المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأدوية المفردة



وسام أبو عمره
09-05-2005, 07:45 AM
اصطلاح يتردد في الكتب الطبية الإسلامية ويقصد به العَقّارات العلاجية التي تتكون من عنصر طبيعي واحد أو من عدة عناصر موجودة في الطبيعة كاللبن، تمييزا لها عن الأدوية المركبة التي تركب من عدة عناصر طبيعية والتي تعرف باسم: "الأقرباذين" كما جاء في كتاب القانون في الطب للعالم الطبيب ابن سينا
وهناك مصادر قديمة لدى كل شعوب العالم القديم للأدوية المفردة: النباتية، والحيوانية، والمعدنية. ومنذ فجر التاريخ في المجتمعات البدائية في الأدغال حاول الإنسان أن يعالج نفسه بنفسه. ومن النادر أن يوجد في المملكات النباتية والحيوانية والمعدنية شيء لم يستخدمه الإنسان يوما عبر تاريخه لمعالجة أمراضه من عشب أو نبات أو حجر أو معدن أو قرن غزال أو مخلب حيوان أسطوري. بل لقد بدأت قصة التداوي بالأدوية المفردة مع الحيوانات بدوافع غريزية. فالكلاب مثلا كانت تأكل أعشابا معينة لتهدئة اضطراب المعدة. وكذلك فعل الإنسان في غذائه وشرابه ودوائه مستخدما ما يحيط به في بيئته. وتكونت خبرته بالأدوية المفردة مع توالي القرون في الصين ومصر القديمة والإغريق والبطالمة والرومان والعرب.
الأدوية المفردة عند الصينيين
عرف الصينيون القدماء التداوي بالأعشاب والنباتات الطبية، وكان علماء الصين يجربون تأثير الأدوية على أنفسهم دون تجربتها أولا على الحيوان. ويظهر ذلك في منهج العالم الصيني: شن تونج (القرن 22 ق.م) وهو مؤلف كتاب الصيدلة الصيني المشهور: "بن تساو" ويعد مؤسس الصيدلة في الصين. وهو الذي اكتشف تأثير نبات "شانغ شانج" وهو نبات "الأفدرا" المنشط والمعرق. ومنه نستخلص الآن مادة الإفدرين. ولم يقتصر الصينيون على الأعشاب الطبية فقد استخدموا أيضا أدوية مفردة من أصل حيواني أو معدني، وكانوا ينقعون الأعشاب الطبية في الماء أو يخمرونها، واستعملوا منها المراهم والضِّمَادات الطبية، كما استخدموا معها الحمامات الساخنة والباردة والتدليك، وقسموا العقاقير النباتية إلى أقسام ثلاثة: الحلو لتغذية العضلات، المالح لتغذية العروق، والمر لتغذية الجسم. وأعطوا أهمية كبيرة للأدوية المفردة، وتجنبوا الأدوية المركبة، وتبادلوا فيما بعد المعلومات الطبية مع المسلمين.
الأدوية المفردة عند المصريين القدماء
في مصر القديمة احتكر الكهان ممارس ة الطب والصيدلة في معاهد خاصة ملحقة بالمعابد: "بيوت الحياة". ويعد أممحوتب من أشهر أطباء مصر القديمة وصيادلتها في القرن الثلاثين قبل الميلاد. وقد سجل المصريون القدماء خبرتهم بالأدوية على جدران المعابد والقبور وأوراق البردي، ومن أشهر هذه البرديات: ايبرس (القرن 16 ق.م)، كاهون (القرن 19 ق.م)، وقد تحدثت هذه البرديات عن نباتات طبية عديدة تنمو في أرض مصر أو تستورد من الصومال والجزيرة العربية والحبشة.
الأدوية المفردة عند الإغريق
استفاد الإغريق من تراث قدماء المصريين والبابليين وسائر شعوب العالم القديم في التداوي بالأدوية المفردة خاصة والمركبة عامة. وعدوا الثعبان رمزا للحياة والحكمة والشفاء، مثلما عد المصريون الكوبرا رمزا لها. وكان العشابون يجمعون أكثر العقاقير الطبية في الظلام، وفي أول الشهر القمري، وفقا لقواعد خاصة بقلعها من الأرض. ومن أشهر علماء الأدوية المفردة عند الإغريق أبقراط أبو الطب (460 -337 ق.م) وثيوفراستوس أبو النبات (387-317 ق.م) وأرسطو المعلم الأول (384-223 ق.م) .
الأدوية المفردة عند البطالمة
يبدأ عصر البطالمة عند اليونان بوفاة الإسكندر الأكبر عام (323ق.م) . وفي مدينة الإسكندرية العاصمة الثقافية للبطالمة طوال ثلاثمائة عام زرعت في حدائقها مئات الأنواع من الأعشاب والنباتات الطبية، ودرست خواصها وتأثيراتها العلاجية على أيدي علماء طب وعلماء نبات، من بينهم العالم الشاعر "نياكور"، وله قصيدتان إحداهما عن العقاقير الطبية النباتية والحيوانية والمعدنية وعن السموم ومضاداتها الشافية، والأخرى باسم: "الترياق" وإلى جوار هؤلاء العلماء كان صانعو المراهم واللبخات المستخدمة في تحضير العقاقير.
الأدوية المفردة عند الرومان
استفاد الرومان من حصاد الأدوية المفردة لدى الإغريق وقدماء المصريين والبابليين والبطالمة عن طريق مدرسة الإسكندرية التي انتقلت معارفها إلى روما. واشتهر من الأطباء المعالجين بالعقاقير (الأدوية المفردة): "كانو واندروماك" (20-70 ق.م)، "وديسقوريدس" (6-50 ق.م)، وله كتاب باسم الحشائش ذكر فيه 500 عَقّار نباتي، "وجالينوس" أبو ا لصيدلية (130-201ق.م)، وله 98 كتاب في الطب والصيدلة.
التداوي بالأدوية المفردة عند العرب
قبل الإسلام عالج العرب بعض الأمراض بزهور النباتات وبذورها وجذورها. استعملوا مثلا البصل والكمون لمعالجة أمراض الصدر، والثوم لمعالجة ديدان وأمراض المعدة، والتين لمعالجة الإمساك، والحلبة لأمراض الربو والسعال، والحبة السوداء لأمراض الجهاز الهضمي، والكمأة لعلاج أمراض العين، و السواك لعلاج الأسنان.

وحرر الإسلام العلم عامة والطب خاصة من العِرافة والكهانة والشعوذة. وقد وردت أسماء بعض النباتات الطبية في الأحاديث النبوية في مجال العلاج وفي مجال الأدوية والأشربة وفي مجال الخضاب، ومن هذه النباتات: التمر، والريحان، و الحنظل ، والخردل، والسمسم، وشوك السعدان، و الشعير ، والسلق، والحنطة، والطلح، والبطيخ، والقثاء، والثوم، والبصل، والعنب، و الحناء ، والورث، والزعفران والعصفر، والصندل و الكافور ، والصبر، والحبة السوداء.
وفي القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي كان المسلمون قد حصلوا على حصاد النباتات والأعشاب الطبية من حصاد العالم القديم وترجموا كتب هذا الحصاد إلى العربية وتمثلوه وأضافوا إليه الجديد، وبخاصة على يد الطبيب والكيميائي: الرازي و ابن البيطار وقد وصل عدد قائمة الأدوية المفردة على يدي ابن البيطار إلى 145 دواء مفردا معدنيا، و1800 دواء نباتي، و130 دواء حيوانيا.

واكتشف العلماء العرب أدوية جديدة عديدة أضافوها إلى علم الأدوية عامة والأدوية المفردة خاصة من بينها: المسهلات كالراوند، والسنامكي، والسنط، والمنشطات مثل: الجوز المقيئ. وهم أول مَن استعمل نبات السكران وهو نبات سام يحتوى على مادة شديدة السمية هي: ستركنين، ولم يتمكن العلماء من عزل هذه المادة من ذلك النبات إلا في القرن الثالث عشر الهجري / التاسع عشر الميلادي، واستعملوا نباتات الأكونيت والقنب والأرغوت كمسكن للألم، وهم أول مَن استعمل الأفيون كمنوم ولتسكين الألم وإيقاف السعال ومنع الإسهال.
ولعلاج أمراض متنوعة مختلفة استعملوا الكافور والصندل والقرنفل والمر وجوزة الطيب و التمر هندي والقرفة والينسون والزنجبيل والتوابل.

طرق تحضير الأدوية المفردة
وللأدوية المفردة طرق تحضير خاصة بكل عشب أو نبات طبي، عن طريق سحق العشب أو النبات الطبي الجاف بدقه وطحنه ثم مزجه مع كمية من العسل أو الحليب أو عصير الفواكه أو الماء. أو عن طريق إعداد شاي منه عن طريق غلي الجذور أو القشور في ماء. أو عن طريق نقع هذه الجذور أو القشور في الماء من خمس إلى سبع ساعات في ماء ثم يصفى ويشرب. أو عن طريق إعداد مستحلب بوضع الأزهار أو الأوراق الزيتية في إناء، ثم يضاف إليه الماء المغلي، ويترك لمدة عشر دقائق أو خمس عشرة دقيقة. أو عن طريق استخراج العصير من العشب الطازج وغير الجاف بفرمه وعصره في المعاصر العادية ثم يوضع العصير في أوانٍ زجاجية معتمة تغطى بغطاء محكم لا يسمح بنفاذ الهواء مع ملاحظة أن هذا العصير سريع الفساد. أو عن طريق إعداد مرهم طبي بغلي العصير في كمية من اللانوليون ، ويستخدم كدهان موضعي. أو عن طريق استخراج زيت من كمية من الأعشاب أو النباتات الغضة أو المجففة ويتم عصرها جيدا لاستخراج السائل الزيتي منها، ويضاف إليها زيت الزيتون لحفظها، ويحتفظ المرهم بصلاحيته لمدة أقصاها سنة واحدة. أو عن طريق تحضير عسل منها بغلي عصير النبات أو العشب مع ضعف كميته من عسل النحل لبضع دقائق ثم يوضع في زجاجات ويمكن استعماله لعدة أسابيع.
وهناك أطباء عرب ومسلمون ألفوا كتبا خاصة في الأدوية المفردة من بينهم حنين بن إسحاق ، والبالسي، وله كتاب: التكميل في الأدوية المفردة، وحبيش بن الأعسم وله كتاب: الأدوية المفردة، وأحمد بن الأشعث، وله كتاب: الأدوية المفردة، وقد شمل كتابه الأدوية المفردة النباتية والمعدنية والحيوانية، وأحمد البرنسي، وله كتاب: فوائد الأدوية المفردة وخصائصها. و الغافقي ، وله موسوعة بها ألف دواء مفرد وبها أسماء النباتات بالبربرية والعربية واللاتينية، ويوحنا بن ماسويه وله كتاب بعنوان: جواهر الطب المفردة، وابن جلجل وله كتاب: الأدوية المفردة.