المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من كتابات صديق



عبدالحكيم ياسين
20-11-2007, 09:41 PM
مقدمة بقلم: عبدالحكيم ياسين
في هذه السلسلة سأقدم لكم قرائي الأعزاء مختارات من كتابات أدبية ساخرة
كتبها صديق العمر الكاتب السوري نبيل محسن الذي استأذنته في نشرها بعد
أن أهداني نسخة من كتابه (امبراطورية ...ومشاغبات...).وطلب مني
الرأي في نصوص الكتاب كما طلب بعض الرسوم الكاريكاتيرية التي لم أنجزها
بعد ..وقد أستفيد كثيرا من مشاركات القراء في التعقيب على النصوص
كما قد توحي لي ردودهم بأفكار للرسوم ..والان : من هو نبيل محسن..
إنه الشخص الذي ينتزع منك الابتسامة بقلمه وبحديثه ..سأترك لنصوصه
أن تتحدث عنه وسأعقب عليها فيما بعد...والنص الأول بعنوان :
جدلية الكوسا المحشي والتخلف الحضاري..أرجو لكم كل متعة وفائدة..
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------




[جدلية: الكوسا المحشي
والتخلف الحضاري (للكاتب الأديب:نبيل محسن)

مذابح الكوسا:
لن تنهض هذه الأمة من غفوتها، ولن ترقى إلى مصاف الأمم المتحضرة إلا إذا قررت أن تتخلى عن الكوسا المحشي.
لقد ذهبت الزوجة مبكرة في ذلك الصباح إلى السوق لتنتخب الثمار الطازجة من الكوسا قبل أن تتلاعب بها أيادي النسوة، وجاءت بالثمار، ثم فرشتها على طبق كبير، ثم أحضرت-ويا لهول ما أحضرت!- أداة معدنية مقوسة إلى الداخل ولها مقبض خشبي، ثم قبضت على الثمرة الأولى كما يقبض الجزار على الذبيحة، وطعنت قلبها بتلك الآلة الحادة وبدأت بتدويرها داخل تلك الثمرة، حتى اندلق جوفها وأحشاؤها بين يدي تلك المرأة الحديدية القاسية.
وأوشكت الدموع أن تطفر من عيني حزناً وألماً ورحمة لتلك الثمار التي لاقت ذلك المصير الأسود على يد امرأة تريد أن تتسلى وتبعزق أموال زوجها.
واستمرت المذبحة على هذه الطريقة أمام عينيّ اللتين سيأكلهما الدود، حتى لم يبق من الثمار المبقورة البطون إلا قشراً رقيقاً. ثم قامت تلك المرأة فجمعت أحشاء الكوسا، ورمت بها في الزبالة.. صدقاً !!
وتمالكتُ نفسي، وقلت لها: لماذا تلقين لب الثمار في الزبالة؟!! ألم ندفع ثمن هذه المواد؟! فأجابت: أنت لا تفهم بهذه الأمور. اذهب، وأحضر البهارات، ودبس البندورة، واقطف بعض أوراق العنب.
وكان لا بد للطبخة – المجزرة- أن تتم، وتحلق الأولاد حول المائدة، ووضع كل منهم في صحنه بعض جثث الكوسا، وبدأ الأكل...
فماذا حدث؟
لقد شق الأولاد جلد الكوسا، وأكلوا ما بداخلها من الرز، وتركوا القشر مكوماً في الصحون لم يأكلوا منه شيئاً، وقامت الأم لترمي هذه القشور في الزبالة. وهكذا لحق القشر باللب ولم نتمسك لا بالألباب ولا بالقشور.. لقد تركنا باطن الكوسا وظاهرها، وأصبحت بكاملها في الزبالة .
هذه المأساة تتكرر كل أسبوع، وربما أكثر من مرة.
وللأسف.. لا يوجد ممثل للكوسا في مجلس الشعب، ولا مندوب عنها في الأمم المتحدة، ولا جمعية للرفق بالخضار، ولا دروع بشرية تقف بينها وبين النسوة.
إنها جريمة تمارس أمام أعين العالم المتحضر، دون أن يصدر بيان استنكار أو إدانة من أية منظمة محلية أو دولية.
الدعوة إلى مؤتمر لنصرة الكوسا
إنني أدعو إلى عقد مؤتمر دولي لصياغة اتفاقية تمنع طبخ الكوسا المحشي، وبحضور الأطراف المسؤولة عن ممارسة وتشجيع تلك الجرائم.
وهأنذا أضع تصوراً مبدئياً لتوصيات وقرارات لتبنيها من قبل أعضاء المؤتمر، وإحالتها إلى الجهات المختصة لتطبق بشكل إلزامي :
1- تسليم الأسلحة التي كانت تستخدم في تنفيذ مذابح الكوسا المحشي، وهي الحفارات.
2- إغلاق مصانع الحفارات، وتحويل عمالها إلى مجالات سلمية في المجتمع، كأعمال التشجير، وإصلاح الطرق، وتنظيف البيئة.
3- تأهيل نسوان الكوسا المحشي كما يتم تأهيل خريجي السجون ويخضعن لبرامج تربوية، ويخوفن من عذاب الله للمصرات على المعاصي وإتلاف مال الأمة بلا فائدة.
4- تشجيع الرجل على طلاق زوجته التي تنازعها الرغبة في طبخ الكوسا المحشي من باب سد الذرائع، ودرءاً للجريمة، لأنه من الممكن أن تهيج الرغبة بتلك المرأة لهذه الطبخة، ولا تجد إليها سبيلاً، فتبقر بطن زوجها بأية أداة متوفرة مكان الحفارة. (يطبق هذا البند على من تساعد جاراتها في الحفر).
5- تعديل المناهج، وحذف الدروس التي تتحدث عن سعادة أفراد الأسرة وهم يتحلقون حول موائد الكوسا المحشي، وإضافة دروس تربي في الأجيال العداء لهذه الطبخة.
6- حل الأحزاب التي كان أعضاؤها يتناولون الكوسا المحشي أثناء مآدبهم الغذائية، وتشكيل حزب غذائي جديد يكون من أهدافه الدعوة إلى تناول ثمرة الكوسا بكاملها، أسوة ببقية أصناف الخضار.
7- إغلاق مطاعم الكوسا المحشي، وإحالة أصحابها إلى محكمة العدل الدولية كمجرمي حرب، وتحويل تلك المطاعم إلى مصحات ومراكز طبية ومستوصفات.
8- ينبثق عن المؤتمر لجنة للمتابعة يرأسها نبيل محسن تسمى "اللجنة الدائمة لمكافحة جرائم الكوسا المحشي" ويعين رئيس اللجنة أعضاء لها من حملة الشهادات العالية والتخصصات الأكاديمية وذوي الخبرات الجيدة، والتاريخ غير الملوث بأكل الكوسا المحشي.
ولما كان هذا المؤتمر ما يزال مشروعاً نظرياً، ولم يتحقق بعد، فإنني أعيش الآن حالة اكتئاب بسبب عجزي عن وقف مذابح الكوسا، وقد جربت عدة وسائل بدائية لمحاربة هذه الظاهرة، منها أنني خبأت حفارات الكوسا، ولكن الزوجة أرسلت ابنتها إلى الجارة القريبة ، فاستعارت من عندها أكثر مما خبأته، فأنجز العمل بسرعة أكبر بفضل تعاون أفراد الأسرة على الإثم والعدوان.
ومنها أنني جمعت مرة لب الكوسا، وقمت بطبخه، ثم شجعت الأولاد على تناوله، لكنهم لم يأكلوا منه شيئاً، وألقي في الزبالة...و.. مطرح ما (.....) شنقوه.
وكانت هذه المحاولة نكسة لجهودي الإصلاحية، وتشجع إرهابيو الكوسا في ممارساتهم الغذائية الهدامة، وانقمع صوت الحق المدافع عن مظلومية الكوسا، وصارت هذه الجريمة تمارس أكثر من مرة أسبوعياً.
أما نسوة المحاشي، فصرن يتندرن بهذه المحاولة في مجالس الحفر والتنزيل، وامتد شرهن إلى حفر ضحايا جدد كالباذنجان والبطاطا.. والعالم يتفرج!
قتل الكوسا وقتل الوقت:
والجريمة الأخرى المسكوت عنها في مجالس حفر الكوسا هي جريمة قتل الوقت. كأن الوقت مصيبة كبرى يجب التخلص منها، والبطل حقاً هو من يفلح في استهلاك أكبر كمية ممكنة من الساعات في اليوم بلا فائدة، ويلقي بها في الزبالة مع لب الكوسا.
وهكذا فنحن نتصرف مع الوقت كما نتصرف مع الكوسا، فنفرغه من محتواه، ونتخلص منهما جميعاً .
إن عملية الحفر والتنزيل تستغرق نصف النهار. ولكي تتضاعف السيئات، تلجأ نسوة الكوسا المحشي إلى حشو الوقت الفارغ (أوالمفرغ على الأصح)بتبادل الأخبار السيئة الطازجة والبائتة عن الأقارب والأباعد، ولا ينسين إضافة البهارات إلى تلك الأحاديث كما يضفنها إلى الكوسا.
أننا نتعامل مع أعمارنا كما يتعامل الطفل مع ألعاب غيره من الأطفال ، فإنه يظل يبكي ويصرخ ليحصل عليها ، فإذا صارت بين يديه ، ألقى بها على الأرض وحطمها.
وهكذا نحن نتمنى أن تعود السنوات التي فقدناها من أعمارنا، أقصد التي قتلناها ، نعم ..نتمنى أن تعود لكي نقتلها مرة ثانية، ولنمارس هوايتنا في تشويه سمعة جيراننا ومعارفنا.ونستغفر الشيطان لمن نسينا أن نشوه سمعته منهم.
إن بعض الناس يا صاحبي مختصون بتسجيل سيئات الناس وأخطائهم،
وقد قال الشاعر في صاحب له يتحدث بسيئاته:
وصاحب خلته صديقـاً وما جرى غدره ببالي
لم يحص إلا القبيح حتى كأنه كاتـب الشمــال
(وكاتب الشمال كما لا يخفى هو الملاك الموكل بكتابة سيئات الإنسان)
ويبدو أنه من حسن حظنا أن أعمارنا لن تعود.بقلم نبيل محسن](نقلها لكم عبدالحكيم ياسين)
_____________________________

عمر عفيف
21-11-2007, 07:15 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :

الشقيق عبد الحكيم ياسين مرحبا بك مجددا ... اخبر صاحبك انني سأسس جمعية لمناهضة التعدي على الكوسا بشتى انواعها ... و الحقيقة أن النص يحتاج إلى أكثر من قراءة لنستشف بوضوح ماوراءه
تحياتي دمت في ألق

عبدالحكيم ياسين
23-11-2007, 08:39 PM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
اخي عمر ..لك مني كل الحب والتقدير..
قال صديقي كاتب المقال:إن المقصود من مقاله
هو الوجه الظاهر منه فقط وليس للكوسا أية دلالات
أخرى..ثم أردف قائلا: إننا نتعامل مع الوقت كما نتعامل
مع الكوسا تماما ..وهذا ما أورده فعلا في نهاية مقاله..
وقال متابعا: إن هناك جرائم أكبر بكثير من هذه الجريمة
وإنه وضع هذا المقال في قالب مضحك ليجعله مهضوما
مستساغا ويزيد الإقبال عليه..و أنا أضيف ما يلي:
هناك قواسم مشتركة تدعو للتأمل في سلوكيات البشر
وعندما نتحدث عن سلبية ما في سلوك الناس نجد أن
سلبية أخرى تختلف عنها في الموضوع وتتفق معها
في الدرجة تذكرك بها وسلبية أخرى تشترك معها في الموضوع
وتختلف في الدرجة تفعل الشيء نفسه..
