مشاهدة النسخة كاملة : مقولات باطلةعن القرآن الكريم
أحمد سعد الدين
15-12-2004, 01:50 PM
مقولة : إن محمدا جاء به من عنده مع الاستعانة بعناصر يهودية ومسيحية
مقولة : تلفيق القرآن من الكتب السابقة يهودية ونصرانية جاهلية
مقولة : إن القرآن لم يأت بجديد , وأنه مقتبس من الكتب السابقة
مقولة : إن القرآن لم يجمع فى حياة الرسول ، وإن الصحابة تدخلوا فى جمعه وترتيبه ، وأحرق عثمان النسخ المخالفة
أحمد سعد الدين
15-12-2004, 01:50 PM
أولاً : مقولة أن محمدا جاء به من عنده مع الاستعانة بعناصر يهودية ومسيحية
اتهام متهافت قديم يتجدد ، قاله أهل مكة لما نزل عليهم وهم أهل اللغة ومالكو ناصيتها فتحداهم أن يأتوا بمثله أو بمثل عشر سور منه أو بآية فعجزوا . ولو جاز أن يكون من صنع محمد صلى الله عليه وسلم لجاز أن ينافسه عليه آخرون .. لكن هذا لم يحدث ، ومضى كتاب محمد صلى الله عليه وسلم يخترق الآفاق عبر الزمان والمكان حتى اليوم . ولو افترضنا جدلا أنه من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم لكان علينا أن نقارن فى دراسة موضوعية بين أسلوب القرآن وأسلوب السنة التى هى كلمات الرسول ، وستعلن النتيجة أن الفرق شديد الوضوح لا يمكن لمنصف أن يشكك فيه . والأقدمون من المشركين حاولوا أن يدرسوا أسلوب النص القرآنى لمعرفة سر تأثيره على من يستمع إليه وانحصرت اتهاماتهم فى التساؤل عن القرآن ، أهو من الشعر ؟ أم هو من سجع الكهان ؟ أم هو من أساطير الأولين . التى نقلها واكتتبها وأنها تتلى عليه ليل نهار أم غير ذلك ؟ لكنهم بعد تبرئة النص من هذه الاتهامات جميعا قالوا : ( إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر ) . وأما عن محاولة إيجاد علاقة بين النص القرآنى وبين الاستعانة بعناصر يهودية أو مسيحية فهذه أسطورة يكذبها الواقع التاريخى الذى نزل فيه القرآن ، حيث كان المشركون من أهل مكة يحاولون بشتى الصور أن يجدوا سببا أو علاقة أو دليلا ما على شىء يكذبون به محمداً صلى الله عليه وسلم ويشككون فى صدقه ، ولو صح لديهم أو حتى لو شاع عندهم أنه كان يستعين بعناصر يهودية أو نصرانية لكانت تلك فرصتهم وحجتهم القوية على أنه غير صادق فيما يدعيه من أن الوحى يأتيه من السماء . لكن الثابت فى كافة المصادر التاريخية - عربية أو أجنبية - أن اتهامات الكفار والمشركين واليهود كذلك له لم يكن فيها أنه استعان بعناصر يهودية أو نصرانية وكانت الفرصة أمام اليهود والنصارى سانحة ليتهموه بأنه صلى الله عليه وسلم أخذ القرآن عنهم , لكنهم لم يفعلوا ، وليس هناك أى مصدر تاريخى يشير إلى ذلك ، فثبت أن هذه المقولات من أكاذيب المحدثين ، وأنها كاذبة لا تمت إلى الحقيقة بأى صلة .
ولو افترضنا جدلا أن هذا الإدعاء لم يكن أهل مكة يعرفونه ، فالمفروض أن مصدر الاستعانة - لو صح - وهم اليهود والنصارى كانوا موجودين فى الجزيرة ، وقد جاءته بعض وفودهم ولم يعلن أى منهم أن محمداً أخذ عنهم أو استعان بهم . وأكثر من هذا أن محمداً صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة كانت بينه وبين اليهود نزاعات ومشكلات انتهت بإجلائهم عن المدينة ، ويقينا - وبالنسبة لهم - فهذه كانت فرصة ذهبية لإعلان كذبه فيما يدعيه من أن الوحى يأتيه من السماء ، وأنهم هم الذين علموه القرآن ، أو على الأقل ساعدوه فى تأليفه ، وهذا ما لم يحدث وما لم يوجد فى أى مصدر تاريخى قديم وعليه فهذه المقولة أكذوبة مستحدثة كما أشرت . وإذا كان من القواعد المسلمة فى النقد الأدبى أن أسلوب الرجل هو الرجل ، فإن الشمائل والصفات التى عرف بها محمد صلى الله عليه وسلم فى صباه وشبابه بأنه الصادق وأنه الأمين وأنه الرجل الذى كان فى شبابه أحد الشخصيات ذات المكانة فى المجتمع بدليل ما هو ثابت من أنه فى شبابه كان يدعى لمجالسة رؤساء القبائل الموقرين من أعضاء حلف الفضول وهو حلف كان يبذل ما يمكن تسميته بالمساعى الحميدة فى مساندة الضعفاء ورد المظالم وإقرار السلام بين القبائل والتصدى لمن يحاول العبث به . وعند سن الخامسة والثلاثين أراد القدر أن يكون هو الرجل الذى يطفئ نزاعا أوشك أن تشتعل بسببه الحرب بين القبائل بعد ما بنوا الكعبة واختلفوا على من ينال شرف وضع الحجر الأسود فى مكانه . وكان اتفاقهم على تحكيم أول داخل ، وكان الداخل هو محمد صلى الله عليه وسلم الذى بسط رداءه ووضع الحجر عليه ودعا رؤساء القبائل إلى أن يأخذ كل بطرف من الرداء ويرفعوا الحجر إلى المستوى المطلوب ، فأخذه بيديه ووضعه بين رضى الجميع وموافقتهم فلو كان محمد صلى الله عليه وسلم كذابا أو مفتريا أكانت تكون له هذه المكانة ؟ إن شخصية بهذه الشمائل لا يمكن لصاحبها أن يفترى الكذب أو أن يدعى ما ليس له .
أحمد سعد الدين
15-12-2004, 01:51 PM
ثانياً: مقولة تلفيق القرآن من الكتب السابقة يهودية ونصرانية جاهلية
مما لا يختلف عليه أحد أن ثمة قيما وفضائل إنسانية ارتضتها البشرية وتعارفت على احترامها والتزامها وهى قيم الحق والعدل والخير والجمال والفضيلة وغيرها . كما أن ثمة أمورا رفضتها البشرية كذلك وتعارفت على نبذها ومقاومتها وهى الباطل والظلم والشر والرذيلة وكل إفساد فى الأرض . وهذا الذى ارتضته أو رفضته البشرية بهدى الفطرة - وحصاد التجربة لم تنكره الأديان السماوية جميعها ولم تناقضه بل أكدته وقننته ووضعت له التشريعات الأخلاقية التى تحدد المثوبة لما هو خير والعقوبة لما هو شر مع التفريق الحاسم بين الخبيث والطيب وبين الحلال والحرام . من هنا لا يجوز أن يتهم محمد صلى الله عليه وسلم بأنه لفق رسالته من عناصر جاهلية لمجرد أنه كان قد أثنى - بعد البعثة - على حلف الفضول أو حلف المساعى الحميدة الذى اشترك فيه فترة شبابه ، ومن هنا أيضا لا يجوز اتهام أية رسالة سماوية بالتلفيق إذا هى أقرت قيمة فاضلة ونبذت الشر والرذيلة . كما أنه لا يصح بصفة خاصة اتهام القرآن بأن محمداً صلى الله عليه وسلم لفقه من الكتب السابقة يهودية كانت أم نصرانية لما يأتى : أولا : لما سبق تقريره عن القيم التى أقرتها البشرية وتعارفت على قبولها إن كانت خيرا أو رفضها إن كانت شراً مما جاءت الرسالات السماوية لتؤكده . ولو صح اتهام القرآن بالتلفيق لصح الاتهام بالنسبة للتوراة والإنجيل كذلك . ثانيا : من الثابت أن الرسالات السماوية كانت تعبر كل منها عن مرحلة من مراحل التطور الإنسانى وما يقابله من تطور الرسالات ، وكما يقول الإمام محمد عبده - رحمه الله -
لما كانت الأديان السماوية الأولى وعلى رأسها اليهودية قد ناسبت طفولة البشرية فخاطبت الحس حيث لا يعرف الإنسان إلا ما يقع تحت حسه . فلما نما وجدان البشرية جاءها دين النصرانية يتحدث عن الزهادة والصفاء وملكوت الله فى مواجهة حرص اليهود على متاع الدنيا وإن أهدرت فى سبيله القيم . فلما بلغت البشرية حالة اكتمال تطورها جاءها دين الإسلام ينظم الشئون كلها ويرعى الحس والعاطفة ويعنى بالقلب والعقل وينظم للناس شئون دنياهم وأخراهم . ثالثا : لهذا كان دور القرآن باعتباره الرسالة الخاتمة هو الهيمنة على كل ما سبقه من رسالات يؤكد ما هو صحيح فيها ويصحح ما هو خطأ وهو إن اتفق مع الكتب السابقة أو اختلف معها ليس ملفقا منها ولا مأخوذا عنها . لكنه التعبير الدقيق عن تكامل الرسالات السماوية واكتمالها كما تحدث القرآن نفسه عن ذلك . رابعا : الدراسات المقارنة للكتب الثلاثة الأخيرة التوراة والإنجيل والقرآن تؤكد بوضوح كما يعترف الغربيون أن الحق دائما هو ما يقرره القرآن سواء فى قضية الألوهية أو قضية المسئولية الفردية أو الدستور الأخلاقى أو الواقعية فى التعامل مع الإنسان بشقيه الروح والجسد . ثم إنه - ودون تعصب - فليس فى الرسالتين السابقتين ما كان محمد صلى الله عليه وسلم بحاجة لأخذه منهما فى شئون الدنيا أو الآخرة . ومع هذا كان من عظمة القرآن أنه اعتبر إيمان المسلم غير صحيح ما لم يؤمن بكل ما سبق القرآن من كتب . يبقى بعد هذا أن ثمة حاجزا حصينا بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين فرصة أى اطلاع على هذه الكتب : أولا : لأنه كان أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة . ثانيا : حتى لو سلمنا بالزعم بأنه قرأ أو كان يقرأ فإن هذه الكتب التوراة والإنجيل كانت مكتوبة بلغة غير عربية وهى العبرية فمن أين يأتى التلفيق ؟ وكيف يتاح له صلى الله عليه وسلم أن يتعرف عليها حتى يأخذ منها ويلفق منها كتابه كما زعموا ؟
أحمد سعد الدين
15-12-2004, 01:52 PM
ثالثاً: مقولة : إن القرآن لم يأت بجديد , وأنه مقتبس من الكتب السابقة
لست أدرى بم أصف هذه المقولة ؟ أكذب وافتراء ؟ أم بعض حصاد العداء الأسود لكل ما يمت بصلة إلى الإسلام يدفع أصحابه إلى مثل هذا التجنى الظالم ؟ أما الجديد الذى يبحثون عنه فإليهم بيانه : فى محيط العقيدة كان للإسلام جديد شامخ وحاسم ونبيل وعقلانى . فالله فى عقيدة اليهود يحمل صفات بشرية بحتة , فهو كما جاء فى التلمود يستشير الحاخامات عندما توجد مسألة معضلة لا يمكن حلها فى السماء ، وهو نادم على ما أنزله باليهود وبالهيكل فيقول تباً لى ، لأنى صرحت بخراب بيتى ، وإحراق الهيكل ونهب أولادى . وفوق هذا فالله عندهم ضعيف صارع إسرائيل فصرعه إسرائيل وهو مصدر الشر كما أنه مصدر الخير . أما فى المسيحية فالله اثنان أو ثلاثة وله أبناء ينتسبون إليه ، والمسيح إله وهو ابن الله ، وهذا تصور قاصر لأنه تصوير للخالق على صورة المخلوق وحاشا لله أن يكون كذلك . أما فى الإسلام فعقيدة التوحيد هى التصور الأقوم والأجدر بالله الواحد الأحد الفرد الصمد ، الذى لم يلد ولم يولد ، ولا شريك له فى ملكه ، وليس كمثله شىء ، والذى بيده ملكوت كل شىء ، وهو يجير ولا يجار عليه وهو الواحد القهار . وكان الإسلام كذلك واقعيا حين رفض الرهبنة التى تعنى اعتزال الحياة وتحقير الواقع الدنيوى الذى أصله رد فعل على العبودية اليهودية للدنيا . فى محيط التشريعات : التشريعات اليهودية تتركز فى الوصايا العشر ، وهى مجموعة مبادئ عامة ، وتشريعات المسيحية مجموعة مواعظ ، وكلتاهما تفتقد مفهوم التشريع المطلوب للحياة . أما القرآن فهو الرسالة الكاملة التى جاءت لتحدد -
وبتفصيل كثير - موقف الإنسان من الدنيا وعلاقته بالآخرة ، بتشريع يواكب الحاضر والمستقبل جميعا باعتباره الرسالة الأخيرة التى أكمل الله بها الدين ، وختم بها الرسالات ، ونقلها من المحيط المحدود بقوم النبى والرسول إلى المحيط العالمى - إلى الناس كافة - عبر الزمان والمكان . وسنعرض بعض نماذج قليلة من المقارنات لتوضيح الجديد الذى أضافه الإسلام ولم يكن له وجود فى الرسالات السابقة . ففى محيط الأسرة ينظر العهد القديم التوراة إلى المرأة باعتبارها مصدر كل شر وأنها أمر من الموت ، المرأة التى هى شباك وقلبها أشراك ويداها قيود ، أما الإسلام فيضعها فى مكان المساواة الكاملة مع الرجل ، ويقف بالتقدير أمام نماذج رفيعة من النساء كمريم وامرأةفرعون وأم موسى ، وغيرهن بل يجعل الجنة تحت أقدام الأمهات . فيما يتصل بقضية الحرية واحترام حقوق وكرامة الإنسان تكفى الإشارة إلى وصية بولس الرسول للعبيد التى تعتبر طاعة الطبقة الحاكمة كطاعة المسيح فيقول أيها العبيد أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف ورعدة فى بساطة قلوبكم كما للمسيح لا بخدعة العين كمن يرضى الناس ، بل كعبيد المسيح ، عالمين مشيئة الله من القلب ، خادمين بنية صالحة كما للرب . أما الإسلام فلا يخضع الإنسان إلا لخالقه وحده ، ويقرر له الحرية من لحظة ميلاده - حتى ولو لم يسلم - وفق فلسفة قوامها تحرير الإنسان من خوفه على الرزق وعلى الحياة لأن هذين بيد الله وحده ولا سلطة للمخلوق عليهما وهو ما فطن إليه عمر بن الخطاب فى مقولته الشهيرة متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟ إضافة إلى تقرير حرية الإنسان فى الاعتقاد والسياسة وغيرهما بضابط واحد وألا يضر بحقوق وحريات الآخرين . فى أمر الحرب والسلام : اعتبر القرآن السلام هو الأصل والحرب ضرورة وفق سنن العمران فى الدفع الحضارى من الخير للشر ومن الحق للباطل ومن الإصلاح للفساد ثم ولأول مرة فى تاريخ الحروب تفيد وصايا الرسول وخلفائه بألا يقتلوا شيخا ولا صبياً ولا امرأة ولا راهباً فى صومعة ولا عابدا فى محرابه ، ولا يقطعوا شجرة مثمرة ولا مظلة ولا يجهزوا على جريح ولا يمثلوا بقتيل .. الخ . فى شئون المال والثروة : كان الربا وما زال قوام الاقتصاد بين أهل الكتاب إلى اليوم بكل ما صنعه من الويلات ، وكان المال وما زال فى عالم أهل الكتاب وإلى اليوم بمثابة المعبود والغاية التى يجب الوصول إليها بأية وسيلة مشروعة أو غير مشروعة مما كان تبريرا لفلسفة الاستعمار واغتصاب ما بأيدى الضعفاء . أما الإسلام - ولأول مرة فى تاريخ التعامل الإنسانى مع المال - فقد حرم الربا وأنذر من يتعاطونه بحرب من الله ورسوله . ثم أنزل المال من مكانة المعبود إلى حالة الخادم المحكوم بقيود أخلاقية نبيلة قوامها أن يأتى من حلال وينفق فى حلال ، وأن يتم تثميره من خلال تحريك الحياة وقضاء مصالح الناس وليس من خلال اعتباره سلعة يكون ثمنها هو الفائدة . كما قرر فيه حقوقا معلومة ومحددة للآخرين ولو كانوا غير مسلمين ، باعتبار أن المال مال الله والناس ليسوا إلا مستخلفين فيه . فى مجال العلاقات الدولية والتعايش السلمى والتعددية والاعتراف بالآخر كان للإسلام جديد فى مجال الرؤية المستقبلية أو ما يسميه بعضهم بالتقدمية ، جاء الإسلام بجديد باعتباره رسالة اليوم والغد للناس كافة فى مجال العطاء الحضارى ، جاء الإسلام بجديد قوامه الارتقاء بالإنسان من عنصر الطين فيه إلى عالم الروح ومعارج النور ، وفى منهجية التغيير الاجتماعى اعتمد القرآن تغيير ما بالناس حتى يغيروا ما بأنفسهم . بعيدا عن العنف والثورات التى تضر أكثر ما تنفع .
أحمد سعد الدين
15-12-2004, 01:53 PM
رابعاً:مقولة : إن القرآن لم يجمع فى حياة الرسول ، وإن الصحابة تدخلوا فى جمعه وترتيبه ، وأحرق عثمان النسخ المخالفة
كان القرآن مجموعا شفاها فى صدور الصحابة فى حياة الرسول ، بل كان مكتوبا عندهم على صفائح الحجارة وأصول السعف الغلاظ وغيرها ، ولم يفكر الصحابة فى جمع القرآن مباشرة بين دفتى كتاب بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ شغلتهم حركة الارتداد التى وقعت وما أعقبها من الحرب ، ثم إلى أنهم كانوا مطمئنين إلى أن القرآن لا خوف عليه ، لأن قراء القرآن وحفظته كانوا كثيرين ، والقرآن نفسه مكتوب ومحفوظ فى بيوت أمهات المؤمنين . لكن معركة اليمامة التى سقط فيها ألف شهيد بينهم نحو من أربعمائة وخمسين صحابيا من حفظة القرآن أمر اهتم له عمر بن الخطاب - وهو أحد كتاب الوحى - فمضى إلى أبى بكر يطالبه بجمع القرآن ، ويظل به حتى يشرح الله صدره فيرسل إلى زيد بن ثابت أحد كتاب الوحى ويكلفه بهذه المهمة ويقول له : إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه . وكان قرار أبى بكر بجمع القرآن بين دفتى كتاب أعظم قرار فى تاريخ الدعوة والأمة ، حفظ لها دستورها ، ويقول عنه على - رضى الله عنه - أعظم الناس أجرا فى المصاحف أبو بكر - رحمة الله على أبى بكر - هو أول من جمع بين اللوحين . وحرصا على ألا يكتب إلا ما هو صحيح تماما فإن أبا بكر لم يترك الأمر لزيد وحده بل أشرك معه عمر وكلفهما أن يستوثقا مما يأتيهما ، فقال لعمر ولزيد : اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شىء من كتاب الله فاكتباه . والروايات التاريخية تضيف إلى عمر بن الخطاب وزيد فى مهمة جمع القرآن - وهما من كتاب الوحى - أسماء : سالم بن معقل ، وأبى بن كعب . والمنهج الذى اتبعه زيد بن ثابت ومعاونوه فى جمع القرآن قد قال عنه الدكتور هيكل : نستطيع أن نقول دون تردد : أنه اتبع طريقة التحقيق العلمى المألوفة فى عهدنا الحاضر ، وقد اتبع هذه الطريقة بدقة دونها كل دقة . وأتم زيد ومعاونوه جمع النص القرآنى ، ثم أودعت الصحف عند أبى بكر حياته ، ثم عند عمر حياته ، ثم عند حفصة بنت عمر أم المؤمنين . وفى عهد عثمان - رضى الله عنه - وعلى التحديد عام ثلاثين للهجرة أخذت مهمة تعليم القرآن التى كانت موكولة إلى القراء تتعرض لخطر اختلاف القراءات باختلاف القراء المعلمين وقول كل منهم إن قراءته هى الأدق ومضى حذيفة بن اليمان الذى كان رفيق سعيد بن العاص فى فتح أذربيجان وأعلن عن تخوفه من أن يختلف الناس على القرآن وأنه سيذهب إلى الخليفة عثمان ليعرض عليه الأمر . مضى حذيفة إلى عثمان فأخبره بما رأى وهو يقول : أنا النذير العريان فأدركوا الأمة . واستجابة للنذير العريان حذيفة قرر عثمان نسخ مصحف أمام فأرسل إلى حفصة يطلب منها المصاحف التى كان قد نسخها أبو بكر فأرسلتها ، وأمر زيدا ليقوم بالمهمة التى قام بها أيام أبى بكر ، وضم إليه عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وقال لهم ، إذا اختلفتم فاكتبوه بلسان قريش ففعلوا . فلما نسخوا المصحف رد عثمان إلى حفصة نسختها ، وأرسل إلى كل أفق بمصحف وحرق ما سوى ذلك . وما فعله عثمان كان محل الرضى من الأمة - إلا ابن مسعود الذى عارض فى إحراق مصحفه لظنه أن زيدا قد انفرد وحده بالعمل - وكان عمل عثمان - رضى الله عنه - محل إجماع الأمة حتى قال على - رضى الله عنه - لما قدم الكوفة فقام رجل فعاب عمل عثمان فإذا على يقول : اسكت فعن ملأ منا فعل ذلك ولو وليت منه ما ولى عثمان لسلكت سبيله .
Powered by vBulletin™ Version 4.0.2 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir