيده وقال يا بني تميم أتسلمونني اليوم قالوا لا يا أبا مطرف وكان هزيم بن أبي طلحة المجاشعي على خيل بني تميم فقال وكيع اقدم يا هزيم ودفع إليه الراية وقال قدم خيلك فتقدم هزيم ودب وكيع في الرجال فانتهى هزيم إلى نهر بينه وبين العدو فقال له وكيع أقحم يا هزيم فنظر إليه هزيم نظر الجمل الصؤول وقال أنا أقحم خيلي هذا النهر فإن انكشفت كان هلاكها واللَّه إنك لأحمق فقال وكيع مغضباً أتخالفني وحذفه بعمود كان معه فضرب هزيم فأقحمه قال ما بعد أشد منه وعبر هزيم في الخيل وانتهى وكيع إلى النهر فدعا بخشب فقنطر النهر وقال لأصحابه من وطن منكم نفسه على الموت فليعبر ومن لا فليثبت مكانه فعبر معه 800 راجل فدب فيهم حتى إذا أعيوا أقعدهم فأراحوا ثم دنا العدو فجعل الخيل مجنبتيه وقال هزيم إني مطاعن القوم فأشغلهم عنا بالخيل وقال للناس شدوا فحملوا فما تثنوا حتى خالطوهم وحمل هزيم خيله عليهم فطاعنونهم بالرماح فما كفوا عنهم حتى حدروهم عن موقفهم وهزموهم وجرح في هذا اليوم خاقان ملك الترك وابنه. ولما تم الفتح كتب به قتيبة إلى الحجاج ولما تم لقتيبة ما أراد من بخارى هابه أهل الصغد فطلبوا صلحه فصالحهم على فدية يؤدونها.

وفي سنة 93 فتح قتيبة مدائن خوارزم صلحاً وكانت مدينة الفيل أحصنهم ثم غزا سمرقند وهي مدينة الصغد ففتحها بعد قتال شديد وبنى بها مسجداً وصلى فيه وكان معه في هذه الغزوة أهل بخارى وخوارزم ولما فتحها دعا نهار بن توسعة فقال يا نهار أين قولك:





ومات الندى والجود بعد المهلب
وقد غيبا عن كل شرق ومغرب

ألا ذهب الغزو المقرب للغني
أقام بمرو الروذ رهن ضريحه



أفغزوا هذا يا نهار قال هذا أحسن وأنا الذي أقول:

ولا هو فيما بعدنا كابن مسلم
وأكثر فينا مقسماً بعد مقسم

وما كان مذ كنا ولا كان قبلنا
أعم لأهل الترك قتلا بسيفه


ثم ارتحل قتيبة راجعاً إلى مرو واستخلف على سمرقند عبد اللَّه بن مسلم وخلف عنده جنداً كثيفاً وآله من آلات الحرب كثيرة. ثم انصرف إلى مرو فأقام بها.

وفي سنة 94 غزا قتيبة شاش وفرعانة حتى بلغ خجندة وكاشان مدينتي فرغانة وقاتله أهل خجندة قتالاً شديداً فهزمهم ثم أتى كاشان فافتتحها وفي سنة 96 افتتح مدينة كاشغر وهي أدنى مدائن الصين سار إليها من مرو فمر بفرغاته وجاءه وهو بها موت الوليد بن عبد الملك فلم يقعده ذلك عن الغزو وسار إلى كاشغر فافتتحها وكان بينه وبين ملك الصين هناك مراسلات وأرسل إليه قتيبة وفداً عليهم هبيرة بن المشمرخ الكلابي فلما كلمهم ملك الصين قال لهم قولوا لقتيبة ينصرف فإني قد عرفت حرصه وقلة أصحابه وإلا بعثت إليكم من يهلككم ويهلكه، فقال له هبيرة كيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون وكيف يكون حريصاً من خلف الدنيا قادراً عليها وغزاك وأما تخويفك إيانا بالقتل فإنا لنا آجالاً إذا حضرت فأكرمها القتل فلسنا نكرهه ولا نخافه. قال فما الذي يرضي صاحبك، قال إنه قد حلف أن لا ينصرف حتى يطأ أرضكم ويختم ملوككم ويعطي الجزية. قال فأنا نخرجه من يمينه نبعث إليه بتراب من تراب أرضنا فيطؤه ونبعث ببعض أبنائنا فيختمهم ونبعث إليه بجزية يرضاها ثم دعا بصحاف من ذهب فيها تراب وبعث بحرير وذهب وأربعة غلمان من ملوكهم ثم أجاز الوفد فساروا حتى قدموا على قتيبة فقبل الجزية وختم الغلمة وردهم ووطىء التراب ثم عاد إلى مرو.

هكذا فتح هذا القائد العظيم تلك البلاد الواسعة وضمها إلى المملكة الإسلامية فانتشر فيها الإسلام حتى أخرجت العظماء من كتاب المسلمين وفقائهم ومحدثيهم وعلمائهم. كانت لقتيبة همة لم تعرف عن الكثير من قواد الجنود وكان له في سياسة جنده الغاية فأحبهم وأحبوه وساقهم إلى الموت فلم يبالوا وسنتكلم بعد على خاتمة حياته.

وأما موسى بن نصير: فإنه ذلك القائد العظيم الذي فتح الأندلس وأدخل الإسلام في قارة أوروبا.

وأما مسلمة بن عبد الملك فإن عزيمته ظهرت في حروب الروم فكان كل سنة يسير الجنود فيفتتح ما أمامه من الحصون العظيمة التي أقامها الروم لحفظ بلادهم وربما كان يغزو معه العباس بن الوليد بن عبد الملك. ومن الحصون التي افتتحوها حصن طوانة وحصن عمورية وإذاورلية وهرقلة وقمونية وسيسطية والمرزبانين وطرسوس وكثير وغيرها حتى هابهم الروم.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:08 AM
ولاية العهد:

كان عبد الملك قد ولي عهده ابنيه الوليد ثم سليمان ولم يعتبر بما كان منه في حق أخيه عبد العزيز وقد أعاد الوليد عمل أبيه فأراد عزل سليمان وتولية عبد العزيز بن الوليد ودعا الناس إلى ذلك فلم يجبه إلا الحجاج بن يوسف وقتيبة بن مسلم وخواص من الناس فأشار على الوليد بعض خاصته أن يستقدم سليمان ويريده على خلع نفسه وبيعة عبد العزيز فكتب إليه فاعتل فأراد الوليد أن يسير إليه فأمر الناس بالتأهب ولكن منيته حالت دون ذلك. ومن هذا كان الجفاء الشديد بين سليمان والحجاج ومن على رأيه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:09 AM
وفاة الوليد بن عبد الملك:

في منتصف جمادى الآخرة سنة 96 هـ توفي بدير مران الوليد بن عبد الملك (25 فبراير سنة 715 م) بعد أن مكث في الخلافة تسع سنين وثمانية أشهر من منتصف شوال سنة 86 إلى منتصف جمادى الثانية سنة 96.وكانت سنه إذ توفي ستاً وأربعين سنة وكان له من الأولاد تسعة عشر ابناً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:10 AM
سليمان بن عبد الملك:

هو سليمان بن عبد الملك بن مروان ولد سنة 54 من الهجرة.

بويع بالخلافة بعد موت أخيه وكان بالرملة من أرض فلسطين، وكانت لأول عهده أحداث خير وشر.

كان سليمان يبغض الحجاج وأهله وولاته وكان الحجاج يخشى أن يموت الوليد قبله فيقع في يد سليمان فعجل اللَّه به وكان على العكس من ذلك يميل إلى يزيد بن المهلب عدو الحجاج الألد، فلما ولي سليمان كان أول عمل بدأ به أن ولي يزيد بن أبي كبشة السكسي السند فأخذ محمد بن القاسم وقيده وحمله إلى العراق فقال محمد ممثلاً:

ليوم كريهة وسداد ثغر

أضاعوني وأي فتى أضاعوا


فبكى أهل السند على محمد، فلما وصل إلى العراق حبس بواسط.

ثم عذبه صالح بن عبد الرحمن في رجال من آل أبي عقيل حتى قتلهم وبذلك انتهت حياة هذا القائد إرضاء لأهواء الخليفة حتى تقر نفسه بالانتقام وتناسى ما فعله ذلك القائد من عظيم الأعمال، ولا ندري كيف تنبغ القواد وتخلص قلوبهم إذا رأوا أن نتيجة أعمالهم تكون على مثل ذلك.

أما القائد الثاني قتيبة بن مسلم فإنه كان ممن وافق الوليد على غرضه في عزل سليمان وتولية ابنه عبد العزيز فاضطغنها عليه سليمان وهو يعد من صنائع الحجاج فلما ولي سليمان أشفق منه قتيبة وخاف أن يولي خراسان يزيد بن المهلب، فكتب إليه كتاباً يهنئه ويعزيه عن الوليد وبعلمه بلاءه وطاعته لعبد الملك والوليد وأنه لو على مثل ما كان لهما عليه من الطاعة والنصيحة إن لم يعزله عن خراسان وكتب كتاباً ثانياً يعلمه فيه فتوحه ونكايته وعظم قدره عند ملوك العجم وهيبته في صدورهم وعظم صوته. ويذم المهلب وآل المهلب ويحلف لئن استعمل يزيد على خراسان ليخلعنه.

وكتب كتاباً ثالثاً فيه خلعه وأرسل الكتب الثلاثة مع رجل باهلي وقال له ادفع إليه الكتاب الأول. فإن كان يزيد بن المهلب حاضراً فقرأ ورماه إليه فادفع إليه الثاني، فإن قرأه ورماه إليه فادفع إليه الثالث. فإن قرأ الكتاب الأول ولم يرمه إليه، فاحتبس الكتابين الآخرين. فقدم رسول قتيبة على سليمان وعنده يزيد بن المهلب فدفع إليه الكتاب الأول فقرأه ورماه إلى يزيد فدفع إليه الثاني فقرأه ورماه إلى يزيد فأعطاه الثالث فقرأه.

فتعمر وجهه واحتبس الكتاب في يده وحول الرسول إلى دار الضيافة. ولما أمسى أجاز الرسول وأعطاه عهد قتيبة على خراسان فخرج حتى إذا كان بحلوان بلغه ما كان من أن قتيبة غير مطمئن إلى سليمان فأجمع رأيه على خلعه فدعا الناس الذين معه إلى ذلك فأبى عليه الناس وولوا أمرهم وكيعاً سيد بني تميم فثاروا على قتيبة حتى قتلوه هو وإخوته وأكثر بنيه. قال رجل من عجم خراسان يا معشر العرب قتلتم قتيبة واللَّه لو كان منا فمات فينا جعلناه في تابوت فكنا نستفتح به إذا غزونا وما صنع أحد قط بخراسان ما صنع قتيبة إلا أنه قد غدر وذلك أن الحجاج كتب إليه أن أحتلهم واقتلهم وكانوا يسمون قتيبة هناك ملك العرب فانظروا كيف كانت قوة قتيبة وسيادته في الجماعة وكيف ضاع ذلك كله بسبب هذه الفتنة التي تعجلها قتيبة وما كان ضره لو تأنى.

كانت قيس تزعم أن قتيبة لم يخلع وإنما تجنى عليه وكيع وعلى كل حال فإن الذي حصل كان موافقاً لهوى سليمان بن عبد الملك.

وأما القائد الثالث وهو موسى بن نصير فإن خاتمة حياته كانت أتعس من صاحبيه فإنه قبل أن يتوفى الوليد استقدمه إلى دمشق فقدم وقد مات الوليد وكان سليمان منحرفاً عنه فعزله عن جميع الأعمال وحبسه وأغرمه مالاً عظيماً لم يقدر على وفائه فكان يسأل العرب في معونته وعلى الجملة فإن فاتحة عهد سليمان لم تكن مما يسر لما أصاب هؤلاء القواد العظام من التعس بعد بلائهم.

أما العامة فإنهم استبشروا به لأنه أزاح عنهم عمال الجور والعسف الذين كانوا عليهم في عهد أخيه وأطلق الأسارى وخلى أهل السجون وأحسن إلى الناس.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:11 AM
الفتوح في عهد يزيد:

في عهد إمارة يزيد بن المهلب خراسان فتح دهستان بعد أن حاصرها مدة طويلة ثم أتى جرجان فصالحه أهلها وخلف فيهم جنداً وسار إلى طبرستان فقاتله بها الأصبهبذ قتالاً شديداً ثم صالحه أخيراً وبينا هو محاصر طبرستان بلغه أن أهل جرجان غدروا بعامله وقتلوه هو ومن معه فعاد إليهم وفتح جرجان الفتح الأخير وقتل من أهلها مقتلة عظيمة وكان فتحه لهذه البلاد فتحاً عظيماً لأنها كانت ارتدت وقطعت الطريق على المسلمين وكتب يزيد إلى سليمان بن عبد الملك أما بعد فإن اللَّه قد فتح لأمير المؤمنين فتحاً عظيماً وصنع للمسلمين أحسن الصنع فلربنا الحمد على نعمه وإحسانه في خلافة أمير المؤمنين على جرجان وطبرستان وقد أعيا ذلك سابور ذا الأكتاف وكسرى ابن قباذ وكسرى بن هرمز وأعيا الفاروق عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومن بعدهما من خلفاء اللَّه حتى فتح اللَّه ذلك لأمير المؤمنين كرامة من اللَّه له وزيادة في نعمه عليه وقد صار عندي من خمس ما أفاء اللَّه وأنا حامل ذلك لأمير المؤمنين إن شاء اللَّه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:12 AM
في بلاد الروم:

في عهد سليمان سنة جهز أخاه مسلمة بن عبد الملك بجند عظيم لفتح القسطنطينية وأمره أن يقيم عليها حتى يفتحها أو يأتيه بها أمره فجاءها وحصرها وشتى بها وصاف ومات سليمان وهو له محاصر.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:13 AM
ولاية العهد:

كان سليمان بن عبد الملك قد عهد لابنه أيوب فمات وهو ولي عهده فلما مرض سليمان استشار رجاء بن حيوة في تولية عمر بن عبد العزيز فوافقه على ذلك وكتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا كتاب من عبد اللَّه سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز إني قد وليتك الخلافة من بعدي ومن بعدك يزيد بن عبد الملك فاسمعوا له وأطيعوا واتقوا اللَّه ولا تختلفوا فيطمع فيكم عدوكم وختم الكتاب وأمر بجمع أهل بيته فلما اجتمعوا قال لرجاء اذهب بكتابي هذا إليهم فأخبرهم أن هذا كتابي ومرهم فليبايعوا من وليت فبايعوا كلهم من غير أن يعلموا من سماه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:14 AM
وفاة سليمان:

يوم الجمعة لعشر بقين من صفر سنة 99 هـ توفي سليمان بن عبد الملك بدابق من أرض قنسرين بعد أن حكم سنتين وثمانية أشهر وخمسة أيام وكانت سنه إذ توفي 45 سنة«

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:16 AM
عمر بن عبد العزيز:

ترجمته:

هو عمر بن عبد العزيز بن مروان ولد سنة 62 هجرية وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. ولي الخلافة بعد سليمان بن عبد الملك باستخلافه إياه.

لما مات سليمان خرج رجاء بعهده الذي لم يكن فتح وجمع بني أمية في مسجد دابق وطلب منهم المبايعة مرة ثانية لمن سماه سليمان في كتابه فلما تمت بيعتهم أخبرهم بوفاة أمير المؤمنين وقرأ عليهم الكتاب ولما انتهى أخذ بضبعي عمر فأجلسه على المنبر وهو يسترجع لما وقع فيه وهشام بن عبد الملك يسترجع لما أخطأه.

ولما تمت البيعة بمراكب الخلافة البراذين والخيل والبغال ولكل دابة سائس فقال ما هذا قالوا مركب الخلافة قال دابتي أوفق لي وركب دابته فصرفت تلك الدواب ثم أقبل سائراً فقيل له منزل الخلافة فقال فيه عيال أبي أيوب وفي فسطاطي كفاية حتى يتحولوا فأقام في منزله حتى فرغوه بعد.

كان عمر بن عبد العزيز بعيداً عن كبرياء الملوك وجبروتهم فأعاد إلى الناس سيرة الخلفاء الراشدين الذين كانوا ينظرون إلى أمتهم نظر الأب البار ويعدلون بينهم في الحقوق ويعفون عن أموال الرعية والدنيا عندهم أهون من أن يهتم بجمعها كذلك كان عمر بن عبد العزيز.

في أول خلافته أرسل كتاباً عاماً إلى جميع العمال بالأمصار هذه نسخته أما بعد فإن سليمان بن عبد الملك كان عبداً من عبيد اللَّه أنعم اللَّه عليه ثم قبضه واستخلفني ويزيد بن عبد الملك من بعدي إن كان، وإن الذي ولاني اللَّه من ذلك وقدر لي ليس على بهين ولو كانت رغبتي في اتخاذ أزواج واعتقال أموال كان في الذي أعطاني من ذلك ما قد بلغ بي أفضل ما بلغ بأحد من خلقه وأنا أخاف فيما ابتليت به حساباً شديداً ومسألة غليظة إلا ما عافى اللَّه ورحم وقد بايع من قبلنا فبايع من قبلك. وهذا الكتاب ينبىء عن حقيقة الرجل وتواضعه وبعده عن الزهو والكبرياء وشعوره بعظيم ما ألقي عليه من أمر المسلمين.

مما يدل على حبه للعدل والوفاء أن أهل سمرقند قالوا لعاملهم سليمان بن أبي السرح إن قتيبة غدر بنا وظلمنا وأخذ بلادنا وقد أظهر اللَّه العدل والإنصاف فأذن لنا فليفد منا وفد إلى أمير المؤمنين يشكون ظلامتنا فإن كان لنا حق أعطيناه فإن بنا إلى ذلك حاجة فأذن لهم فوجهوا منهم قوماً إلى عمر فلما علم عمر ظلامتهم كتب إلى سليمان يقول له إن أهل سمرقند قد شكوا ظلماً أصابهم وتحاملاً من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي فلينظر في أمرهم فإن قضى لهم فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن ظهر عليهم قتيبة فأجلس لهم سليمان جميع بن حاضر.

ومن أعماله العظيمة تركه لسب علي بن أبي طالب على المنابر وكان بنو أمية يفعلونه فتركه وكتب إلى الأمصار بتركه. وكان الذي وقر ذلك في قلبه أنه لما ولي المدينة كان من خاصته عبيد اللَّه بن عتبة بن مسعود من فقهاء المدينة فبلغه عن عمر شيء مما يقول بنو أمية فقال عبيد اللَّه متى علمت أن اللَّه غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان بعد أن رضيعنهمفقال لم أسمع ذلك قال فما الذي بلغني عنك في علي فقال عمر معذرة إلى اللَّه وإليك وترك ما كان عليه فلما استخلف وضع مكان ذلك {إن اللَّه يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} [النحل: 9] فأي شر رفع وأي خير وضع قال في ذلك كثير عزة:

بريا ولم تتبع مقالة مجرم
تبين آيات الهدى بالتكلم
فعلت فأضحى راضياً كل مسلم
من الأود البادي ثقات المقوم

وليت فلم تشتم عليا ولم تخف
تكلمت بالحق المبين وإنما
وصدقت معروف الذي قلت بالذي
ألا إنما يكفي الفتى بعد زيغه


ومن إصلاحه أمره بعمل الخانات في البلدان القاصية فقد كتب إلى سليمان بن أبي السرح أن اعمل خانات فمن مر بك من المسلمين فأقروه يوماً وليلة وتعهدوا دوابهم ومن كانت به علة فأقروه يومين وليلتين وإن كان منقطعاً فأبلغه بلده.

ومما يذكر له أن أبطل مغارم كثيرة كانت قد استحدثت في عهد الحجاج بن يوسف فقد كتب إلى أمير العراق أما بعد فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام اللَّه وسنة خبيثة سنها عليهم عمال السوء وإن قوام الدين العدل والإحسان فلا يكون شيء أهم إليك من نفسك فلا تحملها إلا قليلاً من الإثم ولا تحمل خراباً على عامر وخذ منه ما طاق وأصلحه حتى يعمر ولا يؤخذن من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض ولا تأخذ أجور البيوت ولا درهم النكاح ولا خراج على من أسلم من أهل الذمة فاتبع في ذلك أمري فإني قد وليتك من ذلك ما ولاني اللَّه.

ومما فعله أنه نهى عن تنفيذ حكم أو قطع إلا بعد أن يراجع فيه بعد أن كانت الدماء قبله تراق من غير حساب بل على حسب هوى الأمير.

ومن الحكمة أن لا يتساهل في مثل هذه الحدود وضم رأي الخليفة إلى رأي القاضي الذي حكم ضمان كبير لأن يكون الحكم قد وقع موقعه.

رده المظالم لأهلها لما ولى الخلافة أحضر قريشاً ووجوه الناس فقال لهم إن فدك كانت بيد رسول اللَّه r فكان يضعها حيث أراد اللَّه ثم وليها أبو بكر وعمر كذلك ثم أقطعها مروان ثم إنها قد صارت إلي ولم تكن من مالي أعود منها علي وإني أشهدكم قد رددتها على ما كانت عليه في عهد رسول اللَّه r وقال لمولاه مزاحم أن أهلي أقطعوني ما لم يكن لي أن آخذ ولا لهم أن يعطونيه وإني قد هممت برده على أربابه.

كان عمر غير مترف فكان مصرفه كل يوم درهمين وكان يتقشف في ملبسه كجده عمر بن الخطاب ولم يتزوج كعمر غير فاطمة بنت عبد الملك بن مروان وكان أولاده يعينونه على الخير وكان أشدهم معونة له ابنه عبد الملك.

وعلى الجملة فإن عمر بن عبد العزيز من أفراد الخلفاء الذين لا يسمح بهم القدر كثيراً ويرى المسلمون أن عمر هو الذي بعث على رأس المائة الثانية ليجدد للأمة أمر دينها كما جاء في حديث »إن اللَّه يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها «.

لم يحدث في عهد عمر شيء من الحوادث الداخلية المهمة إلا ما كان من القبض على يزيد بن المهلب واحضاره إلى عمر فسأله عن الأموال التي كتب بها إلى سليمان بن عبد الملك فقال كنت من سليمان بالمكان الذي قد رأيت وإنما كتبت إلى سليمان لأسمع الناس وقد علمت أن سليمان لم يكن ليأخذني به فقال لا أحد في أمرك إلا حبسك فاتق اللَّه وأد ما قبلك فإنها حقوق المسلمين ولا يسعني تركها وحبس بحصن حلب.

ومن الحوادث الخارجية في عهده أنه كتب إلى ملوك السند يدعوهم إلى الإسلام وقد كانت سيرته بلغتهم فأسلم ملوك السند وتسموا بأسماء العرب.

واستقدم مسلمة بن عبد الملك من حصار القسطنيطينية وأمر أهل طرندة بالقفول عنها إلى ملطية وطرندة داخلة في البلاد الرومية من ملطية ثلاث مراحل وكان عبد اللَّه بن عبد اللَّه قد أسكنها المسلمين بعد أن غزاها سنة 83 وملطية يومئذ خراب وكان يأتيهم جند من الجزيرة يقيمون عندهم إلى أن ينزل الثلج ويعودون إلى بلادهم فلم يزالوا إلى أن ولي عمر فأمرهم بالعودة إلى ملطية وأخلى طرندة خوفاً على المسلمين من العدو وأخرب طرندة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:17 AM
وفاة عمر بن عبد العزيز:

في 25 رجب سنة 101 توفي عمر بن عبد العزيز بدير سمعان وكانت مدته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:18 AM
يزيد بن عبد الملك:

ترجمته:

هو يزيد بن عبد الملك بن مروان ولد سنة 65 وعهد إليه سليمان بن عبد الملك بالخلافة بعد عمر بن عبد العزيز فلما توفي عمر بويع بها فلما تولى عمد إلى كل صالح فعله عمر فأعاده إلى ما كان عليه وهو أول خليفة من بني أمية عرف بالشراب وقتل الوقت في معاشرة القيان. وفي أول عهده كانت فتنة يزيد بن المهلب فإنه لما هرب من محبس عمر وبلغه موته وخلافة يزيد بن عبد الملك قصد البصرة وعليها عدي بن أرطاة فاستولى عليها وعلى ما يليها من فارس والأهواز فبعث إليه يزيد بن عبد الملك جيشاً عظيماً يقوده أخوه مسلمة بن عبد الملك. خطب ابن المهلب أهل البصرة وأخبرهم أنه يدعوهم إلى كتاب اللَّه وسنته وحثهم على الجهاد وزعم أن جهاد أهل الشام أعظم ثواباً من جهاد الترك والديلم. فسمعه الحسن البصري سيد فقهاء أهل البصرة فقال واللَّه لقد رأيناك والياً وموالياً عليك فما ينبغي لك ذلك فقام إليه أناس فأسكتوه خوفاً من أن يسمعه ابن المهلب.

وروى الطبري أن الحسن مر على الناس وقد اصطفوا صفين وقد نصبوا الرايات والرماح وهم ينتظرون خروج ابن المهلب وهم يقولون يدعونا إلى سنة العمرين فقال الحسن إنما كان يزيد بالأمس يضرب أعناق هؤلاء الذين ترون ثم يسرح بها إلى بني مروان يريد بهلاك هؤلاء القوم رضاهم فلما غضب غضبة نصب نصباً ثم وضع عليها خرقاً ثم قال إني قد خالفتهم فخالفوهم قال هؤلاء القوم نعم وقال إني أدعوكم إلى سنة العمرين وإن من سنة العمرين أن يوضع قيد في رجله يرد إلى محبس عمر الذي فيه حبسه.

وولي ابن هبيرة سعيد الخرشي على خراسان وكانت له مع الصغد أهل سمرقند وقائع عظيمة من كثرة ما نقضوا كاد يستأصلهم فيها.

وفي عهده دخل جيش للمسلمين بلاد الخزر من أرمينية وعليهم ثبيت النهراني فاجتمعت الخزر في جمع كثير وأعانهم قفجاق وغيرهم من أنواع الترك فلقوا المسلمين بمكان يعرف بمرج الحجارة فاقتتلوا هناك قتالاً شديداً فقتل من المسلمين بشر كثير واحتوت الخزر على عسكرهم وغنموا جميع ما فيه وأقبل المنهزمون إلى الشام فقدموا على يزيد بن عبد الملك وفيهم ثبيت فوبخهم يزيد على الهزيمة فقال يا أمير المؤمنين ما جبنت ولا نكبت عن لقاء العدو ولقد لصقت الخيل بالخيل والرجل بالرجل ولقد طاعنت حتى انقصف رمحي وضاربت حتى انقطع سيفي، غير أن اللَّه تبارك وتعالى يفعل ما يريد.

ولما غلب الخزر هذه المرة طمعوا في بلاد المسلمين فجمعوا وحشدوا واستعمل يزيد الجراح بن عبد اللَّه الحكمي حينئذ على أرمينية وأمده بجيش كثيف وأمره بغزو الخزر وغيرهم من الأعداء فسار الجراح حتى وصل برذعة، وبعد أن استراح سار نحو الخزر فعبر نهر الكرو، ولما وصل إلى مدينة الباب والأبواب لم يجد فيها أحداً من الخزر فدخلها بغير قتال ثم أقبل إليه الخزر وعليهم ابن ملكهم فقاتلهم الجراح وظفر بهم ظفراً عظيماً ثم سار حتى نزل على حصن يعرف بالحصين أهله بالأمان على مال يحملونه فأمنهم وتسلم حصنهم ونقلهم عنه.

ثم سار إلى بلنجر، وهو حصن عظيم من حصونهم فنازله وافتتحه عنوة بعد قتال زاغت فيه الأبصار، ثم إن الجراح أخذ أولاد صاحب بلنجر وأهله وأرسل إليه فحضر ورد إليه أمواله وأهله وحصنه وجعله عيناً لهم يخبره بما يفعل العدو، ثم سار عن بلنجر فنزل على حصن الوبندر وبه نحو أربعين ألفاً من الترك فصالحوا الخراج على مال يؤدونه، وعلى الجملة فقد كان الجراح أعظم الولادة أثراً وفتحاً في تلك البلاد القاصية.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:19 AM
ولاية العهد:

كان يزيد يريد تولية ابنه الوليد من بعده، فقيل له إنه صغير، فولى أخاه هشاماً ومن بعده ابنه الوليد.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:20 AM
وفاة يزيد:

لأربع عشرة من شهر ربيع الأول سنة 64 (10 نوفمبر سنة 683 م) توفي يزيد بن معاوية بحوران من أرض الشام وسنه تسع وثلاثون سنة ومدة خلافته ثلاث سنوات وثمانية أشهر وأربعة عشر يوماً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:21 AM
هشام بن عبد الملك:

ترجمته:

هو هشام بن عبد الملك بن مروان عاشر الأمويين وسابع المروانيين ولد سنة 92 من الهجرة وكان أبوه عبد الملك إذ ذاك يحارب مصعب بن الزبير، وأمه عائشة بنت هشام بن المخزومية.

وكان حين مات أخوه يزيد مقيماً بحمص وهناك جاءه البريد بالعصا والخاتم وسلم عليه بالخلافة فأقبل حتى أتى دمشق وتمت له البيعة فأقام خليفة إلى سادس ربيع الأول سنة 125 أي تسع عشرة سنة وستة أشهر وأحد عشر يوماً وكان هشام معدوداً من خير خلفاء بني أمية ولعمري إن من كان من خلقه الحلم والعفة لجدير من ذلك.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:22 AM
الأحوال الداخلية في عهده:

في العراق والشرق ــ كان أمير العراق ــ حين ولي هشام عمر بن هبيرة وكان لهشام فكر حسن في أهل اليمن فعزل ابن هبيرة وولي بدله خالد بن عبد اللَّه القسري وهو قحطاني. فاختار لولاية خراسان أخاه أسد بن عبد اللَّه واستعمل الجنيد بن عبد الرحمن على السند.

ولَّى هشام خراسان أشرس بن عبد اللَّه السلمي وأمره أن يكاتب خالداً وكان أشرس فاضلاً خيراً وكانوا يسمونه الكامل لفضله، فلما قدم خراسان فرحوا به ولأول عهده أرسل إلى أهل سمرقند وما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام على أن توضع عنهم الجزية فسارع الناس هناك إلى الإسلام فكتب صاحب الخراج إلى أشرس إن الخراج قد انكسر فكتب أشرس سمرقند إن في الخراج قوة للمسلمين وقد بلغني أن أهل الصغد وأشباههم لم يسلموا رغبة إنما أسلموا تعوذاً من الجزية فانظر من اختتن وأقام الفرائض وقرأ سورة من القرآن فارفع خراجه.

كان رسول أشرس إلى الصغد بدعوة الإسلام أبا الصيداء صالح بن طريف فلما رأى العمال يطالبون من أسلم بالجزية منعهم من ذلك فلجوا ولج وكانت النتيجة أن عصى الصغد وأعانهم أبو الصيداء ومن كان معه فاحتال أمير جند أشرس على أبي الصيداء وبقية الرؤساء الذين ساعدوه حتى جيء بهم فحبسهم واستخف بعدذلك بعظماء العجم والدهاقين فكفر أهل الصغد واستجاشوا الترك فأعانوهم.

لما علم بذلك أشرس خرج غازياً في جنوده حتى عبر النهر من عند آهل فأقبل الصغد والترك وكانت بين الفريقين موقعة عظيمة كاد المسلمون ينهزمون فيها لولا أن رجعوا فثبتواحتى هزموا عدوهم، ثم سار أشرس حتى نزل بيكند فقطع العدو عنهم الماء وكادوا يهلكون عطشاً لولا أن انتدب شجعانهم إلى الترك فأزالوهم عن الماء واستقى الناس ثم غلبوهم على مواقعهم فأزالوا عنها وهزموهم.

وفي سنة 111 عزل هشام أشرس بن عبد اللَّه عن خراسان واستعمل بدله الجنيد بن عبد الرحمن المري فلما جاء خراسان فرق عماله ولم يستعمل إلا مضرياً.

وفي سنة 112 خرج غازياً يريد طارستان فوجه جنداً عدده ثمانية عشر ألفاً إلى طخارستان وجنداً عدده عشر آلاف إلى وجه آخر فكتب إليه أمير سمرقند أن خاقان ملك الترك جاش فخرجت إليهم فلم أطلق أن أمنع حائط سمرقند فالغوث الغوث فأمر الجنيد الجند بعبور النهر. فقال له ذوو الرأي ممن معه إن أمير خراسان لا يعبر النهر في أقل من خمسين ألفاً وأنت قد فرقت جندك، قال فكيف بسورة (أمير سمرقند) ومن المسلمين لو لم أكن إلا في بني مرة أو من طلع معي من الشام لعبرت ثم عبر فنزل كش وتأهب للمسير فبلغ الترك خبره فغوروا الآبار فسار الجند بالناس حتى صار بينه وبين سمرقند أربعة فراسخ ودخل الشعب فصبحه خاقان في جمع عظيم وزحف إليه أهل الصغد وفرغانة والشاش وطائفة من الترك وهنا ظهرت العزائم الثابتة من قواد المسلمين فأبلوا بلاء حسناً مع قلة عددهم وكثرة عدوهم ولما اشتد القتال ورأى الجنيد شدة الأمر استشار أصحابه فقال له عبد اللَّه بن حبيب اختر إما تهلك أنت أو سورة بن الحر، قال هلاك سورة أهون علي قال فاكتب إليه فليأتك في أهل سمرقند فإنه إذا بلغ الترك إقباله توجهوا إليه فقاتلوه فكتب الجنيد إلى سورة يأمره بالقدوم، فرحل سورة عن سمرقند في اثني عشر ألفاً فلما كان بينه وبين الجنود فرسخ واحد لقيهم فقاتلهم أشد قتال فانكشف الترك وثار الغبار فلم يبصروا وكان من وراء الترك لهب فسقطوا فيه وسقط العدو والمسلمون وسقط سورة فاتقدت فخذه وتفرق الناس فقتلهم الترك ولم ينج منهم إلا القليل.

وفي سنة 116 عزل الجنيد عن خراسان وولي بدله عاصم بن عبد اللَّه الهلالي وكان هشام قد غضب على الجنيد لأنه تزوج الفاصلة بنت يزيد المهلب فقال لعاصم إن أدركته وبه رمق فأزهق نفسه فجاء عاصم وقد مات الجنيد فأراحه اللَّه من هذا الشر الذي صار عادة في هذه الدولة ولم يكتف عاصم بذلك بل أخذ عمال الجنيد وعذبهم.

وفي عهده خرج عليه الحارث بن سريج لابساً السواد داعياً إلى كتاب اللَّه وسنة نبيه والبيعة للرضا وتبعه خلق كثير فاستولى على البلخ والجوزجان ثم قصد مرو بها عاصم فقابله على أبوابها فهزمه هزيمة منكرة وغرق من جنده بشر كثير في أنهار مرو وفي النهر الأعظم وهرب الحارث.

وفي سنة 119 غزا أسد الختل وغلب على قلعتهم العظمى وفرق العسكر في أودية الختل فملئوا أيديهم من الغنائم والسبي وهرب أهله إلى الصين وفي سنة 120 توفي أسد ببلخ وكان من خيرة الولاة بخراسان وأبعدهم همة وأشدهم شكيمة.

وفي سنة 111 عزل هشام مسلمة ورد الجراح فدخل بلاد الخزر من ناحية نفليس ففتح مدينتهم البيضاء وانصرف سالماً فجمعت الخزر جموعها واحتشدت وساعدتهم الترك من ناحية اللان فلقيهم الجراح فيمن معه من أهل الشام فاقتتلوا أشد قتال رآه الناس فصبر الفريقان وتكاثرت الخزر والترك على المسلمين فقتل الجراح ومن معه بمرج أردبيل، وبذلك طمع الخزر في البلاد وأوغلوا فيها حتى قاربوا الوصل وعظم الخطب. فلما علم ذلك هشام استعمل على تلك البلاد سعيداً الحرشي وأتبعه بالجنود، ولما وصل وأرزن فلول الجراح فأخبرهم معه حتى وصل إلى خلاط فافتتحها عنوة ثم سار عنها وفتح القلاع والحصون شيئاً بعد شيء إلى أن وصل برذع فنزلها.

وفي سنة 114 قدم على هشام مروان بن محمد فشكا إليه مسلمة وأنه لم يفعل شيئاً مع هذا العدو الشديد وطلب إليه أن يوليه أرمينية وأن يمده بمائة وعشرين ألف مقاتل ليوقع بالخزر والترك وقعة يؤدبهم بها فأجابه إلى ذلك هشام وعزل مسلمة وولي مروان الجزيرة وأرمينية وأذربيجان وسير الجنود إليه فدخل مروان بلاد الخزر وسار فيها حتى انتهى إلى آخرها وملك الخزر ينفض بجموعه أمامه ذليلاً فأقام مروان في تلك البلاد أياماً ودخل بلاد السرير فأوقع بأهله وفتح أقلاها ودان له الملك ولما رأى أهل تلك البلاد ما عليه مروان من القوة صالحوه فعاد عنهم وكان مروان أن يلح على أهل تلك البلاد بإظهار القوة حتى لم يكونوا يحدثون أنفسهم بحربه وخافه الترك خوفاً شديداً ودانت له جميع البلاد على شاطىء بحر الخزر.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:23 AM
في الشمال:

كانت الحرب لا تنقطع بين المسلمين والروم من جهة الحد الشمالي للبلاد الإسلامية ولتلك كانت حماية الثغور مما يهتم به الخلفاء جد الاهتمام ويولون أمرها كبار القواد وكانت الشواتي والصوائف دائمة الحركة، وممن اشتهر بقيادة الجيوش في تلك الأصقاع مروان بن محمد قبل أن يولي أرمينية ومسلمة بن عبد الملك ومعاوية بن هشام وسعيد بن هشام وسليمان بن هشام، وقد افتتحوا في غزواتهم بلداناً كثيرة رومية منها قونية وخرشنة وقيسارية وكثيراً من الحصون والقلاع.

وكانت مراكب البحر لا تزال تغير على الروم من البحر وكان أمير البحر في عهد هشام عبد الرحمن بن معاوية بن خديج ومن أكبر القواد عبد اللَّه بن عقبة.

ومما ينبغي ذكره في حروب الروم قتل عبد الوهاب بن بخت سنة 113، وكان يعزو مع عبد اللَّه البطال أرض الروم فانهزم الناس عن البطال فحمل عبد الوهاب وصاح أنا عبد الوهاب بن بخت، أمن الجنة تفرون ثم تقدم في نحر العدو فمر برجل يقول واعطشاه، فقال تقدم الري أمامك فخالط القوم فقتل، وفي سنة 122 قتل عبد اللَّه البطال وكان كثير الغزو إلى بلاد الروم والإغارة على بلادهم وله عندهم ذكر عظيم وكانوا يخافونه خوفاً شديداً وسيره عبد الملك بن مروان مع ابنه مسلمة إلى بلاد الروم وأمره على رؤوس أهل الجزيرة والشام وأمره أن يجعله على مقدمته وطلائعه وقال إنه ثقة شجاع مقدام فجعله مسلمة على عشرة آلاف فارس فكان بينه وبين الروم.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:24 AM
في الحجاز:

كان والي الحجاز محمد بن هشام المخزومي خال عبد الملك بن مروان وفي سنة 106 حج هشام بن عبد الملك.

واستمر أمير الحجاز محمد بن هشام وهو الذي يقيم الناس حجهم إلا في سنة 116 فإن الذي أقام الحج هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك ولي العهد وفي سنة 123 حج يزيد بن هشام بن عبد الملك.

ولم يحصل في الحجاز حوادث ولا ثورات في عهد هشام.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:25 AM
ولاية العهد:

كان ولي العهد بحسب وصية يزيد بن عبد الملك هو الوليد بن يزيد فبدا لهشام أن يعزله ويولي بدله ابنه مسلمة واحتال لذلك فلم يفلح وإن كان قد أجابه بعض القواد إلى ما أراد وقد انتهى زمن هشام والوليد مباعد له نازل بالأزرق على ماء له بالأردن.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:26 AM
وفاة هشام:

لست خلون من شهر ربيع الآخر سنة 125 توفي هشام بن عبد الملك وكانت خلافته تسع عشرة سنة وستة أشهر وأحد عشر يوماً من 25 شعبان سنة 105 إلى ربيع الأول سنة 125

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:27 AM
صفة هشام:

كان هشام مشهوراً بالحلم والعفة، شتم مرة رجلاً من الأشراف فقال له الرجل أما تستحي أن تشتمني وأنت خليفة اللَّه في الأرض. فاستحيا منه هشام وقال اقتص مني قال إن أنا سفيه مثلك قال فخذ مني عوضاً من المال قال ما كنت لأفعل، قال فهبها للَّه، قال هي للَّه ثم لك. فنكث هشام رأسه واستحيا وقال واللَّه لا أعود لمثلها أبداً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:28 AM
الوليد بن يزيد الثاني:

هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف الثقفي كان والياً للعهد بعد هشام وكان مغاضباً له في حياته حتى خرج وأقام في البرية كما ذكرناه.

ولم يزل مقيماً في تلك البرية حتى مات هشام فجاءه الكتاب بموته وبيعة الناس له فكان أول ما فعله أن كتب إلى العباس بن عبد الملك بن مروان أن يأتي الرصافة فيحمي ما فيها من أموال هشام وولده وعياله وحشمه إلا مسلمة بن هشام فإنه كلم أباه في الرفق بالوليد فقدم العباس الرصافة ففعل ما كتب به الوليد.

كان مما يهم الوليد أن ينتقم من كل من أعان هشاماً عليه وهم كثير من سادة الأمة وأفراد البيت الأموي.

كان ممن أجاب هشاماً إلى خلع الوليد محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل المخزوميان فوجه الوليد إلى المدينة يوسف بن محمد الثقفي والياً عليها ودفع إليه محمداً وإبراهيم موثقين في عباءتين فقدم بهما المدينة فأقامهما للناس ثم حملا الشام فأحضرا عند الوليد فأمر بجلدهما فقال محمد أسألك بالقرابة. قال أي قرابة بيننا قال فقد نهى رسول اللَّه r عن ضرب بسوط إلا في حد قال ففي حد أضربك وقود أنت أول ما فعل بالعرجى وهو ابن عمي وابن أمير المؤمنين عثمان وكان محمد قد أخذه وقيده وأقامه للناس وجلده وسجنه إلى أن مات بعد تسع سنين لهجاء العرجي إياه ثم أمر به الوليد فجلد هو وأخوه إبراهيم ثم أوقفهما حديداً وأمر أن يبعث بهما إلى يوسف بن عمر وهو على العراق فلما قدم بهما عليه عذبهما حتى ماتا.

وأخذ سليمان بن عبد الملك فضربه مائة سوط وحلق رأسه ولحيته وغربه إلى عمان من أرض الشام وحبس يزيد بن هشام وفرق بين زوج بن الوليد وبين امرأته وحبس عدة من ولد الوليد وهؤلاء الثلاثة من أفراد البيت المالك.

وكان خالد بن عبد اللَّه القسري سيداً من سادات اليمن فطلب إليه الوليد أن يبايع لابنيه الحكم وعثمان بولاية العهد من بعده فأبى فغضب عليه الوليد وكان ذلك سبباً في أن أرسله إلى يوسف بن عمر الثقفي والي العراق فنزع ثيابه وألبسه عباءة وحمل في محمل بغير وطاء وعذبه عذاباً شديداً وهو لا يكلمه كلمة ثم حمله إلى الكوفة فعذبه عذاباً شديداً حتى مات فأفسد ذلك على الوليد قلوب اليمانية وفسدت عليه قضاعة وهم أكبر جند الشام.

وصار بنو أمية يشيعون عن الوليد بين الناس القبائح ورموه بالكفر وكان أكثرهم فيه يزيد بن عبد الملك وكان الناس إلى قوله أميل لأنه كان يظهر النسك.

بذلك كله نفرت من الوليد قلوب الخاصة والعامة وما سبب ذلك كله إلا شهوة الانتقام التي لا يستقيم بها ملك ولا يكون معهاصلاح وإذا كان الانتقام يقبح بالناس فهو من الملوك أقبح وبذهاب ملكهم أسرع.

أتت اليمانية يزيد بن الوليد فأرادوه على البيعة فاستشار في ذلك أخاه العباس بن الوليد فنهاه عن ذلك ولكنه لم ينته وبايعه الناس سراً وبعث دعاته فدعوا إليه الناس وبلغ الخبر مروان بن محمد بن مروان وهو بآرمينية فكتب إلى سعيد بن عبد الملك يأمره أن ينهى الناس ويكفهم ويحذرهم الفتنة ويخوفهم خروج الأمر عنهم فأعظم سعيد ذلك وبعث بكتاب مروان بن العباس بن الوليد فاستدعى العباس يزيد وتهدده فكتمه يزيد الخبر فصدقه ولما اجتمع ليزيد أمره أقبل إلى دمشق وقد بايع له أكثر أهلها سراً وكان واليها عبد الملك بن محمد بن الحجاج فاستولى يزيد على دمشق وجهز جيشاً لمقاتلة الوليد عليه عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك فذهب إليه وهو بالأغدف من أرض عمان فقاتله ولما أحس الوليد بالغلبة دخل قصره وأغلق عليه بابه وجلس وأخذ مصحفاً فنشره يقرأ فيه وقال يوم كيوم عثمان فصعدوا على الحائط ودخلوا عليه فقتلوه وحزوا رأسه وذهبوا به إلى يزيد فنصبه على رمح وطيف به في دمشق.

وكان قتله لليلتين بقيتا من جمادي الآخرة سنة 126 وكانت مدة خلافته سنة وثلاثة أشهر« وبقتله افتتح باب الشؤم على بني أمية.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:29 AM
يزيد بن الوليد بن عبد الملك (الثالث):

هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان وأمه أم ولد اسمها شاه آفريد بنت فيروز بن جرد بن شهريار بن كسرى.

بويع بالخلافة بعد مقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك لليلتين بقيتا من جمادي الآخرة سنة 126، وكان يسمى يزيد الناقص، قيل لأنه نقص من أعطيات الناس ما زاده الوليد بن يزيد وردها إلى ما كانت عليه زمن هشام. وكانت ولاية يزيد فاتحة اضطراب في البيت الأموي ومبدأ انحلاله وذهاب سعادته.

وأول ما كان من الاضطرابات بالشام قيام أهل حمص ليأخذوا بثأر الوليد ممن قتله وأمروا عليه معاوية بن يزيد بن حصين ونابعهم على ما أرادوا من ذلك مروان بن عبد اللَّه بن عبد الملك وكان عاملاً للوليد على حمص وهو من سادة بني مروان نبلاً وكرماً وعقلاً وجمالاً؛ فلما بلغ يزيد خبرهم أرسل إليهم رسلاً فيهم يعقوب بن هانىء وكتب إليهم أنه ليس يدعو إلى نفسه وإنما يدعو إلى الشورى فلم يرضى بذلك أهل حمص وطردوا رسل يزيد وحينئذ جهز لهم جيشاً عليه سليمان بن هشام فسار ذلك الجيش حتى نزل حوارين. كان أهل حمص يريدون الذهاب إلى دمشق فأشار عليهم مروان بن عبد اللَّه أن يبدءوا بقتال هذا الجيش فاتهموه فقتلوه هو وابنه وولوا أبا محمد السقباني وتركوا جيش سليمان ذات اليسار وساروا إلى دمشق فسار سليمان مجداً في أثرهم فلحقهم بالسليمانية وكان يزيد قد أرسل جنداً آخر يقدمه عبد العزيز بن الحجاج فاجتمع الجندان على أهل حمص فهزموهم وقتلوا منهم عدداً عظيماً ولما رأوا ذلك دانوا ليزيد وبايعوه.

وكما فعل أهل حمص فعل أهل فلسطين فإنهم طردوا عاملهم وولوا أمرهم يزيد بن سليمان بن عبد الملك وكذلك فعل أهل الأردن وولوا محمد بن عبد الملك واجتمعوا مع أهل فلسطين على قتال يزيد بن عبد الملك فسير إليهم يزيد سليمان بن هشام في أهل دمشق وأهل حمص الذين كانوا مع السقباني وكانت عدتهم أربعة وثمانين ألفاً ولم تتم لأهل فلسطين والأردن لأنهم اختلفوا فتفرق أمرهم وانتهوا بالبيعة ليزيد.

وكما كان هذا الخلاف والشقاق بالشام كان الأمر على أشد من ذلك بالعراق والمشرق فإن يزيد ولي العراق منصور بن جمهور وعزل عنه يوسف بن عمر فذهب منصور إلى الكوفة وأخذ البيعة بها ليزيد ثم أرسل العمال إلى خراسان فامتنع نصر بن سيار من تسليم عمله إلى عمال منصور وضبط البلاد وأعطى الناس بعض أعطياتهم فطالبوه ببقية العطاء فأبى ذلك عليهم، فقام في وجهه رجل من كبار اليمن هو جديع بن علي الأزدي المعني ويلقب بالكرماني لأنه ولد بكرمان وقام معه اليمانية يريدون إفساد الأمر على نصر فقامت النزارية مع نصر عصبية له وبذلك نبض عرق العصبية الجاهلية بين الحيين العظيمين من العرب وهما اليمانية والنزارية، فاستحضر نصر الكرماني وحبسه فاحتالت الأزد حتى أخرجوه من محبسه وجمع الناس لحرب وكادت تقع بينهما لولا أن سعى الناس للصلح بينهما ولكنه صلح على فساد لأن كلاً منهما كان يخاف الآخر وبهذا صارت بلاد خراسان مرعى هنيئاً لدعاة بني العباس، ولم يكن عند ولاة الأمر من بني أمية بالشام ما يمكنهم من سد هذه الثلمة التي أثاروها على أنفسهم بهذا الانشقاق المؤذن بالانحلال.

لم تطل مدة يزيد في الخلافة فإنه توفي لعشر بقين من ذي الحجة سنة 126 بعد خمسة أشهر واثنين وعشرين يوماً من استخلافه وكان قد عهد بالولاية من بعده لأخيه إبراهيم بن الوليد ثم لعبد العزيز بن عبد الملك. فلما توفي يزيد قام بالأمر من بعده أخوه إبراهيم غير أنه لم يتم له الأمر فكان تارة يسلم عليه بالخلافة وتارة بالإمارة وتارة لا يسلم عليه بواحدة منهما.

وسبب ذلك أن مروان بن محمد بن مروان والي الجزيرة وأرمينية لم يرضى ولاية إبراهيم فسار إلى الشام في جنود الجزيرة فاستولى على قنسرين وحمص ولما وصل عين الحر قابلته جنود أرسلت لحربه من قبل إبراهيم بن الوليد فانتصر عليهم مروان وخزمهم هزيمة منكرة ثم أخذ عليهم مروان البيعة له ثم سار حتى أتى دمشق فاستولى عليها وبايعه أهلها وهرب إبراهيم بن الوليد فأمنه مروان ولعدم تمام الأمر لإبراهيم لم يعده المؤرخون من الخلفاء.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:30 AM
مروان بن محمد بن مروان (الثاني):

ترجمته:

هو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم وأمه أم ولد كردية كانت لإبراهيم بن الأشتر فأخذها محمد بن مروان يوم قتل إبراهيم فولدت له مروان سنة 70 من الهجرة وكان والياً على الجزيرة وأرمينيا كما كان أبوه قبل ذلك وكان الناس يلقبونه بالجعدي لأنه تعلم من الجعد بن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن والقدرة وغير ذلك. وبويع بالخلافة في دمشق بعد انتصاره على أهلها سنة 127.

كانت مدة مروان كلها مملوءة بالفتن والاضطرابات منذ بويع إلى أن قتل.

وأول ما كان من ذلك خروج عبد اللَّه بن معاوية بن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب بالكوفة داعياً إلى نفسه وكان معه من الشيعة عدد عظيم جداً وكان والي العراق عبد اللَّه بن عمر بن عبد العزيز فجد في حربه، وكانت العامة تميل إليه لمحبتهم لأبيه فساعد ذلك على أن غلب عبد اللَّه بن معاوية ونفاه عن العراق.

ثم كان بالشم أفظع من ذلك وهو الخلاف المتوالي على مروان من أهل الأمصار الكبرى فانتفض عليه أهل حمص، وكان له معهم واقعة هائلة انتصر فيها عليهم وقتل منهم مقتلة عظيمة.

ثم خالف عليه أهل الغوطة فحاربهم وانتصر عليهم. ثم خالف عليه أهل فلسطين فكانت له معهم وقائع انتصر فيها عليهم؛ ثم ثار عليه سليمان بن هشام بن عبد الملك فإنه قد حسن له بعض دعاة الشر والفتنة خلع مروان وقالوا له أنت أوضأ عند الناس من مروان وأولى بالخلافة. فأجابهم إلى ذلك وسار بإخوته ومواليه معهم فعسكر بقنسرين وكاتب أهل الشام فأتوه من كل وجه وبلغ الخبر مروان وكان بقرقيسياد فأقبل إليه بالجنود ولاقاه بقرية خساف من أرض قنسرين وكانت النتيجة أن انهزم سليمان وجنده وأسر مروان منهم عدداً عظيماً.

ومضى سليمان في هزيمته حتى وصل حمص فاجتمعت عليه الفلول فقصده مروان، وفي الطريق قابلته جنود سليمان فانهزموا، ولما علم سليمان بهزيمتهم ترك حمص وسار إلى تدمر فأقام بها، وأما مروان فأتى حمص واستولى عليها. فأنتم ترون أن القوة التي كان يرتكز عليها ملك بني أمية وهي جنود الشام فقد انشقت انشقاقاً محزناً تبعاً لانشقاق البيت المالك وهذا أعظم ما يساعد العدو الذي يعرف كيف ينتهز الفرص.

لم تقف الاضطرابات عند هذا الحد بل وجدت بقايا الخوارج الفرصة لإظهار ما في أنفسهم فخرج الضحاك بن قيس الشيباني وأتى الكوفة واستولى عليها من يد أميرها عبد اللَّه بن عبد العزيز فهرب عبد اللَّه إلى واسط فتبعوه ولما اشتدت الحرب سلم عبد اللَّه الأمر إلى الضحاك وبايعه وصار من عداد الحرورية وكذلك دخل في هذه البيعة سليمان بن هشام بن عبد الملك ولما تم ذلك للضحاك عاد إلى الموصل فافتتحها واستولى على كورها وكان مروان إذ ذاك محاصراً حمص فلما بلغه الخبر كتب إلى ابنه عبد اللَّه وهو خليفته بالجزيرة يأمره أن يسير إلى نصيبين فيمن معه ليمنع الضحاك عن توسط الجزيرة، فسار إليها في سبعة آلاف فسار إليه الضحاك وحصره في نصيبين وكان مع الضحاك نحو من مائة ألف ولما انتهى مروان من أمر حمص سار لمقابلة الضحاك فالتقى به في نواحي كفر توتا فحصلت بين الفريقين موقعة عظيمة قتل فيها الضحاك فولى الخوارج عليهم سعيد بن بهدل الخيبري أحد قواد الضحاك وأعادوا الكرة على جند مروان فانهزم القلب وفيه مروان ووصل الخيبري إلى خيمته وثبتت الميمنة والميسرة ولما رأى أهل العسكر قلة من مع الخيبري ثار إليه العبيد بعمد الخيم فقتلوه هو ومن معه وبلغ الخبر مروان وقد جاز المعسكر بخمسة أميال منهزماً فانصرف إلى عسكره ورد خيوله إلى مواقعها وبات ليلته في عسكره.

ولما علم الخوارج بقتل الخيبري ولو بدله شيبان بن عبد العزيز اليشكري فأقام يقاتل مروان ولكنه لما رأى أن الناس يتفرقون عنه انصرف بمن معه إلى الموصل فتبعهم مروان وأقام يقاتلهم ستة أشهر.

في أثناء ذلك سير مروان يزيد بن عمر بن هبيرة إلى العراق بالجنود فأجلى الخوارج عن أمصاره وضبطها ولما تم له ذلك سير جنداً لمساعدة مروان فلما علم شيبان بذلك كره أن يكون بين عدوين فرحل عن الموصل فسير مروان في أثره جنداً وأمر القائد أن يقيم حيث يقيم شيبان وأن لا يبدأه بقتال فإن قاتله شيبان قاتله فلم يزل يتبعه حتى لاقاه بجيرفت وهزمه هزيمة منكرة فمضى شيبان إلى سجستان فهلك لها وذلك سنة 130.

ومن الذين خرجوا على مروان وشغلوه المختار بن عوف الأزدي الشهير بأبي حمزة وكان يوافي الموسم كل سنة يدعو إلى خلاف مروان بن محمد ولم يزل على ذلك حتى وافى عبد اللَّه بن يحيى في آخر سنة 128 فقال يا رجل اسمع كلاماً حسناً آراك تدعو إلى حق فانطلق معي فإني رجل مطاع في قومي فخرج حتى ورد حضرموت فبايعه أبو حمزة على الخلافة ودعا إلى خلاف مروان وآل مروان.