وأنا أدعو للتأمل في كل نص ودائما أرى له وجوها خفية..
وطبعا الرمزية تأتي من طريقين:
-طريق يتعمد فيه الكاتب تضمين نصه الرموز والكنايات
وهذه طريقتي ومدرستي..
-طريق اخر تجد للنص فيه دلالات وإشارات جاءت عن غير
قصد فعلا ولكنها نتجت عن براعة غير عادية في الأسلوب
أو في اختزال التفاصيل فحصل التشابه مع معان أخرى
لأن الخلق متشابه في كثير من الأمور ..ومن هنا
قد يقول من لا يذهب مذهب الرمزية: يكفي أن نتناول أبسط
الأمور بالنقد والتحليل والوصف لنحصل على طبقات من
الدلالات تتقاطع مع نظائرها وتتشابه ..
وهذا كلام صحيح في نظري..ولكن يصعب الإيجاز في الرأي
الثاني كما يصعب الإفصاح عن المراد دائما مخافة التجريح
الجائر أو الهلاك غير المجدي...لكم تقديري وشكري للمشاركة
والاهتمام وجزاكم الله خيرا..

حمادة البيلي
24-11-2007, 07:14 AM
تحياتي أولا ..
ولأني أثق في ذائقة عمنا الجميل عمر عفيف الأدبية .. ولست أدري لم التخف هنا في ركن لم أره لولا تنويه الجميل عمر ..
إن ما قرأته لهو ما نحياه .. إيقاعية المجتمعات العمرانية علي حد سواء ,, يوم من الديمقراطية في الدينمارك والكل علي أنغام الموسيقي ينتخب والمتنافسون إلي جوار البعض يرقصون ويداعب بعضهم البعض .. ووزير إيطالي يقدم استقالته لأن شعبه رفض أن يكذب عليه ..
وعن المجتمعات العربية وشعور الكوسة أو حسن سبانخ قل ما تقل لي وقفة شغب جديدة هنا عن الكوسة والمحشي .. والفتي أيضا !!!
حمادة البيلي

عبدالحكيم ياسين
26-11-2007, 05:07 PM
أهلا بكم يا حماده البيلي
يسعدنا مروركم كثيرا..ونشكركم لطريقتكم المميزة
في امتداح اختيارنا للنص.. ومرحبا بكم دائما..

عبدالحكيم ياسين
26-11-2007, 05:18 PM
نتابع النقل فننقل لكم مقالا ثانيا مختلفا قليلا
ولكنه مكتوب بنفس الأسلوب ..نرحب بتعقيباتكم
ونسأل الله لكم كل خير..
تعب الأعصاب في حل الإعراب(للكاتب نبيل محسن)


أعتقد أن النحو- مثله مثل كثير من العلوم الإنسانية- بحاجة إلى مراجعة، و(حجامة) أحياناً . وهل ادعى واحد من واضعي علم النحو أن هذا العلم- وبكل تفاصيله- لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟ إليكم بعض التساؤلات:
أولاً: لا أعلم من الذي أعطاكم أيها النحويون الحق في أن تجعلوا المفعول به نائباً للفاعل لمجرد أنكم لم تعرفوا الفاعل.
هل إذا سرقني أحدهم ولم تقبضوا على السارق تجعلونني نائباً له؟ مقتاً لما تحكمون.
وإذا دهست سيارة دجاجة ( بلدية ) على الطريق ، ولم نعرف الفاعل ، تجعلونها نائبة للفاعل السائق الأرعن؟
ليت الدجاجة تعود إلى الحياة لتضحك فقط!
وإذا اغتال أحدهم مدير الشركة، ولم تعرفوه، يصبح مدير الشركة( المقتول) نائباً لقاتله، وربما أصبح القاتل نفسه هو المدير!
