مشاهدة النسخة كاملة : خدمة أهل القرآن
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:22 PM
الإخوة والأخوات
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيكم
طلب بعض الإخوة فى المنتديات المشارك بها تفسير بعض الآيات ، وقد أجبت عليها نقلا من كتب التفاسير وسأنشرها لكم لعموم الفائدة.
أحمد سعد الدين - القاهرة
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:23 PM
تفسير الآيات 97-99/الحجر
( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون. فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)
الطبرى
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَكُنْ مّنَ السّاجِدِينَ }.
يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: ولقد نعلـم يا مـحمد أنك يضيق صدرك بـما يقول هؤلاء الـمشركون من قومك من تكذيبهم إياك واستهزائهم بك وبـما جئتهم به, وأن ذلك يُحْرِجك. فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ يقول: فـافزع فـيـما نابك من أمر تكرهه منهم إلـى الشكر لله والثناء علـيه والصلاة, يكفك الله من ذلك ما أهمّك. وهذا نـحو الـخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه كان إذا حزَبَه أمر فَزِع إلـى الصلاة».
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَاعْبُدْ رَبّكَ حَتّىَ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ }.
يقول تعالـى ذكره لنبـيه صلى الله عليه وسلم: واعبد ربك حتـى يأتـيك الـموت, الذي هو مُوقَن به. وقـيـل: يقـين, وهو موقَن به, كما قـيـل: خمر عتـيق, وهي معتّقَة.
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا يحيى بن سعد, عن سفـيان, قال: ثنـي طارق بن عبد الرحمن, عن سالـم بن عبد الله: واعْبُدْ رَبّكَ حتـى يَأْتِـيكَ الـيَقِـينُ قال: الـموت.
حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء, حميعا عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, وحدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا عبد الله, عن ورقاء, جميعا عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, مثله.
حدثنـي عبـاس بن مـحمد, قال: حدثنا حجاج, قال: ابن جريج: أخبرنـي ابن كثـير أنه سمع مـجاهدا يقول: حتـى يَأْتِـيكَ الـيَقِـينُ قال: الـموت.
حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيدُ, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: واعْبُدْ رَبّكَ حتـى يَأْتِـيكَ الـيَقِـينُ قال: يعنـي الـموت.
حدثنا مـحمد بن عبد الأعلـى, قال: حدثنا مـحمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: حتـى يَأْتِـيكَ الـيَقِـينُ قال: الـيقـين: الـموت.
حدثنا الـحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة, مثله.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا سويد بن نصر, قال: أخبرنا ابن الـمبـارك, عن مبـارك بن فضالة, عن الـحسن, فـي قوله: حتـى يَأْتِـيكَ الـيَقِـينُ قال: الـموت.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبـي, عن سفـيان, عن طارق, عن سالـم, مثله.
حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: واعْبُدْ رَبّكَ حتـى يَأْتِـيكَ الـيَقِـينُ قال: الـموت إذا جاءه الـموت جاءه تصديق ما قال الله له وحدّثه من أمر الاَخرة.
حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرنـي يونس بن يزيد, عن ابن شهاب: أن خارجة بن زيد بن ثابت أخبره عن أمّ العلاء امرأة من الأنصار قد بـايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته أنهم اقتسموا الـمهاجرين قُرْعة, قالت: وطار لنا عثمان بن مظعون, فأنزلناه فـي أبـياتنا, فوَجع وجعه الذي مات فـيه. فلـما تُوفّـي وغَسّل وكُفّن فـي أثوابه, دخـل رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقلت: يا عثمان بن مظعون رحمة الله علـيك أبـا السائب, فشهادتـي علـيك لقد أكرمك الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومَا يُدْرِيكَ أنّ اللّهَ أكْرَمَهُ؟» قالت يا رسول الله فَمَهْ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمّا هُوَ فَقَدْ جاءَه الـيَقِـينُ, وَوَاللّهِ إنّـي لأَرْجُو لَهُ الـخَيْرَ».
حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا مالك بن إسماعيـل, قال: حدثنا إبراهيـم بن سعد, قال: حدثنا ابن شهاب, عن خارجة بن زيد, عن أمّ العلاء امرأة عن نسائهم, عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم بنـحوه.
حدثنـي موسى بن عبد الرحمن الـمسروقـي, قال: حدثنا جعفر بن عون, قال: أخبرنا إبراهيـم بن إسماعيـل, عن مـحمد بن شهاب, أن خارجة بن زيد, حدثه عن أمّ العلاء امرأة منهم, عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم, بنـحوه, إلا أنه قال فـي حديثه: فقال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: «أمّا هُوَ فَقَدْ عايَنَ الـيَقِـينَ».
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:24 PM
البغوى
97-وقيل: استهزاؤهم واقتسامهم: هو أن الله عز وجل لما أنزل في القرآن سورة البقرة، وسورة النحل، وسورة النمل، وسورة العنكبوت، كانوا يجتمعون ويقولون استهزاء: هذا في سورة البقرة، ويقول هذا في سورة النحل، ويقول هذا في سورة العنكبوت، فأنزل الله تعالى:"ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون "
98-" فسبح بحمد ربك "،قال ابن عباس: فصل بأمر ربك "وكن من الساجدين" ، من المصلين المتواضعين. وقال الضحاك: "فسبح بحمد ربك": قل سبحان الله وبحمده "وكن من الساجدين" المصلين. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة.
99-"واعبد ربك حتى يأتيك اليقين"، أي الموت الموقن به، وهذا معنى ما ذكر في سورة مريم: "وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا". أخبرنا المطهر بن علي الفارسي، أخبرنا محمد بن إبراهيم الصالحي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ الحافظ، حدثنا أمية بن محمد الصواف البصري، حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا أبي والهيثم بن خارجة قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي مسلم الخولاني عن جبير بن نفير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين". وروي عن عمر رضي الله عنه قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه أهاب كبش قد تنطق به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انظروا إلى هذا الذى قد نور الله قلبه لقد رأيته بين أبويه بغذيانه بأطيب الطعام والشراب، ولقد رأيت عليه حلة شراها، أو شريت له، بمائتي درهم، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترونه". والله أعلم.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:24 PM
الكشاف للزمخشرى
{ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك
حتى يأتيك اليقين {.
{بما يقولون {من أقاويل الطاعنين فيك وفي القرآن {فسبح {فافزع فيما نابك إلى الله والفزع إلى
الله: هو الذكر الدائم وكثرة السجود يكفك ويكشف عنك الغم. ودم على عبادة ربك {حتى
يأتيك اليقين {أي الموت أي ما دمت حياً فلا تخل بالعبادة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة
عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:
من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين
بمحمد صلى الله عليه وسلم.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:25 PM
البيضاوى
ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون من الشرك والطعن في القرآن والإستهزاء بك فسبح بحمد ربك فافزع إلى الله تعالى فيما نابك بلا تسبيح والتحميد يكفك ويكشف الغم عنك أو فنزهه عما يقولون حامدا له على أن هداك للحق وكن من الساجدين من المصلين وعنه عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة وابعد ربك حتى يأتيك اليقين أي الموت فإنه متيقن لحاقه كل حي مخلوق والمعنى فاعبده ما دمت حيا ولا تخل بالعبادة لحظة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين بمحمد صلى الله عليه وسلم والله أعلم
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:26 PM
القرطبى
{ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون}
قوله تعالى: "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك" أي قلبك؛ لأن الصدر محل القلب. "بما يقولون" أي بما تسمعه من تكذيبك ورد قولك، وتنال. ويناله أصحابك من أعدائك.
{فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين}
قوله تعالى: "فسبح بحمد ربك" أي فافزع إلى الصلاة، فهي غاية التسبيح ونهاية التقديس.
قوله تعالى: "وكن من الساجدين" لا خفاء أن غاية القرب في الصلاة حال السجود، كما قال عليه السلام: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأخلصوا الدعاء). ولذلك خص السجود بالذكر
قال ابن العربي: ظن بعض الناس أن المراد بالأمر هنا السجود نفسه، فرأى هذا الموضع محل سجود في القرآن، وقد شاهدت الإمام بمحراب زكريا من البيت المقدس طهره الله، يسجد في هذا الموضع وسجدت معه فيها، ولم يره جماهير العلماء.
قلت: قد ذكر أبو بكر النقاش أن ههنا سجدة عند أبي حذيفة ويمان بن رئاب، ورأى أنها واجبة
{واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}
فيه مسألة واحدة: وهو أن اليقين الموت. أمره بعبادته إذ قصر عباده في خدمته، وأن ذلك يجب عليه. فإن قيل: فما فائدة قوله: "حتى يأتيك اليقين" وكان قوله: "واعبد ربك" كافيا في الأمر بالعبادة. قيل له: الفائدة في هذا أنه لو قال: "واعبد ربك" مطلقا ثم عبده مرة واحدة كان مطيعا؛ وإذا قال "حتى يأتيك اليقين" كان معناه لا تفارق هذا حتى تموت. فإن قيل: كيف قال سبحانه: "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" ولم يقل أبدا؛ فالجواب أن اليقين أبلغ من قوله: أبدا؛ لاحتمال لفظ الأبد للحظة الواحدة ولجميع الأبد. وقد تقدم هذا المعنى. والمراد استمرار العبادة مدة حياته، كما قال العبد الصالح: وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا. ويتركب على هذا أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق أبدا، وقال: نويت يوما أو شهرا كانت عليه الرجعة. ولو قال: طلقتها حياتها لم يراجعها. والدليل على أن اليقين الموت حديث أم العلاء الأنصارية، وكانت من المبايعات، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما عثمان - أعني عثمان بن مظعون - فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به) وذكر الحديث. انفرد بإخراجه البخاري رحمه الله وكان عمر بن عبدالعزيز يقول: ما رأيت يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت ثم لا يستعدون له؛ يعني كأنهم فيه شاكون. وقد قيل: إن اليقين هنا الحق الذي لا ريب فيه من نصرك على أعدائك؛ قال ابن شجرة؛ والأول أصح، وهو قول مجاهد وقتادة والحسن. والله اعلم. وقد روى جبير بن نفير عن أبي مسلم الخولاني أنه سمعه يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين لكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين).
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:26 PM
ابن كثير
وقوله: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين} أي وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك ضيق صدر وانقباض فلا يهيدنك ذلك ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله, وتوكل عليه فإنه كافيك وناصرك عليهم, فاشتغل بذكر الله وتحميده وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة, ولهذا قال: {فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين}. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن نعيم بن همّار أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره» ورواه أبو داود والنسائي من حديث مكحول عن كثير بن مرة بنحوه, ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى.
وقوله: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} قال البخاري: قال سالم: الموت, وسالم هذا هو سالم بن عبد الله بن عمر, كما قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار, حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان, حدثني طارق بن عبد الرحمن عن سالم بن عبد الله {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} قال: الموت, وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره, والدليل على ذلك قوله تعالى إخباراً عن أهل النار أنهم قالوا {لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين} وفي الصحيح من حديث الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت, عن أم العلاء امرأة من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات, قالت أم العلاء: رحمة الله عليك أبا السائب, فشهادتي عليك لقد أكرمك الله, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك أن الله أكرمه ؟» فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله, فمن ؟ فقال: «أما هو فقد جاءه اليقين, وإني لأرجو له الخير» ويستدل بهذه الاَية الكريمة وهي قوله: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتاً, فيصلي بحسب حاله.
كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صل قائماً, فإن لم تستطع فقاعداً, فإن لم تستطع فعلى جنب» ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة, فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم, وهذا كفر وضلال وجهل, فإن الأنبياء عليهم السلام كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته, وما يستحق من التعظيم, وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة, وإنما المراد باليقين ههنا الموت, كما قدمناه, ولله الحمد والمنة, والحمد لله على الهداية وعليه الاستعانة والتوكل, وهو المسؤول أن يتوفانا على أكمل الأحوال وأحسنها, فإنه جواد كريم.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:27 PM
فتح القدير للشوكانى
ثم ذكر تسلية أخرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد التسلية الأولى بكفايته شرهم ودفعه لمكرهم فقال: 97- "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون" من الأقوال الكفرية المتضمنة للطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسحر والجنون والكهانة والكذب، وقد كان يحصل ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقتضى الجبلة البشرية والمزاج الإنساني.
ثم أمره سبحانه بأن يفزع لكشف ما نابه من ضيق الصدر إلى تسبيح الله سبحانه وحمده فقال: 98- "فسبح بحمد ربك" أي متلبساً بحمده: أي افعل التسبيح المتلبس بالحمد "وكن من الساجدين" أي المصلين فإنك إذا فعلت ذلك كشف الله همك وأذهب غمك وشرح صدرك.
ثم أمره بعبادة ربه: أي بالدوام عليها إلى غاية هي قوله: "حتى يأتيك اليقين" أي الموت. قال الواحدي، قال جماعة المفسرين: يعني الموت لأنه موقن به. قال الزجاج المعنى أعبد ربك أبداً، لأنه لو قيل اعبد ربك بغير توقيت لجاز إذا عبد الإنسان مرة أن يكون مطيعاً، فإذا قال حتى يأتيك اليقين، فقد أمره بالإقامة على العبادة أبداً ما دام حياً. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عمر في قوله: "ولقد آتيناك سبعاً من المثاني" قال: السبع المثاني فاتحة الكتاب. وأخرجه سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني وابن مردويه والبيهقي من طرق عن علي بمثله. وأخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود مثله وزاد: والقرآن العظيم سائر القرآن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال: فاتحة الكتاب استثناها الله لأمة محمد، فرفعها في أم الكتاب فادخرها لهم حتى أخرجها ولم يعط أحد قبل، قيل فأين الآية السابعة؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم، وروي عنه نحو هذا من طرق. وأخرج ابن الضريس وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: السبع المثاني فاتحة الكتاب. وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب قال: السبع المثاني الحمد لله رب العالمين. وروي نحو قول هؤلاء الصحابة عن جماعة من التابعين. وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد بن المعلى أنه قال له النبي صلى الله عليه وسلم "ألا أعلمك أفضل سورة قبل أن أخرج من المسجد، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج فذكرت، فقال: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم". وأخرج البخاري أيضاً من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم" فوجب بهذا المصير إلى القوم بأنها فاتحة الكتاب، ولكن تسميتها بذلك لا ينافي تسمية غيرها به كما قدمنا. وأخرج ابن مردويه عن عمر قال في الآية: هي السبع الطوال. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود مثله. وأخرج الفريابي وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال في الآية: هي السبع الطوال. وأخرج الدارمي وابن مردويه عن أبي بن كعب مثله. وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: هي فاتحة الكتاب والسبع الطوال. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: ماثني من القرآن، ألم تسمع لقول الله "الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني". وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: المثاني القرآن يذكر الله القصة الواحدة مراراً. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن زياد بن أبي مريم في الآية قال: أعطيتك سبعة أجزاء: مر، وآنه، وشر، وأنذر، واضرب الأمثال، واعدد النعم، واتل نبأ القرآن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: "لا تمدن عينيك" قال: نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: "أزواجاً منهم" قال: الأغنياء الأمثال والأشباه. وأخرج ابن المنذر عن سفيان بن عيينة قال: من أعطي القرآن فمد عينه إلى شيء مما صغر القرآن فقد خالف القرآن، ألم يستمع إلى قوله: "ولقد آتيناك سبعاً من المثاني" وإلى قوله: "ورزق ربك خير وأبقى" وقد فسر ابن عيينة أيضاً الحديث الصحيح "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" فقال: إن المعنى يستغني به. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: "واخفض جناحك" قال: اخضع. وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله: "كما أنزلنا على المقتسمين" الآية قال: هم أهل الكتاب جزأوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وأخرج ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه قال: عضين فرقاً. وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس أنها نزلت في نفر من قريش كانوا يصدون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة. وأخرج الترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون " قال: عن قول لا إله إلا الله. وأخرجه ابن أبي شيبة والترمذي وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن أنس موقوفاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر مثله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "فاصدع بما تؤمر" فامضه، وفي علي بن أبي طلحة مقال معروف. وأخرج ابن جرير عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفياً حتى نزل "فاصدع بما تؤمر" فخرج هو وأصحابه. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: هذا أمر من الله لنبيه بتبليغ رسالته قومه وجميع من أرسل إليه. وأخرج ابن المنذر عنه "فاصدع بما تؤمر" قال: أعلن بما تؤمر. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم عن ابن عباس "وأعرض عن المشركين" قال: نسخه قوله تعالى: "فاقتلوا المشركين". وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه وأبو نعيم والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: "إنا كفيناك المستهزئين" قال: المستهزئون الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب والحارث بن عيطل السهمي والعاص بن وائل، وذكر قصة هلاكهم. وقد روي هذا عن جماعة من الصحابة مع زيادة في عددهم ونقص، على طول في ذلك. وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والحاكم في التاريخ وابن مردويه والديلمي عن أبي مسلم الخولاني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكن من التاجرين، ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين". وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعاً مثله. وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي الدرداء مرفوعاً نحوه. وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق من طريق عبيد الله بن أبان بن عثمان بن حذيفة ابن أوس الطائفي قال: حدثني أبان بن عثمان عن أبيه عن جده يرفعه مثل حديث أبي مسلم الخولاني. وأخرج ابن أبي شيبة عن سالم بن عبد الله بن عمر "حتى يأتيك اليقين" قال الموت. وأخرج ابن المبارك عن الحسن مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد مثله.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:28 PM
أضواء البيان للشنقيطى
. قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يعلم أن نبيه صلى الله عليه وسلم يضيق صدره بما يقول الكفار فيه: من الطعن والتكذيب، والطعن في القرآن. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر. كقوله: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ}، وقوله: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ
بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ}، وقوله {فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} وقوله: {لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا شيئاً من ذلك من الأنعام. قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ}. أمر جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بأمرين: أحدهما ـ قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}، والثاني ـ قوله: {وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ}.
وقد تكرر تعالى في كتابة الأمر بالشيئين المذكورين في هذه الآية الكريمة، كقوله في الأول: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوٰبَا}، وقوله: {فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا}، وقوله: {فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلاۤبْكَارِ} والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وأصل التسبيح في اللغة: الإبعاد عن السوء. ومعناه في عرف الشرع: تنزيه الله جل وعلا عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله. ومعنى سبح: نزه ربك جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله. وقوله {بِحَمْدِ رَبّكَ} أي في حال كونك متلبساً بحمد ربك، أي بالثناء عليه بجميع ما هو أهله من صفات الكمال والجلال، لأن لفظة {بِحَمْدِ رَبّكَ} أضيفت إلى معرفة فتعم جميع المحامد من كل وصف كمال وجلال ثابت لله جل وعلا. فتستغرق الآية الكريمة الثناء بكل كمال، لأن الكمال يكون بأمرين:
15 أحدهما ـ التخلي عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، وهذا معنى التسبيح.
والثاني ـ التحلي بالفضائل والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد، فتم الثناء بكل كمال.
ولأجل هذا المعنى ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كلمتان خفيفتان على اللِّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرَّحمٰن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، وكقوله في الثاني وهو السجود: {كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب} {وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَٱسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً} وقوله: {وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} ويكثر في القرآن العظيم إطلاق التسبيح على الصلاة.
وقالت جماعة من العلماء: المراد بقوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} أي صل له، وعليه فقوله {وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ} من عطف الخاص على العام والصلاة تتضمن غاية التنزيه ومنتهى التقديس. وعلى كل حال فالمراد بقوله {وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ} أي من المصلين، سواء قلنا إن المراد بالتسبيح الصلاة، أو أعم منها من تنزيه الله عما لا يليق به. ولأجل كون المراد بالسجود الصلاة لم يكن هذا الموضع محل سجدة عند جمهور العلماء. خلافاً لمن زعم أنه موضع سجود.
قال القرطبي في تفسيره: قال ابن العربي: ظن بعض الناس أن المراد بالأمر هنا السجود نفسه، فرآى هذا الموضع محل سجود في القرآن، وقد شاهدت الإمام بمحراب زكريا من البيت المقدس طهره الله يسجد في هذا الموضع، وسجدت معه فيه، ولم يره جماهير العلماء.
قلت: قد ذكر أبو بكر النقاش أن ههنا سجدة عند أبي حذيفة ويمان بن رئاب ورأى أنها واجبة ـ انتهى كلام القرطبي.
وقد تقدم معنى السجود في سورة الرعد. وعلى أن المراد بالتسبيح الصلاة فالمسوغ لهذا الإطناب الذي هو عطف الخاص على العام هو أهمية السجود، لأن أقرب ما يكون العيد من ربه في حال كونه في السجود.
قال مسلم في صحيحه: وحدثنا هارون بن معروف، وعمرو بن سواد قالا: حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء».
تنبيه
اعلم أن ترتيبه جل وعلا الأمر بالتسبيح والسجود على ضيق صدره صلى الله عليه وسلم بسبب ما يقولون له من السوء ـ دليل على أن الصلاة والتسبيح سبب لزوال ذلك المكروه، ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر بادر إلى الصلاة. وقال تعالى: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ}.
ويؤيد هذا ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث نعيم بن همار رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله تعالى: يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره» فينبغي للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله تعالى بأنواع الطاعات من صلاة وغيرها. قوله تعالى: {وَٱعْبُدْ رَبَّكَ}. أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يعبد ربه، أي يتقرب له على وجه الذل والخضوع والمحبة بما أمر أن يتقرب له به من جميع الطاعات على الوجه المشروع. وجل القرآن في تحقيق هذا الأمر الذي هو حظ الإثبات من لا إله إلا الله، مع حظ النفي منها. وقد بين القرآن أن هذا لا ينفع إلا مع تحقيق الجزء الثاني من كلمة التوحيد، الذي هو حظ النفي منها. وهو خلع جميع المعبودات سوى الله تعالى في جميع أنواع العبادات. قال تعالى: {فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}، وقال {فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ}، وقال: {وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً}، وقال {فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ}، وقال: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} والآيات في مثل ذلك كثيرة جداً. قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ}. قالت جماعة من أهل العلم، منهم سالم بن عبد الله بن عمر، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم: اليقين: الموت، ويدل لذلك قوله تعالى: {قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَوَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَوَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَوَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِحَتَّىٰ أَتَـٰنَا ٱلْيَقِينُ} وهو الموت.
ويؤيد هذا ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء (امرأة من الأنصار) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت أُمُّ العلاء: رحمة الله عليك أبا السَّائبٰ فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك أن الله قد أكرمه»؟ فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله فمن يكرمه الله؟ فقال: «أَما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأَرجو له الخير..» الحديث. وهذا الحديث الصحيح يدل على أن اليقين الموت. وقول من قال: إن المراد باليقين انكشاف الحقيقة، وتيقن الواقع لا ينافي ما ذكرنا، لأن الإنسان إذا جاءه الموت ظهرت له الحقيقة يقيناً. ولقد أجاد التهامي في قوله:
والعيش نوم والمنية يقظة والمرء بينهما خيال ساري
وقال صاحب الدر المنثور: أخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، والحاكم في التاريخ، وابن مردويه، والديلمي عن أبي مسلم الخولاني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلي: أن «سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين».
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلي: أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين».
وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي الدرداء رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أوحي إلي أن أكون تاجراً ولا أجمع المال متكاثراً، ولكن أوحي إلي: أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين».
تنبيهان الأول ـ هذه الآية الكريمة تدل على أن الإنسان ما دام حياً وله عقل ثابت يميز به، فالعبادة واجبة عليه بحسب طاقته. فإن لم يستطع الصلاة قائماً فليصل قاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب. وهكذا قال تعالى عن نبيه عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {وَأَوْصَانِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} وقال البخاري في صحيحه «باب إذا لم يطق قاعداً صلى على جنب» وقال عطاء: إن لم يقدر أن يتحول إلى القبلة صلى حيث كان وجهه ـ حدثنا عبدان عن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان قال: حدثني الحسين المكتب، عن بريدة، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: كانت بواسير، فسألت النَّبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: «صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب» اهـ ونحو هذا معلوم. قال تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ}، وقال تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا}، وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم...» الحديث.
التنبيه الثاني ـ اعلم أن ما يفسر به هذه الآية الكريمة بعض الزنادقة الكفرة المدعين للتصوف ـ من أن معنى اليقين المعرفة بالله جل وعلا، وأن الآية تدل على أن العبد إذا وصل من المعرفة بالله إلى تلك الدرجة المعبر عنها باليقين ـ أنه تسقط عنه العبادات والتكاليف. لأن ذلك اليقين هو غاية الأمر بالعبادة.
إن تفسير الآية بهذا كفر بالله وزندقة، وخروج عن ملة الإسلام بإجماع المسلمين. وهذا النوع لا يسمى في الاصطلاح تأويلاً، بل يسمى لعباً كما قدمنا في آل عمران. ومعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم هم وأصحابه هم أعلم الناس بالله، وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع ذلك أكثر الناس عبادة لله جل وعلا، وأشدهم خوفاً منه وطمعاً في رحمته. وقد قال جل وعلا: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} والعلم عند الله تعالى.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:29 PM
التحرير لإبن عاشور
ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون[97] فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين[98] واعبد ربك حتى يأتيك اليقين[99]( لما كان الوعيد مؤذنا بإمهالهم قليلا كما قال تعالى )ومهلهم قليلا( كما دل عليه حرف التنفيس في قوله تعالى )فسوف يعلمون( طمأن الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه مطلع على تحرجه من أذاهم وبهتانهم من أقوال الشرك وأقوال الاستهزاء فأمره بالثبات والتفويض إلى ربه لأن الحكمة في إمهالهم، ولذلك افتتحت الجملة بلام القسم وحرف التحقيق.
وليس المخاطب ممن يداخله الشك في خبر الله تعالى ولكن التحقيق كناية عن الاهتمام بالمخبر وأنه بمحل العناية من الله؛ فالجملة معطوفة على جملة )إنا كفيناك المستهزئين( أو حال.
وضيق الصدر: مجاز عن كدر النفس. وقد تقدم في قوله تعالى )وضائق به صدرك( في سورة هود.
وفرع على جملة )ولقد نعلم( أمره بتسبيح الله تعالى وتنزيهه عما يقولونه من نسبة الشريك، أي عليك بتنزيه ربك فلا يضرك شركهم. على أن التسبيح قد يستعمل في معناه الكنائي مع معناه الأصلي فيفيد الإنكار على المشركين فيما يقولون، أي فاقتصر في دفعهم على إنكار كلامهم. وهذا مثل قوله تعالى )قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا(.
والباء في )بحمد ربك( للمصاحبة. والتقدير: فسبح ربك بحمده؛ فحذف من الأول لدلالة الثاني. وتسبح الله تنزيهه بقول: سبحان الله.
والأمر في )وكن من الساجدين واعبد ربك( مستعملان في طلب الدوام.
و)من الساجدين( أبلغ في الاتصاف بالسجود من )ساجدا( كما تقدم في قوله تعالى )وكونوا مع الصادقين( في سورة براءة، وقوله )قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين( في سورة البقرة ونظائرهما.
والساجدون: هم المصلون. فالمعنى: ودم على الصلاة أنت ومن معك.
