المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فيما تضمنه القرآن من أنواع إعجازه



أحمد سعد الدين
15-12-2004, 12:56 PM
القرآن معجزة محمد عليه السلام :
و القرآن أول معجز دعا به محمد صلى الله تعالى عليه و سلم إلى نبوته ، فصدع فيه برسالته و خص بإعجازه من جميع رسله و إن كان كلاماً ملفوظاً و قولاً محفوظاً لثلاثة أسباب ، صار بها من أخص إعجازه و أظهر آياته .
أحدها : أن معجز كل رسول موافق للأغلب من أحوال عصره ، و الشائع المنتشر في ناس دهره لأن موسى عليه السلام حين بعث في عصره السحرة خص من فلق البحر يبساً و قلب العصا حية بهر كل ساحر ، و أذل كل كافر . و بعث عيسى عليه السلام في عصر الطب ، فخص من إبراء الزمنى و إحياء الموتى بما أدهش كل طبيب و أذهل كل لبيب . و لما بعث محمد صلى الله تعالى عليه و سلم في عصر الفصاحة و البلاغة خص بالقرآن في إيجازه و إعجازه بما عجز عنه الفصحاء ، و أذعن له البلغاء ، وتبلد فيه الشعراء ، ليكون العجز عنه أقهر ، و التقصير فيه أظهر ، فصارت معجزاتهم و إن اختلف متشاكلة المعاني متفقة العلل .

و الثاني : أن المعجز في كل قوم بحسب أفهامهم و على قدر عقولهم و أذهانهم ، و كان في نبي إسرائيل من قوم موسى و عيسى بلادة و غباوة لأنه لم ينقل عنهم ما يدون من كلام مستحسن ، أو يستفاد من معنى مبتكر . و قالوا لنبيهم حين مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، فظنوا أن الإعجاز بما يصلون إليه ببداية حواسهم .
و العرب أصح الناس أفهاماً و أحدهم أذهاناً قد ابتكروا من الفصاحة أبلغها ، و من المعاني أغربها ، و من الآداب أحسنها ، فخضوا من معجز القرآن بما تجول فيه أفهامهم و تصل إليه أذهانهم ، فيدركوه بالفطنة دون البديهة ، و بالروية دون البادرة لتكون كل أمة مخصوصة بما يشاكل طبعها ، و يوافق فهمها .

و الثالث : أن معجز القرآن أبقى على الأعصار و أنشر في الأقطار من معجز يختص بحاضره و يندرس بانقراض عصره ، و ما دام إعجازه فهو أحج و بالاختصاص أحق .

و جوه إعجاز القرآن :

1 ـ فصاحته
و إعجاز القرآن في خروجه عن كلام البشر و إضافته إلى الله تعالى يكون من عشرين وجهاً :
أحدها : فصاحته و بيانه : و ذلك معتبر بثلاثة شروط . أحدها : بلاغة ألفاظه ، و الثاني : اسيفاء معانيه ، و الثالث : حسن نظمه . فأما بلاغة ألفاظه فتكون من وجهين : أحدهما جزالتها حتى لا تلين .
و الثاني انطباعها حتى لا تخبو .

و أما استيفاء معانيه فيكون من وجهين :
أحدهما : أن يكون المعنى لائحاً في مبادي ألفاظه غير مفتقر إلى مقاطعه .
و الثاني : أن يكون المعنى مطابقاً لألفاظه فلا يزيد عليها و لا يقصر عنه ، فإن زاد كان الاختلال في اللفظ ، و إن نقص كان الاختلال في المعنى .

و أما حسن نظمه فيكون من وجهين : أحدهما أن يكون الكلام متناسباً لا يتنافر ، و الثاني أن يكون الوزن معتدلاً لا يتباين .
فإن قيل : قد يجتمع في كلام البشر ما يستكمل هذه الشروط فبطل به الإعجاز . فالجواب عنه من وجهين :
أحدهما : أن أسلوب نظمه على هذه الشروط معدوم في غيره ، فافترقا .
و الثاني : أن لنظم ألفاظه بهجة لاتوجد في غيره ، فاختلفا لأنك إذا جمعت بين قول الله تعالى : ولكم في القصاص حياة و بين قولهم [ القتل أنفى للقتل ] و جدت بينهما فروقاً في اللفظ و المعنى .