وبينما الناس بعرفة سنة 129 إذا طلعت عليهم أعلام وعمائم سود على رؤوس الرماح وهم سبعمائة ففزع الناس حين رأوهم وسألوهم عن حالهم فأخبرهم بخلافهم مروان وآل مروان فراسلهم عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك وهو يومئذ على مكة والمدينة وطلب منهم الهدنة فقالوا نحن بحجنا أضن وعليه أشح فصالحهن على أنهم جميعاً آمنون بعضهم من بعض حتىينفر الناس النفر الأخير.

فوقفوا بعرفة على حدة ولما كان النفر الأول نفر عبد الواحد فيه وخلى مكة فدخلها أبو حمزة بغير قتال ثم مضى عبد الواحد حتى دخل المدينة فضرب على أهلها البحث وزادهم في العطاء عشرة واستعمل عليه عبد العزيز بن عبد اللَّه بن عمر بن عثمان فمضوا حتى إذا كانوا بقديد لقيتهم جنود أبي حمزة فأوقعت بهم وقتلت منهم مقتلة عظيمة وذلك لسبع بقين من صفر سنة 130 ثم سار أبو حمزة حتى دخل المدينة من غير أن يلقى فيها حرباً.

ثم إن أبا حمزة ودع أهل المدينة وسار نحو الشام وكان مروان قد انتخب من عسكره أربعة آلاف فارس واستعمل عليهم عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي وأمره أن يجد في السير ويقاتل الخوارج فإذا ظفر بهم سار حتى يبلغ اليمن ويقاتل عبد اللَّه بن يحيى فسار ابن عطية حتى لقي أبا حمزة بوادي القرى فقاتله حتى قتله وهزم أصحابه ثم سار إلى المدينة فأقام بها شهراً وبعد ذلك سار إلى اليمن وبلغ عبد اللَّه بن يحيى مسيره إليه وهو بصنعاء فأقبل إليه بمن معه ولما التقيا قتل عبد اللَّه وحمل رأسه إلى الشام.

كل هذه المشاغل والفتن التي كانت بالشام والحجاز شغلت مروان عن خراسان وما كان يجري فيها فكان ذلك أعظم مساعد لشيعة بني العباس ورئيسهم المقدام أبي مسلم الخراساني على أخذ خراسان ومبايعة أهلها على الرضا من بني العباس ثم مدوا سلطانهم إلى العراق فاستولوا عليه من عمال بني أمية وسنفصل حديثهم وما كان منهم حينما نشغل بتاريخ الدولة العباسية.

وفي شهر ربيه الأول سنة 132 بويع بالكوفة لأبي العباس السفاح أول الدولة العباسية. وبعد أن تم له الأمر بالعراق فكر في إرسال الجند لمروان حتى يقضي عليه القضاء الأخير، فاختار عمه عبد اللَّه بن علي قائداً لذلك الجند حتى التقى بمروان وجنده على نهر الزاب لليلتين خلتا من جمادي الآخرة سنة 132 وهناك كانت الموقعة العظمى بين الجندين وانتهت بهزيمة مروان بن محمد بعد أن قتل ممن معه مقتلة عظيمة وكانت الهزيمة لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادي الآخرة وصار مروان ينتقل من بلد إلى آخر وعبد اللَّه بن علي يتبعه ولما جاز مروان أرض الشام قاصداً مصر أرسل عبد اللَّه في أثره أخاه صالح بن علي فلم يزل وراءه حتى عثر به نازلاً في كنيسة بقرية بوصير وبعد قتال خفيف قتل مروان لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة 132 وبقتله انتهت أيام الدولة الأموية وابتدأ عصر الخلافة العباسي {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} [آل عمران: 26].

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:32 AM
أسباب سقوط الدولة الأموية

1- تولية العهد اثنين، أورثت شقاقاً ومنافسة بين أفراد البيت الأموي.

2- ظهور روح العصبية : مضرية يمنية.

3- انغماس بعض الخلفاء في التَّرف.

4- تعصب الأمويين للعرب.

سقطت الدولة الأموية سنة (132 هـ = 750 م) لتقوم في الأندلس على يد عبد الرحمن الداخل (عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان - صقر قريش) سنة 138 هـ.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:33 AM
الدولة العباسية

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:34 AM
البيت العباسي:

عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بقي عقبه من كثير من أولاده، ولكن العدد الأكبر والجمهور العظيم كان من ولديه العباس وأبي طالب.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:35 AM
العباس بن عبد المطلب:

أمه نتيلة بنت جناب بن كليب من النمر بن قاسط إحدى قبائل ربيعة بن نزار، ولد قبل حادث الفيل بثلاث سنين، فهو أسن من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بثلاث سنين.

وأعقب من الولد الفضل وهو أكبر أولاده وكان يكنى، وعبد اللَّه وعبيد اللَّه وعبد الرحمن وقثم ومعبد وأم حبيبة، وأمهم جميعاً لبابة بنت الحارث بن حزن من بني هلال بن عامر من قيس عيلان.

وليس للفضل وعبد الرحمن وقثم وكثير وتمام عقب. وعقب العباس من سواهم، ولا سيما من عبد اللَّه فإنه هو الذي انتشر منه عقب العباس، وهو جد الخلفاء العباسيين.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:36 AM
عبد اللَّه بن العباس:

هو ثاني ولد العباس بن عبد المطلب. ولد قبل الهجرة بسنتين، فكانت سنة حين توفي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم ثلاث عشرة سنة.

وعبد اللَّه هو الذي نما من نسله البيت العباسي لأن إخوته لم يكن لهم نسل باق. وعقب عبد اللَّه الذي نما إنما هو ولده علي بن عبد اللَّه بن العباس.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:37 AM
علي بن عبد اللَّه بن العباس:

ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب سنة 40 من الهجرة، فسمي باسمه وكني بكنيته أبي الحسن. وقد أقطعه بنو أمية قرية اسمها الحميمة بالشراة وهي صقع بالشام في طريق المدينة من دمشق بالقرب من الشويك وهو من إقليم البلقاء فأقام بها وفيها ولد أكثر أولاده، وكانت وفاته سنة117.

وأعقب على اثنين وعشرين ولداً ذكراً وإحدى عشرة أنثى. وذكور أولاده هم محمد وداود وعيسى وسليمان وصالح أحمد وبشر ومبشر وإسماعيل وعبد الصمد وعبد اللَّه الأكبر وعبيد اللَّه وعبد الملك وعثمان وعبد الرحمن وعبد اللَّه الأصغر ويحيى وإسحاق ويعقوب وعبد العزيز وإسماعيل الأصغر وعبد اللَّه الأوسط. ستة منهم لا عقب لهم والباقون أعقبوا كثيراً. ومنهم انتشر البيت العباسي وكثر جداً وبيت الخلافة في محمد أكبر أولاده.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:38 AM
محمد بن علي:

هو والد إبراهيم الإمام وأبي العباس السفاح وأبي جعفر المنصور الذين هم مبدأ الخلافة العباسية. وهو الذي ابتدأت الدعوة على يديه، وكان ذلك في حياة أبيه علي، ولكن لم يكن لأبيه ذكر في هذه الدعوة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:39 AM
كيف نشأت فكرة الخلافة في بني العباس:

توفي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وليس يؤثر عنه خبر مكشوف فيمن يتولى خلافة المسلمين بعده، وكان العباس بن عبد المطلب قد أشار على علي بن أبي طالب أن يدخل على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم وهو مريض فيسأله عن الخلافة بعده فإن كانت فيهم وإلا أوصى بهم من سيكون خليفة. فامتنع من ذلك علي قائلاً: إنه إن منعنا إياها لا ننالها أبداً.

عاش علي والعباس في عهد أبي بكر، ثم بايعا عمر لما عهد إليه أبو بكر بالخلافة وظلا مدة حياته محترمين مطيعين. إلى أن استخلف ثالث الخلفاء عثمان بن عفان بعد مناظرات طويلة بين رجال الشورى الذين عهد إليهم عمر اختيار الخليفة من بعده.

وفي أواخر خلافة عثمان توفي العباس بن عبد المطلب تاركاً عقباً كثيراً أشهرهم عبد اللَّه بن عباس وهو ثاني أولاده.

بعد مضي ست سنوات من خلافة عثمان، وجدت حركة في بعض النفوس تتجه إلى نقل الخلافة من عثمان بن عفان إلى علي بن أبي طالب.

ألفت وفود غوغاء من الأمصار الثلاثة، ممن تأثر بهذه الفتن فذهبت إلى المدينة، فأشكاهم عثمان من جميع ما شكوا منه، ولانَ لهم جداً حتى لا يوجد لهم سبيلاً إلى الفتنة، فأظهروا الاقتناع وأزمعوا الرحيل إلى أوطانهم، وبعد أيام عادت هذه الغوغاء متمسكة بكتاب مزور زعموه صادراً من عثمان إلى عامله بمصر يأمره فيه بقتل رجال الوفد من المصريين عقاباً لهم وتنكيلاً، والكتاب مختوم بخاتم عثمان. فلما أروه إياه حلف لهم أنه ما كتبه ولا أمر بكتابته، وهو صادق في يمينه، فاتهموا بذلك كاتبه مروان بن الحكم وطلبوا منه أن يسلمهم إياه فأبى فأعلنوا العداء وصرحوا بما في أنفسهم من الشر، وحصروا عثمان في دراه مدة ثم اقتحموا عليه داره وقتلوه ظلماً وعدواناً ففتحوا على المسلمين باب فتنة وانقسام لا يغلقه مرور الزمان ولا كر الأيام.

بعد أن تم لهم ما أرادوا عرضوا الخلافة على علي بن أبي طالب فقبلها بعد تردد. أمضى رحمه اللَّه حياته في حرب مخالفيه في البصرة والنهروان وصفين، ولم تصف له الخلافة يوماً واحداً إلى أن اغتاله أحد الخوارج في رمضان سنة40 من الهجرة في حاضرة خلافته وهي الكوفة.

لما قتل رحمه اللَّه رأت الشيعة أن يقوم في الخلافة مقامه ابنه الحسن، وقد رأى رضي اللَّه عنه بثاقب فكره أن يتنازل عن الخلافة مفضلاً جمع كلمة المسلمين والسكنى بطيبة مدينة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وأقام على ذلك حتى توفي بها سنة 50 من الهجرة.

وظل معاوية يسوس الناس بما عرف عنه من لين العريكة وسخاوة اليد، فاجتمعت الأمة على طاعته والرضا به.

أدلى معاوية بالخلافة لابنه يزيد، فلما تولاها هبت أعاصير الفتنة في المدينة ومكة والكوفة. فأما المدينة فثارت تطلب عزل يزيد وتولى زمام الثورة بعض أبناء الأنصار ولكن هذه الثورة قمعت بشدة مسلم بن عقبة المري الذي أوقع بأهلها وقعة الحرة المشهورة، وأما مكة فلاذ بها عبد اللَّه بن الزبير طالباً الخلافة لنفسه.

وأما الكوفة فإن من بها من الشيعة أرسلوا يطلبون إليهم الحسين بن علي شقيق الحسن ليبايعوه بالخلافة وينزعوا من أعناقهم بيعة يزيد، فلم يكن من الحسين إلا أن لبى دعوتهم مع علمه بتاريخهم مع أخيه وأبيه، وسار إليهم من غير جند يركن إليه ولا مال يستعين به. فقابلته ببعض الطريق جنود عبد اللَّه بن زياد عامل يزيد بالعراق وكلها جنود عراقية ليس بها أحد من أهل الشام، فلم يكن له قبل بمدافعتهم وقتل رحمة اللَّه بكربلاء.

انتهت هذه الحوادث ومات يزيد، وعظم أمر ابن الزبير ودخل في دعوته أهل الحجاز ومصر والعراق.

أما محمد بن علي فإنه بايع عبد الملك بن مروان بعد أن استقر الأمر له وقضى على فتنة ابن الزبير ودانت له الأقاليم الإسلامية كلها، ومع قيامه بهذه البيعة لم تزل له شيعة تراه أحق بالخلافة إلا أنه مغلوب على أمره، حتى إنه لما مات غلا فيه بعضهم فأنكر موته.

1- اضطربت أفكار الشيعة بعد موت محمد بن علي فمنهم من استمر على ولائه وقال بغيبته ورجعته كما قلنا. ومنهم من تولى بعده ابنه أبا هاشم، ويقال لهذا الفريق والذي قبله الكيسانية؛ ينسبون إلى كيسان وهو لقب للمختار بن أبي عبيد.

2- ومنهم من تولى بعد الحسين ابنه علياً المعروف بزين العابدين وهو ممن بايع يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان ولم يعرف عنه أنه طلب الخلافة لنفسه _ قال هؤلاء إن الخلافة محصورة في أولاد علي من فاطمة رضي اللَّه عنها.

كان أكبر ولد العباس في ذلك الوقت علي بن عبد اللَّه بن عباس وهو الذي انتشر منه العباسيون. وكان قد فارق الحجاز وأقام بالحميمة التي أقامه بها بنو أمية والتي أنزله بها الوليد بن عبد الملك. وقد ظهرت فكرة انتقال الخلافة إلى ولد العباس منذ علي هذا، ويقال إن السبب في ذلك أن أبا هاشم بن محمد بن علي بن أبي طالب لما حانت منيته كان مقيماً بالحميمة عند بني عمه فأدلى بنصيبه من الخلافة إلى علي هذا وأولاده وأوصى أولياءه به فصارت الشيعة الكيسانية في جانب علي بن عبد اللَّه بن عباس.

أما بقية الشيعة فإنهم بعد وفاة علي زين العابدين افترقت بهم الطرق فمنهم من تولى بعده ابنه محمداً الباقر زاعمين أنه الإمام بعد أبيه. ومنهم من قال إن الخلافة حق لكل فاطمي اتصف بصفات العلم والشجاعة والسخاء، ومن هؤلاء من قام بمساعدة زيد بن علي بن الحسين، وهم المعروفون بالشيعة الزيدية.

والذين حاولوا الوصول إلى الخلافة وانتزاعها من بني أمية هم الشيعة الكيسانية الذين ساعدوا علي بن عبد اللَّه، والشيعة الزيدية الذين ساعدوا زيداً وابنه يحيى.

وكانت وفاة علي بن عبد اللَّه ومحمد الباقر في زمن متقارب بالحميمة، فانتقل ولاء الكيسانية إلى محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس لأن أباه أوصى إليه وانتقل ولاء الإمامية إلى جعفر الصادق بن محمد الباقر، ولم يفعل أنصار الأئمة شيئاً ليرجعوا الخلافة إلى ذوي الحق فيها حسب رأيهم.

أما الشيعة الزيدية فقد دعاهم إلى النصر زيد بن علي فقاموا بنصرته حيث خرج بالكوفة طالباً الخلافة، إلا أن بني أمية لم تكن قد ظهرت فيهم العيوب التي أودت بحياتهم بعد؛ فسرعان ما انتصروا على زيد وأطفأوا ثورته وقتلوه وصلبوه. وثار بعده ابنه يحيى فكانت خاتمته خاتمة أبيه.

أما محمد بن علي بن عبد اللَّه بن عباس فهو يعسوب القوم وذو العقل الراجح فيهم. فإنه رأى أنه نقل السلطان من بيت إلى بيت لا بد أن يسبق بإعداد أفكار الأمة إلى هذا النقل وأن كل محاولة فجائية لا بد أن تكون عاقبتها الفشل، فرأى أن يسير في المسألة بالأناة المصحوبة بالحزم فعهد إلى شيعته أن يؤلفوا منهم دعاة يدعون الناس إلى ولاية أهل البيت بدون أن يسموا أحداً خوفاً من بني أمية أن يقضوا على المدعو إليه إذا عرف، ورأوا أن أحسن منطقة يبثون فيها الدعوة هي الكوفة وبلاد خراسان.

وقد كان محمد بن علي بن عبد اللَّه قال لدعاته حين أراد توجيههم إلى الأمصار

عليكم بخراسان، فإن هناك العدد الكثير والجلد الظاهر وهناك صدور سليمة وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:41 AM
تأليف الجمعية السرية للدعوة العباسية

ابتدأ تأليف هذه الجمعية وعلي بن عبد اللَّه بن عباس حي لم يمت بعد لأنها ابتدأت في أول القرن الثاني وعلي لم يمت إلا سنة117 على قول وسنة114 على قول. وكان الخليفة من بني أمية إذ ذاك عمر بن عبد العزيز بن مروان، وكانت تتألف من كثير من الدعاة والرؤساء.

وجعل للدعوة مركزان أحدهما بالكوفة التي اعتبرت نقطة المواصلات وأقيم فيها ميسرة مولى علي بن عبد اللَّه. والثاني بخراسان التي هي محل الدعوة الحقيقي، ووجه إليه محمد بن خنيس وأبو عكرمة السراج، واختير من الدعاة اثنا عشر نقيباً وهم:

(1) سليمان بن كثير الخزاعي

(2) مالك بن الهيثم الخزاعي

(3) طلحة بن زريق الخزاعي

(4) عمرو بن أعين الخزاعي

(5) عيسى بن أعين الخزاعي

(6) قحطبة بن شبيب الطائي

(7) لاهز بن قريظ التميمي

(8) موسى بن كعب التميمي

(9) القاسم بن مجاشع التميمي

(10) أبو داود خالد بن إبراهيم الشيباني

(11) أبو علي الهروي شبل بن طهمان الحنفي

(12) عمران بن إسماعيل المعيطي

واختار سبعين رجلاً ليكونوا مؤتمرين بأمر هؤلاء، وكتب إليهم محمد بن علي كتاباً ليكون لهم مثالاً وسيرة يسيرون بها.

وقد ظل رجال الدعوة يشتغلون بها من مفتتح القرن الثاني إلى سنة132، وهي السنة التي تم فيها النجاح وبويع فيها لأبي العباس السفاح.

وهذه المدة تنقسم إلى قسمين متمايزين: الأول عصر الدعوة المحضة الخالية عن استعمال القوة وذلك قبل أن ينضم إلى القوة أبو مسلم الخراساني، وذلك في الوقت الذي كانت فيه الدولة الأموية فيه متماسكة القوى لم ينقسم فيها البيت المالك على نفسه ولم تحصل العصبية القومية بين جند هذه الدولة بخراسان، وذلك نحو27 سنة. والعصر الثاني عصر استعمال القوة مع الدعوة حينما تهيأت الأسباب الداعية إلى ذلك.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:42 AM
العصر الأول:

(100 - 127هـ)

كان الدعاة فيه يجوبون البلاد الخراسانية، ظاهر أمرهم التجارة وباطنه الدعوة، ينتهزون الفرص، ثم يبلغون أمرهم إلى القائم بالكوفة وهو يوصله إلى الحميمة أو إلى مكة حيث يجتمع المسلمون لأداء فريضة الحج. وكان ذلك المجتمع أعظم ساتر لأمر الدعاة لأنهم كانوا إذا قفلوا من خراسان سافروا حجاجاً. وكانت إقامة محمد بن علي بالحميمة سبباً آخر في انتظام المواصلات وكتم سرها.

وكان أول ما ظهر من أمرهم بخراسان سنة102 حيث جاء رجل من تميم إلى أمير خراسان سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص الذي يقال له سعيد خذينة وقال له: إن ههنا قوماً قد ظهر منهم كلام قبيح، فبعث إليهم سعيد فأتى بهم فسألهم: من أنتم؟ قالوا: أناس من التجار؟ قال: فما هذا الذي يحكى عنكم؟ قالوا: لا ندري؟ قال: جئتم دعاة؟ فقالوا: إن لنا في أنفسنا وتجارتنا شغلاً عن هذا. فسأل من يعرف هؤلاء. فجاء أناس من أهل خراسان جلهم من ربيعة واليمن، فقالوا نحن نعرفهم وهم علينا إن أتاك منهم شيء تكرهه. فخلى سبيلهم.

وفي سنة105 انضم إلى هذه الجمعية بكير بن ماهان وهو شيخ عظيم من شيوخ هذه الدولة وكبار دعاتها وكان موسراً فساعد القوم بماله، وصادف أن توفي في ذلك الوقت ميسرة القائم بالكوفة، فأقامه محمد بن علي مقامه فكان هو ربان هذه الدعوة يأتمر الدعاة بأمره ويسيرون في الطريق التي يشرعها لهم.

كان من أول النكبات الي لحقت بهم أنه وشي بجمع من دعاتهم إلى أسد بن عبد اللَّه القسري أمير خراسان وهو والٍ شديد قاس فأتى بهم وفيهم أبو عكرمة وأبو محمد الصادق ومحمد بن خنيس وعمار العبادي فقطع أيدي من ظفر به منهم وأرجلهم وصلبهم، وأفلت عمار العبادي حتى أتى الكوفة فأخبر بكير بن ماهان بذلك الخبر المشؤوم، فكتب به إلى محمد بن علي فأجابه: الحمد للَّه الذي صدق مقالتكم ودعوتكم وقد بقيت منكم قتلى ستقتل وقد وقع بعد ذلك عمار العبادي في يد أسد فألحقه بإخوانه.

وكان أسد بن عبد اللَّه أشد ولاة خراسان على الشيعة فكان لا يرحم أحداً منهم وقع في يده بل شرد بهم ونكل ونفي من نفي وقتل من قتل ولذلك لم يكن للدعوة في أيامه كبير أثر حتى عزل عن خراسان سنة109 وتلك ولايته الأولى ثم ولي خراسان مرة ثانية فأعاد معهم سيرته الأولى ففي سنة117 أخذ جماعة منهم فقتل بعضهم ومثل ببعضهم وحبس بعضهم.

حصل بعد ذلك في العالم الإسلامي ما كان له أعظم الفضل في نجاح الشيعة وقصور أعدائهم عن فل حدهم وذلك:

أولاً: انشقاق البيت الأموي حتى تزعزع بنيانه وتصدعت أركانه وأول ذلك كان بخروج يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان على ابن عمه الوليد بن يزيد بن عبد الملك واستعان على ذلك بالقدح في الوليد ونسبته إلى العظائم من الفسوق والكفر وإحلال ما حرم اللَّه.

ولما تم ليزيد أمره ولم يعبأ بقول ناصح انتهز بعض أهل بيته هذه الفرصة لينال الخلافة وهو مروان بن محمد بن مروان فإنه كتب إلى الغمر بن يزيد أخي الوليد يهيجه للمطالبة بدم أخيه.

وكان مروان في ذلك الوقت أميراً للجزيرة وأرمينية ومعه جيش كبير يأتمر بأمره ولم يزل حتى أقدم على طلب الخلافة مستمسكاً بهذا الحبل حتى نالها ولم يكن نيله لها بمزيل أسباب الخلاف والانشقاق في هذا البيت ولا شبهة أن انشقاق البيت المالك يحدث بطبيعة الحال انشقاقاً في قوة الدولة فلا تقوى على مصادمة عدوها.

ثانياً: ظهور العصبية القومية في خراسان وانشقاق القبائل العربية وذلك أن العرب يرجعون إلى شعبين عظيمين قحطان ونزار، وملك العرب القديم كان في اليمن فلما جاء الإسلام تحول إلى نزار لمكان رسول اللهَّ صلى اللَّه عليه وسلم منهم وكان أمر النبوة والوحي قد باعد بين الناس وحمية الجاهلية فتآخى اليمانيون والنزاريون ووجهوا قوتهم المتحدة إلى أعدائهم فنالوا في زمن قليل ما لم تنله أمة قبلهم في مثل الزمن الذي ارتفع فيه قدرهم.

وظهر الانشقاق في عهد نصر بن سيار هذا بين النزارية واليمانية وكان رئيس النزوارية وكبيرهم نصر بن سيار الأمير وكبير اليمانية جديع بن شبيب المعني المعروف بالكرماني.

في أثناء وقوع هذه الحوادث توفي محمد بن علي إمام الشيعة الذي يدعون إليه وأدلى بالأمر من بعده إلى ابنه إبراهيم وأعلم الشيعة بذلك فقاموا بالدعوة إليه مكان أبيه. ثم توفي بكير بن ماهان شيخ الشيعة بالكوفة فأقام إبراهيم بن محمد مكانه حفص بن سليمان المعروف بأبي سلمة الخلال.

واتصل بإبراهيم في تلك الأوقات شاب من نوابغ الشبان وذوي المقدرة والعزيمة وهو أبو مسلم الخراساني، وكانت الشيعة بخراسان في حاجة إلى مثله ليشرعوا في العمل بعد أن أمكنتهم الفرصة بما وقعت فيه الدولة الأموية من الخلاف وما يقع فيه عرب خراسان من الانشقاق فاختار إبراهيم أبا مسلم لتلك المهمة وكتب إلى أصحابه إني قد أمرته بأمري فاسمعوا منه واقبلوا قوله فإني قد أمرته على خراسان.

وإنما أمره بتقريب أهل اليمن لأنهم أعداء الدولة الحاضرة للعصبية التي كانت نارها مشتدة بين أهل خراسان إذ ذاك ولهذا السبب أوصاه بالشدة على مضر فإنهم كانوا أصحاب الدولة. سار أبو مسلم يدبر الأمور. وبعد سنة تهيأ لزيارة الإمام ومعه عدد كبير من الدعاة ولما بلغ قومس أتاه كتاب من الإمام يقول فيه وإني قد بعثت إليك براية النصر فارجع من حيث ألقاك كتابي ووجه إلى قحطبة بما معك يوافني به في الموسم فعاد أبو مسلم إلى مرو مستعداً للعمل.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:43 AM
دور العمل:

نزل أبو مسلم بقرية من قرى مرو يقال لها سفيذنج وهناك بث دعاته في الناس ليجتمعوا إليه فانثال إليه الناس وكان ذلك في رمضان سنة129 ولخمس بقين منه عقد اللواء الذي بعث به الإمام ويدعى الظل على رمح طوله أربعة عشر ذراعاً وعقد الراية التي تدعى السحاب على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعاً وهو يتلو قوله تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن اللَّه على نصرهم لقدير} ولبسوا السواد الذي جعل شعاراً للدولة العباسية وقدم على أبي مسلم الدعاة من أهل مرو بمن أجاب الدعوة.

كان أول ما فعله أبو مسلم أن أمر برم حصن سفيذنج وأقام به هو ومن معه ولما حضر عيد الفطر سنة129 أمر سليمان بن كثير أن يصلي به وبالشيعة ونصب له منبراً في العسكر.

كتب أبو مسلم إلى نصر بن سيار يقول له: أما بعد، فإن اللَّه تباركت أسماؤه وتعالى ذكره غير أقواماً في القرآن فقال: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفوراً. استكباراً في الأرض ومكر السيء ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة اللَّه تبديلاً ولن تجد لسنة اللَّه تحويلا } فتعاظم نصر الكتاب ولا سيما أنه رأى أبا مسلم بدأ فيه بنفسه.

وكان جوابه أن وجه إلى أبي مسلم مولى له اسمه يزيد في خيل عظيمة فوجه إليه أبو مسلم مالك بن الهيثم الخزاعي فالتقوا بقرية تدعى آلين وكانت بين الفريقين موقعة انتهت بانتصار الشيعة وأسر يزيد رئيس جند نصر.

وفي أثناء ذلك كان أبو مسلم يرسل قواده فيستولون على البلاد من عمال نصر ولا يجدون مقاومة تذكر. ولما رأت ذلك ربيعة وعلمت شدة أمر أبي مسلم أرسلت إلى نصر تطلب منه الموادعة فأجاب إلى ذلك وتوادعوا سنة. بلغ ذلك أبا مسلم فأرسل إلى ابن الكرمان يهيجه بأخذ الثأر فقال: إني ما صالحت نصراً وإنما صالحت شيبان وأنا لذلك كاره وأنا موتور ولا أدع قتاله فعاود القتال وأبى شيبان أن يعينه وقال لا يحل الغدر فأرسل ابن الكرماني إلى أبي مسلم يستنصره. وهذا كل ما يريده فأرسل إليه إني معك على نصر فاشتد ذلك على نصر وكتب إلى أبي مسلم يلتمس منه أن يدخل مع نصر وبعثت إليه ربيعة بمثل ذلك.

بذلك ظفر أبو مسلم ظفراً عظيماً فإنه فرق كلمة العرب بعد أن كادت تجتمع عليه فقام من الماخوان في جمادى الأولى سنة130 يريد مرو وأرسل إليه ابن الكرماني أن أدخل حائط مرو من قبلك وأدخل أنا وعشيرتي من قبلي فأرسل إليه أبو مسلم أن لست آمن أن تجتمع يدك ويد نصر على حربي ولكن أدخل أنت فأنشب الحرب، فدخل ابن الكرماني وأنشب الحرب وأمر أبو مسلم أحد قواده بدخول مرو فدخلها وأعقبها أبو مسلم. دخل والقتال دائر بين الكرماني ونصر فأمر الفريقين أن يكفا وهو يتلو: {ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه} . ومضى أبو مسلم حتى دخل دار الإمارة وهرب نصر مستخفياً.

صفت مرو لأبي مسلم وأمر أحد النقباء بأخذ البيعة على أهلها ونص البيعة: أبايعكم على كتاب اللَّه وسنة نبيه صلى اللَّه عليه وآله وسلم عليكم بذلك عهد اللَّه وميثاقه والطلاق والعتاق والمشي إلى بيت اللَّه الحرام وعلى ألا تسألوا رزقاً ولا طعماً حتى يبدأكم به ولاتكم وإن كان عدو تحت قدمه فلا تهيجوه إلا بأمر ولاتكم وأخذ أبو مسلم ثقات أصحاب نصر وصناديدهم فكتفهم وحبسهم ثم قتلهم.

أرسل بعد ذلك إلى شيبان الحروري يدعوه إلى بيعته فأبى وسار عن مرو إلى سرخس فوجه إليه أبو مسلم جنداً، فكانت هناك موقعة قتل فيها شيبان وعدد عظيم ممن معه. وبعد نيل هذاالانتصار عمد إلى ابني الكرماني علي وعثمان اللذين ائتمناه على حياتهما فقتلهما وأكثر أصحابهما.

صفت خراسان كلها لأبي مسلم فبعث العمال إلى جميع الولايات وأمر أحد قواد قحطبة بن شبيب أن يتبع نصر ومعه لواء عقده له إبراهيم الإمام فسار وراءه من بلد إلى بلد حتى مرض نصر بالري ومات بساوة فأقبل قحطبة بجنوده واستولى على الري فتم للشيعة خراسان وبلاد الجبل ثم سير قحطبة ابنه الحسن فاستولى على همذان ومنها سار إلى نهاوند فحصرها ولحقه بها أبوه فاجتمعا عليها ثلاثة أشهر ثم فتحت وتلاها شهر زور الموصل. سار قحطبة بعد ذلك واغلاً في بلاد العراق فقصده ابن هبيرة أمير العراق من قبل مروان بن محمد وكان اجتماعهما غربي الفرات على نحو23 فرسخاً من الكوفة وقبل أن تقع بينهما الموقعة الكبرى مات قحطبة فولي إمرة الجيش ابنه الحسن وكان قحطبة قبل موته قد قال: إذا قدمتم الكوفة فوزير آل محمد أبو سلمة الخلال فسلموا الأمر إليه.

جرت أثناء ذلك وقائع انهزم فيها ابن هبيرة فسار منها حتى أتى واسطاً. وقبل أن يدخل الحسن بن قحطبة الكوفة خرج منها محمد بن خالد القسري مسوداً فاستولى على قصرها ولم يكن قد علم بهلاك قحطبة فكتب إليه يعلمه فوصل الكتاب إلى ابنه الحسن فارتحل إلى الكوفة فدخلها في المحرم سنة132 وسلم الأمر لأبي سلمة الخلال فوجه الحسن إلى قتال ابن هبيرة بواسط وضم إليه قواداً. ووجه حميد بن قحطبة إلى المدائن. ووجه المسين بن زهير وخالد بن برمك إلى دير قنى. وبعث المهلبي وشراحيل إلى عين التمر. وبسام بن إبراهيم إلى الأهواز وخرج هو من الكوفة فعسكر عند حمام أعين على نحو ثلاثة فراسخ من الكوفة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:44 AM
افتضاح الأمر:

مضت هذه المدة كلها وليس عند بني أمية علم بمن تدعو إليه الشيعة فإنهم كانوا يدعون إلى الرضا من آل محمد اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ولا يعلم السر إلا النقباء والدعاة أما العامة فمبلغ علمها أنها تدعى لرجل من آل البيت حتى وقع في يد مروان بن محمد كتاب لإبراهيم إلى أبي مسلم جواب كتاب لأبي مسلم يأمره فيه بقتل كل من يتكلم بالعربية بخراسان فأرسل مروان في الحال إلى عامله بدمشق يأمره بالكتاب إلى صاحبه بالبلقاء أن يسير الحميمة ويأخذ إبراهيم بن محمد يوجه به إليه ففعل العامل ما أمر به وقبض على إبراهيم ولما أحس إبراهيم بما يراد به نعى نفسه إلى أهل بيته وأوصى إلى أخيه أبي العباس وأمر أهله بالسير إلى الكوفة والسمع والطاعة لأبي العباس. أما إبراهيم فحبس في سجن حران مع جماعة من أعداء مروان من بني أمية ولم يزل في سجنه حتى مات.

وأما أهل بيته فتجهزوا يريدون الكوفة حتى قدموها في صفر سنة132 ورئيس القوم وقائدهم أبو سلمة الخلال الذي كان يعرف في ذلك الوقت بوزير آل محمد فأنزلوهم في إحدى دور الكوفة وكتم أمرهم عن سائر القواد أربعين ليلة وكان لا يزال في معسكره بحمام أعين خارج الكوفة.

خرج أبو العباس يوم الجمعة13 ربيع الأول فصلى بالناس وكان في خطبته بعد حمد اللَّه والثناء عليه أن افتخر بقرابته من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ثم ذكر الخلفاء الراشدين وأثنى عليهم ونعى على بني حرب وبني مروان أثرتهم وظلمهم ثم قال: وإني لأرجو ألا يأتيكم الجور من حيث أتاكم الخير ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح وما توفيقنا أهل البيت إلا باللَّه. يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا أنتم الذين لم تتغيروا عن علي ذلك ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور عليكم حتى أدركتم زمننا وأتاكم اللَّه بدولتنا فأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم فاستعدوا فأنا السفاح المبيح والثائر المتيح وبهذه الجملة الأخيرة لقب السفاح.

بعد أن بلغوا هذا المبلغ بقي عليهم أن يقضوا على مروان بن محمد والقوة العظمى التي بالجزيرة وعلى ابن هبيرة والقوة التي معه بواسط.

كان مروان بحران معه قوة عظيمة ومنها سار حتى أتى الموصل فاختار أبو العباس من أهل بيته عمه عبد اللَّه بن علي ليكون قائداً للجنود التي اختيرت لحرب مروان. وكان ملتقى هذين الجيشين على نهر الزاب الأعلى وهو أحد روافد نهر دجلة يأتيها من الشرق وكانت الواقعة شديدة جداً انتهت بانتصار عبد اللَّه وجنده فهرب مروان واحتوى عبد اللَّه معسكره كله وذلك لإحدى عشرة خلون من جمادى الآخرة سنة132 وكان مع مروان من الجنود120 ألفاً من نخبة أهل الشام وخيرة جنودها. انهزم مروان حتى أتى حران وعاملها ابن أخيه أبان بن يزيد بن محمد فأقام بها نيفاً وعشرين يوماً ولما دنا منه عبد اللَّه رحل عنها بأهله وولده وقدم عبد اللَّه فلقيه أبان مسوداً مبايعاً له ودخل في طاعته فأمنه ومن كان بحران والجزيرة.

مضى مروان حتى أتى قنسرين وعبد اللَّه يتبعه ثم مضى منها إلى حمص ثم أتى دمشق وعليها الوليد بن معاوية بن مروان فلما أحس باقتراب عبد اللَّه رحل عنها فجاءها عبد اللَّه ودخلها عنوة معترضاً أهلها وقتل الوليد بن معاوية أميرها فيمن قتل.

مر مروان بالأردن وفلسطين ومضى حتى أتى الفسطاط ومنها خرج إلى بوصير وهي قرية من مركز الواسطي ببني سويف.

أما عبد اللَّه بن علي فجاءه كتاب من أبي العباس يأمره أن يوجه صالح بن علي في ملاحقة مروان فسار صالح في ذي القعدة سنة132 وكان يسير على ساحل البحر والسفن حذاءه حتى وصل إلى مصر ومن هناك سار حتى أتى بوصير وهناك قتل مروان بن محمد لثلاث بقين من ذي الحجة سنة132 وبقتله انتهت دولة بني أمية من المشرق وتوطدت دعائم الدولة.

وأما يزيد بن عمير بن هبيرة فإنه لما انهزم من جيش خراسان أتى واسطاً وتحصن بها وكان مشيروه قد أشاروا عليه بأن يذهب إلى الكوفة فيقاتل حتى يقتل أو يظفر وحذروه واسطاً كيلا يصير في حصار وليس بعد الحصار إلا القتل فخالف تلك الشورى فسير أبو سلمة الجيوش تحت قيادة الحسن بن قحطبة فكانت بينهم وقائع ثم احتمى ابن هبيرة ومن معه بحصونهم. ولما طال الأمر أرسل أبو العباس أخاه أبا جعفر على الجيش فاحتدم القتال بين الفريقين وظلوا هكذا أحد عشر شهراً. ولما أتى ابن هبيرة قتل مروان بن محمد طلب بمن معه الصلح وجرت السفراء بينه وبين أبي جعفر حتى جعل له أماناً وكتب به كتاباً مكث يشاور العلماء فيه أربعين ليلة حتى رضيه ابن هبيرة ثم أنفذه إلى أبي جعفر فأنفذه أبو جعفر إلى السفاح فأمر بإمضائه وكان رأي أبي جعفر الوفاء له بما أعطاه وكان السفاح لا يقطع أمراً دون أبي مسلم فكتب أبو مسلم إلى السفاح يقول له إن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد لا واللَّه لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة.

ولما تم الكتاب خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر فدخل عليه وحادثه ساعة وبعد أيام أمر أبو جعفر بقتل ابن هبيرة ومداد الأمان لم يجف وقتل معه عدة من وجوه أصحابه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:45 AM
قيام الدولة العباسية

قامت الدولة العباسية ودخل في حوزتها هذا الملك الطويل العريض الذي وضع أساسه خارج جزيرة العرب أبو بكر خليفة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم وشاد بنيانه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ومكن قواعده وزان جوانبه بنو أمية بن عبد شمس.

وصف المملكة الإسلامية حين استيلاء بني العباس:

كانت المملكة الإسلامية تمتد من أقصى المشرق عند كاشغر إلى السوس الأقصى على شاطىء بحر الظلمات وطولها على ما ذكره أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد المقدسي المعروف بالبشاري في كتابه الموسوم بأحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم2600 فرسخ وتمتد عرضاً من شاطىء بحر قزوين إلى أواخر بلاد النوبة وهي منقسمة إلى أقسام كبرى وكل قسم يشتمل على ولايات وها نحن أولاء نذكر هذه الأقسام وما فيها من الولايات:

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:46 AM
(1) جزيرة العرب وتشتمل على أربع كور جليلة:

الأولى: الحجاز وقصبته مكة ومن مدنه: طيبة، وينبع، والجار، وجدة، والطائف وغيرها.

الثانية: اليمن وما كان نحو البحر فهو غور واسمه تِهامة وقصبته زبيد وما كان من ناحية الجبل فهو نجد وقصبته صنعاء.

الثالثة: عمان وقصبتها صحار على شاطىء بحر الهند.

الرابعة: هجر وقصبتها الأحساء.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:47 AM
(2) إقليم العراق وبه ست كور:

الأولى: الكوفة وقصبتها الكوفة وهي من المدن الإسلامية وبها من المدن: القادسية وعين التمر.

الثانية: البصرة وقصبتها البصرة وهي من المدن الإسلامية وبها من المدن: الأبلة وعبادان.

الثالثة: واسط وقصبتها واسط وهي من المدن الإسلامية وبها من المدن: فم الصلح.

الرابعة: المدائن وقصبتها المدائن وهي مدينة كسروية وبها النهروان، والدسكرة، وجلولاء.

الخامسة: حلوان وقصبتها حلوان وبها من المدن: خانقين والسيروان.

السادسة: سامراء وقصبتها سامراء وبها من المدن: الكرخ، وعكبرا، والأنبار، وهيت، وتكريت.

(3) إقليم الجزيرة جزيرة أقور أو أثور أو أشور وهي ما بين دجلة والفرات وبها ثلاث كور:

الأولى: ديار ربيعة وقصبتها الموصل ومن مدنها: الحديثة، وسنجار، ونصيبين، ودارا، ورأس العين وثمانين وبها ناحية جزيرة ابن عمر.

الثانية: ديار مضر وقصبتها الرقة وبها من المدن: باجروان، وحصن مسلمة، وحران، والرها.

الثالثة: ديار بكر وقصبتها آمد وبها من المدن:ميافارقين، وحصن كيفا.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:48 AM
(4) إقليم الشام وبه ست كور:

الأولى: قنسرين وقصبتها حلب ومن مدنها إنطاكية، وبالس، وسميساط، ومنبج، وقنسرين ومرعش، واسكندرونة، ومعرة النعمان.

الثانية: حمص وقصبتها حمص ومن مدنها سلمية، وتدمر، واللاذقية، وانطرسوس.

الثالثة: دمشق وقصبتها دمشق ومن مدنها بانياس، وصيدا، وبيروت، وطرابلس.

الرابعة: الأردن وقصبتها طبرية ومن مدنها صور، وعكا، وبيسان، وأذرعات.

الخامسة: فلسطين وقصبتها الرملة وبها بيت المقدس، وعسقلان، ويافا، وأرسوف، وقيسارية، وأريحا، وعمان.

السادسة: الشراة وقصبتها صفد ومن مدنها مآب، وعمان، وتبوك، وأذرح وهذا الإقليم دخله العرب قبل الإسلام وملكوا به وزاحموا من كان به من الأمم القديمة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:49 AM
(5) إقليم مصر وبه سبع كور على حسب التقويم القديم:

الأولى: الجفار وقصبتها الفرما وبها من المدن البقارة، والواردة، والعريش.

الثانية: الحوف وقصبتها بلبيس وبها من المدن مشتول، وفاقوس، وغيرهما.

الثالثة: الريف وقصبتها العباسية وبها من المدن دمنهور، وسنهور، وبنها العسل، وشطنوف، ومليج، والمحلة الكبيرة، ودقهلة.

الرابعة: اسكندرية وقصبتها اسكندرية وبها من المدن رشيد، ومريوط، والبرلس، وذات الحمام.

الخامسة: مقدونيا وقصبتها الفسطاط ومن مدنها العزيزية، والجيزة، وعين شمس.

السادسة: الصعيد وقصبتها أسوان وبه من المدن قوص، وإخميم، والبلينا والفيوم وغيرها.

السابعة: الواحات.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:50 AM
(6) إقليم المغرب وهو ثماني كور:

الأولى: برقة وقصبتها برقة وبها من المدن رمادة، وطرابلس.

الثانية: إفريقية وقصبتها القيروان وبها من المدن سفاقس، وسوسة، وتونس، وبونة وجزيرة بني زغناية_ ومنستير.

الثالثة: تاهرت وقصبتها تاهرت وبها من المدن مطماطة، ووهران، وغيرهما.

الرابعة: سجلماسة وقصبتها سجلماسة وبها من المدن درعة، وامصلي، وتازروت.

الخامسة: فاس وقصبتها فاس وتسمى هذه الكورة السوس الأدنى. وأما فاس فمحدثه بعد عهد العباسيين. ومن مدنها البصرة، وورغة، وصتهاجة، وهواره، وسلا.

السادسة: السوس الأقصى وقصبتها طرفانة ومن مدنها إغمات، وماسة وغيرهما.

السابعة: الأندلس وقصبتها قرطبة وكانت لعهد بني أمية تتبع أمير إفريقية وعليها والٍ من قبله.

(7) إقليم المشرق وهو إقليم ذو جانبين الأول في المشرق وهو ما كان شرقي جيحون أو أموداريا ويسمى بما وراء النهر أو هيطل والثاني في المغرب وهو ما كان غربي جيحون ويسمى خراسان.

أما وراء النهر، قال البشاري: هذا الجانب أخصب بلاد الله تعالى وأكثرها خيراً وفقهاً وعمارة ورغبة في العلم واستقامة في الدين وأشد بأساً وأغلظ رقاباً وأدوم جهاداً وأسلم صدوراً وأرغب في الجماعات مع يسار وعفة ومعروف وضيافة وتعظيم لمن يفهم.

وبهذا القسم ست كور:

الأولى: فرغانة وقصبتها اخسيكت ومن مدنها نصر أباذ، وأوزكند، ومرغينان وغيرها.

الثانية: اسبيجاب وقصبتها اسبيجاب ومن مدنها فاراب، وترار، وطراز، وبلاسكون وغيرها.

الثالثة: الشاش وقصبتها بنكث ومن مدنها نكث وغيرها.

الرابعة: أشر وسنة وقصبتها بنجكث.

الخامسة: الصغد وقصبتها سمرقند وهي مصر الإقليم.

السادسة: بخارى وقصبتها بخارى ومن مدنها بيكند.

وهذا الإقليم يمر به نهر جيحون العظيم ويتشعب منه أنهار كثيرة ويقلب فيه أنهار ستة وعليه كور ومدن. فالكور هي الختل وقصبتها هلبك. ثم قواديان ومدينتها نير. ثم خوارزم وهي على حافتي جيحون قصبتها العظمى شرقي النهر وهي كاث ولها قصبة أخرى غربية وهي الجرجانية وعلى النهر من المدن ترمذ وكالف ونويدة زم وفربر وآمل.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:51 AM
(ب) خراسان وبها تسع كور:

الأولى: بلخ قصبتها بلخ وبها ناحية طخارستان ومن مدنها ولوالج والطالقان.

الثانية: غزنين وقصبتها غزنين وبها من المدن كابل.

الثالثة: بست وقصبتها بست. وبعض الناس يجمع غزنين إلى بست ويجعلهما كورة واحدة يسميها كابلستان.

الرابعة: سجستان وقصبتها زرتج.

الخامسة: هراة وقصبتها هراة ومن مدنها باذغيس.

السادسة: جوزجانان وقصبتها اليهودية.

السابعة: مرو الشاهجان وهي القصبة وبها ناحية مرو الروز.

الثامنة: نيسابور والقصبة إيرانشهر وبها من المدن بيهق وطوس ونسا وأبيورد.

التاسعة: قهستان وقصبتها قابن.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:52 AM
(8) إقليم الديلم به خمس كور:

الأولى: قومس وقصبتها الدامغان ومن مدنها سمنان وبسطام.

الثانية: جرجان وقصبتها شهرستان ومن مدنها استر اباذ وآبسكون.

الثالثة: طبريستان وقصبتها آمل ومن مدنها سالوس وسارية.

الرابعة: الديلمان وقصبتها بروان.

الخامسة: الخزر وقصبتها إتل ومن مدنها بلغار وسمندر وبهذه الكورة نهر إتل وهذا الإقليم لم يفش الإسلام به إلا في عهد الدولة العباسية ولم يتأثر كثيراً باللغة العربية.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:53 AM
(9) إقليم الرحاب وهو ثلاث كور:

الأول: أران وقصبتها برذعة ومن مدنها تفليس وشروان وباب الأبواب وملازكرد.

الثاني: أرمينية وقصبتها أردبيل ومن مدنها مدليس وخلاط وخوي وسلماس وأرمية ومراغة ومرتد وقاليقلا.

الثالث: أذربيجان وقصبتها أردبيل ومن مدنها تبريز.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:54 AM
(10) إقليم الجبال وبه ثلاث كور:

الأولى: الري وقصبتها الري وبها من المدن آوة وساوة وقزوين وأبهر.

الثانية: همذان وهي القصبة ومصر الإقليم.

الثالثة: أصفهان وقصبتها اليهودية.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:55 AM
(11) إقليم خوزستان ويعرف بالأهواز وبه سبع كور وهي

الأولى: السوس وهي تتاخم العراق والجبال.

الثانية: جنديسابور وهي القصبة وكانت مصر الاقليم.

الثالثة: تستر وهي القصبة وليس بالإقليم أجل منها.

الرابعة: عسكر مكرم وهي القصبة وبها من المدن جوبك وزيدان وسوق الثلاثاء.

الخامسة: الأهواز وبها من المدن تيري ومناذر الكبرى ومناذر الصغرى.

السادسة: الدورق كورة تتاخم العراق ومن مدنها آزر وأجم وغيرهما، وقصبتها الدورق.

السابعة: رامهرمز كورة تتاخم فارس وهي القصبة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:56 AM
(12) إقليم فارس وبه ست كور:

الأولى: أرجان وهي القصبة.

الثانية: أدرشير خرة وقصبتها سيراف وهي ممتدة على البحر.

الثالثة: درايجرد وهي القصبة وكانت في القديم مصر الإقليم.

الرابعة: شيراز قصبتها على اسمها وهي مصر الإقليم وبها من المدن البيضاء وفسا.

الخامسة: سابور وقصبتها شهرستان ومن مدنها كازرون، والنوبندجان، وتوز.

السادسة: اصطخر وهي أوسع الكور وقصبتها على اسمها.

وبهذا الإقليم عدد عظيم من الأكراد وباسمه سميت البلاد الفارسية كلها.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:57 AM
(14) إقليم كرمان وبه خمس كور:

الأولى: بردسير وقصبتها على اسمها ومن مدنها ماهان، وكوغون، وزرند.

الثانية: نرماسير وهي القصبة.

الثالثة: السيرجان وقصبتها على اسمها. وهي مصر الإقليم.

الرابعة: بم وهي تتاخم فارس.

الخامسة: جيرفت وهي على البحر.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 08:58 AM
(13) إقليم السند وبه خمس كور:

الأولى: مكران وقصبتها بنجبور.

الثانية: طوران وقصبتها قصدار.

الثالثة: السند وقصبتها المنصورة ومن مدنها ديبل.

الرابعة: ويهند والقصبة باسمها.

الخامسة: قنوج وهي القصبة.

فهذه أربعة عشر إقليماً منها ستة عربية وثمانية أعجمية والمراد بكونها عربية تغلب اللسان العربي على أهلها.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:00 AM
السفاح

(132 - 136هـ)

هو أبو العباس عبد اللَّه بن علي بن عبد اللَّه بن عباس. وأمه ريطة بنت عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن المدان الحارثي. ولد سنة104 بالحميمة. بويع بالخلافة يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من ربيع الأول سنة132 (30 أكتوبر سنة749 . ومن هذا اليوم يبتدىء التاريخ خلافة أبي العباس ولم يزل خليفة إلى أن توفي بمدينة الأنبار يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة سنة136 (9 يونيو سنة754 .

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:00 AM
الأحوال الداخلية:

لم تكن هزيمة مروان وقتله منتهى متاعب العباسيين فإنه كان لا يزال في الأمة العربية قواد ضلعهم مع بني أمية ولا يزال عندهم شيء من القوة فكانوا يثورون إما خوفاً على أنفسهم من بني العباس الذين أظهروا قسوة شديدة في معاملة مغلوبيهم وإما طمعاً في إعادة تلك الدولة العربية التي كان لهم منها نصيب وافر. فقضى أبو العباس أكثر حياته في إخماد تلك الثورات التي كانت كثيرة ولا سيما بالشام والجزيرة والتغلب على يزيد بن هبيرة الذي كان أمير العراق لمروان بن محمد وتحصن بمدينة واسط بعد غلبة العباسيين على الكوفة وما معها.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:02 AM
ولاية العهد:

في سنة136 عقد السفاح لأخيه أبي جعفر الخلافة من بعده وجعله ولي عهد المسلمين ومن بعد أبي جعفر عيسى بن موسى بن محمد بن علي وكتب العهد بذلك وصيره في ثوب وختم عليه بخاتمه وخواتيم أهل بيته ودفعه إلى عيسى بن موسى وقد ابتدأ السفاح بفعله هذا الغلطة الشنيعة التي سبق بها في عهد بني أمية وهو تولية اثنين العهد وكانت من أسباب ما أصاب بني أمية من الخلاف والفرقة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:03 AM
وفاة السفاح:

أصيب السفاح بالجدري وهو بالأنبار وتوفي بها في13 ذي الحجة136 ودفن بالأنبار في قصره وبلغت وفاته أبا جعفر وهو عائد من حجته.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:04 AM
المنصور

(137 - 158هـ)

هو أبو جعفر عبد اللَّه بن محمد بن علي وأمه أم ولد اسمها سلامة ولد بالحميمة سنة101 ولما انتقل أبو العباس من الحميمة إلى الكوفة كان فيمن معه. ولما أفضت الخلافة إلى أبي العباس كان عضده الأقوى وساعده الأشد في تدبير الخلافة وفي السنة التي توفي فيها أبو العباس136 عقد العهد لأخيه أبي جعفر وكان إذا ذاك أميراً على الحج ثم توفي السفاح وأبو جعفر بالحجاز فأخذ البيعة له بالأنبار ابن أخيه عيسى بن موسى وكتب إليه يعلمه وفاة السفاح والبيعة له فلقيه الرسول بأحد المنازل عائداً بعد انتهاء الحج. وقد تمت البيعة له في اليوم الذي توفي فيه أخوه (8 يونيه سنة754) واستمر خليفة إلى أن توفي يوم الأحد سابع ذي الحجة سنة158 (8 أكتوبر سنة775 فكانت خلافته 22 سنة هلالية إلا ستة أيام.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:05 AM
وكان يعاصره في الأندلس عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك (138-172)

الأحوال لعهد المنصور:

تولى المنصور الخلافة ولم تكن قد توطدت دعائمها ولم يكن يخاف عليها من الدولة البائدة دولة الأمويين لأنه لم تبق لهم بقية يخاف منها وإنما كان الخوف ينتاب المنصور من ثلاث جهات

الأولى: منافسة عمه عبد اللَّه بن علي في الأمر لما كان له من نباهة الذكر في بني العباس ولأنه كان يدبر أمر جيوش الدولة من أهل خراسان وأهل الشام والجزيرة والموصل الذي أمره عليهم السفاح قبل وفاته ليغزوا بهم الروم وقد أظهر المنصور خوفه هذا لأبي مسلم حينما جاءه الخبر بوفاة أخيه والبيعة له.

الثانية: من عظمة أبي مسلم الخراساني مؤسس الدولة فإنه كان يرى له من الصولة وشدة التمكن في حياة أخيه ما لم يكن يرى معه أمراً ولا حكماً ومثل المنصور في علو نفسه لا يرضيه أن يكون له في الأمر شريك ذو سطوة وسلطان مثل أبي مسلم على أن هناك أمراً آخر ربما كان يدور بخاطره وهو أن يستقل أبو مسلم بأمر خراسان ويخلع المنصور ثم يختار للخلافة رجلاً آخر يكون تحت تصرفه وسلطانه فيعود الأمر لأهل فارس.

الثالثة: وهي أقوى هذه الجهات الثلاث خوفه من بني عمه آل علي بن أبي طالب الذين لا يزال لهم في قلوب الناس مكان مكين وأخصهم محمد بن عبد اللَّه بن حسن بن زيد بن حسن بن علي بن أبي طالب لما سيأتي بيانه فكان المنصور يتخوف أن يخرج عليه طالباً بالخلافة والذي كان يزيد هواجسه أنه عام حج في حياة أخيه لم يحضره محمد ولا أخوه إبراهيم ابنا عبد اللَّه مع من شهده من سائر بني هاشم.

صار المنصور يحتال بأنواع الحيل ليعرف الأخبار عن محمد واستخراج ما عند أبيه عبد اللَّه بن حسن من أخباره ولما علم أن عبد اللَّه يعرف نية ابنة حج سنة وسأل عبد اللَّه عن ابنيه أن عنده بهما فتيقن المنصور كذبه وحبسه وصادر أمواله.

لم يزل بنو حسن محبوسين عند رياح بالمدينة حتى حج أبو جعفر سنة فلما لم يجد عندهم ما يبرد غلته من جهة محمد وأخيه إبراهيم أمر بحملهم إلى العراق وأشخص معهم محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان بن عفان وهو أخو بني حسن بن زيد بن حسن لأمهم وأمهم جميعاً فاطمة بنت حسين بن علي وكان إبراهيم بن عبد اللَّه صهره على ابنته فحملوا مقيدين بالأغلال والأثقال وسير بهم على شر ما يكون حتى أتى بهم العراق فحبسوا بقصر ابن هبيرة وهو بلد شرقي الكوفة مما يلي بغداد على نهر الفرات. وقد استعمل معهم المنصور من الفظائع ما لا طاقة للإنسان على تسطيره وكان أعظم فظائعه مع محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان، وكانت نتيجة هذا الحبس الشديد أن مات أكثرهم في الحبس مع أن بني العباس ملأوا الدنيا تهويلاً ورياء بأنهم خرجوا انتقاماً من قتلة الحسين بن علين وزيد بن حسن ويحيى بن زيد وهؤلاء إنما قتلوا في ميادين القتال وهم خارجون ولم يقتل بنو أمية أحداً من آل علي بالشكل الفظيع الذي ذهب به بنو حسن في عهد بني عمهم من آل العباس.

