أحمد سعد الدين
15-12-2004, 12:56 PM
القرآن معجزة محمد عليه السلام :
و القرآن أول معجز دعا به محمد صلى الله تعالى عليه و سلم إلى نبوته ، فصدع فيه برسالته و خص بإعجازه من جميع رسله و إن كان كلاماً ملفوظاً و قولاً محفوظاً لثلاثة أسباب ، صار بها من أخص إعجازه و أظهر آياته .
أحدها : أن معجز كل رسول موافق للأغلب من أحوال عصره ، و الشائع المنتشر في ناس دهره لأن موسى عليه السلام حين بعث في عصره السحرة خص من فلق البحر يبساً و قلب العصا حية بهر كل ساحر ، و أذل كل كافر . و بعث عيسى عليه السلام في عصر الطب ، فخص من إبراء الزمنى و إحياء الموتى بما أدهش كل طبيب و أذهل كل لبيب . و لما بعث محمد صلى الله تعالى عليه و سلم في عصر الفصاحة و البلاغة خص بالقرآن في إيجازه و إعجازه بما عجز عنه الفصحاء ، و أذعن له البلغاء ، وتبلد فيه الشعراء ، ليكون العجز عنه أقهر ، و التقصير فيه أظهر ، فصارت معجزاتهم و إن اختلف متشاكلة المعاني متفقة العلل .
و الثاني : أن المعجز في كل قوم بحسب أفهامهم و على قدر عقولهم و أذهانهم ، و كان في نبي إسرائيل من قوم موسى و عيسى بلادة و غباوة لأنه لم ينقل عنهم ما يدون من كلام مستحسن ، أو يستفاد من معنى مبتكر . و قالوا لنبيهم حين مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، فظنوا أن الإعجاز بما يصلون إليه ببداية حواسهم .
و العرب أصح الناس أفهاماً و أحدهم أذهاناً قد ابتكروا من الفصاحة أبلغها ، و من المعاني أغربها ، و من الآداب أحسنها ، فخضوا من معجز القرآن بما تجول فيه أفهامهم و تصل إليه أذهانهم ، فيدركوه بالفطنة دون البديهة ، و بالروية دون البادرة لتكون كل أمة مخصوصة بما يشاكل طبعها ، و يوافق فهمها .
و الثالث : أن معجز القرآن أبقى على الأعصار و أنشر في الأقطار من معجز يختص بحاضره و يندرس بانقراض عصره ، و ما دام إعجازه فهو أحج و بالاختصاص أحق .
و جوه إعجاز القرآن :
1 ـ فصاحته
و إعجاز القرآن في خروجه عن كلام البشر و إضافته إلى الله تعالى يكون من عشرين وجهاً :
أحدها : فصاحته و بيانه : و ذلك معتبر بثلاثة شروط . أحدها : بلاغة ألفاظه ، و الثاني : اسيفاء معانيه ، و الثالث : حسن نظمه . فأما بلاغة ألفاظه فتكون من وجهين : أحدهما جزالتها حتى لا تلين .
و الثاني انطباعها حتى لا تخبو .
و أما استيفاء معانيه فيكون من وجهين :
أحدهما : أن يكون المعنى لائحاً في مبادي ألفاظه غير مفتقر إلى مقاطعه .
و الثاني : أن يكون المعنى مطابقاً لألفاظه فلا يزيد عليها و لا يقصر عنه ، فإن زاد كان الاختلال في اللفظ ، و إن نقص كان الاختلال في المعنى .
و أما حسن نظمه فيكون من وجهين : أحدهما أن يكون الكلام متناسباً لا يتنافر ، و الثاني أن يكون الوزن معتدلاً لا يتباين .
فإن قيل : قد يجتمع في كلام البشر ما يستكمل هذه الشروط فبطل به الإعجاز . فالجواب عنه من وجهين :
أحدهما : أن أسلوب نظمه على هذه الشروط معدوم في غيره ، فافترقا .
و الثاني : أن لنظم ألفاظه بهجة لاتوجد في غيره ، فاختلفا لأنك إذا جمعت بين قول الله تعالى : ولكم في القصاص حياة و بين قولهم [ القتل أنفى للقتل ] و جدت بينهما فروقاً في اللفظ و المعنى .
2ـ إيجازه :
و الوجه الثاني من إعجازه ، إيجازه عن هذا الإكثار ، و استيفاء معانيه في قليل الكلام كقوله تعالى : وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين .
فإن قيل : ليس جميعه و جيزاً مختصراً و فيه المبسوط و المكرر ، و بعضه أفصح من بعض ، و لو كان من عند الله لتماثل ، و لم يتفاضل ، لأن التفاضل في كلام من يكل خاطره ، و تضعف قريحته . فعنه جوابان :
أحدهما : أن اختلافه في البسط و الإيجاز ليس للعجز عن تماثله . ولكن لاختلاف الناس في تصوره و فهمه و تفاضله في الفصاحة بحسب تفاضل معانيه لا للعجز عن تساويه .
و الثاني : أنه خالف بين مبسوطه و مختصره ، و بين أفصحه و أسهله ، ليكون العجز عن أسهله و أبسطه أبلغ في الإعجاز من العجز عن أفصحه و أخصره . و لذلك فاضل بين خلقه ليعرف به فرق ما بين الفاضل و المفضول .
و قد حكى أبو عبيدة أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ : فاصدع بما تؤمر فسجد و قال : سجدت لفصاحة هذا الكلام .
فأما تكرار قصصه و تكرار وعده وو عيده ، فلأسباب مستفادة ، منها أنها في التكرار أوكد و في المبالغة أزيد و منها أنها تتغاير ألفاظها فتكون إلى القبوا أسرع و في الإعجاز أبلغ . و منها أنها إن أخل بالوقوف عليها في موضع أدركها في غيره ، فلم يخل من رغب و رهب .
3ـ علوم عن منظوم الكلام و منثوره :
و الوجه الثالث من إعجازه : أن نظم أسلوبه و وصف اعتداله يخرج عن منظوم الكلام و منثوره ، و لا يدخل في شعر و لا رجز ، و لا سجعة و لا خطبة حتى تجاوز محصور أقسامه ، و باين سائر أنواعه بأسلوب لا يشاكل ، و نظم لا يماثل . فصار و إن كان من حروف الكلام خارجاً عن أقسام الكلام ، فقد قال أنيس الغفاري و هو أخو أبي ذر الغفاري . و كان من الموصوفين بالتقدم في [ البلاغة و الفصاحة ] : عرضت القرآن على السجع و الشعر و النظم ، و النثر ، فلم يوافق شيئاً من طرق كلام العرب .
و حكي عن الوليد بن المغيرة ـ و كان سيد عشيرته و أفصح قومه ـ أنه جاء إلى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم ، و هو على كفره ، فقال : اقرؤا علي شيئاً من القرآن فقرؤا عليه .
فقال : ليس هذا من كلام البشر ، و ليس بشعر . فمضى إليه أبو لهب قال : أفسدت قريشاً بهذا القول فارجع عنه . فقال : أقول إنه سحر .
و قد تعاطاه من الشعراء ما خرج عن أسلوبه إلى طريقة شعره فقال في قصة الفيل :
ألا من مهلك الفيل و من سار مع الفيل
بطير صبه الله عليهم من أبابيل
رمتهم بجناديل ترى من طين سجيل
فأضحى القوم في القاع كعصف غير مأكول
فلم يساعده الطبع عليه مع أخذ معانيه و استعمال ألفاظه حتى عاد إلى مطبوع شعره .
و ضمن آخر من الشعراء شيئاً منه في شعره فخرج عن أسلوبه حيث يقول :
و قرا معاناً ليصدع قلبي و الهوى يصدع الفؤاد السقيما
أرأيت الذي يكذب بالدين فلذاك الذي يدع اليتيما
فإن قيل : لو كان لنظم القرآن أسلوب معجز لما طلب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عند جمع القرآن من يأتيه بالآية و الآيتين شهوداً ، أنه سمعه من رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم و لاكتفى بأسلوب نظمه عن بينة تشهد به ، و لكان لا يشتبه على ابن مسعود في المعوذتين حين أخرجهما من القرآن ، و لا على أبي بن كعب في القنوت حين أدخله في القرآن ، و لا على امرأة ابن رواحة في شعره حتى توهمته من القرآن . فعنه جوابان :
أحدهما : أن عمر التمس الشهادة في الآية و الآيتين . مما لا يكون بانفرداه معجزاً لأن الإعجاز مختص بما وقع به التحدي ، و أقل ما يقع به التحدي كأقصر سورة في القرآن آيات و حروفاً و هي سورة الكوثر و ما قصر عنه لا إعجاز فيه . فكان طلبه للشهادة متوجهاً إليه .
و الثاني : أنه طلب الشهادة على محلها من أي سورة هي ، و في أي موضع منها توضع و إن كان معلوم الأسلوب بالمباينة لأن الله تعالى كان يأمر بوضع ما أنزله فيما يراه من السور لقوله تعالى : إن علينا جمعه وقرآنه .