وليس هذا موضع سجدة من سجود التلاوة عند أحد من فقهاء المسلمين. وفي تفسير القرطبي عن أبي بكر النقاش أن أبا حذيفة لعله يعني به أبا حذيفة اليمان ابن المغيرة البصري من أصحاب عكرمة وكان منكر الحديث واليمان بن رثاب كذا رأياها سجدة تلاوة واجبة.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:30 PM
السعدى
" ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون " لك من التكذيب والاستهزاء. فنحن قادرون على استئصالهم بالعذاب, والتعجيل لهم بما يستحقونه, ولكن الله يمهلهم ولا يهملهم.
"فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ "
" فـ " أنت يا محمد " سبح بحمد ربك وكن من الساجدين " أي: أكثر من ذكر الله, وتسبيحه, وتحميده, والصلاة, فإن ذلك يوسع الصدر, ويشرحه, ويعينك على أمورك.
"وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ "
" واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " أي: الموت, أي: استمر في جميع الأوقات على التقرب إلى الله بأنواع العبادات. فامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه, فلم يزل دائبا في العبادة, حتى أتاه اليقين من ربه صلى الله عليه وسلم, تسليما كثيرا.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:31 PM
تفسير الآيات 155-157/البقرة
( ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشر الصابرين. الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون).
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:31 PM
الطبرى
الآية : 155
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلَنَبْلُوَنّكُمْ بِشَيْءٍ مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثّمَرَاتِ وَبَشّرِ الصّابِرِينَ }
وهذا إخبـار من الله تعالـى ذكره أتبـاع رسوله صلى الله عليه وسلم أنه مبتلـيهم ومـمتـحنهم بشدائد من الأمور لـيعلـم من يتبع الرسول مـمن ينقلب علـى عقبـيه, كما ابتلاهم فـامتـحنهم بتـحويـل القبلة من بـيت الـمقدس إلـى الكعبة, وكما امتـحن أصفـياءه قبلهم, ووعدهم ذلك فـي آية أخرى فقال لهم: أمْ حَسِبْتُـمْ أنْ تَدْخُـلُوا الـجَنّةَ وَلَـمّا يَأتِكُمْ مَثَلُ الّذِينَ خَـلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسّتْهُمُ البأساءُ والضّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّـى يَقُولَ الرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَـى نَصْرُ اللّهِ ألا إنّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ.
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك كان ابن عبـاس وغيره يقول.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: حدثنـي معاوية, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس قوله: وَلَنَبْلُوَنّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الـخَوْفِ والـجُوعِ ونـحو هذا, قال: أخبر الله الـمؤمنـين أن الدنـيا دار بلاء, وأنه مبتلـيهم فـيها, وأمرهم بـالصبر وبشرهم, فقال: وَبَشّرِ الصّابِرِينَ ثم أخبرهم أنه فعل هكذا بأنبـيائه وصفوته لتطيب أنفسهم, فقال: مَسّتْهُم البَأْسَاءُ والضّرّاءُ وزُلْزِلُوا.
ومعنى قوله: وَلَنَبْلُوَنّكُمْ: ولنـختبرنكم. وقد أتـينا علـى البـيان عن أن معنى الابتلاء الاختبـار فـيـما مضى قبل.
وقوله: بِشَيْءٍ مِنَ الـخَوْفِ يعنـي من الـخوف من العدوّ وبـالـجوع, وهو القحط. يقول: لنـختبرنكم بشيء من خوف ينالكم من عدوّكم وبسَنَة تصيبكم ينالكم فـيها مـجاعة وشدة وتعذر الـمطالب علـيكم فتنقص لذلك أموالكم, وحروب تكون بـينكم وبـين أعدائكم من الكفـار, فـينقص لها عددكم, وموت ذراريكم وأولادكم, وجدوب تـحدث, فتنقص لها ثماركم. كل ذلك امتـحان منـي لكم واختبـار منـي لكم, فـيتبـين صادقوكم فـي إيـمانهم من كاذبـيكم فـيه, ويعرف أهل البصائر فـي دينهم منكم من أهل النفـاق فـيه والشكّ والارتـياب. كل ذلك خطاب منه لأتبـاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. كما:
حدثنـي هارون بن إدريس الكوفـي الأصمّ, قال: حدثنا عبد الرحمَن بن مـحمد الـمـحاربـي, عن عبد الـملك عن عطاء فـي قوله: وَلَنَبْلُوَنّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الـخَوْفِ والـجُوعِ قال: هم أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم.
وإنـما قال تعالـى ذكره: بِشَيْءٍ مِنَ الـخَوْفِ ولـم يقل «بأشياء» لاختلاف أنواع ما أعلـم عبـاده أنه مـمتـحنهم به. فلـما كان ذلك مختلفـا وكانت «مِن» تدلّ علـى أن كل نوع منها مضمر (فـي) شيء وأن معنى ذلك: ولنبلونكم بشيء من الـخوف وبشيء من الـجوع وبشيء من نقص الأموال. اكتفـى بدلالة ذكر الشيء فـي أوله من إعادته مع كل نوع منها. ففعل تعالـى ذكره كل ذلك بهم وامتـحنهم بضروب الـمـحن. كما:
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع فـي قوله: وَلَنَبْلُوَنّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الـخَوْفِ والـجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ والأنْفُسِ والثّمَرَاتِ قال: قد كان ذلك, وسيكون ما هو أشدّ من ذلك. قال الله عند ذلك: وَبَشّرِ الصّابِرِينَ الّذِينَ إذَا أصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنّا لِلّهِ وَإنّا إلَـيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَـيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ الـمُهْتَدُونَ. ثم قال تعالـى ذكره لنبـيه صلى الله عليه وسلم: يا مـحمد بشر الصابرين علـى امتـحانـي بـما أمتـحنهم به, والـحافظين أنفسهم عن التقدم علـى نهيـي عما أنهاهم عنه, والاَخذين أنفسهم بأداء ما أكلفهم من فرائضي مع ابتلائي إياهم بـما ابتلـيتهم به القائلـين إذا أصابتهم مصيبة: إنا لله وإنا إلـيه راجعون. فأمره الله تعالـى ذكره بأن يخصّ بـالبشارة علـى ما يـمتـحنهم به من الشدائد أهل الصبر الذين وصف الله صفتهم. وأصل التبشير: إخبـار الرجل الرجل الـخبر يسرّه أو يسوءه لـم يسبقه به إلـيه غيره.
الآية : 156
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {الّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنّا للّهِ وَإِنّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ }
يعنـي تعالـى ذكره: وبشر يا مـحمد الصابرين, الذين يعلـمون أن جميع ما بهم من نعمة فمنـي, فـيقرّون بعبوديتـي, ويوحدوننـي بـالربوبـية, ويصدّقون بـالـمعاد والرجوع إلـيّ فـيستسلـمون لقضائي, ويرجون ثوابـي ويخافون عقابـي, ويقولون عند امتـحانـي إياهم ببعض مـحنـي, وابتلائي إياهم بـما وعدتهم أن أبتلـيهم به من الـخوف والـجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات وغير ذلك من الـمصائب التـي أنا مـمتـحنهم بها. إنا مـمالـيك ربنا ومعبودنا أحياء ونـحن عبـيده وإنا إلـيه بعد مـماتنا صائرون تسلـيـما لقضائي ورضا بأحكامي.
الآية : 157
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {أُولَـَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ }
يعنـي تعالـى ذكره بقوله: أُولَئِكَ هؤلاء الصابرون الذين وصفهم ونعتهم علـيهم, يعنـي لهم صلوات يعنـي مغفرة. وصلوات الله علـى عبـاده: غفرانه لعبـاده, كالذي رُوي عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللّهُمّ صَلّ علـى آل أبـي أوْفَـى» يعنـي اغفر لهم. وقد بـينا الصلاة وما أصلها فـي غير هذا الـموضع.
وقوله: وَرَحْمَةٌ يعنـي ولهم مع الـمغفرة التـي بها صفح عن ذنوبهم وتغمدها رحمة من الله ورأفة.
ثم أخبر تعالـى ذكره مع الذي ذكر أنه معطيهم علـى اصطبـارهم علـى مـحنه تسلـيـما منهم لقضائه من الـمغفرة والرحمة أنهم هم الـمهتدون الـمصيبون طريق الـحقّ والقائلون ما يرضى عنهم والفـاعلون ما استوجبوا به من الله الـجزيـل من الثواب. وقد بـينا معنى الاهتداء فـيـما مضى فإنه بـمعنى الرشد بـالصواب. وبـمعنى ما قلنا فـي ذلك قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال حدثنـي معاوية بن صالـح, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس فـي قوله: الّذِينَ إذَا أصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنّا لِلّهِ وإنّا إلَـيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَـيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الـمُهْتَدُونَ قال: أخبر الله أن الـمؤمن إذا سلـم الأمر إلـى الله ورجع واسترجع عند الـمصيبة, كتب له ثلاث خصال من الـخير: الصلاة من الله, والرحمة, وتـحقـيق سبـيـل الهدى. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ الـمُصِيبَةِ جَبَرَ اللّهُ مُصِيبَتَهُ, وأحْسَنَ عُقْبَـاهُ, وَجَعَلَ لَهُ خَـلَفـا صَالِـحا يَرْضَاهُ».
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع فـي قوله: أُولَئِكَ عَلَـيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبّهِمْ وَرَحْمَةٌ يقول: الصلوات والرحمة علـى الذين صبروا واسترجعوا.
حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا وكيع, عن سفـيان العصفري, عن سعيد بن جبـير, قال: ما أعطي أحد ما أعطيت هذه الأمة: الّذِينَ إذَا أصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنّا لِلّهِ وإنّا إلَـيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَـيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبّهِمْ وَرَحْمَةٌ ولو أعطيها أحد لأُعطيها يعقوب علـيه السلام, ألـم تسمع إلـى قوله: يا أسَفَـى عَلَـى يُوسُفَ.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:32 PM
البغوى
155. قوله تعالى: " ولنبلونكم " أي ولنختبرنكم يا أمة محمد، واللام لجواب القسم تقديره والله لبيلونكم والابتلاء من الله لإظهار المطيع من العاصي لا ليعلم شيئاً لم يكن عالماً به " بشيء من الخوف " قال ابن عباس يعني خوف العدو " والجوع " يعني القحط " ونقص من الأموال " بالخسران والهلاك " والأنفس " يعني بالقتل والموت وقيل بالمرض والشيب " والثمرات " يعني الجوائح في الثمار وحكي عن الشافعي أنه قال الخوف خوف الله تعالى، والجوع صيام رمضان، ونقص من الأموال أداء الزكاة والصدقات، والأنفس الأمراض، والثمرات موت الأولاد لأن ولد الرجل ثمرة قلبه. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا الحسن بن موسى أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي سنان قال دفنت ابني سناناً وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر فلما أردت الخروج أخذ بيدي فأخرجني فقال: ألا أبشرك؟: حدثني الضحاك بن عزرب عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته أقبضتم ولد عبدي؟ قالوا نعم، قال أقبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا نعم، فماذا قال عبدي؟ قالوا استرجع وحمدك قال: ابنوا له بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد ". " وبشر الصابرين " على البلايا والرزايا، ثم وصفهم فقال:
156. " الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله " عبيداً وملكاً " وإنا إليه راجعون " في الآخرة. أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه اخبرنا محاضر بن المورع أخبرنا سعد بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح أخبرنا مولى أم سلمة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من مصيبة تصيب عبداً فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها "، قالت أم سلمة لما توفي أبو سلمة عزم الله لي فقلت: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها. فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال سعيد بن جبير : ما أعطي أحد في المصيبة ما أعطي هذه الأمة يعني الاسترجاع ولو أعطيها أحد لأعطيها يعقوب عليه السلام ألا تسمع لقوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام " يا أسفى على يوسف " (84-يوسف)
157. " أولئك " أهل هذه الصفة " عليهم صلوات من ربهم ورحمة " صلوات أي رحمة فإن الصلاة من الله الرحمة ورحمة ذكرها الله تأكيداً وجميع الصوات، أي: رحمة بعد رحمة " وأولئك هم المهتدون " إلى الاسترجاع وقيل إلى الحق والصواب وقيل إلى الجنة والثواب، قال عمر رضي الله عنه: نعم العدلان ونعمت العلاوة، فالعدلان الصلاة والرحمة، والعلاوة الهداية. وقد وردت أخبار في ثواب أهل البلاء وأجر الصابرين منها ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن محمد بن الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه قال: سمعت أبا الحباب سعيد بن يسار يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من يرد الله به خيراً يصب منه ". أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن محمد أخبرنا عبد الملك بن عمرو أخبرنا زهير بن محمد عن محمد بن عمرو بن حلحلة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ". أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أنا محمد بن عبيد أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: جاءت امرأة بها لمم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: ادع الله لي أن يشفيني قال " إن شئت دعوت الله أن يشفيك وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك " قالت: بل أصبر ولا حساب علي. أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو سعيد خلف بن عبد الرحمن بن أبي نزار أخبرنا أبو منصور العباس بن الفضل النضروي أخبرنا أحمد بن نجدة أخبرنا يحيى بن عبد الحميد الحماني أخبرنا حماد بن زيد عن عاصم هو ابن أبي النجود عن مصعب بن سعد عن سعد قال: " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشد الناس بلاءً قال: الأنبياء والأمثل فالأمثل يبتلي الله الرجل على حسب دينه فإن الأرض وماله من ذنب ". أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث حدثني يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن سنان عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن عظم الجزاء عند الله مع عظم البلاء فإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط ". أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب ابن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا يزيد بن هارون أحبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة ". أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد عبد الله بن بشران أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تفيئه ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرزة لا تهتز حتى تستحصد ". أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أبي إسحق عن العيزار بن حريث عن عمر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عجب للمؤمن إن أصابه خير حمد الله وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد الله وصبر. فالمؤمن يؤجر في كل أمره حتى يؤجر في اللقمة يرفعها إلى في امرأته ".
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:33 PM
الكشاف للزمخشرى
" ولنبلونكم بشيٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمةٌ وأولئك هم المهتدون "
" ولنبلونكم " ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه من الطاعة وتسلمون لأمر الله وحكمهأم لا " بشيءٍ " بقليل من كل واحد من هذه
البلايا وطرف منه " وبشر الصابرين " المسترجعين عند البلاء لأن الاسترجاع تسليم وإذعان.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه "وروي:أنه طفئ سراج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إنا لله وإنا إليه راجعون " فقيل: أمصيبة هي قال: " نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة " وإنما قلل في قوله: بشيء ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل إليه وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم وإنما وعدهم ذلك قبل كونه ليوطنوا عليه نفوسهم. نقص عطف على شيء أو على شيء أو على الخوف بمعنى: وشيء من نقص الأموال. والخطاب في بشر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه البشارة. وعن الشافعي رحمه الله الخوف: خوف الله.
والجوع: صيام شهر رمضان والنقص من الأموال: الزكوات والصدقات ومن الأنفس: الأمراض ومن الثمرات موت الأولاد. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة: أقبضتم ولد عبدي فيقولون: نعم فيقول: أقبضتم ثمرة قله فيقولون: نعم فيقول الله تعالى: ماذا قال عبدي فيقولون: حمدك واسترجع فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد ". والصلاة: الحنو والتعطف فوضعت موضع الرأفة وجمع بينها وبين الرحمة. كقوله تعالى: " رأفة ورحمة " الحديد: 27." رؤوف رحيم " التوبة: 117. والمعنى: عليهم رأفة بعد رأفة. ورحمة أي رحمة. " وأولئك هم المهتدون " لطريق الصواب حيث استرجعوا وسلموا لأمر الله.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:33 PM
البيضاوى
. ولنبلونكم ولنصيبنكم إصابة من يختبر لأحوالكم هلى تصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء بشئ من الخوف والجوع أي بقليل من ذلك وإنما قلله بالإضافة إلى ما وقاهم منه ليخفف عليهم ويريهم أن رحمته لا تفارقهم أو بالنسبة إلى ما يصيب به معانديهم في الآخرة وإنما أخبرهم به قبل وقوعه ليوطنوا عليه نفوسهم ^ ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ^ عطف شيء أو الخوف وعن الشافعي رضي الله عنه الخوف خوف الله والجوع صوم رمضان والنقص من الأموال الصدقات والزكوات ومن الأنفس الأمراض ومن الثمرات موت الأولاد وعن النبي صلى الله عليه وسلم إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة أقبضتم روح ولد عبدي فيقولون نعم فيقول الله أقبضتم ثمرة
فؤاده فيقولون نعم فيقول الله تعالى ماذا قال عبدي فيقولون حمدك واسترجع فيقول الله ابنو لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد ^ وبشر الصابرين ^ . ^ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ^ الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لمن تتأتى منه البشارة والمصيبة تعم ما يصيب الإنسان من مكروه لقوله عليه الصلاة والسلام كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة وليس وليس الصبر بالاسترجاع باللسان بل به وبالقلب بأن يتصور ما خلق لأجله وأنه راجع إلى ربه ويتذكر نعم الله عليه ليرى أن ما بقي عليه أضعاف ما استرده منه فيهون على نفسه ويستسلم له والمبشر به محذوف دل عليه ^ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ^ الصلاة في الأصل الدعاء ومن الله تعالى التزكية والمغفرة وجمعها للتنبيه على كثرتها وتنوعها والمراد بالرحمة اللطف
والإحسان وعن النبي صلى الله عليه وسلم من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفا صالحا يرضاه ^ وأولئك هم المهتدون ^ للحق والصواب حيث استرجعوا وسلموا لقضاء الله تعالى .
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:34 PM
القرطبى
الآية: 155 {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين}
قوله تعالى: "ولنبلونكم" هذه الواو مفتوحة عند سيبويه لالتقاء الساكنين. وقال غيره: لما ضمت إلى النون الثقيلة بني الفعل فصار بمنزلة خمسة عشر. والبلاء يكون حسنا ويكون سيئا. وأصله المحنة، وقد تقدم. والمعنى لنمتحننكم لنعلم المجاهد والصابر علم معاينة حتى يقع عليه الجزاء، كما تقدم. وقيل: إنما ابتلوا بهذا ليكون آية لمن بعدهم فيعلموا أنهم إنما صبروا على هذا حين وضح لهم الحق. وقيل: أعلمهم بهذا ليكونوا على يقين منه أنه يصيبهم، فيوطنوا أنفسهم عليه فيكونوا أبعد لهم من الجزع، وفيه تعجيل ثواب الله تعالى على العز وتوطين النفس.
قوله تعالى: "بشيء" لفظ مفرد ومعناه الجمع. وقرأ الضحاك "بأشياء" على الجمع. وقرأ الجمهور بالتوحيد، أي بشيء من هذا وشيء من هذا، فاكتفى بالأول إيجازا "من الخوف" أي خوف العدو والفزع في القتال، قاله ابن عباس. وقال الشافعي: هو خوف الله عز وجل. "والجوع" يعني المجاعة بالجدب والقحط، في قول ابن عباس. وقال الشافعي: هو الجوع في شهر رمضان. "ونقص من الأموال بسبب الاشتغال بقتال الكفار. وقيل: بالجوائح المتلفة. وقال الشافعي: بالزكاة المفروضة. "والأنفس" قال ابن عباس: بالقتل والموت في الجهاد. وقال الشافعي: يعني بالأمراض. "والثمرات" قال الشافعي: المراد موت الأولاد، وولد الرجل ثمرة قلبه، كما جاء في الخبر، على ما يأتي. وقال ابن عباس: المراد قلة النبات وانقطاع البركات.
قوله تعالى: "وبشر الصابرين" أي بالثواب على الصبر. والصبر أصله الحبس، وثوابه غير مقدر، وقد تقدم. لكن لا يكون ذلك إلا بالصبر عند الصدمة الأولى، كما روى البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى). وأخرجه مسلم أتم منه، أي إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها، فإنه يدل على قوة القلب وتثبته في مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك، ولذلك قيل: يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بد للأحمق منه بعد ثلاث. وقال سهل بن عبدالله التستري: لما قال تعالى: "وبشر الصابرين" صار الصبر عيشا. والصبر صبران: صبر عن معصية الله، فهذا مجاهد، وصبر على طاعة الله، فهذا عابد. فإذا صبر عن معصية الله وصبر على طاعة الله أورثه الله الرضا بقضائه، وعلامة الرضا سكون القلب بما ورد على النفس من المكروهات والمحبوبات. وقال الخواص: الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة. وقال رويم: الصبر ترك الشكوى. وقال ذو النون المصري: الصبر هو الاستعانة بالله تعالى. وقال الأستاذ أبو علي: الصبر حدة ألا تعترض على التقدير، فأما إظهار البلوى على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر، قال الله تعالى في قصة أيوب: "إنا وجدناه صابرا نعم العبد" [ص: 44] مع أخبر عنه أنه قال: "مسني الضر" [الأنبياء: 83].
الآيتان: 156 - 157 {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}
قوله تعالى: "مصيبة" المصيبة: كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه، يقال: أصابه إصابة ومصابة ومصابا. والمصيبة واحدة المصائب. والمصوبة (بضم الصاد) مثل المصيبة. وأجمعت العرب على همز المصائب، وأصله الواو، كأنهم شبهوا الأصلي بالزائد، ويجمع على مصاوب، وهو الأصل. والمصاب الإصابة، قال الشاعر:
أسليم إن مصابكم رجلا أهدى السلام تحية ظلم
وصاب السهم القرطاس يصيب صيبا، لغة في أصابه. والمصيبة: النكبة ينكبها الإنسان وإن صغرت، وتستعمل في الشر، روى عكرمة أن مصباح رسول الله صلى الله عليه وسلم انطفأ ذات ليلة فقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون" فقيل: أمصيبة هي يا رسول الله؟ قال: (نعم كل ما آذى المؤمن فهو مصيبة).
قلت: هذا ثابت معناه في الصحيح، خرج مسلم عن أبي سعيد وعن أبي هريرة رضي الله عنهما أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته).
خرج ابن ماجة في سننه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن هشام ابن زياد عن أمه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث استرجاعا وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب).
من أعظم المصائب المصيبة في الدين، ذكر أبو عمر عن الفريابي قال حدثنا فطر بن خليفة حدثنا عطاء بن أبي رباح قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي فإنها من أعظم المصائب). أخرجه السمرقندي أبو محمد في مسنده، أخبرنا أبو نعيم قال: أنبأنا فطر...، فذكر مثله سواء. وأسند مثله عن مكحول مرسلا. قال أبو عمر: وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة، انقطع الوحي وماتت النبوة. وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه. قال أبو سعيد: ما نفضنا أيدينا من التراب من قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا. ولقد أحسن أبو العتاهية في نظمه معنى هذا الحديث حيث يقول:
اصبر لكل مصيبة وتجلد واعلم بأن المرء غير مخلد
أو ما ترى أن المصائب جمة وترى المنية للعباد بمرصد
من لم يصب ممن ترى بمصيبة؟ هذا سبيل لست فيه بأوحد
فإذا ذكرت محمدا ومصابه فاذكر مصابك بالنبي محمد
قوله تعالى: "قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون" جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتحنين: لما جمعت من المعاني المباركة، فإن قوله: "إنا لله" توحيد وإقرار بالعبودية والملك. وقوله: "وإنا إليه راجعون" إقرار بالهلك على أنفسنا والبعث من قبورنا، واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: لم تعط هذه الكلمات نبيا قبل نبينا، ولو عرفها يعقوب لما قال: يا أسفي على يوسف.
قال أبو سنان: دفنت ابني سنانا، وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر، فلما أردت الخروج أخذ بيدي فأنشطني وقال: ألا أبشرك يا أبا سنان، حدثني الضحاك عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته أقبضتم ولد عبدي فيقولون نعم فيقول أقبضتم ثمرة فؤاده فيقولون نعم فيقول فماذا قال عبدي فيقولون حمدك واسترجع فيقول الله تعالى ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد). وروى مسلم عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله عز وجل إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا منها). فهذا تنبيه على قوله تعالى: "وبشر الصابرين" [البقرة: 155] إما بالخلف كما أخلف الله لأم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه تزوجها لما مات أبو سلمة زوجها. وإما بالثواب الجزيل، كما في حديث أبي موسى، وقد يكون بهما.
قوله تعالى: "أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة" هذه نعم من الله عز وجل على الصابرين المسترجعين. وصلاة الله على عبده: عفوه ورحمته وبركته وتشريفه إياه في الدنيا والآخرة. وقال الزجاج: الصلاة من الله عز وجل الغفران والثناء الحسن. ومن هذا الصلاة على الميت إنما هو الثناء عليه والدعاء له، وكرر الرحمة لما اختلف اللفظ تأكيدا وإشباعا للمعنى، كما قال: "من البينات والهدى" [البقرة: 159]، وقوله "أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم" [الزخرف: 80]. وقال الشاعر:
صلى على يحيى وأشياعه رب كريم وشفيع مطاع
وقيل: أراد بالرحمة كشف الكربة وقضاء الحاجة. وفي البخاري وقال عمر رضي الله عنه: نعم العدلان ونعم العلاوة: "الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون". أراد بالعدلين الصلاة والرحمة، وبالعلاوة الاهتداء. قيل: إلى استحقاق الثواب وإجزال الأجر، وقيل: إلى تسهيل المصائب وتخفيف الحزن.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:35 PM
ابن كثير
وَلَنَبْلُوَنّكُمْ بِشَيْءٍ مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثّمَرَاتِ وَبَشّرِ الصّابِرِينَ * الّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنّا للّهِ وَإِنّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
أخبرنا تعالى أنه يبتلي عباده, أي يختبرهم ويمتحنهم كما قال تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} فتارة بالسراء وتارة بالضراء من خوف وجوع كما قال تعالى: {فأذاقها الله لباس الجوع والخوف} فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه, ولهذا قال لباس الجوع والخوف. وقال ههنا: {بشيء من الخوف والجوع} أي بقليل من ذلك {ونقص من الأموال} أي ذهاب بعضها {والأنفس} كموت الأصحاب والأقارب والأحباب {والثمرات} أي لا تغل الحدائق والمزارع كعادتها. قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة, وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده فمن صبر أثابه ومن قنط أحل به عقابه, ولهذا قال تعالى: {وبشر الصابرين} وقد حكى بعض المفسرين أن المراد من الخوف ههنا خوف الله, وبالجوع صيام رمضان, وبنقص الأموال الزكاة, والأنفس الأمراض, والثمرات الأولاد, وفي هذا نظر, والله أعلم, ثم بين تعالى من الصابرون الذين شكرهم فقال: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} أي تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم وعلموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء, وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده وأنهم إليه راجعون في الدار الاَخرة. ولهذا أخبر تعالى عما أعطاهم على ذلك, فقال: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} أي ثناء من الله عليهم. قال سعيد بن جبير: أي أمنة من العذاب {وأولئك هم المهتدون} قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: نعم العدلان ونعمت العلاوة {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} فهذان العدلان {وأولئك هم المهتدون} فهذه العلاوة وهي ما توضع بين العدلين وهي زيادة في الحمل فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضاً.
وقد ورد في ثواب الاسترجاع وهو قول {إنا لله وإنا إليه راجعون} عند المصائب أحاديث كثيرة. فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا يونس بن محمد حدثنا ليث يعني ابن سعد عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد عن عمرو بن أبي عمرو, عن المطلب عن أم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يوماً من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً سررت به. قال: «لا يصيب أحداً من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها, إلا فعل ذلك به», قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه, فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها, ثم رجعت إلى نفسي, فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة ؟ فلما انقضت عدتي استأذن عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أدبغ إهاباً لي فغسلت يدي من القرظ وأذنت له, فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف فقعد عليها فخطبني إلى نفسي, فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله ما بي أن لا يكون بك الرغبة, لكني امرأة في غيرة شديدة فأخاف أن ترى مني شيئاً يعذبني الله به, وأنا امرأة قد دخلت في السن وأنا ذات عيال, فقال: «أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها الله عز وجل عنك وأما ما ذكرت من السن قد أصابني مثل الذي أصابك وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي». قالت: فقد سلمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيراً منه: رسول الله صلى الله عليه وسلم, وفي صحيح مسلم عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: {إنا لله وإنا إليه راجعون} اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها» قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت: كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخلف الله لي خيراً منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد وعباد بن عباد قالا: حدثنا هشام بن أبي هشام حدثنا عباد بن زياد عن أمه عن فاطمة ابنة الحسين عن أبيها الحسين بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها ـ وقال عباد قدم عهدها ـ فيحدث لذلك استرجاعاً إلا جدد الله له عن ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب». ورواه ابن ماجه في سننه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن هشام بن زياد عن أمه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها. وقد رواه إسماعيل بن علية ويزيد بن هارون عن هشام بن زياد عن أبيه (كذا) عن فاطمة عن أبيها. وقال الإمام أحمد أنا يحيى بن إسحاق السيلحيني أنا حماد بن سلمة عن أبي سنان قال: دفنت ابناً لي فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة يعني الخولاني فأخرجني وقال لي: ألا أبشرك ؟ قلت: بلى. قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عوزب عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قال الله: يا ملك الموت قبضت ولد عبدي ؟ قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده ؟ قال: نعم. قال: فما قال ؟ قال: حمدك واسترجع. قال: «ابنو له بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد»
ثم رواه عن علي بن إسحاق عن عبد الله بن المبارك فذكره. وهكذا رواه الترمذي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك به, وقال حسن غريب واسم أبي سنان عيسى بن سنان.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:36 PM
الدر المنثور للسيوطى
قوله تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله {ولنبلونكم...} الآية. قال: أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار بلاء، وأنه مبتليهم فيها وأمرهم بالصبر، وبشرهم فقال {وبشر الصابرين}. وأخبر أن المؤمن إذا سلم لأمر الله ورجع واسترجع عند المصيبة كتب الله له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله، والرحمة، وتحقيق سبل الهدى. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفا صالحا يرضاه".
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء في قوله {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع} قال: هم أصحاب محمد عليه السلام.
وأخرج سفيان بن عينية وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن جويبر قال: كتب رجل إلى الضحاك يسأله عن هذه الآية {إنا لله وإنا إليه راجعون} أخاصة هي أم عامة؟ فقال: هي لمن أخذ بالتقوى، وأدى الفرائض.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {لنبلونكم} قال: ولنبتليكم يعني المؤمنين {وبشر الصابرين} قال: على أمر الله في المصائب، يعني بشرهم بالجنة {أولئك عليهم} يعني على من صبر على أمر الله عند المصيبة {صلوات} يعني مغفرة {من ربهم ورحمة} يعني رحمة لهم وأمنة من العذاب {وأولئك هم المهتدون} يعني من المهتدين بالاسترجاع عند المصيبة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن رجاء بن حيوة في قوله: ونقص من الثمرات. قال: يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة فيه إلا تمرة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق رجاء بن حيوة عن كعب. مثله.
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم"أعطيت أمتي شيئا لم يعطه أحد من الأمم، أن يقولوا عند المصيبة {إنا لله وإنا إليه راجعون} ".
وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن جبير قال: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة شيئا لم تعطه الأنبياء من قبلهم، ولو أعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب إذ يقول: يا أسفي على يوسف {إنا لله وإنا إليه راجعون} لفظ البيهقي قال: لم يعط أحد من الأمم الاسترجاع غير هذه الأمة، أما سمعت قول يعقوب؟: يا أسفي على يوسف.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} قال: من استطاع أن يستوجب لله في مصيبته ثلاثا الصلاة والرحمة والهدى فليفعل ولا قوة إلا بالله، فإنه من استوجب على الله حقا بحق أحقه الله له، ووجد الله وفيا.
وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب العزاء وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن عمر بن الخطاب قال: نعم العدلان ونعم العلاوة {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} نعم العدلان {وأولئك هم المهتدون} نعم العلاوة.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله ابن عمرو قال: أربع من كن فيه بنى الله له بيتا في الجنة: من كان عصمة أمره لا إله إلا الله، وإذا أصابته مصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا أعطي شيئا قال: الحمد لله، وإذا أذنب ذنبا قال: استغفر الله.
وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلثمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض".
وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن يونس بن يزيد قال: سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن ما منتهى الصبر؟ قال: يكون يوم تصبيه المصيبة مثله قبل أن تصيبه.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الاعتبار عن عمر بن عبد العزيز. أن سليمان بن عبد الملك قال له عند موت ابنه: أيصبر المؤمن حتى لا يجد لمصيبته ألما؟ قال: يا أمير المؤمنين لا يستوي عندك ما تحب وما تكره، ولكن الصبر معول المؤمن.
وأخرج أحمد وابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان عن الحسين بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ما من مسلم يصلب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها، فيحدث لذلك استرجاعا إلا جدد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب".
وأخرج سعيد بن منصور والعقيلي في الضعفاء من حديث عائشة. مثله.
وأخرج الحكيم الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"ما من نعمة وإن تقادم عهدها فيجدد لها العبد الحمد إلا جدد الله له ثوابها، وما من مصيبة وإن تقادم عهدها فيجدد لها العبد الاسترجاع إلا جدد الله له ثوابها وأجرها".
وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن سعيد بن المسيب رفعه"من استرجع بعد أربعين سنة أعطاه الله ثواب مصيبته يوم أصيبها".
وأخرج ابن أبي الدنيا عن كعب قال: ما من رجل تصيبه مصيبة فيذكرها بعد أربعين سنة فيسترجع إلا أجرى الله له أجرها تلك الساعة، كما أنه لو استرجع يوم أصيب.
وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن أم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا سررت به قال "لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا فعل ذلك به. قالت: أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت، فقلت: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها، ثم رجعت إلى نفسي وقلت من أين لي خير من أبي سلمة؟ فأبدلني الله بأبي سلمة خيرا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وأخرج مسلم عن أم سلمة قالت"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها. قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخلف الله لي خيرا منه، رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله، ابنوا لعبدي بيتا في الجنة، وسموه بيت الحمد".
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إن للموت فزعا، فإذا أتى أحدكم وفاة أخيه فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون وإنا إلى ربنا لمنقلبون".
وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن أبي بكر بن أبي مريم سمعت أشياخا يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن أهل المصيبة لتنزل بهم فيجزعون وتسور عنهم فيمر بها مار من الناس، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فيكون فيها أعظم أجرا من أهلها".
وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن أبي أمامة قال "انقطع قبال (قبال: زمام النعل) النبي صلى الله عليه وسلم فاسترجع فقالوا: مصيبة يا رسول الله؟ فقال: ما أصاب المؤمن مما يكره فهو مصيبة".
وأخرج البزار بسند ضعيف والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا انقطع شسع (زمام النعل بين الأصبع الوسطى والتي تليها) أحدكم فليسترجع لأنها من المصائب".
وأخرج البزار بسند ضعيف عن شداد بن أوس مرفوعا. مثله.
وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن شهر بن حوشب رفعه قال "من انقطع شسعه فليقل إنا لله وإنا إليه راجعون، فإنها مصيبة".
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن عوف بن عبد الله قال: من انقطع شسعه فليقل إنا لله وإنا إليه راجعون، فإنها مصيبة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن عوف بن عبد الله قال: كان ابن مسعود يمشي فانقطع شسعه فاسترجع فقيل: يسترجع على مثل هذا؟ قال: مصيبة.
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وهناد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان عن عمر بن الخطاب. أنه انقطع شسعه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقيل له: مالك؟! فقال: انقطع شسعي فسائني، وما ساءك فهو لك مصيبة.
وأخرج ابن أبي الدنيا في الأمل والديلمي عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا اتخذ قبالا من حديد فقال: أما أنت أطلت الأمل، إن أحدكم إذا انقطع شسعه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون كان عليه من ربه الصلاة والهدى والرحمة، وذلك خير له من الدنيا".
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في العزاء عن عكرمة قال "طفئ سراج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقيل: يا رسول الله أ مصيبة هي؟ قال: نعم، وكل ما يؤذي المؤمن فهو مصيبة له وأجر".
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد العزيز بن أبي رواد قال "بلغني أن المصباح طفئ فاسترجع النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل ما ساءك مصيبة".
وأخرج الطبراني وسمويه في فوائده عن أبي أمامة قال "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقطع شسع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال له رجل: هذا الشسع؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها مصيبة".
وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة عن أبي إدريس الخولاني قال "بينا النبي صلى الله عليه وسلم يمشي هو وأصحابه إذ انقطع شسعه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال: ومصيبة هي؟! قال: نعم، كل شيء ساء المؤمن فهو مصيبة".
وأخرج الديلمي عن عائشة قالت"أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لدغته شوكة في إبهامه، فجعل يسترجع منها ويمسحها، فلما سمعت استرجاعه دنوت منه فنظرت!، فإذا أثر حقير فضحكت!، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أكل هذا الاسترجاع من أجل هذه الشوكة؟! فتبسم ثم ضرب على منكبي فقال: يا عائشة إن الله عز وجل إذا أراد أن يجعل الصغير كبيرا جعله، وإذا أراد أن يجعل الكبير صغيرا جعله".
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: إذا فاتتك صلاة في جماعة فاسترجع، فإنها مصيبة.
وأخرج عبد بن حميد عن سواد بن داود. أن سعيد بن المسيب جاء وقد فاتته الصلاة في الجماعة، فاسترجع حتى سمع صوته خارجا من المسجد.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الصبر عند الصدمة الأولى، والعبرة لا يملكها ابن آدم صبابة المرء إلى أخيه".
وأخرج ابن سعد عن خيثمة قال: لما جاء عبد الله بن مسعود نعي أخيه عتبة دمعت عيناه فقال: إن هذه رحمة جعلها الله لا يملكها ابن آدم.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة تبكي على صبي لها فقال لها: اتقي الله واصبري. فقالت: وما تبالي أنت مصيبتي؟ فلما ذهب قيل له: إنه رسول الله، فأخذها مثل الموت، فأتت بابه فلم تجد عليه بوابين فقالت: لم أعرفك يا رسول الله! فقال: إنما الصبر عند أول صدمة".
وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أيما مسلمين مضى لهما ثلاثة من أولادهما لم يبلغوا حنثا كانوا لهما حصنا حصينا من النار. قال: أبو ذر مضى لي اثنان. قال: واثنان. قال أبو المنذر سيد القراء: مضى لي واحد يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وواحد وذلك في الصدمة الأولى".
وأخرج عبد بن حميد عن كريب بن حسان قال: توفي رجل منا فوجد به أبوه أشد الوجد، فقال له رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له حوشب: ألا أحدثكم بمثلها شهدتها من النبي صلى الله عليه وسلم، كان رجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابن له توفي، فوجد به أبوه أشد الوجد. قال النبي صلى الله عليه وسلم"ما فعل فلان؟ قالوا: يا رسول الله توفي ابنه الذي كان يختلف معه إليك. فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا فلان أيسرك إن ابنك عندك كأجرى الغلمان جريا، يا فلان أيسرك أن ابنك عندك كأنشط الغلمان نشاطا، يا فلان أيسرك أن ابنك عندك كأجود الكهول كهلا، أو يقال لك أدخل الجنة ثواب ما أخذ منك".
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن معاوية بن قرة عن أبيه قال "كان رجل يختلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه بني له فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: أتحبه؟ قال: يا رسول الله أحبك الله كما أحبه. ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل ابن فلان؟ قالوا: مات. قال: فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أما تحب أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة تستفتحه إلا جاء يسعى حتى يفتحه لك؟ قالوا: يا رسول الله أله وحده أم لكلنا؟ قال: بل لكلكم".
وأخرج البخاري عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة".
وأخرج مالك في الموطأ والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما يزال المؤمن يصاب في ولده وحاجته حتى يلقى الله وليست له خطيئة".
وأخرج أحمد والطبراني عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من أثكل ثلاثة من صلبه فاحتسبهم على الله وجبت له الجنة".
: قوله تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس... ...
وأخرج البزار والحاكم وصححه عن بريدة قال "كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فبلغه أن امرأة من الأنصار مات ابن لها فجزعت عليه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه، فلما دخل عليها قال: أما أنه قد بلغني أنك جزعت؟ فقالت: ما لي لا أجزع وأنا رقوب لا يعيش لي ولد؟! فقال: إنما الرقوب التي يعيش ولدها، إنه لا يموت لأمرأة مسلمة ثلاثة من الولد فتحتسبهم إلا وجبت لها الجنة. فقال عمر: واثنين؟ قال: واثنين".
وأخرج مالك في الموطأ عن أبي نصر السلمي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يموت لأحد من المسلمسن ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جنة من النار. فقالت امرأة: أو اثنان...؟ قال: أو اثنان".
وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن جابر"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من مات له ثلاثة من الولد فاحتسبهم دخل الجنة. فقالت امرأة: واثنين...؟ قال: واثنين".
وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من مسلمين يتوفى لهما ثلاثة إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهم. فقالوا: يا رسول الله أو اثنان...؟ قال: أو اثنان. قالوا: أو واحد...؟ قال: أو واحد. ثم قال: والذي نفسي بيده إن السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة إذا احتسبته".
وأخرج الطبراني عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من دفن ثلاثة فصبر عليهم واحتسب وجبت له الجنة. فقالت أم أيمن: واثنين...؟ قال: واثنين. قالت: أو واحد...؟ فسكت ثم قال: وواحد".
وأخرج أحمد وابن قانع في معجم الصحابة وابن منده في المعرفة عن حوشب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من مات له ولد فصبر واحتسب قيل له: ادخل الجنة بفضل ما أخذنا منك".
وأخرج النسائي وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سلمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"بخ بخ لخمس ما أثقلهن في الميزان لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى للمرء فيحتسبه".
وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء والبيهقي عن أنس قال "توفي ابن عثمان بن مظعون فاشتد حزنه عليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن للجنة ثمانية أبواب وللنار سبعة أبواب، أفما يسرك أن لا تأتي بابا منها إلا وجدت ابنك إلى جنبك، آخذا بحجزتك يشفع لك عند ربك؟ قال: بلى. قال المسلمون: يا رسول الله ولنا في إفراطنا ما لعثمان؟ قال: نعم، لمن صبر منكم واحتسب".
وأخرج النسائي عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه من أهل الأرض فصبر واحتسب بثواب من الجنة".
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي سعيد الخدري"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قسم الله العقل على ثلاثة أجزاء، فمن كن فيه فهو العاقل ومن لم يكن فيه فلا عقل له. حسن المعرفة بالله، وحسن الطاعة لله، وحسن الصبر لله".
وأخرج ابن سعد عن مطوف بن عبد الله بن الشخير. أنه مات ابنه عبد الله فخرج وهو مترجل في ثياب حسنة، فقيل له في ذلك؟ فقال: قد وعدني الله على مصيبتين ثلاث خصال، كل خصلة منها أحب إلي من الدنيا كلها. قال الله {الذين أصابتهم مصيبة} إلى قوله {المهتدون} أفأستكين لها بعد هذا؟
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:36 PM
الجلالين
155 (ولنبلونكم بشيء من الخوف) للعدو (والجوع) القحط (ونقص من الأموال) بالهلاك (والأنفس) بالقتل والموت والأمراض (والثمرات) بالجوائح ، أي لنختبرنكم فننظر أتصبرون أم لا (وبشر الصابرين) على البلاء بالجنة
156 وهم (الذين إذا أصابتهم مصيبة) بلاء (قالوا إنا لله) ملكا وعبيدا يفعل بنا ما يشاء (وإنا إليه راجعون) في الآخرة فيجازينا ، وفي الحديث "من استرجع عند المصيبة آجره الله فيها وأخلف الله عليه خيرا" وفيه أن مصباح النبي صلى الله عليه وسلم طفئ فاسترجع فقالت عائشة: إنما هذا مصباح فقال: "كل ما أساء المؤمن فهو مصيبة" رواه أبو داود في مراسيله
157 (أولئك عليهم صلوات) مغفرة (من ربهم ورحمة) نعمة (وأولئك هم المهتدون) إلى الصواب
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:23 PM
فتح القدير للشوكانى
والبلاء أصله المحنة، ومعنى نبلونكم: تمتحنكم لنختبركم هل تصبرون على القضاء أم لا؟ وتنكير شيء للتقليل: أي بشيء قليل من هذه الأمور. وقرأ الضحاك بأشياء. والمراد بالخوف: ما يحصل لمن يخشى من نزول ضرر به من عدو أو غيره. وبالجوع: المجاعة التي تحصل عند الجدب والقحط. وبنقص الأموال: ما يحدث فيها بسبب الجوائح وما أوجه الله فيها من الزكاة ونحوها. وبنقص الأنفس: الموت والقتل في الجهاد. وبنقص الثمرات: ما يصيبها من الآفات وهو من عطف الخاص على العام لشمول الأموال للثمرات وغيرها- وقيل: المراد بنقص الثمرات: موت الأولاد. وقوله: 155- "وبشر الصابرين" أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يقدر على التبشير. وقد تقدم معنى البشارة. والصبر أصله الحبس، ووصفهم بأنهم المسترجعون عند المصيبة، لأن ذلك تسليم ورضا.
والمصيبة واحدة المصائب: وهي النكبة التي يتأذى بها الإنسان وإن صغرت. وقوله: 156- "إنا لله وإنا إليه راجعون" فيه بيان أن هذه الكلمات ملجأ للمصابين وعصمة للممتحنين، فإنها جامعة بين الإقرار بالعبودية لله، والاعتراف بالبعث والنشور.
ومعنى الصلوات هنا: المغفرة والثناء الحسن قاله الزجاج. وعلى هذا فذكر الرحمة لقصد التأكيد. وقال في الكشاف: الصلاة الرحمة والتعطف، فوضعت موضع الرأفة، وجمع بينها وبين الرحمة كقوله: رأفة ورحمة "رؤوف رحيم" والمعنى: عليهم رأفة بعد رأفة ورحمة بعد رحمة انتهى. وقيل: المراد بالرحمة: كشف الكربة وقضاء الحاجة. 157- و"المهتدون" قد تقدم معناه، وإنما وصفوا هنا بذلك لكونهم فعلوا ما فيه الوصول إلى طريق الصواب من الاسترجاع والتسليم. وأخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: غشي على عبد الرحمن بن عوف في وجعه غشية ظنوا أنه قد فاضت نفسه فيها، حتى قاموا من عنده وجللوه ثوباً، وخرجت أم كلثوم بنت عقبة امرأته إلى المسجد تستعين بما أمرت به من الصبر والصلاة، فلبثوا ساعة وهو في غشيته ثم أفاق. وأخرج ابن منده في المعرفة عن ابن عباس قال: قتل تميم بن الحمام ببدر، وفيه وفي غيره نزلت: "ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات" الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: "في سبيل الله" في طاعة الله في قتال المشركين. وقد وردت أحاديث أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر تأكل من ثمار الجنة. فمنها عن كعب بن مالك مرفوعاً عند أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه. وروي أن أرواح الشهداء تكون على صور طيور بيض، كما أخرجه عبد الرزاق عن قتادة قال: بلغنا، فذكر ذلك. وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير عنه أيضاً بنحوه، وروي أنها على صور طيور خضر، كما أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي العالية. وأخرجه ابن أبي شيبة في البعث والنشور عن كعب. وأخرجه هناد بن يسرى عن هذيل. وأخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف عن عبد الله بن كعب بن مالك مرفوعاً، وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء في قوله: "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع" قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: "ولنبلونكم" الآية، قال: أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر وبشرهم فقال: "وبشر الصابرين" وأخبر أن المؤمن إذا سلم لأمر الله ورجع واسترجع عند المصيبة كتب الله له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله، والرحمة، وتخفيف سبيل الهدى. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن رجاء بن حيوة في قوله: "ونقص من الثمرات" قال: يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة فيه إلا تمرة. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعطيت أمتي شيئاً لم يعطه أحد من الأمم أن يقولوا عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون" وقد ورد في فضل الاسترجاع عند المصيبة أحاديث كثيرة.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:25 PM
التحرير لإبن عاشور
(ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات)
عطف )لنبلونكم( على قوله )استعينوا بالصبر والصلاة( عطف المقصد على المقدمة كما أشرنا إليه قبل، ولك أن تجعل قوله )ولنبلونكم( عطفا على قوله )ولأتم نعمتي عليكم( الآيات ليعلم المسلمين أن تمام النعمة ومنزلة الكرامة عند الله لا يحول بينهم وبين لحاق المصائب الدنيوية المرتبطة بأسبابها، وأن تلك المصائب مظهر لثباتهم على الإيمان ومحبة الله تعالى والتسليم لقضائه فينالون بذلك بهجة نفوسهم بما أصابهم في مرضاة الله ويزدادون به رفعة وزكاء، ويزدادون يقينا بأن اتباعهم لهذا الدين لم يكن لنوال حظوظ في الدنيا، وينجر لهم من ذلك ثواب، ولذلك جاء بعده )وبشر الصابرين( وجعل قوله )يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة( الآية بين هذين المتعاطفين ليكون نصيحة لعلاج الأمرين تمام النعمة والهدى والابتلاء، ثم أعيد عليه ما يصير الجميع خبرا بقوله )وبشر الصابرين(.
وجئ بكلمة شيء تهوينا للخبر المفجع، وإشارة إلى الفرق بين هذا الابتلاء وبين الجوع والخوف اللذين سلطهما الله على بعض الأمم عقوبة، كما في قوله )فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون( ولذلك جاء هنا بكلمة شئ وجاء هنالك بما يدل على الملابسة والتمكن، وهو أن استعار لها اللباس اللازم لللابس، لأن كلمة شئ من أسماء الأجناس العالية العامة، فإذا أضيفت إلى اسم جنس أو بينت به علم أن المتكلم ما زاد كلمة شئ قبل اسم ذلك الجنس إلا لقصد التقليل لأن الاقتصار على اسم الجنس الذي ذكره المتكلم بعدها لو شاء المتكلم لأغنى غناءها، فما ذكر كلمة شئ إلا والقصد أن يدل على أن تنكير اسم الجنس ليس للتعظيم ولا للتنويع، فبقى له الدلالة على التحقير وهذا كقول السرى مخاطبا لأبي إسحاق الصابى:
فشيئا من دم العنقو د أجعله مكان دمى فقول الله تعالى )ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع( عدول عن أن يقول بخوف وجوع أما لو ذكر لفظ شئ مع غير اسم جنس كما إذا اتبع بوصف أو لم يتبع أو أضيف لغير اسم جنس فهو حينئذ يدل على مطلق التنويع نحو قول قحيط العجلى:
فلا تطمع أبيت اللعن فيها ومنعكها بشيء يستطاع فقد فسره المرزوقي وغيره بأن معنى بشيء بمعنى من المعاني من غلبة أو معازة أو فداء أو نحو ذلك اه.
وقد يكون بيان هذه الكلمة محذوفا لدلالة المقام، كقوله تعالى )فمن عفى له من أخيه شيء( فهو الدية على بعض التفاسير أو هو العفو على تفسير آخر، وقول عمر بن أبي ربيعة:
ومن مالئ عينيه من شـيء غـيره إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى أي من محاسن امرأة غير امرأته.
وقول أبى حية النميرى:
إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا أي شيء من الزمان، ومن ذلك قوله تعالى )لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا( أي من الغناء.
وكان مراعاة هذين الاستعمالين في كلمة شيء هو الذي دعا الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز إلى الحكم بحسن وقع كلمة شيء في بيت ابن أبي ربيعة وبيت أبي حية النميري، وبقلتها وتضاؤلها في قول أبي الطيب:
لو الفلك الدوار أبغضت سعيه لعوفه شيء عـن الـدوران لأنها في بيت أبي الطيب لا يتعلق بها معنى التقليل كما هو ظاهر ولا التنويع لقلة جدوى التنويع هنا إذ لا يجهل أحد أن معوق الفلك لا بد أن يكون شيئا.
والمراد بالخوف والجوع وما عطف عليهما معانيها المتبادرة وهي ما أصاب المسلمين من القلة وتألب المشركين عليهم بعد الهجرة، كما وقع في يوم الأحزاب إذ جاءهم من فوقهم ومن أسفل منهم )وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر( وأما الجوع فكما أصابهم من قلة الأزواد في بعض الغزوات، ونقص الأموال ما ينشأ عن قلة العناية بنخيلهم في خروجهم إلى الغزو، ونقص الأنفس يكون بقلة الولادة لبعدهم عن نسائهم كما قال النابغة:
شعب العلافيات بين فروجهـم والمحصنات عوازب الأطهار وكما قال الأعشى يمدح هوذة بن علي صاحب اليمامة، بكثرة غزواته: أفي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة مالا وفي المجد رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائك
وكذلك نقص الأنفس بالاستشهاد في سبيل الله، وما يصيبهم في خلال ذلك وفيما بعده من مصائب ترجع إلى هاته الأمور.
والكلام على الموال يأتي عند قوله تعالى )ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل( في هذه السورة، وعند قوله )إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم( في سورة آل عمران.
)وبشر الصابرين[155] الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون[156] أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون[157]( جملة )وبشر الصابرين( معطوفة على )ولنبلونكم(، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم بمناسبة أنه ممن شمله قوله )ولنبلونكم( وهو عطف إنشاء على خبر ولا ضمير فيه عند من تحقق أساليب العرب ورأى في كلامهم كثرة عطف الخبر على الإنشاء وعكسه.
وأفيد مضمون الجملة الذي هو حصول الصلوات والرحمة والهدى للصابرين بطريقة التبشير على لسان الرسول تكريما لشأنه، وزيادة في تعلق المؤمنين به بحيث تحصل خيراتهم بواسطته، فلذلك كان من لطائف القرآن إسناد البلوى إلى الله بدون واسطة الرسول، وإسناد البشارة بالخير الآتي من قبل الله إلى الرسول.
والكلام على الصبر وفضائله تقدم في قوله تعالى )واستعينوا بالصبر والصلوة(.
ووصف الصابرين بأنهم )الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا( إلخ لإفادة أن صبرهم أكمل الصبر إذ هو صبر مقترن ببصيرة في أمر الله تعالى إذ يعلمون عنه المصيبة أنهم ملك لله تعالى يتصرف فيهم كيف يشاء فلا يجزعون مما يأتيهم، ويعلمون أنهم صائرون إليه فيثيبهم على ذلك، فالمراد من القول هنا القول المطابق للاعتقاد إذ الكلام إنما وضع للصدق، وإنما يكون ذلك القول معتبرا إذا كان تعبيرا عما في الضمير فليس لمن قال هاته الكلمات بدون اعتقاد لها فضل وإنما هو كالذي ينعق بما لا يسمع، وقد علمهم الله هذه الكلمة الجامعة لتكون شعارهم عند المصيبة، لأن الاعتقاد بقوى بالتصريح لأن استحضار النفس للمدركات المعنوية ضعيف يحتاج إلى التقوية بشيء من الحس، ولأن في تصريحهم بذلك إعلانا لهذا الاعتقاد وتعليما له للناس. والمصيبة يأتي الكلام عليها عند قوله تعالى )فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي( في سورة النساء.
والتوكيد بإن في قولهم )إنا لله( لأن المقام مقام اهتمام، ولأنه ينزل المصاب فيه منزلة المنكر كونه ملكا لله تعالى وعبدا له إذ تنسيه المصيبة ذلك ويحول هو لها بينه وبين رشده. واللام فيه للملك.
والإتيان باسم الإشارة في قوله )أولئك عليهم صلوات من ربهم( للتنبيه على أن المشار إليه هو ذلك الموصوف بجميع الصفات السابقة على اسم الإشارة، وأن الحكم الذي يرد بعد اسم الإشارة مترتب على تلك الأوصاف مثل )أولئك على هدى من ربهم( وهذا بيان لجزاء صبرهم. والصلوات هنا مجاز في التزكيات والمغفرات ولذلك عطفت عليها الرحمة التي هي من معاني الصلاة مجازا في مثل قوله تعالى )إن الله وملائكته يصلون على النبي(.
وحقيقة الصلاة في كلام العرب أنها أقوال تنبئ عن محبة الخير لأحد، ولذلك كان أشهر معانيها هو الدعاء وقد تقدم ذلك في قوله تعالى )ويقيمون الصلاة( ولأجل ذلك كان إسناد هذا الفعل لمن لا يطلب الخير إلا منه متعينا للمجاز في لازم المعنى وهو حصول الخير، فكانت الصلاة إذا أسندت إلى الله أو أضيفت إليه دالة على الرحمة وإيصال ما به النفع من رحمة أو مغفرة أو تزكية.
وقوله )وأولئك هم المهتدون( بيان لفضيلة صفتهم إذ اهتدوا لما هو حق كل عبد عارف فلم تزعجهم المصائب ولم تكن لهم حاجبا عن التحقق في مقام الصبر، لعلمهم أن الحياة لا تخلو من الأكدار، وأما الذين لم يهتدوا فهم يجعلون المصائب سببا في اعتراضهم على الله أو كفرهم به أو قول مالا يليق أو شكهم في صحة ما هم عليه من الإسلام، يقولون لو كان هذا هو الدين المرضى لله لما لحقنا عذاب ومصيبة، وهذا شأن أهل الضلال الذين حذرنا الله أمرهم بقوله )وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه( وقال في المنافقين )وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك(، والقول الفصل أن جزاء الأعمال يظهر في الآخرة، وأما مصائب الدنيا فمسببة عن أسباب دنيوية، تعرض لعروض سببها، وقد يجعل الله سبب المصيبة عقوبة لعبده في الدنيا على سوء أدب أو نحوه للتخفيف عنه من عذاب الآخرة، وقد تكون لرفع درجات النفس، ولها أحوال ودقائق لا يعلمها إلا الله تعالى وقد يطلع عليها العبد إذا راقب نفسه وحاسبها، ولله تعالى في الحالين لطف ونكاية يظهر أثر أحدهما للعارفين.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:26 PM
السعدى
"وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ "
أخبر تعالى, أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن, ليتبين الصادق من الكاذب, والجازع من الصابر, وهذه سنته تعالى في عباده. لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان, ولم يحصل معها محنة, لحصل الاختلاط الذي هو فساد, وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر. هذه فائدة المحن, لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان, ولا ردهم عن دينهم, فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين. فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده " بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ " من الأعداء " وَالْجُوعِ " أي: بشيء يسير منهما. لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله, أو الجوع, لهلكوا, والمحن تمحص لا تهلك. " وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ " وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال, من جوائح سماوية, وغرق, وضياع, وأخذ الظلمة للأموال من الملوك الظلمة, وقطاع الطريق وغير ذلك. " وَالْأَنْفُسِ " أي ذهاب الأحباب, من الأولاد, والأقارب, والأصحاب, ومن أنواع الأمراض في بدن العبد, أو بدن من يحبه. " وَالثَّمَرَاتِ " أي الحبوب, وثمار النخيل, والأشجار كلها, والخضر ببرد, أو برد, أو حرق, أو آفة سماوية, من جراد ونحوه. فهذه الأمور, لا بد أن تقع, لأن العليم الخبير, أخبر بها, فوقعت كما أخبر. فإذا وقعت, انقسم الناس قسمين: جازعين وصابرين. فالجازع, حصلت له المصيبتان, فوات المحبوب, وهو وجود هذه المصيبة. وفوات ما هو أعظم منها, وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر. ففار بالخسارة والحرمان, ونقص ما معه من الإيمان. وفاته الصبر والرضا والشكران, وحصل له السخط الدال على شدة النقصان. وأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب, فحبس نفسه عن التسخط, قولا وفعلا, واحتسب أجرها عند الله, وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره, أعظم من المصيبة التي حصلت له, بل المصيبة تكون نعمة في حقه, لأنها صارت طريقا لحصول ما هو خير له وأنفع منها, فقد امتثل أمر الله, وفاز بالثواب. فلهذا قال تعالى " وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ " أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب.
"الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ "
فالصابرين, هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة, والمنحة الجسيمة. ثم وصفهم بقوله " الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ " وهي كل ما يؤلم القلب, أو البدن أو كليهما مما تقدم ذكره. " قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ " أي: مملوكون لله, مدبرون تحت أمره وتصريفه, فليس لنا من أنفسنا وأموالنا شيء. فإذا ابتلانا بشيء منها, فقد تصرف أرحم الراحمين, بمماليكه وأموالهم, فلا اعتراض عليه. بل من كمال عبودية العبد, علمه, بأن وقوع البلية من المالك الحكيم, الذي هو أرحم بعبده من نفسه. فيوجب له ذلك, الرضا عن الله, والشكر له على تدبيره, لما هو خير لعبده,, وإن لم يشعر بذلك. ومع أننا مملوكون لله, فإنا إليه راجعون يوم المعاد, فمجاز كل عامل بعمله. فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا موفورا عنده. وإن جزعنا وسخطنا, لم يكن حظنا إلا السخط وفوات الأجر. فكون العبد لله, وراجعا إليه, من أقوى أسباب الصبر.
"أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ "
" أُولَئِكَ " الموصوفون بالصبر المذكور " عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ " أي: ثناء وتنويه بحالهم " وَرَحْمَةٌ " عظيمة. ومن رحمته إياهم, أن وفقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر. " وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ " الذين عرفوا الحق, وهو في هذا الموضع, علمهم بأنهم لله, وأنهم إليه راجعون, وعملوا به وهو هنا صبرهم لله. ودلت هذه الآية, على أن من لم يصبر, فله ضد ما لهم, فحصل له الذم من الله, والعقوبة, والضلال والخسارة. فما أعظم الفرق بين الفريقين "وما أقل تعب الصابرين, وأعظم عناء الجازعين". فقد اشتملت هاتان الآيتان على توطين النفوس على المصائب قبل وقوعها, لتخف وتسهل, إذا وقعت. وبيان ما تقابل به, إذا وقعت, وهو الصبر. وبيان ما يعين على الصبر, وما للصابرين من الأجر. ويعلم حال غير الصابر, بضد حال الصابر. وأن هذا الابتلاء والامتحان, سنة الله التي قد خلت, ولن تجد لسنة الله تبديلا. وبيان أنواع المصائب.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:26 PM
ابن عثيمين
)وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155)
التفسير:
{ 155 } قوله تعالى: { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع... } هذه مصائب خمس؛ والجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، والنون؛ والتقدير: واللَّهِ لنبلونكم؛ والفعل هنا مع نون التوكيد مبني على الفتح؛ و «نبلو» بمعنى نختبر.
وقوله تعالى: { بشيء }: التنكير هنا للتقليل؛ ويحتمل أن يكون للتكثير.
وقوله تعالى: { من الخوف } أي الذُّعْر؛ وهو شامل للخوف العام، والخوف الخاص؛ الخوف العام: كأن تكون البلاد مهددة بعدو؛ والخوف الخاص: كأن يكون الإنسان يبتلى بنفسه بمن يخيفه ويروعه.
وقوله تعالى: { والجوع }: هو خلو البطن من الطعام مع شدة اشتهائه؛ وهو ضد «الشِّبع»؛ وله أسباب؛ السبب الأول: قلة الطعام؛ و السبب الثاني: قلة المال الذي يحصل به الطعام؛ والسبب الثالث: أن يصاب الإنسان بمرض يمنعه من الطعام إما لقلة الشهية؛ وإما للعجز عن استساغه لسدَدٍ في الحلق، أو قروح في المعدة، أو غير ذلك؛ والجوع لا يدرك أثره إلا من جربه؛ بل كل المصائب لا يدرك أثرها إلا من جربها؛ أما من لم يجرب فإنه لا يشعر بآثار المصائب؛ ولهذا قيل: وبضدها تتبين الأشياء.
قوله تعالى: { ونقص من الأموال }؛ { الأموال } جمع «مال»؛ وهو كل ما يتموله الإنسان من نقود، ومتاع، وحيوان.
قوله تعالى: { والأنفس } جمع «نفس»؛ والمراد: الأرواح، كالأمراض الفتاكة التي تهلك بها أمم، مثل الطاعون، وغيره.
قوله تعالى: { والثمرات } جمع «ثمرة»؛ وهي ما ينتج من أشجار النخيل، والأعناب، وغيرهما، بأن تأتي كوارث تنقص بها هذه الثمار، أو تتلف.
قوله تعالى: { وبشر الصابرين } أي أخبرهم بما يسرهم؛ وسبق معنى الصبر، وأقسامه(1).
{ 156 } قوله تعالى: { الذين إذا أصابتهم مصيبة }، أي من هذه المصائب التي ذكرها في الآية الأولى.
قوله تعالى: { قالوا } أي بقلوبهم، وألسنتهم { إنا لله }: اللام للملك؛ يعني إنا ملك لله يفعل بنا ما يشاء.
قوله تعالى: { وإنا إليه راجعون } أي صائرون في جميع أمورنا دنيا، وأخرى؛ فنرجو الذي أصابنا بهذه المصيبة عند رجوعنا إليه أن يجزينا بأفضل منها؛ فهم جمعوا هنا بين الإقرار بالربوبية في قولهم: { إنا لله}، وبين الإقرار، والإيمان بالجزاء الذي يستلزم العمل الصالح؛ لأنهم يقولون: { وإنا إليه راجعون }؛ فنحن نرجو ثوابه مع أنه فعل بنا ما هو ملكه، وبيده؛ وتقديم المتعلق يفيد الحصرَ ــــ أي راجعون إليه لا إلى غيره، ومناسبةَ رؤوس الآي.
الفوائد:
1ــــ من فوائد الآيتين: ابتلاء العباد بما ذكر الله من الخوف، والجوع، ونقص الأموال، والأنفس، والثمرات، وهو لمن وقع به ظاهر؛ ولغيرهم يكون الابتلاء بالاعتبار، والخوف أن يقع بهم مثل ما وقع بالذين ابتلوا.
2ــــ ومنها: أن الناس ينقسمون عند المصائب إلى قسمين: صابر، وساخط؛ وقد جاء في الحديث: «من رضي فله الرضا؛ ومن سخط فله السخط»(2)؛ فالصبر على المصائب واجب؛ وقد ذكر العلماء أن للإنسان عند المصيبة أربعة مقامات:
المقام الأول: الصبر ــــ وهو واجب.
المقام الثاني: الرضا ــــ وهو سنة على القول الراجح؛ والفرق بينه، والصبر، أن الصابر يتجرع مرارة الصبر، ويشق عليه ما وقع؛ ولكنه يحبس نفسه عن السخط؛ وأما الراضي: فإن المصيبة باردة على قلبه لم يتجرع مرارة الصبر عليه؛ فهو أكمل حالاً من الصابر.
المقام الثالث: الشكر: بأن يشكر الله على المصيبة.
فإن قيل: كيف يشكره على المصيبة؟
فالجواب: أن ذلك من وجوه:
منها: أن ينسبها إلى ما هو أعظم منها؛ فينسب مصيبة الدنيا إلى مصيبة الدين؛ فتكون أهون؛ فيشكر الله أن لم يجعل المصيبة في الأشد.
ومنها: احتساب الأجر على المصيبة بأنه كلما عظم المصاب كثر الثواب؛ ولهذا ذكروا عن بعض العابدات أنها أصيبت بمصيبة، ولم يظهر عليها أثر الجزع؛ فقيل لها في ذلك، فقالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها.
المقام الرابع: السخط - وهو محرم - بل من كبائر الذنوب؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية»(1).
3- ومن فوائد الآيتين: البشرى للصابرين.
4- ومنها: أن من سمة الصابرين تفويض أمرهم إلى الله بقلوبهم، وألسنتهم إذا أصابتهم المصائب؛ لقوله تعالى: { وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون }.
5- ومنها: مشروعية هذا القول؛ وقد جاءت السنة بزيادة: «اللهم أْجُرني في مصيبتي» - أي أثبني عليها - «وأخلف لي» بقطع الهمزة - أي اجعل لي خلفاً «خيراً منها»(2) والدليل على هذا قصة أم سلمة رضي الله عنها: كانت تحب زوجها ابن عمها أبا سلمة محبة شديدة؛ ولما مات - وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حدثها بهذا الحديث - قالت: «اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها»؛ فكانت تفكر في نفسها، وتقول: من يصير خيراً من أبي سلمة!!!وهي مؤمنة في نفسها أن ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم حق؛ لكن لا تدري من هو؛ وما كان يجول في فكرها أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيكون هو الخلف؛ فأخلف الله لها خيراً من زوجها؛ فإذا قالها الإنسان مؤمناً محتسباً أجرَه الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها.
)أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة:157)
التفسير:
{ 157 } قوله تعالى: { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة }؛ الإشارة إلى {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله...} [البقرة: 156] إلخ؛ وجاءت بلفظ الإشارة للبعيد للدلالة على علو مرتبتهم، ومنزلتهم، ومقامهم؛ و{ عليهم } خبر مقدم؛ و{ صلوات } مبتدأ مؤخر؛ ولكنه مبتدأ ثانٍ؛ والجملة من المبتدأ الثاني، وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول: { أولئك }.
وقوله تعالى: { صلوات } اختلف العلماء في معناها؛ ولكن أصح الأقوال فيها أن المراد بها الثناء عليهم في الملأ الأعلى؛ والمعنى أن الله يثني على هؤلاء في الملأ الأعلى رفعاً لذكرهم، وإعلاءً لشأنهم.
وقوله تعالى: { ورحمة } عطفها على { الصلوات } من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الثناء عليهم في الملأ الأعلى من الرحمة.
قوله تعالى: { وأولئك هم المهتدون }، «أولاء» اسم إشارة تعود إلى {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة: 156] ؛ وهي مفيدة للحصر؛ وطريقه: ضمير الفصل؛ و{ المهتدون } أي الذين اهتدوا إلى طريق الحق؛ فإن هذا الكلام الذي يقولونه مع الصبر هو الهداية.
الفوائد:
1 ــــ من فوائد الآية: بيان حكمة الله عزّ وجلّ فيما يبتلي به العباد.
2 ــــ ومنها: عظم ثواب الصبر؛ لقوله تعالى: { أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة }.
3 ــــ ومنها: إثبات رحمة الله عزّ وجلّ؛ وهي صفة حقيقية ثابتة لله؛ بها يرحم من يشاء من عباده؛ ومن آثارها حصول النعم، واندفاع النقم.
4 ــــ ومنها: الثناء على الصابرين بأنهم هم المهتدون الذين اهتدوا إلى ما فيه رضا الله وثوابه.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:28 PM
تفسير آية 2/ سورة الملك
( الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وهو العزيز الغفور)
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:28 PM
الطبرى
وقوله: الّذِي خَلَقَ الموت والْحَياةَ فأمات من شاء وما شاء, وأحيا من أراد وما أراد إلى أجل معلوم لِيَبْلُوَكُمْ أيّكُمْ أحْسَنُ عَمَلاً يقول: ليختبركم فينظر أيكم له أيها الناس أطوع, وإلى طلب رضاه أسرع. وقد:
حدثني ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: الّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَياةَ قال: أذلّ الله ابن آدم بالموت, وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء, وجعل الاَخرة دار جزاء وبقاء.
حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة الّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوكُمُ ذكر أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إنّ اللّهَ أذَلّ ابْنَ آدَمَ بالمَوْتِ».
وقوله: وَهُوَ العَزِيزُ يقول: وهو القويّ الشديد انتقامه ممن عصاه, وخالف أمره الغَفُورُ ذنوب من أناب إليه وتاب من ذنوبه.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:29 PM
البغوى
"الذي خلق الموت والحياة"، قال عطاء عن ابن عباس: يريد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة. وقال قتادة: أراد موت الإنسان وحياته في الدنيا، جعل الله الدنيا دار حياة وفناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. قيل: إنما قدم الموت لأنه إلى القهر أقرب: وقيل: قدمه لأنه أقدم لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنطفة والتراب ونحوهما، ثم اعترضت عليها الحياة. وقال ابن عباس: خلق الموت على صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد ريحه شيء إلا مات وخلق الحياة على صورة فرس بلقاء أنثى وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي، وهي التي أخذ السامري قبضة من أثرها فألقى على العجل فحيي. "ليبلوكم"، فيما بين الحياة إلى الموت، "أيكم أحسن عملاً"، روي عن ابن عمر مرفوعاً: "أحسن عملاً" أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله/. وقال فضيل بن عياض "أحسن عملاً" أخلصه وأصوبه. وقال: العمل لا يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، الخالص: إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السنة. وقال الحسن: أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها. وقال الفراء: لم يوقع البلوى على أي إلا وبينهما إضمار كما تقول بلوتكم لأنظر أيكم أطوع. ومثله: "سلهم أيهم بذلك زعيم" (القلم- 40) أي: سلهم وانظر أيهم، فـ أي: رفع على الابتداء وأحسن خبره، "وهو العزيز"، في انتقامه ممن عصاه، "الغفور"، لمن تاب إليه.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:30 PM
الكشاف للزمخشرى
والحياة: ما يصح بوجوده الإحساس.
وقيل: ما يوجب كون الشيء حياً وهو الذي يصح منه أن يعلم ويقدر.
والموت عدم ذلك فيه ومعنى خلق الموت والحياة: إيجاد ذلك المصحح وإعدامه.
والمعنى: خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون " ليلبوكم " وسمى علم الواقع منهم باختبارهم بلوى وهي الخبرة استعارة من فعل المختبر.
وحوه قوله تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم} محمد: 31.
فإن قلت: من أين تعلق قوله: " أيكم أحسن عملاً " بفعل البلوى قلت: من حيث أنه تضمن معنى العلم فكأنه قيل: ليعلمكم أيكم أحسن عملا وإذا قلت: علمته أزيد أحسن عملا أم هو كانت هذه الجملة واقعة موقع الثاني من مفعوله كما تقول: علمته هو أحسن عملا.
فإن قلت: أتسمي هذا تعليقاً قلت: لا إنما التعليق أن توقع بعده ما يسد مسد المفعولين حميعاً كقولك: علمت أيهما عمرو وعلمت أزيد منطلق.
ألا ترى أنه لا فصل بعد سبق أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدراً بحرف الإستفهام وغير مصدر به ولو كان تعليقاً لا فترقت الحالتان كما افترقتا في قولك: علمت أزيد منطلق.
وعلمت زيداً منطلقاً.
" احسن عملا ".
قيل: أخلصه وأصوبه لأنه إذا كان خالصاً غير صواب لم يقبل وكذلك إذا كان صواباً غير خالص فالخالص: أن يكون لوجه الله تعالى والصواب: أن يكون على السنة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تلاها فلما بلغ قوله: " أيكم أحسن عملا " قال: أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله يعني: أيكم أتم عقلا عن الله وفهما لأغراضه والمراد: أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل وتستمكنون منه وسلط عليكم الموت الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح لأن وراءه البعث والجزاء الذي لا بد منه.
وقدم الموت على الحياة لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم " وهو العزيز " الغالب الذي لا يعجزه من أسماء العمل " الغفور " لمن تاب من أهل الإساءة "
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:30 PM
البيضاوى
^ الذي خلق الموت والحياة ^ قدرهما أو أوجد الحياة وأزالها حسبما قدره وقدم الموت لقوله ^ وكنتم أمواتا فأحياكم ^ ولأنه أدعى إلى حسن العمل ليبلوكم ليعاملكم المختبر بالتكليف أيها المكلفون ^ أيكم أحسن عملا ^ أصوبه وأخلصه وجاء مرفوعا أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعته جملة واقعة موقع
المفعول ثانيا لفعل البلوى المتضمن معنى العلم وليس هذا من باب التعليق لأنه يخل به وقوع الجملة خبرا لما يعلق الفعل عنها بخلاف ما إذا وقعت موقع المفعولين ^ وهو العزيز ^ الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل الغفور لمن تاب منهم
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:31 PM
القرطبى
{الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور}
قوله تعالى: "الذي خلق الموت والحياة" قيل: المعنى خلقكم للموت والحياة؛ يعني للموت في الدنيا والحياة في الآخرة وقدم الوت على الحياة؛ لأن الموت إلى القهر أقرب؛ كما قدم البنات على البنين فقال: "يهب لمن يشاء إناثا" [الشورى: 49]. وقيل: قدمه لأنه أقدم؛ لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنطفة والتراب ونحوه. وقال قتادة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله تعالى أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء). وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا ثلاث ما طأطأ ابن آدم رأسه الفقر والمرض والموت وإنه مع ذلك لو ثاب).
قدم الموت على الحياة، لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه؛ فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم قال العلماء: الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة ببنهما، وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار. والحياة عكس ذلك. وحكي عن ابن عباس والكلبي ومقاتل: أن الموت والحياة جسمان، فجعل الموت في هيئة كبش لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء - وهي التي كان جبريل والأنبياء عليهم السلام يركبونها - خطوتها مد البصر، فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء يجد ريحها إلا حيي، ولا تطأ على شيء إلا حيي. وهي التي أخذ السامري من أثرها فألقاه على العجل فحيي. حكاه الثعلبي والقشيري عن ابن عباس. والماوردي معناه عن مقاتل والكلبي.
قلت: وفي التنزيل "قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم"، [السجدة: 11]، "ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة" [الأنفال: 50] ثم "توفته رسلنا" [الأنعام: 61]، ثم قال: "الله يتوفى الأنفس حين موتها" [الزمر: 42]. فالوسائط ملائكة مكرمون صلوات الله عليهم. وهو سبحانه المميت على الحقيقة، وإنما يمثل الموت بالكبش في الآخرة ويذبح على الصراط؛ حسب ما ورد به الخبر الصحيح. وما ذكر عن ابن عباس يحتاج إلى خبر صحيح يقطع العذر. والله أعلم. وعن مقاتل أيضا: خلق الموت؛ يعني النطفة والعلقة والمضغة، وخلق الحياة؛ يعني خلق إنسانا ونفخ فيه الروح فصار إنسانا.
قلت: وهذا قول حسن؛ يدل عليه قوله تعالى "ليبلوكم أيكم أحسن عملا" وتقدم الكلام فيه في سورة "الكهف". وقال السدي في قوله تعالى: "الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا" أي أكثركم للموت ذكرا وأحسن استعدادا، ومنه أشد خوفا وحذرا. وقال ابن عمر: تلا النبي صلى الله عليه وسلم "تبارك الذي بيده الملك - حتى بلغ - أيكم أحسن عملا" فقال: (أورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله). وقيل: معنى "ليبلوكم" ليعاملكم معاملة المختبر؛ أي ليبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره، وبالحياة ليبين شكره. وقيل: خلق الله الموت للبعث والجزاء، وخلق الحياة للابتلاء. فاللام في "ليبلوكم" تتعلق بخلق الحياة لا بخلق الموت؛ ذكره الزجاج. وقال الفراء والزجاج أيضا: لم تقع البلوى على "أي" لأن فيما بين البلوى و"أي" إضمار فعل؛ كما تقول: بلوتكم لأنظر أيكم أطوع. ومثله قوله تعالى: "سلهم أيهم بذلك زعيم" [القلم: 40] أي سلهم ثم انظر أيهم. "فأيكم" رفع بالابتداء و"أحسن" خبره. والمعنى: ليبلوكم فيعلم أو فينظر أيكم أحسن عملا. "وهو العزيز" في أنتقامه ممن عصاه. "الغفور" لمن تاب.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:31 PM
ابن كثير
قال تعالى: {الذي خلق الموت والحياة} واستدل بهذه الاَية من قال إن الموت أمر وجودي, لأنه مخلوق, ومعنى الاَية أنه أوجد الخلائق من العدم ليبلوهم أي يختبرهم أيهم أحسن عملاً, كما قال تعالى: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم} فسمى الحال الأول وهو العدم موتاً وسمى هذه النشأة حياة, ولهذا قال تعالى: {ثم يميتكم ثم يحييكم} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا صفوان حدثنا الوليد حدثنا خليد عن قتادة في قوله تعالى: {الذي خلق الموت والحياة} قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت وجعل الاَخرة دار جزاء ثم دار بقاء» ورواه معمر عن قتادة, وقوله تعالى: {ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} أي خير عملاً كما قال محمد بن عجلان, ولم يقل أكثر عملاً ثم قال تعالى: {وهو العزيز الغفور} أي هو العزيز العظيم المنيع الجناب, وهو مع ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب بعد ما عصاه وخالف أمره, وإن كان تعالى عزيزاً هو مع ذلك يغفر ويرحم ويصفح ويتجاوز,
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:32 PM
الجلالين
2 - (الذي خلق الموت) في الدنيا (والحياة) في الآخرة أوهما في الدنيا فالنطفة تعرض لها الحياة وهي ما به الاحساس والموت ضدها أو عدمها قولان والخلق على الثاني بمعنى التقدير (ليبلوكم) ليختبركم في الحياة (أيكم أحسن عملا) أطوع لله (وهو العزيز) في انتقامه ممن عصاه (الغفور) لمن تاب إليه
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:33 PM
فتح القدير للشوكانى
"الذي خلق الموت والحياة" الموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته له، والحياة تعلق الروح بالبدن واتصاله به، وقيل هي ما يصح بوجوده الإحساس، وقيل ما يوجب كون الشيء حياً، وقيل المراد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة. وقدم الموت على الحياة لأن أصل الأشياء عدم الحياة، والحياة عارضة لها، وقيل لأن الموت أقرب إلى القهر. وقال مقاتل: خلق الموت: يعني النطفة والضغة والعلقة، والحياة يعني خلقه إنسانا وخلق الروح فيه، وقيل خلق الموت على صورة كبش لا يمر على شيء إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس لا تمر بشيء إلا حيي، قاله مقاتل والكلبي. وقد ورد في التنزيل "قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم" وقوله: "ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة" وقوله: "توفته رسلنا" وقوله: "الله يتوفى الأنفس حين موتها" وغير ذلك من الآيات "ليبلوكم أيكم أحسن عملاً" اللام متعلقة بخلق: أي خلق الموت والحياة ليعاملكم معاملة من يختبركم أيكم أحسن عملاً، فيجازيكم على ذلك، وقيل المعنى: ليبلوكم أيكم أكثر للموت ذكراً وأشد منه خوفاً، وقيل أيكم أسرع إلى طاعة الله، وأروع عن محارم الله. وقال الزجاج: اللام متعلق بخلق الحياة، لا بخلق الموت. وقال الزجاج أيضاً والفراء: إن قوله: ليبلوكم لم يقع على أي، لأن فيما بين البلوى وأي إضمار فعل كما تقول: بلوتكم لأنظر أيكم أطوع، ومثله قوله: "سلهم أيهم بذلك زعيم" أي سلهم ثم انظر أيهم، فأيكم في الآية مبتدأ وخبره أحسن، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وإيراد صيغة التفضيل مع أن الابتلاء شامل لجميع أعمالهم المنقسمة إلى الحسن والقبيح لا إلى الحسن والأحسن فقط للإيذان بأن المراد بالذات والمقصد الأصلي من الابتلاء هو ظهور كمال إحسان المحسنين "وهو العزيز" أي الغالب الذي لا يغالب "الغفور" لمن تاب وأناب.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:34 PM
التحرير لإبن عاشور
الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور[2]( صفة ل)الذي بيده الملك( فلما شمل قوله )وهو على كل شيء قدير( تعلق القدرة بالموجود والمعدوم أتبع بوصفه تعالى بالتصرف الذي منه خلق المخلوقات وأعراضها لأن الخلق أعظم تعلق القدرة بالمقدور لدلالته على صفة القدرة وعلى صفة العلم.
وأوثر بالذكر من المخلوقات الموت والحياة لأنهما أعظم العوارض لجنس الحيوان الذي هو أعجب الموجود على الأرض والذي الإنسان نوع منه، وهو المقصود بالمخاطبة بالشرائع والمواعظ، فالإماتة تصرف في الموجود بإعداده للفناء، والإحياء تصرف في المعدوم بإيجاده ثم إعطائه الحياة ليستكمل وجود نوعه.
فليس ذكر خلق الموت والحياة تفصيلا لمعنى الملك بل هو وصف مستقل.
والاقتصار على خلق الموت والحياة لأنهما حالتان هما مظهرا تعلق القدرة بالمقدور في الذات والعرض لأن الموت والحياة عرضان والإنسان معروض لهما.
والعرض لا يقوم بنفسه فلما ذكر خلق العرض علم من ذكره خلق معروضه بدلالة الاقتضاء.
وأوثر ذكر الموت والحياة لما يدلان عليه من العبرة بتداول العرضين المتضادين على معروض واحد، وللدلالة على كمال صنع الصانع، فالموت والحياة عرضان يعرضان للموجود من الحيوان، والموت يعد الموجود للفناء والحياة تعد الموجود للعمل للبقاء مدة. وهما عند المتكلمين من الأعراض المختصة بالحي، وعند الحكماء من مقولة الكيف ومن قسم الكيفيات النفسانية منه.
فالحياة: قوة تتبع اعتدال المزاج النوعي لتفيض منها سائر القوى.
والموت: كيفية عدمية هو عدم الحياة عما شأنه أن يوصف بالحياة أو الموت، أي زوال الحياة عن الحي، فبين الحياة والموت تقابل العدم والملكة.
ومعنى خلق الحياة: خلق الحي لأن قوام الحي هو الحياة، ففي خلقه خلق ما به قوامه، وأما معنى خلق الموت فإيجاد أسبابه وإلا فإن الموت عدم لا يتعلق به الخلق بالمعنى الحقيقي، ولكنه لما كان عرضا للمخلوق عبر عن حصوله بالخلق تبعا كما في قوله تعالى )والله خلقكم وما تعملون(.
وأيضا لأن الموت تصرف في الموجود القادر الذي من شأنه أن يدفع عن نفسه ما يكرهه. والموت مكروه لكل حي فكانت الإماتة مظهرا عظيما من مظاهر القدرة لأن فيها تجلي وصف القاهر.
فأما الإحياء فهو من مظاهر وصف القادر ولكن مع وصفه المنعم.
فمعنى القدرة في الإماتة أظهر وأقوى لأن القهر ضرب من القدرة.
ومعنى القدرة في الإحياء خفي بسبب أمرين بدقة الصنع وذلك من آثار صفة العلم، وبنعمة كمال الجنس وذلك من آثار صفة الإنعام. وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى )وكنتم أمواتا فأحياكم( في سورة البقرة.
وفي ذكرهما تخلص إلى ما يترتب عليهما من الآثار التي أعظمها العمل في الحياة والجزاء عليه بعد الموت، وذلك ما تضمنه قوله )ليبلوكم أيكم أحسن عملا( فإن معنى الابتلاء مشعر بترتب أثر له وهو الجزاء على العمل للتذكير بحكمة جعل هذين الناموسين البديعين في الحيوان لتظهر حكمة خلق الإنسان ويفضيا به إلى الوجود الخالد، كما أشار إليه قوله تعالى )أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون(.
وهذا التعليل من قبيل الإدماج.
وفيه استدلال على الوحدانية بدلالة في أنفسهم قال تعالى )وفي أنفسكم أفلا تبصرون(.
والمعنى: أنه خلق الموت والحياة ليكون منكم أحياء يعملون الصالحات والسيئات، ثم أمواتا يخلصون إلى يوم الجزاء فيجزون على أعمالهم بما يناسبها.
فالتعريف في )الموت( و )الحياة( تعريف الجنس. وفي الكلام تقدير: هو الذي خلق الموت والحياة لتحيوا فيبلوكم أيكم أحسن عملا، وتموت فتجزوا على حسب تلك البلوى، ولكون هذا هو المقصود الأهم من هذا الكلام قدم الموت على الحياة.
وجملة )ليبلوكم( إلى آخرها معترضة بين الموصولين.
واللام في )ليبلوكم( لام التعليل، أي في خلق الموت والحياة حكمة أن يبلوكم. الخ.
وتعليل فعل بعلة لا يقتضي انحصار علله في العلة المذكورة فإن الفعل الواحد تكون له علل متعددة فيذكر منها ما يستدعيه المقام، فقوله تعالى )ليبلوكم أيكم أحسن عملا( تعليل لفعل )خلق( باعتبار المعطوف على مفعوله، وهو )والحياة( لأن حياة الإنسان حياة خاصة تصحح للموصوف بمن قامت به الإدراك الخاص الذي يندفع به إلى العمل باختياره، وذلك العمل هو الذي يوصف بالحسن والقبح، وهو ما دل عليه بالمنطوق والمفهوم قوله تعالى )أيكم أحسن عملا( أي وأيكم أقبح عملا.
ولذلك فذكر خلق الموت إتمام للاستدلال على دقيق الصنع الإلهي وهو المسوق له الكلام، وذكر خلق الحياة إدماج للتذكير، وهو من أغراض السورة.
ولا أشك في أن بناء هذا العالم على ناموس الموت والحياة له حكمة عظيمة يعسر على الإفهام الاطلاع عليها.
والبلوى: الاختبار وهي هنا مستعارة للعلم أي ليعلم علم ظهور أو مستعارة لإظهار الأمر الخفي، فجعل إظهار الشيء الخفي شبيها بالاختبار.
وجملة )أيكم أحسن عملا( مرتبطة ب)يبلوكم(.
و)أي( اسم استفهام ورفعه يعين أنه مبتدأ وأنه غير معمول للفظ قبله فوجب بيان موقع هذه الجملة، وفيه وجهان: أحدهما قول الفراء والزجاج والزمخشري في تفسير أول سورة هود أن جملة الاستفهام سادة مسد المفعول الثاني، وأن فعل )يبلوكم( المضمن معنى )يعلمكم( معلق عن العمل في المفعول الثاني، وليس وجود المفعول الأول مانعا من تعليق الفعل عن العمل في المفعول الثاني وأن لم يكن كثيرا في الكلام.
والوجه الثاني أن تكون الجملة واقعة في محل المفعول الثاني ليبلوكم أي تؤول الجملة بمعنى مفرد تقديره: ليعلمكم أهذا الفريق أحسن عملا أم الفريق الآخر.
وهذا مختار صاحب الكشاف في تفسير هذه الآية. ومبناه على أن تعليق أفعال العلم عن العمل لا يستقيم إلا إذا لم يذكر للفعل مفعول فإذا ذكر مفعول لم يصح تعليق الفعل عن المفعول الثاني، وحاصله: أن التقدير ليعلم الذين يقال في حقهم )أيهم أحسن عملا( على نحو قوله تعالى )ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا( أي لننزعن الذين يقال فيهم: أيهم أشد .
وجوز صاحب التقريب أن يكون التقدير: ليعلم جواب سؤال سائل: أيكم أحسن عملا.
قلت: ولك أن تجعل جملة )أيكم أحسن عملا( مستأنفة وتجعل الوقف على قوله )ليبلوكم( ويكون الاستفهام مستعملا في التحضيض على حسن العمل كما هو في قول طرفة:
إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني عنيت فلم أكسل ولم أتـبـلـد فجعل الاستفهام تحضيضا.
و)أحسن( تفضيل، أي أحسن عملا من غيره، فالأعمال الحسنة متفاوتة في الحسن إلى أدناها، فأما الأعمال السيئة فإنها مفهومة بدلالة الفحوى لأن البلوى في أحسن الأعمال تقتضي البلوى في السيئات بالأولى لأن إحصاءها والإحاطة بها أولى في الجزاء لما يترتب عليها من الاجتراء على الشارع، ومن الفساد في النفس، وفي نظام العالم، وذلك أولى بالعقاب عليه ففي قوله )ليبلوكم أيكم أحسن عملا( إيجاز.
وجملة )وهو العزيز الغفور( تذييل لجملة )ليبلوكم أيكم أحسن عملا( إشارة إلى صفاته تعالى تقتضي تعلقا بمتعلقاتها لئلا تكون معطلة في بعض الأحوال والأزمان فيفضي ذلك إلى نقائضها. فأما العزيز فهو الغالب الذي لا يعجز عن شيء، وذكره مناسب للجزاء المستفاد من قوله )ليبلوكم أيكم أحسن عملا( كما تقدم آنفا، أي ليجزيكم جزاء العزيز، فعلم أن المراد الجزاء على المخالفات والنكول عن الطاعة. وهذا حظ المشركين الذين شملهم ضمير الخطاب في قوله )ليبلوكم(.
وأما الغفور فهو الذي يكرم أولياءه ويصفح عن فلتاتهم فهو مناسب للجزاء على الطاعات وكناية عنه، قال تعالى )وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى( فهو إشارة إلى حظ أهل الصلاح من المخاطبين.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:34 PM
السعدى
وخلق الموت والحياة أي: قدر لعباده أن يحييهم ثم يميتهم؛ { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } أي: أخلصه وأصوبه، فإن الله خلق عباده، وأخرجهم لهذه الدار، وأخبرهم أنهم سينقلون منها، وأمرهم ونهاهم، وابتلاهم بالشهوات المعارضة لأمره، فمن انقاد لأمر الله وأحسن العمل، أحسن الله له الجزاء في الدارين، ومن مال مع شهوات النفس، ونبذ أمر الله، فله شر الجزاء.
{ وَهُوَ الْعَزِيزُ } الذي له العزة كلها، التي قهر بها جميع الأشياء، وانقادت له المخلوقات.
{ الْغَفُورُ } عن المسيئين والمقصرين والمذنبين، خصوصًا إذا تابوا وأنابوا، فإنه يغفر ذنوبهم، ولو بلغت عنان السماء، ويستر عيوبهم، ولو كانت ملء الدنيا.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:35 PM
تفسير آية 11 / الجمعة
( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما، قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة، والله خير الرازقين)
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:36 PM
الكشاف للزمخشرى:
{وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضُّوا إليها وتركوك قائماً قل ما عند الله خيرٌ من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين} روي: 184 أن أهل المدينة أصايهم جوع وغلاء شديد فقدم دحية بن خليفة بتجارة من زيت الشام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقاموا إليه خشوا أن يسبقوا إليه فما بقي معه إلا يسير.
قيل: ثمانية وأحد عشر واثنا عشر وأربعون فقال عليه السلام: " والذي نفس محمد بيده لو خرجوا جميعاً لأضرم الله عليهم الوادي ناراً " وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق فهو المراد باللهو وعن قتادة: فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل مقدم عير.
فإن قلت: فإن اتفق تفرق الناس عن الإمام في صلاة الجمعة كيف يصنع قلت: إن بقي وحده أو مع أقل من ثلاثة فعند أبي حنيفة: يستأنف الظهر إذا نفروا عنه قبل الركوع.
وعند صاحبيه: إذا كبر وهم معه مضى فيها.
وعند زفر: إذا نفروا قبل التشهد بطلت.
فإن قلت: كيف قال: " إليها " وقد ذكر شيئين قلت: تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه وكذلك قراءة من قرأ: " لهوا أو تجارة انفضوا إليها " وقرئ: " إليهما ".
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: 185 " من قرأ سورة الجمعة أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أتى الجمعة وبعدد من لم يأتها في أمصار المسلمين ".
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:37 PM
البغوى:
"وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً"، الآية، أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر، حدثنا خالد بن عبد الله، أخبرنا حصين عن سالم بن أبي الجعد وعن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: أقبلت عير يوم الجمعة ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم، فثار الناس إلا اثني عشر رجلاً فأنزل الله: "وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضوا إليها". ويحتج بهاذ الحديث من يرى إقامة الجمعة باثني عشر رجلاً، وليس فيه بيان أنه أقام بهم الجمعة حتى يكون حجة، لاشتراط هذا العدد. وقال ابن عباس في رواية الكلبي: لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط. وقال الحسن وأبو مالك: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدم دحية بن خليفة الكلبي بتجارة زيت من الشام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشوا أن يسبقوا إليه، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا رهط منهم أبو بكر وعمر فنزلت هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى منكم أحد لسال بكم الوادي ناراً". وقال مقاتل: بينا / رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة الكلبي من الشام بالتجارة، وكان إذا قدم لم تبق بالمدينة عاتق إلا أتته، وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق وبر وغيره، فينزل عند أحجار الزيت، وهو مكان في سوق المدينة، ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فيخرج إليه الناس ليبتاعوا منه، فقدم ذات جمعة، وكان ذلك قبل أن يسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب، فخرج إليه الناس فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلاً وامرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كم بقي في المسجد؟ فقالوا: اثنا عشر رجلاً وامرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة من السماء، فأنزل الله هذه الآية. وأراد باللهو الطبل. وقيل: كانت العير إذا قدمت المدينة استقبلوها بالطبل والتصفيق. وقوله: "انفضوا إليها"، رد الكناية إلى التجارة لأنها أهم. وقال علقمة: سئل عبد الله بن عمر: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً أو قاعداً؟ قال: أما تقرأ "وتركوك قائماً". أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرني جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة خطبتين قائماً يفصل بينهما بجلوس. أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا أبو الأحوص، عن سماك عن جابر بن سمرة قال: "كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس". وبهذا الإسناد عن جابر بن سمرة قال: "كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً". والخطبة فريضة في صلاة الجمعة، ويجب أن يخطب قائماً خطبتين، وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة: أن يحمد الله، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويوصي بتقوى الله، هذه الثلاثة فرض في الخطبتين جميعاً، ويجب أن يقرأ في الأولى آية من القرآن، ويدعو للمؤمنين في الثانية، فلو ترك واحدة من هذه الخمس لا تصح جمعته عند الشافعي، وذهب أبو حنيفة رضي الله عنه إلى أنه لو أتى بتسبيحة أو تحميدة أو تكبيرة أجزأه. وهذا القدر لا يقع عليه اسم الخطبة، وهو مأمور بالخطبة. أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا عبد الله بن يوسف بن محمد بن مامويه، أخبرنا أبو سعيد أحمد من محمد بن زياد البصري بمكة، حدثنا الحسن بن الصباح الزعفراني، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع أن مروان استخلف أبا هريرة على المدينة، فصلى بهم أبو هريرة الجمعة فقرأ سورة الجمعة في الركعة الأولى وفي الثانية: "إذا جاءك المنافقون" (المنافقون- 1) فقال عبيد الله: فلما انصرفنا مشيت إلى جنبه فقلت له: لقد قرأت بسورتين سمعت علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الصلاة؟ فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما. أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن ضمرة بن سعيد المازني، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة "أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير ماذا كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة؟ فقال: كان يقرأ بـ "هل أتاك حديث الغاشية"". أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أبو عيسى، حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة "سبح اسم ربك الأعلى"، و "هل أتاك حديث الغاشية"، وربما اجتمع في يوم واحد فيقرأ بهما". ولجواز الجمعة خمس شرائط: الوقت وهو: وقت الظهر ما بين زوال الشمس إلى دخول وقت العصر، والعدد، والإمام، والخطبة، ودار الإقامة، فإذا فقد شرط من هذه الخمسة يجب أن يصلوها ظهراً. ولا يجوز للإمام أن يبتدئ الخطبة قبل اجتماع العدد، وهو عدد الأربعين عند الشافعي، فلو اجتمعوا وخطب بهم ثم انفضوا قبل افتتاح الصلاة أو انتقص واحد من العدد لا يجوز أن يصلي بهم الجمعة، بل يصلي الظهر، ولو افتتح بهم الصلاة ثم انفضوا، فأصح أقوال الشافعي: أن بقاء الأربعين شرط إلى آخر الصلاة، كما أن بقاء الوقت شرط إلى آخر الصلاة فلو انتقص واحد منهم قبل أن يسلم الإمام يجب على الباقين أن يصلوها أربعاً. وفيه قول آخر: إن بقي معه اثنان أتمها جمعة. وقيل: إن بقي معه واحد أتمها جمعة، وعند المزني إن نقصوا بعد ما صلى الإمام بهم ركعة أتمها جمعة، وإن بقي وحده فإن كان في الركعة الأولى يتمها أربعاً وإن انتقص من العدد واحد، وبه قال أبو حنيفة في العدد الذي شرطه كالمسبوق إذا أدرك مع الإمام ركعة من الجمعة فإذا سلم الإمام أتمها جمعة وإن أدرك أقل من ركعة أتمها أربعاً. قوله عز وجل: "قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة"، أي ما عند الله من الثواب على الصلاة والثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم خير من اللهو ومن التجارة، "والله خير الرازقين"، لأنه موجد الأرزاق فإياه فاسألوا ومنه فاطلبوا.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:38 PM
الطبرى:
القول فـي تأويـل قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضّوَاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً قُلْ مَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ مّنَ اللّهْوِ وَمِنَ التّجَارَةِ وَاللّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ }.
يقول تعالى ذكره: وإذا رأى المؤمنون عير تجارة أو لهوا انْفَضّوا إلَيْها يعني أسرعوا إلى التجارة وَتَركُوكَ قائما يقول للنبيّ صلى الله عليه وسلم: وتركوك يا محمد قائما على المنبر وذلك أن التجارة التي رأوها فانفضّ القوم إليها, وتركوا النبيّ صلى الله عليه وسلم قائما كانت زيتا قدم به دحية بن خليفة من الشام. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حُمَيد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن إسماعيل السديّ, عن أبي مالك, قال: قدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام, والنبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة, فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشوا أن يسبقوا إليه, قال: فنزلت وَإذَا رَأَوْا تِجارَةً أوْ لَهْوا انْفَضّوا إلَيْها وَتَرَكُوكَ قائما.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا ابن يمان, قال: حدثنا سفيان, عن السديّ, عن قرة إذَا نُودِيَ للصّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ قال: جاء دحية الكلبي بتجارة والنبيّ صلى الله عليه وسلم قائم في الصلاة يوم الجمعة, فتركوا النبيّ صلى الله عليه وسلم وخرجوا إليه, فنزلت وَإذَا رَأَوْا تِجارَةً أوْ لَهْوا انْفَضّوا إلَيْها وَتَرَكُوكَ قائما حتى ختم السورة.
حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس, قال: حدثنا عبثر, قال: حدثنا حصين, عن سالم بن أبي الجعد, عن جابر بن عبد الله, قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجمعة, فمرّت عير تحمل الطعام, قال: فخرج الناس إلا اثني عشر رجلاً, فنزلت آية الجمعة.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, قال: قال الحسن: إن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء سعر, فقدمت عير والنبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة, فسمعوا بها, فخرجوا والنبيّ صلى الله عليه وسلم قائم, كما قال الله عزّ وجلّ.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله وَإذَا رَأَوْا تِجارَةً أوْ لَهْوا انْفَضّوا إلَيْها وَتَرَكُوكَ قائما قال: جاءت تجارة فانصرفوا إليها, وتركوا النبيّ صلى الله عليه وسلم قائما وإذا رأوا لهوا ولعبا قُلْ ما عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ مِنَ اللّهْوِ وَمِنَ التّجارَةِ وَاللّهُ خَيْرُ الرازِقينَ.
حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: وإذَا رَأَوْا تجارَةً أوْ لَهْوا انْفَضّوا إلَيْها قال: رجال كانوا يقومون إلى نواضحهم وإلى السفر يبتغون التجارة.
حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة, فجعلوا يتسللون ويقومون حتى بقيت منهم عصابة, فقال: كم أنتم؟ فعدّوا أنفسهم فإذا اثنا عشر رجلاً وامرأة ثم قام في الجمعة الثانية فجعل يخطبهم قال سفيان: ولا أعلم إلا أن في حديثه ويعظهم ويذكرهم, فجعلوا يتسللون ويقومون حتى بقيت عصابة, فقال: كم أنتم, فعدّوا أنفسهم, فإذا اثنا عشر رجلاً وامرأة ثم قام في الجمعة الثالثة فجعلوا يتسللون ويقومون حتى بقيت منهم عصابة, فقال كم أنتم؟ فعدّوا أنفسهم, فإذا اثنا عشر رجلاً وامرأة, فقال: «وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوِ اتّبَعَ آخِرُكمْ أوّلكمْ لالْتَهَبَ عَلَيْكُمُ الوَادي نارا» وأنزل الله عزّ وجلّ: وَإذَا رَأَوْا تِجارَةً أوْ لَهْوا انْفَضّوا إلَيْها وَتَركُوكَ قائما».
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله انْفَضوا إلَيْها وَتَركُوكَ قَائما قال: لو اتبع آخرهم أوّلهم لالتهب عليهم الوادي نارا.
قال: ثنا ابن ثور, قال معمر, قال قتادة: لم يبق مع النبيّ صلى الله عليه وسلم يومئذ إلا اثنا عشر رجلاً وامرأة معهم.
حدثنا محمد بن عمارة الرازي, قال: حدثنا محمد بن الصباح, قال: حدثنا هشيم, قال: أخبرنا حصين, عن سالم وأبي سفيان, عن جابر, في قوله وَتَرَكُوكَ قائما قال: قدمت عير فانفضّوا إليها, ولم يبق مع النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا.
حدثنا عمرو بن عبد الحميد الاَمُلى, قال: حدثنا جرير, عن حصين, عن سالم, عن جابر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة, فجاءت عير من الشام, فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً, قال: فنزلت هذه الاَية في الجمعة وَإذَا رَأَوْا تِجارَةَ أوْ لَهْوا انْفَضّوا إلَيْها وَتَركُوكَ قائما.
وأما اللهو, فإنه اختُلف من أيّ أجناس اللهو كان, فقال بعضهم: كان كَبَرا ومزامير. ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن سهل بن عسكر, قال: حدثنا يحيى بن صالح, قال: حدثنا سليمان بن بلال, عن جعفر بن محمد, عن أبيه, عن جابر بن عبد الله, قال: كان الجواري إذا نكحوا كانوا يمرّون بالكبر والمزامير ويتركون النبيّ صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر, وينفضون إليها, فأنزل الله وَإذَا رَأَوْا تِجارَةَ أوْ لَهْوا انْفَضّوا إلَيْها.
وقال آخرون: كان طبلاً. ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحارث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: اللهو: الطبل.
حدثني الحارث, قال: حدثنا الأشيب, قال: حدثنا ورقاء, قال: ذكر عبد الله بن أبي نجيح, عن إبراهيم بن أبي بكير, عن مجاهد أن اللهو: هو الطبل.
والذي هو أولى بالصواب في ذلك الخبر الذي رويناه عن جابر, لأنه قد أدرك أمر القوم ومشاهدهم.
وقوله: قُلْ ما عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ مِنَ اللّهْوِ وَمِنَ التّجارَةِ يقول جلّ ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد الذي عند الله من الثواب, لمن جلس مستمعا خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وموعظته يوم الجمعة إلى أن يفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها, خير له من اللهو ومن التجارة التي ينفضون إليها وَاللّهُ خَيْرُ الرازِقِينَ يقول: والله خير رازق, فإليه فارغبوا في طلب أرزاقكم, وإياه فأسألوا أن يوسع عليكم من فضله دون غيره.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:38 PM
البيضاوى:
^ وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ^ روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب للجمعة فمرت عليه عير تحمل الطعام فخرج الناس إليهم إلا اثني عشر رجلا فنزلت
وإفراد التجارة برد الكناية لأنها المقصودة فإن المراد من اللهو الطبل الذي كانوا يستقبلون به العير والترديد للدلالة على أن منهم من انفض لمجرد سماع الطبل ورؤيته أو للدلالة على أن الانفضاض إلى التجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذموما كان الانفضاض إلى اللهو أولى بذلك وقي تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها وإذا رأوا لهوا انفضوا إليه ^ وتركوك قائما ^ أي على المنبر ^ قل ما عند الله ^ من الثواب ^ خير من اللهو ومن التجارة ^ فإن ذلك محقق مخلد بخلاف ما تتوهمون من نفعهما ^ والله خير الرازقين ^ فتوكلوا عليه واطلبوا الرزق منه عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الجمعة أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أتى الجمعة ومن لم يأتها في أمصار المسلمين
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:40 PM
القرطبى:
{وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين}
قوله تعالى: "وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها" في صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا - في رواية أنا فيهم - فانزلت هذه الآية التي في الجمعة: "وإذا رأوا تجارة أو لهو انفضوا إليها وتركوك قائما". في رواية: فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. وقد ذكر الكلبي وغيره: أن الذي قدم بها دحية بن خليفة الكلبي من الشام عند مجاعة وغلاء سعر، وكان معه جميع ما يحتاج الناس من بر ودقيق وغيره، فنزل عند أحجار الزيت، وضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه؛ فخرج الناس إلا اثني عشر رجلا. وقيل: أحد عشر رجلا. قال الكلبي: وكانوا في خطبة الجمعة فانفضوا إليها، وبقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية رجال؛ حكاه الثعلبي عن ابن عباس، وذكر الدارقطني من حديث جابر بن عبدالله قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا يوم الجمعة إذ أقبلت عير تحمل الطعام حتى نزلت بالبقيع؛ فالتفتوا إليها وانفضوا إلها وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس معه إلا أربعون رجلا أنا فيهم. قال: وأنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم: "وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما). قال الدارقطني: لم يقل في هذا الإسناد "إلا أربعين رجلا" غير علي بن عاصم عن حصين، وخالفه أصحاب حصين فقالوا: لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا. وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (والذي نفسي بيده لو خرجوا جميعا لأضرم الله عليهم الوادي نارا)؛ ذكره الزمخشري. وروي في حديث مرسل أسماء الاثني عشر رجلا، رواه أسد بن عمرو والد أسد بن موسى بن أسد. وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق معه إلا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، وعبدالرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد وبلال، وعبدالله بن مسعود في إحدى الروايتين. وفي الرواية الأخرى عمار بن ياسر.
قلت: لم يذكر جابرا؛ وقد ذكر مسلم أنه كان فيهم؛ والدارقطني أيضا. فيكونون ثلاثة عشر. وإن كان عبدالله بن مسعود فيهم فهم أربعة عشر. وقد ذكر أبو داود في مراسيله السبب الذي ترخصوا لأنفسهم في ترك سماع الخطبة، وقد كانوا خليقا بفضلهم ألا يفعلوا؛ فقال: حدثنا محمود بن خالد قال حدثنا الوليد قال أخبرني أبو معاذ بكر بن معروف أنه سمع مقاتل بن حيان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى كان يوم جمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل، رجل فقال: إن دحية بن خليفة الكلبي قدم بتجارة، وكان دحية إذا قدم تلقاه أهله بالدفاف؛ فخرج الناس فلم يظنوا إلا أنه ليس في ترك الخطبة شيء؛ فأنزل الله عز وجل: "وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها". فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة يوم الجمعة وأخر الصلاة. وكان لا يخرج أحد لرعاف أو أحداث بعد النهي حتى يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، يشير إليه بأصبعه التي تلي الإبهام؛ فيأذن له النبي صلى الله عليه وسلم ثم يشير إليه بيده. فكان من المنافقين من ثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد، وكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه مستترا به حتى يخرج؛ فأنزل الله تعالى: "قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا" [النور: 63] الآية. قال السهيلي: وهذا الخبر وإن لم ينقل من وجه ثابت فالظن الجميل بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوجب أن يكون صحيحا. وقال قتادة: وبلغنا أنهم فعلوه ثلاث مرات؛ كل مرة عير تقدم من الشام، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة. وقيل: إن خروجهم لقدوم دحية الكلبي بتجارته ونظرهم إلى العير تمر، لهو لا فائدة فيه؛ إلا أنه كان مما لا إثم فيه لو وقع على غير ذلك الوجه، ولكنه لما اتصل به الإعراض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والانفضاض عن حضرته، غلظ وكبر ونزل فيه من القرآن وتهجينه باسم اللهو ما نزل. وجاء عن وسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل ما يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه). الحديث. وقد مضى في سورة "الأنفال" فلله الحمد. وقال جابر بن عبدالله: كانت الجواري إذا نكحن يمررن بالمزامير والطبل فانفضوا إليها؛ فنزلت. وإنما رد الكناية إلى التجارة لأنها أهم. وقرأ طلحة بن مصرف "وإذا رأوا التجارة واللهو انفضوا إليها". وقيل: المعنى وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه فحذف لدلالته. كما قال:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف
وقيل: الأجود في العربية أن يجعل الراجع في الذكر للآخر من الاسمين.
واختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة على أقوال؛ فقال الحسن: تنعقد الجمعة باثنين. وقال الليث وأبو يوسف، تنعقد بثلاثة. وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة: بأربعة. وقال ربيعة: باثني عشر رجلا. وذكر النجاد أبو بكر أحمد بن سليمان قال: حدثنا أبو خالد يزيد بن الهيثم بن طهمان الدقاق، حدثنا صبح بن دينار قال حدثنا المعافي بن عمران حدثنا معقل بن عبيدالله عن الزهري بسنده إلى مصعب بن عمير: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى المدينة، وأنه نزل في دار سعد بن معاذ، فجمع بهم وهم اثنا عشر رجلا ذبح لهم يومئذ شاة. وقال الشافعي: بأربعين رجلا. وقال أبو إسحاق الشيرازي في (كتاب التنبيه على مذهب الإمام الشافعي): كل قرية فيها أربعون رجلا بالغين عقلاء أحرارا مقيمين، لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء إلا ظعن حاجة، وأن يكونوا حاضرين من أول الخطبة إلى أن تقام الجمعة وجبت عليهم الجمعة. ومال أحمد وإسحاق إلى هذا القول ولم يشترطا هذه الشروط. وقال مالك: إذا كانت قرية فيها سوق ومسجد فعليهم الجمعة من غير اعتبار عدد. وكتب عمر بن عبدالعزيز: أي قرية اجتمع فيها ثلاثون بيتا فعليهم الجمعة. وقال أبو حنيفة: لا تجب الجمعة على أهل السواد والقرى، لا يجوز لهم إقامتها فيها. واشترط في وجوب الجمعة وانعقادها: المصر الجامع والسلطان القاهر والسوق القائمة والنهر الجاري. واحتج بحديث علي: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع ورفقة تعينهم. وهذا يرده حديث ابن عباس، قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقرية من قرى البحرين يقال لها جواثي. وحجة الإمام الشافعي في الأربعين حديث جابر المذكور الذي خرجه الدارقطني. وفي سنن ابن ماجة والدارقطني أيضا ودلائل النبوة للبيهقي عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي حين ذهب بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان، صلى على أبي أمامة واستغفر له - قال - فمكث كذلك حينا لا يسمع الأذان بالجمعة إلا فعل ذلك؛ فقلت له: يا أبةِ، استغفارك لأبي أمامة كلما سمعت أذان الجمعة، ما هو؟ قال: أي بني، هو أول من جمع بالمدينة في هزم من حرة بني بياضة يقال له نقيع الخضمات؛ قال قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال أربعون رجلا. وقال جابر بن عبدالله: مضت السنة أن في كل ثلاثة إماما، وفي كل أربعين فما فوق ذلك جمعة وأضحى وفطرا، وذلك أنهم جماعة. خرجه الدارقطني.
وروى أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد: قرئ على عبدالملك بن محمد الرقاشي وأنا أسمع حدثني رجاء بن سلمة قال حدثنا أبي قال حدثنا روح بن غطيف الثقفي قال حدثني الزهري عن أبي سلمة قال: قلت لأبي هريرة على كم تجب الجمعة من رجل؟ قال: لما بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين رجلا جمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قرئ على عبدالملك بن محمد وأنا أسمع قال حدثنا رجاء بن سلمة قال حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تجب الجمعة على خمسين رجلا ولا تجب على من دون ذلك). قال ابن المنذر: وكتب عمر بن عبدالعزيز: أيما قرية اجتمع فيها خمسون رجلا فليصلوا الجمعة. وروى الزهري عن أم عبدالله الدوسية قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الجمعة واجبة على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة). يعني بالقرى: المدائن. لا يصح هذا عن الزهري. في رواية (الجمعة واجبة على أهل كل قرية وإن لم يكونوا إلا ثلاثة رابعهم إمامهم). الزهري لا يصح سماعه من الدوسية. والحكم هذا متروك.
وتصح الجمعة بغير إذن الإمام وحضوره. وقال أبو حنيفة: من شرطها الإمام أو خليفته. ودليلنا أن الوليد بن عقبة والي الكوفة أبطأ يوما فصلى ابن مسعود بالناس من غير إذنه. وروي أن عليا صلى الجمعة يوم حصر عثمان ولم ينقل أنه استأذنه. وروي أن سعيد بن العاصي والي المدينة لما خرج من المدينة صلى أبو موسى بالناس الجمعة من غير استئذان. وقال مالك: إن لله فرائض في أرضه لا يضيعها؛ وليها وال أو لم يلها.
قال علماؤنا: من شرط أدائها المسجد المسقف. قال ابن العربي: ولا اعلم وجهه. قلت: وجهه قوله تعالى: "وطهر بيتي للطائفين" [الحج: 26]، وقوله: "في بيوت أذن الله أن ترفع" [النور: 36]. وحقيقة البيت أن يكون ذا حيطان وسقف. هذا العرف، والله اعلم.
قوله تعالى: "وتركوك قائما" شرط في قيام الخطيب على المنبر إذا خطب. قال علقمة: سئل عبدالله أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما أو قاعدا؟ فقال: أما تقرأ "وتركوك قائما". وفي صحيح مسلم عن كعب بن عجرة أنه دخل المسجد وعبدالرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدا فقال: انظروا إلى هذا الخبيث، يخطب قاعدا وقال الله تعالى: "وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما". وخرج عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب؛ فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب؛ فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة. وعلى هذا جمهور الفقهاء وأئمة العلماء. وقال أبو حنيفة: ليس القيام بشرط فيها. ويروى أن أول من خطب قاعدا معاوية. وخطب عثمان قائما حتى رق فخطب قاعدا. وقيل: إن معاوية إنما خطب قاعدا لسنه. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائما ثم يقعد ثم يقوم ولا يتكلم في قعدته. رواه جابر بن سمرة. ورواه ابن عمر في كتاب البخاري.
والخطبة شرط في انعقاد الجمعة لا تصح إلا بها؛ وهو قول جمهور العلماء. وقال الحسن: هي مستحبة. وكذا فال ابن الماجشون: إنها سنة وليست بفرض. وقال سعيد بن جبير: هي بمنزلة الركعتين من صلاة الظهر؛ فإذا تركها وصلى الجمعة فقد ترك الركعتين من صلاة الظهر. والدليل على وجوبها قوله تعالى: "وتركوك قائما". وهذا ذم، والواجب هو الذي يذم تاركه شرعا، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها إلا بخطبة.
ويخطب متوكئا على قوس أو عصا. وفي سنن ابن ماجة قال حدثنا هشام بن عمار حدثنا عبدالرحمن بن سعد بن عمار بن سعد قال حدثني أبي عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب في الحرب خطب على قوس، وإذا خطب في الجمعة خطب على عصا.
ويسلم إذا صعد المنبر على الناس عند الشافعي وغيره. ولم يره مالك. وقد روى ابن ماجة من حديث جابر بن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صعد المنبر سلم. التاسعة: فإن خطب على غير طهارة الخطبة كلها أو بعضها أساء عند مالك؛ ولا إعادة عليه إذا صلى طاهرا. وللشافعي قولان في إيجاب الطهارة؛ فشرطها في الجديد ولم يشترطها في القديم. وهو قول أبي حنيفة.
وأقل ما يجزي في الخطبة أن يحمد الله ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم، ويوصي بتقوى الله ويقرأ آية من القران. ويجب في الثانية أربع كالأولى؛ إلا أن الواجب بدلا من قراءة الآية في الأولى الدعاء؛ قال أكثر الفقهاء. وقال أبو حنيفة: لو اقتصر على التحميد أو التسبيح أو التكبير أجزأه. وعن عثمان رضي الله عنه أنه صعد المنبر فقال: الحمد لله، وارتج عليه فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وستأتيكم الخطب؛ ثم نزل فصلى. وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد. وقال أبو يوسف ومحمد: الواجب ما تناوله اسم خطبة. وهو قول الشافعي. قال أبو عمر بن عبدالبر: وهو أصح ما قيل في ذلك.
في صحيح مسلم عن يعلى بن أمية أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر "ونادوا يا مالك" [الزخرف: 77]. وفيه عن عمرة بنت عبدالرحمن عن أخت لعمرة قالت: ما أخذت "ق والقرآن المجيد" [ق: 1] إلا من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة. وقد مضى في أول "ق". وفي مراسيل أبي داود عن الزهري قال: كان صدر خطبة النبي صلى الله عليه وسلم (الحمد لله. نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. ونشهد أن لا إله إلا الله؛ وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى. نسأل الله ربنا أن يجعلنا ممن يطيعه ويطيع رسوله، ويتبع رضوانه ويجتنب سخطه، فإنما نحن به وله). وعنه قال: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا خطب: (كل ما هو آت قريب، ولا بعد لما هو آت. لا يعجل الله لعجلة أحد، ولا يخف لأمر الناس. ما شاء الله لا ما شاء الناس. يريد الله أمرا ويريد الناس أمرا، ما شاء الله كان ولو كره الناس. ولا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما بعد الله. لا يكون شيء إلا بإذن الله جل وعز. وقال جابر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يخطب فيقول بعد أن يحمد الله ويصلي على أنبيائه: (أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. إن العبد المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري ما الله قاض فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله صانع فيه. فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الممات. والذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم). وقد تقدم ما خطب به عليه الصلاة والسلام أول جمعة عند قدومه المدينة.
السكوت للخطبة واجب على من سمعها وجوب سنة. والسنة أن يسكت لها من يسمع ومن لم يسمع، وهما إن شاء الله في الأجر سواء. ومن تكلم حينئذ لغا؛ ولا تفسد صلاته بذلك. وفي الصحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت). الزمخشري: وإذا قال المنصت لصاحبه صه؛ فقد لغا، أفلا يكون الخطيب الغالي في ذلك لاغيا؟ نعوذ بالله من غربة الإسلام ونكد الأيام.
ويستقبل الناس الإمام إذا صعد المنبر؛ لما رواه أبو داود مرسلا عن أبان بن عبدالله قال: كنت مع عدي بن ثابت يوم الجمعة؛ فلما خرج الإمام - أو قال صعد المنبر - استقبله وقال: هكذا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون برسول الله صلى الله عليه وسلم. خرجه ابن ماجة عن عدي بن ثابت عن أبيه؛ فزاد في الإسناد: عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم. قال ابن ماجة: أرجو أن يكون متصلا. قلت: وخرج أبو نعيم الحافظ قال حدثنا محمد بن معمر قال حدثنا عبدالله بن محمد بن ناجية قال حدثنا عباد بن يعقوب قال حدثنا محمد بن الفضل الخراساني عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا. تفرد به محمد بن الفضل بن عطية عن منصور.
ولا يركع من دخل المسجد والإمام يخطب؛ عند مالك رحمه الله. وهو قول ابن شهاب رحمه الله وغيره. وفي الموطأ عنه: فخروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام. وهذا مرسل. وفي صحيح مسلم من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما). وهذا نص في الركوع. وبه يقول الشافعي وغيره.
.. .. ابن عون عن ابن سيرين قال: كانوا يكرهون النوم والإمام يخطب ويقولون فيه قولا شديدا. قال ابن عون: ثم لقيني بعد ذلك فقال: تدري ما يقولون؟ قال: يقولون مثلهم كمثل سرية أخفقوا؛ ثم قال: هل تدري ما أخفقوا؟ لم تغنم شيئا. وعن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نعس أحدكم فليتحول إلى مقعد صاحبه وليتحول صاحبه إلى مقعده).
نذكر فيها من فضل الجمعة وفرضيتها ما لم نذكره. روى الأئمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: (فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله عز وجل شيئا إلا أعطاه إياه) وأشار بيده يقللها. وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة). وروي من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أبطأ علينا ذات يوم؛ فلما خرج قلنا: احتبست! قال: (ذلك أن جبريل أتاني بكهيئة المرآة البيضاء فيها نكتة سوداء فقلت ما هذه يا جبريل قال هذه الجمعة فيها خير لك ولأمتك وقد أرادها اليهود والنصارى فأخطؤوها وهداكم الله لها قلت يا جبريل ما هذه النكتة السوداء قال هذه الساعة التي في يوم الجمعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه أو ادخر له مثله يوم القيامة أو صرف عنه من السوء مثله وإنه خير الأيام عند الله وإن أهل الجنة يسمونه يوم المزيد). وذكر الحديث. وذكر ابن المبارك ويحيى بن سلام قالا: حدثنا المسعودي عن المنهال بن عمرو عن أبى عبيده بن عبدالله بن عتبة عن ابن مسعود قال: تسارعوا إلى الجمعة فإن الله تبارك وتعالى يبرز لأهل الجنة كل يوم جمعة في كثيب من كافور أبيض، فيكونون منه في القرب - قال ابن المبارك - على قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا. وقال يحيى بن سلام: كمسارعتهم إلى الجمعة في الدنيا. وزاد فيحدث لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه قبل ذلك. قال يحيى: وسمعت غير المسعودي يزيد فيه: وهو قوله تعالى: "ولدينا مزيد" [ق: 35].
قلت: قوله "في كثيب" يريد أهل الجنة. أي وهم على كثيب؛ كما روى الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم في كل جمعة على كثيب من كافور لا يرى طرفاه وفيه نهر جار حافتاه المسك عليه جوار يقرأن القرآن بأحسن أصوات سمعها الأولون والآخرون فإذا انصرفوا إلى منازلهم أخذ كل رجل بيد ما شاء منهن ثم يمرون على قناطر من لؤلؤ إلى منازلهم فلولا أن الله يهديهم إلى منازلهم ما اهتدوا إليها لما يحدث الله لهم في كل جمعة) ذكره يحيى بن سلام. وعن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليلة أسري بي رأيت تحت العرش سبعين مدينة كل مدينة مثل مدائنكم هذه سبعين مرة مملوءة من الملائكة يسبحون الله ويقدسونه ويقولون في تسبيحهم اللهم اغفر لمن شهد الجمعة اللهم اغفر لمن اغتسل يوم الجمعة) ذكره الثعلبي. وخرج القاضي الشريف أبو الحسن علي بن عبدالله بن إبراهيم الهاشمي العيسوي من ولد عيسى بن علي بن عبدالله بن عباس رضي الله عنه بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله عز وجل يبعث الأيام يوم القيامة على هيئتها ويبعث الجمعة زهراء منيرة أهلها يحفون بها كالعروس تهدى إلى كريمها تضيء لهم يمشون في ضوئها، ألوانهم كالثلج بياضا، وريحهم يسطع كالمسك، يخوضون في جبال الكافور، ينظر إليهم الثقلان ما يطرقون تعجبا يدخلون الجنة لا يخالطهم أحد إلا المؤذنون المحتسبون). وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال (الجمعة إلى الجمعة كفاره ما بينهما ما لم تغش الكبائر) خرجه مسلم بمعناه.
وعن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها). وعن جابر بن عبدالله قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا. وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا. وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتؤجروا. واعلموا أن الله قد فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا إلى يوم القيامة فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي وله إمام عادل أو جائر استخفافا بها أو جحودا لها فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره. ألا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حج له. ألا ولا صوم له ولا بر له حتى يتوب فمن تاب تاب الله عليه. ألا لا تؤمن امرأة رجلا ولا يؤم أعرابي مهاجرا ولا يؤم فاجر مؤمنا إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه أو سوطه). وقال ميمون بن أبي شيبة: أردت الجمعة مع الحجاج فتهيأت للذهاب، ثم قلت: أين اذهب أصلي خلف هذا الفاجر؟ فقلت مرة: أذهب، ومرة لا أذهب، ثم أجمع رأيي على الذهاب، فناداني مناد من جانب البيت "يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع" [الجمعة: 9].
قوله تعالى: "قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة" فيه وجهان: أحدهما: ما عند الله من ثواب صلاتكم خير من لذة لهوكم وفائدة تجارتكم. الثاني: ما عند الله من رزقكم الذي قسمه لكم خير مما أصبتموه من لهوكم وتجارتكم. وقرأ أبو رجاء العطاردي: "قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة للذين آمنوا". "والله خير الرازقين" فمنه فاطلبوا، واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:40 PM
إبن كثير:
وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضّوَاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً قُلْ مَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ مّنَ اللّهْوِ وَمِنَ التّجَارَةِ وَاللّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ
يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ فقال تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً} أي على المنبر تخطب, هكذا ذكره غير واحد من التابعين, منهم أبو العالية والحسن وزيد بن أسلم وقتادة, وزعم مقاتل بن حيان أن التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم, وكان معها طبل فانصرفوا إليها وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر إلا القليل منهم, وقد صح بذلك الخبر فقال الإمام أحمد: حدثنا ابن إدريس عن حصين عن سالم بن أبي الجعد عن جابر قال: قدمت عير مرة المدينة, ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلاً فنزلت {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها} أخرجاه في الصحيحين من حديث سالم به.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زكريا بن يحيى, حدثنا هشيم عن حصين عن سالم بن أبي الجعد وأبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة, فقدمت عير إلى المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, حتى لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي ناراً» ونزلت هذه الاَية {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً} وقال: كان في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما, وفي قوله تعالى: {وتركوك قائماً} دليل على أن الإمام يخطب يوم الجمعة قائماً. وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس, ولكن ههنا شيء ينبغي أن يعلم وهو: أن هذه القصة قد قيل إنها كانت لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة, كما رواه أبو داود في كتاب المراسيل, حدثنا محمود بن خالد عن الوليد, أخبرني أبو معاذ بن معروف أنه سمع مقاتل بن حيان يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي يوم الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين, حتى إذا كان يوم والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب, وقد صلى الجمعة, فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارة, يعني فانفضوا ولم يبق معه إلا نفر يسير وقوله تعالى: {قل ما عند الله} أي الذي عند الله من الثواب في الدار الاَخرة {خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين} أي لمن توكل عليه وطلب الرزق في وقته. آخر تفسير سورة الجمعة ولله الحمد والمنة, وبه التوفيق والعصمة.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:41 PM
الجلالين:
(وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) التجارة لأنها مطلوبهم دون اللهو (وتركوك) في الخطبة (قائما قل ما عند الله) من الثواب (خير) للذين آمنوا (من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين) يقال كل لإنسان يرزق عائلته أي من رزق الله تعالى
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:42 PM
فتح القدير للشوكانى:
" وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما " سبب نزول هذه الآية أنه كان بأهل المدينة فاقة وحاجة، فأقبلت عير من الشام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فانفتل الناس إليه حتى لم يبق إلا إثنا عشر رجلاً في المسجد. ومعنى "انفضوا إليها" تفرقوا خارجين إليها. وقال المبرد: مالوا إليها، والضمير للتجارة، وخصت بإرجاع الضمير إليها دون اللهو لأنها كانت أهم عندهم، وقيل التقدير: وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهواً انفضوا إليه، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه كما في قول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف وقيل إنه اقتصر على ضمير التجارة، لأن الانفضاض إليها إذا كان مذموماً مع الحاجة إليها فكيف بالانفضاض إلى اللهو، وقيل غير ذلك "وتركوك قائماً" أي على المنبر: ثم أمره الله سبحانه أن يخبرهم بأن العمل للآخرة خير من العمل للدنيا فقال: "قل ما عند الله" يعني من الجزاء العظيم وهو الجنة "خير من اللهو ومن التجارة" اللذين ذهبتم إليهما وتركتم البقاء في المسجد وسماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم لأجلها "والله خير الرازقين" فمنه اطلبوا الرزق، وإليه ترسلوا بعمل الطاعة، فإن ذلك من أسباب تحصيل الرزق وأعظم ما يجلبه. وقد أخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن أبي هريرة قال: "قلت يا رسول الله لأي شيء سمي يوم الجمعة؟ قال: لأن فيه جمعت طينة أبيكم آدم، وفيه الصعقة والبعثة، وفي آخره ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها بدعوة استجاب له". وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والنسائي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن سلمان قال: "قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قالها ثلاث مرات ثم قال في الثالثة: هو اليوم الذي جمع الله في أباكم آدم أفلا أحدثكم عن يوم الجمعة" الحديث. وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة" وفي الباب أحاديث مصرحة بأنه خلق فيه آدم. وورد في فضل يوم الجمعة أحاديث كثيرة، وكذلك في فضل صلاة الجمعة وعظيم أجرها، وفي الساعة التي فيها، وأنه يستجاب الدعاء فيها، وقد أوضحت ذلك في شرحي للمنتقى بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن خرشة بن الحر قال: رأى معي عمر بن الخطاب لوحاً مكتوباً فيه "إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله" فقال: من أملى عليك هذا؟ قلت أبي بن كعب، قال: إن أبياً أقرأنا للمنسوخ اقرأها فامضوا إلى ذكر الله وروى هؤلاء ما عدا أبا عبيد عن ابن عمر قال: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نقرأ هذه الآية التي في سورة الجمعة إلا فامضوا إلى ذكر الله وأخرجه عنه أيضاً الشافعي في الأم وعبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم. وأخرجوا كلهم أيضاً عن ابن مسعود أنه كان يقرأ فامضوا إلى ذكر الله قال: ولو كان فاسمعوا لسعيت حتى يسقط ردائي. وأخرج عبد بن حميد عن أبي بن كعب أنه قرأ كذلك. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس "فاسعوا إلى ذكر الله" قال: فامضوا. وأخرج عبد بن حميد عنه أن السعي العمل. وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب: "أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانا يختلفان في تجارتهما إلى الشام، فربما قدما يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فيدعونه ويقومون، فنزلت الآية "وذروا البيع" فحرم عليهم ما كان قبل ذلك". وأخرج ابن جرير عن أنس قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: "فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله" قال: ليس لطلب دنيا، ولكن عيادة مريض، وحضور جنازة، وزيارة أخ في الله" وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: لم تؤمروا بشيء من طلب الدنيا إنما هو عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال: "بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائماً إذ قدمت عير المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يبق منهم إلا إثنا عشر رجلاً أنا فيهم [و] أبو بكر وعمر، فأنزل الله: " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها " إلى آخر السورة. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال: جاءت عير عبد الرحمن بن عوف تحمل الطعام، فخرجوا من الجمعة بعضهم يريد أن يشتري، وبعضهم يريد أن ينظر إلى دحية، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً على المنبر، وبقي في المسجد اثنا عشر رجلاً وسبع نسوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم ناراً". وفي الباب روايات متضمنة لهذا المعنى عن جماعة من الصحابة وغيرهم
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:43 PM
ابن عاشور:
(وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين[11]( عطف على جملة )إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله( الآية. عطف التوبيخ على ترك المأمور به بعد ذكر الأمر وسلكت في المعطوفة طريقة الالتفاف لخطاب إيذانا بأنهم أحرياء أن يصرف للخطاب عنهم فحرموا من الحضور. وأخبر عنهم بحال الغائبين، وفيه تعريض بالتوبيخ.
ومقتضى الظاهر أن يقال: وإذا رأيتم تجارة أو لهوا فلا تنفضوا إليها. ومن مقتضيات تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر هنا أن يكون هذا التوبيخ غير شامل لجميع المؤمنين فإن نفرا منهم بقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم حين خطبته ولم يخرجوا للتجارة ولا للهو.
وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله قال: بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يوم الجمعة إذ أقبلت عير من الشام تحمل طعاما فانفتل الناس إليها حتى لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا أنا فيهم . وفي رواية وفيهم أبو بكر وعمر، فأنزل الله فيهم هذه الآية التي في الجمعة )وإذا رأوا تجارة أو لهوا انقضوا إليها وتركوك قائما( اه. وقد ذكروا في روايات أخرى أنه بقي مع النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمان بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، وبلال، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبد الله، فهؤلاء أربعة عشر. وذكر الدارقطني في حديث جابر: أنه قال ليس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أربعون رجلا .