على أنه فضلاً عن ذلك كله جعل نفسه محصوراً بالمدينة وهي ليست بمركز حربي يمكن القائد أن يبقى فيه على الدفاع طويلاً وحياتها من خارجها فلا تحتمل الحصار إلا قليلاً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:07 AM
نظام الحكم في العهد العباسي:

أولاً الوزير: والوزارة لم تكن معروفة بهذا الاسم في عهد الدولة الأموية وأول من سمي بها لعهد أبي العباس السفاح أبو سلمة الخلال شيخ الدعوة بالكوفة فقد كان يعرف بوزير آل محمد وأصله مولى لبني الحارث بن كعب وكان سمحاً كريماً مطعاماً كثير البذل مشغوفاً بالتنوف في السلاح والدواب فصيحاً عالماً بالأخبار والأشعار والسير والجدل والتفسير حاضر الحجة ذا يسار ومروءة ظاهرة.

ثانياً الحاجب: وهو موظف كبير لا يَمْثُل أحد بين يدي الخليفة إلا بإذنه وقد وجد الحاجب في عهد بني أمية وقد أحدثوه لما خشوا على أنفسهم من الفتاكين بعد حادثة الخوارج مع علي وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان.

ثالثاً الكاتب: وهو الذي يتولى مخاطبة من بعد عن الحضرة من الملوك والأمراء وغيرهم وكثيراً ما كان يتولى الخليفة نفسه تلك الكتابة.

رابعاً صاحب الشرط: وهو المحافظ على الأمن وكان المنصور يختار صاحب الشرط آمن الرجال وأشدهم وكان له سلطان عظيم على المريبين والجناة.

خامساً القاضي: وكان ينظر في قضايا مدينة المنصور وحدها ولم يكن له سلطان على قضاة الأقاليم لأن منصب قاضي القضاة لم يكن أنشىء بعد.

الجيش:

أهم ما تظهر به الدولة جيشها الذي يذود عن حياضها ويحمي بيضتها وقد كان الجيش لعهد الدولة الأموية عربياً محضاً جنوده وقواده فلما جاءت الدولة العباسية كان ظهور نجمها على يد أهل خراسان الذين يرجع إليهم أكبر الفضل في ثل عرش الدولة الأموية وبالضرورة يكون لهم حظ وافر من الدولة وحمايتها لذلك كان جيش الديوان في أول عهد العباسيين مؤلفاً من فريقين.

الأول: الجيوش الخراسانية

الثاني: الجيوش العربية. وقوادهم من الفريقين بعضهم من العرب وبعضهم من الموالي.

وكان أكبر القواد المعروفين في أول عهد الدولة أبو مسلم الخراساني لجيوش المشرق الخراسانية.

وعبد اللَّه بن علي لجيوش المغرب وأعظمها عربي من الجزيرة والشام.

ومن مشهوري قواده العرب معن بن زائدة الشيباني وهو قائد شجاع كان في أيام بني أمية متنقلاً في الولايات.

حاضرة الخلافة: (مدينة السلام- بغداد)

وللمدينة أربعة أبواب كل اثنين منها متقابلان ولكل منها باب دون باب بينهم دهليز ورحبة تدخل إلى الفصيل الدائر بين السورين فالأول باب الفصيل والثاني باب المدينة فإذا دخل من باب خراسان عطف على يساره في دهليز معقود بالآجر والجص عرضه عشرون ذراعاً وطوله ثلاثون المدخل إليه في عرضه والمخرج منه وطوله يخرج إلى رحبة مادة إلى الباب الثاني طولها60 ذراعاً وعرضها40 ولها في جنبتيها حائطان من الباب الأول إلى الباب الثاني في صدر هذه الرحبة في طولها الباب الثاني وهو باب المدينة وعن يمينه وشماله في جنبتي بابان إلى الفصيلين.

والأبواب الأربعة على صورة واحدة في الأبواب والفصيلان والرحاب والطاقات. ثم الباب الثاني وهو باب المدينة وعليه السور الكبير فيدخل من الباب الكبير إلى دهليز أزج معقود بالآجر والجص طوله20 ذراعاً وعرضه12 وعلى كل أزج من آراج هذه الأبواب مجلس له درجة على السور يرتقى إليه منها، على هذا المجلس قبة عظيمة ذاهبة في السماء سمكها50 ذراعاً مزخرفة وعلى رأس كل قبة منها تمثال تديره الريح لا يشبه نظائره.

وعلى كل باب من أبواب المدينة الأوائل والثواني باب حديد عظيم جليل المقدار كل باب منها فردان.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:08 AM
الأحوال الخارجية:

في عهد المنصور هرب عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان إلى بلاد الأندلس وأسس بها الدولة الأموية الثانية وكان المنصور يعجب به وبقدرته وعزيمته التي جعلته وهو شريد طريد يؤسس ملكاً في هذه البلدان القاصية ولم يكن بين الرجلين بالضرورة علاقة حسنة ولم يتسم عبد الرحمن بأمير المؤمنين بل تسمى بالأمير فقط. وهذه أول بلاد اقتطعت من الخلافة الإسلامية الكبرى بالمشرق أما مملكة الروم التي كانت تحاد الخلافة الإسلامية من الشمال فكان يعاصر المنصور فيها قسطنطين الخامس كما قدمنا وكانت العلاقة بين الأمتين منقطعة لا تترك إحداهما قتال الأخرى متى عنت الفرصة وكان من النظام المتبع في الخلافة إرسال الجيوش تغزو الروم في الصيف وتسمى بالصوائف ولم يكن ذلك ينقطع إلا لمانع.

أول ما حصل في عهد المنصور أن الروم بقيادة ملكهم أرغاروا سنة138 على ملطية وكانت إذ ذاك من الثغور الإسلامية فدخلوها عنوة وقهروا أهلها وهدموا سورها ولكن الملك عفا عمن فيها من المقاتلة والذرية.

ولما علم بذلك المنصور أغزى الطائفة عمه صالح بن علي ومعه أخوه العباس بن محمد بن علي فبنى ما كان صاحب الروم هدمه من ملطية وقد أقام في استتمام ذلك إلى سنة139. ثم غزوا الصائفة من درب الحدث فوغلا في أرض الروم وغزا مع صالح أختاه أم عيسى ولبابة ابنتا علي وكانتا نذرتا إن زال ملك بني أمية أن تجاهدا في سبيل اللَّه- وغزا من درب ملطية جعفر بن حنظلة البهراني. وفي هذه السنة استقر الأمر بين المنصور وملك الروم على المفاداة فاستنقذ المنصور من الروم أسراء المسلمين.

وفي سنة140 غزا الصائفة الحسن بن قحطبة مع عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام وأقبل قسطنطين صاحب الروم في جيش كثيف فنزل جيحان فبلغه كثرة المسلمين فأحجم عنهم ثم لم تكن صائفة بعد ذلك إلى سنة146 لاشتغال أبي جعفر بأمر محمد وإبراهيم ابني عبد اللَّه. ولم تزل الصوائف بعد ذلك تتوالى إلى سنة155 وفيها طلب صاحب الروم الصلح على أن يؤدي للمسلمين الجزية.

وكانت هذه الحروب بين الطرفين إغارات لم يقصد بها فتح بل كل واحد من الطرفين ينتهز الفرصة فيجتاز الحدود التي لصاحبه ثم يعود إلى مقره ثانية ولم تكن المصالحات يطول زمنها بل سرعان ما يعودون إلى ما كانوا عليه.

أما حدود المملكة من الجهات الأخرى فكانت في الغالب محلاً للاضطرابات ولكنها كانت تسكن حالاً بما يبذله المنصور من الهمة في إرسال الجنود إليها ليقظته ومعرفته بالأمور على وجهها، وكان في كل ثغر جنود مرابطون من المرتزقة وهم المفروض لهم عطاء في الديوان ومن المتطوعة وهم الذين ينتدبون للجهاد في سبيل اللَّه لا يطلبون على ذلك أجراً إلا من اللَّه وكان الخليفة هو الذي يعين قائدهم وكان عددهم في ذلك الوقت كثيراً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:09 AM
صفات المنصور وأخلاقه:

كان المنصور أعظم رجل قام من آل العباس شدة وبأساً ويقظة وثباتاً ونحن نسوق هنا جملة من أخلاقه لترتسم صورة هذا الرجل العظيم في الأذهان.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:11 AM
وفاة المنصور

في سنة158 حج المنصور. شخص من مدينة السلام متوجهاً إلى مكة في شوال فلما صار من منازل الكوفة عرض له وجعه الذي توفي به ولم يزل يزداد حتى وصل بستان ابن عامر فاشتد به وجعه ثم صار إلى بئر ميمون وهو يسأل عن دخول الحرم ويوصي الربيع بما يريد وتوفي في سحر ليلة السبت6 ذي الحجة سنة158 ولم يحضره عند وفاته إلا الربيع الحاجب فكتم موته ومنع النساء وغيرهن من البكاء عليه ثم أصبح فحضر أهل بيت الخلافة وجلسوا مجالسهم فأخذ الربيع بيعتهم لأمير المؤمنين المهدي ولعيسى بن موسى من بعده ثم دعا بالقواد فبايعوا وتوجه العباس بن محمد بن علي ومحمد بن سليمان بن علي إلى مكة ليبايعا الناس فبايعوا للمهدي بين الركن والمقام.

ثم أخذ في جهاز المنصور وغسله وكفنه ففرغ من ذلك مع صلاة العصر وجعل رأسه مكشوفاً من أجل أنه مات محرماً وصلى عليه عيسى بن موسى ودفن بثنية المعلاة بعد خلافة مدتها22 سنة إلا ستة أيام رحمه اللَّه.

وكان له من الولد ثمان ذكور وبنت. فالذكور محمد المهدي وجعفر الأكبر وأمهما أروى بنت منصور الحميرية وسليمان وعيسى ويعقوب وأمهم فاطمة بنت محمد من ولد طلحة بن عبيد اللَّه وجعفر الأصغر وأمه أم ولد كردية. وصالح المسكين وأمه أم ولد رومية. والقاسم وأمه أم ولد وقد مات منهم جعفر الأكبر والقاسم قبل وفاة المنصور والبنت اسمها العالية وأمها امرأة من بني أمية وقد تزوج العالية إسحق بن سليمان بن علي.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:13 AM
المهدي

(158-169هـ)

هو محمد المهدي بن منصور وأمه أروى بنت منصور الحميرية وكانت تكنى أم موسى ولد سنة126 بالحميمة من أرض الشراة وكانت سنه إذ جاءتهم الخلافة ست سنوات.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:14 AM
بيعة المهدي:

بعد أن أخذ الربيع بيعة المهدي علي بن هاشم والقواد الذين كانوا يرافقون المنصور في حجه ووجه رسولاً إلى مدينة السلام بخبر الوفاة وبعث معه بقضيب النبي صلى اللَّه عليه وسلم وبردته التي يتوارثها الخلفاء وبخاتم الخلافة فقدمت الرسل يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجة وفي ذلك اليوم بايعه أهل مدينة السلام ومكث في خلافته إلى أن توفي ليلة الخميس لثمان بقين من المحرم سنة169 (4 أغسطس سنة785 بما سبذان فتكون مدته عشر سنين وشهراً ونصفاً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:15 AM
الحال في عهد المهدي:

كانت خلافة المهدي مرفهة عن الناس ما كانوا يلقونه من بعض الشدة أيام المنصور فقد كان المنصور يؤسس ملكاً له خصوم فكان يكتفي بالريبة والظنة فيعاقب بهما وفي مثل ذلك كثيراً ما يؤخذ البريء بالمذنب والمطيع بالعاصي فلما جاء المهدي كانت الخلافة العباسية قد توطدت وأنياب العلويين قد كسرت وإن كانت قد بقيت لهم بقايا يتطلعون للخلافة فهم لا يحتاجون في الاحتراس منهم إلى مثل ما كان المنصور يحتاج إليه من الشدة فإن كبارهم قد وضعوا تحت نظر الخليفة ببغداد والذين كانوا بالمدينة اكتفى بمراقبة الأمير لهم فكانوا يعرضون عليه كل يوم ولذلك كانت حياة المهدي حياة سعيدة لنفسه ولأمته وهو بعد أبيه يشبه في كثير من الوجوه الوليد بن عبد الملك بعد أبيه.

في أول ولايته أمر بإطلاق من كان في سجن المنصور إلا من كان قبله تباعة من دم أو قتل ومن كان معروفاً بالسعي في الأرض بالفساد أو كان لأحد قبله مظلمة أو حق.

ومما أجراه من الإصلاح أمره ببناء القصور في طريق مكة أوسع من القصور التي كان السفاح بناها من القادسية إلى زبالة وأمر بالزيادة في قصور السفاح وترك منازل المنصور التي بناها على حالها. ومن آثاره زيارته في المسجد الحرام فأدخل فيه دوراً كثيرة.

الوزارة:

كان مظهر الوزارة في عهد المهدي أوضح منه في عهد أبيه المنصور لما كان من ركون المهدي إلى وزرائه واعتماده عليهم أكثر مما كان يعتمد أبوه وكان أول وزرائه كبير الكفاءة فإنه جمع له حاصل المملكة ورتب الديوان وقرر القواعد وكان كاتب الديوان وأوحد الناس حذقاً وعلماً وخبرة وهو أبو عبيد اللَّه معاوية بن يسار مولى الأشعريين كان كاتب المهدي ونائبه قبل الخلافة ضمه المنصور إليه وكان قد عزم على أن يستوزره لكنه آثر به ابنه المهدي فكان غالباً على أموره لا يعصي له قولاً وكان المنصور لا يزال يوصيه به ويأمره بامتثال مشورته فلما مات المنصور وولي المهدي فوض إليه تدبير المملكة وسلم إليه الدواوين وكان مقدماً في صناعته وله ترتيبات في الدولة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:15 AM
الأحوال الخارجية:

كان منظر الخلافة في داخل المملكة باهراً وكان كذلك مظهرها في نظر الأمم الأخرى إلا أنه مما يؤسف سوء العلاقة بين الخلافة المشرقية ببغداد وبين أمير الأندلس عبد الرحمن الداخل فقد كان المنصور والمهدي يهتمان بأمره ويودان إزالة دولته ولكن الشقة بين الرجلين بعيدة فلم يمكن واحد منهما أن يجرد له جيشاً يخترق صحارى أفريقية ويغزوه في بلاد الأندلس فاكتفى كل من الفريقين بمعاداة الآخر.

أما العلاقات بين المهدي وبين ملك الروم فكانت سيئة فلم تكن الإغارات من الطرفين تبطل بل كانت الصوائف من طرف المسلمين كما كانت الإغارات من ملك الروم وكانت الحرب براً وبحراً.

وفي سنة163 احتفل المهدي بأمر الصائفة وولى أمرها ابنه هارون وفرض البعوث على جميع الأجناس من أهل خراسان وغيرهم وخرج المهدي مع الجيش حتى أتى البردان فأقام به نحواً من شهرين يتعبأ ويتهيأ ويعطي الجنود. وكانت هذه الغزوة من أهم الغزوات في عهد المهدي فتح اللَّه عليهم فيها فتحاً كثيراً.

وفي سنة165 غزا الصائفة هارون مرة أخرى فوغل في بلاد الروم وكان عدد جيشه95793 رجلاً حمل لهم من العين ديناراً ومن الورق1414800 درهم ولم يزل الجيش سائراً حتى بلغ خليج البحر الذي على القسطنطينية وكان الذي يقوم بأمر الروم إيربني أم الملك نيابة عن ابنها فجرت بينها وبين هارون مكاتبات في طلب الصلح والموادعة وإعطاء الفدية فقبل منها ذلك هارون واشترط عليها أن تقيم الأدلاء والأسواق في طريقه لأنه قد دخل مدخلاً صعباً مخوفاً على المسلمين فأجابته إلى ما سأل.

وفي رمضان سنة168 أي قبل انقضاء مدة الهدنة نقض الروم الصلح وغدروا فوجه إليهم علي بن سليمان بن علي وهو والي الجزيرة وقنسرين يزيد بن بدر البطال في سرية فردوا الروم وغنموا وظفروا.

والنتيجة أن مدة المهدي كان أكثرها حرباً مع المسلمين والروم وكان الفريقان في موقف الدفاع أحياناً والهجوم أحياناً إلا أن الظفر كان في الغلب للمسلمين.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:16 AM
غزو الهند:

كان المسلمون يملكون إلى نهر مهران الفاصل بين السند والهند فأراد المهدي أن يغزي جنوده بلاد الهند ففي سنة159 وجه عبد الملك بن شهاب المسمعي في البحر إلى بلاد الهند وفرض معه لألفين من أهل البصرة من جميع الأجناد وأشخص معه من المطوعة الذين كانوا يلزمون المرابطات ووجه معه قائداً من أبناء الشام في 700 من أهل الشام وخرج معه من متطوعة أهل البصرة 1000 رجل ومن الأسواريين والسبابحة 4000 فكان تمام عدتهم 9200 رجل مضوا حتى أتوا مدينة باربد من بلاد الهند سنة160 فناهضوها بعد قدومهم بيوم وأقاموا عليها يومين فنصبوا المنجنيق وناهضوها بجميع الآلة وتحاشد الناس وحصن بعضهم بعضاً حتى فتحوها عنوة ودخلت خيلهم من كل ناحية حتى ألجأوهم إلى بلدهم فأشعلوا فيها النيران والنفط وغلبوا أهلها على أمرهم بعد أن قتل من المسلمين بضعة وعشرون رجلاً ثم أقاموا بالمدينة حتى يطيب لهم الريح فأصابتهم أمراض مات بسببها نحو ألف منهم ثم انصرفوا حين أمكنهم الانصراف حتى بلغوا ساحلاً من فارس يقال له بحر حمران فعصفت عليهم فيه الريح فكسرت عامة مراكبهم فغرق منهم بعض ونجا بعض ويظهر أن هذه الغزوة ليست إلا إغارة لا عملاً يقصد به توسيع المملكة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:18 AM
صفات المهدي:

كان المهدي لا يشرب النبيذ وإن كان سماره يشربونه في مجلسه وكان من خلقه الحياء والعفو فكان إذا وقع أحد من خصومه في يده عفا عنه وكان يتأثر بالقرآن كان في حبسه موسى بن جعفر العلوي فقرأ مرة في صلاته: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} فأتم صلاته والتفت إلى الربيع وأمره بإحضار موسى فلما جيء به قال له: يا موسى إني قرأت هذه الآية فخفت أن أكون قطعت رحمك فوثق لي أنك لا تخرج عليّ، فقال: نعم فوثق له فخلاه.

وكان خليفة عادلاً يجلس للمظالم بنفسه وبين يديه القضاة فيزيل عن الناس مظالمهم ولو كانت قبله وكان إذا جلس للمظالم قال أدخلوا عليّ القضاة فلو لم يكن ردي للمظالم إلا للحياء منهم لكفى.

وكان المهدي ميالاً إلى السنة يحب ألا يخالف سنة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فمن ذلك أنه أمر بنزع المقاصير من مساجد الجماعات وتصير منابرها إلى المقدار الذي عليه منبر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم وكتب بذلك إلى الآفاق فعمل به.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:20 AM
ولاية العهد:

قدمنا أن المهدي نزع من ولاية العهد عيسى بن موسى بن علي وجعل محله ابنه موسى الهادي ثم جعل بعده ابنه هارون الرشيد.

وفاة المهدي:

في سنة169 أراد المهدي الخروج إلى جرجان فلما وصل إلى ماسبذان أدركته هناك منيته ليلة الخميس لثمان بقين من المحرم في قرية يقال لها الروذ وصلى عليه ابنه هارون لأنه كان في صحبته.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:21 AM
الهادي

( 169- 170هـ)

هو موسى الهادي بن محمد المهدي بن جعفر المنصور وأمه أم ولد اسمها الخيزران كانت ملكاً للمهدي وفي سنة159 أعتقها وتزوجها أي بعد أن ولدت له الهادي والرشيد. ولد الهادي سنة 144 وولاه أبوه العهد وسنه16 سنة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:24 AM
الحال في عهده:

كان الهادي على سنن أبيه في كراهة الزنادقة فالتفت إليهم ونكل بهم تنكيلاً والزندقة على ما يظن كانت عندهم عنواناً على ترك التدين والمجازفة في التعبير عن الدين.

ثورة الحسين بن علي:

وفي عهد الهادي خرج بالمدينة الحسين بن علي بن الحسن المثلث سنة169 وكان والي المدينة لوقته عمر بن عبد العزيز بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب وسبب خروجه أن عمر بن عبد العزيز أخذ الحسن بن محمد النفس الزكية وجماعة كانوا على شراب لهم فأمر بهم فضربوا جميعاً ثم أمر بهم فجعل في أعناقهم حبال وطيف بهم في المدينة فصار إليه الحسين بن علي فكلمه فيهم وقال له ليس هذا عليهم وقد ضربتهم ولم يكن لك أن تضربهم لأن أهل العراق لا يرون به بأساً فلم تطوف بهم فبعث إليهم وقد بلغوا البلاط فردهم وأمر بهم إلى الحبس فحبسوا يوماً وليلة ثم كلم فيهم فأطلقهم جميعاً وكانوا يعرضون كما قدمنا يراقبون ففقد الحسن بن محمد وكان الحسين بن علي ويحيى بن عبد اللَّه بن الحسن كفلاه لأن العمري كان كفل بعضهم من بعض فغاب عن العرض ثلاثة أيام فأخذ الكفيلين وسألهما عنه فحلفا أنهما لا يدريان موضعه فكلمهما بكلام أغلظ لهما فيه فحلف يحيى بن عبد اللَّه ألا ينام حتى يأتيه به أو يضرب عليه باب داره حتى يعلم أنه قد جاءه فلما خرجا قال الحسين: سبحان اللَّه ما دعاك إلى هذا وأين تجد حسناً حلفت له بشيء لا تقدر عليه قال والله لا نمت حتى أضرب عليه باب داره بالسيف فقال حسين: تكسر بهذا ما كان بيننا وبين أصحابنا من الصلة قال: قد كان الذي كان، فلا بد منه، وكانوا قد تواعدوا على أن يخرجوا بمنى أو بمكة أيام الموسم، وكان بالمدينة جماعة من أهل الكوفة من شيعتهم وممن كان بايع الحسين بن علي، ففي آخر الليل خرجوا وجاء يحيى بن عبد اللَّه حتى ضرب باب دار مروان على العمري فلم يجده فيها وتوارى منهم فجاءوا حتى اقتحموا المسجد. ولما أذن الصبح جلس الحسين على المنبر وعليه عمامة بيضاء وجعل الناس يأتون المسجد فإذا رأوهم رجعوا ولا يصلون فلما صلى الغداة جعل الناس يأتونه ويبايعونه على كتاب اللَّه وسنة نبيه صلى اللَّه عليه وسلم للمرتضى من آل محمد وقاومهم جماعة من نصراء الدولة فلم يفلحوا ولما تم للحسين بن علي ما أراد انتهبت جماعته ما في بيت المال.

أقام الحسين بالمدينة بعد إعلان الخروج أحد عشر يوماًثم فارقها لست بقين من ذي القعدة قاصداً مكة.

انتهى خبر الحسين إلى الهادي وقد كان حج في تلك السنة رجال من أهل بيته منهم محمد بن سليمان بن علي والعباس بن محمد وموسى بن عيسى سوى من حج من الأحداث وكان على الموسم سليمان بن أبي جعفر المنصور فأمر الهادي بالكتاب بتولية محمد بن سليمان على الحرب فلقيهم الكتاب وقد انصرفوا عن الحج. وكان محمد بن سليمان قد خرج في عدة من السلاح فشمر للحرب وسار نحو الحسين بن علي فلقيه بفخ وكانت عاقبة الوقعة أن قتل الحسين بن علي الثائر وجماعة ممن معه وأفلت من الموقعة رجلان لهما تاريخ جليل وهما إدريس بن عبد اللَّه بن الحسن بن علي أخو محمد النفس الزكية وهو مؤسس دولة الأدارسية بالمغرب الأقصى والثاني أخوه يحيى بن عبد اللَّه الذي ذهب إلى بلاد الديلم.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:26 AM
صفات الهادي:

كان الهادي شديد الغيرة على حرمه ويشبه في ذلك سليمان بن عبد الملك في بني أمية وقد نهى أمه الخيزران أن يدخل عليها أحد من القواد أو رؤساء حكومته بعد أن كان لها من نفوذ الأمر في عهد المهدي ما لم يكن لامرأة غيرها.

وكان شجاعاً قوياً روي عنه أنه كان يثب على الدابة وعليه درعان.

وكان يرى الناس لا يصلحون إذا حجب خليفتهم عنهم حتى أنه قال للفضل بن الربيع الذي أقامه في حجابته بعد أبيه: لا تحجب عني الناس فإن ذلك يزيل عني البركة ولا تلق إليّ أمراً إذا كشفته أصبته باطلاً فإن ذلك يوقع الملك ويضر بالرعية، وقال مرة لعلي بن صالح: ائذن للناس عليّ بالجفلى لا النقرى ففتحت الأبواب فدخل الناس على بكرة أبيهم فلم يزل ينظر في المظالم إلى الليل.

وكان كريماً يشبه أباه في أعطياته. ولم تطل مدته في الخلافة حتى يكون له في أحوال الأمة أثر ظاهر.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:27 AM
5- هارون الرشيد

ترجمته:

هو هارون الرشيد بن محمد المهدي وأمه أم الهادي ولد بالري سنة145 ولما شب كان أبوه يرشحه للخلافة فولاه مهام الأمور. جعله أمير الصائفة سنة163 وسنة165 وفي سنة164 ولاه المغرب كله من الأنبار إلى أطراف أفريقية فكانت الولاة ترسل من قبله وفي سنة166 جعله أبوه ولي عهد بعد الهادي وفي سنة169 وهي السنة التي توفي فيها المهدي أراد أن يقدمه على الهادي لما ظهر من شجاعته وعلو شأنه فحالت منية المهدي دون ذلك المهدي.

بويع الرشيد بالخلافة يوم أن مات أخوه الهادي في14 ربيع الأول سنة170 (14 سبتمبر سنة786 وسنه25 سنة ولم يزل خليفة إلى أن توفي في ثالث جمادى الآخرة سنة194 (24 مارس سنة808 فكانت مدته23 سنة وشهرين و18 يوماً وكان سنه إذ توفي48 سنة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:28 AM
نكبة البرامكة:

أولع المؤرخون بذكر نكبة البرامكة وأجهدوا قرائحهم في تعرف أسباب إيقاع الرشيد بهم. لم يكن هذا العمل بدعاً في الدولة العباسية فإن للمنصور والمهدي سلفاً في ذلك فقد أوقع المنصور بوزيره أبي أيوب المورياني قتله وأقاربه واستصفى أموالهم لخيانة مالية اطلع عليها منهم وأوقع المهدي بوزيريه أبي عبد اللَّه معاوية بن يسار ويعقوب بن داود لوشاية كانت بهما مع نزاهة الأول وحسن سيرته ومع ما كان للمهدي من الولوع بالثاني حتى كتب للجمهور أنه اتخذه أخاه في اللَّه. كل هذا قد سبق به الرشيد.

كان يحيى بن خالد هو القائم بأمر الرشيد أيام المهدي وكان الرشيد يدعوه يا أبي وكانت أم الفضل بن يحي ى ظئراً للرشيد وأرضعت الخيزران أم الرشيد الفضل بن يحيى فكان يحيى هو الذي يكفله ويقوم بتربيته من لدن ولد إلى أن شب. وهو الذي كانت له اليد الطولى في إخفاق المساعي التي بذلت لخلع الرشيد من ولاية العهد أيام الهادي فلما تولى الرشيد قلده وزارته وزارة تفويض ثم ضم إليه وزارة الخاتم بعد وفاة الفضل بن سليمان الطوسي فاجتمعت له الوزارتان وأعانه في العمل أبناؤه إلا أن الشهرة ونباهة الذكر كانت للفضل وجعفر مع ما كان لهم جميعاً من الكفاية.

رآهم الناس بعد هذا العز المتين والشرف الباذخ منكوبين على يد الرشيد، ابن يحيى وأخي الفضل وحبيب جعفر، فجعفر مقتول بالعمر من ناحية الأنبار في آخر ليلة من محرم سنة197 بعد أوبة الرشيد من حجه وكتابته عهدي ولديه الأمين والمأمون ثم جسمه مصلوب ببغداد على ثلاثة جسور ثم أحرق. ويحيى بن خالد وأبناؤه الباقون محبوسون. ورأوا مصادرة لكل ما يملكون من عقار ومنقول ورقيق ورأوا كتباً أرسلت إلى جميع العمال في نواحي البلدان والأعمال بقبض أموالهم وأخذ وكلائهم وأمراً بالنداء في جميع البرامكة أن لا أمان لمن أواهم إلا محمد بن خالد بن برمك وولده وأهله وحشمه فإن الرشيد استثناهم لما ظهر له من نصيحة محمد له وعرف براءته مما دخل فيه غيره من البرامكة. رأوا ذلك كله فعرتهم الدهشة وظنوا الظنون وسادت عليهم الخيالات والأوهام ناسبين ذلك لحادث فجائي حدث فغير قلب الرشيد هذا التغيير وأداه إلى هذا العمل شأن الناس في الأعصار كافة إذا عصفت بهم عاصفة من حادث شديد الوقع.

من كل هذا يتبين أن النفور والريبة وقعت في قلب كل من الطرفين للآخر وتبع ذلك معاملات من الرشيد لم يكن يبعثه عليها إلا ما ركز في نفسه وأثبته عنده وشاة السوء وأعداء البرامكة وكان الرشيد يتحين الفرصة للإيقاع بهم ولا سيما جعفر لما كان منه من تخليص يحي ى بن عبد اللَّه وهذا دليل عدم الإخلاص للرشيد وللبيت العباسي وقد قام الفضل بن الربيع بما انتدب إليه خير قيام وشايعه في ذلك كثيرون وكانت زوجة الرشيد زبيدة منحرفة عن جعفر لقيامه في أمر المأمون فإنه هو الذي قام في ولايته العهد وجعله مناظراً لابنها الأمين وكانوا يتخوفون من جعفر أن يكون سبباً في الإيقاع بين الأخوين إذا حانت منية الرشيد لذلك كانت زبيدة توغر قلب الرشيد على جعفر كلما حانت الفرصة.

في سنة186 حج الرشيد ولما انصرف من حجه أتى الأنبار ومعه يحيى والفضل وجعفر ومحمد بن خالد ودعا موسى بن يحيى فرضي عنه بعد غضبه عليه وفي غاية المحرم أمر فيهم أمره فقتل جعفراً وحبس يحيى وابنيه وصادر أموالهم كلها وقد حبس يحيى مع الفضل، ومحمد في دير القائم وجعل عليهم حفظة ولم يفرق بينهم وبين عدة من خدمهم ولا ما يحتاجون إليه وصير معهم زبيدة بنت منير أم الفضل وعدة من خدمهم وجواريهم ولم تزل حالهم سهلة إلى أن سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح فعمهم بالتسقف بسخطه وجدد لهم التهمة عند الرشيد فضيق عليهم.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:29 AM
العلاقات الخارجية:

كانت دول هذا العصر الكبيرة دولة الروم الشرقية بالقسطنطينية ودولة شرلمان الذي كان يميل إلى تجديد دولة الرومان الغربية ودولة الأمويين بالأندلس وحدثت في عهده دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:30 AM
مع الروم:

من أعمال الرشيد أنه عزل الثغور كلها عن الجزيرة وقنسرين وجعلها حيزاً واحداً وسميت العواصم وجعل قاعدتها منبجاً وأسكنها عبد الملك بن صالح سنة173 وسميت العواصم لأن المسلمين كانوا يعتصمون بها فتعصمهم وتمنعهم من العدو إذا انصرفوا من غزوهم وخرجوا من الثغر وكان من هذه العواصم دلوك ورعبان وقورس وانطاكية وتيزين وما بين ذلك من الحصون ومن تلك المدن الشهيرة طرسوس وقد عمرت في زمن الرشيد على يد أبي سليم فرج الخادم التركي ونزلها الناس وكان يغزو الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح ووصل سنة175 إلى أقريطية. وفي سنة181 غزا الرشيد الصائفة بنفسه ففتح عنوة حصن الصفصاف وغزا عبد الملك بن صالح فبلغ أنقرة.

ولم يزل عبد الملك يرى الثغور وحربها وهو قائم بذلك خير قيام حتى عزله الرشيد وحبسه بعد نكبة البرامكة سنة 187 فولى بعده القاسم بن الرشيد وسكن منبجاً فغزا الروم وأناخ على حصن قرة وحاصرها ووجه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث فأناخ على حصن سنان حتى جهدوا فبعثت الروم تبذل320 رجلاً من أسارى المسلمين على أن يرحل عنهم فأجابهم إلى ذلك ورحل عن حصني قرة وسنان.

كان يملك الروم في ذلك الوقت إربني وكانت في أوائل أمرها تنوب عن ابنها قسطنطين السادس منذ سنة780 ثم استبدلت بالملك سنة790 فاتفقت مع الرشيد على الصلح والمهادنة مقابل جزية تقوم بدفعها له وذلك لما رأته من إلحاح المسلمين عليها بالحرب وعدم قدرتها على الدفاع لوقوعها بين المسلمين من جهة وبين شارلمان من جهة أخرى وكلتا الدولتين تناوئها العداوة لأن شارلمان كان يريد توسيع سلطانه وإعادة دولة الرومان إلى بهجتها التي كانت لها في القدم وفي سنة802 نهضت عليها عصابة رومية فخلعتها عن الملك وملكت مكانها نقفور فعقد معاهدة مع شارلمان عينت فيها تخوم المملكتين ثم كتب إلى الرشيد من نفقور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مكان البيدق فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أمثاله إليها لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي فأردد ما حصل قبلك من أموالها وافتد نفسك بما يقع به المصادرة لك وإلا فالسيف بيننا وبينك. فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب حتى لم يمكن أحد أن ينظر إليه دون أن يخاطبه وتفرق جلساؤه خوفاً من زيادة قول أو فعل يكون منهم واستعجم الرأي على الوزير من أن يشير عليه أو يستبد برأيه دونه فدعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب:

( بسم اللَّه الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك والجواب ما تراه دون أن تسمعه والسلام) ثم شخص من يومه وسار حتى أناخ بباب هرقلة ففتح وغنم واصطفى وأقاد وخرب وحرق واصطلم فطلب نقفور الموادعة على خراج يؤديه كل سنة فأجابه إلى ذلك فلما رجع من غزوته وصار بالرقة نقض نقفور العهد وخان الميثاق وكان البرد شديداً فيئس نقفور من رجعته إليه وجاء الخبر بارتداده عما أخذ عليه فما تهيأ لأحد إخبار الرشيد بذلك إشفاقاً عليه وعلى أنفسهم من الكرة.

ولم تقف الحروب بين الطرفين بعد ذلك وفي سنة189 حصل فداء بين المسلمين والروم فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودي به وهذا أول فداء كان بين المسلمين والروم.

وفي سنة190 غزا الرشيد الصائفة بنفسه ففتح هرقلة وبث الجيوش والسرايا بأرض الروم وكان دخلها في135 ألف مرتزق سوى الاتباع وسوى المطوعة وسوى من لا ديوان له وكان فتح الرشيد هرقلة في شوال فأضر بها وسبى أهلها بعد مقام ثلاثين يوماً عليها وولى حميد بن معيوف سواحل الشام إلى مصر فبلغ حميد قبرص فانتصر على أهلها.

وفي سنة191 غزا الصائفة هرثمة بن أعين أحد كبار القواد وضم إليه ثلاثين ألفاً من أهل خراسان ومعه مسرور الخادم واليه في النفقات وجميع الأمور ما خلا الرياسة ومضى الرشيد إلى درب الحدث فرتب هنالك عبد اللَّه بن مالك ورتب سعيد بن سلم بن قتيبة بمرعش فأغارت الروم عليها وأصابوا من المسلمين وانصرفوا وسعيد مقيم بها. وبعث محمد بن يزيد بن مزيد إلى طرسوس، فأقام الرشيد بدرب الحدث ثلاثة أيام من شهر رمضان ثم انصرف إلى الرقة.

وعلى الجملة فإن قوة المسلمين كانت في عهد الرشيد ظاهرة ظهوراً بيناً على الروم لما كان يقوم به الرشيد بنفسه من الغزو المتوالي ومعه عظماء القواد وكبار رجال الدولة من عرب وموال وخراسانية.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:31 AM
العلاقة مع أوروبا:

كان في عهد الرشيد شارلمان بن بابن وكان ملكاً على فرنسا واستولى على لمبارديا وقاد طوائف السكسون التي كانت في جرمانيا إلى الدين العيسوي بعد أن كانت وثنية واستولى على المانيا وإيطاليا وكان يرغب أن يكون له اسم كبير في الديار الشرقية لتكون درجته فوق درجة نقفور ملك القسطنطينية وكان يرغب أن يكون حامياً للعيسويين في البلاد الإسلامية وخصوصاً زائري القدس فأرسل إلى بغداد سفراء يستجلبون رضا هارون الرشيد وكان لشارلمان غرض من مصافاة الرشيد فوق ما تقدم وهو إضعاف الدولة الأموية بالأندلس ففاز سفير شارلمان برضا الرشيد فسر بذلك لأنه عده فوزاً على نقفور ولهذا لما قدم سفير الرشيد على شارلمان قابله بمزيد الإكرام واستفاد شارلمان من ذلك التودد فائدتين الأولى تمكنه من حرب الدولة الأموية بالأندلس وتداخله في مساعدة الخارجين عليها والثانية نيله رضا الرشيد.

وقد أراد أيضاً أن يغتنم غنيمة علمية فإن أوروبا في ذلك الوقت كانت مهد جهالة لأنه بانقراض الرومانيين وغلبة الأمم المتبربرة على أوروبا انطفأ مصباح العلم أما الحال في البلاد الإسلامية فكانت على العكس من ذلك علماً وعملاً سواء في ذلك بغداد وقرطبة فسعى شارلمان في إصلاح قوانين دولته مقلداً هارون الرشيد وذهب إلى أوروبا أطباء تعلموا في البلاد الإسلامية وكانوا من اليهود فانتخب منهم شارلمان رجلاً يقال له إسحاق وأرسله إلى الرشيد مصحوباً ببعض الهدايا وبعد أربع سنين عاد إسحاق مع ثلاثة من رجال الرشيد ومعهم هدايا وهي ساعة وراغنون وفيل وبعض أقمشة نفيسة، فلما نظرها رجال شارلمان ظنوها من الأمور السحرية وأوقعتهم في حيرة وهموا بكسر الساعة فمنعهم الامبراطور، وفي ذلك التاريخ اتفقوا على أمور تتعلق بحماية المسيحيين الذين يتوجهون لزيارة القدس.

أما علاقة بغداد بقرطبة فكانت شر علاقة إذ أن الرشيد كان ينظر إلى بني أمية نظر الخارجين على دولته فكان يود محوهم ولكن القوم كانوا أكبر من ذلك وأقوى فقاوموا شارلمان مقاومة عظيمة ولم يتمكن أن يفعل بهم شراً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:32 AM
أخلاق الرشيد:

كان الرشيد خليفة ديناً محافظاً على التكاليف الشرعية أتم محافظة فأما صلاته فكان يصلي في كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا إلا أن تعرض له علة. وكان له سمير فكه هو ابن أبي مريم المدني كان الرشيد لا يصبر عنه ولا يمل محادثته.

وأما صدقته فقد كان كل يوم يتصدق من صلب ماله بألف درهم سوى العطايا التي كانت تهطل على الناس منه ولم ير خليفة قبله كان أعطى منه للمال ثم المأمون بعده.

وأما حجه فإنه كان لا يتخلف عنه إلا إذا كان مشغولاً بالغزو فهو في كل عام بين غاز وحاج وقد أقام للناس حجهم تسع مرات في سني حكمه وهي السنوات70و73 و74 و75 و77 و80 و81 و86 و88 بعد المائة وكان إذا حج حج معه من الفقهاء وأبنائهم وإذا لم يحج يحج عنه ثلثمائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الباهرة.

وكان يسمع وعظ الواعظين وهو عند ذلك رقيق القلب سريع الدمعة. دخل عليه ابن السماك الواعظ فقال له: الرشيد عظني، فقال: يا أمير المؤمنين اتق اللَّه وحده لا شريك له واعلم أنك غداً بين يدي اللَّه ربك ثم مصروف إلى إحدى منزلتين لا ثالث لهما جنة أو نار فبكى هارون حتى اخضلت لحيته.

وأما جهاد الرشيد فإنه كان لا يترك الخروج مع جنده بل كان غالباً في مقدمتهم حتى لا يعتاد الراحة ولا يقعده الترف عن القيام بهذا الواجب حتى كان من ضمن مآثره أنه كان يغزو سنة ويحج أخرى.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:33 AM
وفاة الرشيد:

خرج الرشيد من بغداد في خامس شعبان سنة192 قاصداً خراسان عندما بلغه استفحال أمر رافع بن الليث بما وراء النهر واستخلف ابنه محمداً الأمين بمدينة السلام وخرج معه ابنه عبد اللَّه المأمون ولم يزل الرشيد في مسيره حتى وافى مدينة طوس في صفر سنة193 وهناك اشتدت به علته ولحق بربه ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة193 وصلى عليه ابنه صالح لأن المأمون كان قد سبقه إلى مرو حاضرة خراسان ودفن الرشيد بهذه المدينة.

وكان للرشيد اثنا عشر ولداً ذكراً وأربع بنات فذكور أولاده محمد الأمين من زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر وعلي من زوجته أمة العزيز أم ولد موسى الهادي وعبد اللَّه المأمون والقاسم والمؤتمن ومحمد المعتصم وصالح ومحمد أبو عيسى ومحمد أبو يعقوب ومحمد أبو العباس ومحمد أبو سليمان ومحمد أبو علي ومحمد أبو أحمد وهم لأمهات أولاد شتى.

وتزوج الرشيد بست زوجات مات عن أربع منهن وهن زبيدة وأم محمد بنت صالح المسكين والعباسة بنت سليمان بن المنصور والجرشية بنت عبد اللَّه العثمانية.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:34 AM
الأمين

ترجمته:

هو محمد الأمين بن هارون الرشيد وأمه زبيدة بنت جعفر بن المنصور فهو هاشمي أباً وأماً ولم يتفق ذلك لغيره من الخلفاء إلا لعلي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه ولابنه الحسن.

ولد سنة170 من الهجرة وولاه أبوه العهد سنة185 وكان قائماً مقام أبيه ببغداد حينما سافر إلى خراسان ولما مات الرشيد بطوس بويع له في عسكر الرشيد بالخلافة ووصل الخبر إلى بغداد فبايعه الخاصة والعامة واستمر في الخلافة إلى أن قتل في25 محرم سنة198 (5 سبتمبر سنة813 فكانت مدته أربع سنوات إلا أربعة أشهر تقريباً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:36 AM
الحال الداخلية لذلك العهد:

كانت هذه المدة التي وليها الأمين مملوءة بالمشاكل والاضطرابات بين الأخوين الأمين والمأمون وكادت الأمة تذهب بينهما ضياعاً وسبب ذلك ما فعله الرشيد من ولاية العهد لأولاده الثلاثة أحدهم بعد الآخر وقسمته البلاد بينهم ونحن نبين كيف ابتدأت المشاكل وكيف انتهت ونبين آثارها في الأمة:

لما كان الرشيد بطوس جدد البيعة لابنه المأمون على القواد الذين معه وأشهد من معه من القواد وسائر الناس أن جميع من معه من الجند مضمومون إلى المأمون وأن جميع ما معه من مال وسلاح وآلة وغير ذلك للمأمون. ولما علم الأمين وهو ببغداد مرض أبيه وأنه لمآبه أرسل من يفيده الأخبار كل يوم وأرسل كتباً تسلم إلى من أرسلت إليه بعد وفاة الرشيد فلما توفي كان من تلك الكتب كتاب للمأمون يعزيه فيه عن أبيه ويأمره أن يأخذ البيعة على من قبله للأمين بالخلافة وللمأمون بولاية العهد وللقاسم المؤتمن بعده. ومنها كتاب لصالح بن الرشيد وقد كان أكبر ولد الرشيد الذين معه وهو الذي صلى عليه حين مات وقد أمره فيه بالاجتهاد والتشمير وأن يأخذ البيعة على من معه للأمين ثم المأمون ثم المؤتمن على الشريطة التي اشترطها الرشيد وأمره بالمسير إليه مع جميع الجنود والذخائر والسلاح وقال له في الكتاب وإياك أن تنفذ رأياً أو تبرم أمراً إلا برأي شيخك وبقية آبائك الفضل بن الربيع وفيه وإن أمرت لأهل العسكر بعطاء أو أرزاق فليكن الفضل بن الربيع المتولي لإعطائهم على دواوين يتخذها لنفسه بمحضر من أصحاب الدواوين فإن الفضل بن الربيع لم يزل مثل ذلك لمهمات الأمور.

لما قرأ الذين وردت عليهم كتب محمد الأمين بطوس من القواد والجند وأولاد هارون تشاوروا في اللحاق بمحمد فقال الفضل بن الربيع: لا أدع ملكاً حاضراً لآخر لا يدري ما يكون من أمره، وأمر الناس بالرحيل ففعلوا ذلك محبة منهم للحوق بأهلهم ومنازلهم ببغداد وتركوا العهود التي كانت أخذت عليهم للمأمون.

انتهى خبر ذلك إلى المأمون وهو بمرو فجمع من معه من قواد أبيه واستشارهم فأشاروا عليه أن يلحقهم في ألفي فارس تجريدة فيردهم فدخل عليه الفضل بن سهل وهو عنده من أعظم الناس قدراً وأخصهم به فقال له إن فعلت ما أشاروا به عليك جعلت هؤلاء هدية إلى محمد ولكن الرأي أن تكتب إليهم كتاباً وتوجه إليهم رسولاً فتذكرهم البيعة وتسألهم الوفاء وتحذرهم الحنث وما يلزمهم في ذلك في الدين والدنيا فعل ذلك المأمون ووصل الكتاب والقوم بنيسابور قد رحلوا ثلاث مراحل فلم يفد هذا الجواب فائدة وتم الفضل بن الربيع على سيره.

ولما جاء المأمون خبر ذلك كان الفضل بن سهل حاضراً فأزال عنه الانزعاج أمله في الخلافة فجعل أمره إليه وأمره أن يقوم به بعد أن رفضه كبار القواد الذين معه فكان من أول تدبيره أن يبعث إلى من بالحضرة من الفقهاء فيدعوهم إلى الحق والعمل به وإحياء السنة وأن يقعد على اللبود ويرد المظالم ليكون بذلك قريباً من نفوس الجمهور ففعل.

ولم يبدأ المأمون أخاه بشيء يريبه بل تواترت كتبه إليه بالتعظيم والهدايا إليه من طرف خراسان من المتاع والآنية والمسك والدواب والسلاح.

أما الأمر في بغداد فقد كان يدل على شر مستطير فإن الفضل بن الربيع بعد مقدمه العراق ناكثاً للعهود التي كان الرشيد أخذها عليه للمأمون رأى أن الخلافة إن أفضت إلى المأمون يوماً وهو حي لم يبق عليه فحث محمداً على خلفه وأن يولي العهد من بعده ابنه موسى ولم يكن ذلك من رأي محمد ولا عزمه بل كان عزمه الوفاء لأخويه بما أخذ عليه الرشيد لهما من العهود فلم يزل به الفضل حتى أزاله عن رأيه فأول ما بدأ به أن كتب إلى جميع العمال في الأمصار كلها بالدعاء لابنه موسى بالأمرة بعد الدعاء له وللمأمون والقاسم. فلما بلغ ذلك المأمون وبلغه أن الأمين عزل أخاه القاسم عما كان الرشيد ولاه من الأعمال وأقدمه بغداد علم أنه يدبر في خلعه فقطع البريد عنه وأسقط اسمه من الطرار.

كرر الأمين تجربته فكتب إلى العباس بن عبد اللَّه بن مالك وهو عامل المأمون على الري وأمره أن يبعث إليه بغرائب غروس الري مريداً بذلك امتحانه فبعث إليه بما طلب فبلغ ذلك المأمون فعزل العباس عن ولايته.

ثم بعث الأمين إلى المأمون ثلاثة نفر أحدهم العباس بن موسى بن عيسى والغرض من هذا الوفد أن يطلبوا من المأمون رضاه بتقديم موسى بن الأمين على نفسه في ولاية العهد فلما اطلع المأمون على مرادهم رد ذلك وأباه، وعرض الفضل بن سهل على العباس بن موسى أن يكون عوناً لهم ومنوه الأماني إن هو أجاب إلى ذلك فرضي وكان بعد ذلك يكتب إليهم بالأخبار ويشير عليهم بالرأي عاد الوفد إلى الأمين وأخبروه بامتناع المأمون.

لم يخفض ذلك من غلواء الفضل بن الربيع بل ما زال يلح على الأمين حتى رضي أن يخلع المأمون ويبايع لابنه موسى بولاية العهد، ونهى الفضل عن ذكر المأمون والقاسم والدعاء لهما على شيء من المنابر ووجه إلى مكة كتاباً مع رسول من حجبة البيت في أخذ الكتابين اللذين كتبهما هارون وجعلهما بالكعبة فأحضرهما إلى بغداد فمزقا.

وكان الأمين قبل أن يكاشف أخاه بذات نفسه أرسل إليه يسأله أن يتجافى له عن كور من كور خراسان سماها وأن يوجه العمال إليها من قبل محمد وأن يحتمل توجيه رجل من قبله يوليه البريد عليه ليكتب إليه بخبره فكتب إليه جواب ذلك:

بلغني كتاب أمير المؤمنين يسأل التجافي عن مواضع سماها مما أثبته الرشيد في العقد وجعل أمره إليّ وما أمره رآه أمير المؤمنين أحد يجاوز أكثره غير أن الذي جعل إلى الطرف الذي أنا به لا ظنين في النظر لعامته ولا جاهل بما أسند إليّ من أمره ولو لم يكن ذلك مثبتاً بالعهود والمواثيق المأخوذة ثم كنت على الحال التي أنا عليها من إشراف عدو مخوف الشوكة وعامة لا تتألف عن هضمها وأجناد لا يستتبع طاعتها إلا بالأموال وطرف من الأفضال لكان في نظر أمير المؤمنين لعامته وما يحب من أطرافه ما يوجب عليه أن يقسم له كثيراً من عنايته وأن يستصلحه ببذل كثير من ماله فكيف بمسألة ما أوجبه الحق ووكدته مأخوذة العهد؟ وإني لأعلم أن أمير المؤمنين لو علم من الحال ما علمت لم يطلع ما كتب بمسألته إليّ ثم أنا على ثقة من القبول بعد البيان إن شاء الله.

وكان المأمون قد وجه حارسه إلى الحد فلا يجوز رسول من العراق حتى يوجهوه مع ثقات من الأمناء ولا يدعه يستعلم خبراً ولا يؤثر أثراً ولا يستتبع بالرغبة ولا بالرهبة أحداً ولا يبلغ أحداً قولاً ولا كتاباً فحصر أهل خراسان من أن يستمالوا برغبة أو أن تودع صدورهم رهبة ويحملوا على منوال خلاف أو مفارقة ثم وضع على مراصد الطرق ثقات من الحراس لا يجوز عليهم إلا من لا يدخل الظنة في أمره ممن أتى بجواز في مخرجه إلى دار مآبة أو تاجر معروف مأمون في نفسه ودينه ومنع الاشتاتات من جواز السبل والقطع بالمتاجر والوغول في البلدان في هيئة الطارئة والسابلة وفتشت الكتب. هكذا دبر الفضل بن سهل أمر صاحبه فلم يدع للفضل بن الربيع مجالاً لرسله ورواده أن يبثوا شيئاً في عامة أهل خراسان ولما أتت رسل الأمين بجواب كتب الأمين وجدوا جميع ما كانوا يؤملونه ممنوعاً عنهم موصداً بابه دونهم.

لم يكن لهذه المكاتبات بين الأخوين نتيجة لأنه كان لكل منهما سائق يسوقه فللأمين الفضل بن الربيع الذي لم يكن يحب المأمون ولا ولايته وللمأمون الفضل بن سهل الذي كان يأمل الخلافة لصاحبه وأن تكون مرو حاضرة الخلافة العظمى وتعود لخراسان عظمتها.

بلغ المأمون ما أقدم عليه أخوه من خلعه عن ولاية العهد وترك الدعاء له فكان أول ما فعله الفضل ابن سهل من التدبير أن جمع الأجناد التي كان أعدها بجنبات الري مع أجناد قد كان مكنها فيها وأجناد للقيام بأمرهم وأقامهم بالحد لا يتجاوزونه ولا يطلقون يداً بسوء في عامة ولا مجتاز ثم اختار لقيادة الجند طاهر بن عيسى الخزاعي مولاهم فسار طاهر مغذاً لا يلوي على شيء حتى ورد الري فنزلها ووكل بأطرافها ووضع مسالحه وبث عيونه وطلائعه.

أما الفضل بن الربيع فإنه اختار لجند العراق علي بن عيسى بن ماهان وولاه الأمين كور الجبل كلها نهاوند وهمذان وقم وأصبهان وأعطى جنده من الأرزاق شيئاً كثيراً وأمدهم بالسلاح والعدة فشخص من بغداد في منتصف جمادى الآخرة سنة195 وكان معه زهاء أربعين ألفاً وحمل معه قيد فضة ليقيد به المأمون كما شاءت زبيدة أم الأمين وقد خدم الأمين أخاه بهذا التعيين خدمة عظيمة فإن أهل خراسان لم ينسوا ما عاملهم به علي بن عيسى من الفظائع مدة ولايته في عهد الرشيد فكان تعيينه لحربهم مما أثار في قلوبهم الحمية لرد هذا العدو بعد أن أبدلهم اللَّه خيراً منه عدلاً ورفقاً وحسن سياسة وهو عبد اللَّه المأمون.

وبينما كان هذا القائد يسير مدلاً بنفسه وبمن معه مستخفاً بعدوه كان طاهر يدبر أمره مع قواده ويسير سير من يريد مواقعة عدو أكثر منه عدداً وعدة وقد استقر رأيه على أن يجعل مدينة الري وراء ظهره ويقاتل بعيداً عنها فعسكر على خمسة فراسخ منها وأقبل إليه علي بن الحسين وقد عبأ جنده وهم في أكمل عدة وأحسن زي فكتب طاهر كتائبه وكردس كراديسه وسوى صفوفه وجعل يمر بقائد قائد وجماعة جماعة يعظهم ويثبتهم ثم تلاحم الفريقان واقتتلوا قتالاً شديداً فعلت ميمنة علي على ميسرة طاهر ففضتها فضاً منكراً وميسرته على ميمنته فأزالتها عن موضعها فقال طاهر: اجعلوا بأسكم وجدكم على كراديس القلب فإنكم لو قد فضضتم منهم راية واحدة رجعت أوائلها على أواخرها فصبر أصحابه صبراً صادقاً ثم حملوا على أولي رايات القلب فهزموهم وأكثروا فيهم القتل.

وصل هذا الخبر بغداد على غير ما ينتظر القوم فانتخب الأمين جيشاً ثانياً جعله تحت قيادة عبد الرحمن بن خبلة الأنباري وعدة هذا الجيش عشرون ألف رجل من الأبناء وحمل معه الأموال وقواه بالسلاح والخيل وأجازه بجوائز وندب معه فرسان الأبناء وأهل البأس والنجدة والغناء منهم وأوصى قائده بالتحفظ والاحتراس وترك ما عمل به علي بن عيسى من الاغترار والتضجع فسار عبد الرحمن حتى نزل همذان فضبط طرقها وحصن سورها وأبوابها وسد ثلمها وحشر إليها الأسواق والصناع وجمع فيها الآلات والمير واستعد للقاء طاهر ومحاربته. ولما بلغ طاهراً خبره توجه إليه حتى أشرف على همذان فخرج إليه عبد الرحمن فيمن معه على تعبئة فاقتتل الفريقان قتالاً شديداً إلى أن انهزم عبد الرحمن ودخل همذان فلبث فيها حتى قوي أصحابه واندملت جراحهم ثم خرج ثانية إلى اللقاء فلقيه طاهر وفعل به ما فعل في المرة الأولى فعاد إلى همذان فحصره فيها طاهر حتى جهد من قلة المادة فطلب الأمان له ولمن معه فأمنه طاهر.