بذمتكم هل هذا منطق يقبل به أهل الحجى؟!
والأغرب من ذلك أن تجعلوا الميت فاعلاً أو نائباً للفاعل كما في قولكم مات الميت أو قُتل الميت.
فهل هو الذي موّت نفسه أو قتل نفسه؟ وما هذه النيابة والمنصب المشرف الذي تسلمه بعد موته؟!
قد تكونون مقتنعين بما رسمتم من مصطلحات، ولكن هل أقنعتم الآخرين بذلك؟
ثانياً: من أين اخترعتم الفاعل لفعل الأمر؟
أنتم لم تعرفوا بعد إن كان هذا المأمور قد أطاع أم لا.
أنتم تعربون فعل الأمر( كُلِْ) فعل أمر مبني على السكون والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
يا أخي أنا لن أطيع الأمر، ولن آكل.. لقد أكلت البارحة، وأنا الآن صائم، فلماذا تعربني فاعلاً؟
يبدو أن واضع هذا النحو كان في الأصل آمراً عسكرياً، لأنه في الجيش لا بد من تنفيذ الأمر ، والمبدأ هناك : " نفذ ثم اعترض "، أي إنك عندما تتلقى الأمر في الجيش تصبح مباشرة وبشكل آلي أو يدوي، ودون اختيار منك، فاعلاً.
لكن ، ومهما كان ، فلا بد أن يكون المأمور عسكرياً أيضاً، وإلا فلن يمشي الحال ، فمالكم ؟ كيف تحكمون؟
أليس في ذلك إلغاء لشخصية المأمور وقراره واختياره الحر؟
أليس في ذلك خروجاً عن نهج الديمقراطية؟
ويبدو أيها النحاة أن عندكم مرضاً خطيراً اسمه:
"متلازمة الفاعل الإعرابي"
فحيثما وجدتم فعلاً، ولو كان أمراً ذكرتم له فاعلاً، وإذا لم تجدوه وضعتم له نائباً ولو كان عدوه وضحيته...
ولعلكم لم تبذلوا أي جهد لمعرفة السارق وإدانته وفضحه، ورأيتم الضحية أمامكم، ففعلتم ما سولت لكم أنفسكم الأمارة بالنحو، والله المستعان على ما تصفون.
ثالثاً: ومن غريب تعسفكم في الفاعل ونائب الفاعل، أن تخلطوا بينهما خلطاً عجيباً، أو تفرقوا بينهما لأسباب أوهن من بيت العنكبوت، فمثلاُ.. أمامنا الجملتان الآتيتان:
1- كُسر الزجاجُ
2- انكسر الزجاجُ
وكما يلاحظ كل قارئ سلمه الله من حمى النحو المتصدع ، فالزجاج في الجملتين هو المكسور .
الفعل واحد ، والفاعل واحد ، والنتيجة واحدة .
لكن السادة النحاة أبوا إلا أن يزعجونا بالتفريق في الإعراب بين الزجاج الأول والزجاج الثاني.
لقد أعربوا الزجاج الأول : نائب فاعل
وأعربوا الزجاج الثاني : فاعلاً
نعم .. هكذا أرادوا ، وهكذا كتبوا وفرضوا.
فاضحك أو ابك لا فرق..
ولو كان للزجاج لسان ينطق لصرخ مردداً قوله تعالى: تلك إذاً قسمة ضيزى
وهم يفسرون هذا التفريق بقولهم: إن الفعل (انكسر) يدل على المطاوعة ، وليس مبنياً للمجهول، ولذلك أعربنا الزجاج فاعلاً.
وفعل المطاوعة برأيهم يعني أن الزجاج قد (أطاع) و (تجاوب ) مع محاولة الكسر، فانكسر!
وبتعبير آخر : إنه أسلس القياد لكاسره ، وتراخى، ولم يقاوم.
