وسام أبو عمره
25-04-2005, 09:10 AM
قراءة في رواية خندق المصير لحسين المناصرة بقلم:سعيد محمد إبراهيم
خندق المصير :رواية جريئة للكاتب الفلسطيني حسين المناصرة
الجنون مصيرا : قراءة ثقافية في رواية خندق المصير
سعيد محمد إبراهيم
محاضر بجامعة الملك سعود
مفتتح
تجترئ هذه الدراسة على أن تذيل عنوانها الأصلي بالذيل السابق ، وتهدف من وراء ذلك إلى استثارة المهتمين بالنقد لممارسة هذا المنهج النقدي تطبيقيا ؛ خاصة وقد خبا ضوؤه بعد أن كان مثار ضجة إعلامية ونقدية فيما بين سنة 2000-سنة 2003 (1) ، والتي لم تسفر إلا عن أبحاث قليلة جدا(2) ؛ قلة ربما توحي للباحث بأن المنهج الذي شغل الناس مدة ثلاث سنوات في طريقه إلى الانطفاء وربما التلاشي؛ ولربما كان وراء هذا الأمر جدة المنهج، وانفتاحه على علوم أخرى ، بالإضافة إلى عدم اكتمال أدواته، ورغبة الباحثين في أن يسيروا في طرق معبدة وأطر مستقرة، إضافة إلى احتفال المؤسسة النقدية العربية بالأطر الفنية للدراسة بدلا من الدراسة الموضوعية ، والتي تعد أهم مرتكزات النقد الثقافي ومعاييره الأساسية (3).
والدراسة الحالية لا تعد بدراسة النص الحالي دراسة ثقافية على النحو المصطلح عليه؛لأن ذلك يتطلب جهدا ووقتا طويلين لا يتسع هذا المقام للعمل عليهما (4)، ولكنها تستهدف –كما سبق أن قلت– مجر الاستثارة، ومحاولة الدخول للموضوع . وحسبها في النهاية أن تكون محاولة، بل من أوائل المحاولات(5) التي تعمل على هذا المنهج عملا تطبيقيا.ولا مانع عندي في أن توسم هذه الدراسة بالبساطة والعادية والتأويل؛لأن ذلك يعكس رؤية الباحث في هذا المنهج؛إذ إنه منهج بسيط ينأى عن الإغراق في المصطلحات النقدية،كما أن البساطة لها دلالة مهمة سوف تتضح في نهاية البحث.
أما أن هذه الدراسة عادية ؛ فلأن النقد الثقافي نفسه لا يختلف عن النقد الأدبي في كثير من الأمور ، كما أنه يسعى لمخاطبة القارئ العادي في الأساس . أما اعتماده التأويل في القراءة ؛فلأن ذلك هو جوهر المنهج الذي يحاول استنطاق النص الأدبي خاصة ، والثقافي عامة ، للخروج بدلالات تمس الثقافة التي يدرسها .
خندق المصير وثقافة المقاومة
تأتي رواية خندق المصير في عنوان ، وإهداء ، وتنويه ، وثمانية فصول هي على الترتيب : رابعة – البلدة-حانا –مانا – سعدة – لحانا – حانا ديك مانا ثور سعدة كبش –ابن عامر. وسوف نتناول هذه الفصول بالقراءة على نحو ما وضعها المؤلف حتى لا نضيع على القارئ فرصة الاستمتاع بالرواية كما كتبت .
العنوان والوعي الثقافي
خندق المصير هو عنوان الرواية ، وهو عنوان ينطوي على وعي الكاتب ( أو لا وعيه ،سيان عندي) بالمسألة الثقافية ، فهو يتضمن المكان ( خندق) ، والزمان ( المصير أو النهاية) فإذا أدركنا أن الثقافة في أحد تعريفاتها تشير إلى أنها نتاج للتعايش الاجتماعي، جاز لنا أن نقول بشكل آخر : إن الثقافة هي تفاعل الزمان والمكان مع المجتمع ، وجاز لنا أيضا أن نقول : إن عنوان الرواية يدل على وعيها بثقافتها ؛ إذ إنه تضمن طرفين من أطرافها وهما الزمان والمكان. أما المجتمع الصانع للثقافة فهو داخل الرواية ، وكأن الكاتب يريد أن يقول لنا : إن روايته هي كتاب لثقافة المجتمع الذي يعيش بداخلها، وإذا تأملنا في العنوان تأملا آخر ،فإننا نلاحظ أن الكاتب عمد إلى تسميته بالخندق وكأنه يريد أن يقول لنا :إننا علينا أن نتخندق أو نتشرنق داخل قضايانا، حتى ننال مصيرنا، بما يشمله هذا التخندق من دلالات التحصن والالتفاف حول الذات في مواجهة هذا الآخر الذي يترصدنا، يقول المؤلف معلنا وجهة النظر هذه : " المجد لنا عندما نتوحد في خندق قضايانا المصيرية ص 9 ".
1_ رابعة / سيرة الجنون / سيرة الانتفاضة
يشير معنى الجنون في اللغة إلى الاختلال، كما إن مصطلح الجنون في الدراسات النفسية يشير إلى الإبداع المجهض،ورابعة بطلة هذا الفصل – هي واحدة ممن يمثل هذا الجنون بحق،بل هي الجنون ذاته،ذلك الجنون الذي انتهجه غيرها من سكان بلدة "بني نعيم" التي ترعرع فيها الراوي:"رابعة بنت الجيران لم تكن تتحدث كثيرا مع الناس..كانت أسطورة..لم تؤذ أحدا،فقط تنشر شعرها ليتطاير في الهواء فتبدو مجنونة من وجهة نظرهم ص14".أما قصة جنونها فهي:"قيل إنها أحبت فارسا مارا لكن أخوتها ضربوها لما رأوها تعانقه قبل الرحيل،ضربوها على رأسهاص14".
وهكذا فإن ما أدى برابعة إلى الجنون هو تحررها، ومعانقتها لحبيبها قبل الرحيل ، بل إن رابعة هي التحرر ذاته : " في الماضي تصور أية رابعة في القرية ذات مس في عقلها لا يوصلها إلى درجة رابعة المجنونة ، وذلك قبل أن تدافع عنه بصرختها الأسطورية ثم صارت الرابعات سيدات العالم بما فيهن رابعة العدوية التي تعرف إلى سيرتها بعد أن التحق بالجامعة ص15".بل إننا نراها وقد امتثلت فلسطينا في رحلة بحثها عن المخلص :" ويقال أيضا إنهم لحقوا بفارسها ودفنوه في الصحراء بعيدا عن عيون الناس، فغدت تخرج إلى الشوارع _ تبحث عنه _ذهبت إلى البراري والصحراء مرارا – التقت بدويا ظنته فارسها .. لكنه هرب منها بعد أن أدرك جنونها .. تغيب كثيرا في جوف البيت .. يقال إن اخوتها سجنوها .. كانت طيبة لم تؤذ أحدا ، ألا يكفي هذا لوصفها بالعاقلة ص14".( التأكيد هنا وفيما بعد من عندي ) .
وهكذا يمكن لنا أن نقرأ رابعة في ضوء النص السابق بأنها تشير إلى فلسطين التي كانت تبحث قبل احتلالها التاريخي عن التحرر في شخص البدوي العربي الذي دفنه أخوتها في الصحراء ، ثم أخيرا ضربوها على رأسها وسجنوها ، على الرغم من أنها لم تؤذ أحدا ، فقط أرادت أن تجد عروبتها وبداوتها، فكان مصيرها ضربة على الرأس ، كان بسببها الجنون الذي هو عند العقلاء جنون، لكن عند مجانين الحرية هو العقل ذاته ، إنه رفض وانتفاضة ، وهكذا تحولت فلسطين بعد ضربة الرأس انتفاضة حية ، إنها رابعة التي سرت فلسطينا وجنونا داخل ابن عامر راوي الرواية: " رابعة يا جماعة كانت تدعي الجنون ، لتحميكم في الليالي الدامية من هسهسات غربان البنادق ، وبوم السود ، وخفافيش الموت .. رابعة كانت تعرف كيف تصرخ ، كيف تجعلهم يعملون لكم ألف حساب كانت صرختها بألف حجر ص14" .
وهكذا فإنها بصراخها تنقذ ابن عامر من موت حقيقي كاد يحيق به من الجنود الإسرائيليين ، فقد صرخت الانتفاضة فيهم صرخة قوية ، فانشغلوا بها عنه، ففر هو هاربا من قتلهم وقتلت هي:"مئات الأفكار لاحقته لتقنعه أن رابعة أنقذت حياته، وأنه يعيش بمعجزة إلهية دفنت رابعة مكانه، صارت قديسة، غيروا اسمها ، فغدوا يقولون الشهيدة رابعة بعد أن قالوا : رابعة المجنونة ص15 " .هنا تتلاقى ثنائية الموت والميلاد؛ إذ إن رابعة لم تقتل كما تقول الرواية، بل إنها أصبحت قديسة أي مقدسة ، بما يعني أن الانتفاضة اكتسبت قدسية لدى كل فلسطيني، كما أنها أصبحت شهيدة ، أي أنها بمعنى من المعاني حية ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) … أية .
ولعل ذلك الازدواج الدلالي يكمن في كلمة الشهيد فهو ميت حي أو ميت وشاهد وهو من تمثله رابعة التي كان موتها رمزيا ؛فقد ماتت وولدت شهيدة في نفس الوقت ، بل إن موتها صار ولادة أو شهادة للحياة عند ابن عامر الراوي (ص18).
من قصة رابعة المجنونة / الانتفاضة / الثورة / التحرر تستدعى قصص جنون أخرى، أو بالأحرى قصص أخرى من قصص الانتفاضة، وهي كلها تؤكد رمزية الجنون لدى الكاتب ، حيث تبتدئ من خلالها الدوافع التي أدت بأصحابها إلى الجنون / الثورة / الانتفاضة ، فقد أصيب بالجنون كل من : أم سالم ، المعلم العبقري راشد، الشيخ المتصوف عيسى ، الختيار ( المأذون ) تركي ، الفارس المغوار الشيخ حماد ، بنت عابد، باسم وحيد أمه ، محمد حسن، الصحفي أبو عبيدة، الختيار جادع، وطفة ، الحاج خالد … الخ ) ( ص15-25) .
والملاحظ أن الجنون أو الانتفاضة شمل الرجال والنساء ، كما إنه شمل جميع الطوائف والأعمار والوظائف ، فهناك : الطالب- المعلم – المأذون ، بما يعني أن الانتفاضة قد شملت جميع الناس ، بما فيهم حانا ومانا اللذين جرهما جنونهما إلى الانتهازية والعمالة ، كما إن وراء كل مجنون قصة تختلف عن قصة غيره دفعته إلى الجنون ، بما يعني أن لكل مجنون طريقته في إبراز جنونه ، تؤرخ هي ذاتها – في طريقة رمزية واضحة – لأساليب المجانين الثوريين في مواجهة هذا العدو المتربص حتى إن البلدة كلها صارت جنونا في جنون !!
"إن بعض أسماء أماكن البلدة مستمدة من الجنون من ذلك : خربة تفاح المجانين، وادي الجن، طلعة المجنونة ، جبل الجان ، مراح الجني، جنان المية ، دار السعادين، كرم مجنون ليلى ص 28" . وهي كلها أسماء شوارع مستعارة أراد بها الكاتب أن يعبر عن أن الجنون / الانتفاضة قد شملت البلدة كلها، حتى اسم البلدة ذاته بني نعيم : "ليس غريبا أن يكون اسم بلدتي بني نعيم فالنعيم كما تعرفون هو موطن الجنون ، لأن المجانين كما يقال في نعيم ، لذلك تعني بني نعيم في التفسير الأعم بني الجنون ص28 " . كما أن أمه ذاتها تريد أن تجن : "همست له أمه تحدثه عن نفسها قائلة :ليالي كثيرة يأتيني هاجس داخلي يقول : هيا اتركي البلدة، هجي في البراري بعيدا عن الناس، عيشي جنونك " لكنها تعود فتقول :"..والله يا بني ما صبرني على الحال: إلا الإيمان بالله والصبر على ما بشوف.."(ص16) .
ونريد بعد ذلك أن نستبين موقف الراوي ذاته من الجنون، إن الراوي –كما يوضح هو – مجنون ولد مجازيا من المجنونة رابعة/ الانتفاضة :" كان في العاشرة عندما تخيل رابعة أعظم من أمه التي تقول عنها مجنونة .. لم يعد يظن أن أمه أعقل العاقلات .. الصحيح أنه خاف من رابعة .. لكنها عندما صرخت فيهم لتنقذه شعر أنه طفل يولد من جديد .. وأن صرختها ماثلت صرخة أم أنجبت طفلها لتوها.. ثم ماتت ليعيش وليدها في أحضان الأمهات كلهن .. ص 14 ".
فإذا حذفنا لفظة أم مما سبق ووضعنا لها المرادف اللغوي وهو الأم بمعنى الرأس لرأينا أن الأم في الاقتباس الأول والأم في الثاني يمثلان رأس الراوي، ونكاد نزعم أن كل كلمة أم وردت في الرواية أراد بها المؤلف معنى الرأس ، وعلى ذلك نستنتج أن الراوي داعبت رأسه فكرة الانتفاضة منذ العاشرة، وحينها انصهر في أحضان الأمهات / الرؤوس كلها .
يعني ذلك أن الراوي قد انصهر مع بقية أبناء البلدة في الجنون / الانتفاضة ، لكننا نعود في نصوص أخرى لنراه يقول :" قصص كثيرة يمكن أن يرويها عن الجنون في بلدته الغافية على مآسي الكون كله ..لكنه لا يستطيع أن يكمل ويتوغل كثيرا في هذا الجانب ، لأنه يخاف على عقله ، يخاف أن يحدث له ما حدث لهؤلاء ولغيرهم .. يحمد الله ! مازال يدرك أنه عاقل يحسن التصرف ، ويقيم العلاقات المتوازنة مع الآخرين ص 16". يعني ذلك أن الكاتب وإن اعترف للبلدة بالجنون ، وحبذه بل شجعه وانصهر به ، إلا أنه يحمد الله على أنه بعيد عنه ؛ لأنه يعرف عاقبة المجانين:" الجنون يا سادة أخطبوط يلاحق أفكاري المندمجة بمآسي بلدتي الكثيرة ، فلا أجرؤ على أن أخوض في تفاصيله المرعبة ، ودائما يرددون في تجمعاتهم : المجانين في نعيم والعقلاء في جحيم !!فهل حقا نحن في نعيم ؟! أعني هل المجانين في نعيم كما يدعون ص22" .
إن الراوي يواري جنونه لما يجره من ويلات مما يعني مزيدا من الإدانة لإسرائيل . وهكذا نستطيع أن نحل التعارض في موقف الراوي الذي حمد الله على سلامته من الجنون في النص السابق كما أنه أثبته لنفسه في نصوص أخرى ، يقول : " لم أكتب عن الجنون؟هل أريد أن أعلي من شأنه..أم أكتب رواية عن حياتي الممتدة في مسالك الجنون الإبداعي بعد تلك الحادثة لأشكر سيدة النساء على ما فعلته من أجلي … ربما أحاول التكفير عن أشياء كثيرة قيلت عن جنونها الذي بدا لي عقلانيا في نهاية المطاف ص22 " ثم نراه يقول ناسبا الجنون لنفسه :" أحد أفراد عشيرتنا – أقصد عشيرة المجانين- طار عقله إلى حد الخروج عن كل مألوف ص22 " .