ولما تم لطاهر هذا النصر طرد عمال محمد من قزوين.

كان ذلك سبباً لارتباك الفضل بن الربيع وشعوره بزوال الدولة فدعا أسد بن يزيد بن مزيد وهو من قواد الدولة المعدودين وقال: له أنت فارس العرب وابن فارسها فزع إليك الأمين في لقاء هذا الرجل وأطمعه فيما قبلك أمران أما أحدهما فصدق طاعتك وفضل نصيحتك والثاني يمن نقيبتك وشدة بأسك وقد أمرني بإزاحة علتك وبسط يدك فيما أحببت غير أن الاقتصاد رأس النصيحة ومفتاح اليمن والبركة فانجز حوائجك وعجل المبادرة إلى عدوك فإني أرجو أن يوليك اللَّه شرف هذا الفتح ويلم بك شعث هذه الخلافة والدولة فلم يمتنع أسد وإنما طلب لجنده مطالب هي أن يؤمر لأصحابه برزق سنة ويخص من لا خاصة له منهم من أهل الغناء والبلاء وأبدل من فيهم من الزمني والضعفاء وأحمل ألف رجل ممن معي على الخيل ولا أسأل عن محاسبة ما افتتحت من المدن والكور فقال له: الفضل قد اشتططت ولا بد من مناظرة أمير المؤمنين ثم ركبا إليه فدخل عليه الفضل أولاً ثم دخل أسد فما كان بينهما إلا كلمتان حتى غضب الأمين وأمر بحبس أسد ثم قال: هل في أهل بيت هذا من يقوم مقامه فإني أكره أن أستفسدهم مع سابقتهم وما تقدم من طاعتهم ونصيحتهم فقالوا: نعم فيهم أحمد بن مزيد وهو أحسنهم طريقة وأصلحهم نية في الطاعة وله مع هذا بأس ونجدة وبصر بسياسة الجنود ولقاء الحروب فاستدعاه محمد وقال له إنه قد كثر عليّ تخليط ابن أخيك وتنكره وطال خلافه عليّ حتى أوحشني ذلك منه وولد في قلبي التهمة له وصيرني بسوء المذهب وحنث الطاعة إلى أن تناولته من الأدب والحبس بما لم أحب أن أكون أتناوله به وقد وصفت لي بخير ونسبت إلى جميل فأحببت أن أرفع قدرك وأعلي منزلتك وأقدمك على أهل بيتك وأن أوليك جهاد هذه الفئة الباغية الناكثة وأعرضك للأجر والثواب في قتالهم ولقائهم فانظر كيف تكون وصحح نيتك وأعن أمير المؤمنين على اصطناعك وسره في عدوه ينعم سرورك وتشريفك. ثم أمر الفضل أن يدفع إليه دفاتر أسد وأن يضم إليه من شهد العسكر من رجال الجزيرة والأعراب، فخرج أحمد فانتخب الرجال واعترض الدفاتر فبلغت عدة من معه عشرين ألف رجل ووجه الأمين عبد اللَّه بن حميد بن قحطبة في عشرين ألفاً أخرى وأمرهما أن ينزلا حلوان ويدفعا طاهراً عنها وتقدم إليهما في اجتماع الكلمة والتواد والتحاب على الطاعة فتوجها حتى نزلا قريباً من حلوان بخانقين.

أما طاهر فإنه أقام بموقعه وخندق عليه وعلى أصحابه ودس العيون والجواسيس إلى عسكر عدوه فكانوا يأتونهم بالأراجيف ولم يزل يحتال في وقوع الخلاف بينهم حتى اختلفوا وانتقض أمرهم وقاتل بعضهم بعضاً فأخلوا خانقين ورجعوا عنها من غير أن يلقوا طاهراً فتقدم طاهر حتى نزل حلوان. ثم لم يلبث إلا قليلاً حتى ورد عليه هرثمة بن أعين أحد قواد المأمون ومعه كتاب من المأمون والفضل بن سهل يأمره فيه بتسليم ما حوى من الكور والمدن إليه ويتوجه إلى الأهواز فسلم ذلك إليه وأقام هرثمة بحلوان فحصنها ووضع مسالحه ومراصده في طرقها وجبالها وتوجه طاهر إلى الأهواز ليكون الهجوم على بغداد من جهتين.

هذه حال الاضطراب في جند الأمين أما جند المأمون فكان على العكس من ذلك كان هادئاً منتظماً لا تزيده الأيام إلاّ قوة. انقسم إلى قوتين قوة مع هرثمة بن أعين تريد بغداد من جادة المشرق وقوة مع طاهر بن الحسين تريد بغداد من جادة الأهواز والبصرة.

ذهب طاهر إلى فارس فاستولى عليها بعد أن أوقع بعاملها محمد بن يزيد المهلبي وقعة شديدة بسوق الأهواز وقتل محمد بن يزيد وكان ترتيب جند طاهر في مسيره وحربه حائزاً الغاية من النظام والاحتراس فضلاً عما حازه من الاسم الكبير الذي يفت في الأعضاد.

أقام بفارس مدة أنفذ فيها العمال إلى الكور وولي على اليمامة والبحرين وعمان مما يلي الأهواز ومما يلي عمل البصرة ثم سار متوجهاً إلى واسط فجعلت المسالح والعمال تتقوض مسلحة مسلحةوعاملاً كلما قرب منهم طاهر تركوا أعمالهم وهربوا عنها حتى قرب من واسط فهرب عنها عاملها قائلاً إنه طاهر ولا عار في الهرب منه دخل طاهر واسطاً ومنها وجه قائداً إلى الكوفة وعليها العباس بن موسى الهادي فبادر إلى خلع الأمين ومبايعة المأمون وأرسل بذلك إلى طاهر فتم له ما بين واسط إلى الكوفة وأنفذ كتب التولية إلى العمال وكذلك بايع المأمون أمير البصرة وهو المنصور بن المهدي وكان ذلك كله في رجب سنة196.

ثم سار طاهر إلى المدائن فاستولى عليها من غير قتال.

فيتلك الأثناء حصل في الحجاز ما زاد المأمون قوة والأمين خذلاناً ذلك أن داود بن عيسى كان عاملاً للأمين على مكة والمدينة فلما بلغه ما فعل الأمين من خلع المأمون وأخذه الكتابين اللذين كانا بجوف الكعبة وتمزيقهما جمع حجبة الكعبة والقرشيين والفقهاء ومن كان شهد على ما في الكتابين من الشهود وكان داود أحدهم فذكرهم بما كان الرشيد أخذ عليهم من العهود أن يكونوا مع المظلوم من ولديه على الظالم وأخبرهم أن محمداً كان الذي قد بدأ بالظلم فخلع أخويه وبايع لابنهالصغير لذلك رأيت خلعه وأن أبايع للمأمون فأجابه إلى ذلك أهل مكة وفي 27 رجب سنة196 نادى داود في البيت الحرام بخلع الأمين وبيعة المأمون ثم كتب إلى ابنه سليمان وهو خليفة على المدينة يأمره أن يفعل بها فعل أهل مكة ففعل. ولما تم ذلك سار داود بنفسه إلى مرو وأعلم المأمون بما تم في الحجاز فسر المأمون جد السرور وتيمن ببركة مكة والمدينة وكتب إلى أهل الحجاز كتباً يعدهم فيها الخير ويبسط أملهم وأقر داود على ولاية الحجاز فعاد مغذاً ليدرك الحج ومر وهو عائد على طاهربن الحسين فوجه معه يزيد بن جرير القسري والياً على اليمن وكان يزيد هذا داعية أهل اليمن إلى بيعة المأمون فأجابوه.

اجتمعت جيوش طاهر وهرثمة حول بغداد وحوصرت من ثلاث جهات فنزل هرثمة نهر بين وأعد المجانيق والعرادات وأنزل عبيد اللَّه بن الوضاح الشماسية ونزل طاهر البستان بباب الأنبار ونزل المسيب بن زهير قصر ورقة كلواذي. وقد نصب المسيب المجانيق والعرادات واحتفر الخنادق وجعل يخرج في الأيام عند اشتغال الجند بحرب طاهر فيرمي بالعرادات من أقبل ومن أدبر ويعشر أموال التجارة ويجبي السفر وبلغ من الناس كل مبلغ.

أحسّ محمد بالضيق ومنعت عنه الأموال فأمر ببيع كل ما في الخزائن من الأمتعة وضرب آنية الذهب والفضة دنانير ودراهم وحملها لأصحابه في نفقاته.

استمرت هذه الشدائد على بغداد وما فيها حتى استنفد الأمين كل وسائل الدفاع أيقن بالعطب إن هو استمر على الممانعة فاستشار من بقي من قواده فأشار عليه بعضهم أن يطلب لنفسه الأمان من هرثمة بن أعين ويسلم له فرضي وكتب إلى هرثمة بذلك فأجابه إليه ولما علم طاهر أبى إلا أن يكون خروجه إليه إذا شاء ولما لم يكن الأمين ميالاً إلى الخروج إلى طاهر اتفق القواد أن يخرج ببدنه إلى هرثمة وأن يدفع إلى طاهر الخاتم والقضيب والبردة ثم علم طاهر أنهم يمكرون به فاستعد للأمر وكمن حول القصر كمناء بالسلاح فلما خرج الأمين كانت حراقة هرثمة تنتظره فركبها ولم تسر بهم إلا قليلاً حتى خرج أصحاب طاهر فرموا الحراقة بالسهام والحجارة فانكفأت الحراقة وغرق هرثمة ومحمد الأمين فأما هرثمة فأدركه أصحابه وأما محمد فسبح في الماء حتى أدركه أصحاب طاهر فأسروه فأمرهم طاهر بقتله فقتل ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة198 وفي الصباح كتب طاهر إلى المأمون يخبره بما تم وبالأسباب التي جعلته يأمر بقتل الأمين. ثم دخل طاهر المدينة فأمن أهلها وهدأ الناس وكان دخوله إليها يوم الجمعة فصلى بالناس وخطبهم خطبة بليغة حضهم فيها على الطاعة ولزوم الجماعة ورغبهم في التمسك بحبل الطاعة وانصرف إلى معسكره.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:38 AM
7- المأمون

ترجمته:

هو عبد اللَّه المأمون بن هارون الرشيد بن محمد المهدي. وأمه أم ولد اسمها مراجل ولد سنة170 في اليوم الذي ولي فيه أبوه الخلافة. وولاه أبوه العهد وسنه13سنة بعد أخيه الأمين وضمه إلى جعفر بن يحيى وولاه خراسان وما يتصل بها إلى همذان ومنحه بمقتضى الشروط التي عقدها استقلالاً يكاد يكون تاماً، ولما توفي أبوه لم يف له أخوه بعهده بل أراد أن يقدم عليه في ولاية العهد ابنه موسى فأبى ذلك المأمون.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:39 AM
الأحوال في المدة الأولى:

لما تم الأمر للمأمون بالعراق على يد القائدين العظيمين طاهر بن الحسين وهرثمة بن أعين كان الذي يدير الأمر بمرو الفضل بن سهل الذي يرى لنفسه الفضل الأكبر في تأسيس دولة المأمون فأراد أن يستفيد من هذه الدولة فيستأثر بنفوذ الكلمة فيها وليس يتم له ذلك والعراق بين يدي طاهر وهرثمة فأصدر أمرين على لسان المأمون أولهما بتولية الحسن بن سهل جميع ما افتتحه طاهر من كور الجبال وفارس والأهواز والبصرة والكوفة والحجاز واليمن. وكتب إلى طاهر أن يسلمه جميع ما بيده من الأعمال وأن يشخص إلى الرقة لمحاربة نصر بن شبث وولاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب فلم يسع طاهراً إلا أن يسمع ويطيع فسلم ذلك كله.

والأمر الثاني إلى هرثمة يأمره بالشخوص إلى خراسان فشخص وبذلك خلا العراق من أسديه وأهل العراق من قديم عبيد القوة ولا سيما أنهم خارجون من ثورة وهيجان فكان من اللازم أن تظل تلك الأيدي المرهوبة حتى يستكين الناس ويخضعوا.

ولم يبق المأمون بعد ذلك بخراسان. هل كان الفضل بن سهل يريد أن يحول الخلافة الإسلامية إلى مرو فيجعلها حاضرة البلاد الإسلامية أو رأى أن نفوذه يضعف إذا حل الخليفة بغداد وبها الألسنة التي لا تمل الوشايات فخشي من ذلك على مركزه سواء كان السبب في تخلفه هذا أو ذاك فقد نتج عن هذا التدبير مضار شديدة واضطرابات كادت ترجع ملك المأمون أثراً بعد عين؟

شاع بالعراق بعد خروج طاهر وولاية الحسن بن سهل أن الفضل بن سهل قد غلب على المأمون وأنزله قصراً حجبه فيه عن أهل بيته ووجوه قواده وأنه يبرم الأمور على هواه فغضب لذلك من كان بالعراق من بني هاشم ووجوه الناس وأنفوا من غلبة الفضل على المأمون واستخفوا بالحسن بن سهل وهاجت الفتن في الأمصار وأول فتنة كانت خروج محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي خرج بالكوفة وقام بأمر رجل كبير من رجال هرثمة بن أعين وهو أبو السرايا السري بن منصور الشيباني فاستولى على الكوفة من يد نائب عاملها سليمان بن أبي جعفر المنصور فأرسل إليه الحسن بن سهل جيشاً يقوده زهير بن المسيب عشرة آلاف فهزمه أبو السرايا واستباح عسكره وأخذ ما كان معه من مال وسلاح ودواب وفي غد ذلك اليوم مات محمد بن إبراهيم فجأة وذلك يوم الخميس أول رجب سنة199 فولى أبو السرايا بدله غلاماً أمرد حدثاً وهو محمد بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي وكان أبو السرايا هو الذي ينفذ الأمور ويولي من رأى ويعزل من شاء وإليه الأمور كلها.

أرسل الحسن جيشاً ثانياً بقيادة عبدوس بن محمد بن أبي خالد المروروذي فتوجه إليه أبو السرايا وأوقع به وقعة في17 رجب سنة199 فقتله وأسر أخاه هارون واستباح عسكره وكانوا نحو أربعة آلاف رجل فلم يفلت منهم أحد.

انتشر بعد ذلك الطالبيون في البلاد وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة ونقش عليها {إن اللَّه يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص}.

وكان للطالبيين في تلك الفتن أسوأ أثر بمكة والمدينة فإن أبا السرايا كان قد ولي مكة حسين بن حسن بن علي بن الحسين بن علي وكان بها داود بن عيسى بن موسى العباسي والياً فلم يرض القتال في الحرم وخرج عن مكة فدخلها الحسين قبل مغرب يوم عرفة ولما تفرق الحاج من مكة جلس خلف المقام على نمرقة مثنية فأمر بثياب الكعبة التي عليها فجردت حتى لم يبق عليها من كسوتها شيئاً ثم كساها ثوبين من خز رقيق كان أبو السرايا وجه بهما معه مكتوب عليهما أمر به الأصفر بن أبي الأصفر أبو السرايا داعية آل محمد لكسوة بيت اللَّه الحرام وأن يطرح عنه كسوة الظلمة من ولد العباس ليطهر من كسوتهم وكتب سنة199 ثم قسم الكسوة التي كانت على الكعبة بين أصحابه وعمد إلى ما في خزانة الكعبة من مال فأخذه ولم يسمع بوديعة عند أحد لبني العباس وأتباعهم إلا هجم عليه في داره فإن وجد من ذلك شيئاً أخذه وعاقب الرجل وإن لم يجد عنده شيئاً حبسه وعذبه حتى يفتدي نفسه بقدر طوله ويقر عنده الشهود أن ذلك للمسودة من بني العباس وأتباعهم حتى عم ذلك خلقاً كثيراً وكان لهم دار اسمها دار العذاب يعذب فيها الناس حتى هرب منهم خلق كثير من أهل النعم فيتبعوهم بهدم دورهم وجعلوا يحكون الذهب الرقيق الذي في رؤوس أساطين المسجد فيخرج من الأسطوانة بعد التعب الشديد قدر مثقال ذهب أو نحوه حتى عم ذلك أكثر أساطين المسجد الحرام وقلعوا الحديد الذي على شبابيك زمزم وخشب الساج فبيع بالثمن الخسيس.

انتهت هذه الفتن العلوية التي عادت بالضرر على البلاد والعباد والفضل في انتهاء أمرها لهرثمة بن أعين القائد المحنك. ولما فرغ هرثمة من أداء تلك المهمة أراد أن يتوجه إلى المأمون بمرو ليطلعه على حقيقة الحال وما ينكره الناس عليه من استبداد الفضل بن سهل على أمره ولم يكن مما يروق في عين الفضل فأفهم المأمون أن هرثمة قد أفسد البلاد وأنه هو الذي دس إلى أبي السرايا حتى صنع ما صنع ولو شاء أن لا يفعل ذلك أبو السرايا ما فعل لأنه كان من ضمن جنوده. وكان المأمون قد كتب لهرثمة كتاباً من الطريق ليرجع ويلي الشام والحجاز فأبى هرثمة أن يرجع حتى يرى أمير المؤمنين ويبين له حقيقة الحال فكان ذلك مما زاد المأمون وحشة منه. ولما بلغ هرثمة مرو خشي أن يكتم المأمون خبر قدومه فضرب الطبول كي يسمعها المأمون فلما سمعها سأل فقالوا هرثمة جاء يبرق ويرعد وظن هرثمة أن قوله المقبول فأدخل على المأمون وقد أشرب قلبه منه ما أشرب فلم يسمع منه كلمة وأمر به فوجىء عنقه وديس بطنه وسحب بين يديه وقد تقدم الفضل إلى الأعوان بالتغليظ عليه والتشديد فمكث في حبسه أياماً ثم دسوا إليه فقتلوه وقالوا إنه مات. هكذا ذهب القائد العظيم من غير جناية ضحية خبث البطانة.

ومما كان في تلك الآونة أن المأمون اختار لولاية عهده عليّ الرضا بن موسى بن جعفر الصادق وهو الثامن من أئمة الشيعة الإمامية الاثنا عشرية وسماه الرضا من آل محمد وأمر جنده بطرح السواد شعار العباسيين ولبس ثياب الخضرة الذي اختاره شعاراً للدولة الجديدة وكتب بذلك إلى الآفاق ويغلب على الظن أن هذا من عمل الفضل بن سهل لأن الفرس يعجبهم أن يكون إمام المسلمين علوياً وطالما قاتلوا في سبيل رجوع السلطان إلى بني علي وهذه فرصة يأخذون فيها الخلافة من غير حرب ولا قتال وساعد على ذلك ما كان يراه المأمون نفسه من تفضيل عليّ على غيره من الخلفاء الراشدين وأنه كان أحق بالخلافة منهم ولا نرى ذلك جاء المأمون إلا من البيئة التي تربى فيها فإنه كان في أول أمره في حجر جعفر البرمكي ثم انتقل إلى الفضل بن سهل وكلهم ممن يتشيع فاختمرت عنده هذه الفكرة على غير ما كان عليه آباؤه.

بلغ ذلك أهل بغداد فاختلفوا فقال بعضهم نبايع ونلبس الخضرة وقال بعضهم لا نبايع ولا نلبس الخضرة ولا نخرج هذا الأمر من ولد العباس وإنما هذا دسيس من الفضل بن سهل فمكثوا على ذلك أياماً وغضب ولد العباس من ذلك واجتمع بعضهم إلى بعض وتكلموا فيه وقالوا نولي بعضنا ونخلع المأمون واتفقوا أخيراً على مبايعة إبراهيم المهدي عم المأمون بالخلافة وخلعوا المأمون وكان ذلك في أول المحرم سنة202.

بلغت هذه الأحوال المأمون ويقال إن الذي أبلغه إياها عليّ الرضا ولي عهده فإنه أخبره بما فيه الناس من الفتنة والقتال منذ قتل أخوه وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من الأخبار وأن أهل بيته قد نقموا عليه أشياء فبايعوا لإبراهيم بن المهدي بالخلافة فقال له المأمون: إنما بايعوه ليكون أميراً لهم يقوم بأمرهم على ما أخبره به الفضل فأعلمه أن الفضل قد كذبه وغشه وأن الحرب قائمة بين إبراهيم بن المهدي والحسن بن سهل وأن الناس ينقمون عليه مكانه ومكان أخيه ومكاني ومكان بيعتك لي من بعدك وسمى له عدة من القواد يشهدون بما قال فأحضرهم المأمون وسألهم فأخبروه بالخبر على وجهه بعد أن أعطاهم أماناً من الفضل بن سهل وأخبروه بما موّه عليه الفضل في أمر هرثمة وأن هرثمة إنما جاء ناصحاً ليبين له ما يعمل وأنه إن لم يتدارك الأمر خرجت الخلافة منه ومن أهل بيتته وأن الفضل دس إلى هرثمة من قتله وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما أبلى حتى إذا وطأ الأمر أخرج من ذلك كله وصير في زاوية من الأرض بالرقة قد حظرت عليه الأموال حتى ضعف أمره فشغب عليه جنده وأنه لو كان على خلافتك ببغداد لضبط الملك ولم يجترأ عليه بمثل ما اجترىء به على الحسن بن سهل وأن الدنيا قد تفتقت من أقطارها وسألوا المأمون الخروج إلى بغداد فإن بني هاشم والموالي والقواد والجنود لو رأوك سكنوا وفاءوا بالطاعة لك.

لما تحقق ذلك المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد ولم يسلم هؤلاء القواد من شر الفضل بل عاقبهم بالحبس والطرد فراح عليّ الرضا إلى المأمون وأعلمه بما كان من ضمانه لهم فأعلمه أنه يداري ما هو فيه.

ارتحل المأمون من مرو حتى سرخس وهناك شد قوم على الفضل بن سهل وهو في الحمام فضربوه بسيوفهم حتى مات وذلك في2 شعبان سنة202 فأخذ ضاربوه وهم أربعة من خدم المأمون فلما جيء بهم إليه قالوا أنت أمرتنا بقتله فأمر بهم فضربت أعناقهم. وسوابق العلة تؤكد أن صدورها كان بتدبير المأمون لأنه أحسّ بثقل يد الفضل عليه وبما كان من غشه له وأنه ما دام معه لا يرى من أهل بغداد طاعة فاحتال بهؤلاء الخدم ثم قتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل وعزاه وأخبره أنه صيره مكانه.

رحل المأمون من سرخس يوم عيد الفطر وكان هذا الرحيل سبباً لاختلاف القواد ببغداد على إبراهيم بن المهدي لأن السبب الذي من أجله خلعوا المأمون قد زال فاضطرب أمر إبراهيم ببغداد.

لما صار المأمون بطوس حدثت حادثة أخرى وهي وفاة علي الرضا ويتهمون المأمون بأنه سمه وليس عندنا من البراهين ما يؤكد هذه التهمة لأنه بقدر ما يقربها إرادة المأمون التقرب إلى أهل بغداد والعباسيين بالتخلص منه يبعدها ما كان مغروساً في نفس المأمون من محبة آل أبي طالب وأنه صاهر علياً وأن علياً هو الذي أظهر له حقيقة ما كان يدور بالعراق من الفتن ولا يبعد عندي أنه من فعل بعض البطانة المأمونية ليخففوا عن المأمون اضطراب العباسيين ويخلصوا مما يعتقدونه شراً وهو خروج الخلافة من آل العباس. وهناك كتب المأمون إلى بني العباس والموالي وأهل بغداد يعلمهم موت علي بن موسى.

رحل المأمون من طوس إلى الري وهناك تحبب إلى أهلها بإسقاط ألفي ألف درهم من خراجها. وكان كلما قرب من بغداد زاد الاضطراب على إبراهيم بن المهدي وقام القواد في وجهه حتى كتبوا إلى قائد من قواد الحسن بن سهل يطلبون إليه الحضور ليسلموا إليه بغداد فلم يلبث أن حضر وسلم له جند بغداد المدينة وأعلن خلع إبراهيم بن المهدي والدعوة للمأمون فاختفى إبراهيم ليلة الأربعاء 17ذي الحجة سنة203 فكانت أيامه كلها ببغداد سنة واحدة وأحد عشر شهراً وأثني عشر يوماً.

ما زال المأمون ينتقل من منزلة إلى منزلة حتى وصل النهروان وهناك خرج إليه أهل بيته والقواد ووجوه الناس فسلموا عليه ووافاه طاهر بن الحسين من الرقة لأنه أمره بذلك وفي يوم السبت لأربع عشر بقيت من صفر سنة204 دخل مدينة بغداد في لباسه ولباس أهله الخضرة أقبيتهم وقلانسهم وأعلامهم فلبس ذلك أهل بغداد وبنو هاشم أجمعون. ومكثوا على ذلك ثمانية أيام فتكلم في ذلك بنو هاشم وولده العباس خاصة وقالوا يا أمير المؤمنين تركت لباس آبائك وأهل بيتك ودولتك ولبست الخضرة وكتب إليه في ذلك قواد أهل خراسان وسأله طاهر بن الحسين أن يرجع إلى لبس السواد فلما رأى المأمون طاعة الناس له في لبس الخضرة وكراهتهم لها قعد لهم وعليه ثياب خضر فلما اجتمعوا عنده دعا بسواد فلبسه ودعا بخلعة سواد فألبسها طاهراً ثم دعا بعدة من قواده فألبسهم أقبية وقلانس سوداً فلما خرجوا من عنده وعليهم السواد طرح سائر القواد والجند لبس الخضرة ولبسوا السواد وابتدأ من ذلك الوقت ملك المأمون الحقيقي.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:40 AM
الوزارة في عهد المأمون:

أول وزراء المأمون الفضل بن سهل وهو فارسي الأصل أسلم على يد المأمون سنة190 ويقال إن أباه سهلا أسلم على يد المهدي والذي اختار الفضل للمأمون هو الرشيد بإشارة جعفر بن يحيى فكان مدبر أمره وهو ولي عهده ولما فعل الأمين ما فعل دبر الفضل أمر إرسال الجنود وتدبير ما يلزمهم فأرسل طاهر بن الحسين لمحاربة علي بن عيسى بن ماهان. ولما انتصر طاهر لقب الفضل ذا الرياستين وجعل له علماً على سنان ذي شعبتين وكتب على سيفه من جانب رياسة الحرب ومن الجانب الآخر رياسة التدبير وولاه المأمون في هذه السنة وهي سنة196 على المشرق كله وجعل عمالته ثلاثة آلاف ألف درهم نحو ستين ألف جنيه.

استوزر المأمون بعد وفاة الفضل بن سهل أحمد بن أبي خالد وأصله شامي مولى لبني عامر بن لؤي وكان أبوه كاتباً لعبيد اللَّه كاتب المهدي أحضره المأمون بعد وفاة الفضل بن سهل وقال له إني كنت عزمت ألا أستوزر أحداً بعد ذي الرياستين وقد رأيت أن أستوزرك، فقال: يا أمير المؤمنين اجعل بيني وبين الغاية منزلة يتأملها صديقي فيرجوها لي ولا يقول عدوي قد بلغ الغاية وليس إلا الانحطاط. فاستحسن المأمون كلامه واستوزره.

وكان أحمد هذا من خيار الوزراء يحب أن تخلص قلوب الرعية لإمامه فكان دائم المشورة بما يسر أنفسهم ويسل دفين الأحقاد من صدورهم.

ومن عيوب أحمد بن أبي خالد أنه كان شرهاً يتقرب إليه الناس بالمآكل لينالوا ما عنده من المصالح وكان المأمون يعرف ذلك منه فأجرى عليه كل يوم لمائدته ألف درهم لئلا يشره إلى طعام أحد من بطانته وكان مع هذا يشره إلى طعام الناس وتمتد عينه إلى هدية تأتيه وكان مع هذا أسي اللقاء عابس الوجه يهر في وجوه الخاص والعام غير أن فعله كان أحسن من لقائه وكان من عرف أخلاقه وصبر على مداراته نفعه وأكسبه.

توفي أحمد بن أبي خالد في ذي القعدة سنة211 وصلى عليه المأمون ولما دلي في حفزته ترحم عليه.

استوزر المأمون بعده أحمد بن يوسف كان كاتباً من خيرة الكتاب وأجودهم خطاً حتى قال له المأمون يوماً: يا أحمد لوددت أني أخط مثل خطك وعلى صدقة ألف ألف درهم وكان يجيد الكتابة حتى كان المأمون إذا كان يتولى عمرو بن مسعدة ديوان الرسائل كان يكلف أحمد بن يوسف بكتابة الكتب التي يريد أن تشهر وتذكر وولاه المأمون ديوان السر وبريد خراسان وصدقات البصرة ولما مات أحمد بن أبي خالد استوزره مكانه.

استوزر المأمون بعده القاضي يحيى بن أكثم التميمي كان من جلة العلماء الفقهاء الذين لهم قدم ثابتة في الحديث والفقه والأصول تولى قضاء البصرة وسنه عشرون سنة ثم اتصل بالمأمون وصله به ثمامة بن أشرس العالم المتكلم الذي كان المأمون يثق به كثيراً فلما احتاج المأمون إلى من يوليه الوزارة عرضها على ثمامة فامتنع منها ووصف له يحيى فاستوزره وولاه مع ذلك قاضي القضاة فكان إليه تدبير المملكة والقضاء وقلما اجتمعا في شخص.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:41 AM
العلويون وآثارهم في الدولة:

قدمنا ما كان من المأمون من اختياره لولاية عهده علي الرضا بن موسى الكاظم وهو الثامن من أئمة الشيعة الإمامية الإثني عشرية واتخاذه الشعار الأخضر بدل الأسود وما ترتب على ذلك من الاضطراب في بغداد وقيام أبي السرايا والعلويين الذين قاموا من أجل قيامه في الأمصار الكبرى ثم ما كان من وفاة علي الرضا بطوس وانتهاء فتنة أبي السرايا وسقوط جميع العلويين الذين خرجوا في ذلك الوقت بالبصرة والحجاز واليمن.

ونزع المأمون للشعار الأخضر بعد حلوله ببغداد وعودته إلى شعار أهل بيته وهو السواد. وكان المأمون قد صاهر علياً فزوجه ابنته ثم زوج محمد بن علي المعروف بالجواد وهو الإمام التاسع من أئمة الشيعة ابنته الأخرى ولم يكن من محمد هذا ما يريب المأمون وكان المأمون يعامل الطالبيين معاملة تناسب اعتقاده في فضل أبيهم إلى أن خرج في سنة207 باليمن من آل أبي طالب عبد الرحمن بن أحمد بن عبد اللَّه بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب فوجه إليه المأمون دينار بن عبد اللَّه في جيش كثيف وكتب معه بأمانه فحضر دينار بن عبد اللَّه الموسم وحج ولما فرغ من حجه سار إلى اليمن حتى أتى عبد الرحمن فبعث إليه بأمانه من المأمون فقبل ذلك ودخل ووضع يده في يد دينار فخرج به إلى المأمون فمنع المأمون عند ذلك الطالبيين من الدخول عليه وأمر بأخذهم بلبس السواد.

وبسبب اختلال الأمن في البلاد اليمنية ورسوخ التشيع فيها أراد المأمون أن يختار لولاية تهامتها من يأخذ على أيدي المفسدين فيها فأشار عليه الحسن بن سهل برجل من ولد زياد بن أبي سفيان وهو محمد بن إبراهيم الزيادي فولاه إياها سنة203 فتوجه فحج ثم ذهب إلى اليمن ففتح تهامة واختط مدينة زبيد سنة204 وهي التي صارت حاضرة تهامة. وقد عظم أمر الزيادي بعد ذلك باليمن وصار كملك مستقل إلا أنه كان يخطب لبني العباس ويحمل إليهم الخراج والهدايا وطال ملكه إلى سنة245 ثم صار الملك في أبنائه ثم في مواليهم وموالي مواليهم إلى سنة554 وتعرف هذه الدولة بالدولة الزيادية وهي أول الدول استقلالاً باليمن.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:42 AM
إبراهيم بن المهدي:

قدمنا ما كان من بيعة أهل بغداد لإبراهيم بن المهدي إذ كان المأمون بمرو فلما شخص المأمون إلى بغداد وعلم بقدومه القواد الذي كانوا مع إبراهيم تركوه فلما رأى ذلك اختفى وظل مختفياً ببغداد يتنقل من دار إلى دار سنة210 وفي تلك السنة أخذه حارس أسود وهو متنقب مع امرأتين في زي امرأة فأعلم المأمون بخبره فأمر بالاحتفاظ به ثم دخل عليه فقال له: هيه يا إبراهيم فقال: يا أمير المؤمنين ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى ومن تناوله الاعتزاز بما مد له من أسباب الشقاء أمكن عادية الدهر من نفسه وقد جعلك اللَّه فوق كل ذنب كما جعل كل ذي ذنب دونك فإن تعاقب فبحقك وإن تعف فبفضلك. قال: بل أعفو يا إبراهيم.

فذكر أن المأمون حين أنشده إبراهيم هذه قصيدة قال: أقول ما قال يوسف لإخوته {لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللَّه لكم وهو أرحم الراحمين}.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:43 AM
بابك الخرمي:

بين أذربيجان وأران في شمال بلاد الفرس كورة تدعى البذ يمر بها نهر الرس العظيم بهذه الكورة خرج بابك التي امتدت فتنته زمناً طويلاً في عهد المأمون والمعتصم وكان خروجه سنة221 في عهد المأمون ومنتهاه سنة231 في عهد المعتصم.

أخذ بابك ومن معه في العيث والفساد وإخافة السبل وأول ما عرف ذلك من أمره كان سنة والمأمون بمرو لم يبرحها إلى بغداد فلما شخص المأمون إلى بغداد عين أحد قواده يحيى بن معاذ لحرب بابك فكانت بينهما وقعة لم ينتصف فيها أحدهما من الآخر فاختار المأمون قائداً آخر هو عيسى بن محمد بن أبي خالد فولاه أرمينية وأذربيجان ومحاربة بابك فنكب ثم وجه إليه صدقة بن علي المعروف بزريق وندب للقيام بأمره أحمد بن الجنيد الإسكافي فأسره بابك ثم وجه إليه محمد بن حميد الطوسي فقتله بابك سنة214 بهشتادسر وفض عسكره وقتل جمعاً كثيراً ممن كان معه هكذا كان كلما أرسل لحرب بابك قائداً لم يصنع شيئاً لمكان بابك الحصين وقوته الكبيرة وشدة تأثيره في قلوب الجمهور الذين كانوا معه وقد ذكر في حوادث سنة228 دخول جماعة كثيرة من أهل الجبال من همذان وأصبهان وماسبذان ومهرجان قذق في دين الخرمية وتجمعوا فعسكروا في عمل همذان ذلك أول ولاية المعتصم فوجه إليهم الجنود وكان آخر عسكر وجه إليهم وجهه المعتصم مع إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وعقد له على الجبال فشخص إليهم وفض جموعهم وقتل في عمل همذان ستين ألفاً منهم وهرب سائرهم إلى بلاد الروم فقبلهم ملك الروم أحسنقبول وفرض لهم وزوجهم وصيرهم مقاتلة يستعين بهم في أهم أموره.

وكان من وصية المأمون لأخيه المعتصم حين أدركته المنية والخرمية فاغزهم ذا جزامة وصرامة وجلد واكنفه بالأموال والسلاح والجنود من الفرسان والرجالة فإن طالت مدتهم فتجرد لهم بمن معك من أنصارك وأوليائك واعمل في ذلكعمل مقدم النية فيه راجياً ثواب اللَّه عليه لذلك بذل المعتصم جهده في كسر شوكة بابك لئلا يمتد شر بدعته في البلاد الفارسية فاختار لحربه قائداً تركياً من كبار قواده وهو حيدر بن كلوس الأشروسني المعروف بالأفشين (الأفشين لقب لملوك أشروسنة) وذلك سنة230.

توجه الأفشين حتى أتى برزندفعسكر بها ورم الحصون فيما بين برزند وأردبيل وأنزل قواداً من قواده ببعض الحصون هناك لحراسة القوافل والسابلة وأطلق الأفشين عيونه وجواسيسه لتعرف الأخبار عن بابك. وأول وقعة كانت بينه وبين عسكر بابك بأرشق أحد حصون الأفشين حيث خرج بابك ليقنص مالاً أرسله المعصتم مع أحد قواده فبلغ خبره الأفشين فخرج إليه سراً والتقيا على مقربة من الحصن فأتى جند الأفشين على جميع رجالة بابك وأفلت هو في نفر يسير ودخل موفان ومنها توجه إلى البذ وعاد الأفشين إلى عسكره ببرزند.

استمرت الحروب بين الأفشين وبابك مدة طويلة وكانوا لا يتحاربون إلا إذا انصرم الشتاء لمكان الثلوج الشديدة التي كانت تكسو رؤوس الجبال وتمنع المشاة من التقدم إلى أن كان الربيع سنة221 فسار الأفشين من مكانه يريد مهاجمة البذ وأخذه عنوة فسار محترساً وقد رتب أموره أدق ترتيب لما هو قادم عليه فاستعرت لظى الحرب بين الفريقين واستبسلا كلاهما وانتهى الأمر باقتحام المسلمين البذ واستيلائهم عليها وقد أراد بابك الهرب وشرع فيه فأفسد عليه الأفشين تدبيره وسد عليه المسالك وأوقف عليها جنداً من جيشه وأخيراً قبض عليه وعلى أخيه عبد اللَّه وعاد بهما الأفشين إلى شامرا كما أمره المعتصم ومعهما17رجلاً من أهل بيته ومن البنات والكتاب23 امرأة وكان يوم دخولهم سامرا يوماً مشهوداً ثم قتل بابك وصلب بسامرا وفعل مثل ذلك بأخيه عبد اللَّه ببغداد.

وكان جميع من قتل بابك في عشرين سنة25500 إنسان وغلب كثيراً من القواد الذين ذكرناهم وكان عنده من الأسرى الذين استنقذهم الأفشين7600.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:44 AM
العلم في عهد المأمون :

كان عهد المأمون من أرقى عهود العلم في العصر العباسي وذلك لأمرين الأول أن المأمون نفسه قد اشتغل بالعلم وأمعن فيه حينما كان بمرو فقد جالس كثيراً من العلماء وأخذ عنهم جملة صالحة من العلوم الدينية كالحديث والتفسير والفقه واللغة العربية فكان لذلك محباً للعلم ولازدياد نشره. الثاني ما كان من الأمة نفسها إذ ذاك حيث وجد فيها شوق إلى العلم والبحث وكثرة العلماء في كل مصر من أمصار المسلمين كما سنبينه فتوافق رأي الإمام واستعداد الأمة فكان من وراء ذلك ما نقصه من تقدم حركة العلم ورفعة بغداد.

أما العلوم الدينية فمنها ما يرجع لأصل الدين وهو علم الكلام أو التوحيد ومنها ما يرجع إلى أحكام الأعمال وهي الفقه وأصوله وأدلة تلك الأحكام من القرآن والحديث.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:45 AM
الأحوال الخارجية:

لم يكن بين المسلمين والروم حروب في أول عهد المأمون إلى سنة215 وفيها شخص المأمون بنفسه من مدينة السلام لغزو الروم في المحرم (مارس سنة830 ) واستخلف على المدينة إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وسلك طريق الموصل حتى صار إلى منبج ثم دابق ثم أنطاكية ثم المصيصة ومنها خرج إلى طرسوس وهي الثغر الإسلامي ومن طرسوس دخل إلى بلاد الروم في منتصف جمادى الأولى (يوليه سنة830) ففتح حصن قرة عنوة وأمر بهدمه. ولما تم فتحه اشترى السبي بستة وخمسين ألف دينار ثم خلى سبيلهم وأعطاهم ديناراً ديناراً وكان قبل ذلك الفتح حصناً اسمه ماجدة فمن على أهله ثم أرسل أشتاس إلى حصن سندس فأتاه برأسه ووجه عجيفاً وجعفر الخياط إلى صاحب حصن سنان فسمع وأطاع.

وبعد ذلك شخص إلى الشام وهناك ورد الخبر عليه بأن ملك الروم قتل قوماً من أهل طرسوس والمصيصة عدتهم فيما يقال 6600 فأعاد الكرة على بلاد الروم فنزل على أنطيفوا فخرج أهلها على صلح وصار إلى هرقلة فخرج أهلها على صلح ووجه أخاه إسحاق فافتتح ثلاثين حصناً ووجه يحيى بن أكثم من طوانة فأغار وغنم ورجع إلى العسكر ثم خرج المأمون إلى كيسوم ثم إلى دمشق ومنها خرج إلى مصر في16 الحجة سنة216 ثم عاد منها إلى دمشق سنة217 فدخل أرض الروم ثالث مرة فأناخ على لؤلؤة مائة يوم ثم رحل عنها وخلف عليها عجيفاً فاختدعه أهلها وأسروه فمكث أسيراً في أيديهم ثمانية أيام ثم أخرجوه وسار توفيل إلى لؤلؤة فأحاط بعجيف فصرف المأمون الجنود إليه فارتحل توفيل لموافاتهم وخرج أهل لؤلؤة إلى عجيف بالأمان.

وكاتب ملك الروم المأمون في سفرته هذه وأجابه المأمون على كتابه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:46 AM
أخلاق المأمون:

أول ما ظهر من حلي المأمون ميله للعفو وكراهته للانتقام فإنه عفا عن جميع من ساعدوا خصومه عليه ولم يهجهم بشيء حتى الفضل بن الربيع الذي أخذ قواده وسلاحه وجنوده وجميع ما أوصى به أبوه له فذهب به إلى الأمين وتركه بمرو مجرداً عن كل ذلك ثم أفسد عليه أخاه وأغراه على خلعه وكان أشد عليه من كل شيء ومع هذا لم يؤاخذه بجرمه ولما دخل على المأمون وأعلنه المأمون بالعفو سأله الرضا فقال المأمون: أجل العفو لا يكون إلا عن رضا وسجد المأمون شكراً للَّه على أن ألهمه نعمة العفو عنه وقال: الحمد للَّه قديماً كنت أسلم عليه فأفرح برده فسبحان الذي ألهمني الصفح عنه فلذلك سجدت قال طاهر بن الحسين: فعجبت لسعة حلمه. وقال زيد بن علي بن الحسين جلس المأمون يوماً للغداء وعلى رأسه سعيد الخطيب وهو يذكر مناقبه ويصف سيرته ومجلسه إذ انهملت عين المأمون فلما سئل عن سبب بكائه قال ما ذلك من حدث ولا لمكروه هممت به لأحد ولكنه جنس من أجناس الشكر للَّه لعظمته وذكر نعمته التي أتمها عليَّ كما أتمها على أبوتي من قبلي.

وكان له في العفو لذة لا يعادلها الذة حتى أنه لما ظفر بعمه إبراهيم عفا عنه مع عظيم جرمه وهذا خلق كاد ينساه التاريخ حتى حازه للمأمون الذي أحس من نفسه بقدرة السلطان فأذهب ذلك عنه الحفيظة.

ومن مزايا المأمون أنه كان في جدله ميالاً إلى الإقناع فكان يناقش من خالفه حتى يبين له الحجة وله في ذلك مجالس مأثورة مشهورة وله في الجدل حجج قوية ناصعة مع سعة الصدر والاحتمال لما يبدر ممن حضره في المناقشة وكان أصحابه ووزراؤه يدلونه على موضع الخطأ مما يريد أن يفعل. أراد مرة أن ينتقص معاوية بن أبي سفيان ويلعنه فقال له يحيى بن أكثم إن العامة لا تحتمل مثل هذا لا سيما أهل خراسان ولا تأمن أن يكون لهم نفرة وإن كانت لم تدر ما عاقبتها والرأي أن تدع الناس على ما هم عليه ولا تظهر لهم أنك تميل إلى فرقة من الفرق فإن ذلك أصلح في السياسة وأحرى في التدبير فاتبع المأمون نصيحته وطوى الكتاب الذي كان قد أنشىء في هذا المعنى فلم يقرأ على العامة ولكنه بقي في دفاترهم مسجلاً.

كان المأمون مع حلمه يعلم ما عليه رؤساء جنده ورجال دولته فلم يكن بالمغفل الذي ينخدع برياء الناس ونفاقهم وظهورهم بما ليس من شيمهم قال يوماً وفي مجلسه جماعة: ما في عسكرنا من يطلب ما عندنا بالرياء فقال كل واحد بما عنده إما أن يقول في عدو يقدح فيه أو يقول بما يعلم أنه يسر خليفته فلما قالوا ذلك، قال: ما أرى عند أحد منكم ما يبلغ إرادتي ثم أنشأ يحدث عن أهل عسكره أهل الرياء حتى لو كان قد أقام في زحل كل واحد منهم حولاً ما زاد على معرفته.

قعد مرة للمظالم فقدم إليه أصحاب الحاجات فقضى ما شاء من حاجاتهم وكان فيهم نصراني من أهل كسكر كان قد صاح بالمأمون غير مرة وقعد له في طريقه فلما بصر به المأمون أثبته معرفة فأمر سلما صاحب الحوائج أن يبطحه ويضربه عشرين درة وقال لسلم: قل له لا يعود يصيح بي فقال له سلم ذلك وهو مبطوح فقال الرجل: أعود وأعود وأعود حتى تنظر في حاجتي فأبلغه سلم ذلك فقال: هذا مظلوم موطن نفسه على القتل أو قضاء حاجته ثم قال لأبي عياد: اقض حاجة هذا كائنة ما كانت الساعة فلا أدري مم يعجب الإنسان أمن ملاحظة المأمون وعرفان الرجل لأنه هو الذي صاح به مرة أو مرتين أم من تأميل الرجل فيه بعد أن أمر بضربه أم من رجوع المأمون عن خطأه فيما صنع وأمره بقضاء حاجة الرجل كائنة ما كانت.

وكان مع هذه الأخلاق أديباً يعرف جيد الشعر ورديئه ويثيب على ما أعجبه منه ثواباً فوق كل أمل.

أما كرمه فمما سارت به الأمثال فقد أربى على جميع خلفاء بني العباس حتى على أبيه الذي كان يعطي عطاء من لا يخاف فقراً ولا يخشى إقلالاً وحكايات المأمون في العطاء كثيرة فلا نطيل بذكرها إلا أنا نذكر حادثة تدل علىء مقدار الترف في القوم وسعة اليد وكثرة البذل.

بنى المأمون سنة120 ببوران بنت الحسن بن سهل في فم الصلح واحتفل أوبها بأمرها وعمل من الولائم والأفراح ما لم يعهد مثله في مصر من الأمصار وانتهى أمره إلى أن نثر على الهاشميين والقواد والكتاب والوجوه بنادق مسك فيها رقاع بأسماء ضياع وأسماء جوار وصفات دواب وغير ذلك فكانت البندقة إذا وقعت في يد الرجل فتحها وقرأ ما فيها ثم يمضي إلى الوكيل المرصد لذلك فيدفعها إليه ويتسلم ما فيها ثم نثر بعد ذلك على سائر الناس الدنانير والدراهم ونوافج المسك وبيض العنبر وأنفق على المأمون وقواده وجميع أصحابه وسائر من كان معه من أجناده وأتباعه حتى على الجمالين والمكارية والملاحين وكل من ضمه عسكره فلم يكن في العسكر من يشتري شيئاً لنفسه ولا لدوابه تسعة عشر يوماً وكان مبلغ النفقة عليهم خمسين ألف ألف درهم وأمر المأمون له عند انصرافه بعشرة آلاف ألف درهم وأقطعه فم الصلح وأطلق له خراج فارس، وكرر الأهواز مدة سنة. وهذا سرف عظيم سهل أمره الوارد الكثير.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:47 AM
وفاة المأمون:

بينما كان المأمون ببلاد الروم في آخر غزواته وهو بالبدندون شمالي طرطوس أصابته حمى لم تمهله كثيراً وفي 18 رجب سنة218 أدركته منيته فحمل إلى طرطوس ودفن بها وكانت سنه إذ توفى 48 سنة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:50 AM
ولاية العهد

عهد المأمون وهو مريض إلى أخيه أبي إسحاق بن الرشيد ولم يخطىء خطأ من قبله بالعهد إلى اثنين وأوصاه بوصية مأثوره تقدم منها أشياء ومما جاء فيها واعمل في الخلافة إذا طوقكها اللَّه عمل المريد للَّه الخائف من عقابه وعذابه ولا تغتر بالله ومهلته فكأن قد نزل بك الموت ولا تغفل أمر الرعية الرعية الرعية العوام العوام فإن الملك بهم وبتعهدك المسلمين والمنفعة لهم اللَّه اللَّه فيهم وفي غيرهم من المسلمين ولا ينهين إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة لهم إلا قدمته وآثرته على غيره من هواك وخذ من أقويائهم لضعفائهم ولا تحمل عليهم في شيء وأنصف بعضهم من بعض بالحق بينهم وقربهم وتأنهم وعجل الرحلة عني والقدوم إلى دار ملكك بالعراق وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم فلا تغفل عنهم في كل وقت .

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:51 AM
8- المعتصم

ترجمته:

هو أبو إسحاق محمد بن الرشيد بن المهدي بن المنصور وأمه أم ولد اسمها ماردة ولد سنة179 فبينه وبين أخيه المأمون تسع سنوات وكان في عهد أخيه المأمون والياً على الشام ومصر وكان المأمون يميل إليه لشجاعته فولاه عهده وترك ابنه وفي اليوم الذي توفي فيه المأمون ببلاد الروم بويع له بالخلافة ولقب بالمعتصم باللَّه في19 رجب سنة218 (10 أغسطس سنة833 ولم يزل خليفة إلى أن توفي بمدينة سامرا في 18 ربيع الأول سنة227(4 فبراير سنة842 فكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:52 AM
الأحوال في عهد المعتصم:

بعد أن تمت البيعة للمعتصم ببلاد الروم عاد بالعسكر قاصداً بغداد بعد أن أمر بهدم ما كان المأمون أمر ببنائه بطوانة وحمل ما كان بها من السلاح والآلة وغير ذلك مما قدر على حمله وأحرق ما لم يقدر على حمله وأمر بصرف من كان المأمون أسكنه ذلك من الناس إلى بلادهم. وكان دخول المعتصم بغداد يوم السبت مستهل رمضان سنة218.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 09:59 AM
وزراء المعتصم:

الفضل بن مروان بن ماسرخس. كان رجلاً نصرانياً من أهل البردان وكان متصلاً برجل من العمال يكتب له وكان حسن الخط ثم صار مع كاتب كان للمعتصم قبل أن يستخلف وهذا الكاتب هو يحيى الجرمقاني فلما مات يحيى صير الفضل في موضعه ولم يزل كذلك حتى بلغ المعتصم الحال التي بلغها والفضل كاتبه.

واستوزر محمد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة المعروف بابن الزيات كان جده أبان رجلاً قروياً من الدسكرة يجلب الزيت من موضعه إلى بغداد فعرف محمد به.

وكان محمد بن عبد الملك مع علمه وأدبه ومعرفته بخدمة الملوك شاعراً ظريفاً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:00 AM
العلويون في عهد المعتصم:

لأول عهده توفي محمد الجواد بن علي الرضا تاسع أئمة الشيعة الإمامية الاثنى عشرية وكانت وفاته سنة220 وسنة25 سنة وكانت تحته أم الفضل بنت المأمون فحملت إلى قصر عمها المعتصم فتولى الإمامة بعده ابنه أبو الحسن علي الهادي وكانت سنه حين مات أبوه سبع سنين.

وخرج على المعتصم من الزيدية محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي. كان مقيماً بالكوفة ثم خرج منها إلى الطالقان من خراسان يدعو الرضا من آل محمد صلى اللَّه عليه وسلم فاجتمع إليه بها ناس كثير فاهتم بأمره عبد اللَّه بن طاهر أمير خراسان وبعث له البعوث فكان بين الفريقين وقعات بناحية الطالقان وجبالها فهزم هو وأصحابه فخرج هارباً يريد بعض كور خراسان كان أهله كاتبوه فلما وصل إلى نسا دل عليه فأخذه عاملها واستوثق منه وبعث به إلى عبد اللَّه بن طاهر فأرسل به إلى المعتصم فحبس بسامرا سنة219 فأقام فيه حتى كانت ليلة الفطر واشتغل الناس بالعيد والتهنئة احتال للخروج بواسطة رجال من شيعته فهرب ولم يعرف له خبر.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:01 AM
العلاقات الخارجية:

قدمنا أن الذي كان يعاصر المعتصم من ملوك الروم توفيل بن ميخائيل وكان ينتهز الفرص لينتقم من المسلمين الذين دوخوه وألزموه أن يدفع الفدية قهراً فحدث أنه لما كان الأفشين يحارب بابك وقد ضيق عليه أن كتب بابك إلى ملك الروم يقول: إن ملك العرب قد وجه معظم عساكره إليّ ولم يبق على بابه أحد فإن أردت الخروج إليه فليس في وجهك أحد يمنعك وكان يطمع أن ملك الروم إذا تحرك ينكشف عنه بعض ما هو فيه فلم يلبث توفيل أن خرج في مائة ألف مقاتل حتى أتى زبطرة ومعه جمع من المحمرة الذين أجلاهم إسحاق بن إبراهيم عن الجبال كما ذكرنا ذلك في حروب البابكية فلما دخل زبطرة قتل من فيها من الرجال وسبى النساء والذرية وأحرق المدينة ومضى من فوره إلى ملطية فأغار على أهلها وعلى أهل حصن من حصون المسلمين وسبى من المسلمات فيما قيل أكثر من ألف امرأة ومثل بمن صار في يده من المسلمين وسمل أعينهم وقطع آذانهم وآنافهم. بلغت ذلك الأخبار المعتصم بسامرا فاشتد عليه وصاح في قصره النفير ثم ركب دابته وسمط خلفه شكالاً وسكة حديد وحقيبة فلم يستقم له الخروج إلا بعد التعبئة ولكنه أرسل مقدمته لتكون مدداً لأهل زبطرة فلما شارفتها وجدت ملك الروم قد رحل عنها فوقفوا قليلاً حتى تراجع الناس إلى قراهم واطمأنوا.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:02 AM
فتح عمورية:

فلما انتهى أمر بابك سأل المعتصم أي بلاد الروم امنع وأحصن فقيل عمورية وهي مسقط رأس توفيل كما أن زبطرة مسقط رأس المعتصم ولم تكن غزيت قبل ذلك فتجهز المعتصم جهازاً لم يتجهزه خليفة قبله من السلاح والعدد والآلة وحياض الأدم والبغال والروايا والقرب وآلة الحديد والنفط وكانت التعبئة هكذا على المقدمة أشناس ويتلوه عمد بن إبراهيم المصعبي وعلى الميمنة إيتاخ وعلى الميسرة جعفر بن دينار بن عبد اللَّه الخياط وأمر الأفشين أن يمضي فيدخل بلاد الروم من درب الحدث وسمى له يوماً أمره أن يكون وصوله فيه إلى أنقرة وقدر هذا اليوم بنفسه لأشناس الذي أمره أن يكون دخوله من درب طرسوس. ولما وصل أشناس إلى مرج الأسقف ورد عليه كتاب من المعتصم يأمره بالتوقف لأنه بلغه عن ملك الروم أنه على نهر اللامس ويريد العبور ليكبس أشناس وجنده فأقام بالمرج ثالاثة أيام ثم علم بواسطة الجواسيس أن ملك الروم ارتحل عن نهر اللامس يريد مقابلة الأفشين فأرسل بخبر ذلك إلى المعتصم فبعث الأدلاء مسرعين يخبرون الأفشين بذلك وأمره أن يقف مكانه حذراً من مواقعة ملك الروم قبل أن تجتمع الجيوش فلم تصل هذه الأدلاء إلى الأفشين فتم على مسيره حتى التقى بملك الروم فكانت بينهما موقعة هائلة كانت على الأفشين أول النهار ثم أعاد الكرة في الفرسان فغلب ملك الروم وهزمه هزيمة منكرة وتفرقت عنه الجنود. أما عسكر أشناس والمعتصم فإنهما وردوا أنقرة من غير أن يلقيا حبرباً لتفرق الجمود التي كان الملك قد جعلها لمحاربة المعتصم ثم ورد الأفشين بعد مقدمهما بيوم أنقرة.

وحينئذ قسم المعتصم الجيش ثلاثة أقسام قسم فيه أشناس في الميسرة وقسم فيه المعتصم وهو القلب وقسم فيه الأفشين وهو الميمنة وبين كل قسم فرسخان فسارت هذه الأقسام على تعبئة وسارت هذه الأقسام حتى بلغت عمورية وبينها وبين أنقرة سبع مراحل كان أول من وردها أشناس فدار حولها دورة ثم نزل على ميلين منها وجاء بعده المعتصم فدار حولها دورة ثم جاء الأفشين فكذلك تحصن أهل عمورية وتحرزوا فحصرها الجيش المعتصمي وكان لكل واحد من القواد أبراج على قدر أصحابه قلة وكثرة ونصبت المجانيق فضربه بها الأسوار لإتلافها حتى سقط منها جانب في ناحية المعتصم بعد معاناة شديدة وعمال جسام ثم حصل القتال في ناحية هذه الثلمة بعد أن ردمت الخنادق ولم يزل القتال مستمراً حتى اقتحم المسلمون عمورية عنوة وغنموا مغانم كثيرة. وانتقم المعتصم من الروم بما فعلوه في زبطرة وملطية وبعد انتهاء الواقعة عاد المعتصم إلى طرسوس وكانت إناخته على عمورية في 6رمضان سنة223 وقفل عنها بعد55 يوماً.

ومن غريب الأمور وأكبر الجرائم أن العباس بن المأمون اتفق مع بعض قواد المعتصم من الأتراك على أن يغتالوا المعتصم ويقيموه خليفة مقامه، تآمروا على ذلك وهم في وجه العدو والعهد قريب باصطناع المعتصم لهم وإغداق النعم عليهم فلم يتم لهم غرض واطلع المعتصم على سر مؤامرتهم فأخذ جميع أولئك القواد وقتلهم وحبس العباس حتى مات من شدة الأذى وكان الذي تولى كلّ ذلك عجيب بن عنبسة.

ولما ورد المعتصم سامرا كان دخوله إليها يوماً مشهوداً وامتدحه أبو تمام حبيب بن أوس بقصيدته المشهورة التي أولها

السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:03 AM
صفات المعتصم:

كانت أظهر صفات المعتصم الشجاعة والإقدام وشدة البأس وكان يحب العمارة ويقول إن فيها أموراً محمودة فأولها عمران الأرض التي يحياها العالم وعليها يزكو الخراج وتكثر الأموال ويعيش البهائم وترخص الأسعار ويكثر الكسب ويتسع المعاش وكان يقول لوزيره محمد بن عبد الملك إذا وجدت موضعاً متى أنفقت فيه عشرة دراهم جاءني بعد سنة عشر درهم فلا تؤامرني فيه. ولم يكن للمعتصم نفوذ في العلم كأخيه المأمون ولا كأبيه الرشيد وإنما كان همه الجيش وتحسينه.

ومن آثاره اختطاط مدينة سامرا.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:04 AM
وفاة المعتصم:

احتجم المعتصم في أول يوم من المحرم سنة227 فأصيب عقب ذلك بعلته التي قضت عليه يوم الخميس لثماني ليال مضت من شهر ربيع الأول من تلك السنة ورثاه محمد بن عبد الملك الزيات فقال:

قد قلت إذ غيبوك واصطفقت عليك أيــد بالتراب والطين

إذهب فنعم الحفيظ كنـت على الدنيا ونعم الظهير للدين

لا جبر اللَّه أمــة فقدت مثلك إلا بمثل هـــارون

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:05 AM
ولاية العهد:

ولى المعتصم عهده ابنه هارون ولم يجعل معه في الولاية غيره.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:06 AM
- الواثق

ترجمته:

هو أبو جعفر هارون الواثق باللَّه بن المعتصم بن الرشيد وأمه ولد رومية اسمها قراطيس ولد سنة186 بطريق مكة وبويع بالخلافة عقب وفاة والده في يوم الخميس8 ربيع الأول سنة227(5 يناير سنة 842 ولم يزل خليفة إلى أن توفي لست بقين من ذي الحجة سنة 232 (أغسطس سنة 847 فكانت مدته خمس سنين وتسعة أشهر و15يوماً وسنه36 سنة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:07 AM
وزراء الواثق:

لم يستوزر الواثق غير محمد بن عبد الملك الزيات وزير أبيه وكان الواثق متغيراً عليه في حياة أبيه حتى حلف أنه لينكبه إذا صار خليفة لكنه لما استخلف غلب عقله على هواه لأنه لم يجد بين رجاله من يقوم مقام محمد بن عبد الملك فكفر عن يمينه وصار هذا الوزير في عهده صاحب الأمر والنهي أكثر مما كان في عهد أبيه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:07 AM
الجيش:

كانت حال الجيش لعهد الواثق كما كانت في حياة أبيه إلا أن قدم المماليك التي اصطنعهم المعتصم قد توطدت وصار رؤساء الأتراك أصحاب نفوذ عظيم ولا سيما أشناس الذي توجه الواثق وألبسه وشاحين بالجوهر في شهر رمضان سنة228 وقد قام قواد الأتراك بأعظم الأعمال الحربية حتى في جزيرة العرب نفسها التي كانت حمى ما يستطاع أن تتعدى حدوده.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:09 AM
الفداء بين المسلمين والروم:

كانت الحروب دائمة الاتصال بين المسلمين والروم ولم تقدر إحدى الدولتين أن تتغلب على الأخرى وكثيراً ما يكون في يد إحدى الدولتين أسرى من الأخرى ولما كان يهم كلتا الدولتين أن تخلص أسراها حذراً من الاسترقاق كانتا تتفقان على المفاداة كل أسير بمثله وأول فداء حصل كان في عهد الرشيد على نهر اللامس قريباً من طرطوس فودي فيه بثلاثة آلاف وسبعمائة أسير من المسلمين على يد القاسم بن الرشيد وحصل فداء مثله في عهده أيضاً فودي بألفين وخمسين.

وقد كان الفداء الثالث في عهد الواثق سنة231 أرسل ملك الروم إلى الواثق رسلاً يسألونه أن يفادي بمن في يده من أسارى المسلمين فأجاب وانتدب للفداء خاقان الخادم بعد أن أعد من أسرى الروم عدداً كبيراً وقد تقابل الفريقان في يوم عاشوراء سنة231 على نهر اللامس وكان عدد من فودي به من المسلمين4600 منهم نساء وصبيان ومنهم من أهل الذمة نحو500 فوقع الفداء كل نفس عن نفس صغيراً أو كبيراً وقد عقد المسلمون جسراً على النهروعقد الروم جسراً فكان المسلمون يرسلون الرومي على جسرهم ويرسل الروم المسلم على جسرهم وقد أعطى خاقان الروم ممن كان فضل في يده نفس ليكون له عليهم الفضل استظهاراً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:10 AM
صفات الواثق:

كان الواثق كثير الأكل والشرب واسع المعروف متعطفاً على أهل بيته متفقداً لرعيته وكان محباً للنظر مكرماً لأهله مبغضاً للتقليد وأهله محباً للإشراف على علوم الناس وآرائهم ممن تقدم وتأخر من الفلاسفة والمتطببين وكان له مجلس نظر عقده للنظر بين الفقهاء والمتكلمين في أنواع العلوم من العقليات والسمعيات في جميع الفروع فكانت سيرته في ذلك سيرة عمه المأمون ومن أجل ذلك أخذت مسألة خلق القرآن في عهده شكلاً حاداً أكثر مما كانت في عهد أبيه المعتصم لأن المعتصم كان يتكلف ذلك لمكان وصية أخيه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:12 AM
وفاة الواثق

أصيب الواثق بعلة الاستسقاء وكانت سبب وفاته في6 ذي الحجة232 وسنه36 سنة وبموته مضى على الدولة العباسية قرن كامل. ولم يعهد الواثق لأحد من بعده بالخلافة فخلافته من بعده بدء شكل جديد لم تكن له سابقة في الدولة العباسية وقد ختم هذا القرن بانتهاء الخلفاء العسكريين الذين كانوا يقودون الجيوش بأنفسهم ويخوضون غمرات الموت ولا يستسلمون لداعي الترف المضني.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:13 AM
10- المتوكل

ترجمته:

هو جعفر المتوكل على اللَّه بن المعتصم بن الرشيد وأمه أم ولد خوارزمية يقال لها شجاع. ولد في شوال سنة206 بفم الصلح ولم يكن بالمرضي عنه في حياة أخيه حتى كان الواثق قد وكل به رجلين هما عمر بن فرج الرخجي ومحمد بن العلاء الخادم فكانا يحفظانه ويكتبان بأخباره في كل وقت وقد جر عليه ذلك انحراف الوزير محمد بن عبد الملك الزيات.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:14 AM
وزراء الدولة:

كان الوزير الأول لأول عهد المتوكل هو محمد بن عبد الملك الزيات الذي كان وزيراً لأخيه وأبيه إلا أن المتوكل كان منحرفاً عنه لما كان يفعله معه في حياة أخيه من قبح المقابلة وعدم الرعاية وزاد على ذلك أنه أشار بتولية محمد بن الواثق فكانت شهوة الانتقام متمكنة منه ففي سابع صفر سنة أمر فقبض عليه وصادر جميع ماله من عقار ومنقول وكذلك ضياع أهل بيته حيث كانت. أم ما ناله من المكروه في نفسه فهو أعظم من أن يسطر ولم يزل ذلك حتى مات تحت العذاب.

ولم يمض على ذلك خمسة أشهر حتى أمر المتوكل بالقبض على عمر بن فرج الرخجي وهو الكاتب الذي رمى بصك المتوكل في صحن المسجد أيام خلافة الواثق فقبض عليه وصودرت أملاكه وكان مقدار ما أخذ منه ومن أخيه محمد بن فرج274000 دينار،15000 درهم سوى القصر والأمتعة والضياع وقد حمل متاعه وفرشه على خمسين جملاً كرت مراراً ثم صالحوه بعد ذلك على أن يدفع 10000000 درهم على أن ترد عليه ضياعه بالأهواز فقط فردت عليه وأطلق من عقاله.

استكتب المتوكل بعد ابن عبد الملك أبا الوزير أحمد بن خالد الذي كان في حياة الواثق زماماً على عمر بن فرج الرخجي في ديوان النفقات ولما استكتبه لم يسمه باسم الوزير واستمر كاتباً له زمناً قليلاً فإنه في ذي الحجة من سنة233 غضب عليه وأمر بمحاسبته.

وبعد أبي الوزير استوزر محمد الفضل الجرجرائي منسوب إلى جرجرايا وهي بلد من أعمال النهروان الأسفل بين واسط وبغداد من الجانب الشرقي وكان الجرجرائي من أهل الفضل والأدب والشعر.

اختار بعده لوزارته عبد اللَّه بن يحيى خاقان وبقي وزيراً للمتوكل إلى أن مات وكان حسن الحظ له معرفة بالحساب والاستيفاء.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:15 AM
العلويون:

امتاز المتوكل عن سائر أهل بيته بكراهة علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه وأهل بيته وهذا ما يعرف في العقائد بالنصب وهو ضد التشيع وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى علياً وأهله بأخذ بالمال والدم وكان فيما يقال يبغض ممن تقدمه من الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق لمحبة علي وأهل بيته وكان ينادمه ويجالسه جماعة اشتهروا بالنصب وبغض علي فكانوا يخوفونه من العلويين ويشيرون عليه بإبعادهم والإعراض عنهم والإساءة إليهم ثم حسنوا الوقيعة في أسلافهم الذين يعتقد الناس علو منزلتهم في الدين. ومن آثار تلك الكراهة أنه أمر في سنة237 بهدم قبر الحسين بن علي بكربلاء وهدم ما حوله من المنازل والدور وأن يحرث ويبذر ويسقى موضع قبره وأن يمنع الناس من إتيانه فذكر أن عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبق فهرب الناس وامتنعوا من المصير إليه وحرث ذلك الموضع وزرع ما حواليه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:16 AM
الجيش:

كان الجيش على العهد الذي كان عليه في مدة الواثق والمعتصم وكلما قدم العهد زاد الأتراك نفوذاً وقوة وقد أحس المتوكل بتوغل الأتراك في الدولة واستبدادهم بأمور الخلافة وإدارتها وجيشها فأحب أن يضعف شوكتهم ويقلل من نفوذهم فبدأ بإيتاخ الذي كان على الجيش والمغاربة والأتراك والموالي والبريد والحجابة ودار الخلافة وأراد المتوكل الإيقاع به ليتخلص من هذا السلطان الواسع فرأى أن ذلك لا يمكنه معه وهو بسامرا بين قومه وجنده فدس إليه من أشار عليه بالاستئذان في الحج ففعل فأذن له المتوكل وصيره أمير كل بلد يدخله وخلع عليه وركب معه جميع القواد وخرج معه من الشاكرية والقواد والغلمان سوى غلمانه وحشمه بشر كثير فلما حج وانصرف إلى العراق وجه إليه المتوكل بكسوة وألطاف وأمر الرسول أن يلقاه بالكوفة أو ببعض الطريق وتقدم إلى عامله على شرطة بغداد وهو إسحاق بن إبراهيم المصعبي يأمره فيه. فلما وصل بغداد قال له إسحاق بن إبراهيم: إن أمير المؤمنين أراد أن تدخل بغداد وأن يلقاك بنو هاشم ووجوه الناس وأن تقعد لهم في دار خزيمة بن خازم فتأمر لهم بجوائز. فلما صار إيتاخ بالقرب من دار خزيمة حجز عنه غلمانه ودخل الدار وحده فكان فيها سجنه ثم نقل إلى منزل إسحاق فأدخل ناحيةمنه وقيد وأثقل بالحديد في عنقه ورجليه ثم قدم بإبنيه منصور ومظفر وبكاتبيه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد فحبسوا وكانت الشدة التي عومل بها إيتاخ سبباً لوفاته فمات سنة235 وأما ابناه فبقيا في الحبس حياة المتوكل ثم أطلقهما المستعين بعده.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:17 AM
الدولة اليعفرية:

في آخر عهد المتوكل ابتدأت الدولة اليعفرية بصنعاء وكان جدهم عبد الرحيم بن إبراهيم الحوالي نائباً عن جعفر بن سليمان بن علي الهاشمي الذي كان والياً للمعتصم على نجد اليمن وصنعاء وما إليها ولما توفي عبد الرحيم قام في الولاية مقامه ابنه يعفر بن عبد الرحيم وهو رأس الدولة ومبدأ استقلالها إلا أنه كان يهاب آلزياد ويدفع لهم خراجاً يحمل إلى زبيد كأنه عامل لهم ونائب عنهم وكان ابتداء استقلال يعفر بن عبد الرحيم سنة247 واستمر ملك صنعاء في أعقابه إلى سنة387 وهذه أسماء ملوكهم

(1) يعفر بن عبد الرحيم (247- 259)

(2) محمد بن يعفر (259- 279)

(3) عبد القادر أحمد بن يعفر (279- 279)

(4) إبراهيم بن محمد (279-285)

(5) أسعد بن إبراهيم (285- 288)

فترة لأئمة صنعاء والقرامطة(288-303)

(6) أسعد بن إبراهيم مرة ثانية (303-332)

(7) محمد بن إبراهيم (332-3352)

(8) عبد اللَّه بن قحطان 352-387)

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:18 AM
العلاقات الخارجية:

كانت الحروب بين المسلمين وبين الروم لا تزال دائمة الاتصاب براً وبحراً لا تنقطع إلا لهدنة وقتية.

ففي سنة238 أغارالروم على مصر من جهة دمياط وكان أمير مصر قد أمر حاميتها أن يحضروا إليه بالفسطاط ليتجمل بهم فلما جاءها الروم بمراكبهم لم يجدوا بها حامية وكانوا في نحو300 مركب فدخلوا البلد وعاثوا فيه وأحرقوا دوره والمسجد الجامع وسبوا كثيراً من نساء المسلمين وأهل الذمة وأخذوا ما وصلت إليه أيديهم من المغانم ثم عادوا إلى بلادهم لم يكلم أحد منهم كلما. وكان المسلمون يفعلون مثل ذلك في صوائفهم من جهة الدروب التي تلاصق المملكة الإسلامية من الجهة الشمالية وفي بحر الروم.

وفي سنة241 كان الفداء الرابع بين المسلمين والروم على نهر اللامس في12 شوال وكان القائم به شنيف خادم المتوكل وحضر معه جعفر بن عبد الواحد الهاشمي القاضي وعلي بن يحيى الأرمني أمير الثغور الشامية وكانت عدة من فودي به من المسلمين في سبعة أيام2100 رجل وامرأة على رواية المقريزي في الخطط وروى الطبري أن عدة أسرى المسلمين كانت 785 إنساناً ومن النساء125 امرأة قال المقريزي وكان مع الروم من النصارى المأسورين من أرض الإسلام مائة رجل ونيف فعوضوا مكانهم عدة أعلاج.

وفي سنة242 خرجت الروم من ناحية شمشاط بعد خروج علي بن يحيى الأرمني من الصائفة حتى قاربوا آمد ثم خرجوا من الثغور الجزرية فانتهبوا عدة قرى وأسروا عدداً عظيماً من الأهلين ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم فخرج في أثرهم قريباس وعمر بن عبد اللَّه الأقطع وقوم من المتطوعة فلم يلحقوا منهم أحداً فكتب إلى علي بن يحيى أن يسير إلى بلادهم شاتيا.

وفي سنة244 وجه المتوكل بغا من دمشق لغزو الروم في شهر ربيع الآخرة فغزوا الصائفة فافتتح صملة.

وفي سنة245 أغارت الروم على سميساط فقتلوا وسبوا نحواً من 500 وغزا علي بن يحيى الأرمني الصائفة.

وفي سنة 246 كان الفداء السادس بين المسلمين والروم في صفر على يد علي بن يحيى الأرمني ففودي بألفين وثلثمائة وسبعة وستين نفساً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:19 AM
صفات المتوكل وأخلاقه:

ولم يكن المتوكل كمن قبله في حب النظر والجدل بل كان ميالاً إلى التقليد فأمر لأول ولايته بترك النظر والمباحثة والجدل والترك لما كان عليه الناس في أيام المعتصم والواثق وأمر الناس بالتسليم والتقليد وأمر الشيوخ والمحدثين بالتحديث وإظهار السنة.

وكان ينفر من استعمال أهل الذمة في الدواوين ويكره أن يظهروا في الطريق بمظهر المسلمين ولذلك أصدر أمره في سنة235 أن يلبسوا زياً خاصاً بهم وهو الطيالسة العسلية والزنانير وأن تكون لهم سروج خاصة بهم لركوبهم ونهى أن يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي يجري فيها أحكامهم على المسلمين ونهى أن يتعلم أولادهم في كتاتيب المسلمين ولا يعلمهم مسلم وكتب منشوراً إلى عماله في الآفاق بذلك كتبه إبراهيم بن العباس الصولي في شوال سنة235.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:20 AM
ولاية العهد:

تشبة المتوكل في كثير من أعماله بجده الرشيد ومن ذلك توليته العهد؛ فقد عقد الولاية لأولاده الثلاثة وهم محمد المنتصر ومحمد المعتز وإبراهيم المؤيد وذلك في 27 ذي الحجة سنة235 وقسم البلاد بينهم.

فجعل لأكبرهم المنتصر إفريقية والمغرب كله من عريش مصر إلى حيث بلغ سلطانه من المغرب وجند قنسرين والعواصم والثغور الشامية والجزرية وديار مصر وديار ربيعة والموصل وهيت وعانات والخابور وقرقيسيا وكوريا جرمي وتكريت وطساسيج السواد وكور دجلة والحرمين واليمن وعك وحضرموت واليمامة والبحرين والسند ومكران وقندابيل وفرج بيت الذهب وكور الأهواز والمستغلات السامرا وماه الكوفة وماه البصرة وماه سبذان ومهرجان قذق وشهرزور وواراباذ ويصامغان وأصبهان وقم وقاشان وقزوين وأمور الجبل والضياع المنسوبة إلى الجبال وصدقات العرب بالبصرة.

وجعل لابنه المعتز كور خراسان وما يضاف إليه وطبرستان والري وأرمينية وأذربيجان وكور فارس وضم إليه في سنة240 خزن بيوت الأموال في جميع الآفاق ودور الضرب، وأمر بضرب اسمه على الدراهم.

وجعل لابنه المؤيد جند دمشق وجند حمص وجند الأردن وجند فلسطين.

وكتب بينهم كتاباً يشبه الكتاب الذي كتبه الرشيد بين الأمين والمأمون والقاسم. وقد جعل المتوكل لابنيه المعتز والمؤيد تمام الاستقلال في أعمالهما إذا آلت الخلافة للمنتصر بحيث لا يجوز أن يشرك في شيء من أعمال أحدهما أحداً ولا يوجه عليه أميناً ولا كاتباً ولا بريداً ولا يضرب على يده في قليل ولا كثير جعل وكذلك على المعتز للمؤيد إذا آلت الخلافة للمعتز. وكتب من هذا الكتاب أربع نسخ نسخة بخزانة أمير المؤمنين وعند كل من أولياء العهد نسخة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:21 AM
مقتل المتوكل:

لم تكن قلوب كبار الأتراك مطمئنة إلى المتوكل، فقد وقع في أنفسهم أنه يريد تدبير المكايد لهم حتى يتخلص منهم واحداً بعد واحد، فأخذتهم من ذلك وحشة وكان وزير المتوكل عبيد اللَّه بن خاقان ونديمه الفتح بن خاقان منحرفين عن المنتصر ولي العهد مائلين إلى المعتز. فأوغرا قلب أبيه عليه حتى هم أن يعزله من ولاية العهد فاجتمع لذلك الخصمان قواد الأتراك وولي العهد. مال الأتراك إلى المنتصر ليستعينوا به في تنفيذ غرضهم ومال إليهم ليحفظ لنفسه الخلافة عاجلاً أو آجلاً. ومما زاد في إغراء المنتصر أن المتوكل اشتكى فأمره أن يصلي بالناس يوم الجمعة فقال عبيد اللَّه والفتح للمتوكل: مر أبا عبد اللَّه المعتز باللَّه بالصلاة لتشرفه بذلك في هذا اليوم الشريف فقد اجتمع أهل بيته والناس جميعاً فقد بلغ اللَّه به فأمره المتوكل بالصلاة فركب وصلى بالناس وأقام المنتصر في منزله وفي الجمعة الثانية أراد المتوكل أن يصلي المنتصر بالناس فحسنا له أن يركب هو لئلا يرجف الناس بعلته ففعل. وكل ذلك زاد المنتصر حقداً وخوفاً على الخلافة أن تفوته. ويقال إن المتوكل اتفق مع الفتح بن خاقان على الفتك بالمنتصر وقتل صيف وبغا وغيرهما من قواد الأتراك ولم يكن هذا السر ليستتر مع النبيذ والاستهتار بشربه فاتفق القوم على أن يفتكوا بالمتوكل.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:22 AM
وقد تولى كبر ذلك بغا الصغير المعروف بالشرابي فإنه أعد لذلك قوماً في مقدمتهم باغر التركي الذي كان يقوم بحراسة المتوكل وأعد معه عشرة من الأجناد فدخلوا القصر وسيوفهم مسلولة والمتوكل قد أخذ منه الشراب فابتدره أحدهم بضربة وثنى عليه بأخرى أتت على نفسه، وكان معه الفتح بن خاقان فقتل معه، وكان قتله ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال سنة248.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:23 AM
11-المنتصر

ترجمته:

هو محمد المنتصر المتوكل بن المعتصم بن الرشيد وأمه أم ولد روميه أسمها حبشية ولد سنة 222 وعقد له أبوه ولاية العهد سنة 253 وسنه ثلاث عشرة سنة. ولما قتل أبوه بايعه قواد الأتراك عقيب مقتله في4شوال سنة 247 (11 ديسمبر سنة 861) واستمر خليفة إلى أن توفي يوم الأحد لخمس خلون من شهر ربيع الآخر سنة 248 (7 يونية سنة 862) فكانت مدته التي تعجلها بقتل أبيه ستة أشهر

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:24 AM
وزراء الدولة:

استوزر المنتصر أحمد بن الخصيب وكان كاتبه قبل أن يستخلف وكان مقصراً في صناعته مطعوناً عليه في عقله وكانت فيه مروءة وحدة وطيش فمن احتمله بلغ منه ما أراد وقد وصفه المسعودي بأنه كان قليل الخير كثير الشر وقد ندم المنتصر على ما فعل من تقليده الوزارة ونفيه عبيد اللَّه بن خاقان وزير أبيه بسبب ما شاع من حدة ابن الخطيب وطيشه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:25 AM
الجيش:

بقتل المتوكل واستيلاء المنتصر الشاب زادت الأتراك قوة في الدولة على قوتهم لأن أيديهم امتدت إلى حياة الخلفاء فقتلوا الخليفة وساقوا الخلافة إلى خليفة فأنشبوا أظفارهم بذلك في جسم الدولة ولم يكن هناك من حيلة للتخلص منهم لما دب إلى قلوب الخلفاء من الهيبة ورعاية جانبهم ومما يدل على ذلك أن الأتراك لم يكونوا يحبون أن تكون ولاية العهد للمعتز والمؤيد ابني المتوكل فأشاروا على المنتصر بخلعهما فأحضرا دار الخلافة وطلب منهما أن يكتبا طالبين أن يخلعا من ولاية العهد لضعفهما عن ذلك فرضي المؤيد وأبي المعتز فقال له المؤيد: يا جاهل تراهم قد نالوا من أبيك وهو هو ما نالوا ثم تمتنع عليهم، اخلع ويلك ولا تراجعهم. وما زال به حتى أجاب وكتبا ما أملي عليهما في ذلك.

فانظروا كيف كان عجز الخليفة عن أن يرد مشورة لهم تخالف ما عقده المتوكل وأكده بالإيمان والمواثيق والعهود. وقد كتب المنتصر بذلك إلى الآفاق وظهر في كتابه براءة المنشئين في ذلك الوقت وإن لم تظهر فيه براعة الأخلاق الفاضلة وحفظ العهود والمواثيق وكان الكاتب له أحمد بن الخصيب.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:27 AM
صفات المنتصر:

لئن كان الغضب قد حمل المنتصر على تذليل السبيل لإهراق دم أبيه فإنه كان لا يزال ذا نفس تحس فتتأثر فلم يزل يلاقي أهوال التوبيخ في يقظته ومنامه حتى أسقم ذلك بدنه وأذل نفسه. دخل عليه عبد اللَّه بن عمر البازيار ذات يوم وهو يبكي وينتحب فسأله عن سبب بكائه فقال: كنت نائماً فرأيت كأن المتوكل قد جاءني فقد لي ويلك يا محمد قتلتني وظلمتني وغبنتي خلافتي واللَّه لا تمتعت بعدي إلا أياماً يسيرة ثم مصيرك إلى النار فانتبهت وما أملك عيني ولا جزعي. فهون عليه عبد اللَّه الآمر.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:30 AM
وفاة المنتصر:

قال الطبري: لم أزل أسمع الناس حين أفضت إليه الخلافة من لدن ولي إلى أن مات يقولون إنما مدة حياته ستة أشهر مدة شيرويه بن كسرى قاتل أبيه مستفيضاً ذلك على ألسن العامة والخاصة وكذلك كان فقد أصابته العلة التي قضت عليه يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة248 ومات مع العصر من يوم الأحد لخمس ليال خلون من شهر ربيع الآخر.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:31 AM
12- المستعين

ترجمته:

هو أحمد بن محمد بن المعتصم بن الرشيد وأمه أم ولد صقلية اسمها مخارق ولد سنة220 وبويع بالخلافة في اليوم الذي توفي فيه المنتصر وهو خامس ربيع الآخر سنة 248 (7 يونيه سنة862) ولم يزل خليفة إلى أن خلع يوم الجمعة4 محرم سنة252 (15 يناير866) فكانت مدته ثلاث سنوات وثمانية أشهر و28 يوماً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:32 AM
كيف انتخب:

اجتمع الموالي وفيهم بغا الصغير وبغا الكبير وأتامش ومن معهم فاستحلفوا قواد الأتراك والمغاربة والأشروسنية على أن يرضوا بما رضي به من سمينا، فأجمع رأي الثلاثة على ألا يولوا أحداً من أولاد المتوكل لئلا يغتالهم بدم أبيه كما أنهم يريدون إخراجها عن أولاد المعتصم مولاهم فاقترح عليهم تولية أحمد بن المعتصم فقال لهم محمد بن موسى بن شاكر المنجم أتولون رجلاً عنده أنه أحق الناس بالخلافة قبل المتوكل وأنكم دفعتموها عنه وأنه أحق بالأمر من المتوكل والمنتصر فبأي عين يراكم وأي قدر يكون لكم عنده؟ ولكن أطيعوا إنساناً يعرف لكم ذلك.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:33 AM
الوزارة في عهد المستعين:

لم يكن للخليفة شيء من النفوذ فإن الموالي هم الذين حولوا الخلافة عن المعتز بخلعهم إياه من ولاية العهد وهم الذين ساقوها إلى المستعين بلا عهد ولا سابقة فكان من المعقول أن يكون بين أيديهم يفعلون به ما شاؤوا.

فالوزير من قبلهم يولى فإن وافق هواهم رضوا عنه وإن خالفهم في شيء أزالوه عن رتبته وأقاموا غيره.

تركوا الوزارة في يد أحمد بن الخصيب الذي كان وزيراً للمعتصم ثم لم يلبثوا أن غضبوا عليه في جمادى الأولى من سنة248 فاستصفوا ماله ومال ولده ونفوه إلى جزيرة أقريطش.

واختير لوزارة المستعين أتامش أحد قواد الأتراك وكان الذي يقوم بأمر الكتابة كاتبه شجاعفكان أتامش بذلك صاحب السلطان التام فأطلقت يده في الأموال ومعه شاهك الخادم الذي جعله المستعين على داره وكراعه وخزائنه وخاص أموره وضم إليهما في النفوذ والتصرف أم المستعين فإنه لم يمنعها من شيء تريده وكان كاتبها سعيد بن سلمة النصراني فكانت الأموال التي ترد على السلطان من الآفاق يصير معظمها إلى هؤلاء الثلاثة فعمد أتامش إلى ما في بيوت الأموال من الأموال فاكتسحه وكان المستعين قد جعل ابنه العباس في حجر أتامش فكان ما فضل من الأموال عن هؤلاء الثلاثة يؤخذ للعباس فيصرف في نفقاته وأسبابه.

استوزر المستعين بعد أتامش أبا صالح عبد اللَّه بن محمد بن يزيد وأبوه كان قبل ذلك وزيراً للمأمون فمكث في الوزارة نحو ثلاثة أشهر لم يرض فيها أحزاب الموالي لأنه أراد أن يضبط حساب المملكة فلم يعجب ذلك بغاً الصغير وحزبه فأظهروا له الغضب فهرب منهم إلى بغداد في شعبان سنة249.

استكتب المستعين بعده محمد بن الفضل الجرجرائي وهو الذي كان وزيراً للمتوكل قبل ذلك ولم يسمه باسم وزير.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:35 AM
العلويون في عهد المستعين:

كان الذي في عهد المستعين من أئمة الإمامية الاثنا عشرية عليّ الهادي وهو العاشر من أئمتهم وكان مقيماً بسامرا.

أما الزيدية فقد خرج منهم:

أولاً: يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين بن علي بن الحسين خرج بالكوفة وكان قبل خروجه يتردد بين بغداد وسامرا يطالب كبار الدولة بما يصلح من شأنه فكان يرجع دائماً بالفشل فاستثار جمعاً كثيراً من الأعراب وانضم إليهم جمع من الكوفة فعسكر بهم بضواحي الكوفة ولما علم بخبره محمد بن عبد اللَّه بن طاهر وجه الجنود إليه فبادر يحيى إلى الكوفة فاستولى عليها وعلى بيت مالها ثم خرج منها وصار يتردد في السواد ثم عاد إلى الكوفة ودعا إلى الرضا من آل محمد وكثف أمره وتولاه العامة من أهل بغداد ولا يعلم أنهم تولوا من أهل بيته غيره.

ثانياً: خرج الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي. خرج بنواحي طبرستان وسبب خروجه أن المستعين أقطع محمد بن طاهر قطائع من صوافي السلطان بطبرستان وذلك بعد أن انتصر على يحيى بن عمر.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:37 AM
الجيش:

كان ما ظنه بغا الكبير في محله فإنه قال للقوم (نجيء بمن نهابه ونفرقه فنبقى معه وإن جئنا بمن يخافنا حسد بعضنا بعضنا فقتلنا أنفسنا) وجد التحاسد بين هؤلاء القوم وليس للخليفة سلطان يقمع به من بغى منهم فكانت أولى جناياتهم قتل أتامش لما رأوه قد استبد بأموال الدولة وبمصالحها. ثم اتفق وصيف وبغا على قتل باغر التركي الذي تولى قتل المتوكل لأنهما خافاه على أنفسهما وكان باغر قد جمع إليه الجماعة الذين كانوا بايعوه على قتل المتوكل فجدد عليهم البيعة التي كان أخذها عليهم وقال لهم الزموا الدار حتى نقتل المستعين وبغا ووصيفا وكانا يسميان بالأميرين ونجيء بعلي بن المعتصم أو بابن الواثق فنقعده خليفة حتى يكون الأمر لنا كما هو لهذين اللذين قد استوليا على أمر الدنيا وبقينا نحن على غير شيء فأجابوه إلى ذلك وانتهى الأمر إلى المستعين.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:39 AM
الأحوال الخارجية:

كان الحال في الخارج أشد من ذلك وأنكى فإن الاضطراب الحادث في داخلية الدولة كان سبباً في تقاعد أولي الأمر عن حماية الثغور والوقوف في وجه الروم الذين كانوا ينتظرون مثل هذه الفرصة وقد صادف أن قائدين عظيمين من قواد الثغور قتلا في حرب مع الروم أول عهد المستعين وهما عمر بن عبد اللَّه الأقطع وعلي بن يحيى الأرمني وكانا نابين من أنياب المسلمين شديداً بأسهما عظيماً غناؤهما في الروم فأما أولهما فقد غزا ملطية فقابله ملك الروم في جمع عظيم فأحاطوا به فقتل وقتل معه ألفا رجل وجرأهم قتله على قصد الثغور الجزرية فقصدوها وكلبوا عليها وعلى حرب المسلمين فبلغ ذلك علي بن يحيى وهو قافل من أرمينية إلى ميافارقين فنفر إليهم في جماعة قليلة فقتل نحو400 رجل.

لما بلغ ذلك أهل بغداد شق على عامتهم وعظم مقتل الرجلين في صدورهم مع ما لحقهم من استفظاعهم من الأتراك قتل المتوكل واستيلائهم على أمور المسلمين وقتلهم من أرادوا من الخلفاء واستخلاصهم من أحبوا استخلافه من غير رجوع منهم إلى ديانة ولا نظر لأمور المسلمين فثاروا وربما كانوا ينجحون فيما إليه قصدوا من ثورتهم هذه لو وجدوا قائداً يدبر أمرهم ويبعدهم عن الفوضى ولكنهم لم يظفروا به.

اجتمعت العامة ببغداد بالصراخ والنفير وانضمت إليهم الأبناء الشاكرية وفتحوا أبواب السجون وأخرجوا من فيها ثم أخرج أهل اليسار من أهل بغداد وسامرا أموالاً كثيرة من أموالهم فقووا من خف للنهوض إلى الثغور لحرب الروم وأقبلت إليهم العامة من نواحي الجبل وفارس وغيرهما لهذا القصد كل ذلك والخليفة لاه بما هو فيه عن ثغور المسلمين فلم يوجه لها عسكراً ولم تجد حركة العامة شيئاً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:40 AM
13- المعتز

هو أبو عبد اللَّه المعتز المتوكل بن المعتصم بن الرشيد وأمه أم ولد اسمها قبيحة ولد سنة231 وكان أبوه المتوكل جعله ولي عهده بعد المنتصر فلم تتم له الولاية لأن المنتصر أرغمه على أن يخلع نفسه ولما ولي المستعين بعد المنتصر حبسه هو وأخاه المؤيد حتى كانت الفتنة بين قواد المستعين فأخرج المعتز وبويع وتم له الأمر بعد خلع المستعين في رابع محرم سنة252 (25 يناير سنة866 ولم يزل والياً إلى أن خلع لثلاث بقين من رجب سنة255(11 يولية سنة869 )فكانت مدة خلافته بعد خلع المستعين ثلاث سنوات وستة أشهر و 23 يوماً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:41 AM
وزراء المعتز:

لم يكن للوزارة في هذا العهد كبير شأن لانحطاط أمر الخلافة نفسها وقد كان الوزراء كتاب أموال فمن أمكنه أن يقوم بحاجة كبار الأتراك ومقدميهم بقي في منصبه وإلا عزل وفعلت به الأفاعيل.

أول وزراء المعتز أبو الفضل جعفر بن محمود الإسكافي. لم يكن له علم ولا أدب ولكنه كان يستميل القلوب بالمواهب والعطايا وكانت وزارته على غير رغبة المعتز لأنه كان يكرهه وكان الأتراك فيه فريقين فثارت بسبب ذلك فتنة فعزل من أجل ذلك.

وتولى الوزارة بعده عيسى بن فرخانشاه ولم يمكث إلا قليلاً حتى عزل بسبب فتنة كالأولى.

دخل صالح بن وصيف مقدم الأتراك على المعتز وقال له: يا أمير المؤمنين ليس للأتراك عطاء ولا في بيت المال مال وقد ذهب ابن إسرائيل وأصحابه بأموال الدنيا فقال له: أحمد بن إسرائيل يا عاصي يا ابن العاصي ثم لم يزالا يتراشقان الكلام بحضرة الخليفة حتى سقط صالح مغشياً عليه من شدة الغيظ والحرفرش على وجهه الماء وبلغ ذلك أصحابه وهم على الباب فصاحوا صيحة واحدة واخترطوا سيوفهم ودخلوا على المعتز فلما رأى ذلك المعتز دخل وتركهم وأخذ صالح بن وصيف أحمد بن إسرائيل الوزير والحسن بن مخلد كاتب قبيحة أم المعتز وأبا نوح عيسى بن إبراهيم فقيدهم وطالبهم بالمال فقال المعتز لصالح قبل أن يحملهم هب لي أحمد فإنه كاتبي وقد رباني فلم يفعل ذلك صالح وبعثت إليه أم المعتز في ابن إسرائيل تقول له: إما حملته إلى المعتز وإما ركبت إليك فيه. فلم يفد هذا ولا ذاك شيئاً. وهذا دليل على انحطاط عظيم في أمر الخلافة وزاد صالح الأمر شنعة فبعث إلى جعفر بن محمود الإسكافي الذي كره المعتز أن يعمل له وولاه الوزارة رغم أنفه.

وإسكاف التي ينتمي إليها جعفر بن محمود قرية من نواحي النهروان بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي وهي إسكاف العليا وهناك إسكاف السفلى بالنهروان أيضاً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:43 AM
العلويون في عهد المعتز:

في عهد المعتز مات علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا وهو الإمام العاشر من أئمة الشيعة الإمامية فتولى الشيعة بعده ابنه الحسن العسكري وهو الحادي عشر من أئمتهم وإنما لقب بالعسكري لإقامته بسامرا التي كانت تدعى إذ ذاك بالعسكر.

أما الزيدية فكانوا قد وجدت لهم دولة ببلاد طبرستان على يد الحسن بن زيد كما تقدم وقد اتهم جماعة من الطالبيين في بغداد والكوفة بالدعوة للحسن بن زيد ووجدت مع بعضهم كتب من الحسن فأمر المعتز بحملهم إليه بسامرا فحملوه إليه ولم يعرض المعتز لهم بمكروه وإنما توثق منهم.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:45 AM
حال الجيش والأتراك:

استخلف المعتز وأحوال الجند والأتراك على شر ما يكون فهم أصحاب السلطان والنفوذ وهم فيما بينهم مختلفون لأنه لا يد فوق تقف كلا منهم عند حده ولا حيلة للخليفة إلا مراعاة جانبهم حيناً وإعمال الحيلة والدسائس حيناً وهكذا يفعل كل من سلب سلطانه ولا قدرة على استرداده.

في أول خلافة المعتز كتب بإسقاط اسم وصيف وبغا وهما أكبر قواد الأتراك لما كان من مساعدتهما المستعين وكان هذا الكتاب مرسلاً إلى محمد بن عبد اللَّه بن طاهر أمير بغداد فبلغ ذلك وصيفاً وبغا فجاءا إلى محمد وقالا بلغنا أيها الأمير ما عزم عليه القوم من قتلنا والقوم قد غدروا وخالفواما فارقونا عليه واللَّه لو أرادوا أن يقتلونا ما قدروا فحلف لهم محمد باللَّه أنه لم يعلم بشيء من ذلك فذهب الرجلان وتحرزا وتكلم لهما عند المعتز من أرضاه عنهما ثم اجتمع الأتراك عند المعتز وسألوه الأمر بإحضارهما وقالوا هما كبيرانا ورئيسانا فكتب إليهما بالرضا عنهما فذهبا من بغداد إلى سامرا فذهب لزيارتهما في منزلهما وزير المعتز أحمد بن إسرائيل وردهما المعتز إلى مراتبهما رغم أنفه بناء على إلحاح الأتراك وردت إليه ضياعهما.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:46 AM
خاتمة المستعين سلف المعتز:

قدمنا أن المعتز كتب للمستعين شروطاً عند خلعه منها تأمينه على حياته وقد أكدوا في هذا الكتاب تأكيداً شديداً وارتضى أن يقيم بالبصرة فقيل له: إن البصرة وبيئة فكيف اخترت أن تنزلها فقال المستعين: هي أوبأ أو ترك الخلافة؟ فأشخص المستعين مع محمد بن مظفر بن سيسل وابن أبي حفصة إلى واسط لا إلى البصرة في نحو400 من الفرسان وقبل أن تنتهي السنة بدا للمعتز فعزم على قتل المستعين ولم يبال بكتاب الأمان فأرسل إلى ابن طاهر يأمره أن يكتب إلى عامل البصرة أن يسلم المستعين لمن ندبه المعتز لاستلامه وهو أحمد بن طولون التركي فأخرج المستعين من واسط لست بقيت من شهر رمضان فوافى به القاطول لثلاث خلون من شوال فتسلمه منه سعيد بن صالح وكان في ذلك ختام حياة المستعين وكيفية قتله مبهمة مختلف فيها كثيراً وأتى المعتز فيما قيل برأسه وهو يلعب الشطرنج فقيل هذا رأس المخلوع فقال ضعوه هنالك ثم فرغ من لعبه ودعا به فنظر إليه ثم أمر بدفنه وأجاز سعيد بن صالح بخمسين ألف درهم وولي معونة البصرة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:47 AM
خلع المعتز:

لما أخذ صالح بن وصيف الكتاب على الشكل الذي أوضحناه قبلاً في تاريخ الوزراء لم يجد عندهم من المال ما يسد مطامعه ومطامع الجنود الذين معه فذهبت الجنود إلى المعتز وقالوا له: إعطنا أرزاقنا حتى نقتل لك صالح بن وصيف فأرسل المعتز إلى أمه ذات الثروة الطائلة يسألها أن تعطيه مالاً ليعطيهم فأبت أن تعطيه شيئاً وأنكرت أن يكون عندها شيء ولما وجد الأتراك أن المعتز وأمه قد امتنعا أن يسمحا لهم بشيء وبيت المال خال اتحدت كلمة الأتراك والفراغنة والمغاربة على خلع المعتز فساروا إليه لثلاث بقين من رجب فلم يرعه إلا صياح القوم وإذا صالح بن وصيف وبايكباك ومحمد بن بغا قد دخلوا عليه في السلاح فجلسوا على باب المنزل الذي ينزله المعتز. ثم بعثوا إليه اخرج إلينا فبعث إليهم إني أخذت الدواء أمس وقد أجفلني اثنتي عشرة مرة ولا أقدر على الكلام من الضعف فإن كان أمراً لا بد منه فليدخل إلي بعضكم فليعلمني فدخل إليه القوم فجروا برجله إلى باب الحجرة وتناولوه كما قيل ضرباً بالدبابيس فخرج وقميصه مخرق في مواضع وآثار الدم على منكبه فأقاموه في الشمس في الدار في وقت شديد الحر فصار يرفع قدمه ساعة بعد ساعة من حرارة الموضع الذي قد أقيم فيه ثم بعثوا إلى قاضي القضاة فحضر وأمر المعتز أن يمضي على كتاب خلع كتب له فأمضى وشهد عليه الحاضرون. ويقال إنه بعد الخلع دفع إلى من يعذبه ومنع الطعام والشراب ثلاثة أيام فطلب حسوة من ماء البحر فمنعوه حتى مات وهكذا انتهت حياة هذا الخليفة البائس الذي سعى كثيراً للحصول على هذه الخلافة وركب في سبيل الخلاص ممن توهمهم مزاحمين له ما لا يجوز من خليفة ولا من سوقة فقتل المستعين وخلع أخاه ثم قتله ونفى أخاه الثاني كل ذلك لتهيأ له الخلافة فلم ينل ما أراد بسبب الفساد المستحكم في الدولة.

وكان المعتز أول خليفة أظهر الركوب بحلية الذهب وكان من سلف قبله من خلفاء بني العباس وكذلك جماعة من بني أمية يركبون بالحلية الخفيفة من الفضة والمناطق واتخاذ السيوف والسروج واللجم فلما ركب المعتز بحلية الذهب اتبعه الناس في فعل ذلك.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:49 AM
14- المهتدي

ترجمته:

هو محمد المهتدي باللَّه بن هارون الواثق بن المعتصم بن الرشيد وأمه أم ولد رومية يقال لها قرب، ولد سنة218 وبويع له بالخلافة بعد أن خلع المعتز نفسه لثلاث بقين من رجب سنة255 (11 يولية سنة869 ولم يزل خليفة إلى أن خلع في 14 رجب سنة256 (17 يونية سنة870 فكانت مدته 11 شهراً وأياماً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:53 AM
كيف انتخب:

لما عزم الأتراك على خلع المعتز أرسلوا إلى بغداد فأحضروا محمداً هذا وقد كان المعتز نفاه إليها واعتقله فيها فأتي به في يوم وليلة إلى سامرا فتلقاه الموالي في الطريق ودخل إلى الجوسق فعرضوا عليه الخلافة فأبى أن يقبلها حتى يرى المعتز ويسمع كلامه فأتي بالمعتز وعليه قميص مدنس وعلى رأسه منديل فلما رآه محمد وثب إليه فعانقه وجلسا جميعاً على السرير فقال له محمد يا أخي ما هذا الأمر قال المعتز أمر لا أطيقه ولا أقوم به ولا أصلح له؛ فأراد محمد أن يتوسط أمره ويصلح الحال بينه وبين الأتراك فقال امعتز لا حاجة لي فيها ولا يرضوا بي لها، فقال محمد: فأنا في حل من بيعتك، قال أنت في حل فلما جعله في حل من بيعته حول وجهه عنه فأقيم عن حضرته ورده إلى محبسه وكان من أمره ما قدمنا.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:54 AM
وزراء المهتدي:

أبقى المهتدي محمود بن جعفر الإسكافي على وزارته مدة قليلة ثم عزله واستوزر من بعده سليمان بن وهب بن سعيد.

وكان سليمان أحد كتاب الدنيا ورؤسائها فضلاً وأدباً وكتابة في الدرج والدستور وأحد عقلاء العالم وذوي الرأي منهم واستمر وزيراً للمهتدي إلى أن خلع.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:55 AM
صفات المهتدي:

كان المهتدي من صالح بني العباس يكره الظلم ويحب رفعه وبنى قبة لها أربعة أبواب وسماها قبة المظالم وجلس فيها للعام والخاص للمظالم وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وحرم الشراب ونهى عن القيان وأظهر العدل وكان يحضر كل جمعة إلى المسجد الجامع ويؤم بهم وكان فيه ديانة وتقشف حتى أن الجند تأسوا به إلا أن الدولة كانت وصلت إلى الدرجة التي لا يصلحها فيها مثل المهتدي في صلاحه وكثرة عبادته في بدء خلافته.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:56 AM
خلع المهتدي ثم وفاته:

كانت كل هذه الأحوال فرصاً لخلاص المهتدي من سيادة القواد الأتراك فلم يفعل بل كان ظاهره مع الرؤساء وباطنه مع الجنود ويظهر أنه أراد استعمال الحيلة في الخلاص منهم فأنقذ جنداً لمحاربة خارجي وفيه موسى بن بغا وبايكباك ومفلح فكتب المهتدي إلى باكيباك يأمره أن يضم العسكر الذي مع موسى إلى نفسه وأن يكون هو أمير الجيش وأن يقتل موسى ومفلحا. فلما وصل الكتاب بايكباك ذهب إلى موسى وأراه إياه وقال له إني لست أفرح بهذا وإنما هو تدبير علينا جميعاً وإذا فعل بك اليوم شيء فعل بي غداً مثله فما ترى؟ قال أرى أن تصير إلى سامرا وتظهر له أنك في طاعته فإنه يطمئن إليك ثم تدبر في قتله فقدر بايكباك فدخل على المهتدي فأظهر المهتدي الغضب من مخالفته حيث لم يقتل موسى ومفلحاً فاعتذر إليه بايكباك فاحتبسه المهتدي عنده وأخذ سلاحه ولما رأى الجند الذين معه غيبته عنهم جاشوا وأحاطوا بالجوسق فلما رأى المهتدي ذلك استشار صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور فأشار عليه أن يفعل ما فعله المنصور بأبي مسلم فأمر المهتدي بضرب عنق بايكباك فضرب عنقه والأتراك مطيفون بالجوسق بسلاحهم فلم يرعهم إلا رأس بايكباك بين أيديهم أمر المهتدي برميها. فلما رأوها اضطربوا واستعدوا للقتال فحاربتهم الفراغنة والمغاربة والأشروسنية وكثر بينهم القتل ثم انفصل الفريقان وذهب الأتراك فقووا أنفسهم وجاء منهم زهاء عشرة آلاف وخرج المهتدي وفي عنقه مصحف يدعو الناس إلى نصرته فلما التحم القوم مال الأتراك الذين مع المهتدي إلى إخوانهم وبقي في المغاربة والفراغنة ومن خف من العامة فحملت عليهم الأتراك حملة شديدة ففروا منهزمين معهم المهتدي والسيف في يده مشهور وهو يقول: يا معشر الناس انصروا خليفتكم حتى صار إلى دار محمد بن يزداد وفيها أحمد بن جميل صاحب الشرطة فدخلها ووضع سلاحه فعلم الأتراك خبره فجاؤوا إليه وقبضوا عليه وحملوه إلى داره مهاناً وذلك في14 رجب سنة256 ثم خلعوه لما أبى أن يخلع نفسه ثم مات لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة256.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:57 AM
15- المعتمد:

ترجمته:

هو أحمد المعتمد على اللَّه بن المتوكل بن المعتصم وأمه أم ولد كوفية اسمها فتيان ولد سنة231 وبويع له بالخلافة من غير عهد سابق يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من رجب سنة256 (19 يونية 870) ولم يزل خليفة حتى توفي ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة279 (15 أكتوبر سنة892 فكانت مدته23 سنة وثلاثة أيام.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:58 AM
الأحوال الداخلية:

كانت نتيجة طلبات الأتراك أن يتولى أمر الجيش أحد إخوة أمير المؤمنين وألا يرأسهم أحد منهم لما كان بينهم من الخلاف والمنافسة أن ولى المعتمد أخاه أبا أحمد طلحة بن المتوكل أمر الجيش والولايات فولاه في صفر سنة257 الكوفة وطريق مكة والحرمين واليمن ثم ولاه في رمضان من هذه السنة بغداد والسواد وكور دجلة والبصرة والأهواز وفارس. وفي ربيع الأول سنة258 عقد له على ديار مضر وقنسرين والعواصم فصار السلطان الفعلي لأبي أحمد لا للخليفة وصارت كلمة أبي أحمد هي العليا على الأتراك وقوادهم فكان ذلك مما حسن الأحوال العامة بعض التحسين وإن كانت أحوال المعتمد نفسه ساءت لأنه لم يترك له شيء من التصرف حتى أنه احتاج في بعض الأحيان إلى ثلثمائة دينار فلم يجدها.

كان الذي يولي الوزراء هو أبو أحمد الموفق لأن المعتمد لم يكن له إلا الخطبة والسكة والاسم وما عدا ذلك فهو لأخيه.

كان أول الوزراء عبيد اللَّه بن يحيى بن خاقان وقدمنا ذكره إذ كان وزيراً للمتوكل. ولما عرضت عليه الوزارة كرهها وتنصل منها ولكنهم أبوا إلا إياه فرضي بعد ذلك الإباء وكان عبيد اللَّه خبيراً بأحوال الرعايا والأعمال ضابطاً للأموال ولم يزل وزيراً إلى سنة263حيث مات بسقوطه عن دابته في الميدان وصلى عليه أبو أحمد بن المتوكل ومشى في جنازته.

استوزر بعده الحسن بن مخلد وكان كاتباً لأبي أحمد الموفق فاجتمعت له وزارة المعتمد وكتابة الموفق.

ولي الوزارة بعده سليمان بن وهب وهو الذي كان وزيراً للمهتدي وقد قدمنا صفته وبيته وولي عبد اللَّه بن سليمان كتابة أبي أحمد الموفق إلى ما كان له قبل ذلك من كتابة موسى بن بغا.

وفي سنة264 خرج سليمان بن وهب من بغداد إلى سامرا حيث يقيم الخليفة فلما صار بها غضب عليه المعتمد وحبسه وقيده وانتهب داره وداري ابنيه وهب وإبراهيم وأعاد إلى الوزارة الحسن بن مخلد لثلاث بقين من ذي القعدة فلما علم بذلك الموفق شخص من بغداد ومعه عبد اللَّه بن سليمان فلما قرب من سامرا تحول المعتمد إلى الجانب الغربي فعسكر به ونزل أبو أحمد ومن معه جزيرة المؤيد واختلف الرسل بينهما. ولما كان بعد أيام خلون من ذي الحجة صار المعتمد إلى حراقة في دجلة وصار إليه أخوه أبو أحمد في زلال فخلع المعتمد عليه وعلى من معه من القواد.

وفي ثامن من ذي الحجة عبر جند أبي أحمد إلى جند المتوكل على وفاق وأطلق سليمان بن وهب ورجع المعتمد إلى الجوسق وهرب الحسن بن مخلد وأحمد بن صالح بن شيرزاد وكتب في قبض أموالهما وأموال أسبابهما.

ولم يدم رضا أبي أحمد طويلاً عن سليمان بن وهب فإنه غضب عليه سنة265 وأمر بحبسه وحبس ابنه عبد اللَّه فحبسا وعدة من أسبابهم في دار أبي أحمد وانتهبت دور عدة من أسبابه ووكل بحفظ داري سليمان وابنه عبد اللَّه وأمر بقبض ضياعهما وأموالهما وأموال أسبابهما وضياعهما خلا أحمد بن سليمان ثم صولح سليمان وابنه عبد اللَّه على900000 دينار وصيرا في موضع يصل إليهما من أحبا.

وقد مات سليمان بن وهب في حبس أبي أحمد سنة272.

ولى الوزارة بعده للمعتمد أبو الصقر إسماعيل بن بلبل وهو عربي ينتسب إلى شيبان ولكن نسبه كان مغموراً ومن مساورة الظنون للمتهم أن ابن الرومي الشاعر مدح أبا الصقر بقصيدة نونية مطلعها.

أجنت لك الوصل أغصان وكثبان فيهن نوعان تفاح ورمـان

يقول فيها:

قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم كلا لعمري ولكن منه شيبان

كم من أب قد علا بابن له شـرفا كما برسول اللَّه عدنــان

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 10:59 AM
السامانيون:

تنسب الأسرة السامانية إلى بهرام جور صاحب كسرى هرمز فهي أسرة عريقة المجد في الأمة الفارسية. كان في عهد المأمون من تلك الأسرة أولاد أسد بن سامان وكان المأمون يرعى حقوق الحرمة لذوي البيوتات فقربهم ورفع من أقدارهم وكانت بلاد ما وراء النهر مقسمة بينهم يلونها من جهة أمير خراسان فكان نوح بن أسد في سمرقند وأحمد بن أسد في فرغانة ويحيى بن أسد في الشاس وأشروسنة وإلياس بن أسد في هراة. وكان أحمد بن أسد عفيف الطعمة مَرْضي السيرة لا يأخذ رشوة ولا أحد من أصحابه. ولما توفي استخلف ابنه نصراً على أعماله بسمرقند وما وراءها فبقي عاملاً بها إلى آخر أيام الطاهرية. وكان إسماعيل بن أحمد يخدم أخاه نصراً فولاه بخارى سنة261 وكان بين هذين الأخوين خطوب طويلة بسبب سعاة السوء حتى إنه في سنة275 تحارب نصر وإسماعيل فقهر نصر وحمل إلى أخيه إسماعيل فلما رآه ترجل له وقبل يديه ورده من موضعه إلى سمرقند وتصرف هو على النيابة عنه ببخارى.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:00 AM
أحمد بن طولون:

كان طولون مملوكاً تركياً أهداه نوح بن أسد الساماني إلى المأمون سنة200 فكان من عداد الجنود التركية الكفاة وولد له أحمد ابنه بسامرا سنة220 فربيّ في حلبة أولئك الجنود وأفصح بالعربية وحفظ القرآن الكريم وكان ذا خلق قويم ولما بلغت سنه العشرين توفي أبوه طولون فكان بعده في ضمن جنود بايكباك الذي تقدم ذكره.