2ـ إيجازه :
و الوجه الثاني من إعجازه ، إيجازه عن هذا الإكثار ، و استيفاء معانيه في قليل الكلام كقوله تعالى : وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين .
فإن قيل : ليس جميعه و جيزاً مختصراً و فيه المبسوط و المكرر ، و بعضه أفصح من بعض ، و لو كان من عند الله لتماثل ، و لم يتفاضل ، لأن التفاضل في كلام من يكل خاطره ، و تضعف قريحته . فعنه جوابان :
أحدهما : أن اختلافه في البسط و الإيجاز ليس للعجز عن تماثله . ولكن لاختلاف الناس في تصوره و فهمه و تفاضله في الفصاحة بحسب تفاضل معانيه لا للعجز عن تساويه .
و الثاني : أنه خالف بين مبسوطه و مختصره ، و بين أفصحه و أسهله ، ليكون العجز عن أسهله و أبسطه أبلغ في الإعجاز من العجز عن أفصحه و أخصره . و لذلك فاضل بين خلقه ليعرف به فرق ما بين الفاضل و المفضول .
و قد حكى أبو عبيدة أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ : فاصدع بما تؤمر فسجد و قال : سجدت لفصاحة هذا الكلام .
فأما تكرار قصصه و تكرار وعده وو عيده ، فلأسباب مستفادة ، منها أنها في التكرار أوكد و في المبالغة أزيد و منها أنها تتغاير ألفاظها فتكون إلى القبوا أسرع و في الإعجاز أبلغ . و منها أنها إن أخل بالوقوف عليها في موضع أدركها في غيره ، فلم يخل من رغب و رهب .

3ـ علوم عن منظوم الكلام و منثوره :
و الوجه الثالث من إعجازه : أن نظم أسلوبه و وصف اعتداله يخرج عن منظوم الكلام و منثوره ، و لا يدخل في شعر و لا رجز ، و لا سجعة و لا خطبة حتى تجاوز محصور أقسامه ، و باين سائر أنواعه بأسلوب لا يشاكل ، و نظم لا يماثل . فصار و إن كان من حروف الكلام خارجاً عن أقسام الكلام ، فقد قال أنيس الغفاري و هو أخو أبي ذر الغفاري . و كان من الموصوفين بالتقدم في [ البلاغة و الفصاحة ] : عرضت القرآن على السجع و الشعر و النظم ، و النثر ، فلم يوافق شيئاً من طرق كلام العرب .
و حكي عن الوليد بن المغيرة ـ و كان سيد عشيرته و أفصح قومه ـ أنه جاء إلى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم ، و هو على كفره ، فقال : اقرؤا علي شيئاً من القرآن فقرؤا عليه .
فقال : ليس هذا من كلام البشر ، و ليس بشعر . فمضى إليه أبو لهب قال : أفسدت قريشاً بهذا القول فارجع عنه . فقال : أقول إنه سحر .
و قد تعاطاه من الشعراء ما خرج عن أسلوبه إلى طريقة شعره فقال في قصة الفيل :
ألا من مهلك الفيل و من سار مع الفيل
بطير صبه الله عليهم من أبابيل
رمتهم بجناديل ترى من طين سجيل
فأضحى القوم في القاع كعصف غير مأكول
فلم يساعده الطبع عليه مع أخذ معانيه و استعمال ألفاظه حتى عاد إلى مطبوع شعره .
و ضمن آخر من الشعراء شيئاً منه في شعره فخرج عن أسلوبه حيث يقول :
و قرا معاناً ليصدع قلبي و الهوى يصدع الفؤاد السقيما
أرأيت الذي يكذب بالدين فلذاك الذي يدع اليتيما
فإن قيل : لو كان لنظم القرآن أسلوب معجز لما طلب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عند جمع القرآن من يأتيه بالآية و الآيتين شهوداً ، أنه سمعه من رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم و لاكتفى بأسلوب نظمه عن بينة تشهد به ، و لكان لا يشتبه على ابن مسعود في المعوذتين حين أخرجهما من القرآن ، و لا على أبي بن كعب في القنوت حين أدخله في القرآن ، و لا على امرأة ابن رواحة في شعره حتى توهمته من القرآن . فعنه جوابان :
أحدهما : أن عمر التمس الشهادة في الآية و الآيتين . مما لا يكون بانفرداه معجزاً لأن الإعجاز مختص بما وقع به التحدي ، و أقل ما يقع به التحدي كأقصر سورة في القرآن آيات و حروفاً و هي سورة الكوثر و ما قصر عنه لا إعجاز فيه . فكان طلبه للشهادة متوجهاً إليه .
و الثاني : أنه طلب الشهادة على محلها من أي سورة هي ، و في أي موضع منها توضع و إن كان معلوم الأسلوب بالمباينة لأن الله تعالى كان يأمر بوضع ما أنزله فيما يراه من السور لقوله تعالى : إن علينا جمعه وقرآنه .
فأما ابن مسعود فلم يشكل عليه أسلوب المعوذتين أنهما من القرآن ، إنما حكمهما من مصحفه لأنه ظن أن تلاوتهما قد نسخت .
و أما أبي بن كعب فظن أن تلاوة القنوت باقية و لم يعلم أنها قد نسخت .
و أما امرأة ابن رواحة فلم تكن من ذوي الفصاحة و البلاغة فتفرق بين الشعر و أسلوب القرآن فلم يكن لوهمها تأثير .

