المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف تحفظ القرآن - الشيخ: علي بن عمر بادحدح



أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:56 AM
‎‎
‏ الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نستهديه و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا من ‏يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له. نحمده هو أهل الحمد و الثناء فله الحمد في الأولى و ‏الآخرة و له الحمد على كل حال و في كل آن، نصلي و نسلم على خاتم الرسل و الأنبياء نبينا محمد بن ‏عبد الله و على آله و صحابته و من اتبع هداه و اقتفى أثره إلى يوم الدين و عنا معه بعفوك و رحمتك يا ‏أرحم الراحمين.‏
أما بعد، أيها الأخوة الكرام و الأحبة سلام الله عليكم و رحمته و بركاته، ابتداءً أقول انه ليس في هذا ‏الدرس وصفة سحريه يمكن بتطبيقها أن تحفظ القرآن بصورة لم تكن تتخيلها أو تتوقعها، و لكن هذا ‏الدرس فيه خلاصة تجارب عمليه وهو في الحقيقة يركز على مضمون هذا العنوان أي كيف تحفظ القرآن ‏الكريم بصورة عامه لجميع الناس مع التفاوت الذي قد يكون يختلف فيه بعضهم عن بعض. نريد في هذا ‏المجلس أن نركز على الإجابة على هذا السؤال، كيف تحفظ القرآن؟ ‏
و سنعرض فيه إلى خمسة جوانب:‏

أولا: الأسس العامة ‏
ثانيا: الحفظ ‏
ثالثا: المراجعة
رابعا: الروابط و الضوابط
خامسا: اختلافات و فروق

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:56 AM
‎أولا: الأسس العامة ‏‎‎

‏ أولا الأسس العامة التي لا غنى لك عنها و لا مجال لتطبيق ما بعدها إلا بها، و في غالب الظن أنه لا نجاح ‏إلا بتأملها و تحقيقها، و هي أمور كثيرا ما نتذكرها و نذكر بها، و هي أسس ينبغي ألا نغفل عنها في هذا ‏الموضوع و في غيره.‏

‎‎‏ أولا: النية الخالصة ‏‎‎
فنحن نعلم أن مفتاح القبول و التيسير إخلاص القصد لله عز و جل، و أن كل عمل يفتقر إلى الإخلاص ‏لا يؤتي ثمرته و إن آتى بعض ثماره فإن عاقبته في غالب الأحوال تكون فجة و ثماره تكون مرة أضف إلى ‏أنه يحرم من أعظم ما يتأمله المرء و هو القبول عند الله عز و جل و حصول الأجر و الثواب. فلذلك ‏الإسلام في كل عمل لكي يسهل ويعان المرء عليه هو أن يخلص لله عز و جل.‏

‎‎‏ ثانيا: السيرة الصالحة ‏‎‎
يقول جل و علا ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾ البقرة 282- ونعلم جميعا ما يؤثر عن الشافعي من ‏قوله " شكوت الى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي و أخبرني بأن النور علم و نور الله لا ‏يؤتاه‎ ‎عاصي " و نعلم ما أثر لابن مسعود ‏‎‎‏ " إن الرجل ليحرم العلم بالذنب يصيبه "، فنحن نعلم أن ‏الحفظ على وجه الخصوص يحتاج إلى إشراقة قلب و إلى توقد ذهن و المعصية تطفئ نور القلب و يحصل ‏بها التبلد بالعقل و يحرم بها العبد من التوفيق أيضا. فإذاً لا بد أن نستعين على طاعة الله بطاعة الله و أن ‏نجعل طريقنا إلى نيل بعض هذه الأمور من الطاعات و المندوبات و المسنونات و أمور الخير أن نجعل ‏طريقنا إليها طاعة لله سبحانه و تعالى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾ البقرة 282- نتيجة عملية تلقائية ‏لأن القلب يشرق حينئذٍ بنور الإيمان، و النفس تطمئن إلى ما حباها الله عز و جل من السكينة و الطمأنينة ‏فيتهيأ الإنسان حينئذٍ لهذا العمل العظيم حفظ القرآن الكريم.‏

‎‎‏ ثالثا: العزيمة الصادقة ‏‎‎
فإن المرء الذي يعتريه الوهن و يعترضه الخور و يغلب على حياته الهزل و يميل في كثير من أموره إلى ‏الكسل فإنه لا يمكن أن يُعول عليه. و لا يُظن أنه يصل إلى النتيجة المرجوة في حفظ كتاب الله عز و جل. ‏فهذا أمر يحتاج أن يشمر عن ساعد العزم و لا بد له أن يقلل من أمور الراحة فيخفف من نومه و يزيد ‏من عمله و يكثر من قراءته و غير ذلك من الأمور التي لا بد لها من همه و عزيمة صادقه قوية ماضية لا ‏تستسلم عند أول عارض من العوارض، و لا تقف عند أول عقبة من العقبات.‏

‎‎‏ رابعا: الطريقة الصائبة ‏‎‎
و هي جزء مما سيأتي حديثنا عنه، غير أني أريد أن أشير إلى أن بعض الأخوة عندما يسمع حسا على ‏حفظ القرآن أو يتشوق إلى ذلك يبدأ بحماسة مندفعة بداية غير صحيحة غالبا ما تُسلمه إلى العجز و ‏الكسل أو تصدمه بعدم القدرة على الاستمرار. كمن يبدأ مخلطا سورة من هنا و سورة من هنا، و جزءا ‏منفرداً. أو مقاطع متقطعة و هو يرغب بعد ذلك أن يصل بينها و أن يصل بها إلى حفظ القرآن الكريم ‏كاملا، فغالبا ما يتشوش مثل هذا العمل، و غالبا ما ينقطع عنه، و كثيرا ما يفتقد ما حفظ منه، و ذلك ‏لأن الجزء الواحد أو القطعة الواحدة لا تغري المرء إذا كانت منفصلة بأن يحافظ عليها، لأنها وحدها ‏وليس لها ارتباط بما قبلها و لا بعدها، و إن كان في ذلك خير و لا شك، و ليس في هذا الكلام ما نريد ‏به أن نصرف أحدا أن يحفظ سورة بعينها أو بعض السور بعينها أو الأجزاء بعينها كاملة. و لكننا ‏نتحدث عن من يريد أن يحفظ حفظاً كاملا على طريقة صائبة، و من ذلك أيضا أن بعض الناس يبدأ و ‏يشرع دون أن يستشير و أن يسأل من حفظ قبله أو من هو مشتغل بالتحفيظ و التدريس في هذا الميدان ‏فكما أنك تحتاج إلى المشورة في أي عمل من أعمال الدنيا أو إلى مدخل من مداخل العلوم و الدراسة التي ‏يدرسها كثير من الناس فأنت بحاجة إلى هذا في هذا الأمر أيضا.‏
و من ذلك أيضا البرنامج الواضح عندما نقول أن هناك طريقة صائبة فإنها هي التي تحفظ بإذن الله تلك ‏العزيمة التي تستمر و تمشي وتمضي عندما يكون هناك برامج و مراحل نقطة بعد نقطة، مرحله بعد مرحله. ‏أما خطة عشواء أما أجزاء متقطعة، أما مراحل منفصلة، فإن ذلك في غالب الأمر لا يصل إلى مبتغاه ‏

‎‎‏ خامسا: الاستمرارية المنتجة ‏‎‎
فهذا أمر قد يطول أمده و زمانه و قد يعظم جهده و البذل لأجل الوصول إليه، فإن كنت قصير النفس ‏فإنك في غالب الأمر لا تبلغ الغاية، تحتاج إلى استمرار يثمر و ينتج بإذن الله عز وجل. وحديث النبي عليه ‏الصلاة و السلام يحضرنا في هذا المقام عندما ‏‎‎‏ ‏سئل‎ ‎النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أي الأعمال أحب ‏إلى الله قال ‏‏‎ ‎أدومها‎ ‎وإن قل وقال اكلفوا من الأعمال ما تطيقون – رواه البخاري‏‎ ‎‏ . فقليل دائم ‏خير من كثير منقطع. لا تبدأ البداية الكبيرة التي قلنا عنها ثم تنقطع أو لا تبدأ ولو بداية يسيره ثم تتوقف، ‏و كما أثر أيضا عن الأجر و الفضل الذي يكون للحال المرتحل كما سئلوا عن الحال للمرتحل قيل هو ‏الذي يختم القرآن ثم يشرع فيبدأ به من جديد، فهنالك استمرارية و اتصال و دوام، استمرار هو الذي ‏تحصل به نتيجة بإذن الله عز و جل. ‏
فإذاً لابد من نية و سيرة وعزيمة و طريقة واستمرارية، هذه أسس لا بد منها قبل أن نبدأ أو أن نشرع ‏فيما يتعلق بالتفصيل و التفريغ.‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:58 AM
ثانيا: الحفظ ‏‎‎

الأمر الثاني الحفظ، وهو جوهر هذا الموضوع، و الحديث فيه عن الطريقة وعن الشروط اللازمة، و ‏العوامل المساعدة، و نبدأ بالطريقة.‏

‎ ‎أولا: الطريقة ‏‎‎
من خلال التجربة ومن خلال ما نرى من عمل كثير من طلاب التحفيظ و الحافظين يمكن أن نرى أو ‏نلقي الضوء على طريقتين اثنتين.‏

‎‎‏ الطريقة الأولى ‏‎‎
إحداهما طريقة الصفحة، نعني بذلك أن يقرأ مريد الحفظ الصفحة كاملة من أولها إلى آخرها قراءة متأنية، ‏صحيحة، ثلاث أو خمس مرات بحسب ذاكرة الإنسان وقدرته على الحفظ، فإذا قراها هذه المرات الثلاث ‏أو الخمس قراءة فيها استحضار قلب وتركيز الذهن و العقل و ليس مجرد قراءة لسان فقط كلا، إنما قد ‏جمع قلبه وفكره لأنه يريد من هذه القراءة أن يحفظ.‏
فإذا أتم الثلاث أو الخمس أغلق مصحفه، و بدأ يسمع صفحته، و قد يرى بعضكم أن هذا لن يتم أو لن ‏يستطيع حفظها بقراءة الثلاث أو الخمس، أقول نعم. سيكون قد حفظ من أولها و مضى ثم سيقف وقفة، ‏أن يفتح مصحفه و ينظر حيث وقف فيستعين، و يمضى مغلقا مصحفه، ثم سيقف ربما وقفة ثانية، أو ‏ثالثة، ثم ليعد تسميع الصفحة.‏
ما الذي سيحصل !، الموضع الذي وقف به أولا لن يقف فيه ثانيه، لأنه سيكون قد نقش في ذاكرته و ‏حفر في عقله، فستقل الوقفات. و غالبا من خلال التجربة سيسمع المرة الأولى ثم الثانية و في الغالب أنه ‏في الثالثة يأتي بالصفحة محفوظة كاملة بعد أن يقوم بمجموع ما قرأه ثمان مرات، ثلاث أو خمس في القراءة ‏الأولية المركزة، ثم يبدأ بالخطوة الثانية بتسميع هذه الصفحة و سيقف كما قلت بعض الوقفات في أول ‏مرة و في المرة الثانية و في الغالب أنه في الثالثة لا يقف.‏
ماذا يصنع في الخطوة الثالثة، أن يكرر التسميع الصحيح الذي أتمه في المرة الأخيرة ثلاث مرات تقريبا. ‏فحينئذ يكون مجموع ما قرأ به هذه الصفحة في ذلك الوقت تسع مرات أو أحد عشر مرة.‏
إذاً يقرأ الصفحة قراءة مركزة صحيحه ثلاث أو خمس مرات ، ثم يسمعها في ثلاث تجارب أو ثلاث ‏محاولات. ثم يضبطها في ثلاث تسميعات. و بذلك سوف تكون الصفحة محفوظة حفظا جيدا متينا مكينا ‏إن شاء الله.‏
ما مزية هذا الحفظ أو هذه الطريقة، مزيتها أنك لا تتتعتع أو تتوقف عندما تصل الصفحات بعضها ببعض ‏بعد ذلك. لأن بعض الاخوة يحفظ آنفا آية منفصل بعضها عن بعض، ما الذي يحصل ؟ عند كل آخر آية ‏يقف حمار الشيخ في العقبة، و يحتاج إلى دفعة فتعطيه أول كلمة من الآية التي بعدها فينطلق كالسهم حتى ‏يبلغ آخر الآية التي بعدها ثم يحتاج إلى توصيلة أخرى و هكذا. أما الصفحة فهي كاللوح أو كالقالب ‏يحفظها في قلبه و يرسمها في مخيلته، و يتصورها أمامه من مبدئها إلى منتهاها ويعرف غالبا عدد آياتها، آية ‏كاملة صفحة كاملة بعض الصفحات آيتين وبعضها ثلاث و بعضها آيات كثيرة ليس بالضرورة تصورها ‏و لكن هذه الطريقة تجعله ، أولا يأخذ الصفحة كاملة بلا توقف يستحضرها تصورا فيعينه ذلك على ‏حفظها ثم يتصورها كما قلت هل هي في الصفحة اليمنى أو اليسرى، بأي شيء تبتدئ و بأي شيء ‏تنتهي وتحكم بإذن الله عز وجل إحكاما جيداً.‏

‎‎‏ الطريقة الثانية ‏‎‎
طريقة الآيات أو الآية، لا بأس بها و إن كنت أرى الأولى أفضل منها. ما هي هذه الطريقة، أن يقرأ الآية ‏مفردة قراءة صحيحه مرتين أو ثلاث مرات، نفس الطريقة، لكن بآية واحده و طبعا لما كانت آية لا ‏نحتاج أن نعيدها من ثلاث إلى خمس، مرتين فقط أو ثلاث ثم يسمع هذه الآية، ثم يمضى إلى الآية الثانية ‏فيصنع بها صنيعه بالأولى، لكنه بعد ذلك يسمع الأولى و الثانية، ثم يحفظ الثالثة بالطريقة نفسها، يقرأها ‏ثم يسمعها منفردة ثم يسمع الثلاث من أولها الأولى ثم الثانية ثم الثالثة، ثم يمضي إلى الرابعة إلى آخر ‏الصفحة.‏
ثم يكرر تسميع الصفحة ثلاث مرات. وحذار في هذه الطريقة أن ترى أن الآية الأولى قد أكثرت من ‏ذكرها فلا عازة لتكرارها، بعضهم إذا بلغ نصف الصفحة قال النصف الأول مضبوط فلا يحتاج إذا حفظ ‏الآية في النصف الثاني أن يعيد النصف الأول إلى الأخير. هنا لا يقف حمار الشيخ في العقبة في منتصف ‏الصفحة و ثق من هذا تماما وجربه تراه شاهدا على كلامي. لا بد كل آية تحفظ في الصفحة أن تعاد من ‏الأول إلى حيث بلغ، حتى يتم الصفحة ثم يأتي بها ثلاث مرات تسميعا كاملا.‏
تختلف هذه الطريقة عن الأولى أنها أبطأ في الغالب. أبطأ في الوقت فالصفحة في الطريقة الأولى تستغرق ‏بالمعدل نحو عشرة دقائق، قد يقول قائل العشر قليلة، أقول عشر دقائق إذا كان يريد أن يحفظ أما إذا كان ‏ينظر في الغادين و الرائحين و المتشاكلين و المتضاربين و يسمع هنا و.. هذا ولا مئة دقيقة و لا عشرة أيام ‏يحفظ فيها شيء. أما الثانية فهي أبطأ و الغالب أنها تستغرق نحو خمس عشرة دقيقة لأنه سيكرر كثيرا.‏
أما من حيث التطابق فآخر الأمر أنه سيحفظ الصفحة كاملة و لكن هذه الطريقة أضعف إذا لم يصل ‏الآية بالآية سيكون هناك ذلك التوقف الذي أشرت إليه، إذا هذه الطريقة من حيث الأصل حفظ ‏الصفحة أو حفظ الآية و في آخر الأمر ستعود النتيجة إلى حفظ الصفحة.‏
أنتقل إلى النقطة الثانية وهي نقطة مهمة مكملة و هي الشروط اللازمة.‏

‎‎‏ ثانيا الشروط اللازمة ‏‎‎
الشروط اللازمة لكي تكون هذه الطريقة صحيحة سواء اخترت الطريقة الأولى أو الثانية لابد من هذه ‏الشروط.‏

‎‎‏ الشرط الأول: القراءة الصحيحة ‏‎‎
من الأخطاء الكثيرة أن كثيرا ممن يعتزمون الحفظ أو يشرعون فيه يحفظون حفظا خاطئا. لابد قبل أن ‏تحفظ أن يكون ما تحفظه صحيحا، و هناك أمورا كثيرة في هذا الباب منها على سبيل المثال لا الحصر؛ ‏
أولا تصحيح المخارج: إن كنت تنطق ثم "سم" أو الذين "الزين" فقوم لسانك قبل أن تحفظ. لأنك إذا ‏حفظت و أدمنت الحفظ بهذه الطريقة و واضبت ستكون جيدا في الحفظ لكنك مخطئا فيه. فلا بد أولا ‏من تصحيح المخارج وتصحيح الحروف لا بد منه.‏
ثانيا ضبط الحركات: بعض الأخوة إما لضعف قراءته، أو لعجلته يخلط في الحركات، و هذا الخلط لا ‏شك أنه خطأ و أنه قد يترتب عليه خلل في المعنى. و ذلك ليس من موضع حديثنا و لكن لا بد أن يتنبه ‏المرء له و أن يحذر منه، و من ذلك أن اللغة العربية فيها تقديم و تأخير، وفيها إضمار و حذف وتقدير، ‏وفيها إعرابات مختلفة، فأحيانا بعض الناس لا يتنبه، أحيانا مثلا تقديم المفعول على الفاعل ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى ‏إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمات﴾ البقرة 124- بعضهم يحفظها ﴿ إبراهيمُ ﴾ و ربُهُ أو ربَهُ بالنسبة له أحيانا قد ‏لا تفرق، و ما حفظته خطئا فثق تماما أنه يثبت هذا الخطأ وبعد ذلك تصعب إزالته، يحتاج إلى عملية ‏استئصال، مثل الذي يبني بناء ثم يتبين له أن هذا البناء خطأ لابد له أن يكسر و أن يصحح البناء، لابد أن ‏يزيل الخطأ ثم بعد ذلك يصحح من جديد. لماذا تكرر الجهد مرتين و تعيد العمل مرتين، ابدأ بداية ‏صحيحة. و هناك أمثلة كثيرة في مسألة ضبط الحركات، فإن هناك كثيرا من الأمثلة التي تقع في هذا ‏الجانب كما في الضمائر أيضا. الضمائر عندما يقع الخلط فيها أيضاً يقع خلط في الحفظ غير مقبول ‏مطلقا، كما يكون الضمير بالضم فيكون للمتكلم، أو يكون بالفتح للمخاطب كما في قوله تعالى ‏‏﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾ المائدة 116- التاء ‏في الضميرين الأولين مضمومة و في الضميرين الثانيين مفتوحة فأي تغيير بالحركة يغير المعنى.‏
كما يقرأ البعض (و كنتُ أنت الرقيب عليهم ) ما يمكن أن تستقيم أبدا وهكذا الكثير من الكلمات و ‏الحركات تحتاج إلى الضبط ابتداء قبل أن يخطىء فيها.‏
أيضا هناك ضبط الكلمات و هو أشد و أخطر، الحركات منظوره يمكن أن يراها الإنسان و لكن بعض ‏الكلمات إما لصعوبتها أو لأن هذا الحافظ لم يأخذ الأسلوب الذي سأذكره لاحقا، أو ليس متمرسا في ‏تلاوة القرآن فإنه يحفظ الكلمة خطأ و من هذا قول الله عز وجل ﴿ وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ ‏بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ -القلم 51 - سمعت مرة من يقرؤها " ليزقلونك ‏‏"، السبق بين الحروف يحصل وعندما يراها رؤية سريعة وهو لا يعرفها تثبت على هذه الطريقة، أحيانا ‏بعض الكلمات ﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا ﴾ هود 28- قد يستثقلها و يقرأها قراءة خاطئة و تختلف الحروف بهذه ‏الطريقة. كذلك بعض الكلمات التي ربما ليس في القرآن إلا مثال واحد منها ﴿ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ‏أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ ﴾ يونس 35 - يقرأها "أم من لا يَهْدِي" ‏لأنها كلها في القرآن يَهْدِى وما فيها يَهِدي فينتبه إلى مثل هذه الكلمات.‏
كذلك ما يتعلق في الرسم كما في البقرة (52) ﴿ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ﴾ و في المائدة (3) ﴿ فَلَا ‏تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ﴾ ليس فيها ياء وإنما كسرة، هذه أيضا مواطن مما قد يحفظه ابتداء حفظا خاطئا و ‏يقع في هذا في أخطاء. و كذلك بعض الكلمات التي هي في مواضع بضبط معين و في مواضع أخرى ‏بضبط آخر مثل ﴿ سِخريا ﴾ و ﴿ سُخريا ﴾ قد يحفظها تمر عليه الآية الأولى فتقرأ سُخريا فكلما مرت ‏قال سُخرياً و لم يفرق بين سُخريا و سِخريا و غيرها من المواضع التي فيها مثل هذه الأمثلة، كما أيضا في ‏الجمع و التثنية مثل قول الله سبحانه و تعالى ﴿ رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ﴾ فصلت 29 ‏‏- و ليس الَّذِين، بعض الناس يقول الذين متعود، نادرا أو قليل ضمير التثنية فيقول ﴿‏‎ ‎الَّذِينَ‎ ‎‏﴾ و لا ينتبه ‏لمثل هذا إذا كان غير متمرس أو كان متعجلا، و غير ذلك كثير أيضا كما أشرت في الأمثلة إنما هي ‏للتقرير كما في قوله عز وجل ﴿ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ﴾ ‏الحشر 17- و ليس خالدِين فيها، خالدَيْن بالتثنية و ليس بالجمع فإذا لا بد أيضا من ضبط الكلمات ‏حتى لا يحفظها حفظا خاطئا. و الأمثلة في ذلك كما قلت كثيرة جدا.‏
أيضا هنالك ضبط خواتيم الآيات، مع السرعة و العجلة قد لا ينتبه فيحفظ حفظا خاطئا ﴿ وهو العزيز ‏الرحيم ﴾ ما قرأها بنظره قرأها ﴿ و هو العزيز الحكيم ﴾ وهكذا مضى عليها فحفظها، هذه واضحة ‏لكن أحيانا كما هو في التجارب أن الذي يحفظ يستشهد و يظن أحيانا أن هذه الآية في ذهنه قد سمعها ‏أو قد أدمن قراءتها وهي في ذهنه أنها ﴿ و هو العزيز الحكيم ﴾ فيقولها هكذا و يظن أنه قرأها و هو ما ‏قرأها و ما مر ببصره عليها بل ربما يمر ببصره عليها وقد سبق في ذهنه أنها كذا و لا يقرأ المكتوب بل ‏يُثبت ما في الذاكرة عنده أو ما يسمعه أو ما يظنه أو يتوهمه، فينبغي أن يضبط ذلك حتى تكون القراءة ‏صحيحة قبل أن يحفظ شيئا خاطئا، و كما قلت هنا التنبيه أن الحفظ الذي فيه خطأٌ، خطأ. يعنى هذا ‏الحفظ الذي فيه أخطاء هو حفظ فيه خطأ لأن طريقته خطأ لأنه يبقى و يستمر ويصعب تغييره في كثير ‏من الأحوال.‏
كيف نحقق هذه القراءة الصحيحة، الأصل أيه الأخوة الأحبة أن القارىء و الحافظ لابد أن يقرأ على ‏شيخ متقن، تلقى القرآن تلقيا بالمشافهة، وهذا هو الأصل في تلقي القرآن لقنه النبي عليه الصلاة و السلام ‏صحابته و الصحابة من بعدهم، فليس القرآن كتاب يقرأ مثل غيره من الكتب، ففيه رسم و فيه بعض ‏الأمور التي ذكرتها الآن من تقديم و تأخير و كذا وفيه قراءات و فيه بعض الكلمات التي ترسم بطريقة و ‏تكتب بطريقة، وفيه أحيانا آيات أو كلمات تقرأ بوجهين، هذا كله لا يتيسر لك بمجرد القراءة، الأصل ‏أن تكون متلقيا عن شيخ قد أتقن وتعلم فتكون قراءتك صحيحة فهو الذي يقرأ لك الصفحة أولا ‏ويصححها لك ثم تمضي بعد ذلك و تطبق الطريقة التي قلناها، ممكن هذى خطوة ثانيه إذا كنت تلقيت ‏التجويد و تلقيت القراءة و أحسنتها بمعنى أنك من ناحية القراءة النظرية جيد، و تحسن القراءة و لا ‏تسقط فلا بأس بأن تبدأ بتطبيق هذه الطرق الأولى أو الثانيه لكن لابد أن تكون قد أتقنت القراءة ‏وعرفتها و قرأت إما ختمه كاملة أو قرأت معظم القرآن و ذلك مما يضبط لك هذا الجانب، هذا أول ‏الشروط التي لا بد منها لتَكمُل لك طريقة الحفظ الصحيح.‏

‎‎‏ الشرط الثاني: الحفظ المتين ‏‎‎
الحفظ الجديد لا بد أن يكون حفظا متينا، لا يقبل فيه خطأ ولا أقل من الخطأ و لا وقفه و لا تعتعه، ‏الحفظ الجديد أعني، إذا أردت أن تحفظ صفحة جديده إن لم يكن حفظك لها أقوى – مبالغة – من ‏حفظك للفاتحة فلا تعد نفسك قد حفظتها، لماذا ؟ لأن الحفظ الجديد هو مثل الأساس، الآن إذا جئت ‏بأساس البناء و تعجلت حيثما اتفق سوف ينهد البناء فوق رأسك يوما ما. و الحفظ الجديد إذا قبلت فيه ‏بالخطأ و الخطأين، أو التعتعة أو الوقفة فإنك ثق تماما أنك كالذي يبني الرجاء على شفير الهاوية، يعنى ‏كأنك متأرجح، فإذا كنت في البداية متأرجح كيف ستبني على ما بعده، كيف تريد أن تكون هذه ‏الصفحة بعدها صفحات و صفحات، لا يمكن. لا ينبغي الترخص مطلقا في ضبط الحفظ الجديد ولو ‏أخذت بدل الدقائق العشر التي ذكرناها عشرين أو ثلاثين أو أربعين، المهم لا تنتقل من حفظك الأول ‏حتى تتقنه اتقانا كما قلت مبالغةً أكثر من إتقانك للفاتحة، لو قلت لأحدكم الآن سمع الفاتحة فسَمَّعها ‏بكل سهولة و يسر، بل لو كان نائما و حلم و قرأ الفاتحة لن يخطِأ فيها، لماذا ! لأن الفاتحة قد أدمن ‏قراءتها و حفظها أكثر من حفظه أسمه، لابد أن يكون الحفظ الأول مثل ذلك كما قلت دون أخطاء و ‏دون عجلة.‏

‎‎‏ الشرط الثالث: التسميع للغير ‏‎‎
وهذا الذي سيكتشف لك الأخطاء التي ذكرتها، بعض الناس الصفحة الأولى للمرة الثالثة يسمع الصفحة ‏خرج مطمئنا منشرح الصدر مسرورا وهو قد حفظ و هناك بعض الأخطاء مما أشرت إليه، كيف ‏يكتشفها، لا يكتشفها، يعيد مرة ثانيه في اليوم التالي صفحته ويسمعها في خطئها و المصحف أمامه، لماذا ‏؟ لأنه تصور أنه حفظ حفظا صحيحا. الذي يكتشف لك ذلك أن تسمع الصفحة لغيرك مهما أنت بالغا ‏الحد بالذكاء، و حدة الذهن و سرعة الحفظ فلابد أن تسمع لغيرك، أن تعطي المصحف غيرك ليستمع ‏لك، وهذا أمر لا بد منه. لا بأس قد لا تجد من يسمع لك الصفحة إذا حفظتها أو الصفحتين أو الثلاث ‏لا بأس، لكن لو جمعت خمسا من الصفحات أو عشرا من الصفحات سمعها لغيرك، هنا لازال هناك مجال ‏للاستدراك، أما بعد أن تحفظ عشرة أجزاء تأتي و تسمع و عندك من الأخطاء ما الله به عليم هذا لا يمكن ‏أن يكون مقبولا.‏

‎‎‏ الشرط الرابع التكرار القريب ‏‎‎
الحفظ بالحفظ، لو أنك صوبته وصححته، و لو أنك متنته و قويته و لو أنك سمعته و قرأته، لا يكفي فيه ‏ذلك حتى تكرره في وقت قريب، ما معنى الوقت قريب، في يومك الذي حفظت به الصفحة لو حفظتها ‏بعد الفجر، إذا تركتها إلى فجر اليوم التالي ستأتي إليها وقد أصابتها هينات واعتراها بعض الوقفات و ‏دخلت فيها بعض المتشابهات مما قد حفظته قبلها من الآيات، لابد أن تكرره في الوقت نفسه.‏
في ذلك اليوم الصفحة الجديدة، بعد التسميع الذي ذكرته ثلاث مرات، على أقل تقدير أن تسمع ‏الصفحة خمس مرات في ذلك اليوم، و سأذكر كيف يمكن تطبيق ذلك دون عناء و لا مشقه، لان بعض ‏الأخوة يقول هذا يريد أن نجلس في المسجد من بعد الفجر إلى المغرب حتى نطبق هذه الطرق التي يقولها. ‏أذكر مثال أن الحفظ الذي تتركه و لا تكرره يسرع في التفلت في ترجمة ابن أبي حاتم، الإمام ابن أبي ‏حاتم رحمة الله عليه كان يقرأ كتابا يريد أن يحفظه فكان يقرأه بصوت عالي ويكرره و عنده عجوز ‏بالبيت وهو يكرر الكتاب الأولى والثانية و الثالثة والعاشرة، فملت منه قالت: ما تصنع يا هذا، قال: إني ‏أريد أن أحفظه، قالت: ويحك لو كنت تريد لقد فعلت فإني قد حفظته، فقال: هاتيه، فسمعت له الكتاب ‏من حفظها سماعا فحفظته، قال و لكني لا أحفظه حتى أكرره سبعين مره. يقول فجئتها بعد عام فقلت لها ‏هاتي ما عندك من الكتاب فما أتت منه بشيء، أما أنا فما نسيت منه شيئا.‏
لا تنظر للوقت القريب انظر للمدى البعيد، أنت تريد أن تحفظ شيئا لا تنساه بإذن الله عز وجل. ‏

‎‎‏ الشرط الخامس: الربط بما سبق ‏‎‎
فالصفحة مثل الغرفة بالشقة ومثل الشقة في العمارة، يعنى لا يمكن أن تكون هناك صفحة وحده، لا بد ‏أن تربطها بما قبلها و أن تربطها بما بعدها و سيأتي لنا حديث عن الربط لاحقا.‏
إذا هذه هي الطريقة ثم هذه الشروط اللازمة .‏

‎‎‏ ثالثا العوامل المساعدة ‏‎‎
ننتقل إلى العوامل المساعدة. التي تساعدك على هذا و هذا .‏

‎‎‏ أولا: القراءة في النوافل ‏‎‎
النوافل الرواتب خمس في حد التقدير في الحد الأدنى لمن لا يزيد، ماذا نقرأ فيها غالبا ، كل واحد سيجيب ‏إجابة واحدة سورة الإخلاص، الكافرون ، الكوثر . نريد الصفحة الجديدة أن تسمعها خمس مرات في ‏هذه الصلوات الخمس أو في هذه الرواتب الخمس. الصفحة عندما تقسمها قسمين، سورة الضحى و ألم ‏نشرح تقريبا في هذا الحديث، فلا تفصل صلواتك عن قراءاتك و حفظك، هذا من أهم العوامل ‏المساعدة أن تغتنم النوافل بإخلاص في حفظ و مراجعة و تثبيت هذا الحفظ.‏

‎‎‏ ثانيا: القراءة في كل آن ‏‎‎
وخاصة في انتظار الصلوات، ما الفرق بين هذه و تلك؟ في كل آن عندما تذهب لموعد وغالبا تأتي و لا ‏يأتي من واعدته إلا متأخرا فليكن ديدنك أن تكرر حفظك و أن يكون مصحفك في جيبك. الصلوات ‏كثيرا ما نأتيها و قد كبر الإمام، لو قدمنا خمس دقائق قبل كل صلاة لكان عندنا خمس صلوات، خمس ‏مجالس يمكن أن نكرر فيه صفحة الحفظ أو أن نربط بعض الصفحات، أو أن نراجع بعض ما سنذكره في ‏شأن المراجعة. هذا لابد أن يكون لنا اهتمام به و أن نضعه في أذهاننا و تصوراتنا.‏

‎‎‏ ثالثا: قراءة المحراب ‏‎‎
القراءة الفاحصة التي تفحصك و تمحصك، هل حفظت حفظا صحيحا! هل حفظت حفظا متينا ! إنها ‏قراءة المحراب. أن تتقدم إماما في الصلاة أو أن تؤم الناس إذا تيسر لك ذلك أو إذا وجدت لك الفرصة أو ‏إذا قدمت، اقرأ في المحراب ما حفظته، فإن كنت مطمئنا مستطيعا للقراءة دون تلكأ و لا تخوف و لا ‏توقف فهذا مما يعين لأن قراءتك في الناس غير، إذا أخطأت ركعت، و إذا أخطأت في الركعة الثانية ‏انتقلت إلى سورة أخرى، أما المحراب فغالبا ما يمحصك و يفحصك فحصا جيدا فاحرص عليه إن كنت ‏إماما أن تجعل من حفظك في صلاتك و قراءتك.‏

‎‎‏ رابعا: سماع الأشرطة القرآنية المجودة ‏‎‎
و هذه نعمة من نعم الله عز وجل علينا، أنك يمكن أن تسمع الحفظ الجديد و القديم في كل يوم في أثناء ‏مسيرك في سيارتك أو قبل نومك في بيتك اجعل شريط القرآن دائم التكرار. و لا يكن ذلك عفوا و ‏ليكن ذلك بطريقة منهجية، بمعنى أنك عندك في هذا الأسبوع سورة معينة للمراجعة تريد أن تجعله ديدنك ‏خلال هذا الأسبوع. و أن تجعل أيضا شريط الحفظ الجديد أيضا ديدنك هذا الأسبوع، ليس كيفما اتفق ‏و حسب الحاجة، لا، افعل ذلك ضمن البرنامج الذي تكمل فيه حفظك و مراجعتك فإن هذا من أعظم ‏الأمور المعينة المساعدة، لأنك ستسمع القراءة الصحيحة و ستعيدها و تكررها، و ستسمعها بحسن ‏التجويد و الترتيل فذلك من أهم العوامل المساعدة.‏

‎‎‏ خامسا: الالتزام بمصحف واحد للحفظ ‏‎‎
وهذا أيضا من الأمور التي يوصى بها و يحرص عليها كثيرا ، لابد أن تأخذ لك مصحفا واحدا تحفظ عليه ‏قدر استطاعتك من أول المصحف إلى آخره، لأن التغيير تشويش، أنت عندما تلتزم المصحف الواحد غالبا ‏ما ينقذح في ذهنك صورة الصفحة مبدأ السورة في الصفحة و مبدأ الجزء في تلك الصفحة وأين تنتهي و ‏كم عدد الآيات فيها فذلك يثبت الحفظ عندك ويجعلك أقدر على أن تواصل و أن تربط و أن تمضي إن ‏شاء الله مضيا جيدا سريعا وقويا. أما إذا حفظت يوما هنا فهذه الصفحة تبدأ بالسورة وفي مصحف آخر ‏السورة بدايتها في مكان آخر ، لا تستفيد من هذه الفائدة التي هي إحدى الفوائد التي سنذكرها فيما يأتي ‏من الحديث. إذن المصحف الواحد يعين و أجود المصاحف ما يسمى مصحف رأس الآية الذي يبدأ بآية ‏و ينتهي بآية، ليس في صفحة جزء من الآية و تكملتها في الصفحة التي بعدها أو وراءها ، لأنك كما قلنا ‏اجعل قدرك أو حفظك هو الصفحة، مقياسك صفحة ، إما أنك ستحفظ في اليوم صفحة أو أكثر، تلك ‏الصفحة هي اللوح الذي يعينك بإذن الله عز و جل .‏

‎‎‏ سادسا: استعمال أكبر قدر ممكن من الحواس ‏‎‎
وهو من أهمها و آخرها، و هذه من الناحية العلمية معلوم أن استخدام حاسة واحدة يعطي نتيجة بنسبة ‏معينة، فإذا استخدمت للحفظ أو في هذا العمل حاستين زاد استيعابك و فهمك و حفظك له، و إذا ‏استعملت ثلاثة حواس زاد، إذا استخدمت أربع زاد. ‏
كيف نستخدم الحواس ؟ بعض الأخوة يقرءون كما يقولون يقرأ بعينه، هذه تضعف حفظك. اقرأ بعينك ‏و بلسانك، ارفع صوتك يتحرك اللسان وتسمع الآذان، ثم إذا استطعت و هذا لا شك أنه فيه صعوبة ‏لكن فيه قوة و متانة وهو أمر الكتابة، إذا حفظت صفحتك فاكتبها ولو على غير الرسم، كتابة لتثبيت ‏الحفظ ، فإن الكتابة من أقوى ما يثبت الحفظ تثبيتا راسخا لا ينسخ بإذن الله عز و جل. و نحن نعلم شأن ‏الكتاتيب التي تسمى كتاتيب، و التي بعض الناس يقول زمن الكتاتيب و طريقة الكتاتيب، وكأنه أمر فيه ‏تخلف و هو في حقيقة الأمر من أجود و أمتن و أحسن ما يمكن عليه الحفظ.‏
وأذكر لكم هذه التجارب تعرفونها خاصة في بلاد المغرب العربي وفي بلاد أفريقيا لازالوا في موريتانيا و ‏غيرها لازالوا بهذه الطريقة. أنا ذهبت مرة إلى المغرب و ذهبت إلى بعض المساجد ووجدت الطلاب كل ‏معه لوحه من الخشب يكتب عليه، فإذا كتب هذا اللوح يظل يردده حتى يحفظه، ثم عندهم هناك سطول ‏من الماء يغمس فيها لوحه فيه ويكون قد ثبت في ذهنه، فإذا محي من لوحه فلا يخشى بإذن الله عز وجل ‏من ذهاب حفظه. فالكتابة أيضا أمر مهم ، وهناك نماذج كما قلت عندما ترى أمثال هؤلاء الذين ‏يحفظون في الكتاتيب تعجب كأن عندك مسجلا، يقول اقرأ من آية كذا ينطلق المسجل ما شاء الله دون ‏أن يخطئ، بل في تركيا عندهم مدارس لتحفيظ القرآن على النظام الداخلي، يدخل فيها الطالب ما يظهر ‏لأهله إلا في آخر الأسبوع لمدة سنتين كاملتين، لكن يحفظ حفظا عجيبا و إن شئت قل أعجب من ‏العجيب أولا بأرقام الآيات بمواضيعها بترتيبها، يمكن إذا جئت بالآية لا يأتيك بالتي بعدها، بل يأتيك ‏بالتي قبلها، و ممكن إذا جئته بالآية و قلت أنك تريد نظائرها قرأ لك هذا الموضع و أتمه ثم جاءك بموضع ‏آخر من سورة أخرى و أتمه، يعنى حفظ في غاية القوة و المتانة . ‏
هذا ما يتعلق بالحفظ.‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:58 AM
‎‏ ثالثا: المراجعة ‏‎‎

القسم الثالث المراجعة، وهي من تمام الحفظ، فلا حفظ بلا مراجعة، و ليس هناك مراجعة أصلا من غير ‏حفظ. هناك أسس ثلاثة قبل أن ندخل في طريقة المراجعة.‏

‏ ‏‎‎‏ الأسس ‏‎‎

‎‎‏ أولا : التعاهد الدائم ‏‎‎
‏ ولست كما قلت معنيا بأن نذكر النصوص في تفلت القرآن و ما أخبرنا به نبينا على الصلاة السلام ‏‎‎‏ تعاهدوا ‏ ‏هذا القرآن فوالذي نفس ‏ ‏محمد ‏ ‏بيده لهو أشد‎ ‎تفلتا‎ ‎من‎ ‎الإبل‎ ‎في ‏ ‏عقلها – رواه مسلم ‏‎‎‏ ‏، وقال ‏‎‎‏ ‏تعاهدوا ‏ ‏هذه ‏ ‏المصاحف ‏ ‏وربما قال القرآن ‏ ‏فلهو أشد‎ ‎‏‏‎ ‎تفصيا‎ ‎‏ ‏من صدور الرجال من ‏النعم من عقله – رواه أحمد ‏‎‎‏ تعاهدوا القرآن فإنه أشد تفصيا ، إلى غير ذلك من الأحاديث لكن أقول ‏أن القرآن قال الله عز و جل في وصفه ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ القمر 17- ، ‏لكن جُعل من خصائصه أنه سريع التفلت، لماذا ؟
حكمة من الله عز وجل، من أراد أن يحفظ القرآن هكذا ليتباهى به، أو يحفظه ليأخذ به جائزة، فهذا لا ‏بأس يحفظ ثم ينسى، أما من يريد أن يحفظ القرآن حفظا لله عز وجل ثم ينتفع به في عبادته و تعليمه و إلى ‏آخره، فإنه لا بد أن يبقى معه و بقائه معه هو التأثير الإيجابي العملي السلوكي فإن الأمر ليس يتعلق فقط ‏بالحفظ نحن اليوم نركز على هذه المعاني لأننا نهدف إلى هدف معين نريد طريقة الحفظ أما بقية الأمور ‏فليست في معزل عن هذا.‏

‎‎‏ ثانيا لا بد من المقدار الكبير ‏‎‎
المقدار الكبير، من يريد أن يراجع صفحة باليوم هذا لا تعد مراجعة و لا ينتفع بها إلا في دائرة محدودة ‏جدا.‏

‎‎‏ ثالثا: استغلال المواسم ‏‎‎
مثل موسم رمضان هو موسم المراجعة الأكبر، فقد كان النبي ‏‎‎‏ يلتقي جبريل في رمضان ويتدارسان ‏القرآن معا في كل رمضان حتى إذا كان عام في العام الأخير تدارسه معه مرتين، فهذه النوافل تجمع و ‏تفيد بإذن الله عز و جل.‏
أما الطريقة فأحب أن أشير إلى أمر مهم جدا إذا اعتبرنا المراجعة هي عبارة عن وقفات و محطات فأحسب ‏أنها لا تفيد، يعنى أمضي لأحفظ خمسة أجزاء ثم أقف للمراجعة، هذه بالنسبة للتجربة أرى أنها كالذي ‏يحرث في الماء، خاصة إذا كانت طريقته في الحفظ أيضا ليست محكمة وجيدة. لا بد أن تكون المراجعة ‏جزءا لا يتجزأ من الحفظ، فكما تحفظ كل يوم تراجع كل يوم، لا تقل لي ليس عندي في هذه الأيام ‏مراجعة أو المراجعة ستكون في الشهر القادم أو بعد شهرين، هذا لا سيما في البدايات لا يمكن أن يثمر ‏ولا ينفع في غالب الأحوال، لا بد أن تكون المراجعة جزء قصير.‏

‎‎‏ الطريقة ‏‎‎
‏ ويمكن أن نشير إلى أمرين مهمين في مسألة الطريقة.‏

‎‎‏ أولا: تسميع أربعة صفحات من الحفظ الجديد ‏‎‎
عند تسميع كل صفحة جديدة لا بد من تسميع أربعة صفحات من الحفظ الجديد قبلها. يعنى يسمع ‏خمس صفحات، في اليوم التالي ماذا سيصنع، سيحفظ صفحة جديدة سيسمعها و معها أربعة صفحات ‏من التي قبلها وستكون صفحة الأمس معها، صفحة الأمس ستكرر خمس مرات، فهذا أولا جزء المراجعة ‏المبدئي الذي هو للحفظ الجديد، يحتاج إلى صيانة باستمرار، مثل أي شيء تترك صيانته يبدأ يتسرب إليه ‏الخلل، إذا أولا مع كل صفحة جديدة يسمع أربع صفحات من الجديد قبلها، هذا سيجعل الصفحة ‏الجديدة تسمع خمس مرات، قبل أن ينتقل قبل ذلك إلى صفحة سادسة وسيعيد قبلها أربع فلن تكون ‏الأولى منها.‏

‎‎‏ ثانيا: أن يسمع في كل يوم عشر صفحات من القديم ‏‎‎
وكما قلت ليس هذا صعبا أو محالا إذا استغل مشيه بسيارته و صلاته في نوافله و قراءته في نوافله و غير ‏ذلك مما أشرت إليه من سماعه لأشرطة، فيتحقق له ذلك بإذن الله دون عناء كبير المهم النية و العزيمة إلى ‏آخر ما ذكرنا في الأسس العامة هذا يضبط لنا الأمر خاصة في البداية، ثم ماذا يحصل نتيجة لهذا، في البداية ‏أيه الإخوة قد يكون مثل هذا الأمر فيه بعض الصعوبة أو يحتاج لبعض الوقت، لكن مالذي يحصل بعد ‏هذا أيه الأخوة، الذي يحصل الست قد اشترطت عليكم أن تكون حفظ الصفحة الأولى مثل حفظ ‏الفاتحة، فإن طبقتم ذلك ثم قرأتموها خمس مرات في نوافلكم ، ثم كانت ضمن الصفحات الخمس التي ‏تسمع في الأيام التي بعدها، فماذا سيكون شأن هذه الصفحة، هل تراك عندما تراجعها ستحتاج إلى جهد ‏أو إلى عناء، أنت ستتلوها كما تتلو فاتحة الكتاب ، و أنت تمشي و أنت تجلس و أنت تنتظر و أنت تقوم ‏و في وقت من الأوقات، إذا ماذا يحصل، المراجعة إذا أتقناها بهذه الطريقة تصبح شيئا لا يشكل عبئا و لا ‏يحتاج وقتا في الوقت نفسه. ‏
فلو تصورت أنك بدأت الحفظ حديثا، فحفظت الصفحة الأولى، ثم جئت باليوم التالي و حفظت ‏الصفحة الثانية، و بذلك تسمع الصفحتين معا حتى إذا جئت إلى اليوم الخامس سمعت الصفحات الخمس، ‏ثم إذا جئت إلى اليوم العاشر سمعت العشر، و بذلك تمضى إلى نهاية الجزء عشرين صفحة، ماذا سيكون، ‏ستكون الصفحة الأولى قد مرت بك نحوا من ثلاثين مره ، فإذا مشيت على هذه الطريقة، إذا جئت إلى ‏الجزء الثاني و الثالث لن يكون الجزء صعبا عليك، و لن تحتاج أن تقول إذا لابد أن أتوقف الآن حتى ‏أراجع ذلك الجزء، هذا التوقف و الوقفات الطويلة للمراجعة هي حفظ جديد. كثيرا ما يصنع ذلك طلبة ‏التحفيظ، يمضى خمسة أجزاء ثم يقول أقف للمراجعة، ووقفته للمراجعة حفظ جديد يحفظها مرة ثانيه ثم ‏لا يحكمها ويمضى خمسة أخرى ثم يقول أرجع و هو كما قلت إنما يحرث في الماء فلينتبه لذلك.‏

‎‎‏ العوامل المساعدة ‏‎‎
عوامل مساعدة للمراجعة كما قلت، بعضها مما ذكرت:‏

‎‎‏ أولاً: الإمامة في الصلاة ‏‎‎
الإمامة في الصلوات هذا أمر مهم كما ذكرت سابقا.‏

‎‎‏ ثانيا: العمل بالتدريس في مجال التحفيظ ‏‎‎
إذا حفظت و أتممت و ختمت لا شك أن هذا مهم جدا، يعينك كثيرا، إذا صرت مدرسا للتحفيظ بعد ‏أن تحفظ، هذا يسمع لك الجزء الأول، و هذا في الخامس، وذاك في العاشر. إرتبط بالقرآن و تسميعه ‏كثيرا. ‏
‎‎‏ ثالثا: الاشتراك في برامج التحفيظ ‏‎‎
عندما تكون منفردا يختلف الوضع، و لكن عندما تكون مع اثنين أو ثلاثة، أو في حلقة هذا يُسمع و هذا ‏يُسمع و هذا يَسمع لك و أنت تَسمع له سيكون هناك روح من الجد و قدرة على المواصلة في هذا ‏الباب.‏

‎‎‏ رابعا: قيام الليل و القراءة فيه ‏‎‎
وهو من الأمور النافعة المفيدة التي قل من يأخذ بها إلا من رحم الله، قيام الليل و الإفاضة فيه. وقد أفاض ‏النووي رحمة الله عليه في التبيان في هذا الباب و كما قلت لا أريد أن نتفرع إلى ذكر الفضائل أو المزايا ‏فإن قراءة القرآن في الليل فيها الهدوء و السكينة و استحضار القلب و اجتماع الفكر إضافة إلى ما يفتح ‏الله عز و جل به عليك و أنت تعبده و الناس نائمون إلى غير ذلك، هذا أمر واضح جدا.‏
هذا ما يتعلق بالمراجعة.‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 08:59 AM
رابعا: الروابط و الضوابط ‏‎‎


القسم الرابع الروابط و الضوابط. كيف نربط بين الآيات و السور، بعض الناس كثيرا ما يشكون من ‏هذه المشكلة ، خاصة الذين لم يأخذوا بهذه الطرق و لم ينتظموا و يستمروا ، يقول أنا أحفظ و عندي ‏قدرة أن أحفظ في الليلة الواحدة ما شاء الله لي أن أحفظ، لكن المسألة فيها متشابهات و هناك أمور تختلط ‏و السور بعضها البعض، و يسأل عن هذا الأمر. أقول، أولا قبل أن ندخل في التفصيلات، الحفظ لا ‏يتعلق بالروابط و الضوابط و حفظ المتشابهات و غيرها. الحفظ يعتمد على ما ذكرت من حسن الطريقة ‏الصحيحة و من دوام المراجعة المكثفة، لأنه ما المقصود بالحفظ؟ الحفظ أصلا هو عملية ذهنية يمكن ‏فصلها نظريا عن أي شيء آخر، يمكن فصلها عن الفهم، فأنت تستطيع أن تحفظ مالا تفهم، و يمكن ‏فصلها نظريا عن العمل فأنت تستطيع أن تحفظ مالا تعمل به، وهو عملية ذهنية آلية.‏
مما يذكر في ترجمة أبي العلاء المعري الشاعر، أنه كان وقّاد الذهن سريع الحفظ، حتى إنه كان يحفظ أي ‏شيء يسمعه، فقيل إنه اختلف روميان بينهما وتصايحا في أمر من الحقوق، فاختلفا إلى من يحكم بينهما، ‏فقال لهما هذا الذي يحكم هل شهد أحد غيركما حواركما وخصامكما، قالوا لا لكن كان إلى جوارنا ‏رجل أعمى - وهو أبو العلاء، الذي يسمى رهين المحبسين - فجيء به، قال إني لما لا أعرف رطنهما ‏لكن الأول قال كذا و كذا و الثاني قال كذا و كذا، مثلا كأنهم اثنين يتكلمان باللغة الإنجليزية وهذا ‏حفظ ما قال هذا و ما قال هذا، أما ما هذا الذي قاله ما معناه لا يدري، هو يحفظ.‏
إذا فلا تتعلم في الحفظ أنك تريد أن تنظر إلى الضوابط و المتشابهات، و يأخذ بعض الأخوة الكتب ما ‏الفرق بين هذه الآية هذا نعم لا بأس لكن ليس هو الأساس، الأساس أن تحفظ ، الحفظ الذي هو التسميع ‏الذي هو التكرار الذي هو إدمان القراءة و التلاوة و التسميع و المراجعة هذا الذي يتحقق به الفرد، هذه ‏أمور أخرى لاحقه و تابعة و من باب النافلة و الزيادة ليست هي أصلا في هذا و لكنها في الوقت نفسه ‏معينة ومفيدة و مكملة و متممة فلا تعتمد عليها و لكن استأنس بها.‏
وهذه متفرقات حقيقة حول الروابط و الضوابط، هناك متشابهات الله عز وجل يقول ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ‏الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا ﴾ الزمر 23 - أي في بعض معاني التفسير أنه يشبه بعضه بعضا، و نحن نعلم ‏أن هناك آيات مكرره وآيات متشابهة لا يختلف بعضها عن بعض في حرف واحد وهذا من إعجاز القرآن ‏وسَعة و دِقة معانيه وفيه كلام طويل عند أهل العلم، لكن لنأخذ بعض الملامح في مسائل المتشابهات لعلها ‏أن تعين، إضافة أريد أن أشير إلى أن هذه الروابط و الضوابط تعتمد على كل أحد في نفسه، فأنت قد ‏تجعل لنفسك ضابطا ليس لي، فأنا قد أكون قد ضبطت هذه الصفحة أو هذه السورة في تصور معين ‏وأنت ضبطتها في تصور آخر، أي في ضبط المعنى، أما الحفظ فكله واحد.‏
من ذلك على سبيل المثال.‏
‎‎‏ أولا: المنفردات و الوحدات ‏‎‎
وهنالك رسالة صغيره بهذا العنوان، أي هناك آيات متشابهة لكن واحدة منها كانت بصيغة معينة، تعرفها ‏حتى تعرف أن ما سواها متطابق وهى الوحيدة التي انفردت بذلك، مثل كما في قوله عز وجل ﴿ وَمَا ‏أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ البقرة 173- هذه في البقرة لوحدها مع التقديم به لغير الله وفي باقي القرآن إما في ‏المائدة 3 وفي الأنعام 145 و في النحل 115 ﴿ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾ ، فقط في البقرة ﴿ وَمَا أُهِلَّ ‏بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾. هذه لا تقل لي ستجعلني أحفظ. لا، هي بعد أن تحفظ خذ هذه العلامة فإذا جئت و ‏أنت تقرأ في البقرة في الصلاة و غيرها القاعدة في ذهنك فإذا وصلت لها قدمت به و مضيت وأنت ‏مطمئن، لا متشككا هل هذه كذا أو كذا.‏
من المنفردات أيضا، الآيات التي في بنو إسرائيل ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ﴾ البقرة 61- إلى ‏آخره قوله تعالى ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ ﴾ تجد النبيين في أكثرهم و ‏تجدها الأنبياء في آل عمران 112 ﴿ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ ﴾ وحدها، وهكذا تجد المنفردات يمكن أن تميزها ‏حتى تضبط أو تتم الحفظ و تتقنه بعد حفظك له إن شاء الله. ‏
هناك أيضا مواطن متشابهات كثيرة بعد أن تحفظ لك أن تصنع الروابط و الضوابط بنفسك، خذ الآيات ‏التي فيها متشابهات و ضعها أمام عينيك و اجعل لها رابطا بحسب ما ترى.‏
‏ أمر إبليس بالسجود ﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ البقرة 34، ﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ﴾ ‏الأعراف 11 ، ضعها أمامك و ميز بينها بأي تمييز تراه يفيدك و يثبت في ذهنك وليس هناك من شرط ‏في هذا. إذاً الأمر واسع.‏

‎‎‏ ثانيا: مسألة المتشابهات و ضبطها في الكتب ‏‎‎‏ ‏
هناك كتب قام بها العلماء في ضبط هذه المتشابهات، ما معنى في ضبطها يعنى أنهم جاءوا لك بالآية و ‏شبيهها في موضع واحد، ونبهوا أن الفرق بين هذه و هذه هو هذا الحرف أو هذه الكلمة أو هذا التقديم ‏أو هذا التأخير ، إذا في كونها جُمعت بين مكان واحد فهذا يساعدك على أن تستوعبها و أن تجعل هناك ‏فرقا بينها، إضافة إلى أن العلماء صنف بعضهم في هذه المتشابهات معلقا على الاختلاف بينها في المعاني، ‏فإذا عرفت المعنى لا شك أنه سيثبت لك الفرق بين هذه الآيات و هذه الآية، على سبيل المثال قد ذكرت ‏ذلك بالمناسبة في درس " جولة في المصادر القرآنية" عندما تكلمنا على الكتب التي فيها بيان لاختلاف ‏المعاني بالنسبة للآيات المتشابهة منها " فتح الرحمن في كشف ما يلتبس من القرآن" و منها " درة و التأويل ‏و غرة التنزيل" إلى غير ذلك مما سأذكر منه الآن، أقول هذه الكتب عندما تعرف هذه الكلمة و أن هناك ‏مشابها لها ولكن في اختلاف، وهذا الاختلاف جيء به لغرض هذا المعنى كذا و كذا، هذا يثبت في ذهنك ‏الفرق بين هذا و هذا ، و هو أمر مهم جدا . أضرب مثال، في قصة زكريا عليه السلام وقصة مريم في ‏سورة آل عمران، في الأولى قال ﴿ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴾ آل عمران 40 - و في قصة ‏مريم قال ﴿ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾ آل عمران 47 - لم قال هناك يفعل و لم قال هنا يخلق، ‏هناك زكريا الزوج موجود و المر أه موجودة اللهم كبر السن فلأمر ليس مثل قصة مريم امرأة بلا زوج ‏قال ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾ فهنا تستطيع أن تفرق بالمعنى بين هذه القصة و تلك القصة فيثبت في ذهنك أن ‏قصة زكريا فيها ﴿ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ﴾ و في قصة مريم (﴿ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ﴾ وهكذا.‏
هناك كتب كما قلت منها " درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات من كتاب الله العزيز " ‏للخطيب الكافي، منها " أسرار التكرار في القرآن " للإمام محمود بن حمزة الكرماني ، و منها " متشابه ‏القرآن" لأبي حسين ابن المنادى، و منها " منظومة هداية المرتاب وغاية الحفاظ و الطلاب " للإمام الشيخ ‏أبى بطر فيها بعض هذه المتشابهات.‏
و لنأخذ أمثلة مما قد تضبطه بنفسك و تضع له قاعدة وحدك دون غيرك، المسألة واسعة.‏
مثلا في آل عمران في الآية 176 و 177، و 178 فيها ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾،﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ ‏أَلِيمٌ ﴾،﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ اجمعها في كلمة عام، العين عظيم، و الألف أليم ، و الميم مهين، تنضبط ‏معك، فإذا جئت إلى هذه الصفحة انطلقت و أنت مطمئن لا خوف عليك أن تخلط بين هذه و تلك.‏
مثال أيضا آخر، في المائدة، ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ -62 ﴾ بعده مباشرة ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُوا ‏يَصْنَعُونَ -63﴾ بعدها في الصفحة التي بعدها ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ -79﴾ ، اجمعها في كلمة ‏عصف، الأولى عين يعملون و الثانية طاء يصنعون و الثالثة فاء يفعلون، أيضا تنضبط معك و تبقى في ‏ذهنك ولا إشكال فيها بإذن الله عز وجل.‏
ومثلا ﴿ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ ﴾ الصافات 98- و ﴿ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ ‏الْأَخْسَرِينَ ﴾ الأنبياء 70- ميز بينها الصافات فيها الفاء ، نفس كلمة الصافات فيها حرف الفاء فاجعل ‏فيها "فأرادوا" ، و أيضا فيها فاء في "الأسفلين" فإذا الفاء في الصافات في هذا المعنى، و تبقى الأنبياء بالواو ‏و بالأخسرين بدل الأسفلين.‏
وهكذا قس على هذا أمورا كثيرا تستطيع أن تجعلها على هذا النسق ، و مثل أيضا ﴿‏‎ ‎وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ ‏فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ﴾ الإسراء 89- و قوله عز وجل ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ ‏مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ﴾ الكهف54. الأولى في الإسراء فيها حرف السين فقدم ما فيه السين " الناس" و قل ﴿‏‎ ‎وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ ﴾ ، و الثانية في الكهف فيها فاء فقدم ما فيه الفاء و قل ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا ‏الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ ﴾.‏
وهكذا ضوابط معينه ممكن أن تستفيد منها، أيضا تقديم اللهو و اللعب ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا ‏وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ الأعراف 51، ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ﴾ العنكبوت 64- ‏قال أحدهم ضابطا لها "و قدم اللهو على اللعب في الأعراف قل و العنكبوت يرضى فيه" .‏
يعنى أي بيت أي كلمات تضبطها بعض الحروف أي شيء من هذا. هناك أيضا مثل " الرجفة مع الدار " ‏و " الصيحة مع الديار" قاعدة عامه ( فأخذتهم الرجفة ) سيكون الكلام في دارهم، ( فأخذتهم الصيحة ) ‏سيكون الكلام في ديارهم. وهكذا ستجد أنواعا كثيرة في هذا الجانب.‏

‎‎‏ ثالثا: فهم المعاني و تأملها ‏‎‎‏ ‏
مما يساعد على الربط و الضبط أيضا، كيف أيه الأخوة الأحبة، مثلا موضوع السورة، خاصة السور غير ‏السور الطوال، موضوعها قد يساعدك على أن تتصور التدرج في هذا الموضوع. بدأ الله عز و جل مثلا ‏في سورة الرعد في الآيات التي في السماوات من عظيم خلقه ثم الآيات التي فيها الأرض ثم بعد ذلك انتقل ‏إلى موقف الكفار من هذه الآيات و أنهم كفروا بالله عز و جل ثم انتقل إلى إقرار آخر في علم الله عز ‏وجل، يعني يمكن إذا قرأت ما يعرف بمقاصد السور أن تتصور هذه السورة بمقاطعها و أجزائها فتعينك ‏على تصور تسلسلها.‏
بعض السور أيضا يعينك أنها القصص الطويلة، القصص الطويلة مثل قصة يوسف ، سورة كاملة إذا ‏عرفت القصة و تسلسلها طبعا لن تقفز من حدث إلى حدث و تأتي بآيات قبل الحدث الأول، إذا كنت ‏تعرف القصة و عرفت مضامينها. و قلت القصص الطويلة مثل قصة يوسف و قصة موسى في بعض ‏المواقع يمكن تصور القصة أن يعين على الربط بين آياتها ويعين ذلك أيضا في مثل السور التي فيها قصص ‏لعدد أو لكثير من الرسل و الأنبياء مثل قصة هود و قصة الأعراف و الأنبياء، حاول أن تعرف أو أن ‏تكتب قصص الأنبياء مرتبة، نذكر مثلا في الأعراف قصة نوح ثم عاد ثم صالح ثم إلى آخره. فاعرفها حتى ‏إذا انتهيت من قصة النبي الأول وأنت تقرأ عرفت أن بعده النبي الثاني فتبدأ بوقفة تحتاج إلى دفعه، فاجعل ‏دفعتك ذاتية دون أن تحتاج إلى من يدفعك أو من يلقنك.‏
أيضا الأجزاء و الأرباع أيها الأخوة و السور، مبدأ السورة، مطلع الجزء، بداية الحزب أو الربع، مهم جدا ‏و يوفيه. فأنت تجعل لكل ربع مضمونه، مثلا أن تقول الربع الأول في البقرة طبعا سيكون محفوظ، فيه ‏قصة آدم و الملائكة، الربع الثاني قصة بني إسرائيل و فرعون، الربع الثالث قصة البقرة، تجعل لكل ربع ‏مثلا تصورا معينا أو مضمونا معينا تجعله حاضرا في ذهنك هذا الربط بالمعنى و فيه صعوبة لكنه في الغالب ‏مع المراس يتولد عندك شيئ من هذا الربط.‏

‎‎‏ رابعا: الربط العام‎ ‎‏ ‏‎‎‏ ‏
الضبط المقصود، الرابع و الأخير الربط العام، أن نربط الآيات بطريقة الحفظ التي ذكرناها، و نربط السور ‏و الأجزاء و نعرف ترتيب السور و ترتيب الأجزاء و مطالعها هذا يتم كذلك بالطريقة التي أشرنا إليها في ‏الحفظ و في المراجعة ‏

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 09:02 AM
خامسا: اختلافات و فروق ‏‎‎


أخيرا النقطة الخامسة من نقاط الدرس وهي الفروقات و الاختلافات. لا شك أن الذي ذكرناه قواعد ‏عامة و أن الناس يتفاوتون في السن و في الحفظ و في سعة الوقت و في القدرة على الاحتمال ونحو ذلك، ‏هذا كله وارد في هذا الباب، لكنني قد ذكرت ما أحسب أنه يصلح للجميع، و لذلك كان بعض الأخوة ‏يتصور أن الدرس سيكون عن حلقات التحفيظ و الطالب في التحفيظ و القدر الذي يأخذه في الحلقة و ‏كذا، قد نجعل هذا جزءا من حديث الدرس القادم إن شاء الله تعالى.‏
و قد أردت أن يكون التركيز في هذا على معنى الحس بحثا مجردا لأي أحد كبيرا كان أو صغيرا، موظفا ‏أو طالبا بحلقة أو بغير حلقة، منفردا أو مع مجموعه، يمكن أن يفيده مما ذكرت من هذه المعلومات و ‏الطرق و الملامح السريعة التي أشرت عليها. لكنني أيضا أقول لهذه الفروقات جوانب منها.‏

‎ ‎‏ أولا: السن ‏‎‎‏ ‏
الحفظ في الصغر كالنقش في الحجر، فاحفظ و أنت صغير إن استطعت، أما إذا كنت قد كبرت فلن ‏تستطيع أن تصغر نفسك، لكن عوض ذلك في أبنائك، و انتفع بهم إن شاء الله، و الحفظ في الصغر كما ‏قلت حفظ لذات الحفظ أو لمضمون الحفظ، لن أقول للصغير متشابهات لأنه لا يدرك هذا المعنى، لن ‏أستطيع أن أشرح له معاني الآيات و تفسيرها هو سيحفظ حفظا و يرسم رسما، هذا الحفظ هو الحفظ ‏القوي المتين، كما يحصل الآن مثلا في دراسات المعاهد الإسلامية على المناهج القديمة خاصة الأزهر و ‏غيره، يحفظون في الأزهر في الابتدائية - هم عندهم على النظام القديم أربع سنوات ابتدائية ثم أربع ‏سنوات متوسط - يحفظون في الابتدائية أربع سنوات ألفية ابن مالك، كل سنة يحفظون مئتين و خمسين ‏بيت يحفظها الطالب لا يفهم منها شيئا و لا يعقل منها شيئا، فإذا دخل المتوسط كان المنهج المقرر شرح ‏ألفية ابن مالك.‏
لا تقل لي في مسألة الحفظ ما يقوله لا أقول التربويون، لأن التربويون الحقيقيون لا يقولون هذا، أن ‏الحفظ مسألة غير تربوية و بعض الناس يقول لماذا نرهق أبنائنا بالحفظ في المدارس الابتدائية، و أحدهم ‏كتب في إحدى الجرائد قائلا من قال لكم إن السور القصيرة سهلة الحفظ، يقول بعض السور القصيرة ‏من أصعب ما يمكن حفظه، طبعا هو يتحدث عن نفسه و الله أعلم، أما الله عز و جل قال ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ‏الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ القمر 17 .‏
فالحفظ هو الأساس في العلم، ليس وحده و لكن هو الأساس في المدخل، تريد أن تفهم، كيف تفهم مالا ‏تحفظ!. تريد أن تستشهد، كيف تستشهد بما لا تحفظ ! تريد أن تدلل، كيف تدلل على مالا تحفظ !، ‏إلى آخر ذلك الحفظ أمر أساسي و لا بد منه، إذا أول شيء في الفروق و الاختلافات مسألة السن ‏فاحرص على هذا الشيء.‏

‎‎‏ ثانيا: الأوقات و الشواغل ‏‎‎
اختر الوقت الصافي، الذي فيه صفاء من وجهين،
أولا صفاء الكوادر و الشواغل، بمعنى أنك لا تنصرف به عن شيء.‏
ثانيا أن يكون صافيا خالصا لفترة الحفظ، لا تجمع معه شيء غيره، لا تحفظ و أنت تريد الحفظ، تحفظ ‏و تأكل، تحفظ و تجيب على التلفون تحفظ و.... لا تفعل ذلك أبدا. اجعل حفظك صافيا في وقته ‏للحفظ و بعيدا عن الشواغل في هذا الوقت، وهذه الأوقات تتفاوت بين الناس لكن أفضل وقتين فيما ‏يرى و الله أعلم في الواقع في حياة الناس، قبل النوم و بعد الفجر.‏
قبل النوم لن يكون عندك أحد و لن يأتيك أحد، و إن كان الناس كثير منهم تعودوا على الإزعاج و غير ‏ذلك، و لكنه أهدى الأوقات. و بعد الفجر أيضا أهدئها و أعونها على الحفظ.‏

‎‎‏ ثالثا: البرمجة ‏‎‎
الأمر الثالث الناس تكون في أشغالهم و وظائفهم و لكن هناك أمر لا بد منه البرمجة، ما يكون عندك من ‏أمر له أهمية ضعه في برنامجك، كما أنه لا تتصور أن يمضي يومك دون أن تصلي الفرائض الخمس، أو أن ‏يمضي يومك دون أن تنام، أو دون أن تأكل، أو عند بعض الناس دون أن يفعل شيئا من الأشياء التي ‏تعودها، فاجعل أنه لا يمضي وقتك و يومك إلا و فيه في البرنامج جزء ووقت لهذا الأمر، يقل أو يكثر ‏ليس مهما لكنه لا بد أن يثبت، يقل و يقصر نعم لكن لا يزول بل يثبت، و هكذا سنجد هذا واضحا ‏بينا.‏
وأخيرا أذكر بعض الأمور الواقعية، فليس هذا الكلام نظريا، و لا خياليا بل هو واقعيٌ في أعظم سور ‏الواقعية، و أذكر لكم بعض الأمثلة من المعاصرين و القدماء.‏
أما القدماء فقد ذكر الذهبي في معرفة القراء الكبار، ذكر عن أحد المتَرجمين من القراء أنه حفظ القرآن في ‏سن سنين يعني في الخامسة، قال وجمع القراءات في العاشرة، قال و هذا قل في الزمان مثله، و هذا يحصل ‏و يقع و تجد و الحمد لله هذه الأمور واضحة.‏
الشيخ الدوسري عليه رحمة الله، في ترجمته المطبوعة في كتاب ترجمة حياة الشيخ الدوسري، قال و ‏حفظت القرآن في شهرين، اعتزلت فيها الناس و أغلقت علي مكتبي و لم أكن أخرج إلا للصلاة.‏
و أنا أذكر لكم قصة رجل أعرفه و هو لا يزال موجودا بيننا أختم به الدرس، هذا شاب أصله من ‏السودان كان والده يدرس في أمريكا وولد هو في أمريكا، فصار مستحقا للجنسية الأمريكية، ودرس ‏هناك المرحلة الأولى الجامعية و أخذ الماجستير في الهندسة و شرع أيضا في مرحلة الدكتوراه، و كان في ‏المسجد أو المركز الإسلامي الذي هو فيه بعض إخواننا ممن يسكنون معنا في هذا الحي وهو ممن يحفظ ‏أكثر القرآن و يجوده و قراءته جميلة، فكان يؤم فيهم بالصلاة، فلفت نظره، يقول ما كنت قد سمعت ‏قراءه بمثل هذه الجودة و الحلاوة، ثم سألت فقيل أن هذا يحفظ عشرين أو خمسة و عشرين، ففكرت أنا ‏مسلم و لا أحفظ القرآن و أحسن قراءة القرآن، فعزمت أن أحفظه، فماذا صنع، أوقف دراسته و أخذ ‏إجازة، و جاء إلى المملكة متفرغا للحفظ، يقول يريد أن يحفظ و أن يتعلم بعض الأمور من الحديث و ‏بعض العلوم الإسلامية، وجاء إلي مرسلا من هذا الأخ الذي هو جار لنا فوجدت عنده همة و عزيمة ‏عالية، فذهب إلى مكة في الحرم متفرغا و للترتيب مع بعض المدرسين لعلهم أيضا أعانوه في ذلك، فأتم ‏الحفظ في مئة يوم يعنى ثلاثة أشهر و عشرة أيام في الحرم، أغلب وقته متفرغا لهذه في الحرم و يمكث فيه ‏الوقت الطويل، ثم جاء إلى هنا مرة أخرى فطلب أن يلتحق بمدرس أو محفظ حتى يراجع و يسمع الختمة ‏عشر و عشرين مرة، فألحقته بأحد حلقات واحد من المدرسين الجيدين و بمدرس آخر للتجويد فهو الآن ‏يسمع وهو مواظب و منتظم لا يغيب يوما واحدا، و ما جاء إلا لهذا و ما فرغ وقته إلا لهذا و ما قطع ‏دراسته إلا لهذا. إذا المسألة إن شاء الله بالنية و العزيمة و الله يبارك ويوفق و يعين.‏