كانت ولاية مصر مضافة إلى بايكباك وهو الذي يختار أميرها ففي سنة254 اختار لها أحمد بن طولون لما رأى من كفايته وشجاعته فعقد له عليها ودخلها أحمد لتسع بقين من رمضان وكان يتقلد القصبة وحدها وكان معه أحمد بن محمد الواسطي كاتب بايكباك.

لما توفي المعتز سنة255وتولى المهتدي وقتل بايكباك حل محله أماجور وكان صهراً لأحمد بن طولون فإن أحمد كان زوج ابنته فكتب إليه أماجور تسلم من نفسك لنفسك وزاده الأعمال الخارجية عن قصبة مصر فعظمت لذلك منزلته واتسع ملكه وكان يدعى على منابر مصر للخليفة أولاً ثم لأماجور ثم لأحمد بن طولون حتى مات أماجور سنة258 فاستقل أحمد بمصر ودعي له بها وحده بعد الدعاء للخليفة وضبط ابن طولون بلاد مصر أحسن ضبط وخضد شوكة الثائرين الذين كانوا يثورون بها من وقت لآخر.

وفي سنة262 حصل بينه وبين أبي أحمد الموفق تنافر أدى إلى وحشة استحكمت حلقاتها فكتب أبو أحمد إلى ابن طولون يهدده بالعزل فأجابه جواباً فيه بعض الغلظة فسير إليه الموفق جيشاً يقوده موسى ابن بغا فلما بلغ الرقة أقام فيها عشرة أشهر ولم يمكنه المسير لقلة الأموال وطالبته الجنود بالعطايا فلم يكن معه ما يعطيهم فاختلفوا عليه وثاروا بوزيره فاضطر ابن بغا أن يعود إلى العراق وكفى ابن طولون شره وفي سنة263 ولى المعتمد أحمد بن طولون طرطوس ليقوم بحفظ ذلك الثغر عن الروم الذين كانوا قد تطرقوا البلاد لضعف قوة الخلافة.

وفي سنة264 دخل في حوزته بلاد الشام والثغور بعد وفاة أماجور الذي كانت تلك البلاد له فاتسع ملكه اتساعاً عظيماً حتى كانت حدود مملكته تنتهي إلى نهر الفرات وبذلك تم التغلب والانفراد عن بني العباس من أقاصي الغرب إلى نهر الفرات فضاقت مملكة بني العباس واقتصرت على العراق والجزيرة الفراتية على ما فيها من الثورات والاضطرابات وبلاد الري والأهواز.

وكان الموفق في ذلك الوقت مشغولاً بحرب الدعي صاحب الزنج فكان ذلك فرصة عظيمة لأحمد بن طولون أن يقوي أمر ملكه وكان يعلم ما بين المعتمد الخليفة وبين أخيه من الفتور فأراد أن ينتفع من ذلك وصادف أن أرسل المعتمد إلى ابن طولون يشكو له مما هو فيه من استبداد الموفق عليه وأنه ليس له من الخلافة إلا الاسم فأشار عليه ابن طولون أن يلحق به بمصر ولو تم ذلك لانتقلت الخلافة العباسية إلى القطائع مدينة أحمد بن طولون بمصر ولكن حال دونه عامل الموصل والجزيرة الذي أرسل إليه الموفق أن يبذل جهده في منع المعتمد من المسير إلى مصر فلما بارح المعتمد سامرا ووصل إلى عمل الموصل منعه العامل من المسير فعاد ثانية إلى سامرا وبسبب ذلك اتسعت مسافة الخلف بين الموفق وابن طولون حتى أن ابن طولون قطع خطبة الموفق وأسقط اسمه من الطراز فتقدم الموفق إلى المعتمد يبلغه ففضل مكرها لأن هواه كان مع ابن طولون.

وفي سنة270 توفي أحمد بن طولون فخلفه في مصر والشام والثغور الشامية ابنه خمارويه وقد استمر ملك مصر والشام في أعقاب ابن طولون إلى سنة292 وقد ولي من هذا البيت خمسة أمراء وهم

(1) أحمد بن طولون (254-270)

(2) خمارويه بن أحمد (270-282)

(3) أبو العساكر جيش بن خمارويه (282-283)

(4) هارون بن خمارويه (283-292)

(5) شيبان بن أحمد بن طولون (292-292)

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:01 AM
الحوادث الخارجية:

ترتب على الاضطراب الذي قصصنا حديثه في عهد المعتمد أن الحدود الرومية كانت محل اضطراب دائم يغير عليها الروم كل وقت فيجدون الدفاع عنها ضعيفاً حتى أنهم أخذوا سنة263 حصن لؤلؤة الذي كان شجى في حلوقهم وغلبوا كثيراً من الجيوش ولم تتحسن الأحوال قليلاً إلا بعد أن أخذ ابن طولون مدينة طرسوس وعهد إليه حماية الثغور الشامية فتولى الغزو بجنوده المصرية والشامية وقد أوقع بالروم وقعة هائلة سنة270 .

وكانت غارات الروم بعد ذلك على ديار ربيعة وثغورها الجزري فكانت ترد السرايا من تلك الجهة فتغير على المسلمين وهم غارون يأخذون منهم كثيراً من الأسرى ولولا جنود المتطوعين لكانت الحال أسوأ مما حصل.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:02 AM
ولاية العهد:

كان أبو أحمد الموفق ولي العهد بعد المعتمد وكانت إليه أمور الخلافة فعلاً فلما توفي سنة278 جعل ولي العهد المفوض بن المعتمد ومن بعده أبو العباس بن أبي أحمد الموفق وكان أبو العباس صاحب الكلمة في الخلافة بعد أبيه فلم يلبث أن خلع المفوض من ولاية العهد وجعل نفسه مقدماً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:02 AM
صفات المعتمد:

لم يكن للمعتمد نفوذ في إدارة البلاد ولا شيء من سياسة المملكة لأن الأمر كله كان منوطاً بأخيه أبي أحمد وكان المعتمد مشغوفاً بالطرب والغالب عليه المعاقرة ومحبة أنواع اللهو والملاهي لا هم له إلا ذلك وله أحاديث في الغناء والرقص والندامى وهيئة المجالس ومنازل التابع والمتبوع وكيفية مراتبهم وتعبية مجالس الندماء استبدل هذا بتعبية الجيوش وسوقها إلى خوض الغمرات.

وكانت وفاة المعتمد على أثر شراب شربه فأكثر منه ثم أتبعه بأكلة هاضته وأتت على حياته لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة279.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:27 AM
16- المعتضد:

ترجمته:

هو أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم وأمه أم ولد اسمها ضرار وكان عضداً لأبيه الموفق في حروبه وأعماله وولي العهد بعد وفاة أبيه وبعد خلع المفوض بن المعتمد سنة وبويع له بالخلافة في اليوم الذي توفي فيه المعتمد على اللَّه لأحدى عشرة بقيت من رجب سنة279(15 أكتوبر سنة892) ولم يزل خليفة حتى توفي لثمان بقين من ربيع الآخر سنة289 (15 إبريل سنة902) فكانت مدته تسع سنوات وتسعة أشهر وثلاثة أيام.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:27 AM
وزراء الدولة:

أول وزراء المعتضد عبيد اللَّه بن سليمان بن وهب واستمرفي وزارته حتى مات سنة288 فاستوزر بعده ابنه أبو الحسين القاسم بن عبيد اللَّه ومات وهو وزيره.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:29 AM
اضطرابات الجزيرة:

كانت العرب مع تغلب الأتراك على دولة بني العباس لا يقرون بالخضوع لهم بل كانوا على ما لم يزالوا عليه من الاستقلال بأمر أنفسهم في ديار ربيعة وفي ديار مضر ولا سيما بعد أن أسقط العباسيون أسماء العرب من ديوان المرتزقة فكانت لا تزال تخرج منهم خوارج يدعون الناس إلى خلع طاعة العباسيين وأكثر هؤلاء العرب جمعاً وخروجاً بنو شيبان من ربيعة.

ففي أول خلافة المعتضد سار إلى بني شيبان بالموضع الذي يجتمعون فيه من أرض الجزيرة فلما بلغهم قصده جمعوا إليهم وأغار المعتضد على الأعراب عند السن فنهب أموالهم وقتل منهم مقتلة عظيمة ثم غرق في نهر الزاب مثل من قتل ثم سار إلى الموصل فلقيته بنو شيبان يسألونه العفو وبذلوا له رهائن فأجابهم إلى ما طلبوا وعاد إلى بغداد.

وفي سنة 281 سار يريد قلعة ماردين للإستيلاء عليها من يدي حمدان بن حمدون الذي تغلب عليها وهو جد الأسرة الحمدانية فلما بلغه ميسر المعتضد إليه ترك في القلعة ابنه وسار عنها فلما وصلها المعتضد نازلها يومه وفيالغد ركب بنفسه حتى أتى باب القلعة وصاح بابن حمدان فأجابه فأمره بفتح باب القلعة ففتحه فقد المعتضد فيالباب وأمر بنقل ما في القلعة وهدمها ثم وجه خلف حمدان من يطلبه أشد الطلب حتى ظفر به بعد عودته إلى بغداد.

وكان مما يهم المعتضد خارجي ظهر بالجزيرة اسمه هارون الشاري واستفحل جمعه واشتدت قوته حتى لم يحاربه جند من جنود السلطان إلا هزمه فرأى المعتضد أن يضرب الحديد بالحديد فندب الحسين بن حمدان لحرب هارون فقال له الحسين: إن أنا جئت به فلي ثلاث حاجات عند أمير المؤمنين إحداها إطلاق أبي وحاجتان أذكرهما بعد مجيئي فأجابه المعتضد إلى ذلك فمضى مع جند اختاره حتى لقيه فحاربه وهزمه ثم ما زال يتبعه حتى ظفر به فأخذه أسيراً وأحضره للمعتضد فخلع على الحسين وطوقه وخلع على إخوته وأمر بفك أبيه والتوسعة والإحسان إليه فكان هذا بدء ظهور الأسرة الحمدانية.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:30 AM
القرامطة:

قد ذكرنا فيما مضى كيف ابتدأت نحلة القرامطة تشيع في سواد الكوفة ويدخل الناس فيها حتى كثر أتباع القرامطة.

في قريب من الوقت الذي انتشر فيه هذا المذهب بسواد الكوفة ظهر بالبحرين رجل يقال له سعيد الحسن الجنابي وجنابة من سواحل فارس يدخل إليها في المراكب في خليج من البحر الفارسي وبين المدينة والبحر ثلاثة أميال وقبالتها في وسط البحر جزيرة خارك نشأ بها أبو سعيد هذا وكان دقاقاً فنفي عن جنابة فخرج إلى البحرين فأقام بها تاجراً وجعل يستميل العرب إلى نحلته حتى استجاب له أهل البحرين وما والاها وقوي أمره فقتل ما حوله من أهل القرى وفعل ذلك بالقطيف وأظهر أنه يريد البصرة التي كتب عليها الشقاء فإنه لم يمض على ما لاقته من السوء على يد دعي العلويين أكثر من15 سنة فكتب واليها إلى المعتضد يخبره بالأمر فأمره المعتضد أن يبني على البصرة سوراً ففعل وفي سنة287 أقبل الجنابي بجموعه يريد البصرة فأرسل إليه المعتضد جيشاً قائده العباس بن عمرو الغنوي فهزمه أبو سعيد وأسر العباس واحتوى ما في العسكر وقتل الأسرى ثم سار الجنابي بعد الواقعة إلى هجر وانصرف المنهزمون إلى البصرة فلقيهم الأعراب فأفنوهم، أحدث ذلك بالبصرة قلقاً واضطراباً حتى هم أهلها بالجلاء عنها ولكن واليها هدأ بالهم.

كان تتابع الجيوش من المعتضد إلى من بسواد الكوفة سبباً لأن داعية قرمط زكرويه بن مهرويه سعى في استغواء كلب بن وبره بواسطة أولاده فأجابه بعض بطونهم وبايعوا سنة291 ابن زكرويه المسمى يحيى المكنى بأبي القاسم ولقبوه الشيخ وزعموا أن محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وزعم لهم أن له بالبلاد مائة ألف تابع وسمى أتباعه الفاطميين فقصدهم شبل مولى المعتضد من ناحية الرصافة فاغتروه فقتلوه وأحرقوا مسجد الرصافة واعترضوا كل قرية اجتازوا بها حتى بلغوا الشام وكانت إذ ذاك في حوزة خماريه بن أحمد بن طولون وينوب عنه فيها طغج بن جف فقاتلهم مراراً فهزموه.

هذا ما كان منهم في حياة المعتضد ظهروا بثلاثة مواضع بالبحرين والعراق والشام وبدأوا بخروجهم شعلة النار المحرقة التي آذت المسلمين ودوختهم وسلبتهم أمن الطريق إلى بيت اللَّه المقدس كما يأتي بيانه.

وفي تلك الأزمنة كان يشتغل دعاة الفاطميين باليمن وأفريقية فكانت الدعوة الإسماعيلية رتبت أن يكون في آن واحد بجميع الجهات الإسلامية حتى لا يكون لبني العباس قبل بملاقاة شرها وكذلك كان.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:31 AM
صفات المعتضد:

كان المعتضد قوي القلب جرئياً ولذلك كان للخلافة في عهده أكثر مما كان في عهد أبيه من الهيبة وإن كان الأمر في الحقيقة جل أن يصلح لأن وراءهم عدواً لا ينام يريد إفساد ملكهم ما أمكنه ولو أدى ذلك إلى إفساد البلاد كلها. وكان مع شجاعته قليل الرحمة سفاكاً للدماء شديد الرغبة في التمثيل بمن يقتله.

وله إصلاحات داخلية جليلة منها أنه أمر برد الفاضل من سهام المواريث على ذوي الأرحام وأمر بإبطال ديوان المواريق وكان أصحاب التركات يلقون من ذلك عناء ومنها اهتمامه بكري دجيل وهو أحد روافد دجلة وقلع من فوهته صخراً كان يمنع الماء.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:32 AM
وفاة المعتضد:

توفي المعتضد لثمان بقين من ربيع الآخر سنة289 وكان ولي عهده ابنه المكتفي.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:33 AM
17- المكتفي:

ترجمته:

هو علي المكتفي المعتضد بن أبي أحمد بن المتوكل وأمه أم ولد تركية اسمها جيجك، ولد سنة 236 وبويع بالخلافة بعد وفاة أبيه المعتضد بعهد منه وذلك في28 ربيع الآخر سنة289(15 أبريل سنة902)، ولم يزل خليفة إلى أن توفي في12 ذي القعدة سنة295(13 أغسطس سنة908)، فكانت مدته ست سنوات وستة أشهر و 19 يوماً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:34 AM
وزراء المكتفي

لما استخلف المكتفي أبقى في الوزارة وزير أبيه القاسم بن عبيد اللَّه بن سليمان بن وهب فدبر الأمور على ما كان في زمن المعتضد واستمر في الوزارة عظيماً مهيباً إلى أن توفي سنة291.

فاستوزر المكتفي بعده العباس بن الحسن.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:35 AM
الأحوال في عهده:

انتكست البلاد في عهد المكتفي بعد أن كانت ابتدأت تنتعش في عهد أبي أحمد الموفق وعهد ابنه المعتضد فقد ابتدأت ولايته بظهور المنافسات بين ذوي النفوذ من الدولة فكان أحدهم يكيد الآخر شر كيد حتى يورده المهالك من غير نظر في ذلك إلى ما تقتضيه مصلحة الأمة.

توالت كتب أهل الشام إلى الخليفة ببغداد يشكون مما ألم بهم من ذي الشامة من القتل والسبي وتخريب البلاد فلم ير بداً من الخروج بنفسه إلى الشام فتأهب وسار إلى الشام وجعل طريقه على الموصل وقدم بين يديه أبا الأغر في عشرة آلاف فارس فنزل أبو الأغر قريباً من حلب فكبسهم القرمطي فقتل منهم خلقاً كثيراً وسلم أبو الأغر فدخل حلب في ألف رجل فتبعه القرمطي إلى حلب فحاربه أبو الأغر بمن بقي معه من أهل البلد فرجع عنهم.

سار المكتفي حتى نزل الرقة وسير الجيوش إليه وجعل أمرها إلى محمد بن سليمان الكاتب فسار محمد حتى صار بينه وبين حماه 12 ميلاً فالتقوا بأصحاب القرمطي فالتحمت الحرب بين الفريقين واشتدت فهزم أصحاب القرمطي وقتلوا وأسر من رجالهم بشر كثير وتفرق الباقون في البوادي وتبعهم أصحاب السلطان.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:35 AM
خبر المشرق:

انتظمت بلاد خراسان وما وراء النهر لإسماعيل بن أحمد الساماني وكان رجلاً عاقلاً مدبراً ذا عزيمة ثابتة ولم يزل أمره على ما هو عليه والمكتفي راض عنه حتى توفي سنة295 فولى بعده ابنه أحمد بن إسماعيل وعقد له المكتفي بيده لواء وأرسله إليه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:38 AM
خبر المغرب:

وفي عهد المكتفي انقرضت دولتان إحداهما دولة بني طولون بمصر على يدي العباسيين وآخر أمرائها شيبان بن أحمد بن طولون سنة292 والثانية دولة الأغالبة بإفريقية انتهت على يدي أبي عبد اللَّه الشيعي داعية الفاطميين بالمغرب.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:40 AM
العلاقات مع الروم:

كانت العلاقات في أول الأمر حسنة مع ملك الروم حتى أنه تبودلت الهدايا بين الملكين.

وفي سنة290 وردت رسل صاحب الروم يسألون المكتفي المفاداة بمن في أيدي المسلمين من الأسرى ومعهم هدايا فأجيبوا إلى طلبهم ولم يتمن هذا الفداء إلا سنة 293 فكان جملة من فودي به من المسلمين نحو1200 وكان المتولي للفداء أمير الثغور رستم بن برد ولم تستمر العلاقات حسنة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:41 AM
فتح إنطاكية:

ففي سنة291 سار جيش إسلامي من طرسوس وصمد نحو إنطاكية ففتحها بالسيف عنوة وهي من أهم مدن الروم وثغورهم البحرية وقد قتل في فتحها نحو5000 من الروم وأسر مثلهم واستنقذ من أسارى المسلمين مثل ذلك وأخذوا من الروم ستين مركباً فحملت فيها الغنائم من الأموال والمتاع والرقيق وقدر نصيب كل رجل ألف دينار وغزا من المسلمين أمير الثغر رستم مرتين وبلغ في غزوته الثانية سلندوا ففتحها وصار إلى آلس فأسر من الروم عدداً كبيراً وغزا ابن كيغلغ من طرسوس وفي سنة294 استأمن إلى السلطان بطريق اسمه أندرونقس وكان على حرب أهل الثغور من قبل ملك الروم فأجيب طلبه وأخرج نحواً من مائتي نفس من المسلمين كانوا أسرى في حصنه وكان ملك الروم قد وجه من يقبض عليه فأعطى المسلمين الذين كانوا أسرى في حصنه السلاح وأخرج معهم بعض بنيه فكبسوا البطريق الموجه إليه للقبض عليه ليلاً وقتلوا من معه خلقاً كثيراً وغنموا ما في معسكرهم.

وكان رستم قد خرج في أهل الثغور في جمادي الأولىقاصداً أندرونقس ليخلصه فوافى رستم قونية بعقب الواقعة وعلم البطارقة بمسير المسلمين إليهم فانصرفوا ووجه أندونقس ابنه إلى رستم ووجه رستم كاتبه وجماعة من البحريين فباتوا في الحصن فلما أصبحوا خرج أندرونقس وجميع من معه من أسرى المسلمين ومن صارإليه منهم ومن وافقه على رأيه من النصارى وأخرج ماله ومتاعه إلى معسكر المسلمين وضرب المسلمون قونية ثم قفلوا إلى طرسوس هم وأندرونقس وأسارى المسلمين ومن كان مع أندرونقس من النصارى وقد وصل هذا البطريق إلى بغداد فأكرم.

وحصل في آخر عهد المكتفي مفاداة ثانية تمت سنة295 وكان عدة من فودي به من الرجال والنساء ثلاثة آلاف نفس.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:42 AM
وفاة المكتفي:

توفي المكتفي في12 ذي القعدة سنة295 .

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:43 AM
18- المقتدر:

ترجمته:

هو جعفر المقتدر با بن المعتضد بن أحمد بن المتوكل وهو أخو المكتفي وأمه أم ولد اسمها شغب ولد سنة282 وبويع بالخلافة بعد وفاة أخيه ولم يزل خليفة إلى أن قتل في28 شوال سنة220 (1 نوفمبر سنة 932 فتكون مدته24 سنة و 11 شهراً و 16 يوماً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:44 AM
كيف انتخب:

لما ثقل المكتفي كان في منصب الوزارة العباس بن الحسين ففكر فيمن يتولى الخلافة بعده لأنه لم يكن ولى أحداً العهد في صحته وكان من عادة الوزير أن يسايره إذا ركب واحد من هؤلاء الأربعة الذين يتولون الدواوين وهم أبو عبد اللَّه محمد بن داود بن الجراح وأبو الحسن محمدبن عبد اللَّه وأبو الحسن علي بن محمد بن الفرات وأبو الحسن علي بن عيسى فاستشار الوزير يوماً محمد بن داود بن الجراح في ذلك فأشار بعبد اللَّه بن المعتز ووصفه بالعقل والأدب والرأي واستشار بعده أبا الحسن بن الفرات فقال: هذا شيء ما جرت به عادتي أن أشير فيه وإنما أشاور في العمال لا في الخلفاء فغضب الوزير وقال: هذه مقاطعة باردة وليس يخفى عليك الصحيح وألح عليه فقال: إن كان رأي الوزير قد استقر على أحد بعينه فليفعل فعلم الوزير أنه يعني ابن المعتز لاشتهار خبره فقال: لا أقنع إلا أن تمحضني النصيحة فقال ابن الفرات: فليتق اللَّه الوزير ولا ينصب إلا من قد عرفه واطلع على جميع أحواله ولا ينصبه بخيلاً فيضيق على الناس ويقطع أرزاقهم ولا طماعاً فيشره في أموالهم فيصادرهم ويأخذ أموالهم وأملاكهم ولا قليل الدين فلا يخاف العقوبة والآثام ويرجو الثواب فيما يفعله ولا يولي من عرف نعمة هذا وبستان هذا وضيعة هذا وفرس هذا ومن قد لقي الناس ولقوه وعاملهم وعاملوه ويتخيل ويحسب حساب نعم الناس وعرف وجوه دخلهم وخرجهم فقال الوزير: صدقت ونصحت فبمن تشير؟ قال أصلح الموجودين جعفر بن المعتضد فقال: ويحك هو صبي قال: ابن الفرات إلا أنه ابن المعتضد ولم نأت برجل كامل يباشر الأمور بنفسه غير محتاج إلينا. فمالت نفس الوزير إلى مشورة ابن الفرات وانضاف إلى ذلك وصية المكتفي فإنه أوصى لما اشتد مرضه بتقليد أخيه الخلافة فلما مات المكتفي اختار الوزير جعفراً للخلافة بالاتفاق مع صافي الحرمي ولقب المقتدر بالله وسنه إذ ذاك ثلاث عشرة سنة.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:45 AM
وزراءه:

كان أول وزرائه أبو الحسن علي بن محمد بن موسى بن الفرات استوزره يوم الأحد لعشر بقين من شهر ربيع الأول سنة296 فنظر في الأمور نظر جد واهتمام وأمر جماعة من القواد بطواف البلد ليلاً والإيقاع بأهل الدعارة ومن يرونه متعرضاً لنهب دار وأخذ مال وعلى يد ابن الفرات كانت عقوبات جميع من خرجوا مع ابن المعتز فصادر من صادر وقتل من قتل.

مضى ابن الفرات في وزارته هذه ثلاث سنين وثمانية أشهر وأربعة عشر يوماً اختلفت عليه الأمور فيها وحدثت الحوادث وحضر عيد النحر من سنة298 فاحتيج فيه من النفقات إلى ما جرت العادة به وكانت المواد قصرت والمؤن قد تضاعفت وطلب المقتدر أن يعطيه من بيت مال الخاصة ما يصرفه في نفقات هذا العيد فمنعه من ذلك وألزمه القيام به من جهته فوجد بذلك أعداؤه الطريق إلى الوقيعة فيه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:48 AM
أمر القرامطة:

كان رئيس القرامطة بالبحرين أبو سعيد الحسن بن بهرام الجنابي فقتل سنة301 بعد أن استولى على هجر والأحساء والقطيف وسائر بلاد البحرين فولى بعده ابنه أبو طاهر سليمان الجنابي وكانت له غزوات متتابعة إلى جهة البصرة يريد الاستيلاء عليها وأشد غزواته لها سنة311 فإنه سار إليها في ألف وسبعمائة من القرامطة ودخلها وقتل حاميتها ووضع السيف في أهلها وأقام بها سبعة عشر يوماً يحمل منها ما يقدر عليه من المال والأمتعة والنساء والصبيان ثم عاد إلى بلده ومنها توجه إلى طريق الحاج ليلقاهم عند رجوعهم إلى مكة فأوقع بقافلة تقدمت معظم الحاج وكان فيها خلق كثير من أهل بغداد وغيرهم فنهبهم واتصل الخبر بباقي الحاج وهم بفيد فأقاموا بها حتى فني زادهم فارتحلوا مسرعين إلى طريق الكوفة فأوقع بهم القرامطة وأخذوا جمال الحجاج جميعها وما أرادوا من الأمتعة والأموال والنساء والصبيان ثم عاد الجنابي إلى هجر وترك الحاج في مواضعهم فمات أكثرهم جوعاً وعطشاً من حر الشمس فانقلبت بغداد من سوء تأثير هذا الخبر وكان وصوله في الوقت الذي قتل فيه المحسن بن الفرات من قتل من المصادرين فازدوجت المصيبة وكان ابن الفرات يتهم بالتشيع فذكر بكل قبيح على ألسنتهم.

اضطر المقتدر أن يكاتب أبا طاهر يطلب منه أن يطلق من عنده من أسرى الحاج فأطلقهم وطلب ولاية البصرة والأهواز فلم يجبه المقتدر فسار من هجر يريد الحاج وكان جعفر بن ورقاء الشيباني متقلداً أعمال الكوفة وطريق مكة فلما سار الحاج من بغداد سار جعفر بين أيديهم خوفاً من أبي طاهر ومعه ألف رجل من بني شيبان وسار معهم أيضاً قواد السلطان ومعهم ستة آلاف رجل فلقي أبو طاهر القرمطي جعفراً الشيباني فقاتله جعفر فبينما هو يقاتله إذ طلع جمع من القرامطة عن يمينه فانهزم من بين أيديهم فلقي القافلة الأولى فردها إلى الكوفة ومعها عسكر الخليفة وتبعهم أبو طاهر إلى باب الكوفة فقاتلهم فانهزم عسكر الخليفة ودخل أبو طاهر الكوفة وأقام ستة أيام بظاهرها يدخل البلد نهاراً فيقيم في الجامع إلى الليل ثم يخرج فيبيت في عسكره وحمل منها ما قدر على حمله من الأموال والثياب وغير ذلك ثم عاد إلى هجر وكان أهل بغداد قد خافوا أن يهجم القرامطة عليهم.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:49 AM
سرقة الحجر الأسود:

وفي سنة317 فعل أبو طاهر ما هو أشنع وأدهى وذلك أنه سار بجنده إلى مكة فوافاها يوم التروية فلم يرع حرمة البيت الحرام، بل نهب هو وأصحابه أموال الحجاج وقتلوهم حتى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه وقلع الحجر الأسود وأنفذه إلى هجر فخرج إليه أمير مكة في جماعة من الأشراف فسألوه في أموالهم فلم يشفعهم فقاتلوه فقتلهم أجمعين وقلع باب البيت وطرح القتلى في بئر زمزم ودفن الباقين في المسجد الحرام حيث قتلوا بغير غسل ولا كفن ولا صلى على أحد منهم وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه ونهب دور أهل مكة. ولم يحصل في التاريخ أن انتهكت حرمة هذا البيت إلى هذا الحد حتى أن المهدي عبيد اللَّه العلوي لما علم ذلك كتب إلى أبي طاهر ينكر عليه ذلك ويلومه ويلعنه ويقيم عليه القيامة ويقول: قد حققت على شيعتنا ودعاة دولتنا اسم الكفر والإلحاد بما فعلت وإن لم ترد على أهل مكة وعلى الحجاج وغيرهم ما أخذت منهم وترد الحجر الأسود إلى مكانه وترد كسوة الكعبة فأنا بريء منك في الدنيا والآخرة ولما وصله هذا الكتاب أعاد الحجر الأسود واستعاد ما أمكنه من أموال أهل مكة فرده، وقال: إن الناس اقتسموا كسوة الكعبة وأموال الحجاج ولا أقدر على منعهم.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:50 AM
المتغلبون وما كان منهم:

في عهد المقتدر اشتد سلطان المتغلبين بأطراف المملكة وهذه نتيجة طبيعية لما أصاب الدولة من الخلل.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:51 AM
قتل المقتدر:

كان في دولة المقتدر قائدان هما في أرفع الدرجات أولهما مؤنس المظفر وهو القائد العام للجيوش وعليه المعول في تسييرها ويليه في المرتبة محمد بن ياقوت وكان بينهما شيء من المنافسة.

ففي سنة319 قوي أمر محمد بن ياقوت وقلد مع الشرطة الحسبة وضم إليه رجال فقوي بهم فعظم ذلك على مؤنس وسأل المقتدر صرف محمد عن الحسبة وقال: هذا شغل لا يجوز أن يتولاه غير القضاة والعدول فأجابه المقتدر وصرف محمداً عن الحسبة وصرف ابنه عن الشرطة وأبعدها عن الحضرة فأخرجا إلى المدائن حسبما طلبه مؤنس وولى بدلهما إبراهيم بن رائق وأخاه محمداً الحسبة والشرطة وهذا كان بدء الوحشة بين المقتدر ومؤنس ومتى وجدت الوحشة ساءت الظنون وكان للوهم في النفوس أكبر الآثار.

بلغ مؤنساً أن الوزير الحسين بن القاسم قد وافق جماعة من القواد في التدبير عليه فتنكر له مؤنس وطلب من المقتدر عزله ومصادرته فأجاب إلى عزله ولم يصادره فلم يقنع مؤنس بذلك فبقي الحسين في الوزارة وكتب إلى هرون بن غريب أحد القواد وهو بدير العاقول أن يحضر إلى بغداد وكذلك كتب إلى محمد بن ياقوت يستقدمه فزادت الوحشة عند مؤنس وصح عنده أن الحسين يسعى في التدبير عليه ثم صح عنده أنه قد جمع الرجال والغلمان الحجرية في دار الخليفة فأظهر الغضب وذهب نحو الموصل وأرسل غلاماً له إلى المقتدر برسالة فطلب الوزير منه أن يسلمها إليه فأبى فسبه الوزير وشتم صاحبه وأمر بضربه وصادره بثلثمائة ألف دينار وأخذ خطه بها وحبسه ونهب داره فلما بلغ مؤنساً الخبر سار نحو الموصل في أصحابه ومماليكه وتقدم الوزير بقبض أقطاع مؤنس وأملاكه وأملاك من معه فحصل من ذلك مال عظيم وزاد في محل الوزير عند المقتدر فلقبه عميد الدولة وضرب اسمه على الدينار والدرهم وتمكن من الوزارة وولى وعزل.

أما مؤنس فإنه استولى على الموصل من يد بني حمدان واستولى على أموالهم وديارهم وخرج إليه كثير من العساكر من بغداد والشام ومصر لإحسانه كان إليهم وعاد إليه ناصر الدولة بن حمدان فصار معه. فلما اجتمعت إليه العساكر انحدر إلى بغداد في شوال سنة320 فلما بلغ خبره جند بغداد شغبوا وطلبوا أرزاقهم ففرق المقتدر فيهم مالاً عظيماً إلا أنه لم يشبعهم وسير العساكر لمقابلة مؤنس في طريقه فلم يقدروا على رده فجاء حتى نزل بباب الشماسية فحل الخوف في قلب المقتدر وجنده وكان يريد ترك بغداد لمؤنس والرحيل إلى واسط فرده عن ذلك محمد بن ياقوت وزين له اللقاء وقوي نفسه بأن القوم متى رأوه عادوا بأجمعهم إليه فرجع إلى قوله وهو كاره ثم أشار عليه بحضور الحرب فخرج وهو كاره وبين يديه الفقهاء والقراء معهم المصاحف مشهورة وعليه البردة والناس حوله فوقف على تل بعيد من المعركة فأرسل قواد أصحابه إليه يسألونه التقدم مرة بعد أخرى وهو لا يريم مكانه فلما ألحوا عليه تقدم من موضعه فانهزم أصحابه قبل وصوله إليهم فلقيه علي بن بليق من أصحاب مؤنس فترجل وقبل الأرض وقال له: أين تمضي ارجع فلعن اللَّه من أشار عليك بالحضور فأراد الرجوع فلقيه قوم من المغاربة والبربر فشهروا عليه سيوفهم وضربه أحدهم بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض وذبحه بعضهم ثم رفعوا رأسه على خشبة وهم يكبرون ويلعنونه وأخذ جميع ما عليه حتى سراويله وتركوه مكشوفاً إلى أن مر به رجل من الأكرة فستره بحشيش ثم حفر له موضعه ودفن وكان عمره حين قتل28 سنة ثم تقدم مؤنس وأنفذ إلى دار الخليفة من يمنعها من النهب.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:52 AM
19- القاهر

ترجمته:

هو أبو محمد بن المعتضد بن الموفق طلحة بن المتوكل وأمه أم ولد بربرية اسمها قتول وبويع بالخلافة يوم أن قتل المقتدر في28 شوال سنة320(1 نوفمبر سنة932) ولم يزل خليفة حتى خلع في5 جمادى الأولى سنة322(23 إبريل سنة934) فكانت مدته سنة وستة أشهر وستة أيام.

كيف انتخب:

لما قتل المقتدر كان من رأي مؤنس إقامة ولد أبي العباس أحمد وقال: إنه تربيتي وهو صبي عاقل وفيه دين وكرم ووفاء بما يقول فإذا جلس للخلافة سمحت نفس جدته والدة المقتدر وإخوته وغلمان أبيه ببذلالمال ولم ينتطح في قتل المقتدر عنزان فاعترض عليه أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختي وقال: بعد الكد والتعب استرحنا من خليفة له أم وخالة وخدم يديرونه فنعود إلى تلك الحال واللَّه لا نرضى ألا برجل كامل يدبر نفسه ويدبرنا وما زال بمؤنس حتى رده عن رأيه وذكر له محمد بن المعتضد وهو أخو المكتفي فأجابه إليه على كره منه فإنه كان يقول: إني عارف شره وسوء نيته ولكنه لا حيلة. فبايعوه واستخلفه مؤنس لنفسه ولحاجبه بليق ولعلي بن بليق وأخذوا خطه بذلك واستقرت له الخلافة وبايعه الناس واستوزر أبا علي بن مقلة واستحجب علي بن بليق.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:53 AM
الحال في عهد القاهر:

كان القاهر كما قال مؤنس شريراً خبيث النية فإنه في أول خلافته اشتغل بالبحث عمن استتر من أولاد المقتدر وحرمه واشتغل بمناظرة أم المقتدر وكانت مريضة قد ابتدأ بها داء الاستسقاء وقد زاد مرضها بقتل ابنها ولما سمعت أنه بقي مكشوفاً جزعت جزعاً شديداً وامتنعت عن الأكل والشرب حتى كادت تهلك فوعظها النساء حتى أكلت شيئاً يسيراً من الخبز والملح. أحضرها القاهر عنده وهي على تلك الحال من المرض والجزع وسألها عن مالها فاعترفت له بما عندها من المصوغ والثياب ولم تعترف بشيء من المال والجوهر فضربها أشد ما يكون من الضرب وعلقها برجلها وضرب المواضع الغامضة من بدنها فحلفت أنها لا تملك غير ما أطلعته عليه وقالت: لو كان عندي مال لما أسلمت ولدي للقتل ولم تعترف بشيء ثم أخرجها على تلك الحال لتشهد على نفسها القضاة والعدول أنها قد حلت أوقافها ووكلت في بيعها فامتنعت من ذلك وقالت: قد وقفتها على أبواب البر والقرب بمكة والمدينة والثغور وعلى الضعفاء والمساكين ولا استحل حلها ولا بيعها وإنما أوكل في بيع أملاكي فلما علم القاهر بذلك أحضر القاضي والعدول وأشهدهم على نفسه أنه قد حل أوقافها جميعها ووكل في بيعها فبيع ذلك جميعه مع غيره واشتراه الجند من أرزاقهم ثم صادر جميع ولد المقتدر وحاشيته ولم نسمع في التاريخ ما يقارب فعل القاهر نذالة وجبناً وخسة وشراهة نفس.

بعد قتل المقتدر هرب كبار معينيه وخاصة محمد بن ياقوت وابنا رائق وهارون بن غريب ومفلح وعبد الواحد بن المقتدر فلما صاروا بواسط أرسل هارون بن غريب يطلب الأمان لنفسه ويبذل مصادرة ثلثمائة ألف دينار وعلى أن تطلق له أملاكه فأجيب إلى طلبه وظل رفقاؤه سائرين إلى السوس وسوق الأهواز فأقاموا بالأهواز وطردوا عماله فجهز إليهم مؤنس جيشاً أخرجهم منها ثم طلبوا إليه الأمان فأمنهم وتوجهوا معه إلى بغداد ومعهم محمد بن ياقوت فتقدم عند القاهر وعلت منزلته وصار يخلو به ويشاوره فغلظ ذلك على الوزير مؤنس المظفر وبليق الحاجب وابنه لأنهم ما حاربوا المقتدر إلا من أجله وثبت عندهم أن محمد بن ياقوت يدبر عليهم فاستوحشوا من القاهر وضيقوا عليه وأمر مؤنس بتفتيش كل من يدخل الدار ونقل من كان محبوساً بدار الخلافة كوالدة المقتدر التي اشتد عليها المرض مما نالها من الضرب علم القاهر أن العتاب لا يفيد فأخذ في التدبير على القوم الذين أجلسوه هذا المجلس وكان اعتماد مؤنس على العساكر الساجية فأفسد القاهر قلوبهم عليه وأغراهم بمؤنس وأغرى كاتب ابن مقلة به ووعده الوزارة محله فكان يكاتب القاهر بجميع الأخبار.

أما هؤلاء الخصوم فاتفقوا على خلع القاهر وتحالفوا على ذلك ولكنهم لم يبدوا شيئاً من الحكمة أمام مكر القاهر ودهائه فرأى الوزير أن يظهروا أن أبا طاهر القرمطي ورد الكوفة وأن علي بن بليق صائر إليه ليمنعها منه فإذا دخل على القاهر يودعه قبض عليه فكتب ابن مقلة إلى الخليفة بما اتفقوا على إخباره به ولكن لم يتم ذلك لأن الخبر جاء القاهر سراً بما دبر عليه فاحتاط لنفسه وأنفذ إلى الساجية فأحضرهم وفرقهم في دهاليز الدار مستخفين فلما جاء ابن بليق وطلب الإذن لم يؤذن له ورد رداً قبيحاً من الساجية فخرج هارباً من الدار وعلم بليق بما جرى على ابنه فاحتدّ وقال لا بد من المضي إلى دار الخليفة حتى أعلم سبب ما فعل بابني فذهب هو وجميع القواد الذين بدار مؤنس فلما حضر أمر القاهر فقبض عليه وقبض كذلك على أحمد بن زيرك صاحب الشرطة ثم أرسل إلى مؤنس في داره من أحضره بالحيلة وكان قد استولى عليه الضعف والكبر فلما حضر الدار أمر بالقبض عليه واختفى الوزير ابن مقلة وأمر القاهر بالختم على دور مؤنس وبليق وابنه علي وابن مقلة وأحمد بن زيرك والحسن بن هارون ونقل دوابهم ووكل بحرمهم وأمر بإحراق دار ابن مقلة فأحرقت وظهر محمد ياقوت فولي الحجبة.

ولما تمكن القاهر من هؤلاء الأعداء وضبطهم بداره أمر بقتلهم جميعاً فقتلوا ورأى الناس من شدة القاهر ما علموا معه أنهم لا يسلمون من يده وندم كل من أعانه من الجنود حيث لم ينفعهم الندم.

ومن الغريب أن القاهر بعد أن تم له ما أراد أمر بالقبض على أكبر رجل ساعده وهو طريف السبكري الذي كان من قواد مؤنس فخانه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:53 AM
بقي من أعداء القاهر الوزير ابن مقلة فإنه كان مستتراً لم يظهر عليه وكذلك الحسن بن هارون فكانا يراسلان قواد الساجية والحجرية ويخوفانهم من شر القاهر ويذكران لهم غدره ونكثه مرة بعد مرة وكان ابن مقلة يجتمع بالقواد ليلاً تارة في زي أعمى وتارة في زي مكد وتارة في زي امرأة ويغريهم به حتى ملأ صدورهم فاتفقوا على خلعه وزحفوا إلى الدار وهجموا عليها من سائر الأبواب فلما سمع القاهر الأصوات والجلبة استيقظ مخموراً وطلب باباً يهرب منه فلم يجده فقبضوا عليه وحبسوه ثم سملوا عينيه وبذلك انتهت مدته وكانت جامعة للمعايب والقبائح.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:54 AM
20- الراضي

نرجمته:

هو أبو العباس أحمد المقتدر بن أبي أحمد الموفق طلحة بن المتوكل وأمه أم ولد اسمها ظلوم ولد سنة 297 وبويع بالخلافة بعد خلع القاهر في5 جمادى الأولى سنة322(23 إبريل سنة934) ولم يزل خليفة إلى أن توفي في منتصف ربيع الأول سنة329(8 ديسمبر سنة940) فكانت مدته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:55 AM
كيف انتخب:

لما قبض على القاهر سأل القواد الخدم عن المكان الذي فيه أبو العباس بن المقتدر فدلوهم عليه وكان هو ووالدته محبوسين فقصدوا وفتحوا عليه ودخلوا فسلموا عليه بالخلافة وأجلسوه على السرير يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الأولى ولقبوه الراضي وبايعه القواد.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:56 AM
الحال في عهده:

كانت الحال تزيد إدباراً وانتكاساً واضطراباً في عهده فأصحاب السلطان في العراق يتنافسون ويقتتلون والذين يحيطون بهم من المتغلبين يجدون ويجتهدون فدولة الأندلس زهت وعظمت بهمة الرجل العظيم أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر الذي أعلن في بلاده أنه أمير المؤمنين بعد أن لم يكن سلفه يتسمون بذلك وإنما كانوا يسمون بالأئمة. والدولة العبيدية في المغرب والمهدية قد اشتدت وطأتها وهي آخذة في العلو وتحاول الاستيلاء على مصر. وبنو بويه ظهروا واستولوا على كثير من بلاد الجبال والأهواز. والروم انتهزوا هذه الفرص لاقتطاع البلاد الإسلامية وغزوا الثغور وأهل بغداد مع هذا كله مشغولون بأنفسهم ومتكالبون على ما في أيديهم من البلاد العراقية كما ترى.

كانت الكلمة العليا في أول عهد الراضي لوزيره ابن مقلة وحاجبه محمد بن ياقوت فهما اللذان بأيديهما الحل والعقد في البلاد. في سنة223 نظر ابن مقلة فوجد محمد بن ياقوت قد تحكم في البلاد بأسرها وأنه هو لم يعد بيده شيء فسعى به إلى الراضي وأدام السعاية فبلغ ما أراد ففي خامس جمادى الأولى ركب جميع القواد إلى دار الخليفة حسب عادتهم وحضر الوزير ومحمد بن ياقوت ومعه كاتبه فأمر الخليفة بالقبض عليه وعلى أخيه المظفر بن ياقوت وحبسهما وقد مات محمد في الحبس ثم أطلق المظفر بعد أن أخذ عليه ابن مقلة العهد أنه يواليه ولا ينحرف عنه ولا يسعى له ولا لولده بمكروه. ظن ابن مقلة أن الوقت قد صفا له بحبس ابني ياقوت وأنه لم يعد له منافس في سلطانه ولكنه غفل عن المظفر الذي أطلقه من السجن بعد موت أخيه محمد فإن المظفر كان يظن أن ابن مقلة سم أخاه فكان لذلك يتحين الفرصة للقبض عليه فاتفق مع الجنود الحجرية أن يقبضوا على ابن مقلة فقبضوا عليه وأرسلوا إلى الراضي يعلمونه فاستحسن فعلهم وطلبوا من الخليفة أن يعين وزيراً فرد الاختيار إليهم فاختاروا للوزارة علي بن عيسى وعرضوها عليه فامتنع وأشار بوزارة أخيه عبد الرحمن فاستوزره الراضي وسلم إليه ابن مقلة فصادره.

رأى عبد الرحمن أنه لا يمكنه إدارة الحركة لازدياد الفساد فاستعفى فلم يقبل الراضي منه وقبض عليه وصادره على سبعين ألف دينار وصادر أخاه علياً على مائة ألف.

كتب ابن رائق كتاباً عن الراضي إلى أبي الفتح جعفر بن الفرات يستدعيه ليجعله وزيراً وكان يتولى الخراج بمصر والشام وظن ابن رائق أنه إذا استوزره جبى له أموال الشام ومصر فقدم بغداد ونفذت له الخلع قبل وصوله فلقيته بهيت فلبسها ودخل بغداد وتولى وزارة الخليفة ووزارة ابن رائق جميعاً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:57 AM
أمر القرامطة:

لم تزل القرامطة على حالهم في الإفساد والعبث واعتراض الحجاج وفي سنة332 أرسل محمد بن ياقوت رسولاً إلى أبي طاهر يدعوه إلى طاعة الخليفة ليقره على ما بيده من البلاد ويقلده بعد ذلك من البلدان ويحسن إليه ويلتمس منه أن يكف عن الحاج جميعهم وأن يرد الحجر الأسود إلى موضعه بمكة فأجاب أبو طاهر إلى أنه لا يعترض للحاج ولا يصيبهم بمكروه ولم يجب إلى رد الحجر الأسود إلى مكة وسأل أن تطلق له الميرة من البصرة ليخطب للخليفة بهجر. فسار الحاج إلى مكة هذه السنة ولم يعترضهم القرمطي. ولكنه في سنة333 اعترضهم فخرج جماعة من العلويين بالكوفة إلى أبي طاهر فسألوه أن يكف عن الحاج فكف عنهم وشرط عليهم أن يرجعوا إلى بغداد فرجعوا ولم يحج هذه السنة من العراق أحد وسار أبو طاهر إلى الكوفة فأقام بها عدة أيام ورحل عنها.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:58 AM
الدولة الأخشيدية:

وفي عهد الراضي ظهرت الدولة الأخشيدية بمصرها على يد مؤسسها محمد الأخشيد بن طغج وهو من موالي آل طولون وكان ملكه مصر سنة323 واستمر الملك في عقبه إلى سنة358 وهم الذين تسلم منهم الفاطميون مصر وهذا ثبت ملوكهم:

(1) محمد الأخشيد بن طغج (323-334)

(2) أبو القاسم أنوجر بن الأخشيد (334-346)

(3) أبو الحسن علي بن الأخشيد 346-355)

(4) أبو المسك كافور مولى الأخشيد (355-357)

(5) أبو الفوارس أحمدبنعلي بن الأخشيد (357-357)

وفي عهد الراضي مات عبيد اللَّه المهدي أول خلفاء الفاطميين بالمهدية وولي بعده ابنه أبو القاسم محمد وكان ملك مصر فلم يتمكن.

ختم الراضي الخلفاء في أشياء منها أنه آخر خليفة دون له شعر وآخر خليفة انفرد بتدبير الملك وآخر خليفة خطب على منبر يوم الجمعة وآخر خليفة جالس الندماء ووصل إليه العلماء وآخر خليفة كانت مراتبه وجوائزه وخدمه وحجابه تجري على قواعد الخلفاء المتقدمين.

وفي أيامه حدث اسم أمير الأمراء في بغداد وصار إلى أمير الأمراء الحل والعقد والخليفة يأتمر بأمره وليس له من نفوذ الكلمة ولا سلطان الخلافة شيء.

وكان الراضي أديباً له شعر مدون يحب محادثة الأدباء والفضلاء والجلوس معهم وكان سمحاً سخياً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 11:59 AM
21-المتقي

ترجمته:

هو إبراهيم المتقي للَّه بن المعتمد بن أبي أحمد الموفق طلحة بن المتوكل وأمه أم ولد اسمها خلوب بويع بالخلافة في20 ربيع الأول سنة329(4 ديسمبر سنة940) ولم يزل خليفة حتى خلع في20صفر سنة333 (12 أكتوبر سنة944 فكانت مدته4 سنوات و 11 شهراً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:00 PM
كيف انتخب:

لما مات الراضي كان بجكم بواسط، فورد كتابه مع وزيره أبي عبد اللَّه الكوفي يأمره فيه بأن يجتمع مع أبي القاسم سليمان بن الحين وزير الراضي كل من تقلد بالوزارة وأصحاب الدواوين والعلويون والقضاة والعباسيون ووجوه البلد ويشاورهم الكوفي فيمن ينصب للخلافة ممن يرتضي مذهبه وطريقته فجمعهم الكوفي واستشارهم فاتفقوا على إبراهيم بن المقتدر فبايعوه في التاريخ السابق ولقب نفسه المتقي اللَّه وسير الخلع واللواء إلى بجكم بواسط.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:01 PM
الحال في عهده:

كان بجكم أمير الأمراء والتدبير كله إلى وزيره أبي عبد اللَّه الكوفي وليس للخليفة ولا لوزيره سليمان بن الحسن شيء، لم يطل زمن بجكم في الإمارة فإن البريدي كان لا يزال يمني نفسه بالاستيلاء على بغداد فأنفذ من البصرة جيشاً إلى المذار فأنفذ إليه بجكم جيشاً يقوده قائد من كبار قواده اسمه توزون فالتقى الجيشان واقتتلا وكان النصر أولاً لجيش البريدي، فأرسل توزون إلى بجكم يطلب أن يلحق به فسار إليه وصادف أن عادت الكرة لتوزون فأرسل إلى بجكم يخبره بالظفر فأراد الرجوع إلى واسط فأشار عليه بعض أصحابه أن يتصيد، فسار حتى بلغ نهر جور وحينذاك اغتاله رجل من الأكراد الذين يسكنون هناك وكان قتله مفرجاً عن البريدي ومفيداً للمتقي لأنه استولى على داره وما فيها من الأموال فبلغ ما ناله ألف ألف ومائتي دينار. وكانت مدة إمارة بجكم سنتين وثمانية أشهر.

لما قتل بجكم انحدر الديلم إلى البريدي فقوي بهم وعظمت شوكته فسار مريداً الاستيلاء على بغداد ولم يتمكن الخليفة من صده فدخلها في12 رمضان سنة329 ولقيه الوزير والقضاة والكتاب وأعيان الناس فأنفذ إليه المتقي يهنئه بسلامته. ولم يتم له ما أراده من التأمير لأن الأتراك والديالمة اختلفوا عليه ففارق بغداد بعد أن أقام بها24 يوماً وحينئذ تقدم على الجند كورتكين الديلمي فسماه المتقي أمير الأمراء وخلع عليه. وكانت مدته مضطربة لأن عامة البغداديين تأذوا من الديلم فلم ينكر كورتكين على جنده ما فعلوه لذلك حصلت وقائع بين العامة والديلم ولما رأى المتقي أن كورتكين ليس عنده من المنعة ما يزيل به الاضطراب أرسل إلى ابن رائق وهو بالشام يطلب إليه الرجوع إلى بغداد ليكون أمير الأمراء فعاد. أما كورتكين فإنه خرج إليه وقابله بعكبراء فوقعت الحرب بينهما عدة أيام وفي 21 ذي الحجة سار ابن رائق بجيشه ليلاً فأصبح ببغداد وقابل المتقي أما كورتكين فإنه لما أحس في الصباح بمسير ابن رائق تبعه إلى بغداد وكانت عليه الهزيمة حين لاقته جنود ابن رائق فاختفى وأخذ ابن رائق من استأمن إليه من الديلم فقتلهم وكانوا نحو400 وحينئذ خلع المتقي على ابن رائق وسماه أمير الأمراء.

طلب المتقي من ناصر الدولة بن حمدان أن يعينه على البريدي فأرسل أخاه سيف الدولة لنصرته فلقيه هو ابن رائق بتكريت فرجع معهما إلى الموصل وهناك جاء ناصر الدولة واغتال ابن رائق لأنه يريد أن يحل محله في إمرة الأمراء وقد كان ذلك فإن المتقي خلع عليه وسماه أمير الأمراء في أول شعبان سنة 330 وخلع على أخيه أبي الحسن علي ولقبه ذلك اليوم بسيف الدولة.

بعد ذلك تجهز ناصر الدولة وسار إلى بغداد معه المتقي ولما قارباها هرب عنها أبو الحسين بن البريدي وسار إلى واسط بعد أن أقام ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يوماً ودخل المتقي بغداد ومعه بنو حمدان في جيوش كثيرة.

ثم خرج بنو حمدان يريدون واسط لأخذها من البريدي فأقام ناصر الدولة بالمدائن وسير أخاه سيف الدولة لقتال البريدي فالتقى به تحت المدائن بفرسخين وكانت مقاومة البريدي شديدة حتى إنه هزم سيف الدولة ومن معه فعاد إلى المدائن فقواهم ناصر الدولة بجنود أخرى فعادوا فقاتلوا أبا الحسين وهزموه.

اختار المتقي بعد رحيل ناصر الدولة لإمارة الأمراء أكبر قواد الديلم واسمه توزون ولم يكن عنده شيء من حسن السياسة فاستوحش منه المتقي وخافه على نفسه فرأى أن يسير إلى الموصل مستعيناً بالحمدانيين فبارح بغداد إليها ولما بلغ ذلك توزون تبعه حتى وصل تكريت وهناك التقى بسيف الدولة فقاتله وهزمه مرتين ثم استولى على الموصل فسار عنها بنو حمدان والمتقي معهم إلى نصيبين. ثم ترددت الرسل بين توزون من جهة وبين الحمدانيين والمتقي من جهة على الصلح فتم على أن يضمن ناصر الدولة ما بيده من البلاد ثلاث سنين كل سنة بثلاثة آلاف وستمائة ألف درهم وعاد توزون إلى بغداد ولم يعد معه المتقي بل استمر في الموصل. ثم أرسل إلى توزون يطلب منه أن يعود إلى بغداد فأظهر توزون الرغبة في ذلك وحلف للمتقي أنه لا يغدر به فاغتر المتقي بتلك اليمين. وسار إلى بغداد فلقيه توزون تحت هيت ولما رآه قبل له الأرض وقال: ها أنذا قد وفيت بيمني والطاعة لك ثم وكل به وبعد ذلك سمله وخلعه وبذلك انتهت خلافة المتقي.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:10 PM
22- المستكفي:

ترجمته:

هو أبو القاسم عبد اللَّه المستكفي باللَّه بن المكتفي بن المعتضد.

لما قبض توزون على المتقي أحضر المستكفي إليه إلى السندية وبايعه هو وعامة الناس.

الخلافة العباسية تحت سلطان آل بويه:

يبتدىء هذا الدور من سنة334 إلى سنة447 تولى الخلافة فيه خمسة خلفاء وهم: المستكفي والمطيع والطائع والقادر والقائم.

تاريخ هذا الدور يرتبط بتاريخ آل بويه الديلميين الذين كانوا أصحاب النفوذ الحقيقي والسلطان الفعلي في العراق لذلك أردنا أن نسوق فصلاً نبين فيه أحوال الديلم وكيف تصرفت بهم الأحوال إلى أن وصلوا إلى ذروة العظمة باستيلائهم على بغداد عاصمة الخلافة العباسية.

بلاد الديلم أو بلاد جيلان واقعة في الجنوب الغربي من شاطىء بحر الخزر سهلها للجبل وجبالها للديلم وقصبتها روزبار...

كانت في القديم إحدى الأيالات الفارسية إلا أن أهلها لم يكونوا من العنصر الفارسي بل عنصر ممتاز يطلق عليه اسم الديالمة أو الجيل. ولما أذن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه بالانسياح في بلاد العجم كانت بلاد الديلم مما فتحه المسلمون واستمر الديلم خاضعين للحكم الإسلامي مع بقائهم على وثنيتهم ولم يكن استيلاء المسلمين عليهم مما ينقص من شجاعتهم أو يفقدهم جنسيتهم. وكانت تجاورهم بلاد طبرستان وأكثر أهلها دانوا بالإسلام وكان بين الديالمة والطبريين سلم وموادعة.