4 ـ كثرة معانيه :
و الوجه الرابع من إعجازه ، كثرة معانيه التي لا يجمعها كلام البشر ، و ذلك وجهين :
أحدهما : ما يجمعه قليل الكلام من كثير المعاني كقوله تعالى : وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فجمع في آية واحدة بين أمرين ، و نهيين ، و خبرين ، و بشارتين .
و الثاني : أن ألفاظه تحتمل معاني متغايرة تحار فيها العقول ، و تذهل فيها الخواطر ، و تكل فيها القرائح . ثم لا تبلغ أقصاه و لا تدرك منتهاه حتى اختلف فيه الوجوه و تقابلت فيه النظائر .
فإن قيل : فهذا ألغاز و رمز هو بالذم منه أولى بالحمد فعنه جوابان :
أحدهما : أن الألغاز و إن ذم فالرمز ليس بمذموم ، و ليس فيه لغز و إن كان فيه رمز .
و الثاني : أن ما اختلف معانيه يخرج عن اللغز و الرمز ، لأن اللغز ما أريد به غير معناه ، و الرمز ما خفي معناه .

5 ـ جمعه للعلوم :
و الوجه الخامس من إعجازه ما جمعه القرآن من علوم لا يحيط بها بشر ، و لا تجتمع في مخلوق ، فلم يكن إلا من عند الله المحيط بكل شيء علماً حتى علمه من لم يكن به عالماً .
فإن قيل : فضل العلم لا يكون إعجازاً في النبوات . لأن العلماء قد يتفاضلون و لا يكون للأفضل إعجاز على المفضول فعنه جوابان :
أحدهما : أن التفاضل في العلم موجود و الإحاطة بجميع العلوم مفقود .
و الثاني : أن ظهور العلم فيمن يتعاطاه ليس بمعجز لظهوره من جهته ، و ظهور فيمن لم يتعاطه معجزاً لظهوره من غير جهته .
و قد كان أمياً من أمة أميه لم يقرأ كتاباً و لم يتعاط علما فصار ما أظهر معجزاً .

6 ـ تضمنه الحجج :
و الوجه السادس من إعجازه ما تضمنه من الحجج و البراهين عاى التوحيد و الرجعة و على الدهرية ، و الثنوية حتى قطع بحجاجه كل محتج و خصم بجدله له كل خصم ألد .
فإن قيل : فدلائل التوحيد مستفادة بالعقول فلم يكن فيها إعجاز من وجهين . أحدهما وجودها من ذاته ، و الثاني : مشاركته فيها لغيره .
و الجواب عنه من وجهين : أحدهما أنه لم يكن من أهل الجدل فيقطع كل مجادل . و الثاني أنه احتج للرجعة بما زاد على قضابا العقول فخصم كل عاقل .

