المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أهمية التراث الإسلامي في مجال دراسة الطب



وسام أبو عمره
22-04-2005, 10:34 AM
يبدو المدخل الطبيعي لهذا البحث في تحديد المقصود بالتراث تحديدا لغويا علميا يرسم لنا حدود الإطار السليم الذي يمكننا أن نتحرك داخله.

جاء في لسان العرب أن الورث والإرث والتراث والميراث تعني جميعا ما ورث، وأن التراث هو الإرث، والإرث هو ما ورث، بمعنى أن التراث هو ما يخلفه الرجل لورثته. ويقال ورثه ماله ومجده بمعنى أن الورث والتراث قد يكونا في المال أو في المجد.

ونخرج من هذا التعريف اللغوي بمفهوم واضح عن المقصود بالتراث الإسلامي، إذ يعني هذا المصطلح ما خلفه بناة الحضارة الإسلامية من ثروة حضارية. ووصف هذا التراث بأنه إسلامي يوضح أن هذه الثروة المتعددة الجوانب،، إنما ولدت واكتملت وازدهرت تحت مظلة الإسلام بروحه وقيامه ومبادئه. ومازال الباحثون حتى اليوم غار قين في خضم هذا التراث بآفاقه المترامية، وبخاصة في مجالات الآداب والعلوم والفنون. ولئن نجحوا في الوقت على بعض جوانبه، فإن جزءا كبيرا منه مازال محتجبا ينتظر الكشف عنه والإفادة منه.

وبدراسة التراث الإسلامي في علم الطب، يتضح أن هذا العلم بالذات احتل مكانا بارزا بين العلوم التي عني بها ا! يحلمون، وأن هذه المكانة لم تنبثق عن دوافع مادية استهدفت الكسب وجمع المال، وإنما نبعت من عوامل إنسانية تنشد التخفيف عن المرضى ورعايتهم والحفاظ على بنيتهم سليمة بمنجاة من الأمراض.

ولابد لنا من الاعتراف بأن هذه المبادىء السامية التي تمسك بها الآباء والأجداد لا تجد لها المكان المناسب في بعض أجزاء المجتمع الإسلامي اليوم، في عصور طغت عليها المادة، وفي عالم تخلى معظم أفراده عن كثير من القيم التي تمسك بها السلف الصالح وعاشوا سعداء في ظلها. وصحب هذا الاتجاه تدهور الحضارة الإسلامية بوجه عام، وتعرضها للانكماش أمام التيارات القوية التي تتحكم في توجيه الحضارة الحديثة.

وهنا ينبغي أدن نشير إلى أنه من الخطأ تصرر الحضارة الإسلامية وقد تداعت وانهارت أمام التيار الحديث، إن هذه الحضارة مازالت حية، وستظل حية قائمة مادامت الدعامة الأساسية التي استمدت منها وجودها- وهي العقيدة الإسلامية ذاتها- حية قائم.

لقد تعرضت الحضارة الإسلامية للذبول، لا بسبب عدم امتلاكها مقومات البقاء، وإنما بسبب نكران أصحابها لها، وتخليهم عن رعايتها، وعدم تمسكهم بقيمها ومثلها. وربما استهواهم بريق الحضارة الغربية الحديثة فتخلوا عن تراث الآباء والأجداد. ولكن هذا البريق مع ما فيه من مغريات ، إلا أنه يفتقر في كثير من جوانبه إلى القيم الخلقية المستمدة من المثاليات الروحية، وهي مثاليات لا تتوافر في أسمى صورها إلا تحت مظلة الأديان السماوية. وإذا أردنا أن ننقي مجتمعنا الحديث مما علق به من شوائب وانحرافات، فإن هذا لا يمكن، أن يتم دون الاستفادة من. الجوانب البناءة الطيبة المستقاة من تراث الآباء والأجداد.

ويمكن تقسيم هذا التراث فيما يتعلق ببرامج التعليم الطبي إلى ثلاثة أقسام:

قسم يرتبط بالمادة العلمية، وقسم يرتبط بمنهج البحث وأسلوب مزاولة المهنة، وقسم ثالث يرتبط بالسلوكيات والأخلاق.

