المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : آداب التفسير



أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:07 AM
د. محمد حسين الصغير


الآداب الفنية للتفسير

|وهي مجموعة الفنون والعلوم والطاقات التي يتذرع بها المفسر لخوض لجج التفسير، فهي أدواته وآلاته، وهي قدراته وملكاته|. وقد أورد السيوطي إختلاف الناس في تفسير القرآن، فهل يجوز لكل أحد الخوض فيه؟ قال قوم: لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن، وإن كان عالماً أديباً متسعاً في معرفة الأدلة والفقه والنحو والأخبار والآثار، وليس له إلا أن ينتهي إلى ما روي عن النبي(ص) في ذلك، ومنهم من قال: يجوز تفسيره لمن كان جامعاً للعلوم التي يحتاج إليها المفسر.
والرأي الأول يقضي بأن يكون التفسير توقيفياً يختص بالنقل عن الأثر النبوي، وهذا يعني حجز الفكر، وإيقاف عملية الاستنباط، وهو معارض بالأثر نفسه؛ قال ابن مسعود: "من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن".
وتثوير القرآن يعني التدبر فيه والتنقير عن معارفه، وفي هذا دعوة إلى الجد والاجتهاد وإعمال الفكر، وجميعها من غير المأثور، وقد ورد عن أبي الدرداء أنه قال: " لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يجعل للقرآن وجوهاً".
الرأي الثاني: وهو القائل بجواز تفسير القرآن مع ملكة الفنون، وقد ذهب إليه جملة من الأوائل.
فيقول الزركشي: "ويجب أن يتحرى في التفسير مطابقة المفسر، وأن يتحرز في ذلك من نقص المفسر عما يحتاج إليه من إيضاح المعنى المفسر، أو أن يكون في ذلك المعنى زيادة لا تليق بالغرض، أو أن يكون في المفسر زيغ عن المعنى المفسر، وعدول عن طريقه حتى يكون غير مناسب له، ولو من بعض أنحائه، بل يجتهد في أن يكون وفقه من جميع الانحاء، وعليه بمراعاة الوضع الحقيقي والمجازي، ومراعاة التأليف، وأن يوافق بين المفردات وتلميح الوقائع، فعند ذلك تنفجر له ينابيع الفوائد".
وقد أورد السيوطي إشتراط جملة من العلوم على المفسر، فمن فسّر القرآن بدونها كان مفسراً بالرأي المنهي عنه، وإذا فسرها مع حصولها لم يكن كذلك، وهذه العلوم هي: اللغة، النحو، التصريف، الاشتقاق، المعاني، البيان، البديع، القراءات، أصول الدين، أصول الفقه، أسباب النزول والقصص، الناسخ، المنسوخ، الفقه، الاحاديث المبينة لتفسير المجمل والمبهم.
وما إشترطه يجب أن يقترن بالذائقة الفنية، وجودة الإختيار، وحسن التأمل والتتبع، ونفاذ البصيرة والقريحة، فيتصرف تصرف الناقد الخبير عند تدافع الاشكالات وتزاحم الايرادات، وتوهم التداخل في النصوص، أو إدعاء التناقض في الآيات كما يزعم ذلك جملة من المبشرين وحفنة من المستشرقين، فينظر النص في دلالة سياقه، والجملة وما يتصل بها من شرط أو خبر او جزاء، وظاهرة التجوز والنقل عن المعاني الأولية إلى المعاني الثانوية، ورد الألفاظ إلى ضدها أو نظيرها أو مرادفها للاستعانة على كشف معانيها، وسبر النص في منطوقه ومفهومه، ووجه الخطاب في لحنه وفحواه، وكل أولئك إمكانات ولفتات لابد من توافرها ليكون عطاء المفسر خصباً، وحديثه مرناً، بعيداً عن الجمود والقوقعة، والاستقلال في الاستنباط.