7 ـ تضمنه أخبار الماضين :
و الوجه السابع من إعجازه ما تضمنه من أخبار القرون الخالية و قصص الأمم السالفة و تحداه به أهل الكتاب من قصة أهل الكهف و شأن موسى و الخضر ، و حديث ذي القرنين فكان على ما ذكره أنبياؤهم ، و تضمنته كتبهم .
فإن قيل : فالأخبار بما كان ليس بمعجز لأن علم غير الأنبياء به ممكن فعنه جوابان :
أحدهما : أنه ممكن فيمن علمها و متتنع فيمن لم يعلمها و لم يكن من أهلها فيعلمها فصار معجزاً ممتنعاً .
و الثاني : أنهم اقترحوا تحديه مما لم يكن مبتدئاً و لا كان له متناهياً من غوامض أسرار و غرائب أخبار جعلوها حجاجاً له و عليه ، ففصح بالجواب عن سرائرها و صدع بنعت غوامضها فخرج عن العرف إلى ما ليس بعرف فصار معجزاً .

8 ـ تضمنه عن علم الغيب :
و الوجه الثامن من إعجازه ما تضمنه من علم الغيب بأخبار تكون فكانت كقوله لليهود : قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين . ثم قال : ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم . فما تمناه أحد منهم .
و كقوله لقريش : فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا . فقطع بأنهم لا يفعلون فلم يفعلوا .
أو كقوله : سيهزم الجمع ويولون الدبر و كان ذلك في يوم بدر .
و كقوله تعالى في هجرته من مكة إلى المدينة إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد فأعاده الله إلى مكة عام الفتح إلى غير ذلك من نظائره .
فإن قيل : فقد يكون ذلك حدساً بشواهد الأفعال ، و فراسة بفضل الألمعية و قوة الفطنة ، فعنه جوابان :
أحدهما : أن الحدس و الفراسة و إن أصاب بهما تارة فقد يخطئ بهما أخرى ، و هذا إصابة في الجميع فخرجت عن الحديث و الفراسة إلى علم من لا تخفى عليه الغيوب .
و الثاني : أن الحدس و الفراسة توهم غير مقطوع بهما قبل الوجود ، و هذا إخبار بأنه مقطوع بها قبل الوجود فافترقوا .

9 ـ إخباره بضمائر القلوب :
و الوجه التاسع من إعجازه ما فيه من الأخبار بضمائر القلوب التي لا يصل إليها إلا علام الغيوب كقوله : إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا من غير أن يظهر منهم قول أو يوجد منهم فشل و كقوله : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم فكان كقوله : و إن لم يتكلموا به إلى غير ذلك من نظائره .
فإن قيل : فالجمع الكثير تختلف ضمائرهم في العرف ، فإن وجد ذلك في بعضهم لم يوجد في جميعهم ، فإن لم يخل أن يعقده بعضهم خلا منه بعضهم ، فتقابل القولان فيهم ، و بطل إعجازه معهم فعنه جوابان :
أحدهما : أنهم و وجهوا بهذا الخبر على العموم فلم ينكروه ، فزال هذا التفصيل فصار معجزاً .
و الثاني : أنه جعله ذنباً لهم فلم يتنصلوا منه فدل على وجوده من جميعهم .

10 ـ جزل القرآن لا يتوعر و لا يسترذل :
و الوجه العاشر من إعجازه أن ألفاظ القرآن قد تشتمل على الجزل المستغرب ، و السهل المستقرب ، فلا يتوعر جزله ، و لا يسترذل سهله ، و يكونان إذا اجتمعا مطبوعين غير متنافرين ، و لا نجد ذلك في غيره من كلام البشر ، لأن جزله يتوعر و سهله يسترذل ، و الجميع بينهما يتنافر ، فصار من هذا الوجه مبانياً ، و في الإعجاز داخلاً .
فإن قيل : إنما كان القرآن كذلك لأنه قد تواطأ بكثرة التلاوة فاستلذته الأسماع ، و استحلته الألسن ، و لولاه لتباين و اختلف ، فعنه جوابان :
أحدهما : أن صفته عند أول سماعه لو كانت لما ذكر من العلة ، لاختلف في مباديه و غايته .
و الثاني : أن غيره من الكلام المختلف لا يتواطأ بكثرة ذكره فبطلت العلة .