أما ما نقصده بالمادة العلمية فيشمل ما تحويه كتب التراث في علم- الطب من معلومات غزيرة متنوعة، ذلك أن علماء المسلمين خلفوا تراثا ضخما في ذلك العلم يتمثل في عشرات الموسوعات العلمية والكتب العديدة التي حوت معلومات غزيرة في شتى فروع الأمراض الباطنية، وأمراض الجلد والعيون والعظام والحميات، فضلا عن الجراحة والأمراض العقلية والنفسية وغيرها، وقد تعرض علماء المسلمين لهذه الأمراض بالوصف القائم على أساس المشاهدة والتجربة والممارسة العملية، وتتبعوا مراحل تطور كل مرض، وبحثوا عن أفضل الوسائل لعلاجه..

ويضيق بنا المقام عن مجرد الإشارة إلى ما جاء في مؤلفات ابن سينا، والرازي وعلى بن رضوان، وأبي العلاء بن زهر الأندلسي وابنه أبي مروان، وابن جلجل.. وغيرهم من أصحاب المصنفات في علم الطب. ولا يقلل من قيمة هذه المؤلفات أن علم الطب تطور في العصور الحديثة، وأن هذا التطور جاء مصحوبا بالتوصل إلى حقائق ونظريات لم يعرفها علماء المسلمين وغير المسلمين من أصحاب الحضارات السابقة. ذلك أنه من الثابت أن الطب الحديث في العالم المسيحي أقام صرحه على أسس ثابتة من معارف المسلمين، حتى أن بعض مؤلفات المسلمين في الطب ترجمت إلى اللاتينية في وقت مبكر يرجع إلى القرن الثاني عشر للميلاد ، وظلت تدرس في الجامعات الأوربية حتى القرن التاسع عشر، كذلك لا يقلل من قيمة هذه المؤلفات أن علماء الطب في الحضارة الإسلامية استقوا كثيرا من معارفهم من أصحاب الحضارات الأخرى السابقة زمنيا- كالحضارة اليونانية والحضارة الهندية- لأن دور علماء المسلمين لم يقف عند حد النقل والمحاكاة والحفاظ على تراث السابقين، وإنما تجاوز ذلك إلى النقد والتصحيح والإضافة، بمعنى أنهم صححوا كثيرا من المفاهيم الخاطئة التي رددها السابقون، وأضافوا مزيدا من المعلومات الجديدة التي لم يسبقهم غيرهم إليها. وبذلك جعلوا من الطب علما راسخا يعتمد على الحقائق أكثر من اعتماده على الفروض والأوهام.

وإذا كان التراث الإسلامي في علم الطب هو الأساس الذي بنى عليه الغربيون صرح بنائهم الطبي الحديث، فإنه يجدر بالمشتغلين في حقل العلوم الطبية في مؤسساتنا الجامعية وغير الجامعية، أن يحيطوا بآفاق هذا التراث.

ويهتم كثير من الجامعات الكبرى في العالم اليوم بدراسة تاريخ العلوم المتنوعة- كالطب والفيزياء والكيمياء وغيرها لأنه ثبت أنه لا يكفي لكي يصبح الفرد عالما أن يحيط بأحدث النظريات التي توصل إليها علم من هذه العلوم، وإنما ينبغي أن يكون ملما بنشأة هذا العلم وتطوره، بحيث يبنى معلوماته على أسس راسخة، ويستفيد من المسيرة التي قطعها العلماء السابقون- على مر العصور- بما فيها من نجاح وأخطاء.

وفيما يتعلق بحقل الدراسات الطبية هناك جانب يمكن أن يفيد منه المشتغلون أو العاملون في ذلك الحقل ، نعني به المؤلفات الخاصة بالغذاء وما ينبغي أن يكون عليه طعام الإنسان من مكونات ، وما تتصف به شتى ألوان الأغذية من منافع ومضار. وفي هذا الباب توصل السابقون إلى نتائج مثيرة نتيجة لتجارب طويلة عديدة أوصلتهم إلى تلك النتائج. ويكفي أن نشير- على سبيل المثال- إلى كتاب "منافع الأغذية ودفع مضارها" لأبي بكر محمد الرازي، وكتاب "دفع المضار الكلية عن الأبدان الإنسانية" للرئيس ابن سينا.

