أحمد سعد الدين
15-12-2004, 01:21 PM
وفي الأرض آيات
الله سبحانه وتعالى له آيات تملأ الأرض والسماء ولكننا غافلون عنها، ومن الاعجاظ الالهي أن آيات الله لا تنتهي، فاذا مشيت في الطريق فهناك آيات، واذا صعدت الى الجبل فهناك آيات، واذا نزلت قاع البحر وجدت آيات، واذا صعدت الى السماء كانت هناك أكثر من آية.
واذا نزلت الى باطن الأرض فهناك آيات وآيات، هناك آية في تلك الشجيرة الصغيرة التي تراها تنبت في سطح الجبل، ساقها هشة لينة ربما لا تحتمل قبضة يدك ومع هذا فقد فتت الصخر ونبتت فيه، واستطاعات الشجيرة الرقيقة الرفيعة أن تمتد وتضرب في باطن الجبل وتحصل على الغذاء.
وتتعجب أنت كيف يمكن أن يحدث ذلك، ومع أنك لو أردت أن تضع ثقبا في سطح الجبل لاحتجت الى آلات حادة وقوى كثيرة، وتعرف أن الله سبحانه وتعالى الذي خلقها قد ألان لها الصخر فنبتت فيه، وألان جذورها صخور الجبل فامتدت حتى وصلت الى المصدر الذي يعطيها االغذاء.
هذه الآيات لا تحتاج الى بحث ولا الى ميكروسكوب، ولكنها تحتاج لمجرد التأمل، وفي الأرض آيات كثيرة لا تحتاج منا أكثر من أن نتأملها لنعرف قدرة الله وعظمته ونؤمن به، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:
{ انما يخشى الله من عباده العلماء} فاطر 28.
لماذا حضّ الله العلماء بالخشية؟ لأنهم وهم يبحثون في مخلوقات الله في الأرض، يرون أسرارا ودقة خلق وابداع تكوين كان يجب أن يجعلهم أول الساجدين لله، أول العابدين لله. ولكن هؤلاء العلماء الماديين بدلا من أن يفعلوا ذلك، أخذوا يحاولون النيل من الدين ومن الايمان، والانسان يعتقد أنه وصل الى أسرار الكون، ولكنه في الحقيقة لم يصل حتى الى أسرار نفسه، بل انه ينتقل من قانون الى قانون ولا يعرف كيف ينتقل، ولا ما هو سر هذا الانتقال.
فالانسان وهو مستيقظ له قوانين ربما عرفنا بعضها، ولكنه اذا نام انتقل الى قانون مختلف تماما مجهول له، فهو يخرج من الزمن، فالانسان وهو نائم لا يحس بالزمن، فاذا استيقظ فهو لا يعرف كم ساعة نامها ولا بد أن ينظر الى ساعته ليعرف كم ساعة قضاها وهو غائب عما حوله.
اذن قانون الزمن ا يسري على النائم فلا يحس بالوقت، لماذا؟ لأن الزمن هو قياس للأحداث، فنحن نقيس الأحداث بالزمن، والنائم هو خارج عن هذه الأحداث.
والانسان اذا نام رأى وعيناه مغمضتان، ومشى وجرى وقدماه لا تتحركان من فوق السرير، وتحدث لسانه ولم يتحرك، ورأى وتكلم مع أناس انتقلوا الى العالم الآخر منذ سنوات، ومع ذلك فهو يحدثهم ويسمعهم وهم يكلمونه ويسمعونه ويفهم ما يقولون، والعلم خارج هذه المنطقة تماما فلا يستطيع عالم أن يخبرنا كيف يرى الانسان وهو نائم، أو يتحرك أو يلتقي مع أناس انتقلوا للعالم الآخر، وكل ما جاء عن هذه محاولات أطلق عليها اسم العلم، انما هي تخمينات بلا دليل ومعظمها من الخيال أكثر من الواقع، ومع أن كل هذا يحدث لكل منا ويحدث كل يوم، تجد هناك من يعلن بوقاحة، ويقول انتهى عصر الدين وجاء عصر العلم وهؤلاء انما يقولون بهتانا، فالله هو الكاشف لعباده عن العلم، هو القائل في كتابه الكريم:
{ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم} العلق 3_5.
