المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رجل في حياتي .... أهداء ...



zubaeda
08-05-2005, 09:40 PM
رجل في حياتي ....

على حافة السرير .. الذهبي ..اللون .. ..كنت أجلس كل مرة .. منذ ما يقارب السنتين..لأشعربأنفاسه..الضعيفة ..ولأسمع صوته ذا النغمة المميزة .. وأتحسس بيدي .. روحه... ساكنة هي .. على هذا السرير ..
أمرر أصابعي... على شرشف أبيض .. مطرز .. وموشى.. بالورد الأحمر .. كانت حبيبة لصاحب الروح ..قد طرزته بيديها العاجيتين..لترسم على شفتيه أبتسامة فرح .. والتي دُفنت مع جثتها ..منذ زمن .. يكاد أن يكون طويل.. طويل ...
أجلس على سريره ..وأتذكر .. لطالما ..غفوت مع صاحب الروح ... في نوم عميق .. ولطالما دوت قهقهاته البريئة .. الجذلى .. في أرجاء غرفته .. وأنا أحكي له نكات اليوم المضحكة .... ولطالما .. قرأ لي عن الأبطال .. والسحرة .. والجنيات .. والعاشقين .. والخائبين .. والـُـّزهاد ... والخوارق .. والأميرات العاشقات .. والمـَردة .. والساحرات الشريرات.. والأنسان الطيب .. والوضيع.. ولطالما .. شكوت له من مشاكلي الصغيرة ..ومشاكسات لأصدقائي ..كانت تثير أستيائي .. وغضبي ..ومصائد الحب الوهمي..والصديقة .. الخائنة .. .. لطالما ...
ودار بخلدي كيف أنهكت .. هذه السنين الأخيرة .. عمره المديد . ..وجسده .. الكهل .. الذي لا يشيب ..
أراه .. كأنه موجود .. مسجى .. على فراشه .. بأنفاسه الضعيفة .. المتقطعة ..
وبرائحة .. عبقة .. من فـِراشه الجميل .. وأنا ... أمسك ليلتها..بكفه .. وثمة شعاع .. للقمر يلقي بنوره .. الخافت على وجه الرجل .. ليحيل .. الستائر .. بفعل حركة ..الرياح .. الى أشباح .. تتراقص ..تنذر القلب بدنو الكارثة ... التي تتربص بي ... ورجعت ذاكرتي لأخر يوم له في الحياة ..
لم أكن أول مرة .. أجلس على حافة سريره .. وأتابع بعينين ..حزينتين نبضه الضعيف .. وتنفسه الأضعف ..كنت أشعر بوهنه .. بالرغم من أنه كان لا يعترف بمرضه .. أحسست به يتهاوى... يذبل .. أمام المارد الجديد ..ومرضه .. العملاق..
فمنذ عشرة أيام .. وهذا الرجل يحتضر... يموت .. يضمحل .. جسده .. الكبير .. الفارع ..
والبرودة .. تعتريه .. وكأنه يودع الدفء .. الذي كان يعيش وينبض بداخله .. كنت أهمس بتردد و خوف شديد .. كلما أشعر به يغيب عني ...
(( جّدي )) ...........
ليفتح لي عيناه بتعب شديد .. وينظر لي بأبتسامة ..حانية ..ويرجع ليغلقهما من جديد ..
وكان كلما .. يهبط الليل .. أشعر بخوف شديد ... قال لي مرة .. بأنه سيموت في الليل ...
قبل آذان الفجر .. وأنه سيصلي .. 10 ليال ..وهو في السرير .. وانه بعدها .. سيرحل .. عن الدنيا .. غير أسف عليها ... وكنت أبكي .. وتثور ثائرتي كلما فتح موضوعة الموت .. وغيابه الكبير عن حياتي ...
مسافة زمنية كبيرة .. هي ..........
تلك التي ...تفصلني .. عن معرفته..ورؤيته ... لأول مرة ..
كان صديق حياتي...
كاتم أسراري ... وبدايتي لطريق الحياة ... السعيدة..
واليوم ...ربما أنا بصدد ... رسم لوحة..لهذا الرجل الذي عشت معه أحلى أيام عمري.. فقررت أن أستعمل الفرشاة .. لأرسم بالألوان أحلى عيون .. رأيتها بحياتي ...ورحت أفتش عن بداية
.......