فأما ابن مسعود فلم يشكل عليه أسلوب المعوذتين أنهما من القرآن ، إنما حكمهما من مصحفه لأنه ظن أن تلاوتهما قد نسخت .
و أما أبي بن كعب فظن أن تلاوة القنوت باقية و لم يعلم أنها قد نسخت .
و أما امرأة ابن رواحة فلم تكن من ذوي الفصاحة و البلاغة فتفرق بين الشعر و أسلوب القرآن فلم يكن لوهمها تأثير .
4 ـ كثرة معانيه :
و الوجه الرابع من إعجازه ، كثرة معانيه التي لا يجمعها كلام البشر ، و ذلك وجهين :
أحدهما : ما يجمعه قليل الكلام من كثير المعاني كقوله تعالى : وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فجمع في آية واحدة بين أمرين ، و نهيين ، و خبرين ، و بشارتين .
و الثاني : أن ألفاظه تحتمل معاني متغايرة تحار فيها العقول ، و تذهل فيها الخواطر ، و تكل فيها القرائح . ثم لا تبلغ أقصاه و لا تدرك منتهاه حتى اختلف فيه الوجوه و تقابلت فيه النظائر .
فإن قيل : فهذا ألغاز و رمز هو بالذم منه أولى بالحمد فعنه جوابان :
أحدهما : أن الألغاز و إن ذم فالرمز ليس بمذموم ، و ليس فيه لغز و إن كان فيه رمز .
و الثاني : أن ما اختلف معانيه يخرج عن اللغز و الرمز ، لأن اللغز ما أريد به غير معناه ، و الرمز ما خفي معناه .
5 ـ جمعه للعلوم :
و الوجه الخامس من إعجازه ما جمعه القرآن من علوم لا يحيط بها بشر ، و لا تجتمع في مخلوق ، فلم يكن إلا من عند الله المحيط بكل شيء علماً حتى علمه من لم يكن به عالماً .
فإن قيل : فضل العلم لا يكون إعجازاً في النبوات . لأن العلماء قد يتفاضلون و لا يكون للأفضل إعجاز على المفضول فعنه جوابان :
أحدهما : أن التفاضل في العلم موجود و الإحاطة بجميع العلوم مفقود .
و الثاني : أن ظهور العلم فيمن يتعاطاه ليس بمعجز لظهوره من جهته ، و ظهور فيمن لم يتعاطه معجزاً لظهوره من غير جهته .
و قد كان أمياً من أمة أميه لم يقرأ كتاباً و لم يتعاط علما فصار ما أظهر معجزاً .
6 ـ تضمنه الحجج :
و الوجه السادس من إعجازه ما تضمنه من الحجج و البراهين عاى التوحيد و الرجعة و على الدهرية ، و الثنوية حتى قطع بحجاجه كل محتج و خصم بجدله له كل خصم ألد .
فإن قيل : فدلائل التوحيد مستفادة بالعقول فلم يكن فيها إعجاز من وجهين . أحدهما وجودها من ذاته ، و الثاني : مشاركته فيها لغيره .
و الجواب عنه من وجهين : أحدهما أنه لم يكن من أهل الجدل فيقطع كل مجادل . و الثاني أنه احتج للرجعة بما زاد على قضابا العقول فخصم كل عاقل .
7 ـ تضمنه أخبار الماضين :
و الوجه السابع من إعجازه ما تضمنه من أخبار القرون الخالية و قصص الأمم السالفة و تحداه به أهل الكتاب من قصة أهل الكهف و شأن موسى و الخضر ، و حديث ذي القرنين فكان على ما ذكره أنبياؤهم ، و تضمنته كتبهم .
فإن قيل : فالأخبار بما كان ليس بمعجز لأن علم غير الأنبياء به ممكن فعنه جوابان :
أحدهما : أنه ممكن فيمن علمها و متتنع فيمن لم يعلمها و لم يكن من أهلها فيعلمها فصار معجزاً ممتنعاً .
و الثاني : أنهم اقترحوا تحديه مما لم يكن مبتدئاً و لا كان له متناهياً من غوامض أسرار و غرائب أخبار جعلوها حجاجاً له و عليه ، ففصح بالجواب عن سرائرها و صدع بنعت غوامضها فخرج عن العرف إلى ما ليس بعرف فصار معجزاً .
8 ـ تضمنه عن علم الغيب :
و الوجه الثامن من إعجازه ما تضمنه من علم الغيب بأخبار تكون فكانت كقوله لليهود : قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين . ثم قال : ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم . فما تمناه أحد منهم .
و كقوله لقريش : فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا . فقطع بأنهم لا يفعلون فلم يفعلوا .
أو كقوله : سيهزم الجمع ويولون الدبر و كان ذلك في يوم بدر .
و كقوله تعالى في هجرته من مكة إلى المدينة إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد فأعاده الله إلى مكة عام الفتح إلى غير ذلك من نظائره .
فإن قيل : فقد يكون ذلك حدساً بشواهد الأفعال ، و فراسة بفضل الألمعية و قوة الفطنة ، فعنه جوابان :
أحدهما : أن الحدس و الفراسة و إن أصاب بهما تارة فقد يخطئ بهما أخرى ، و هذا إصابة في الجميع فخرجت عن الحديث و الفراسة إلى علم من لا تخفى عليه الغيوب .
و الثاني : أن الحدس و الفراسة توهم غير مقطوع بهما قبل الوجود ، و هذا إخبار بأنه مقطوع بها قبل الوجود فافترقوا .
9 ـ إخباره بضمائر القلوب :
و الوجه التاسع من إعجازه ما فيه من الأخبار بضمائر القلوب التي لا يصل إليها إلا علام الغيوب كقوله : إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا من غير أن يظهر منهم قول أو يوجد منهم فشل و كقوله : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم فكان كقوله : و إن لم يتكلموا به إلى غير ذلك من نظائره .
فإن قيل : فالجمع الكثير تختلف ضمائرهم في العرف ، فإن وجد ذلك في بعضهم لم يوجد في جميعهم ، فإن لم يخل أن يعقده بعضهم خلا منه بعضهم ، فتقابل القولان فيهم ، و بطل إعجازه معهم فعنه جوابان :
أحدهما : أنهم و وجهوا بهذا الخبر على العموم فلم ينكروه ، فزال هذا التفصيل فصار معجزاً .
و الثاني : أنه جعله ذنباً لهم فلم يتنصلوا منه فدل على وجوده من جميعهم .
10 ـ جزل القرآن لا يتوعر و لا يسترذل :
و الوجه العاشر من إعجازه أن ألفاظ القرآن قد تشتمل على الجزل المستغرب ، و السهل المستقرب ، فلا يتوعر جزله ، و لا يسترذل سهله ، و يكونان إذا اجتمعا مطبوعين غير متنافرين ، و لا نجد ذلك في غيره من كلام البشر ، لأن جزله يتوعر و سهله يسترذل ، و الجميع بينهما يتنافر ، فصار من هذا الوجه مبانياً ، و في الإعجاز داخلاً .
فإن قيل : إنما كان القرآن كذلك لأنه قد تواطأ بكثرة التلاوة فاستلذته الأسماع ، و استحلته الألسن ، و لولاه لتباين و اختلف ، فعنه جوابان :
أحدهما : أن صفته عند أول سماعه لو كانت لما ذكر من العلة ، لاختلف في مباديه و غايته .
و الثاني : أن غيره من الكلام المختلف لا يتواطأ بكثرة ذكره فبطلت العلة .
11 ـ اختصاص تلاوته ببواعث ليست لغيره :
و الوجه الحادي عشر من إعجازه أن تلاوته تختص بخمسة بواعث عليه لا توجد في غيره . أحدها : هشاشة مخرجه . و الثاني : بهجة رونقه . و الثالث : سلالة نظمه . و الرابع : حسن قبوله . و الخامس : أن قارئه لا يكل ، و سامعه لا يمل ، و هذا في غيره من الكلام المعدوم .
فإن قيل : إنما وقع في النفوس هذا الموقع للتدين بالتزامه و التخصيص بإعظامه ، فعنه جوابان .
أحدهما : أن هذا موجود في غيره من كتب الله تعالى كالتوراة و الإنجيل و الزبور ، و ليس يوجد ذلك فيها مع وجود هذا التعليل . و لذلك ما استعان أهلها على استحلاء تلاوتها بما وضعوه لها من الألحان ، و استعذبوه لها من الأصوات . و القرآن مستغن عن هذا بصيغة لفظه ، فلذلك ما راع وهيج الطباع .
و الثاني : التدين لا يسلب العقول تمييزها ، و لا يفسد عليها تصورها ، و هو بأن يزيدها بصيرة أولى من أن ينقصها ، و لو كان لهذه العلة لجحده من كفر كما اعترف به من آمن و قول الجميع فيه سواء .
و القرآن أول معجز دعا به محمد صلى الله تعالى عليه و سلم إلى نبوته ، فصدع فيه برسالته و خص بإعجازه من جميع رسله و إن كان كلاماً ملفوظاً و قولاً محفوظاً لثلاثة أسباب ، صار بها من أخص إعجازه و أظهر آياته .
أحدها : أن معجز كل رسول موافق للأغلب من أحوال عصره ، و الشائع المنتشر في ناس دهره لأن موسى عليه السلام حين بعث في عصره السحرة خص من فلق البحر يبساً و قلب العصا حية بهر كل ساحر ، و أذل كل كافر . و بعث عيسى عليه السلام في عصر الطب ، فخص من إبراء الزمنى و إحياء الموتى بما أدهش كل طبيب و أذهل كل لبيب . و لما بعث محمد صلى الله تعالى عليه و سلم في عصر الفصاحة و البلاغة خص بالقرآن في إيجازه و إعجازه بما عجز عنه الفصحاء ، و أذعن له البلغاء ، وتبلد فيه الشعراء ، ليكون العجز عنه أقهر ، و التقصير فيه أظهر ، فصارت معجزاتهم و إن اختلف متشاكلة المعاني متفقة العلل .
و الثاني : أن المعجز في كل قوم بحسب أفهامهم و على قدر عقولهم و أذهانهم ، و كان في نبي إسرائيل من قوم موسى و عيسى بلادة و غباوة لأنه لم ينقل عنهم ما يدون من كلام مستحسن ، أو يستفاد من معنى مبتكر . و قالوا لنبيهم حين مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، فظنوا أن الإعجاز بما يصلون إليه ببداية حواسهم .
و العرب أصح الناس أفهاماً و أحدهم أذهاناً قد ابتكروا من الفصاحة أبلغها ، و من المعاني أغربها ، و من الآداب أحسنها ، فخضوا من معجز القرآن بما تجول فيه أفهامهم و تصل إليه أذهانهم ، فيدركوه بالفطنة دون البديهة ، و بالروية دون البادرة لتكون كل أمة مخصوصة بما يشاكل طبعها ، و يوافق فهمها .
و الثالث : أن معجز القرآن أبقى على الأعصار و أنشر في الأقطار من معجز يختص بحاضره و يندرس بانقراض عصره ، و ما دام إعجازه فهو أحج و بالاختصاص أحق .
و جوه إعجاز القرآن :
1 ـ فصاحته
و إعجاز القرآن في خروجه عن كلام البشر و إضافته إلى الله تعالى يكون من عشرين وجهاً :
أحدها : فصاحته و بيانه : و ذلك معتبر بثلاثة شروط . أحدها : بلاغة ألفاظه ، و الثاني : اسيفاء معانيه ، و الثالث : حسن نظمه . فأما بلاغة ألفاظه فتكون من وجهين : أحدهما جزالتها حتى لا تلين .
و الثاني انطباعها حتى لا تخبو .
و أما استيفاء معانيه فيكون من وجهين :
أحدهما : أن يكون المعنى لائحاً في مبادي ألفاظه غير مفتقر إلى مقاطعه .
و الثاني : أن يكون المعنى مطابقاً لألفاظه فلا يزيد عليها و لا يقصر عنه ، فإن زاد كان الاختلال في اللفظ ، و إن نقص كان الاختلال في المعنى .
و أما حسن نظمه فيكون من وجهين : أحدهما أن يكون الكلام متناسباً لا يتنافر ، و الثاني أن يكون الوزن معتدلاً لا يتباين .
فإن قيل : قد يجتمع في كلام البشر ما يستكمل هذه الشروط فبطل به الإعجاز . فالجواب عنه من وجهين :
أحدهما : أن أسلوب نظمه على هذه الشروط معدوم في غيره ، فافترقا .
و الثاني : أن لنظم ألفاظه بهجة لاتوجد في غيره ، فاختلفا لأنك إذا جمعت بين قول الله تعالى : ولكم في القصاص حياة و بين قولهم [ القتل أنفى للقتل ] و جدت بينهما فروقاً في اللفظ و المعنى .
2ـ إيجازه :
و الوجه الثاني من إعجازه ، إيجازه عن هذا الإكثار ، و استيفاء معانيه في قليل الكلام كقوله تعالى : وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين .
فإن قيل : ليس جميعه و جيزاً مختصراً و فيه المبسوط و المكرر ، و بعضه أفصح من بعض ، و لو كان من عند الله لتماثل ، و لم يتفاضل ، لأن التفاضل في كلام من يكل خاطره ، و تضعف قريحته . فعنه جوابان :
أحدهما : أن اختلافه في البسط و الإيجاز ليس للعجز عن تماثله . ولكن لاختلاف الناس في تصوره و فهمه و تفاضله في الفصاحة بحسب تفاضل معانيه لا للعجز عن تساويه .
و الثاني : أنه خالف بين مبسوطه و مختصره ، و بين أفصحه و أسهله ، ليكون العجز عن أسهله و أبسطه أبلغ في الإعجاز من العجز عن أفصحه و أخصره . و لذلك فاضل بين خلقه ليعرف به فرق ما بين الفاضل و المفضول .
و قد حكى أبو عبيدة أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ : فاصدع بما تؤمر فسجد و قال : سجدت لفصاحة هذا الكلام .
فأما تكرار قصصه و تكرار وعده وو عيده ، فلأسباب مستفادة ، منها أنها في التكرار أوكد و في المبالغة أزيد و منها أنها تتغاير ألفاظها فتكون إلى القبوا أسرع و في الإعجاز أبلغ . و منها أنها إن أخل بالوقوف عليها في موضع أدركها في غيره ، فلم يخل من رغب و رهب .
3ـ علوم عن منظوم الكلام و منثوره :
و الوجه الثالث من إعجازه : أن نظم أسلوبه و وصف اعتداله يخرج عن منظوم الكلام و منثوره ، و لا يدخل في شعر و لا رجز ، و لا سجعة و لا خطبة حتى تجاوز محصور أقسامه ، و باين سائر أنواعه بأسلوب لا يشاكل ، و نظم لا يماثل . فصار و إن كان من حروف الكلام خارجاً عن أقسام الكلام ، فقد قال أنيس الغفاري و هو أخو أبي ذر الغفاري . و كان من الموصوفين بالتقدم في [ البلاغة و الفصاحة ] : عرضت القرآن على السجع و الشعر و النظم ، و النثر ، فلم يوافق شيئاً من طرق كلام العرب .
و حكي عن الوليد بن المغيرة ـ و كان سيد عشيرته و أفصح قومه ـ أنه جاء إلى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم ، و هو على كفره ، فقال : اقرؤا علي شيئاً من القرآن فقرؤا عليه .
فقال : ليس هذا من كلام البشر ، و ليس بشعر . فمضى إليه أبو لهب قال : أفسدت قريشاً بهذا القول فارجع عنه . فقال : أقول إنه سحر .
و قد تعاطاه من الشعراء ما خرج عن أسلوبه إلى طريقة شعره فقال في قصة الفيل :
ألا من مهلك الفيل و من سار مع الفيل
بطير صبه الله عليهم من أبابيل
رمتهم بجناديل ترى من طين سجيل
فأضحى القوم في القاع كعصف غير مأكول
فلم يساعده الطبع عليه مع أخذ معانيه و استعمال ألفاظه حتى عاد إلى مطبوع شعره .
و ضمن آخر من الشعراء شيئاً منه في شعره فخرج عن أسلوبه حيث يقول :
و قرا معاناً ليصدع قلبي و الهوى يصدع الفؤاد السقيما
أرأيت الذي يكذب بالدين فلذاك الذي يدع اليتيما
فإن قيل : لو كان لنظم القرآن أسلوب معجز لما طلب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عند جمع القرآن من يأتيه بالآية و الآيتين شهوداً ، أنه سمعه من رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم و لاكتفى بأسلوب نظمه عن بينة تشهد به ، و لكان لا يشتبه على ابن مسعود في المعوذتين حين أخرجهما من القرآن ، و لا على أبي بن كعب في القنوت حين أدخله في القرآن ، و لا على امرأة ابن رواحة في شعره حتى توهمته من القرآن . فعنه جوابان :
أحدهما : أن عمر التمس الشهادة في الآية و الآيتين . مما لا يكون بانفرداه معجزاً لأن الإعجاز مختص بما وقع به التحدي ، و أقل ما يقع به التحدي كأقصر سورة في القرآن آيات و حروفاً و هي سورة الكوثر و ما قصر عنه لا إعجاز فيه . فكان طلبه للشهادة متوجهاً إليه .
و الثاني : أنه طلب الشهادة على محلها من أي سورة هي ، و في أي موضع منها توضع و إن كان معلوم الأسلوب بالمباينة لأن الله تعالى كان يأمر بوضع ما أنزله فيما يراه من السور لقوله تعالى : إن علينا جمعه وقرآنه .
فأما ابن مسعود فلم يشكل عليه أسلوب المعوذتين أنهما من القرآن ، إنما حكمهما من مصحفه لأنه ظن أن تلاوتهما قد نسخت .
و أما أبي بن كعب فظن أن تلاوة القنوت باقية و لم يعلم أنها قد نسخت .
و أما امرأة ابن رواحة فلم تكن من ذوي الفصاحة و البلاغة فتفرق بين الشعر و أسلوب القرآن فلم يكن لوهمها تأثير .
4 ـ كثرة معانيه :
و الوجه الرابع من إعجازه ، كثرة معانيه التي لا يجمعها كلام البشر ، و ذلك وجهين :
أحدهما : ما يجمعه قليل الكلام من كثير المعاني كقوله تعالى : وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فجمع في آية واحدة بين أمرين ، و نهيين ، و خبرين ، و بشارتين .
و الثاني : أن ألفاظه تحتمل معاني متغايرة تحار فيها العقول ، و تذهل فيها الخواطر ، و تكل فيها القرائح . ثم لا تبلغ أقصاه و لا تدرك منتهاه حتى اختلف فيه الوجوه و تقابلت فيه النظائر .
فإن قيل : فهذا ألغاز و رمز هو بالذم منه أولى بالحمد فعنه جوابان :
أحدهما : أن الألغاز و إن ذم فالرمز ليس بمذموم ، و ليس فيه لغز و إن كان فيه رمز .
و الثاني : أن ما اختلف معانيه يخرج عن اللغز و الرمز ، لأن اللغز ما أريد به غير معناه ، و الرمز ما خفي معناه .
5 ـ جمعه للعلوم :
و الوجه الخامس من إعجازه ما جمعه القرآن من علوم لا يحيط بها بشر ، و لا تجتمع في مخلوق ، فلم يكن إلا من عند الله المحيط بكل شيء علماً حتى علمه من لم يكن به عالماً .
فإن قيل : فضل العلم لا يكون إعجازاً في النبوات . لأن العلماء قد يتفاضلون و لا يكون للأفضل إعجاز على المفضول فعنه جوابان :
أحدهما : أن التفاضل في العلم موجود و الإحاطة بجميع العلوم مفقود .
و الثاني : أن ظهور العلم فيمن يتعاطاه ليس بمعجز لظهوره من جهته ، و ظهور فيمن لم يتعاطه معجزاً لظهوره من غير جهته .
و قد كان أمياً من أمة أميه لم يقرأ كتاباً و لم يتعاط علما فصار ما أظهر معجزاً .
6 ـ تضمنه الحجج :
و الوجه السادس من إعجازه ما تضمنه من الحجج و البراهين عاى التوحيد و الرجعة و على الدهرية ، و الثنوية حتى قطع بحجاجه كل محتج و خصم بجدله له كل خصم ألد .
فإن قيل : فدلائل التوحيد مستفادة بالعقول فلم يكن فيها إعجاز من وجهين . أحدهما وجودها من ذاته ، و الثاني : مشاركته فيها لغيره .
و الجواب عنه من وجهين : أحدهما أنه لم يكن من أهل الجدل فيقطع كل مجادل . و الثاني أنه احتج للرجعة بما زاد على قضابا العقول فخصم كل عاقل .
7 ـ تضمنه أخبار الماضين :
و الوجه السابع من إعجازه ما تضمنه من أخبار القرون الخالية و قصص الأمم السالفة و تحداه به أهل الكتاب من قصة أهل الكهف و شأن موسى و الخضر ، و حديث ذي القرنين فكان على ما ذكره أنبياؤهم ، و تضمنته كتبهم .
فإن قيل : فالأخبار بما كان ليس بمعجز لأن علم غير الأنبياء به ممكن فعنه جوابان :
أحدهما : أنه ممكن فيمن علمها و متتنع فيمن لم يعلمها و لم يكن من أهلها فيعلمها فصار معجزاً ممتنعاً .
و الثاني : أنهم اقترحوا تحديه مما لم يكن مبتدئاً و لا كان له متناهياً من غوامض أسرار و غرائب أخبار جعلوها حجاجاً له و عليه ، ففصح بالجواب عن سرائرها و صدع بنعت غوامضها فخرج عن العرف إلى ما ليس بعرف فصار معجزاً .
8 ـ تضمنه عن علم الغيب :
و الوجه الثامن من إعجازه ما تضمنه من علم الغيب بأخبار تكون فكانت كقوله لليهود : قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين . ثم قال : ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم . فما تمناه أحد منهم .
و كقوله لقريش : فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا . فقطع بأنهم لا يفعلون فلم يفعلوا .
أو كقوله : سيهزم الجمع ويولون الدبر و كان ذلك في يوم بدر .
و كقوله تعالى في هجرته من مكة إلى المدينة إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد فأعاده الله إلى مكة عام الفتح إلى غير ذلك من نظائره .
فإن قيل : فقد يكون ذلك حدساً بشواهد الأفعال ، و فراسة بفضل الألمعية و قوة الفطنة ، فعنه جوابان :
أحدهما : أن الحدس و الفراسة و إن أصاب بهما تارة فقد يخطئ بهما أخرى ، و هذا إصابة في الجميع فخرجت عن الحديث و الفراسة إلى علم من لا تخفى عليه الغيوب .
و الثاني : أن الحدس و الفراسة توهم غير مقطوع بهما قبل الوجود ، و هذا إخبار بأنه مقطوع بها قبل الوجود فافترقوا .
9 ـ إخباره بضمائر القلوب :
و الوجه التاسع من إعجازه ما فيه من الأخبار بضمائر القلوب التي لا يصل إليها إلا علام الغيوب كقوله : إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا من غير أن يظهر منهم قول أو يوجد منهم فشل و كقوله : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم فكان كقوله : و إن لم يتكلموا به إلى غير ذلك من نظائره .
فإن قيل : فالجمع الكثير تختلف ضمائرهم في العرف ، فإن وجد ذلك في بعضهم لم يوجد في جميعهم ، فإن لم يخل أن يعقده بعضهم خلا منه بعضهم ، فتقابل القولان فيهم ، و بطل إعجازه معهم فعنه جوابان :
أحدهما : أنهم و وجهوا بهذا الخبر على العموم فلم ينكروه ، فزال هذا التفصيل فصار معجزاً .
و الثاني : أنه جعله ذنباً لهم فلم يتنصلوا منه فدل على وجوده من جميعهم .
10 ـ جزل القرآن لا يتوعر و لا يسترذل :
و الوجه العاشر من إعجازه أن ألفاظ القرآن قد تشتمل على الجزل المستغرب ، و السهل المستقرب ، فلا يتوعر جزله ، و لا يسترذل سهله ، و يكونان إذا اجتمعا مطبوعين غير متنافرين ، و لا نجد ذلك في غيره من كلام البشر ، لأن جزله يتوعر و سهله يسترذل ، و الجميع بينهما يتنافر ، فصار من هذا الوجه مبانياً ، و في الإعجاز داخلاً .
فإن قيل : إنما كان القرآن كذلك لأنه قد تواطأ بكثرة التلاوة فاستلذته الأسماع ، و استحلته الألسن ، و لولاه لتباين و اختلف ، فعنه جوابان :
أحدهما : أن صفته عند أول سماعه لو كانت لما ذكر من العلة ، لاختلف في مباديه و غايته .
و الثاني : أن غيره من الكلام المختلف لا يتواطأ بكثرة ذكره فبطلت العلة .
11 ـ اختصاص تلاوته ببواعث ليست لغيره :
و الوجه الحادي عشر من إعجازه أن تلاوته تختص بخمسة بواعث عليه لا توجد في غيره . أحدها : هشاشة مخرجه . و الثاني : بهجة رونقه . و الثالث : سلالة نظمه . و الرابع : حسن قبوله . و الخامس : أن قارئه لا يكل ، و سامعه لا يمل ، و هذا في غيره من الكلام المعدوم .
فإن قيل : إنما وقع في النفوس هذا الموقع للتدين بالتزامه و التخصيص بإعظامه ، فعنه جوابان .
أحدهما : أن هذا موجود في غيره من كتب الله تعالى كالتوراة و الإنجيل و الزبور ، و ليس يوجد ذلك فيها مع وجود هذا التعليل . و لذلك ما استعان أهلها على استحلاء تلاوتها بما وضعوه لها من الألحان ، و استعذبوه لها من الأصوات . و القرآن مستغن عن هذا بصيغة لفظه ، فلذلك ما راع وهيج الطباع .
و الثاني : التدين لا يسلب العقول تمييزها ، و لا يفسد عليها تصورها ، و هو بأن يزيدها بصيرة أولى من أن ينقصها ، و لو كان لهذه العلة لجحده من كفر كما اعترف به من آمن و قول الجميع فيه سواء .