2 . البلدة /بني نعيم وسيرة فلسطين
على الرغم من أن الكاتب يحاول استبعاد اسم فلسطين من الرواية ، ويحاول قصر المكان على مدينة متخيلة فيها عندما يقول :" البلدة التي تنتمي إلى كل التواريخ الفلسطينية المنحدرة منذ الكنعانيين العرب إلى اليوم ص31"، إلا أنه في الوصف التالي لا يدع مجالا للشك على أن البلدة مدار اهتمامه هي فلسطين ذاتها يقول :" تتمدد بني نعيم على هضبة منبسطة كخيمة الصلاة تحيط بها الأودية من كل الجهات ، تجري منها المياه في الشتاء الخصب إلى البحر المالح،آخذة معها أحيانا بعض الغرقى لتعيدهم بلا حياة ، لكن الخصب في أزمنة الخير يجعلها ربيعا ترتدي ثوبها الأخضر المزركش بالألوان كلها، كأنها عروس ترقص في ليلة زفافها !!وجمالها الأخاذ يطيرّ العقول لمن لم يعرف كيف يحسن التصرف مع معشوقته الضائعة التي وجدها صدفة في واحة صحراوية تنتظره كأميرة لم يمسسها بشر ولا جان منذ قديم الزمان ..فهو إن لم يحسن التصرف مع كنزه الثمين طار عقله بلا رجعة ص 31-32" .
النص على طوله دال على أن فلسطين تعيد الحياة إلى البحر الميت بما تقدمه من غرقى شهداء أو غرقى خائنين ، ومع ذلك ينتقل فجائيا إلى تصوير عروس في ليلة زفافها، ويأخذه المشهد إلى أنها كنز إن لم يحسن التصرف معها طار عقله ( لنلاحظ أن الكاتب لم يقل " جن" ولكنه استخدم (طار عقله) لحرصه على إيصال معنى الجنون السابقة الإشارة إليه ).
ويستدعي لفظ الكنز لدى الكاتب قصصا كثيرة من قصص البحث عن الكنز مثلما استدعى لفظ الجنون قصصا كثيرة من قصص الانتفاضة ، والكاتب يستغل التداعيين في التأريخ لفلسطين ، ويبدو أن مرحلة الكنز هذه تمثل مرحلة الثورة فيما قبل الانتفاضة، والتي تبدو -كما تشير دلالة الكنز - إلى أنها كانت مختفيةتماما ، كما يكون الكنز مدفونا ، وسوف نستعرض فيما يلي ردود أفعال أهل القرية من الكنز أو بالأحرى من الثورة ،وذلك على النحو التالي :
1- " أحد الرجال رصد كنزه مرات ومرات حتى خرجت له من بين الحجارة العملاقة فتاة جميلة .. رقصت له ، تخلع ملابسها شيئا فشيئا .. وما أن وصلت إلى القطعة الأخيرة.. حتى صرخ بلا وعي :" انستري يا مستورة" .. أغمض عينيه ،وما أن فتحهما حتى اختفت في جوف الأرض إلى الأبد ..بعد الصحوة أدرك غباءه المنبث في تلك العبارة:" انستري يا مستورة"! ضيع عليه فرصة العمر.. لو أنه تركها تخلع القطعة الأخيرة،وحافظ على رباطة جأشه لتحولت مباشرة إلى كنز من الذهب ، ولأصبح أغنى الأغنياء..لكنه تعجل..طار عقله .. نسي نفسه .. ضيع سنوات الرصد الطويلة هباء منثورا .. فقد ثمرة الحياة المرفهة؛ فجلس فقيرا معدما، يعمل ناطورا للقصر الأثري الذي غاصت في باطنه فتاة الذهب التي لن تظهر له بتاتا.. هكذا يبدو الذهب للحالمين كنوزا نسوية مخفية في أعماق الأرض ص32 ".
يظهر النص السابق كيف تولدت الفتاة / الكنز / الثورة في نفس الرجل الذي بحث عنها لكنه فشل في أن يتواصل معها ، لقد خاف ، ولم يحافظ على رباطة جأشه ، خاف أن تتعرى ثورته: صرخ فيها : انستري يا مستورة، هكذا فإنه يفقد ثورته إلى الأبد ؛ لأنه لم يستطع أن يخصبها فانزوى ناطورا في القصر الذي غاصت في باطنه الثورة ، ترى ماذا كان يحدث لو لاقاها وأخصبها ؟ يقول الراوي :" ولو تركها تخلع القطعة الأخيرة لأصبح أغنى الأغنياء" والغنى هنا ليس غنى المال ، ولكنه غنى النفس الثائرة ، يقول في موضع آخر يوضح احتمالات صبره عليها:" لو صبر لكانت هي التي هرعت إليه بعد أن تصير امرأة حقيقية.. لن يكون بمقدورها أن تختفي ، ليس أمامها إلا أن تتحول إلى كنز أو إلى امرأة حقيقية .. حينها يصحو من نومه فلا يجد جواره سوى بقايا طيف امرأته التي رحمها الله ص41" ، معبرا بذلك أن رحمة الله سوف تلحق هذه المرأة من جراء الخصوبة التي تجدها عند ذلك الرجل .
2 – "بعض الباحثين عنه اشتروا الآلات الطنانة ..طنت في أية بقعة وضعوها عليها ، حفروا ، لم يجدوا إلا التوافه ص33" . يشير هذا النص إلى طريق آخر من طرق الثورة وهو الطنين أو الثورة الصوتية، أي من خلال الشعارات الطنانة، وهؤلاء كما يقول المؤلف لم يجدوا إلا التوافه .. فأدركوا " أن وصية الجد .. تحمل سرا لا بدّ أن يكشفه بعضهم يوما ما ص33" .
3- " ومع ذلك تروى قصص كثيرة عن غنى رجال وجدوا جرار الذهب بالمصادفات.. يقال إن أحدهم بعد أن فجر من تأجر من العمال بالديناميت الصخور في أرضه ..تطاير الذهب مع الحجارة ، افتعل صراعا حادا مع زوجه . . في صباح اليوم التالي حمل الذهب ، وسافر إلى دولة مجاورة ، فغدا واحدا من أثريائها ص33" . يشير النص السابق إلى هؤلاء الذين هربوا بثورتهم إلى الخارج ، ولم يستطيعوا أن يقيموا ثورتهم بالداخل .
4- "آخر اشترى أراضي كثيرة ، دون أن يحترف مهنة أو يعمل بأجرة عند الآخرين، فقيل إنه وجد جرة الذهب في أرضه القديمة .. رويت القصة هكذا : وجد العامل الذي كان يحرث أرضه جرة مدفونة ، أخبره بالأمر ، واتفقا على أن يأتيا معا في الليل ، ليستخرجاها،ويقتسماها مناصفة ، لكن صاحب الأرض خدع عامله، فسبقه إلى الجرة.أخذ الذهب،ووضع مكانه الحجارة ..لما جاءه العامل،ذهبا معا إلى الجرة . أظهر صاحب الأرض خيبة الأمل، لم يصدقه العامل ، والعامل كما قيل ابن أخته.. لم يصدق الكذبة ، أخبره قلبه أن خاله خدعه ، جن جنونه باستمرار وهو يراقب تحسن حال خاله تحسنا لافتا لكل الأنظار ، وهو لم يحصد من أحلام الجرة إلا ذكريات الخديعة ص 33" . وهذا النص يربط أيضا بين الذهب والحجارة ربطا سوف يكون له دلالته فيما بعد ، كما يلاحظ ارتباط البحث عن الكنز بالليل، بما يدل على استتار الثورة، ومن ثم فإن نتيجتها كانت خيبة الأمل، وثمة إشارة تشير إلى أن حالة خاله تحسنت تحسنا لافتا بما يشير إلى أن هذه الثورة أيضا لم تجد؛ لأن صاحبها استغلها لصالحه : اشترى أراضي كثيرة دون أن يحترف مهنة أو يعمل بأجرة عند الآخرين ص33 " . وهو نفس ما حدث لشخص ثالث "كان ينام نهارا ، ويحفر ليلا حتى وجد الكنز الذي تحول إلى عمارة وثلاث زوجات، وحياة بلا شغل أو مشغلة ص34".
وهكذا تنتهي كل محاولات البحث عن الكنز / الثورة لأنها لم تتم إلا في الخفاء: "حفر الناس أماكن كثيرة في الخفاء ،وطمروها يقال : إنهم لم يجدوا أكثر من الجماجم البشرية ، وربما بعض الأواني الفخارية التي وضع القدماء فيها الماء والطعام للموتى في قبورهم ص34 " وهو نص لافت يشير إلى أن الأفكار الثورية فيما قبل الانتفاضة كانت مجرد أفكار للقدماء وضعوا فيها الماء والطعام للموتى / الثوار .
ولعل مما يؤكد انصراف دلالة الكنز على الثورة بالإضافة إلى النصوص السابقة ، أن اليهود كانوا يبحثون عنها في كل مكان ، بحجة أنهم يبحثون عن الآثار العبرية، بل إن بعضهم كان يبيعه إليهم ؛ أي يبيع الثورة إليهم على نحو ما رأينا في النص قبل السابق ، بان ذلك في حواره مع أمه / رأسه :" عددت لي أسماء كثيرة لأناس وجدوا كنوزا .. قلت لها : لا تصدقي هذا الكلام.. الناس ما وجدوا إلا الفخار والقطع الأثرية الرخيصة .. والمشكلة أنهم يبيعونها لسماسرة اليهود الذين يزورون تواريخنا كلها بطرقهم الخاصة ص 35".
ونريد كما استعرضنا موقف الراوي من الجنون أن نستعرضه مع الكنز / الثورة المختفية ، وهو ما يتضح من حواره مع أمه / رأسه التي حاولت أن تقنعه بالبحث عن الكنز حتى يغتنى :"قالت ..أريدك عندما تنهي دراستك وتعود إلى البلد أن تنصب خيمة فوقها ، تحفر في الليل ، وتغطيها في النهار، أنا متأكدة مئة بالمئة أن فيها كنزا،ربما يكون أحسن كنوز البلدة،أرضكم هذه جوهرة،أرض آثار، إن بحثتم وتعبتم في البحث لابد إن شاء الله أن تجدوا فيها كنزا زي الناس اللي وجدوا…لم تعرف أمي أن المغارة حفرت مرات وأن اعتقادها بكونها مغارة بكرا ليس له أصل فعصابات الحفر المتعاونة مع دائرة الآثار الصهيونية حفرت أماكن كثيرة .. ربما من ضمنها مغارة أمي من زمن بعيد ص35". يشير النص السابق إلى أنه جرب الثورة / الكنز مرات ومرات لكنها لم ترقه، وأن اليهود حفرت كنزه مرات ومرات ؛ ومن ثم فهو يقول لأمه بعد أن عرضت عليه أن يبحث عن كنزه في غرفته لا منشاف ولا من دري ، يقول لها :" غير ممكن أن أحفر البيت من أجل كنز وهمي ، أنا يا ستي لا أريد الكنز ص37 ".إنه لا يريد ثورة وهمية ، كنزا مختفيا، ومن ثم فإنه ينتقل إلى بديل آخر وتنصرف أمه / رأسه إلى عمل آخر :"نسيت أمي الكنز أو ربما تناسته .. انشغلت زمنا بكنز الزراعة .. لم تعد تصبر على مساحة أرض فارغة من زراعة الزيتون.. قلت لها مازحا:أليس الزيتون هو الكنز الحقيقي؟ ص37".لكن أمه / رأسه ردت عليه بشيء من التذمر:سأعلم أولادك "كيف يبحثون عن كنز جدهم "بما يشير إلى أن رأسه رغم ميله إلى الزراعة / السلام لا زالت تميل إلى الثورة .
ومن البحث عن الكنز الثورة المختفية ، ينتقل الكاتب إلى الكنز الحقيقي / الانتفاضة في رصد لتحول الناس من البحث عن الذهب إلى البحث عن الحجارة :" أخيرا وجد الناس كنزهم الحقيقي .. كان هذا الكنز ذهبا أبيض ، ذهب الحجارة البيضاء الناصعة التي تستخرج من باطن الأرض لبناء بيوت الحجر البيضاء الجميلة ص37". يقول عن أمه / رأسه : "ربما أدركت أن جدي قصد بالكنز الحجارة ناصعة البياض ص37 ".
ونريد كما استعرضنا موقف الكاتب من الكنز/ الثورة المختفية أن نستبين موقفه من الحجارة / الثورة الحقيقية. يرى الراوي أن هذا الكنز رغم حقيقيته ورغم نصوعه إلا أنه وقع غدرا في أيادي المستغلين، ومن ثم فهو يقول وعلى طريقة النقد الذاتي :" جن جنون الناس وهم يبحثون عن الحجارة البيضاء.تحولت البلدة إلى حفر متناثرة في كل الأمكنة،اتخذت الحجارة مستويات متعددة من الجودة،وتفاوت الأسعار،وتنوعت أشكال البنايات..انتثرت السيارات أمام الفلل ، ضاقت أوقات الناس،كثرت المشكلات والتناحرات، لم يعودوا يفرطون بشبر أرض من أجل طريق عام،فالشبر كومة فلوس كما يقولون ص39" . وهكذا أصبحت الثورة الحجرية مجالا للتفاوت ووقعت بين فريقين :
الأول : لم يفرط بشبر أرض من أجل طريق عام ، أو توجه عام يوحد بين الجميع على مستوى سياسي .
والثاني : مستغل ضارب بالثورة من أجل تحقيق مصالح خاصة :" الكنز الأبيض سلبهم عقولهم.. الاستثمار أكل قلوبهم بالغيرة والحسد والبحث عن المصالح والمضاربات ، والاتفاقات المعقدة ص 39". لقد استغلوا انتفاضة الحجارة لصالحهم ، ومن ثم فهو يصرخ فيهم : " ...يا ناس يا عالم يا هو لن تأخذوا شيئا من هذه الكنوز إلى قبوركم التي بنيت بالحجارة غير الجيدة ص39". إنهم باعوا الحجارة لليهود أو بالأحرى باعوا ثورة الانتفاضة لليهود:"يتنغص كنز الحجارة بمستعمرات الاحتلال التي تتربع على الأراضي المرتفعة الأجور حجارة في العادة،لكن لا بأس فاليهود يشترون الحجارة ويبنون مستوطناتهم ص.." .لقد بيعت الثورة الحجارة التي صنعها الصغار ، أما الكبار فقد باعوا أنفسهم " أليس هذا جنونا أعمق من أي جنون : نقذف الحجارة الصغيرة على دباباتهم في مواجهة البنادق والرشاشات ونبيعهم الحجارة الكبيرة لبناء مستوطناتهم، عجيب أمرنا في مواجهة عدونا ؟ ص 39" .
وهكذا يشير ابن عامر بأصابع الاتهام إلى هؤلاء الكبار الذين باعوا أنفسهم كأحجار كبيرة بالأنانية والمصالح الذاتية : لماذا يا ناس أكلتكم أصابع الأنانية ؟! العدو من أمامكم .. والموت من ورائكم .. جن جنونكم .. وابن عامر لا يقص سيرة ذاتية؟! إنه يحكي سيرة بلدته .. سيرة الخراب الذي حول السجادة الخضراء إلى أرض غبراء أكلها البور والحفر والشاحنات والشوارع الضيقة والطوش الكثيرة وبقايا الجوع وبيع الحجارة للأعداء ص 41 ".
3 . حانا ونموذج الخائن ونقد المجتمع
بعد أن استعرض الكاتب تاريخ فلسطين رمزيا في الفصل السابق منذ بدء التاريخ وحتى مجيء الانتفاضة، وذلك في الصفحات من 4152 ينتقل إلى فصل بعنوان: حانا ، وهو أحد طرفي المثل الذي أقام المؤلف حوله روايته ، وهو : بين حانا ومانا ضاعت لحانا، وهو لا يلبث في كل مرة أن يذكرنا بقوله مفسرا المثل : " قالت العامة بين حانا ومانا ضاعت لحانا: يعني ضياع الناس بين ما يفعله بهم حانا الخائن وما يفعله بهم مانا الانتهازي " وكأن المؤلف يريد أن يقول لنا: إن تاريخ فلسطين بل تاريخ الدول العربية كلها – وعلى نحو ما سيتضح –آل إلى هذين الرجلين : حانا ومانا، أو الخائن والانتهازي. فما أبعاد شخصية الخائن حانا كما رسمها المؤلف؟وكيف وجدت في فلسطين؟
بداية لا يظهر حانا فجاءة مع بداية هذا الفصل، بل سبق وروده في الفصلين السابقين( انظر مثلا ص 23-26 في الفصل الأول ، وص42-43، 51 من الفصل الثاني ) بما يعني أنه هو وأخوه شخصيتان متغلغلتان في تاريخ الانتفاضة بل وفلسطين كلها .
والكاتب ينفي أن يكون حانا فلسطينيا، أو من أبناء بلدته بني نعيم، وعلى الأقل جاءت أمه/ رأسه من بلاد بعيدة، يقول له أبو نعيم مدير الاستخبارات الإسرائيلية الذي جره إلى الخيانة ، وتلبس باسم بلدة بني نعيم، وهو اسم دال على تجرؤ الإسرائيليين الذين لم يقتصروا على استعارة الاسم فقط ، بل اعتبروا أنفسهم آباء للأبناء. فالرجل اسمه أبو نعيم في مقابل القرية التي اسمها بني نعيم ، يقول شارحا له كيف تكونت أمه / رأسه قال " سألتني مرات كثيرة عن أصلك وفصلك ، عن أخوالك اليهود ، وأعمامك العرب ..القصة أن جدتك ( أم أمك ) جاءت من اليمن مهاجرة مع مجموعة من اليهود ، تركت زوجها المسلم هناك ، حملت معها أمك.. كانت أمك مسلمة ، ولم تسلم جدتك ، لا أعرف لماذا أصرت أمك على أن تبقى في الإسلام ، ربما ندمت جدتك على مجيئها إلى إسرائيل ، حنت كثيرا للعودة إلى اليمن . الكثير من الهاجرين حنوا إلى العودة ، بما فيهم أنا !! نحن كما تعرف نعتبر الولد للفراش ، أي للأم ، أمك رغم أبيها المسلم فهي يهودية ، لكنها كانت تصر على أن تبقى مسلمة ، لذلك تزوجت رغما عنا مسلما من بئر السبع،هربت معه ، قتلناه فيما بعد ، ثم هربت إلى بلدة "بني نعيم" ، أو بالأحرى إلى" بني جحيم " كما تسميها ، بقيتْ تحت أنظارنا ، وبقيتَ أنت أيضا تحت أنظارنا ، لقد قررنا أن ننتجك وسطهم" ص65 .
يشير النص إلى أن تكوين حانا العقلي كان مختلفا ومختلطا ، لقد تركت جدته ( رأسه الأصلية وإن كانت يهودية شاذة بلاد اليمن السعيد – مشيرا إلى هجرة رأسه من السعادة إلى الشقاء ، أما أمه / رأسه فكانت تحن إلى هناك ، وإن كانت تدين أصلا بفكر يهودي؛ لأن الابن عندهم – كما يقول أبو نعيم – للفراش ، فهي مسلمة بالوجود يهودية بالانتماء اليهودي – ومن ثم فإن تكوينه مزيج من الفكر الإسلامي( فكر أعمامه وأجداده) والفكر اليهودي الذي تربى عليه ) يقول الراوي : " وقيل عن حانا ومانا أنهما أخوان ولدتهما امرأة جاءت هاربة إلى القرية قبل سنوات طويلة هربت من هناك بسبب أنها أضاعت شرفها " ص 270 . يعني ذلك أن الراوي ينفي أن يكون هذان الشخصان أو أمهما / رأسهما على الأقل من داخل البلدة ومن ثم فإنهما لا ينتميان إلى هذه البلدة ، إنهما يحملان أفكارا تختلف عن أفكار هذه البلاد وإن كانا منها .
ولكن المؤلف رغم نفيه أن يكون حانا ومانا من أبناء هذه البلدة ؛ إلا أنه يحل المجتمع مسئولية انحرافهما ؛ لأن مجتمع القرية قد تركهما نهبا لليهود . يرى المؤلف أن الفق وعدم إحساسهما بالانتماء هما اللذان أوقعهما في ذلك يقول على لسان حانا : " تعمل أمي ليل نهار في خدمة سيد الكرم الذي يظهر لنا عطفا مزيفا وفي بعض الليل تخيط الملابس أو ترقعها " ص 56 . لقد وقعا نتيجة الفقر في أيدي صاحب الكرم ( الكرم تحمل دلالة مزدوجة : الكرم = التكافل والسخاء والكرم = عنبا تصنع منه الخمور ) بما يعني أن كرمه كان مزيفا أو أن عنبه يؤدي إلى العربدة واستتار العقل ، وبعد العمل ترقع أمه الملابس لعلها تريد أن تخفي عري الفضيحة والتعاون مع إسرائيل .
ويقول في موضع آخر :" كيف تريدونني أن أكون إنسانا سويا بعد أن تشربت الحقد مع كل حبة عنب خضراء أو حمراء أو صفراء أو سوداء أو متداخلة الألوان..يقولون :حانا لا ينتمي إلى بلدتنا .. هذا ما ردده أصدقاء طفولتي .. اللعنة كيف أصفهم بأصدقاء الطفولة .. إنهم على الوجه الأصح أعداء طفولتي ..من قال: إنني عشت طفولة سعيدة حتى أتوقع العلاقة الحميمة بيني وبينهم ص56". لقد كان على المجتمع أن يحتوي حانا. إن انعزال حانا الشعوري والنفسي، بل والمكاني عن المجتمع ، جعله يسقط أمام أول إغراء من أبي نعيم حينما دفعه إلى العهر ، إذ شعر أنه ينتمي إلى عالمه الموبوء ، ينتمي إلى فخذي إستر الصهيونية ص 57، لقد كان لحانا استعداد لبيع أية قيمة مقابل خلوة معها لكي يجرب على الأقل ، يقول لأبي نعيم :" قلت له اسمي "حنانيا"، استغرب الاسم ، لكنه ادعى تصديقي ..ليس في هذه البلدة اللعينة كلها اسم حنانيا ، ومن أين لها هذا الاسم الذي هو أقرب إلى الأسماء العبرية " ص57.
وهكذا ينصاع وراء أبي نعيم ، في صورة تتبدى فيها مخططات اليهود في الاستيلاء على عقول الشباب ، خاصة المشوشين منهم، الذين قهرهم المجتمع ماديا ومعنويا ، وعلى استعداد للتنازل في أي وقت ، مقابل أبسط الإغراءات خاصة وأنه لم يتم احتواؤهم يقول حانا مصورا حكاية الضياع :" ليلة صاخبة مع شلومو في أحد فنادق القدس مكافأة اللقاء الأول الذي جمعني مع "أبو نعيم" ، وشلومو هذا لم يكن رجلا ، هو تلك المرأة الجميلة التي راودنا بها "أبو نعيم" الكلب عن نفسها قبل أكثر من عام .. كنت بكرا وشلومو سيدة مجربة ، تعرف كيف تمتص قطرات اللذة ، أو هذا على الأقل ما شعرت به معها ، إذ ما زالت حلاوة سم ذلك اللقاء تحاصرني ، رغم أنه اللقاء الذي أظهر عنكبوتيتي البغيضة على وجهها المتقيح " ص60.
يتبدى من وراء هذا النص زيف الوعود الإسرائيلية ؛ إذ إن هذه المرأة لم تكن خالصة الأنوثة، فقد كان اسمها اسم رجل :" لو أنهم لم يسمونها شلومو !! حاولت أن أعرف اسمها الحقيقي ، رفضت ، ادعت أن شلومو هو اسمها ، ثم طلبت مني أن أسميها الاسم الذي أراه مناسبا ، فسميتها رشيل" ص64.وهو نص يعكس رؤيتهم ، فليس مهما عندهم مع من سقط ، المهم أنه سقط . كما يبين أن حانا أراد تحقيق حلمه وهميا ؛ فأسماها باسم أنثى ، ثم تتطور العلاقة مع شلومو فتحمل منه ص63، بما يبين أن سقوطه معها أخصب ونجح الإسرائيليون تماما في توريطه معهم ، وفي هذه اللحظة يملي أبو نعيم شروطه عليه ، ويكلفه بالعمليات التي عليه أن يقوم بها ص67. ثم يستعرض صور خيانته التي نفذها فعلا ص 70-73. وهي كلها تبين قذارة العمليات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني ، ثم ينكشف أمر حانا للجميع بانتحار الشاب خالد الجابري الذي كتب في اعترافاته كيف ورطه حانا في العمالة لصالح إسرائيل ، وهو اتهام جعل الناس يبتعدون عنه، حتى اعترف بجرائمه أمام لجنة الانتفاضة، حتى يتخلص من الإيدز الذي أصابه من مضاجعته مع الشقراء الكندية، التي دفعها الجهاز إليه، وهو تطور يدل على أنه حمل فيروس الخيانة الذي أماته أو سوف يميته ص92. وبدلا من أن تحكم عليه لجنة الانتفاضة بالإعدام- كما طلب هو – نراها تعطيه صك الغفران ص69، بل وتعينه " أحد المفاوضين في اتفاقيات أوسلو بوصفي الخبير السابق في الشئون الإسرائيلية " ص 69. والسبب الحقيقي وراء ذلك هو غنى حانا، الذي جعله يستطيع إغراء السلطة الفلسطينية ورشايتها ، وهي كلها نصوص تعكس ثقافة الانتفاضة في إدانة السلطة، وتبيّن رفضها اتفاقية أوسلو بل إدانة الوضع العربي كله ، يقول حانا :"أضع نفسي أمامكم الآن بعد هذا الاعتراف الذي هو غيض من فيض لتقرروا الحكم ، فإن كنت خائنا لعينا ، فتذكروا أنني محدود الإجرام قياسا إلى بعض زعمائكم" ص 75 . إن حانا رغم خيانته يرى أنه محدود الإجرام قياسا إلى بعض الزعماء فما بالنا بجرائم الزعماء أنفسهم ؟!
4. مانا ونموذج رجل السلطة :
يعرض الراوي في هذا الفصل لشخصية مانا الانتهازية ، وهو يكشف منذ البداية عن تسلقية مانا، من خلال تمنيه أن يكون له اسم غير الاسم " لا أعرف ،كان الأجدر بهم أن يطلقوا عليّ اسم كرم أو دالي أو وعر أو أي اسم آخر ينتمي إلى هذه الطبيعة الجميلة رغم أنني لا أمتلك منها شيئا ص78" وكرم –دالي –وعر ، كلها أسماء توحي بالوصولية والانتهازية والتسلق كما أن النص يحمل إيحاء بفكره ، فهو من المؤمنين بأن الطبيعة هي التي خلقت الناس ، وفقا لأحد المذاهب الشيوعية :" أنا كنت وما زلت أعتبر نفسي شجرة ولدت بين ثنايا الطبيعة التي أراها الجمال الحقيقي في الحياة ص 79" . أما أمه فليس له أم في نص (ص 79)وأمه فقيرة في نص آخر( ص 77) ، أو أن أمه أتت من بلاد بعيدة في نص ثالث (ص79). وإذا اعتبرنا الأم في كل بمعنى الرأس أو الفكر ، أو أن فكره فقير ، أو أن فكره جاءه من خارج البلاد، وليس فكرا عربيا أو فلسطينيا، لكن مانا لا يترك الفرصة دون أن يقوم بنقد المجتمع أيضا ، ذلك الذي ألجأه هو وأخاه حانا للانحراف فالفقر هو الذي دفعهما للخيانة والانتهازية:" لا أرض أملك ، ولا ثمر أجني.. فقط سقيفة داخل كرم تعمل به أمي، وأنا مع حانا نعمل معها لنعيش على الفتات ..بل تصلنا أحيانا صدقات البلدة التي بدت مؤخرا تشعرنا بالعار 80".
الفقر إذن هو الذي أوجد مانا وحانا في المجتمع ، ومن ثم فإن مانا يقرر أن يتحول غنيا ، فيحتال حتى يصل إلى الفدائيين ، ويعمل معهم ، إلى أن يتم اعتقاله ص85. حيث كان ضحية لحانا، الذي أرشد عنه بما يعني أن الخائن يخون أخاه الذي تربى معه تحت سقيفة واحدة، أو دائرة فكرية واحدة بمعنى آخر، وحينما خرج من السجن قرر أن يكون غنيا فلا يجد إلا الانضواء تحت لواء السلطة التي فتحت المجال لهؤلاء المرتشين ، يقول : "الرشوة صارت الطريق إلى بناء حياتي الجديدة ، خاصة بعد أن استلمت منصبا أمنيا مهما في الاستخبارات الثورية العامة .. حتى أخي حانا لم يسلم من تحقيقي معه بطريقة غير مباشرة .. اعترف للجنة التي عينتها للتحقيق معه .. عرفت كل شيء .. لم أتفاجأ ، لكنني استغربت أن يكون بمثل هذا السوء .. شهادة براءة لا بأس .. الأجدر إحالة بعض أعماله لأجل الثورة .. ثروته كبيرة .. رشوته لي أكبر .. الفيلا الفخمة التي سكنتها أول حياتي المترفة ، هدية منه ص 86". وهو نص يكشف عن جرائم السلطة في قبول الرشاوى ي من أكثر الناس إساءة للقضية " حانا" كما يكشف عن التقارب في المنهج بين حانا ومانا الخائن والانتهازي، ثم يكشف عن الجرائم التي قام به مانا تجاه الفدائيين (ص 86 ). وموقف السلطة الفلسطينية منها (ص 92)،والتي بدلا من أن تنفيه جعلته أحد مفاوضي أوسلو بعد أن جعلته وزيرا (ص 94 ).
5. سعدة ونموذج التحرر غير المرغوب
على الرغم من أن الراوي يقرر مرات كثيرة أهمية المرأة في النضال ( ص116 وص119 مثلا) إلا أنه يرفض من خلال رفضه لنموذج سعدة. ذلك التحرر النسوي والفكري الذي يجعلها قريبة من أفكار وطبيعة الرجال. يقول المؤلف عن سعدة وتكوينها العقلي الذي أوصلها لطبيعة الرجال:" بين الأب المحكوم والأم القوية ترعرعت ، صرت قوية كما الرجال، طالعة لأمي التي توصيني دوما:إن لم تكوني أخت الرجال صرت ممسحة للرجال .وصفوني بالذكر ، الخنثى، أبو الشباب ،أبو علي ، الشاب سعد ..قالوا الله يكون بعون اللي بدّو يتزوجها .. معقول هذه يتزوجها واحد ، لازم هي تتزوج مره ، أي والله الشباب أنعم منها . لم يتركوا لي فرصة كي أعيش أنوثتي ، نقمت عليهم ، لعنت البلدة وأتخن شنب فيها ، حقدت على والديّ ، أكان من الضروري أن ينجباني ص 98" .
وهو نص يكشف عن أن رأس سعدة / أمها، هي التي دفعتها للتحرر حتى صارت رجلا وهي من قبلها تحمل المجتمع الذي لم يستقطبهاتبعة سقوطها؛ إذ إنها لم تجد الحب/ الاحتواء من أحد فيها، ووقعت فريسة سهلة في يد حانا الخائن الذي أطراها بكلمات الملاطفة والتدليل ، فانصاعت له، وتورطت بدورها مع الموساد، وأخيرا كشف أمرها انتحار خالد الجابري، الذي ذكر اسمها من بين من ورطوه في التجسس ، حتى قرر أبوها قتلها، وفي كل مرة يفشل، ونتيجة للفضيحة والعري تحاول أن تتخلص هي من ذاتها، فتحاول قتل أحد الجنود الإسرائيليين( رمزا من الكاتب إلى التطهر بدم الخائن الذي أودعها فيروس الخيانة) ، لكنها تفشل ( ربما لأن الفيروس كان قد تمكن منها) ، وتدخل السجن ، وهناك تتعلم لغتين غير العربية، وتقرر أن تعود إلى رشدها، وتكون سنوات السجن بمثابة التطهر النهائي، الذي قامت به للتطهر من جرائمها مع الموساد وحانا ومانا، وبعد خروجها تقرر أن تعمل من أجل الوطن، لكنها لم تسلم من حانا ومانا، ومن ثم استنجدت بالرئيس الذي وعدها بالعمل الوطني والحماية ، شريطة أن تتصالح مع حانا ومانا.
وهكذا وقعت مرة أخرى في حبالهما، ليس بسبب تحررها المرفوض ولكن بسبب السلطة هذه المرة، ومن ثم فإنها لم تمانع من الاستلقاء على فراش مانا( رمز السلطة ) بعد أن أخذت الإذن الرسمي من الرئيس ، وأخيرا تتساءل:"ماذا بإمكاني أن أقرر في هذه الدوامة من المتسلقين والانتهازيين وبائعي الضمائر ؟سأواصل عملي في اللجنة الأمنية ، سأراوغ مع هذا وذاك .. النهر الآسن يجر معه الصالح والطالح ، ص114".
إنها مثل حانا ومانا حملت فيروس الإيدز ( الخيانة) الذي لا يمكن أن يعالج ولا سبيل له إلا الموت:" احذروا أن تقعوا فريسة ليس للموساد فحسب ، وإنما أيضا للإيدز.. هل أخبرتكم بأنني أحمل هذا الفيروس..وأنني نقلته إلى الآخرين .. حانا مصاب به .. مانا المسكين ما زال يكابر ، يدعي أنه غير مصاب .. وربما هو مصاب ويخفي عني ، كما أخفي أنا حالتي عنه .. كلنا في الهوا سوا .. كلنا في "الخرا" سوا ص117" . ولربما عبرت سعدة عن تأنيب الضمير الذي يأكلها، كما يأكل حانا بالإيدز، رغبة من الكاتب في إبراز عقدة الذنب لديهم لأنهم يحسون أنهم ارتكبوا كثيرا من الجرائم لأناس لا يستحقون ذلك ، بما يعني مزيدا من الاتهام للسلطة، لأنهم رغم إدراكهم لحالتهم ما زالوا يعيشون وينقلون أمراضهم لغيرهم .
6. لــحـانـــــا
قال العامة :"بين حانا ومانا ضاعت لحانا" .. يعني ضياع الناس بين ما يفعله بهم حانا الخائن، وما يفعله بهم مانا الانتهازي ..وحانا ومانا ضيعوا الرجال " ، ومن ثم فإن هذا الفصل فيما أعده الكاتب – يخص الرجال أو الشعب، ولا يعنى به الشعب الفلسطيني فقط بل الشعوب العربية جميعا:" يا عالم يا هو : من نحن ؟ ثلاثمئة مليون عام ألفين ولا يهشون ولا ينشون أمام عشرة ملايين يهودي كيف سنصير في هذا العالم المنهار أسياد أنفسنا ؟ .. نحن هنا موجوعون بمآسينا- تمرغت لحانا صرنا في جحيمين جحيم الأعداء ، وجحيم الزعماء ، ما بين حانا ومانا، فماذا نحن فاعلون؟ ص 123 " وانظر كذلك (ص126 ). أي أن الشعوب العربية كلها وقعت بين اثنين حانا ومانا، بل وقعت وكما يقول فيما بعد – بين الثلاثة حانا ومانا ، بالإضافة إلى سعدة المتحررة دون ضوابط، ويأتي في هذا الفصل الحل الذي يطرحه ابن عامر للإصلاح فيما يشكله البيان الذي اسماه الخطوات العشر المطلوبة لمواجهة الألفية الثالثة في وثيقة العشر نقاط التي تجعل صورة لحانا/ شعبنا إيجابية ( ص 123-126). والكاتب يستخدم فيها لغة خطابية تقريرية واضحة بما قد يعني أمرين :
1- أن الأمر أمر جد ولا وقت فيه للعبة المجاز .
2- أن الكيل فاض وليس في مقدور المؤلف أن يخبئ كلامه الذي انحبس داخله طيلة الرواية.
ثم يظهر –فيما بعد- عيوب المجتمع العربي ذاته ، التي جعلته يقع بين هذين الطرفين (ص126)، ومن ثم فإنه يعود ويستخدم أسلوبا تحريضيا ،يثير به حفيظة الناس؛كي يكتبوا رواياتهم عن أنفسهم ،والتي ستكون نسخا مكررة من روايته :"لولا تكلفة الطباعة المرتفعة… لتركت بعد هذا الفصل مئة صفحة بيضاء على أقل تقدير ليكتب فيها المتلقي روايته بخصوص نظرية المؤامرة، أي قارئ يستطيع أن يغني على ليلاه ،وكأنه يغني على ليلى الجميع ص 131" .ألم نقل: إن الهم واحد، والقضية واحدة، والثقافة والمفاهيم واحدة ،ومن ثم فكل يغني على ليلاه؟
7. حانا ديك /مانا ثور / سعدة كبش وتناسل مثلث الخطر
من حانا ومانا ولحانا الذين انتهت إليهم الرواية ، ينتقل المؤلف - وعن طريق تقنية الأمثولة - إلى هذا الفصل، وهو يسوق تمثيلا للسلطات العربية اليوم، وما سوف تكون عليه في المستقبل من تناسل لأنظمتها الفاسدة، في المرة الأولى يبدو الزعيم ديكا والشعب دجاجات، وفي الثانية يبدو الزعيم ثورا والشعب بقرا، وفي الثالثة يبدو الزعيم كبشا والشعب نعاجا. ولا شك أن انحصار الزعماء في هذه الفئات الثلاث يعكس فحولتهم أمام أنوثة الشعب/ الدجاج/ البقر/ النعاج. كأن المؤلف يريد أن يقول : إن الشعب العربي مع أنه يقع في خمس وعشرين دولة واقع تحت هذه الأنظمة الثلاثة ( الخيانة، الانتهازية ، التحرر المفرط) يقول بما يؤكد ما سبق: "ما فعلته في اللوحات الثلاث السابقة ، مع ديكنا الكبير ، ثورنا الكبير ، كبشنا الكبير ، مجرد تغييرات بسيطة في بعض الألفاظ ، لأن السياق نفسه لما يقارب خمسة وعشرين كبيرا في مزارع بيتنا .. بهذا التصور الجحيمي أصبحت حالنا متردية بين حانا ومانا وسعدة .. ضاعت لحانا بسذاجاتها وبلادتها وتلاشي أفكارها المستقلة ص143".
وعلى الرغم من أن كل واحد من الثلاثة ينجب أربعة آخرين ، وينصبهم في مناصب مختلفة، فإننا نراه يقصر منصب الحرس إلى لحانا / الشعب. هكذا يتحول الشعب حارسا أمينا للسلطة التي تغتصبه، وكما يقول الكاتب على لسان ديكنا الكبير مثلا:"من هنا قررت أن يتولى ابني الأكبر " حانا كبش" قيادة عمليات الطوارئ، ويتولى ابني الأوسط " مانا كبش" قيادة الأمن الداخلي، ويتولى ابني الأصغر" لحانا كبش" قيادة الحرس الخاص ، وتتولى بنتنا الوحيدة "سعدة كبش " قيادة شئون المرأة ص142-142". وهو منصب يعكس بلادة الشعب الذي يتولى حراسة السلطة، ويلاحظ أنه ذكر الثلاثة في عنوان الفصل، دون ذكر لحانا، مما يعني أن لا موقع للحانا في الحكم، فلا أمل فيه من قبل الكاتب على الأقل. ويلاحظ أيضا أن الأنظمة تناسلت فيما بينها وأنجبت من الديك حانا ومن الثور مانا ومن الكبش سعدة دون أن يكون للحانا أي أب أو وجود بما يعني أن الأنظمة السلطوية العربية سوف تتناسل في المستقبل دون أي اعتبار للشعب الذي تحكمه / لحانا .
8. ابن عامر وضياع البيت
أخيرا تنتهي الرواية في فصلها الختامي والأخير عند ابن عامر، وكأنها تتجمع عنده لتصب جميعا، ويكون تقرير مصيرها لدى هذا النموذج الذي يشي اسمه بالعمار، وابن عامر لا يحضر هنا فجاءة مع الفصل الأخير لكنه موجود من الفصل الأول ، بل من السطور الأولى فهو الطفل الذي أنقذته رابعة/ الثورة كما يوجد في بقية الفصول بوصفه المعادل الإيجابي المحايث لجرائم حاناومانا وسعدة، والمتابع لأحوال لحانا، والناقم على تناسل مثلث الخيانة، بما يعني أنه منسرب في عمق تاريخ بلاده وبلادنا ، انسرابه داخل إطار الرواية من بدئه حتى منتهاه، أي أن القضية تبدأ منه وتعود إليه لكنه يخص هذا الفصل بالحلم الذي سرقه منه حانا دارا التي أحبها، وخطبت وتزوجت للأعور ابن المختار أثناء غيابه في الدراسة بإيعاز من حانا الذي هدد أباها زارع الزيتون بأنه سيبلغ السلطات عن وجود بندقية لديه .
ودارا التي أحبها ربما أوحت لنا بالدار أو على تقدير أعم بفلسطين، يقول ابن عامر فيما يوحي إلينا بأن دارا هي الدار:" أحب ابن عامر دارا ، الصلة عميقة بينها وبين رابعة- كما أيقن – كلتاهما توحيان له بعلاقة حميمة مع الأرض" فما قيمة ارتباط رابعة ( الثورة) بدارا المحبوبة إنسانا بالأرض ؟ لا شك أن الكاتب يريد أن يوصلنا إلى أن دارا هذه ليست إنسانا بل هي البيت الذي تربى فيه ، ومن ثم فعلاقته بالأرض والثورة عميقة، ثم أليس من المؤكد لذلك أيضا ، أن أباه متزوج من دارا أيضا؟
المهم أن دارا هذه يأخذها ابن المختار الأعور ( ربما مناحيم بيغن – أو أي إسرائلي بعين واحدة رغبة من الكاتب في إبراز القبح والدمامة ، وإثارة التقزز لدى القارئ مع الإشعار بقصص الجن الذي يصور في الموروث العربي بالشق والعور واختلاف الخلقة عن الناس) ابن المأذون ( المأذون = المأمور= الآمر من خلال تطبيق قاعدة جواز أن يكون اسم المفعول بمعنى اسم الفاعل فيكون الصبور بمعنى صابر والمأمور آمر ،لدينا في مصر مثلا منصب المأمور وهو الآمر بلا شك ) ،ومما يؤكد ذلك أن التهمة التي مسكوها على والد دارا ( بندقية ألمانية حارب بها الإنجليز واليهود أثناء اجتياحهم لبلدتنا ص151".
إنها بندقية تاريخية إذن ، شهدت تاريخ فلسطين بين الإنجليز واليهود، ووصلت إلى ابن المختار (المأذون) الأعور كنوع من الانتقام الموجه من حانا إلى ابن عامر، لقد أراد الانتقام منه من خلال الدار التي ساعد اليهود على أخذها من أبيه ، ومن ثم فإن ثأر ابن عامر لدى حانا الخائن واليهود كذلك . يقول ابن عامر في آخر كلمات الرواية:" مكبل بآلاف القيود التي تجعلني أفكر وحيدا:كيف أنتقم لموت رابعة التي أحببتها أكثر من أمي بعد أن ولدتني بصرخة الرعد،فكانت جنازتها عوضا عن جنازتي؟!كيف أنتقم لاغتصاب دارا التي أحببتها كما أحببت شجرة الزيتون.زرعت معها قبل سفري زيتونة صغيرة،قلت لها: عندما تنتج دارا الشجرة "تنكة زيت"سنتزوج.لن يطول الأمر ؛خمس سنوات على الأكثر .. اغتصبها مني الأعور الخائن بعد خمسة أيام من رحيلي .قهقه حانا في ضلوعي كما الجحيم !! جنت دارا هاربة صارخة عارية تستصرخني،لا أملك لها غير أغنيتي الحزينة : " يا دارا دوري، دوري في ضلوعي دوري ، في دمي، أحشائي، قلبي، ذاكرتي، كتابي .. دوري".. دوري حتى يصفق معي الآخرون تصفيق الثأر، لا الشعارات!! ص156".
وفي النهاية :فإني أهنئ الكاتب على أنه استطاع -من خلال إعادة النظر في مثل شعبي بسيط أن يبدع من التاريخ أشخاصا ومن الأفكار ذواتا ، مؤكدا أن الإبداع مقاومة في زمن الدعة والبلاهة والاستهلاك، فهل نحن قادرون -ومن خلال إعادة النظر في أشياء بسيطة كثيرة بيننا -أن نصنع من أنفسنا أشخاصا وذواتا لا مجرد أفكار وتواريخ تنتظر من يبدعها ؟آمل ذلك .
الهـــوامــــش :
(1) أقصد الفترة التي نشر فيها د . عبد الله الغذامي كتابه: النقد الثقافي دراسة في الأنساق الثقافية العربية ، المركز الثقافي العربي، بيروت ، الدار البيضاء، ط1، 2000.
(2) الأبحاث المنشورة بالعربية في النقد الثقافي وعنه لا تتعدى أصابع اليدين، أغلبها مراجعات وطروحات حول مشروع الغذامي ، راجع:
1- د. عبد الرحمن السماعيل ( محررا) : الغذامي الناقد قراءات في مشروع الغذامي النقدي، كتاب الرياض، عدد97-98، ديسمبر2001-2002.
2- مجموعة من الباحثين : عبدالله الغذامي والممارسة النقدية والثقافية، مؤتمر الشارقة، نشرته المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، 2003 .
3- عز الدين إسماعيل (محررا) : مؤتمر الجمعية المصرية الرابع للنقد الأدبي بجامعة عين شمس بعنوان: النقد الأدبي على مشارف القرن ، ط1، سنة 2003، والمؤتمر الخامس عن النقد الثقافي سنة 2004 ، ولم تنشر أبحاثه بعد .
4- د. عبد الله إبراهيم : النقد العربي والمرجعيات المستعارة،المركز الثقافي العربي، بيروت ، ط1 ، 1999.
5- مجلة فصول ، صيف 2004.
6- مجموعة مقالات منشورة عبر الشبكة العنكبوتية، في مجملها متابعات ومراجعات لمشروع الغذامي .
7- د. يوسف عليمات : جماليات التحليل الثقافي، الشعر الجاهلي نموذجا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ، 2004 .
8- د. حسين المناصرة : ثقافة المنهج : الخطاب الروائي نموذجا ، الدار المقدسية، حلب، ط1، 1999.
أما الأبحاث المترجمة فهي :
1. إيزابرجر : النقد الثقافي مبادئه ومفاهيمه ، ترجمة أمينة إبراهيم ، مراجعة د.رمضان بسطويسي، المشروع القومي للترجمة ، القاهرة ، ط1، 2004.
2. إدوارد سعيد ، جميع مؤلفاته خاصة الاستشراق، تعريب د. كمال أبو ذيب ، مؤسسة الأبحاث العربية ، بيروت ، ط6، 2003 . وكذلك الثقافة الإمبريالية ، المعرب نفسه ، دار الآداب ، بيروت ، ط3، 2004.
(3) حول مفهوم المنهج ومبادئه ، راجع د. عبد الله الغذامي ، مرجع سابق، ص ص …
(4) دليل ذلك أن إدوارد سعيد مثلا أنفق كتابه الضخم : الثقافة والإمبريالية لدراسة عدد محدد من الروايات ، ولكنه قرأها في ضوء الثقافة التي أنتجتها.
(5) المحاولة الأولى التي جاءت في كتاب هي محاولة د. يوسف عليمات ، مرجع سابق بالإضافة إلى مجموعة مقالات أهمها : أيمن بكر بعنوان : السرد المكتنز، مجلة فصول صيف 2002، د. عبد الفتاح الجمل … ، مؤتمر الجمعية المصرية للنقد الأدبي ، غير منشورة .
