أحمد سعد الدين
15-12-2004, 02:28 PM
تنزل التشريعات السماوية من الله تعالى على رسله لإصلاح الناس في العقيدة والعبادة والمعاملة . وحيث كانت العقيدة واحدة لا يطرأ عليها تغيير لقيامها على توحيد الألوهية والربوبية فقد اتفقت دعوة الرسل جميعًا عليها (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) (الأنبياء : 25) - أما العبادات والمعاملات فإنها تتفق في الأسس العامة التي تهدف إلى تهذيب النفس والمحافظة على سلامة المجتمع وربطه برباط التعاون والإخاء ، إلا أن مطالب كل أمة قد تختلف عن مطالب أختها ، وما يلائم قومًا في عصر قد لا يلائمهم في آخر ، ومسلك الدعوة في طور النشأة والتأسيس يختلف عن شرعتها بعد التكوين والبناء ، فحكمة التشريع في هذه غيرها في تلك ، ولا شك أن المشرع سبحانه وتعالى يسع كل شيء رحمة وعلمًا ، ولله الأمر والنهي ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) (الأنبياء : 23) ، فلا غرابة في أن يُرفع تشريع بآخر مراعاة لمصلحة العباد عن علم سابق بالأول والآخر
تعريف النسخ وشروطه
والنسخ لغة : يطلق بمعنى الإزالة ، ومنه يقال : نسخت الشمس الظل ، أي أزالته . ونسخت الريح أثر المشي - ويطلق بمعنى نقل الشيء من موضع إلى موضع ، ومنه نسخت الكتاب : إذا نقلت ما فيه . وفي القرآن ( إنا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون ) (الجاثية : 29) والمراد به نقل الأعمال إلى الصحف .
والنسخ في الاصطلاح : رفع الحكم الشرعي بخطاب شرعي - فخرج بالحكم رفع البراءة الأصلية ، وخرج بقولنا : بخطاب شرعي ، رفع الحكم بموت أو جنون أو إجماع أو قياس .
ويطلق الناسخ على الله تعالى كقوله ( ما ننسخ من آية ) (البقرة : 106) وعلى الآية وما يعرف به النسخ ، فيقال : هذه الآية ناسخة لآية كذا ، وعلى الحكم الناسخ لحكم آخر .
والمنسوخ هو الحكم المرتفع ، فآية المواريث مثلاً أو ما فيها من حكم ناسخ لحكم الوصية للوالدين والأقربين كما سيأتي ، ومقتضى ما سبق أنه يشترط في النسخ :
1. أن يكون الحكم المنسوخ شرعيًا .
2. أن يكون الدليل على ارتفاع الحكم خطابًا شرعيًا متراخيًا عن الخطاب المنسوخ حكمه .
3. وألا يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيدًا بوقت معين . وإلا فالحكم ينتهي بانتهاء وقته ولا يعد هذا نسخًا . قال "مكي" : " ذكر جماعة أن ما ورد من الخطاب مشعرًا بالتوقيت والغاية مثل قوله في البقرة " :
( فاعفوا واصفحوا حتى يأتيّ الله بأمره ) (الآية : 109) محكم غير منسوخ ، لأنه مؤجل بأجل ، والمؤجل بأجل لا نسخ فيه .
ما يقع فيه النسخ
ومن هنا يعلم أن النسخ لا يكون إلا في الأوامر والنواهي - سواء كانت صريحة في الطلب أو كانت بلفظ الخبر الذي بمعنى الأمر أو النهي ، على أن يكون ذلك غير متعلق بالاعتقادات التي ترجع إلى ذات الله تعالى وصفاته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، أو الآداب الخلقية ، أو أصول العبادات والمعاملات لأن الشرائع كلها لا تخلو عن هذه الأصول . وهي متفقة فيها ، قال تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) ( الشورى : 13) .وقال : ( يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم ) (البقرة : 183) ، وقال : ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً ) (الحج : 27) ، وقال في القصاص : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص ) ( المائدة : 45) ، وقال في الجهاد : ( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ) (آل عمران : 145) ، وفي الأخلاق : ( ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحًا ) ( لقمان : 18) .
كما لا يدخل النسخ الخبر الصريح الذي ليس بمعنى الطلب كالوعد والوعيد .
ما يعرف به النسخ
ولمعرفة الناسخ والمنسوخ أهمية كبيرة عند أهل العلم من الفقهاء والأصوليين والمفسرين حتى لا تختلط الأحكام ، ولذلك وردت آثار كثيرة في الحث على معرفته ، فقد روي أن عليًا رضي الله عنه مرَّ على قاض فقال له : أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ قال : لا ، فقال : هلكت وأهلكت ، وعن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى : ( ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا ) (البقرة : 269) : " ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره ، وحرامه وحلاله " .
ولمعرفة الناسخ والمنسوخ طرق :
1. النقل الصريح عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي ، كحديث : [ كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ] رواه الحاكم . وقول أنس في قصة أصحاب بئر معونة كما سيأتي : ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع .
2. إجماع الأمة على أن هذا ناسخ وهذا منسوخ .
2. معرفة المتقدم من المتأخر في التاريخ .
ولا يعتمد في النسخ على الاجتهاد ، أو قول المفسرين ، أو تعارض ظاهر بين الأدلة ، أو تأخر إسلام أحد الراوين.
الآراء في النسخ وأدلة ثبوته
والناس في النسخ على أربعة أقسام :
1. اليهود : وهؤلاء ينكرونه لأنه يستلزم في زعمهم البداء ، وهو الظهور بعد الخفاء ، وهم يعنون بذلك : أن النسخ إما أن يكون لغير حكمة ، وهذا عبث محال على الله تعالى ، وإما أن يكون لحكمه ظهرت ولم تكن ظاهرة من قبل ، وهذا يستلزم البداء وسبق الجهل ، وهو محال على الله تعالى .
