المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تقييم القصيدة



وسام أبو عمره
25-04-2005, 09:21 AM
تقييم القصيدة
لا بد لمن يتصدى لتقييم مادة أو واقعة ما أن يعتمد معيارا يقيس عليه. يقال أن أرشميدس اهتدى عرضا إلى معيار يقيس عليه نقاء الذهب في تاج الملك بمقارنة الكثافة، فصاح صيحته الشهيرة: "وجدتها". ولكن الأمر يبدو أكثر صعوبة في الفن والأدب. فالمعيار الذي يحتاجه من يتصدى لتقييم العمل الفني يختلف من مدرسة فنية لأخرى. فمن ينظر إلى الشكل لا يعجبه حكم من ينظر إلى البنية، ومن يرى للفن وظيفة اجتماعية، لا يعجبه معيار من يرى أن وظيفة الفن الوحيد ة هي الإمتاع الخ. ولقد تعرضنا في مقالات سابقة إلى بعض المفاهيم الأساسية في صناعة الشعر، كمفهوم الشكل والبنية والوظيفة، علها تنير للقارئ طريقه لاكتشاف معيار يقيس عليه جودة القصيدة. ونحاول في هذا المقال تحليل آلية التواصل الفني بين المبدع والمتلقي..باعتبارها مكملا على جانب من الأهمية في تحقيق الرسالة الفنية مآربها.
لنقل، بادئ ذي بدء، أن عملية التوصيل لا تتم بدون توفر ركنين أساسيين: ما يراد توصيله، ووسيلة النقل التي تتولى مهمة التوصيل. وفي أبسط حالات التوصيل، كما هو الحال في توصيل الطلبات إلى المنازل، يسهل التمييز بين الرسالة ووسيلة النقل، ولا يكون ثمة مشكلة. وعندما تتعقد مسألة التوصيل يشرع الإنسان في تطوير وسائله، وتصل إلى الأمور إلى مرحلة من التعقيد تحتاج إلى إمعان النظر. ففي حالات توصيل الطاقة الكهربية على سبيل المثال، تغلب الإنسان على مشكلة فقد الطاقة الكهربية على شكل حرارة في الأسلاك، بأن رفع الجهد الكهربي إلى درجات عالية على حساب التيار، فقلل بذلك عامل فقد الطاقة، الذي تتحكم فيه معادلة الفاقد، الذي يساوي حاصل ضرب المقاومة النوعية للسلك الموصل في مربع شدة التيار. واستخدم من أجل ذلك محولات رفع الجهد عند الإرسال، ثم محولات خفض الجهد عند الاستلام، وما زالت التقنية مستعملة إلى اليوم. المهم أن الرسالة "الطاقة الكهربية" تم توصيلها بدرجة عالية من الإتقان. أما في حالات توصيل الرسالة الصوتية والمرئية، في عالم الإذاعة والتليفزيون، فقد أخذ الأمر صورة أكثر تعقيدا. فاحتاج الأمر إلى تحويل الموجات الضوئية والصوتية المراد إرسالها إلى موجات كهرو مغناطيسية تخترق الكون بسرعة الضوء فتصل إلى المتلقي الذي يمتلك جهازا يعيد الموجات الكهرومغناطيسية إلى موجات ضوئية وصوتية، فيراها ويسمعها. وكما تغلب الإنسان على مشكلة فقد الطاقة الكهربية في الموصلات السلكية تغلب على محدودية قدرة الانتقال للموجات الكهرو مغناطيسية المحولة عن الموجات الضوئية والصوتية، بأن مزجها بموجات أكثر قوة هي الموجات الحاملة، وزود جهاز المتلقي بما يلزم لفصل الموجة الحاملة عن الموجة المحمولة (الرسالة)، فوصلت الرسالة إلى المتلقي. وتختلف درجة الاستفادة من الرسالة باختلاف قدرة الجهاز المفكك للكود على فلترة التشويش المصاحب لعمليتي الدمج والفصل والذي يلعب دورا هامة في عملية التوصيل، حتى عمليات التوصيل في الفنون والآداب، كما سيتضح عند المقارنة.
