المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : انحراف الشخصية



وسام أبو عمره
28-04-2005, 11:23 AM
انحراف الشخصية


لكل شيء واقع، وقد يكون ذلك الواقع ذا مصاديق فالكلي واقع، والجزئيات مصاديق متساوية بالنسبة إلى ذلك الواقع الكلي، مثلاً: الواقع بالنسبة إلى الأمة أن تصرف مالها في تقدمها، لكن هذا التقدم يمكن أن يكون في سبيل تكثير الزراعة، ويمكن أن يكون في سبيل تكثير الصناعة ـ إذا لم يكن أحدهما أهم ـ والواقع لا يختلف في أمة عن أمة، وإنما الاختلاف في أمرين:

1 ـ أخذ إحداهما مصداقاً، والأخرى مصداقاً آخر.

2 ـ استقامة إحداهما وانحراف الأخرى، وقد تكون كلتاهما في انحراف إذ الواقع واحد والانحراف كثير.

ثم إذا خالف الفرد الاجتماع في مسيره:

1 ـ فإن كانت المخالفة عابرة لم يعتن الاجتماع بخلافه.

2 ـ أما إذا كانت المخالفة مستمرة سمي المخالف [منحرفاً].

الانحراف ليس قدراً

وقد كان في القرون الوسطى، وجماعة من المسلمين في حاشية الخلفاء ينظرون إلى الانحراف، كأنه قدر محتوم وقضاء لازم، ويضمون إلى ذلك أن القضاء والقدر لا تبديل له، وكانوا يؤيدون ذلك بآيات وروايات خصوصاً إذا كان المخالف المنحرف من طبقة الحكام فكان من أسباب ذلك طبع أذهان جماعة من العامة على أن المستقبل بيد الله فلا يمكن تغييره عما كتب، حتى قال شاعر هم:

جرى قلم القضاء بما يكون فسيّان التحرك والسكون

بل أبعد النزع بعضهم، حيث قال في أشعار له:

[إني أشرب الخمر وكل من كان مثلي في التأهل العلمي]

[رأى في شربي اـلخمر أمراً سهلاً]

[وذلك لأن الله كان يعلم شربي للخمر]

[فإذا لم أشرب تبدل علم الله جهلاً]

فالمستقبل، بل وكل عمل الإنسان تقدير لابد منه، وإلى مثل هذا التفكر يعزى كثير من تأخر المسلمين، حيث منع ذلك عن التخطيط للمستقبل.

بينما كان الإسلام أمر بالعكس من إعداد العدة، وبعد المدى، قال سبحانه: (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة)(1).

ووصف علياً عليه السلام بعض أصحابه فقال: (كان بعيد المدى)(2).

وقد أجاب بعض العلماء ذلك الشاعر قائلاً:

[إن هذا الكلام لا يقوله من كان من أهل العلم]

[إذ جواب كلامه سهل]

[فإن جعل علم الله تعالى علة للعصيان]

[في غاية الجهل عند العقلاء]

بل كان عند بعض الأقوام بعض الانحرافات الناشئة عن المرض [كالصرع] علامة السيادة والكبر، حتى كان بعض الانتهازيين يتصنع الصرع ليحوز هذا المقام.

انحراف الحكام

أما انحراف الحكام فقد كان مما لا مردّ له، إذ الشرعية كانت تستمد من مصادر ثلاثة:

1 ـ الوراثة كما كان خلفاء بني أمية والعباس وعثمان يصلون إلى الحكم من هذا الطريق [في غير رئيس السلسلة] ومثل هذه الشرعية باقية إلى الآن في بعض بلاد الإسلام.

2 ـ الثورة حيث أن الذي قدر أن يجمع السلاح والرجال كان يثور، فإذا استولى كانت له الشرعية، كما في أول كل سلسلة من غالب الحكام الوراثيين.

ومن الواضح، أن السند لو كان الإرث، أو السلاح كانت النتيجة تسلم المنحرفين اريكة الحكم، وبعد ذلك يفعلون ما يشاؤون، حتى أن بعضهم كان يخاطب:

[ما شاءت لا ما شاءت الأقدار] [فاحكم فأنت الواحد القهار]

ويقال في آخر: (والآن صرت إلى أمية والأمور لها مصاير).

3 ـ أما الأمر المشروع الذي قاله الإسلام، والمع إليه العقل، فهو الحكم الانتخابي، لمن له المؤهلات، ثم يعزل بمجرد أن فقد ولو مؤهلاً وآخذاً من تلك المؤهلات، قال سبحانه: (أمرهم شورى)(3) وقال عليه السلام: (أن يختاروا) كما ذكرنا تفصيله في كتابي: [السياسة، والحكم].

لا… لفردية الحكام

ثم إذا توفرت المؤهلات، وانتخب الحاكم، فالقرار لا يمكن أن يصدره الحاكم بمفرده، ولا مع جماعة من الأفراد، بل بتعديل من مراكز القوى التي هي عبارة عن خيرة الشعب الذين اختاروا الحاكم، فإن الدولة ليست لعبة صماء، تتحرك في الفراغ وتعمل حسب أهوائها وشهواتها، ومنافعها، وإنما هي كائن حي مرتبط بجميع أفراد الأمة بوجه أو بآخر، تتفق تلك المراكز بعضها مع بعض في المصلحة، وتتعارض بعضها مع بعض مما يتقدم في الرأي أكثرهم في المؤهلات.

ولذا قالوا لا يوجد في السياسة صداقة دائمة ولا عداوة دائمة، بل ملاحظة الأصلح الدائم، وهذا ما يسمى في الفقه بقاعدة الأهم والمهم، والسلطة قمة عالية جداً ضيقة، مليئة أطرافها بالأشواك والحبائل والفخاخ، فلا ينالها إلا الأقوى الأصلح الأكثر حزماً، وبمجرد أن نالها تتحرك القوى المناوئة والصديقة ضدها، الأولى لإسقاطها، والثاني لتحريفها حتى تستفيد منها أكبر قدر من الاستفادة، فأي خطأ في محاربة الأولى، ومحاباة الثانية، توجب الإسقاط المفضوح، ولذا كانت السلطة، قبل الوصول إليها ثم البقاء فيها بحاجة إلى القوة والصلاح والحزم.

ولهذا السبب [البقاء لا يكون إلا بالتوازن بين مراكز القوى] يكون الانحراف في السلطة ـ بعد الوصول ـ مساوقاً للسقوط، كما كان الوصول إليها من المنحرف يساوق الاستحالة:

1 ـ فالإحساس الشخصي بأن القرار ضرورة.

2 ـ والانفعال الشخصي والإيحاء الذاتي.

3 ـ وصداقة الحاكم مع شخص أو جهة في إصداره القرار وعدم إصداره أو عداوته كذلك في إصدار القرار أو عدم إصداره.

4 ـ وإعلان الحرب والسلام والمعاهدة وشروط أيهما بمجرد رأي الحاكم.

5 ـ والاعتباطية في الصداقة والعداوة لأنها تابعة لمزاج الحاكم وكذلك الاعتباطية في إبقاء الصديق صديقاً والعدو عدواً.

6 ـ وتبدل الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وما إلى ذلك بتبدل الحاكم ـ بل وحتى بتبدل أنظمة الحكم ـ إلى غير ذلك.

لا يمكن أن يكون المبرر للقرار والعمل للقمة… إن هذه الأمور وإن كان يعملها الوارث للسلطة، إذا كان منحرفاً، أو الحاكم الذي أتى بالانقلاب العسكري، إلا أن ذلك يوجب تزلزل حكمه والانجرار العام حتى السقوط المشين، بالعكس من الحكم الانتخابي حيث لا يجد الانحراف إليه سبيلاً، وإنما ينزل عن كرسي الحكم إذا انتهت مدته ويكون حاله بعد السلطة كحاله قبلها ـ بتفاوت ـ إلا إذا انحرف حيث يكون حاله حال الانقلابي والوراثي يسقط بفضيحة.

موقف المجتمع من الانحراف

وكيف كان (فانحراف الشخصية):

1 ـ قد يكون انحرافاً ملائماً للاجتماع، حيث يراه الاجتماع انحرافاً لكنه يرى أنه لابد من مثله، بل قد يوضع القانون لأجله، من جهة أن الاجتماع يرى جعل المنحرف في دائرة خاصة أفضل من تسييبه، مثل عادة شرب المسكر أو استعمال المخدر، أو إجازة الشذوذ الجنسي في كلا الجنسين، وما أشبه [هذا وإن كان في الإسلام خطاءاً كبيراً، ويرى الإسلام منعه أهم من النفع المتوهم له، وقد قال سبحانه: (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما)(4)..] إلا أن جملة من الأمم لم تدرك أهمية الترك، أو أدركت ولكن لا علاج لها، حيث ليس لديها دين يدخل القلب فيكون الامتناع تلقائياً، ولذا أجازت مثل هذه الانحرافات.

ب ـ وقد يكون انحرافاً غير ملائم، وهذا هو الانحراف الذي يقف الاجتماع دون ظهوره، وإذا ظهر حاول تقويمه، سواء كان المنحرف يراه انحرافاً، لكنه لا يقدر على إزالته، أو لا يراه انحرافاً، مثل الذي له عقدة الحقارة، حيث أن بعضهم لا يرونها سيئة، وبعضهم يرونها سيئة، لكنهم يرون عدم قدرتهم على إزالتها.

مثلهما في ذلك مثل من يرى أن أربعة في أربعة يعادل عشرين، ومن يرى أنه يعادل ستة عشر لكنه يتأذى من ذلك، وفي المثال الإسلامي ـ ولا مناقشة في أنه عكس الممثل له ـ قد يرى غير المسلم أن محمداً صلى الله عليه وآله ليس بنبي وقد يراه نبياً لكنه يتأذى من ذلك، وقد قال سبحانه: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم)(5).

عوامل الانحراف

ثم إن الانحراف:

1 ـ قد يكون بالوراثة، فإن الانحراف في الآباء، يرثه الأبناء، فالولد سر أبيه، كما أن الولد يشبه العم والخال، إلى غير ذلك ـ مما حقق في علم الوراثة ـ لكن الإرث لا يكون علة تامة، بل أمر اقتضائي، ولذا لا ينافي التكليف كما قرر في علم الكلام.

وهذا الانحراف الوراثي، إن أمده الاجتماع قوي الانحراف، وإلا بقي على حاله، إلا إذا كان الاجتماع صالحاً، حيث يتمكن من تقليله، وأحياناً من إزالته… فمثلاً: الرجل السيء الخلق، إن كانت له زوجة حسنة الخلق، نزل الرجل عن غلوائه بنسبة في المائة، أما إذا كانت له امرأة سيئة الخلق، بقي على سوء خلقه، إن لم تزده سوءاً على سوء، وكذلك حال المعلم والمدير، والموظف ورئيسه، والأولاد والوالدين.

2 ـ وقد يكون بالعرض، وهو على ضربين:

أ ـ فقد يكون بسبب المعاناة في الصغر مثل تحقير الأولاد في البيت، أو المدرسة، أو في محل لعبه أو ما أشبه ذلك، أو تدليل الأولاد أكثر من القدر المعتاد أو إبعاده عن الاجتماع، أو جعله في اجتماع سيء، أو ما أشبه ذلك؛ فإن أمثال هذه الأمور تجعل الأولاد عرضة للانحراف بعقدة الحقارة، أو بالخمول أو بالنشاط المحرم، أو بما أشبه ذلك.

فإن حال النفس حال الجسم: كما أنه إذا ربّي الولد بعيداً عن مختلف الأغذية، والمناخاة الطبيعية أوجب انحراف صحته الجسدية، كذلك إذا ربي في جو غير ملائم للنفس أوجب انحراف صحته النفسية.

ب ـ وقد يكون بسبب عدم ملائمة ظروف الحياة، مثل الفقر، أو الحرمان وحالة الفوضى والحرب، والخصومات، والمنازعات مع المنافسين، والفشل في الحياة، والسجن ـ خصوصاً الانفرادي منه ـ والكبت، والمصيبة، وبالأخص إذا منع من التنفيس عن كبته ببكاء أو سفر أو سياحة أو رياضة أو ما أشبه ذلك، مما يوجب تنظيف النفس من المشاعر السوداء، والدين الذي يتراكم عليها من الأمور السابقة الذكر.

ولعل من أسباب جعل الإسلام إطلاق السجناء في أيام الجمع والأعياد لأجل الصلاة، وعدم منع عائلة السجين عن ملاقاته، بل وبقائهم معه ـ حيث لا دليل على منع ذلك ـ هو أن لا تتوفر الظروف السيئة حوله، حتى يوجب انحراف شخصيته… كما أن من ذلك أيضاً إباحته البكاء على الميت وغير ذلك مما تزخر به الأحاديث الواردة من المعصومين عليهم السلام في أمثال هذه الشؤون وقاية وعلاجاً.

وإذا كان للإنسان أرضية وراثية، أو أرضية من زمان صغره للاختلال النفسي أسرع إليه الاختلال بمجرّد حصول الظروف الملائمة لذلك الاختلال.

تأثير المجتمع في الانحراف والاستقامة

ثم الاجتماع كلما كان أكثر انغلاقاً، كان أخصب لرشد الانحراف كما أنه كلما كان أكثر حرية صحيحة كان أخصب لرشد الاستقامة… هذا من جهة، ومن جهة ثانية ـ كلما بني الاجتماع على إعطاء الحاجات، وتوفرت فيه وسائل الحياة كان أبعد عن تكوين الانحراف، والعكس بالعكس، ولذا أكد الإسلام على إعطاء حاجات الجسد، ومنع عن الكبت.

ففي الحديث: (لجسدك عليك حقاً)(6).

وقال النبي صلى الله عليه وآله لمن رآه قد أنهكته العبادة: (إن هذا الدين رفيق فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى)(7) إلى غيرها من الأحاديث.

والاجتماع بكلتا حالتيه العادية وغير العادية، يوجب الانحرافات المختلفة مثلاً: في الحالة العادية، الريف لسكّانه يوجب قسماً من الأمراض الروحية، أما المدينة المزدحمة فتوجد مرض توتر الأعصاب والقلق والحالة السبعية والاندفاع في بعض، وبالعكس يوجب الانعزال والانقطاع عن الاجتماع لبعض آخر.

أما الحالات غير العادية للاجتماع، مثل الحرب، بل والذين يتصدون الحرب كالجنود، فهي سبب انحرافات من قسم آخر.

1 ـ فالتغيير الفجائي في الحرب يوجب صدمة الأعصاب، بما لا يتحمله بعض، فيوجب فيه أمراضاً نفسانية، وانحرافاً في الروح مما يؤثر أثره على العمل.

2 ـ والجندي حيث يضطر إلى الانضباط والأعمال الصعبة التدريبية ونحوها، تتحول حالته العادية، إلى حالة غير طبيعية، مما يوجب صدمة روحية له توجب انحرافه.

