مشاهدة النسخة كاملة : نساء خلدهن التاريخ
حسام الهوبي
27-12-2007, 12:13 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
أسماء بنت عميس هاجرت مرتين مع "طائر الجنة"
امتدح الله عز وجل المهاجرين في سبيله، وقدرهم حق قدرهم، وفضلهم على القاعدين من المؤمنين درجة، لأن هؤلاء المهاجرين تركوا أهلهم وأحباءهم وديارهم ومراتع صباهم وأموالهم وراء ظهورهم وهاجروا في سبيل الله وعملوا على نشر دينه وبث رسالته حيث ذهبوا.
وهذه صحابية جليلة كانت من أشرف نساء مكة صهرا ومن أسبقهن في دخول الإسلام، وهاجرت مرتين وتزوجت ثلاثة من أجلّ الصحابة شأنا وأقربهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. إنها أسماء بنت عميس بن معد بن الحارث بن ثيم بن مالك الخثعمية، وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث.
وأختا أسماء لأمها هما: أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث، وأم المؤمنين زينب بنت خزيمة زوجا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأختها لأبيها وأمها سلمى بنت عميس زوجة حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم.
تزوجت أسماء من جعفر بن أبي طالب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وكانت من السابقين الأولين للإسلام، وأسلمت قبل أن ينتقل النبي بدعوته إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم، وكان المسلمون يعدّون على الأصابع، وتعرضت وزوجها لأنواع شتى من الأذى والإهانة من كفار قريش. وكان هذا شأن كل المسلمين، وأشفق رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه مما يتعرضون له وفي الوقت ذاته كان راغباً في فتح آفاق جديدة لدعوته، فأشار على المسلمين بالهجرة إلى الحبشة وهي أرض يعرفونها جيدا، يعرفون أهلها لما بينهم من علاقات تجارية فقال لهم “تفرقوا في الأرض فإن الله تعالى سيجمعكم” قالوا: إلى أين نذهب يا رسول الله؟ فأشار عليهم بالهجرة إلى الحبشة وقال لهم: “إن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه”.
الهجرة الأولى
وكان جعفر بن أبي طالب وزوجه أسماء بنت عميس في أول فوج يهاجر إلى الحبشة في السنة الخامسة من البعثة النبوية الشريفة، وكان الفوج يضم عشرة رجال وأربع نسوة منهم: عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد وزوجه أم سلمة، وعثمان بن مظعون وغيرهم، وكانت هجرتهم في شهر رجب، وفي شوال من السنة نفسها عادوا إلى مكة عندما بلغهم أن أهل مكة أسلموا، ولكن تبين لدى عودتهم أن الخبر كان غير صحيح، فقد وجدوا أهل مكة أشد كفرا وإيذاء للمسلمين، فهاجر كثير من المسلمين إلى الحبشة وكان معهم بعض أفراد الهجرة الأولى، وكان عدد المهاجرين هذه المرة ثلاثة وثمانين رجلا وثماني عشرة امرأة، وكان أميرهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ومعه امرأته أسماء بنت عميس رضي الله عنها وفي أرض المهجر ولدت له ثلاثة أبناء هم: عبد الله وعوف ومحمد.
ولم يكتف كفار قريش بما كانوا يصبونه على رؤوس المسلمين من صنوف العذاب، ولكنهم قرروا مطاردتهم في مهجرهم، فأوفدوا وفدا إلى النجاشي ملك الحبشة يطلب منه تسليم هؤلاء المهاجرين، وكان على رأس هذا الوفد عمرو بن العاص، داهية العرب، ومعه عتبة بن أبي ربيعة وعقد النجاشي مجلسا جمع قساوسته ووزراءه وحضره وفد قريش وعدد من المهاجرين، فتكلم كل من الجانبين وعرض حجته، وكان المتحدث باسم المسلمين هو جعفر بن أبي طالب الذي ساق حججه المنطقية بأداء رائع، وعندما تلا آيات من سورة مريم بكى النجاشي وقال: هذا الكلام وكلام عيسى ابن مريم من مشكاة واحدة، وأمر باستضافة المهاجرين وحسن معاملتهم وإقامتهم في بلاده معززين مكرمين ورد وفد قريش مهزومين مدحورين.
وعاشت أسماء بنت عميس في كنف زوجها جعفر بن أبي طالب في أرض المهجر يدعوان إلى الإسلام، ويبشران برسالته وامتدت إقامتهما في الحبشة نحو اثني عشر عاما، وفي خلال هذه الفترة كان النبي صلى الله عليه وسلم قد هاجر إلى المدينة المنورة واستقر بها وخاض المسلمون عدة غزوات للتمكين للدعوة أشهرها غزوات بدر وأحد والخندق.
وفي السنة السابعة للهجرة فتح الله على المسلمين خيبر، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد آن الأوان لأن يرد غربة المهاجرين في الحبشة فأرسل عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ليبعث بهم إلى المدينة فاستجاب له، وعاد المهاجرون في سفينتين إلى المدينة وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب وزوجه أسماء بنت عميس وأبناؤهما.
فرحة لم تدم
وكانت فرحة النبي صلى الله عليه وسلم بلقاء جعفر وأهله كبيرة فقبله بين عينيه وقال: “ما أدري بأيهما افرح بقدوم جعفر أو بفتح خيبر” وكانت فرحة جعفر وزوجه أسماء بالعودة للأهل والديار والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا توصف، وصادف أن كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يزور ابنته أم المؤمنين حفصة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى أسماء فسأل عنها فأجابته حفصة: إنها أسماء بنت عميس، فقال عمر: الحبشية هذه البحرية لقد سبقناكم بالهجرة فقالت: أي نعم لعمري، لقد صدقت كنتم مع رسول الله يطعم جائعكم ويعلم جاهلكم، وكنا البعداء الطرداء، أما والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأذكرن له ذلك، وذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن رجالا يفخرون علينا ويزعمون أنا لسنا من المهاجرين الأولين.
فقال صلى الله عليه وسلم: “بل لكم هجرتان هاجرتم إلى النجاشي وهاجرتم إلى المدينة”. وفي رواية للحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ليس بأحسن بي منكم وله أي عمر ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة أو أصحاب السفينة هجرتان”.
ولكن فرحة جعفر وزوجه أسماء بنت عميس لم تدم طويلا، ففي العام التالي لعودته إلى المدينة اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر، وبعد عودته إلى المدينة بعث بجيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل إلى مؤتة على حدود الشام شمال الجزيرة العربية وأمر عليه زيد بن حارثة وقال: “إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، ولدى وصول الجيش إلى مؤتة واجه جيش الروم وكان قوامه مائة ألف مقاتل ما بين فارس وراجل وقتل زيد بن حارثة فخلفه جعفر وقاتل قتالا باسلا ثم قتل فخلفه عبد الله بن رواحة فقاتل وقتل وانضم الثلاثة إلى موكب الشهداء واختار الناس خالد بن الوليد فدافع القوم وتمكن من العودة بجيشه إلى المدينة.
رعاية نبوية
وتلقى النبي خبر استشهاد الثلاثة بحزن شديد وبكى الرسول جعفرا وصلى عليه صلاة الغائب وقال: “استغفروا لأخيكم جعفر فإنه شهيد، فقد دخل الجنة وهو يطير فيها بجناحين من ياقوت مع الملائكة”، ثم أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زوجته أسماء لتبعث إليه بأبناء جعفر فأتى بهم فقال: “اللهم إن جعفرا قد قدم إليك إلى أحسن الثواب فاخلفه في ذريته بخير ما خلفت عبدا من عبادك الصالحين”.
وحين أخبر النبي أسماء باستشهاد جعفر بكت وناحت فقال لها: “يا أسماء لا تقولي فجرا ولا تضربي صدرا” فسمعت وأطاعت رضا بقضاء الله وبكت فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها فقال النبي: “على مثل جعفر فلتبك الباكية” ثم قال لأسماء: “يا أسماء ألا أبشرك”، قالت، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: “كان الله قد جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة” وكان قد قطعت ذراعاه في غزوة مؤتة ففرحت وقالت: بأبي أنت وأمي فأعلم الناس بذلك يا رسول الله ففعل.
يروي عبد الله بن جعفر كيف أحاطهم النبي صلى الله عليه وسلم بعطفه ورعايته فقال: أنا أحفظ حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمي فنعى لها أبي فأنظر إليه يمسح على رأسي وعيناه تهرقان بالدموع حتى تقطر على لحيته ثم قال: اللهم إن جعفرا قدم إليّ أحسن الثواب فاخلفه في ذريته ثم قال: يا أسماء ألا أسرك قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال: “إن الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة” قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله فأعلم الناس بذلك فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ بيدي، حتى رقي المنبر، وأجلسني أمامه على الدرجة السفلى فتكلم فقال: إن المرء كثير بأخيه وابن عمه، إلا أن جعفرا استشهد وقد جعل الله له جناحين يطير بهما في الجنة.
ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بيته وأدخلني معه وأمر بطعام فصنع لأهلي. وأرسل إلى أخي فتغدينا عنده والله غداء طيبا مباركا. عمدت سلمى أم رافع خادمه إلى شعير فطحنته ونسفته ثم أنضجته وأدمثه بزيت وجعلت عليه فلفلا فتغديت أنا وأخي فأقمنا عنده ثلاثة أيام في بيته ندور معه كلما صار في بيت إحدى نسائه ثم رجعنا إلى بيتنا.
في صحبة الصديق
وتفرغت أسماء لتربية أبنائها وازدادت قربا من رسول الله تنهل من دعوته وتحفظ أحاديثه، ثم تزوجت من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأنجبت له ابنهما محمدا في العام العاشر للهجرة، وعاشت مع الصديق أحداث خلافته الجسام ما بين العامين الحادي عشر والثالث عشر للهجرة، وكانت له خير زوجة ونعم معين، تشد أزره وتحيطه برعايتها وتسانده بحبها وتقدم له الرأي والمشورة، حتى اقترب من موعده المحتوم فمرض بالحمى خمسة عشر يوما. وعندما شعر بدنو الأجل عهد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالخلافة، وفي جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة لقي وجه ربه راضيا مرضيا وغسلته أسماء تنفيذا لوصيته. وصلى عليه عمر بن الخطاب بين قبر رسول الله ومنبره ثم دفنه إلى جوار رسول الله.
درس للآباء والأبناء
وغالبت أحزانها وانصرفت لأمور دينها وتربية أبنائها “فلما انقضت عدتها تزوجها أشجع العرب وأشدهم بأسا في الحرب وأصدقهم حديثا وأوسعهم علما وأعظمهم نسبا وأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فعاشت معه قريرة العين لا تجد منه إلا خيرا، فقد كفلها وكفل ولدها وأحسن إليها الإحسان كله وعلمها مما علمه الله”.
