View Full Version : ماصحة هذا الحديث
الشمري
18-04-2005, 01:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم 0
أخي الفاضل أحمد سعد الدين :
أجدني عاجزآ عن الشكر لما أسديته لي من خدمة في تخريج الأحاديث ولا أملك لك إلا أن أرفع يدي سائلآ الله لك المثوبة فدمت أخي أسد من أسود السنة والذابين عنها 0
أخي الفاضل أريد تخريج هذا الحديث وهل قصته صحيحة وشكر الله لك :
حديث 15473 - كتاب الخلع والطلاق - سنن البيهقى.
--------------------------------------------------------------------------------
15473- أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ : عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ قَتَادَةَ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ النَّضْرَوِىُّ الْهَرَوِىُّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَجْدَةَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا عَبِيدَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَجُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ : أَنَّ حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا زَارَتْ أَبَاهَا ذَاتَ يَوْمٍ وَكَانَ يَوْمَهَا فَلَمَّا جَاءَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمْ يَرَهَا فِى الْمَنْزِلِ فَأَرْسَلَ إِلَى أَمَتِهِ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ فَأَصَابَ مِنْهَا فِى بَيْتِ حَفْصَةَ فَجَاءَتْ حَفْصَةُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَفْعَلُ هَذَا فِى بَيْتِى وَفِى يَوْمِى قَالَ :« فَإِنَّهَا عَلَىَّ حَرَامٌ لاَ تُخْبِرِى بِذَلِكَ أَحَدًا ». فَانْطَلَقَتْ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا بِذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِى كِتَابِهِ (يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) إِلَى قَوْلِهِ (وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) فَأُمِرَ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ وَيُرَاجِعَ أَمَتَهُ. وَبِمَعْنَاهُ ذَكَرَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِىُّ مُرْسَلاً.
أحمد سعد الدين
18-04-2005, 08:38 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخ الفاضل الشمرى
بارك الله فيك
وقد ورد هذا الأثر كأحد أسباب النزول للآيات 1 - 5 من سورة التحريم ، وفى كتب التفسير ، واختلف العلماء فى ذلك ، ومن رجحه استدل به على أن تحريم الأمة يكون يمينا وليس طلاقا ،
مما سيتبين من أقوالهم فيما يلى :
صحيح البخارى
حدثني الحسن بن صباح سمع الربيع بن نافع حدثنا معاوية عن يحيى بن أبي كثير عن يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبير أنه أخبره أنه سمع ابن عباس يقول
إذا حرم امرأته ليس بشيء وقال
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة
فتح الباري بشرح صحيح البخاري
قوله ( وقال )
أي ابن عباس مستدلا على ما ذهب إليه بقوله تعالى ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) يشير بذلك إلى قصة التحريم , وقد وقع بسط ذلك في تفسير سورة التحريم , وذكرت في " باب موعظة الرجل ابنته " في كتاب النكاح في شرح الحديث المطول في ذلك من رواية ابن عباس عن عمر بيان الاختلاف هل المراد تحريم العسل أو تحريم مارية وأنه قيل في السبب غير ذلك , واستوعبت ما يتعلق بوجه الجمع بين تلك الأقوال بحمد الله تعالى . وقد أخرج النسائي بسند صحيح عن أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها , فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها , فأنزل الله تعالى هذه الآية : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك " وهذا أصح طرق هذا السبب , وله شاهد مرسل أخرجه الطبري بسند صحيح عن زيد بن أسلم التابعي الشهير قال " أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أم إبراهيم ولده في بيت بعض نسائه , فقالت : يا رسول الله في بيتي وعلى فراشي , فجعلها عليه حراما , فقالت : يا رسول الله كيف تحرم عليك الحلال ! فحلف لها بالله لا يصيبها , فنزلت يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك " قال زيد بن أسلم : فقول الرجل لامرأته أنت علي حرام لغو , وإنما تلزمه كفارة يمين إن حلف . وقوله " ليس بشيء " يحتمل أن يريد بالنفي التطليق , ويحتمل أن يريد به ما هو أعم من ذلك والأول أقرب , ويؤيده ما تقدم في التفسير من طريق هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد موضعها " في الحرام يكفر " وأخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن المبارك الصوري عن معاوية بن سلام بإسناد حديث الباب بلفظ " إذا حرم الرجل امرأته فإنما هي يمين يكفرها " فعرف أن المراد بقوله " ليس بشيء " أي ليس بطلاق . وأخرج النسائي وابن مردويه من طريق سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس " أن رجلا جاءه فقال : إني جعلت امرأتي علي حراما , قال : كذبت ما هي بحرام , ثم تلا ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) ثم قال له " عليك رقبة " , ا ه وكأنه أشار عليه بالرقبة لأنه عرف أنه موسر , فأراد أن يكفر بالأغلظ من كفارة اليمين لا أنه تعين عليه عتق الرقبة , ويدل عليه ما تقدم عنه من التصريح بكفارة اليمين . ثم ذكر المصنف حديث عائشة في قصة شرب النبي صلى الله عليه وسلم العسل عند بعض نسائه فأورده من وجهين : أحدهما من طريق عبيد بن عمير عن عائشة وفيه أن شرب العسل كان عند زينب بنت جحش , والثاني من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وفيه أن شرب العسل كان عند حفصة بنت عمر , فهذا ما في الصحيحين . وأخرج ابن مردويه من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن شرب العسل كان عند سودة , وأن عائشة وحفصة هما اللتان تواطأتا على وفق ما في رواية عبيد بن عمير وإن اختلفا في صاحبة العسل . وطريق الجمع بين هذا الاختلاف الحمل على التعدد فلا يمتنع تعدد السبب للأمر الواحد , فإن جنح إلى الترجيح فرواية عبيد بن عمير أثبت لموافقة ابن عباس لها على أن المتظاهرتين حفصة وعائشة على ما تقدم في التفسير وفي الطلاق من جزم عمر بذلك , فلو كانت حفصة صاحبة العسل لم تقرن في التظاهر بعائشة , لكن يمكن تعدد القصة في شرب العسل وتحريمه واختصاص النزول بالقصة التي فيها أن عائشة وحفصة هما المتظاهرتان , ويمكن أن تكون القصة التي