وهذه العلوم يجب أن تشق طريقها في التفسير مبينة له دون طغيانها عليه، فلا ضرورة لذلك، بل ولا ينبغي أن يكون التفسير مشحوناً بها بمناسبة وغير مناسبة، فيعود مضماراً لها، ويتجنى من خلالها على التفسير، وإنما المفروض أن تكون دلائل وإمارات يتوصل معها إلى فهم القرآن، لا أن تكون كل شيء في تفسير القرآن.
والملاحظ تقارب آراء العلماء في هذا الجانب حتى نقل الخلف عن السلف؛ فالشروط الفنية تكاد تكون واحدة عن الجميع، إلا أنها تتفاوت تأكيداً وإستحساناً. بقي أن نقف مع اللغة والبلاغة وقفة متأنية، لأنهما العلمان اللذان يفتقان ما في القرآن من خصائص ومميزات وإشارات، ولأنهما يقربان المنهج الموضوعي بعيداً عن التأثر الجانبي.
اللغة لم تكن هملاً دون ضوابط، وقيمتها الجمالية ليست مجهولة المعالم، وقد جاء القرآن فكان حدثاً جديداً في تطوير هذه اللغة، يخطط لمستقبلها، ويدعو إلى نموها وصقلها والحفاظ عليها، ومن هنا إتجهت آراء العلماء إلى جعلها لغة علمية يحددها الضبط، وكان النص القرآني حافزاً لهذا الاتجاه فنشأت مدرستان عن ذلك:
الأولى: تقول أن اللغة وفروعها إنما إتسعت للحيطة على القرآن من الألحان فيه، والاحتراز من الوقوع في الخطأ اللفظي أو المعنوية عند تبينه، فيكون عمل اللغة ضابطاً وقائياً للعرب عن اللحن والخطأ، ولغير العرب عن التبديل والتحريف.
والثانية: تقول أن التحقيق في اللغة والضبط لها قد عاد ضرورة لا للاحتراز عن اللحن والخطأ بل لفهم القرآن فهماً أصيلاً بعد أن دخل غير العرب في الاسلام فتكون اللغة هدفاً أساسياً وتعليمياً في وقا واحد لفهم النصوص القرآنية.
وفي كلا الأمرين يبدو للباحث أثر القرآن الكريم في حفظ اللغة، وأثر اللغة في ضبط القرآن، وتحيل النحو الصدارة في هذا المقام من بين علوم اللغة فارتبط بالقرآن من حيث صحة القراءة وشذوذها، واتصل بعلم القراءات المختلفة ووجوه تصحيحها ورفضها، فكان دوره المهم في بيان موقع مفردات القرآن، مضاهياً بل متفوقاً على دور اللغة في التأصيل والاشتقاق، وقد حققا معاً علاقات النظم القرآني وأصول التاليف في ربط ما تقدم من الآيات بما تأخر وبالعكس، وإتحدا في إنجاز معرفة الجذور الأولية للألفاظ وكيفية محلها من الجمل والتراكيب، فاقترنت الظواهر اللغوية بالظواهر الفنية، وإتسع الملحظ النصي لشمول الملحظ الجمالي، وقد شارك هذا في تيسير قراءة القرآن وضبطها على الوجه الأصح والأفصح، وساعد في الكشف عن طاقاته وتأثيرها في النفس الانسانية، فكان شأن النحاة كشأن المعجميين واللغويين من الواعين بهذا إلى تفسير القرآن في حدود اللغة.
ومما تقدم يبدو لنا مدى حاجة المفسر إلى الدراسات التخصيصية الدقيقة، والفنون العلمية المتشعبة التي تمهد له الطريق ليكون عمله في التفسير متسماً بالدقة، وجهوده مقاربة للسداد، فلا تغيب عنه شاردة بالأعراض، ولا يفرّ منه موروث بالتلكؤ، لتلتقي عنده اللغة بالأسلوب، والفكر بالخصائص، والفن بقرائن الأحوال.
وفي هذا الضوء تتحدد مسؤولية المفسر العلمية في ضوء موسوعيته الفنية، فمن لم تتوافر له الامكانات المتعددة في جملة العلوم الاسلامية والعربية وما هو بإطارها وفي سياقها، فإقدامه على التفسير عملية إنتحارية لا مسوّغ لها فناً، كما لا مبرر لها شرعاً، فالعدة والأداة مثلاً زمان لتفسير القرآن العظيم، العدة في العلوم المتعددة، والأداة في الذائقة الفنية التي تضع التأويل موضعه المناسب دون تجوّز أو تزيّد، فلا يدخل فيه ما ليس منه إلا ضرورة، ولا يخرج منه شيء حتى مع الضرورة، لهذا وسواه فالأمر صعب مستصعبٌ، وخوضه إقدام جريء، وقد يقصّر المفسّر حينئذٍ، ولكنه مأجور إن عمل بعلمه المتشعب، وإستخدمه بحسب طاقته في التفسير.
----------------------------------
المصدر : المبادىء العامة لتفسير القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:08 AM
الآداب الموضوعية للتفسير

أن الموضوعية في تفسير القرآن شرط أساسي وليس شرطاً إحترازياً، فهو أساسي لتلقي معاني القرآن كما أرادها الله تعالى، وهو إحترازي من النزوع الى الهوى، والاغراق في الخيال، والتعرض لشطحات الميول، فالملتقي يريد معرفة هذا النص على حقيقته والغوص الى أعماقه، والمفسر الحق هو الباحث الذي يحقق هذه الرغبة الملحة، وينهض بهذه المهمة الصعبة، متطلعاً الى الاسرار القرkآآآآنية ناصعة أنيقة، ليحوز رضا الله تعالى، ويظفر بإقبال الناس، ويبلغ هدفه الأسنى.
وقد يبدو هذا الملحظ - أول الأمر- تعجيزياً وليس الأمر كذلك، فان قيل ما السبيل في تفسير الايات التي يستفيد منها أهل المذاهب أدلتهم وأصول عقائدهم فيجاب: إن سرد ذلك مجرداً عن نزعة التعصب لا يعتبر من هذا الباب، وعرض جميع ذلك باعتباره منبعاً ثراً من منابع التشريع الاسلامي، لايعني جرّ القرآن الى ما ليس منه، بل هو أمر يدعو الى الأعتزاز كونه ثروة علمية تضاف الى التراث،ولكن الأمر يختلف جذرياً اذا سردت الصفحات وسودت الأوراق على أن المراد هذا دون ذاك تنكيلاً بمذهب، أو إعتداداً برأي دون برهان، فهذا ما لا يسمح به أدبياً وموضوعياً في تفسير القرآن العظيم، لأن هذا الملحظ كشف عن مراد نفسه، وتفسير القرآن كشف عن مراد الله تعالى، وهذا لايمانع أن يختار رأياً يمثل وجهة نظره بعد التمحيص وإعمال الفكر والاجتهاد، يؤكد فيه ما يستفيده بالذات دون قطع على الله أن هذا هو المراد دون غيره من كلام الله، واذا تحرج المفسر في هذا الاطار، والتحرج هنا ضرورة قائمة كان ما يتوصل اليه من التفسير دليلاً على الكشف والعرض والبيان، وليس مجالاً للهوى والمذهبية، وبذلك فلا يعد متعدياً لحدود التفسير الموضوعي، وانما يعتبر عارضاً لبعض الوجوه المحتملة دون قطع بأحدها، إذ قد يكون المراد الحقيقي غيرها، الا أنه قد اجتهد ضمن الضوابط والموازين العقلية أو الفنية او اللغوية بإختيار الأفضل، أو بإثبات الأظهر.
وقد تكون هذه المهمة عسيرة لاتتهيأ، وأداؤها صعباً لايركب، وقد يكون الأمر كذلك، ولكن نظرة فاحصية الى ما أصاب المسلمين من الخور والأنهيار تدعو الى ضرورة تعبيد هذا المنهج، وتخفف من وطأة مشاقه ومتاعبه، فقد شجعت لغة الأختلاف المتعمد والهوى المتبع ألسنة المستشرقين وأعداء الاسلام للنيل من كرامة الاسلام وعظمة القرآن، وكان الطريق أمامهم سهلاً وميسراً، إذ إستغلوا هذا الخلاف لنفث سمومهم، ونشر دعاواهم الباطلة ضد الاسلام والمسلمين من جهة، وضد القرآن الكريم من جهة ثانية حتى تجرأ بعضهم فذهب الى القول بتحريف القرآن نتيجة نقطة الضعف هذه في عدم الموضوعية الفكرية للتفسير، وعلى هذا فالالتزام بالموضوعية تنفي هذه الشبه من جهة، وتجعل المفسر خالص العمل لوجهه تعالى من جهة أخرى، وتلخص تفسير القرآن من التبعية من جهة ثالثة، وعند ذاك يجزم المتلقي للتفسير بسلامة قصد المفسر ونبل غايته، فيستقبل ذلك استقبالا تلقائياً يحبب إلى ذائقته القرآن، ويعنيه على الاستجابة الهادفة لأغراضه ومراميه.
إن لغة التهجم والأتهام التي نلمسها في كثير من أقوال المفسرين مع القطع بأنها لا تجدي نفعاً، ولا تغير معتقداً، ولا تثني إنساناً عن رأي يتبناه: فإنها لا تمثل القرآن، وأخلاق القرآن، ولغة القرآن، بل القرآن نفسه يشن حرباً شعواء على هذا النوع من الاسفاف واللامبالاة بشعور الاخرين مخطئين كانوا أو مصيبين، فضلاً عن كونه يدفع بالشباب الى الهروب من حضيرة الدين، والتنكر لمبادئ القرآن، فتحتضنه البدع، وتتلاقفه الضلالات.
ومزية التفسير الموضوعي: أن يلتقي الهدف الديني بالهدف الفني، ففي الوقت الذي نحافظ فيه على جوهر القرآن من التمحل، نحافظ أيضاً على حقيقة اللغة من الضياع، فتتجمع من هذا وذاك قوة متجانسة ترعى القرآن واللغة معاً، وتحوطهما بسياج من التحرز والحفاظ.
لقد سبق في علم الله تعالى شرف اللغة العربية، فشرّف بها نزول القرآن بلغتها، فبقاء العربية منوط ببقاء القرآن، وبقاء القرآن منوط بسلامة تفسيره، وسلامة تفسيره مقترنة بآداب المفسر، وآداب المفسر كما تقتضي الاحاطة والحذر واليقظة والعلم، فكذلك تقتضي الموضوعية، والموضوعية أساس التفسير، وما سوى ذلك فأهواء تتبع، ومذاهب تبتدع.
أن ما يكون بهذا السبيل يمكن إجمال معالجة بالمؤشرات الآتية على سبيل المثال والنموذج لا الحصر والاستقصاء.
--------------------------------------
المصدر : المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:09 AM
الآداب النفسية للتفسير

|والمراد بالآداب النفسية مجموعة الصفات والملكات التي يتنامى بها الكمال الذاتي في تهذيب النفس وصيانتها عن الزيغ والانحراف بحيث يطمئن معها الى الجانب الروحي عند الانسان فضلاً عما يتمتع به من حيطة وحذر، وما يناسب ذلك إصلاح السريرة، ولزوم الطاعة ونقاء الضمير، مما يهيء للنفس التدبر في القرآن، والتفكر في أسراره، من صحة في الاعتقاد، وإخلاص في النية، وتفويض الأمور الى اللّه، وطلب العون منه في مجال المعرفة والكشف والأستزادة العلمية|.
إن ما يكون بهذا السبيل يمكن إجمال معالمه بالمؤشرات الآتية على سبيل المثال والنموذج لا الحصر والاستقصاء.
أ- صحة الاعتقاد:
وهذا أمر ضروري تمليه طبيعة الإيمان بأن القرآن هو الكتاب المنزل على نبيه المرسل دون زيادة أو نقصان، والنظر اليه بمنظور مقدس، ليكون الباحث في مضامينه مفسراً جادّاً، تنبعث عقيدته من داخل النفس الانسانية فيصبح ما يخطه يمينه نابعاً من صميم ضميره، حقيقة لاتقبل جدلاً، وعقيدة لا يداخلها ريب، يعمل بهديها ويستضاء بألقها. أما الغوغائية في التفسير والتي لا تمت الى العقيدة بصلة الوعي الهادف فهي نوع من الهذر والثرثرة يعبر بهما عن ثقافة سطحية تعتمد التحريف تارة، والتضليل تارة أخرى، ويكون همها خلط الحابل بالنابل، وهدفها إلقاء الحبل على الغارب، دون أداء أمانة او تحمل مسؤولية، وهنا يكمن الخطر الهدام الذي يهدد تراث الأمية ويستهدف مجدها الشامخ، لهذا يجب مراعاة ذلك بل مجابهته بالتحرز من كيد المنحرفين، وجملة من شبهات المستشرقين، وكثير من حملات ذوي العاهات النفسية والفكرية ممن يديفون السم بالعسل.
ب- الأخلاص والتفويض:
وإذا كان الاعتقاد خالصاً من كل شائبة، جاء إخلاص النية مكملاً للنفس الانسانية من كل نقيصة، لا سيما اذا إقترن الاخلاص بالتوكل على اللّه والتفويض اليه، بتخليص النفس من الآفات والدواعي، وليتسم العمل بصحة الخاطر والفطرة، ونقاء القلب والسريرة، وأبرز مظاهر ذلك الحريجة في الدين، الورع عن المعاصي، والزهد في الدنيا، والتوجه نحو اللّه في السرّاء والضراء، وهذا ما يهب الانسان من المواهب معيناً لاينضب، فقد ورد في الأثر: «العلم نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء»على أن يكون هذا القلب مجانباً لهواه، متبعاً لأمر مولاه، متفقهاً في الكتاب للّه، يعمل بعلمه، ويعلمه غيره، فعن الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) أنه قال: «من تعلم العلم، وعمل به، وعلم للّه: دعي في ملكوت السماوات عظيماً، فقيل: تعلم للّه وعمل للّه وعلم للّه».
ج- التدبر والتفكر:
التدبر في آيات القرآن، والتفكر بمعانيه ومراميه، من أبرز سمات المفسر الهادف، فكل آيات القرآن تدعو الى التدبر، وكل معانيه تستأهل التفكر، وبهما يستعصم المفسر من الخطأ في التفسير، ويتحرز عن الاسفاف في التقرير، فتكون أحكامه عن بصيرة، وتصدر أراؤه عن دراية، إذ طبيعة التدبر الواعي والتفكر الجاد مصاحبة التأمل واليقظة والترصد، وكل أولئك مؤشرات دقيقة تستفرع الجهد، وتتحكم في الاجتهاد، وإذا استفرغ المفسر جهده، وأقام على الاجتهاد حقائق ما يتوصل اليه، كانت النتائج أكثر أصالة، والآراء أسد تصويباً، ووصل التفسير الى الكشف مراد اللّه.
علم الموهبة:
وقد رجح السيوطي (ت:911) هجري أن يتمتع المفسر نفسياً بعلم الموهبة، وهو ليس من العلوم المكتسبة، ولا من الفنون التعليمية المحصلة، وانما المراد به الفيض الرباني والعلم الديني استناداً الى قوله تعالى: {وعملنهُ من لدنَّا عِلماً} واليه الاشارة بحديث: «من عمل بما علم، ورثه اللّه علم مالم يعلم» وهو بهذا علم يورثه اللّه تعالى لمن عمل بما علم.
ولعل المراد بعلم الموهبة: الايحاءات التي تعترض خاطر الانسان وتحتشد في ذهنه، فيصيبها في تفسيره دون تلقيها من أحد، أو أكتسابها من جهة، بل هي إنقداح بالفكر، وبداهة من الفطرة تشق طريقها الى النفس إستئناساً بشفافيتها ونقائها، ويكون مصدر ذلك حينئذ هو اللّه تعالى بالموهبة والايحاء، لا بالكسب والمعرفة، ولا يتأتى ذلك لكل فرد، ولا يفوز به الا الصفوة المختارة في كل جيل، وملاك ذلك هو الصفاء الروحي والتوجه نحو الله.
------------------------------------------------
المصدر : المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم بين النظرية والتطبيق