إنه بذلك أوجد في نفسه إرادة الانكسار- إن كان له نفس-
و.. قالولو لفرعون : مين فرعنك؟
ويبدو أنه في الجملة الثانية لم يطع ولم يتجاوب ، لكنه (كُسر ) لأن الظروف الخارجية كانت أقوى منه،أي إنه أدى واجبه حتى نزل به قضاؤه وقدره ، فأصبح مجرد نائب فاعل، وربما أصبح مفعولاً به إذا تم التعرف على الولد الشقي الذي كسر الزجاج ، واختفى في الزواريب!
المشكلة قد تكون أخطر مما تتصورون، فإذا جاء في نشرة الأخبار جملة:
" انهزم الجيش " تكون عاقبتها وخيمة على هذا الجيش لأن الفعل "انهزم " يعني المطاوعة، وربما دل على التقاعس في القتال والتهاون في صد العدو ، والاستسلام لجبروته، والفرار أمامه. بتعبير آخر: إن الجيش هنا يكون قد شارك في صنع الهزيمة، وربما أدى ذلك إلى توريط بعضهم بالخيانة العظمى، وكل ذلك كرامة لفعل مطاوع جاء عرضاً في الأخبار. خاصةً إذا كان القاضي العسكري من دارسي النحو.
عفوك اللهم.
رابعاً: علمتمونا أن المنادى من أقسام المعرفة، ثم أعربتم لنا بعض أنواع هذا المنادى: نكرة مقصودة، وبعضها: نكرة غير مقصودة، فماذا تقصدون؟أم إنها غير مقصودة منكم؟! نورونا، فبعض تعاريفكم ما يزال أحجية، وهذا يذكرني بتعريف اسم التفضيل الذي تفضل به علينا أحد كتبنا المدرسية( لعله في الثالث الإعدادي)قال:
" هو اسم يدل على أن شيئين اشتركا في صفة وزاد الأول على الثاني بها"
وضرب مثلاً، فقال: الشمس أكبر من الأرض. فاسم التفضيل "أكبر" دل على اشتراك الشمس والأرض في صفة الكبر، وزادت الشمس في هذه الصفة على الأرض.
تعالوا نطبق هذا التعريف على قوله تعالى على لسان سيدنا يوسف عليه السلام:
" قال رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه"
بحسب التعريف: سيدنا يوسف يحب السجن، ويحب ما يدعونه "من المراودة" ولكنه يحب السجن أكثر. وهذا المعنى فاسد قطعاً. بل المراد عكس ذلك.
ألا يجب إيضاح التعريف أكثر؟

هذا وقد اقتحم الساحة نَحَوي معروف وألف كتاباً قال إنه وضعه لتيسير النحو وتبسيطه أمام الطلاب، وصاغه على شكل حوار بين طالب وأستاذ.
أما هذا الطالب فأنا أتهمه بالتآمر مع الأستاذ، لأنه لم يكن يسأل أسئلة جريئة، ولم يكن يحرج الأستاذ قط.
لا شك أن الأستاذ هو الذي لقن التلميذ تلك الأسئلة فجاءت على قد المطلوب،على فرض وجود هذا التلميذ لأنه خيال من منبعه إلى مصبه.
ومشى (الكتاب) وطبع ووزع كما أراد المؤلف. وتيسر النحو وزالت الجفوة وتقارب الأباعد، وتباوس المختصمون بفضل ذلك الكتاب..
وإليكم نماذج من تيسيرات النحو عند المؤلف:
1- يعرفنا المؤلف بحرف الشرط غير الجازم (لولا) ويقول شارحاً لمعناه:
إنه حرف امتناع لوجود (أي وجود الأول سبب امتناع الثاني)، مثل:
لولا المطر لهلك الزرع
ثم يقول: إذا اتصلت لولا بضمير فيكون إعرابها حرف جر، مثال:
ما جئت لولاك
وتعليله لذلك أن الكاف من ضمائر النصب والجر، ولذلك لا يجوز إعرابها في محل رفع مبتدأ.