وقع فيها شرب العسل عند حفصة كانت سابقة . ويؤيد هذا الحمل أنه لم يقع في طريق هشام بن عروة التي فيها أن شرب العسل كان عند حفصة تعرض للآية ولا لذكر سبب النزول , والراجح أيضا أن صاحبة العسل زينب لا سودة لأن طريق عبيد بن عمير أثبت من طريق ابن أبي مليكة بكثير , ولا جائز أن تتحد بطريق هشام بن عروة لأن فيها أن سودة كانت ممن وافق عائشة على قولها " أجد ريح مغافير " ويرجحه أيضا ما مضى في كتاب الهبة عن عائشة " أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن حزبين : أنا وسودة وحفصة وصفية في حزب , وزينب بنت جحش وأم سلمة والباقيات في حزب " فهذا يرجح أن زينب هي صاحبة العسل ولهذا غارت عائشة منها لكونها من غير حزبها والله أعلم , وهذا أولى من جزم الداودي بأن تسمية التي شربت العسل حفصة غلط وإنما هي صفية بنت حيي أو زينب بنت جحش , وممن جنح إلى الترجيح عياض , ومنه تلقف القرطبي , وكذا نقله النووي عن عياض وأقره فقال عياض : رواية عبيد بن عمير أولى لموافقتها ظاهر كتاب الله , لأن فيه ( وإن تظاهرا عليه ) فهما ثنتان لا أكثر , ولحديث ابن عباس عن عمر , قال فكأن الأسماء انقلبت على راوي الرواية الأخرى , وتعقب الكرماني مقالة عياض فأجاد فقال : متى جوزنا هذا ارتفع الوثوق بأكثر الروايات . وقال القرطبي : الرواية التي فيها أن المتظاهرات عائشة وسودة وصفية ليست بصحيحة لأنها مخالفة للتلاوة لمجيئها بلفظ خطاب الاثنين ولو كانت كذلك لجاءت بخطاب جماعة المؤنث . ثم نقل عن الأصيلي وغيره أن رواية عبيد بن عمير أصح وأولى , وما المانع أن تكون قصة حفصة سابقة , فلما قيل له ما قيل ترك الشرب من غير تصريح بتحريم ولم ينزل في ذلك شيء , ثم لما شرب في بيت زينب تظاهرت عائشة وحفصة على ذلك القول فحرم حينئذ العسل فنزلت الآية . قال : وأما ذكر سودة مع الجزم بالتثنية فيمن تظاهر منهن فباعتبار أنها كانت كالتابعة لعائشة ولهذا وهبت يومها لها , فإن كان ذلك قبل الهبة فلا اعتراض بدخوله عليها , وإن كان بعده فلا يمتنع هبتها يومها لعائشة أن يتردد إلى سودة . قلت : لا حاجة إلى الاعتذار عن ذلك , فإن ذكر سودة إنما جاء في قصة شرب العسل عند حفصة ولا تثنية فيه ولا نزول على ما تقدم من الجمع الذي ذكره , وأما قصة العسل عند زينب بنت جحش فقد صرح فيه بأن عائشة قالت " تواطأت أنا وحفصة " فهو مطابق لما جزم به عمر من أن المتظاهرتين عائشة وحفصة وموافق لظاهر الآية والله أعلم . ووجدت لقصة شرب العسل عند حفصة شاهدا في تفسير ابن مردويه من طريق يزيد بن رومان عن ابن عباس ورواته لا بأس بهم , وقد أشرت إلى غالب ألفاظه , ووقع في تفسير السدي أن شرب العسل كان عند أم سلمة أخرجه الطبري وغيره وهو مرجوح لإرساله وشذوذه , والله أعلم .
أحمد سعد الدين
18-04-2005, 08:44 PM
وفى صحيح البخارى أيضا:
حدثني الحسن بن محمد بن صباح حدثنا حجاج عن ابن جريج قال زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول سمعت عائشة رضي الله عنها
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير فدخل على إحداهما فقالت له ذلك فقال لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له فنزلت
يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك إلى إن تتوبا إلى الله
لعائشة وحفصة
وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه
لقوله بل شربت عسلا
فتح الباري بشرح صحيح البخاري
قوله ( إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا )
في رواية هشام " يشرب عسلا عند زينب ثم يمكث عندها " ولا مغايرة بينهما لأن الواو لا ترتب .
قوله ( فتواصيت )
كذا هنا بالصاد من المواصاة , وفي رواية هشام " فتواطيت " بالطاء من المواطأة , وأصله تواطأت بالهمزة فسهلت الهمزة فصارت ياء , وثبت كذلك في رواية أبي ذر .
قوله ( أن أيتنا دخل )
في رواية أحمد عن حجاج بن محمد " أن أيتنا ما دخل " بزيادة ما وهي زائدة .
قوله ( إني لأجد ريح مغافير , أكلت مغافير )
في رواية هشام بتقديم أكلت مغافير وتأخير إني أجد . وأكلت استفهام محذوف الأداة , والمغافير بالغين المعجمة والفاء وبإثبات التحتانية بعد الفاء في جميع نسخ البخاري , ووقع في بعض النسخ عن مسلم في بعض المواضع من الحديث بحذفها , قال عياض والصواب إثباتها لأنها عوض من الواو التي في المفرد وإنما حذفت في ضرورة الشعر ا ه , ومراده أن المغافير جمع مغفور بضم أوله ويقال بثاء مثلثة بدل الفاء حكاه أبو حنيفة الدينوري في النبات , قال ابن قتيبة : ليس في الكلام مفعول بضم أوله إلا مغفور ومغزول بالغين المعجمة من أسماء الكمأة ومنخور بالخاء المعجمة من أسماء الأنف ومغلوق بالغين المعجمة واحد المغاليق , قال : والمغفور صمغ حلو له رائحة كريهة , وذكر البخاري أن المغفور شبيه بالصمغ يكون في الرمث بكسر الراء وسكون الميم بعدها مثلثة وهو من الشجر التي ترعاها الإبل وهو من الحمض , وفي الصمغ المذكور حلاوة , يقال أغفر الرمث إذا ظهر ذلك فيه . وذكر أبو زيد الأنصاري أن المغفور يكون أيضا في العشر بضم المهملة وفتح المعجمة , وفي الثمام والسلم والطلح . واختلف في ميم مغفور فقيل زائدة وهو قول الفراء وعند الجمهور أنها من أصل الكلمة , ويقال له أيضا مغفار بكسر أوله ومغفر بضم أوله وبفتحه وبكسره عن الكسائي والفاء مفتوحة في الجميع , وقال عياض : زعم المهلب أن رائحة المغافير والعرفط حسنة وهو خلاف ما يقتضيه الحديث وخلاف ما قاله أهل اللغة ا ه , ولعل المهلب قال " خبيثة " بمعجمة ثم موحدة ثم تحتانية ثم مثلثة فتصحفت أو استند إلى ما نقل عن الخليل وقد نسبه ابن بطال إلى العين أن العرفط شجر العضاه والعضاه كل شجر له شوك وإذا استيك به كانت له رائحة حسنة تشبه رائحة طيب النبيذ ا ه , وعلى هذا فيكون ريح عيدان العرفط طيبا وريح الصمغ الذي يسيل منه غير طيبة ولا منافاة في ذلك ولا تصحيف , وقد حكى القرطبي في " المفهم " أن رائحة ورق العرفط طيبة فإذا رعته الإبل خبثت رائحته , وهذا طريق آخر في الجمع حسن جدا .
قوله ( فدخل على إحداهما )
لم أقف على تعيينها , وأظنها حفصة .
قوله ( فقال لا بأس شربت عسلا ) كذا وقع هنا في رواية أبي ذر عن شيوخه , ووقع للباقين " لا بل شربت عسلا " وكذا وقع في كتاب الأيمان والنذور للجميع حيث ساقه المصنف من هذا الوجه إسنادا ومتنا , كذا أخرجه أحمد عن حجاج ومسلم وأصحاب السنن والمستخرجات من طريق حجاج , فظهر أن لفظة " بأس " هنا مغيرة من لفظه " بل " وفي رواية هشام " فقال لا ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش " .
قوله ( ولن أعود له )
زاد في رواية هشام " وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا " وبهذه الزيادة تظهر مناسبة قوله في رواية حجاج بن محمد فنزلت " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك " قال عياض حذفت هذه الزيادة من رواية حجاج بن محمد فصار النظم مشكلا , فزال الإشكال برواية هشام بن يوسف . واستدل القرطبي وغيره بقوله " حلفت " على أن الكفارة التي أشير إليها في قوله تعالى ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) هي عن اليمين التي أشار إليها بقوله " حلفت " فتكون الكفارة لأجل اليمين لا لمجرد التحريم , وهو استدلال قوي لمن يقول إن التحريم لغو لا كفارة فيه بمجرده , وحمل بعضهم قوله " حلفت " على التحريم ولا يخفى بعده , والله أعلم
قوله ( إن تتوبا إلى الله )
أي تلا من أول السورة إلى هذا الموضع ( فقال لعائشة وحفصة ) أي الخطاب لهما , ووقع في رواية غير أبي ذر " فنزلت " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك - إلى قوله - إن تتوبا إلى الله " وهذا أوضح من رواية أبي ذر .
قوله ( وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا , لقوله بل شربت عسلا )
هذا القدر بقية الحديث , كنت أظنه من ترجمة البخاري على ظاهر ما سأذكره عن رواية النسفي حتى وجدته مذكورا في آخر الحديث عند مسلم وكأن المعنى : وأما المراد بقوله تعالى ( وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا ) فهو لأجل قوله " بل شربت عسلا " , والنكتة فيه أن هذه الآية داخلة في الآيات الماضية لأنها قبل قوله ( إن تتوبا إلى الله ) واتفقت الروايات عن البخاري على هذا إلا النسفي فوقع عنده بعد قوله " فنزلت : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك " ما صورته : قوله تعالى ( إن تتوبا إلى الله ) لعائشة وحفصة ( وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا ) لقوله " بل شربت عسلا " فجعل بقية الحديث ترجمة للحديث الذي يليه , والصواب ما وقع عند الجماعة لموافقة مسلم وغيره على أن ذلك من بقية حديث ابن عمير .
أحمد سعد الدين
18-04-2005, 08:47 PM
والحديث الثالث فى صحيح البخارى أيضا
حدثنا فروة بن أبي المغراء حدثنا علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العسل والحلواء وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس فغرت فسألت عن ذلك فقيل لي أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل فسقت النبي صلى الله عليه وسلم منه شربة فقلت أما والله لنحتالن له فقلت لسودة بنت زمعة إنه سيدنو منك فإذا دنا منك فقولي أكلت مغافير فإنه سيقول لك لا فقولي له ما هذه الريح التي أجد منك فإنه سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل فقولي له جرست نحله العرفط وسأقول ذلك وقولي أنت يا صفية ذاك قالت تقول سودة فوالله ما هو إلا أن قام على الباب فأردت أن أباديه بما أمرتني به فرقا منك فلما دنا منها قالت له سودة يا رسول الله أكلت مغافير قال لا قالت فما هذه الريح التي أجد منك قال سقتني حفصة شربة عسل فقالت جرست نحله العرفط فلما دار إلي قلت له نحو ذلك فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك فلما دار إلى حفصة قالت يا رسول الله ألا أسقيك منه قال لا حاجة لي فيه قالت تقول سودة والله لقد حرمناه قلت لها اسكتي
فتح الباري بشرح صحيح البخاري
قوله ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العسل والحلوى )
قد أفرد هذا القدر من هذا الحديث كما سيأتي في الأطعمة وفي الأشربة وفي غيرهما من طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة , وهو عنده بتقديم الحلوى على العسل , ولتقديم كل منهما على الآخر جهة من جهات التقديم , فتقديم العسل لشرفه ولأنه أصل من أصول الحلوى ولأنه مفرد والحلوى مركبة , وتقديم الحلوى لشمولها وتنوعها لأنها تتخذ من العسل ومن غيره , وليس ذلك من عطف العام على الخاص كما زعم بعضهم وإنما العام الذي يدخل الجميع فيه , الحلو بضم أوله وليس بعد الواو شيء , ووقعت الحلواء في أكثر الروايات عن أبي أسامة بالمد وفي بعضها بالقصر وهي رواية علي بن مسهر , وذكرت عائشة هذا القدر في أول الحديث تمهيدا لما سيذكره من قصة العسل , وسأذكر ما يتعلق بالحلوى والعسل مبسوطا في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى .
قوله ( وكان إذا انصرف من العصر )
كذا للأكثر , وخالفهم حماد بن سلمة عن هشام بن عروة فقال " الفجر " أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن أبي النعمان عن حماد , ويساعده رواية يزيد بن رومان عن ابن عباس ففيها " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح جلس في مصلاه وجلس الناس حوله حتى تطلع الشمس , ثم يدخل على نسائه امرأة امرأة يسلم عليهن ويدعو لهن , فإذا كان يوم إحداهن كان عندها " الحديث أخرجه ابن مردويه , ويمكن الجمع بأن الذي كان يقع في أول النهار سلاما ودعاء محضا , والذي في آخره معه جلوس واستئناس ومحادثة , لكن المحفوظ في حديث عائشة ذكر العصر ورواية حماد بن سلمة شاذة .
قوله ( دخل على نسائه )
في رواية أبي أسامة أجاز إلى نسائه أي مشى , ويجيء بمعنى قطع المسافة ومنه فأكون أنا وأمتي أول من يجيز أي أول من يقطع مسافة الصراط .
قوله ( فيدنو منهن )
أي فيقبل ويباشر من غير جماع كما في الرواية الأخرى .
قوله ( فاحتبس )
أي أقام , زاد أبو أسامة " عندها " .
قوله ( فسألت عن ذلك )
ووقع في حديث ابن عباس بيان ذلك ولفظه " فأنكرت عائشة احتباسه عند حفصة فقالت جويرية لحبشية عندها يقال لها خضراء : إذا دخل على حفصة فادخلي عليها فانظري ما يصنع " .
قوله ( أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل )
لم أقف على اسم هذه المرأة ووقع في حديث ابن عباس " أنها أهديت لحفصة عكة فيها عسل من الطائف " .
قوله ( فقلت لسودة بنت زمعة إنه سيدنو منك )
في رواية أبي أسامة " فذكرت ذلك لسودة وقلت لها : إنه إذا دخل عليك سيدنو منك " وفي رواية حماد بن سلمة " إذا دخل على إحداكن فلتأخذ بأنفها , فإذا قال : ما شأنك ؟ فقولي : ريح المغافير " وقد تقدم شرح المغافير قبل .
قوله ( سقتني حفصة شربة عسل )
في رواية حماد بن سلمة " إنما هي عسيلة سقتنيها حفصة " .
قوله ( جرست )
بفتح الجيم والراء بعدها مهملة أي رعت نحل هذا العسل الذي شربته الشجر المعروف بالعرفط , وأصل الجرس الصوت الخفي , ومنه في حديث صفة الجنة " يسمع جرس الطير " ولا يقال جرس بمعنى رعى إلا للنحل , وقال الخليل جرست النحل العسل تجرسه جرسا إذا لحسته , وفي رواية حماد بن سلمة " جرست نحلها العرفط إذا " والضمير للعسيلة على ما وقع في روايته .
قوله ( العرفط )
بضم المهملة والفاء بينهما راء ساكنة وآخره طاء مهملة هو الشجر الذي صمغه المغافير , قال ابن قتيبة : هو نبات مر له ورقة عريضة تفرش بالأرض وله شوكة وثمرة بيضاء كالقطن مثل زر القميص , وهو خبيث الرائحة . قلت : وقد تقدم في حكاية عياض عن المهلب ما يتعلق برائحة العرفط والبحث معه فيه قبل .
قوله ( وقولي أنت يا صفية )
أي بنت حيي أم المؤمنين , وفي رواية أبي أسامة " وقوليه أنت يا صفية " أي قولي , الكلام الذي علمته لسودة , زاد أبو أسامة في روايته " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح " أي الغير الطيب , وفي رواية يزيد بن رومان عن ابن عباس " وكان أشد شيء عليه أن يوجد منه ريح سيئ " وفي رواية حماد بن سلمة " وكان يكره أن يوجد منه ريح كريهة لأنه يأتيه الملك " وفي رواية ابن أبي مليكة عن ابن عباس " وكان يعجبه أن يوجد منه الريح الطيب " .
قوله ( قالت تقول سودة : فوالله ما هو إلا أن قام على الباب فأردت أن أبادئه بالذي أمرتني به فرقا منك )
أي خوفا , وفي رواية أبي أسامة " فلما دخل على سودة قالت تقول سودة : والله لقد كدت أن أبادره بالذي قلت لي " وضبط " أبادئه " في أكثر الروايات بالموحدة من المبادأة وهي بالهمزة , وفي بعضها بالنون بغير همزة من المناداة , وأما أبادره في رواية أبي أسامة فمن المبادرة , ووقع فيها عند الكشميهني والأصيلي وأبي الوقت كالأول بالهمزة بدل الراء , وفي رواية ابن عساكر بالنون .
قوله ( فلما دار إلي قلت نحو ذلك , فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك )
كذا في هذه الرواية بلفظ " نحو " عند إسناد القول لعائشة وبلفظ مثل عند إسناده لصفية , ولعل السر فيه أن عائشة لما كانت المبتكرة لذلك عبرت عنه بأي لفظ حسن ببالها حينئذ فلهذا قالت نحو ولم تقل مثل , وأما صفية فإنها مأمورة بقول شيء فليس لها فيه تصرف , إذ لو تصرفت فيه لخشيت من غضب الآمرة لها , فلهذا عبرت عنه بلفظ مثل , هذا الذي ظهر لي في الفرق أولا , ثم راجعت سياق أبي أسامة فوجدته عبر بالمثل في الموضعين , فغلب على الظن أن تغيير ذلك من تصرف الرواة والله أعلم .
قوله ( فلما دار إلى حفصة )
أي في اليوم الثاني .
قوله ( لا حاجة لي فيه )
كأنه اجتنبه لما وقع عنده من توارد النسوة الثلاث على أنه نشأت من شربه له ريح منكرة فتركه حسما للمادة .
قوله ( تقول سودة )
زاد ابن أبي أسامة في روايته " سبحان الله " .
قوله ( والله لقد حرمناه )
بتخفيف الراء أي منعناه .
قوله ( قلت لها اسكتي )
كأنها خشيت أن يفشو ذلك فيظهر ما دبرته من كيدها لحفصة . وفي الحديث من الفوائد ما جبل عليه النساء من الغيرة , وأن الغيراء تعذر فيما يقع منها من الاحتيال فيما يدفع عنها ترفع ضرتها عليها بأي وجه كان , وترجم عليه المصنف في كتاب ترك الحيل " ما يكره من احتيال المرأة من الزوج والضرائر " وفيه الأخذ بالحزم في الأمور وترك ما يشتبه الأمر فيه من المباح خشية من الوقوع في المحذور . وفيه ما يشهد بعلو مرتبة عائشة عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى كانت ضرتها تهابها وتطيعها في كل شيء تأمرها به حتى في مثل هذا الأمر مع الزوج الذي هو أرفع الناس قدرا . وفيه إشارة إلى ورع سودة لما ظهر منها من التندم على ما فعلت لأنها وافقت أولا على دفع ترفع حفصة عليهن بمزيد الجلوس عندها بسبب العسل , ورأت أن التوصل إلى بلوغ المراد من ذلك لحسم مادة شرب العسل الذي هو سبب الإقامة , لكن أنكرت بعد ذلك أنه يترتب عليه منع النبي صلى الله عليه وسلم من أمر كان يشتهيه وهو شرب العسل مع ما تقدم من اعتراف عائشة الآمرة لها بذلك في صدر الحديث , فأخذت سودة تتعجب مما وقع منهن في ذلك , ولم تجسر على التصريح بالإنكار , ولا راجعت عائشة بعد ذلك لما قالت لها " اسكتي " بل أطاعتها وسكتت لما تقدم من اعتذارها في أنها كانت تهابها وإنما كانت تهابها لما تعلم من مزيد حب النبي صلى الله عليه وسلم لها أكثر منهن , فخشيت إذا خالفتها أن تغضبها , وإذا أغضبتها لا تأمن أن تغير عليها خاطر النبي صلى الله عليه وسلم ولا تحتمل ذلك , فهذا معنى خوفها منها . وفيه أن عماد القسم الليل , وأن النهار يجوز الاجتماع فيه بالجميع لكن بشرط أن لا تقع المجامعة إلا مع التي هو في نوبتها كما تقدم تقريره . وفيه استعمال الكنايات فيما يستحيا من ذكره لقوله في الحديث " فيدنو منهن " والمراد فيقبل ونحو ذلك , ويحقق ذلك قول عائشة لسودة " إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك , فقولي له إني أجد كذا " وهذا إنما يتحقق بقرب الفم من الأنف , ولا سيما إذا لم تكن الرائحة طافحة , بل المقام يقتضي أن الرائحة لم تكن طافحة لأنها لو كانت طافحة لكانت بحيث يدركها النبي صلى الله عليه وسلم ولأنكر عليها عدم وجودها منه , فلما أقر على ذلك دل على ما قررناه أنها لو قدر وجودها لكانت خفية وإذا كانت خفية لم تدرك بمجرد المجالسة والمحادثة من غير قرب الفم من الأنف , والله أعلم .
أحمد سعد الدين
18-04-2005, 08:51 PM
وورد فى أسباب النزول
سورة التحريم
بسم الله الرحمن الرحيم
قوله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ الآية 1 .
أخبرنا محمد بن منصور الطوسي، أخبرنا عليّ بن عمر بن مهدي أخبرنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، أخبرنا عبد الله بن شبيب قال: حدثني إسحاق بن محمد، أخبرنا عبد الله بن عمر قال: حدثني أبو النضر مولى عمر بن عبد الله، عن عليّ بن عباس، عن ابن عباس، عن عمر قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم ولده مارية في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها، فقالت: لم تدخلها بيتي؟ ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هواني عليك. فقال لها: "لا تذكري هذا لعائشة، هي علي حرام إن قربتها"، قالت حفصة: وكيف تحرم عليك وهي جاريتك؟ فحلف لها: لا يقربها وقال لها: "لا تذكريه لأحد"، فذكرته لعائشة، فآلى أن لا يدخل على نسائه شهرًا واعتزلهن تسعا وعشرين ليلة، فأنـزل الله تبارك وتعالى: لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ الآية.
أخبرنا أبو إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم الواعظ، أخبرنا بشر بن أحمد بن بشر، أخبرنا جعفر بن الحسن الفريابي، أخبرنا منجاب بن الحارث، أخبرنا عليّ بن مسهر عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحب الحلواء والعسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فدخل على حفصة بنت عمر واحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فعرفت فسألت عن ذلك، فقيل لي أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت منه النبيّ صلى الله عليه وسلم شربة قلت: أما والله لنحتالن لـه، فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك إذا دخل عليك فقولي له: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي: جرست نحله العُرفُط؟ وسأقول ذلك، وقولي أنت يا صفية ذلك، قالت تقول سودة: فوالله ما هو إلا أن أقام على الباب فكدت أن أبادئه بما أمرتني به، فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال: "لا"، قالت: فما هذه الريح التي أجد منك، قال: "سقتني حفصة شربة عسل"، قالت: جرست نحله العرفط؟ قالت: فلما دخل عليّ قلت له مثل ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت: يا رسول الله أسقيك منه؟ قال: "لا حاجة لي فيه"، تقول سودة: سبحان الله لقد حرمناه، قلت لهـا: اسكتي رواه البخاري عن فـروة بن أبي المغراء، ورواه مسلم عن سويد بن سعيد، كلاهما عن عليّ بن مسهر.
أخبرنا أبو عبد الرحمن بن أبي حامد، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا الحسن بن محمد بن مصعب، أخبرنا يحيى بن حكيم، أخبرنـا أبو داود، أخبرنا عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة: أن سودة بنت زمعة كانت لها خؤولة باليمن، وكان يهدى إليها العسل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيها في غير يومها يصيب من ذلك العسل، وكانت حفصة وعائشة متواخيتين على سائر أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالت إحداهما للأخرى: أما ترين إلى هذا؟ قد اعتاد هذه يأتيها في غير يومها يصيب من ذلك العسل، فإذا دخل عليك فخذي بأنفك، فإذا قال: مالك؟ قولي: أحد منك ريحا لا أدري ما هي، فإنه إذا دخل عليّ قلت مثل ذلك، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذت بأنفها فقال: "مالك؟" قالت: ريحًا أحد منك وما أراه إلا مغافير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يأخذ من الريح الطيبة إذا وجدها، ثم إذ دخل على الأخرى قالت له مثل ذلك، فقال: "لقد قالت لي هذا فلانة، وما هذا إلا من شيء أصبته في بيت سودة، ووالله لا أذوقه أبدا". قال ابن أبي مليكة: قال ابن عباس: نـزلت هذه الآية في هذا: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ .
قوله تعالى: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ الآية 4 .
أخبرنا أبو منصور المنصوري، أخبرنا أبو الحسن الدارقطني، أخبرنا الحسين بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن شبيب قال: حدثني أحمد بن محمد بن عبد العزيز قال: وجـدت في كتاب أبي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: وجدت حفصة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أم إبراهيم في يوم عائشة فقالت: لأخبرنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي عليّ حرام إن قربتها" فأخبرت عائشة بذلك، فأعلم الله رسوله ذلك، فعرف حفصة بعض ما قـالت: فقالت له: من أخبرك؟ قال: نبأني العليم الخبير فآلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه شهرا، فأنـزل الله تبارك وتعالى: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا الآية.
أحمد سعد الدين
18-04-2005, 09:00 PM
وقام بتحقيق الخلاف فى أسباب نزول صدر سورة التحريم
أحمد محمد الشرقاوي سالم
أستاذ مساعد بجامعة الأزهر
القصيم عنيزة
فكتب :
ما ورد في سبب نزولها 0
1- ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي r كان يمكث عند زينب ابنة جحش ويشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي r فلتقل إني لأجد منك ريح مغافير 650 فدخل علي إحداهما فقالت له ذلك فقال لا بأس شربت عسلا عند زينب ابنة جحش ولن أعود فنزلت ( يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) إلي ( إن تتوبا إلي الله فقد صغت قلوبكما ) لعائشة وحفصة ( وإذ أسر النبي إلي بعض أزواجه حديثا ) لقوله : بل شربت عسلا )
2- وأخرج النسائي في السنن والحاكم في المستدرك بسنديهما عن أنس بن مالك t أن رسول الله r كانت له أمة يطؤها ، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها علي نفسه حراما فأنزل الله تعالى ( يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم 000) الآيات
3- وروي البزار في مسنده والطبراني : في تفسير قوله تعالى ( يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية في سريته "
4- وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره رواية أوردها الهيثم بن كليب في مسنده بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله r لحفصة لا تخبري أحدا أن أم إبراهيم علي حرام فلم يقربها حتى أخبرت عائشة فأنزل الله تعالى ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم )
وقال ابن كثير بعد إيراد هذه الرواية التي عزاها إلي الهيثم بن كليب في مسنده [ وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة وقد اختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه المستخرج
وهذه الرواية ذكرها السيوطي في أسباب النزول وعزاها إلي الضياء في المختارة
قال ابن حجر ووقع عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلي مسروق قال : حلف رسول الله r لحفصة لا يقرب أمته وقال هي علي حرام ، فنزلت الكفارة ليمينه وأمر أن لا يحرم ما أحل الله 000
وأخرج الضياء في المختارة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال : قال رسول الله r لحفصة لا تخبري أحدا أن أم إبراهيم حرام علي قال فلم يقربها حتى أخبرت عائشة فأنزل الله ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم )
وأخرج الطبراني في عشرة النساء وابن مردويه من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال دخل رسول الله r بمارية في بيت حفصة ، فجاءت فوجدتها معه فقالت يا رسول الله في بيتي تفعل هذا معي دون نسائك ؟ " فذكر نحوه 0
وللطبراني من طريق الضحاك عن ابن عباس قال دخلت حفصة بيتها فوجدته r مع مارية فعاتبته ، فذكر نحوه 0 وهذه طرق يقوي بعضها بعضا
مما سبق يتضح لنا :
*أن هناك روايات متعددة في أسباب نزول صدر سورة التحريم ورد في بعضها أن الآيات نزلت في قصة تحريم الرسول r شرب العسل علي نفسه وبعضها في قصة تحريمه أم إبراهيم " مارية القبطية " رضي الله عنها علي نفسه
*يقول الإمام الشوكاني بعد أن أورد قصة تحريم العسل وقصة تحريم مارية القبطية:
[ فهذان السببان صحيحان لنزول الآية ، والجمع ممكن بوقوع القضيتين قصة العسل وقصة مارية وأن القرآن نزل فيهما جميعا وفي كل واحد منهما أنه أسر إلي بعض أزواجه 000 ]
ويقول الإمام ابن حجر في الفتح بعد أن أورد الروايات التي وردت في تحريم مارية :[ وهذه طرق يقوي بعضها بعضا فيحتمل أن تكون الآية نزلت في السببين معا ]
[ وقصاري ما يمكن أن يقال يحتمل أن يكون النبي r قد شرب عسلا عند زينب ، وجاء إلي حفصة فقالت له ما قالت فحرم العسل واتفق له r قبيل ذلك أو بعيده أن وطئ جاريته مارية في بيتها في يومها علي فراشها فحرم مارية وقال لحفصة ما قال تطييبا لخاطرها واستكتمها ذلك فكان منها ما كان ، ونزلت الآية بعد القضيتين فاقتصر بعض الرواة علي إحداهما ، والبعض الآخر علي نقل الأخري وقال كل : فأنزل الله تعالى ( يا أيها النبي0000 ) إليآخر الآيات0
وهو كلام صادق إذ ليس فيه دعوي كلّ حصر علة النزول فيما نقله فإن صح هذا هان أمر الاختلاف وإلا فاطلب لك غيره ] 74 0 والله تعالى أعلم 0
*وقال الإمام الطبري في جامع البيان بعد أن ذكر الروايات الواردة في تحريم العسل ، وفي تحريم مارية [ والصواب أن يقال كان الذي حرمه النبي r علي نفسه شيئا كان الله قد أحله له ، وجائز أن يكون ذلك جاريته ، وجائز أن يكون ذلك شرابا من الأشربة ، وجائز أن يكون غير ذلك ، غير أنه أي ذلك كان فإنه كان تحريم شئ كان له حلال وعاتبه الله علي تحريمه علي نفسه ما كان له قد أحله ، وبين له تحلة يمينه ]
*وقال الشيخ الصابوني في كتابه قبس من نور القرآن الكريم بعد أن ذكر الروايات الواردة في تحريم مارية ، والواردة في تحريم شرب العسل [ 000 وهذه خلاصة للرواية الثانية - ويقصد رواية تحريم شرب العسل - وهي مروية في الصحيحين بأوسع من هذا وهي أصح إسنادا من الرواية الأولي 0 - يقصد رواية تحريم مارية - ولكن كونها سببا للنزول مستبعد والذي يرجح الرواية الأولي وأنها سبب للنزول 0 أمور نجملها فيما يلي :
الأول ، أن مثل تحريم بعض النساء مما يبتغي به مرضاة بعض الأزواج ، لا شرب العسل أو عدمه ،
الثاني : أن الاهتمام بنزول سورة فيها الوعيد والتهديد لأزواج رسول الله r بالطلاق واستبدالهن بنساء خير منهن ، وأن الله وملائكته والمؤمنين سند وعون لرسول الله يدل علي وجود تنافس بينهن وغيرة ، وذلك إنما يكون في تحريم بعض النساء عليه لا في شرب العسل ونحوه 0
الثالث أن هذه الحادثة من إفشاء السر ، كادت تؤدي إلي طلاق زوجات الرسول u حتى اعتزلهن شهرا ، نظرا لدقة الموضوع وشدة حساسيته مما أغضب الرسول r حتى حلف عليهن ، وذلك إنما يكون في أمر مهم ، مثل تحريمه لبعض النساء ، وحلفه ألا يقرب " مارية القبطية " إرضاء لأزواجه واستكتم البعض منهن في هذا الأمر ، فأفشت السر فهذا ما يرجح الرواية الأولي 0 76
أقول : والراجح في سبب نزول هذه الآيات هو ما ورد عن تحريم مارية رضي الله عنها وذلك لموافقة هذه القصة لسياق الآيات الكريمة ، وأما قضية تحريم العسل ، وقول بعض السلف نزلت فيه فالمراد منه أن الآيات تشمل قضية بعمومها علي ما عرف من عادة السلف في قولهم نزلت في كذا
والله أعلم
أحمد سعد الدين
18-04-2005, 09:04 PM
تفسير الجلالين
سورة التحريم
الآية رقم ( 1 )
{يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم }
{ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } من أمَتِكَ مارية القبطية لما واقعها في بيت حفصة وكانت غائبة فجاءت وشق عليها كون ذلك في بيتها وعلى فراشها حيث قلت: هي حرام عليَّ { تبتغي } بتحريمها { مرضات أزواجك } أي رضاهن { والله غفور رحيم } غفر لك هذا التحريم .
الآية رقم ( 2 )
{قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم }
( قد فرض الله ) شرع ( لكم تحلة أيمانكم ) تحليلها بالكفارة المذكورة في سورة " المائدة " ومن الإيمان تحريم الأمة وهل كفر صلى الله عليه وسلم ؟ قال مقاتل : أعتق رقبة في تحريم مارية ، وقال الحسن : لم يكفر لأنه ص مغفور له ( والله مولاكم ) ناصركم ( وهو العليم الحكيم ) .
الآية رقم ( 3 )
{وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير }
{ و } اذكر { إذ أسرَّ النبي إلى بعض أزواجه } هي حفصة { حديثاً } هو تحريم مارية وقال لها لا تفشيه { فلما نبأت به } عائشة ظناً منها أن لا حرج في ذلك { وأظهره الله { أطلعه { عليه } على المنبأ به { عرَّف بعضه } لحفصة { وأعرض عن بعض } تكرماً منه { فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير } أي الله .
الآية رقم ( 4 )
{إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير }
{ إن تتوبا } أي حفصة وعائشة { إلى الله فقد صغت قلوبكما } مالت إلى تحريم مارية، أي سركما ذلك مع كراهة النبي صلى الله عليه وسلم له وذلك ذنب، وجواب الشرط محذوف أي تقبلا، وأطلق قلوب على قلبين ولم يعبر به لاستثقال الجمع بين تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة { وإن تظَّاهرا } بإدغام التاء الثانية في الأصل في الظاء، وفي قراءة بدونها تتعاونا { عليه } أي النبي فيما يكرهه { فإن الله هو } فصل { مولاه } ناصره { وجبريل وصالح المؤمنين } أبو بكر وعمر رضي الله عنهما معطوف على محل اسم إن فيكونون ناصريه { والملائكة بعد ذلك } بعد نصر الله والمذكورين { ظهير } ظهراء أعوان له في نصره عليكما .
الآية رقم ( 5 )
{عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا }
{ عسى ربه إن طلقكن } أي طلق النبي أزواجه { أن يبدِّله } بالتشديد والتخفيف { أزواجاً خيراً منكن } خبر عسى والجملة جواب الشرط ولم يقع التبديل لعدم وقوع الشرط { مسلمات } مقرات بالإسلام { مؤمنات } مخلصات { قانتات } مطيعات { تائبات عابدات سائحات } صائمات أو مهاجرات { ثيبات وأبكاراً } .
أحمد سعد الدين
18-04-2005, 09:20 PM
الجامع لأحكام القرآن( تفسير القرطبي)
الآية: 1 {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم}
قوله تعالى: "يا أيها النبي لم تحرمُ ما أحل الله لك" ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي لله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يمكث عند زينب بنت جحش فيشرب عندها عسلا، قالت فتواطأت أنا وحفصة أن أيتنا ما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد منك رح مغافير! أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما فقالت له ذلك. فقال: (بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له). فنزل: "لم تحرم ما أحل الله لك - إلى قوله - إن تتوبا: (لعائشة وحفصة)، "وإذ أشر النبي إلى بعض أزواجه حديثا" [التحريم 30] لقوله: (بل شربت عسلا). وعنها أيضا قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل، فكان إذا صلي العصر دار على نسائه فيدنو منهن، فدخل على حفصة فأحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل، فسقت رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شربة. فقلت: أما والله لنحتالن له، فذكرت ذلك لسودة وقلت: إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ فإنه سيقول لك لا. فقولي له: ما هذه الريح؟ - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح - فإنه سيقول لك سقتني حفصة شربة عسل. فقولي له: جرست نحله العُرْفُط. وسأقول ذلك له، وقوليه أنت يا صفية. فلما دخل على سودة - قالت: تقول سودة والله الذي لا إله إلا هو لقى كدت أن أبادئه بالذي قلت لي، وإنه لعلى الباب، فرقا منك. فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ قال: (لا) قالت: فما هذه الريح؟ قال: (سقتني حفصة شربة عسل) قال: جرست نحله العرفط. فلما دخل علي قلت له مثل ذلك. ثم دخل على صفة فقالت بمثل ذلك. فلما دخل على حفصة قال: يا رسول الله، ألا أسقك منه. قال (لا حاجة لي به) قالت: تقول سودة سبحان الله! والله لقد حرمناه. قالت: قلت لها اسكتي. ففي هذه الرواية أن التي شرب عندها العسل حفصة. وفي الأولى زينب. وروي ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه شربه عند سودة. وقد قيل: إنما هي أم سلمة، رواه أسباط عن السدي. وقاله عطاء بن أبي مسلم. ابن العربي: وهذا كله جهل أو تصور بغير علم. فقال باقي نسائه حسدا وغيرة لمن شرب ذلك عندها: إنا لنجد منك ريح المغافير. والمغافير: بقلة أو صمغة متغيرة الرائحة، فيها حلاوة. واحدها مغفور، وجرست: أكلت. والعرفط: نبت له ريح كريح الخمر. وكان عليه السلام يعجبه أن يوجد منه الريح الطيبة أو يجدها، ويكره الريح الخبيثة لمناجاة الملك. فهذا قول.
وقول آخر - أنه أراد بذلك المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها لأجل أزواجه، قاله ابن عباس وعكرمة. والمرأة أم شريك.
وقول ثالث - إن التي حرم مارية القبطية، وكان قد أهداها له المقوقس ملك الإسكندرية. قال ابن إسحاق: هي من كورة أنصنا من بلد يقال له حفن فواقعها في بيت حفصة.
روي الدارقطني عن ابن عباس عن عمر قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم ولده مارية في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها - وكانت حفصة غابت إلى بيت أبيها - فقالت له: تدخلها بيتي! ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هواني عليك. فقال لها: (لا تذكري هذا لعائشة فهي علي حرام إن قربتها) قالت حفصة: وكيف تحرم عليك وهي جاريتك؟ فحلف لها ألا يقربها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تذكريه لأحد). فذكرته لعائشة، فآلى لا يدخل على نسائه شهرا، فاعتزلهن تسعا وعشرين ليلة، فأنزل الله عز وجل "لم تحرم ما أحل الله لك" الآية.
أصح هذه الأقوال أولها. وأضعفها أوسطها. قال ابن العربي: "أما ضعفه في السند فلعدم عدالة رواته، وأما ضعفه في معناه فلأن رد النبي صلى الله عليه وسلم للموهوبة ليس تحريما لها، لأن من رد ما وهب له لم يحرم عليه، إنما حقيقة التحريم بعد التحليل. وأما من روي أنه حرم مارية القبطية فهو أمثل في السند وأقرب إلى المعنى، لكنه لم يدون في الصحيح. وروي مرسلا.
وقد روي ابن وهب عن مالك عن زيد بن أسلم قال: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أم إبراهيم فقال: (أنت علي حرام والله لا آتينك). فأنزل الله عز وجل في ذلك: "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" وروي مثله ابن القاسم عنه.
وروي أشهب عن مالك قال: راجعت عمر امرأة من الأنصار في شيء فاقشعر من ذلك وقال: ما كان النساء هكذا! قال: بلى، وقد كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يراجعنه. فأخذ ثوبه فخرج إلى حفصة فقال لها: أتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم، ولو أعلم أنك تكره ما فعلت. فلما بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هجر نساءه قال: رغم أنف حفصة.
وإنما الصحيح أنه كان في العسل وأنه شربه عند زينب، وتظاهرت عليه عائشة وحفصة فيه، فجرى ما جرى فحلف ألا يشربه وأسر ذلك. ونزلت الآية في الجميع.
قوله تعالى: "لم تحرم" إن كان النبي صلى الله عليه وسلم حرم ولم يحلف فليس ذلك بيمين عندنا. ولا يحرم قول الرجل: "هذا علي حرام" شيئا حاشا الزوجة. وقال أبو حنيفة: إذا أطلق حمل على المأكول والمشروب دون الملبوس، وكانت يمينا توجب الكفارة. وقال زفر: هو يمين في الكل حتى في الحركة والكون. وعول المخالف على أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم العسل فلزمته الكفارة.
وقد قال الله تعالى: "قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم" [التحريم: 2] فسماه يمينا.
ودليلنا قول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا" [المائدة: 87]، وقوله تعالى: "قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون" [يونس: 59]. فذم الله المحرم للحلال ولم يوجب عليه كفارة. قال الزجاج: ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله. ولم يجعل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يحرم إلا ما حرم الله عليه. فمن قال لزوجته أو أمته: أنت علي حرام؛ ولم ينو طلاقا ولا ظهارا فهذا اللفظ يوجب كفارة اليمين. ولو خاطب بهذا اللفظ جمعا من الزوجات والإماء فعليه كفارة واحدة. ولو حرم على نفسه طعاما أو شيئا آخر لم يلزمه بذلك كفارة عند الشافعي ومالك. وتجب بذلك كفارة عند ابن مسعود والثوري وأبي حنيفة.
واختلف العلماء في الرجل يقول لزوجته: "أنت علي حرام" على ثمانية عشر قولا: أحدها: لا شيء عليه. وبه قال الشعبي ومسروق وربيعة وأبو سلمة وأصبغ. وهو عندهم كتحريم الماء والطعام؛ قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم" [المائدة: 87] والزوجة من الطيبات ومما أحل الله. وقال تعالى: "ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام" [النحل: 116]. وما لم يحرمه الله فليس لأحد أن يحرمه، ولا أن يصير بتحريمه حراما.
ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لما أحله الله هو علي حرام. وإنما امتنع من مارية ليمين تقدمت منه وهو قوله: (والله لا أقربها بعد اليوم) فقيل له: لم تحرم ما أحل الله لك؛ أي لم تمتنع منه بسبب اليمين. يعني أقدم عليه وكفر.
ثانيها: أنها يمين يكفرها؛ قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبدالله بن مسعود وابن عباس وعائشة - رضي الله عنهم - والأوزاعي؛ وهو مقتضى الآية. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: إذا حرم الرجل عليه امرأته فإنما هي يمين يكفرها. وقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة؛ يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حرم جاريته فقال الله تعالى: "لم تحرم ما أحل الله لك - إلى قوله تعالى - قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم" فكفر عن يمينه وصير الحرام يمينا. خرجه الدارقطني.
ثالثها: أنها تجب فيها كفارة وليست بيمين؛ قاله ابن مسعود وابن عباس أيضا في إحدى روايتيه، والشافعي في أحد قوليه، وفي هذا القول نظر. والآية ترده على ما يأتي.
رابعها: هي ظهار؛ ففيها كفارة الظهار، قال عثمان وأحمد بن حنبل وإسحاق.
خامسها: أنه إن نوى الظهار وهو ينوي أنها محرمة كتحريم ظهر أمه كان ظهارا. وإن نوى تحريم عينها عليه بغير طلاق تحريما مطلقا وجبت كفارة يمين. وإن لم ينو شيئا فعليه كفارة يمين، قاله الشافعي.
سادسها: أنها طلقة رجعية، قاله عمر بن الخطاب والزهري وعبدالعزيز بن أبي سلمة وابن الماجشون.
وسابعها: أنها طلقة بائنة، قاله حماد بن أبي سليمان وزيد بن ثابت. ورواه ابن خويز منداد عن مالك.
ثامنها: أنها ثلات تطليقات، قال علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت أيضا وأبو هريرة.
تاسعها: هي في المدخول بها ثلاث، وينوي في غير المدخول بها، قاله الحسن وعلي بن زيد والحكم. وهو مشهور مذهب مالك.
عاشرها: هي ثلاث؛ ولا ينوي بحال ولا في محل وإن لم يدخل؛ قاله عبدالملك في المبسوط، وبه قال ابن أبي ليلى.
حادي عشرها: هي في التي لم يدخل بها واحدة، وفي التي دخل بها ثلاث؛ قاله أبو مصعب ومحمد بن عبدالحكم.
ثاني عشرها: أنه إن نوى الطلاق أو الظهار كان ما نوى. فإن نوى الطلاق فواحدة بائنة إلا أن ينوي ثلاثا. فإن نوى ثنتين فواحدة. فإن لم ينو شيئا كانت يمينا وكان الرجل موليا من امرأته؛ قاله أبو حنيفة وأصحابه. وبمثله قال زفر؛ إلا أنه قال: إذا نوى اثنتين ألزمناه.
ثالث عشرها: أنه لا تنفعه نية الظهار وإنما يكون طلاقا؛ قاله ابن القاسم.
رابع عشرها: قال يحيى بن عمر: يكون طلاقا؛ فإن أرتجعها لم يجز له وطؤها حتى يكفر كفارة الظهار.
خامس عشرها: إن نوى الطلاق فما أراد من أعداده. وإن نوى واحدة فهي رجعية. وهو قول الشافعي رضي الله عنه. وروي مثله عن أبي بكر وعمر وغيرهم من الصحابة والتابعين.
سادس عشرها: إن نوى ثلاثا فثلاثا، وإن واحدة فواحدة. وإن نوى يمينا فهي يمين. وإن لم ينو شيئا فلا شيء عليه. وهو قول سفيان. وبمثله قال الأوزاعي وأبو ثور؛ إلا أنهما قالا: إن لم ينو شيئا فهي واحدة.
سابع عشرها: له نيته ولا يكون أقل من واحدة؛ قاله ابن شهاب. وإن لم ينو شيئا لم يكن شيء؛ قال ابن العربي. ورأيت لسعيد بن جبير وهو:
الثامن عشر: أن عليه عتق رقبة وإن لم يجعلها ظهارا. ولست أعلم لها وجها ولا يبعد في المقالات عندي.
قلت: قد ذكره الدارقطني في سننه عن ابن عباس فقال: حدثنا الحسين بن إسماعيل قال حدثنا محمد بن منصور قال حدثنا روح قال: حدثنا سفيان الثوري عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي علي حراما. فقال: كذبت! ليست عليك بحرام؛ ثم تلا "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" عليك أغلظ الكفارات: عتق رقبة. وقد قال جماعة من أهل التفسير: إنه لما نزلت هذه الآية كفر عن يمينه بعتق رقبة، وعاد إلى مارية صلى الله عليه وسلم؛ قاله زيد بن أسلم وغيره.
قال علماؤنا: سبب الاختلاف في هذا الباب أنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم نص ولا ظاهر صحيح يعتمد عليه في هذه المسألة، فتجاذبها العلماء لذلك. فمن تمسك بالبراءة الأصلية فقال: لا حكم، فلا يلزم بها شيء. وأما من قال إنها يمين؛ فقال: سماها الله يمينا. وأما من قال: تجب فيها كفارة وليست بيمين؛ فبناه على أحد أمرين: أحدهما: أنه ظن أن الله تعالى أوجب الكفارة فيها وإن لم تكن يمينا.
والثاني: أن معنى اليمين عنده التحريم، فوقعت الكفارة على المعنى.
وأما من قال: إنها طلقة رجعية؛ فإنه حمل اللفظ على أقل وجوهه، والرجعية محرمة الوطء كذلك؛ فيحمل اللفظ عليه. وهذا يلزم مالكا، لقوله: إن الرجعية محرمة الوطء.
وكذلك وجه من قال: إنها ثلاث، فحمله على أكبر معناه وهو الطلاق الثلاث.
وأما من قال: إنه ظهار، فلأنه أقل درجات التحريم، فإنه تحريم لا يرفع النكاح. وأما من قال: إنه طلقة بائنة، فعول على أن الطلاق الرجعي لا يحرم المطلقة، وأن الطلاق البائن يحرمها.
وأما قول يحيى بن عمر فإنه احتاط بأن جعله طلاقا، فلما ارتجعها احتاط بأن يلزمه الكفارة. ابن العربي: "وهذا لا يصح، لأنه جمع بين المتضادين، فإنه لا يجتمع ظهار وطلاق في معنى لفظ واحد، فلا وجه للاحتياط فيما لا يصح اجتماعه في الدليل.
وأما من قال: إنه ينوى في التي لم يدخل بها، فلأن الواحدة تبينها وتحرمها شرعا إجماعا. وكذلك قال من لم يحكم باعتبار نيته: إن الواحدة تكفي قبل الدخول في التحريم بالإجماع، فيكفي أخذا بالأقل المتفق عليه.
وأما من قال: إنه ثلاث فيهما، فلأنه أخذ بالحكم الأعظم، فإنه لو صرح بالثلاث لنفذت في التي لم يدخل بها نفوذها في التي دخل بها. ومن الواجب أن يكون المعنى مثله وهو التحريم". والله أعلم.
وهذا كله في الزوجة. وأما في الأمة فلا يلزم فيها شيء من ذلك، إلا أنه ينوي به العتق عند مالك. وذهب عامة العلماء إلى أن عليه كفارة يمين. ابن العربي. والصحيح أنها طلقة واحدة، لأنه لو ذكر الطلاق لكان أقله وهو الواحدة إلا أن يعدده. كذلك إذا ذكر التحريم يكون أقله إلا أن يقيده بالأكثر، مثل أن يقول أنت علي حرام إلا بعد زوج، فهذا نص على المراد.
قلت: أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في حفصة لما خلا النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها بجاريته؛ ذكره الثعلبي.
وعلى هذا فكأنه قال: لا يحرم عليك ما حرمته على نفسك ولكن عليك كفارة يمين، وإن كان في تحريم العسل والجارية أيضا. فكأنه قال: لم يحرم عليك ما حرمته، ولكن ضممت إلى التحريم يمينا فكفر عن اليمين. وهذا صحيح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حرم ثم حلف، كما ذكره الدارقطني.
وذكر البخاري معناه في قصة العسل عن عبيد بن عمير عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب عند زينب بنت جحش عسلا ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل: أكلت مغافير؟ إني لأجد منك ريح مغافير! قال: (لا ولكن شربت عسلا ولن أعود له وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا). يبتغي مرضات أزواجه. فيعني بقوله: (ولن أعود له على جهة التحريم. وبقوله: (حلفت) أي بالله، بدليل أن الله تعالى أنزل عليه عند ذلك معاتبته على ذلك، وحوالته على كفارة اليمين بقوله تعالى: "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك" يعني العسل المحرم بقوله: (لن أعود له).
"تبتغي مرضات أزواجك" أي تفعل ذلك طلبا لرضاهن.
"والله غفور رحيم" غفور لما أوجب المعاتبة، رحيم برفع المؤاخذة. وقد قيل: إن ذلك كان ذنبا من الصغائر. والصحيح أنه معاتبة على ترك الأولى، وأنه لم تكن له صغيرة ولا كبيرة.
vBulletin v3.0.11, Copyright ©2000-2009, Jelsoft Enterprises Ltd.