على هذا كان الحال في صدر الدولة العباسية فلا الديالمة تحدثهم أنفسهم بالخروج إلى بلاد المسلمين ولا المسلمون يحدثون أنفسهم بالتوغل في بلادهم حتى كانت حادثة إقطاع المستعين محمد بن طاهر تلك القطاع التي يقرب بعضها من ثغور طبرستان وأراد رسول ابن طاهر أن يستلمها ومعها الأرض التي كانت مرافق لأهل تلك النواحي فامتنع من ذلك أهل طبرستان وأظهروا العصيان لمحمد بن طاهر ورأوا أن ذلك لا يتم إلا أن يكون على رأسهم رجل يدينون بطاعته فاتفقوا على الحسن بن زيد الذي قدمنا حديثه في خلافة المستعين وكان مقيماً بالري فراسلوه فأقبل إليهم فبايعوه وطلبوا من الديلم أن يساعدوهم على عمال ابن طاهر فبذلوا لهم ما طلبوا من المساعدة لإساءة كانت من عمال ابن طاهر إليهم. استولت هذه القوة على مدن طبرستان ثم الري وجرجان ولم يزل الحسن مدبر أمرهم حتى مات سنة271 ثم ولي أخوه ومحمد بن زيد وكانت مدته مضطربة حتى قتل سنة 287 وكان وجود الحسن بن زيد وأخيه في تلك البلاد سبباً لمواصلة أهل الديلم وشيوع الدعوة الإسلامية بينهم.

بعد ذلك دخل بلاد الديلم الحسن بن علي الملقب بالأطروش وأقام بينهم ثلاث عشرة سنة يدعوهم إلى الإسلام ويقتصر منهم على العشر ويدفع عنهم عدوهم فأسلم منهم خلق كثير واجتمعوا عليه وبنى في بلادهم المساجد.

وتوفي الأطروش سنة304 وكان يلقب بالناصر للَّه وكان له من الأولاد الحسن وأبو القاسم والحسين وكان الحسن مغاضباً له فلم يوله شيئاً وولى ابنيه الآخرين فكانت طبرستان في أيديهم بمعونة الحسن بن القاسم الداعي.

كان من أهم مقاصد ابن بويه المسير إلى العراق بعد الاستيلاء على واسط فصار أحمد ابن بويه يسير إلى واسط ثم يعود عنها حتى كاتبه قواد بغداد يطلبون إليه المسير نحوهم للاستيلاء على بغداد فوصلها في11 جمادى الأولى سنة334 والخليفة بها هو المكتفي باللَّه فقابله واحتفى به وبايعه أحمد وحلف كل منهما لصاحبه هذا بالخلافة وذاك بالسلطنة وفي هذا اليوم شرف الخليفة بني بويه بالألقاب فلقب علياً صاحب بلاد فارس عماد الدولة وهو أكبرهم ولقب الحسن صاحب الري والجبل ركن الدولة ولقب أحمد صاحب العراق معز الدولة وأمر أن تضرب ألقابهم وكناهم على النقود.

وهذا اليوم هو تاريخ الدور الثاني للخلافة العباسية وهو تاريخ سقوط السلطان الحقيقي من أيديهم وصيرورة الخليفة منهم رئيساً دينياً لا أمر له ولا شيء ولا وزير وإنما له كاتب يدبر إقطاعاته وإخراجاته لا غير وصارت الوزارة لمعز الدولة يستوزر لنفسه من شاء.

وكان يخطر ببال معز الدولة أن يزيل اسم الخلافة أيضاً عن بني العباس ويوليها علوياً لأن القوم كانوا شيعة زيدية لأن التعاليم الإسلامية وصلت إليهم على يد الحسن بن زيد ثم على يد الحسن الأطروش وكلاهما زيدي فكانوايعتقدون أن بني العباس قد غصبوا الخلافة وأخذوها من مستحقيها ولكن بعض خواصه أشار عليه ألا يفعل وقال له إنك اليوم مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك أنه ليس من أهل الخلافة ولو أمرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه ومتى أجلست بعض العلويين خليفة كان معك من تعتقد أنت وأصحابك صحة خلافته فلو أمرهم بقتلك لفعلوا فأعرض عما كان قد عزم عليه وأبقى اسم الخلافة لبني العباس وانفرد هو بالسلطان ولم يبق بيد الخليفة شيء البتة إلا أقطعه معز الدولة مما يقوم بحاجته.

كان السلطان في ذلك الوقت ببلاد الأندلس لبني أمية والقائم بالأمر منهم عبد الرحمن الناصر وقد لقب بأمير المؤمنين حينما وصلت خلافة بغداد إلى ما وصلت إليه من الضعف أمام الأتراك والديالمة الذين سال سيلهم ببغداد.

وببلاد أفريقية للعبيد الذين تأسست دولتهم على أنقاض الأغالبة والأدراسة والقائم بالأمر منهم إسماعيل المنصور وهو ثاني خلفائهم وكان يلقب بأمير المؤمنين.

وبمصر والشام للأخشيديين والأمير منهم أنوجور بن محمد الأخشيد وكانوا يخطبون باسم الخليفة العباسي.

وبحلب والثغور لسيف الدولة علي بن عبد اللَّه بن حمدان الشيباني ويخطب باسم الخليفة العباسي.

وبالجزيرة الفراتية لناصر الدولة الحسن بن عبد اللَّه بن حمدان الشيباني يخطب باسم الخليفة العباسي.

وبالعراق للديلم والسلطان منهم معز الدولة أحمد بن بويه ويخطب على منابره باسم الخليفة العباسي ثم باسم معز الدولة من بعده.

وبعمان والبحرين واليمامة وبادية البصرة للقرامطة ويخطبون باسم المهدي.

وبفارس والأهواز لعلي بن بويه الملقب عماد الدولة ويخطب باسم الخليفة العباسي وكان يلقب بأمير الأمراء لأنه أكبر بني بويه.

وبالجبل والري لحسن بن بويه الملقب ركن الدولة ويخطب باسم الخليفة العباسي وجرجان وطبرستان يتنازعهما وشمكين بن شيرويه وركن الدولة وآل سامان.

وبخراسان وما وراء النهر لآل سامان ومقر ملكهم مدينة بخارى ويخطبون على منابرهم باسم الخليفة العباسي.

هذه هي القرى الكبرى التي كانت لأسر ملوكية في الرقعة الإسلامية فقد تفرق هذا الملك الواسع تفرقاً غريباً بعد أن كان متماسك الأعضاء يرجع كله إلى حاضرة كبرى تجمع شتاته. ومما يستحق النظر أن العنصر العربي لم يبق له شيء من الملك إلا ما كان لناصر الدولة وأخيه سيف الدولة فإنهما من عنصر عربي ومع هذا فقد كان النفوذ والسلطان فيما يليانه من البلاد لقواد من الأتراك ولم يكن لهما استقلال سياسي بل كان أمر بني بويه فوقهما وكانا يذكران اسم معز الدولة في الخطبة بعد ذكر الخليفة العباسي.

لم يمكث المستكفي في الخلافة بعد استيلاء معز الدولة إلا أربعين يوماً وخلع لأن معز الدولة اتهمه بالتدبير عليهم فصمم على خلعه ففي الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة334 حضر الخليفة وحضر الناس ورسول صاحب خراسان ثم حضر اثنان من نقباء الديلم يصيحان فتناولا يد المستكفي فظن أنهما يريدان تقبيلهما فمدها إليهما فجذباه عن سريره وجعلا عمامته في حلقه ونهض معز الدولة واضطربت الناس ونهبت الأموال وساق الديلميان المستكفي ماشياً إلى دار معز الدولة فاعتقل بها ونهبت دار الخلافة حتى لم يبق بها شيء وقبض على أبي أحمد الشيرازي كاتب المستكفي وكان مدة المستكفي سنة واحدة وأربعة أشهر.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:12 PM
23- المطيع:

ترجمته :

هو الفضل المطيع للَّه بن المقتدر بن المعتضد فهو ابن عم المستكفي بويع بالخلافة ثاني عشر جمادى الآخرة سنة334(29 يناير سنة946) ولم يزل خليفة إلى أن خلع في منتصف ذي القعدة سنة أغسطس سنة363(7 فكانت مدته29 سنة وخمسة أشهر غير أيام ولم يكن له من الأمر شيء والنفوذ في حياته للملوك من آل بويه وهم:

أولاً:- معز الدولة:

وهو أحمد بن بويه فاتح العراق وكان أصغر إخوته وكان سلطان معز الدولة بالعراق بداية خرابه بعد أن كان جنة الدنيا فإنه لما استقرت قدمه فيه شغب الجند عليه وأسمعوه المكروه فضمن لهم أرزاقهم في مدة ذكرها لهم فاضطر إلى ضبط الناس وأخذ الأموال من غير وجوهها وأقطع قواده وأصحابه بالقرى جميعها التي للسلطان وأصحاب الأملاك فبطل لذلك أكثر الدواوين وزالت أيدي العمال وكانت البلاد قد خربت من الاختلاف وفي الغلاء والنهب فأخذ القواد القرى وزادت عمارتها معهم وتوفر دخلها بسبب الجاه فلم يمكن معز الدولة العود عليهم بذلك وأما الاتباع فإن الذي أخذوه زاد خراباً فردوه وطلبوا العوض عنه فعوضوا وترك الأجناد الاهتمام بمشارب القرى وتسوية طرقها فهلكت وبطل الكثير منها.

وفي سنة352 أمر معز الدولة عاشر المحرم أن يغلقوا دكاكينهم ويبطلوا الأسواق والبيع والشراء وأن يظهروا النياحة ويلبسوا قباباً عمولها بالمسوح وأن يخرج النساء منشورات الشعور مسودات الوجوه قد شققن ثيابهن يدرن في البلد بالنوائح ويلطمن وجوههن على الحسين بن علي رضي اللَّه عنهما ففعل الناس ذلك ولم يكن للسنية قدرة على المنع لكثرة الشيعة ولأن السلطان معهم.

وفي ثامن عشر ذي الحجة أمر معز الدولة بإظهار الزينة في البلد وأشعلت النيران بمجلس الشرطة وأظهر الفرح وفتحت الأسواق بالليل كما يفعل ليالي الأعياد فعل ذلك احتفالاً بعيد الغدير يعني غدير خم وهو الموضع الذي يروى أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال فيه عن علي: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وضربت الدبادب والبوقات وكان يوماً مشهوداً.

وبهذا الانقسام صارت بغداد وبلاد فارس والري ميداناً للاضطرابات المتكررة بين العامة والسلطان ضلعه مع أحد الفريقين والخليفة ضلعه مع الفريق الآخر.

ومع ما أدت إليه سياسة معز الدولة من هذا الفساد كانت هناك أمور أخرى تشغل باله في شمالي بلاده وجنوبيها أما في الشمال فناصر الدولة بن حمدان بالموصل وكان الرجلان يتنازعان السلطان وكل يريد الإغارة على ما بيد الآخر.

ثانياً:- عز الدولة بختيار:

وهو ابن معز الدولة أحمد بن بويه ولي العراق بعد وفاة أبيه واستمر في سلطانه إلى أن خلعه ابن عمه عضد الدولة سنة367 فكانت مدته11 سنة قضى منها سبع سنين في خلافة الفضل المطيع وكانت البلاد في سلطانه أسوأ حالاً منها في سلطان أبيه فإنه اشتغل باللهو واللعب وعشرة النساء والمغنين وشرع في إيحاش كاتبي أبيه أبي الفضل العباس بن الحسين وأبي الفرج محمد بن العباس مع أن أباه أوصاه بتقريرهما لكفايتهما وأمانتهما وأوحش سبكتكين أكبر القواد فلم يحضر داره ونفى كبار الديلم شرها إلى اقطاعاتهم وأموالهم وأموال المتصلين بهم فاتفق أصاغرهم عليه وطلبوا الزيادات فاضطر إلى مرضاتهم واقتدى بهم الأتراك فعملوا مثل ذلك ولم يتم له على سبكتكين ما أراد من اغتياله لاحتياطه واتفاق الأتراك معه وخرج الديلم إلى الصحراء وطلبوا بختيار بإعادة من سقط منهم فاحتاج أن يجيبهم إلى ما طلبوا وفعل الأتراك أيضاً مثل فعلهم وفي أول عهده قبض أولاد ناصر الدولة بن حمدان ملك الموصل على أبيهم واستقر في الأمر منهم ابنه أبو تغلب وضمن البلاد من عز الدولة بألف ألف ومائتي ألف درهم كل سنة وكذلك مات سيف الدولة علي بن عبد اللَّه ابن حمدان صاحب حلب وقام مقامه ابنه أبو المعالي شريف. ومات كافور الأخشيدي صاحب مصر سنة 356 وبموته اضطرب أمرها وتهيأت الفرصة للفاطميين. ومات وشمكير بن زيار وهو يحارب ركن الدولة على بلاد الري يريد استردادها منه وقام بأمر ملكه بعده ابنه بيستون بن وشمكير سنة357 ومات أيضاً نقفور الذي ملك الروم وهدد الثغور الشامية والجزرية وأذاقها الوبال.

حال الثغور الإسلامية في عهد المطيع:

كانت الثغور الإسلامية لذلك العهد في حوزة سيف الدولة علي بن حمدان الذي كان متغلباً على حلب والعواصم وديار بكر فكان هو الذي يقوم بحمايتها ودفع العدو عنها. وكان قد ولى هذه الثغور مولاه نصراً فكانا يتناوبان الغزو ولكن لم تكن بهما الكفاية لمقاومة عدو كانت الخلافة الكبرى تحتد له وتهتم أعظم الاهتمام بأمره.

وفي سنة337 سار سيف الدولة بنفسه إلى بلاد الروم فلقوه فاقتتلوا فكانت عليه وأخذ الروم مرعش وأوقعوا بأهل طرسوس. وفي السنة التي تليها دخل غازياً فكان له النصر أولاً ولكنه توغل في البلاد فلما أراد العودة أخذ عليه الروم المضايق فهلك من كان معه من الجند أسراً الغنائم والسبي وغنموا أثقال المسلمين وأموالهم ونجا سيف الدولة في عدد يسير.

وفي سنة341 ملك الروم مدينة سروج وسبوا أهلها وغنموا أموالهم وخربوا المساجد.

وفي سنة343 غزا سيف الدولة البلاد الرومية وكان له بها نصر عظيم وقتل في تلك الواقعة قسطنطين بن الدمستق وقد عظم مقتله على أبيه فجمع عساكره من الروم والروس والبلغار وغيرهم وقصد الثغور فسار إليه سيف الدولة فالتقوا عند الحدث في شعبان فاشتد القتال وصبر الفريقان وكانت العاقبة للمسلمين فانهزم الروم وقتل منهم وممن معهم خلق عظيم وأسر صهر الدمستق وابن بنته وكثير من بطارقته والدمستق عند الروم الرئيس الأكبر للجيش والبطارقة قواده.

وفي سنة345 سار سيف الدولة إلى بلاد الروم في جيوشه حتى وصل إلى خرشنة وفتح عدة حصون ثم رجع إلى أذنة فأقام بها حتى جاءه رئيس طرسوس فخلع عليه وأعطاه شيئاً كثيراً ثم عاد إلى حلب فلما سمع الروم بما فعل جمعوا جموعهم وساروا إلى ميافارقين بديار ربيعة فأحرقوا سوادها ونهبوه وسبوا أهله ونهبوا أموالهم وعادوا ولم يكتفوا بذلك بل ساروا في البحر إلى طرسوس فأوقعوها بأهلها وقتلوا منهم1800 رجل وأحرقوا القرى التي حولها. ثم غزوها مرة ثانية سنة347 وغزوا الرها ففعلوا بها الأفاعيل وعادوا سالمين لم يكلم أحد منهم كلما.

وفي سنة345 سار سيف الدولة إلى بلاد الروم في جمع عظيم فأثر فيهاآثاراً شديدة وفتح عدة حصون وبلغ إلى خرشنة ثم إن الروم أخذوا عليه المضايق فلما أراد الرجوع قال له من معه من أهل طرسوس إن الروم قد ملكوا الدرب خلف ظهرك فلا تقدر على العود منه والرأي أن ترجع معنا فلم يقبل منهم وكان معجباً برأيه يحب أن يستبد ولا يشاور أحداً لئلا يقال إنه أصاب برأي غيره وعاد من الدرب الذي دخل منه فظهر الروم عليه واستردوا ما كان معه من الغنائم وأخذوا أثقاله ووضعوا السيف في أصحابه فأتوا عليهم قتلاً وأسراً وتخلص هو في300 رجل بعد جهد وهذا من سوء رأي المستبدين.

وفي سنة350 سار قفل عظيم من أنطاكية إلى طرسوس ومعهم صاحب أنطاكية فخرج عليهم كمين للروم فأخذ من كان فيه من المسلمين وقتل كثيراً منهم وأفلت صاحب أنطاكية وبه جراحات.

وفي سنة351 غزا الدمستق عين زربة وهي من أحصن مدن الثغور فاستولى عليها وقتل أهلها ولم يرحم شيخاً ولا صبياً وأفلت قليل منهم هربوا على وجوههم فماتوا في الطرقات وفتح حول عين زربة54 حصناً للمسلمين بعضها بالسيف وبعضها بالأمان.

وفي هذه السنة استولى ملك الروم على مدينة حلب حاضرة ملك سيف الدولة فخرج عنها سيف الدولة منهزماً بعد أن قتل أكثر أهل بيته وظفر الدمستق بأموال سيف الدولة وكنوزه وأسلحته وخرب داره التي كانت بظاهر حلب وسبي من حلب وحدها بضعة عشر ألف صبي وصبية وصبية وقتل أكثر من ذلك ولما لم يبق مع الروم ما يحملون عليه غنائمهم أمر الدمستق بإحراق الباقي وأحرق المساجد وأقام بحلب تسعة أيام أراد الانصراف عنها فانصرف عازماً على العودة. وظهر بذلك غلبة الروم على المسلمين إلا أن هؤلاء كانوا يغيرون أحياناً بقيادة سيف الدولة أو أحد غلمانه ولكنهم لا يؤثرون عظيم أثر.

وفي سنة353 حصر الدمستق مدينة المصيصة ولكن أهلها أحسنوا الدفاع عنها فأحرق الروم رستاقها ورستاق أذنة وطرسوس لمساعدتهما أهل المصيصة.

وفي سنة354 ألح نقفور على المصيصة بالحرب حتى فتحها عنوة ووضع السيف في أهلها فقتل منهم مقتلة عظيمة ثم رفع السيف عنها ونقل كل من بها إلى بلاد الروم وكانوا نحواً من مائتي ألف إنسان ثم سار إلى طرسوس فحصرها فأذعن أهلها بالطاعة وطلبوا الأمان فأجابهم إليه وفتحوا البلد فلقيهم بالجميل وأمرهم أن يحملوا من سلاحهم وأموالهم ما يطيقون ويتركوا الباقي ففعلوا ذلك وساروا براً وبحراً وسير معهم من يحميهم حتى بلغوا أنطاكية وجعل الملك المسجد الجامع اصطبلاً لدوابه وأحرق المنبر.

وفي سنة358 دخل ملك الروم الشام فلم يمنعه أحد فسار في البلاد إلى طرابلس وأحرق بلدها وحصر قلعة عرقة فملكها ونهبها وسبى من فيها ثم قصد حمص وكان أهلها قد انتقلوا عنها وأخلوها فأحرقها ملك الروم ورجع إلى بلدان الساحل فأتى عليها نهباً وتخريباً وملك ثمامية عشر منبراً فأما القرى فكثير لا يحصى وأقام في بلاد الشام شهرين يقصد أي موضع شاء ويخرب ما شاء ولا يمنعه أحد.

وكانت هذه الحوادث الجلية سبباً لازدياد الهياج ببلاد خراسان وتنادى الناس بالنفير العام لحماية الثغور الإسلامية فتطوع منهم عشرون ألفاً عليهم قائد منهم وكان فيهم أبو بكر محمد إسماعيل بن القفال الشاشي أحد أئمة الشافعة بما وراء النهر. ومما يحزن أن هذا الجيش المتطوع اضطر إلى المرور ببلاد الجبل التي في حوزة ركن الدولة وهو ديلمي يكرهه أهل خراسان ويعتقدون أن الديلم هم سبب كل هذه البلايا فحصلت فتن بين المتطوعين والديلم وكانت نتيجتها أن حاربهم ركن الدولة وشتت شملهم.

وفي سنة359 ملك الروم مدينة أنطاكية وهي حاضرة الثغور وأضخمها وأخذوا منها سبياً يزيد على عشرين ألفاً كلهم شباب صبيان وصبايا وأخرجوا المشايخ والعجائز والأطفال من البلد ليذهبوا حيث يشاؤون. ولما تم لهم ملك أنطاكية غزوا حلب وبها قرعويه السيفي غلام سيف الدولة وكان أبو المعالي شريف بن سيف الدولة يحاربه فلما سمع بخبر الروم فارق حلب وقصد البرية ليبعد عن الروم أما هؤلاء فجداؤوا وحصروا البلد فتحصن قرعوية بقلعتها واستولى الروم على البلد ثم صالحهم قرعوية على مال يؤديه لهم وأعطاهم رهائن على ذلك.

وفي سنة361 أغار ملك الروم على الرها ونواحيها وساروا في الجزيرة حتى بلغوا نصيبين فغنموا وحرقوا وخربوا البلاد وفعلوا مثل ذلك بديار بكر ولم يكن من أبي تغلب بن حمدان في ذلك حركة ولا سعي في دفعه ولكنه حمل إليه مالاً كفه به عن نفسه فسار جماعة من أهل تلك البلاد إلى بغداد مستنصرين وقاموا في الجوامع والمشاهد واستنفروا المسلمين وذكروا ما فعله الروم من النهب والقتل والأسر والسبي فاستعظم ذلك الناس وخوفهم أهل الجزيرة من انفتاح الطريق وطمع الروم أنه لا مانع منهم فاجتمع معهم أهل بغداد وقصدوا دار الخليفة وأرادوا الهجوم عليه فمنعوا من ذلك وغلقت الأبواب وكان بختيار حينئذ يتصيد بنواحي الكوفة فخرج إليه وجوه أهل بغداد مستغيثين منكرين عليه اشتغاله بالصيد وقتال عمران بن شاهين صاحب البطيحة وهو مسلم وترك جهاد الروم ومنعهم عن بلاد الإسلام حتى توغلوها فوعدهم التجهز للغزو وأرسل الحاجب سبكتكين يأمره بالتجهز وأن يستنفر العامة ففعل سبكتكين ذلك فاجتمع من العامة عدد كثير لا يحصون كثرة وكتب بختيار إلى أبي تغلب بن حمدان صاحب الموصل يأمره بإعداد الميرة والعلوفات ويعرفه عزمه على الغزو فأجابه بإظهار السرور وإعداد ما طلب منه ثم أنفذ بختيار إلى المطيع للَّه يطلب منه مالاً فقال المطيع إن الغزو والنفقة عليه وعلى غيره من مصالح المسلمين تلزمني إذا كانت الدنيا في يدي وتجبي إليَّ الأمور وأما إذا كانت حالي هذه فلا يلزمني شيء من ذلك وإنما يلزم من البلاد في يده وليس لي إلا الخطبة فإن شئتم أن اعتزل فعلت وترددت الرسائل بينهما حتى وصل الحال إلى تهديد الخليفة فبذل المطيع400 ألف درهم فاحتاج إلى بيع ثيابه وأنقاض داره وغير ذلك وشاع بين الناس من أهل العراق وخراسان وغيرهم أن الخليفة قد صودر فلما قبض بختيار المال صرفه في مصالحه وبطل حديث الغزو.

وفي سنة362 كانت واقعة بين الدمستق وبين هبة اللَّه بن ناصر الدولة بن حمدان وكان الروم يريدون الاستيلاء على آمد فاستعد له أبو تغلب وأرسل أخاه هبة اللَّه فواقع الدمستق في مضيق لا تجول فيه الخيل والروم على غير أهبة فانهزموا وأسر الدمستق ولم يزل محبوساً إلى أن مرض سنة 363 فبالغ أبو تغلب في علاجه وجمع الأطباء له فلم ينفعه ذلك ومات.

هذه كانت الحال في خلافة المطيع استرد الروم فيها جميع الثغور الإسلامية الكبرى وصارت لهم الهيبة في قلوب المسلمين من أهل الجزيرة والشام وبنو بويه وبنو حمدان يغزو بعضهم بعضاً وهم عما نابهم من عدوهم مشتغلون.

ومما حصل في عهد المطيع من الحوادث انتقال خلفاء الفاطميين إلى مصر بعد استيلاء جوهر الصقلي عليها وذلك سنة361 في عهد الخليفة المعز لدين اللَّه معد الفاطمي.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:14 PM
خلع المطيع:

لم يكن للمطيع عمل ولا تاريخ يذكر وقد فلج فأشار عليه سبكتكين مقدم الأتراك أن يعتزل فلم يجد من الامتثال بداً فخلع نفسه في منتصف ذي القعدة سنة363 .

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:15 PM
24- الطائع:

ترجمته:

هو أبو الفضل عبد الكريم الطائع للَّه بن المطيع بن المقتدر بن المعتضد ولد سنة317 وبويع له بالخلافة بعد خلع أبيه المطيع (18 أغسطس سنة974 واستمر خليفة إلى أن خلع في21 رجب سنة 381( أكتوبر سنة991) فكانت مدته 17 سنة وثمانية أشهر وستة أيام.

كانت خلافة الطائع والسلطان بالعراق لخمسة من بني بويه وهم:

أولاً:- عز الدولة بختيار بن معز الدولة إلى سنة367.

ثانياً:- عضد الدولة فناخسرو بن ركن الدولة الحسن بن بويه إلى سنة372.

ثالثاً:- صمصام الدولة أبو كاليجار المرزبان بن عضد الدولة إلى سنة376.

رابعاً:- شرف الدولة أبو الفوارس سيرزيل بن عضد الدولة إلى سنة379.

خامساً:- بهاء الدولة أبو نصر فيروز بن عضد الدولة.

ولي الطائع وأمر بختيار مضطرب لأن الأتراك وفي مقدمتهم سبكتكين قد تباعد ما بينهم وبينه وكانت العامة من أهل السنة تنصر سبكتكين لكراهة ما كان عليه بنو بويه من التشيع الشديد الذي كان سبباً لفتنة عظيمة ببغداد بين أهل السنة والشيعة سفكت فيها الدماء وأحرقت الكرخ التي كانت محلة الشيعة وظهر أهل السنة عليهم فكتب بختيار إلى عمه ركن الدولة بأصبهان وإلى ابن عمه عضد الدولة يسألهما أن يساعداه على الأتراك فجهز إليه ركن الدولة جنداً مع وزيره ابن العميد وأما عضد الدولة فكان ميالاً إلى ملك العراق فتربص ببختيار الدوائر كرر إليه بختيار الكتب يستغيث به ويستحثه فلما رأى عضد الدولة أن الأمر قد بلغ ببختيار ما يرجوه سار نحو العراق ظاهره رحمة لبختيار وباطنه إرادة الاستيلاء على العراق فسار إلى واسط ومنها إلى بغداد فتغلب على عساكر الأتراك في 14 جمادى الأولى سنة364 ودخل بغداد ظافراً وكان يريد القبض على بختيار فوسوس إلى جنده أن يثوروا عليه ويشغبوا ويطالبوه بالأموال ففعلوا ولم يكن مع بختيار ما يسكنهم به وأشار عليه عضد الدولة ألا يلتفت إلى شكواهم ويغلظ في معاملتهم ففعل ذلك فاستمر هذا الحال أياماً وحينئذ استدعي بختيار هو وإخوته إليه وقبض عليهم وجمع الناس وأعلمهم استعفاء بختيار عن الإمارة وعجزه عنها ووعد الجنود بالإحسان إليهم وأظهر الخليفة سروره مما تم لأنه كان منافياً لبختيار وقد قابله عضد الدولة بأن أظهر من رسوم الخلافة وتعظيمها ما كان قد نسي وترك وأمر بعمارة دار الخلافة والإكثار من الآلات وعمارة ما يتعلق بالخليفة وحماية أقطاعه.

لم يطل الأمر إلا بمقدار ما توفي ركن الدولة سنة466 فاستولى ابنه عضد الدولة على ملكه بعهد منه وما عتم أن تجهز إلى بغداد وأرسل إلى بختيار يطلب منه الطاعة وأن يسيره عن العراق إلى أي جهة شاء وضمن مساعدته بما يحتاج إليه من مال وسلاح فأجاب بختيار إلى ذلك وسلم إلى عضد الدولة ووزيره الأمير محمد بن بقية ثم سار حتى دخل بغداد وخطب له بها ولم يكن قبل ذلك يخطب لأحد ببغداد وضرب على بابه ثلاث نوب ولم تجر بذلك عادة من تقدمه وأمر بأن يلقى ابن بقية بين قوائم الفيلة لتقتله ففعل به ذلك وصلب على رأس الجسر في شوال سنة376 وهو الذي رثاه أبو الحسين الأنباري بقصيدته المشهورة التي أولها:

علو في الحياة وفي الممات لحق أنت إحدى المعجزات



استقر ملك عضد الدولة بالعراق وما معهما من ملك أبيه ومحمد ثم سار نحو الموصل فملكها وأقام بها مطمئناً وأزال عنها الدولة الحمدانية وبثّ سراياه في طلب أبي تغلب الحمداني فهرب أبو تغلب على وجهه إلى بلاد الروم وفتحت الجنود العضدية جميع ديار بكر وديار ربيعة ثم افتتح ديار مضر إلى الرقة وجعل باقيها في يد سعد الدولة بن سيف الدولة صاحب حلب وبذلك اتسمت أملاك عضد الدولة وصار له العراق والجزيرة والأهواز وفارس والجبال والري ثم دخلت في حوزته جرجان سنة371 أخذها من صاحبها قابوسبن وشمكير.

لم يقم في آل بويه من يماثل عضد الدولة جرأة وإقداماً وكان عاقلاً فاضلاً حسن السياسة والإصابة شديد الهيبة بعيد الهمة ثاقب الرأي محباً للفضائل واهباً باذلاً في موضع العطاء مانعاً في مواضع الحزم ناظراً في عواقب الأمور وهو الذي بنى على مدينة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سوراً.

ومما يعد من سيئاته أنه أحدث في آخر أيامه رسوماً جائرة في المساحة والضرائب على بيع الدواب وغيرها من الأمتعة ومنع من عمل الثلج والقز وجعل ذلك متجراً خاصاً وكان يتوصل إلى أخذ المال بكل طريق. توفي عضد الدولة في شوال سنة372.

اجتمع القواد بعد وفاته على بيعة ابنه أبي كاليجار المرزبان الملقب صمصام الدولة وكان إخوته وبنو أعمامه متفوقين في الولايات فأخوه شرف الدولة شيرزيل بفارس وعمه مؤيد الدولة أبو منصور بويه بجرجان.

مكث صمصام الدولة قائماً بأمر العراق واضطراب لاحق من جراء خلاف أخيه شرف الدولة عليه فإنه أظهر مشاقته وقطع خطبته فسير إليه جيشاً كانت عاقبته الهزيمة.

وخرجت عن يده بلاد الموصل استولى عليها الأكراد وعليهم شجاع باذ بن دوستك وهو من الأكراد الحميدية وكان ابتداء أمره أنه كان يغزو كثيراً بثغور ديار بكر وكان عظيم الخلقة وله شدة وبأس فلما ملك عضد الدولة حضر عنده ثم فاته لما تخوف منه وذهب إلى ثغور ديار بكر وأقام بها إلى أن استفحل أمره وقوي ملك ميافارقين وغيرها من ديار بكر بعد موت عضد الدولة ووصل بعض أصحابه إلى نصيبين فاستولى عليها فجهز إليه صمصام الدولة العساكر فانهزمت وقوي أمر باذ وغلب جيوش الديلم ثم سار إلى الموصل فملكها وحدثته نفسه بالاستيلاء على بغداد وإزالة الديلم عنها فخافه صمصام الدولة وأهمه أمره وأعد له جيشاً عظيماً مستوفي العدة فلقوه بظاهر الموصل وهزموه هزيمة منكرة فخرج منها ثم انتهى الحال بالصلح بين الديلم وباذ على أن يكون لباذ ديار بكر والنصف من طور عبدين.

كانت هذه الاضطرابات والمشاغل سبباً لأن شرف الدولة صاحب فارس تجهز يريد الاستيلاء على الأهواز والعراق فسار بجيشه سنة375 فاستولى على الأهواز من يد أخيه أبي الحسن الملقب بتاج الدولة ثم سار إلى البصرة فملكها، بلغ الخبر صمصام الدولة فراسله في الصلح فاستقر الأمر بينهما على أن يخطب لشرف الدولة بالعراق بعد صمصام الدولة ويكون هذا نائباً عنه فصلح الحال واستقام وخطب لشرف الدولة بالعراق وسيرت إليه الخلع من الطائع للَّه فلما وردته الرسل بذلك ليحلفوه عاد عن الصلح وعزم على قصد بغداد والاستيلاء عليها ونفذ تلك العزيمة فلما وصل واسط ملكها فاتسع الخرق على صمصام الدولة وشغب عليه الجند فوقع رأيه على اللحاق بأخيه والدخول في طاعته فسار إليه فقبض عليه شرف الدولة وسار إلى بغداد فدخلها في رمضان سنة376 وانتهت مدة صمصام الدولة بالعراق ومقدارها ثلاث سنين وأحد عشر شهراً.

ومن أحدث هذا البيت في عهد وفاة عمه مؤيد الدولة بويه بن ركن الدولة صاحب جرجان واستيلاء أخيه فخر الدولة علي بن ركن الدولة على بلاده باختيار القواد والوزير الكبير الصاحب بن عباد.

ملك شرف الدولة شيرزيل بغداد بعد صمصام الدولة بسنتين وثمانية أشهر وقد ابتدأ عهده باضطراب وفتن بين جنود الديلم والترك ببغداد أدى إلى قتال بينهم وقد بذل شرف الدولة جهده حتى أزال من بينهم الخصام ومن فضائل شرف الدولة أنه منع الناس من السعايات ولم يقبلها فأمن الناس وسكنوا.

وكانت وفاة شرف الدولة في جمادى الآخرة سنة379.

تولى العراق بعده أخوه بها الدولة أبو نصر. ولأول تولية تجددت الاضطرابات بين الترك والديلم وأدت إلى قتال دام خمسة أيام وانضم بهاء الدولة إلى الأتراك فاشتد الأمر على الديلم ومع ما حصل من الصلح بين الفريقين فإن الديلم قد ضعفت شوكتهم وتغلب الأتراك عليهم. وكانت بينه وبين آل بيته فتن كثيرة بسبب طمعهم فيما بيده من الملك ومحاولتهم سلبه منه ولكنهم أخفقوا.

وفي سنة381 قبض بهاء الدولة على الطائع للَّه وذلك أن الأموال قلت عنده فشغب عليه الجند فأطمعه وزيره في أموال الخليفة وحسن له القبض عليه فأرسل إلى الطائع وسأله الإذن في الحضور ليجدد العهد به فأذن له في ذلك وجلس له كما جرت العادة فدخل إليه بهاء الدولة ومعه عدد كثير فلما دخل قبل الأرض وأجلس على كرسي فدخل بعض الديلم كأنه يريد أن يقبل الخليفة فجذبه فأنزل عن سريره والخليفة يقول إنا للَّه وإنا إليه راجعون ويستغيث فلا يلتفت إليه وأخذ ما في داره من الذخائر.

ولما حمل الطائع إلى دار بهاء الدولة أشهد عليه بالخلع.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:17 PM
25- القادر:

ترجمته:

هو أبو العباس أحمد القادر باللَّه ابن إسحاق بن المقتدر بن المعتضد وأمه أم ولد اسمها دمنة بويع بالخلافة في12 رمضان سنة381(3 أكتوبر سنة991 واستمر خليفة إلى أن توفي في غاية ذي الحجة سنة422(18 ديسمبر سنة1031 فكانت مدته41 سنة وثلاثة أشهر وعشرين يوماً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:18 PM
معاصرو القادر من الملوك:

كان الخليفة بالأندلس هشام بن الحكم الملقب بالمؤيد إلى سنة399 ثم خلفه محمد المهدي بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر إلى سنة403 وقد ثار عليه سليمان المستعين بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر فأخذ منه قرطبة وكانت بينهما خطوب إلى أن قتل المهدي وانتهت مدة المستعين 408 ثم كانت البلاد الأندلسية ميدان النزاع بين أعقاب الأمويين والعلويين من ذرية إدريس بن عبد اللَّه فكانت الحال هناك في اضطراب يشبه ما كان في الشرق ويزيد عليه.

وكان الأمير بإفريقية من آل زيري النائبين عن الدولة الفاطمية المنصور بن يوسف بلكين إلى سنة 386 ثم ابنه باديس إلى سنة406 ثم المعز بن باديس إلى سنة453 وكان الخليفة بمصر والشام من الدولة الفاطمية العزيز بالله نزال إلى سنة376 ثم ابنه الحاكم بأمر اللَّه منصور إلى سنة 411 ثم ابنه الظاهر لإعزاز دين اللَّه سنة 427.

وفي عهده ابتدأت الدولة النجاحية بزبيد على أطلال الدولة الزيادية وكان ابتداؤها على يد المؤيد نجاح سنة412 وهو مولى موالي آل زياد وأصله عبد حبشي سمت به همته إلى أن تولى ملك تهامة اليمن وعاد إليها وقد استمر ملكها فيه وفي أعقابه إلى سنة554 وهذا ثبتهم:

(1) المؤيد نجاح (412-452)

(2) فترة على الداعي الصليحي (452-473)

(3) سعيد الأحوال بن نجاح (473-482)

(4) جياش بن نجاح (482-498)

(5) فاتك بن جياش ( 498-503)

(6) منصور بن فاتك 503-517)

(7) فاتك بن منصور (517-531)

(8) فاتك بن محمد بن فاتك(531-554)

وانتقل الملك عنهم إلى الدولة المهدية وسيأتي حديثها إذ ذاك.

أما الجزيرة الفراتية وما إليها من حوض الفرات فكانت منقسمة إلى ثلاث إمارات وهي ديار ربيعة وحاضرتها الموصل وديار بكر وحاضرتها آمد وديار مضر وحاضرتها الرقة

ففي عهد القادر ظهرت الدولة العقيلية التي أسسها أبو الذواد محمد بن المسيب بن رافع بن مقلد العقيلي بالموصل ولم يكن له تمام الاستقلال بل كان معه نائب من قبل بهاء الدولة الديلمي إلا أن النفوذ الفعلي كان لأبي الذواد ولم يزل كذلك حتى توفي سنة286 فخلفه أخوه حسام الدولة المسيب بن المقلد. وكان الاتفاق أن يتولى الموصل والكوفة والقصر والجامعين ولم يزل يليها إلى أن قتل سنة 391 فخلفه ولده أبو المنيع معتمد الدولة قراوش بن المقلد ومن أهم حوادثه السياسية أنه خطب للحاكم بأمر اللَّه العلوي صاحب مصر بأعماله كلها وهي الموصل والأنبار والمدائن والكوفة وغيرها وكان ابتداء الخطبة بالموصل الحمد للَّه الذي انجلت بنوره غمرات العصب وانهدت بقدرته أركان النصب واطلع بنوره شمس الحق من العرب فأرسل القادر باللَّه القاضي أبا بكر بن الباقلاني شيخ الأشعرية ببغداد إلى بهاء الدولة يعرفه ذلك فأكرم بهاء الدولة القاضي وكتب إلى نائبه ببغداد يأمره أن يسير لحرب قرواش فسار عميد الجيوش لحربه ولما علم بذلك أرسل يعتذر وأعاد خطبة القادر باللَّه.

وقد استمرت هذه الدولة العربية بالموصل إلى سنة489 وانتهت على يد السلاجقة كما انتهت الدولة الديلمية وهذا ثبت ملوكها.

(1) حسام الدولة المقلد بن المسيب (386-391)

(2) معتمد الدولة قرواش بن المقلد (391-442)

(3) زعيم الدولة أبو كامل بركة بن المقلد (442-443)

(4) علم الدولة أبو المعالي قرواش بن بدران بن المقلد (443-453)

(5) شرف الدولة أبو المكارم مسلم بن قرواش (453-478)

(6) إبراهيم بن قرواش 478-486)

(7) علي بن مسلم بن قرواش (486-489)

وفي ديار بكر ظهرت دولة الأكراد من آل مروان على يد مؤسسها أبي علي الحسين بن مروان قام بالأمر سنة380 بعد خاله باذ الذي قدمنا حديثه وضبط ديار بكر أحسن ضبط وأحسن إلى أهلها وألان جانبه لهم ثم تزوج ست الناس بنت سيف الدولة ولم يكن ملكاً إلى أن قتل سنة387 فخلعه أخوه ممهد الدولة أبو منصور بن مروان إلى أن قتل سنة402 فتولى بعده أخوه أبو نصر نصر الدولة أحمد بن مروان وهو واسطة عقد آل مروان فإن أيامه طالت وأحسن السيرة جداً وكان مقصوداً من العلماء في كافة الأقطار فكثروا ببلاده وممن قصده أبو عبد اللَّه الكازروتي وعنه انتشر مذهب الشافعي رحمه اللَّه بديار بكر وقصده الشعراء فأجزل مواهبهم ويبقى كذلك إلى سنة453 وكانت الثغور معه آمنة وسيرته في رعيته أحسن سيرة وولى ابنه نظام الدولة نصر إلى سنة472 ثم منصور بن نصر إلى سنة489 وعلى يده انتهت دولتهم بملك آل سلجوق لها.

أما ديار مصر فقد استولى عليها لأول عهد القادر بكجور الذي كان والياً على دمشق للعزيز باللَّه الفاطمي خليفة مصر وفي سنة387 عزله عنها فتوجه إلى الرقة فاستولى عليها وعلى الرحبة وما يجاورها ثم راسل بهاء الدولة ملك العراق في الانضمام إليه وكاتب أيضاً باذ الكردي والمتغلب على ديار بكر وكذلك راسل سعد الدولة بن سيف الدولة صاحب حلب بأن يعود إلى طاعته ويعطي مدينة حمص كما كانت له فلم يجبه واحد منهم إلى شيء فبقي بالرقة يراسل جماعة من مماليك سعد الدولة ويستميلهم فأجابوه وحينئذ أغرى العزيز باللَّه نزاراً صاحب مصر على قصد حلب فأجابه وأرسل إليه العساكر تتصرف بأمره ولكنه لم ينجح لأن سعد الدولة استعان عليه بوالي انطاكية الرومي وبالعرب الذين مع بكجور فكانت النتيجة فشل بكجور وقتله ثم سار سعد الدولة إلى الرقة فاستولى عليها من وزير بكجور وأخذ أولاد بكجور وأمواله ثم أن سعد الدولة هلك بعقب ذلك فأرسل أهل الرحبة إلى بهاء الدولة يطلبون إليه أن ينفذ من يتسلم بلدهم فأنفذ لهم أميراً تسلمها ولم يتمكن من الاستيلاء على الرقة ولم تمكث الحال على ذلك كثيراً فإن البلاد انتقلت إلى حوزة العلويين من أصحاب مصر وصاحب يخطب لهم بالرقة والرحبة إلا أن سلطانهم كان اسمياً والنفوذ إلى رؤساء القبائل المضرية فكان فيها أولاد أبو علي بن ثمال الخفاجي ثم استولى عليها عيسى بن خلاط العقيلي ثم صار أمرها إلى صالح بن مرداس الكلابي وكان محسناً للرعية ويدعو للعلويين.

أما حلب فكان السلطان بها لأول عهد القادر باللَّه لسعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان وكان قد عصي عليه بكجور الذي تقدم ذكره وهو أحد مماليك أبيه وغزاه من الرقة بعساكر خليفة مصر العلوي ولكنه لم يفز وقتل كما قدمنا وتسبب عن ذلك أن سعد الدولة أراد أن يأخذ دمشق ليأخذها من يد العزيز بالله فمات عقب خروجه سنة382 وعهد لابنه أبي الفضائل وأوصى به لؤلؤاً أحد مماليك أبيه سيف الدولة فلما توفي سعد الدولة قام ابنه مقامه وأخذ له لؤلؤ العهد على الأجناد.

كان خليفة مصر لا يزال يتطلع إلى الاستيلاء على حلب فسير إليها جيشاً من دمشق عليه منجوتكين أحد أمرائه ولما كانت عساكره كثيرة ولا قبل للؤلؤ بمقاومتها استنجد بملك الروم بسيل فأرسل إلى نائبه بأنطاكية يأمره أن ينجد أبا الفضائل فسار إليه بحلب حتى نزل على الجسر الجديد بالعاصي. ولما سمع منجوتكين الخبر سار إلى الروم ليقابلهم قبل اجتماعهم بأبي الفضائل وعبر إليهم العاصي وأوقع بهم وقعة شنيعة وسار إلى أنطاكية فنهب بلدهم وقراها وأحرقها. وأنفذ أبو الفضائل إلى بلد حلب فنقل ما فيه من الغلال وأحرق الباقي أضراراً بعساكر مصر. وعاد منجوتكين إلى حلب فحصرها فأرسل لؤلؤ إلى رؤساء المصريين يبذل لهم مالاً ليردوا منجوتكين عنهم هذه السنة بعلة تعذر الأقوات ففعلوا ذلك وكان منجوتكين قد ضجر من الحرب فأجابهم وعاد إلى دمشق ولكن ذلك لم يعجب العزيز باللَّه وكتب بإعادة الكرة على حلب وأرسل الأقوات من مصر إلى طرابلس بحراً ومنها إلى العسكر فنازل المصريون حلب وأقاموا عليه ثلاثة عشر شهراً فقلت الأقوات بحلب وعاد لؤلؤ إلى مراسلة ملك الروم متعضداً به وقال متى أخذت حلب أخذت أنطاكية وعظم عليك الخطب فجاء ملك الروم منجداً له فلما علم منجوتكين بقرب وروده سار عن حلب فجاء ملك الروم فنزل عليها وخرج إليه أبو الفضائل ولؤلؤ ثم سار بسيل إلى الشام ففتح حمص وشيزر ونهبها وسار إلى طرابلس فنازلها فامتنعت عليه وأقام عليها نيفاً وأربعين ليلة ولما أيس منها عاد إلى بلاده، ولما علم العزيز بتلك الأخبار عظم الأمر عليه ونادى في الناس بالنفير لغزو الروم فحال موته دون ذلك.

لم يزل الأمر لأبي الفضائل حتى سنة 402 حيث غزاه صالح بن مرداس الكلابي وكان السلطان الحقيقي في حلب للؤلؤ وكان يخطب باسم الحاكم بأمر اللَّه العلوي بمقتضى اتفاق عقد بين الطرفين بعد الحوادث المتقدمة.

وفي سنة414 اتفق ثلاثة من أمراء العرب وهم حسان أمير طيىء وصالح بن مرداس أمير بني كلاب وسنان بن عليان على أن يكون من حلب إلى عانة لصالح بن مرداس ومن الرملة إلى مصر لحسان ودمشق لسنان. فقصد صالح حلب فاستولى عليها من يد عامل المصريين وكان الحلبيون يحبون صالحاً لإحسانه إليهم ولسوء سيرة أمراء العلويين معهم فملك من بعلبك إلى عانة وأقام بحلب ست سنين وفي سنة420 جهز الظاهر صاحب مصر جيشاً سيره إلى الشام لقتال صالح وحسان وكان مقدم الجيش أبو شتكين البربري والالتقاء عند طبرية فقتل في الموقعة صالح وابنه ونجا ولده أبو كامل نصر بن صالح فجاء إلى حلب وملكها وكان يقلب بشبل الدولة وقد استمرت الدولة المرداسية بحلب إلى سنة472 وهذا ثبت ملوكها:

(1) صالح بن مرداس (414-420)

(2) شبل الدولة أبو كامل نصر (420-429)

(3) الفاطميون( 429-434)

( 4) معز الدولة أبو علوان طمل بن صالح (434-449)

(5) الفاطميون (449-452)

(6) رشيد الدولة محمود بن شبل الدولة (452-453)

(7) معز الدولة ( ثانياً ) (453-454)

(8) أبو ذؤابة عطية بن صالح (454-454)

(9) رشيد الدولة ( ثانية) (454-468)

(10) جلال الدولة نصر بن رشيد الدولة (468-468)

(11) أبو الفضل سابق بن رشيد الدولة (468-482)

وهذا آخرهم وقد انتهى أمرهم على يد الدولة العقيلية التي تقدم ذكرها.

وفي سنة384 لما ثارت الفتن والقلاقل بالبلاد الخراسانية رأى الأمير نوح بن منصور أن يكل أمرها إلى سبكتكين ليكسر من جناح قواده الذين جاهروا بعصيانه فكتب إليه وهو بغزنة يطلعه على الأحوال ويأمره بالمسير إليه لينجده وولاه خراسان فأجاب إلى ذلك سبكتكين وجمع العساكر وحشدها ولما بلغ قائدي نوح الخبر وهما فائق وأبو علي بن سيمجور راسلاً فخر الدولة بن بويه يستنجدانه ويطلبان منه عسكراً فأجابهما إلى ذلك وسير إليهما عسكراً كثيراً وكانت الواقعة بين هذين الجيشين بنواحي هراة فكان الظفر لسبكتكين ثم سار نحو نيسابور التي انهزم إليها أبو علي وفائق فلما علما بالخبر سارا نحو جرجان واستولى نوح بن منصور بمعونة سبكتكين وجيشه على خراسان فولاه محمود بن سبكتكين وسماه سيف الدولة ولقب أباه ناصر الدولة فأحسن السيرة وأقام محمود بنيسابور وعاد نوح إلى بخارى وسبكتكين إلى هراة.

لما علم أبو علي بمبارحة سبكتكين ونوح نيسابور طمع في استردادها فقدم إليها ومعه فائق فخرج إليهما محمود وقاتلهما ولما كانت رجاله قليلة لم تمكنه المقاومة فانهزم عنهما قاصداً أباه فلما استقر هذا الخبر عند سبكتكين جمع الجند وأتى ممداً لابنه فتقابلت جنوده مع جنود أبي علي بنواحي طوس فانهزم أبو علي هزيمة منكرة ولم يرتفع له بعد ذلك ذكر وصفت خراسان لسبكتكين.

وفي سنة387 توفي سبكتكين بعد بلخ وغزنة ودفن بغزنة بعد ملك دام عشرين سنة وكان عادلاً خيراً كثير الجهاد ذا مروءة تامة وحسن ووفاء وعهد بالملك من بعده لابنه إسماعي. وكان أصغر من أخيه محمود فاستضعف الجند وأرسل إليه محمود من نيسابور يقول له إن أباك إنما عهد إليك لبعدي عنه وذكره ما يتعين من تقديم الكبير على الصغير ويطلب منه الوفاق وإنفاذ ما يخصه من تركة أبيه فلم يفعل وكان ذلك داعياً إلى أن محموداً قصده بغزنة واستولى عليها ولكنه عامل أخاه معاملة كريمة ولما تم له أمر غزنة واستقام له الملكعاد إلى بلخ ومحمود هذا هو ثالث آل سبكتكين وواسط عقدهم لقبه الخليفة القادر بيمين الدولة. وكانت هناك بعض مناوشات بينه وبين قواد السامانية انتهت بالنصر والتمكين له في خراسان فأزال عنها اسم السامانية وخطب للقادر باللَّه سنة389 وجعل أخاه نصراً قائداً لجند نيسابور وسار هو إلى بلخ فاتخذها دار ملك له واتفق أصحاب الأطراف على طاعته.

كان عهد محمود عهد ارتفاع وقوة فوسع أملاكه فقد كانت في الأصل بلاد غزنة ثم ضم بلاد الغور وهي جبال ووديان بين هراة وغزنة وأكبر ما فيها قلعة يقال لها فيروزكوه. ثم أدخل جزءاً عظيماً من بلاد الهند تحت سلطانه حتى وصل إلى قشمير فأسلم صاحبها على يده وأسلم كذلك كثير من ملوك الهند وقد عبر نهر الكنج في فتوحاته. ومن الجهة الأخرى ضمت إليه خراسان والري والجبال ودانت له ملوك طبرستان وجرجان ولم يزل في عزه وسلطانه إلى أن أدركته الوفاة سنة421 عهد بالملك من بعده لابنه محمد وكان أصغر من مسعود ولقب بجلال الدولة إلا أن ذلك لم يرق لأخيه مسعود فسار إليه وأخذ الملك منه وتوفي القادر باللَّه والملك في آل سبكتكين لمسعود بن سبكتكين وقد استمرت الدولة في أعقاب هذا البيت إلى سنة582 وهذا ثبت ملوكها.

(1) سبكتكين (366-387)

(2) إسماعيل بن سبكتكين (387-388)

(3) يمين الدولة محمود بن سبكتكين( 388-421)

(4) جلال الدولة محمد بن محمود (421-421)

(5) ناصر دين اللَّه مسعود (421-432)

(6) شهاب الدولة مودود بن مسعود (432-440)

(7) مسعود بن مودود (440-440)

(8) بهاء الدولة أبو الحسن علي بن مسعود بن محمود (440-444)

(9)عز الدولة عبد الرشيد بن محمود (444-444)

(10) جمال الدولة فزحزاد بن مسعود بن محمود (444-451)

(11) ظهير الدولة إبراهيم بن عبد الرشيد (451-492)

(12) علاء الدولة مسعود بن إبراهيم 492-508)

(13) كمال الدولة شيرزاد بن مسعود (508-509)

(14) سلطان الدولة أرسلان بن مسعود (509-512)

(15) يمين الدولة بهرام شاه بن مسعود (512-547)

(16) معز الدولة خسرو شاه بن بهرام شاه (547-555)

(17) تاج الدولة خسرو ملك بن خسرو شاه (555-582)

وكان انقضاء هذه الدولة على يد الدولة الغورية.

كان بجرجان من الدولة الزيادية شمس المعالي قابوس بن وشمكير إلى سنة 403 ثم فلك المعالي متوجهر بن بستون بن وشمكير إلى سنة 420 ثم أنوشروان بن قابوس إلى سنة434 وهو الذي انتهى على يده ملك أهل بيته على يد الدولة الغزنوية.

أما السلطان ببلاد العراق فكان لأربعة ملوك من آل بويه يتلو أحدهم الآخر الأول بهاء الدولة أبو نصر عضد الدولة وهو الذي ولى القادر الخلافة وكان عهده عهد اضطراب بينه وبين أهل بيته فأضعف ذلك من سلطانه وآذن البيت كله بالانحلال وكانت وفاته سنة 403 وكان في سلطانه العراق والأهواز وفارس وكرمان.

الثاني سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة ولم يكن عهده أحسن من عهد أبيه بل كان عهد ضعف واستكانة فإن جنده ما كانوا يطيعونه وكثيراً ما شغبوا عليه يطلبون منه طلبات لا يقدر عليها وكان ذلك سبباً لقيام أخيه وهو:

الثالث شرف الدولة أبو علي بن بهاء الدولة قام على أخيه وانتزع منه ملك العراق فخطب له ببغداد في آخر المحرم سنة 412 ونفي سلطان الدولة عن العراق فذهب إلى بلاد فارس وضبطها ثم اصطلح الأخوان على أن يكون لشرف الدولة العراق ولسلطان الدولة فارس وكرمان إلا أن مدة سلطان الدولة لم تطل فإنه توفي سنة 415 بشيراز وخلفه ابنه أبو كاليجار وفي ربيع الأول سنة 416 توفي شرف الدولة وكان كثير الخير قليل الشر عادلاً حسن السيرة.

الرابع جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء الدولة خطب له ببغداد بعد وفاة أخيه وكان إذ ذاك بالبصرة والياً عليها وطلب إلى بغداد فلم يصعد إليها وإنما بلغ واسطاً وأقام بها ثم عاد إلى البصرة فقطعت خطبته لابن أخيه أبي كاليجار بن سلطان الدولة الذي كان صاحب الأهواز وكان بها وراسله الجند في ذلك فوعدهم أن يجيء ولكنه تأخر لما كان بينه وبين عمه أبي الفوارس صاحب كرمان من الحرب فازدادت الفتن ببغداد لعدم السلطان وكثر شر الأتراك بها ولما رأى ذلك عقلاء القوم راسلوا جلال الدولة ليصعد إليهم فيملك أمرهم وخطبوا باسمه في جمادى الأولى سنة 418 فما عتم أن صعد إليهم وملك أمرهم ولكن لم يكن عنده من المال ما يضمن راحتهم وراحته فكثر الشغب عليه من الجند وأتراك بغداد حتى كادوا يخلعونه وكان ينازعه أخوه أبو كاليجار. وانتهت مدة القادر باللَّه وهما على ذلك النزاع.