وعن مجاهد ومقاتل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقدم دحية بن خليفة الكلبي بتجارة فتلقاه أهله بالدفوف فخرج الناس . وفي رواية أن أهل المدينة أصابهم جوع وغلاء شديد فقدم دحية بتجارة من زيت الشام . وفي رواية وطعام وغير ذلك فخرج الناس من المسجد خشية أن يسبقوا إلى ذلك . وقال جابر بن عبد الله: كانت الجواري إذا نكحن يمررن بالمزامير والطبل فانفضوا إليها ، فلذلك قال الله تعالى )وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما(، فقد قيل إن ذلك تكرر منهم ثلاث مرات، فلا شك أن خروجهم كان تارة لأجل مجيء العير وتارة لحضور اللهو.
وروي أن العير نزلت بموضع يقال له: أحجار الزيت فتوهم الراوي فقال: بتجارة الزيت.
وضمير )إليها( عائد إلى التجارة لأنها أهم عندهم من اللهو ولأن الحدث الذي نزلت الآية عنده هو مجيء عير دحية من الشام. واكتفى به عن ضمير اللهو كما في قول قيس بن الخطيم، أو عمرو بن الحارث بن امرئ القيس:
نحن بما عندنا وأنـت بـمـا عندك راض والرأي مختلف ولعل التقسيم الذي أفادته )أو( في قوله )أو لهوا( تقسيم لأحوال المنفضين إذ يكون بعضهم من ذوي العائلات خرجوا ليمتاروا لأهلهم، وبعضهم من الشباب لا همة لهم في الميرة ولكن أحبوا حضور اللهو.
و)إذا( ظرف للزمان الماضي مجرد عن معنى الشرط لأن هذا الانفضاض مضى. وليس المراد أنهم سيعودون إليه بعد ما نزل هذا التوبيخ وما قبله من الأمر والتحريض. ومثله قوله تعالى )وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به( وقوله )ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا( الآية.
والانقضاض: مطاوع فضه إذا فرقه، وغلب إطلاقه على غير معنى المطاوعة، أي بمعنى مطلق كما تفرق. قال تعالى )هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا(.
وقوله )أو لهوا( فيه للتقسيم، أي منهم من انفض لأجل التجارة، ومنهم من انفض لأجل اللهو، وتأنيث الضمير في قوله )إليها( تغليب للفظ تجارة لأن التجارة كانت الداعي الأقوى لانفضاضهم.
وجملة )وتركوك قائما( تفظيع لفعلهم إذ فرطوا في سماع وعظ النبي صلى الله عليه وسلم، أي تركوك قائما على المنير. وذلك في خطبة الجمعة، والظاهر أنها جملة حالية، أي تركوك في حال الموعظة والإرشاد فأضاعوا علما عظيما بانفضاضهم إلى التجارة واللهو. وهذه الآية تدل على وجوب حضور الخطبة في صلاة الجمعة إذ لم يقل: وتركوا الصلاة.
وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعظهم بأن ما عند الله من الثواب على حضور الجمعة خير من فائدة التجارة ولذة اللهو. وكذلك ما أعد الله من الرزق للذين يؤثرون طاعة الله على ما يشغل عنها من وسائل الارتزاق جزاء لهم على إيثارهم جزاء في الدنيا قبل جزاء الآخرة، فرب رزق لم ينتفع به الحريص عليه وإن كان كثيرا، ورب رزق قليل ينتفع به صاحبه ويعود عليه بصلاح، قال تعالى )من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون(. وقال حكاية عن خطاب نوع قومه )فقت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا(.
وذيل الكلام بقوله )والله خير الرازقين( لأن الله يرزق الرزق لمن يرضى عنه سليما من الأكدار والآثام، ولأنه يرزق خير الدنيا وخير الآخرة، ليس غير الله قادرا على ذلك، والناس في هذا المقام درجات لا يعلمها إلا الله وهو العالم بالسرا بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:43 PM
السعدى:
"وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ "
إذا رأى بعض المسلمين تجارة أو شيئا من لهو الدنيا وزينتها تفرقوا إليها, وتركوك- يا محمد- قائما على المنبر تخطب, قل لهم- يا محمد-: ما عند الله من الثواب, والنعيم أنفع لكم من اللهو ومن التجارة, والله- وحده- خير من رزق وأعطى, فاطلبوا منه, واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده من خيري الدنيا والآخرة.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:44 PM
الفخر الرازى:
وفى الآية مباحث:
الأول: أن التجارة واللهو من قبيل ما لا يرى أصلا، ولو كان كذلك كيف يصح ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا) ؟
نقول ليس المراد إلا ما يقرب منه اللهو والتجارة، ومثله ( حتى يسمع كلام الله) إذ الكلام غير مسموع بل المسموع صوت يدل عليه.
الثانى: كيف قال ( انفضوا إليها) وقد ذكر شيئين ( تجارة أو لهوا) ؟
تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها، أو لهوا انفضوا إليه
فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه.
الثالث: أن قوله تعالى ( والله خير الرازقين) مناسب للتجارة التى مر ذكرها لا اللهو ؟
نقول بل هو مناسب للمجموع لما أن اللهو الذى مر ذكره كالتبع للتجارة لما أنهم أظهروا ذلك فرحا بوجود التجارة .
والله أعلم بالصواب، والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:44 PM
ابن عجيبة الحسنى:
أورد مثل ما أورده القرطبى فى تفسيره، وزاد بما يلى،
وقال الطيبى: الضمير ( إليها) راجع الى اللهو باعتبار المعنى، والسر فيه :
أن التجارة إذا شغلت المكلف عن الذكر عُدَّت لهوا، وتعد فضلا إن لم تشغله.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:45 PM
صفوة التفاسير:
بعد تفسير الآية بمثل ما سبق، أورد البلاغة فى الآيات، ومنها:
التفنن بتقديم الأهم فى الذكر ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا ) لأن المقصود الأساسى هو التجارة فقدمها،
ثم قال ( قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة) فقدم اللهو على التجارة لأن الخسارة بما لا نفع فيه أعظم،
فقدم ما هو أهم فى الموضعين.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:46 PM
تفسير آية 33/ النور
( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم)
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:47 PM
الطبرى:
يقول تعالـى ذكره: زَوّجوا الصالـحين من عبـادكم وإمائكم ولا تُكْرهوا إماءَكم علـى البغاء, وهو الزنا إنْ أرَدْنَ تَـحَصّنا يقول: إن أردن تعففـا عن الزنا. لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الـحَياةِ الدّنْـيا يقول: لتلتـمسوا بإكراهكم إياهنّ علـى الزنا عَرَض الـحياة, وذلك ما تعرِض لهم إلـيه الـحاجة من رِياشها وزينتها وأموالها. وَمَنْ يُكْرِهْهُنّ يقول: ومن يُكْره فَتـياته علـى البغاء, فإن الله من بعد إكراهه إياهن علـى ذلك, لهم غَفُورٌ رَحِيـمٌ, ووِزْر ما كان من ذلك علـيهم دونهن.
وذُكر أن هذه الآية أنزلت فـي عبد الله بن أبـيّ ابن سَلَول حين أكره أمته مُسَيكة علـى الزنا. ذكر من قال ذلك:
حدثنا الـحسن بن الصبـاح, قال: حدثنا حجاج بن مـحمد, عن ابن جُرَيج, قال: أخبرنـي أبو الزبـير, أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: جاءت مُسَيْكة لبعض الأنصار فقالت: إن سيدي يكرهنـي علـى الزنا فنزلت فـي ذلك: وَلا تُكْرِهُوا فَتَـيَاتِكُمْ علـى البِغاءِ.
حدثنـي يحيى بن إبراهيـم الـمسعودي, قال: حدثنا أبـي, عن أبـيه, عن جدّه, عن الأعمش, عن أبـي سفـيان عن جابر, قال: كانت جارية لعبد الله بن أبـيّ ابن سَلول يقال لها مُسَيْكة, فآجرها أو أكرهها الطبريّ شكّ فأتت النبـيّ صلى الله عليه وسلم فشكَتْ ذلك إلـيه, فأنزل الله: وَلا تُكْرِهُوا فَتَـيَاتِكُمْ عَلـى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَـحَصّنا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الـحَياةِ الدّنْـيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنّ فإنّ اللّهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهِهِنّ غَفُورٌ رَحِيـمٌ يعنـي بهنّ.
حدثنا أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس, قال: حدثنا عَبْثَر, قال: حدثنا حصين, عن الشعبـيّ, فـي قوله: وَلا تُكْرِهُوا فَتَـيَاتِكُمْ عَلـى البِغاءِ قال: رجل كانت له جارية تفجر, فلـما أسلـمت نزلت هذه.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جُرَيج, قال: أخبرنـي أبو الزبـير, عن جابر, قال: جاءت جارية لبعض الأنصار, فقالت: إن سيدي أكرهنـي علـى البغاء فأنزل الله فـي ذلك: وَلا تُكْرِهُوا فَتَـيَاتِكُمْ عَلـى البِغاءِ.
قال ابن جُرَيج: وأخبرنـي عمرو بن دينار, عن عكرِمة, قال: أمة لعبد الله بن أُبـيّ, أمرها فزنت, فجاءت ببُرْد, فقال لها: ارجعي فـازنـي قالت: والله لا أفعل, إن يك هذا خيرا فقد استكثرت منه, وإن يك شرّا فقد آن لـي أن أدعه. قال ابن جُرَيج, وقال مـجاهد نـحو ذلك, وزاد قال: البِغاء: الزنا. وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيـمٌ قال: للـمكرَهات علـى الزنا, وفـيها نزلت هذه الآية.
حدثنا الـحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الزهريّ: أن رجلاً من قريش أُسِر يوم بدر. وكان عبد الله بن أُبـيّ أسره, وكان لعبد الله جارية يقال لها مُعاذة, فكان القرشيّ الأسير يريدها علـى نفسها, وكانت مسلـمة, فكانت تـمتنع منه لإسلامها, وكان ابن أُبـيّ يُكرهها علـى ذلك ويضربها رجاء أن تـحمل للقرشيّ فـيطلب فِداء ولده, فقال الله: وَلا تُكْرِهُوا فَتَـيَاتِكُمْ عَلـى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَـحَصّنا قال الزهريّ: وَمَنْ يُكْرِهْهُنّ فإنّ اللّهَ مِنْ بَعْدِ إكْراهِهِنّ غَفُورٌ رَحِيـمٌ يقول: غفور لهنّ ما أُكْرِهن علـيه.
حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا ابن يـمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد بن جُبـير, أنه كان يقرأ: «فإنّ اللّهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهِهِنّ لَهُنّ غَفُورٌ رَحِيـمٌ».
حدثنا علـيّ, قال: حدثنا أبو صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس, قوله: وَلا تُكْرِهُوا فَتَـياتِكُمْ عَلـى البَغاءِ إنْ أرَدْنَ تَـحَصّنا يقول: ولا تكرهوا إماءكم علـى الزنا, فإن فعلتـم فإن الله سبحانه لهنّ غفور رحيـم وإثمُهنّ علـى من أكرههنّ.
حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس, قوله: وَلا تُكْرِهُوا فَتَـيَاتِكُمْ عَلـى البِغاءِ... إلـى آخر الآية, قال: كانوا فـي الـجاهلـية يُكْرهون إماءكم علـى الزنا, يأخذون أجورهنّ, فقال الله: لا تكرهوهنّ علـى الزنا من أجل الـمَنالة فـي الدنـيا, ومن يكرههنّ فإن الله من بعد إكراههنّ غفور رحيـم لهن يعنـي إذا أكرهن.
حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: وَلا تُكْرِهُوا فَتَـيَاتِكُمْ عَلـى البِغاءِ علـى الزنا. قال: عبد الله بن أُبـيّ ابن سَلُولَ أمر أمة له بـالزنا, فجاءته بدينار أو بُبرد شكّ أبو عاصم فأعطته, فقال: ارجعي فـازنـي بآخر فقالت: والله ما أنا براجعة, فـالله غفور رحيـم للـمكْرَهات علـى الزنا ففـي هذا أنزلت هذه الآية.
حدثنـي الـحارث, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, نـحوه, إلاّ أنه قال فـي حديثه: أمر أمة له بـالزنا, فزنت, فجاءته ببرد فأعطته. فلـم يشُكّ.
حُدثت عن الـحسين, قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد, قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله: وَلا تُكْرِهُوا فَتَـيَاتِكُمْ عَلـى البِغاءِ يقول: علـى الزنا. فإنّ اللّهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهِهِنّ غَفُورٌ رَحِيـمٌ يقول: غفور لهنّ, للـمكرهات علـى الزنا.
حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: وَمَنْ يُكْرِهْهُنّ فإنّ اللّهَ مِنُ بَعْدِ إكْرَاهِهِنّ غَفُورٌ قال: غفور رحيـم لهنّ حين أكرهن وقُسِرْن علـى ذلك.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا جرير, عن منصور, عن مـجاهد, قال: كانوا يأمرون ولائدهم يُبـاغِين, يفعلن ذلك, فـيصبن, فـيأتـينهم بكسبهنّ, فكانت لعبد الله بن أُبـيّ ابن سَلُولَ جارية, فكانت تُبـاغِي, فكرهت وحلفت أن لا تفعله, فأكرهها أهلها, فـانطلقت فبـاغت ببرد أخضر, فأتتهم به, فأنزل الله تبـارك وتعالـى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَـيَاتِكُمْ عَلـى البِغاءِ... الآية.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:48 PM
البغوى:
. قوله عز وجل: "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً" الآية، نزلت في عبد الله بن أبي سلول المنافق، كانت له جاريتان: معاذة ومسيكة، وكان يكرههما على الزنا بالضريبة يأخذها منهما، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية، يؤجرون إماءهم، فلما جاء الإسلام/ قالت معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين، فإن يك خيراً فقد استكثرنا منه، وإن يك شراً فقد آن لنا أن ندعه، فأنزل الله هذه الآية. وروي أنه جاءت الجاريتين يوماً ببرد وجاءت الأخرى بدينار، فقال لهما: ارجعا فازنيا، قالتا: والله لا نفعل، قد جاء الإسلام وحرم الزنا، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكتا إليه، فأنزل هذه الآية: "ولا تكرهوا فتياتكم" إماءكم "على البغاء" أي: الزنا "إن أردن تحصناً" أي: إذا أردن، وليس معناه الشرط، لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا وإن لم يردن تحصناً، كقوله تعالى: "وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين" (آل عمران-139)، أي: إذا كنتم مؤمنين وقيل: شرط إرادة التحصن لأن الإكراه إنما يكون عند إرادة التحصن، فإذا لم ترد التحصن بغت طوعاً، والتحصن: التعفف. وقال الحسن بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: وأنكحوا الأيامى منكم إن أردن تحصناً ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء. "لتبتغوا عرض الحياة الدنيا"، أي: لتطلبوا من أموال الدنيا، يريد من كسبهن وبيع أولادهن، "ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم"، يعني المكرهات، والوزر على المكره. وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: لهن والله لهن والله.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:49 PM
الكشاف للزمخشرى:
. وروي أنه كان لحويطب بن عبد العزي مملوك يقال له الصبيح: سأل مولاه أن يكاتبه فأبى فنزلت. ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتتبغوا عرض الحياة الدنيا كانت إماء أهل الجاهلية يساعين على مواليهن وكان لعبد الله بن أبي رأس النفاق ست جوار معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة يكرههن على البغاء وضرب عليهن ضرائب فشكت ثنتان منهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزلت ويكنى بالفتى والفتاة: عن العبد والأمة. وفي الحديث: (ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي) والبغاء: مصدر البغي. فإن قلت: لم أقحم قوله {إن أردن تحصنا} قلت: لأن الإكراه لا يتأتى إلا مع إرادة التحصن وآمر الطيعة المواتية للبغاء لا يسمى مكرهاً ولا أمره إكراهاً. وكلمة {إن} وإيثارها على (إذا) إيذان بأن المساعيات كن يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهن وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من حيز الشاذ النادر {غفور رحيم} لهم أو لهن أو لهم ولهن إن تابوا وأصلحوا. وفي قراءة ابن عباس: (لهن غفور رحيم) فإن قلت: لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهن لأن المكرهة على الزنى بخلاف المكره عليه في أنها غير آثمة. قلت: لعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل أو بما يخاف منه التلف أو ذهاب العضو من ضرب عنيف أو غيره حتى تسلم من الإثم وربما قصرت عن الحد الذي تعذر فيه فتكون آثمة.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:49 PM
البيضاوى:
^ ولا تكرهوا فتياتكم ^ إماءكم ^ على البغاء ^ على الزنا كانت لعبد اله بن أبي ست جوار يكرههن على الزنا وضرب عليهن الضرائب فشكا بعضهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ^ إن أردن تحصنا ^ تعففا شرط للإكراه فإنه لا يوجد دونه وإن جعل شرطا للنهي لم يلزم من عدمه جواز الإكراه لجواز أن يكون ارتفاع النهي بامتناع المنهي عنه وإيثار إن على إذا لأن إرادة التحصن من الإماء كالشاذ النادر ^ لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن ^
^ الله من بعد إكراههن غفور رحيم ^ أي لهن أوله إن تاب والأول أوفق للظاهر ولما في مصحف ابن مسعود رضي الله تعالى عنه من بعد إكراههن لهن غفور رحيم ولا يرد عليه أن المكرمة غير آثمة فلا حاجة إلى المغفرة لأن الإكراه لا ينافي المؤاخذة بالذات ولذلك حرم على المكره القتل وأوجب عليه القصاص
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:50 PM
القرطبى:
قوله تعالى: "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا" روي عن جابر بن عبدالله وابن عباس رضي الله عنهم أن هذه الآية نزلت في عبدالله بن أبيّ، وكانت له جاريتان إحداهما تسمى معاذة والأخرى مسيكة، وكان يكرههما على الزنى ويضربهما عليه ابتغاء الأجر وكسب الولد فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين. ومعاذة هذه أم خولة التي جادلت النبي صلى الله عليه وسلم في زوجها. وفي صحيح مسلم عن جابر أن جارية لعبدالله بن أبيّ يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة فكان يكرههما على الزنى، فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء - إلى قوله - غفور رحيم". "إن أردن تحصنا" راجع إلى الفتيات، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يمكن ويتصور أن يكون السيد مكرها، ويمكن أن ينهى عن الإكراه. وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن فلا يتصور أن يقال للسيد لا تكرهها؛ لأن الإكراه لا يتصور فيها وهي مريدة للزني. فهذا أمر في سادة وفتيات حالهم هذه. وإلى هذا المعنى أشار ابن العربي فقال: إنما ذكر الله تعالى إرادة التحصن من المرأة لأن ذلك هو الذي يصور الإكراه؛ فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى لم يتصور إكراه، فحصلوه. وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين؛ فقال بعضهم قوله: "إن أردن تحصنا" راجع إلى الأيامى، قال الزجاج والحسين بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير؛ أي وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم إن أردن تحصنا. وقال بعضهم: هذا الشرط في قوله: "إن أردن" ملغى، ونحو ذلك مما يضعف والله الموفق.
قوله تعالى: "لتبتغوا عرض الحياة الدنيا" أي الشيء الذي تكسبه الأمة بفرجها والولد يسترق فيباع. وقيل: كان الزاني يفتدي ولده من المزني بها بمائة من الإبل يدفعها إلى سيدها. "ومن يكرههن" أي يقهرهن. "فإن الله من بعد إكراههن غفور" لهن "رحيم" بهن. وقرأ ابن مسعود وجابر بن عبدالله وابن جبير "لهن غفور" بزيادة لهن. وقد مضى الكلام في الإكراه في "النحل" والحمد لله. ثم عدد تعالى على المؤمنين نعمه فيما أنزل إليهم من الآيات المنيرات وفيها ضرب لهم من أمثال الماضين من الأمم ليقع التحفظ مما وقع أولئك فيه.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:51 PM
ابن كثير:
وقوله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} الاَية, كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني, وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت, فلماء جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك, وكان سبب نزول هذه الاَية الكريمة, فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف في شأن عبد الله بن أبيّ ابن سلول, فإنه كان له إماء, فكان يكرههن على البغاء طلباً لخراجهن, ورغبة في أولادهن ورياسة منه فيما يزعم.
ذكر الاَثار الواردة في ذلك
قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبدالخالق البزار رحمه الله في مسنده: حدثنا أحمد بن داود الواسطي, حدثنا أبو عمرو اللخمي يعني محمد بن الحجاج, حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري قال: كانت جارية لعبد الله بن أبيّ ابن سلول, يقال لها معاذة يكرهها على الزنا, فلما جاء الإسلام نزلت {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} الاَية, وقال الأعمش عن أبي سفيان عن جابر في هذه الاَية, قال: نزلت في أمة لعبد الله بن أبيّ ابن سلول يقال لها مسيكة, كان يكرهها على الفجور, وكانت لا بأس بها فتأبى, فأنزل الله هذه الاَية {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ـ إلى قوله ـ ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} وروى النسائي من حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر نحوه.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن علي, حدثنا علي بن سعيد, حدثنا الأعمش, حدثني أبو سفيان عن جابر قال: كان لعبد الله بن أبيّ ابن سلول, جارية يقال لها مسيكة, وكان يكرهها على البغاء, فأنزل الله {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ـ إلى قوله ـ ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} صرح الأعمش بالسماع من أبي سفيان بن طلحة بن نافع, فدل على بطلان قول من قال: لم يسمع منه إنما هو صحيفة حكاه البزار. وقال أبو داود الطيالسي عن سليمان بن معاذ عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس: أن جارية لعبد الله بن أبي كانت تزني في الجاهلية فولدت أولاداً من الزنا, فقال لها مالك: لتزنين, قالت: والله لا أزني, فضربها فأنزل الله عز وجل {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء}.
وروى البزار أيضا: حدثنا أحمد بن داود الوسطي, حدثنا أبو عمرو اللخمي يعني محمد بن الحجاج, حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال:كانت جارية لعبدالله بن أُبي, يقال لها معاذ , يكرهها على الزنا, فلما جاء الاسلام نزلت {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاى إن أردن تحصناًـ إلى قوله ـ و من يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري أن رجلاً من قريش أسر يوم بدر وكان عند عبد الله بن أبيّ أسيراً, وكانت لعبد الله بن أبيّ جارية يقال لها معاذة وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها وكانت مسلمة وكانت تمتنع منه لإسلامها, وكان عبد الله بن أبيّ يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل من القرشي فيطلب فداء ولده, فقال تبارك وتعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً}.
وقال السدي: أنزلت هذه الاَية الكريمة في عبد الله بن أبيّ ابن سلول رأس المنافقين وكانت له جارية تدعى معاذة وكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الثواب منه والكرامة له. فأقبلت الجارية إلى أبي بكر رضي الله عنه فشكت إليه فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فأمره بقبضها فصاح عبد الله بن أبيّ من يعذرنا من محمد يغلبنا على مملوكتنا فأنزل الله فيهم هذا, وقال مقاتل بن حيان: بلغني ـ والله أعلم ـ أن هذه الاَية نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما إحداهما اسمها مسيكة وكانت للأنصار, وكانت أميمة أم مسيكة لعبد الله بن أبيّ وكانت معاذة وأروى بتلك المنزلة, فأتت مسيكة وأمها النبي صلى الله عليه وسلم فذكرتا ذلك له, فأنزل الله في ذلك {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} يعني الزنا.
وقوله تعالى: {إن أردن تحصناً} هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له, وقوله تعالى: {لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} أي من خراجهن ومهورهن وأولادهن وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن, وفي رواية «مهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث, وثمن الكلب خبيث» وقوله تعالى: {ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} أي لهن كما تقدم في الحديث عن جابر. وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: فإن فعلتم فإن الله لهن غفور رحيم, وإثمهن على من أكرههن وكذا قال مجاهد وعطاء الخراساني والأعمش وقتادة.
وقال أبو عبيد: حدثني إسحاق الأزرق عن عوف عن الحسن في هذ الاَية {فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} قال لهن والله لهن والله. وعن الزهري قال غفور لهن ما أكرهن عليه. وعن زيد بن أسلم قال غفور رحيم للمكرهات, حكاهن ابن المنذر في تفسيره بأسانيده, وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا يحيى بن عبد الله, حدثني ابن لهيعة, حدثني عطاء عن سعيد بن جبير قال في قراءة عبد الله بن مسعود{فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم} لهن وإثمهن على من أكرههن, وفي الحديث المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه».
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:51 PM
الجلالين:
(ولا تكرهوا فتياتكم) إماءكم (على البغاء) الزنا (إن أردن تحصنا) تعففا عنه وهذه الإرادة محل الإكراه فلا مفهوم للشرط (لتبتغوا) بالإكراه (عرض الحياة الدنيا) نزلت في عبد الله بن أبي كان يكره جواريه على الكسب بالزنا (ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور) لهن (رحيم) بهن
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:52 PM
فتح القدير للشوكانى:
ثم إنه سبحانه لما أرشد الموالي إلى نكاح الصالحين من المماليك، نهى المسلمين عما كان يفعله أهل الجاهلية من إكراه إمائهم على الزنا فقال: "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء" والمراد بالفتيات هنا الإماء وإن كان الفتى والفتاة قد يطلقان على الأحرار في مواضع أخر. والبغاء: الزنا، مصدر بغت المرأة تبغي بغاءً إذا زنت، وهذا مختص بزنا النساء، فلا يقال للرجل إذا زنا إنه بغي، وشرط الله سبحانه هذا النهي بقوله: "إن أردن تحصناً" لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادتهم للتحصن، فإن من لم ترد التحصن لا يصح أن يقال لها مكرهة على الزنا، والمراد بالتحصن هنا: التعفف والتزوج. وقيل إن هذا القيد راجع إلى الأيامى. قال الزجاج والحسن بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير: أي وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم وإمائكم إن أردن تحصناً. وقيل هذا الشرط. ملغى. وقيل إن هذا الشرط باعتبار ما كانوا عليه، فإنهم كانوا يكرهونهن وهن يردن التعفف، وليس لتخصص النهي بصورة إرادتهن التعفف. وقيل إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أن الإكراه لا يكون إلا عند إرادة التحصن، فلا يلزم منه جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن، وهذا الوجه أقوى هذه الوجوه، فإن الأمة قد تكون غير مريدة للحلال ولا للحرام كما فيمن لا رغبة لها في النكاح، والصغيرة فتوصف بأنها مكرهة على الزنا مع عدم إرادتها للتحصن، فلا يتم ما قيل من أنه لا يتصور الإكراه إلا عند إرادة التحصن، إلا أن يقال إن المراد بالتحصن هنا مجرد التعفف، وأنه لا يصدق على من كانت تريد الزواج أنها مريدة للتحصن وهو بعيد، فقد قال الحبر بن العباس: إن المراد بالتحصن التعفف والتزوج، وتابعه على ذلك غيره. ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله: "لتبتغوا عرض الحياة الدنيا" وهو ما تكسبه الأمة بفرجها، وهذا التعليل أيضاً خارج مخرج الغالب، والمعنى: أن هذا العرض هو الذي كان يحملهم على إكراهالإماء على البغاء في الغالب، لأن إكراه الرجل لأمته على البغاء لا لفائدة له أصلاً لا يصدر مثله عن العقلاء، فلا يدل هذا التعليل على أنه يجوز له أن يكرهها، إذا لم يكن مبتغياً بإكراهها عرض الحياة الدنيا. وقيل إن هذا التعليل للإكراه هو باعتبار أن عادتهم كانت كذلك، لا أنه مدار للنهي عن الإكراه لهن، وهذا يلاقي المعنى الأول ولا يخالفه "ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم" هذا مقرر لما قبله ومؤكد له،والمعنى أن عقوبة الإكراه راجعة إلى المكرهين لا إلى المكرهات، كما تدل عليه قراءة ابن مسعود وجابر بن عبد الله وسعيد بن جبير: فإن الله غفور رحيم لهن. قيل وفي هذا التفسير بعد، لأن المكرهة على الزنا غير أثمة. واجيب بأنها وإن كانت مكرهة، فربما لا تخلو في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة إما بحكم الجبلة البشرية، أو يكون الإكراه قاصراً عن حد الإلجاء المزيل للاختيار. وقيل إن المعنى: فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهم: إما مطلقاً، أو بشرط التوبة.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:53 PM
أضواء البيان للشنقيطى:
{وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. قوله تعالىٰ في هذه الآية الكريمة: {فِإِنَّ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، قيل: غفور لهن، وقيل: غفور لهم، وقيل: غفور لهنّ ولهم.