هل يعتقد الأستاذ أنه يسر النحو بذلك أم صعّبه، ما ذنب التلميذ المسكين الذي يلقن قواعد كهذه ولا يعرف كيف يخرج منها ولا كيف يحل عقدتها؟
بماذا يختلف قولنا من حيث المعنى الشرطي:
لولا المطر ليبس الزرع
عن قولنا: لولاه ليبس الزرع
ألمجرد أننا حولنا المطر إلى ضمير ينهار الشرط؟!
هذا لا يعقل أيها الأستاذ، إلا إذا صدقنا تلك الحكاية التي تقول إن معماراً ماهراً بنى لأحد الملوك قصراً منيفاً لا مثيل له، ثم حضر إلى الملك وقال له: إني أعلم حجراً في هذا القصر إذا أخرج من مكانه تهدم القصر كله.
فقال له الملك: وهل يعلم بهذا السر غيرك؟ قال المعمار: لا. فأمر الملك بإلقائه من أعلى القصر، ومات سره معه.
والحكاية غير قابلة للتصديق، تماماً كما أن انهيار معنى الشرط في الجملة السابقة غير قابل للتصديق.
يا سيدي الأستاذ: لماذا لم تترك كل شيء على وضعه وتعرب الهاء مبتدأ ولو على سبيل الاستثناء، وتيسر علينا؟
يا أخي هناك قضايا خطيرة قامت فيها الأمور على الاستثناء، فهل وقفت الشغلة على هاء المفرد الغائب؟
وحتى إذا أحضرناه لك، فلن تحل المشكلة. يعني إذا قلنا: (لولاك)، أو جعلناه متكلماً: (لولاي)، فستظل مصراً على أنها ضمائر نصب أو جر، ولن تقبل بانضمامها إلى ركب المرفوعات.
2- وفي باب إعراب الظرف، يحلل لنا الأستاذ هذا التركيب الشرطي:
(إذا الرجلُ رحل) فيقول مفسراً:
أي: إذا رحل الرجل رحل
قسماً، هذا ما كتب.
والطالب الذي ورطه الأستاذ في هذا الحوار لم يعترض ولم يستغرب...
وربما اعترض واستغرب ولم يصل صوته.
إذاً نردد مع الأستاذ معنى العبارة: إذا رحل الرجل رحل
أو: إذا شربت المتة شربتها
بتعبير آخر: إذا حدث الشيء يكون قد حدث
لا أعلم أي مادة في العالم قادرة على هضم هذا التأويل الذي أورده الأستاذ ليعرب كلمة الرجل فاعلاً، وليس مبتدأ.
حججكم أيها النحويون لا تقنع طفلاً صغيراً،وما أسهل تفنيدها بأي وجه، والحكاية التالية تلخص ذلك:
قال عضد الدولة البويهي لأبي علي الفارسي النحوي:
- لم انتصب المستثنى في قولنا: قام القوم إلا زيداً؟
فقال الشيخ( أبو علي):بفعل مقدر. فقال له: كيف تقدره؟ فقال : أستثني زيداً
فقال له عضد الدولة: هلا رفعت وقدرت: امتنع زيد. فانقطع الشيخ .
( شذرات الذهب 3/89)
وحسبك أن الشاعر، وهو ابن فارس اللغوي، شبه وهن نظرة امرأة وضعفها بحجة النحوي، فقال:
مرت بنا هيفاء مجدولة تركيـة تنمى لتركـي
ترنو بطرف فاتن فاتـر أضعف من حجة نحوي
(المصدر السابق3/133)
وما زال الخلاف محتدماً بين الكوفيين والبصريين في مسائل نحوية ليست بالقليلة،ولكن هل علي أن أكون بالضرورة كوفياً أو بصرياً؟!
لماذا لا أكون كورياً؟ أو بوفياً..؟ مثلاً..أو شيئاً آخر؟
بقلم نبيل محسن(نقله لكم عبدالحكيم ياسين)