11 ـ اختصاص تلاوته ببواعث ليست لغيره :
و الوجه الحادي عشر من إعجازه أن تلاوته تختص بخمسة بواعث عليه لا توجد في غيره . أحدها : هشاشة مخرجه . و الثاني : بهجة رونقه . و الثالث : سلالة نظمه . و الرابع : حسن قبوله . و الخامس : أن قارئه لا يكل ، و سامعه لا يمل ، و هذا في غيره من الكلام المعدوم .
فإن قيل : إنما وقع في النفوس هذا الموقع للتدين بالتزامه و التخصيص بإعظامه ، فعنه جوابان .
أحدهما : أن هذا موجود في غيره من كتب الله تعالى كالتوراة و الإنجيل و الزبور ، و ليس يوجد ذلك فيها مع وجود هذا التعليل . و لذلك ما استعان أهلها على استحلاء تلاوتها بما وضعوه لها من الألحان ، و استعذبوه لها من الأصوات . و القرآن مستغن عن هذا بصيغة لفظه ، فلذلك ما راع وهيج الطباع .
و الثاني : التدين لا يسلب العقول تمييزها ، و لا يفسد عليها تصورها ، و هو بأن يزيدها بصيرة أولى من أن ينقصها ، و لو كان لهذه العلة لجحده من كفر كما اعترف به من آمن و قول الجميع فيه سواء .

أحمد سعد الدين
15-12-2004, 12:59 PM
12 ـ القرآن منزل بألفاظه و معانيه لا كسائر الكتب الدينية :
و الوجه الثاني عشر من إعجازه أنه منقول بألفاظه منزلة ، و معان مستودعة ، و بلغة الملك بلفظه و على نظمه ، و أداه الرسول إلى الأمة بمثله ، فلم ينخرم فيه لفظ ، و لا اختل فيه معنى ، و لا تغير له ترتيب ، حتى صار من الزلل مضبوطاً ، و من التبديل محفوظاً ، تستمر به الأعصار على شاكلته ، و تتداوله الألسن مع اختلاف اللغات على نظمه و صفته ، لا يختلف بتعاقب الأزمنة ، و لا يختل بتباعد الأمكنة ، و لا يتغير باختلاف الألسنة ، و غيره من الكتب مقصورة على حفظ معانيها ، و إن غويرت ألفاظها .
فإن التوراة ألقى الله تعالى معانيها إلى موسى عليه السلام ، فذكرها بلفظه و عبر عنها بكلامه .
و أما الإنجيل فهو ما أخبر به عيسى عليه السلام عن ربه و عن نفسه ، فجمعه تلامذته بألفاظهم و جعلوه كتاباً متلواً .
و أما الزبور فأدعية بتحاميد و تسابيح تنسب إلى داود عن لفظه ، و لئن كانت معاني هذه الكتب مضافة إلى الله تعالى . فليست بصيغة لفظه ، و لا على نظم كلامه ، كما نزل القرآن جامعاً لألفاظه و معانيه و ترتيبه ، فصار مبايناً لجميع كتبه ، و ما هذا إلا بمعونة إلهية حفظ الله تعالى بها إعجازه ، و أمد بها رسوله ، كما قال تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون .
فإن قيل : فحفظ الكلام على صيغة لفظه ، و اشتمال معانيه ، لا يكون معجزاً كأشعار الجاهلية القدماء ، و أمثال من سلف من الحكماء . فعنه جوابان :
أحدهما : أن في هذا محولاً و متروكاً فلم ينحفظ .
و الثاني : أنه لا يعلم حاله فلم ينضبط . و القرآن مخالف لهما في حفظه و ضبطه .