وكانت أحرص الأمهات على العدل بين أبنائها وعلى تعليمهم أن المرء بعمله وعلمه وخلقه فقد اختلف ابناها محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر فقال أحدهما للآخر: أنا أكرم منك، وأبي خير من أبيك، فقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لأسماء: اقضي بينهما يا أسماء، فقالت: ما رأيت شابا من العرب خيرا من جعفر، ولا رأيت كهلا خيرا من أبي بكر، فقال علي: ما تركت لنا شيئا ولو قلت غير ذلك لمقتك أي لكرهتك وهكذا أطفأت الخلاف بين ابنيها وأنصفت زوجيها الراحلين بكياستها وحسن تصرفها.
وعاشت مع زوجها علي بن أبي طالب أحداث الفتنة الكبرى، وفي هذه الفتنة قتل ابنها محمد بن أبي بكر وكان واليا على مصر من قبل علي بن أبي طالب، فصبرت واحتسبت ثم فقدت عليا كرم الله وجهه فزادت حزنا وزادت احتسابا، وكان استشهاد علي في السابع عشر من رمضان سنة أربعين من الهجرة.
وكانت أسماء أقرب النساء إلى فاطمة الزهراء ابنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي التي غسلتها حين وفاتها بناء على وصيتها، وشاركها علي رضي الله عنه وكرم وجهه، وكانت إلى جانب فقهها وروايتها للحديث تحسن تفسير الرؤى، فأرسل لها عمر يسألها في رؤيا رآها وهي أنه رأى ديكا أحمر ينقره ثلاث نقرات بين الثنة والسرة فقالت أسماء: قولوا له فليوص أي أنه سيموت قريبا وعليه أن يكتب وصيته، وبعدها بقليل قتل عمر رضي الله عنه بيد أبي لؤلؤة المجوسي الذي طعنه ثلاث طعنات، وقد روى الحديث عنها ابنها عبد الله بن جعفر وحفيدها القاسم بن محمد بن أبي بكر وعبد الله بن عباس وعروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وغيرهم.
وقد لقيت ربها في السنة الأربعين للهجرة بعد عمر حافل في طاعة الله رضي الله عنها وأرضاها.
حسام الهوبي
27-12-2007, 12:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
بلقيس ملكت قومها بالحكمة وقادتهم إلى الإسلام
قصتها حافلة بالدروس والعبر زاخرة بالحكم والدلالات وأنموذج لحكم الشعوب والأمم بكفاءة واقتدار. وشهادة على قدرة المرأة على أن تقود وتسوس إذا توافرت لها القدرات العقلية والملكات الذهنية، وقدوة في مخاطبة الملوك من ناحية ومخاطبة الأنبياء من ناحية أخرى.
إنها بلقيس وقيل تلقمة بنت السيرح وهو الهدهاد وقيل شراحيل بن ذي جدن بن السيرح بن الحرث أو الحارث بن قيس بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. كان أبوها من أكابر الملوك، وكان يأبى أن يتزوج من أهل اليمن. فيقال إنه تزوج امرأة من الجن اسمها ريحانة بنت السكن فولدت له هذه المرأة التي هي تلقمة أو بلقيس.
وقد آل إليها حكم سبأ بعد وفاة أبيها، في القرن السابع عشر قبل البعثة وذكر الثعلبي وغيره أن قومها ملكوا عليهم بعد موت أبيها رجلا، فعم به الفساد.
فأرسلت إليه تخطبه فتزوجها فلما دخلت عليه سقته خمرا، ثم حزت رأسه ونصبته على بابها فأقبل الناس عليها وملكوها عليهم.
وقد ساست قومها سياسة حكيمة أشاد القرآن الكريم بها وقص طرفا منها فأحبها الخواص والعوام لما تميزت به من الخلق الفاضل والسلوك النبيل والعقل الرشيد والذكاء النادر. وخضعوا لحكمها ووضعوا أنفسهم تحت إمرتها. وأسلموا لها قيادهم عن رضا وطيب نفس منهم. مع أن النخوة العربية كانت تأبى كل الإباء أن يولوا أمرهم امرأة. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنها امرأة فريدة في سماتها النفسية والخلقية والعقلية. فاقت في قدرتها عظماء الرجال من قومها، فآثروها بالملك وارتضوا أن تكون خلفا لأبيها، وكان من أعظم ملوكهم وأشدهم بأسا وأوسعهم حلما وسياسة.
وقد أخبر القرآن الكريم في وصفه لها ولقومها أنها أوتيت من كل شيء يحتاج إليه الملوك في سياسة الناس وتدبير الملك، وأن لها عرشا عظيما بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى (مؤمنات لهن عند الله شأن للدكتور محمد بكر إسماعيل ص 34 35).
إشادة قرآنية
وقد ذكرها القرآن الكريم في موضع الإشادة والتكريم حيث أسلمت مع نبي الله سليمان بن داود عليهما السلام وخرجت بقومها من ظلام الشرك وعبادة الشمس إلى عبادة الله الواحد الأحد خالق الشمس والقمر وكل ما في الكون.
وقد سخّر الله سبحانه لسليمان الإنس والجن والحيوان والطير والريح وعلمه لغة الحيوان والطير. قال عز وجل: “وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيهَا الناسُ عُلمْنَا مَنطِقَ الطيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُل شَيْءٍ إِن هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ” (النمل: 16).
وقال سبحانه: “وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِن وَالْإِنسِ وَالطيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيهَا النمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَتَبَسمَ ضَاحِكاً من قَوْلِهَا وَقَالَ رَب أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التِي أَنْعَمْتَ عَلَي وَعَلَى وَالِدَي وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالِحِينَ” (النمل: 17 19).
وورد ذكر بلقيس وقصتها مع سليمان عليه السلام في عدة آيات من سورة النمل في قوله عز وجل: “وَتَفَقدَ الطيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ. لأعَذبَنهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنهُ أَوْ لَيَأْتِيَني بِسُلْطَانٍ مبِينٍ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سبأ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. إِني وَجَدت امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُل شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدتهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشمْسِ مِن دُونِ اللهِ وَزَينَ لَهُمُ الشيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدهُمْ عَنِ السبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ، أَلا يَسْجُدُوا لِلهِ الذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ، اللهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ رَب الْعَرْشِ الْعَظِيمِ” (النمل: 20 26).
حديث الهدهد
كان الهدهد من جملة ما سخر للنبي الملك سليمان عليه السلام، وكان يقوم بدور حيوي في خدمة سليمان وجيشه، فقد كان بمثابة جهاز الاستطلاع والاستشعار بلغة العصور الحديثة. وكان أهم ما يكشف عنه مصادر المياه سواء أكانت على سطح الأرض أم في باطنها، فإذا كانت على سطح الأرض وصلوا إليها ونهلوا منها وقضوا حاجاتهم. وإذا كانت في باطن الأرض حفروا عنها واستخرجوها ولذلك كان لطائر الهدهد أهمية خاصة.
وكان لهذا الطائر الذي اهتم به سليمان تحديدا أهمية خاصة. وكان لكل طائفة من الدواب والطير قائدها المسؤول عنها.
وكان سليمان يهتم بشؤون هذه الطوائف على السواء. وعندما تفقد الطير لم يجده. ولم يقطع بغيابه وافترض أنه لم يره أو أنه كان من الغائبين فإن كان من الغائبين من دون إذن سليمان أو علمه فقد توعده سليمان بالعذاب الشديد أو الذبح، ومع ذلك فقد ترك باب العفو والمسامحة مفتوحا إذا جاءه الهدهد بسلطان مبين أي بحجة غياب مقنعة.
ولأن الهدهد لم يكن مذنبا بل جاء بأمر جلل. ولأنه يدرك سماحة نبي الله سليمان فعندما وصل بعد قليل من السؤال عنه واقترب من سليمان وروى له ما رآه من أهل سبأ وكيف أنهم تملكهم امرأة. ووصف له هذه المرأة وما تتمتع به من قدرات هائلة، كما حدثه عن عظمة عرشها قرر سليمان أن يتأكد من صدق ودقة معلومات جهاز مخابراته الهدهد وفي ذلك يقول الله عز وجل: “قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. اذْهَب بكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُم تَوَل عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ” (النمل: 27 28).
اختبار للنوايا
وذهب الهدهد مسرعا حاملا رسالة سليمان إلى بلقيس وعندما وصل إلى قصرها ألقاها إليها وهي في خلوة ثم وقف في جانب ينتظر ما يكون من جوابها على كتاب سليمان. وفتحت بلقيس الكتاب وقرأت ما فيه، ولما كان حكمها يقوم على الشورى كما تدل آيات القرآن الكريم كما أنها تتمتع بالرزانة وحسن التصرف فإنها لم تبادر إلى رد فعل متسرع قد تندم عليه في المستقبل، وإنما جمعت وزراءها وأمراءها وأكابر دولتها إلى مشورتها، وفي البداية أخبرتهم بوصول الكتاب ثم بعنوانه ثم بمضمونه ثم سألتهم الرأي والمشورة: “قَالَتْ يَا أَيهَا المَلأ إِني أُلْقِيَ إِلَي كِتَابٌ كَرِيمٌ. إِنهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنهُ بِسْمِ اللهِ الرحْمَنِ الرحِيمِ. أَلا تَعْلُوا عَلَي وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ” (النمل: 29 30).
كان قوم بلقيس يتمتعون بالقوة والشجاعة. وكانوا يلتزمون نحوها بالسمع والطاعة، كما كانوا مستعدين لأن يخوضوا معها القتال، إذا قررت ذلك. لكن ذلك لم يكن رأيها ولا قرارها فقد كانت الدعوة التي يحملها الكتاب دعوة للصلاح والإسلام والى عدم الاغترار بالقوة والاستعلاء في الأرض. وكان من حكمة بلقيس أن تختبر نوايا صاحب الكتاب: “قَالُوا نَحْنُ أُوْلُو قُوةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ. قَالَتْ إِن الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزةَ أَهْلِهَا أَذِلةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ. وَإِني مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ” (النمل: 33 35).
كانت الهدية التي أرسلتها بلقيس مع وفدها لسليمان تحتوي على كثير من الدرر والجواهر وحلي الذهب والفضة والجواري والغلمان، وكانت تريد أن تختبر سليمان وتعرف إن كان ملكا أم نبيا، وأن تقيم معه في الحالتين أواصر المودة والسلام ولكن سليمان الذي كان نبيا وملكا لم يكن هدفه المال ولم يكن مقصده الدرر والجوهر، وهو الذي دعا ربه أن يهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فاستجاب الله دعاءه، ولذلك لم يكن مثل هذه الهدية يغريه فرد الهدية: “فَلَما جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللهُ خَيْرٌ مما آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيتِكمْ تَفْرَحونَ. ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنهُم منْهَا أَذِلةً وَهُمْ صَاغِرُونَ” (النمل 36 37).
إنها النبوة
وأدركت بلقيس أنها ليست أمام ملك طامع في مزيد من الملك أو المال وإنما هي أمام نبي مرسل فقررت الذهاب إليه وسط حشد من كبار قومها وعلم سليمان بعزمها فقرر أن يختبرها: “قَالَ يَا أَيهَا المَلأ أَيكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأتُونِي مُسْلِمِينَ، قَالَ عِفْريتٌ منَ الْجِن أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مقَامِكَ وَإِني عَلَيْهِ لَقَوِي أَمِينٌ. قَالَ الذِي عِندَهُ عِلْمٌ منَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَد إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَما رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِن رَبي غَنِي كَرِيمٌ. قَالَ نَكرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الذِينَ لَا يَهْتَدُونَ. فَلَما جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنا مُسْلِمِينَ. وَصَدهَا مَا كَانَت تعْبُدُ مِن دُونِ اللهِ إِنهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ، قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصرْحَ فَلَما رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنهُ صَرْحٌ ممَردٌ من قَوَارِيرَ قَالَتْ رَب إِني ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلهِ رَب الْعَالَمِينَ” (النمل: 38 44).