الكبت والأمراض النفسية

3 ـ ثم إن الكبت النفسي الذي يضطر إليه الجنود، بعدم البكاء، وعدم إظهار الخوف، وعدم الشكاية وما أشبه ـ حيث أن مثل ذلك مما يعاب به في كثير من الأعراف ـ يوجب أمراضاً نفسية وانحرافاً، هي من ولائد الكبت والانغلاق ولذا جعل بعض الحكومات من نظام الجيش التنفس عن الكبت بالأمور السابقة وإظهاره عواطفه حتى لا تقوى نفس الجنود، ولا يسبب ذلك أمراضه النفسية وانحرافه.

ومن هذا المنطلق يتعارف عند الناس، أنه إذا أصيب شخص بعزيز له أو بمال أو بآفة كقطع يد، أو قلع عين ـ في عملية جراحية ـ أو ما أشبه، أن يأمروه بالبكاء، أو بالشكاية ببث الأشجان، وبالانصراف عن القيود الانضباط كما أن العرف يصرون عليه بالسفر أو تغيير المنزل ـ في من مات عزيزه ـ حتى يصبح فؤاده فارغاً، ولا يكون له ما يذكره بما فجع به، بالإضافة إلى أمره بالصبر، فقد ورد في الحديث: (من عزّى مصاباً كان له مثل أجره)(8) و (من عزى ثكلى كسي برداً في الجنة)(9).

وقد لخص جملة من علماء الاجتماع، أسباب الانحراف في:

1 ـ عدم استقامة العائلة.

2 ـ الحرمان.

3 ـ تناقضات الاجتماع.

العائلة… وانحراف الشخصية

1 ـ فعدم استقامة العائلة عبارة عن عدم سلامة وأمن البيت الذي يربى فيه الأولاد، إما بالكبت، أو بالتنازع، أو بالمزيد من العطف، فإن كل ذلك يوجب عدم استقامة النفس مما ينتهي بالآخرة إلى الانحرافات الروحية، قالوا: ولذا نجد كثرة الانحرافات النفسية عند الأيرلنديين لتشديد الأمهات في تربية أولادهم، وعند اليهود لتكثير الأمهات من العطف، واللطف بأولادهم، وعند الإيطاليين لتشديد الآباء على الأولاد، وعند جماعة من الأمريكيين لكثرة المنازعات بين الأخوة والأخوات.

وفي كثير من البلاد الغربية يقع الأولاد أوائل بلوغهم بين تناقض متطلبات العائلة منهم، مثلاً: من ناحية يريد الأبوان من البالغين الاستقلال في إدارة أمورهم الاقتصادية وغيرها، بل وحتى الجنسية، ومن ناحية أخرى يربطون الأولاد بالبيت وبالطاعة للأبوين والكبراء، ومن الطبيعي أن يقع التناقض بين الاستقلال واللا استقلال.

وكذلك الحال يكون مع الأولاد الذين يريد الآباء منهم الطاعة، ولا يقومون بكل حوائجهم ولو عدم تزويجهم، وبذلك يحدث الانفصام والعقد النفسية، فاللازم إما إعطاء الحاجة ـ ولو النواقص منها ـ في قبال الطاعة وإما ترك الأولاد ليقوموا بحوائج أنفسهم باستقلال من غير تطلب الطاعة منهم.

فالطاعة لا تكون إلا في قبال إعطاء الحاجة، فإذا اختل الميزان اختلت الصحة النفسية بما أوجب الانحراف، وهذه هي حالة الحكومات في قبال الشعوب، فاللازم إما إعطاء حاجاتهم في قبال تطلب الطاعة منهم، وإما تركهم وشأنهم لتحصيل حاجاتهم بأنفسهم بدون تطلب الطاعة، وإنما يكون شأن الحكومة حينئذ شأن المراقب لئلا يطغى بعضهم على بعض.

وفي بعض الأمم يتجلى التضاد في العائلة بمظاهر أخر، مثلاً: الأب يريد المجازاة للمسيء من الأولاد، لكن الأم تمنع ذلك، فيقع الطفل بين هذين النقيضين، أو يريد الأب إنهاء الدراسة للأولاد ليساعدوه في عمله ومزرعته، وتريد الأم عكس ذلك، أو تريد الأم زواج البنت، ويريد الأب عدم زواجها لأجل خدمة البيت، أو غير ذلك.

ولون آخر من ألوان التضاد، تسييب الأولاد في الدار، وإرادة الانضباط منهم لدى الذهاب إلى السفر، أو إلى الضيافة؛ أو عند حلول الضيف لديهم.

والحاصل: أنه كلما يوجب الازدواجية يوجب انفصام الشخصية مما ينجر بالآخرة إلى الأمراض والعقد النفسية… وحيث أن النفس والجسم يتبادلان المرض، ولذا قيل: (العقل الصحيح في الجسم الصحيح) فإذا مرضت النفس وتعقدت أوجبت بالإضافة إلى انحراف خط سير الحياة للمريض ولمن يرتبط به، تأثير المرض النفسي إلى جسمه.

ولذا اعتاد علماء الطب [النفسي الجسمي] فحص صور المرض الجسمي في النفس، فإن لم يوجد هناك مرض، استوجده في الأعضاء، والأجهزة البدنية.

دور الحرمان في الانحراف

2 ـ أما دور الحرمان فهو كبير في خلق الانحراف، فإنه يؤثر في الانحراف من جهتين:

(الأولى) أن الحرمان يؤثر على الجسم نقصاً في جهاز من الأجهزة، سواء كان بسبب سوء التغذية، أو بسبب عدم الوقاية من الحر والبرد، أو بسبب عدم وسائل الصحة في الماء والهواء، أو بسبب عدم الدواء… فيؤثر الاختلال الجسمي في الاختلال النفسي ـ كما تقدم وجهه.

ولذا نرى في البلاد ذات الاختلاف الطبقي تبتلي الطبقة الفقيرة بأمراض النفس مما لا يوجد مثل ذلك في الطبقة الغنية، ويعرف ذلك جلياً في الأحياء السكنية الفقيرة والغنية.

فالحياء السكنية الفقيرة، كما تكثر فيها الأمراض والأسقام الجسمية، كذلك تكثر فيها الأمراض النفسية والانحرافات الروحية، بخلاف الأحياء السكنية الغنية، وإذا ارتاد الإنسان المستشفيات، والمصحات العقلية، ودور المجانين يجد أن نسبة من فيها من الفقراء أكثر بكثير من نسبة من فيها من الأغنياء.

ومن أجل ذلك يكون المبتلى بالانحراف النفسي أكثر بكثير، في العوانس والأرامل، والأيتام والنساء اللاتي طلقن، والرجال الذين طلقوا زوجاتهم، من غير هؤلاء، كالنساء والرجال ذي الأزواج، والذين لم يصلوا مبلغ الزواج من الصنفين، والأولاد الذين لم يصابوا بفقد أحد الأبوين.

تناقضات المجتمع تزرع الانحراف

3 ـ أما تناقضات الاجتماع، فهي الأخرى توجب الانحراف، حيث يقع الفرد بين جهتين متضادتين، ويسبب ذلك انفصام شخصيته واختلالاً في داخله يجره إلى الانحراف، مثل ما إذا وقع الاجتماع بين كماشتي الثقافة القديمة، والثقافة الجديدة، أو وقع الفرد بين التضاد الثقافي، لأن ثقافته الاجتماعية توجب شيئاً، وثقافته الحزبية أو ما أشبه توجب شيئاً آخر، وكما إذا أمره دينه بشيء واجتماعه بشيء آخر.

ولذا نجد الانحراف في البلاد الإسلامية بكثرة بعد أن غزتها الثقافات الدخيلة ونرى من يفرط في شرب الخمر بما لا يفعل مثله زميله في بلاد المستعمر، إلى جانب من يفرط في التطهير إلى حد الوسوسة، بما لم يأمر به الإسلام، إلى غير ذلك من الأمثلة.

وقد نعى جماعة من علماء الأخلاق في الغرب، تحطم الاجتماع الغربي من جهة التناقضات السائدة في تلك البلاد، لأن الاجتماع يدعوا الفرد من ناحية إلى حب الإنسان وخدمته ومراعاة حقوقه، ومن ناحية إلى حب الشهرة وجمع المال وتطلب المزيد من الربح، وكذلك يدعوه تارة إلى الرؤية المستقبلية والوعي والرشد الفكري، وتارة إلى حقائق مقبولة بواسطة الدعايات الملتوية في الإذاعات والصحف وغيرها، وهكذا يزيد تارة من حاجاته الاقتصادية بسبب المنتجات الاقتصادية الجديدة ذات الجمال والبريق، ثم لا يهيء له الوسائل الكافية، والإمكانات لاحتواء تلك الحاجات، وكذلك في أمر الإسلام والحرب والاستعمار والتحرر، بينما السلام هو ظاهر دعاياتهم والتحرر هو مدعاهم، يعملون ليل نهار للحرب، وللاستعمار الأكثر فالأكثر.

حربة الاستعمار تصيب حامليها

وينبغي هنا أن ننوه إلى حقيقة هي أن الإنسان لا يمكن أن يكون على شاكلتين ـ إلا إذا كان مريضاً منفصم الشخصية ـ قال سبحانه: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)(10) والشاكلة الواحدة لا تأتي إلا بالعمل الواحد المشابه لتلك الشاكلة.

(قل كل يعمل على شاكلته)(11) ولذا عادت أضرار استعمار البلاد ونيران حروبها إلى أنفسها بمثل ما رجعت إلى البلاد المستعمرة والمحاربة، ولكن بصورة مختلفة ـ وإن كان المغزى واحداً ـ.

فالحالة الاستعمارية في تلك البلاد سببت:

1 ـ استعمار دولها لشعوبها، كما استعمرت تل الدول البلاد المستعمرة وقد صدقت الحكمة القائلة: (من أعان ظالماً على مظلوم لم يزل الله عليه ساخطاً حتى ينزع من معونته)(12) وما ورد من أنه: (كما تدين تدان)(13) فإن حالة الظلم إذا وجدت في إنسان لم يهتم أن يظلم عدوه أو صديقه، وفي المثل الإسلامي، أن هارون كما قتل موسى بن جعفر عليه السلام قتل البرامكة الذين ساعدوه على ظلمه.

2 ـ المؤامرة الدائمة من بعضهم ضد بعض، بما لا تدع لهم راحة فهم في ضيق البلاد المستعمرة، وإن لم يكن من جهة الاستعمار الظاهر، وقد قال سبحانه (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً) (14).

كما أن حروبهم لأجل الاستعمار أورثت لهم بالإضافة إلى كره الأمم المحاربة لهم، والحروب البادرة بينهم، حربين عالميتين كانت كل حرب منهما تساوي القدر الذي حاربوه مع الأمم الضعيفة، قبل تلك الحرب إن لم تكن أكثر، وقد يجتمع هذه الحروب التي أشعلوها ضد الأمم ـ بعد الحرب العالمية الثانية ـ لتنفجر ضدهم في حرب عالمية ثالثة.

شروط عقاب المنحرف

المنحرف يجب أن يعاقب بعد ملاحظة أربعة أمور:

1 ـ الجريمة.

2 ـ والمجرم.

3 ـ والاجتماع.

4 ـ والصلاح.

فمثلاً: هل حجم الجريمة زنا محصن، أو زنا غير محصن؟ وهل المجرم غير بالغ ليؤدب، أو بالغ ليحد؟ وهل الاجتماع صالح حتى يكون المنحرف خارقاً للصلاح العام؟

قال سبحانه: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها)(15).

أو الاجتماع غير الصالح حتى يكون المنحرف خارقاً للقانون لا للصلاح العام، وقد قال صلى الله عليه وآله: (ساحر المسلمين يقتل، وساحر الكفار لا يقتل، لأنه في أسوء من السحر)(16) ولم يكن جزاء السارق في المخمصة قطع اليد، وبعد تلك الأمور يأتي دور الأهم والمهم، وهل أن الصلاح العقوبة أو تركها أو قدر منها؟

قال الله تعالى: (وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث)(17).

وجعل الإسلام الصلح سيد الأحكام، وقال تعالى: (والصلح خير)(18) حتى لا يستفز الحق أحد الطرفين ويهيء الأرضية للانحراف، وقد عزل علي عليه السلام أبا الأسود الدؤلي [قاضيه] فقال له: لم عزلتني يا أمير المؤمنين، وما خنت ولا جنيت؟ قال عليه السلام: (نعم ولكن يعلو صوتك صوت الخصمين…)(19) فلماذا الصياح من القاضي؟ فإن اللازم عليه أن يحكم حسب ما يراه من الحق وذلك ممكن بصوت خافت، أما ما عداه فإنه يزرع الحقد، ويهيء الأرضية للانحراف.

وقد عفا علي عليه السلام عن شاب سارق، قال له: ماذا تحفظ من القرآن؟ قال سورة البقرة، قال عليه السلام: (عفوت عنك لسورة البقرة…) وعفا عن لائط بعد أن تاب واستعد لتقبل العقاب… وأنّب رسول الله صلى الله عليه وآله الذين أرجعوا ماعزاً إلى الحفرة حتى رجم فمات، وأوداه من بيت المال، إلى غيرها من القصص التي تعير مسألة كون [العقوبة حسب الجريمة، أو حسب المجرم] وكون [الاجتماع، والصلاح] يتدخلان في الأمر.

كيف يعالج الانحراف؟

وعلى أي حال، فالمهم في باب الانحراف:

1 ـ العلاج.

2 ـ وإصلاح المجتمع الصغير.

3 ـ وإصلاح المجتمع الكبير.

فإن المنحرف غالباً ليس إلا ضحية الاجتماع، فيجب أن ينظر إليه بنظر العطف والشفقة لا بنظر الغضب والازدراء، ولذا لم يرد في التاريخ ازدراء الرسول صلى الله عليه وآله، وعلي عليه السلام بالمجرمين، وإن طبقوا عليهم ـ أحياناً ـ الحدود الشرعية.

وحتى المنافقين الذين ورد فيهم: (إنهم في الدرك الأسفل)(20) وإنهم (هم العدو)(21) لم يواجههم الرسول صلى الله عليه وآله، وعلي عليه السلام إلا بأقل القدر الممكن من التأنيب، وكذلك الذين فروا من الزحف أو خانوا الرسول صلى الله عليه وآله في أوامره الحربية مما سببوا قتل خيرة أصحابه كحمزة عليه السلام مع أنه قال الله تعالى: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله)(22).

وقال سبحانه: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين)(23).

بل عامل الرسول صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام الذين حاربوهما بأقل القدر الممكن من العنف مما لابد منه ـ في قصص معروفة ـ إذ العقاب اضطرار، لم يجعل تشفياً، وإنما جعل علاجاً فهو كالعملية الجراحية لا يقدم عليها إلا اضطراراً، ثم يكون كمها وكيفها بقدر الاضطرار أيضاً، فإن الله سبحانه خلق البشر ليرحمهم.