واستدلالهم هذا فاسد ، لأن كلاً من حكمة الناسخ وحكمة المنسوخ معلوم لله تعالى من قبل ، فلم يتجدد علمه بهما . وهو سبحانه ينقل العباد من حكم إلى حكم لمصلحة معلومة له من قبل بمقتضى حكمته وتصرفه المطلق في ملكه .
واليهود أنفسهم يعترفون بأن شريعة موسى ناسخة لما قبلها . وجاء في نصوص التوراة النسخ ، كتحريم كثير من الحيوان على بني إسرائيل بعد حله ، قال تعالى في إخباره عنهم : ( كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه ) ( آل عمران : 93) ، وقال : ( وعلى الذين هادوا حرَّمنا كل ذي ظُفر ) ( الأنعام : 146) ، وثبت في التوراة أن آدم كان يزوج من الأخت . وقد حرَّم الله ذلك على موسى ، وأن موسى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل ثم أمرهم برفع السيف عنهم .
2. الروافض : وهؤلاء غالوا في إثبات النسخ وتوسعوا فيه ، وأجازوا البداء على الله تعالى ، فهم مع اليهود على طرفي نقيض ، واستدلوا على ذلك بأقوال نسبوها إلى علي رضي الله عنه زورًا وبهتانًا ، وبقوله تعالى : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت ) (الرعد : 39) على معنى أنه يظهر له المحو والإثبات .
وذلك إغراق في الضلال ، وتحريف للقرآن . فإن معنى الآية : ينسخ الله ما يستصوب نسخه ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته ، وكل من المحو والإثبات موجود في كثير من الحالات ، كمحو السيئات بالحسنات ، قال تعالى : ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) ( هود : 114) ، ومحو كفر التائبين ومعاصيهم بالتوبة وإثبات إيمانهم وطاعتهم ، ولا يلزم من ذلك الظهور بعد الخفاء ، بل يفعل الله هذا مع علمه به قبل كونه .
3. أبو مسلم الأصفهاني : وهو يجوّز النسخ عقلاً ويمنع وقوعه شرعًا ، وقيل يمنعه في القرآن خاصة محتجًا بقوله تعالى : ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) ( فصلت : 42) على معنى أن أحكامه لا تبطل أبدًا ، ويحمل آيات النسخ على التخصيص .
ورد عليه بأن معنى الآية أن القرآن لم يتقدمه ما يبطله من الكتب ولا يأتي بعده ما يبطله .
4. وجمهور العلماء : على جواز النسخ عقلاً ووقوعه شرعًا لأدلة :
1. لأن أفعال الله لا تعلل بالأغراض ، فله أن يأمر بالشيء في وقت ، وينسخه بالنهي عنه في وقت ، وهو أعلم بمصالح العباد .
2. ولأن نصوص الكتاب والسنة دالة على جواز النسخ ووقوعه :
أ. قال تعالى : ( وإذا بدلنا آية مكان آية ) (النحل : 101) ، وقال : ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها او مثلها ) ( البقرة : 106) .
ب. وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنه : قال : قال عمر رضي الله عنه : أقرؤنا أبي ، وأقضانا ، وإنا لندع من قول أبيّ ، وذاك أن أُبيًا يقول : لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قال الله عز وجل : ( ما ننسخ من آيةٍ أو نُنسها ) .
أقسام النسخ :
والنسخ أربعة أقسام :
القسم الأول : نسخ القرآن بالقرآن ، وهذا القسم متفق على جوازه ووقوعه من القائلين بالنسخ ، فآية الاعتداد بالحول مثلاً ، نسخت بآية الاعتداد بأربعة أشهر وعشر ، كما سيأتي في الأمثلة .
القسم الثاني : نسخ القرآن بالسنة : وتحت هذا نوعان :
أ. نسخ القرآن بالسنة الآحادية . والجمهور على عدم جوازه ، لأن القرآن متواتر يفيد اليقين ، والآحادي مظنون ، ولا يصح رفع المعلوم بالمظنون .
ب. ونسخ القرآن بالسنة المتواترة ، وقد أجازه مالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية ، لأن الكل وحي . قال تعالى : ( وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ) (النجم : 3 ، 4) ، وقال : ( وأنزلنا إليك الذِكر لتبين للناس ما نُزل إليهم ) ( النحل : 44 ) ، والنسخ نوع من البيان ومنعه الشافعي وأهل الظاهر وأحمد في الرواية الأخرى ، لقوله تعالى : ( ما ننسخ من آيةٍ أو نُنسها نأت بخير منها أو مثلها ) ( البقرة : 106) والسنة ليست خيرًا من القرآن ولا مثله .
القسم الثالث : نسخ السنة بالقرآن ، ويجيزه الجمهور ، فالتوجه إلى بيت المقدس كان ثابتًا بالسنة ، وليس في القرآن ما يدل عليه ، وقد نسخ بالقرآن في قوله : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) ( البقرة : 144) ، ووجوب صوم يوم عاشوراء ، كان ثابتًا بالسنة ونسخ بقوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) ( البقرة : 185) ، ومنع هذا القسم الشافعي في إحدى روايتيه ، وقال : " وحيث وقع بالسنة فمعها قرآن ، أو بالقرآن فمعه سنة عاضدة تبين توافق الكتاب والسنة " .
القسم الرابع : نسخ السنة بالسنة ، وتحت هذا أربعة أنواع :
1. نسخ متواترة بمتواترة .
2. ونسخ آحاد بآحاد .
3. ونسخ آحاد بمتواترة .
4. ونسخ متواترة بآحاد .
والثلاثة الأولى جائزة ، أما النوع الرابع ففيه الخلاف الوارد في نسخ القرآن بالسنة الآحادية ، والجمهور على عدم جوازه .
أما نسخ كل من الإجماع والقياس والنسخ بهما ، فالصحيح عدم جوازه .
أنواع النسخ في القرآن :
والنسخ في القرآن ثلاثة أنواع :
النوع الأول : نسخ التلاوة والحكم معًا ، ومثاله : ما رواه مسلم وغيره عن عائشة قالت : " كان فيما أُنزل عشر رضعات معلومات " يحرمن فنسخن بخمس معلومات " فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم " وهن مما يقرأ من القرآن " وقولها " وهن مما يقرأ في القرآن " ظاهره بقاء التلاوة ، وليس كذلك ، فإنه غير موجود في المصحف العثماني وأجيب بأن المراد قارب الوفاة .
والأظهر أن التلاوة نسخت ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتوفي وبعض الناس يقرؤها .
وحكى القاضي أبو بكر في " الانتصار " عن قوم إنكار هذا القسم لأن الأخبار فيه أخبار آحاد ، ولا يجوز القطع على إنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها تفيد القطع ، ولكنها ظنية .
ويجاب على ذلك بأن ثبوت النسخ شيء ، وثبوت نزول القرآن شيء آخر ، فثبوت النسخ يكفي فيه الدليل الظني بخبر الآحاد ، أما ثبوت نزول القرآن فهو الذي يشترط فيه الدليل القطعي بالخبر المتواتر ، والذي معنا ثبوت النسخ لا ثبوت القرآن ، فيكفي فيه أخبار الآحاد . ولو قيل إن هذه القراءة لم تثبت بالتواتر لصح ذلك .
النوع الثاني : نسخ الحكم وبقاء التلاوة ومثاله : نسخ حكم آية العدة بالحول مع بقاء تلاوتها ، وهذا النوع هو الذي أُلفت فيه الكتب ، وذكر المؤلفون فيه الآيات المتعددة . والتحقيق أنها قليلة ، كما بين ذلك القاضي أبو بكر بن العربي .
وقد يقال ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة ؟
والجواب من وجهين ، أحدهما : أن القرآن كما يُتلى ليُعرف الحكم منه ، والعمل به ، فإنه يُتلى كذلك لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه ، فتركت التلاوة لهذه الحكمة .
وثانيهما : أن النسخ غالبًا يكون للتخفيف ، فأُبقيت التلاوة تذكيرًا بالنعمة في رفع المشقة .
وأما حكمة النسخ قبل العمل ، كالصدقة عند النجوى ، فيثاب على الإيمان به ، وعلى نية طاعة الأمر .
النوع الثالث : نسخ التلاوة مع بقاء الحكم : وقد ذكروا له أمثلة كثيرة ، منها آية الرجم " : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم " ومنها ما رُويَ في الصحيحين عن أنس في قصة أصحاب بئر معونة الذين قتلوا وقنت الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو على قاتليهم ، قال أنس : ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع : " أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا " ، ثم نسخت تلاوته ، وبعض أهل العلم ينكر هذا النوع من النسخ . لأن الأخبار فيه أخبار آحاد ، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد ، قال ابن الحصار : " إنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو عن صحابي يقول : آية كذا نسخت كذا ، قال : " وقد يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به مع علم التاريخ ليعرف المتقدم والمتأخر ، قال ولا يعتمد في النسخ على قول عوام المفسرين ، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صريح ، ولا معارضة بينه ، لأن النسخ يتضمن رفع حكم وإثبات حكم تقرر في عهده صلى الله عليه وسلم ، والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد ، قال : والناس في هذا بين طرفي نقيض ، فمن قائل لا يقبل في النسخ أخبار الآحاد العدول ، ومن متساهل يكتفي فيه بقول مفسر أو مجتهد ، والصواب خلاف قولهما " .
وقد يقال : إن الآية والحكم المستفاد منها متلازمان ، لأن الآية دليل على الحكم ، فإذا نسخت الآية نسخ حكمها ، وإلا وقع الناس في لبس .
ويجاب عن ذلك بأن هذا التلازم يسلم لو لم ينصب الشارع دليلاً على نسخ التلاوة ، وعلى إبقاء الحكم ، أما وقد نصب الدليل على نسخ التلاوة وحدها ، وعلى إبقاء الحكم واستمراره ، فإن التلازم يكون باطلاً ، وينتفي اللبس بهذا الدليل الشرعي الذي يدل على نسخ التلاوة مع بقاء الحكم
حكمة النسخ
1. مراعاة مصالح العباد .
2. تطور التشريع إلى مرتبة الكمال حسب تطور الدعوة وتطور حال الناس .
3. ابتلاء المكلف واختباره بالامتثال وعدمه .
4. إرادة الخير للأمة والتيسير عليها ، لأن النسخ إن كان إلى أشق ففيه زيادة الثواب ، وإن كان إلى أخف ففيه سهولة ويسر .
النسخ إلى بدل وإلى غير بدل
والنسخ يكون إلى بدل وإلى غير بدل - والنسخ إلى بدل : إما إلى بدل أخف ، وإما إلى بدل مماثل ، وإما إلى بدل أثقل .
1. فالنسخ إلى غير بدل : كنسخ الصدقة بين يدي نجوى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : : ( يا أيها الناس آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) ( المجادلة : 12) نسخت بقوله : ( أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات ، فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) ( المجادلة : 13) .
وأنكر بعض المعتزلية والظاهرية ذلك ، وقالوا : إن النسخ بغير بدل لا يجوز شرعًا ، لأن الله تعالى يقول : ( ما ننسخ من آيةٍ أو ننسها ناتِ بخير منها أو مثلها ) ( البقرة : 106) حيث أفادت الآية أنه لا بد أن يؤتى مكان الحكم المنسوخ بحكم آخر خير منه أو مثله .
ويجاب عن ذلك بأن الله تعالى إذا نسخ حكم الآية بغير بدل فإن هذا يكون بمقتضى حكمته ، رعاية لمصلحة عباده ، فيكون عدم الحكم خيرًا من ذلك الحكم المنسوخ في نفعه للناس ، ويصح حينئذ أن يقال : إن الله نسخ حكم الآية السابقة بما هو خير منها حيث كان عدم الحكم خيرا للناس .
2. والنسخ إلى بدل أخف : يمثلون له بقوله تعالى : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) ( البقرة : 187) ، فهي ناسخة لقوله : ( كما كُتب على الذين من قبلكم ) ( البقرة : 183) ، لأن مقتضاها الموافقة لما كان عليه السابقون من تحريم الأكل والشرب والوطء إذا صلوا العتمة أو ناموا إلى الليلة التالية ، كما ذكروا ذلك ، فقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : أنزلت : (كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم ) ، كتب عليهم إذا صلى أحدهم العتمة أو نام حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها ، وروى مثله أحمد والحاكم وغيرهما ، وفيه : " فأنزل الله عز وجل : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) الآية " .
3. النسخ إلى بدل مماثل : كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة في قوله : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) ( البقرة : 44) .
4. النسخ إلى بدل أثقل : كنسخ الحبس في البيوت في قوله تعالى : ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت ) ( النساء : 15) ، بالجلد في قوله تعالى : ( الزانية والزاني ) ( النور : 2) ، أو الرجم في قوله تعالى : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ...) واعترض بعض العلماء على هذا النوع محتجين بقوله تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) وقوله : ( يريد الله أن يخفف عنكم ) ويجاب عن ذلك بأن البدل إلى أثقل يكون ميسرًا على المكلفين دون مشقة أو إرهاق ، مع ما فيه من زيادة النفع وعظيم الثواب ، وثقله وصف له بالنسبة إلى ما قبله .
أمثلة للنسخ
وللناسخ والمنسوخ أمثلة كثيرة ، إلا أن العلماء في هذا :
أ. منهم المكثر الذي اشتبه عليه الأمر فأدخل في النسخ ما ليس منه .
ب. ومنهم المتحري الذي يعتمد على النقل الصحيح في النسخ .
ومنشأ الاشتباه عند المكثرين أمور أهمها :
1. اعتبار التخصيص نسخًا .
2. اعتبار البيان نسخًا .
3. اعتبار ما شرع لسبب ثم زال السبب من المنسوخ ، كالحث على الصبر وتحمل أذى الكفار في بداية الدعوة حين الضعف والقلة ، قالوا إنه منسوخ بآيات القتال ، والحقيقية أن الأول - وهو وجوب الصبر والتحمل - كان ويكون لحالة الضعف والقلة . وإذا وجدت الكثرة والقوة وجب الدفاع عن العقيدة بالقتال ، وهو الحكم الثاني .
4. اعتبار ما أبطله الإسلام من أمر الجاهلية أو من شرائع الأمم السابقة نسخًا ، كتحديد عدد الزوجات بأربع ، ومشروعية القصاص والدية ، وقد كان عند بني اسرائيل القصاص فقط ؛ كما قال ابن عباس فيما رواه البخاري : كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن الدية فيهم ، فقال الله لهذه الأمة : ( كُتب عليك القصاص في القتلى ) ( البقرة : 178 ) إلى قوله تعالى : فمن عُفي له من أخيه شيء ) فالعفو أن تقبل الدية في العمد (فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ، مما كتب على من كان قبلكم ) فمن اعتدى بعد ذلك ) قيل بعد قبول الدية (فله عذاب أليم ) . ومثل هذا ليس نسخاً ، وإنما هو رفع للبراءة الأصلية
وقد ذكر السيوطي في الإتقان إحدى وعشرين آية ، اعتبرها من قبيل النسخ . تذكر منها ما يأتي ونعلق عليه :
1. قوله تعالى : ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ) ( البقرة : 115) منسوخة بقوله : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) (البقرة : 144) وقد قيل - وهو الحق - إن الأولى غير منسوخة لأنها في صلاة التطوع في السفر على الراحلة وكذا في حال الخوف والاضطرار ، وحكمها باق ، كما في الصحيحين ، والثانية في الصلوات الخمس ، والصحيح أنها ناسخة لما ثبت في السنة من استقبال بيت المقدس .
2. قوله تعالى : ( كُتبَ عليك إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين ) ( البقرة : 180) قيل منسوخة بآية المواريث ، وقيل بحديث : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث " .
3. قوله : ( وعلى الذين يطيقونه فدية ) ( البقرة : 184) نسخت بقوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) ( البقرة : 175) لما في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع أنه قال : " لما نزلت ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) كان من أراد أن يفطر يفتيد ، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها " .
وذهب ابن عباس إلى أنها محكمة غير منسوخة ، روى البخاري عن عطاء أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) ، قال ابن عباس : " ليست بمنسوخة . هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان كل يوم مسكينًا " - وليس معنى ( يطيقونه ) على هذا يستطيعونه ، وإنما معناه يتحملونه بمشقة وكلفة .
وبعضهم جعل الكلام على تقدير لا النافية ، أو وعلى الذين لا يطيقونه .
4. قوله : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتالٌ فيه ، قل قتالُ فيه كبير ) ( البقرة : 217) ، نسخت بقوله : ( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) ( التوبة : 36) وقيل يحمل عموم الأمر بالقتال على غير الأشهر الحرم فلا نسخ .
5. قوله : _ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية لأزواجهم متاعًا إلى الحول غير إخراج ) ( البقرة : 240 ) نسخت بقوله : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا ) ( البقرة : 234) .
وقيل إن الآية الأولى محكمة لأنها في مقام الوصية للزوجة إذا لم تخرج ولم تتزوج ، أما الثانية فهي لبيان العدة ، ولا تنافي بينهما .
6. قوله : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) ( البقرة : 284) ، نسخت بقوله : ( لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ) ( البقرة : 286) .
7. قوله : ( وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ) ( النساء : 8) نسخت بآية المواريث وقيل - وهو الصواب - إنها غير منسوخة ، وحكمها باق على الندب .
8. قوله : ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً ، واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ، فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ) ( النساء : 15 و 16) ، نسختا بآية الجلد للبكر في سورة النور : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) ( النور : 2) وبالجلد للبكر وبالرجم للثيب الوارد في السنة " .. البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " .
9. قوله : ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) (الأنفال : 65) نسخت بقوله : ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ) ( الأنفال : 66) .
10. قوله : ( انفروا خفافًا وثقالاً ) ( التوبة : 41) نسخت بقوله : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ) ( التوبة : 91) ، وبقوله : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) ( التوبة : 122) .
وقيل إنه من باب التخصيص لا النسخ . وقد مر ذكر أمثلة أخرى .
تعريف النسخ وشروطه
والنسخ لغة : يطلق بمعنى الإزالة ، ومنه يقال : نسخت الشمس الظل ، أي أزالته . ونسخت الريح أثر المشي - ويطلق بمعنى نقل الشيء من موضع إلى موضع ، ومنه نسخت الكتاب : إذا نقلت ما فيه . وفي القرآن ( إنا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون ) (الجاثية : 29) والمراد به نقل الأعمال إلى الصحف .
والنسخ في الاصطلاح : رفع الحكم الشرعي بخطاب شرعي - فخرج بالحكم رفع البراءة الأصلية ، وخرج بقولنا : بخطاب شرعي ، رفع الحكم بموت أو جنون أو إجماع أو قياس .
ويطلق الناسخ على الله تعالى كقوله ( ما ننسخ من آية ) (البقرة : 106) وعلى الآية وما يعرف به النسخ ، فيقال : هذه الآية ناسخة لآية كذا ، وعلى الحكم الناسخ لحكم آخر .
والمنسوخ هو الحكم المرتفع ، فآية المواريث مثلاً أو ما فيها من حكم ناسخ لحكم الوصية للوالدين والأقربين كما سيأتي ، ومقتضى ما سبق أنه يشترط في النسخ :
1. أن يكون الحكم المنسوخ شرعيًا .
2. أن يكون الدليل على ارتفاع الحكم خطابًا شرعيًا متراخيًا عن الخطاب المنسوخ حكمه .
3. وألا يكون الخطاب المرفوع حكمه مقيدًا بوقت معين . وإلا فالحكم ينتهي بانتهاء وقته ولا يعد هذا نسخًا . قال "مكي" : " ذكر جماعة أن ما ورد من الخطاب مشعرًا بالتوقيت والغاية مثل قوله في البقرة " :
( فاعفوا واصفحوا حتى يأتيّ الله بأمره ) (الآية : 109) محكم غير منسوخ ، لأنه مؤجل بأجل ، والمؤجل بأجل لا نسخ فيه .
ما يقع فيه النسخ
ومن هنا يعلم أن النسخ لا يكون إلا في الأوامر والنواهي - سواء كانت صريحة في الطلب أو كانت بلفظ الخبر الذي بمعنى الأمر أو النهي ، على أن يكون ذلك غير متعلق بالاعتقادات التي ترجع إلى ذات الله تعالى وصفاته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، أو الآداب الخلقية ، أو أصول العبادات والمعاملات لأن الشرائع كلها لا تخلو عن هذه الأصول . وهي متفقة فيها ، قال تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) ( الشورى : 13) .وقال : ( يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم ) (البقرة : 183) ، وقال : ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً ) (الحج : 27) ، وقال في القصاص : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص ) ( المائدة : 45) ، وقال في الجهاد : ( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ) (آل عمران : 145) ، وفي الأخلاق : ( ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحًا ) ( لقمان : 18) .
كما لا يدخل النسخ الخبر الصريح الذي ليس بمعنى الطلب كالوعد والوعيد .
ما يعرف به النسخ
ولمعرفة الناسخ والمنسوخ أهمية كبيرة عند أهل العلم من الفقهاء والأصوليين والمفسرين حتى لا تختلط الأحكام ، ولذلك وردت آثار كثيرة في الحث على معرفته ، فقد روي أن عليًا رضي الله عنه مرَّ على قاض فقال له : أتعرف الناسخ من المنسوخ ؟ قال : لا ، فقال : هلكت وأهلكت ، وعن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى : ( ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا ) (البقرة : 269) : " ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره ، وحرامه وحلاله " .
ولمعرفة الناسخ والمنسوخ طرق :
1. النقل الصريح عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي ، كحديث : [ كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ] رواه الحاكم . وقول أنس في قصة أصحاب بئر معونة كما سيأتي : ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع .
2. إجماع الأمة على أن هذا ناسخ وهذا منسوخ .
2. معرفة المتقدم من المتأخر في التاريخ .
ولا يعتمد في النسخ على الاجتهاد ، أو قول المفسرين ، أو تعارض ظاهر بين الأدلة ، أو تأخر إسلام أحد الراوين.
الآراء في النسخ وأدلة ثبوته
والناس في النسخ على أربعة أقسام :
1. اليهود : وهؤلاء ينكرونه لأنه يستلزم في زعمهم البداء ، وهو الظهور بعد الخفاء ، وهم يعنون بذلك : أن النسخ إما أن يكون لغير حكمة ، وهذا عبث محال على الله تعالى ، وإما أن يكون لحكمه ظهرت ولم تكن ظاهرة من قبل ، وهذا يستلزم البداء وسبق الجهل ، وهو محال على الله تعالى .
واستدلالهم هذا فاسد ، لأن كلاً من حكمة الناسخ وحكمة المنسوخ معلوم لله تعالى من قبل ، فلم يتجدد علمه بهما . وهو سبحانه ينقل العباد من حكم إلى حكم لمصلحة معلومة له من قبل بمقتضى حكمته وتصرفه المطلق في ملكه .
واليهود أنفسهم يعترفون بأن شريعة موسى ناسخة لما قبلها . وجاء في نصوص التوراة النسخ ، كتحريم كثير من الحيوان على بني إسرائيل بعد حله ، قال تعالى في إخباره عنهم : ( كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه ) ( آل عمران : 93) ، وقال : ( وعلى الذين هادوا حرَّمنا كل ذي ظُفر ) ( الأنعام : 146) ، وثبت في التوراة أن آدم كان يزوج من الأخت . وقد حرَّم الله ذلك على موسى ، وأن موسى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل ثم أمرهم برفع السيف عنهم .
2. الروافض : وهؤلاء غالوا في إثبات النسخ وتوسعوا فيه ، وأجازوا البداء على الله تعالى ، فهم مع اليهود على طرفي نقيض ، واستدلوا على ذلك بأقوال نسبوها إلى علي رضي الله عنه زورًا وبهتانًا ، وبقوله تعالى : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت ) (الرعد : 39) على معنى أنه يظهر له المحو والإثبات .
وذلك إغراق في الضلال ، وتحريف للقرآن . فإن معنى الآية : ينسخ الله ما يستصوب نسخه ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته ، وكل من المحو والإثبات موجود في كثير من الحالات ، كمحو السيئات بالحسنات ، قال تعالى : ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) ( هود : 114) ، ومحو كفر التائبين ومعاصيهم بالتوبة وإثبات إيمانهم وطاعتهم ، ولا يلزم من ذلك الظهور بعد الخفاء ، بل يفعل الله هذا مع علمه به قبل كونه .
3. أبو مسلم الأصفهاني : وهو يجوّز النسخ عقلاً ويمنع وقوعه شرعًا ، وقيل يمنعه في القرآن خاصة محتجًا بقوله تعالى : ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ) ( فصلت : 42) على معنى أن أحكامه لا تبطل أبدًا ، ويحمل آيات النسخ على التخصيص .
ورد عليه بأن معنى الآية أن القرآن لم يتقدمه ما يبطله من الكتب ولا يأتي بعده ما يبطله .
4. وجمهور العلماء : على جواز النسخ عقلاً ووقوعه شرعًا لأدلة :
1. لأن أفعال الله لا تعلل بالأغراض ، فله أن يأمر بالشيء في وقت ، وينسخه بالنهي عنه في وقت ، وهو أعلم بمصالح العباد .
2. ولأن نصوص الكتاب والسنة دالة على جواز النسخ ووقوعه :
أ. قال تعالى : ( وإذا بدلنا آية مكان آية ) (النحل : 101) ، وقال : ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها او مثلها ) ( البقرة : 106) .
ب. وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنه : قال : قال عمر رضي الله عنه : أقرؤنا أبي ، وأقضانا ، وإنا لندع من قول أبيّ ، وذاك أن أُبيًا يقول : لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قال الله عز وجل : ( ما ننسخ من آيةٍ أو نُنسها ) .
أقسام النسخ :
والنسخ أربعة أقسام :
القسم الأول : نسخ القرآن بالقرآن ، وهذا القسم متفق على جوازه ووقوعه من القائلين بالنسخ ، فآية الاعتداد بالحول مثلاً ، نسخت بآية الاعتداد بأربعة أشهر وعشر ، كما سيأتي في الأمثلة .
القسم الثاني : نسخ القرآن بالسنة : وتحت هذا نوعان :
أ. نسخ القرآن بالسنة الآحادية . والجمهور على عدم جوازه ، لأن القرآن متواتر يفيد اليقين ، والآحادي مظنون ، ولا يصح رفع المعلوم بالمظنون .
ب. ونسخ القرآن بالسنة المتواترة ، وقد أجازه مالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية ، لأن الكل وحي . قال تعالى : ( وما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ) (النجم : 3 ، 4) ، وقال : ( وأنزلنا إليك الذِكر لتبين للناس ما نُزل إليهم ) ( النحل : 44 ) ، والنسخ نوع من البيان ومنعه الشافعي وأهل الظاهر وأحمد في الرواية الأخرى ، لقوله تعالى : ( ما ننسخ من آيةٍ أو نُنسها نأت بخير منها أو مثلها ) ( البقرة : 106) والسنة ليست خيرًا من القرآن ولا مثله .
القسم الثالث : نسخ السنة بالقرآن ، ويجيزه الجمهور ، فالتوجه إلى بيت المقدس كان ثابتًا بالسنة ، وليس في القرآن ما يدل عليه ، وقد نسخ بالقرآن في قوله : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) ( البقرة : 144) ، ووجوب صوم يوم عاشوراء ، كان ثابتًا بالسنة ونسخ بقوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) ( البقرة : 185) ، ومنع هذا القسم الشافعي في إحدى روايتيه ، وقال : " وحيث وقع بالسنة فمعها قرآن ، أو بالقرآن فمعه سنة عاضدة تبين توافق الكتاب والسنة " .
القسم الرابع : نسخ السنة بالسنة ، وتحت هذا أربعة أنواع :
1. نسخ متواترة بمتواترة .
2. ونسخ آحاد بآحاد .
3. ونسخ آحاد بمتواترة .
4. ونسخ متواترة بآحاد .
والثلاثة الأولى جائزة ، أما النوع الرابع ففيه الخلاف الوارد في نسخ القرآن بالسنة الآحادية ، والجمهور على عدم جوازه .
أما نسخ كل من الإجماع والقياس والنسخ بهما ، فالصحيح عدم جوازه .
أنواع النسخ في القرآن :
والنسخ في القرآن ثلاثة أنواع :
النوع الأول : نسخ التلاوة والحكم معًا ، ومثاله : ما رواه مسلم وغيره عن عائشة قالت : " كان فيما أُنزل عشر رضعات معلومات " يحرمن فنسخن بخمس معلومات " فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم " وهن مما يقرأ من القرآن " وقولها " وهن مما يقرأ في القرآن " ظاهره بقاء التلاوة ، وليس كذلك ، فإنه غير موجود في المصحف العثماني وأجيب بأن المراد قارب الوفاة .
والأظهر أن التلاوة نسخت ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتوفي وبعض الناس يقرؤها .
وحكى القاضي أبو بكر في " الانتصار " عن قوم إنكار هذا القسم لأن الأخبار فيه أخبار آحاد ، ولا يجوز القطع على إنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها تفيد القطع ، ولكنها ظنية .
ويجاب على ذلك بأن ثبوت النسخ شيء ، وثبوت نزول القرآن شيء آخر ، فثبوت النسخ يكفي فيه الدليل الظني بخبر الآحاد ، أما ثبوت نزول القرآن فهو الذي يشترط فيه الدليل القطعي بالخبر المتواتر ، والذي معنا ثبوت النسخ لا ثبوت القرآن ، فيكفي فيه أخبار الآحاد . ولو قيل إن هذه القراءة لم تثبت بالتواتر لصح ذلك .
النوع الثاني : نسخ الحكم وبقاء التلاوة ومثاله : نسخ حكم آية العدة بالحول مع بقاء تلاوتها ، وهذا النوع هو الذي أُلفت فيه الكتب ، وذكر المؤلفون فيه الآيات المتعددة . والتحقيق أنها قليلة ، كما بين ذلك القاضي أبو بكر بن العربي .
وقد يقال ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة ؟
والجواب من وجهين ، أحدهما : أن القرآن كما يُتلى ليُعرف الحكم منه ، والعمل به ، فإنه يُتلى كذلك لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه ، فتركت التلاوة لهذه الحكمة .
وثانيهما : أن النسخ غالبًا يكون للتخفيف ، فأُبقيت التلاوة تذكيرًا بالنعمة في رفع المشقة .
وأما حكمة النسخ قبل العمل ، كالصدقة عند النجوى ، فيثاب على الإيمان به ، وعلى نية طاعة الأمر .
النوع الثالث : نسخ التلاوة مع بقاء الحكم : وقد ذكروا له أمثلة كثيرة ، منها آية الرجم " : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم " ومنها ما رُويَ في الصحيحين عن أنس في قصة أصحاب بئر معونة الذين قتلوا وقنت الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو على قاتليهم ، قال أنس : ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع : " أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا " ، ثم نسخت تلاوته ، وبعض أهل العلم ينكر هذا النوع من النسخ . لأن الأخبار فيه أخبار آحاد ، ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد ، قال ابن الحصار : " إنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو عن صحابي يقول : آية كذا نسخت كذا ، قال : " وقد يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به مع علم التاريخ ليعرف المتقدم والمتأخر ، قال ولا يعتمد في النسخ على قول عوام المفسرين ، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صريح ، ولا معارضة بينه ، لأن النسخ يتضمن رفع حكم وإثبات حكم تقرر في عهده صلى الله عليه وسلم ، والمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد ، قال : والناس في هذا بين طرفي نقيض ، فمن قائل لا يقبل في النسخ أخبار الآحاد العدول ، ومن متساهل يكتفي فيه بقول مفسر أو مجتهد ، والصواب خلاف قولهما " .
وقد يقال : إن الآية والحكم المستفاد منها متلازمان ، لأن الآية دليل على الحكم ، فإذا نسخت الآية نسخ حكمها ، وإلا وقع الناس في لبس .
ويجاب عن ذلك بأن هذا التلازم يسلم لو لم ينصب الشارع دليلاً على نسخ التلاوة ، وعلى إبقاء الحكم ، أما وقد نصب الدليل على نسخ التلاوة وحدها ، وعلى إبقاء الحكم واستمراره ، فإن التلازم يكون باطلاً ، وينتفي اللبس بهذا الدليل الشرعي الذي يدل على نسخ التلاوة مع بقاء الحكم
حكمة النسخ
1. مراعاة مصالح العباد .
2. تطور التشريع إلى مرتبة الكمال حسب تطور الدعوة وتطور حال الناس .
3. ابتلاء المكلف واختباره بالامتثال وعدمه .
4. إرادة الخير للأمة والتيسير عليها ، لأن النسخ إن كان إلى أشق ففيه زيادة الثواب ، وإن كان إلى أخف ففيه سهولة ويسر .
النسخ إلى بدل وإلى غير بدل
والنسخ يكون إلى بدل وإلى غير بدل - والنسخ إلى بدل : إما إلى بدل أخف ، وإما إلى بدل مماثل ، وإما إلى بدل أثقل .
1. فالنسخ إلى غير بدل : كنسخ الصدقة بين يدي نجوى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : : ( يا أيها الناس آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) ( المجادلة : 12) نسخت بقوله : ( أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات ، فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) ( المجادلة : 13) .
وأنكر بعض المعتزلية والظاهرية ذلك ، وقالوا : إن النسخ بغير بدل لا يجوز شرعًا ، لأن الله تعالى يقول : ( ما ننسخ من آيةٍ أو ننسها ناتِ بخير منها أو مثلها ) ( البقرة : 106) حيث أفادت الآية أنه لا بد أن يؤتى مكان الحكم المنسوخ بحكم آخر خير منه أو مثله .
ويجاب عن ذلك بأن الله تعالى إذا نسخ حكم الآية بغير بدل فإن هذا يكون بمقتضى حكمته ، رعاية لمصلحة عباده ، فيكون عدم الحكم خيرًا من ذلك الحكم المنسوخ في نفعه للناس ، ويصح حينئذ أن يقال : إن الله نسخ حكم الآية السابقة بما هو خير منها حيث كان عدم الحكم خيرا للناس .
2. والنسخ إلى بدل أخف : يمثلون له بقوله تعالى : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) ( البقرة : 187) ، فهي ناسخة لقوله : ( كما كُتب على الذين من قبلكم ) ( البقرة : 183) ، لأن مقتضاها الموافقة لما كان عليه السابقون من تحريم الأكل والشرب والوطء إذا صلوا العتمة أو ناموا إلى الليلة التالية ، كما ذكروا ذلك ، فقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : أنزلت : (كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم ) ، كتب عليهم إذا صلى أحدهم العتمة أو نام حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها ، وروى مثله أحمد والحاكم وغيرهما ، وفيه : " فأنزل الله عز وجل : ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) الآية " .
3. النسخ إلى بدل مماثل : كنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة في قوله : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) ( البقرة : 44) .
4. النسخ إلى بدل أثقل : كنسخ الحبس في البيوت في قوله تعالى : ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت ) ( النساء : 15) ، بالجلد في قوله تعالى : ( الزانية والزاني ) ( النور : 2) ، أو الرجم في قوله تعالى : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ...) واعترض بعض العلماء على هذا النوع محتجين بقوله تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) وقوله : ( يريد الله أن يخفف عنكم ) ويجاب عن ذلك بأن البدل إلى أثقل يكون ميسرًا على المكلفين دون مشقة أو إرهاق ، مع ما فيه من زيادة النفع وعظيم الثواب ، وثقله وصف له بالنسبة إلى ما قبله .
أمثلة للنسخ
وللناسخ والمنسوخ أمثلة كثيرة ، إلا أن العلماء في هذا :
أ. منهم المكثر الذي اشتبه عليه الأمر فأدخل في النسخ ما ليس منه .
ب. ومنهم المتحري الذي يعتمد على النقل الصحيح في النسخ .
ومنشأ الاشتباه عند المكثرين أمور أهمها :
1. اعتبار التخصيص نسخًا .
2. اعتبار البيان نسخًا .
3. اعتبار ما شرع لسبب ثم زال السبب من المنسوخ ، كالحث على الصبر وتحمل أذى الكفار في بداية الدعوة حين الضعف والقلة ، قالوا إنه منسوخ بآيات القتال ، والحقيقية أن الأول - وهو وجوب الصبر والتحمل - كان ويكون لحالة الضعف والقلة . وإذا وجدت الكثرة والقوة وجب الدفاع عن العقيدة بالقتال ، وهو الحكم الثاني .
4. اعتبار ما أبطله الإسلام من أمر الجاهلية أو من شرائع الأمم السابقة نسخًا ، كتحديد عدد الزوجات بأربع ، ومشروعية القصاص والدية ، وقد كان عند بني اسرائيل القصاص فقط ؛ كما قال ابن عباس فيما رواه البخاري : كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن الدية فيهم ، فقال الله لهذه الأمة : ( كُتب عليك القصاص في القتلى ) ( البقرة : 178 ) إلى قوله تعالى : فمن عُفي له من أخيه شيء ) فالعفو أن تقبل الدية في العمد (فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ، مما كتب على من كان قبلكم ) فمن اعتدى بعد ذلك ) قيل بعد قبول الدية (فله عذاب أليم ) . ومثل هذا ليس نسخاً ، وإنما هو رفع للبراءة الأصلية
وقد ذكر السيوطي في الإتقان إحدى وعشرين آية ، اعتبرها من قبيل النسخ . تذكر منها ما يأتي ونعلق عليه :
1. قوله تعالى : ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ) ( البقرة : 115) منسوخة بقوله : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) (البقرة : 144) وقد قيل - وهو الحق - إن الأولى غير منسوخة لأنها في صلاة التطوع في السفر على الراحلة وكذا في حال الخوف والاضطرار ، وحكمها باق ، كما في الصحيحين ، والثانية في الصلوات الخمس ، والصحيح أنها ناسخة لما ثبت في السنة من استقبال بيت المقدس .
2. قوله تعالى : ( كُتبَ عليك إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين ) ( البقرة : 180) قيل منسوخة بآية المواريث ، وقيل بحديث : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ، فلا وصية لوارث " .
3. قوله : ( وعلى الذين يطيقونه فدية ) ( البقرة : 184) نسخت بقوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) ( البقرة : 175) لما في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع أنه قال : " لما نزلت ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) كان من أراد أن يفطر يفتيد ، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها " .
وذهب ابن عباس إلى أنها محكمة غير منسوخة ، روى البخاري عن عطاء أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) ، قال ابن عباس : " ليست بمنسوخة . هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان كل يوم مسكينًا " - وليس معنى ( يطيقونه ) على هذا يستطيعونه ، وإنما معناه يتحملونه بمشقة وكلفة .
وبعضهم جعل الكلام على تقدير لا النافية ، أو وعلى الذين لا يطيقونه .
4. قوله : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتالٌ فيه ، قل قتالُ فيه كبير ) ( البقرة : 217) ، نسخت بقوله : ( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ) ( التوبة : 36) وقيل يحمل عموم الأمر بالقتال على غير الأشهر الحرم فلا نسخ .
5. قوله : _ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية لأزواجهم متاعًا إلى الحول غير إخراج ) ( البقرة : 240 ) نسخت بقوله : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا ) ( البقرة : 234) .
وقيل إن الآية الأولى محكمة لأنها في مقام الوصية للزوجة إذا لم تخرج ولم تتزوج ، أما الثانية فهي لبيان العدة ، ولا تنافي بينهما .
6. قوله : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) ( البقرة : 284) ، نسخت بقوله : ( لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ) ( البقرة : 286) .
7. قوله : ( وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ) ( النساء : 8) نسخت بآية المواريث وقيل - وهو الصواب - إنها غير منسوخة ، وحكمها باق على الندب .
8. قوله : ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً ، واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ، فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ) ( النساء : 15 و 16) ، نسختا بآية الجلد للبكر في سورة النور : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) ( النور : 2) وبالجلد للبكر وبالرجم للثيب الوارد في السنة " .. البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " .
9. قوله : ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) (الأنفال : 65) نسخت بقوله : ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ) ( الأنفال : 66) .
10. قوله : ( انفروا خفافًا وثقالاً ) ( التوبة : 41) نسخت بقوله : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ) ( التوبة : 91) ، وبقوله : ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة ) ( التوبة : 122) .
وقيل إنه من باب التخصيص لا النسخ . وقد مر ذكر أمثلة أخرى .