تسجل هذه الآيات الكريمات الاختبار الذي قرره النبي سليمان عليه السلام لبلقيس حين طلب من خاصته الإتيان بعرشها فعرض جني أن يحضره قبل أن يقوم سليمان من مجلسه وكان يمتد من الصباح حتى الظهيرة وعرض آخر عنده علم من الكتاب قيل انه جبريل عليه السلام وقيل إنه جني مؤمن وقيل إنه سليمان نفسه والأشهر أنه آصف بن يرضيا ابن خالة سليمان أن يأتيه به في مثل لمح البصر. فلما جيء له بالعرش أمر بتغيير بعض ملامحه، فلما جاءت بلقيس ورأته وسئلت إن كان هو عرشها؟ وكانت تركته خلفها لم تشأ أن تجيب إجابة قاطعة بالإيجاب أو النفي مما يدل على فطنتها وسعة إدراكها وقوة حيلتها.
وحين دعيت إلى دخول صرح سليمان وكان مبنيا من قوارير وله سقف من زجاج وكان مزينا بالكائنات البحرية ظنت انه بحر فلما همت بدخوله كشفت عن ساقيها.
وذكر الثعلبي أن سليمان لما تزوجها بعد إسلامها وقومها أقرها على مملكة اليمن وردها إليه، وكان يزورها في كل شهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام ثم يعود على البساط، وأمر الجان فبنوا له ثلاثة قصور في اليمن هي غمدان وسالحين وبيتون. وتوفيت بلقيس بعد بضع سنوات من وفاة سليمان بعد عمر طويل من الحكم الرشيد وبعد أن قادت قومها قبل إسلامها إلى القوة وشدة البأس. وقادتهم بإسلامها للخروج مع سليمان من الظلمات إلى النور، ولتظل سيرتها درسا هاديا ونبراسا مرشدا لكل امرأة مسلمة سليمة الفطرة صادقة الإيمان.
حسام الهوبي
27-12-2007, 12:33 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
مريم ابنة عمران اصطفاها الله على نساء العالمين
كرمها الله أعظم تكريم، واصطفاها وطهرها واصطفاها على نساء العالمين ونفخ فيها من روحه لتنجب نبيا ورسولا من الصالحين. وجعلها وابنها آية إلى يوم الدين.
إنها مريم ابنة عمران وفي نسبها قال محمد بن إسحاق مؤرخ سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن عمران أبي مريم: هو عمران بن باشم بن آمون بن ميشا بن حزقيا بن احريق بن موثم بن عزازيا بن امصيا بن ياوش بن احريهو بن يازم بن يهفاشاط بن ايشا بن ايان بن رحبعام بن سليمان بن داود عليهما السلام.
وقال أبو القاسم بن عساكر: مريم بنت عمران بن ماثان بن العازر بن اليود بن اخنر بن صادوق بن عيازوز بن الياقيم بن ايبود بن زريابيل بن شالتال بن يوحينا بن برشا بن امون بن ميشا بن حزقا بن احاز بن موثام بن عزريا بن يورام بن يوشافاط بن ايشا بن ايبا بن رحبعام بن سليمان بن داود عليهما السلام.
وأياً كان الخلاف بين الترجمتين فكلتاهما يرجح نسبها إلى سليمان بن داود عليهما السلام. “وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه. وكانت أمها حنة بنت فاقود بن قبيل من العابدات”.
وكان زكريا نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم اشياع في قول الجمهور وقيل زوج خالتها أشياع (قصص الأنبياء للإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي: ص 389 390).
وكما يقول محمد بن إسحاق وغيره كانت أم مريم عاقرا لا تلد. فرأت يوما طائرا يزق فرخا له، فتاقت نفسها للولد. فنذرت لله إن حملت ولدا لتجعلن ولدها محرراً أي صبيا في خدمة بيت المقدس. فحاضت من فورها، فلما طهرت واقعها زوجها فحملت في مريم عليها السلام فلما وضعتها جعلتها في خدمة بيت المقدس.
وفي ذلك يقول الله عز وجل “إِن اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُريةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَب إِني نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرراً فَتَقَبلْ مِني إِنكَ أَنتَ السمِيعُ الْعَلِيمُ، فَلَما وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَب إِني وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذكَرُ كَالأُنثَى وَإِني سَميْتُهَا مَرْيَمَ وِإِني أُعِيذُهَا بِكَ وَذُريتَهَا مِنَ الشيْطَانِ الرجِيمِ، فَتَقَبلَهَا رَبهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفلَهَا زَكَرِيا كُلمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إن اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ” (آل عمران: 33 37).
كفالة زكريا
استجاب الله عز وجل لدعاء هذه الأم الصالحة وتقبل منها نذرها وحين وضعتها لفتها في خروقها وذهبت بها إلى المسجد الأقصى وسلمتها إلى العباد الأحماد المقيمين فيه فتنازعوا فيمن يكفلها وكان زكريا راغبا أشد الرغبة في هذه الكفالة فاتفقوا على أن يقترعوا بأن يلقي كل منهم قلمه، ثم حملوها ووضعوها في موضع، وأمروا غلاما صغيرا فأخرج واحدا منها فكان قلم زكريا. فأعادوا الاقتراع بإلقاء أقلامهم في النهر فمن جرى قلمه على خلاف جريان الماء كانت له كفالتها فكان قلم زكريا هو الذي جرى على خلاف جريان الماء. فطلبوا الاقتراع مرة ثالثة بإلقاء أقلامهم في النهر فمن جرى قلمه على سواء جريان الماء كان الفوز من نصيبه فلما فعلوا جاءت القرعة لصالح زكريا عليه السلام.
وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: “ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ” (آل عمران: 44). واختار زكريا لمريم مكاناً قصياً في المسجد لا يدخله أحد سواه وفي هذا المكان كانت مريم تعيش تذكر الله، وتتعبده وتقوم بما يجب عليها من الخدمة في وقتها. وكان زكريا رجلا فقيرا. وكان يعولها في حدود ما تسمح به قدراته غير أن الله عز وجل تكفل بزرق مريم وكان رزقه كريما واسعا: “كُلمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إن اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ” (آل عمران: 37).
ذلك أنه كان يدخل عليها في الصيف فيجد عندها فاكهة الشتاء ويدخل عندها في الشتاء فيجد لديها فاكهة الصيف، فكان ذلك من عجائب الله.
البشرى
وفي الوقت المعلوم والتوقيت المقسوم جاءتها البشرى: “وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِن اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ، يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الراكِعِينَ، ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ، إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِن اللّهَ يُبَشرُكِ بِكَلِمَةٍ منْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَربِينَ، وَيُكَلمُ الناسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصالِحِينَ، قَالَتْ رَب أَنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ، وَيُعَلمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ، وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَني قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ من ربكُمْ أَني أَخْلُقُ لَكُم منَ الطينِ كَهَيْئَةِ الطيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِن فِي ذَلِكَ لآيَةً لكُمْ إِن كُنتُم مؤْمِنِينَ. وَمُصَدقاً لمَا بَيْنَ يَدَي مِنَ التوْرَاةِ وَلِأُحِل لَكُم بَعْضَ الذِي حُرمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ من ربكُمْ فَاتقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ. إِن اللّهَ رَبي وَرَبكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مسْتَقِيمٌ” (آل عمران: 42 51).
كانت البشارة متعددة النواحي والأركان فهي بشارة باصطفاء الله عز وجل لها على نساء العالمين وبشارة بولد وجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين.
وتمضي الآيات الكريمات في ذكر صفات هذا النبي، ورسالته إلى بني إسرائيل، وذكر المعجزات التي سيبعث بها كما تضمنت بشارة الملائكة أمراً لمريم بكثرة العبادة والقنوت والسجود والركوع لله رب العالمين. فتعجبت من وجود ولد من غير والد لأنها لا زوج لها ولا هي ممن تتزوج، فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون.
محنة ومنحة
استكانت مريم لذلك وأنابت وسلمت لأمر الله وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها، فإن الناس يتكلمون فيها بسببه، لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر وإنما ينظرون إلى ظاهر الحال من غير تدبر ولا تعقل. وكانت إنما تخرج من المسجد في زمن حيضها أو لحاجة ضرورية لابد منها من استقاء ماء أو تحصيل غذاء. فبينما هي يوما قد خرجت لبعض شؤونها فانفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى. إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل عليه السلام فتمثل لها بشراً سويا.
يحكي القرآن الكريم القصة في آيات كريمات حيث يقول الله جل شأنه: “وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً. فَاتخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً، قَالَتْ إِني أَعُوذُ بِالرحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً. قَالَ إِنمَا أَنَا رَسُولُ رَبكِ لِأَهَبَ لَكِ غلاماً زَكِيّاً، قَالَتْ أَنى يَكُونُ لِي غلام وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً. قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبكِ هُوَ عَلَي هَينٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلناسِ وَرَحْمَةً منا وَكَانَ أَمْراً مقْضِيّاً. فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً. فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِت قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً منسِيّاً، فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً، وَهُزي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَري عَيْناً فَإِما تَرَيِن مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِني نَذَرْتُ لِلرحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً. فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمكِ بَغِيّاً، فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً. قَالَ إِني عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً، وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصلاةِ وَالزكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً. وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَباراً شَقِيّاً. والسلام عَلَي يَوْمَ وُلِدت وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً، ذَلِكَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَق الذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ. مَا كَانَ لِلهِ أَن يَتخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ. وَإِن اللهَ رَبي وَرَبكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مسْتَقِيمٌ. فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ للذِينَ كَفَرُوا مِن مشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ” (مريم: 16 37).
براءة من السماء
اختلف المفسرون في كيفية نفخ الملك الروح في مريم، كما اختلفوا في مدة الحمل. “وذكر غير واحد من السلف منهم وهب بن منبه أنها لما ظهرت عليها مخايل الحمل كان أول من فطن لذلك رجل من عباد بني إسرائيل يقال له: يوسف بن يعقوب النجار وكان ابن خالها فسألها فأخبرته خبرها” (قصص الأنبياء ص 400 401).
وإذا كان حمل مريم في عيسى وولادتها له بدايات معجزات هذا النبي الكريم فقد كان كلامه الفصيح المعجز وهو في المهد غاية في الإعجاز والشهادة ببراءة أمه عليها السلام فقد قرر هذا الغلام المعجز وحدانية الله عز وجل وعبوديته هو له. كما قرر ما منحه الله من قدرات ومعجزات. ودعا قومه وهو في المهد لعبادة الله الواحد الأحد. ونزهه عن الولد، وقد انتقلت به أمه من موضع ولادته في بيت لحم إلى بيت المقدس.