قال تعالى: (ولذلك خلقهم)(24).

أما العذاب في الآخرة، فهو أيضاً بقدر الاضطرار، ولذا تكون الشفاعة والعفو، ثم بعد ذلك إذا حدث الاضطرار يأتي (جزاءاً وفاقاً) (25) (وإنما تجزون ما كنتم تعملون) (26).

ولذا كان شعار الإسلام: (قولوا للناس حسناً)(27) و (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)(28) و (ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، ولا يلقاها إلا الذين صبروا ولا يلقاها إلا ذو حظ عظيم)(29). (وإن واحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه)(30).

وقال علي عليه السلام: (واكــظم الغـــيط وتجـــاوز عند المقدرة، واحلم عند الغضب واصفح مع الدولة [السلطة] تكن لك العاقبة)(31).

وقال عليه السلام: (إذا قدرتك على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه)(32).

وقال عليه السلام: (أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة)(33).

وقال عليه السلام: (العفو زكاة الظفر)(34)… إلى غير ذلك من كلماتهم عليهم السلام وأعمالهم سواء بالنسبة إلى المجرمين السياسيين، أو المجرمين الجنائيين.

وقد اكتشف علماء السياسة والاجتماع، أخيراً لذلك قاعدة [عجز القوة وقوة العجز] حيث أن القوة يختفي في طيارتها العجز، فهل يمكن أن يضرب لص بمدفع ميدان؟ وهل يمكن أن يقابل سلم العدو [العجز] بالقمع؟ وللمثال… فقد انتزع حزب المؤتمر استقلال الهند من بريطانيا بالسلم، كما أن عالم اليوم عجز عن دفع عدوه مع أنه يملك السلاح النووي.

ومن كلام لعلي عليه السلام: ـ كما في نهج البلاغة ـ: (وإنما ينبغي لأهل العصمة والمصنوع إلــيهم في السلامة، أن يــــرحموا أهل الذنوب والـمعــصـــية، يكـــون الشكر هو الغالب عليهم، والحاجز لهم عنهم، فكيف بالعائب الذي عاب أخاه وعيّره ببلواه(35).

أما ذكر موضع ستر الله عليه من ذنوبه مما هو أعظم من الذنب الذي عابه به؟ وكيف يذمه بذنب قد ركب مثله؟ فإن لم يكن ركب ذلـــك الذنب بعينه فقـــد عصى الله فيما سواه، مما هو أعظم منه، وأيم الله لئن لم يكن عصاه في الكبير وعصاه في الصغير، لجرأته على عيب الناس أكبر، يا عبد الله لا تعجل في عيب أحد بذنبه، فلعله مغفور له، ولا تأمن على نفسك صغير معصية، فلعلك معذب عليه، فيكفف من علم منكم عيب غيره لما يعلم من عيب نفسه، وليكن الشكر شاغلاً له على معافاته، مما ابتلي به غيره).

وعلى أي حال، فعلاج الانحراف:

أ ـ استدراج المنحرف إلى الاستقامة من أقرب الطرق وأسهلها، فإذا كان إجرامه لأجل فقر أو عدم زوج أو زوجة أو مرض أو منافسة، أو ما أشبه عالج فقره، وزوجه [وقد زوج علي عليه السلام مومسة] وهيء وسائل صحته، واصلح بينه وبين منافسه، أو أبعد أحد المنافسين عن الآخر ـ إن أمكن الإبعاد ـ وقد أمر الإمام الصادق عليه السلام بعض أصحابه أن يعطي من مال الإمام عليه السلام لطرف النزاع حتى يصطلحا إذا كان النزاع على مال.

ب ـ تهيئة مصحات تمزج العلاج، بتشغيل المنحرف، إذ المنحرف إذا ارتبط بالعمل لم يبق له فراغ للانحراف الفكري أو العملي، فإن فكره يشتغل بعمله، وتعبه العملي يورث انضباط أكله ونومه مما يسببان له راحة وبهجة، وبالأخص إذا كان شغله مغرياً وموجباً لتقدمه، حيث أن ذلك يسبب أن ينظر إلى نفسه بالرفعة فيتجنب تعاطي الأمور الوضيعة، والتفكر في الأمور السخيفة.

ج ـ إذا كان مستحقاً للعقوبة عاقبه بقدر الضرورة، كماً وكيفاً [كما تقدم].

إصلاح المجتمع الصغير

د ـ إصلاح المجتمع الصغير، أي الــعائلـــة والمدرسة ونحوهـــما، فقد سبق أن للمشاكل العائلية وسوء تربيتهم للأولاد، وانحراف الثقافة في المدرسة، وسوء معاشرة المعلم ونحوه للتلاميذ، يسببان لهم انحرافاً… فاللازم على الأبوين إعطاء الأولاد العقل والعاطفة معاً، بدون إهمال أو تشديد حتى يحس الطفل بالأمن ويشعر بحدود عمله، فيعطيانه حاجاته، وفي نفس الوقت يعلمانه الانضباط والنظافة والأدب والعمل، وحب الآخرين، والمشاركة معهم وعدم الاستبداد.

يقول الشاعر:

والأم مدرسة إذا أعددتها أعددت جيلاً طيب الأعراق

أما المدرسة فهي محل التربية الفكرية والعملية، وتقويم الطفل فيها أصعب من تقويمه في البيت، حيث أنه في المدرسة تختلط الأجواء، فإن لكل طالب جواً، والنفس تسرع في اكتساب السيئات أكثر من كسبها للحسنات… ولذا يكون اللازم استقامة الثقافة، واستقامة التربية، والمواظبة الكاملة على عدم سراية الأخلاق السيئة من بعض الطلاب إلى بعض.

ولا يخفى، أن المجتمع الصغير حيث أنه مندمج في المجتمع الكبير، يلزم أن يصلح المجتمع الكبير أيضاً، إذا أريد إصلاح المجتمع الصغير.

إصلاح المجتمع الكبير

3 ـ أما إصلاح المجتمع الكبير، فهو من أشكل الأمور. إذ يتدخل فيه الاقتصاد والسياسة والشؤون الاجتماعية، والعمران، والتربية، وغيرها، وهو بحاجة إلى جيش من المصلحين، ومن المثقفين، والمحنكين حتى يمكن إصلاحه فإن مثل محاربة تعاطي الخمور والمواد المخدرة، والانحراف والشذوذ الجنسي وفتح مدرسة، أو إخراج مجلة، أو ما أشبه، أمور جزئية، لا يمكن إصلاح المجتمع الكبير بها، وإنما إصلاحه بحاجة إلى تخطيط عام يشمل كل جوانبه وأول الإصلاح هو أن يكون القائمون به صالحين، وإلا (فاقد الشيء لا يعطيه).

دعائم إصلاح المجتمع

والتخطيط العام لإصلاح المجتمع يبنى على دعائم: أ ـ الإيمان. ب - واقتسام العلم والحكم والمال.

1 ـ الإيمان بالله:

أما الإيمان فلأنه الوحيد الذي يمكن به تعديل الصفات والملكات والعواطف والأعمال، وإلا فمهما كان السطح منظماً ومنضبطاً، أمكن الخروج منه، وحيث ليس كلامنا الآن في [الإيمان] ندع الأمر لموضعه.

2 ـ اقتسام القدرات:

ب ـ وأما الاقتسام فلأن من طبيعة الاستغناء [علماً أو مالاً أو حكماً] الطغيان ولا يأخذ أمام الطغيان، إلا الاقتسام [فإن في ذلك وقاية للاجتماع عن الانحراف والوقاية خير من العلاج].

فإن أحد الأمور الثلاثة، إذا لم يكن في متناول الجميع على حد سواء ـ باستثناء عدم قدرة بعض للاستيعاب من جهة عدم الكفاية فكرياً أو جسمياً ـ أوجب ذلك الحرمان، والحرمان ينتهي إلى الانحراف، ولذا يجب تحرير الثلاثة عن نير الرأسمالية والشيوعية ونحوهما، حتى يكون الميزان الكفاية والعمل فكل يقدر على أن يحصل المال بقدر الآخر ـ في صورة استوائهما كفاءة ـ وكل يقدر على أن يحصل على أعلى مراتب العلم [الجامعة وفوقها] وكل يقدر على أن يحصل على الحكم بعد وجود المؤهلات له، من الشرائط الشخصية [كالعلم والعدالة].

والشرائط الاجتماعية [كاختيار أكثرية الناس له] ـ هذا فيما فيه اختيار الناس ـ أما إذا كان الحكم من قبيل الوظائف، كان لابد وأن ينظر إلى الأفراد المتأهلين بنظرة واحدة، وإذا كثروا وتساووا، ولا احتياج إلى جميعهم كان الحكم [القرعة] فـ [ـالقرعة لكل أمر مشكل].

وبذلك يأمن الاجتماع عن الطبقية المنحرفة، والمحسوبية والمنسوبية، وعن تدخل غير الكفاية في الوصول إلى المال والعلم والحكم، وحينذاك تكون الأرضية الاجتماعية خصبة للنبات الصالح، فلا يوجد الانحراف [إلا ما كان خارجاً عن تحت قدرة البشر].

فإذا حصلت الموازنة الصحيحة بين المعنويات [الإيمان والعلم والحكم] والماديات [المال] لم يترد المجتمع في مساقط الانحراف، بخلاف ما إذا لم تحصل الموازنة كما إذا كان الإيمان عند من لا علم له، أو العلم عند من لا مال له، أو المال عند من لا إيمان له، أو ما أشبه ذلك، فإن المجتمع حينئذ يصبح محلاً خصباً للانحراف:

فلماذا الشاب الفلاني يقدر على دخول الجامعة، وأنا لا أقدر مع أن مستواه الفكري مثلي؟ فهل لأن والده يملك المال ولا يملك والدي؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا ملك والده المال ولم يملكه والدي، مع أن الكفاءة فيهما متساوية أليس ذلك من ذنب الاجتماع الذي نظم القانون الاقتصادي بحيث يستحق الكفاءات، ويوجب الاختلاف في الطبقات بدون مبرر؟

ولماذا تمكن فلان من الوصول إلى مجلس الأمة، ولم أتمكن أنا؟ فهل لأن ذاك من حاشية الحاكم، ولست أنا من حاشيته؟ وهل ميزان الحكم الحاشية؟ أو أن الميزان الكفاءة وانتخاب الناس؟ وإذا كان الميزان الأول، فأي اجتماع هذا الذي ينظم القانون بحيث يحرم الكفؤ بدون أي سبب؟

ولماذا لا أتمكن أنا من كسب المال الكافي لشؤوني، مع أن عندي كفاءة وأنا مستعد للعمل؟ أليس ذلك لأجل أن الرأسمالي الفلاني، يتمكن من التلاعب بالأسواق فينزل البضاعة ليكسر باعة المفرد، حتى يوسع لنفسه المحلات لبيع المفرد التابعة له؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأي اجتماع هذا الذي يسن مثل هذه القوانين حتى يحرم الإنسان عن لقمة العيش، بله التقدم؟

إلى غير ذلك من أسباب الطبقية المنحرفة في كل من العلم والمال والحكم مما يسبب أن يكون الاجتماع محلاً لولادة الانحراف.

القوانين الوضعية تصنع الانحراف

وقد أوغلت القوانين الوضعية في تهيئة مناخ الانحراف:

1 ـ فالقانون يطبق على العالم وغير العالم، والمضطر وغير المضطر، مع أن الإنسان يرى الظلم في القانون إذا رأى نفسه بريئاً ـ بعدم العلم وبالاضطرار ـ وذلك مناخ خصب لوجود الانحراف فإن المظلوم يهيء نفسه للانتقام، ويختمر في نفسه العداء، وذلك مما يسبب الانفجار أحياناً في غير المحل المناسب.

وأما الإسلام فقد رفع تسعة أشياء(36): (ما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه، وما استكرهوا عليه، والنسيان، والسهو، والطيرة، والحسد ما لم يظهر بيد أو لسان، والوسوسة في التفكر في الخلق) لأن كل ذلك لا يدخل تحت الاختيار، فكيف يؤخذ الإنسان به.

كما أن من خطأ القوانين الوضعية الموجبة لتهيئة مناخ الانحراف جعل المال بدل العقاب، وبدل الوظيفة، فالقاتل وكثير من المجرمين إذا أعطوا المال خلصوا من السجن أو الإعدام، أو ما أشبه، كما أن المكلف بالجندية الإجبارية إذا دفع المال سقط عنه التكليف بالخدمة، وهكذا في كثير من القوانين، ومثل ذلك من أخصب المناخ للانحراف.

إن الفقير ـ الذي لم يرجع فقره إلى تقصيره ـ إذا أجرم هو والغني، سجن الأول، وأطلق الثاني، أو قتل الأول وخفف عن الثاني، ولماذا؟ لأن الأول عثر به حظه فلم تتهيء الظروف، لأن يكون له مال وكذلك إذا أخذ الفقير جندياً مكلفاً وأطلق الغني بسبب عطائه المال: إلى غير ذلك من الأمثلة.

وكذلك الحال في إجرام ذي نفوذ وغيره، حيث أن شخصية الأول تحول دون عقابه أو عقابه الكثير، بينما غيره يتلوى لأمر لم يكن باختياره، حيث أنه لا شخصية له، لعدم كونه من عشيرة أو ما أشبه… فإن أمثال هذه الأمور [والأمر إنما في إطار القانون] توسع رقعة الانحراف، وربما جرفت الثورة بواضعي أمثال هذه القوانين.

amany-amany
11-11-2005, 05:46 PM
سلام عليكم
انا اختكم اماني
انا طالبه في قسم علم النفس السنه الثالثه ومحتاجه منكم مساعده لاني ساعرض نظرية التحليل النفسي لفرويد قريبا واريد ان اتم جمع الماده العلميه لذلك.اتمنى ان تشعروا بمدى ضيق الوقت وبالفعل هناك قلة فظيعه في ماده البحث.

د. عمر هزاع
11-11-2005, 06:38 PM
إليك بعض مما قد يفيدك :

أولاً -










بدأ التحليل النفسي بوصفه وسيلةً جديدة لعلاج الاضطرابات النفسية والعصبية مع فرويد، الذي وضع أسس هذا العلم وآلياته وطرق ممارسته ومصطلحاته. لكن هذا المنهج عانى ما تعانيه المناهج الفكرية حين تنتقل من المؤسس إلى أتباعه ومنهم إلى مناطق جغرافية شتى تختلف مرجعياتها الفكرية والاجتماعية، لذلك تباينت الرؤى والأفكار والتصورات حول القضايا الواحدة، بالرغم من بقاء المجرى الفكري الأساسي الذي يغذي كل هذه الروافد واحداً.