وكنت كلما أهم في كتابة قصتي معه.. أجد صعوبة.. أن أكتب عن شخص مثله .. أحبه بتلك القوة ... أنسان بكل ما للمعنى من أنسانية .. رجل عشت معه ردحاً من الزمن ... قريب جدا لقلبي .. الذي علمه معنى الرقة .. والجمال ... والأدب .. والحب ..والعدل ..
كنت أراه ملاكاً ... أو قديساً ..
زرع في داخلي ... أحلى الألوان .. وأرق الأحلام ..زرع الطيبة .. والشموخ ... والحب ... والطمأنينة .. وحب الخير ... ونبذ الشر ..
وأولا .. وأخيرا .. حب الأرض ...
رغم تعلقه الكامل بالسماء ....
كان رجل .. تقترب لواعجه .. من حقيقة مفادها ... إن التواصل مع الحياة ... يتدرج على التفاؤل والحيوية .. والعمل ..
لا يعيقه تقدم العمر أو الأقتراب من حافة الشيخوخة ..
عرفته في بداية العقد الثامن من عمره.. يومها كان عمري لا يتجاوز الأربعة أعوام ..
كان طويلاً .. شاهقاً .. له عينان تشعان حنين أخضر . وكنت أحبها كثيرا .. تلك العينين..
تذكرني دائما .. بحجر اللازورد .. الزاهي .. كزهوة عينيه ...
له صوت قوي ..أجش ..بنغمة مميزة ..وبلكنة .. غريبة ... تثير في داخلي الطمأنينة على عكس العادة .. أدركت.. بعدها .. بأنه يرطن أحيانا ..ليتكلم التركية ..
وأنه قرر أن أجيد اللغة التركية لأجله .. وكنت أسمع في أحاديثه حنين كان يشده الى إسطنبول .. مسقط رأسه ...
بالرغم من حبه الجليل ..لأرض العراق ...
ورغم العربية التي كان يتقنها بقواعدها .. ربما ..أكثر من العرب أنفسهم ...
وكان أحيانا ..يتأملني ...مطولاً .. لتنزل دمعة .. من عينيه .. وحيدة .. فعرفت عندما كبرت قليلا ً ...
أنني أذكره بأمرأة عشقها .. مرة ..
لشبه كبير بيني وبينها .. ...
لكن القدر لم يمهله معها .. فأختطفها منه .. على حين غفلة ..
فطوى الحب .. وقصصه .. وأنحنى على التصوف ..
يغرف منه ما يشاء .. ويحتسب المصائب التي مرت عليه .. عند الله ..
وكنت أراه .. صبور كنخلة .. عراقية .. فارغة .. داهمها القيض .. لكنها أبت إلا أن تحتفظ بنضارتها .. وشموخها ..
تواجه الصعاب .. ويستظل بها أخرون أعياهم الزمن .. كما أعياه .. هو ..فأصبحوا يلتجأون الى ... الظل ..
كان .. كتوم .. كبدوي حين يصاحب الصحراء .. وتتفتح بأساريره على أفقها الواسع .. بكل عنفوان الصمت .. والهدوء ... والدعة ..
التي لا تفارقه وكأنها جزء منه .. أو من هذا الكيان الطيب ..
عكرت السنون أبتسامته المضيئة .. الصافية .. يشوبها الحزن ... لكرب أصابه .. فمكثت معه ... ردحا طويلا ً .. من الزمن ..
كان يهدينيها كل يوم ..
ليزرع في داخلي الأمل والثقة بالنفس .. وكنت أفتخر بها كثيرا ..
كان جدي لأمي ..
وكان رجل من طراز خاص .. يفرض نفسه على الأخرين بكل أحترام .. تلمس به كل الأوقات .. وكل الأزمان ..
تراه مرة فارس من زمن الفرسان .. وأراه أحيانا .. ناسك ... يقرأ تراتيل السماء ...
كان لصوفيته العميقة .. معنى غير الصوفية التي كنت أقرأ عنها .. أو التي سمعت بها ..
علمني حب الشعر .. والأدب .. وصياغة الأنسان على أقواله .. وأفعاله ..
والأخذ .. بظاهر .. وباطن الكلمات ..
كان لا يحب الأنسان المخطئ مرتين .. لهذا ..نشأت عنده ..لا أخطئ ... وكنت أستشيره ..في كل ما أريد .. وما لا أريد ...
كان يشتري لي الكتب لأقرأ وأنا في الخامسة .. فرسخ في داخلي حب العلم .. والأدب .. وخاصة الشعر ..
و رغم تقدمه بالسن .. إلاإن علامات النشاط كانت لا تزال بادية عليه قياسا الى سنه ..فقد كان متوقد الذهن .. حاد الذكاء .. قوي الملاحظة .. لا يفوته شيء ..
له ذاكرة عجيبة ..
كان جميل الوجه .. فأحببت الجمال عنده ...
يملك أحلى بستان .. على نهر .. دجلة ... لي ذكريات فيه ..كثيرة هي .. لا أستطيع حصرها .. ..
كان يزرع النخيل .. وأشجار الحمضيات .. والأعناب.. وبعض من أشجار التفاح الأحمر ..
علمني .. كيف أزرع النخل . .. وكيف أداري صغارها .. ومسمياتها ..وانواع التمر ..
وأفضله .. وفضائل الرطب .. وعرائش الأعناب ...
كان يزرع النخيل .. والأشجار ... بينما أنا أعدو ..وألعب .. وأكتب على أشجاره ..قصائدي الأولى . .. وكلماتي .. الصغيرة ..
في بدايات طفولتي .. كنت أذهب اليه .. كل يوم .. لكن ظروفي في البيت وحرص أبي على دراستي .. وتربيتي الخالصة على يديه .. منعاني من البقاء الدائم في بيته ..عندما دخلت المدرسة ..
على الرغم من أني كنت أدوام على زيارته .. في بيته .. في أيام العطل .. وأتحدث معه ..عن يومي .. في الهاتف ..
كان يشتري لي معظم القصص .. والكتب التي تتحدث عن الأشعار ... والأدب
والقصص الصغيرة الملونة .. كان يريدني ... أن أرسم .. وأقرأ الشعر .. وأكتب ..
وكبرت معه ... يدعوني .. للكتابة .. والمطالعة .. والقراءة ..والرسم ...
لكن بقي .. هو يشتاق لوجودي عنده ..... لمرحي .. وضجيجي .. أزرعه .. في أنحاء منزله الكبير ... الخالي ..إلا من خادمه المسن ... (( حسن )) ..
(( وحسن )) هذا .. كان الآمر الناهي ... في البيت .. له سلطة الطبخ ..والتنظيف حسب ما كان يقوله جدي .. وكنت أكرهه .. لصمته الدائم .. ولنظراته الساهمة الحزينة .. المخيفة أحيانا ...
وكان ((حسن )) لا يحب الضوضاء .. قليل الكلام ..وكنت أثرثر لعله يتكلم معي..فقررت .. بعد سنين .. من مشاغبته ..وملاحقته بصياحي .. أن أصمت .. وأهدئ..لمحبتي الشديدة .. لجدي في سماع كل ما يريده ...وقد عرفت بأنه كان يشكوني لجدي ...
وكانت فرحتي الكبيرة وأنا أسمع بقبول أبي الأنتقال الى بيت جدي ... .. لقرب البيت الكبير من جامعتي... ولأنه كان يرفض .. أن يعتني به أحد غيري بعد موت ((حجي حسن )) ..
وأسترجعنا معا .. هواياتنا .. في الشعر والأدب ...وبدأت أكتب عنده .. قصصي ..وأشعاري ... كان لتشجيعه الدائم لي أثر كبير .. في سعادتي ..
وكأني أمتلكت الدنيا .. بكتاباتي .. ودفاتري ..... وكلماتي ..
كان يخبرني .. ويحدثني عن تاريخ العراق .. والعالم .. وقد كان قد ..شهد الحربين العالميتين ..والكثير من الحروب ..
والمجاعات ..والفيضانات .. وتاريخ كبير .. من الأنقلابات ..والحقائق .. لم أعرفها ,إلا عن طريقه ..
وكان يصحح لي معلوماتي .. عن التاريخ والأدب .. بنبل شديد .. لم أره إلا في كلمات حديثه ..
معه .. كنت لا .. أشعر بالزمن يدور ..ويدور ...
ليمرض .. مرضه الوحيد ..و الأخير .. عن عمر ناهز 103عام ..
ولينهي .. برحيله .. أحلى أيام .. عمري ... وأجمل سنين .. شبابي ..
وليموت .. أهم رجل ... كان بحياتي ...

هي قطعة .. مهداة ..
لروح جدي لأمي ...
(( كريم مراد مصطفى )) ..

صديقة الحرف
09-05-2005, 11:55 AM
زبيدة يازبيدة الابداع

قصة قصيرة نفتقدها هنا

قلم جميل فيه من الصدق وتعابير الحب النابع من قلب حسن العشرة


صديقتي الجميلة


لاتبخلي علينا بقصاصاتك هنا


وامتعينا كل ما استطعتي


فكم نحن عطشى لهكذا وريقات

zubaeda
09-05-2005, 10:46 PM
الأخت الغالية ...
صديقة الحرف ...
شكرا للكلمات الرقيقة التي .. كتبتها يدك ..
هو بحر الحنين .. الذي بداخلي ..
أفتقد بعض من هديره ...
لأكتب ...عن أهم رجل ... وأغلى وأحلى ...معلم ..
كان في حياتي ...

لمرورك الذي عطر صفحاتي ...

أشكرك غاليتي ...

زبيدة ...

اخت الرجال
10-05-2005, 09:08 AM
وكم من شخصيات لها صداها العميق في انفسنا ولاننساها ابدا

وكم من شخصيات نراها كل يوم ولا يوجد لها اي تأثير

أشكرك اختي زبيدة

المشرف العام
10-05-2005, 09:55 AM
كانت مصادفة غريبة أن تكون أغلب صفات جدك لأمك تتوافق مع صفات جدي لأمي، فكنت أقرأ الموضوع وأنا أسرح وأتخيل ملامح جدي وصفاته.
تسلمي أخت / زبيدة، وبانتظار المزيد.
وفقك الله ورعاكِ.

zubaeda
13-05-2005, 09:50 PM
الصديقة الغالية ...
أخت الرجال ..
صدقت ...هناك الكثير في الحياة ...
لكن من الذي يبقى مكانه في القلب ...
جدي .. كان معلمي الأول ...
وكلماتي هنا .. لا ..ولن تفيه حقه أبدا ..
لمرورك الكريم على صفحاتي ...
شكرا ... لك ..
تعطرت وأزدهت حروفي بك ..

أختك ..
زبيدة

zubaeda
13-05-2005, 10:02 PM
الأخ الكريم المشرف العام ..
أحمد عبد الباقي عاشور ..
شكرا لمرورك الجميل ..
ورحم الله جدي .. وجدك ..
وسائر أموات المسلمين ...
لجدي .. مكانة خاصة في قلبي ...
كان رجل من طراز خاص ..
ونادر بين الرجال ...
أشكرك من كل قلبي ..
وتقبل تحياتي ...


زبيدة