وذكر وهب بن منبه انه لما ولد عيسى بن مريم عليه السلام خرت الأصنام في مشارق الأرض ومغاربها، وأن الشياطين حارت في سبب ذلك حتى كشف لهم إبليس الكبير أمر عيسى. وكان وهو صبي يأتي بالعجائب إلهاما من الله سبحانه، ففشا ذلك في اليهود. وترعرع عيسى فهمت به بنو إسرائيل فخافت أمه عليه فأوحى الله إلى أمه أن تنطلق به إلى أرض مصر وفي ذلك يقول عز وجل: “وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ” (المؤمنون: 50) وقيل إن هذه الربوة قرب دمشق في بلاد الشام.
وقال إسحاق بن بشر عن إدريس عن وهب بن منبه أن “عيسى عليه السلام لما بلغ ثلاث عشرة سنة أمره الله أن يرجع من بلاد مصر إلى بيت إيليا فقدم عليه يوسف ابن خال أمه فحملهما على حمار حتى جاء بهما إلى إيليا. وأقام بها حتى أحدث الله له الإنجيل وعلمه التوراة، وأعطاه إحياء الموتى وإبراء الأسقام والعلم بالغيوب لما يدخرون في بيوتهم، وتحدث الناس بقدومه وفزعوا لما كان يأتي من العجائب، فجعلوا يعجبون منه فدعاهم إلى الله ففشا فيهم أمره” (قصص الأنبياء ص416). ويروى أن الإنجيل أنزل على عيسى بن مريم عليه السلام في ثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان المعظم، وذكر ابن جرير في تاريخه انه انزل عليه وهو ابن ثلاثين سنة ومكث حتى رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وقيل ابن أربع وثلاثين.
“وقال الثعلبي إن مريم عليها السلام توفيت بعد رفع ولدها عليه السلام بست سنين وكانت مدة حياتها حوالي ستين سنة. ولما ماتت دفنت في بيت المقدس وقبرها يزار هناك الآن”. (“بدائع الزهور في وقائع الدهور” للشيخ محمد بن أحمد بن إياس، ص159) ولقد كانت في مولدها معجزة وفي حياتها قدوة وأسوة حسنة ويكفيها فخراً وعلو مكانة ما وصفها به القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم.
حسام الهوبي
27-12-2007, 12:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
يوكابد أم موسى.. ثقة كاملة بوعد الله
منّ الله سبحانه وتعالى على نبيه موسى بن عمران بمنن عظيمة ونعم جليلة. فنجاه، وهو وليد، من القتل، ثم نجاه من الغم، وصنعه على عينه، واصطفاه لنفسه، ورباه في قلب بيت عدوه، واختصه وأخاه هارون بالرسالة، ثم اختصه هو نفسه بكلامه وبالمعجزات الحسية الكبرى، ثم اختصه بمعاقبة عدوه أشد العقاب في الدنيا والآخرة، وشق له البحر لينجو هو ومن آمنوا معه وأغرق فيه عدوه.
وقص الله عز وجل قصة موسى مرات متكررة في كتابه الكريم. وفي بعض الأحوال وردت القصة مفصلة. وفي أحوال أخرى وردت موجزة، وفي سياق قصة موسى ورد ذكر أم موسى وما منّ الله به عليها من نعم أكثر من مرة، وأم موسى هي يوكابد، وقيل أيارخا، وقيل أياؤخت، بنت هاند. وتنسب إلى لاوي بن يعقوب عليه السلام كما هو مشهور في كتب التاريخ والسير.
وزوجها هو عمران بن فاهت، وينتسب إلى لاوي بن يعقوب عليه السلام، وكان عمران من العاملين في قصر فرعون.
في سورة القصص يقول الله عز وجل: ““طسم. تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ. نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نبَأ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَق لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. إِن فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً منْهُمْ يُذَبحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. وَنُرِيدُ أَن نمُن عَلَى الذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. وَنُمَكنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم ما كَانُوا يَحْذَرُونَ” (القصص 1 6).
وكان فرعون قد طغى وبغى وتجبر وآثر الحياة الدنيا. وأعرض عن طاعة الله وعبادته، وقسّم رعيته إلى أقسام وفرق وأنواع يستضعف طائفة منهم، وهم شعب بني إسرائيل الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله، وكانوا إذ ذاك خيار أهل الأرض. وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر الفاجر يستعبدهم ويستخدمهم في أقسى الصنائع والحرف وكان مع ذلك يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم.
بشرى ورؤيا
وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح “أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما يؤثرونه عن إبراهيم عليه السلام من انه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه. وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل. فتحدث بها المصريون فيما بينهم، ووصلت إلى فرعون فذكرها له بعض أمرائه وخلصائه وهم يسمرون عنده فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل حذرا من وجود هذا الغلام، ولن يغني حذر من قدر”. (قصص الأنبياء لابن كثير الدمشقي: ص 206).
ويروى أن فرعون رأى في منامه كأن نارا أقبلت في نحو بيت المقدس فأحرقت دور مصر ولم تضر بني إسرائيل، فلما استيقظ هاله ذلك فجمع الكهنة والحواة والسحرة وسألهم عن ذلك، فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء يكون هلاك أهل مصر على يديه، فأمر بقتل كل ولد يولد لبني إسرائيل وترك البنات فكانت القابلات والحرس يطوفون بيوت بني إسرائيل يراقبون النساء الحوامل ويتابعون حملهن حتى موعد الولادة، فإن كان المولود ذكرا ذبحوه وإن كانت أنثى تركوها، فقتل ما لا يعد ولا يحصى من ذكور بني إسرائيل، حتى إن المصريين اشتكوا من تناقص عدد بني إسرائيل إلى الحد الذي سيقبلون معه القيام بالأعمال الدنيئة التي كان يقوم بها بنو إسرائيل، فوافق على ذبحهم عاما وتركهم عاما. فولد هارون أخو موسى في عام المسامحة، وحملت أم موسى به في عام الذبح وكانت لا تبدو عليها علامات الحمل حتى موعد الولادة. ومع ذلك أصابها الهمّ حين الحمل وحين الولادة. ولكن العناية الإلهية أعمت أعين القتلة عنها وعن ولدها.
المنّة الإلهية
ثم كانت المنة الإلهية، التي ورد ذكرها في أكثر من موضع في القرآن الكريم حيث يقول الله عز وجل: “وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُم مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَم وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنا رَادوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِين. فالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِن فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِين، وَقَالَتِ امْرَأَة فِرْعَوْنَ قُرة عَيْنٍ لي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُم مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن ربَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُون. وَحَرمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُون. فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمهِ كَيْ تَقَر عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَن وَعْدَ اللهِ حَق وَلَكِن أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون” (القصص 7 13).
وقال سبحانه وتعالى في موضع الإنعام على موسى وأمه: “قَالَ قَدْ أوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى. وَلَقَدْ مَنَنا عَلَيْكَ مَرةً أخْرَى. إِذْ أوْحَيْنَا إِلَى أمكَ مَا يُوحَى. أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَم فَلْيُلْقِهِ الْيَم بِالساحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُو لي وَعَدُو لهُ وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبةً مني وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي. إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أمكَ كَيْ تَقَر عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ) (طه: 36 40).
كانت أم موسى زكية النفس نقية القلب شفيفة الروح، وكانت على دين آبائها يعقوب وإسحاق وإبراهيم، وكانت مهيأة لحمل وولادة نبي من أنبياء الله الصالحين الصديقين، فجاءها الوحي أو الإلهام يطمئن قلبها ويرشدها الى ما تفعله بابنها فإذا خافت عليه وضعته في تابوت خشبي محكم الصنع، وكان بيتها مطلا على النيل، وألقت بالتابوت في النيل وتحتفظ بحبل تربط به التابوت وتجذبه عندما يزول الخطر.
وفي أحد الأيام استشعرت أم موسى الخطر على وليدها فوضعته في التابوت وأنزلت التابوت في مياه النيل ونسيت أن تربط الحبل أو ربطته به لكنه أفلت منها فحملته مياه النيل إلى قصر فرعون “وذكر المفسرون أن الجواري التقطنه من البحر، النيل، فلم يتجاسرن على فتحه حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون، آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف. وقيل إنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى. وقيل بل كانت عمته” (قصص الأنبياء: ص 208).
قرة العين
وكان ما كان من أمر طلب آسية بنت مزاحم من فرعون أن يبقي على موسى ولا يقتله “عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا” وتمنّع فرعون ثم وافق في النهاية وعلى الجانب الآخر انتاب الحزن والغم قلب أم موسى وسيطرا على نفسها وأصبح فؤادها فارغا إلا من الابن الحبيب الغائب حتى كادت تكشف أمره مما كان يعرضه للذبح إن اكتشف فرعون حقيقته، ولكن الله سبحانه الذي اختار موسى لكي يكون من أنبيائه المصطفين الأخيار واختار هذه المرأة تحديدا لكي تكون أمه ربط على قلبها أي بث فيه السكينة والطمأنينة وبشّرها بأنه سوف يعيد لها ابنها ليس لكي يكون مجرد ابن بل ليكون من المرسلين وكما كان قرة عين لامرأة فرعون يكون قرة عين لأمه.
ولكي تتحقق إرادة الله جل وعلا امتنع موسى الوليد عن الرضاعة من أي مرضع أو تلقي أي طعام، فأمرت آسية بالبحث عن مرضع له وفي الوقت نفسه أمرت أم موسى أخته الكبرى، مريم أو كلثم، بأن تتبع أثره وتعرف أخباره وتطمئنها عليه. فعرضت عليهم أن تدلهم على آل بيت يتكفلون به ويحسنون العناية به، قال ابن عباس رضي الله عنهما “لما قالت ذلك قالوا لها ما يدريك بنعمهم وشفقتهم عليه؟ فقالت: رغبة في صهر الملك ورجاء منفعته فأطلقوها، وذهبوا معها إلى منزلهم، فأخذته أمه فلما أرضعته التقم ثديها وأخذ يمتصه، ويرتضعه، ففرحوا بذلك فرحا شديدا وذهب البشير إلى آسية يعلمها بذلك فاستدعتها إلى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها وأن تحسن إليها، فأبت عليها وقالت: إن لي بعلا وأولادا ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي، فأرسلته معها ورتبت لها رواتب وأجرت عليها النفقات والهبات والكساوي فرحبت به تحوزه إلى رجلها وقد جمع الله شمله بشملها”.
وفي رواية أخرى أن أباه عمران مات بعد أربعين يوما من ولادته، وأن أمه عرضت على فرعون فقال لها: أرى لك لبنا غزيرا فهل لك من ولد؟
فقالت: وهل ترك الملك لأحد ولدا؟ فظن أن ولدها قتل مع من قتل، ولم يعلم أنها امرأة عمران، فقالت لها آسية: أحب أن تكوني عندي فأقامت عندها سنتين حتى استغنى، أي موسى، عن الرضاع. فلما همت أمه بالانصراف أمرت لها آسية بحمل من الذهب والثياب الفاخرة وذهبت غنية مستبشرة”.
الصبر على المكاره
وعاشت أم موسى ما شاء الله لها أن تعيش وابنها يعيش بالقرب منها ما شاء الله لها أن تراه وتفرح به وما شاء الله له أن يعيش في قصر عدوه، ويتدرج في مراحل النمو من الطفولة إلى الفتوة والشباب فاكتمال الرشد والتأهيل لما هو قادم من اختبارات متعددة في قصر فرعون وفي غيره حتى نزل عليه الوحي وكلمه الله عز وجل في الوادي المقدس.
وكانت يوكابد أم موسى وزوج عمران “مثلاً صادقاً لكل امرأة تريد أن تستلهم رشدها من ربها عز وجل. وتتلقى منه الأوامر والنواهي بالقبول والطاعة. وتتسلح بالثقة بفضله وحسن التوكل عليه، وتتوقع منه جل شأنه الرحمة في كل وقت، وتعلم علم اليقين أنه أرحم بها من نفسها على نفسها. وتتجمل بالصبر على المكاره، فإن المكاره منح في صورة محن فتشكره عليها ولا تتبرم منها، فأم موسى عليه السلام مرت بظروف صعبة، فتلقتها بالرضا واستعانت بربها على تخطيها بسلام، فمرت بها تلك الظروف مرور الكرام، وتحقق لها وعد الله بنجاة ابنها من خطر لا يتوقع احد له منه نجاة، ورده إليها في عزة وكرامة. وكفله جل شأنه بعنايته ورعايته، وألقى محبته منه في قلب كل من رآه، وهذا جزاء من تزكى وتطهر وصبر وشكر وأسلم أمره كله لخالقه ومولاه، فسلام على أم موسى في العالمين، وسلام على كل نبي مرسل وعلى كل ولي مقرب”.
حسام الهوبي
27-12-2007, 12:51 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
آسية بنت مزاحم.. الإيمان في بيت الكفر
ذكرها القرآن الكريم ذكرا حميدا وشرفها وأعلى قدرها في معرض المقارنة بين النساء المؤمنات الفضليات المتوجهات بعقولهن وقلوبهن وأرواحهن إلى الله عز وجل وبين الضالات الكافرات الخائنات وذلك في قول الله عز وجل: “ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ. وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ”. (التحريم: 10 -12).
إنها آسية بنت مزاحم التي ذكرها القرآن الكريم بالصفة وذكرها النبي صلى الله عليه وسلم بالاسم وزكاها في قوله: “خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران. وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد رسول الله” (رواه مسلم وأحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه).
وفي نسبها تقول المراجع إنها آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان ملكا لمصر في عهد يوسف بن يعقوب عليه السلام: “وهي امرأة صالحة كانت تدين بدين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف عليهم الصلاة والسلام. وكانت تسمى في عصرها (إيست نفرت) ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم سماها آسية. فقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري: “كمل من الرجال كثير. ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران. وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام” (مؤمنات لهن عند الله شأن للدكتور محمد بكر إسماعيل ص 53).
وقد اختلف الباحثون في هوية آسية بنت مزاحم وهل هي التي استقبلت موسى في قصرها وذكرها القرآن الكريم بقول الله عز وجل: “وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً” (القصص: 9). أم هي التي آمنت بموسى حين بعث وفيها يقول الله عز وجل: “وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ” (التحريم: 3) والأرجح أنها هي التي استقبلت موسى وليدا وهي التي أشرفت على تربيته ثم هي التي آمنت به حين بعث.
منام غريب
ويلخص الشيخ محمد بن أحمد بن إياس قصة ميلاد آسية بنت مزاحم وحتى زواجها في قوله: “قال كعب الأحبار إن آسية كان أبوها مزاحم قد تزوج بأمها في الليلة التي اقترن فيها سعد الكواكب بالزهرة فحملت امرأة مزاحم بآسية فرأى مزاحم في منامه، كأن شجرة خضراء خرجت من ظهره، فإذا بغراب قد انقض عليها وقال أنا صاحب هذه الشجرة فانتبه مزاحم وقص ذلك على بعض صلحاء المعبرين -أي المفسرين- فقال: ترزق جارية حسناء صديقة، وتكون عند رجل كافر وترزق الشهادة، فلما ولدت آسية وصار لها من العمر عشرون سنة فإذا هي بطائر مثل الحمامة في فمه درة. فرمى بها في حجر آسية وقال لها: يا آسية خذي هذه الخرزة، فإذا اخضرت فهو أوان تزويجك وإذا احمرت فهو وقت الشهادة.
ثم طار الطائر فأخذت الخرزة وربطتها على عضدها وأخذت في العبادة واشتهر أمرها بالخيرات فوصفت لفرعون، فأحب أن يتزوجها، فخطبها من أبيها، فاغتم أبوها لذلك وقال: “إن ابنتي صغيرة” فكذّبه فرعون فقال مزاحم: اجعل لها مهراً، فأبى فرعون فتلطفوا بفرعون إلى أن أرسل إليها خلعة ومهراً فأبت فتلطفوا بها لأجل مداراة فرعون وقالوا لها: أنت على دينك وهو على دينه. وكان قد أمهرها عشرة آلاف أوقية من الذهب ومثلها من الفضة. وبنى لها قبة عظيمة وجعل لها جواري كثيرة. وأمر بذبح البقر والغنم فلما صارت عند فرعون دخل عليها، وهم بها، فلم يقدر على ذلك وكان هذا حاله معها فرضي بالنظر منها فقط”. (بدائع الزهور في وقائع الدهور: 99 -100).
احتضان موسى
وكان لآسية بنت مزاحم دور عظيم في إنقاذ نبي الله موسى عليه السلام من الذبح وفي احتضانه وتربيته ورعايته حتى بلغ أشده وآتاه الله عز وجل حكما وعلما. ومن ثم كان لها دور في رسالته التي هي رسالة كل الأنبياء وهي الدعوة للتوحيد الخالص، فقد كان بنو إسرائيل يتداولون فيما بينهم رسالة مفادها انه سيظهر من بينهم غلام يكون صاحب رسالة وأن نهاية فرعون سوف تكون على يديه. ثم إن فرعون رأى مناما مفزعا فسره له كهنته على أن غلاما من بني إسرائيل سيظهر وستكون نهايته على يديه فأمر فرعون بذبح كل ذكر يولد لبني إسرائيل. وجند العسس والقوابل للطواف والمرور على بيوت بني إسرائيل ومراقبة كل امرأة حبلى حتى تلد. فإذا ولدت ذكرا ذبحوه وإذا وضعت أنثى تركوها فتناقص عدد بني إسرائيل فاشتكى كهنة فرعون من أنه إذا استمر هذا التناقص فقد يأتي يوم يضطر فيه المصريون إلى القيام بأعمال الخدمة وغيرها من الأعمال الحقيرة التي يقوم بها بنو إسرائيل فقرر أن يتم الذبح عاما ويتوقف عاما.
وحملت يوكابد أم موسى بهارون ووضعته في عام المسامحة من الذبح ثم حملت في موسى في عام الذبح. فضاقت أمه به ذرعا، واحترزت من أول ما حبلت ولم يكن يظهر عليها مخايل الحبل، فلما وضعت ألهمت أن تتخذ له تابوتا فربطته في حبل. وكانت دارها متاخمة للنيل فكانت ترضعه فإذا خشيت من أحد وضعته في التابوت فأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها. فإذا ذهبوا استرجعته إليها به. ولكن قدر الله لابد أن يتم وما قضى الله به لابد أن تجري به الأمور فقد أرسلت التابوت في يوم وذهلت أن تربط طرف الحبل عندها فذهب مع النيل فمر على دار فرعون.
وعد إلهي
وفي الوقت الذي أصيبت فيه أم موسى بالهلع والرعب من فقدها وليدها العزيز أتاها الوحي بأن الله عز وجل سيرده إليها وسوف يجعله نبيا من الصالحين. وحتى يتحقق وعد الله التقطت جواري فرعون التابوت وخشين أن يفتحنه من عقاب سيدتهن آسية بنت مزاحم فحملن إليها التابوت فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية والجلالة الموسوية، فلما رأته ووقع نظرها عليه أحبته حبا شديدا جدا فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟ وأمر بذبحه فاستوهبته منه” (قصص الأنبياء للإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي: ص 206-209).
وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى “وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً” (القصص: 9). فقال لها فرعون: أما لك فنعم وأما لي فلا -أي لا حاجة لي به-. وقد أنالها الله ما رجت من النفع. أما في الدنيا فهداها الله به. وأما في الآخرة فأسكنها الجنة بسببه ذلك أنهما تبنياه لأنه لم يكن لهما ولد.
وبعد إنقاذ حياة موسى الوليد الصغير جاء دور تربيته ورعايته. وذلك لأن موسى عليه السلام لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم يقبل ثديا ولا أخذ طعاما. فحاروا في أمره واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق لعلهم يجدون من توافق على إرضاعه. وبينما هم مجتمعون حوله كانت أخته تراقب عن بعد تنفيذا لأوامر أمها فلما رأت ذلك تقدمت إليهم وعرضت عليهم أن تدلهم على مرضعة وآل بيت يكفلونه، فلما ذهبوا به إلى أمه ودون أن يعلموا أنها أمه أرضعته فإذا هو يتلقمه ويرتضعه. ففرحوا بذلك فرحا شديدا وذهب البشير يعلمها بذلك.
جمع الشمل
استدعت آسية يوكابد أم موسى وعرضت عليها أن تكون عندها وأن تحسن إليها فأبت عليها وقالت: إن لي بعلا وأولادا ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي. فأرسلته معها ورتبت لها رواتب وأجرت عليها النفقات والكساوى والهبات فرجعت به تحوزه إلى رجلها وقد جمع الله شمله بشملها، وهكذا صدق وعد الله عز وجل في البداية وفي النهاية وفي كل وقت. وأسبغ الله عنايته على نبيه موسى عليه السلام. وقد سجل الله تعالى ذلك في قوله تعالى: “قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى، إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى. أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي. إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ” (طه: 36-40).
وكانت آسية بنت مزاحم المؤمنة هي المتكفلة بتربية موسى ورعايته وذلك كله تحت عين الله عز وجل وفي حفظه ورعايته وقوله سبحانه: “ولتصنع على عيني” أي تطعم وترفه وتغذى بأطيب المآكل وتلبس أحسن الملابس بمرأى مني وذلك كله بحفظي لك.
المصدر (http://www.alkhaleej.ae/articles/show_article.cfm?val=446192)
المشرف العام
28-12-2007, 04:12 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
موضوع راااائع يزيد من ثراء المنتدى ويعطينا موسوعة عن هؤلاء تخليداً لذكراهم وتثقيفاً للمتصفحين.
ننتظر إكماله.
بالتوفيق.
حسام الهوبي
29-12-2007, 02:29 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
موضوع راااائع يزيد من ثراء المنتدى ويعطينا موسوعة عن هؤلاء تخليداً لذكراهم وتثقيفاً للمتصفحين.
ننتظر إكماله.
بالتوفيق.