13 ـ ارتباط معانيه المتغايرة :
و الوجه الثالث عشر من إعجازه اقتران معانيه المتغايرة و اقتران نظائرها في السور المختلفة . فيخرج في السورة من وعد إلى وعيد ، و من ترغيب إلى ترهيب ، و من ماض إلى مستقبل ، و من قصص إلى مثل ، و من حكم إلى جدل ، فلا ينبو و لا يتنافر ، و هي في غيره من الكلام متنافرة فتتجانس معانيها ، و كذلك هي في غيره من الكتب المنزلة مفصلة لكل نوع سفر ، فإن التوراة مقسومة على خمسة أسفار ، و كل سفر منها مفرد بمعنى واحد من المعاني المستودعة فيها .
فالسفر الأول : لذكر بدء الخلق ، و السفر الثاني : لخروج بني إسرائيل من مصر ، و السفر الثالث : لأمر القرابين ، و السفر الرابع : لإحصاء موسى بني إسرائيل و ما دبرهم به ، و السفر الخامس : لتكرير النواميس . و جعل اختلاف معانيها موجباً لتفاضيلها ، فكان أفضل ما في التوراة عند اليهود العشر الكلمات المشتملة على الوصايا التي خاطب الله تعالى بها موسى ، و بها يستخفون دون غيرها .
و أفضل ما في الإنجيل الصحف الأربعة المنسوبة إلى تلامذة المسيح الأربعة و هي المخصوصة بالقراءة في الصلاة و الأعياد .
و أفضل ما في الزبور ما اتفق أهل الكتابين على اختياره . و ما اشتمل عليه القرآن من تغايرها أولى من وجهين :
إحداهما : أن لا يختص قارئه بأحدها فيعدل عن غيره .
و الثاني : أن يستوعب إذا أراد جميعها قراءة جميعه فيستكمل فوائده و يستجزل ثوابه .
فإن قيل : فالتفصيل أبلغ في البيان من الامتزاج . فالجواب عنه ما ذكرناه من الوجهين .

14 ـ طول الآيات و قصرها لم يؤثر في أسلوبها :
و الوجه الرابع عشر من إعجازه أن اختلاف آياته في الطول و القصر لا يخرج عن أسلوبه و لا يزول عن اعتداله ، و غيره من نظم الكلام و نثره إذا تفاصلت أجزاؤه زال عن وزن منظومه ، و اعتدال منثوره ، فصار ذلك من إعجازه .
فإن قيل : زيادة طوله هذر ، و نقصان قصره حصر ، فكيف يكون معجزاً إذا تردد بين هذر و حصر ؟ فعنه جوابان :
أحدهما : أن الزيادة تكون هذراً إذا لم تفد ، و النقصان يكون حصراً إذا لم يقنع ، و الزيادة من طوله و النقصان من قصره مقنع فخرج عن الهذر و الحصر .
و الثاني : أن الطويل لو انفرد لم يكن هذراً و القصير لو انفرد لم يكن حصراً فلم يكن اجتماعهما موجباً لهذر و حصر ، كاختلاف السور في القصر و الطول ، فإن أقصر السور سورة الكوثر و تشتمل مع قصرها على أربعة معان : إخبار بنعمة ، و أمر بعبادة ، و بشرى بمسرة ، و أسلوب هو معجز ، فلم تخرج إذا قورنت بما هو أطول أن تكون معجزة .

15 ـ مكثر تلاوته لا يزداد بالقراءة فصاحة .
و الوجه الخامس عشر من إعجازه أن مكثر تلاوته لا يزداد به فصاحة و إن ازداد بغيره من فصيح الكلام لخروجه عن طباع البشر فصار أسلوبه معجزاً في الحالين و على كلا الوجهين .
فإن قيل : ما لا يؤثر في الطباع ناقص عن الكمال فكيف يوصف بالكمال ؟ فعنه جوابان :
أحدهما : أن كماله فيه فلم يلزم تعديله .
و الثاني : أن كماله يوجب المنع من تساويه .

16 ـ تيسيره على جميع الألسنة :
و الوجه السادس عشر من إعجازه تيسيره على جميع الألسنة حتى حفظ الأعجمي الأبكم ، و دار به لسان القبطي الألكن و لا يحفظ غيره من الكتب ، كحفظه و لا تجري به ألسنة البكم كجريها به ، و ما ذاك إلا بخصائص إلهية فضله بها على سائر كتبه .
فإن قيل : فقد يحفظ الشعر كحفظه و العلة فيه اعتدال وزنه الذي يحفظ بعضه بعضاً فلم يكن ذلك معجزاً فعنه جوابان :
أحدهما : إن ما اندرس من الشعر أكثر مما حفظ ، و هذا محفوظ لم يندرس ، فاختلفا .
و الثاني : ما لم تستعذبه الأفواه متروك ، و القرآن مستعذب غير متروك فافترقا .

17 ـ القرآن أعلى مراتب الكلام .
و الوجه السابع عشر من إعجازه أن الكلام يترتب ثلاث مراتب : منثور يدخل في قدرة الخلق ، و شعر هو أعلى منه يقدر عليه فريق و يعجز عنه فريق ، و قرآن هو أعلى من جميعها ، و أفضل من سائرها ، تجاوز رتبة النوعين فخرج عن قدرة الفريقين .
فإن قيل : لو كان القرآن برهاناً معجزاً لخرج كثيرة و قليله عن القدرة و قليله مقدور عليه و هو أن يجمع بين ثلاث كلمات منه أو أربع فكذلك كثيره ، لأن الشيء إذا دخلت أوائله في جنس الممكن خرجت أواخره من جنس الممتنع ، فعنه جوابان :
أحدهما : أن قليله و كثيره خارج عن القدرة إذا انتظم إعجازه ، و هو كأقصر سورة منه ، فبطل هذا الاعتراض .
و الثاني : أنه ليس القدرة على الكلمة و الكلمتين منه قدرة على استكمال ما يقع من التحدي كالمفحم في الشعر لا تكون قدرته على الكلمة و الكلمتين من بيت من الشعر قدرة على نظم بيت كامل من الشعر .

18 ـ الزيادة فيه ممتازة و التغيير مفتضح :
و الوجه الثامن عشر من إعجازه أن الزيادة فيه ممتازة ، و تغيير ألفاظه منه مفتضحة ، و لو كان في القدرة لالتبس و لو أمكن لاشتبه .
فإن قيل : فقد زيد فيه فالتبس و اشتبه ، و هو أن النبي صلى الله تعالى عليه و سلم لما نزلت عليه سورة النجم بمكة قرأها في المسجد الحرام ، حتى بلغ إلى قوله تعالى : أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى ألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى و أن شفاعتهن لترتجى . ثم تمم السورة ، و سجد فسجد معه المسلمون ، و فرح المشركون فسجدوا معه ، و رضيت كفار قريش به ، و سمع به من هاجر إلى أرض الحبشة فعادوا ، إلى أن أنكر عليه جبريل فشق عليه و نزل فيه قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته .
قالوا : و معلوم أن هذه الزيادة هي في مثل أسلوب السورة و ليست من الله تعالى ، و قد اشتبهت فلم لا كان ما سواها بمثابتها ، فعنه جوابان :
أحدهما : أن هذه زيادة لا تبلغ قدر التحدي فخرجت عن حكمه .
الثاني : أنه أنزل فيهم [ التي عندهم ] أيها الغرانيق العلى و إن شفاعتهن لترتجى فاشتبه على قريش و حذفوا منه قوله [ التي عندهم ] فنسخ الله تعالى لهذا الاشتباه تلاوة هذه الزيادة .

19 ـ عجز الأمم عن معارضته :
و الوجه التاسع عشر من إعجازه عجز الأمم عن معارضته ، و قد تحداهم أن يأتوا بسورة مثله ، فلم تخرجهم أنفة التحدي ، و صبروا على نغص العجز مع شدة حميتهم و قوة أنفتهم ، و قد سقه أحلامهم ، و سب أصنامهم ، و لو وجدوا إلى المعارضة سبيلاً ـ و كان في مقدورهم داخلاً و قد جعله حجة لهم في رد رسالته ـ لعارضوه ، و لما عدلوا عنه إلى بذل نفوسهم في قتاله ، و سفك دمائهم في محاربته .
فإن قيل : فليس يمتنع أن يكونوا قد عارضوا بمثله ، فكتم ما هجي به من الأشعار و قرف به من العار . فعنه جوابان :
أحدهما : أنهم لو عارضوه لظهر ، و لو ظهر لانتشر ، لأن تكاتم الاستفاضة لا تستطاع لما في الطباع من الإذاعة ، و في نفثات الصدور من الإشاعة ، و لقيل قد عورض فكتم كما قيل هجي فكتم ، و لو جاز هذا في معارضة القرآن ، لجاز مثله في معجزة كل نبي أن يقال : قد عورض معجزه فكتم ، فيفضي إلى إبطال كل معجز ، و هذا مدفوع في معارضة غير للقرآن ، فكان مدفوعاً في معارضة القرآن .
و الثاني : أنه قد جعل معارضته حجة لهم في رد رسالته ، فلو عارضوه لاحتجوا عليه بالمعارضة ، و لما احتاجوا معه إلى القتال و المحاربة ، مع بذل النفوس ، و استهلاك الأموال ، و لدفعوه بالأهون دون الأصعب ، و قد نقل ما عورض به فظهر فيه العجز ، و بان فيه النقص ، حتى فضحته ركاكة لفظه ، و سخافة نظمه .
نماذج من المعارض السخيفة :
فحكى ابن قتيبة عن مسيلمة أنه قال في معارضة القرآن : يا ضفدع نقي كم تنقين ، لا الماء تكدرين ، و لا الشراب تمنعين . فلما سمع هذا أبو بكر رضي الله تعالى عنه قال إن هذا الكلام لم يخرج من إله .
و حكى عن غيره و أحسبه العنسي أنه قال : ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى ، أخرج من بطنها نسمة تسعى من بين شراسيف وحشى .
و حكى عن آخر ، الفيل ما الفيل ، له ذنب وثيل ، و مشفر طويل ، فإن ذلك من خلق ربنا لقليل .
و حكى الحكم عن عكرمة أن النضر بن الحارث و كان من فصحاء قريش ، عارض القرآن فقال : و الزارعات زرعاً ، و الحاصدات حصداً ، و الطاحنات طحناً ، و العاجنات عجناً ، و الخابزات خبزاً فاللاقمات لقماً .
و قال أخر قد أفلح من هينم في صلاته ، و أطعم المساكين من مخلاته ، و أخرج الاجب من زكاته .
و قال آخر : في معارضة سورة النجم ، و النجم إذا سما ، و البحر إذا طما ، ما زاغ منذركم و ما طغى و ما كذب بها و غوى ، فيما نطق به و روى ، فأنزل الله تعالى في ذلك : ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء فهذه المعارضة و قد احتذوا فيها مثالاً عدلوا بها عن طوال السور إلى قصارها فأتوا بسقيم الكلام دون سليمه ، و بسخيفه دون جميله ، فكيف يقابل به غايته القصوى ، و يواري به طبقته العليا ، و هل ذلك إلا كمن عارض فصاحة سحبان بعي باقل ، أو تخليط مجنون بحزم عاقل ، أو قاس الدر بالمدر ، و شاكل بين الصفو و الكدر ، و من تعاطى ما ليس في طبعه ، فخر صريعاً و هوى سريعاً .

20 ـ الصرفة عن معارضته :
الوجه العشرون من إعجازه الصرفة عن معارضته ، و اختلف من قال بها ، هل صرفوا عن القدرة على معارضته ، أو صرفوا عن معارضته مع دخوله في مقدورهم ؟ على قولين :
أحدهما : أنهم صرفوا عن القدرة ، و لو قدروا لعارضوا .
و القول الثاني : أنهم صرفوا عن المعارضة مع دخوله في مقدورهم ، و الصرفة إعجاز على القولين معاً في قول من نفاها و أثبتها ، فخرقها للعادة فيما دخل في القدرة .
فإن قيل : فإن عجزوا عن معارضته بمثله ، لم يعجزوا عن معارضته بما تقاربه ، و إن نقص عن رتبته ، و المعجز ما لم يمكن مقاربته ، كما لا يمكن مماثلته ، فعنه جوابان :
أحدهما : أن مقاربته تكون بما في مثل أسلوبه إذا قصر عن كماله ، و الأسلوب ممتنع فبطلت المقاربة ، و ثبت الإعجاز .
و الثاني : أن المقاربة تمنع من المماثلة ، و التحدي إنما كان بالمثل دون المقاربة .
فإذا ثبت إعجاز القرآن من هذه الوجوه كلها ، صح أن يكون كل واحد منها معجزاً ، فإذا جمع القرآن سائرها ، كان إعجازه أقهر و حجاجه أظهر ، و صار كفلق البحر و إحياء الموتى ، لأن مدار الحجة في المعجزة إيجاد ما لا يستطيع الخلق مثله ، سواء كان جسماً مخترعاً ، أو جرماً مبتدعاً ، أو عرضاً متوهماً .