خندق المصير :رواية جريئة للكاتب الفلسطيني حسين المناصرة
الجنون مصيرا : قراءة ثقافية في رواية خندق المصير
سعيد محمد إبراهيم
محاضر بجامعة الملك سعود
مفتتح
تجترئ هذه الدراسة على أن تذيل عنوانها الأصلي بالذيل السابق ، وتهدف من وراء ذلك إلى استثارة المهتمين بالنقد لممارسة هذا المنهج النقدي تطبيقيا ؛ خاصة وقد خبا ضوؤه بعد أن كان مثار ضجة إعلامية ونقدية فيما بين سنة 2000-سنة 2003 (1) ، والتي لم تسفر إلا عن أبحاث قليلة جدا(2) ؛ قلة ربما توحي للباحث بأن المنهج الذي شغل الناس مدة ثلاث سنوات في طريقه إلى الانطفاء وربما التلاشي؛ ولربما كان وراء هذا الأمر جدة المنهج، وانفتاحه على علوم أخرى ، بالإضافة إلى عدم اكتمال أدواته، ورغبة الباحثين في أن يسيروا في طرق معبدة وأطر مستقرة، إضافة إلى احتفال المؤسسة النقدية العربية بالأطر الفنية للدراسة بدلا من الدراسة الموضوعية ، والتي تعد أهم مرتكزات النقد الثقافي ومعاييره الأساسية (3).
والدراسة الحالية لا تعد بدراسة النص الحالي دراسة ثقافية على النحو المصطلح عليه؛لأن ذلك يتطلب جهدا ووقتا طويلين لا يتسع هذا المقام للعمل عليهما (4)، ولكنها تستهدف –كما سبق أن قلت– مجر الاستثارة، ومحاولة الدخول للموضوع . وحسبها في النهاية أن تكون محاولة، بل من أوائل المحاولات(5) التي تعمل على هذا المنهج عملا تطبيقيا.ولا مانع عندي في أن توسم هذه الدراسة بالبساطة والعادية والتأويل؛لأن ذلك يعكس رؤية الباحث في هذا المنهج؛إذ إنه منهج بسيط ينأى عن الإغراق في المصطلحات النقدية،كما أن البساطة لها دلالة مهمة سوف تتضح في نهاية البحث.
أما أن هذه الدراسة عادية ؛ فلأن النقد الثقافي نفسه لا يختلف عن النقد الأدبي في كثير من الأمور ، كما أنه يسعى لمخاطبة القارئ العادي في الأساس . أما اعتماده التأويل في القراءة ؛فلأن ذلك هو جوهر المنهج الذي يحاول استنطاق النص الأدبي خاصة ، والثقافي عامة ، للخروج بدلالات تمس الثقافة التي يدرسها .
خندق المصير وثقافة المقاومة
تأتي رواية خندق المصير في عنوان ، وإهداء ، وتنويه ، وثمانية فصول هي على الترتيب : رابعة – البلدة-حانا –مانا – سعدة – لحانا – حانا ديك مانا ثور سعدة كبش –ابن عامر. وسوف نتناول هذه الفصول بالقراءة على نحو ما وضعها المؤلف حتى لا نضيع على القارئ فرصة الاستمتاع بالرواية كما كتبت .
العنوان والوعي الثقافي
خندق المصير هو عنوان الرواية ، وهو عنوان ينطوي على وعي الكاتب ( أو لا وعيه ،سيان عندي) بالمسألة الثقافية ، فهو يتضمن المكان ( خندق) ، والزمان ( المصير أو النهاية) فإذا أدركنا أن الثقافة في أحد تعريفاتها تشير إلى أنها نتاج للتعايش الاجتماعي، جاز لنا أن نقول بشكل آخر : إن الثقافة هي تفاعل الزمان والمكان مع المجتمع ، وجاز لنا أيضا أن نقول : إن عنوان الرواية يدل على وعيها بثقافتها ؛ إذ إنه تضمن طرفين من أطرافها وهما الزمان والمكان. أما المجتمع الصانع للثقافة فهو داخل الرواية ، وكأن الكاتب يريد أن يقول لنا : إن روايته هي كتاب لثقافة المجتمع الذي يعيش بداخلها، وإذا تأملنا في العنوان تأملا آخر ،فإننا نلاحظ أن الكاتب عمد إلى تسميته بالخندق وكأنه يريد أن يقول لنا :إننا علينا أن نتخندق أو نتشرنق داخل قضايانا، حتى ننال مصيرنا، بما يشمله هذا التخندق من دلالات التحصن والالتفاف حول الذات في مواجهة هذا الآخر الذي يترصدنا، يقول المؤلف معلنا وجهة النظر هذه : " المجد لنا عندما نتوحد في خندق قضايانا المصيرية ص 9 ".
1_ رابعة / سيرة الجنون / سيرة الانتفاضة
يشير معنى الجنون في اللغة إلى الاختلال، كما إن مصطلح الجنون في الدراسات النفسية يشير إلى الإبداع المجهض،ورابعة بطلة هذا الفصل – هي واحدة ممن يمثل هذا الجنون بحق،بل هي الجنون ذاته،ذلك الجنون الذي انتهجه غيرها من سكان بلدة "بني نعيم" التي ترعرع فيها الراوي:"رابعة بنت الجيران لم تكن تتحدث كثيرا مع الناس..كانت أسطورة..لم تؤذ أحدا،فقط تنشر شعرها ليتطاير في الهواء فتبدو مجنونة من وجهة نظرهم ص14".أما قصة جنونها فهي:"قيل إنها أحبت فارسا مارا لكن أخوتها ضربوها لما رأوها تعانقه قبل الرحيل،ضربوها على رأسهاص14".
وهكذا فإن ما أدى برابعة إلى الجنون هو تحررها، ومعانقتها لحبيبها قبل الرحيل ، بل إن رابعة هي التحرر ذاته : " في الماضي تصور أية رابعة في القرية ذات مس في عقلها لا يوصلها إلى درجة رابعة المجنونة ، وذلك قبل أن تدافع عنه بصرختها الأسطورية ثم صارت الرابعات سيدات العالم بما فيهن رابعة العدوية التي تعرف إلى سيرتها بعد أن التحق بالجامعة ص15".بل إننا نراها وقد امتثلت فلسطينا في رحلة بحثها عن المخلص :" ويقال أيضا إنهم لحقوا بفارسها ودفنوه في الصحراء بعيدا عن عيون الناس، فغدت تخرج إلى الشوارع _ تبحث عنه _ذهبت إلى البراري والصحراء مرارا – التقت بدويا ظنته فارسها .. لكنه هرب منها بعد أن أدرك جنونها .. تغيب كثيرا في جوف البيت .. يقال إن اخوتها سجنوها .. كانت طيبة لم تؤذ أحدا ، ألا يكفي هذا لوصفها بالعاقلة ص14".( التأكيد هنا وفيما بعد من عندي ) .
وهكذا يمكن لنا أن نقرأ رابعة في ضوء النص السابق بأنها تشير إلى فلسطين التي كانت تبحث قبل احتلالها التاريخي عن التحرر في شخص البدوي العربي الذي دفنه أخوتها في الصحراء ، ثم أخيرا ضربوها على رأسها وسجنوها ، على الرغم من أنها لم تؤذ أحدا ، فقط أرادت أن تجد عروبتها وبداوتها، فكان مصيرها ضربة على الرأس ، كان بسببها الجنون الذي هو عند العقلاء جنون، لكن عند مجانين الحرية هو العقل ذاته ، إنه رفض وانتفاضة ، وهكذا تحولت فلسطين بعد ضربة الرأس انتفاضة حية ، إنها رابعة التي سرت فلسطينا وجنونا داخل ابن عامر راوي الرواية: " رابعة يا جماعة كانت تدعي الجنون ، لتحميكم في الليالي الدامية من هسهسات غربان البنادق ، وبوم السود ، وخفافيش الموت .. رابعة كانت تعرف كيف تصرخ ، كيف تجعلهم يعملون لكم ألف حساب كانت صرختها بألف حجر ص14" .
وهكذا فإنها بصراخها تنقذ ابن عامر من موت حقيقي كاد يحيق به من الجنود الإسرائيليين ، فقد صرخت الانتفاضة فيهم صرخة قوية ، فانشغلوا بها عنه، ففر هو هاربا من قتلهم وقتلت هي:"مئات الأفكار لاحقته لتقنعه أن رابعة أنقذت حياته، وأنه يعيش بمعجزة إلهية دفنت رابعة مكانه، صارت قديسة، غيروا اسمها ، فغدوا يقولون الشهيدة رابعة بعد أن قالوا : رابعة المجنونة ص15 " .هنا تتلاقى ثنائية الموت والميلاد؛ إذ إن رابعة لم تقتل كما تقول الرواية، بل إنها أصبحت قديسة أي مقدسة ، بما يعني أن الانتفاضة اكتسبت قدسية لدى كل فلسطيني، كما أنها أصبحت شهيدة ، أي أنها بمعنى من المعاني حية ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) … أية .
ولعل ذلك الازدواج الدلالي يكمن في كلمة الشهيد فهو ميت حي أو ميت وشاهد وهو من تمثله رابعة التي كان موتها رمزيا ؛فقد ماتت وولدت شهيدة في نفس الوقت ، بل إن موتها صار ولادة أو شهادة للحياة عند ابن عامر الراوي (ص18).
من قصة رابعة المجنونة / الانتفاضة / الثورة / التحرر تستدعى قصص جنون أخرى، أو بالأحرى قصص أخرى من قصص الانتفاضة، وهي كلها تؤكد رمزية الجنون لدى الكاتب ، حيث تبتدئ من خلالها الدوافع التي أدت بأصحابها إلى الجنون / الثورة / الانتفاضة ، فقد أصيب بالجنون كل من : أم سالم ، المعلم العبقري راشد، الشيخ المتصوف عيسى ، الختيار ( المأذون ) تركي ، الفارس المغوار الشيخ حماد ، بنت عابد، باسم وحيد أمه ، محمد حسن، الصحفي أبو عبيدة، الختيار جادع، وطفة ، الحاج خالد … الخ ) ( ص15-25) .
والملاحظ أن الجنون أو الانتفاضة شمل الرجال والنساء ، كما إنه شمل جميع الطوائف والأعمار والوظائف ، فهناك : الطالب- المعلم – المأذون ، بما يعني أن الانتفاضة قد شملت جميع الناس ، بما فيهم حانا ومانا اللذين جرهما جنونهما إلى الانتهازية والعمالة ، كما إن وراء كل مجنون قصة تختلف عن قصة غيره دفعته إلى الجنون ، بما يعني أن لكل مجنون طريقته في إبراز جنونه ، تؤرخ هي ذاتها – في طريقة رمزية واضحة – لأساليب المجانين الثوريين في مواجهة هذا العدو المتربص حتى إن البلدة كلها صارت جنونا في جنون !!
"إن بعض أسماء أماكن البلدة مستمدة من الجنون من ذلك : خربة تفاح المجانين، وادي الجن، طلعة المجنونة ، جبل الجان ، مراح الجني، جنان المية ، دار السعادين، كرم مجنون ليلى ص 28" . وهي كلها أسماء شوارع مستعارة أراد بها الكاتب أن يعبر عن أن الجنون / الانتفاضة قد شملت البلدة كلها، حتى اسم البلدة ذاته بني نعيم : "ليس غريبا أن يكون اسم بلدتي بني نعيم فالنعيم كما تعرفون هو موطن الجنون ، لأن المجانين كما يقال في نعيم ، لذلك تعني بني نعيم في التفسير الأعم بني الجنون ص28 " . كما أن أمه ذاتها تريد أن تجن : "همست له أمه تحدثه عن نفسها قائلة :ليالي كثيرة يأتيني هاجس داخلي يقول : هيا اتركي البلدة، هجي في البراري بعيدا عن الناس، عيشي جنونك " لكنها تعود فتقول :"..والله يا بني ما صبرني على الحال: إلا الإيمان بالله والصبر على ما بشوف.."(ص16) .
ونريد بعد ذلك أن نستبين موقف الراوي ذاته من الجنون، إن الراوي –كما يوضح هو – مجنون ولد مجازيا من المجنونة رابعة/ الانتفاضة :" كان في العاشرة عندما تخيل رابعة أعظم من أمه التي تقول عنها مجنونة .. لم يعد يظن أن أمه أعقل العاقلات .. الصحيح أنه خاف من رابعة .. لكنها عندما صرخت فيهم لتنقذه شعر أنه طفل يولد من جديد .. وأن صرختها ماثلت صرخة أم أنجبت طفلها لتوها.. ثم ماتت ليعيش وليدها في أحضان الأمهات كلهن .. ص 14 ".
فإذا حذفنا لفظة أم مما سبق ووضعنا لها المرادف اللغوي وهو الأم بمعنى الرأس لرأينا أن الأم في الاقتباس الأول والأم في الثاني يمثلان رأس الراوي، ونكاد نزعم أن كل كلمة أم وردت في الرواية أراد بها المؤلف معنى الرأس ، وعلى ذلك نستنتج أن الراوي داعبت رأسه فكرة الانتفاضة منذ العاشرة، وحينها انصهر في أحضان الأمهات / الرؤوس كلها .
يعني ذلك أن الراوي قد انصهر مع بقية أبناء البلدة في الجنون / الانتفاضة ، لكننا نعود في نصوص أخرى لنراه يقول :" قصص كثيرة يمكن أن يرويها عن الجنون في بلدته الغافية على مآسي الكون كله ..لكنه لا يستطيع أن يكمل ويتوغل كثيرا في هذا الجانب ، لأنه يخاف على عقله ، يخاف أن يحدث له ما حدث لهؤلاء ولغيرهم .. يحمد الله ! مازال يدرك أنه عاقل يحسن التصرف ، ويقيم العلاقات المتوازنة مع الآخرين ص 16". يعني ذلك أن الكاتب وإن اعترف للبلدة بالجنون ، وحبذه بل شجعه وانصهر به ، إلا أنه يحمد الله على أنه بعيد عنه ؛ لأنه يعرف عاقبة المجانين:" الجنون يا سادة أخطبوط يلاحق أفكاري المندمجة بمآسي بلدتي الكثيرة ، فلا أجرؤ على أن أخوض في تفاصيله المرعبة ، ودائما يرددون في تجمعاتهم : المجانين في نعيم والعقلاء في جحيم !!فهل حقا نحن في نعيم ؟! أعني هل المجانين في نعيم كما يدعون ص22" .
إن الراوي يواري جنونه لما يجره من ويلات مما يعني مزيدا من الإدانة لإسرائيل . وهكذا نستطيع أن نحل التعارض في موقف الراوي الذي حمد الله على سلامته من الجنون في النص السابق كما أنه أثبته لنفسه في نصوص أخرى ، يقول : " لم أكتب عن الجنون؟هل أريد أن أعلي من شأنه..أم أكتب رواية عن حياتي الممتدة في مسالك الجنون الإبداعي بعد تلك الحادثة لأشكر سيدة النساء على ما فعلته من أجلي … ربما أحاول التكفير عن أشياء كثيرة قيلت عن جنونها الذي بدا لي عقلانيا في نهاية المطاف ص22 " ثم نراه يقول ناسبا الجنون لنفسه :" أحد أفراد عشيرتنا – أقصد عشيرة المجانين- طار عقله إلى حد الخروج عن كل مألوف ص22 " .
2 . البلدة /بني نعيم وسيرة فلسطين
على الرغم من أن الكاتب يحاول استبعاد اسم فلسطين من الرواية ، ويحاول قصر المكان على مدينة متخيلة فيها عندما يقول :" البلدة التي تنتمي إلى كل التواريخ الفلسطينية المنحدرة منذ الكنعانيين العرب إلى اليوم ص31"، إلا أنه في الوصف التالي لا يدع مجالا للشك على أن البلدة مدار اهتمامه هي فلسطين ذاتها يقول :" تتمدد بني نعيم على هضبة منبسطة كخيمة الصلاة تحيط بها الأودية من كل الجهات ، تجري منها المياه في الشتاء الخصب إلى البحر المالح،آخذة معها أحيانا بعض الغرقى لتعيدهم بلا حياة ، لكن الخصب في أزمنة الخير يجعلها ربيعا ترتدي ثوبها الأخضر المزركش بالألوان كلها، كأنها عروس ترقص في ليلة زفافها !!وجمالها الأخاذ يطيرّ العقول لمن لم يعرف كيف يحسن التصرف مع معشوقته الضائعة التي وجدها صدفة في واحة صحراوية تنتظره كأميرة لم يمسسها بشر ولا جان منذ قديم الزمان ..فهو إن لم يحسن التصرف مع كنزه الثمين طار عقله بلا رجعة ص 31-32" .
النص على طوله دال على أن فلسطين تعيد الحياة إلى البحر الميت بما تقدمه من غرقى شهداء أو غرقى خائنين ، ومع ذلك ينتقل فجائيا إلى تصوير عروس في ليلة زفافها، ويأخذه المشهد إلى أنها كنز إن لم يحسن التصرف معها طار عقله ( لنلاحظ أن الكاتب لم يقل " جن" ولكنه استخدم (طار عقله) لحرصه على إيصال معنى الجنون السابقة الإشارة إليه ).
ويستدعي لفظ الكنز لدى الكاتب قصصا كثيرة من قصص البحث عن الكنز مثلما استدعى لفظ الجنون قصصا كثيرة من قصص الانتفاضة ، والكاتب يستغل التداعيين في التأريخ لفلسطين ، ويبدو أن مرحلة الكنز هذه تمثل مرحلة الثورة فيما قبل الانتفاضة، والتي تبدو -كما تشير دلالة الكنز - إلى أنها كانت مختفيةتماما ، كما يكون الكنز مدفونا ، وسوف نستعرض فيما يلي ردود أفعال أهل القرية من الكنز أو بالأحرى من الثورة ،وذلك على النحو التالي :
1- " أحد الرجال رصد كنزه مرات ومرات حتى خرجت له من بين الحجارة العملاقة فتاة جميلة .. رقصت له ، تخلع ملابسها شيئا فشيئا .. وما أن وصلت إلى القطعة الأخيرة.. حتى صرخ بلا وعي :" انستري يا مستورة" .. أغمض عينيه ،وما أن فتحهما حتى اختفت في جوف الأرض إلى الأبد ..بعد الصحوة أدرك غباءه المنبث في تلك العبارة:" انستري يا مستورة"! ضيع عليه فرصة العمر.. لو أنه تركها تخلع القطعة الأخيرة،وحافظ على رباطة جأشه لتحولت مباشرة إلى كنز من الذهب ، ولأصبح أغنى الأغنياء..لكنه تعجل..طار عقله .. نسي نفسه .. ضيع سنوات الرصد الطويلة هباء منثورا .. فقد ثمرة الحياة المرفهة؛ فجلس فقيرا معدما، يعمل ناطورا للقصر الأثري الذي غاصت في باطنه فتاة الذهب التي لن تظهر له بتاتا.. هكذا يبدو الذهب للحالمين كنوزا نسوية مخفية في أعماق الأرض ص32 ".
يظهر النص السابق كيف تولدت الفتاة / الكنز / الثورة في نفس الرجل الذي بحث عنها لكنه فشل في أن يتواصل معها ، لقد خاف ، ولم يحافظ على رباطة جأشه ، خاف أن تتعرى ثورته: صرخ فيها : انستري يا مستورة، هكذا فإنه يفقد ثورته إلى الأبد ؛ لأنه لم يستطع أن يخصبها فانزوى ناطورا في القصر الذي غاصت في باطنه الثورة ، ترى ماذا كان يحدث لو لاقاها وأخصبها ؟ يقول الراوي :" ولو تركها تخلع القطعة الأخيرة لأصبح أغنى الأغنياء" والغنى هنا ليس غنى المال ، ولكنه غنى النفس الثائرة ، يقول في موضع آخر يوضح احتمالات صبره عليها:" لو صبر لكانت هي التي هرعت إليه بعد أن تصير امرأة حقيقية.. لن يكون بمقدورها أن تختفي ، ليس أمامها إلا أن تتحول إلى كنز أو إلى امرأة حقيقية .. حينها يصحو من نومه فلا يجد جواره سوى بقايا طيف امرأته التي رحمها الله ص41" ، معبرا بذلك أن رحمة الله سوف تلحق هذه المرأة من جراء الخصوبة التي تجدها عند ذلك الرجل .
2 – "بعض الباحثين عنه اشتروا الآلات الطنانة ..طنت في أية بقعة وضعوها عليها ، حفروا ، لم يجدوا إلا التوافه ص33" . يشير هذا النص إلى طريق آخر من طرق الثورة وهو الطنين أو الثورة الصوتية، أي من خلال الشعارات الطنانة، وهؤلاء كما يقول المؤلف لم يجدوا إلا التوافه .. فأدركوا " أن وصية الجد .. تحمل سرا لا بدّ أن يكشفه بعضهم يوما ما ص33" .
3- " ومع ذلك تروى قصص كثيرة عن غنى رجال وجدوا جرار الذهب بالمصادفات.. يقال إن أحدهم بعد أن فجر من تأجر من العمال بالديناميت الصخور في أرضه ..تطاير الذهب مع الحجارة ، افتعل صراعا حادا مع زوجه . . في صباح اليوم التالي حمل الذهب ، وسافر إلى دولة مجاورة ، فغدا واحدا من أثريائها ص33" . يشير النص السابق إلى هؤلاء الذين هربوا بثورتهم إلى الخارج ، ولم يستطيعوا أن يقيموا ثورتهم بالداخل .
4- "آخر اشترى أراضي كثيرة ، دون أن يحترف مهنة أو يعمل بأجرة عند الآخرين، فقيل إنه وجد جرة الذهب في أرضه القديمة .. رويت القصة هكذا : وجد العامل الذي كان يحرث أرضه جرة مدفونة ، أخبره بالأمر ، واتفقا على أن يأتيا معا في الليل ، ليستخرجاها،ويقتسماها مناصفة ، لكن صاحب الأرض خدع عامله، فسبقه إلى الجرة.أخذ الذهب،ووضع مكانه الحجارة ..لما جاءه العامل،ذهبا معا إلى الجرة . أظهر صاحب الأرض خيبة الأمل، لم يصدقه العامل ، والعامل كما قيل ابن أخته.. لم يصدق الكذبة ، أخبره قلبه أن خاله خدعه ، جن جنونه باستمرار وهو يراقب تحسن حال خاله تحسنا لافتا لكل الأنظار ، وهو لم يحصد من أحلام الجرة إلا ذكريات الخديعة ص 33" . وهذا النص يربط أيضا بين الذهب والحجارة ربطا سوف يكون له دلالته فيما بعد ، كما يلاحظ ارتباط البحث عن الكنز بالليل، بما يدل على استتار الثورة، ومن ثم فإن نتيجتها كانت خيبة الأمل، وثمة إشارة تشير إلى أن حالة خاله تحسنت تحسنا لافتا بما يشير إلى أن هذه الثورة أيضا لم تجد؛ لأن صاحبها استغلها لصالحه : اشترى أراضي كثيرة دون أن يحترف مهنة أو يعمل بأجرة عند الآخرين ص33 " . وهو نفس ما حدث لشخص ثالث "كان ينام نهارا ، ويحفر ليلا حتى وجد الكنز الذي تحول إلى عمارة وثلاث زوجات، وحياة بلا شغل أو مشغلة ص34".
وهكذا تنتهي كل محاولات البحث عن الكنز / الثورة لأنها لم تتم إلا في الخفاء: "حفر الناس أماكن كثيرة في الخفاء ،وطمروها يقال : إنهم لم يجدوا أكثر من الجماجم البشرية ، وربما بعض الأواني الفخارية التي وضع القدماء فيها الماء والطعام للموتى في قبورهم ص34 " وهو نص لافت يشير إلى أن الأفكار الثورية فيما قبل الانتفاضة كانت مجرد أفكار للقدماء وضعوا فيها الماء والطعام للموتى / الثوار .
ولعل مما يؤكد انصراف دلالة الكنز على الثورة بالإضافة إلى النصوص السابقة ، أن اليهود كانوا يبحثون عنها في كل مكان ، بحجة أنهم يبحثون عن الآثار العبرية، بل إن بعضهم كان يبيعه إليهم ؛ أي يبيع الثورة إليهم على نحو ما رأينا في النص قبل السابق ، بان ذلك في حواره مع أمه / رأسه :" عددت لي أسماء كثيرة لأناس وجدوا كنوزا .. قلت لها : لا تصدقي هذا الكلام.. الناس ما وجدوا إلا الفخار والقطع الأثرية الرخيصة .. والمشكلة أنهم يبيعونها لسماسرة اليهود الذين يزورون تواريخنا كلها بطرقهم الخاصة ص 35".
ونريد كما استعرضنا موقف الراوي من الجنون أن نستعرضه مع الكنز / الثورة المختفية ، وهو ما يتضح من حواره مع أمه / رأسه التي حاولت أن تقنعه بالبحث عن الكنز حتى يغتنى :"قالت ..أريدك عندما تنهي دراستك وتعود إلى البلد أن تنصب خيمة فوقها ، تحفر في الليل ، وتغطيها في النهار، أنا متأكدة مئة بالمئة أن فيها كنزا،ربما يكون أحسن كنوز البلدة،أرضكم هذه جوهرة،أرض آثار، إن بحثتم وتعبتم في البحث لابد إن شاء الله أن تجدوا فيها كنزا زي الناس اللي وجدوا…لم تعرف أمي أن المغارة حفرت مرات وأن اعتقادها بكونها مغارة بكرا ليس له أصل فعصابات الحفر المتعاونة مع دائرة الآثار الصهيونية حفرت أماكن كثيرة .. ربما من ضمنها مغارة أمي من زمن بعيد ص35". يشير النص السابق إلى أنه جرب الثورة / الكنز مرات ومرات لكنها لم ترقه، وأن اليهود حفرت كنزه مرات ومرات ؛ ومن ثم فهو يقول لأمه بعد أن عرضت عليه أن يبحث عن كنزه في غرفته لا منشاف ولا من دري ، يقول لها :" غير ممكن أن أحفر البيت من أجل كنز وهمي ، أنا يا ستي لا أريد الكنز ص37 ".إنه لا يريد ثورة وهمية ، كنزا مختفيا، ومن ثم فإنه ينتقل إلى بديل آخر وتنصرف أمه / رأسه إلى عمل آخر :"نسيت أمي الكنز أو ربما تناسته .. انشغلت زمنا بكنز الزراعة .. لم تعد تصبر على مساحة أرض فارغة من زراعة الزيتون.. قلت لها مازحا:أليس الزيتون هو الكنز الحقيقي؟ ص37".لكن أمه / رأسه ردت عليه بشيء من التذمر:سأعلم أولادك "كيف يبحثون عن كنز جدهم "بما يشير إلى أن رأسه رغم ميله إلى الزراعة / السلام لا زالت تميل إلى الثورة .
ومن البحث عن الكنز الثورة المختفية ، ينتقل الكاتب إلى الكنز الحقيقي / الانتفاضة في رصد لتحول الناس من البحث عن الذهب إلى البحث عن الحجارة :" أخيرا وجد الناس كنزهم الحقيقي .. كان هذا الكنز ذهبا أبيض ، ذهب الحجارة البيضاء الناصعة التي تستخرج من باطن الأرض لبناء بيوت الحجر البيضاء الجميلة ص37". يقول عن أمه / رأسه : "ربما أدركت أن جدي قصد بالكنز الحجارة ناصعة البياض ص37 ".
ونريد كما استعرضنا موقف الكاتب من الكنز/ الثورة المختفية أن نستبين موقفه من الحجارة / الثورة الحقيقية. يرى الراوي أن هذا الكنز رغم حقيقيته ورغم نصوعه إلا أنه وقع غدرا في أيادي المستغلين، ومن ثم فهو يقول وعلى طريقة النقد الذاتي :" جن جنون الناس وهم يبحثون عن الحجارة البيضاء.تحولت البلدة إلى حفر متناثرة في كل الأمكنة،اتخذت الحجارة مستويات متعددة من الجودة،وتفاوت الأسعار،وتنوعت أشكال البنايات..انتثرت السيارات أمام الفلل ، ضاقت أوقات الناس،كثرت المشكلات والتناحرات، لم يعودوا يفرطون بشبر أرض من أجل طريق عام،فالشبر كومة فلوس كما يقولون ص39" . وهكذا أصبحت الثورة الحجرية مجالا للتفاوت ووقعت بين فريقين :
الأول : لم يفرط بشبر أرض من أجل طريق عام ، أو توجه عام يوحد بين الجميع على مستوى سياسي .
والثاني : مستغل ضارب بالثورة من أجل تحقيق مصالح خاصة :" الكنز الأبيض سلبهم عقولهم.. الاستثمار أكل قلوبهم بالغيرة والحسد والبحث عن المصالح والمضاربات ، والاتفاقات المعقدة ص 39". لقد استغلوا انتفاضة الحجارة لصالحهم ، ومن ثم فهو يصرخ فيهم : " ...يا ناس يا عالم يا هو لن تأخذوا شيئا من هذه الكنوز إلى قبوركم التي بنيت بالحجارة غير الجيدة ص39". إنهم باعوا الحجارة لليهود أو بالأحرى باعوا ثورة الانتفاضة لليهود:"يتنغص كنز الحجارة بمستعمرات الاحتلال التي تتربع على الأراضي المرتفعة الأجور حجارة في العادة،لكن لا بأس فاليهود يشترون الحجارة ويبنون مستوطناتهم ص.." .لقد بيعت الثورة الحجارة التي صنعها الصغار ، أما الكبار فقد باعوا أنفسهم " أليس هذا جنونا أعمق من أي جنون : نقذف الحجارة الصغيرة على دباباتهم في مواجهة البنادق والرشاشات ونبيعهم الحجارة الكبيرة لبناء مستوطناتهم، عجيب أمرنا في مواجهة عدونا ؟ ص 39" .
وهكذا يشير ابن عامر بأصابع الاتهام إلى هؤلاء الكبار الذين باعوا أنفسهم كأحجار كبيرة بالأنانية والمصالح الذاتية : لماذا يا ناس أكلتكم أصابع الأنانية ؟! العدو من أمامكم .. والموت من ورائكم .. جن جنونكم .. وابن عامر لا يقص سيرة ذاتية؟! إنه يحكي سيرة بلدته .. سيرة الخراب الذي حول السجادة الخضراء إلى أرض غبراء أكلها البور والحفر والشاحنات والشوارع الضيقة والطوش الكثيرة وبقايا الجوع وبيع الحجارة للأعداء ص 41 ".
3 . حانا ونموذج الخائن ونقد المجتمع
بعد أن استعرض الكاتب تاريخ فلسطين رمزيا في الفصل السابق منذ بدء التاريخ وحتى مجيء الانتفاضة، وذلك في الصفحات من 4152 ينتقل إلى فصل بعنوان: حانا ، وهو أحد طرفي المثل الذي أقام المؤلف حوله روايته ، وهو : بين حانا ومانا ضاعت لحانا، وهو لا يلبث في كل مرة أن يذكرنا بقوله مفسرا المثل : " قالت العامة بين حانا ومانا ضاعت لحانا: يعني ضياع الناس بين ما يفعله بهم حانا الخائن وما يفعله بهم مانا الانتهازي " وكأن المؤلف يريد أن يقول لنا: إن تاريخ فلسطين بل تاريخ الدول العربية كلها – وعلى نحو ما سيتضح –آل إلى هذين الرجلين : حانا ومانا، أو الخائن والانتهازي. فما أبعاد شخصية الخائن حانا كما رسمها المؤلف؟وكيف وجدت في فلسطين؟
بداية لا يظهر حانا فجاءة مع بداية هذا الفصل، بل سبق وروده في الفصلين السابقين( انظر مثلا ص 23-26 في الفصل الأول ، وص42-43، 51 من الفصل الثاني ) بما يعني أنه هو وأخوه شخصيتان متغلغلتان في تاريخ الانتفاضة بل وفلسطين كلها .
والكاتب ينفي أن يكون حانا فلسطينيا، أو من أبناء بلدته بني نعيم، وعلى الأقل جاءت أمه/ رأسه من بلاد بعيدة، يقول له أبو نعيم مدير الاستخبارات الإسرائيلية الذي جره إلى الخيانة ، وتلبس باسم بلدة بني نعيم، وهو اسم دال على تجرؤ الإسرائيليين الذين لم يقتصروا على استعارة الاسم فقط ، بل اعتبروا أنفسهم آباء للأبناء. فالرجل اسمه أبو نعيم في مقابل القرية التي اسمها بني نعيم ، يقول شارحا له كيف تكونت أمه / رأسه قال " سألتني مرات كثيرة عن أصلك وفصلك ، عن أخوالك اليهود ، وأعمامك العرب ..القصة أن جدتك ( أم أمك ) جاءت من اليمن مهاجرة مع مجموعة من اليهود ، تركت زوجها المسلم هناك ، حملت معها أمك.. كانت أمك مسلمة ، ولم تسلم جدتك ، لا أعرف لماذا أصرت أمك على أن تبقى في الإسلام ، ربما ندمت جدتك على مجيئها إلى إسرائيل ، حنت كثيرا للعودة إلى اليمن . الكثير من الهاجرين حنوا إلى العودة ، بما فيهم أنا !! نحن كما تعرف نعتبر الولد للفراش ، أي للأم ، أمك رغم أبيها المسلم فهي يهودية ، لكنها كانت تصر على أن تبقى مسلمة ، لذلك تزوجت رغما عنا مسلما من بئر السبع،هربت معه ، قتلناه فيما بعد ، ثم هربت إلى بلدة "بني نعيم" ، أو بالأحرى إلى" بني جحيم " كما تسميها ، بقيتْ تحت أنظارنا ، وبقيتَ أنت أيضا تحت أنظارنا ، لقد قررنا أن ننتجك وسطهم" ص65 .
يشير النص إلى أن تكوين حانا العقلي كان مختلفا ومختلطا ، لقد تركت جدته ( رأسه الأصلية وإن كانت يهودية شاذة بلاد اليمن السعيد – مشيرا إلى هجرة رأسه من السعادة إلى الشقاء ، أما أمه / رأسه فكانت تحن إلى هناك ، وإن كانت تدين أصلا بفكر يهودي؛ لأن الابن عندهم – كما يقول أبو نعيم – للفراش ، فهي مسلمة بالوجود يهودية بالانتماء اليهودي – ومن ثم فإن تكوينه مزيج من الفكر الإسلامي( فكر أعمامه وأجداده) والفكر اليهودي الذي تربى عليه ) يقول الراوي : " وقيل عن حانا ومانا أنهما أخوان ولدتهما امرأة جاءت هاربة إلى القرية قبل سنوات طويلة هربت من هناك بسبب أنها أضاعت شرفها " ص 270 . يعني ذلك أن الراوي ينفي أن يكون هذان الشخصان أو أمهما / رأسهما على الأقل من داخل البلدة ومن ثم فإنهما لا ينتميان إلى هذه البلدة ، إنهما يحملان أفكارا تختلف عن أفكار هذه البلاد وإن كانا منها .
ولكن المؤلف رغم نفيه أن يكون حانا ومانا من أبناء هذه البلدة ؛ إلا أنه يحل المجتمع مسئولية انحرافهما ؛ لأن مجتمع القرية قد تركهما نهبا لليهود . يرى المؤلف أن الفق وعدم إحساسهما بالانتماء هما اللذان أوقعهما في ذلك يقول على لسان حانا : " تعمل أمي ليل نهار في خدمة سيد الكرم الذي يظهر لنا عطفا مزيفا وفي بعض الليل تخيط الملابس أو ترقعها " ص 56 . لقد وقعا نتيجة الفقر في أيدي صاحب الكرم ( الكرم تحمل دلالة مزدوجة : الكرم = التكافل والسخاء والكرم = عنبا تصنع منه الخمور ) بما يعني أن كرمه كان مزيفا أو أن عنبه يؤدي إلى العربدة واستتار العقل ، وبعد العمل ترقع أمه الملابس لعلها تريد أن تخفي عري الفضيحة والتعاون مع إسرائيل .
ويقول في موضع آخر :" كيف تريدونني أن أكون إنسانا سويا بعد أن تشربت الحقد مع كل حبة عنب خضراء أو حمراء أو صفراء أو سوداء أو متداخلة الألوان..يقولون :حانا لا ينتمي إلى بلدتنا .. هذا ما ردده أصدقاء طفولتي .. اللعنة كيف أصفهم بأصدقاء الطفولة .. إنهم على الوجه الأصح أعداء طفولتي ..من قال: إنني عشت طفولة سعيدة حتى أتوقع العلاقة الحميمة بيني وبينهم ص56". لقد كان على المجتمع أن يحتوي حانا. إن انعزال حانا الشعوري والنفسي، بل والمكاني عن المجتمع ، جعله يسقط أمام أول إغراء من أبي نعيم حينما دفعه إلى العهر ، إذ شعر أنه ينتمي إلى عالمه الموبوء ، ينتمي إلى فخذي إستر الصهيونية ص 57، لقد كان لحانا استعداد لبيع أية قيمة مقابل خلوة معها لكي يجرب على الأقل ، يقول لأبي نعيم :" قلت له اسمي "حنانيا"، استغرب الاسم ، لكنه ادعى تصديقي ..ليس في هذه البلدة اللعينة كلها اسم حنانيا ، ومن أين لها هذا الاسم الذي هو أقرب إلى الأسماء العبرية " ص57.
وهكذا ينصاع وراء أبي نعيم ، في صورة تتبدى فيها مخططات اليهود في الاستيلاء على عقول الشباب ، خاصة المشوشين منهم، الذين قهرهم المجتمع ماديا ومعنويا ، وعلى استعداد للتنازل في أي وقت ، مقابل أبسط الإغراءات خاصة وأنه لم يتم احتواؤهم يقول حانا مصورا حكاية الضياع :" ليلة صاخبة مع شلومو في أحد فنادق القدس مكافأة اللقاء الأول الذي جمعني مع "أبو نعيم" ، وشلومو هذا لم يكن رجلا ، هو تلك المرأة الجميلة التي راودنا بها "أبو نعيم" الكلب عن نفسها قبل أكثر من عام .. كنت بكرا وشلومو سيدة مجربة ، تعرف كيف تمتص قطرات اللذة ، أو هذا على الأقل ما شعرت به معها ، إذ ما زالت حلاوة سم ذلك اللقاء تحاصرني ، رغم أنه اللقاء الذي أظهر عنكبوتيتي البغيضة على وجهها المتقيح " ص60.
يتبدى من وراء هذا النص زيف الوعود الإسرائيلية ؛ إذ إن هذه المرأة لم تكن خالصة الأنوثة، فقد كان اسمها اسم رجل :" لو أنهم لم يسمونها شلومو !! حاولت أن أعرف اسمها الحقيقي ، رفضت ، ادعت أن شلومو هو اسمها ، ثم طلبت مني أن أسميها الاسم الذي أراه مناسبا ، فسميتها رشيل" ص64.وهو نص يعكس رؤيتهم ، فليس مهما عندهم مع من سقط ، المهم أنه سقط . كما يبين أن حانا أراد تحقيق حلمه وهميا ؛ فأسماها باسم أنثى ، ثم تتطور العلاقة مع شلومو فتحمل منه ص63، بما يبين أن سقوطه معها أخصب ونجح الإسرائيليون تماما في توريطه معهم ، وفي هذه اللحظة يملي أبو نعيم شروطه عليه ، ويكلفه بالعمليات التي عليه أن يقوم بها ص67. ثم يستعرض صور خيانته التي نفذها فعلا ص 70-73. وهي كلها تبين قذارة العمليات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني ، ثم ينكشف أمر حانا للجميع بانتحار الشاب خالد الجابري الذي كتب في اعترافاته كيف ورطه حانا في العمالة لصالح إسرائيل ، وهو اتهام جعل الناس يبتعدون عنه، حتى اعترف بجرائمه أمام لجنة الانتفاضة، حتى يتخلص من الإيدز الذي أصابه من مضاجعته مع الشقراء الكندية، التي دفعها الجهاز إليه، وهو تطور يدل على أنه حمل فيروس الخيانة الذي أماته أو سوف يميته ص92. وبدلا من أن تحكم عليه لجنة الانتفاضة بالإعدام- كما طلب هو – نراها تعطيه صك الغفران ص69، بل وتعينه " أحد المفاوضين في اتفاقيات أوسلو بوصفي الخبير السابق في الشئون الإسرائيلية " ص 69. والسبب الحقيقي وراء ذلك هو غنى حانا، الذي جعله يستطيع إغراء السلطة الفلسطينية ورشايتها ، وهي كلها نصوص تعكس ثقافة الانتفاضة في إدانة السلطة، وتبيّن رفضها اتفاقية أوسلو بل إدانة الوضع العربي كله ، يقول حانا :"أضع نفسي أمامكم الآن بعد هذا الاعتراف الذي هو غيض من فيض لتقرروا الحكم ، فإن كنت خائنا لعينا ، فتذكروا أنني محدود الإجرام قياسا إلى بعض زعمائكم" ص 75 . إن حانا رغم خيانته يرى أنه محدود الإجرام قياسا إلى بعض الزعماء فما بالنا بجرائم الزعماء أنفسهم ؟!
4. مانا ونموذج رجل السلطة :
يعرض الراوي في هذا الفصل لشخصية مانا الانتهازية ، وهو يكشف منذ البداية عن تسلقية مانا، من خلال تمنيه أن يكون له اسم غير الاسم " لا أعرف ،كان الأجدر بهم أن يطلقوا عليّ اسم كرم أو دالي أو وعر أو أي اسم آخر ينتمي إلى هذه الطبيعة الجميلة رغم أنني لا أمتلك منها شيئا ص78" وكرم –دالي –وعر ، كلها أسماء توحي بالوصولية والانتهازية والتسلق كما أن النص يحمل إيحاء بفكره ، فهو من المؤمنين بأن الطبيعة هي التي خلقت الناس ، وفقا لأحد المذاهب الشيوعية :" أنا كنت وما زلت أعتبر نفسي شجرة ولدت بين ثنايا الطبيعة التي أراها الجمال الحقيقي في الحياة ص 79" . أما أمه فليس له أم في نص (ص 79)وأمه فقيرة في نص آخر( ص 77) ، أو أن أمه أتت من بلاد بعيدة في نص ثالث (ص79). وإذا اعتبرنا الأم في كل بمعنى الرأس أو الفكر ، أو أن فكره فقير ، أو أن فكره جاءه من خارج البلاد، وليس فكرا عربيا أو فلسطينيا، لكن مانا لا يترك الفرصة دون أن يقوم بنقد المجتمع أيضا ، ذلك الذي ألجأه هو وأخاه حانا للانحراف فالفقر هو الذي دفعهما للخيانة والانتهازية:" لا أرض أملك ، ولا ثمر أجني.. فقط سقيفة داخل كرم تعمل به أمي، وأنا مع حانا نعمل معها لنعيش على الفتات ..بل تصلنا أحيانا صدقات البلدة التي بدت مؤخرا تشعرنا بالعار 80".
الفقر إذن هو الذي أوجد مانا وحانا في المجتمع ، ومن ثم فإن مانا يقرر أن يتحول غنيا ، فيحتال حتى يصل إلى الفدائيين ، ويعمل معهم ، إلى أن يتم اعتقاله ص85. حيث كان ضحية لحانا، الذي أرشد عنه بما يعني أن الخائن يخون أخاه الذي تربى معه تحت سقيفة واحدة، أو دائرة فكرية واحدة بمعنى آخر، وحينما خرج من السجن قرر أن يكون غنيا فلا يجد إلا الانضواء تحت لواء السلطة التي فتحت المجال لهؤلاء المرتشين ، يقول : "الرشوة صارت الطريق إلى بناء حياتي الجديدة ، خاصة بعد أن استلمت منصبا أمنيا مهما في الاستخبارات الثورية العامة .. حتى أخي حانا لم يسلم من تحقيقي معه بطريقة غير مباشرة .. اعترف للجنة التي عينتها للتحقيق معه .. عرفت كل شيء .. لم أتفاجأ ، لكنني استغربت أن يكون بمثل هذا السوء .. شهادة براءة لا بأس .. الأجدر إحالة بعض أعماله لأجل الثورة .. ثروته كبيرة .. رشوته لي أكبر .. الفيلا الفخمة التي سكنتها أول حياتي المترفة ، هدية منه ص 86". وهو نص يكشف عن جرائم السلطة في قبول الرشاوى ي من أكثر الناس إساءة للقضية " حانا" كما يكشف عن التقارب في المنهج بين حانا ومانا الخائن والانتهازي، ثم يكشف عن الجرائم التي قام به مانا تجاه الفدائيين (ص 86 ). وموقف السلطة الفلسطينية منها (ص 92)،والتي بدلا من أن تنفيه جعلته أحد مفاوضي أوسلو بعد أن جعلته وزيرا (ص 94 ).
5. سعدة ونموذج التحرر غير المرغوب
على الرغم من أن الراوي يقرر مرات كثيرة أهمية المرأة في النضال ( ص116 وص119 مثلا) إلا أنه يرفض من خلال رفضه لنموذج سعدة. ذلك التحرر النسوي والفكري الذي يجعلها قريبة من أفكار وطبيعة الرجال. يقول المؤلف عن سعدة وتكوينها العقلي الذي أوصلها لطبيعة الرجال:" بين الأب المحكوم والأم القوية ترعرعت ، صرت قوية كما الرجال، طالعة لأمي التي توصيني دوما:إن لم تكوني أخت الرجال صرت ممسحة للرجال .وصفوني بالذكر ، الخنثى، أبو الشباب ،أبو علي ، الشاب سعد ..قالوا الله يكون بعون اللي بدّو يتزوجها .. معقول هذه يتزوجها واحد ، لازم هي تتزوج مره ، أي والله الشباب أنعم منها . لم يتركوا لي فرصة كي أعيش أنوثتي ، نقمت عليهم ، لعنت البلدة وأتخن شنب فيها ، حقدت على والديّ ، أكان من الضروري أن ينجباني ص 98" .
وهو نص يكشف عن أن رأس سعدة / أمها، هي التي دفعتها للتحرر حتى صارت رجلا وهي من قبلها تحمل المجتمع الذي لم يستقطبهاتبعة سقوطها؛ إذ إنها لم تجد الحب/ الاحتواء من أحد فيها، ووقعت فريسة سهلة في يد حانا الخائن الذي أطراها بكلمات الملاطفة والتدليل ، فانصاعت له، وتورطت بدورها مع الموساد، وأخيرا كشف أمرها انتحار خالد الجابري، الذي ذكر اسمها من بين من ورطوه في التجسس ، حتى قرر أبوها قتلها، وفي كل مرة يفشل، ونتيجة للفضيحة والعري تحاول أن تتخلص هي من ذاتها، فتحاول قتل أحد الجنود الإسرائيليين( رمزا من الكاتب إلى التطهر بدم الخائن الذي أودعها فيروس الخيانة) ، لكنها تفشل ( ربما لأن الفيروس كان قد تمكن منها) ، وتدخل السجن ، وهناك تتعلم لغتين غير العربية، وتقرر أن تعود إلى رشدها، وتكون سنوات السجن بمثابة التطهر النهائي، الذي قامت به للتطهر من جرائمها مع الموساد وحانا ومانا، وبعد خروجها تقرر أن تعمل من أجل الوطن، لكنها لم تسلم من حانا ومانا، ومن ثم استنجدت بالرئيس الذي وعدها بالعمل الوطني والحماية ، شريطة أن تتصالح مع حانا ومانا.
وهكذا وقعت مرة أخرى في حبالهما، ليس بسبب تحررها المرفوض ولكن بسبب السلطة هذه المرة، ومن ثم فإنها لم تمانع من الاستلقاء على فراش مانا( رمز السلطة ) بعد أن أخذت الإذن الرسمي من الرئيس ، وأخيرا تتساءل:"ماذا بإمكاني أن أقرر في هذه الدوامة من المتسلقين والانتهازيين وبائعي الضمائر ؟سأواصل عملي في اللجنة الأمنية ، سأراوغ مع هذا وذاك .. النهر الآسن يجر معه الصالح والطالح ، ص114".
إنها مثل حانا ومانا حملت فيروس الإيدز ( الخيانة) الذي لا يمكن أن يعالج ولا سبيل له إلا الموت:" احذروا أن تقعوا فريسة ليس للموساد فحسب ، وإنما أيضا للإيدز.. هل أخبرتكم بأنني أحمل هذا الفيروس..وأنني نقلته إلى الآخرين .. حانا مصاب به .. مانا المسكين ما زال يكابر ، يدعي أنه غير مصاب .. وربما هو مصاب ويخفي عني ، كما أخفي أنا حالتي عنه .. كلنا في الهوا سوا .. كلنا في "الخرا" سوا ص117" . ولربما عبرت سعدة عن تأنيب الضمير الذي يأكلها، كما يأكل حانا بالإيدز، رغبة من الكاتب في إبراز عقدة الذنب لديهم لأنهم يحسون أنهم ارتكبوا كثيرا من الجرائم لأناس لا يستحقون ذلك ، بما يعني مزيدا من الاتهام للسلطة، لأنهم رغم إدراكهم لحالتهم ما زالوا يعيشون وينقلون أمراضهم لغيرهم .
6. لــحـانـــــا
قال العامة :"بين حانا ومانا ضاعت لحانا" .. يعني ضياع الناس بين ما يفعله بهم حانا الخائن، وما يفعله بهم مانا الانتهازي ..وحانا ومانا ضيعوا الرجال " ، ومن ثم فإن هذا الفصل فيما أعده الكاتب – يخص الرجال أو الشعب، ولا يعنى به الشعب الفلسطيني فقط بل الشعوب العربية جميعا:" يا عالم يا هو : من نحن ؟ ثلاثمئة مليون عام ألفين ولا يهشون ولا ينشون أمام عشرة ملايين يهودي كيف سنصير في هذا العالم المنهار أسياد أنفسنا ؟ .. نحن هنا موجوعون بمآسينا- تمرغت لحانا صرنا في جحيمين جحيم الأعداء ، وجحيم الزعماء ، ما بين حانا ومانا، فماذا نحن فاعلون؟ ص 123 " وانظر كذلك (ص126 ). أي أن الشعوب العربية كلها وقعت بين اثنين حانا ومانا، بل وقعت وكما يقول فيما بعد – بين الثلاثة حانا ومانا ، بالإضافة إلى سعدة المتحررة دون ضوابط، ويأتي في هذا الفصل الحل الذي يطرحه ابن عامر للإصلاح فيما يشكله البيان الذي اسماه الخطوات العشر المطلوبة لمواجهة الألفية الثالثة في وثيقة العشر نقاط التي تجعل صورة لحانا/ شعبنا إيجابية ( ص 123-126). والكاتب يستخدم فيها لغة خطابية تقريرية واضحة بما قد يعني أمرين :
1- أن الأمر أمر جد ولا وقت فيه للعبة المجاز .
2- أن الكيل فاض وليس في مقدور المؤلف أن يخبئ كلامه الذي انحبس داخله طيلة الرواية.
ثم يظهر –فيما بعد- عيوب المجتمع العربي ذاته ، التي جعلته يقع بين هذين الطرفين (ص126)، ومن ثم فإنه يعود ويستخدم أسلوبا تحريضيا ،يثير به حفيظة الناس؛كي يكتبوا رواياتهم عن أنفسهم ،والتي ستكون نسخا مكررة من روايته :"لولا تكلفة الطباعة المرتفعة… لتركت بعد هذا الفصل مئة صفحة بيضاء على أقل تقدير ليكتب فيها المتلقي روايته بخصوص نظرية المؤامرة، أي قارئ يستطيع أن يغني على ليلاه ،وكأنه يغني على ليلى الجميع ص 131" .ألم نقل: إن الهم واحد، والقضية واحدة، والثقافة والمفاهيم واحدة ،ومن ثم فكل يغني على ليلاه؟
7. حانا ديك /مانا ثور / سعدة كبش وتناسل مثلث الخطر
من حانا ومانا ولحانا الذين انتهت إليهم الرواية ، ينتقل المؤلف - وعن طريق تقنية الأمثولة - إلى هذا الفصل، وهو يسوق تمثيلا للسلطات العربية اليوم، وما سوف تكون عليه في المستقبل من تناسل لأنظمتها الفاسدة، في المرة الأولى يبدو الزعيم ديكا والشعب دجاجات، وفي الثانية يبدو الزعيم ثورا والشعب بقرا، وفي الثالثة يبدو الزعيم كبشا والشعب نعاجا. ولا شك أن انحصار الزعماء في هذه الفئات الثلاث يعكس فحولتهم أمام أنوثة الشعب/ الدجاج/ البقر/ النعاج. كأن المؤلف يريد أن يقول : إن الشعب العربي مع أنه يقع في خمس وعشرين دولة واقع تحت هذه الأنظمة الثلاثة ( الخيانة، الانتهازية ، التحرر المفرط) يقول بما يؤكد ما سبق: "ما فعلته في اللوحات الثلاث السابقة ، مع ديكنا الكبير ، ثورنا الكبير ، كبشنا الكبير ، مجرد تغييرات بسيطة في بعض الألفاظ ، لأن السياق نفسه لما يقارب خمسة وعشرين كبيرا في مزارع بيتنا .. بهذا التصور الجحيمي أصبحت حالنا متردية بين حانا ومانا وسعدة .. ضاعت لحانا بسذاجاتها وبلادتها وتلاشي أفكارها المستقلة ص143".
وعلى الرغم من أن كل واحد من الثلاثة ينجب أربعة آخرين ، وينصبهم في مناصب مختلفة، فإننا نراه يقصر منصب الحرس إلى لحانا / الشعب. هكذا يتحول الشعب حارسا أمينا للسلطة التي تغتصبه، وكما يقول الكاتب على لسان ديكنا الكبير مثلا:"من هنا قررت أن يتولى ابني الأكبر " حانا كبش" قيادة عمليات الطوارئ، ويتولى ابني الأوسط " مانا كبش" قيادة الأمن الداخلي، ويتولى ابني الأصغر" لحانا كبش" قيادة الحرس الخاص ، وتتولى بنتنا الوحيدة "سعدة كبش " قيادة شئون المرأة ص142-142". وهو منصب يعكس بلادة الشعب الذي يتولى حراسة السلطة، ويلاحظ أنه ذكر الثلاثة في عنوان الفصل، دون ذكر لحانا، مما يعني أن لا موقع للحانا في الحكم، فلا أمل فيه من قبل الكاتب على الأقل. ويلاحظ أيضا أن الأنظمة تناسلت فيما بينها وأنجبت من الديك حانا ومن الثور مانا ومن الكبش سعدة دون أن يكون للحانا أي أب أو وجود بما يعني أن الأنظمة السلطوية العربية سوف تتناسل في المستقبل دون أي اعتبار للشعب الذي تحكمه / لحانا .
8. ابن عامر وضياع البيت
أخيرا تنتهي الرواية في فصلها الختامي والأخير عند ابن عامر، وكأنها تتجمع عنده لتصب جميعا، ويكون تقرير مصيرها لدى هذا النموذج الذي يشي اسمه بالعمار، وابن عامر لا يحضر هنا فجاءة مع الفصل الأخير لكنه موجود من الفصل الأول ، بل من السطور الأولى فهو الطفل الذي أنقذته رابعة/ الثورة كما يوجد في بقية الفصول بوصفه المعادل الإيجابي المحايث لجرائم حاناومانا وسعدة، والمتابع لأحوال لحانا، والناقم على تناسل مثلث الخيانة، بما يعني أنه منسرب في عمق تاريخ بلاده وبلادنا ، انسرابه داخل إطار الرواية من بدئه حتى منتهاه، أي أن القضية تبدأ منه وتعود إليه لكنه يخص هذا الفصل بالحلم الذي سرقه منه حانا دارا التي أحبها، وخطبت وتزوجت للأعور ابن المختار أثناء غيابه في الدراسة بإيعاز من حانا الذي هدد أباها زارع الزيتون بأنه سيبلغ السلطات عن وجود بندقية لديه .
ودارا التي أحبها ربما أوحت لنا بالدار أو على تقدير أعم بفلسطين، يقول ابن عامر فيما يوحي إلينا بأن دارا هي الدار:" أحب ابن عامر دارا ، الصلة عميقة بينها وبين رابعة- كما أيقن – كلتاهما توحيان له بعلاقة حميمة مع الأرض" فما قيمة ارتباط رابعة ( الثورة) بدارا المحبوبة إنسانا بالأرض ؟ لا شك أن الكاتب يريد أن يوصلنا إلى أن دارا هذه ليست إنسانا بل هي البيت الذي تربى فيه ، ومن ثم فعلاقته بالأرض والثورة عميقة، ثم أليس من المؤكد لذلك أيضا ، أن أباه متزوج من دارا أيضا؟
المهم أن دارا هذه يأخذها ابن المختار الأعور ( ربما مناحيم بيغن – أو أي إسرائلي بعين واحدة رغبة من الكاتب في إبراز القبح والدمامة ، وإثارة التقزز لدى القارئ مع الإشعار بقصص الجن الذي يصور في الموروث العربي بالشق والعور واختلاف الخلقة عن الناس) ابن المأذون ( المأذون = المأمور= الآمر من خلال تطبيق قاعدة جواز أن يكون اسم المفعول بمعنى اسم الفاعل فيكون الصبور بمعنى صابر والمأمور آمر ،لدينا في مصر مثلا منصب المأمور وهو الآمر بلا شك ) ،ومما يؤكد ذلك أن التهمة التي مسكوها على والد دارا ( بندقية ألمانية حارب بها الإنجليز واليهود أثناء اجتياحهم لبلدتنا ص151".
إنها بندقية تاريخية إذن ، شهدت تاريخ فلسطين بين الإنجليز واليهود، ووصلت إلى ابن المختار (المأذون) الأعور كنوع من الانتقام الموجه من حانا إلى ابن عامر، لقد أراد الانتقام منه من خلال الدار التي ساعد اليهود على أخذها من أبيه ، ومن ثم فإن ثأر ابن عامر لدى حانا الخائن واليهود كذلك . يقول ابن عامر في آخر كلمات الرواية:" مكبل بآلاف القيود التي تجعلني أفكر وحيدا:كيف أنتقم لموت رابعة التي أحببتها أكثر من أمي بعد أن ولدتني بصرخة الرعد،فكانت جنازتها عوضا عن جنازتي؟!كيف أنتقم لاغتصاب دارا التي أحببتها كما أحببت شجرة الزيتون.زرعت معها قبل سفري زيتونة صغيرة،قلت لها: عندما تنتج دارا الشجرة "تنكة زيت"سنتزوج.لن يطول الأمر ؛خمس سنوات على الأكثر .. اغتصبها مني الأعور الخائن بعد خمسة أيام من رحيلي .قهقه حانا في ضلوعي كما الجحيم !! جنت دارا هاربة صارخة عارية تستصرخني،لا أملك لها غير أغنيتي الحزينة : " يا دارا دوري، دوري في ضلوعي دوري ، في دمي، أحشائي، قلبي، ذاكرتي، كتابي .. دوري".. دوري حتى يصفق معي الآخرون تصفيق الثأر، لا الشعارات!! ص156".
وفي النهاية :فإني أهنئ الكاتب على أنه استطاع -من خلال إعادة النظر في مثل شعبي بسيط أن يبدع من التاريخ أشخاصا ومن الأفكار ذواتا ، مؤكدا أن الإبداع مقاومة في زمن الدعة والبلاهة والاستهلاك، فهل نحن قادرون -ومن خلال إعادة النظر في أشياء بسيطة كثيرة بيننا -أن نصنع من أنفسنا أشخاصا وذواتا لا مجرد أفكار وتواريخ تنتظر من يبدعها ؟آمل ذلك .
الهـــوامــــش :
(1) أقصد الفترة التي نشر فيها د . عبد الله الغذامي كتابه: النقد الثقافي دراسة في الأنساق الثقافية العربية ، المركز الثقافي العربي، بيروت ، الدار البيضاء، ط1، 2000.
(2) الأبحاث المنشورة بالعربية في النقد الثقافي وعنه لا تتعدى أصابع اليدين، أغلبها مراجعات وطروحات حول مشروع الغذامي ، راجع:
1- د. عبد الرحمن السماعيل ( محررا) : الغذامي الناقد قراءات في مشروع الغذامي النقدي، كتاب الرياض، عدد97-98، ديسمبر2001-2002.
2- مجموعة من الباحثين : عبدالله الغذامي والممارسة النقدية والثقافية، مؤتمر الشارقة، نشرته المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، 2003 .
3- عز الدين إسماعيل (محررا) : مؤتمر الجمعية المصرية الرابع للنقد الأدبي بجامعة عين شمس بعنوان: النقد الأدبي على مشارف القرن ، ط1، سنة 2003، والمؤتمر الخامس عن النقد الثقافي سنة 2004 ، ولم تنشر أبحاثه بعد .
4- د. عبد الله إبراهيم : النقد العربي والمرجعيات المستعارة،المركز الثقافي العربي، بيروت ، ط1 ، 1999.
5- مجلة فصول ، صيف 2004.
6- مجموعة مقالات منشورة عبر الشبكة العنكبوتية، في مجملها متابعات ومراجعات لمشروع الغذامي .
7- د. يوسف عليمات : جماليات التحليل الثقافي، الشعر الجاهلي نموذجا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ، 2004 .
8- د. حسين المناصرة : ثقافة المنهج : الخطاب الروائي نموذجا ، الدار المقدسية، حلب، ط1، 1999.
أما الأبحاث المترجمة فهي :
1. إيزابرجر : النقد الثقافي مبادئه ومفاهيمه ، ترجمة أمينة إبراهيم ، مراجعة د.رمضان بسطويسي، المشروع القومي للترجمة ، القاهرة ، ط1، 2004.
2. إدوارد سعيد ، جميع مؤلفاته خاصة الاستشراق، تعريب د. كمال أبو ذيب ، مؤسسة الأبحاث العربية ، بيروت ، ط6، 2003 . وكذلك الثقافة الإمبريالية ، المعرب نفسه ، دار الآداب ، بيروت ، ط3، 2004.
(3) حول مفهوم المنهج ومبادئه ، راجع د. عبد الله الغذامي ، مرجع سابق، ص ص …
(4) دليل ذلك أن إدوارد سعيد مثلا أنفق كتابه الضخم : الثقافة والإمبريالية لدراسة عدد محدد من الروايات ، ولكنه قرأها في ضوء الثقافة التي أنتجتها.
(5) المحاولة الأولى التي جاءت في كتاب هي محاولة د. يوسف عليمات ، مرجع سابق بالإضافة إلى مجموعة مقالات أهمها : أيمن بكر بعنوان : السرد المكتنز، مجلة فصول صيف 2002، د. عبد الفتاح الجمل … ، مؤتمر الجمعية المصرية للنقد الأدبي ، غير منشورة .