بارك الله فيك بزيارتك ومشاركتك المباركة ، وهذا أقل الواجب أمام أفعال الرجال وهم نساء عسى أن يكن عبرة لغيرهن إن شاء الله .
حسام الهوبي
29-12-2007, 02:50 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
سارة بنت هاران زواج بالوحي وبشارة بالولد
أقدم من ذكرت من النساء في القرآن الكريم هي أمنا حواء أم البشر التي ذكرها القرآن الكريم مقترنة بأبينا آدم عليه السلام ومقترنة بالجنة. وقد برأها القرآن الكريم من تهمة إغواء آدم بالأكل من الشجرة المحرمة، ونسب الإغواء إلى الشيطان، ونسب الاستجابة إلى آدم وحواء معا. ونسب التوبة لهما معا كذلك. وأكد قبول الله عز وجل لهذه التوبة.
وكانت ثانية النساء التي ذكرت في القرآن الكريم في مقام التكريم هي سارة بنت هاران زوج إبراهيم الخليل عليه السلام أبي الأنبياء. وكانت صديقة سليمة الفطرة وهدتها سلامة فطرتها إلى معرفة الله عز وجل والإيمان به. فكانت أول امرأة آمنت بإبراهيم وصدقت برسالته بعد أمه ليونا.
وقد خرج إبراهيم من موطنه في أرض بابل بالعراق وبصحبته سارة وابن أخيه لوط بعد سنوات طويلة من الدعوة إلى الله الواحد الأحد ومحاربة الشرك والكفر وعبادة الأصنام والأوثان والكواكب. وبعد أن تعرض للتعذيب والإلقاء في النار. وحين خرج متوجها إلى أرض حوران في بلاد الشام لم يكن معه إلا قليل من المؤمنين.
تزوج إبراهيم من سارة بنت هاران بوحي من الله عز وجل. واشتغل بالتجارة فصار عنده مال عظيم ثم تعرضت بلاد الشام للجفاف والقحط فقرر إبراهيم عليه السلام أن يشد الرحال إلى مصر لعله يجد فيها أرضا خصبة ترعى فيها أنعامه وتروج تجارته. وهناك تعرض لاختبار وفتنة قاسيين ومحنة تحولت بفضل الله تعالى إلى منحة.
جمال باهر
كانت سارة ذات حسن وجمال وقدّ واعتدال حتى أنه لم يكن في زمانها أجمل منها. فلما دخل بها إلى أرض مصر قيل له: يا إبراهيم إن بمصر ملكا جبارا يحب النساء. وكان من عادته إذا سمع بامرأة جميلة يتزوج بها قهرا. وكان اسم الملك طوطيس. وكان من عادة الملوك السابقة أن يسكنوا في مدينة يقال لها منوف. وكان له حراس يقيمون على الطرقات ليأخذوا العادة من المسافرين وكان إبراهيم قد وضع زوجته سارة في صندوق ليخفيها عن الملك. فلما صار إبراهيم بين أيدي الحراس وأرادوا فتح الصندوق ليروا ما فيه، ولم يقدر إبراهيم على منعهم ففتحوه فإذا بسارة في الصندوق. فحملوها إلى الملك. فقال: من هذه المرأة يا إبراهيم؟ فقال: هي أختي وعني أنها أخته في الخلقة فقال الملك: زوجني إياها. فقال: إنها متزوجة فأخذها الملك قهرا.
فرفع الله تعالى الحجاب عن بصر إبراهيم حتى إنها لم تغب عن معاينته ليطمئن قلبه إذا رجعت إليه. فلما دنا الملك منها وأراد أن يتناولها يبست يده. ثم تاب فانطلقت يده. ثم عاد فمد يده ثانية فيبست يده ورجله فعاد. وقيل إنه تاب وعاد سبع مرات إلى أن تاب توبة صادقة.
كل ذلك وإبراهيم ينظر، وقد كشف الله الحجاب عن بصره. فدعا الملك يا إبراهيم وأحضروه وكرمه وأعطاه زوجته ووهبه جارية تسمى هاجر فتزوجها إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ثم إن إبراهيم خرج من مصر يريد الشام فأقام عند قوم بواد يقال له وادي السبع فأوسع الله عليه الرزق من المال والمواشي (بدائع الزهور في وقائع الدهور للشيخ محمد بن أحمد بن إياس، ص 68 69).
وفي رواية أخرى أن الملك أهدى هاجر لسارة التي فرحت بها، أهدتها بدورها إلى إبراهيم عليه السلام فتزوجها فولدت له إسماعيل عليه السلام. ثم أمر الله إبراهيم عليه السلام بأن يخرج بهاجر وولدها الرضيع إلى مكة ويتركهما هناك. فامتثل إبراهيم لأمره عز وجل وخرج بهما إلى مكة حيث لا ماء ولا زرع ولا أنيس.
وتقول بعض الروايات أيضا إن خروج إبراهيم عليه السلام بهاجر وابنه منها كان بإيعاز من سارة التي شعرت بغيرة شديدة من هاجر. فقد كانت هاجر شابة فتية ولودا بينما كانت سارة عجوزا عقيما لا تلد.
ولكن الرواة العدول ينفون ذلك ويقولون إن سارة امرأة سليمة القلب نقية السريرة لا تدفعها غيرتها إلى مثل هذا، ولا إلى ما هو دونه مما فيه معصية لله تعالى.
وقد أثنى الله عز وجل عليها. وبشرها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. فكيف يتأتى منها هذا وحالها ما قد وصف الله عز وجل في قوله: “رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ” (هود: 73).
ولئن كانت ثمة غيرة فهي من نوع الغيرة المحمودة أو الغبطة التي تعني تمني أن يكون لدى الإنسان مثلما لدى الغير. والأبناء هم أحب ما يشتهى ويتمنى. ولقد كانت الذرية الصالحة مطلب الأنبياء، وطبيعي أن تكون مطلب زوجات الأنبياء. وكان طبيعيا أن تتمنى سارة أن يكون لها ولد من نبي الله إبراهيم عليه السلام. وكان طبيعيا أن تزداد هذه الرغبة وتتضاعف هذه الأمنية بعد أن أنجبت هاجر ولدا هو إسماعيل عليه السلام. وكانت سارة تعاني من العقم الذي منعها من أن تمارس غريزة الأمومة.
معاناة وصبر
وتضاعفت معاناتها مع تقدمها في السن. ولكنها كانت من الصابرين فقد عاشت حياتها مع الخليل إبراهيم عليه السلام وهي صابرة محتسبة. وجاء الوقت الذي قدره الله عز وجل لكي تنال جائزة صبرها واحتسابها. فقد أصاب إبراهيم ثراء عظيما.
وقيل إنه كان أغنى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في المعيشة. وكان لا يأكل إلا مع الأضياف. وكان إذا أمسى المساء ولم يكن عنده ضيف مشى الميل والميلين ليجد من يأكل معه.
وكما كان زواج سارة من إبراهيم عليه السلام بالوحي الإلهي فقد كان حملها وولادتها ببشرى حملها الوحي. وكان إبراهيم عليه السلام قد قارب المائة عام بينما سارة قاربت التسعين عاما وهي سن يستحيل فيها الحمل والولادة. ولكن إرادة الله هي الغالبة. وكان حملها وولادتها من أعاجيب قدرة الله عز وجل. وقد سجل القرآن الكريم هذه البشرى بكلمات خالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وذلك في قوله عز وجل: “وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاماً قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ. فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ. وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ. قَالَتْ يَا وَيْلَتَي أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ. قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ” (هود: 69 73).
حوار مع الملائكة
ولقد تكررت قصة زيارة وفد الملائكة لإبراهيم عليه السلام وقصة البشارة لسارة بالولد في أكثر من سورة من سور القرآن الكريم مما يدل على عظم شأن هذا النبي الكريم وزوجته وعلى عظمة الجائزة التي بشرا بها. يذكر المفسرون أن الرسل الذين جاءوا إلى إبراهيم عليه السلام بالبشرى كانوا ثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل. فلما دخلوا عليه قالوا: سلاما فسلم عليهم بسلام هو أحسن من سلامهم كما يقول النحاة. وأحسن استقبالهم وقدم لهم طعاما شهيا وهو لا يعلم أنهم ملائكة.
كانت سارة حاضرة تشهد الحوار بين نبي الله إبراهيم ووفد الملائكة وتستقبل البشرى ولم تستطع أن تمنع نفسها من الدهشة والعجب الممزوجين بفرحة طاغية. الدهشة والعجب من عجيب صنع الله والفرحة بالبشرى التي جاءت فالماء حين يهطل غزيرا على أرض عطشى تهتز وتربو وتسبح بحمد ربها. في تصوير هذه المشاعر يقول الله عز وجل “فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ. فأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ. قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ” (الذاريات: 28 -30).
ولم تكن البشرى مقتصرة على أنها وهي في هذه السن المتقدمة سوف ترزق ولدا فحسب. بل امتدت إلى ما بعد هذا الولد (إسحاق) لتشمل ولده يعقوب وتمتد من خلالهما سلسلة الأنبياء وهكذا تزداد طمأنينتها ثم جاءتها بشرى أخرى فوق هذه البشرى وهي أن الله عز وجل سيعمهم برحمته وينعم عليهم بالمزيد من بركاته جزاء صبرهما الطويل وشكرهما الدائم (مؤمنات لهن عند الله شأن: ص 22).
لقد كانت قصة سارة بنت هاران حافلة بالاختبارات عاطرة بالعبر والمواعظ: اختبار الدعوة والإيمان بالله الواحد الأحد وسط مناخ عام من الشرك وعبادة الكواكب والأصنام والأوثان. واختبار العقم في أوساط تعتبره معرة وسبة في وجه المرأة وابتلاء الرحيل والهجرة والتعرض لطمع ملك طاغية جبار يطمع في كل امرأة جميلة. وكان الله عز وجل معها في كل موضع فقد نصر دعوته وأعز نبيه. ونجاها من الملك الجبار. ومنّ عليها بالذرية الصالحة جزاء وفاقا على إيمانها وصلاحها وصبرها واحتسابها وصدق الله سبحانه القائل في كتابه الحكيم: “وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ” (فصلت:35).
حسام الهوبي
29-12-2007, 02:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
هاجر أم العرب.. ضيافة الله في البيت الحرام
لا يمكن الحديث عن سارة بنت هارون زوجة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام من دون الحديث عن هاجر زوجة إبراهيم أيضا وأم نبي الله إسماعيل عليه السلام. فقصة كلا المرأتين متصلة اتصالاً وثيقاً بقصة الأخرى. وكلتاهما على صلة بقصة إبراهيم عليه السلام وسيرته الشخصية ودعوته إلى الله عز وجل.
كان إهداء هاجر من قبل الطاغية الجبار فرعون بعد توبته إلى سارة وإهداء هاجر من سارة لإبراهيم عليه السلام وزواجه منها وهجرته بها من الشام إلى مكة وتركها وابنها الرضيع إسماعيل في الوادي غير ذي الزرع، فصلاً في رحلة إبراهيم عليه السلام مع الدعوة. واختباراً للطاعة والصبر والامتثال، ودروساً وعظات لكل من يريد أن يعتبر.
إن فكرة الهجرة من الشام حيث كان إبراهيم وأهله يعيشون في رغد من العيش إلى ذلك المكان المقفر الخالي من الزرع والماء والبشر لا يمكن أن يكون اختيارا بشريا وإنما بوحي. وترك الزوجة وابنها الرضيع في هذا المكان لا يمكن أن يكون إلا اختبارا لعزيمة الأنبياء، وامتحانا للطاعة، وتربية للنفس، ومجاهدة لعوامل الضعف البشري. وقد أطاعت هاجر إبراهيم حين حملها وابنها من الشام. وأطاعته حين تركهما بواد غير ذي زرع عند بيت الله الحرام فأنزل الله بركته عليها وعلى ابنها وذريتها.
لا يضيعهم الله
وفي وصف هذه الرحلة المباركة يقول الشيخ محمد بن أحمد بن إياس: “أوحى الله إلى إبراهيم بألا تخالف سارة. وأمره أن يمضي بهاجر وإسماعيل إلى محل الحرم. وكان إسماعيل طفلا رضيعا. فأركب ابراهيم عليه السلام إسماعيل وأمه على بعير. وأخذ معه سقاية وجرابا فيه دقيق. وسار إلى مكة فأنزلهما في محل الحرم وكان موضع البيت الشريف يومئذ ربوة حمراء. فصنع إبراهيم هناك بيتا من عريش الشجر وترك عندهما السقاية والجراب المملوء دقيقا.
فلما أراد الانصراف عنهما قالت له هاجر: إلى أين تمضي؟ فقال: إلى نحو الشام. قالت: وكيف تذهب وتتركنا في هذا المكان الذي لا نبات به ولا ماء ولا أنيس؟ فما زالت تقول له مراراً، وهو لا يلتفت إليها فقالت له: الله أمرك بهذا؟ فقال لها: نعم فقالت: إذن لا يضيعنا.
ولأن إبراهيم عليه السلام كان ينفذ ما أمره به الوحي فقد كان مصدقاً بقلبه وعقله لما قالته هاجر بلسانها وهو أن الله تعالى لن يضيعها هي وابنها وهو سبحانه القائل: “أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ” (الزمر: 36).
وفي بداية رحلة العودة تاركا زوجه وفلذة كبده وابنه الوحيد في ذلك الوقت في هذا المكان القفر توجه إلى الله وهو يلهج بالدعاء. وسجل القرآن الكريم هذا الدعاء بأكثر من صيغة.
قال الله تعالى في سورة (البقرة: 126) “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَب اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتعُهُ قَلِيلاً ثُم أَضْطَرهُ إِلَى عَذَابِ النارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ”.
وقال سبحانه في سورة (إبراهيم: 35 -37) “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَب اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِي أَن نعْبُدَ الأَصْنَامَ، رَب إِنهُن أَضْلَلْنَ كَثِيراً منَ الناسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنهُ مِني وَمَنْ عَصَانِي فَإِنكَ غَفُورٌ رحِيمٌ، ربنَا إِني أَسْكَنتُ مِن ذُريتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرمِ رَبنَا لِيُقِيمُواْ الصلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً منَ الناسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم منَ الثمَرَاتِ لَعَلهُمْ يَشْكُرُونَ”.
واستجاب الله تعالى لهذا الدعاء وذلك الرجاء ففي هذا المكان القفر الذي يبعث على الوحشة والخوف عاشت هاجر وابنها إسماعيل وهي مطمئنة القلب، ساكنة النفس، واثقة في حماية الله ورعايته. وبعد أيام نفد منها الماء والدقيق. ولم تكن تشغلها نفسها بقدر ما كان يشغلها إطعام وإرواء ابنها الرضيع إسماعيل فمضت تبحث عن الماء.
وطفقت تصعد إلى الصفا بحثا عن الماء فلا تجد إلا سرابا فتذهب إلى المروة وتصعد فلا تجد إلا السراب. وتكرر ذلك سبع مرات وهي تلهج بالدعاء إلى الله عز وجل. ولذلك صار السعي بين الصفا والمروة واجبا من واجبات الحج.
ومن قلب الكرب أتى الفرج ومن بعد العسر جاء اليسر، فبينما هي تعاني ما تعاني من أجل قطرة ماء كان إسماعيل بجوار مكان البيت يبكي تارة ويكف أخرى. وبينما هاجر كذلك سمعت هاتفا يقول لها: ارجعي قد انبع الله لك الماء، فرجعت فوجدت الماء، قد نبع من بين أقدام إسماعيل وهو يفور ويسبح. فقالت هاجر: “زم زم يا مبارك” حتى أمسك عن جريانه فلذلك سميت زمزم. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رحم الله أم إسماعيل لو أنها لم تقل زم زم يا مبارك لكانت زمزم عينا جارية”.
وقد صور النبي صلى الله عليه وسلم هذه المنحة الإلهية أبلغ تصوير وأجمله وذلك فيما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت صه تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت قد أسمعت إن كان عندك غواث أي غوث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه، حتى ظهر الماء فجعلت تخوضه وتقول بيدها هكذا. وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهي تفور بعد ما تغرف”.
بداية العمران
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا” (رواه البخاري) فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعا في الأرض في الرابية ثابتة السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله.
وكانت هذه هي البداية في عمران هذا المكان القفر وفي انتباه الناس إليه وانجذابهم للإقامة حوله وفي الحج إليه في المستقبل استجابة للأمر الإلهي.
“وَأَذن فِي الناسِ بِالْحَج يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُل ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُل فَج عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيامٍ معْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم من بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ” (الحج: 27 - 28) فقد نزلت جماعة من بني خزامة من أولاد جرهم نزلوا بالقرب من مكة فرأوا طيورا قد كثرت فقالوا: إن هذه الطيور لا تنزل إلا على ماء، وهذا المكان قفر لا ماء فيه ولا زرع فجاءوا فدخلوا فوجدوا الماء. فقالوا لها: لمن الماء. فقالت لهم إن الله تعالى خصني به، فقالوا لها: أننزل عندك ونجعل لك نصيبا من مواشينا فقالت لهم: نعم فنزلوا عندها وضربوا حولها المضارب وأقاموا عندها.
وشب إسماعيل عليه السلام عن الطوق، وانتشر بين العرب وتعلم منهم العربية والفروسية وتزوج من بناتهم ورزق الأولاد ولذلك يقال إسماعيل أبو العرب. ومن ثم تكون هاجر هي جدة العرب. وكان إبراهيم عليه السلام يتردد على مكة ليزور هاجر وابنها إسماعيل، وفي إحدى الزيارات رأى إبراهيم عليه السلام ابنه شابا يافعا وفتى قويا فتعلق قلبه به وهنا جاءهما اختبار جديد ومحنة جديدة تحولت إلى منحة إلهية.
فقد رأى إبراهيم في المنام ورؤيا الأنبياء حق أنه يذبح ابنه، فجاءه فأخبره بأمر هذه الرؤيا. فلم يكن من الابن البار والنبي المنتظر إلا أن أجاب بالسمع والطاعة من دون تردد أو وجل. واستعد الاثنان لتنفيذ الرؤيا واضطجع إسماعيل على الأرض واستل إبراهيم السكين وتهيأ لذبح ابنه الحبيب وقلبه منفطر حبا له ورأفة به وإذا بالبشرى تهبط من السماء حاملة كبشا عظيما فداء لإسماعيل. فذبحه إبراهيم وصار هذا الفداء سنة من سنن فريضة الحج وجزءا من احتفال الأمة الإسلامية بعيد الأضحى.
فداء وبشرى
وسجل القرآن الكريم هذه المنحة في قول الله عز وجل: “وَقَالَ إِني ذَاهِبٌ إِلَى رَبي سَيَهْدِينِ، رَب هَبْ لِي مِنَ الصالِحِينَ، فَبَشرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، لَما بَلَغَ مَعَهُ السعْيَ قَالَ يَا بُنَي إِني أَرَى فِي الْمَنَامِ أَني أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللهُ مِنَ الصابِرِينَ. فَلَما أَسْلَمَا وَتَلهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدقْتَ الرؤْيَا إِنا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِن هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ” (الصافات: 99 111).
وفي مستهل شبابه تزوج إسماعيل عليه السلام فتاة من جرهم يقال لها صدا بنت سعد وجاء إبراهيم عليه السلام إلى مكة ليزور زوجته وابنه. وحين ذهب إلى بيت ابنه سأل عنه فلم يجده فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا رزقا، وسألها عن معيشتهم فقالت: نحن في شر وضيق وشدة، فقال: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له أن يغير عتبة بيته. فلما عاد إسماعيل روت له ما حدث ووصفت له الشيخ الذي زارهم فقال: ذلك أبي وقد أمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك وطلقها.
وتزوج إسماعيل فتاة أخرى قيل إنها عاتكة بنت عمرو الجرهمي وقيل إنها شاملة بنت مهلهل. وجاء إبراهيم عليه السلام إلى مكة للحج وزيارة زوجه وابنه، وذهب إلى بيت إسماعيل فلم يجده فسأل زوجه عن أحوالهم قالت: نحن بخير وسعة وحمدت الله واثنت عليه، فقال لها إبراهيم: إذا جاء زوجك فأقرئيه مني السلام وقولي له يثبت عتبة بابه، فلما عاد إسماعيل عليه السلام روت له ما حدث ووصفت له الشيخ، فقال: ذلك أبي وأنت العتبة وقد أمرني أن أمسكك ولحق بأبيه حيث أديا معا مناسك الحج ثم عاد إبراهيم إلى حبرون حيث يقيم مع زوجته سارة.
رفع قواعد البيت
وبعد عدة سنوات عاد إبراهيم الخليل عليه السلام إلى مكة لمناسبة جليلة وأمر عظيم هو بناء البيت الحرام. فالتقى بابنه إسماعيل وأخبره بهدف الزيارة، وتضافر الاثنان لرفع قواعد البيت. فكان إسماعيل يحمل الأحجار التي جاء بها من عدة أماكن وإبراهيم يضعها في مواضعها حتى أتما البناء وفي ذلك يقول الله عز وجل في كتابه العزيز. “وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبنَا تَقَبلْ مِنا إِنكَ أَنتَ السمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُريتِنَا أُمةً مسْلِمَةً لكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنكَ أَنتَ التوابُ الرحِيمُ، رَبنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً منْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكيهِمْ إِنكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ” (البقرة: 127 -129).
ويبلغ إسماعيل سن الأربعين ويبعثه الله عز وجل لنشر دينه ويقوم إسماعيل برحلات في طول جزيرة العرب وعرضها لنشر الدين الحنيف. وإذ هو عائد من رحلة في جنوب شبه الجزيرة ماتت هاجر ودفنت في الحجر بجوار الكعبة المشرفة بعد أن عاشت حياة حافلة بكل ما يرضي الله عز وجل. رضي الله عنها وأرضاها.[/size]
أم حمزه
18-08-2009, 02:10 PM
نساء لم ينسهن التاريخ
محمد بن عبدالعزيز الشمالي
..
.
أم حمزه
18-08-2009, 02:12 PM
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فما أجملها من مواقف تجعلها المرأة الداعية نبراساً لها في سيرها في طريق دعوتها تلك المواقف الصادقة من تلك النساء التي نحتها التاريخ في جبين الدهر لتبقى شاهدة على صدق تلك النوايا.