ولا أدل على أن علماء المسلمين لم يكتفوا بمجرد النقل عمن سبقهم، وإنما بحثوا واستقصوا وصححوا وأضافوا، مما يذكره الرازي في افتتاحية كتابه المشار إليه، من أنه رأى أن يؤلف "كتابا في دفع مضار الأغذية تاما، مستقصيا أبلغ وأشرح مما عمله الفاضل جالينوس، فإنه سها وغلط في كثير من كتابه في هذا المعنى، ولم يستقص في كثير منه.

وهكذا لم يترك علماء المسلمين لونا من ألوان الأغذية الشائعة- كالحنطة واللحوم والألبان والبيض والبقول والفواكه، فضلا عن المشروبات والسوائل- إلا وذكروا أقسامها وأنواعها وخصائص كل منها. وفوائد أو مضار كل نوع من أنواعها، وما ينبغي أن يتبعه الإنسان من قواعد في تناول الغذاء والشراب..

وغير ذلك من المعلومات التي نجدها اليوم على لسان كل طبيب، بل ربما غاب بعضها عن فريق من الأطباء المحدثين.

ويرتبط بهذا كله ما تركه علماء المسلمين من تراث ضخم في وصف الأدوية الصالحة لعلاج كثير من الأمراض والعلل التي تصيب الأبدان. ذلك أنهم قسموا الأدوية الى نباتية وحيوانية ومعدنية. ومن أفضل الكتب في الموضوع كتاب "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية" لابن البيطار. وقد ذكر ابن البيطار في افتتاحية كتابه هذا أنه لم يقتصر على ما ذكره ديسقوريدوس وجالينوس من علماء اليونان، وإنما "ألحقت بقولهما من أقوال المحدثين في الأدوية النباتية والمعدنية والحيوانية ما لم يذكره ، ووصفت فيها من ثقات المحدثين وعلماء النباتيين ما لم يصفاه.. ". ومن هذا المنطلق تناول كل عنصر من عناصر الغذاء والدواء، فشرح فوائده ومضاره. وكثير من هذه العناصر مثل بذر الخلة والليمون والينسون وماء الشعير- أخذ بها الطب الحديث وأدخلها في تركيب الأدوية التي يتداوى بها اليوم.

وإذا كان الجراحون المسلمون قد استخدموا في خياطة الجروح خيوطا مصنوعة من أمعاء الحيوانات بعد تعقيمها وتجفيفها، فإنه ثبت اليوم أن هذا النوع هو أصلح أنواع الخيوط التي يمكن استلامها في الجراحات ، لأن الجسم البشري قادر على امتصاصها في سهولة، فتذوب بطريقة تلقائية، بعكس الخيوط المصنوعة من الألياف الصناعية والتي تكون دخيلة على جسم الإنسان.

وهكذا فإن المادة العلمية المتوافرة في كتب التراث الإسلامي لا تكسب من يحيط بها من الأطباء المحدثين أساسا صالحا يبني عليه معلوماته الحديثة فحسب، وإنما من الممكن أن تساعدهم أيضا في فتح أبواب جديدة تمكنهم من التوصل إلى. آفاق أخرى أوسع وأبعد مدى.

أما عن المنهج والأسلوب ، فإن علماء المسلمين وصفوا الطب بأنه من أجل العلوم الإنسانية. وإذا كان العلماء المحدثون قد توصلوا إلى تحديد إطار سليم متكامل لكل علم من العلوم، فإن علماء المسلمين- فيما يتعلق بالطب - حددوا كيفية فحص المريض للتوصل إلى علته وأسباب شكواه. ها هو الطبيب المصري علي ابن رضوان- الذي عاش أيام الدولة الفاطمية- يحدد ذلك فيقول:

" تعرف العيوب هو أن تنظر إلى هيئة الأعضاء والسحنة والمزاج وملمس البشرة . وتتفقد أفعال الأعضاء الباطنة والظاهرة، مثل أن تنادي به من بعيد فتعتبر بذلك حال سمعه ، وأن تعتبر بصره بنظر الأشياء البعيدة والقريبة ، ولسانه بجودة الكلام ، وقوته بحمل الثقل والمسك والضبط والمشي وأنحاء ذلك، وتعتبر بذلك حال أحشائه، وتتعرف حال مزاج قلبه بالنبض وبالأخلاق ، ومزاج قلبه بالبول وحال الأخلاط . وتعتبر عقله بأن يسأل عن أشياء ، وفهمه وطاعته بأن يؤمر بأشياء ، وأخلاقه إلى ما تميل بأن تعتبر كل واحد منها بما يحركه أو يسكنه. وعلى هذا المثال أجرى الحال في تفقد كل واحد من الأعضاء والأخلاق . ما فيما يمكن ظهوره للحس فلا تقنع فيه حتى تشاهده بالحس. وأما فيما يتعرف بالاستدلال فليستدل عليه بالعلامات الخاصة. وأما فيما يتعرف بالمساءلة فابحث عنه بالمساءلة، حتى تعتبر كل واحد من العيوب، فتعرف هل هو عيب حاضر أو كان أو متوقع ، أم الحال حال صحة وسلامة.. ".

ونحن عندما نطالب المشتغلين في حقل الدراسات الطبية بالاستفادة من قواعد المنهج العلمي المستقاة من كتب التراث الإسلامي، والتي اعتمد عليها أطباء الحضارة الإسلامية حتى حققوا ما حققوه من إنجازات، فإننا لا نطالبهم بالتخلي عن منهج البحث العلمي الحديث والرجوع إلى الوراء للالتزام بما جاء في كتب التراث من أساليب ووسائل. ذلك أن المفروض في التطور الحضاري البشري أن يستفيد الخلف من جهود السلف، وأن يضيف كل جيل إلى تراث السابقين إضافات جديدة ترتقي بالمستوى الحضاري إلى أبعد مما كان عليه فعلا. إن ما نستهدفه من إحياء التراث الإسلامي هو إثبات حقيقة كبرى هي أن التراث الإسلامي يحوي الكثير من المعلومات والقواعد المنهجية التي نهل منها العلم الحديث حتى حقق ما حققه اليوم من تقدم. فإذا اتضحت هذه الحقيقة أمام العلماء والباحثين اليوم وأدركوها آمنوا بأن ما تحويه كتب التراث من مبادىء ومعلومات ونتائج ليست مجرد أوهام مثلما يعتقد البعض، وليست عبارة عن فروض لا ترتكز على أساس علمية سليمة مثلما يتوهم كثيرون، وإنما هي نتائج لبحوث وخبرات ومشاهدات طويلة توصل إليها علماء الحضارة الإسلامية بعد ممارسات وتجارب جادة وشاقة. وعنهم أخذها الغرب الأوربي في فجر نهضته الحديثة، ومازال يبني عليها ويطورها حتى وصل العلم إلى ما وصل إليه اليوم. وحسب الطب الإسلامي أنه قام على أساليب المشاهدة والتجربة والممارسة. يقول الشيخ الرئيس ابن سينا:

"تعهدت المرضى، فانفتح عليّ من أبواب المعالجات المقتبسة من التجربة ما لا يوصف ".
فإذا أدرك المشتغلون بالطب اليوم هذه الحقيقة، فإن نظرتهم إلى التراث الإسلامي ستتغير وتتبدل. ومن يدري ، فربما أدى عكوفهم على دراسة هذا التراث- دراسة أشد عمقا وأبعد نظرا- إلى التوصل إلى مكاسب جديدة كفيلة بأن ترشدهم إلى آفاق أوسع.

من ذلك أن أطباء المسلمين أكدوا على حقيقة هامة هي أن الطب ليس مجرد معارف تحصل من الكتب، إذا استوعبها فرد صار قادرا على مزاولة المهنة، وإنما الطب خبرة وممارسة. ومن واقع هذه الخبرة وتلك الممارسة يستطيع الطبيب المحنك أن يشخص حالة المريض ويقف على أسباب العلة ويخطط لأسلوب العلاج. يقول الطبيب أبو بكر محمد بن زكريا الرازي:

"الحقيقة في الطب غاية لا تدرك، والعلاج بما تنصه الكتب دون إعمال الماهر الحكيم برأيه، خطر".

وعن هذا الطريق- طريق الخبرة المستقاة من الممارسة العملية- توصل أطباء المسلمين إلى تشخيص أمراض لا ذكر لها في كتب السابقين ومؤلفاتهم، ووصفوا من أساليب العلاج ما لم يتوصل إليها غيرهم من قبل. ولم يتحقق لهم ذلك في سهولة، وإنما بعد جهد ضخم كبير. وصف الطبيب الكبير أبو بكر محمد بن زكريا الرازي بأنه كان: "ذكيا فطنا رؤوفا. بالمرضى، مجتهدا في علاجهم وفي برئهم بكل وجه يقدر عليه، مواظبا للنظر في غوامض صناعة الطب والكشف عن حقائقها وأسرارها، وكذلك في غيرها من العلوم، بحيث أنه لم يكن له دأب ولا عناية في جل أوقاته إلا في الاجتهاد والتطلع فيما قد دونه الأفاضل من العلماء في كتبهم.. "

ونخلص من هذا بأن الطب الإسلامي لم يقف في جميع مراحله داخل دائرة محدودة لا تتعدى تحديد الأمراض وأساليب العلاج، وإنما كان متطورا، يكتشف في كل مرحلة شيئا جديدا نابعا من التجربة والممارسة.

وساعد على المسيرة في هذا الاتجاه حرص أطباء المسلمين على الربط بين دراسة الطب من ناحية والبيمارستانات أو المستشفيات من ناحية أخرى، بمعنى أن يكون المركز الأساسي لدراسة الطب ليس المسجد أو المدرسة، وإنما البيمارستان حيث يعيش المرضى عيشة نظامية في مناخ صحي ملائم، وحيث يمكن للمعلمين والمتعلمين متابعة ما يعتري الحالات المرضية من تطورات واكتشاف ما يترتب على الأدوية التي يتعاطونها من آثار ونتائج. جاء في مصادر التراث أن نور الدين محمود بن زنكي عندما أنشأ البيمارستان الشهير في دمشق، فإنه زوده "بجملة كبيرة من الكتب الطبية " ، وجعل أمر الطب فيه إلى الطبيب أبي المجد بن أبي الحكم،
" فكان جماعة ، من الأطباء والمشتغلين يأتون إليه ويقعدون بين يديه ، ثم تجرى مباحثات طبية ويقرىء التلاميذ (طلاب الطب)، ولا يزال معهم في اشتغال مباحثه ونظر في الكتب مقدار ثلاث ساعات ".

ومن واقع هذا الاتجاه أيضا خصصوا لكل مريض صحيفة يثبت فيها أولا بأول حالة المريض، ومسيرة هذه الحالة على طريق التحسن أو التدهور. هذا كله مع تحديد ألوان الغذاء التي يسمح للمريض بتعاطيها، والربط بين الأسباب والنتائج عن طريق تحكيم العقل وافتراض الفروض في حذر وحرص شديدين. وقد نصح علماء المسلمين بعدم الإكثار من تنقل المريض من طبيب إلى آخر- دون أن يستقر على علاج أحدهم حتى تنكشف نتائج العلاج- لأن ذلك يؤدي إلى حالة من تضارب الآراء وربما التخبط في تشخيص الداء ووصف الدواء. قالت الطبيب أبو بكر محمد بن زكريا الرازي:

"ينبغي على المريض أن يقتصر على واحد ممن يوثق به من الأطباء.. ومن تطبب عند كثيرين من الأطباء يوشك أن يقع في خطأ كل واحد منهم ".

كذلك كان مطلوبا من الطبيب أن يكون واسع الثقافة، بحيث لا يحصر فكره داخل دائرة تخصصه
فحسب. وصف الطبيب كمال الدين بن يونس بأنه "أتقن الحكمة، وتميز في سائر العلوم، وكان عظيما في العلوم الشرعية والفقه.. ويقرأ العلوم بأسرها من الفلسفة والطب والتعاليم. .." أما أبو بكر محمد بن زكريا الرازي فيقول:

" من لم يعن بالأمور الطبيعية، والعلوم الفلسفية والقوانين المنطقية، وعدل إلى اللذات الدنيائية، فاتهمه في علمه، لاسيما في صناعة الطب.." .

كذ لك حكى عن الطبيب أبي الصلت أمية بن عبد العزيز- وهو من أطباء الأندلس الذين ترددوا على مصر في العصر الفاطمي أنه " بلغ في صناعة الطب مبلغا لم يصل إليه غيره من الأطباء، وحصل من معرفة الأدب ما لم يدركه كثير من سائر الأدباء، وكان أوحد زمانه في العلم الرياضي، متقنا لعلم الموسيقى وعمله، جيد اللعب بالعودة !!"..

أما أثر التراث الإسلامي في الأخلاق والسلوكيات وآداب المهنة فيفوق الوصف. ذلك أن الإسلام
كديانة سماوية كريمة اهتم اهتماما فائقا بالقيم الخلقية، حتى وصف خاتم النبيين، عليه الصلاة والسلام بأنه على خلق عظيم ، كما أثر عنه أنه بعث ليتمم مكارم الأخلاق، ولما كانت مهنة الطب أكثر المهن البشرية حاجة إلى التمسك بآداب السلوك ومكارم الأخلاق، فإن التراث الإسلامي ملىء بالقواعد والأصول التي ينبغي أن يلتزم بها من يزاول هذه المهنة والأخلاق التي يجب أن يتحلى بها.

وأول هذه الأخلاق الرحمة بالمرضى، فالمريض مهما يبلغ ثراؤه وتصل إليه مكانته فهو ضعيف يتلمس الخير على- يدي الطبيب. فما بالنا بفقراء المرضى الذين يعانون آلام وضيق ذات اليد. لذلك كان أول ما يوصي به الطبيب هو ألا يجعل الكسب المادي هدفا أساسيا لمهنته. حقيقة أنه من حق الطبيب أن يتكسب، ولكن عليه أن يفعل ذلك في رفق، دون أن يرهق المريض أو يحمله ما لا يحتمل. وقد نادى علماء!المسلمين بأن يكون الهدف الأول للطبيب هو كسب ثواب الله لا جمع المال هذا مع عدم إغفال حق الطبيب في حياة كريمة. وعبر الرازي عما ينبغي أن يكون عليه الطبيب فقال "ينبغي أن تكون حالة الطبيب معتدلة، لا مقبلا على الدنيا كلية ولا معرضا عن الدنيا كلية، فيكون بين الرغبة والرهبة".

ومن هذا المنطلق حرص بعض أطباء المسلمين على قصر جهودهم على علاج الفقراء قبل الأغنياء، وكثيرا ما أعرض بعضهم عن الحكام والأعيان، حتى لا يفتنهم جاه القرب من السلطان فيهملوا رسالتهم الإنسانية. ومزج ناحية أخرى نسمع عن بعض أطباء المسلمين أنهم كانوا إذا عالجوا فقيرا ولمسوا حاجته إلى المال فإنهم لا يضنون عليه بالعطاء ليستعين بذلك على مواجهة مطالب الحياة. حكى عن الطبيب أمين الدولة ابن التلميذ أنا. توجه إليه أحد الملوك لعلاجه، فلما برىء الملك رجع إلى بلاده وأرسل إلى الطبيب أربعة آلاف دينار وهدية كبيرة من الخيل والمماليك وغير ذلك. ولكن الطبيب رفض قبول شيء من ذلك كله وقال: "علي يمينا لا أقبل من أحد شيئا". وفي الوقت الذي كان ابن التلميذ "لا يقصد أحدا" ولا يذهب الى مقر ملك لعلاجه، إذا به إذا مرض فقيه نقله إلى ظهر داره "وقام في مرضه عليه، فإذا أبل وهب له دينارين وصرفه ". أما الطبيب الكبير أبو بكر محمد بن زكريا الرازي، فقد وصف بأنه " كان كريما متفضلا، بارا بالناس، حسن الرأفة بالفقراء والأعلاء حتى أنه كان يجري عليهم الجرايات الواسعة ويمرضهم ". وكذلك حكى عن الطبيب أبي الخير الحسن بن سوار- من أطباء الدولة الإسلامية في القرن الرابع الهجري- أنه كان إذا دعاه أحد من أهل العبادة والزهد مشى إليه وقال له: " جعلت هذا المشي كفارة لمروري على أهل الفسق والجبابرة " فإذا دعاه السلطان ركب إليه في زي الملوك والعظماء، وبذلك "وفي صناعته حقها بالتواضع للضعفاء وبالتعاظم على العظماء!! ".

ويرتبط الجانب الخلقي معاملة الطبيب للمريض، فليس من حسن الخلق أن يتعالى الطبيب على مرضاه أو أن يتجهم في وجوههم، أو أن يتعجل في الكشف عليهم، وفي كتب التراث نجد أن الطبيب كان يوصي دائما بأن يقابل مرضاه بوجه بشوش وبأن ينبسط معهم في الحديث محاولا أن يخفف عنهم همومهم وآلامهم، وأن يزرع في نفوسهم الأمل في الشفاء. وعلى الطبيب أن يظهر الاهتمام بالأمانة التي وكلت إليه، ويأتي في الكشف على المريض وفحصه، أن يكون رفيقا به في السؤال، غير متعال أو متكبر في معاملته، لأن هذا هو الأسلوب الذي يكتسب به ثقة المريض فيه، فيركن إليه ، ويأمل الخير على يديه، مما يمهد أمامه طريق الشفاء، يقول الطبيب الكبير أبو بكر محمد بن زكريا الرازي " ينبغي للطبيب أن يوهم المريض أبدا بالصحة ويرجيه بها،،. إن كان غير واثق بذلك فمزاج الجسم تابع لأخلاق النفس ".

وليس في تواضع الطبيب ما ينتقص من مكانته وهيبته وكرامته، لأن المكان والهيبة والكرامة لا تأتي بالجمود والتعالي والقسوة، بقدر ما تأتي بالتبسط والرحمة وحسن التفاهم والانفتاح على من يتعامل معه حكى عن الطبيب لكبير موفق الدين عبد اللطيف البغدادي- المعاصر لصلاح الدين يوسف بن أيوب- أنه كان ينصح تلاميذه ومعاصريه من الأطباء، فيقول:

" إياك والغلظة في الخطاب ، والجفاء في المناظرة ، فإن ذلك يذهب ببعض الكلام، ويسقط فائدته ويعدم حلاوته ويجلب الضغائن ويمحق المودات.. لا تترفع بحيث تستثقل، ولا تتنازل بحيث تستخس وتستحقر ..".

ويرتبط بهذا وذاك التأني وعدم العجلة في الكشف على المريض وعلاجه ، لأن في التأني إتقان للعمل، وفي الروية التزام بالأمانة. ويستشهد المعاصرون بالحديث الذي أثر عن خاتم الأنبياء r " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ولذلك قالوا بأنه "ينبغي للطيب أن لا يدع مساءلة المريض عن كل ما يمكن أن تتولد عنه علته من داخل ومن خارج، ثم يقضي بالأقوى". ويقول الكندي- العالم والطبيب والفيلسوف- في وصيته:

"وليتق الله تعالى المتطبب ولا يخاطر، فليس عن الأنفس عوض.. وكما يجب أن يقال له إنه كان سبب عافية العليل وبرئه، كذلك فليحذر أن يقال إنه كان سبب تلفه وموته.. العاقل يظن أن فوق علمه علما ، فهو أبدا يتواضع لتلك الزيادة. والجاهل يظن أنه قد تناهى ، فتمقته النفوس لذلك ".

ولا يقلل من شأن الطبيب أن يستفيد من خبرة غيره ، ففوق كلى ذي علم عليم. جاء في كتب التراث أنه لما مرض الخليفة الناصر لدين الله العباسي سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، واتضح وجود " حصاة كبيرة مفرطة ؤ، الكبر" في مثانته، استدعى طبيبه كبير الجراحين وطلب مه إجراء جراحة للخليفة لاستخراج الحصاة. ولكن الجراحي- مع عظم مكانته- قال بعد أن فحص المريض "أحتاج أن أشاور مشايخ الأطباء في هذا!! ".

ومن سلوكيات الطبيب المسلم أن لا يضن بعلمه على تلاميذه الذين يتعلمون أصول مهنة الطب على يديه ، وإنما عليه أن يكشف لهم عن مكنون علمه، ويعرفهم بكل ما توصل إليه من خبرة ومعرفة ، عملا بقوله-r- "ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا. ولو ظهر بين تلاميذ الأستاذ من فاقه في العلم ، فإن هذا شرف للأستاذ ، ومفخرة يثاب عليها. وصف الطبيب رضى الدين الرحبي- المعاصر لصلاح الدين- بأنه "اشتغل عليه بصناعة الطب خلق كثير، ونبغ منهم جماعة عدة. " وعلى الطبيب عندما يزاول مهنته أمام تلاميذه أن يلتزم بآداب السلوك ويتمسك بمكارم الأخلاق، ليكون قدوة لهم ، وتظل سيرته من بعده نبراسا يهتدون به.

ويرتبط: بهذا عدم اتخاذ تدريس الطب حرفة يتكسب بها الأستاذ من تلاميذه. حكي عن الطبيب فخر الدين المارديني الذي وصف بأنه كان " أوحد زمانه وعلامة وقته في العلوم الحكمية"، أنه قضى وقتا في التدريس بدمشق، فلما اعتزم مغادرتها سنة تسع وثمانين وخمسمائة عائدا إلى بلده ، أتاه أحد طلاب العلم وعرض عليه ص طغى من المال ليستمر فترة أخرى في دمشق حتى يستزيد منه، وللابن الأستاذ اعتذر ورفض المال قائلا " العلم لا يباع أصلا "..

وأخيرا ، فإن للمريض أسراره التي لا يجوز أن تنكشف لغير الطبيب. ولذا وجب على الطبيب أن يكون كتوما في حفظ هذه الأسرار حتى لا يلحق بالمريض أذى أدبيا أو معنويا. وقد حرص السلف على ضرورة الحفاظ على أسرار المرضى ، رعاية لهم وصيانة لمصالحهم وكرامتهم.

وصفوة القول ما ذكره الطبيب المصري علي بن رضوان الذي عاش في القاهرة أيام الدولة الفاطمية وعينه الخلية ، الحاكم رئيسا على سائر الأطباء، ثم عاصر الشدة العظمى أيام الخليفة المستنصر بالله الفاطمي- إذ يقول في الخصال التي يجب أن تتوافر في الطبيب والصفات التي يجب أن يتصف بها : -

الطبيب-- على رأى بقراط - هو الذي اجتمعت فيه سبع خصال:-

الأولى: أن يكون تام الخلق ، صحيح الأعضاء، حسن الذكاء، جيد الرؤية، عاقلا ذكورا خير الطبع.

الثائية: أن يكون حسن الملبس، طيب الرائحة، نظيف البدن والثوب.

الثالثة: أن يكون كتوما لأسرار المرضى، لا يبوح بشيء من أمراضهم.

الرابعة: أن تكون رغبته في إبراء المرضى أكثر من رغبته في علاج الأغنياء.

الخامسة: أن يكون حريصا على التعليم والمبالغة في منافع الناس.

السادسة " أن يكون سليم القلب، عفيف النظر، صادق اللهجة ، لا يخطر بباله شيء من أمور النساء
والأموال التي شاهدها في منازل الأعلاء ، فضلا عن أن يتعرض لشيء منها.

السابعة: أن يكون مأمونا، ثقة على الأرواح والأموال، لا يصف دواء قتالا لا يعلمه، ولا دواء يسقط الأجنة يعالج عدوه بنية صادقة كما يعالج حبيبه.

والمعلم لصناعة الطب هو الذي اجتمعت فيه هذه الخصال بعد استكماله صناعة الطب. والمتعلم هو الذي فراسته تدل على أنه ذو طبع خير ونفس ذكية ، وأن يكون حريصا على التعليم، ذكيا ذكورا لما قد تعلمه ".

هذا هو المنظور الواقعي لمن يريد أن يزاول مهنة الطب من واقع تراث إسلامي عريق.