في هذه الحوارية المتميزة يقدم لنا عالمان جليلان من علماء التحليل النفسي الرؤية الواضحة والعميقة لهذا العلم الذي يُعدُّ واحداً من العلوم الأساسية التي أثرت في القرن العشرين ومازالت فاعلة إلى الآن. فأوضحا المعالم الأساسية للتحليل النفسي ومسيرته التاريخية وطرقه وتقنياته والتيارات التي نشأت عنه، ومن هم تلاميذ فرويد الذين أبدعوا مدارس جديدة في التحليل النفسي، وأين وصلت الأبحاث المستمرة لهذا العلم؟ ومن العلماء المعاصرون، وما هي إسهاماتهم في المجالات الفكرية من فنون وآداب وفلسفة.

هل سقطت الفرويدية وماذا قدمت للفكر العربي المعاصر؟

توقع فرويد أن الطب قد يكتشف يوماً ما عقاقير قادرة على علاج العوارض النفسية التي يعالجها التحليل النفسي. ورأى أن التحليل سوف يحتفظ بمكانته لحين ظهور هذه العقاقير. وهو قد يبدو قابلاً للإهمال بعدها.

وصدقت نبوءة فرويد بعد وفاته بثلاثة عشر عاماً 1952م، حين ظهر دواء الكلوربرومازين، ومن حينه لا تزال صناعة الأدوية النفسية في تطور مستمر.

ومع ذلك فإننا لا نزال نتساءل: هل سقطت الفرويدية؟

فهل يعود هذا التساؤل إلى عدم كفاية الأدوية النفسية أو تراه يعود إلى قدرة الاستمرار التي اكتسبها التحليل النفسي بعد التعديلات التي أدخلها أتباع فرويد عليه؟

الوقائع العيادية من جانبها تنفي الاحتمالين معاً. فالنتائج الحاسمة التي تعطيها الأدوية النفسية هي نتائج لا ترقى إليها الشكوك. هذا مع الاعتراف بآثارها الجانبية وتقرير ضآلتها بالمقارنة مع منافع الأدوية. أما عن التعديلات المدخلة على التحليل النفسي فيمكن اعتبارها السبب الرئيسي المساهم في تراجع الفرويدية. وبذلك نعاود السؤال عن سبب صمود الفرويدية حتى اليوم؟

وهو سؤال لن نجد إجابته بطرح فرضيات أو عناوين. فهذه الإجابة تحتاج إلى تدقيق ومتابعة تاريخية لحركة التحليل النفسي منذ إنشائها حتى اليوم، وكذلك متابعة مراحل تطور الفكر العلمي لسيغموند فرويد مؤسس الحركة. وهي متابعة تقتضي الفصل بين الفرويدية وبين التحليل النفسي؛ لأن المتابعة ستظهر لنا انطواء الفرويدية على الكثير من الكذب، وحتى التزوير العلمي، وكذلك على رغبة عارمة بالسيطرة. كما ستظهر لنا متابعة الحركة وجود تيارين رئيسيين فيها. الأول عامل على تطوير المبادئ الفرويدية وعلى تقويمها وتطويرها، والثاني ذو ميل للخروج عليها ودمج بعض عناصرها في نظريات علاجية أخرى.

وهكذا فإن الموضوعية ستدفعنا للفصل بين محاكمة الفرويدية، ومحاكمة التحليل النفسي والتمييز بينهما، تجنباً لتحميل النظرية بعض هنات وأخطاء واضعها. وهو خطأ شائع في المراجعات العلمية.

والمحاكمة التي نحن بصددها تفقد كل عناصر الموضوعية، لو أننا أهملنا العودة إلى الزمن التاريخي لنشوء وتطور النظرية وللظروف الحياتية لفرويد. وبغير ذلك يصعب علينا مناقشة الإسقاطات الفرويدية على النظرية. خصوصاً أن هذه الإسقاطات مموهة بالنقد الذاتي وبالاعترافات والمراجعات الفرويدية الذاتية. وهذا ما يجعل من متابعة السيرة الفرويدية ضرورية لبدء هذه المحاكمة ولتصويب احتمالات الشطط فيها. وقبل أن نقدم العرض الموجز لهذه السيرة نجد من الإنصاف أن نذكِّر بأن الانشقاقات التحليلية قامت انطلاقاً من أفكار فرويدية، ولم تكن إبداعات مؤسسة للمنشقين. فقد أرسى أوتو رانك (O. Rank) تياره عبر كتابه (صدمة الولادة)، وهي فكرة فرويدية وردت في كتابات فرويد حول (الصدمة).

أما عقــدة (الدونية/ التفــوق) التي بنى عليها ألفرد آدلر (A. Adler) نظريته، فهي على علاقة بحديث فرويد عن الشعور بالدونية في مناسبات عديدة. ونأتي إلى كارل غوستاف يونغ واهتمامه باللاوعي الجمعي وبالماورائيات لنجد أن فرويد قد قدم دراسات عديدة في هذين المجالين، فقد ناقش موضوع اللاوعي الجمعي في عدة كتابات منها (موسى والتوحيد) و (التحليل النفسي للنكتة).

أما عن الماورائيات فقد انطلق فرويد مما وراء علم النفـس ليصل إلى الماورائيات دون أن يغرق فيها، مع نصحه لأتباعه بعدم الغرق فيها أيضاً.

أما عن إدخال اللسانية في مجرى العملية التحليلية (الذي ركز عليه لاكان وجعله محوراً لنظريته. لدرجة القول بأن اللا شعور مبني على غرار اللغة)، فإننا نورد هذا المقطع من كتابات فرويد إذ يقول: ((إن الترابط والتقارب الفكري (العلاقة اللسانية بحسب لاكان) بين كلمتي (Urmensch) وتعني الجد بالألمانية وكلمة (Uhrmensch) وتعني بالألمانية، الرجل - الساعة، هو تقارب جعل الساعة مرتبطة بالأب في لاشعور المريضة. والأمر نفسه يصح بالنسبة إلى جورج ديفريه (G. Devreux) صاحب نظرية التحليل الاثني المرتبطة بكتابات فرويد عن (موسى والتوحيد) كما يصح بالنسبة إلى صاحب نظرية القدر ليوبولد سوندي المشتقة أساساً من مبدأ ثنائية العواطف ومن عقدة قابيل، ومن العلاقة بين السادي والمازوشي، وأيضاً في حديثه عن أزواج المتعارضات، وإن نجح سوندي في الخوض في موضوع الوراثة الذي ينتمي إلى الصخرة البيولوجية التي كان فرويد يهابها ويتجنب الاصطدام بها

د. عمر هزاع
11-11-2005, 06:41 PM
ثانياً -


مباديء العلاج النفسي ومدارسه

العلاج النفسي هو ممارسة تهدف لعلاج الاضطرابات النفسية أو النفسية – الجسدية باستخدام وسائل نفسانية. وهو يهدف إلى إقامة اتصال متميز (خصوصا" عن طريق الكلام) بين المعالج وبين الشخص المعاني من اضطرابات تكيفية مع الواقع. ويستند هذا العلاج إلى طرق ومبادئ نفسانية متنوعة بتنوع التيارات التحليلية والنفسانية التي شهدنا صراعها وتنافسها منذ مطلع هذا القرن. وقد صدر حديثا" كتاب للدكتور محمد أحمد النابلسي حول هذا الموضوع يحمل العنوان التالي: "مبادئ العلاج النفسي ومدارسه". وهو الثاني ضمن سلسلة من الكتب التي تصدرها "دار النهضة العربية" في بيروت تحت عنوان " سلسلة الكتاب النفسي ". وهي سلسلة تتناول المواضيع الاختصاصية بأسلوب مبسط لا يبتعد، على الرغم على سلالة الطرح، عن الرزانة العلمية، فيجمع الكتاب بذلك بين التخصص والإيجاز من دون أن يفقد عمق المحتوى وسهولة الافهام.



يبدأ المؤلف كتابه بفصل يتناول فيه العلاقة ( الحالية والتاريخية) بين الفلسفة وعلم النفس. فيعود بهذه العلاقة إلى مدارس الإغريق الفلسفية ويتدرج في استعراضها مرورا" بالفلاسفة العرب وفلاسفة القرون الوسطى، وصولا" إلى المعاصرين من الفلاسفة، وخصوصا" أولئك الذين كانوا صلة الوصل بين التفكير الفلسفي والبحث النفسي.



والجدير بالذكر هنا أن المؤلف يتخذ مواقف محددة من التيارات الفلسفية والنفسانية التي يعرضها. فهو يؤيد مثلا" تطبيق مدأ " الظواهرية في الطب النفسي " (ص21) و "المبدأ التجريبي" لابن سينا (ص29) ومبادئ " بيار جانيه" P.Janet (ص 44)، فيؤيد هذه النظرية في انتقاداتها وينصرها في خلافها مع بقية المدارس، حتى أنه يأخذ موقفا" معاديا" من بعض المدارس المعاصرة وفي طليعتها مدرسة " جاك لاكان " J.Lacan التحليلية. فهو يقول بصواب انتقاء "أي" عندما يرد على لاكان بقوله: " أن اللاوعي ليس مبنيا" على نمط اللغة، ولكن تحوّل محتوياته إلى الوعي هو الذي يتشكّل في اللغة " (ص 50).



وهكذا المؤلف لا يترك القارئ يهيم بين هذه المدرسة وتلك، بل يتخذ موقفا" يساعد القارئ في فهم مجمل المبادئ النفسانية والفلسفية، وذلك انطلاقا" من ممارسته النظرية ( في البحث والتأليف) والعيادية (في معالجة المرضى). ونلاحظ هذا التمايز ذاته في الفصل الثاني. إذ يعتمد المؤلف تقديم تصنيف وافٍ للمدارس النفسية العلاجية، فلا يكتفي بعرض التصنيفات المعتمدة في مختلف التيارات العلمية، بل يقترح تصنيفا" جديدا" ينسجم على الأخص مع تصنيف " هنري اي " فيقسم فصول الكتاب التالية بناء على تصنيفه الذي يلائم الظروف المعاصرة على أفضل وجه.



وإذا اعتبرنا أن الفصلين الأولين من الكتاب بمثابة مقدمة نظرية فان هذه النظرية ليست سوى مدخل أساسي يتيح للمؤلف معالجة موضوع كتابه معالجة صحيحة ومباشرة. فالفصل الثالث يتناول " التحليل النفسي ومدارسه " وعلى رغم تباين الآراء والمواقف في هذا الميدان، يحاول المؤلف أن يقدم بعمق وإيجاز القاعدة الأساسية التي بنى عليها، فيعالج المنطلقات والأسس النظرية للتحليل النفسي، من حيث المنظور الفلسفي، والمنظور الفرويدي، والمنظور الوظيفي التحليلي، ثم يعرض للطريقة العلاجية التحليلية التي تعتمد على التداعي الحر، والانتباه الدائم، والحياد، والأحلام، كل ذلك في سبيل سبر أغوار اللاوعي والوصول إلى تحليل الاضطرابات الانسانية، وأخيرا"، يقدم المؤلف في هذا الفصل لمحة سريعة عن المدارس التي تفرعت عن التحليل النفسي، وأهمها "مدرسة يونغ" و " مدرسة ادلر" و "مدرسة لاكان".



والملف لا يقحم ميوله العلاجية والنظرية في هذا الفصل، بل يحافظ على موضوعية عرضه للتيارات التحليلية على اختلاف آرائها وتعدد ناقديها. فهو بعد أن يقدم في الفصلين الأولين وجهة نظره الرئيسية، يترك في هذا الفصل للقارئ مهمة التمييز بين المدارس العلاجية والحكم على صلاحية استخداماتها العيادية. على رغم أنه يعتقد في أماكن عديدة من الكتاب بأهمية الطروحات النظرية لفرويد ويونغ وسوندي وغيرهم، كما يعتقد بعدم جدوى النظرة البنيوية اللاكانية على الصعيد التحليلي العلاجي.



لكن " التحليل" ليس كل شيء في العلاج النفسي فالمؤلف يعرض في الفصل الرابع لما يسميه " المدارس الايحائية" وهي : التنويم المغناطيسي، الايحاء المدعوم Suggestion Amee (دوائيا" وعقائديا")، الاسترخاء، الحلم الموجه، الأثر الرجعي، الايحاء تحت تأثير العقاقير.



يقتصر حديث المؤلف في هذا الفصل على المبادئ التقنية لهذه العلاجات، دون أن يطرح مواقفه الشخصية منها. ويخرج القارئ بانطباع مفاده أن "العلاج النفسي عامة، والايحاء بصورة خاصة، يرتبط أول ما يرتبط قدرتنا على فهم أولويات عمل الدماغ، فكلما ازدادت معرفتنا بهذه الأولويات أدى ذلك إلى تعميق قدرات المعالج النفسي وإلى تخليه عن المبادئ العلاجية التي تصبح قديمة لأنها لا تستخدم هذه المغرفة. وهذه النظرية تعتبر اليوم بمنزلة الموقف المحافظ والمعارض للعديد من الفلسفات العلاجية المعاصرة، وخصوصا" تلك المعتمدة مبادئ القدرات النفسية الخارقة". فهذه الأخيرة تدعو إلى عدم انتظار حلول الاحجيات الدماغية والى التعجيل في تدريب الانسان على استخدام قواه الخارقة وقدراته التي لم يتوصل العلم إلى تحديدها بالشكل الكافي. والواقع أن المؤلف يوفق هنا بين موقفين يتناقضان ظاهرا" ويتكاملان واقعا". وهما الموقف الايماني ( في مختلف الاديان) الذي يعتمد على الدين في العلاج، والموقف الفيزيولوجي – الدماغي، الذي يقوم على الدراسة العلمية الموضوعية.



أما الفصل الخامس فيتناول " مدارس العلاج الفردي"، وهي: التحليل الوجودي، العلاج غير الموجه، العلاج قصير الأمد، طريقة فرانكل، العلاج السلوكي. ولا يكتفي المؤلف هنا بعرض هذه المدارس وتعريفها، بل يتعدى ذلك إلى تقديم مواقفه الفكرية والعلاجية من كل منها. فهو يعارض العلاج السلوكي معارضة واضحة، فيبيّن مثالبة ويحذر من مغة استخدامه (ص173)، وهو يتحمّس للتحليل الوجودي، كما أنه لا يخفي تأثره بمدرسة بودابست العلاجية. ويأتي"العلاج النفسي الجماعي" ليكون مادة الفصل السادس من الكتاب. وهو ينقسم إلى الابواب التالية: علاج المجموعة، السيكودراما، العلاج العائلي، العلاج الاجتماعي، العلاج النفسي – الجسدي، العلاج الابداعي. وما يلفت الانتباه في هذا الفصل، بالاضافة إلى التعريفات التي يعطيها المؤلف لكل طريقة علاجية، الجدول الذي يقارن بين خصائص مختلف مدارس العلاج الجماعي (ص182)، ويتناول خصائص كل طريقة من حيث ترداد عدد الجلسات ومدة العلاج ومضمون العلاج والموقف من النقلة والتبعية والنشاط العلاجي والسيرورة الأساسية للمجموعة والأهداف العلاجية ومجالات الاستعمال.



والملاحظ أن طرق العلاج الجماعي لا يمكن أن تكون العلاج النفسي الأساسي، إنما هي علاج مساعد يدعم المريض في علاقاته العائلية، أو في علاقاته مع الناس، من دون أن يحل اشكالات صراعه الذاتي – الداخلي.



أما الفصل السابع، فيخصصه المؤلف لموضوع " العلاج النفسي الذاتي". وفيه يطرح المسائل التالية: الاسترخاء الذاتي، الضغط بالأصابع، التحليل الذاتي، العلاج السلوكي الذاتي. فيقدم الوسائل التي تستخدمها كل مدرسة في التحليل الذاتي، ويشرح التمارين التي تتبعها. ورغم أن هذه التمارين صعبة التطبيق ومملة في البداية، فإن المؤلف لا ينكر الارتياح النفسي الذي تقدمه لمن يمارسها.



ولا بد لمن يتطرق إلى العلاج النفسي من أن يعالج موضوع الدواء. فالمؤلف يرى في الفصل الثامن "العلاج النفسي الدوائي"، أن الدواء سلاح ذو حدين. وبعد أن يعرض لتصنيف الأدوية النفسية ويحذر من خطورة استعمالها في غير محلها، يتناول موضوع " الوصفة الدوائية النفسية" فيحدد حالات استعمالها من وجهات ثلاث: منظار الطبيب، زمنظار المريض، ونوعية الدواء. والجديد في هذا الفصل موضوع " العلاج الدوائي والنقلة المضادة " وهو من المواضيع التي لم تسبق مناقشتها باللغة العربية – على حدّ علمنا. وفي هذا المجال يقف المؤلف إلى جانب القائلين بوجوب " النقلة المضادة" في سيرورة العلاج الدوائي.



أما الفصل التاسع والأخير، فيعالج موضوع " العلاج النفسي بين النظرية والتطبيق " مناقشا" الاشكالية في صفحات قليلة، على رغم جدوى الأفكار المركزة التي يقدمها. وليس هذا، الفصل، في رأينا، إلا نافذة تسمح للقارئ باطلالة على مسألة الربط بين النظرية النفسية والعلاج العيادي. وكنا نتمنى لو أن المؤلف دعم آراءه بحالات عيادية محددة، فالخطورة بين نظريات العلاج وتطبيقه هي في نظرنا أصعب ما في الممارسة العيادية وأخطرها، خصوصا" وأن المؤلف طبيب وباحث في الآن ذاته، يمارس العلاج النفسي في عيادته، ويرأس " مركز الدراسات النفسية " الذي يعنى بتقديم الفكر النفسي إلى القارئ العربي بمنهجية جديدة وأسلوب حديث. وسبق للمؤلف أن أصدر سلسلتي " علم نفس الطفل " و "السيكوسوماتيك " كما أصدر " سلسلة الثقافة النفسية "التي تعنى بترجمة أحدث التيارات النفسية المعاصرة وأشهرها، وإذا اطلعنا على هذه الاصدارات المترجم منها والمؤلف نجدها تجاوزت مبدأ التعريف والتبسيط إلى مبدأ الاختصاص والأكاديمية، وهي تمتاز عن غيرها من الكتب التي تضمها رفوف المكتبات العربية بكونها تأخذ طابع " بناء علم نفس عربي موحد " وفي هذا دعم وتعزيز للمكتبة العلمية العربية وكذلك للفكر العربي الموحد.

د. عمر هزاع
11-11-2005, 06:44 PM
ثالثاً -


هل سقطت الفرويدية وماذا قدمت للفكر العربي المعاصر؟

الدكتور محمد أحمد النابلسي

الأمين العام للاتحاد العربي لعلم النفس

توقع فرويد أن الطب قد يكتشف يوماً ما عقاقير قادرة على علاج العوارض النفسية التي يعالجها التحليل النفسي. ورأى أن التحليل سوف يحتفظ بمكانته لحين ظهور هذه العقاقير. وهو قد يبدو قابلاً للإهمال بعدها.

وصدقت نبوءة فرويد بعد وفاته بثلاثة عشر عاماً 1952م، حين ظهر دواء الكلوربرومازين، ومن حينه لا تزال صناعة الأدوية النفسية في تطور مستمر.

ومع ذلك فإننا لا نزال نتساءل: هل سقطت الفرويدية؟

فهل يعود هذا التساؤل إلى عدم كفاية الأدوية النفسية أو تراه يعود إلى قدرة الاستمرار التي اكتسبها التحليل النفسي بعد التعديلات التي أدخلها أتباع فرويد عليه؟

الوقائع العيادية من جانبها تنفي الاحتمالين معاً. فالنتائج الحاسمة التي تعطيها الأدوية النفسية هي نتائج لا ترقى إليها الشكوك. هذا مع الاعتراف بآثارها الجانبية وتقرير ضآلتها بالمقارنة مع منافع الأدوية. أما عن التعديلات المدخلة على التحليل النفسي فيمكن اعتبارها السبب الرئيسي المساهم في تراجع الفرويدية. وبذلك نعاود السؤال عن سبب صمود الفرويدية حتى اليوم؟

وهو سؤال لن نجد إجابته بطرح فرضيات أو عناوين. فهذه الإجابة تحتاج إلى تدقيق ومتابعة تاريخية لحركة التحليل النفسي منذ إنشائها حتى اليوم، وكذلك متابعة مراحل تطور الفكر العلمي لسيغموند فرويد مؤسس الحركة. وهي متابعة تقتضي الفصل بين الفرويدية وبين التحليل النفسي؛ لأن المتابعة ستظهر لنا انطواء الفرويدية على الكثير من الكذب، وحتى التزوير العلمي، وكذلك على رغبة عارمة بالسيطرة. كما ستظهر لنا متابعة الحركة وجود تيارين رئيسيين فيها. الأول عامل على تطوير المبادئ الفرويدية وعلى تقويمها وتطويرها، والثاني ذو ميل للخروج عليها ودمج بعض عناصرها في نظريات علاجية أخرى.

وهكذا فإن الموضوعية ستدفعنا للفصل بين محاكمة الفرويدية، ومحاكمة التحليل النفسي والتمييز بينهما، تجنباً لتحميل النظرية بعض هنات وأخطاء واضعها. وهو خطأ شائع في المراجعات العلمية.

والمحاكمة التي نحن بصددها تفقد كل عناصر الموضوعية، لو أننا أهملنا العودة إلى الزمن التاريخي لنشوء وتطور النظرية وللظروف الحياتية لفرويد. وبغير ذلك يصعب علينا مناقشة الإسقاطات الفرويدية على النظرية. خصوصاً أن هذه الإسقاطات مموهة بالنقد الذاتي وبالاعترافات والمراجعات الفرويدية الذاتية. وهذا ما يجعل من متابعة السيرة الفرويدية ضرورية لبدء هذه المحاكمة ولتصويب احتمالات الشطط فيها. وقبل أن نقدم العرض الموجز لهذه السيرة نجد من الإنصاف أن نذكِّر بأن الانشقاقات التحليلية قامت انطلاقاً من أفكار فرويدية، ولم تكن إبداعات مؤسسة للمنشقين. فقد أرسى أوتو رانك (O. Rank) تياره عبر كتابه (صدمة الولادة)، وهي فكرة فرويدية وردت في كتابات فرويد حول (الصدمة).

أما عقــدة (الدونية/ التفــوق) التي بنى عليها ألفرد آدلر (A. Adler) نظريته، فهي على علاقة بحديث فرويد عن الشعور بالدونية في مناسبات عديدة. ونأتي إلى كارل غوستاف يونغ واهتمامه باللاوعي الجمعي وبالماورائيات لنجد أن فرويد قد قدم دراسات عديدة في هذين المجالين، فقد ناقش موضوع اللاوعي الجمعي في عدة كتابات منها (موسى والتوحيد) و (التحليل النفسي للنكتة).

أما عن الماورائيات فقد انطلق فرويد مما وراء علم النفـس ليصل إلى الماورائيات دون أن يغرق فيها، مع نصحه لأتباعه بعدم الغرق فيها أيضاً.

أما عن إدخال اللسانية في مجرى العملية التحليلية (الذي ركز عليه لاكان وجعله محوراً لنظريته. لدرجة القول بأن اللا شعور مبني على غرار اللغة)، فإننا نورد هذا المقطع من كتابات فرويد إذ يقول: ((إن الترابط والتقارب الفكري (العلاقة اللسانية بحسب لاكان) بين كلمتي (Urmensch) وتعني الجد بالألمانية وكلمة (Uhrmensch) وتعني بالألمانية، الرجل - الساعة، هو تقارب جعل الساعة مرتبطة بالأب في لاشعور المريضة. والأمر نفسه يصح بالنسبة إلى جورج ديفريه (G. Devreux) صاحب نظرية التحليل الاثني المرتبطة بكتابات فرويد عن (موسى والتوحيد) كما يصح بالنسبة إلى صاحب نظرية القدر ليوبولد سوندي المشتقة أساساً من مبدأ ثنائية العواطف ومن عقدة قابيل، ومن العلاقة بين السادي والمازوشي، وأيضاً في حديثه عن أزواج المتعارضات، وإن نجح سوندي في الخوض في موضوع الوراثة الذي ينتمي إلى الصخرة البيولوجية التي كان فرويد يهابها ويتجنب الاصطدام بها.

الفرويدية والتحليل النفسي

إن الأمثلة المعروضة أعلاه تبين بقاء واستمرار سطوة الفرويدية، وإن بأقنعة مختلفة.

لذلك نكتفي بهذا القدر من الأمثلة لنؤكد على كون الفرويدية حاضرة، ولو بخجل وبدرجات متفاوتة، في مختلف التيارات التحليلية المعاصرة. وبذلك نستطيع التأكيد على استمرارية الفرويدية بعد أكثر من قرن على ظهورها، وبعد أكثر من نصف قرن على ظهور الأدوية النفسية. ولكن ما مقدار التشويه أو التطوير الذي تعرضت له الفرويدية؟ والأهم ما مدى صلاحيتها الراهنة؟ وماذا عن الأخطاء المرتكبة عبر مسيرة التحليل النفسي الطويلة؟

1- فرويد: سيرة حياة

ولد سيغموند فرويد في 6 أيار من العام 1856 م في فرايبورغ بمورافيا (تعرف اليوم باسم بريبور) من عائلة يهودية. أبوه جاكوب فرويد، وكان في عمر الـ (41) سنة عند ولادة سيغموند. أما والدته التي تنتمي إلى عائلة يهودية فقيرة فكانت في عمر الـ (21) سنة. وقد أعطي الوليد اسماً يهودياً هو (شلومو)، وذلك جرياً على عادة العائلات اليهودية آنذاك.

عندما ولد فرويد 1856م كان وليام جايمس، فيلسوف البراغماتية، في العاشرة من عمره. وكان الفيلسوف نيتشيه في عمر الـ (12) سنة، وجان مارتن شاركو (31) عاماً. وكان بروير في الرابعة عشرة، وفيخنر في الخامسة والخمسين، وشوبنهاور في الثامنة والستين. أما هيربرت فقد كان متوفًّى منذ خمسة عشرة سنة.

وعندما بلغ سيغموند الثالثة أصيب والده بالإفلاس، واضطر للانتقال إلى فيينا حيث بدأ سيغموند دراسته ونال الشهادة الثانوية عام 1873م وعمره (17) عاماً، وقرر دراسة الطب حيث شعر في كليتها بمعاداة السامية، فحاول الهرب إلى مانشستر الإنجليزية حيث يقيم أخوه، فيليب الذي أقنعه بالعودة وبضرورة متابعة دروسه. وبدأ سيغموند بنشر بحوثه الطبية عام 1876م، وتخرج طبيباً عام 1881م، (مع تأخر عدة سنوات قضاها في الخدمة العسكرية)، ليبدأ بعدها دراسته حول الكوكايين 1884م. ثم حصل عام 1885م على منحة دراسية في فرنسا والتحق بدروس شاركو في مستشفى السالبيتريار الفرنسي. حيث تأثر بشاركو، ليعود فيطرح أراءه لدى عودته إلى فيينا العام 1887 م، حيث جوبهت هذه الآراء بمعارضة شديدة. لكنه باشر باستخدام طريقة شاركو في التنويم المغناطيسي، وذلك في عيادته الخاصة وتعرف إلى فلايس (W. Fliess) لتبدأ مراسلاتهما ابتداء من كانون الأول/ (ديسمبر) من ذلك العام، وفي العام 1888م نشر ترجمته لكتاب برنهايم (حول الإيحاء وتطبيقاته)، وبعده كتابه الخاص عن الحبسة - الأفازيا 1891م، وفيه انتقادات فرويد للمدرسة الفييناوية.

وفي العام التالي 1892م ينشر فرويد مقالته عن التنويم المغناطيسي. وفي العام نفسه نشر الجزء الثاني من ترجمته لكتاب برنهايم. ثم يكتب مقالة تأبينية لأستاذه شاركو 1893م. وينشر أيضاً مقالته عن الشلل الهيستيري بالفرنسية مضمناً إياها نظرته في دور الإغواء الرضي كسبب للهستيريا. ثم ينشر مقال (العصاب النفسي الدفاعي) 1894م، ومقالة حول الوساوس والرهاب 1895م، وأيضاً كتابه (نحو مشروع سيكولوجيا علمية)، ثم ينشر بالاشتراك مع بروير (دراسات حول الهيستيريا) 1896م، لينشر في العام 1900م كتابه (تفسير الأحلام).

ومع هذا الكتاب تبدأ رحلة فرويد مع التحليل النفسي بحيث يصبح من الصعب الفصل بعدها بين مسيرته الشخصية وبين مسيرة التحليل

د. عمر هزاع
11-11-2005, 06:46 PM
رابعاً -


المقاربة التحليلية النفسية للإيديولوجيات*



بقلـــــم: ب. أنصـــــرت

ترجمة: د. محمد سبيلا++++

يطرح فرويد في عدة صفحات من كتابه: “السيكولوجيا الجماعية وتحليل الأنا” (1920م)، مشكلة طبيعة ووظائف الإيديولوجيا في المؤسسات، فهو يقدم كأمثلة، الجيش والكنيسة، ويحدد الفرضية التي طرحها سابقاً سنة (1907م)، والتي يمكن -بحسبها- أن نستخرج من النتاج الثقافي -من رواية أودين- إشكالية تماثل الصراعات النفسية الداخلية، لكنه يضيف آنئذ أن من المهم أن نتساءل، حول وظائف الإيديولوجيات السياسية أو الدينية، في إحداث التماسك أو التفكك في المؤسسات، ويشير إلى أن لهذه الإيديولوجيا ربما، على وجه الخصوص، وظيفة الحفاظ على الروابط الليبيدية القائمة بين الخاضعين ورؤسائهم، وضمان تجديد الاستثمارات الإيجابية نحو السلطات، ومن ناحية أخرى، الإبقاء على علاقات بين أفراد المؤسسة، مماثلة للعلاقة بين إخوة متساوين.

إن هذه الأوراق المتعلقة بالمقاربة التحليل-نفسية، تأخذ مكانها ضمن المجموع النظري الذي تستمد منه دلالتها، فهي تفترض فعلاً، أن كل نظرية الإنتاجات الثقافية، ونظرية العلاقات بين الذوات والعنصر الاجتماعي، متصورة كحدود لا تنفصل، وغير ذات دلالة في حالة التمييز بينها، وأخيراً كل نظرية الذات واللاشعور.

كذلك نجد أن هذه المقاربة التحليلية للإيديولوجيات، التي تستخدم في الوقت نفسه نظرة الأجهزة الرمزية، وتصور العلاقات الاجتماعية ونظرية الذات نفسها، لم تغفل عن إثارة العديد من السجالات حول مظاهر خاصة، أو حول مدى صحة أساس مثل هذه المقاربة. ولهذه الإشكالية، فوق ذلك، أهمية خلخلة الحدود التقليدية للتخصصات المعرفية، ومراجعة النزعة الموضوعية في العلوم الاجتماعية، وكذا كل سيكولوجيا محدودة بحدود الذات.

وإذا كانت هذه النقاشات المتعلقة بالعمق، فيما يخص الإمكانات المضبوطة لهذه المقاربة، ما تزال متواصلة (بارسنز 1950م- ألتوسير 1962م - ر. كاسل 1978م)، فإن لنا أن نشير هنا إلى أن هذه المقاربة، تمكّن اليوم من انتهاج عدة طرق في البحث، مقابلة لقدر من كيفيات إنشاء مجال الدراسة.

لنميز أربعة نماذج للمقاربة التحليلية للظواهر الإيديولوجية: التحليل النفسي للمنظومات الإيديولوجية، التحليل النفسي لوظائف الإيديولوجيا في المؤسسات، وفي الذهنيات، وفي التحولات الاجتماعية - الثقافية.

أ- التحليل النفسي للمنظومات الرمزية

كانت إحدى المساهمات الإيجابية للبنيوية في المقاربة التحليلية للإيديولوجيات، هي الدفع إلى تركيز البحث التحليلي حول النصوص وحول بنية النصوص، بتعليق مؤقت لدراسة منشئها أو نتائجها التاريخية.

فمقابل مثال فرويد وهو يحلل نص رواية سنة 1907م، يمكن أن يكون من المفيد للبحث، ألا نولي الاهتمام إلا لدوالِّ منظومة إيديولوجية، وأن نحللها كما يحلل خطاب المريض. وسيتم التوصل إلى الهدف من هذا التأويل، عندما يتم إبراز البنية اللاشعورية لإيديولوجية ما، وتناقضاتها وأشكال حلها. وهكذا فقد حاول بوزانسون (1967م) -وهو يدرس أعمالاً ذات نفس روائي، ومقاطع من حكايات أسطورية- أن يستخرج الإيديولوجيا السياسية نفسها، التي كانت ربما سائدة في الثقافة الروسية، والتحليل البنيوي يرى في ذلك نمطاً خاصاً من الأزمة الأوديبية، المتبلورة في رمزية الخضوع التأديبي - الذاتي للابن أمام أب قوي جداً.

ومضامين الديانات هي أيضاً قابلة لهذه المعالجة التأويلية، التي تعيد للنص كل غناه الوجداني، وفي الوقت نفسه منطقه الوجداني.

وبقدر ما نعتقد أن الإيديولوجيات الحديثة تجديد لبعض بنيات الفكر الديني، فإن تحليل الرمزية الدينية، منظوراً إليها على أنها رمزية قديمة، يمكن أن يكون مقدمة لتحليل الإيديولوجيات الحالية، مثل النزاعات القومية (لوجندر 1974م). إن كل خطاب سياسي (ج ميلر 1975م) يمكن أن يكون موضوع هذه الدراسة، المهتمة بإبراز التشكيلة اللاشعورية الكامنة خلف الخطاب الصريح.

ب- التحليل النفسي لوظائف الإيديولوجيا في المؤسسات

تساءل فرويد، في دراسته للتماسك الاجتماعي داخل جيش أو كنيسة، عن وظائف الإيديولوجيات في تكثيف التبادلات الاجتماعية، انطلاقاً من مقاربة تحليل-نفسية. وقد دفعت هذه الأبحاث إلى التساؤل حول موقع ومكانة المنظومات الإيديولوجية في الحياة السياسية، وحول منشئها وفعاليتها. ويؤكد و. رايخ (1933م) هذه الإيحاءات قائلاً: إن المقاربة التحليل-نفسية ليست متناقضة مع المقاربة المادية للظواهر السياسية، بل إنها على العكس من ذلك تكملها. كما أنه وسّع من جهة أخرى مجال البحث، مبيناً أنه لا يتعين فقط أن ننظر إلى الإيديولوجيا السياسية ضمن مؤسسة (الحزب النازي)، بل من خلال كل مصادرها المنتشرة، ومن خلال كل المؤسسات الاجتماعية، وعلاقات العمل، وأشكال الحياة العائلية، وأنماط التقوى الدينية. وضمن هذا المنظور، فإن المعالجة التحليلية توسّع طموحها، وتحاول أن تكشف عبر تحليل الإيديولوجيا السياسية، عن الأنماط الاجتماعية - الوجدانية لمجتمع خاص، خلال لحظة معينة من تاريخه.

وهكذا نجد مشكلاً آخر مطروحاً، وهو مشكل علاقة الذات بالقانون. ونحن نعرف أن فرويد في الطوطم والتابو (1912م)، يضع العلاقة مع السلطة ضمن الإشكالية الأوديبية، ويميل إلى تفسير الخضوع والامتثال السياسي بتجدد الشعور بالذنب.

ويبقى من المطروح معرفة إلى أي حد لم يكن تأويل فرويد ذاته مطبوعاً بطابع الثقافة السياسية السائدة في عصره (دولوز وغاتارى 1973م)، وما هي التعديلات النظرية الضرورية للتفكير في المنظومات الإيديولوجية لعصرنا (كوفمان 1979م).

ج- الإيديولوجيات والذهنيات

عندما تساءل فرويد عن “قلق الحضارة” (1930م)، كان قد مهد للحديث عن السمات اللاشعورية للثقافات الغربية، وعن دور المثل في تجديد الشعور بالذنب. ومعنى ذلك أنه سيكون من الممكن إبراز التشكيلات اللاشعورية الخاصة بذهنية جماعية، ستكّون الإيديولوجيات الصريحة، وفي الوقت نفسه، أعراضها ومواطن تجديدها، تحاول المقاربة التحليل-نفسية، تحليل المشاعر السائدة ضمن ثقافة معينة، وتشكيلها ودورها في الممارسات الاجتماعية.

وقد طرحت هذه المسائل بجلاء، بصدد المجتمعات التي لا تعرف الكتابة ( ج. دوفرو1970م)، لكنها أيضاً صيغت فيما يتعلق بظواهر جماعية مثل محاكمة السحرة، أو الأحقاد الجماعية (1973م. A. Danet). وقد أفسحت ظواهر الإيديولوجيا العرقية العنصرية المجال أمام العديد من الأبحاث الاجتماعية التحليلية، وأحسنت ذلك، إذ يمكننا أن ننتظر من المقاربة التحليلية أن تساهم في إيلاء الاعتبار والعناية، لعنف العواطف الوجدانية المستخدمة في أهواء جماعية (R.Lewenstein 1952 E.Simmel 1946).

إن مثل هذه الأبحاث لا تغفل تجديد “المسألة المطروحة من طرف فرويد عن العلاقات القائمة، بين الحالة المرضية الفردية والحالة المرضية الثقافية، بين العِصاب مثلاً والدين (فرويد 1927م)، ويتعلق الأمر بالنسبة لكل إيديولوجيا خاصة، بتحليل شكل الأنا الأعلى الذي تدعمه، وما هي أشكال الكبت والبدائل التي تقدمها لرغبات الذوات. يبدو أن الإيديولوجيات لا تتوافق مع النموذج العصابي نفسه، فهي يمكن أن تقابل وتناسب تشكلات موضة مختلفة عصابية أو ذهنية (F.Rous-tang 1976). وكما أشار إلى ذلك فرويد بصدد الدين، فإن من الممكن أن العصاب الجماعي يجنب الذات الفردية تكاليف عصاب شخصي (أسار 1975م).

د- الإيديولوجيات والتغيرات

إن أشكال النقد التي وجهت للمقاربة التحليل-نفسية للظواهر المجتمعية، أشارت دوماً إلى أن مثل هذه المقاربة تفيد أكثر في دراسة التكرارات الاجتماعية، أكثر مما تفيد في دراسة التغيرات، وقد سار نوع من التحليل النفسي، وهو التحليل النفسي ليونج خاصة، فعلاً في هذا الاتجاه.

وبدون أن نثير هنا النقاشات الأساسية، نشير فقط إلى أن الكثير من الدراسات الحالية تتحاشى هذا المنزلق، وتحاول على وجه الخصوص، التركيز على دراسة التغيرات في الإيديولوجيا.

تتساءل الدراسات المتعلقة بالأزمات أو بالظروف التاريخية الخاصة/ حول خصوصية التشكيلات المستخدمة في لحظة محددة... تعلق الأمر بأزمة اجتماعية (أندريه ستيفان 1969م)، أو بحركة سياسية خاصة laqueur، فإن الهدف بالضبط هو إبراز أصالة وهشاشة التشكل السيكولوجي، الملازم للوضعية الإيديولوجية المدروسة.

وفوق ذلك فإن المقاربة التحليلية، دون أن تدعي تقديم تفسير وافٍ لتغير ما، يمكن أن تدفع إلى المساهمة في هذا التفسير. وهكذا، فإنها، في الأمثلة المتعلقة بانتشار وسيطرة إيديولوجية ما، يمكن أن تقترح تفسيرات جزئية لمستويات متعددة، فهي يمكن أن تطبق بنجاح على فهم حماسة الفرق (J.Demos 1971)، كما يمكنها أن تساهم أيضاً في تفسير الظاهرة المهمة، المتعلقة بكيفية تقبل الجماعة لمنظومة إيديولوجية ما (و. رايخ 1933م). لن نفاجأ إذن أن عدداً من الباحثين، يولي اهتماماً للتغيرات الحالية في الذهنيات والإيديولوجيات من وجهة نظر تحليلية. وهذه الأعمال التي تتعلق بالتشكيلات النفسية الجديدة، وأزمة الهوية (اريكسون 1950م) مثلاً، أو الشكل الجديد لصورة الوالدين (ميتشرليخ 1969م، منذ 1968م)، تقود بالضرورة إلى طرح أسئلة جديدة، تتعلق بالنظرية الفرويدية وتصحيحها بدلالة التحولات الاجتماعية الحالية (هـ. ماركوز 1963م).

الحدود

إن تعدد هذه الأبحاث، يجعلنا نتصور أن المقاربة التحليلية للإيديولوجيا لا تطرح نفسها كَنِد للمعالجة التاريخية والاجتماعية، بل إنها تقدم مكملات مختلفة للتفسير، لفهم متغير حسب الأوساط والإيديولوجيات. وبقدر ما تتخلى هذه المقاربة عن كل ادّعاء ذي “نزعة تحليلية نفسية” مبالغ فيها، وتركز على تكملة التفسيرات الاجتماعية التاريخية، وعلى تجاوز الفواصل الحادة بين الفروع المعرفية، فإنها تكون قادرة على أن تقدم الكثير لعلم الإيديولوجيات. وفيما يتعلق بالأشكال الجديدة للمعتقدات واللامعتقدات السياسية، فإنه لا يبدو أن هذه المقاربة قد تم إلى حد الآن اتباعها بما فيه الكفاية.

ويتعين الإشارة إلى النقص الحالي في هذا الميدان، لأن على المقاربة التحليلية للإيديولوجيات أن تضطلع بوظيفة مزدوجة، نقدية وإبستمولوجية، وذات نتائج مهمة، ومهمتها في إطار مواصلة الكتابات الأخيرة لفرويد، إدانة الاضطرابات العصابية أو الذهانية التي يمكن أن تصيب الثقافات أو الحركات السياسية، وذلك عن طريق تحليلها. كما أن بإمكانها أيضاً، أن تؤدي وظيفة إبستمولوجية حاسمة، بإضافة طابع إشكالي على العلاقات التي يقيمها عالم الاجتماع أو عالم السياسة، مع الإيديولوجيات التي يدرسها، ومع إيديولوجيته السياسية الخاصة.

مساهمة التحليل النفسي في دراسة الوضعيات الإيديولوجية*

تمكننا تحليلات فرويد حول الثقافة، من الإجابة عن سؤالين أوليين: لماذا يمكن أن تعاش الإيديولوجيا السياسية بشدة من طرف الذات؟ ولماذا يتخذ الاستيهام طابعاً جماعياً؟

يستبعد فرويد، منذ المقدمات الأولى النظرية، الفصل بين الذات والمجال الاجتماعي، عندما أوّل الهستيريا على أنها نتيجة لصدمة تقع داخل تاريخ الذات، أي في التجربة اللاواعية لعلاقاتها مع الآخرين. ومنذ ذلك، أخذ البحث يجري في الواقع ضمن مجال العلاقات القائمة بين الأشخاص، هذه العلاقات التي تتشكل الذات عبرها باستمرار، حتى ولو بدا أن هذا البحث يقلص من مفعول السياق الاجتماعي على الذات. بل إن تصور اللاشعور، ككيان يسمه خطاب ورغبة الآخر، ينشئ -في أساس العلاقة بين الفرد والوسط الاجتماعي- علاقة جوهرية وضرورية بحيث إن تناقضات الدوافع تتغذى وتجري باستمرار في هذا المكان؛ بل إن مدلول العلاقات بين الاجتماعي واللاوعي -منظوراً إليهما كحدين متمايزين- يقود إلى الخطأ، وكل محاولات فرويد كانت تستهدف بالضبط هذا المزلق. ويتعلق الأمر بإعادة التفكير في كيفية تشكل الذات، وكيفية مساهمة المتخيل في تشكيل الأنا، وعبر أي آليات دائمة من الإسقاط والتماهي.

إن الذات واقعة في السياسة، لكن بمعنى آخر مختلف عن تصور علم الاجتماع الوضعي. ليس الفرد هو تلك الذات المتحكمة، التي تؤول علاقتها بالسياسة إلى سلسلة من الاختيارات العقلية، بين الاستراتيجيات المختلفة، وتبعاً لقواعد مصلحتها المفهومة جيداً. إن الذات منخرطة قبل ذلك في شبكة علاقاتها البينة اللاشعورية، في المجال السياسي والإيديولوجي.

والصفحات التي كتبها فرويد تضاعف هنا الروابط، والتصالبات والمباطنات القائمة بين هيئات الذات والأشكال الثقافية.

يؤكد فرويد في “قلق في الحضارة” ما كان قد أشار إليه في مؤلفاته السابقة، حول الدور التأسيسي للمثل على مستوى الأنا الأعلى. فالمثال الجماعي، ليس فقط ظاهرة ضاغطة، بل إنه يندغم في ديناميات وتناقضات الذات. فهو يتدخل في الوقت نفسه في تنظيم الكبت، وفي عملية إضفاء الطابع المثالي على الأنا. وفعلاً فإن الذات تجد أنه قد أُضفي عليها طابع المشروعية، من حيث إنها عضو في جماعة مثالية، وتشير إلى نفسها على أنها هي الحامل الشخصي للقيم العليا، وذلك بواسطة العقلنة السياسية. وهكذا فإن تمثل المثل الجماعية داخلياً، يمكن أن يحقق للذات إشباعاً نرجسياً قوياً، تجد فيه ظروف تأكيد لأناها المثالي، ومناسبة لتحقيق متعة خاصة.

ويجب كذلك، إذا اتبعنا التصنيف الموقعي الثاني، الإلحاح على كون المتخيل السياسي يسهم في بنية الأنا بواسطة تقديم هويات. إن المتخيل السياسي يشكل الفرد كـ”ذات” مسؤولة عن المثل التي ينقلها إليها. وإذا كان المتخيل السياسي يحقق هوية، فإنها هوية مضفية للقيمة، وقادرة على تحقيق الإشباعات على المستوى النرجسي الأولي. وأخيراً فالمتخيل السياسي قادر على وجه الخصوص على أن يقدم للدوافع موضوعات استثمار. فالمنظومة الثنائية التي يقترحها (إضفاء المشروعية، نقض المشروعية - تمجيد الجماعة، إدانة الأعداء)، ينتظم تبعاً لنمط تناقضات الإيروس ودافع الموت.

إن كل الخطاب التمجيدي الذي يقدمه الخطاب السياسي، يدعو إلى الاستثمار الليبيدي حول مثل الجماعة، وإلى التحويل السلبي على أعداء الجماعة. وهكذا فإن هذه التحليلات المختلفة، التي قدمها فرويد، تلتقي لتفرض ضرورة إعادة التفكير في اندراج الذات في المجال السياسي، ولتضاعف أنماط الالتقاء بين العنصر الاجتماعي وهيئات الذات (...).

أما بالنسبة للسؤال الثاني، المتعلق بمعرفة كيف يمكن أن يكون استيهام ما، فردياً وجماعياً في الوقت نفسه، فإن فرويد يقترح في “السيكولوجيا الجماعية وتحليل الأنا” جواباً يقتصر فقط على العلاقات بين الذوات المتمايزة والرئيس. لكن الأبحاث التي تم إجراؤها على المجموعات الصغيرة، ثم على “المجموعات الموسعة”، تفسح المجال أمام فرضيات أخرى. إذ نشاهد فيها انتظام بنيات ليبيدية جماعية تفرض نفسها، بنيات لا تخضع لنمط ثابت، وتحقق تشكلات وجدانية متنوعة، وتلف كل المشاركين في حياة وجدانية حقيقية للجماعة. إن الطابع الجماعي للاستثمارات الوجدانية، لا يؤول فقط إلى مجموع تناظراتها، بل يتضمن شكلاً من أشكال القسر، الذي اعتبره دوركهايم معياراً للواقعة الاجتماعية.



الهوامش:

* P.Ansart Approche des idéologie , in Analyse d idéologie Galillé 1983.

++++ مفكر مغربي وأستاذ الفلسفة بجامعة محمد الخامس بالرباط.

* P. Ansart : « La psychanalyse comme instrument d’analyse des situations idéologiques » . L’homme de la societé N : 51 –54 (1979) 9 154 - 155.

د. عمر هزاع
11-11-2005, 06:55 PM
خامساً -


الفـــرويديــة


التعــريـــف:
الفرويدية مدرسة في التحليل النفسي أسسها اليهودي سيجموند فرويد وهي تفسر السلوك الإِنساني تفسيراً جنسياً، وتجعل الجنس هو الدافع وراء كل شيء كما أنها تعتبر القيم والعقائد حواجز وعوائق تقف أمام الإِشباع الجنسي مما يورث الإِنسان عقداً وأمراضاً نفسية.

التأسيـس وأبــرز الشخصــيات:
أولاً: المؤســس وحياتــه:
- ولد سيجموند فرويد في 6 مايو 1856م في مدينة فريبورج بمقاطعة مورافيا بتشيكوسلوفاكيا الحالية من والدين يهوديين.
- استقرت أسرة أبيه في "كولونيا" بألمانيا زمناً طويلاً، وفي القرن الرابع أو الخامس عشر نزحت شرقاً. وفي القرن التاسع عشر هاجرت مرة أخرى من ليتوانيا عن طريق غاليسيا إلى مورافيا التابعة لأمبراطورية النمسا والمجر قبل زوالها عقب الحرب العالمية الأولى.
- ولدت أمه بمدينة برودي في الجزء الشمالي من غاليسيا الواقعة بالقرب من الحدود الروسية، وقد نزح والدها إلى فيينا وهي لا تزال طفلة ولما شبت تزوجت من جاكوب فرويد والد سيجموند فرويد حيث أنجبت له سبعة أبناء.
- و "غاليسيا" المدينة البولندية التي جاء منها والد فرويد كانت معقلاً رئيسياً ليهود شرق أوروبا، وبسبب ظروف الشغب رحلت الأسرة إلى برسلاو بألمانيا وعمر سيجموند حينها ثلاث سنوات، ثم رحلوا مرة أخرى إلى فيينا حيث أمضى معظم حياته (وبقى فيها إلى سنة 1938م حيث غادرها إلى لندن ليقضي أيامه الأخيرة فيها مصاباً بسرطان في خده وقد أدركته الوفاة في 23 سبتمبر 1939).
- تلقى تربيته الأولى وهو صغير على يدي مربية كاثوليكية دميمة عجوز متشددة كانت تصحبه معها أحياناً إلى الكنيسة مما شكل عنده عقدة ضدّ المسيحية فيما بعد.
- نشأ يهودياً، وأصدقاؤه من غير اليهود نادرون إذ كان لا يأنس لغير اليهود ولا يطمئن إلا إليهم.
- دخل الجامعة عام 1873م وكان يصر على أنه يرفض رفضاً قاطعاً أن يشعر بالدونية والخجل من يهوديته. لكن هذا الشعور الموهوم بالاضطهاد ظل يلاحقه على الرغم من احتلاله أرقى المناصب.
- في سنة 1885م غادر فيينا إلى باريس وتتلمذ على شاركوت مدة عام حيث كان أستاذه هذا يقوم بالتنويم المغناطسي لمعالجة الهستيريا وقد أعجب فرويد به وهو الذي أكّد له أن بعض حالات الأمراض العصبية يكون سببها مرتبطاً بوجود اضطراب في الحياة الجنسية.
- في سنة 1886م عاد إلى فيينا وبدأ يشتغل بدراسة الحالات العصبية بعامة والهستيريا بخاصة مستعملاً التنويم المغناطسي.
- عاد مرة أخرى إلى فرنسا ليتعرف على مدرسة نانسي، لكنه خاب أمله عندما علم بأنهم ينجحون في التنويم المغناطيسي مع الفقراء أكثر من نجاحهم مع الأغنياء الذين يتلقون علاجاً على حسابهم الشخصي.
- عاد إلى فيينا من جديد وعاد إلى استعمال التنويم المغناطيسي فحقق نجاحاً مقبولاً.
- أخذ يتعاون مع جوزيف بروير (1842 - 1925م) وهو طبيب نمساوي صديق لفرويد، وهو فيزيولوجي في الأصل لكنه انتقل إلى العمل الطبي وكان ممن يستعملون التنويم المغناطيسي أيضاً.
- بدأ الاثنان باستعمال طريقة التحدث مع المرضى فحقّقا بعض النجاح ونشرا أبحاثهما في عامي 1893 و 1895م وصارت طريقتهما مزيجاً من التنويم والتحدث، ولم يمض وقت طويل حتى انصرف بروير عن الطريقة كلها.
- انضم عام 1895م إلى جمعية (بناي برث) أي أبناء العهد وهذه التي لم تكن تقبل في عضويتها غير اليهود، وكان حينها في التاسعة والثلاثين من عمره، وقد واظب على حضور اجتماعاتها على مدى سنوات، كما ألقى فيها محاضراته عن تفسير الأحلام.
- تابع فرويد عمله تاركاً طريقة التنويم معتمداً على طريقة التحدث طالباً من المريض أن يضطجع ويتحدث مفصحاً عن كل خواطره، وسماها طريقة (الترابط الحر) سالكاً طريقَ رفعِ الرقابة عن الأفكار والذكريات، وقد نجحت طريقته هذه أكثر من الطريقة الأولى.
- كان يطلب من مريضه أن يسرد عليه حلمه الذي شاهده في الليلة الماضية، مستفيداً منه في التحليل، وقد وضع كتاب "تفسير الأحلام" الذي نشره سنة 1900م، ثم كتاب (علم النفس المرضي للحياة اليومية) ثم تتالت كتبه وصار للتحليل النفسي مدرسة سيكولوجية صريحة منذ ذلك الحين.
- أسس في فيينا مركز دائرة علمية، واتصل به أناس من سويسرا وأوروبا عامة، مما أدى إلى انعقاد المؤتمر الأول للمحللين النفسيين سنة 1908م إلا أن هذه الدائرة لم تدم طويلاً إذ انقسمت على نفسها إلى دوائر مختلفة.
- كان يعرف تيودور هرتزل الذي ولد عام 1860م، وقد أرسل فرويد إليه أحد كتبه مع إهداء شخصي عليه، كما سعيا معاً لتحقيق أفكار واحدة خدمة للصهيونية التي ينتميان إليها من مثل فكرة "معاداة السامية" التي ينشرها هرتزل سياسياً، ويحللها فرويد نفسياً.

ثانياً: مِنْ أصحابه وتلاميــذه:
- من أصحابه: ساخس، رايك، سالزمان، زيلبورج، شويزي، فرانكل، روينلز، سيمل، وهم جميعاً يهود.
- لارنست جونز، مؤرخ السيرة الفرويدية، مسيحي مولداً، ملحد فكراً، يهودي شعوراً ووجداناً، حتى إنهم خلعوا عليه لقب: اليهودي الفخري.
- ولهلهم ستكل، وفرنز وتلز: عضوان هامان في جماعة فرويد إلا أنهما قد خرجا عليه لاختلافات بسيطة تناولت النظريات أو الطرائق.
- أوتو رانك (1884 - 1939م) قام بوضع نظرية تقوم أساساً على أفكار فرويد الأصلية مع بعض التعديلات الهامة، وأبرز نقاط نظريته أن صدمة الميلاد العميقة تظل تؤثر في الإِنسان تأثيراً لا ينقطع سعيه بعدها من أجل استعادة اتزانه ونموه.
- الفرد آدلر: ولد في فيينا (1870 - 1937م)، وقد انضم إلى جماعة فرويد مبكراً لكنه افترق عنه بعد ذلك مؤسساً مدرسة سماها مدرسة "علم النفس الفردي" مستبدلاً بالدوافع الجنسية عند فرويد عدداً من الدوافع الاجتماعية مع التأكيد على إرادة القوة والمجهودات الشعورية.
- كارل جوستاف يونج (1875 - 1961م) ولد في زوريخ، وهو مسيحي، نصبه فرويد رئيساً للجمعية العالمية للتحليل النفسي، لكنه خرج على أستاذه معتقداً بأن هذه المدرسة التحليلية ذات جانب واحد وغير ناضجة، وكان لخروجه أثر بالغ على فرويد. وضع نظرية (السيكولوجيا التحليلية) مشيراً إلى وجود قوة دافعة أكبر هي طاقة الحياة مؤكداً على دور الخبرات اللاشعورية المتصلة بالعرق أو العنصر.

ثالثاً: الفرويـديون المحدثــون:
حدث انسلاخ كبير عن الفرويدية الأصلية، وذلك عندما تكونت الفرويدية الحديثة التي كان مركزها مدرسة واشنطن للطب العقلي، وكذلك معهد إليام ألانسون هوايت في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي مدرسة تتميز بالتأكيد على العوامل الاجتماعية وعلى أن ملامح الإِنسان إيجابية، وهم يلحّون على نقل التحليل النفسي إلى علم الاجتماع للبحث عن أصول الحوافز البشرية في تلبية مطالب الوضع الاجتماعي، ومن أبرز شخصياتهم:
- هاري ستاك سليفان (1892 - 1949م) الذي يميل إلى تمحيص مظاهر التفاعل بين المريض والآخرين وانعكاسات ذلك على الناحية النفسية.
- أريك فروم: ظهر بين (1941 - 1947م) كان ينظر إلى الإِنسان على أنه مخلوق اجتماعي بالدرجة الأولى بينما ينظر إليه فرويد على أنه مخلوق مكتف بذاته، تحركه عوامل غريزية.
- إبرام كاردينر، ظهر ما بين (1939 - 1945م) وسار في طريق دراسة التفاعل بين المؤسسات الاجتماعية والشخصية الفردية.
- كارن هورني: استعملت طريقة فرويد خمسة عشر عاماً في أوروبا وأمريكا إلا أنها أعادت النظر فيها إذ وضعت نظرية جديدة تحرر فيها التطبيق العلاجي من كثير من القيود التي تفرضها النظرية الفرويدية.
- وعلى الرغم من ذلك فإن الفرويديين المحدثين لا يزالون متمسكين بأشياء كثيرة من نظرية فرويد الأصلية من مثل:
-1 أهمية القوى الانفعالية بوصفها مضادة للدفع العقلي والارتكاسات الاشتراطية وتكوين العادات.
-2 الدفع اللاشعوري.
-3 الكبت والمقاومة وأهمية ذلك في التحليل أثناء العلاج.
-4 الاهتمام بالنزاعات الداخلية وأثرها على التكوين النفسي.
-5 التأثير المستمر للخبرات الطفولية المبكرة.
-6 طريقة التداعي الحر، وتحليل الأحلام، واستعمال حقيقة النقل.

الأفــكار والمعتقــدات:
أولاً: الأســس النظريــة:
- الأسس الثلاثة التي تركز عليها المدرسة التحليلية هي: الجنس - الطفولة - الكبت. فهي مفاتيح السيكولوجية الفرويدية.
- نظرية الكبت: هي دعامة نظرية التحليل النفسي وهي أهم قسم فيه إذ لابدّ من الرجوع إلى الطفولة المبكرة وإلى الهجمات الخيالية التي يراد بها إخفاء فاعليات العشق الذاتي أيام الطفولة الأولى إذ تظهر كل الحياة الجنسية للطفل من وراء هذه الخيالات.
- يعتبر فرويد مص الأصابع لدى الطفل نوعاً من السرور الجنسي (الفموي) ومثل ذلك عض الأشياء، فيما يعدّ التغوط والتبول نوعاً من السرور الجنسي (الأستي) كما أن الحركات المنتظمة للرجلين واليدين عند الطفل إنما هي تعبيرات جنسية طفولية.
- اللبيدو طاقة جنسية أو جوع جنسي، وهي نظرية تعتمد على أساس التكوين البيولوجي للإِنسان الذي تعتبره حيواناً بشرياً فهو يرى أن كل ما نصرح بحبه أو حبّ القيام به في أحاديثنا الدارجة يقع ضمن دائرة الدافع الجنسي، فالجنس عنده هو النشاط الذي يستهدف اللذة وهو يلازم الفرد منذ مولده إذ يصبح الأداة الرئيسية التي تربط الطفل بالعالم الخارجي في استجابته لمنبهاته.
- الدفع: يقول بأن كل سلوك مدفوع، فإلى جانب الأفعال الإِرادية التي توجهها الدوافع والتمنيات هناك الأفعال غير الإِرادية أو العارضة، فكل هفوة مثلاً ترضي تمنياً وكل نسيان دافعه رغبة في إبعاد ذلك الشيء.
- الشلل أو العمى لديه قد يكون سببه الهروب من حالة صعبة يعجز الإِنسان عن تحقيقها، وهذا يسمى انقلاب الرغبة إلى عرض جسدي.
- الحلم عنده هو انحراف عن الرغبة الأصلية المستكنة في أعماق النفس وهي رغبة مكبوتة يقاومها صاحبها في مستوى الشعور ويعيدها إلى اللاشعور، وأثناء النوم عندما تضعف الرقابة تأخذ طريقها باحثة لها عن مخرج.
- يتكلم فرويد عن تطبيق مبدأين هما اللذة والواقع، فالإِنسان يتجه بطبيعته نحو مبدأ اللذة العاجلة لمباشرة الرغبة لكنه يواجه بحقائق الطبيعة المحيطة به فيتجنب هذه اللذة التي تجلب له آلاماً أكبر منها أو يؤجل تحقيقها.
- يفترض فرويد وجود غريزتين ينطوي فيهما كل ما يصدر عن الإِنسان من سلوك وهما غريزة الحياة وغريزة الموت. غريزة الحياة تتضمن مفهوم اللبيدو وجزءاً من غريزة حفظ الذات، أما غريزة الموت فتمثل نظرية العدوان والهدم موجهة أساساً إلى الذات ثم تنتقل إلى الآخرين.
- الحرب لديه هي محاولة جماعية للإِبقاء على الذات نفسياً، والذي لا يحارب يعرض نفسه لاتجاه العدوان إلى الداخل فيفني نفسه بالصراعات الداخلية، فالأولى به أن يفني غيره إذن، والانتحار هو مثل واضح لفشل الفرد في حفظ حياته. وهذا المفهوم إنما يعطي تبريراً يريح ضمائر اليهود أصحاب السلوك العدواني المدمر.
- اللاشعور: هو مستودع الدوافع البدائية الجنسية وهو مقر الرغبات والحاجات الانفعالية المكبوتة التي تظهر في عثرات اللسان والأخطاء الصغيرة والهفوات وأثناء بعض المظاهر الغامضة لسلوك الإِنسان. إنه مستودع ذو قوة ميكانيكية دافعة وليس مجرد مكان تلقى إليه الأفكار والذكريات غير الهامة.
- الـ (هي): مجموعة من الدوافع الغريزية الموجودة لدى الطفل عند ولادته والتي تحتاج إلى الشعور الموجه، وهي غرائز يشترك فيها الجنس البشري بكافة. إنها باطن النفس، وقد نتجت عن (الأنــا) إلا أنها تبقى ممزوجة بها في الأعماق أي حينما تكون (الأنــا) لا شعورية، وهي تشمل القوى الغريزية الدافعة، فإذا ما كبتت هذه الرغبات فإنها تعود إلى الـ (هي).
- (الأنــا): بعد قليل من ميلاد الطفل يزداد شعوراً بالواقع الخارجي فينفصل جزء من مجموعة الدوافع الـ (هي) لتصبح ذاتاً ووظيفتها الرئيسية هي اختيار الواقع حتى يستطيع الطفل بذلك تحويل استجاباته إلى سلوك منظم يرتبط بحقائق الواقع ومقتضياته، إنها ظاهر النفس الذي يرتبط بالمحيط.
- (الأنــا العليــا): هي الضمير الذي يوجه سلوك الفرد والجانب الأكبر منه لا شعوري، إنها ما نسميه بالضمير أو الوجدان الأخلاقي، لها زواجر وأوامر تفرضها على (الأنـا)، وهي سمة خاصة بالإِنسان، إذ إنها أمور حتمية صادرة من العالم الداخلي.
- النقــل: وهي أن المريض قد ينقل حبه أو بغضه المكبوت في أعماق الذكريات إلى الطبيب مثلاً خلال عملية المعالجة. وقد تعرض بروير لحب واحدة من اللواتي كان يعالجهن إذ نقلت عواطفها المكبوتة إليه، فكان ذلك سبباً في انصرافه عن هذه الطريقة بينما تابع فرويد عمله بمعالجة الواحدة منهم بنقل عواطفها مرة أخرى والوصول بها إلى الواقع.
- استفاد كثيراً من عقدة أوديب تلك الأسطورة التي تقول بأن شخصاً قد قتل أباه وتزوج أمه وأنجب منها وهو لا يدري. ولما علم بحقيقة ما فعل سمل عينيه، فقد استغلها فرويد من إسقاطات نفسية كثيرة واعتبرها مركزاً لتحليلاته المختلفة.
- شخصية الإِنسان هي حصيلة صراع بين قوى ثلاث: دوافع غريزية، واقع خارجي، ضمير، وهي أمور رئيسية تتحدد بشكل ثابت بانتهاء الموقف الأوديبي حوالي السنة الخامسة أو السادسة من العمر.

ثانيـاً: الآثــار السلبية للفرويديـة:
- لم ترد في كتب وتحليلات فرويد أية دعوة صريحة إلى الانحلال - كما يتبادر إلى الذهن - وإنما كانت هناك إيماءات تحليلية كثيرة تتخلل المفاهيم الفرويدية تدعو إلى ذلك، وقد استفاد الإِعلام الصهيوني من هذه المفاهيم لتقديمها على نحو يغري الناس بالتحلل من القيم وييسر لهم سبله بعيداً عن تعذيب الضمير.
- كان يتظاهر بالإِلحاد ليعطي لتفكيره روحاً علمانية، ولكنه على الرغم من ذلك كان غارقاً في يهوديته من قمة رأسه إلى أخمص قدميه.
- كان يناقش فكرة "معاداة السامية" وهي ظاهرة كراهية اليهود، هذه النغمة التي يعزف اليهود عليها لاستدرار العطف عليهم، وقد ردّ هذه الظاهرة نفسياً إلى اللاشعور وذلك لعدة أسباب:
- غيرة الشعوب الأخرى من اليهود لأنهم أكبر أبناء الله وآثرهم عنده (حاشا لله).
- تمسّك اليهود بطقس الختان الذي ينبه لدى الشعوب الأخرى خوف الخصاء ويقصد بذلك النصارى لأنهم لا يختتنون.
- كراهية الشعوب لليهود هو في الأصل كراهية للنصارى المسيحيين، وذلك عن طريق "النقل" إذ إن الشعوب التي تُنزِل الاضطهاد النازي باليهود إنما كانت شعوباً وثنية في الأصل، ثم تحولت إلى النصرانية بالقوة الدموية، فصارت هذه الشعوب بعد ذلك حاقدة على النصرانية لكنها بعد أن توحدت معها نقلت الحقد إلى الأصل الذي تعتمد على النصرانية ألا وهو اليهودية.
- يدعو إلى اشباع الرغبة الجنسية، وذلك لأن الإِنسان صاحب الطاقة الجنسية القوية والذي لا تسمح له النصرانية إلا بزوجة واحدة فإما أن يرفض قيود المدنية ويتحرر منها بإشباع رغباته الجنسية وإما أن يكون ذا طبيعة ضعيفة لا يستطيع الخروج على هذه القيود فيسقط صاحبها فريسة للمرض النفسي ونهبة للعقد النفسية.
- يقول بأن الامتناع عن الاتصال الجنسي قبل الزواج قد يؤدي إلى تعطيل الغرائز عند الزواج.
- عقد فصلاً عن "تحريم العذرة" وقال بأنها تحمل مشكلات وأمراضاً لكلا الطرفين، واستدل على ذلك بأن بعض الأقوام البدائية كانت تقوم بإسناد أمر فض البكارة لشخص آخر غير الزوج، ذلك ضمن احتفال وطقس رسمي.
- لقد برر "عشق المحارم" لأن اليهود أكثر الشعوب ممارسة له بسبب انغلاق مجتمعهم الذي يحرم الزواج على أفراده خارج دائرة اليهود، وهو يرجع هذا التحريم إلى قيود شديدة كانت تغلّ الروح وتعطلها، وهو بذلك يساعد اليهود أولاً على التحرر من مشاعر الخطيئة كما يسهل للآخرين اقتحام هذا الباب الخطير بإسقاط كل التحريمات واعتبارها قيوداً وأغلالاً وهمية. وقد استغل اليهود هذه النظرية وقاموا بإنتاج عدد من الأفلام الجنسية الفاضحة والتي تعرض نماذج من الزنى بالمحارم.
- لم يعتبر (التصعيد) أو الإِعلاء - كما يسميه - إلا طريقاً ضعيفاً من ضغط الدافع الجنسي إذ إن هذا الطريق لن يتيسر خلال مرحلة الشباب إلا لقلة ضئيلة من الناس وفي فترات متقطعة وبأكبر قدر من العنت والمشقة، أما الباقون - وهم الغالبية العظمى - فليس أمامهم إلا المرض النفسي يقعون صرعاه. كما أن أصحاب التصعيد هؤلاء إنما هم ضعاف يضيعون في زحمة الجماهير التي تنزع إلى السير بإرادة مسلوبة وراء زعامة الأقوياء.
- في كفاحه ضدّ القيود والأوامر العليا الموجهة إلى النفس صار إلى محاربة الدين واعتباره لوناً من العصاب النفسي الوسواسي.
- تطورت فكرة الألوهية لديه على النحو التالي:
- كان الأب هو السيد الذي يملك كل الإِناث في القبيلة ويحرمها على ذكورها.
- قام الأبناء بقتل الأب، ثم التهموا جزءاً نيئاً من لحمه للتوحد معه لأنهم يحبونه.
- صار هذا الأب موضع تبجيل وتقدير باعتباره أباهم أصلاً.
- ومن ثم اختاروا حيواناً مرهوباً لينقلوا إليه هذا التبجيل فكان الحيوان هو الطوطم.
- الطوطمية أول صورة للدين في التاريخ البشري.
- كانت الخطوة الأولى بعد ذلك هي التطور نحو الإِله الفرد فتطورت معها فكرة الموت الذي صار بهذا الاعتبار خطوة إلى حياة أخرى يلقى الإِنسان فيها جزاء ما قدم.
- الله - إذن في فهمه - هو بديل الأب أو بعبارة أصح هو أب عظيم، أو هو صورة الأب كما عرفها المرء في طفولته.
- نخلص من هذا بأن العقائد الدينية - في نظره - أوهام لا دليل عليها، فبعضها بعيد عن الاحتمال ولا يتفق مع حقائق الحياة، وهي تقارن بالهذيان، ومعظمها لا يمكن التحقق من صحته، ولا بدّ من مجيء اليوم الذي يصغي فيه الإِنسان لصوت العقل.
- حديثه عن الكبت فيه إيحاءات قوية وصارخة بأن الوقاية منه تكمن في الانطلاق والتحرر من كل القيود، كما يحرم الإِدانة الخلقية على أي عمل يأتيه المريض مركزاً على الآثار النفسية المترتبة على هذه الإِدانة في ازدياد العقد المختلفة مما يحرفه عن السلوك السوي.
- مما ساعد على انتشار أفكاره ما يلي:
- الفكر الدارويني الذي أرجع الإِنسان إلى أصول حيوانية مادية.
- الاتجاه العقلاني الذي ساد أوروبا حينذاك.
- الفكر العلماني الذي صبغ الحياة بثورته ضد الكنيسة أولاً وضد المفاهيم الدينية ثانياً.
- اليهود الذين قدموا فكره للإِنسانية باستخدام مختلف الوسائل الإِعلامية بغية نشر الرذيلة والفساد وتسهيل ذلك على ضمائر البشرية ليسهل لهم قيادة هذا الرعاع من الشعوب اللاهثة وراء الجنس، المتحللة من كل القيود والقيم.
- من أكبر الآثار المدمرة لآراء فرويد، أن الإِنسان حين كان يقع في الإِثم كان يشعر بالذنب وتأنيب الضمير، فجاء فرويد ليريحه من ذلك، ويوهمه بأنه يقوم بعمل طبيعي لا غبار عليه، وبالتالي فهو ليس بحاجة إلى توبة، وبذلك أضفى على
الفساد "صفة أخلاقية" إذا صح التعبير.

الجــذور الفــكرية والعقائــدية:
- لقد دخل التنويم المغناطيسي إلى حقل العلم والطب على يد مسمر 1780 إلا أنه قد مزج بكثير من الدجل مما نزع بالأطباء إلى أن ينصرفوا عنه انصرافاً دام حتى أيام مدرستي باريس ونانسي.
- لقد كان الدكتور شاركوت 1825 - 1893 أبرز شخصيات مدرسة باريس، إذ كان يعالج المصابين بالهستيريا عن طريق التنويم المغناطيسي.
- من تلاميذ شاركوت بيير جانه الذي اهتم بالأفعال العصبية غير الشعورية والتي سماها الآليات العقلية.
- ساهمت مدرسة نانسي بفرنسا بالتنويم المغناطيسي المعتدل وقالت بأنه أمر يمكن أن يحدث لكل الأسوياء، ذلك لأنه ليس إلا حالة انفعال و منشؤها الإِيحاء، وقد استعملته هذه المدرسة في معالجة الحالات العصبية.
- أما فرويد فقد أخذ الأسس النظرية ممن سبقه، وأدخل أفكاره في تحليل التنويم المغناطيسي باستخدام طريقة التداعي الحرّ. لكن لهذا الوجه العلمي الظاهر وجه آخر هو التراث اليهودي الذي استوحاه فرويد واستخلص منه معظم نظرياته التي قدمها للبشرية خدمة لأهداف صهيون.

الانتشـــار ومواقـــع النفــوذ:
- بدأت هذه الحركة في فيينا، وانتقلت إلى سويسرا، ومن ثم عمت أوروبا، وصارت لها مدارس في أمريكا.
- وقد حملت الأيامُ هذه النظرية إلى العالم كله عن طريق الطلاب الذي يذهبون إلى هناك ويعودون لنشرها في بلادهم.
- تلاقي هذه الحركة اعتراضات قوية من عدد من علماء النفس الغربيين اليوم.