ونحن في سيرنا في هذا الطريق كم نحتاج إلى قدوات نجعلهم نجوماً نهتدي بها في سماء دعوتنا ليُنيروا لنا الدرب ممن تربوا في مدرسة الدعوة وتعرفوا على جوانبها فعرفوها وساروا بخطىً واثقة فهذه جملة من سير هؤلاء النساء لنسير بسيرهن ونحتذي بحذوهن أحببت أن أجعلها بين يديك أُخيتي المباركة فأقرئي هذه الصفحات وخذي منها الصواب ودعي منها ما جانبه أسال الله لي ولكم التوفيق والسداد والهداية والرشاد وأساله أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله و صحبه أجمعين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
محمد بن عبدالعزيز الشمالي
..
أم حمزه
18-08-2009, 02:17 PM
(*) تطمين الزوج وتثبيته في طريق دعوته
(1) خديجة بنت خويلد رضي الله عنها :
أُخيتي الداعية :
إن من أروع الأمثلة التي ضربت في مواقف النساء الداعيات هو موقف خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلمحينما وقفت مع أعظم الدعاة وإمامهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم في أول بداية الدعوة حين نزول الوحي ذاك الأمر الجديد على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولتتأملي كيف كان تطمينُها للنبيصلى الله عليه وسلم حين جاء فزعاً يرجف فؤاده وليكن هو موقفك مع زوجك في تطمينه في دعوته وتثبيته على طول هذا الطريق فالرجل يحتاج إلى من يكون عوناً له من أهل بيته وإليكِ هذا الخبر :
عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت :(.. فرجع إلى خديجة يرجف فؤاده فدخل فقال زملوني زملوني فزمل فلما سرى عنه قال: يا خديجة لقد أشفقت على نفسي بلاء , لقد أشفقت على نفسي بلاء قالت خديجة: أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصدق الحديث وتصل الرحم وتحمل الكل وتقرئُ الضيف وتعين على نوائب الحق فانطلقت بي خديجة إلى ورقة بن نوفل بن أسد وكان رجلا ًقد تنصر شيخاً أعمى يقرأ الإنجيل بالعربية فقالت له خديجة : أي عم اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة: يا بن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي رأى من ذلك فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل على موسى يا ليتني فيها جذعاً يا ليتني أكون حيًا حين يخرجك قومك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو مخرجي هم قال: نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به قط إلا عودي وأن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا )
عجباً لهذا الموقف من هذه المرأة كيف استطاعت تطمين زوجها وتهدئته والتخفيف عنه حينما ذّكرته بلطف الله عزوجل ثم ذّكرته بصفاته الحسنة ثم بذهابها به إلى من هو أعلم بمثل هذه الأمور وهو ورقة بن نوفل وهو من أحبار النصارى وابن عمٍ لخديجة رضي الله عنها .
..
.
..
أم حمزه
18-08-2009, 02:20 PM
(*)هكذا فليكن صبر الداعية مع زوجها من أهل الدعوة إذا ابتلي
(2) إليا بنت يعقوب زوجة نبي الله أيوب عليه السلام
أُخيتي الداعية :
وأنت تقرئين هذا المقطع تأملي ملياً كيف كان تحمل هذه المرأة وصبرها بعدما كانت من الغنى والنعيم وكيف صبرت على هذه الحال ليس يوماً ولا شهراً ولا سنة بل عدة سنوات تلك هي صفات من تربت في بيت نبوة وحقاً إنه صبر على حالة قد تأنف منها النفوس إلا النفوس الكبار فتأملي :
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:( أن أيوب نبي الله لبث به بلاؤه خمسة عشر سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه قد كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم نعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين فقال له صاحبه وما ذاك قال منذ ثمانية عشر سنة لم يرحمه الله فكشف عنه ما به فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر له ذلك فقال له أيوب لا أدري ما تقول غير أن الله يعلم أني كنت أمر بالرجلين يتنازعان يذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق وكان يخرج لحاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ فلما كان ذات يوم أبطأ عليها فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فاستبطأته فتلقته وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان فلما رأته قالت أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى والله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا قال فإني أنا هو قال وكان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض)
حقاً إنه من أروع أمثلة الصبر حيث صبرت على النبي المبتلى لأنها عاشت معه سنوات من أجمل سنوات العمر فلم تنسها لما كان في أحوج ما يكون إليها وهذا الجزء واضحاً لهما في نهاية الحديث لما شفاه الله وأبدله بقوله تعالى {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ}
..
.
أم حمزه
18-08-2009, 02:23 PM
(*) حقاً إنه أغلى المهور
(3) أم سُليم الرميصاء بنت ملحان الأنصارية الخزرجية أم خادم النبي صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك رضي الله عنه.
أُخيتي الداعية :
لما يتذكر المسلم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في النساء وبركتهن عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :(خَيْرُهُنَّ أَيْسَرُهُنَّ صَدَاقًا) وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) يدرك حقاً أن عظمة المرأة في إيمانها وتقواها ودينها ولنتأمل موقف هذه الصحابية كيف جعلت من الإسلام مهراً لها :
عن أنس قال خطب أبو طلحة أم سليم فقالت :(إني قد آمنت فإن تابعتني تزوجتك) قال: فأنا على مثل ما أنت عليه فتزوجته أم سليم وكان صداقها الإسلام)
ما أروعه من موقف إن جعلنا مفاخرة النساء في طالبي الزواج منهن هو الدين لأن سعادة المرأة هو بزوجها الصالح المعين لها وكم تصدم كثير من الفتيات بمثل هذه الزخارف ثم ما تلبث أن تكون ممن يعض أصابع الندم ولات ساعة مندم فليكن من هذا الموقف لكي أُخيتي الداعية منطلقاً في ترغيب النساء باختيار الكفء من الرجال .
..
.
أم حمزه
18-08-2009, 02:27 PM
(*) تلك مشورة المرأة العاقلة
(4) أم سلمة رضي الله عنها .
أُخيتي الداعية :
كم يحتاج الرجل إلى زوجة عاقلة راجحة عقلٍ يسترشد بمشورتها ويستنير برأيها فما أجمل تلك الصفة حينما تكون في المرأة ولن تكون إلا لمن كان همها وهمتها عالية تناطح السحاب ولنعش مع هذا الموقف العصيب على النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان حاله بتلك المشورة وبذلك الرأي السديد والصائب من راجحة العقل زوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة رضي الله عنها .
لما كان يوم الحديبية وقد أحرم النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة ثم رد بعدم تم الإتفاق في بنود المعاهدة على عدم أداء العمرة في هذه السنة ..فكان هذا الموقف ..:
فَقَامَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقال يا أَيُّهَا الناس انْحَرُوا وَاحْلِقُوا قال فما قام أَحَدٌ قال ثُمَّ عَادَ بِمِثْلِهَا فما قام رَجُلٌ حتى عَادَ بِمِثْلِهَا فما قام رَجُلٌ فَرَجَعَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ على أُمِّ سَلَمَةَ فقال يا أُمَّ سَلَمَةَ ما شَأْنُ النَّاس قالت يا رَسُولَ اللَّهِ قد دَخَلَهُمْ ما قد رَأَيْتَ فَلاَ تُكَلِّمَنَّ منهم إِنْسَاناً وَاعْمِدْ إلى هَدْيِكَ حَيْثُ كان فَانْحَرْهُ وَاحْلِقْ فَلَوْ قد فَعَلْتَ ذلك فَعَلَ الناس ذلك فَخَرَجَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لاَ يُكَلِّمُ أحد حتى أتى هَدْيَهُ فَنَحَرَهُ ثُمَّ جَلَسَ فَحَلَقَ فَقَامَ الناس يَنْحَرُونَ وَيَحْلِقُونَ..)
نِعم المشورة من أم سلمة رضي الله عنها للقائد صلى الله عليه وسلم فقد أصابت مشورتها وعالج بها النبيصلى الله عليه وسلم هذا الموقف , وهذا يذكرنا بالمقولة التي تقول ( ما خاب من استشار ) والمستشار مؤتمن فلم يخب في مشورته وما استشارها صلى الله عليه وسلم إلا لمعرفته برجحان عقلها فالمرأة الداعية من أكثر من يستشار في واقع النساء لأنها عاقلة ومتعلمة فلتكن استشارتنا صائبة ومشوراتنا صادقة .
..
.
أم حمزه
18-08-2009, 02:30 PM
(*) يا لها من مراقبة لله
(5)المرأة الهلالية – جدة عمر بن العزيز
أُخيتي الداعية :
إن من الصعب جداً على النفس أن يطلب أحد الوالدين منك أمراً مخالفاً لشرع الله , ويالها من قوة إيمان أن تنطق بما يخالف المطلوب وبما يرضي الله متذكرة قول الله تعالى {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} ولنتأمل موقف هذه المرأة الداعية التي نطقت بمعنى الإحسان ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ...
يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نهى في خلافته عن مذق اللبن بالماء فخرج ذات ليلة في حواشي المدينة فإذا بامرأة تقول لابنة لها: ألا تمذقين لبنك فقد أصبحت فقالت: الجارية كيف أمذق وقد نهى أمير المؤمنين عن المذق فقالت :قد مذق الناس فامذقي فما يدري أمير المؤمنين فقالت: إن كان عمر لا يعلم فإله عمر يعلم ما كنت لأفعله وقد نهى عنه فوقعت مقالتها من عمر فلما أصبح دعا عاصما ابنه فقال :يا بني اذهب إلى موضع كذا وكذا فاسأل عن الجارية ووصفها له فذهب عاصم فإذا هي جارية من بني هلال فقال له عمر اذهب يا بني فتزوجها فما أحراها أن تأتي بفارس يسود العرب فتزوجها عاصم بن عمر فولدت له أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب فتزوجها عبد العزيز بن مروان بن الحكم فأتت بعمر بن عبد العزيز)
حقاً لقد صدقت فراسة عمر بن الخطاب وأنجبت بنتاً كانت أماً لإمام الزهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز الذي ساد في زمانه العدل وكثر المال وقل الفقراء وسيرته من أعجب السير .
وما أجمل أن يختار الأب زوجة ابنه بعناية تامة فصلاح المرأة نعمت عليها وعلى زوجها
..
.
أم حمزه
18-08-2009, 02:32 PM
الموضوع مأحوذ منموقع صيد الفوائد
.
الله المستعان
.
حسام الهوبي
08-09-2009, 02:15 PM
أختي الكريمة بارك الله فيكِ على حسن نقلك وتنسيقكِ، لتشابه العنوان والمضمون مع اختلاف أسماء الشخصيات تم الدمج
بوركتِ
أم حمزه
09-09-2009, 12:54 PM
أختي الكريمة بارك الله فيكِ على حسن نقلك وتنسيقكِ، لتشابه العنوان والمضمون مع اختلاف أسماء الشخصيات تم الدمج
بوركتِ
جزاك الله خيراً
بارك الله فيك و بك
..
.
Powered by vBulletin™ Version 4.0.2 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir