المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لايزال الجهاد حلوآ خضرآ.



الشمري
03-04-2005, 03:45 PM
بسم الله الرحمن الرحيم 0

كنت قد سألت في أحد المنتديات عن صحة حديث زيد ابن اسلم عن ابيه (( لايزال الجهاد حلوآ خضرآ ماقطر القطر من السماء وسيأتي على الناس زمان يقول فيه قراء منهم ليس هذا زمان جهاد فمن ادرك ذالك الزمان فنعم زمان الجهاد قالوا يارسول الله أو أحد يقول ذالك قال نعم من عليه لعنة الله والملائكة )) فجائني الرد بأن الحديث ضعيف لايثبت 0

ولكن أتتني رسالة على بريدي الخاص تتظمن دراسة تفصيلية للحديث ذهب فيها صاحب الرسالة لتصحيح الحديث وأنا هنا أذ أسوق لكم هذه الدراسة أطلب منكم قرائته واخباري عن صحة توجه كاتبها ولكم الأجر أن شاء الله 0

يزال الجهاد حلواً أخضر!

u دراسة حديث: (لا يزال الجهاد حلواً أخضر!)

* كما جاء في (مسند أبي يعلى، ج: 9 ص: 274، 5396): [حدثنا داود بن رشيد حدثنا بقية بن الوليد عن علي بن علي حدثني يونس عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن بن مسعود قال جاء رجل فقال: (أسمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول في الخيل شيئا؟!)، قال: (نعم!)، سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: اشتروا على الله واستقرضوا على الله!)، قيل: (يا رسول الله: كيف نشتري على الله، ونستقرض على الله!!)، قال: (قولوا: أقرضنا إلى مقاسمنا؛ وبعنا إلى أن يفتح الله لنا). لا تزالون بخير ما دام جهادكم خضراً؛ وسيكون في آخر الزمان قوم يشكون في الجهاد، فجاهدوا في زمانهم، ثم أغزوا فإن الغزو يومئذ أخضر!)].

وقال الهيثمي في [المجمع، (5/280)]: (رواه أبو يعلى، وفيه بقيةُ بنُ الوليدِ وهو مدلسٌ، وبقيةُ رجاله ثقاتٌ): وقال الشيخ حسين أسد: (إسناده ضعيف).

قلت: وقد أصاب الشيخ حسين أسد في ذلك، لأن عنعنة بقية بن الوليد يخشى منها لقبح تدليسه، فلا تصحح روايته، بإجماع الأئمة، إلا إذا صرح بالسماع، وإلا فالحذر منها واجب.

وربما قيل أيضاً أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قد أرسل عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه. كما جاء في (جامع التحصيل في أحكام المراسيل): [عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أحد الفقهاء السبعة عن عمر رضي الله عنه قال أبو زرعة مرسل. وذكره بن المديني فيمن لا يثبت له لقاء زيد بن ثابت. وفي التهذيب أنه روى عن بن مسعود وعمار وأن ذلك مرسل أيضا].

قلت: هذا هو الصحيح الراجح بالنسبة للرواية عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ولكنه غير مسلم بالنسبة للرواية عن عبد الله بن مسعود:

(1) لأن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة إنما روى عنه (أي عن: عبد الله بن مسعود) أحاديث يسيرة فلا يبعد أن يكون سمعها منه في صغره لأن وفاة عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، كانت قبيل استشهاد عثمان بن عفان، رضي الله عنه ، في عام 34 هـ أو 35 هـ، ووفاة عبيد الله بن عبد الله كانت عام 94 هـ، كما رجح الحافظ في (تقريب التهذيب) حين قال: [عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه ثبت من الثالثة مات سنة أربع وتسعين وقيل سنة ثمان وقيل غير ذلك]، فيحتمل جداً أن تكون ولادة عبيد الله بن عبد الله بن عتبة في عام 20 هـ، أو نحوها، وتكون سنه عند وفاة عبد الله بن مسعود نحو 15 عاماً، أو نحوها.

(2) ولأن من هو في جلالة قدر عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وإمامته فهو أحد الفقهاء السبعة، وسعة علمه، يترجح أنه بدأ في طلب العلم من أول سن التمييز في طفولته الباكرة.



(3) ولأن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود من أهل بيت عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، فعبد الله بن مسعود هو بمثابة الجد لعبيد الله، لأنه عم والده، فاجتماعه به، وتتلمذه عليه، وأخذه منه في الصغر هو المعقول الراجح، وليس العكس. والإنسان يبدؤ عادة في التتلمذ على أهل بيته، إن كان من بيت علم وفضل.

فليس ضعف هذا الإسناد إذاً بالشديد، بل هو إلى الحسن أقرب، لا سيما أنه في فضائل الأعمال، وهو يقبل التصحيح بأدنى شاهد معتبر أو متابعة محتملة، لا سيما أن متنه في غاية الاستقامة.

واستقامة المتن تظهر جلياً من تأمل الفاظ الحديث جملة جملة. فمثلاً جملة: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة) منقولة عن النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، نقل تواتر، لا ينكر ذلك إلا مخبول، خرج من نطاق العقل، أو كافر خرج عن حد الإسلام، لأنها قد صحت عن كل من: عبد الله بن عمر، وعروة بن الجعد البارقي، وأنس بن مالك، وجرير بن عبد الله، وعتبة بن عبد السلمي، وأبي هريرة، وأبي كبشة، وسلمة بن نفيل السكوني التراغمي الحضرمي؛ وهي مروية كذلك عن: أبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وأسماء بنت يزيد، وابن الحنظلية، وسوادة بن الربيع الجرمي، وعَرِيب المليكي، والمغيرة بن شعبة، رضي الله عنهم جميعاً.

وجاء في (فتح الباري شرح صحيح البخاري) للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني: [روى حديث: (الخيل معقود في نواصيها الخير) جمع من الصحابة غير من تقدم ذكره وهم بن عمر وعروة وأنس وجرير وممن لم يتقدم سلمة بن نفيل وأبو هريرة عند النسائي وعتبة بن عبد عند أبي داود وجابر وأسماء بنت يزيد وأبو ذر عند أحمد والمغيرة وابن مسعود عند أبي يعلى وأبو كبشة عند أبي عوانة وابن حبان في صحيحيهما وحذيفة عند البزار وسوادة بن الربيع وأبو أمامة وعريب (وهو بفتح المهملة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم موحدة) المليكي والنعمان بن بشير وسهل بن الحنظلية عند الطبراني وعن علي عند بن أبي عاصم في الجهاد وفي حديث جابر من الزيادة في نواصيها الخير والنيل وهو بفتح النون وسكون التحتانية بعدها لام وزاد أيضا وأهلها معانون عليها فخذوا بنواصيها وادعوا بالبركة وقوله وأهلها معانون عليها في رواية سلمة بن نفيل أيضا].



وقد جاءت بالفعل متابعات، منها:

* المتابعة الأولى: ما جاء في (السنن الواردة في الفتن، ج: 3 ص: 751، رقم: 371): [حدثنا محمد بن أبي محمد قال حدثنا أبي قال حدثنا سعيد قال حدثنا يوسف بن يحيى قال حدثنا عبدالملك قال حدثنا الطلحي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا يزال الجهاد حلواً أخضر ما قطر القطر من السماء؛ وسيأتي على الناس زمان يقول فيه قراء منهم: ليس هذا زمان جهاد؛ فمن أدرك ذلك الزمان فنعم زمان الجهاد!)، قالوا: (يا رسول الله: واحد يقول ذلك؟!)، فقال: (نعم: من عليه لعنة الله والملائكة )].

وفي هذا الإسناد علتان:

(1) الإرسال، لأن زيد بن أسلم، قطعاً، لم يدرك رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛

(2) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف، والجمهور على ضعفه، وليس ضعفه عن تهمة في صدقه أو دينه ولكن لقلة اتقانه وضبطه، قال ابن خزيمة: (ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه لسوء حفظه هو رجل صناعته العبادة والتقشف ليس من أحلاس الحديث). وليس ضعفه بالشديد فقد قال ابن أبي حاتم، وهو من المتشددين المتعنتين: (ليس بقوي في الحديث كان في نفسه صالحا وفي الحديث واهيا)، وبالغ فقال في موضع آخر: (هو أحب إلي من بن أبي الرجال!). وقال بن عدي بعد استعراض شامل لما أنكر عليه من أحاديث: (له أحاديث حسان وهو ممن احتمله الناس وصدقه بعضهم وهو ممن يكتب حديثه).

ولكن المتن مستقيم، و(القراء) المذكورين في الحديث كتموا الحق المبين، المقطوع به من كتاب الله وسنة نبيه، فاستحقاقهم لأن تكون عليهم (لعنة الله والملائكة) ما هو إلا تطبيق حرفي لنص القرآن: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ}، (البقرة؛ 2 : 159 - 162).

لاحظ كذلك تسميتهم بـ(القراء)، وليس بـ(العلماء) وهو ما جرت به عادة الأحاديث الشريفة، مثل ما ثبت عنه عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أنه قال: «إن أكثر منافقي أمتي قراؤه»، أي قراء القرآن، وفي رواية: «قراؤها»، أي القراء من الأمة، والمعنى واحد، كما هو مدروس في فصل مستقل آخر هذا البحث ألحقناه ها هنا لتعم هذه الفائدة المهمة، التي قل أن تجدها في مكان لآخر.



وللحديث طريق ثالثة:

* كما أخرجها الإمام ابنُ عساكرٍ في ( تاريخ دمشق لابن عساكر، الجزء : 43، الصفحة : 347): [أخبرنا أبو الحسن الشافعي وأبو الحسن بن دريد قالا: أخبرنا نصر بن إبراهيم زاد الشافعي وأبو محمد بن فضيل قالا: أخبرنا أبو الحسن بن عوف أخبرنا أبو علي بن منير أخبرنا أبو بكر محمد بن خريم حدثنا هشام بن عمار حدثنا أبي عمار بن نصير بن ميسرة بن أبان الظفري حدثنا عباد بن كثير عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا يزال الجهاد حلوا خضرا ما أمطرت السماء وأنبتت الأرض وسينشؤ نشؤ من قبل المشرق يقولون: (لا جهاد، ولا رباط) أولئك هم وقود النار. بل رباط يوم في سبيل الله خير من عتق ألف رقبة، ومن صدقة أهل الأرض جميعا)]



وهذا بذاته إسنادٌ ضعيفٌ أيضاً، ولكننا إنما نحتاجه متابعة:

- يزيدُ الرقاشي: هو يزيدُ بنُ أبان الرَّقَاشي أبو عمرو البصري القاص من زهادِ البصرةِ. وكلامُ أهلِ العلم فيه طويل، وأكثرهم إنما هو متبع لشعبة في ذلك، حيث كان الإمام شعبة بن الحجاج يقول: (لان ازني أحب الي من ان أحدث عن يزيد الرقاشي)، فأنكر عليه الإمام يزيد بن هارون هذه المبالغة القبيحة فقال: (وما كان اهون عليه الزنا؟!). تجد هذه القصة في (الكامل في ضعفاء الرجال) خلال ترجمة (يزيد بن أبان الرقاشي)، حيث قال الإمام ابن عدي: [حدثنا الحسن بن عثمان التستري حدثنا سلمة بن شبيب قال سمعت يزيد بن هارون يقول سمعت شعبة يقول: (لان ازني أحب الي من ان أحدث عن يزيد الرقاشي)، قال يزيد بن هارون: (وما كان اهون عليه الزنا؟!)]، وتجد كامل النص كما هو بطوله في (الكامل في ضعفاء الرجال) ملحقاً في فصل خاص آخر البحث، ثم اختتم الإمام بن عدي قائلاً: (وليزيد الرقاشي أحاديث صالحة عن أنس وغيره ونرجو انه لا باس به برواية الثقات عنه من البصريين والكوفيين وغيرهم), وقال أبو حاتم، وهو المتشدد عادة: (كان واعظاً بكاءً كثير الروايةِ عن أنس بما فيه نظرٌ، صاحبُ عبادةٍ، وفي حديثهِ ضعفٌ). وبالغ ابنُ حبان، وهو المتساهل عادة، في الجرح فقال: (كان من خيارِ عبادِ اللهِ من البكائين في الخلواتِ والقائمين بالحقائق في السبراتِ، ممن غفل عن صناعةِ الحديثِ وحفظها، واشتغل بالعبادةِ وأسبابها حتى كان يقلبُ كلامَ الحسن فيجعله عن أنس وغيره من الثقات، فبطل الاحتجاجُ به، فلا تحلُ الروايةُ عنه إلا على سبيل التعجب!). واعتدل الحافظ فلخص قائلاً: (ضعيف). فيزيد الرقاشي رأس في الصدق والورع والعبادة والبكاء، وليس هو بذاك المتقن في الرواية، ولا هو بالساقط كلية، كما يتوهم البعض، وقد روى له البخاري في (الأدب المفرد)، وكذلك الترمذي وابن ماجة في سننهم.

- عبادُ بنُ كثير: هناك راويتان بهذا الاسم: عباد بن كثير الرملي الفلسطيني الشامي، وعبادُ بنُ كثير الثقفي البصري ثم المكي، ولم يشتهر أحد منهما برواية عن يزيد الرقاشي. وهناك ثالث هو: عبادُ بنُ كثير الكاهلي، ولكن الأرجح أنه هو الثقفي البصري لأن كاهل بطن من ثقيف.

والذي يغلب على الظن أنه الأولُ، أي الرملي الفلسطيني الشامي:

(1) لأن الرقاشي، وإن كان بصرياً في الأصل، فقد نزل مكة وكانت أكثر إقامته فيها، فروى عنه المكيون، والناس من كل الأمصار، كما هو في (تهذيب الكمال)، وقد ألحقنا كامل النص في آخر هذا البحث؛

(2) ولأن الراوية عن عباد بن كثير هذا هو عمار بن نصير بن ميسرة بن أبان الظفري، والد هشام بن عمار المشهور، لا يعرف برحلة في طلب العلم، وليس هو من المعروفين بالرواية، وهو من المقلين ليس له إلا بضعة أحاديث، فالأرجح أن يكون شيخه من أهل بلده, أي أن يكون شامياً.

(3) ولأن عبادُ بنُ كثير الثقفي البصري قديم الوفاة جداً، مات في مكة ولم يشهد جنازته الإمام سفيان الثوري، فيبعد أن يكون عمار بن نصير قد أدركه، بخلاف عبادُ بنُ كثير الرملي الفلسطيني الشامي فهو بعد ذاك بطبقة أو طبقتين، لأنه يروي عن الإمام الثوري وروى عنه الإمام يحيى بن يحيى بن بكير النيسابوري. وعمار بن نصير يشبه أن يكون من طبقة يحيى بن يحيى النيسابوري، وليس هو من المعلروفين بالتبكير في طلب العلم، أو الرحلة في طلبه: فأنى له أن يدرك الثقفي البصري نزيل مكة، المتوفى بها؟!

فراويتنا هو في الأرجح عبادُ بنُ كثير الرملي الفلسطيني الشامي، وليس الثقفي البصري (وهو نفسه الكاهلي)، كما وهم البعض ممن استعجل الحكم قبل تمحيص المسألة وإعطائها حقها. وعبادُ بنُ كثير الثقفي البصري ضعيف ساقط، كالمتفق على تركه، بل وقد اتهمه بعضهم.

- عمار بن نصير بن ميسرة بن أبان الظفري، والد هشام بن عمار شيخ البخاري، ليس معروفاً بالحديث. قال في (لسان الميزان): [ لينه الحافظ أبو القاسم الدمشقي]. ولفظة الإمام ابن عساكر هي: (وحديثه يدل على لينه)، فيما أتذكر الآن، أو نحو ذلك، مع أنه لم يذكر له إلا هذا الحديث، وحديثاً آخر، وليست أسانيدها بالتي تحتم نسبة الضعف إليه، بل لعل الضعف من غيره.



لذلك فإننا نستخير الله ونقول بصحة الحديث كما جاء عند أبي يعلى. وكذلك نرى تحسين جملة: [قال: (وسيأتي على الناس زمان يقول فيه قراء منهم: ليس هذا زمان جهاد؛ فمن أدرك ذلك الزمان فنعم زمان الجهاد!)، قالوا: (يا رسول الله: واحد يقول ذلك؟!)، فقال: (نعم: من عليه لعنة الله والملائكة)]، لما سلف بيانه، ولوجود الشواهد المطابقة القوية، التي جاء بعضها، وسيأتي المزيد عند مناقشة فقه الحديث.





u فصل: فقه الحديث

دلالة الحديث على استمرارية القتال، بدون انقطاع أصلاً، إلى آخر الدهر، قطعية واضحة، لا يجوز أن تكون فيها شبهة:

- يؤيدها حديث سلمة بن نفيل الصحيح الصريح، وهو: [عن جبير بن نفير حدثني سلمة بن نفيل السكوني، (وكان قومه بعثوه وافداً إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد أن فتح الله على رسوله، صلى الله عليه وسلم، فتحاً)، قال: بينا انا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تمس ركبتي ركبته، مستقبل الشام بوجهه، مولي إلى اليمن ظهره، إذ أتاه رجل فقال: (يا رسول الله: أذال (أو: سيب) الناس الخيل، ووضعوا السلاح، وقالوا: لا قتال، وزعموا أن الحرب قد وضعت أوزارها؟!)، فأقبل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بوجهه وقال: (كذبوا: الآن، الآن جاء القتال. لا تزال فرقة من أمتي على الحق ظاهرين يقاتلون على أمر الله: يزيغ الله لهم قلوب أقوام يقاتلونهم، وينصرهم الله عز وجل عليهم، (ويرزقهم الله عز وجل منهم)، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها. وهو يوحى إلي أني مقبوض غير ملبث، وانكم متبعي أفناداً، يضرب بعضكم رقاب بعض. وعقر دار الإسلام (أو: دار المؤمنين) بالشام)؛ و أشار إلى اليمن، وهو مول ظهره إليه، وقال: (إني أجد نفس الرحمن من ها هنا)]، وجاءت زيادة: (ولا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج) في رواية إسنادها ليس بتلك الدرجة من القوة، ولكن يشهد لها الحديث التالي:

- وهو الذي أخرجه الإمام أحمد في (مسند الإمام أحمد بن حنبل) بإسناد جيد على شرط الإمام مسلم: [حدثنا محمد بن بشر حدثنا محمد يعنى بن عمرو حدثنا خالد بن عبد الله بن حرملة عن خالته قال خطب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو عاصب أصبعه من لدغة عقرب، فقال: (إنكم تقولون لا عدو! وإنكم لا تزالون تقاتلون عدواً حتى يأتي يأجوج ومأجوج: عراض الوجوه، صغار العيون، شهب (أو: صهب) الشعاف، من كل حدب ينسلون، كان وجوههم المجان المطرقة)]، وهو في (الآحاد والمثاني): [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن بشر بنحوه إلى منهاه
u فصل: «إن أكثر منافقي أمتي قراؤها»

ثبت عنه عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أنه قال: «إن أكثر منافقي أمتي قراؤه»، أي قراء القرآن، وفي رواية: «قراؤها»، أي القراء من الأمة، والمعنى واحد، كما أخرج أحمد:

* حدثنا زيد بن الحباب من كتابه: حدثنا عبد الرحمن بن شريح: سمعت شرحبيل بن يزيد المعافري: أنه سمع محمد بن هدية الصدفي قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاصي يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أكثر منافقي أمتي قراؤه»، وقال أحمد كذلك: [حدثنا علي بن إسحاق حدثنا عبد الله يعني ابن المبارك حدثنا عبد الرحمن بن شريح المعافري به]، وأخرجه البخاري في (خلق أفعال العباد). هذا إسناد حسن قوي جيد، تقوم به الحجة بمفرده، وهذا الحديث، حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، حديث صحيح قطعاً بشهادة الإسناد المستقل التالي:

* كما هو في مسند أحمد: حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أكثر منافقي أمتي قراؤها».

قلت: سماع حسن الأشيب من ابن لهيعة قديم، قبل احتراق كتب ابن لهيعة، وقد صرح ابن لهيعة ها هنا بالتحديث، فلعل هذا بمفرده تقوم به الحجة، فكيف إذا ضم إلى سابقه؟!



* وقال أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي حدثنا الوليد بن المغيرة حدثنا مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «إن أكثر منافقي هذه الأمة لقراؤها»، وفال أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا ابن لهيعة حدثني أبو المصعب به، وقال أحمد: حدثنا أبو سعيد حدثنا ابن لهيعة حدثنا مشرح به. قلت: هذا كذلك حديث حسن قوي كذلك لأن أبا المصعب مشرح بن هاعان، وهو لا بأس به في الجملة، قد وافق الثقات ها هنا، وسماع أبي عبد الرحمن، وهو عبد الله بن يزيد المقرئ من ابن لهيعة، قطعاً سماع قديم صحيح ثابت، بإجماع أئمة هذا الشأن، وقد صرح ابن لهيعة ها هنا كذلك بالتحديث.

* وأخرج ابن عدي: حدثنا أحمد بن علي المدائني حدثنا إبراهيم بن منقذ الخولاني حدثنا إدريس بن يحيى عن الفضل بن المختار عن عبيد الله بن موهب عن عصمة بن مالك قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أكثر منافقي أمتي قراؤه»، ولكن الفضل بن المختار ضعيف، متفق على ضعفه، فلعله كان في الأصل موقوفاً على عصمة بن مالك، فرفعه الفضل بن المختار لضعفه، أو عن عصمة بن مالك عن عبد الله بن عمرو بن العاصي فأسقطه، وفي صحاح الأسانيد السالفة كفاية، وفوق الكفاية.



u فصل: نص (الكامل في ضعفاء الرجال) في خصوص (يزيد بن أبان الرقاشي): [حدثنا الحسن بن عثمان التستري حدثنا سلمة بن شبيب قال سمعت يزيد بن هارون يقول سمعت شعبة يقول لان ازني أحب الي من ان أحدث عن يزيد الرقاشي قال يزيد بن هارون وما كان اهون عليه الزنا فذكر هذا الحديث لأحمد بن حنبل فقال إنما بلغنا هذا في أبان بن أبى عياش.

أخبرنا الحسن بن سفيان حدثني عبد العزيز بن سلام حدثنا رافع أو نافع أخبرني عبد الله بن إدريس قال سمعت شعبة يقول لان يعمل الرجل يزنى خير له من ان يروى عن أبان ويزيد الرقاشي.

حدثنا بن أبى عصمة قال حدثنا أبو طالب أحمد بن حميد سمعت أحمد بن حنبل يقول لا تكتب عن يزيد الرقاشي قلت له فلم ترك حديث يزيد لهوى كان فيه قال لا ولكن كان منكر الحديث وكان شعبة يحمل عليه وكان قاصا.

حدثنا بن حماد قال حدثنا معاوية عن يحيى قال يزيد بن أبان الرقاشي ضعيف.

حدثنا بن حماد حدثنا عبد الله بن أحمد سمعت أبى يقول يزيد بن أبان الرقاشي فوق أبان بن أبى عياش

حدثنا أحمد بن علي قال حدثنا عبد الله بن أحمد الدورقي قال حدثنا يحيى بن معين قال يزيد بن أبان الرقاشي في حديثه ضعف وقال عمرو بن علي ويزيد الرقاشي هو يزيد بن أبان سمعت عبد الرحمن يحدث عن الربيع بن صبيح عنه وكان يحيى لا يحدث عنه وكان رجلا صالحا قد روى عنه الناس وليس بالقوي في حديثه سمعت بن حماد يقول قال البخاري يزيد بن أبان الرقاشي البصري عن أنس كان شعبة يتكلم فيه وقال النسائي يزيد بن أبان الرقاشي بصري متروك الحديث.

أخبرنا الفضل بن الحباب قال حدثنا محمد بن عبد الله الخزاعي قال حدثنا حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك ان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أراد ان يصلى علي عبد الله بن أبى فأخذ جبريل يثنيه وقال لا تصل على أحد منهم مات ابدا ولا تقم على قبره قال الشيخ وليزيد الرقاشي أحاديث صالحة عن أنس وغيره ونرجو انه لا باس به برواية الثقات عنه من البصريين والكوفيين وغيرهم]



u فصل: نص (تهذيب الكمال) عن (يزيد بن أبان الرقاشي): [(بخ) (ت) (ق): يزيد بن أبان الرقاشي، أبو عمرو البصري القاص من زهاد أهل البصر وهو عم الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي.

- روى عن: أبيه أبان الرقاشي وأنس بن مالك (بخ) (ت) (ق) والحسن البصري وغنيم بن قيس المازني (ق) وقيس بن عباية أبي نعامة الحنفي وأبي الحكم البجلي (ت).

- روى عنه: إبراهيم العجلي وإسماعيل بن ذكوان وإسماعيل بن مسلم المكي (ق) وأشعث بن سوار وثابت بن عجلان والحارث بن عبيد بن الطفيل بن تمام التميمي وحريث بن السائب والحسن البصري وهو من شيوخه والحسين بن واقد المروزي (ت) وحماد بن سلمة وحوشب بن عقيل وخازم بن الحسين أبو إسحاق الحسني ودرست بن زياد البزاز (ق) والربيع بن صبيح (ت) (ق) والرحيل بن معاوية الجعفي (ت) وسليمان الأعمش (بخ) (ق) وهو من أقرانه وسلام بن أبي مطيع وصالح بن بشير المري وصالح بن عمران البكري وصالح بن كيسان وهو أكبر منه وصفوان بن سليم وهو من أقرانه وضرار بن عمرو الملطي وضمضم بن عمرو الحنفي وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان وهو من أقرانه وعبد الله بن معقل البصري (ق) وعبد الخالق بن موسى اللقيطي وعبد الرحمن بن عبد الله المسعودي وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي وابنه عبد النور بن يزيد الرقاشي وعبيد الصيد وعبيس بن ميمون وعتبة بن أبي حكيم وعكرمة بن عمار اليمامي وعمرو بن سعد الفدكي (ق) وفضالة الشحام وابن أخيه الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي وقتادة وهو من أقرانه وكنانة بن جبلة السلمي الهروي ومحمد بن المنكدر وهو من أقرانه ومعتمر بن سليمان وموسى بن عبيدة الربذي (ت) وهشام بن حسان وهشام بن سلمان المجاشعي والهيثم بن جماز وواقد بن سلامة ويحيى بن كثير أبو النضر (ق) وأبو رجاء الجروي

ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثالثة من أهل البصرة وقال كان ضعيفا قدريا وذكره خليفة بن خياط في الطبقة الخامسة وقال عمرو بن علي كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه وكان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه وقال في موضع آخر سمعت عبد الرحمن يحدث عن الربيع بن صبيح عنه وكان رجلا صالحا وقد روى الناس عنه وليس بالقوي في الحديث وقال محمد بن المثنى قد حدث عبد الرحمن عن الربيع بن صبيح عن يزيد الرقاشي وقال البخاري تكلم فيه شعبة وقال إسحاق بن راهويه عن النضر بن شميل قال شعبة لأن أقطع الطريق أحب الي من أن أروي عن يزيد الرقاشي وقال أبو أحمد بن عدي حدثنا الحسن بن سفيان قال حدثني عبد العزيز بن سلام قال حدثنا رافع أو نافع قال أخبرني عبد الله بن إدريس قال سمعت شعبة يقول لأن يفعل الرجل بزنا خير له من أن يروي عن أبان ويزيد الرقاشي وقال الحسن بن عثمان التستري عن سلمة بن شبيب سمعت يزيد بن هارون يقول سمعت شعبة يقول لأن أزني أحب الي من أن أحدث عن يزيد الرقاشي قال يزيد بن هارون ما كان أهون عليه الزنا قال سلمة فذكرت ذلك لأحمد بن حنبل فقال إنما بلغنا هذا في أبان بن عياش وقال أبو جعفر العقيلي عن أبي يحيى زكريا بن يحيى الحلواني سمعت سلمة بن شبيب يقول سمعت يزيد بن هارون يقول سمعت شعبة يقول لأن أزني أحب الي من أن أروي عن يزيد الرقاشي قال سلمة فذكرت ذلك لأحمد بن حنبل فقال كان بلغنا أنه قال هذا في أبان قال أبو يحيى وكان أبو داود سليمان بن الأشعث صاحب أحمد بن حنبل معنا في مجلس سلمة فقال أبو داود قاله فيهما جميعا وقال أبو طالب سمعت أحمد بن حنبل يقول لا يكتب حديث يزيد الرقاشي قلت له فلم ترك حديثه لهوى كان فيه قال لا ولكن كان منكر الحديث وقال شعبة يحمل عليه وكان قاصا وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه هو فوق أبان بن أبي عياش وكان يضعف وقال في موضع آخر وكان شعبة يشبهه بأبان وقال معاوية بن صالح عن يحيى بن معين ضعيف وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين هو خير من أبان بن أبي عياش وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين رجل صالح وليس حديثه بشيء وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين ميمون بن سياه وزياد الرقاشي وزياد النمري كلهم ضعفاء وقال أبو عبيد الآجري سألت أبا داود عن يزيد الرقاشي فقال رجل صالح وسمعت يحيى بن معين ذكره فقال رجل صدق وقال يعقوب بن سفيان فيه ضعف وقال أبو حاتم كان واعظا بكاء كثير الرواية عن أنس بما فيه نظر صاحب عبادة وفي حديثه ضعف وقال النسائي والحاكم أبو أحمد متروك الحديث وقال النسائي في موضع آخر والدارقطني والبرقاني ضعيف وقال أبو أحمد بن عدي له أحاديث صالحة عن أنس وغيره وأرجو أنه لا بأس به لرواية الثقات عنه من البصريين والكوفيين وغيرهم وقال الحسن بن علي الخلال عن المعتمر بن سليمان قال يزيد الرقاشي إذا نمت ثم استيقظت فلا نامت عيناي وعلى الماء البارد السلام بالنهار وقال سعيد بن عامر حدثنا سلام بن أبي مطيع عن يزيد الرقاشي قال إذا نمت من الليل فاستيقظت فنمت الثانية فلا أنام الله عيني وقال محمد بن الحسين البرجلاني عن سورة بن قدامة حدثنا حبان بن الأسود عن عبد الخالق بن موسى اللقيطي قال جوع يزيد نفسه لله ستين عاما حتى ذبل جسمه ونهك بدنه وتغير لونه وكان يقول غلبني بطني فما أقدر له على حيلة وقال مثنى بن معاذ العنبري عن الهيثم بن عبيد الصيد قال حج أبي ويزيد الرقاشي فعاد له الى مكة فقال أبي ربما ركبت أنا وهو في المحمل من أول الليل إذا صلينا العتمة فيمر بالجبل فيقول يا جبل تصير هباء منثورا وتصير كذا وتصير كذا ويبقى على يزيد الحساب قال ثم يبكي فما أفقد بكاءه حتى يطلع الفجر وقال محمد بن كثير الصنعاني عن أبي رجاء الجزري قال يزيد الرقاشي رأيت في نومي كأني قرأت على النبي، صلى الله عليه وسلم، سورة فلما فرغت قال لي أو قيل لي هذه القراءة فأين البكاء قال وكان يزيد من البكائين وقال سعيد بن عامر عن سلام بن أبي مطيع قال يزيد الرقاشي لجلسائه يا اخوتاه تعالوا حتى نبكي على الماء البارد قال وكان قد عطش نفسه قبل ذلك أربعين عاما لا يفطر فيها الا خمسة أيام كان يرويها عن أنس بن مالك وقال السري بن عاصم عن محمد بن صبيح بن السماك حدثنا الهيثم بن جماز قال دخلت على يزيد الرقاشي في يوم شديد حره وهو يبكي وقد عطش نفسه أربعين سنة فقال لي أدخل يا هيثم تعال نبكي على الماء البارد في اليوم الحار حدثني أنس بن مالك أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال كل من ورد القيامة عطشان وقال أبو داود الحفري عن محمد بن السماك عن أشعث بن سوار دخلت على يزيد الرقاشي في يوم شديد الحر فقال يا أشعث تعال حتى نبكي على الماء البارد يوم الظمأ ثم قال والهفاه سبقني العابدون وقطع بي قال وقد كان صام ثلاثين أو أربعين سنة وقال محمد بن عمران الأخنسي عن جابر بن نوح حدثنا الأعمش أن يزيد الرقاشي كان ينوح على نفسه وهو يقول يا يزيد إذا مت من يتصدق عنك يا يزيد إذا مت من يصوم عنك ثم يقول وايزيداه إنما سمي نوح لأنه ناح على نفسه ويزيد لا ينوح على نفسه وقال محمد بن عبد الله الرقاشي عن معتمر بن سليمان قال يزيد الرقاشي أتروني أتهنأ بالحياة أيام الدنيا وأنا أعلم أن الموت مصيري قال وقد كان يبكي حتى تساقطت أشفاره وقال محمد بن الحسين البرجلاني عن زهدم بن الحارث حدثنا عبد الله بن رجاء عن هشام بن حسان قال بكى يزيد الرقاشي أربعين عاما حتى تساقطت أشفاره وأظلمت عيناه وتغيرت مجاري دموعه وعن عبيد الله بن محمد العيشي قال حدثنا إسماعيل بن ذكوان قال كان يزيد الرقاشي إن دخل بيته بكى وإن جلس اليه إخوانه بكى وأبكاهم فقال له ابنه يوما كم تبكي يا أبة والله لو كانت النار خلقت لك ما زدت على هذا البكاء فقال ثكلتك أمك يا بني وهل خلقت النار الا لي ولاصحابي ولاخواننا من الجن أما تقرأ يا بني سنفرغ لكم أيه الثقلان أما تقرأ يا بني يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران فجعل يقرأ عليه حتى انتهى يعني الى قوله يطوفون بينها وبين حميم آن فجعل يجول في الدار ويصرخ ويبكي حتى غشي عليه فقالت للفتى أمه يا بني ما أردت بذا من أبيك قال اني والله إنما أردت أن أهون عليه لم أرد أن أزيده حتى يقتل نفسه وعن مجالد بن عبيد الله الباهلي قال حدثني عبد النور بن يزيد بن أبان قال كان أبي يبكي ويقول لأصحابه ابكوا اليوم قبل الداهية الكبرى ابكوا اليوم قبل أن تبكوا غدا ابكوا اليوم قبل أن لا يغني البكاء ابكوا على التفريط أيام الدنيا قال ثم يبكي حتى يرفع صريعا من مجلسه وعن خالد بن يزيد القرني قال حدثنا فضالة الشحام قال سمعت يزيد الرقاشي يقول في كلامه أمن أهل الجنة من الموت فطاب لهم العيش وأمنوا من الأسقام فهنيئا لهم في جوار الله طول المقام قال ثم يبكي حتى يبل لحيته بالدموع وعن أبي عمر الضرير قال حدثنا صالح المري قال سمعت يزيد الرقاشي يقرأ هذه الآية على أصحابه ويبكي كلا إذا بلغت التراقي وقيل من راق وظن أنه الفراق قال يقول الملائكة بعضهم لبعض من أي باب يرتقي بعمله فيرتقي فيه بروحه ويقول أهله هذا والله حين فراقه فيبكي إليهم ويبكون اليه ولا يستطيع أن يحير إليهم جوابا قال ثم بكى يزيد بكاء شديدا وكان يزيد قد بكى حتى تناثرت أشفار عينيه وعن إسحاق بن منصور السلولي قال سمعت محمد بن صبيح يقول كان يزيد الرقاشي يقول في كلامه أيها المتفرد في حفرته المتخلي في القبر بوحدته المستأنس في بطن الأرض بأعماله ليت شعري بأي أعمالك استبشرت وبأي اخوانك أغتبطت قال ثم يبكي حتى تبتل عمامته ويقول استبشر والله بأعماله الصالحة واغتبط والله باخوانه المتعاونين على طاعة الله وعن أبي معمر التنوري قال حدثني ربيع أبو محمد قال كان يزيد الرقاشي يبكي حتى يسقط ثم يفيق ثم يسقط فيحمل مغشيا عليه الى أهله وكان يقول في كلامه اخوتي ابكوا قبل يوم البكاء ونوحوا قبل يوم النياحة وتوبوا قبل انقطاع التوبة إنما سمي نوحا لأنه كان نواحا فنوحوا يا معشر الكهول والشبان على أنفسكم وكان يتكلم والدموع جارية على لحيته وخديه وعن موسى بن هلال قال حدثنا صالح بن عمران البكري قال سمعت يزيد الرقاشي يقول ان الميت إذا وضع في قبره احتوشته أعماله ثم أنطقها الله فقالت أيها العبد المنفرد في حفرته انقطع عنك الأخلاء والأهلون فلا أنيس لك اليوم غيرنا قال ثم يبكي يزيد ويقول فطوبى لمن كان أنيسه صالحا والويل لمن كان أنيسه عليه وبالا وعن أبي محمد علي بن الحسن قال قيل لابن يزيد الرقاشي كان أبوك يتمثل من الشعر شيئا قال كان يتمثل إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجل الى هنا عن محمد بن الحسين البرجلاني عن شيوخه وقال الأصمعي عن عبد الله بن عمر النميري سمعت يزيد الرقاشي وتمنى قوم عنده أماني فقال يزيد أتمنى كما تمنيتم قالوا تمنه فقال يزيد ليتنا لم نخلق وليتنا إذ خلقنا لم نمت وليتنا إذ متنا لم نحاسب وليتنا إن حوسبنا لم نعذب وليتنا إن عذبنا لا نخلد وقال أحمد بن إبراهيم الدورقي عن أبي عبد الله أحمد بن نصر المروزي حدثنا سلمة أبو صالح قال حدثني كنانة بن جبلة السلمي قال قال يزيد الرقاشي انظروا الى هذه القبور سطورا بأفناء الدور تدانوا في خططهم وقربوا في مزارهم وبعدوا في لقائهم سكنوا فأوحشوا وعمروا فأخربوا فمن سمع بساكن موحش وعامر مخرب غير أهل القبور وعن كنانة بن جبلة قال قال يزيد الرقاشي خذوا الكلمة الطيبة ممن قالها وان لم يعمل بها فإن الله تعالى يقول { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } ألا تحمد من تعطيه فانيا فيعطيك باقيا درهما يفنى بعشرة تبقى الى سبع مائة ضعف أما لله مكافأة مطعمك ومسقيك وكافيك حفظك في ليلك ونهارك وأجابك في ضرائك كأنك نسيت ليلة وجع الأذن وليلة وجع العين أو خوفا في بر أو خوفا في بحر دعوته فاستجاب لك إنما أنت لص من لصوص الذنوب كلما عرض لك عارض عانقته ان سرك أن تنظر الى الدنيا بما فيها من ذهبها وفضتها وزخارفها فهلم أخبرك ان تشيع جنازة فهي الدنيا بما فيها من ذهبها وفضتها وزخارفها ثم احتمل القبر بما فيه أما أني لست آمرك أن تحتمل تربته ولكن آمرك أن تحتمل فكرته وقال أحمد بن عبيد بن ناصح عن الأصمعي قال يزيد الرقاشي خمس يفتحن من خمس الحرص من القراء والعجلة من الأمراء والفحش من ذوي السرف والبخل من ذوي الأموال والفتوة من ذوي الأسنان وقال أبو عبد الرحمن السلمي النيسابوري سمعت أبا عمرو بن مطر يقول سمعت أبا القاسم المذكر يقول دخل يزيد الرقاشي على عمر بن عبد العزيز فقال له عظني فقال أنت أول خليفة يموت يا أمير المؤمنين قال زدني قال لم يبق أحد من آبائك من لدن آدم الى أن بلغت النوبة إليك الا وقد ذاق الموت قال زدني قال ليس بين الجنة والنار منزل والله يقول { إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم } وأنت أبصر ببرك وفجورك قال فبكى عمر حتى سقط عن سريره وقال زيد بن الحباب عن حوشب بن عقيل سمعت يزيد الرقاشي يقول لما حضره الموت كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة الا إن الأعمال محضرة والأجور مكملة ولكل ساع ما سعى وغاية الدنيا وأهلها الى الموت ثم بكى وقال يا من القبر مسكنه وبين يدي الله موقفه والنار غدا مورده ماذا قدمت لنفسك ماذا أعددت لمصرعك ماذا أعددت لوقوفك بين يدي ربك وقال محمد بن الحسين البرجلاني عن الصلت بن حكيم حدثنا درست القزاز قال لما احتضر يزيد الرقاشي بكى فقيل له ما يبكيك رحمك الله قال أبكي والله على ما يفوتني من قيام الليل وصيام النهار قال ثم بكى وقال من يصلي لك يا يزيد ومن يصوم ومن يتقرب لك الى الله بالأعمال بعدك ومن يتوب لك اليه من الذنوب ويحكم يا إخوتاه لا تغتروا بشبابكم وكان قد حل بكم ما قد حل بي من عظيم الأمر وشدة كرب الموت النجاة النجاة الحذر الحذر يا إخوتاه المبادرة رحمكم الله. روى له البخاري في الأدب والترمذي وابن ماجة]



u فصل: نصوص تتعلق بـ(عباد بن كثير الرملي الفلسطيني الشامي).

* جاء في (ضعفاء العقيلي): [سمعت البخاري قال عباد بن كثير الفلسطيني فيه نظر.

ومن حديثه ما حدثناه محمد بن إسماعيل قال حدثنا عفان قال حدثنا زياد بن الربيع قال حدثني رجل يقال له عباد بن كثير من أهل فلسطين قال حدثتني امرأة منا يقال لها فسيلة أنها سمعت أباها يقول سألت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن العصبية قال أن يعين الرجل قومه على الظلم وهذا يروى عن واثلة بن الأسقع وغيره بإسناد أصلح من هذا].



* وجاء في (الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث): [عباد بن كثير (ق) بن قيس الرملي الفلسطيني وعباد بن كثير (د) (ق) الثقفي البصري العابد المجاور بمكة وعباد بن كثير الكاهلي أما الأول وهو الرملي الفلسطيني مجهول وقال البخاري فيه نظر وقال النسائي ليس بثقة وقال أبو زرعة ضعيف وقال عثمان عن بن معين ثقة ونقل بن الدورقي عن بن معين ليس به بأس وفيه كلام غير ذلك. وأما الثقفي وهو الثاني فقال بن معين ليس بشيء وقال خ سكن مكة تركوه وقال س عباد بن كثير البصري كان بمكة متروك وفيه كلام غير ذلك وأما الثالث وهو الكاهلي فهو متروك الحديث وجعله بن حبان الثقفي فهؤلاء الثلاثة في الميزان وقد قال بن الجوزي في موضوعاته في ثواب عيادة المريض عقب حديث والمتهم به عباد بن كثير ثم ذكر عن أحمد أنه دجال روى أحاديث كذب لم يسمعها وقال يحيى ليس بشيء وقال خ و س متروك انتهى أما الذي اتهمه بن الجوزي فإنه عباد بن كثير البصري وذلك لأنه بعد أن اتهمه ذكر عن أحمد وابن معين ما ذكر ثم إني راجعت الجرح والتعديل لابن أبي حاتم فوجدته قد نقل عن أحمد وابن معين ما نقله بن الجوزي عنهما في البصري والثقفي ورأيت الذهبي نقل في ترجمة الثقفي البصري عن خ و س أنه متروك نقله بن الجوزي عنهما في ترجمة عباد الذي اتهمه فعلمت أنه غير الثقفي والبصري والله أعلم فتحرر إلى أن المتهم هو عباد بن كثير البصري الثقفي العابد المجاور بمكة والله أعلم].

* جاء في (المجروحين , من المحدثين والضعفاء والمتروكين): [عباد بن كثير الثقفي الكاهلي أصله من البصرة سكن مكة وليس هذا بعباد بن كثير الرملي وقد قال أصحابنا إنهما واحد روى عنه المحاربي والناس أخبرنا الحسن بن عثمان بن زياد بتستر قال حدثنا عثمان بن عمر رسته قال حدثنا مجيب بن موسى قال كنت مع سفيان الثوري بمكة فمات عباد بن كثير فلم يشهد سفيان جنازته أخبرنا محمد بن معاذ الهاشمي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال قال بن المبارك لقد انتهيت إلى سفيان الثوري وهو يقول هذا عباد بن كثير فاحذروا حديثه أخبرنا محمد بن عبد الرحمن قال حدثنا بن قهزاد قال حدثنا عباس بن أبي رزمة قال سمعت بن المبارك يقول ما أدري من رأيت رجلا أفضل من عباد بن كثير في ضروب من الخير فإذا جاء الحديث فليس منها في شيء. سمعت محمد بن محمود يقول سمعت الدارمي يقول سألت يحيى بن معين عن عباد بن كثير الذي يكون بمكة قال ليس بشيء في الحديث وكان رجلا صالحا. قال أبو حاتم روى عباد بن كثير هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كان أحب الفاكهة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، الرطب والبطيخ وكان يأكل القثاء إذا أكله بالملح وكان يأكل التمر بالجوز وروى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال بروا آباءكم يبركم أبناؤكم وعفوا تعف نساؤكم فيما يشبه هذا من الأشياء المقلوبة وروى عن بن عقيل عن جابر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال من عمل عمل قوم لوط فاقتلوه. وروى عن الحسن بن أبي نضرة عن أبي سعيد وجابر قالا قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الغيبة أشد من الزنا قالوا وكيف ذلك يا رسول الله قال لأن صاحب الزنا إذا ثاب تيب عليه وصاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه أخبرناه عمران بن موسى بن مجاشع قال حدثنا إبراهيم بن عيسى الأبلي قال حدثنا أسباط بن محمد قال حدثنا أبو رجاء الخرساني عن عباد بن كثير عن الحسن وأبو رجاء هذا روح بن المسيب أيضا لا شيء وهو الذي روى عن أبي خالد الدالاني عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال قيلوا فإن الشياطين لا تقيل أخبرناه أحمد بن يحيى بن زهير بتستر قال حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني قال حدثنا علي بن عياش عن معاوية بن يحيى عن عباد بن كثير عن يزيد بن أبي خالد الدالاني وروى عن نافع عن بن عمر قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من قال لا إله إلا الله ومد بها صوته أسكنه الله دار الجلال قالوا يا رسول الله وما دار الجلال قال سمى بها نفسه فقال ذو الجلال والإكرام ورزقه الله النظر إلى وجهه قالوا يا رسول الله ومن يهنيه العيش بعد هذا قال إنه يكون في آخر الزمان قوم ينكرون هذا وأشباهه إن الله يعذبهم يوم القيامة عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين أخبرناه حمزة بن داود بن سليم بالأيلة قال حدثنا محمد بن رزام بن عبد الملك السليطي قال حدثنا أبي قال حدثنا عباد بن كثير عن نافع عن بن عمر وروى عن الحسن عن أنس بن مالك قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من حدث نفسه بتعظيم الناس له بصيام أو صلاة أو حج أو غير ذلك فقد كفر بالله أخبرناه الفضل بن محمد بالعطار بأنطاكية قال حدثنا محمد بن عبد الله بن خالويه الرقي قال حدثنا الوليد بن عبد الواحد قال حدثنا عباد بن كثير عن الحسن وروى عن عمرو بن خالد عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم بن ضمرة عن علي قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من غسل ميتا وحنطه وكفنه وحمله وصلى عليه ولم يفش ما رأى منه خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه أخبرناه محمد بن عمر بن يوسف قال حدثنا زكريا بن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال حدثنا المحاربي قال حدثنا عباد بن كثير عن عمرو بن خالد وعمرو بن خالد وعاصم بن ضمرة قال قد تبرأنا من عهدتهما في هذا الكتاب وروى عن الحسن عن أنس بن مالك قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تعوذوا بالله من فخر القراء فإنهم أشد فخرا من الجبابرة في ملكهم وإنه لا شيء أبغض إلى الله من قارىء متكبر أخبرناه الفضل بن محمد بأنطاكية قال حدثنا محمد بن خالويه الرقي قال حدثنا الوليد بن عبد الواحد قال حدثنا عباد بن كثير عن الحسن]



* جاء في (المجروحين , من المحدثين والضعفاء والمتروكين): [عباد بن كثير الرملي يروي عن سفيان الثوري روى عنه يحيى بن يحيى كان يحيى بن معين يوثقه وهو عندي لا شيء في الحديث لأنه روى عن سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (طلب الحلال فريضة بعد الفريضة). ومن روى مثل هذا الحديث عن الثوري بهذا الإسناد بطل الاحتجاج بخبره فيما يروي مالا يشبه حديث الأثبات والدليل على أن عباد بن كثير الرملي ليس بعباد بن كثير الذي كان بمكة أن يحيى بن يحيى روى عنه ويحيى لم يلحق الثوري وعباد بن كثير الذي كان بمكة مات قبل الثوري ولم يشهد الثوري جنازته ويحيى بن يحيى في ذلك الوقت كان طفلا صغيرا فهذا دليل على أنهما اثنان ليسا بواحد مات الثوري سنة إحدى وستين وقد روى عباد بن كثير هذا عن حوشب عن الحسن عن أنس بن مالك قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المصلي يتناثر على رأسه الخير من عنان السماء إلى مفرق رأسه والملائكة تحف به من لدن قدمه إلى عنان السماء وملك ينادى لو يعلم هذا العبد من يناجي ما انفتل.

أخبرناه الفضل بن محمد العطار بأنطاكية قال حدثنا علي بن سهل الرملي قال حدثنا زيد بن أبي الزرقاء عن عباد بن كثير عن حوشب عن الحسن].

* نص (تهذيب الكمال): [ (بخ) (ق) عباد بن كثير الرملي الفلسطيني الشامي وقال بعضهم عباد بن كثير بن قيس التميمي.

- روى عن: ثور بن يزيد الحمصي وداود بن أبي هند والزبير بن عدي وسليمان الأعمش وعاصم بن طلحة وعبد الله بن دينار وعبد الله بن طاوس وعبد الرحمن السندي مولى بني أمية وعروة بن رويم اللخمي ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب والهيثم الصيرفي الكوفي وأبي عقال وشميسة بنت نبهان وفسيلة بنت واثلة بن الأسقع (بخ) (ت).

- روى عنه: أبو توبة جرول بن جنفل النميري الحراني وزياد بن الربيع اليحمدي (بخ) (ق) وضمرة بن ربيعة وعبد الله بن محمد النفيلي وعقبة بن علقمة البيروتي ومخلد بن يزيد الحراني ويحيى بن يحيى النيسابوري.

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: (زعموا أنه ضعيف). وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين عباد بن كثير الرملي الخواص: (ثقة). وقال عثمان بن سعيد الدارمي سألت يحيى بن معين عن عباد بن كثير الرملي فقال: (ثقة). وقال عبد الله بن أحمد الدورقي عن يحيى بن معين: (عباد بن كثير بن قيس الرملي: ليس به بأس). وقال أبو بكر بن أبي شيبة عن زياد بن الربيع حدثنا عباد بن كثير الشامي، وكان ثقة. وقال أبو زرعة: (ضعيف الحديث)، وقال أبو حاتم: (ظننت أنه أحسن حالا من عباد بن كثير البصري فإذا هو قريب منه: ضعيف الحديث). وقال البخاري: (فيه نظر)، وقال النسائي: (ليس بثقة). وقال علي بن الحسين بن الجنيد الرازي: (متروك). وروى له بن عدي عن عروة بن رويم عن بن عمر قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن كان الجهاد على باب أحدكم فلا يخرج إلا بإذن أبويه. وعن عروة بن رويم عن المسور بن مخرمة عن أبي رافع أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال ما بعث الله من نبي إلا كان له من أمته حواري وأصحاب يستنون بسنته ويأخذون بهديه ثم يخلف من بعدهم خلوف، ... الحديث. وعن طاوس عن أبيه عن بن عباس قال لما نزلت هذه الآية { وشاورهم في الأمر } ثم قال: (وهذه الأحاديث التي ذكرتها لعباد الرملي هذا غير محفوظات وهو خير من عباد البصري).

روى له البخاري في الأدب وابن ماجة حديثا واحدا وقد وقع لنا عاليا عنه أخبرنا به أبو الحسن بن البخاري وأبو إسحاق بن الدرجي قالا أنبأنا أبو جعفر الصيدلاني قال أخبرنا أبو علي الحداد (ح) وأخبرنا أبو الحسن بن البخاري قال أنبأنا أسعد بن أبي طاهر الثقفي قال أخبرنا جعفر بن عبد الواحد الثقفي قالا أخبرنا أبو طاهر بن عبد الرحيم قال أخبرنا أبو بكر بن فورك القباب قال أخبرنا أبو بكر بن أبي عاصم قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا زياد بن الربيع اليحمدي عن عباد بن كثير الشامي عن امرأة منهم يقال لها فسيلة قالت سمعت أبي يقول سألت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمن العصبية أن يحب الرجل قومه قال لا ولكن العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم رواه البخاري عن زكريا بن يحيى البلخي عن الحكم بن المبارك عن زياد بن الربيع فوقع لنا بدلا عاليا ورواه بن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة فوافقناه فيه بعلو]

* وجاء في (تقريب التهذيب): [عباد بن كثير الرملي الفلسطيني، ويقال له التميمي، واسم جده قيس: ضعيف. قال بن عدي هو خير من عباد الثقفي تأخر إلى حدود السبعين (بخ) (ق)].

* نص (الكامل في ضعفاء الرجال): [(عباد بن كثير بن قيس الرملي): حدثنا علي بن إسحاق بن زاطيا حدثنا القواريري حدثنا زياد بن الربيع اليحمدي حدثني رجل من أهل فلسطين يقال له عباد بن كثير وحدثنا عبد الرحمن بن عبد المؤمن أخبرنا الحسين بن عيسى حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا عباد بن كثير الفلسطيني وحدثنا بن أبي زينب حدثنا يحيى بن عثمان حدثنا ضمرة عن عباد بن كثير بن قيس وحدثنا أحمد بن علي حدثنا عبد الله بن الدورقي حدثنا يحيى بن معين قال عباد بن كثير بن قيس الرملي ليس به بأس. حدثنا محمد بن علي حدثنا عثمان بن سعيد سألت يحيى عن عباد بن كثير الرملي فقال ثقة. حدثنا الحسن بن عبد المجيد حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زياد بن الربيع اليحمدي عن عباد بن كثير الشامي قال وكان ثقة سمعت بن حماد يقول قال البخاري عباد بن كثير يعني الرملي فيه نظر. حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن يزيد بن عقال بحران حدثنا أبو جعفر النفيلي حدثنا عباد بن كثير الرملي عن عروة بن رويم عن بن عمر قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن كان الجهاد على باب أحدكم فلا يخرج إلا بإذن أبويه. حدثنا الفريابي حدثنا عبد الله بن محمد أبو جعفر النفيلي حدثنا عباد بن كثير الرملي عن عروة بن رويم عن المسور بن مخرمة عن أبي رافع أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال ما بعث الله من نبي إلا كان من أمته حواري من أصحابه يستنون بسنته ويأخذون بهديه ثم يخلف بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون من أنكر عليهم بيده فهو مؤمن ومن أنكر عليهم بلسانه فهو مؤمن ومن أنكر عليهم بقلبه فهو مؤمن وذاك أضعف الإيمان.

حدثنا أحمد بن خالد بن عبد الملك بن مسرح بحران حدثنا عمي الوليد بن عبد الملك بن مسرح حدثنا مخلد يعني بن يزيد عن عباد بن كثير الرملي عن بن طاوس عن أبيه عن بن عباس قال لما نزلت هذه الآية وشاورهم في الأمر الآية قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أما إن الله ورسوله غنيان عنها لكن جعلها الله رحمة لأمتي فمن شاور منهم لم يعدم رشدا ومن ترك المشورة منهم لم يعدم غنى.

قال الشيخ: وهذه الأحاديث التي ذكرتها لعباد الرملي هذا غير محفوظة وهو خير من عباد البصري].

قلت: الغريب أن الإمام بن عدي لم يذكر حديث: (طلب الحلال فريضة بعد الفريضة) أصلاً، وهو الذي اشتد إنكار الإمام ابن حبان على عباد بن كثير بن قيس الرملي الفلسطيني بسببه: هذه ظاهرة تستحق الدراسة!

ومهما يكن من أمر فإن عباد بن كثير بن قيس الرملي الفلسطيني ليس بالقوي،و لا تقوم به الحجة إذا انفرد، وإنما يصلح في المتابعات، وفيما وافق فيه الثقات الأثبات، وربما في الآداب وفضائل الأعمال كفعل الإمام البخاري في (الأدب المفرد)، والله أعلم وأحكم.

أحمد سعد الدين
03-04-2005, 05:59 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الأخ الفاضل الشمرى
بارك الله فيك

ولقد قام الشيخ عَـبْـد الـلَّـه بن محمد زُقَـيْـل بتخريج الحديث فكتب :

تخريجُ الحديثِ :

أخرجهُ ابنُ عساكرٍ في " تاريخِ دمشق " (43/347) : أخبرنا أبو الحسن الشافعي ، وأبو الحسن بن دريد قالا : أنا نصر بن إبراهيم زاد الشافعي ، وأبو محمد بن فضيل قالا : أنا أبو الحسن بن عوف ، أنا أبو علي بن منير ، أنا أبو بكر محمد بن خريم ، نا هشام بن عمار ، نا أبي : عمار بن نصير بن ميسرة بن أبان الظفري ، نا عباد بن كثير ، عن يزيد الرقاشي عن أنس به .

وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جداً فيه :

1 – يزيدُ الرقاشي : هو يزيدُ بنُ أبان الرَّقَاشي أبو عمرو البصري القاص من زهادِ البصرةِ .

وكلامُ أهلِ العلم فيه طويل ، من ذلك :

قال البخاري : تكلم فيه شعبةُ . وقال أبو طالب : سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقول : " لا يكتبُ حديث يزيد الرقاشي . قلت له : فلم تُرك حديثهُ ، لهوى كان فيه ؟ قال : لا ، ولكن كان منكر الحديثِ . وقال : شعبةُ يحملُ عليه ، وكان قاصاً . وقال أبو حاتم : كان واعظاً بكاءً كثير الروايةِ عن أنس بما فيه نظرٌ ، صاحبُ عبادةٍ ، وفي حديثهِ ضعفٌ .

وقد لخص ابنُ حبان الكلامَ فيه فقال : " كان من خيارِ عبادِ اللهِ من البكائين في الخلواتِ والقائمين بالحقائق في السبراتِ ، ممن غفل عن صناعةِ الحديثِ وحفظها ، واشتغل بالعبادةِ وأسبابها حتى كان يقلبُ كلامَ الحسن فيجعله عن أنس وغيره من الثقات بطل الاحتجاجُ به ، فلا تحلُ الروايةُ عنه إلا على سبيل التعجب " .

2 – عبادُ بنُ كثير : يوجد اثنان بهذا الاسم عبادُ بنُ كثير الثقفي البصري ، وعبادُ بنُ كثير الرملي الفلسطيني الشامي ، ولم أجد في ترجمتهما روايةً عن يزيد الرقاشي ، والذي يغلب على ظني أنه الأولُ لأن الرقاشي بصري فيكون بلديهُ . فإن كان الأولُ فهو متروكُ الحديثِ ، والثاني لا يبعدُ عنه كثيراً .

ولو لم يكن في الإسناد إلا هذان الرجلان لكفى في ردِ الحديثِ عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وأوردهُ السيوطي في " جمع الجوامعِ " (1/929) وعزاهُ لابن عساكر وقال : " ضعفهُ " .

وقد جاء الحديث من طريقٍ آخر عند أبي عمرو الداني في " السنن الواردةِ في الفتنِ وغوائلها والساعة وأشراطها " (3/751 ح 371) مرسلاً من طريق محمد بن أبي محمد ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا سعيد ، قال حدثنا يوسف بن يحيى ، قال : حدثنا عبدالملك ، قال : حدثنا الطلحي ، عن عبدالرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه بلفظ : " لا يزالُ الجهادُ حلواً أخضر ، ما قطر القطرُ من السماءِ ، وسيأتي على الناسِ زمانٌ يقولُ فيه قراءٌ منهم : ليس هذا زمانُ جهادٍ ، فمن أدرك ذلك الزمان ، فنعم زمانُ الجهادِ ، قالوا : يا رسول الله ، واحدٌ يقولُ ذلك ؟ فقال : نعم ، من عليه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين .

وهذا السندُ فيه عبدُ الرحمن بنُ زيد بن أسلم العدوي ضعفه سائرُ أهلِ العلم ولهذا قال ابنُ الجوزي : " أجمعوا على ضعفهِ " .

والعلةُ الأخرى الإرسال ، فزيدُ بنُ أسلم لم يرَ النبي صلى اللهُ عليه وسلم ، والمرسلُ من أقسامِ الضعيفِ كما قرر ذلك أهلُ العلم .

وقد ورد حديثٌ آخر بنفسِ المعنى عند أبي يعلى في " مسنده " (9/274 – 275) من طريق داود بنِ رشيد ، حدثنا بقيةُ بنُ الوليد ، عن علي بنِ علي ، حدثني يونس ، عن الزهري ، عن عبيدِ الله بنِ عبدِ الله ، عن ابنِ مسعود قال : جاءهُ رجلٌ فقال : أسمعتَ رسولَ اللهِ يقولُ في الخيلِ شيئاً قال : نعم ؛ سمعتُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يقولُ : " الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامةِ . اشتروا على اللهِ ، واستقرضوا على اللهِ " . قيل : " يا رسولَ الله ؛ كيف نشتري على اللهِ ونستقرضُ على اللهِ ؟ " ، قال : " قولوا أقرضنا إلى مقاسمنا وبِعْنا إلى أن يفتحَ اللهُ لنا ، لا تزالون بخيرٍ ما دام جهادكم خضراً ، وسيكونُ في آخرِ الزمانِ قوم يشكُّون في الجهادِ ، فجاهدوا في زمانهم ثم اغزوا فإن الغزو يومئذٍ أخضرُ .

قال محققُ مسندِ أبي يعلى عن الحديثِ : " إسنادهُ ضعيفٌ لانقطاعهِ ، عبيدُ اللهِ كان يرسلُ عن ابنِ مسعودٍ ، وبقيةُ بنُ الوليدِ مدلسٌ وقد عنعن . وذكرهُ الهيثمي في " المجمع " (5/280) وقال : " رواه أبو يعلى ، وفيه بقيةُ بنُ الوليدِ وهو مدلسٌ ، وبقيةُ رجاله ثقاتٌ " .

وبهذا يتبينُ أن الحديثَ بجميعِ طرقهِ لا يصحُ عن النبي صلى اللهُ عليه وسلم ،
وأن الجهادَ ماضٍ إلى يومِ القيامةِ ، وقد تمرُ بالأمةِ حالاتُ ضعفٍ يضعفُ معها أمرُ الجهادِ ، ولكن لا يعني أنه يمتنعُ بالكليةِ في جميعِ العصورِ والأزمان . والله أعلم .

أحمد سعد الدين
03-04-2005, 06:03 PM
حكم قبول الحديث الضعيف فى فضائل الأعمال

الشيخ عبد الخالق حسن الشريف



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فقد اختلف العلماء فى حكم قبول الحديث الضعيف فى فضائل الأعمال، وقد دارت مناقشات طويلة فى هذا الأمر، وقد تبين لى من متابعة ما يصدر من مؤلفات إسلامية، أو أشرطة تحمل الدروس والمواعظ، وكذلك بعض الفضلاء الذين يتحدثون فى الأجهزة الإعلامية، أو من فوق المنابر، تبين لى عدم دقة فهمهم لهذا الخلاف الذى وقع بين العلماء حول حكم قبول الحديث الضعيف فى فضائل الأعمال، مما جعلهم فى بعض الأحيان يروون الأحاديث الموضوعة، أو شديدة الضعف، لذا رأيت - من خلال مجلة الرسالة - أن أكتب عن هذا الأمر تذكيرًا وتنبيهًا صيانة لسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وذلك بعد المقالات السابقة فى الحديث الموضوع، وسوف نعرض - بإذن الله تعالى - لجميع الآراء، ثم نرجح ما نرى أولى الآراء بالتمسك به.


تمهيد

تميزت هذه الأمة بأنها أمة السند، قال ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء(1)، وقال سفيان الثورى: الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأى شيء يقاتل(2).


والحديث الضعيف «المردود» هو الذى لم يرجح صدق المخبر به(3)، وأسباب ضعف الحديث تخلف شرط أو أكثر من شروط الحديث الصحيح أو الحسن، قال الإمام العراقى: «كل حديث لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح، ولا صفات الحديث الحسن، فهو حديث ضعيف»(4)، ويكون ذلك إما بقطع فى السند، أو طعن فى الراوى، أو الشذوذ، أو العلة، إلا إذا جبر من طريق آخر بما يجبره، إذا كان صالحًا للجبر.


قال الإمام النووى: إذا رأيت حديثًا بإسناد ضعيف، فلك أن تقول: هو ضعيف بهذا الإسناد، ولا تقل ضعيف المتن لمجرد ضعف ذلك الإسناد، إلا أن يقول إمام لم يرو من وجه صحيح، أو أنه حديث ضعيف مفسرًا ضعفه(5


الفرق بين ما يستدل به فى الحلال والحرام وفى غير ذلك:

قال الإمام اللكنوى: «وليعلم أن الأحكام وغير الأحكام، وإن كانت متساوية الأقدام فى الاحتياج إلى السند - وما خلا عن السند فهو غير معتمد - إلا أن بينهما فرقًا من حيث إنه يشدد فى أخبار الأحكام من الحلال والحرام، وفى غيرها يقبل الإسناد الضعيف بشروط صرح بها الأعلام»(6).


قال الإمام النووى فى الأذكار: «قال العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويستحب العمل فى الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا، وأما الأحكام كالحلال والحرام، والبيع، والنكاح، والطلاق، وغير ذلك، فلا يعمل فيها إلا بالحديث الصحيح، أو الحسن، إلا أن يكون فى احتياط فى شيء من ذلك»(7

أحمد سعد الدين
03-04-2005, 06:04 PM
ما نقل عن العلماء فى العمل بالحديث الضعيف فى فضائل الأعمال:

(1) قال الإمام أحمد وغيره من الأئمة: إذا روينا فى الحلال والحرام شدَّدنا، وإذا روينا فى الفضائل ونحوها تساهلنا»(8).


(2) قال النووى: «ويجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل فى الأسانيد ورواية سوى الموضوع من الضعيف، والعمل به من غير بيان ضعفه فى غير صفات الله تعالى والأحكام، كالحلال والحرام، ومما لا تعلق له بالعقائد والأحكام»(9).


(3) قال السيوطى - شارحًا لقول الإمام النووى السابق: «لم يذكر ابن الصلاح والمصنف - النووى - هنا وفى سائر كتبه لما ذكر سوى هذا الشرط وكونه فى الفضائل ونحوها» ثم يورد بعد ذلك آراء أخرى فيقول: «وذكر شيخ الإسلام - يعنى الإمام ابن حجر - له ثلاثة شروط:

أحدها: أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين، والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه، نقل العلائى الاتفاق عليه.


الثانى: أن يندرج تحت أصل معمول به.


الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط.


وهذان - أى الشرط الثانى والثالث - ذكرهما ابن عبد السلام، وابن دقيق العيد.


وقيل: لا يجوز العمل به مطلقًا، قاله أبو بكر بن العربى، وقيل: يعمل به مطلقًا، ويعزو ذلك إلى أبى داود وأحمد، وأنهما يريان ذلك أقوى من رأى الرجال.


ثم يقول السيوطى: «وعبارة الزركشى: الضعيف مردود ما لم يقتض ترغيبًا أو ترهيبًا، أو تتعدد طرقه، ولم يكن المتابع منحطًا عنه، وقيل لا يقبل مطلقًا، وقيل: يقبل إن شهد له أصل، واندرج تحت عموم.. انتهى، ويعمل بالضعيف أيضًا فى الأحكام إذا كان فيه احتياط»(10).


وفى الفتح المبين لابن حجر الهيتمى: قد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف فى فضائل الأعمال؛ لأنه إن كان صحيحًا فى نفس الأمر، فقد أعطى حقه من العمل به، وإلا لم يترتب على العمل به مفسدةُ تحليل ولا تحريم ولا ضياع حق للغير»(11).


والمتتبع لما عليه أئمة المذاهب يجد أنهم عملوا بالحديث الضعيف، وقدموه على الرأى، وكان الإمام أحمد يعمل بالضعيف إذا لم يوجد غيره، ولم يكن ثم ما يعارضه، وفى رواية عنه: «ضعيف الحديث عندنا أحب من رأى الرجال»(12).


خلاصة الأمر:

يتضح لنا فى هذه المسألة ثلاثة آراء:

الرأى الأول: أن يعمل بالحديث الضعيف مطلقًا، أى فى الحلال والحرام، وغيره بشرط أن لا يوجد غيره، ولم يكن من الأدلة ما يعارضه، وممن اشتهر عنهم هذا الرأى الإمام أحمد بن حنبل، وأبو داود وغيرهما.


لكن الإمام ابن تيمية فى منهاج السنة يقول: «قولنا: إن الحديث الضعيف خير من الرأى، ليس المراد به الضعيف المتروك، لكن المراد به الحسن، كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحديث إبراهيم وأمثالهما ممن يحسن الترمذى حديثه أو يصححه»(13).


وقال الإمام ابن القيم فى إعلام الموقعين: «الأصل الرابع من أصول الإمام أحمد التى ببنى عليها فتاويه: الأخذ بالمرسل، والحديث الضعيف إذا لم يكن فى الباب شيء يدفعه، وهو الذى رجحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر، ولا ما فى رواته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد فى الباب أثرًا يدفعه، ولا قول صاحب، ولا إجماعًا على خلافه: كان العمل به عنده أولى من القياس»(14).


ولكن يعترض على ذلك بأن ابن منده حكى أنه سمع محمد بن سعد الباوردى يقول: كان مذهب النسائى أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه، قال ابن منده: وكذلك أبو داود يأخذ مأخذه، ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد فى الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأى الرجال(15).


الرأى الثانى: لا يجوز العمل بالحديث الضعيف مطلقًا لا فى فضائل الأعمال، ولا فى الحلال والحرام، ونسب هذا الرأى إلى القاضى أبى بكر بن العربى، والشهاب الخفاجى، والجلال الدوانى، وممن توسع فى هذا الرأى، والعمل به الإمام اللكنوى فى «ظفر الأمانى بشرح خلاصة الجرجانى»، وفى رسالته «الأجوبة الفاضلة»، وكذلك الخطيب فى «الكفاية» وابن عدى فى كتابه «الكامل»

الرأى الثالث: وهو مذهب جماهير المحدثين والفقهاء وغيرهم، وحكى الاتفاق عليه الإمام النووى، والشيخ على القارى، والإمام ابن حجر الهيتمى، وقد بين الإمام ابن حجر العسقلانى شروطًا فى ذلك مما يجعل رأيه موضحًا لأصحاب هذا الرأى سبق ذكرها، وهى:

الأول: أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين، والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه، نقل العلائى الاتفاق عليه.


الثانى: أن يندرج تحت أصل معمول به.


الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط.


وهذان - أى الشرط الثانى والثالث - ذكرهما ابن عبد السلام وابن دقيق العيد.

أحمد سعد الدين
03-04-2005, 06:04 PM
مناقشة الآراء:

قال الإمام اللكنوى - بعد عرض جميع الآراء: «هذه العبارات ونحوها الواقعة فى كتب الثقات تشهد بتفرقهم فى ذلك، فمنهم من منع العمل بالضعيف مطلقًا، وهو مذهب ضعيف، ومنهم من جوزه مطلقًا، وهو توسع سخيف، ومنهم من فصل وقيد، وهو المسلك المسدود»(16).


مناقشة الرأى الأول:

وهو الرأى الذى يرى العمل بالحديث الضعيف مطلقًا، والذى يرد عليه أن الحكم وفقًا للدليل - الحديث - إنما هو تشريع، وإثبات التشريع بما غلب على الظن عدم ثبوته يعد تشريعًا فى الدين، بما لم يثبت بالدليل، ولم يرد إذن من الشارع به، وأن القول بأن ذلك فى فضائل الأعمال والترغيب والترهيب فغير مقبول، حيث يرد الأمر، ويقال عنه مستحب، أو تطالب الأمة بما ورد فى الحديث مع كونه ضعيفًا، وما الاستحباب إلا مرتبة من مراتب الأحكام الشرعية (الاستحباب درجة من درجات المندوب).


وبالتالى بناء على هذا الرأى فقد أثبت حكم شرعى بحديث ضعيف مع اتفاقهم أن الضعيف لا يعمل به فى مجال الأحكام، فبذلك يظهر تناقض الكلام.


وأجيب على ما سبق بأن العمل بالحديث الضعيف «ليس من باب الاختراع فى الشرع، وإنما هو ابتغاء فضيلة، ورجاؤها بأمارة ضعيفة من غير مفسدة عليه»(17).


وقيل: «إن ثبوت الفضائل والترغيب لا يلزمه حكم، ألا ترى أنه لو ورد حديث ضعيف فى ثواب بعض الأمور الثابت استحبابها والترغيب فيها، أو فى فضائل بعض الأصحاب أو الأذكار المأثورة، لم يلزم مما ذكر ثبوت حكم أصلاً، ولا حاجة لتخصيص الأحكام والأعمال - كما توهمه الدَّوانى - للفرق الظاهر بين الأعمال وفضائل الأعمال»(18).


وهذه الأقوال جميعًا يرد عليها بما ثبت فى أقوال الأئمة، حيث استدلوا بالحديث الضعيف على ندب بعض الأمور، وكذلك ما نصوا عليه من جواز العمل بالحديث الضعيف فى الترغيب والترهيب والمناقب وفضائل الأعمال(19).


مناقشة الرأى الثانى:

وهو أن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقًا، ويرى من يذهب إلى هذا الرأى أن لدينا مما صح فى الفضائل والترغيب والترهيب من جوامع كلم المصطفى، ثروة يعجز البيان عن وصفها، وهى تغنينا عن رواية الأحاديث الضعيفة فى هذا الباب، وبخاصة أن الفضائل، ومكارم الأخلاق من دعائم الدين، ولا فرق بينها وبين الأحكام من حيث ثبوتها بالحديث الصحيح أو الحسن، فمن الواجب أن يكون مصدرها جميعًا الأخبار المنقولة(20).


مناقشة الرأى الثالث:

وهو الرأى الذى كشف قواعده وأسسه الإمام ابن حجر العسقلانى، ووضع له ضوابط وشروط سبق ذكرها.


الرأى الذى نميل إليه ونرجحه.


وقبل بيان الرأى الذى نميل إليه ونرجحه، لابد من بيان بعض الأمور:

(1) لماذا نلجأ إلى الأحاديث الضعيفة فى فضائل الأعمال، وفى الترغيب والترهيب، هل السبب فى ذلك قلة ما عندنا من أحاديث مقبولة فى الباب، أم هو قلة الوقت المبذول فى البحث؟

(2) على الرأى الثالث: هل من يأتى بأحايث ضعيفة فى الفضائل وأمثالها يتأكد أن الضعف غير شديد، وبالتالى فلا يروى حديثًا انفرد به الكذابون، أو المتهمون بالكذب، أو من فحش غلطه، أم أنه - غالبًا - لا يعلم أحكام العلماء فى الجرح والتعديل. إن مراجعة بسيطة للمقالات السابقة(21) لنا فى هذه المجلة الغراء عن الحديث الموضوع يجد أن الكثير منها متداول على ألسنة الوعاظ رغم أنها مكذوبة على رسول الله(صلى الله عليه وسلم).


(3) وعلى الرأى الثالث أيضًا، فهل يتأكد أن مثل ما يرويه يندرج تحت أصل معمول به.


(4) وهل الكُتاب والوعاظ والأئمة إذا تأكدوا وتوفرت لهم المعلومات السابقة، فهل حين يعلمون الناس هذه الأحاديث الضعيفة، ويعلمونهم العمل بموجبها يعملونهم أيضًا أن لا يعتقدوا عند العمل ثبوت ذلك، بل على الناس أن يعتقدوا عند العمل بالضعيف أن ذلك من باب الاحتياط.

أحمد سعد الدين
03-04-2005, 06:05 PM
من هنا:

نقول: إن أفضل الآراء هو الرأى الثانى الذى يمنع العمل بالحديث الضعيف مطلقًا، خاصة وأن العلماء ذهبوا إلى ما كان ضعفه يقبل الجبر، وجاء ما يجبره من مثله فأدخلوه فى قسم المقبول تحت اسم «الحسن لغيره»، وكذلك لاختلاف السابقين فى تعريف الضعيف، حيث كان أكثرهم يعنون به الحسن أو ما يقاربه، وهذا ما يطمئن إليه المرء؛ إذ لا يتصور فضيلة أو أمرًا يرغب فيه، أو يرهب منه إلا نقل لنا فيه من الأحاديث المقبولة ما يمكن الاعتماد عليه، ولكن الأمر يحتاج من الباحث أو الواعظ جهدًا يبذله لتحرى الخير الذى يرجوه، وعليه أن لا يستسهل الجمع من الكتب التى لم تفرق ولم تميز.


على أننا أيضًا لا ننكر ما ذهب إليه الإمام اللكنوى حين قال: فالحق فى هذا المقام: أنه إذا لم يثبت ندب أو جواز بخصوصه بحديث صحيح، وورد بذلك حديث ضعيف ليس شديد الضعف يثبت استحبابه وجوازه به، بشرط أن يكون مندرجًا تحت أصل شرعى، ولا يكون مناقضًا للأصول الشرعية والأدلة الصحيحة(22).


ثم يوضح (رحمه الله) هذا الأمر بقوله: «والذى يصلح للتعويل: أنه إذا وجد حديث ضعيف فى فضيلة عمل من الأعمال، ولم يكن هذا العمل مما يحتمل الحرمة أو الكراهة، فإنه يجوز العمل به ويستحب؛ لأنه مأمون الخطر ومرجو النفع، إذ هو دائر بين الإباحة والاستحباب، فالاحتياط العمل به رجاء الثواب، وأما إذا دار بين الحرمة والاستحباب فلا وجه لاستحباب العمل به.


وأما إذا دار بين الكراهة والاستحباب فمجال النظر فيه واسع؛ إذ فى العمل دغدغة الوقوع فى المكروه، وفى الترك مظنة ترك المستحب، فلينظر: إن كان حظر الكراهة أشد بأن تكون الكراهة المحتملة شديدة، والاستحباب المحتمل ضعيفًا، فحينئذ يرجح الترك على العمل فلا يستحب العمل به.


وإن كان حظر الكراهة أضعف بأن تكون الكراهة - على تقدير وقوعها - كراهة ضعيفة دون مرتبة ترك العمل - على تقرير استحبابه - فالاحتياط العمل به، وفى صورة المساواة: يحتاج إلى نظر تام، والظن أنه يستحب أيضًا؛ لأن المباحات تصير بالنية عبادة، فكيف ما فيه شبهة الاستحباب لأجل الحديث الضعيف؟

فجواز العمل واستحبابه مشروطان: أما جواز العمل فبعدم احتمال الحرمة، وأما الاستحباب فبما ذكرناه مفصلاً(23).


من هنا نؤكد على النصيحة للإخوة الكرام بالتمسك بالأحاديث المقبولة (الصحيح لذاته، والصحيح لغيره، والحسن لذاته، والحسن لغيره)، وأن يبذلوا جهدًا فى مراجع الأئمة الثقات، وأن يأخذوا العلم من الكتب المحققة بمعرفة الأثبات من العلماء حماية لدين الله وصونًا له، أما من أراد غير ذلك فعليه أن يبذل الجهد للتحقق فى توافر الشروط التى أشار إليها الأئمة والأعلام وبينها الإمام ابن حجر، وبسطها وشرحها الإمام اللكنوى.


والله ولى التوفيق، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

أحمد سعد الدين
03-04-2005, 06:05 PM
الهوامش:

(1) مسلم فى مقدمة صحيحة 1/87، والسيوطى فى تدريب الراوى 2/160 (ط دار إحياء السنة النبوية).


(2) السبكى فى طبقات الشافعية 1/167، والسيوطى المرجع السابق.


(3) شرح نخبة الفكر لابن حجر ص19.


(4) التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح ص54، «النوع الثالث».


(5) تقريب النواوى، راجع تدريب الراوى 1/298.


(6) الأجوبة الفاضلة للإمام محمد عبد الحى اللكنوى تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ص36.


(7) الأذكار للنووى ص7 - 8.


(8) الأجوبة الفاضلة - مرجع سابق ص36.


(9) تدريب الراوى ج1 ص298.


(10) تدريب الراوى جـ ص298/ 299.


(11) ص32.


(12) راجع شرح ابن علاف للأذكار (1/86)، والأجوبة الفاضلة ص47، وفيها استيفاء لمناقشة ذلك.


(13) 2/191.


(14) 1/31.


(15) تدريب الراوى 1/167.


(16) الأجوبة الفاضلة - مرجع سابق - ص53.


(17) ينسب ذلك لابن حجر المكى الهيتمى - راجع الأجوبة الفاضلة ص43.


(18) راجع الأجوبة الفاضلة 53/54، ويرجع ذلك إلى أحمد الخفاجى فى نسيم الرياض شرح شفاء القاضى عياض.


(19) تراجع النصوص السابقة فى هذا الشأن.


(20) المختصر الوجيز فى علوم الحديث، د. محمد عجاج الخطيب ص159.


(21) راجع أعداد مجلة الرسالة الثلاث السابقة على هذا العدد.


(22) الأجوبة الفاضلة ص55.


(23) الأجوبة الفاضلة 57/58.

الشمري
03-04-2005, 11:00 PM
بارك الله فيك أخي الفاضل ( أحمد سعد الدين ) ولاكن بقي سؤال أخر :

ماذا نقول عن الأدلة التي أستند عليها صاحب الرسالة ( في الأعلى ) على صحة الحديث بل أنه جزم بتصحيحه 0

أحمد سعد الدين
04-04-2005, 02:22 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الأخ الفاضل الشمرى
بارك الله فيك

ولا خلاف بين الشيخين فى أن الحديث المذكرر به ضعف ( أو ضعف شديد ) فى الاسناد ، أما معنى الحديث فهو صحيح ولا يتعارض مع القرآن والسنة فالجهاد فريضة أو واجب .

ولكن أئمتنا وفقهاؤنا دققوا فى الأحاديث المنسوبة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم حفاظا على السنة ، والضعف اما يكون فى الاسناد ( كما هو الحال فى الحديث محل البحث ) أو المتن ، وفى كلتا الحالتين يمكن أن يكون المعنى صحيحا ولكن لا يُحكم بصحة الحديث لعدم توفر شروط الصحة.

والخلاف ما بين الشيخين هو فى حكم العمل بالأحاديث الضعيفة فى فضائل الأعمال، وفيها ثلاثة أقوال للعلماء كما سبق بيانه وكل فئة رجح عندها قولا من تلك الأقوال.

والسؤال ما هو موقفنا نحن عامة المسلمين عند اختلاف العلماء حول مسألة ؟

سأورد لك من أقوال علمائنا لجواب هذا السؤال:



السؤال:

إذا كانت هناك مسألة ما ، وفيها أكثر من فتوى شرعية ، فتوى تقول بالتحليل ، وفتوى تقول بالتحريم ، وفتوى ما بين بين ، فالمسلم أي شيء يختار ، وخاصة في الأمور المستحدثة ، والتي يدخل فيها القياس ، والاجتهاد ، والتي لا نص فيها ، مثل : فوائد البنوك ، أو أياً كانت المسميات التي يسمونها ، بالاستمثار ، أو العائد الاستثماري .
وما موقف ما يقول إنها فتوى عالم ، وهو المسؤول عنها ، وإنها معلقة في رقبته ؟
وما موقف من يتتبع رخص العلماء ، وتسهيلات العلماء ورخصهم ؟ ويقولون إنهم هم هؤلاء أهل العلم والذكر وهذه فتواهم وهم أعلم منا بذلك ، وقد تكون فتواهم معارضة لفتوى شيوخ وعلماء آخرين في نفس الدولة أو في دول أخرى ، فأي منهم نتبع ؟ وكيف لنا السبيل أن نعرف الصحيح وغير الصحيح ؟ مع العلم أن عامة الناس ليس لديهم العلم الكافي للحكم على صحة هذه الفتوى التي تصدر من عالم أو مفتي ويعارضها علماء آخرون .

الجواب:

الحمد لله
قبل الجواب على هذا السؤال الهام ، لا بد أولاً من بيان الشروط التي يجب أن تتوفر في المفتي حتى يكون من أهل العلم الذين تعتبر أقوالهم ، ويعد خلافه خلافا بين العلماء ، وهي شروط كثيرة ، ترجع في النهاية إلى شرطين اثنين وهما :
1. العلم . لأن المفتي سوف يخبر عن حكم الله تعالى ، ولا يمكن أن يخبر عن حكم الله وهو جاهل به .
2. العدالة . بأن يكون مستقيما في أحواله ، ورعا عفيفا عن كل ما يخدش الأمانة . وأجمع العلماء على أن الفاسق لا تقبل منه الفتوى ، ولو كان من أهل العلم . كما صرح بذلك الخطيب البغدادي .
فمن توفر فيه هذان الشرطان فهو العالم الذي يعتبر قوله ، وأما من لم يتوفر فيه هذان الشرطان فليس هو من أهل العلم الذين تعتبر أقوالهم ، فلا عبرة بقول من عُرف بالجهل أو بعدم العدالة .

الخلاف بين العلماء أسبابه وموقفنا منه للشيخ ابن عثيمين ص: 23 .




فما هو موقف المسلم من اختلاف العلماء الذين سبقت صفتهم ؟

إذا كان المسلم عنده من العلم ما يستطيع به أن يقارن بين أقوال العلماء بالأدلة ، والترجيح بينها ، ومعرفة الأصح والأرجح وجب عليه ذلك ، لأن الله تعالى أمر برد المسائل المتنازع فيها إلى الكتاب والسنة ، فقال : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) النساء/59. فيرد المسائل المختلف فيها للكتاب والسنة ، فما ظهر له رجحانه بالدليل أخذ به ، لأن الواجب هو اتباع الدليل ، وأقوال العلماء يستعان بها على فهم الأدلة .
وأما إذا كان المسلم ليس عنده من العلم ما يستطيع به الترجيح بين أقوال العلماء ، فهذا عليه أن يسأل أهل العلم الذين يوثق بعلمهم ودينهم ويعمل بما يفتونه به ، قال الله تعالى : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) الأنبياء/43 . وقد نص العلماء على أن مذهب العامي مذهب مفتيه .
فإذا اختلفت أقوالهم فإنه يتبع منهم الأوثق والأعلم ، وهذا كما أن الإنسان إذا أصيب بمرض – عافانا الله جميعا – فإنه يبحث عن أوثق الأطباء وأعلمهم ويذهب إليه لأنه يكون أقرب إلى الصواب من غيره ، فأمور الدين أولى بالاحتياط من أمور الدنيا .
ولا يجوز للمسلم أن يأخذ من أقوال العلماء ما يوافق هواه ولو خالف الدليل ، ولا أن يستفتي من يرى أنهم يتساهلون في الفتوى .
بل عليه أن يحتاط لدينه فيسأل من أهل العلم من هو أكثر علماً ، وأشد خشية لله تعالى .

الخلاف بين العلماء للشيخ ابن عثيمين 26 . لقاء منوع من الشيخ صالح الفوزان ص: 25، 26 .





ما موقف الشخص من اختلاف العلماء وما موقفه من اختلاف اجتهاداتهم في الفتوى وإن احتج كل منهم بدليل صحيح هل يختار الأيسر أو الأحوط وإن لم يختر الأحوط هل عليه إثم؟

الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد،،،
المسلم الذي هو من عوام المسلمين عليه أن يتعلم دينه من أهل العلم، وأن يسأل أهل الذكر عما يشكل عليه، ويستفتي من يثق في دينه وأمانته، ويكون في كل ذلك سائلاً عن حكم الله وحكم رسوله، وإذا تبين له الحق من كلام الله وكلام رسوله فلا يجوز له أن يتركه لقول قائل كائناً من كان لأن الله تعبدنا بكلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فقط وإذا لم يكن في المسألة حكم صريح لله ورسوله وكانت المسألة من مسائل الاجتهاد (فللمسلم أن يتبع من يثق في دينه وعلمه) وإذا اختلف أهل العلم في مسألة من المسائل وجب على المسلم أن يتبع ما يظنه أقرب للحق والصواب، وما يطمئن إليه قلبه كما قال صلى الله عليه وسلم: [استفت قلبك وإن أفتاك المفتون] (حسن رواه البخاري في التاريخ).
وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: [البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع الناس عليك] (صحيح مسلم). ولا يجوز للمسلم أن يتتبع رخص العلماء، وما يسمى بالأسهل في كل مذهب، فإنه من تتبع رخص العلماء اجتمع فيه الشر كله، ووجد من الفتاوى ما يستحل فيه كثير المحرمات.
ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء -الأئمة الأربع أو غيرهم- في كل ما يقول، وعلى المسلم إذا نزلت به نازلة أن يستفتي من يعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله امتثالاً لقوله تعالى {فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (النحل:43).
قال شيخ الإسلام: وإذا نزلت بالمسلم نازلة فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص معين من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين من العلماء في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتباع شخص لمذهب بعينه لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته إنما هو مسوغ له، ليس هو مما يجب على كل أحد إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق، بل كل أحد عليه أن يتقي الله ما استطاع ، ويطلب علم ما أمر الله به ورسوله ، فيفعل المأمور ويترك المحظور. أ.هـ (مجموع الفتاوى 20/208-209).
وقال الإمام أبو عمر بن عبدالبر: والواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة، والإجماع والقياس على الأصول منها. فإذا استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة، فإذا تبين ذلك وجب التوقف ولم يجز القطع إلا بيقين، فإذا اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه جاز له ما يجوز للعامة من التقليد.. إلى أن قال: هذا حال من لا يمعن النظر، وأما المفتون فغير جائز عند أحد ممن ذكرنا قوله لا يفتي ولا يقضي حتى يتبين له وجه ما يفتي به من الكتاب والسنة والإجماع أو ما كان على هذه الأوجه. أ.هـ (جامع بيان العلم وفضله 2/80-81).
وإنما يسوغ للمرء اتباع أحد الأئمة بثلاثة شروط:
الأول: أن يعتقد أن لا عصمة لأحد من الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. قال شيخ الإسلام: واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصوماً في كل ما يأمر وينهى عنه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال غير واحد من الأئمة كل الناس يؤخذ بكلامه ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء الأئمة الأربعة رحمهم الله قد نهوا الناس عن تقليدهم، وذلك هو الواجب عليهم، فقال أبو حنيفة: هذا رأيي فمن جاء برأي خير منه قبلناه، ومالك كان يقول: إنما أنا بشر أصيب وأخطئ، فأعرضوا قولي على الكتاب والسنة.. والشافعي كان يقول: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط.. والإمام أحمد كان يقول: لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكاً ولا الشافعي، ولا الثوري وتعلموا كما تعلمنا (مجموع الفتاوى 20/120-122). الثاني: أن يجعل الحق طلبته فمتى استبان له أن القول الراجح بالأدلة في مسألة ما خلاف ما عليه مذهبه أخذ بالراجح دون
تردد. قال الإمام الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس (إعلام الموقعين 2/263).
الثالث: ألا يعقد عليه ولاءً ولا براءً فلا يخص بالموالاة مذهبه، ولا يعادي أحداً لأجل أنه لم يلتزم المذهب الذي يتبعه.. ولا يجب الاجتهاد على كل أحد.. قال الخطيب البغدادي: أما ما يسوغ له التقليد فهو العامي الذي لا يعرف طرق الأحكام الشرعية، فيجوز له أن يقلد عالماً، ويعمل بقوله.. إلى أن قال: وحكي عن بعض المعتزلة أنه قال: لا يجوز للعامي العمل بقول العالم حتى يعرف علة الحكم، وإذا سأل العالم فإنما يسأله أن يعرف طريق الحكم، فإذا عرفه وقف عليه وعمل به، وهذا غلط لأنه لا سبيل للعامي إلى الوقوف على ذلك إلا بعد أن يتفقه سنين كثيرة ويخالط الفقهاء المدة الطويلة، ويتحقق طرق القياس ويعلم ما يصححه وما يفسده، وما يجب تقديمه على غيره من الأدلة. وفي تكليف العامة بذلك تكليف ما لا يطيقونه ولا سبيل لهم إليه (الفقيه والمتفقه 68-69).
وقال شيخ الإسلام: والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة والتقليد جائز في الجملة لا يوجبون على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد، فأما القادر على الاجتهاد فهل يجوز له التقليد؟ هذا فيه خلاف، والصحيح أنه يجوز حيث عجز عن الاجتهاد: إما لتكافؤ الأدلة، وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد، وإما لعدم ظهور دليل له فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه وانتقل إلى بدله وهو التقليد، كما لو عجز عن الطهارة بالماء (مجموع الفتاوى 20/203-204).
وقال أيضاً: كذلك المسائل الفروعية: من غالية المتكلمة والمتفقه من يوجب النظر والاجتهاد فيها على كل أحد حتى على العامة! وهذا ضعيف لأنه لو كان طلب علمها واجباً على الأعيان فإنما يجب مع القدرة، والقدرة على معرفتها من الأدلة المفصلة تتعذر أو تتعسر على أكثر العامة، وبإزائهم من أتباع المذاهب يوجب التقليد فيها على جميع من بعد الأئمة: علمائها وعوامهم! (مجموع الفتاوى 20/203).
ولما كان العلماء غير معصومين عن الخطأ والوهم، فإن الواجب اجتناب زلاتهم، وعدم الاقتداء بهم فيها، وقد حذر السلف من زلة العالم.. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق، وأئمة مضلون (أخرجه الدارمي بسند صحيح 1/71). وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة ضلالة على لسان الحكيم (أخرجه أبو داود بسند صحيح). وقال ابن عباس رضي الله عنه: ويل للأتباع من زلة العالم. قيل: وكيف؟ قال: يقول العالم الشيء برأيه، فيلقى من هو أعلم منه برسول الله فيخبره فيرجع، ويقضي الأتباع بما حكم (أخرجه ابن عبدالبر في الجامع بسند حسن 2/112).
وقد أجمع أهل العلم على تحريم تلقط الرخص المترتبة على زلات العلماء، قال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع الشر كله، وعلق ابن عبدالبر على ذلك بقوله: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً (جامع بيان العلم وفضله 2/91-92). وقال الأوزاعي: من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام (سير أعلام النبلاء 7/125). والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...

أحمد سعد الدين
04-04-2005, 02:29 PM
رقم الفتوى : 6787
عنوان الفتوى : اختلاف أقوال العلماء في المسائل الفرعية عن فقه وعلم لا عن جهل وهوى
تاريخ الفتوى : 07 ذو القعدة 1421



السؤال

أنا دائم القراءة للكتب الاسلامية. ولكن تواجهني أثناء القراءة أراء الأئمة الأربعة: الشافعي وابن حنبل ومالك وأبي حنيفة. فأي الآراء أتبع ؟ وإذا كانوا متفقين في الآراء فلماذا هذا العرض في الكتب لآراء هؤلاء الأئمة الأربعة رحمهم الله؟ وجزاكم الله خيرا.



الفتوى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فمن فضل الله وكرمه أن أصول الدين، وقطعيات الإسلام، وما اتفقت عليه الأمة من جليات الشرع، لم تختلف فيها الأمة، ولا يجوز لها ذلك، فليست تلك المسائل محلاً للاجتهاد أصلاً، ولكن شاء الله أن يختلف الناس في أفهامهم ومداركهم، وجعل سبحانه كثيراً من أدلة الشريعة محتملاً أكثر من دلالة وذلك لحكمة بالغة.
فنتيجة لذلك وقع الخلاف بين علماء المسلمين في المسائل الفرعية الاجتهادية، بل إن الصحابة رضوان الله عليهم مع علو مكانتهم، وقربهم من فترة الوحي، اختلفوا في المسائل الاجتهادية الفقهية. فغيرهم أولى بالوقوع في الاختلاف، لكنهم ومن بعدهم من أئمة المسلمين ما تعمدوا خلاف نصوص الشرع، فدين الله في قلوبهم أعظم وأجل من أن يقدموا عليه رأي أحد من الناس، أو يعارضوه برأي، أو قياس.
قال ابن تيمية: (وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من سنته، دقيق ولا جليل، فإنهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى أن كل واحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلابد ِمْن عذر له في تركه) انتهى.
فهم رضي الله عنهم إن وجد لهم مسائل جانبوا فيها الصواب، فإنهم ما قصدوا مخالفة الدليل، وإنما نتج ذلك عن اجتهاد منهم، وتحروا الحق، وركضوا وراءه، فأصابوا وأخطأوا، كل بحسب اجتهاده، فهم يترددون بين الأجر والأجرين، للمخطئ منهم أجر واحد، وللمصيب منهم أجران.
ويرجع السبب في اختلاف علماء المسلمين إلى أمور كثيرة منها:
أن لا يكون الدليل قد بلغ أحدهم، أو بلغه ولم يثبت عنده، أو ثبت عنده لكنه لا يراه يدل على المقصود، أو أنه منسوخ، أو أن له معارضاً أرجح منه.. إلى غير ذلك من الأسباب التي تسوّغ الخلاف بين العلماء.
فنحن لا ينبغي أن تضيق صدورنا باختلاف المجتهدين، ولا نحسبه تجزئة في الدين، وإنما نراه من مظاهر نشاط فقهاء المسلمين.
وعرض اختلافهم في أمهات الكتب له فوائد عظيمة منها:
1- أنه يتيح التعرف على جميع الاحتمالات التي يمكن أن يكون الدليل رمى إليها بوجه من وجوه الدلالة.
2- أن هذا الاختلاف المنضبط بضوابط الشريعة فيه تنمية للملكة الفقهية، ورياضة للأذهان، وتلاقح للآراء، وفتح مجالات التفكير للوصول إلى سائر الافتراضات التي تستطيع العقول المختلفة الوصول إليها.
3- تعدد الحلول أمام الفقيه في الوقائع النازلة ليهتدي بذلك الفقه إلى الحل المناسب لها وإلى أي الأدلة أقيس بها.
وعند اختلاف العلماء على المسلم إن كان له نظر في الأدلة أن يتبع من أقوالهم ما كان أظهر صواباً وأرجح دليلاً، مع ترك التعصب للأئمة وتقديم أقوالهم على نصوص الشرع، مع إنزالهم منزلتهم اللائقة بهم، والاستفادة من اجتهاداتهم في فهم نصوص الشرع، مع الحذر من تتبع رخص الأقوال والترجيح بالتشهي بما يناسب هوى المستفتي بحجة أن في المسألة أقوالاً، فمجرد الخلاف ليس دليلاً.
أما إن كان عامياً ـ أي غير متخصص في علوم الشريعة، ولا له نظر في الأدلة ـ فإنه لا يلزمه التمذهب بمذهب، بل يستفتي من اتفق له ممن هو من أهل العلم والورع من غير ترخص.
قال الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه: ( فإن قال قائل فكيف في المستفتى من العامة إذا أفتاه الرجلان واختلفا، فهل له التقليد؟ قيل: إن كان العامي يتسع عقله، ويكمل فهمه إذا عقِّل أن يعقل، وإذا فُهِّم أن يفهم، فعليه أن يسأل المختلفين عن مذاهبهم، وعن حججهم فيأخذ بأرجحها عنده، فإن كان له عقل يقصر عن هذا، وفهمه لا يكمل له، وسعه التقليد لأفضلهما عنده" انتهى.
وقال النووي في روضة الطالبين: ( وليس له التمذهب بمجرد التشهي، ولا بما وجد عليه أباه. هذا كلام الأصحاب. والذي يقتضيه الدليل أنه ـ أي العامي ـ لا يلزمه التمذهب بمذهب، بل يستفتي من يشاء، أو من اتفق، لكن من غير تلقط للرخص) والله أعلم.

المفتـــي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه





رقم الفتوى : 11773
عنوان الفتوى : العامي ليس أهلاً للنظر في الأحكام الشرعية
تاريخ الفتوى : 22 رمضان 1422


السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
إذا أفتى المفتي فتوى ما وأعتقد أن هذه الفتوى غير سليمة بسؤال أهل الدين(حضراتكم مثلا ) . ما حكم الشرع في ذلك وما المفروض عمله بالنسبة لي تجاه ذلك ؟


الفتوى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فإذا استفتى العامي العالم فأفتاه، وجب عليه قبول فتواه، والعمل بمقتضاها، وعدم ردها أو معارضتها لمجرد عدم موافقتها لهواه أو عادته ونحو ذلك، قال الله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)[النحل:43] وليس العامي أهلاً للنظر في الأحكام الشرعية حتى يصحح فتاوى العلماء أو يخطئها، أو يتخير منها ما يشاء، ومن فعل ذلك فهو على خطر عظيم، وقد قيل: (من تتبع رخص العلماء تزندق) فالواجب على العامي هو اختيار عالم موثوق بعلمه وورعه، أو جهة موثوقة علماً وورعاً، وعليه أن يلتزم بما يصدر عن ذلك العالم، أو تلك الجهة، ولا يجوز له الخورج عنه إلا إذا وجد جهة أخرى أكثر علما وورعاً، وأفتته بخلاف ما أفتاه به الأولون، وانظر الفتوى رقم:
11311
والله أعلم.

المفتـــي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه





رقم الفتوى : 5592
عنوان الفتوى : يختار المفتي والمستفتي ماوافق الكتاب والسنة وسلم من الهوى والتأويل الفاسد
تاريخ الفتوى : 04 محرم 1422



السؤال

إذا كان هناك عالمان من العلماء كلاهما ثقة في دينه وعلمه وتقواه وأفتيا بقولين مختلفين في مسألة واحدة. وأحد العالمين مشهور بالتيسير(طبعا التيسير الشرعي الذي له دليله وحجته وليس التساهل والتفريط) و العالم الآخر مشهور بالتشديد في الفتوى غالبا و الأخذ بالعزائم أحيانا فبأي قول يأخذ المسلم العامي إذا كان يثق بكلا العالمين؟.


الفتوى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإن الفتوى من الأمور الخطيرة والتي لها منزلة عظيمة في الدين ، قال تعالى: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن...). [النساء: 127] وقال تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة...) [النساء: 176] ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى هذا الأمر في حياته، وكان ذلك من مقتضى رسالته، وكلفه ربه بذلك قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون)[النحل:44]. والمفتي خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في أداء وظيفة البيان - نسأل الله العون والصفح عن الزلل - بل هو موقع عن الله تعالى، قال ابن المنكدر : "العالم موقع بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم" . والذي يجب على الناظر في الفتاوى أن يختار ما شهد له الكتاب والسنة والإجماع، وكان جارياً على قياس أهل العلم، وإن كان ثمة تعارض فإنه لا يأخذ إلا بالراجح في المسألة وهو الأقوى دليلاً والأسلم تعليلاً، وليس المفتي بالخيار يأخذ ما يشاء ويترك ما يشاء، وقد قال الإمام النووي رحمه الله: "ليس للمفتي والعامل في مسألة القولين أن يعمل بما شاء منهما بغير نظر ، بل عليه العمل بأرجحهما".اهـ.
ولا شك أن الفتوى قد تختلف من مفت إلى آخر حسب الحظ من العلم والبلوغ فيه، ولكن لا يجوز للمستفتي أن يتتبع رخص المذاهب وسقطات أهل العلم، حيث عد بعض أهل العلم- منهم أبو إسحاق المروزي وابن القيم - من يفعل ذلك فاسقاً، وقد خطأ العلماء من يسلك هذا الطريق وهو: تتبع الرخص والسقطات، لأن الراجح في نظر المفتي هو مظنة حكم الله تعالى عنده، فتركه والأخذ بغيره لمجرد اليسر والسهولة استهانة بالدين.
والسائل أو المستفتي يسأل من يثق في علمه وورعه، وإن اختلف عليه جوابان فإنه ليس مخيرا بينهما، أيهما شاء يختار، بل عليه العمل بنوع من الترجيح، من حيث علم المفتي وورعه وتقواه، قال الشاطبي رحمه الله: "لا يتخير، لأن في التخير إسقاط التكليف، ومتى خيرنا المقلدين في اتباع مذاهب العلماء لم يبق لهم مرجع إلا اتباع الشهوات والهوى في الاختيار، ولأن مبنى الشريعة على قول واحد، وهو حكم الله في ذلك الأمر، وذلك قياساً على المفتي، فإنه لا يحل له أن يأخذ بأي رأيين مختلفين دون النظر في الترجيح إجماعاً، وترجيحه يكون كما تقدم، وذهب بعضهم إلى أن الترجيح يكون بالأشد احتياطاً" .
وليعلم المستفتي أنه لا تعذره فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي بذلك، لحديث أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله، فإنما أقطع له قطعة من النار، فلا يأخذها" رواه البخاري.
والاختلاف واقع في الاجتهادات الفقهية، ولكن لا يظن المستفتي أن مجرد فتوى فقيه تبيح له ما سأل عنه، سواء تردد أو حاك في صدره، لعلمه بالحال في الباطن، أو لشكه فيه، أو لجهله به، أو لعلمه بجهل المفتي، أو بمحاباته له في فتواه، أو لأن المفتي معروف بالحيل والرخص المخالفة للسنة أو غير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه، وسكون النفس إليها ، فليتق الله السائل أيضاً.
والاختلافات الفقهية منها ما هو سائغ ومنها ما هو غير سائغ، فما كان سائغاً فيسع الجميع، وغيره لا يسع أحداً أن يعمل به. والله نسأل أن يوفق المسلمين وأن يعينهم على أمور دينهم ودنياهم وأن يعفو عنا ويصفح عن زللنا، والله أعلم.

المفتـــي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه

الشمري
04-04-2005, 02:55 PM
أخي الفاضل أحمد سعد الدين :
نفع الله بك وبعلمك وشكر الله لك تجاوبك على تساؤلات أخيك