ولكن الناس لا يؤمنون، رغم أن هناك من الأدلة المادية في الكون ما لا يعد ولا يحصى، تهدي الناس الى طريق الايمان والى وجود الله، وهؤلاء الذين لا يؤمنون بعضهم منكر للدين لأنه يريد أن يكون هو مصدر التشريع، لأن منهج الله سبحانه وتعالى قائم على العدل بين الناس، وأعطى كل ذي حق حقه، وهم يريدون أن يتميزوا وأن يأخذوا حقوق غيرهم ولا سبيل الى ذلك الا أن يضعوا منهجا من صنعهم، يعطيهم كل شيء ويسلب غيرهم كل شيء، والطريقة الوحيدة لذلك هي أن ينكروا منهج السماء.
والقسم الثاني فضل أن يعيش مع النعمة بدلا من أن يعيش مع المنعم، وهؤلاء الناس الذين متعهم الله سبحانه وتعالى بنعمه في الدنيا لم يفكروا كيف جاءت هذه النعم ولكنهم أرادوا أن يأخذوا من النعم كل ما يستطيعون، وأعماهم الطمع الانساني، فلم يفكروا الا في الحصول على نعمة المال أو نعمة السلطة أو غيرها من نعم الكون، وهؤلاء شغلوا أنفسهم بالمادة بدلا من أن يفكروا فيمن خلق المادة، وأخذوا النعم في أنهاةحق لهم دون أن يبحثوا عمن أوجدها، فرغم أن قوانينهم المادية التي يؤمنون بها، تقول: انه لا شيء يحدث في الدنيا بدون فاعل، فلم نجد مثلا عمارة نشأت هكذا دون أن يكون لها مهندس وعمال وغير ذلك ممن أقاموها، ولم يجلسوا في بيوتهم مثلا ليجدوا كمية من المال ظهرت أمامهم فجأة، وكل مصالحهم لا بد أن يتحركوا لقضائها.
ومع أن قانون المادة يقول انه لا يوجد فعل دون فاعل، فانهم لم يطبقوا هذا القانون على الكون كله، بل ادعوا أن الكون قد خلق بدون فاعل، بعضهم قال: حدث هذا بتفاعل المواد!! ولو أنصفوا لسألوا من الذي أوجد المادة أولا ومن الذي حركها ثانيا، ولكنهم تناسوا هذا السؤال.
وحتى اذا صدمتهم آية من آيات الله تكبروا عليها، ولعل هذا واضح في العالم الغربي الذي يحاول الفصل بين العلم والدين فصلا تاما، وربما كان السبب في ذلك هو المعركة الرهيبة التي قامت بين العلم والكنيسة واستمرت أكثر من قرنين، وقد كانت المنيسة تنكر العلم تماما استنادا الى التوراة وهو الكتاب المقدس لليهود، والذي تؤمن به الكنيسة، وما جاء في التوراة يقول انه شجرة التفاح التي أكل منها آدم هي شجرة المعرفة، انه حينما أكل آدم التفاحة، كشفت له علوم كثيرة فغضب الله عليه وطرده من الجنة، وكانت هذه هي المعصية الأولى التي ما زالت البشرية تعاني منها حتى الآن، والتي نكفر عنها بحياتنا في الأرض المليئة بالشقاء ولو لم يأكل آدم تفاحة المعرفة لكنا حتى الآن نعيش في الجنة.
هذه الخرافة المحرفة هي التي أدت الى المعركة بين الكنيسة والعلم! تلك المعركة التي تعرّض فيها العالم الايطالي " جاليليو جاليلي" في القرن الخامس عشر الى غضب الكنيسة عندما أثبت بالأدلة المادية كروية الأرض وأصدرت الكنيسة حكما بحرقه حيا لأنه كفر، واضطر العالم الايطالي أن ينكر ما اكتشفه.
ولكن موقف الاسلام مختلف، ذلك أن التفاحة التي أكلها آدم هي منهج الشيطان الذي أظهر عوراته وكشفها، كما يظهر تزيين الشيطان للناس في الدنيا عوراتهم فيكشفها فيصيبهم الخزي والعار.
العلم كاشف قوانين الكون
أما العلم فالاسلام ينظر اليه على أنه من الله أولا، فالله يكشف آياته في الأرض للانسان، ولانسان يكتشف ولا يخلق أو يضع في الكون قوانين جديدة من صنعه، ولكن الله يكشف لمن يشاء قوانين كونه ولكل قانون وكشف ميلاد، فاذا جاء ميلاد لقانون كوني، كشفه الله لمن يبحث عنه من البشر فيعرفونه ويستخدمونه.
والله سبحانه وتعالى الذي قال:{ علم الانسان ما لم يعلم}.
يجب أن نعرف أن كل علم هو من الله، والله سبحانه وتعالى ميز الانسان على الملائكة بالعلم، فقال جل جلاله:
{ وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني يأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم اني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} البقرة 31_ 32.
هذا هو موقف الاسلام من العلم وان كان للكنيسة موقف آخر في معركة استمرت قرنين كاملين بين الكنيسة والعلماء، وعندما انتصر العلماء عملوا على تضييق نفوذ الكنيسة بحيث أصبحت لا دخل لها بالعلم، وفصلوا الدين عن الدولة الى آخر ما يرويه التاريخ.
والعلماء في أبحاثهم يحاولون انكار دور الدين ايمانا بذاتيتهم، فهم يريدون أن يقولوا نحن فعلنا ونحن اكتشفنا كما قال قارون:
{ قال انما أوتيته على علم عندي} القصص 78.
ولذلك ليس في بالهم الله وسيفاجأون بالله سبحانه وتعالى في الآخرة، مصداقا لقوله تعالى:
{ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه، والله سريع الحساب} النور 39.
ولا يحسب أحد أن هؤلاء الذين كفروا فعلوا ذلك لأن آيات الله لم تصل اليهم، بل الآيات أمامهم ولكنهم هم الذين يتكبرون على الايمان، ويقول الحق سبحانه وتعالى:
{ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم الا كانوا عنها معرضين} الأنعام 4.
ولذلك فان اعراضهم ليس على أن الدليل المادي على وجود الله غائب عنهم ولكن لأنهم يرفضون الايمان، اما ليحققوا مصالح ذاتية، واما لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، فيحاولون أن يأخذوا كل ما تعطيهم الدنيا على أن هذا هو كل يء، وتكون النتيجة أنهم يستخدمون كل الوسائل حلالا أو حراما في الوصول الى أهدافهم، عملا بمبدأ أن الغاية تبرر الوسيلة.
ولو أنهم فكروا قليلا لوجدوا الآيات في القرآن الكريم معجزات، ولو أنهم كانوا علماء وباحثين فعلا، لقرأوا القرآن الذي سمعوا عنه، ودرسوا الاسلام دراسة غير مغرضة، ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وانهم مثلا لو التفتوا الى الآية الكريمة:
{ فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة} الاسراء 2.
لعرفوا الاعجاز في هذه الآية وحدها، ولكان الاعجاز فيها كافيا لأن يؤمنوا، الله سبحانه وتعالى يقول:
{ وجعلنا آية النهار مبصرة}.
وهكذا وصف الله النهار بانه هو المبصر، ولكن النهار هو الذي يبصر أم العين هي التي تبصر؟ الذي نفهمه من تلقائية الأبصار أن العين هي تبصر، ولكن الحقيقة العلمية تختلف، فلقد ثبت علميا أن ضوء الشمس ينعكس على الأشياء ثم تدخل أشعة النور الى العين فتبصر.
اذن فالعين لا تبصر بذاتها ولا بذاتيتها، ولكنها تبصر بالضوء الذي ينعكس على الأشياء الموجودة أمامهما ويدخل الى العين، فاذا ذهب هذا الضوء وجد الظلام فان العين لا تبصر ولا ترى شيئا في الظلام الدامس، الا أن تأتي بمصباح أو مصدر من نور يلقي الضوء على الأشياء فينعكس على العين فتبصر.
وهكذا نرى دقة التعبير في القرآن الكريم في قوله تعالى:
{فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة}.
فالأبصار نسبه الله سبحانه وتعالى لضوء النهار ولم ينسبه الى العين ولقد نزلت هذه الآية والبشر كلهم لا يعلمون كيف يتم الابصار؟ ماذا كان يحدث لو تقدم العلم وكشف أن العين تبصر بذاتها وليس بانعكاس الضوء على الأشياء، أكنا في هذه الحالة نستطيع أن نقرأ في الصلاة:{ فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة}.
ألم يكن هذا كافيا لهدم قضية الدين من أساسه.
ولو أن هذا القرآن ليس من عند الله، وأنه من عند محمد عليه الصلاة والسلام، فما الذي كان يجعله يغامر بذكر قضية علمية كهذه القضية قد يثبت عدم صحتها فيضيع الدين كله، ومن أين له هذه المعلومات حتى يعرف أن الابصار يحدث بضوء النهار؟ أليس هذا دليلا ماديا كافيا للايمان بالله، وللايمان بأن القرآن منزل من عند الله الخالق لهذا الكون والعالم بأسراره؟!
معنى كروية الأرض
ان القرآن كلام الله المتعبد بتلاوته الى يوم القيامة، ومعنى ذلك أنه لا يجب أن يحدث تصادم بينه وبين الحقائق العلمية في الكون، لأن القرآن الكريم لا يتغير ولا بتبدل، ولو حدث مثل هذا التصادم لضاعت قضية الدين كلها، ولكن التصادم يحدث من شيئين: عدم فهم حقيقة قرآنية، أو عدم صحة حقيقة علمية، فاذا لم نفهم القرآم جيدا وفسرناه بغير ما فيه حدث التصادم، واذا كانت الحقيقة العلمية كاذبة حدث التصادم، ولكن كيف لا تفهم الحقيقة القرآنية؟ سنضرب مثلا لذلك ليعلم الناس أن عدم فهم الحقيقة القرآنية قد يؤدي الى تصادم مع حقائق الكون، الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز:
{ والأرض مددناها} الحجر 19.
والمد معناه البسط، ومعنى ذلك أن الرض مبسوطة، ولو فهمنا الآية على هذا المعنى لأتهمنا كل من تحدث عن كروية الأرض بالكفر خصوصا أننا الآن بواسطة سفن الفضاء والأقمار الصناعية قد استطعنا أن نرى الأرض، على هيئة كرة تدور حول نفسها، نقول: ان كل من فهم الآية الكريمة:{ والأرض مددناها}.
بمعنى أن الأرض مبسوطة لم يفهم الحقيقة القرآنية التي ذكرتها هذه الآية الكريمة، ولكن المعنى يجمع الاعجاز اللغوي والاعجاز العلمي معا، ويعطي الحقيقة الظاهرة للعين والحقيقة العلمية المختفية عن العقول في وقت نزول القرآن.
عندما قال الحق سبحانه وتعالى:{ والأرض مددناها}.
أي بسطناها، أقال أي أرض؟ لا، لم يحدد أرضا بعينها، بل قال الأرض على اطلاقها، ومعنى ذلك أنك اذا وصلت الى أي مكان يسمى أرضا تراها أمامك ممدودة أي منبسطة، فاذا كنت في خط الاستواء فالأرض أمامك منبسطة، واا كنت في القطب الجنوبي أو في القطب الشمالي، أو في أمريكا أو أوروبا أو في أفريقيا وآسيا، أو في أي بقعة من الأرض، فانك راها أمامك منبسطة، ولا يمكن أن يحدث ذلك الا اذا كانت الأرض كروية، فلو كانت الأرض مربعة أو مثلثة أو مسدسة على شكل هندسي آخر، فانك تصل فيها الى حافة، لا ترى أمامك الأرض منبسطة، ولكنكترى حافة الأرض ثم الفضاء.
ولكن الشكل الهندسي الوحيد الذي يمكن أن تكون فيه الأرض ممدودة في كل بقعة تصل اليها هي أن تكون الرض كروية، حتى اذا بدأت من أي نقطة محددة على سطح الكرة الأرضية ثم ظللت تسير حتى عدت الى نقطة البداية، فانك طوال مشوارك حول الأرض ستراها أمامك دائما منبسطة، وما دام الأمر كذلك فانك لا تير في أي بقعة على الأرض الا وأنت تراها منبسطة أمامك.
وهكذا كانت الآية الكريمة:{ والأرض مددناها}.
لقد فهمها بعض الناس على أن الأرض مبسوطة دليل على كروية الأرض، وهذا هو الاعجاز في القرآن الكريم، يأتي اللفظ الواحد ليناسب ظاهر الأشياء ويدل على حقيقتها الكونية.
ولذلك فان الذين أساؤوا فهم هذه الآية الكريمة وأخذوها على أن معناها أن الأرض منبسطة، قالوا هناك تصادم بين العلم والدين، والذين فهموا معنى الآية الكريمة فهما صحيحا قالوا ان القرآن الكريم هو أول كتاب في العالم ذكر أن الأرض كروية، وكانت هذه الحقيقة وحدها كافية بان يؤمنوا، ولكنهم لا يؤمنون.
الله سبحانه وتعالى له آيات تملأ الأرض والسماء ولكننا غافلون عنها، ومن الاعجاظ الالهي أن آيات الله لا تنتهي، فاذا مشيت في الطريق فهناك آيات، واذا صعدت الى الجبل فهناك آيات، واذا نزلت قاع البحر وجدت آيات، واذا صعدت الى السماء كانت هناك أكثر من آية.
واذا نزلت الى باطن الأرض فهناك آيات وآيات، هناك آية في تلك الشجيرة الصغيرة التي تراها تنبت في سطح الجبل، ساقها هشة لينة ربما لا تحتمل قبضة يدك ومع هذا فقد فتت الصخر ونبتت فيه، واستطاعات الشجيرة الرقيقة الرفيعة أن تمتد وتضرب في باطن الجبل وتحصل على الغذاء.
وتتعجب أنت كيف يمكن أن يحدث ذلك، ومع أنك لو أردت أن تضع ثقبا في سطح الجبل لاحتجت الى آلات حادة وقوى كثيرة، وتعرف أن الله سبحانه وتعالى الذي خلقها قد ألان لها الصخر فنبتت فيه، وألان جذورها صخور الجبل فامتدت حتى وصلت الى المصدر الذي يعطيها االغذاء.
هذه الآيات لا تحتاج الى بحث ولا الى ميكروسكوب، ولكنها تحتاج لمجرد التأمل، وفي الأرض آيات كثيرة لا تحتاج منا أكثر من أن نتأملها لنعرف قدرة الله وعظمته ونؤمن به، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز:
{ انما يخشى الله من عباده العلماء} فاطر 28.
لماذا حضّ الله العلماء بالخشية؟ لأنهم وهم يبحثون في مخلوقات الله في الأرض، يرون أسرارا ودقة خلق وابداع تكوين كان يجب أن يجعلهم أول الساجدين لله، أول العابدين لله. ولكن هؤلاء العلماء الماديين بدلا من أن يفعلوا ذلك، أخذوا يحاولون النيل من الدين ومن الايمان، والانسان يعتقد أنه وصل الى أسرار الكون، ولكنه في الحقيقة لم يصل حتى الى أسرار نفسه، بل انه ينتقل من قانون الى قانون ولا يعرف كيف ينتقل، ولا ما هو سر هذا الانتقال.
فالانسان وهو مستيقظ له قوانين ربما عرفنا بعضها، ولكنه اذا نام انتقل الى قانون مختلف تماما مجهول له، فهو يخرج من الزمن، فالانسان وهو نائم لا يحس بالزمن، فاذا استيقظ فهو لا يعرف كم ساعة نامها ولا بد أن ينظر الى ساعته ليعرف كم ساعة قضاها وهو غائب عما حوله.
اذن قانون الزمن ا يسري على النائم فلا يحس بالوقت، لماذا؟ لأن الزمن هو قياس للأحداث، فنحن نقيس الأحداث بالزمن، والنائم هو خارج عن هذه الأحداث.
والانسان اذا نام رأى وعيناه مغمضتان، ومشى وجرى وقدماه لا تتحركان من فوق السرير، وتحدث لسانه ولم يتحرك، ورأى وتكلم مع أناس انتقلوا الى العالم الآخر منذ سنوات، ومع ذلك فهو يحدثهم ويسمعهم وهم يكلمونه ويسمعونه ويفهم ما يقولون، والعلم خارج هذه المنطقة تماما فلا يستطيع عالم أن يخبرنا كيف يرى الانسان وهو نائم، أو يتحرك أو يلتقي مع أناس انتقلوا للعالم الآخر، وكل ما جاء عن هذه محاولات أطلق عليها اسم العلم، انما هي تخمينات بلا دليل ومعظمها من الخيال أكثر من الواقع، ومع أن كل هذا يحدث لكل منا ويحدث كل يوم، تجد هناك من يعلن بوقاحة، ويقول انتهى عصر الدين وجاء عصر العلم وهؤلاء انما يقولون بهتانا، فالله هو الكاشف لعباده عن العلم، هو القائل في كتابه الكريم:
{ اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم} العلق 3_5.
ولكن الناس لا يؤمنون، رغم أن هناك من الأدلة المادية في الكون ما لا يعد ولا يحصى، تهدي الناس الى طريق الايمان والى وجود الله، وهؤلاء الذين لا يؤمنون بعضهم منكر للدين لأنه يريد أن يكون هو مصدر التشريع، لأن منهج الله سبحانه وتعالى قائم على العدل بين الناس، وأعطى كل ذي حق حقه، وهم يريدون أن يتميزوا وأن يأخذوا حقوق غيرهم ولا سبيل الى ذلك الا أن يضعوا منهجا من صنعهم، يعطيهم كل شيء ويسلب غيرهم كل شيء، والطريقة الوحيدة لذلك هي أن ينكروا منهج السماء.
والقسم الثاني فضل أن يعيش مع النعمة بدلا من أن يعيش مع المنعم، وهؤلاء الناس الذين متعهم الله سبحانه وتعالى بنعمه في الدنيا لم يفكروا كيف جاءت هذه النعم ولكنهم أرادوا أن يأخذوا من النعم كل ما يستطيعون، وأعماهم الطمع الانساني، فلم يفكروا الا في الحصول على نعمة المال أو نعمة السلطة أو غيرها من نعم الكون، وهؤلاء شغلوا أنفسهم بالمادة بدلا من أن يفكروا فيمن خلق المادة، وأخذوا النعم في أنهاةحق لهم دون أن يبحثوا عمن أوجدها، فرغم أن قوانينهم المادية التي يؤمنون بها، تقول: انه لا شيء يحدث في الدنيا بدون فاعل، فلم نجد مثلا عمارة نشأت هكذا دون أن يكون لها مهندس وعمال وغير ذلك ممن أقاموها، ولم يجلسوا في بيوتهم مثلا ليجدوا كمية من المال ظهرت أمامهم فجأة، وكل مصالحهم لا بد أن يتحركوا لقضائها.
ومع أن قانون المادة يقول انه لا يوجد فعل دون فاعل، فانهم لم يطبقوا هذا القانون على الكون كله، بل ادعوا أن الكون قد خلق بدون فاعل، بعضهم قال: حدث هذا بتفاعل المواد!! ولو أنصفوا لسألوا من الذي أوجد المادة أولا ومن الذي حركها ثانيا، ولكنهم تناسوا هذا السؤال.
وحتى اذا صدمتهم آية من آيات الله تكبروا عليها، ولعل هذا واضح في العالم الغربي الذي يحاول الفصل بين العلم والدين فصلا تاما، وربما كان السبب في ذلك هو المعركة الرهيبة التي قامت بين العلم والكنيسة واستمرت أكثر من قرنين، وقد كانت المنيسة تنكر العلم تماما استنادا الى التوراة وهو الكتاب المقدس لليهود، والذي تؤمن به الكنيسة، وما جاء في التوراة يقول انه شجرة التفاح التي أكل منها آدم هي شجرة المعرفة، انه حينما أكل آدم التفاحة، كشفت له علوم كثيرة فغضب الله عليه وطرده من الجنة، وكانت هذه هي المعصية الأولى التي ما زالت البشرية تعاني منها حتى الآن، والتي نكفر عنها بحياتنا في الأرض المليئة بالشقاء ولو لم يأكل آدم تفاحة المعرفة لكنا حتى الآن نعيش في الجنة.
هذه الخرافة المحرفة هي التي أدت الى المعركة بين الكنيسة والعلم! تلك المعركة التي تعرّض فيها العالم الايطالي " جاليليو جاليلي" في القرن الخامس عشر الى غضب الكنيسة عندما أثبت بالأدلة المادية كروية الأرض وأصدرت الكنيسة حكما بحرقه حيا لأنه كفر، واضطر العالم الايطالي أن ينكر ما اكتشفه.
ولكن موقف الاسلام مختلف، ذلك أن التفاحة التي أكلها آدم هي منهج الشيطان الذي أظهر عوراته وكشفها، كما يظهر تزيين الشيطان للناس في الدنيا عوراتهم فيكشفها فيصيبهم الخزي والعار.
العلم كاشف قوانين الكون
أما العلم فالاسلام ينظر اليه على أنه من الله أولا، فالله يكشف آياته في الأرض للانسان، ولانسان يكتشف ولا يخلق أو يضع في الكون قوانين جديدة من صنعه، ولكن الله يكشف لمن يشاء قوانين كونه ولكل قانون وكشف ميلاد، فاذا جاء ميلاد لقانون كوني، كشفه الله لمن يبحث عنه من البشر فيعرفونه ويستخدمونه.
والله سبحانه وتعالى الذي قال:{ علم الانسان ما لم يعلم}.
يجب أن نعرف أن كل علم هو من الله، والله سبحانه وتعالى ميز الانسان على الملائكة بالعلم، فقال جل جلاله:
{ وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني يأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم اني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} البقرة 31_ 32.
هذا هو موقف الاسلام من العلم وان كان للكنيسة موقف آخر في معركة استمرت قرنين كاملين بين الكنيسة والعلماء، وعندما انتصر العلماء عملوا على تضييق نفوذ الكنيسة بحيث أصبحت لا دخل لها بالعلم، وفصلوا الدين عن الدولة الى آخر ما يرويه التاريخ.
والعلماء في أبحاثهم يحاولون انكار دور الدين ايمانا بذاتيتهم، فهم يريدون أن يقولوا نحن فعلنا ونحن اكتشفنا كما قال قارون:
{ قال انما أوتيته على علم عندي} القصص 78.
ولذلك ليس في بالهم الله وسيفاجأون بالله سبحانه وتعالى في الآخرة، مصداقا لقوله تعالى:
{ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه، والله سريع الحساب} النور 39.
ولا يحسب أحد أن هؤلاء الذين كفروا فعلوا ذلك لأن آيات الله لم تصل اليهم، بل الآيات أمامهم ولكنهم هم الذين يتكبرون على الايمان، ويقول الحق سبحانه وتعالى:
{ وما تأتيهم من آية من آيات ربهم الا كانوا عنها معرضين} الأنعام 4.
ولذلك فان اعراضهم ليس على أن الدليل المادي على وجود الله غائب عنهم ولكن لأنهم يرفضون الايمان، اما ليحققوا مصالح ذاتية، واما لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، فيحاولون أن يأخذوا كل ما تعطيهم الدنيا على أن هذا هو كل يء، وتكون النتيجة أنهم يستخدمون كل الوسائل حلالا أو حراما في الوصول الى أهدافهم، عملا بمبدأ أن الغاية تبرر الوسيلة.
ولو أنهم فكروا قليلا لوجدوا الآيات في القرآن الكريم معجزات، ولو أنهم كانوا علماء وباحثين فعلا، لقرأوا القرآن الذي سمعوا عنه، ودرسوا الاسلام دراسة غير مغرضة، ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وانهم مثلا لو التفتوا الى الآية الكريمة:
{ فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة} الاسراء 2.
لعرفوا الاعجاز في هذه الآية وحدها، ولكان الاعجاز فيها كافيا لأن يؤمنوا، الله سبحانه وتعالى يقول:
{ وجعلنا آية النهار مبصرة}.
وهكذا وصف الله النهار بانه هو المبصر، ولكن النهار هو الذي يبصر أم العين هي التي تبصر؟ الذي نفهمه من تلقائية الأبصار أن العين هي تبصر، ولكن الحقيقة العلمية تختلف، فلقد ثبت علميا أن ضوء الشمس ينعكس على الأشياء ثم تدخل أشعة النور الى العين فتبصر.
اذن فالعين لا تبصر بذاتها ولا بذاتيتها، ولكنها تبصر بالضوء الذي ينعكس على الأشياء الموجودة أمامهما ويدخل الى العين، فاذا ذهب هذا الضوء وجد الظلام فان العين لا تبصر ولا ترى شيئا في الظلام الدامس، الا أن تأتي بمصباح أو مصدر من نور يلقي الضوء على الأشياء فينعكس على العين فتبصر.
وهكذا نرى دقة التعبير في القرآن الكريم في قوله تعالى:
{فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة}.
فالأبصار نسبه الله سبحانه وتعالى لضوء النهار ولم ينسبه الى العين ولقد نزلت هذه الآية والبشر كلهم لا يعلمون كيف يتم الابصار؟ ماذا كان يحدث لو تقدم العلم وكشف أن العين تبصر بذاتها وليس بانعكاس الضوء على الأشياء، أكنا في هذه الحالة نستطيع أن نقرأ في الصلاة:{ فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة}.
ألم يكن هذا كافيا لهدم قضية الدين من أساسه.
ولو أن هذا القرآن ليس من عند الله، وأنه من عند محمد عليه الصلاة والسلام، فما الذي كان يجعله يغامر بذكر قضية علمية كهذه القضية قد يثبت عدم صحتها فيضيع الدين كله، ومن أين له هذه المعلومات حتى يعرف أن الابصار يحدث بضوء النهار؟ أليس هذا دليلا ماديا كافيا للايمان بالله، وللايمان بأن القرآن منزل من عند الله الخالق لهذا الكون والعالم بأسراره؟!
معنى كروية الأرض
ان القرآن كلام الله المتعبد بتلاوته الى يوم القيامة، ومعنى ذلك أنه لا يجب أن يحدث تصادم بينه وبين الحقائق العلمية في الكون، لأن القرآن الكريم لا يتغير ولا بتبدل، ولو حدث مثل هذا التصادم لضاعت قضية الدين كلها، ولكن التصادم يحدث من شيئين: عدم فهم حقيقة قرآنية، أو عدم صحة حقيقة علمية، فاذا لم نفهم القرآم جيدا وفسرناه بغير ما فيه حدث التصادم، واذا كانت الحقيقة العلمية كاذبة حدث التصادم، ولكن كيف لا تفهم الحقيقة القرآنية؟ سنضرب مثلا لذلك ليعلم الناس أن عدم فهم الحقيقة القرآنية قد يؤدي الى تصادم مع حقائق الكون، الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز:
{ والأرض مددناها} الحجر 19.
والمد معناه البسط، ومعنى ذلك أن الرض مبسوطة، ولو فهمنا الآية على هذا المعنى لأتهمنا كل من تحدث عن كروية الأرض بالكفر خصوصا أننا الآن بواسطة سفن الفضاء والأقمار الصناعية قد استطعنا أن نرى الأرض، على هيئة كرة تدور حول نفسها، نقول: ان كل من فهم الآية الكريمة:{ والأرض مددناها}.
بمعنى أن الأرض مبسوطة لم يفهم الحقيقة القرآنية التي ذكرتها هذه الآية الكريمة، ولكن المعنى يجمع الاعجاز اللغوي والاعجاز العلمي معا، ويعطي الحقيقة الظاهرة للعين والحقيقة العلمية المختفية عن العقول في وقت نزول القرآن.
عندما قال الحق سبحانه وتعالى:{ والأرض مددناها}.
أي بسطناها، أقال أي أرض؟ لا، لم يحدد أرضا بعينها، بل قال الأرض على اطلاقها، ومعنى ذلك أنك اذا وصلت الى أي مكان يسمى أرضا تراها أمامك ممدودة أي منبسطة، فاذا كنت في خط الاستواء فالأرض أمامك منبسطة، واا كنت في القطب الجنوبي أو في القطب الشمالي، أو في أمريكا أو أوروبا أو في أفريقيا وآسيا، أو في أي بقعة من الأرض، فانك راها أمامك منبسطة، ولا يمكن أن يحدث ذلك الا اذا كانت الأرض كروية، فلو كانت الأرض مربعة أو مثلثة أو مسدسة على شكل هندسي آخر، فانك تصل فيها الى حافة، لا ترى أمامك الأرض منبسطة، ولكنكترى حافة الأرض ثم الفضاء.
ولكن الشكل الهندسي الوحيد الذي يمكن أن تكون فيه الأرض ممدودة في كل بقعة تصل اليها هي أن تكون الرض كروية، حتى اذا بدأت من أي نقطة محددة على سطح الكرة الأرضية ثم ظللت تسير حتى عدت الى نقطة البداية، فانك طوال مشوارك حول الأرض ستراها أمامك دائما منبسطة، وما دام الأمر كذلك فانك لا تير في أي بقعة على الأرض الا وأنت تراها منبسطة أمامك.
وهكذا كانت الآية الكريمة:{ والأرض مددناها}.
لقد فهمها بعض الناس على أن الأرض مبسوطة دليل على كروية الأرض، وهذا هو الاعجاز في القرآن الكريم، يأتي اللفظ الواحد ليناسب ظاهر الأشياء ويدل على حقيقتها الكونية.
ولذلك فان الذين أساؤوا فهم هذه الآية الكريمة وأخذوها على أن معناها أن الأرض منبسطة، قالوا هناك تصادم بين العلم والدين، والذين فهموا معنى الآية الكريمة فهما صحيحا قالوا ان القرآن الكريم هو أول كتاب في العالم ذكر أن الأرض كروية، وكانت هذه الحقيقة وحدها كافية بان يؤمنوا، ولكنهم لا يؤمنون.