لم يكن للخليفة القادر باللَّه شيء من السلطان كمن مضى في عهد سلاطين ابن بويه إلا أن ضعف البيت الملك أحيا له شيئاً من الكلمة والنفوذ وكان فيه من خلال الخير ما يساعد على ذلك فقد كان حليماً كريماً خيراً يحب الخير وأهله ويأمر به وينهى عن الشر ويبغض أهله وكان حسن الاعتقاد صنف كتاباً على مذهب أهل السنة والجماعة وكان يخرج من داره في زي العامة ويزور قبور الصالحين وإذا وصل إليه حال أمر فيه بالحق.

وكان في زمنه أحداث عظام في جميع الأصقاع الإسلامية من قيام دول وإبادة أخرى وكلها تهتف على منابرها باسمه وتتقلد الولايات منه إلا ما كان من البلاد التي تحت يد الدولة المضرية فإنها كانت تخطب باسم أئمتها ومع ذلك فإن المعز بن باديس صاحب المغرب والقيروان دعا باسم القادر على منابر بلاده.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:20 PM
وفاته:

توفي القادر باللَّه في ذي الحجة سنة 432 وعمره ست وثمانون سنة وعشرة أشهر وخلافته 41 سنة وثلاثة أشهر وعشرون يوماً.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:21 PM
26- القائم:

ترجمته:

هو أبو جعفر عبد اللَّه القائم بأمر اللَّه. ولي الخلافة بعد أبيه بعهد منه وكانت بيعته في ذي الحجة سنة422( نوفمبر سنة 1031 وبقي خليفة إلى13 شعبان سنة 467(3 إبريل سنة 1075 فكانت مدته44 سنة و 25 يوماً.

كان سلطان العراق لأول عهده جلال الدولة بن بهاء الدولة ولم يكن أمره من سلطانه على سداد لكثرة شغب الغلمان والأتراك عليه طالبين مرتباتهم التي لم يكن يقدر على أدائها في أوقاتها لقلة الوارد عليه فلم تجيء سنة426 إلا وقد انحل أمر الخلافة والسلطنة جميعاً ببغداد.

قضى جلال الدولة حياته في منازعات بينه وبين جنوده وبينه وبين أبي كاليجار إلى أن توفي سنة 435 بعد ملك مدته16 سنة و 11 شهراً.

استقر في الملك بعده منازعه ابن أخيه أبو كاليجار المرزباني بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة ولقبه الخليفة محيي الدين ولم تكن قدمه بأثبت من قدم أبيه ولا سلطانه أوفر بل كان النزاع كثيراً ما يستحكم بين الديلم عنصر السلطان وبين الأتراك قدماء العهد ببغداد وكانت وفاة أبي كاليجار سنة 44.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:22 PM
آل سلجوق:

من عشائر الغز الكبير عشيرة السلاجقة تنسب إلى مقدمها سلجوق بن تقاق وكانت هذه العشيرة تقيم في بلاد تركستان تحت حكم ملك الترك المسمى بيغوا وكان تقاق مقدم العشيرة إلى قوله يرجعون وعن أمره يصدرون وولد له ابنه سلجوق بذلك الإقليم فلما كبر ظهرت عليه أمارات النجابة ومخايل التقدم فقربه ملك الترك وجعله قائد الحقد (شباسي) وكانت امرأة تخوفه من سلجوق لما ترى من طاعة الناس له فأغرته بقتله وبلغ سلجوق ذلك الخبر فجمع عشيرته وهاجر إلى ديار الإسلام واعتنق الحنيفية فازداد بذلك عزا إلى عزه وأقام بنواحي جند (على طرف سيحون من حدود الترك) وصار يشن الغارة على بلاد الترك.

في تلك الأوقات قام النزاع بين أحد ملوك السامانية وهارون بن أيلك خان وقد استولى هارون على بعض بلاد فرأى أن يضرب الحديد بالحديد فاستنجد سلجوق فأنجده بابنه أرسلان في جمع من أصحابه فقوي بهم الساماني واسترد من خصمه ما أخذه وهذه أول صلة بين عشيرة السلاجقة والسامانية.

لم يزل سلجوق بجند حتى توفي له ثلاثة من الأولاد هم أرسلان وميكائيل وموسى فأما ميكائيل فغزا غزوة في بلاد الترك فاستشهد وبقيت أولاده وهم بيغوا وطغرلبك محمد وجغري بك داود فأطاعتهم عشيرتهم.

لما انقرضت دولة السامانية سنة 389 وملك أيلك خان عظم محل أرسلان بن سلجوق بما وراء النهر وكان على تكين أحد قواد السامانية في حبس أرسلان خان فهرب ولحق ببخارى واستولى عليها واتفق مع أرسلان بن سلجوق فامتنعا واستفحل أمرهما وقصدهما أيلكك فهزماه وبقيا ببخارى.

لما عبر محمود سبكتكين النهر إلى بخارى للاستيلاء على بلاد ما وراء النهر هرب علي تكين من بخارى وأما أرسلان بن سلجوق وجماعته فإنهم دخلوا المفازه والرمل فاحتموا من محمود فرأى من قوتهم ما هاله وأراد أن يستعمل معهم الحيلة فكاتب أرسلان واستماله ورغبه فورده عليه فلم يكن من محمود إلا أن قبض عليه وسجنه في قلعة ونهب خركاته ثم أمر عشيرته فعبروا نهر جيحون وفرقهم في بلاد خراسان فلم يطمئنوا بها من جور العمال عليهم فسار منهم أهل ألفي خركاه فلحقوا بأصبهان ومنها إلى أذربيجان ودخلوا مراعة سنة 429 وأحرقوا جامعها وقتلوا من عوامها مقتلة عظيمة فعظم الأمر على أهلها واشتد بهم البلاء.

رأى ذلك أكراد أذربيجان وكانوا مختلفين فاتفقت كلمتهم على هؤلاء المفسدين فانتصفوا منهم رأي الغز أنهم لا مقام لهم هناك فافترقوا فرقتين فطائفة سارت إلى الري ومقدمهم بوقاً وطائفة سارت إلى همذان ومقدمهم منصور وكوكتاش.

أما الذين ذهبوا إلى الري فإنهم استولوا عليها ونهبوها نهباً فاحشاً وسبوا النساء وبقوا كذلك خمسة أيام حتى لجأت الحرم إلى الجامع وتفرق الناس كل مذهب ومهرب وكان السعيد من نجا بنفسه وكادوا يستأصلون أهل الري.

وأما الذين ساروا إلى همذان فإنهم ملكوها أيضاً من يد بني بويه سنة420.

ولما دخلوها نهبوها نهباً منكراً لم يفعلوه بغيرها من البلدان غيظاً منهم وحنقاً عليهم حيث قاتلوهم أولاً وأخذوا الحرم وضربت سراياهم إلى أسداذبان وقرى الدينور واستباحوا تلك البلاد.

ولم يزالوا على هذا الإفساد والتخريب حتى ظهرت السلاجقة وخرج إبراهيم ينال أخو طغرلبك إلى الري فلما علموا بمسيره جفلوا من بين يديه وفارقوا بلاد الجبل قاصدين أذربيجان فلم يمكنهم القيام بها لما فعلوه بها أولاً ولأن إبراهيم ينال وراءهم وكانوا يخافونه لأنهم كانوا له ولأخيه طغرلبك رعية فساروا إلى ديار بكر وأميرها سليمان بن نصر الدولة بن مروان فأخربوا ونهبوا أعمالها إلى أن بذل لهم سليمان ما لا ليفارقوا عمله.

أما من كان من أولاد ميكائيل بن سلجوق فإنهم أقلعوا بنواحي بخارى كما قدمنا فغص بمكانهم أمير بخارى علي تكين فأعمل الحيلة في الظفر بهم فأرسل إلى يوسف بن موسى ابن سلجوق ومناه الإحسان وفوض إليه التقدم على جميع الأتراك الذين في ولايته ولقبه بالأمير إينانج بيغو وأراد بذلك أن يستعين به وبعشيرته على ابني عمه طغرلبك وداود وأن يفرق كلمتهم ويضرب بعضهم ببعض فلم تجر هذه الحيلة على يوسف فل يكن من علي تكين إلا أن قبض عليه وقتله بيد أمير من أمرائه فعظم على ابني عمه فجمعا قومهما للأخذ بثأره وجمع على تكين جيوشه فكان النصر لطغرلبك وأخيه ثم احتشد علي تكين مرة ثانية وأوقع بالسلاجقة وقعة كانت عليهم شديدة ألجأتهم إلى عبور النهر نحو خراسان فكتب إليهم خوارزمشاه هارون بن التونتامش ملك خوارزم يستدعيهم للاتفاق معه فساروا إليه وخيموا بظواهر خوارزم سنة426 واطمأنوا إلى خوارز مشاه ولكن غدر بهم وكبسهم وهم غارون فقتل منهم جمعاً فساروا على خوارزم إلى مفازة نسا ثم كتبوا إلى الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين يطلبون منه الأمان ويضمنون أن يكونوا عوناً له على من يعاديه فلم يفعل وسير إليهم جيوشه فلقيتهم عند نسا فأوقع السلاجقة بجيش مسعود ولما بلغه ذلك ندم على رده طاعتهم وعلم أن هيبتهم تمكنت من قلوب عسكره فأرسل إليهم يتهددهم ويتوعدهم فكتب إليه طغرلبك هذه الآية {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} فلما ورد الكتاب على مسعود كتب من ثانية يعدهم المواعيد الجميلة ويأمرهم أن يرحلوا إلى آمل على شاطىء جيحون وينهاهم عن الشر والفساد وأقطع داهستان لداود وداهستان مدينة عند مازندان بناها عبد اللَّه بن طاهر بين جرجان وخوارزم آخر حدود طبرستان وأقطع نسا لطغرلبك وأقطع فراوة لبيغو وفراوة بلدة مما يلي خوارزم بناها عبد اللَّه بن طاهر.

علم ذلك مسعود فاضطر أن يسير بنفسه من غزنة جيوش حتى وصل بلخ ومنها سار في أول رمضان سنة429 واستعد له السلاحقة فلما التقى الفريقان كان التعب قد أخذ من عسكر مسعود فاجتاحهم السلاجقة واضطر مسعود أن ينهزم ومعه مائة فارس وغنم السلاجقة من هذا العسكر ما لا يدخل تحت الإحصاء فقسمه داود على عسكره وآثرهم على نفسه.

بعد تلك الواقعة عاد طغرلبك إلى نيسابور فملكها ثانية آخر سنة 441 وسكن الناس وطمأنهم بعد أن كانوا في شدة من الفوضى ثم ملك داود بلخ وفي سنة 433 ملك طغرلبك وجرجان وطبرستان من يد أنو شروان بن منوجهر بن قابوس وشمكير. وفي سنة434 ملك خوارزم.

لما تم له ذلك سار يريد الري وبلاد الجبل وكان قد سبقه إليها أخوه لأمه إبراهيم ينال واستولى على الري فلما سمع بقدومه سار إليه وسلمه إياها وجميع ما ملك من بلاد الجبل فأمر طغرلبك بعمارة الري وكانت قد خرجت ثم سار إلى قزوين فملكها صلحاً وملك أيضاً همذان.

بذلك تم له ملك أصقاع كبيرة من البلاد الإسلامية وهي خوارزم وخراسان وبلاد الري ووصلت طلائع جنوده إلى البلاد العراقية أهم ذلك الملك أبا كاليجار صاحب العراق ولم يجد في نفسه قدرة على صد ذلك السيل فأرسل إلى طغرلبك في الصلح فأجابه إليه واصطلحا وكتب طغرلبك إلى أخيه إبراهيم ينال يأمره بالكف عما وراء ما بيده واستقر الحال على أن يتزوج طغرلبك بابنة أبي كاليجار ويتزوج الأمير أبو منصور بن أبي كاليجار بابنة الملك داود أخي طغرلبك وتم هذا في ربيع الأول سنة 439 وفي سنة441 خطب لطغرلبك بديار بكر. خطب له بها نظر الدولة بن مروان صاحبها وفي سنة 442 استولى على أصبهان ثم أطاعته أذربيجان وأرسل إليه من بها من الأمراء يبذلون له الطاعة والخطبة فأبقى بلادهم بأيديهم وأخذ رهائنهم ثم سار إلى أرمينية وقصد ملازجرد وهي للروم فحصرها وأخرب ما حولها وأثر في بلاد الروم آثاراً عظيمة وبلغ في غزوته هذه إلى أرزن الروم أرضروم ولما هجم عليه الشتاء عاد إلى أذربيجان ثم توجه إلى الري فأقام بها إلى سنة447 .

في هذا الوقت كانت الأحوال سيئة في بغداد فإن آل بويه قد تفرقت كلمتهم وزالت من القلوب هيبتهم فلم يكن يمكنهم أن يحفظوا بغداد لا من عدو طارىء ولا من عياريها ولصوصها فأعدوا الجمهور لقبول ما يغير من هذه الحال. ومما زاد الحال فساداً ما كان من أمر أبي الحارث أرسلان المعروف بالبساسيري وهو غلام تركي من مماليك بهاء الدولة فإنه أراد أن يزيل الخلافة عن بني العباس وكاتب الخليفة المستنصر العلوي بمصر ليدخل في طاعته ويخطب باسمه على منابر بغداد والخليفة العباسي عنده علم ذلك. فكتب إلى السلطان طغرلبك مستنجداً مستغيثاً وكانت هذه أمنيته فأظهر أنه يريد الحج وإصلاح طريق مكة والمسير إلى الشام ومصر وإزالة المستنصر العلوي صاحبها وكاتب أصحابه بالدينور وقرميسين وحلوان وغيرها فأمرهم بإعداد الأقوات والعلوفات فعظم الإرجاف ببغداد وفت أعضاد الناس. وصل طغرلبك إلى حلوان وانتشر أصحابه في طريق خراسان فأجفل الناس إلى غربي بغداد وأرسل طغرلبك إلى الخليفة يبالغ في إظهار العبودية والطاعة إلى الأتراك البغداديين يعدهم الجميل والإحسان فاتفق من بغداد من الرؤساء والأمراء على مكاتبة طغرلبك يبذلون له الطاعة والخطبة وفعلاً تقدم الخليفة إلى الخطباء بالخطبة لطغرلبك بجوامع بغداد فخطب له في يوم الجمعة 22 محرم سنة448 ودخلها طغرلبك في الخامس والعشرين منه وقبض على آخر سلاطين بني بويه وهو الملك الرحيم وبذلك انقضت دولتهم ووجدت بالعراق وما وراءه هذه الدولة الجديدة الفتية وهي دولة السلاجقة.

هذه العشيرة استولت على جل ما ملكه المسلمون وقد انقسمت إلى خمسة بيوت:

الأول: السلاجقة العظمى وهي التي كانت تملك خراسان والري والجبال والعراق والجزيرة وفارس والأهواز.

الثاني: سلاجقة كرمان.

الثالث: سلاجقة العراق.

الرابع: سلاجقة سوريا.

الخامس: سلاجقة الروم.

أما السلاجقة الكبرى فهي الدولة التي أسسها ركن الدين أبو طالب طغرلبك وحياتها93 سنة من سنة 429(1039)م إلى سنة522(1127) م وهذا ثبتها.

(1) ركن الدين أبو طالب طغرلبك (429-455)

(2) عضد الدين أبو شجاع ألب أرسلان(455-465)

(3) عضد الدين أبو الفتح ملكشاه (465-485)

(4) ناصر الدين محمود (485-487)

(5) ركن الدين أبو المظفر بركياروق (487-498)

(6) ركن الدين ملكشاه الثاني (498-498)

(7) غياث الدين أبو شجاع محمد (498-511)

(8) معز الدين أبو الحارث سنجر (511-522)

وقد انقضت دولتهم على أيدي شاهات خوازم.

وأما سلاجقة كرمان فكانوا من عشيرة قاروت بك بن داود بن ميكائيل بن سلجوق وهو أخو ألب أرسلان ومدة ملكهم 150 سنة من 432(1041 م إلى 583(1188) وهذا ثبت ملوكها.

(1) عماد الدين قرا أرسلان قاروت بك (433-456)

(2) كرمانشاه (456-467)

(3) حسين (467-467)

(4) ركن الدين سلطان نشاه (467-477)

(5) تورانشاه (477-490)

(6) أرانشاه (490-494)

(7) أرسلانشاه (494-536)

(8) مغيث الدين محمد الأول (536-551)

(9) محيي الدين طغريل شاه بهرامشاه (551-563)

أرسلانشاه الثاني

طرخان شاه

محمد الثاني (563-563)

وقد انقضت دولتهم على أيدي الغز التركمان.

وأما سلاجقة العراق وكردستان فقد ابتدأت دولتهم سنة511(1117) أي من عهد وفاة غياث الدين أبي شجاع محمد سابع ملوك السلاجقة وانتهت سنة590(1194 فبقيت79 سنة وانقرضت على أيدي شاهات خوارزم وهذا ثبت ملوكها.

(1) مغيث الدين محمود (511-525)

(2) غياث الدين داود (525-526)

(3) طغريل الأول (526-527)

(4) غياث الدين مسعود (527-547)

(5) معين الدين ملكشاه (547-548)

(6) محمد (548-554)

(7) سليمانشاه (554-655)

(8) أرسلانشاه (556-573)

(9) طغريل الثاني (573-590)

وأما سلاجقة سوريا فكانوا من بيت تتش بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق وقد ابتدأت دولتهم سنة487(1094) أي في أول عهد ركن الدين بركياروق خامس ملوك السلاجقة العظمى وانتهت سنة511(1117) فكانت حياتها24 سنة وانتهت على أيدي الدولتين النورية والأرتقية وهذا ثبت ملوكها.

(1) تتش بن ألب أرسلان (487-488)

(2) رضوان بن تتش (488-488)

(3) تقاق بن تتش في دمشق (488-507)

(4) ألب أرسلان أخرص بن رضوان (507-508)

(5) سلطانشاه بن رضشوان (508-511)

وأما السلاجقة الروم ملوك قونية وأقصرا فكانوا من بيت قطلمش بن إسرائيل بن سلجوق وقد ابتدأت دولتهم سنة في عهد جلال الدين أبي الفتح ملكشاه ثالث ملوك السلاجقة العظمى وانتهت سنة 700(1300) فمدة حياتها 230 سنة فهي أطول دول السلاجقة حياة وقد انتهت دولتهم على أيدي الأتراك العثمانيين والمغول وهذا ثبت ملوكها.

(1) سليمان بن قطلمش (470-475)

(2) قليج أرسلان داود بن سليمان (475-500)

(3) ملكشاه بن قليج أرسلان (55-510)

(4) مسعود بن قليج أرسلان (510-551)

(5) عز الدين قليج أرسلان بن ملكشاه (551-584)

(6) قطب الدين ملكشاه بن قليج أرسلان (584-588)

(7) غياث الدين كيخسرو بن قليج أرسلان (588-597)

(8) ركن الدين سليمان بن قليبح أرسلان (597-600)

(9) قليج أرسلان بن سليمان (597-600)

(10) غياث الدين كيخسرو بن قليج أرسلان ثانياً (601-607)

(11) عز الدين كيقاوس بن ملكشاه (607-616)

(12) علاء الدين كيقباذ بن ملكشاه (616-634)

(13) غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ (634-643)

(14) عز الدين كيقاوس بن كيخسرو (643-655)

(15) ركن الدين قليج أرسلان بن كيخسرو (655-666)

(16) غياث الدين كيخسرو بن قليج أرسلان (666-682)

(17) غياث الدين مسعود بن كيقاوس (682-691)

(18) علاء الدين كيقباذ (691-700)

والذي كان يرتبط تاريخه من هذه البيوت بتاريخ الدولة العباسية لدخول بغداد في حوزتهم السلاجقة العظمى وسلاجقة العراق الذين كان لهم السلطان على العباسيين447 إلى سنة 590 أي 143 سنة.

استخلف من آل العباس في عهد الدولة السلجوقية تسعة خلفاء وهم:

26- عبد اللَّه القائم بأمر اللَّه القادر بن المقتدر.

27- عبد اللَّه المقتدي بااللَّه بن محمد بن القائم.

28- أحمد المستظهر بن المقتدي.

29- الفضل المسترشد بن المستظهر

30- المنصور الراشد بن المسترشد.

31- محمد المقتفي بن المستظهر.

32- يوسف المستنجد بن المقتفي.

33- الحسن المستضيء بن المستنجد.

34- أحمد الناصر بن المستضيء.

الحاديث العظيم ببغداد:

في السنة التي تلت حكم السلاجقة ببغداد وهي سنة 448 كانت عند مدينة سنجار وقعة شديدة بين البساسيري ومعه نور الدولة دبيس بن مزيد الأسدي وبين قريش بن بدران العقيلي ومعه قتلمش ابن عم السلطان طغرلبك انهزم فيها قريش وقتلمش فوصل خبر هذه الواقعة إلى السلطان بعد أن أقام ببغداد ثلاثة عشر شهراً لم يقابل فيها الخليفة فسار عنها بجيوشه فقاتل العرب بالموصل والجزيرة وانتصر عليهم وانتهى الأمر باستيلائه على جميع البلاد الموصلية والجزيرة وسلمها إلى أخيه لأمه إبراهيم ينال ثم عاد إلى بغداد في أوائل سنة449 وقابلالخليفة لأول مرة وفوض إليه الخليفة أمر إدارة البلاد وقد بالغ طغرلبك في احترام مقام الخلافة العباسية وخلع عليه الخليفة سبع خلع وتوج وعمم إشارة إلى جمعه بين ملك العرب والعجم وقلد سيفاً محلى بالذهب وخاطبه الخليفة بملك المشرق والمغرب فقبل يد الخليفة دفعتين ووضعها على عينه تبركاً، فعل ما فعل من ذلك التعظيم والإجلال تديناً.

وفي سنة450 ترك إبراهيم ينال بلاد الموصل وتوجه نحو بلاد الجبل ويقال إن المصريين كاتبوه وأطعموه في الملك فأهم ذلك السلطان وسار وراءه إلى همذان في ذلك الوقت عاد البساسيري بقوته وكن المصريون يساعدونه ويمدونه ولم يزل يجتاح البلاد حتى وصل بغداد في ثامن ذي القعدة سنة 450 واستولى عليها لأنه ليس بها جند يحميها وخطب بجامع المنصور لمعد المستنصر العلوي صاحب مصر وأذن بخير العمل وكانت العامة قد مالت إليه أما الشيعة فلاتحاد المذهب وأهل السنة فلما فعل بهم الأتراك.

أما الخليفة القائم فإنه خرج من قصره في ذمام رئيس العرب قريش بن بدران العقيلي استذم منه بذمام اللَّه وذمام رسوله صلى اللَّه عليه وسلم وذمام العربية فأعطاه ذلك ونزع قريش قلنسوته فأعاها الخليفة ثم حمله إلى معكسره وعليه السواد والبردة وبيده السيف وعلى رأسه اللواء وأنزله في خيمة ثم سلمه إلى ابن عمه مهاريش بن المجلي وهو رجل فيه دين وله مروءة فحلمه في هودج وسار به إلى حديثة عانة فتركه بها آمناً مطمئناً في ذمام العربية الذي يرى الخيانة عاراً.

أما البساسيري فإنه سار ببغداد سيرة ملك ورفعت على رأسه الألوية البيضاء التي أرسلت إليه من مصر ثم ملك بعد ذلك واسط والبصرة وهتف على منابر تلك البلاد باسم آل علي.

أما السلطان فإنه استنجد بأولاد أخيه أرسلان وياقوتي وقاورت بك فجاؤوه بالعساكر يتلو بعضها بعضاً فلقي بهم أخاه إبراهيم ينال بالقرب من الري فتغلب عليه وأسره ثم أمر به فخنق بوتر قوسه في تاسع جمادى الآخرة سنة451 ولما تم له ذلك عاد يطلب العراق وليس له هم إلا إعادة القائم بأمر اللَّه إلى خلافته ولما قارب بغداد أدرك البساسيري أنه لا قبل له بمقاومته فرحل عن بغداد وكان دخوله إليها سادس ذي القعدة سنة450 وخروجه منها سادس ذي القعدة سنة451 وكان السلطان قد أرسل وهو بالطريق إمام أهل السنة أبا بكر أحمد بن محمد المعروف بابن فورك إلى قريش بن بدران يشكره على ما فعله بالخليفة ويخبره أنه أرسل ابن فورك للقيام بخدمة الخليفة وإحضاره فأرسل قريش إلى ابن عمه مهارش يقول له أودعنا الخليفة عندك ثقة بأمانتك لينكف بلاء الغزو عنا والآن فقد عادوا وهم عازمون على قصدك فارحل أنت وأهلك إلى البرية فإنهم إذا علموا أن الخليفة عندنا في البرية لم يقصدوا العراق ونحكم عليهم بما نريد فأبى ذلك مهارش وقال إن الخليفة قد استحلفني بعهود ومواثيق لا مخلص منها وسار بالخليفة إلى العراق وقد لقيهما ابن فورك بتل عكبرا فساروا معاً حتى وصلوا إلى النهروان في 24 ذي القعدة فخرج السلطان إلى خدمة الخليفة فاجتمع به وقبل الأرض بين يديه وهنأه بالسلامة وأظهر الفرح بسلامته واعتذر عن تأخره بعصيان أخيه إبراهيم وأنه قتله عقوبة لما جرى من الوهن على الدولة العباسية فقلده الخليفة بيده سيفاً وقال لم يبق مع أمير المؤمنين من داره سواه وقد تبرك به أمير المؤمنين فكشف غشاء الخركاه حتى رآه الأمراء فخدموا وانصرفوا ثم ساروا جميعاً إلى بغداد وكان دخول الخليفة لخمس بقين من ذي القعدة سنة.

وفي سنة 465 توجه ألب أرسلان قاصداً بلاد الترك فعبر نهر جيحون ولكن المشيئة سابقته فسبقته. حكي عنه أنه قال وهو يقرب من الموت ما كنت قط في وجه قصدته ولا عدو أردته إلا توكلت على اللَّه وطلبت منه النصر وأما في هذه النوبة فإني أشرفت من تلٍ عال فرأيت عسكري فقلت أين من له قدر بمصارعتي ومعارضتي وإني أصل بهذا العسكر إلى بلاد الصين. فكان ما أراد اللَّه وكانت وفاته في 6 ربيع الأول سنة465.

ولى السلطانة بعده ولي عهده السلطان جلال الدولة أبو الفتح ملكشاه.

ولأوائل حكمه توفي الخليفة القائم بأمر اللَّه ثالث عشر شعبان سنة 467 فقام بالأمر بعده ولي عهده حفيده.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:24 PM
27- المقتدي بأمر الله

ترجمته:

أبو القاسم عبد اللَّه بن الذخيرة أبي العباس محمد بن القائم ولم يكن للقائم من أعقابه ذكر سواه فإن الذخيرة توفي أيام أبيه ولم يكن له غيره فأيقن الناس بانقراض نسله وانقراض الخلافة من البيت القادري إلى غيره ولم يشكوا في اختلاف الأحوال بعد القائم لأن من عدا البيت القادري كانوا يخالطون العامة في البلد ويجرون مجرى السوقة فلو اضطر الناس إلى خلافة أحدهم لم يكن له قبول ولا هيبة فقد اللَّه أن الذخيرة كانت له جارية أرمنية اسمها أرجوان وكان يلم بها فلما توفي ظهر أنها حامل وولدت بعد موت سيدهات بستة أشهر وذلك الولد هو عبد اللَّه الذي ولاه جده العهد بعده لما بلغ الحلم وقد بويع بعد وفاة جده واستمر خليفة إلى أن توفي فجأة في يوم السبت خامس محرم سنة 487. فكانت خلافته 19 سنة وثمانية أشهر غير يومين وهو من خيرة بني العباس.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:25 PM
مناجته:

كان قوي النفس عظيم الهمة أصلح كثيراً من الأحوال الأدبية ببغداد فأمر بنفي المغنيات والمفسدات منها ووقع الهرادي والأبراج التي للطيور ومنع من اللعب به لأجل منع الاطلاع على حرم الناس ومنع الملاحين أن يحملوا الرجال والنساء مجتمعين ولذلك أصلح كثيراً من الماديات فعمرت في بغداد عدة محال في خلافته ومنع من إجراء ماء الحمامات إلى دجلة وألزم أربابها بحفر آبار للمياه وأمر أن يغسل السمك المالح يعبر إلى النجمي فيغسله هناك وكانت أيامه كثيرة الخير واسعة الرزق وعظمت الخلافة أكثر مما كان من قبله وكان سلطان السلاجقة في عهده ملكشاه الذي ذكرنا قيامه بعد أبيه ألب أرسلان.

وكان ملكشاه سلطاناً عادلاً ذا فضل وإنصاف، شجاعاً مقداماً صائبالرأي والتدبير أيامه في دولة السلاجقة واسطة عقدها وكان ميمون النقيبة لم يتوجه إلى إقليم إلا فتحه ولما توجه إلى الشام وأنطاكية بلغ إلى حد قسطنطينية وقرر ألف دينار على ملوكها تحمل إلى خزانته ووضع في النواحي التي فتحها من الروم خمسين منبراً إسلامياً ولم يزد زمن ذلك العمل على شهرين ثم عاد إلى الري وقصد سمرقند فظفر بخانها وأسره فحمل غاشية السلطان على كتفه وسار في ركابه إلى موضع سرير ملكه ثم مَنَّ عليه وأعاده إلى ملكه. وتوجه في السنة الثانية إلى أوزكند فأخضعها وخضع له جميع الملوك والرؤساء بالمشرق والمغرب. وهذه السعادة كلها إنما تيسرت بسعادة الوزير الكبير خواجه بزرك قوام الدين نظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق رضي أمير المؤمنين الطوسي، وكان معدوداً من العلماء الأجواد وكان محباً للعلم مجلسه دائماً معمور بالقراء والفقهاء وأئمة المسلمين وأهل الخير والصلاح. أمر ببناء المدارس المعروفة بالنظامية في سائر الأمصار والبلاد وأجرى لها الجرايات العظيمة وسمع الحديث بالبلاد ببغداد وخراسان وغيرهما وكان يقول إني لست من أهل هذا الشأن ولكني أحب أن أجعل نفسي على قطار نقلة حديث رسول اللهَّ صلى اللَّه عليه وسلم وكان إذا سمع المؤذن أمسك عن كل ما هو فيه وتجنبه فإذا فرغ لا يبدأ بشيء قبل الصلاة وأسقط في زمنه كثيراً من المكوس والضرائب وهو الذي أزال لعن الأشعرية من المنابر وكان سلفه عميد الملك الكندري قد حسن للسلطان طغرلبك التقديم بلعن الرافضة فأمره بذلك فأضاف إليهم الأشعرية ولعن الجميع فلهذا فارق كثير من الأئمة بلادهم مثل إمام الحرمين وأبي القاسم القشيري وغيرهما فلما ولي نظام الملك أزال ذلك جميعه وأعاد العلماء إلى أوطانهم.

مات ملكشاه بعد أن اتسع ملكه اتساعاً عظيماً فخطب له من حدود الصين إلى آخر الشام ومن أقاصي بلاد الإسلام في الشمال إلى آخر بلاد اليمن وحملت إليه الروم الجزية ولم يفته مطلب. وانقضت أيامه على أمن عام وسكون شامل وعدل مطرد أسقط المكوس والمؤن من جميع البلاد، وعمر الطرق والقناطر والمرابط التي في المفاوز وحفر الأنهار الخراب، وعمر الجامع ببغداد وعمل المصانع بطرق مكة وبنى البلد بأصبهان.

وكان للسلطان ملكشاه أربعة بنين وهم بركياروق ومحمد وسنجر ومحمود. وكان محمود طفلاً وأمه تركان خاتون فطلبت من الخليفة المقتدي أن يعين ولدها للسلطنة فأجاب إلى ذلك على شروط اشترطها إلا أن جنود نظام الملك ساعدوا أخاه الأكبر بركياروق على أن يكون هو السلطان، فتم ما أرادوا وأرسل تقليده إلى الخليفة ليوقعه فمات الخليفة والتقليد بين يديه وكانت وفاته في 15 محرم سنة 488.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:26 PM
وفاة المقتدي:

في منتصف المحرم سنة 487 توفي المقتدي باللَّه فجأة بعد أن قدم إليه تقليد السلطان بركياروق فقرأه وعلم ما فيه ولم يمضه.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:27 PM
28- المستظهر بالله

ترجمته:

بويع بالخلافة بعده ولده أبو العباس أحمد المستظهر باللَّه واستمر خليفة إلى أن توفي في 11 ربيع الآخرة سنة 512 فكانت خلافته 24 سنة وثلاثة أشهر و 11 يوماً وكانت سنه حين توفي 41 سنة وستة أشهر وستة أيام.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:28 PM
حال الممالك الإسلامية في عهده:

وكان بالأندلس والمغرب الأقصى دولة الملثمين والقائم بأمرهم يوسف بن تاشفين إلى سنة ثم من بعد ابنه علي إلى سنة 537.

وبافريقية من آل زيري تميم بن المعز بن باديس إلى سنة501 ثم يحيى بن تميم إلى سنة 509 ثم علي بن يحيى إلى سنة 515.

وبمصر من الفاطميين المستعلي أبو القاسم أحمد بن المستنصر معد إلى سنة 495 ثم الآمر بأحكام اللَّه علي المنصور بن المستعلي إلى سنة 524.

وبزبيد من الدولة النجاحية الأمير جيش بن نجاح سنة 498 ثم فاتك بن جيش إلى سنة 503 ثم منصور بن فاتك إلى سنة 517.

وبصنعاء ومهرة ظهر الأمير حاتم بن غاشم الهمذاني من سنة 492 إلى سنة 502 ثم عبد اللَّه بن حاتم إلى سنة 504 ثم معن بن حاتم إلى سنة 510 ثم هشام بن قبيط وحاتم بن حماص.

وما عدا ذلك من البلدان الإسلامية في آسيا فهو محكوم بدولة السلاجقة، كان المستظهر باللَّه من خيار بني العباس لين الجانب كريم الأخلاق يحب الاصطناع ويفعل الخير ويسارع إلى أعمال البر والمثوبات مشكور المساعي لا يرد مكرمة تطلب منه وكان كثير الوثوق بمن يوليه غير مصغ إلى سعاية ساع ولا ملتفت إلى قوله ولم يعرف منه تلون وانحلال عزم بأقوال أصحاب الأغراض وكانت أيامه أيام سرور لرعيته وكان إذا بلغه ذلك فرح به وسره وإذا تعرض سلطان أو نائب له إلى أذى أحد بالغ في إنكار ذلك والزجر عنه وكان حسن الخط جيد التوقيعات لا يقاربه فيها أحد وله شعر رقيق.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:29 PM
خطر المغرب:

كما كان اختلاف آل سلجوق وتفرق كلمتهم سبباً لنكبتهم بالباطنية كذلك كان سبباً لنكبتهم من المغرب بالحروب الصليبية وليس غرضنا الآن أن نشرح هذه الحروب شرحاً وافياً فإنها حوادث أجيال إذ قد استمر أمرها من سنة 490 إلى سنة 690 أي قرنين كاملين اشترك فيها من الدول الإسلامية الفاطمية بمصر ودولة السلاجقة ودول الأتابكية التي تفرعت عن السلاجقة ودول الأيوبية ودولة المماليك البحرية بمصر ولما كنا الآن في اقتصاص أحوال آل سلجوق نسوق من أخبار هذه الحروب ما ارتبط بتاريخهم.

امتد سلطان السلاجقة إلى بلاد الروم ( أرمينية والأناضول) وتأسست هناك دولة سلجوقية عظيمة الشأن بقونية واقصرا وما إليهما وأخذا بمخنق الروم فقصدوا كل حيلة في استرداد ما أخذ منهم لقوة الهاجمين وخافوا على ما بقي لهم من الأملاك في آسيا، وكان ملك السلاجقة الروميين في أيام تلك الحوادث السلطان قليج أرسلان داود بن قتلمش (485-500).

وكذلك امتد على بلاد سوريا وتأسست لهم بها دولة حاضرتها دمشق وكان سلطانها في هذه الحوادث السلطان رضوان بن تتش بن ألب أرسلان بينه وبين أخيه دقاق بن تتش حروب سببها المنافسة في الملك.

وكان خليفة مصر الفاطمي هو المستعلي باللَّه أبو القاسم أحمد بن المستنصر (487-495).

كان بيت المقدس مما ملكه تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان مؤسس الدولة السلجوقية بسوريا فأقطعه للأمير سقمان بن أرتق التركماني فاستمر في حوزته إلى سنة 489 وهي السنة التي سار فيها الصليبيون قاصدين في الظاهر الاستيلاء عليه وتخليصه من أيدي هؤلاء المغتصبين.

وقد اضطربت كلمة المؤرخين من العرب في السبب الذي حدا بأولئك المغيرين إلى الخروج من بلادهم بهذه الشدة والكثرة فقال فريق منهم إن هذه الحملة كانت في الأصل موجهة إلى شمال أفريقية وكانت إذ ذاك تحت يد الدولة الزيرية والقائم بالأمر فيها تميم بن المعز بن باديس (453-501) وكان رجار الصقلي قد قام في عهده واستولى على صقلية وحارب تميماً في عقر داره حروباً كانت بينهما سجالاً ولما بلغ رجار ما عزم عليه الصليبيون لم يعجبه لأنه قال إذا وصلوا إليّ احتاج إلى كلفة كثيرة ومراكب تحملهم إلى افريقية وعساكر من عندي أيضاً فإن فتحوا البلاد كانت لهم وصارت المؤنة لهم من صقلية وينقطع عني ما يصل من المال من ثمن الغلات كل سنة وإن لم يفلحوا رجعوا إلى بلادي وتأذيت بهم ويقول تميم غدرت ونقضت عهدي وتنقطع الوصلة والأسفار بيننا وبلاد افريقية باقية لنا متى وجدنا قوة أخذناها ومن أجل ذلك أشار على هؤلاء المتحمسين بقصد بيت المقدس لأن الجهاد في تخليصه أعظم أثراً وأبقى فخراً.

وقال فريق آخر إن أصحاب مصر من العلويين لما رأوا قوة الدولة السلجوقية وتمكنها واستيلاءها على بلاد الشام إلى غزة ولم يبق بينهم وبين مصر ولاية أخرى تمنعهم وقد دخل بعضهم فعلاً إلى بلاد مصر لما رأوا ذلك خافوا وأرسلوا إلى الفرنج يدعونهم إلى الشام ليملكوه ويكون بينهم وبين المسلمين.

وقال فريق من غيرهم إن ملك الروم هو الذي دعا الفرنج إلى ذلك لما خاف على دولته من السلاجقة فإنهم كما أخافوا المصريين أخافوا الروم فكل من الفريقين خائف وجل.

والذي عليه جمهور المؤرخين أن الغيرة الدينية التي أثارها في أوروبا بطرس الراهب بمساعدة الباب أوربانس الثاني هي التي هاجت أنفس الإفرنج لهذه الإغارة.

وكل هذه الأسباب لا يبعدها العقل ولا يبعد أن يكون بعضها قد ساعد بعضاً والافرنج يميلون إلى جعلها حرباً دينية لا سياسية أثار غبارها ما كان من حمية الجاهلية في ذلك العصر.

زار بطرس الراهب البيت المقدس فعز عليه ما رآه من ملك المسلمين لهذا البيت الذي فيه آثار المسيح عليه السلام فعاد إلى أوربا شاكياً باكياً مستغيثاً متضرعاً واستعان بسلطان البابا أوربانس الثاني الذي كان إذ ذاك صاحب الكلمة العليا في أوروبا فأعانه وعقد المؤتمرات لبث الحمية الدينية في قلوب المسيحيين فنجح في ذلك ولا سيما أنه أعطى امتيازات لها قيمة لمن يتطوع في هذه الحرب فتألفت جيوش عظيمة سارت إلى طلبتها في 25 أغسطس سنة 1096(419 يقدمها بطرس الراهب وغيره إلا أن هذه الحملة لم تنجح في مسيرها لأنها لم تكن ذات نظام عسكري فعاثت في الأرض فساداً فقاومها البلغاريون والهونفريون وأفنوا كثيراً منها والذين تخلصوا وجازوا البحر عند القسطنطينية إلى آسيا أخذتهم سيوف السلطان قليج أرسلان عند قونية فلم ينج منهم أحد وهذه هي الحملة الأولى من الحرب الصليبية الأولى قامت على أثرها حملة أخرى وهي الحملة الثانية يقدمها غودا فرودي بوليون دوق دي لورين السفلى ومعه عدد وافر من قواد فرنسا والنمسا وجيش آخر يقدمه هوكز أخو ملك فرنسا ومعه عدد من القواد وجيش ثالث يقدمه بوهيمند أمير تارنت الإيطالي.

سارت هذه الجيوش ومرت بالقسطنطينية بعد خطوب نالتهم من ملك الروم اليكسيوس ثم عبرت المجاز قاصدة مدينة قونية التي كانت من أعمال قليج أرسلان وعددهم عظيم جداً فلقيهم ذلك السلطان مدافعاً عن ملكه فتغلب عليه الصليبيون لكثرة عددهم ثم حصروا قونية نحو خمسين يوماً وفي نهاية سلمت حامية هذه المدينة لكنها لم تسلم للصليبيين بل سلمت لقائد ملك الروم الذي أرسل مع الصليبيين لهذه الغاية وكان هذا العمل سبباً لغيظ قوادهم، أصاب هذا الجيش بعد ذلك نكبات شديدة جداً في مسيرة ففي كثير منه بالحرب والجوع والتعب والأوبئة والاختلاف الكبير بين القواد الذين كان لكل منهم مقصد في العلو والرفعة وقد انفصل عنهم وهم سائرون أحد القواد وهو بودوين وسار إلى الجزيرة الفراتيةفامتلك مدينة الرها وكانت للروم إذ ذاك.

صار القوم إلى أنطاكية وكان حاكمها أحد قواد السلجوقية باغيسيان فحصروها تسعة أشهر وظهر من شجاعة باغيسيان وجودة رأيه وحزمه واحتياطه ما لم يشاهد من غيره فهلك أكثر الفرنج وبعد هذا الحصر استولوا على المدينة بخيانة أحد المستحفظين للأبراج الذي بذل له الافرنج مالاً وأقطاعاً وكان الإفرنج قد كاتبوا صاحب حلب ودمشق إننا لا نقصد غير البلاد التي كانت للروم لا نطلب سواها وإنما فعلوا ذلك معهم حتى لا يساعدوا صاحب أنطاكية وقد كان ما أرادوا. سار الإفرنج بعد ذلك إلى معرة النعمان فامتلكوها.

كان البيت المقدس في تلك الأيام قد خرج من حوزة السلاجقة وامتلكه المصريون فإنهم لما علموا بما أصاب الأتراك على أنطاكية أرسلوا جيشاً يقدمه الأفضل بن بدر الجمالي فاستولى عليه من يد الأمير سقمان بن أرتق التركماني واستناب فيه رجلاً يعرف بافتخار الدولة وهو الذي تلقى حملة الصليبيين الذين حضروا إليه بعد أن حصروا عكا ولم يقدروا على فتحها. حصروا بيت المقدس نيفاً وأربعين ليلة وأخيراً استولوا عليه في يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان سنة 492 ولم يكن منهم ما يحمد عليه المحارب الشجاع بل أساؤوا معاملة أهليه وقتلوا منهم خلقاً كثيراً وورد المستنفرون من الشام في رمضان إلى بغداد بصحبة القاضي أبي سعيد الهروي فأوردوا في الديوان كلاماً أبكى العيون وأوجع القلوب وقاموا بالجامع يوم الجمعة فاستغاثوا وبكوا وأبكوا والسلطانان السلجوقيان بركياروق ومحمد إذ ذاك يتطاحنان يريد كل منهما الانفراد بالملك وإقصاء أخيه عنه.

ولما تم للإفرنج ما طلبوا من الاستيلاء على البيت المقدس انتخبوا القائد غودافر ليكون ملكاً هناك ولكنه لم يرض أن يلقب بلقب ملك بل بحامي قبر المسيح وأقام معه بعض الجنود ورحل سائرهم إلى أوطانهم.

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:30 PM
وضع غودافر قانوناً لإدارة مملكته الجديدة إلا أن زمنه لم يطل فإنه توفي في 18 يوليو سنة 1100 فأقيم مقامه بودوين ملك الرها وشقيق غودافر وأعلم بذلك فقبله وأقام بدله في ملك الرها ابن عمه بودوين دي بورغ ملكاً على الرها وسار هو إلى حاضرة ملكه وهو المعروف في التواريخ العربية باسم بردويل. هكذا وجدت مملكة افرنجية في وسط أملاك المسلمين لأول مرة ولم يتركها المسلمون براحة بال ولا هي تركتهم بل كانت الحروب متصلة بين الطرفين المصريون يناوشونهم من الجنوب والأتراك من الشرق. ولم تكن المملكة الإفرنجية واحدة في البلاد التي استولوا عليها بل كانت جملة ممالك مملكة القدس وانطاكية والرها وغير ذلك إلا أن المملكة الكبرى كانت مملكة القدس. وسنتكلم في حوادثها عند ظهور الدولة الأتابكية والدولة الأيوبية اللتين أججتا نار الحرب مع هؤلاء الإفرنج

أحمد سعد الدين
14-12-2004, 12:32 PM
29- المسترشد بالله

ترجمته:

هو أبو منصور الفضل المسترشد باللَّه بن المستظهر ولاه أبوه بالعهد فبويع بالخلافة في اليوم الذي توفي فيه والده 16 ربيع الآخر سنة 513(7 أغسطس سنة 1118) واستمر خليفة إلى أن قتل في يوم الأحد 17 ذي القعدة سنة 529(30 أغسطس سنة 135.

كان سلطان العراق لأول عهده هو السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه وكان السلطان سنجر بن ملكشاه في ذلك الوقت ملك خراسان وما إليها من بلاد ما وراء النهر إلى غزنة وخوارزم وقد عظمت دولته وهو شيخ البيت السلجوقي وعظيمه. فلما توفي أخوه محمد وجلس ابن أخيه محمود وهو زوج ابنته لحقه لوفاة أخيه حزن أليم وجزع وجلس للعزاء على الرماد وتقدم الخطباء يذكرون السلطان محمد بمحاسن أعماله من قتال الباطنية وإطلاق المكوس غير ذلك وكان يلقب ناصر الدين فلما توفي أخوه تلقب معز الدين وهو لقب أبيه ملكشاه وعزم على قصد الجبل والعراق وما بيد ابن أخيه محمود.

ثم إن السلطان محمود أرسل إلى عمه سنجر وفداً معه الهدايا والتحف وطلب إليه أن ينزل له عن مازندران فغاظه هذا الطلب وقال إن ولد أخي صبي وقد تحكم عليه وزيره وحاجبه وصمم على المسير فسار وكذلك فعل السلطان محمود والتقيا عند الري بالقرب من ساوة وكان العسكر المحمودي قد استهان بالعسكر السنجري لكثرة الأولين وشجاعتهم وكثرة خيلهم ولما حصل اللقاء انهزمت ميمنة سنجر وميسرته وسارت جنودهما لا تلوي على شيء أما سنجر فكان واقفاً في القلب وأمامه السلطان محمود وقد أشار بعض المقربين من سنجر عليه أن ينهزم فقال إما النصر وإما القتل وأما الهزيمة فلا، وهجم بفيلته على قلب محمود هجوماً شديداً فتراجعت خيل محمود على أعقابها وكان بذلك هزيمة السلطان محمود ولما تم النصر لسنجر أرسل من رد المنهزمين من جنده. ورد الخبر إلى بغداد في عشرة أيام فأشير على الخليفة بالخطبة للسلطان سنجر ففعل.

أما محمود فإنه سار إلى أصبهان ومعه وزيره وبعض أمرائه وأما سنجر فسار إلى همذان وهناك راسل ابن أخيه في الصلح وكانت والدة سنجر تشير عليه بذلك وتقول قد استوليت على غزنة وأعمالها وما وراء النهر وملكت ما لأحد قدر عليه وقررت الجميع على صحابه فاجعل ولد أخيك كأحدهم فأجاب إلى قولها وبعد محاولات تقرر الصلح وسار محمود إلى عمه سنجر ونزل على جدته أم السلطان سنجر وأكرمه عمه وبالغ في إكرامه وحمل له محمود هدية عظيمة فقبلها ظاهراً وردها باطناً ولم يأخذ منه سوى خمسة أفراس عربية وكتب السلطان سنجر إلى جميع عماله أن يخطب لمحمود من بعده حيث جعله ولي عهده ورد عليه جميع ما أخذ منه سوى الري.

ولم يكد السلطان محمود ينتهي من هذا النزاع بينه وبين عمه حتى قام ضده أخوه مسعود بن محمد وكان لمسعود حينئذ الموصل وأذربيجان وذلك سنة 514 وقد أجج الأمراء نار هذا الخلاف لينالوا من وراء ذلك حظوظهم ولا يبالون بالمملكة الإفرنجية التي صارت شوكة في جنوبهم وكان وزير مسعود هو الأستاذ أبو إسماعيل الحسين بن علي الأصفهاني وهو الذي حسن لمسعود أن يقوم مطالباً بالمملكة ولما بلغ ذلك محموداً كتب إليهم يخوفهم إن خالفوه ويعدهم الإحسان إن أقاموا على طاعته وموافقته فلم يصغوا إلى قوله وأظهروا ما كانوا عليه وما يسرونه وخطبوا للملك مسعود بالسلطنة وضربوا له النواب الخمس ثم سار كل منهم إلى لقاء صاحبه فالتقوا عند عقبة أسداباذ واقتتلوا من بكرة إلى آخر النهار وأبلت الجنود المحمودية بلاء حسناً فانهزم عسكر مسعود آخر النهار وأسر جماعة من مقدمي جنودهم ومنهم الوزير أبو إسماعيل الطغرائي فأمر السلطان بقتله وقال قد ثبت عندي فساد دينه واعتقاده وكان حسن الكتابة والشعر.

ثم أرسل محمود وراء أخيه من لحقه وأتى به بعد أن بذل له الأمان فاستقبله استقبالاً عظيماً ووفى له بما بذلن وخلطه بنفسه في كل أفعاله فعد ذلك من مكارم محمود ولا عجب فقد علمه سنجر.

كان الخليفة المسترشد با في هذا العصر قد استرد شيئاً من نشاط العباسيين وقاد الجيوش بنفسه لحرب المخالفين عليه وأهمهم دبيس بن صدقة ملك الحلة ولم يكن للخلفاء عهد بذلك منذ زمن طويل ولا شك أن الملوك السلجوقيين لا يقع ذلك عندهم موقع الاستحسان فإنهم يتخوفون عاقبته ويرون منه خطراً على نفوذهم ومما يدل على أن ذلك منحه قوة لم تكن لسلفه أن شحنة بغداد برنقش الذكوي حصل بينه وبين نواب الخلافة نفرة فتهدده الخليفة فخاف فسار عن بغداد إلى السلطان محمود وشكا إليه وحذره جانب الخليفة وأعلمه أنه قاد العساكر ولقي الحروب وقويت نفسه ومتى لم تعاجله بقصد العراق ودخول بغداد ازداد قوة وجمعاًومنعك عنه وحينئذ يتعذر عليك ما هو الآن بيده فأثر ذلك الكلام في نفس السلطان وتوجه نحو العراق فأرسل إليه الخليفة يعرفه بالبلاد وما عليه أهلها من الضعف والوهن وأن الغلاء قد اشتد بالناس لعدم الغلات والأقوات لهرب الأكرة ويطلب منه أن يؤخر حضوره حتى تصلح الأحوال وبذل له على ذلك مالاً كثيراً فكان هذا مما زاد في إغراء السلطان حتى قصد بغداد فسار مجداً ولما بلغ الخليفة الخبر أظهر الغضب والنزوح عن بغداد واستعد لذلك إن جاء السلطان فأثر ذلك في أنفس العامة تأثيراً عظيماً حتى أكثروا البكاء والضجيج ولما أعلم السلطان بذلك أرسل يستعطف الخليفة ويطلب إليه العودة إلى داره بأبى إلا أن يعود السلطان ولا يحضر إلى بغداد فلم يلتفت السلطان إلى قوله واستمر قاصداً بغداد أما الخليفة فاستعد لمقابلته بالقوة وكان معه كثير من العامة والجند يدافعون عنه تديناً وقد حصلت مناوشات بين الفريقين في أول سنة 521 وكان مع كل جمع عظيم ولما رأى المسترشد باللَّه جنح إلى الصلح الذي طلبه السلطان محمود فتم ذلك وكان أعداء الخليفة يشيرون على السلطان بإحراق بغداد فلم يفعل وقال لا تساوي الدنيا فعل مثل هذا وأقام ببغداد إلى رابع شهر الآخر سنة 521 ثم فارقها بعد أن حمل إليه الخليفة الخلع والدواب الكثيرة.

وفي سنة 524 ملك السلطان محمود قلعة الموت من يد صاحبها الحسن بن الصباح.

وفي سنة 525 توفي السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه وكان حليماً كريماً عاقلاً يسمع ما يكره ولا يعاقب عليه مع القدرة قليل الطمع في أموال الرعايا عفيفاً عنها كافاً لأصحابه عن التطرق إلى شيء منها.

لما توفي خطب لولده داود بالسلطنة في بلاد الجبل وأذربيجان إلا أنه قام ضده ابن عمه السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه فكان الظفر لمسعود وخطب له بالسلطنة على منابر بغداد إلا أن هذا لم يرق لعميد البيت ورئيسه السلطان سنجر فأقبل من خراسان قاصداً دفع مسعود عن السلطنة وسار إليه مسعود فالتقيا بعولان عند الدينور وكانت النتيجة أن انهزم مسعود وفل جيشه وتحكم سنجر فيما بقي ثم أرسل وراء ابن أخيه من يرده فرده إليه فلما حضر عنده قبله وأكرمه وعاتبه على عصيانه ومخالفته ولم يعده إلى السلطنة بل رده إلى كنجه وأجلس الملك طغرل ابن أخيه محمد مكانه وخطب له في جميع البلاد ثم عاد إلى نيسابور فلما رأى ذلك مسعود خرج من مكمنه وتوجه إلى بغداد ثانياً بما جمعه من الجيوش فدخلها فقابله الخليفة بالإكرام ووعده أن يرسل معه جيشاً لمحاربة طغرل وقد وفَّى بما وعد فسارت الجنود المسعودية صوب طغرل حتى التقوا به عند همذان فكانت بينهما موقعة انهزم فيها طغرل واستقر الأمر ثانية للسلطان غياث الدنيا والدين أبي الفتح مسعود بن محمد بن ملكشاه .

كان هذا الخلاف بين البيت السلجوقي مقوياً للمسترشد فصار يعد نفسه صاحب الأمر الذي يجب أن يطاع لا بالقوة المعنوية وحدها بل بقوة السيف أيضاً. فقد صار تحت أمره أجناد ورجال يلبون دعوته وينفذون كلمته وقد حصل بسبب ذلك نفرة بينه وبين السلطان مسعود أدت إلى أن أمر الخليفة بقطع خطبة مسعود من منابر بغداد ولم يقف عند ذلك بل تجهز بجيشه يريد حرب مسعود بدار سلطنته ومعه الجنود الكثيرة إلا أنها لم تكن ذات عصبية تصدق عند اللقاء فإن العصبية الجنسية غلابة مهما كانت الأحوال ولذلك لما التقى الطرفان انحاز كثير من عسكر الخليفة الأتراك إلى السلطان مسعود فانهزم جند الخليفة أما هو فبقي ثابتاً حتى أسر ولما بلغ ذلك الخبر بغداد قامت قيامة أهلها وخرجوا من الأسواق يحثون التراب على رؤوسهم ويبكون ويصيحون وخرجت النساء حاسرات في الأسواق يلطمن.

أما الخليفة فقد جعله السلطان في خيمة ووكل به من يحفظه وقام بما يجب من خدمته وترددت الرسل بينهما في تقرير قواعد الصلح على مال يؤديه الخليفة وألا يعود إلى جمع العساكر وألا يخرج من داره فأجيب إلى ذلك ولم يبق إلا أن يعود الخليفة إلى بغداد إلا أنه صادف أن هجم على خيمة الخليفة جماعة من الباطنية فقتلوه ومثلوا به وكان ذلك في يوم الأحد 17 ذي القعدة على باب مدينة مراغة وكان المسترشد شهماً شجاعاً كثير الإقدام بعيد الهمة وكان فصيحاً بليغاً حسن الخط. قال ابن الأثير ولقد رأيت خطه في غاية الجودة ورأيت أجوبته على الرقاع من أحسن ما يكتب وأفصحه ولقد حاول أن يعيد شيئاً من مجد أهل بيته فحالت الأقدار بينه وبين ما أراد.