ما هي الموجة الحاملة للرسالة في حالة الفن، إن صحت المقارنة ، وبالتحديد في حالة الفن المعتمد على اللغة المحكية؟. لنقل إن الموجة الحاملة قد تلتبس بالرسالة الفنية وتمتزج معها في بنية لا يسهل على العين، أو الأذن، المجردة فصلها. وأنها تحتاج إلى جهاز خاص لفصلهما يشبه الديكودر في الأجهزة الإلكترونية. يجب هنا أن ننتبه إلى أن العقل البشري يعمل عمل الكودر والديكودر فيما يتعلق بالموجات الصوتية وتحويلها إلى صور ذهنية، على حد تعبير دي سوسيير. يكمن الفرق في نقطة جوهرية، هي أن كود اللغة المحكية أمر يتعلق بالمجتمع عامة ويخدم أغراض التواصل النفعية والتداولية بشكل كاف. ولكن عملية التكويد في اللغة الفنية أمر مختلف.فلا الأغراض هي الأغراض، ولا الوسائل هي الوسائل وإن تشابهت إلى درجة تستغلق على العين والأذن المجردتين. فالغرض على سبيل المثال من الشعر الغزلي ليس هو مجرد الإخبار عن أنواع العذاب الذي يعانيه العاشق ، كما أن الكلمة المفردة تستعمل في الشعر حاملة معها ظلالا هامشية يعول عليها العقل المتلقي، في فك الشفرة، بغض النظر عن المدلول التداولي والنفعي للكلمة؛ وهذه هي أبسط حالات الاختلاف. ومن هنا مسألة التعيين والتضمين (Denotation & connotation) في الرسالة الفنية. ومن ثم مسألة المجاز في التراسل اللغوي. وقد عرف الإنسان هذا النوع من التكويد في مراحل سابقة وسحيقة. وكلما تعقدت الرسائل كلما أخذ الإنسان في تطويع وسائل أكثر جدوى في عملية التكويد وفك الكود. ومع ذلك تبقى الرسالة ووسيلة نقلها ركنان مشتجران لا تتم عملية التوصيل بدون أي منهما. نعود لسؤالنا ما هي الموجة الحاملة للرسائل الفنية التي تعتمد على اللغة. والإجابة تبدو لأول وهلة: النوع الأدبي. فالشعر لغة لها كود خاص غير اللغة المحكية، ينقل رسالة شعرية لا تداولية. والرواية لغة أخرى وكذلك المسرحية والقصة القصيرة، حتى الأمثال والشعارات.. الخ. ولكن يظل النوع الأدبي موجة حاملة وتظل الرسالة موجة مكودة ومحمولة. ولا يجوز لنظر المتلقي واهتمامه أن ينصرفا إلى الموجة الحاملة على حساب ما تحمله. وكأنها تقف هناك مكتفية بذاتها. فينظر القارئ مثلا إلى خصائص النوع الأدبي ويتخذها معيارا لتقييم العمل الفني. فنرى تعليقات تقول أين الشعر وأين الموسيقى؟ أو أين الحبكة، الخ. فهذه النظرة تحتاج إلى إعادة نظر. فليس المعول في الرسالة على خصائص جامدة للموجة الحاملة (النوع الأدبي) التي كما يتضح بالمقارنة مع عمليات التوصيل الإليكتروني والكهربي وخلافه، خاضعة للتطوير والابتكار بما يخدم قدرة الرسالة على التوغل، و خلوها من التشويش وفقد المزايا المرجوة بكل أنواعه؛ التطوير الذي يكفل للمتلقي متعة إدراك الرسالة كاملة غير منقوصة..
ينبغي أن لا يضيع منا ونحن بصدد الحديث عن الموجة الحاملة وما تحمله؛ أن أحد هذين الكيانين لا يمكن أن يقف مكتفيا بذاته مستغنيا عن الآخر، أو على الأقل لا يجوز التعامل معه بالعين أو الأذن المجردة، كما هو الحال في عمليات التوصيل المادي التي تتخذ شكلا ينفصل فيه الحامل عن المحمول مثل توصيل الطلبات إلى المنازل. لماذا؟ لأن ذلك ببساطة غير ممكن إلا بالتضحية بقدر هائل من الفقد، كما في حالات التوصيل الكهربي، أو العجز عن الوصول للغاية كما الحال في عمليات التوصيل الإليكتروني. وهو بحاجة إلى نوع أو آخر من التطبيع حتى تتم الفائدة. وهنا جوهر الفن والأدب، هذا الجوهر هو الوحيد الذي يقدر على الوقوف مكتفيا بذاته. والذي ليس هو الموجة الحاملة وحدها ولا الموجة المحمولة وحدها ولا حاصل الجمع المكاني بين الموجتين ولكنه حاصل التفاعل بينهما.
ولنوضح: يقال مثلا إن الجنس البشري نجح في التواصل عبر ثلاث لغات مسموعة: هي اللغة المحكية والموسيقى والأسطورة- هذا القول لباحث أنثروبولوجي هو كلود ليفي شتراوس. وواضح أن في قوله ما يحفز على التفكير في عملية التواصل السمعي خارج نفوذ اللغة المحكية. وتحذير من أن يلهينا التركيز على الموجة الحاملة عن الموجة المحمولة فتضل الرسالة مغزاها. فإذا ركزنا على الحدوثة في الأسطورة أو الرواية على حساب الرسالة، فقدت عملية التوصيل ركنا أساسيا. وإذا ركزنا على الألفاظ البراقة والموسيقى الشعرية فقدت التوصيل الشعري ركنا أساسيا. وإذا فشلنا في فك كود النغم الموسيقي لم يعد للسمفونية داع إلى تسميتها بكلمات من اللغة المحكية. وهكذا. وإذا ذهبنا أبعد من ذلك إلى فن السينما الذي أصبح في عصرنا الراهن شكلا توصيليا يجمع معظم أركان التوصيل السمعي ويضيف إليها أركان التوصيل البصري؛ نجد أن الأفلام التي تحصد جوائز الأوسكار مثل – لورد الخواتم-، أو الماتريكس، تمزج الأسطورة بالحكاية بالخيال العلمي وغير العلمي بالسحر بالحوار بالتجربة الإنسية في اكتشاف الحقيقة، إلى جانب الحوار والمؤثرات السمعية والبصرية في موجة حاملة على درجة من التعقيد والإتقان بما يخدم في آخر المطاف ما نسميه الرسالة الفنية؛ التي يجتهد العقل عبر ما يمتلكه من ديكودرات في تتبعها وتنقيتها عبر فلاتره الوجدانية والعقلية والحسية من الشوائب؛ وتبلغ بذلك متعة التلقي الفني أبهى صورها.
يلاحظ المتتبع لتطور خواص الأجناس الأدبية المختلفة عبر العصور، مراحل من تطوير (الموجة الناقلة) في الشعر والمسرح والرواية بما يخرجها عن المألوف من خواص النوع الأدبي. فيبدو الشعر خاليا من الموسيقى، وتبدو الرواية بلا حكاية ولا عقدة، وتبدو المسرحية خلوا من الديكور وربما من أبسط قواعد المسرحية بشكلها المعروف.الخ. ولكن المتلقي في كل حالاته لا ينشغل بهذه التفاصيل بقدر ما يشغله تتبع مدى ملاءمة هذا التغيير وخدمته للكود الذي يتم على أساسه الإخراج النهائي للعمل الأدبي والفني. ولا تشغله هذه التغيرات في الموجة الحاملة عن الرسالة نفسها.

منقوول