وأظهرها أن المعنى غفور لهنّ لأن المكره لا يؤاخذ بما أُكره عليه، بل يغفره اللَّه له لعذره بالإكراه؛ كما يوضحه قوله تعالىٰ: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ}، ويؤيّده قراءة ابن مسعود، وجابر بن عبد اللَّه، وابن جبير، فإن اللَّه من بعد إكراههنّ لهنّ غفور رحيم، ذكره عنه القرطبي، وذكره الزمخشري عن ابن عباس رضي اللَّه عنهم جميعًا.
وقد قدّمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أنّا لا نبيّن القرءان بقراءة شاذّة، وربما ذكرنا القراءة الشاذّة استشهادًا بها لقراءة سبعية كما هنا، فزيادة لفظة لهنّ في قراءة من ذكرنا استشهاد بقراءة شاذّة لبيان بقراءة غير شاذّة أن الموعود بالمغفرة والرحمة، هو المعذور بالإكراه دون المكره؛ لأنه غير معذور في فعله القبيح، وذلك بيان المذكور بقوله: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَـٰنِ}.
وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهن؛ لأن المكرهة على الزنى، بخلاف المكره عليه في أنها غير آثمة.
قلت: لعلّ الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل، أو بما يخاف منه التلف، أو ذهاب العضو من ضرب عنيف أو غيره، حتى يسلم من الإثم، وربما قصرت عن الحدّ الذي تعذّر فيه فتكون آثمة، انتهى منه.
والذي يظهر أنه لا حاجة إليه، لأن إسقاط المؤاخذة بالإكراه يصدق عليه أنه غفران ورحمة من اللَّه بعبده، والعلم عند اللَّه تعالىٰ.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:54 PM
ابن عاشور:
ولا تكرهوا فتيتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ( انتقال إلى تشريع من شؤون المعاملات بين الرجال والنساء التي لها أثر في الأنساب ومن شؤون حقوق الموالي والعبيد، وهذا الانتقال لمناسبة ما سبق من حكم الاكتساب المنجر من العبيد لمواليهم وهو الكتابة فانتقل إلى حكم البغاء.
والبغاء مصدر: باغت الجارية. إذا تعاطت الزنى بالأجر حرفة لها، فالبغاء الزنى بأجرة. واشتقاق صيغة المفاعلة فيه للمبالغة والتكرير ولذلك لا يقال إلا: باغت الأمة. ولا يقال: بغت. وهو مشتق من البغي بمعنى الطلب كما قال عياض في المشارق لأن سيد الأمة بغى بها كسبا. وتسمى المرأة المحترفة له بغيا بوزن فعول بمعنى فاعل ولذلك لا تقترن به هاء التأنيث. فأصل بغي بغوي فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء.
وقد كان هذا البغاء مشروعا في الشرائع السالفة فقد جاء في سفر التكوين في الإصحاح38: فخلعت عنها ثياب ترملها وتغطت ببرقع وتلففت وجلست في مدخل عينائم التي على الطريق ثم قال فنظرها يهوذا وحسبها زانية لأنها كانت قد غطت وجهها فمال إليها على الطريق وقال: هاتي أدخل عليك. فقالت: ماذا تعطيني? فقال: أرسل لك جدي معزى من الغنم.. ثم قال ودخل عليها فحبلت منه .
وقد كانت في المدينة إماء بغايا منهن ست إماء لعبد الله بن أبي بن سلول وهن: معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة، وكان يكرههن على البغاء بعد الإسلام. قال ابن العربي: روى مالك عن الزهري أن رجلا من أسرى قريش في يوم بدر قد جعل عند عبد الله بن أبي وكان هذا الأسير يريد معاذة على نفسها وكانت تمتنع منه لأنها أسلمت وكان عبد الله بن أبي يضربها على امتناعها منه رجاء أن تحمل منه أي من الأسير القرشي فيطلب فداء ولده، أي فداء رقه من ابن أبي. ولعل هذا الأسير كان مؤسرا له مال بمكة وكان الزاني بالأمة يفتدي ولده بمائة من الإبل يدفعها لسيد الأمة، وأنها شكته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية.
وقالوا إن عبد الله ابن أبي كان قد أعد معاذة لإكرام ضيوفه فإذا نزل عليه ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الكرامه له. فأقبلت معاذة إلى أبي بكر فشكت ذلي إليه فذكر أبو بكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأمر النبي أبا بكر بقبضها فصاح عبد الله بن أبي: من يعذرنا من محمد يغلبنا على مماليكنا. فأنزل الله هذه الآية، أي وذلك قبل أن يتظاهر عبد الله بن أبي بالإسلام. وجميع هذه الآثار متظافرة على أن هذه الآية كان بها تحريم البغاء على المسلمين والمسلمات المالكات أمر أنفسهن.
وكان بمكة تسع بغايا شهيرات يجعلن على بيوتهن رايات مثل رايات البطار ليعرفهن الرجال، وهن كما ذكر الواحدي: أم مهزول جارية السائب المخزومي، وأم غليظ جارية صفوان بن أمية، وحية القبطية جارية العاصي ابن وائل، ومزنة جارية مالك بن عميلة بن السباق، وجلالة جارية سهيل بن عمرة، وأم سويد جارية عمرو بن عثمان المخزومي، وشريفة جارية ربيعة ابن أسود، وقرينة أم قريبة جارية هشام بن ربيعة، وقرينة جارية هلال بن أنس. وكانت بيوتهن تسمى في الجاهلية المواخير.
قلت: وتقدم أن من البغايا عناق ولعلها هي أم مهزول كما يقتضيه كلام القرطبي في تفسير قوله تعالى )الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة(. ولم أقف على أن واحدة من هؤلاء اللاتي كن بمكة أسلمت وأما اللاتي كن بالمدينة فقد أسلمت منهن معاذة ومسيكة وأميمة، ولم أقف على أسماء الثلاث الأخر في الصحابة فلعلهن هلكن قبل أن يسلمن.
والبغاء في الجاهلية كان معدودا من أصناف النكاح. ففي الصحيح من حديث عائشة أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها.
ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طئها أرسلي إلي فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب. وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع.
ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومر عليها الليالي بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمى من أحبت باسمه فيلحق به ولدها.
ونكاح رابع يجتمع الناس فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن الرايات تكون علما، فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت جمعوا لها ودعوا لهم القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاط به ودعى ابنه، فلما بعث محمد بالحق هدم نكاح الجاهلية كل إلا نكاح الناس اليوم اه.
فكان البغاء في الحرائر باختيارهن إياه للارتزاق، وكانت عناق صاحبة مرثد بن أبي مرثد التي تقدم ذكرها عند قوله تعالى )الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة(. وكان في الإماء من يلزمهن سادتهن عليه لاكتساب أجور بغائهن فكما كانوا يتخذون الإماء للخدمة وللتسري كانوا يتخذون بعضهن للاكتساب وكانوا يسمون أجرهن مهرا كما جاء في حديث أبي مسعود أن رسول الله نهى عن مهر البغي ولأجل هذا اقتصرت الآية على ذكر الفتيات جمع فتاة بمعنى الأمة، كما قالوا للعبد: غلام.
واعلم أن تفسير هذه الآية معضل وأن المفسرين ما وفوها حق البيان وما أتوا إلا إطنابا في تكرير مختلف الروايات في سبب نزولها وأسماء من وردت أسماؤهم في قضيتها دون إفصاح عما يستخلصه الناظر من معانيها وأحكامها.
ولا ريب أن الخطاب بقوله تعالى )ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء( موجه إلى المسلمين، فإذا كانت قصة أمة ابن أبي حدثت بعد أن أظهر سيدها الإسلام كان هو سبب النزول فشمله العموم لا محالة، وإن كانت حدثت قبل أن يظهر الإسلام فهو سبب ولا يشمله الحكم لأنه لم يكن من المسلمين يومئذ وإنما كان تذمر أمته من داعيا لنهي المسلمين عن إكراه فتياتهم على البغاء. وأياما كان فالفتيات مسلمات لأن المشركات لا يخاطبن بفروع الشريعة؛ وقد كان إظهار عبد الله بن أبي الإسلام في أثناء السنة الثانية من الهجرة فإنه تردد زمنا في الإسلام ولما رأى قومه دخلوا في الإسلام دخل فيه كارها مصرا على النفاق. ويظهر أن قصة أمته حدثت في مدة صراحة كفره لما علمت مما روي عن الزهري من قول ابن أبي حين نزلت: من يعذرنا من محمد يغلبنا على مماليكنا، ونزول سورة النور كان في حدود السنة الثانية كما علمت في أول الكلام عليها فلا شك أن البغاء الذي هو من عمل الجاهلية استمر زمنا بعد الهجرة بنحو سنة.
ولا شك أن البغاء يمت إلى الزاني بشبه لما فيه من تعريض الأنساب للاختلاط وإن كان لا يبلغ مبلغ الزنى في خرم كلية حفظ النسب من حيث كان الزانى سرا لا يطلع عليه إلا من اقترفه وكان البغاء علنا، وكانوا يرجعون في إلحاق الأبناء الذي تلدهم البغايا بآبائهم إلى إقرار البغي بأن الحمل ممن تعينه. واصطلحوا على الأخذ بذلك في النسب فكان شبيها بالاستلحاق على أنه قد يكون من البغايا من لا ضبط لها في هذا الشأن فيفضي الأمر إلى عدم التحاق الولد بأحد.
ولا شك في أن الزنى كان محرما تحريما شديدا على المسلم من مبدإ ظهور الإسلام. وكانت عقوبته فرضت في حدود السنة الأولى بعد الهجرة بنزول سورة النور كما تقدم في أولها. وقد أثبتت عائشة أن الإسلام هدم أنكحة الجاهلية الثلاثة وأبقى النكاح المعروف ولكنها لم تعين ضبط زمان ذلك الهدم.
ولا يعقل أن يكون البغاء محرما قبل نزول هذه الآية إذ لم يعرف قبلها شيء في الكتاب والسنة يدل على تحريم البغاء، ولأنه لو كان كذلك لم يتصور حدوث تلك الحوادث التي كانت سبب نزول الآية إذ لا سبيل للإقدام على محرم بين المسلمين أمثالهم.
ولذلك فالآية نزلت توطئة لإبطاله كما نزل قوله تعالى )يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى( توطئة لتحريم الخمر البتة. وهو الذي جرى عليه المفسرون مثل الزمخشري والفخر بظاهر عباراتهم دون صراحة بل بما تأولوا به معاني الآية إذ تأولوا قوله )إن أردن تحصنا( بأن الشرط لا يراد به عدم النهي عن الإكراه على البغاء إذا انتفت إرادتهن التحصن بل كان الشرط خرج مخرج الغالب لأن إرادة التحصن هي غالب أحوال الإماء البغايا المؤمنات إذ كن يحببن التعفف، أو لأن القصة التي كانت سبب نزول الآية كانت معها إرادة التحصن.
والداعي إلى ذكر القيد تشنيع حالة البغاء في الإسلام بأنه عن إكراه وعن منع من التحصن. ففي ذكر القيدين إيماء إلى حكمة تحريمه وفساده وخباثة الاكتساب به.
وذكر )إن أردن تحصنا( لحالة الإكراه إذ إكراههم إياهن لا يتصور إلا وهن يأبين وغالب الإباء أن يكون عن إرادة التحصن. هذا تأويل الجمهور ورجعوا في الحامل على التأويل إلى حصول إجماع الأمة على حرمة البغاء سواء كان الإجماع لهذه الآية أو بدليل آخر انعقد الإجماع على مقتضاه فلا نزاع في أن الإجماع على تحريم البغاء ولكن النظر في أن تحريمه هل كان بهذه الآية.
وأنا أقول: إن ذكر الإكراه جرى على النظر لحال القضية التي كانت سبب النزول.
والذي يظهر من كلام ابن العربي أنه قد نحا بعض العلماء إلى اعتبار الشرط في الآية دليلا على تحريم الإكراه على البغاء بقيد إرادة الإماء التحصن. فقد تكون الآية توطئة لتحريم البغاء تحريما باتا، فحرم على المسلمين أن يكرهوا إماءهم على البغاء لأن الإماء المسلمات يكرهن ذلك ولا فائدة لهن فيه، ثم لم يلبث أن حرم تحريما مطلقا كما دل عليه حديث أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن مهر البغي، فإن النهي عن أكله يقتضي إبطال البغاء.
وقد يكون هذا الاحتمال معضودا بقوله تعالى بعده )ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم( كما يأتي.
وفي تفسير الأصفهاني: وقيل إنما جاء النهي عن الإكراه لا عن البغاء لأن حد الزنا نزل بعد هذا . وهذا يقتضي أن صاحب هذا القول يجعل أول السورة نزل بعد هذه الآيات ولا يعرف هذا.
وقوله )لتبتغوا عرض الحياة الدنيا( متعلق ب)تكرهوا( أي لا تكرهوهن لهذه العلة. ذكر هذه العلة لزيادة التبشيع كذكر )إن أردن تحصنا(.
و)عرض الحياة( هو الأجر الذي يكتسبه الموالي من إمائهم وهو ما يسمى بالمهر أيضا.
وأما قوله )ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم( فهو صريح في أنه حكم متعلق بالمستقبل لأنه مضارع في حيز الشرط، وهو صريح في أنه عفو عن إكراه.
والذي يشتمل عليه هذا الخبر جانبان: جانب المكرهين وجانب المكرهات بفتح الراء ، فأما جانب المكرهين فلا يخطر بالبال أن الله غفور رحيم لهم بعد أن نهاهم عن الإكراه إذ ليس لمثل هذا التبشير نظير في القرآن.
وأما الإماء المكرهات فإن الله غفور رحيم لهن. وقد قرأ بهذا المقدر عبد الله بن مسعود وابن عباس فيما يروى عنهما وعن الحسن أنه كان يقول غفور رحيم لهن والله . وجعلوا فائدة هذا الخبر أن الله عذر المكرهات لأجل الإكراه، وأنه من قبيل قوله )فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم(. وعلى هذا فهو تعريض بالوعيد للذين يكرهون الإماء على البغاء.
ومن المفسرين من قدر المحذوف ضمير )من( الشرطية، أي غفور رحيم له، وتأولوا ذلك بأنه بعد أن يقلع ويتوب وهو تأويل بعيد.
وقوله )فإن الله غفور رحيم( دليل جواب الشرط إذ حذف الجواب إيجازا واستغنى عن ذكره بذكر علته التي تشمله وغيره. والتقدير: فلا إثم عليهن فإن الله غفور رحيم لأمثالهن ممن أكره على فعل جريمة.
والفاء رابطة الجواب.
وحرف )إن( في هذا المقام يفيد التعليل ويغني غناء لام التعلل.
)ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين[34]( ذيلت الأحكام والمواعظ التي سبقت بإثبات نفعها وجدواها لما اشتملت عليه مما ينفع الناس ويقيم عمود جماعتهم ويميز الحق من الباطل ويزيل من الأذهان اشتباه الصواب بالخطأ فيعلم الناس طرق النظر الصائب والتفكير الصحيح، وذلك تنبيه لما تستحقه من التدبر فيها ولنعمة الله على الأمة بإنزالها ليشكروا الله حق شكره.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:55 PM
السعدى:
ثم قال تعالى: { وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ } أي: إماءكم { عَلَى الْبِغَاءِ } أي: أن تكون زانية { إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } لأنه لا يتصور إكراهها إلا بهذه الحال، وأما إذا لم ترد تحصنا فإنها تكون بغيا، يجب على سيدها منعها من ذلك، وإنما هذا نهى لما كانوا يستعملونه في الجاهلية، من كون السيد يجبر أمته على البغاء، ليأخذ منها أجرة ذلك، ولهذا قال: { لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فلا يليق بكم أن تكون إماؤكم خيرا منكم، وأعف عن الزنا، وأنتم تفعلون بهن ذلك، لأجل عرض الحياة، متاع قليل يعرض ثم يزول.
فكسبكم النزاهة، والنظافة، والمروءة -بقطع النظر عن ثواب الآخرة وعقابها- أفضل من كسبكم العرض القليل، الذي يكسبكم الرذالة والخسة.
ثم دعا من جرى منه الإكراه إلى التوبة، فقال: { وَمَنْ يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ } فليتب إلى الله، وليقلع عما صدر منه مما يغضبه، فإذا فعل ذلك، غفر الله ذنوبه، ورحمه كما رحم نفسه بفكاكها من العذاب، وكما رحم أمته بعدم إكراهها على ما يضرها.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:57 PM
تفسير آية 38-39/ الزخرف
( حتى إذا جاءنا قال ياليت بينى وبينك بعد المشرقين فبئس القرين. ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم فى العذاب مشتركون)
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:58 PM
الطبرى
القول في تأويل قوله تعالى: {حَتّىَ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظّلَمْتُمْ أَنّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ }.
اختلفت القرّاء في قراءة قوله: حتى إذَا جاءَنا فقرأته عامة قرّاء الحجاز سوى ابن محيصن, وبعض الكوفيين وبعض الشاميين «حتى إذَا جاءانا» على التثنية بمعنى: حتى إذا جاءنا هذا الذي عَشِيَ عن ذكر الرحمن, وقرينه الذي قيض له من الشياطين. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة والبصرة وابن محيصن: حتى إذَا جاءَنا على التوحيد, بمعنى: حتى إذا جاءنا هذا العاشي من بني آدم عن ذكر الرحمن.
والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان متقاربتا المعنى وذلك أنّ في خبر الله تبارك وتعالى عن حال أحد الفريقين عند مقدمه عليه فيما أقرنا فيه في الدنيا, الكفاية للسامع عن خبر الاَخر, إذ كان الخبر عن حال أحدهما معلوما به خبر حال الاَخر, وهما مع ذلك قراءتان مستفيضتان في قرأة الأمصار, فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة: حتى إذَا جاءَانا هو وقرينه جميعا.
وقوله: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المُشْرقَيْنِ يقول تعالى ذكره: قال أحد هذين القرينين لصاحبه الاَخر: وددت أن بيني وبينك بعد المشرقين: أي بُعد ما بين المشرق والمغرب, فغلب اسم أحدهما على الاَخر, كما قيل: شبه القمرين, وكما قال الشاعر:
أخَذْنا بآفاقِ السّماءِ عَلَيْكُمُلنَا قَمَرَاهَا والنّجُومُ الطّوَالِعُ
وكما قال الاَخر:
فَبَصْرَةُ الأزْدِ مِنّا والعِرَاقُ لنَاوالمَوْصِلانِ وَمِنّا مِصْرُ والحَرَمُ
يعني: الموصل والجزيرة, فقال: الموصلان, فغلب الموصل.
وقد قيل: عنى بقوله بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ: مشرق الشتاء, ومشرق الصيف, وذلك أن الشمس تطلع في الشتاء من مشرق, وفي الصيف من مشرق غيره وكذلك المغرب تغرب في مغربين مختلفين, كما قال جلّ ثناؤه: رَبّ المَشْرِقَيْنِ وَرَبّ المَغْرِبَينِ.
وذُكر أن هذا قول أحدهما لصاحبه عند لزوم كل واحد منهما صاحبه حتى يورده جهنم. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن سعيد الجريري, قال: بلغني أن الكافر إذا بُعث يوم القيامة من قبره, سفعَ بيده الشيطان, فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار, فذلكم حين يقول: يا ليت بيني وبينك بُعد المشرقين, فبئس القرين. وأما المؤمن فيوكّل به مَلك فهو معه حتى قال: إما يفصل بين الناس, أو نصير إلى ما شاء الله.
وقوله: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ أيها العاشون عن ذكر الله في الدنيا إذْ ظَلَمْتُمْ أنّكُمْ فِي العَذَابِ مُشْترِكُونَ يقول: لن يخفف عنكم اليوم من عذاب الله اشتراككم فيه, لأن لكل واحد منكم نصيبه منه, و«أنّ» من قوله أنّكُمْ في موضع رفع لما ذكرت أن معناه: لن ينفعكم اشتراككم.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:58 PM
البغوى
38. " حتى إذا جاءنا "، قرأ أهل العراق غير أبي بكر: ((جاءنا)) على الواحد يعنون الكافر، وقرأ الآخرون: جاءانا، على التثنية يعنون الكافر وقرينه، جعلا في سلسلة واحدة. " قال "، الكافر لقرينه الشيطان: " يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين "، أي بعد ما بين المشرق والمغرب فغلب اسم أحدهما على الآخر كما يقال للشمس والقمر: القمران، ولأبي بكر وعمر: العمران. وقيل: أراد بالمشرقين مشرق الصيف ومشرق الشتاء، والأول أصح، " فبئس القرين "، قال أبو سعيد الخدري: إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى يصير إلى النار.
39. " ولن ينفعكم اليوم "، في الآخرة، " إذ ظلمتم "، أشركتم في الدنيا، " أنكم في العذاب مشتركون "، يعني لا ينفعكم الاشتراك في العذاب ولا يخفف الاشتراك عنكم شيءا من العذاب، لأن لكل واحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب. وقال مقاتل : لن ينفعكم الاعتذار والندم اليوم فأنتم وقرناؤكم اليوم مشتركون في العذاب كما كنتم مشتركين في الدنيا [في الكفر].
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 08:59 PM
الكشاف للزمخشرى
" ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين وإنهم ليصدونك عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ".
قرئ ومن يعشُ بضم الشين وفتحها.
والفرق بينهما أنه إما حصلت الآفة في بصره قيل: عشى.
وإذا نظر نظر العشى ولا آفة به قيل عشا.
ونظيره: عرج لمن به الآفة وعرج لمن مشى مشية العرجان من غير عرج.
قال الحطيئة: متى تأته تعشو إلى ضوء ناره أي: تنظر إليها نظر العشى لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء.
وهو بين في قول حاتم: أعشوا إذا ما جارتي برزت حتى يواري جارتي الخدر وقرئ يعشوا على أن من موصولة غير مضمنة معنى الشرط.
وحق هذا القارئ أن يرفع نقيض.
ومعنى القراءة بالفتح: ومن يعم " عن ذكر الرحمن " وهو القرآن كقوله تعالى: " صم بكم عمي " البقرة: 18 وأما القراءة بالضم فمعناها: ومن يتعام عن ذكره أي: يعرف أنه الحق وهو يتجاهل ويتغابى كقوله تعالى: " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم " النمل: 14 " نقيض له شيطاناً " نخذله ونخل بينه وبين الشياطين كقوله تعالى: " وقيضنا لهم قرناء " فصلت: 25 " ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين " مريم: 83 وقرئ نقيض أي: يقيض له الرحمن ويقيض له الشيطان.
فإن قلت: لم جمع ضمير من وضمير الشيطان في قوله: " وإنهم ليصدونهم " قلت: لأن
من مبهم في جنس العاشي وقد قيض له شيطان مبهم في جنسه فلما جاز أن يتناولا لإبهامهما غير واحدين: جاز أن يرجع الضمير إليهما مجموعاً " حتى إذا جاءنا " العاشي.
وقرئ جاآنا على أن الفعل له ولشيطانه.
" قَالَ " لشيطانه " يل ليت بيني وبينك بعد المشرقين " يريد المشرق والمغرب فغلب كما قيل: العمران والقمران.
فإن قلت: فما بعد المشرقين.
قلت: تباعدهما والأصل: بعد المشرق من المغرب والمغرب من المشرق.
فلما غلب وجمع المفترقين بالتثنية: أضاف البعد إليهما " إنكم " في محل الرفع على الفاعلية يعني: ولن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب كما ينفع الواقعين في الأمر الصعب اشتراكهم فيه لتعاونهم في تحمل أعبائه وتقسمهم لشدته وعنائه وذلك أن كل واحد منكم به من العذاب ما لا تبلغه طاقته ولك أن تجعل الفعل للتمني في قوله: " يا ليت بيني وبينك " على معنى: ولن ينفعكم اليوم ما أنتم فيه من تمني مباعدة القرين.
وقوله: " إنكم في العذاب مشتركون " تعليل أي: لن ينفعكم تمنيكم لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركون في سببه وهو الكفر.
وتقويه قراءة من قرأ إنكم بالكسر وقيل: إذا رأى الممنو بشدة من منى بمثلها: روحه ذلك ونفس بعض كربه وهو التأسي الذي ذكرته الخنساء: أعزي النفس عنه بالتأسي
فهؤلاء لا يؤسيهم اشتراكهم ولا يروحهم لعظم ما هم فيه.
فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: " إذ ظلمتم " قلت: معناه: إذ صح ظلمكم وتبين ولم يبق لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين وذلك يوم القيامة.
وإذ: بدل من اليوم.
ونظيره: إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة أي: تبين أني ولد كريمة.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:00 PM
البيضاوى
^ ومن يعش عن ذكر الرحمن ^ يتعام ويعرض عنه لفرط اشتغاله بالمحسوسات وانهماكه في الشهوات وقرىء يعش بالفتح أي يعم يقال عشي إذا كان في بصره آفة وعشى إذا تعشى بلا آفة كعرج وعرج وقرئ يعشو على أن من موصولة نقيض شيطانا فهو له قرين يوسوسه ويغويه دائما وقرأ يعقوب بالياء على إسناده إلى ضمير الرحمن ومن رفع يعشو ينبغي أن يرفع نقيض وإنهم لصدونهم عن السبيل عن الطريق الذي من حقه أن يسبل وجمع الضميرين للمعنى إذ المراد جنس العاشي والشيطان المقيض له ^ ويحسبون أنهم مهتدون ^ الضمائر الثلاثة الأول له والباقيان للشيطان ^ حتى إذا جاءنا ^ أي العاشي وقرأ الحجازيان وابن عامر وأبو بكر جاءانا أي العاشي والشيطان قال أي العاشي للشيطان ^ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ^ بعد المشرق من المغرب فغلب المشرق وثنى وأضيف البعد إليهما ^ فبئس القرين ^ أنت ^ ولن ينفعكم اليوم ^ أي ما أنتم عليه من التمني ^ إذ ظلمتم ^ إذ صح إنكم ظلمتم أنفسكم في الدنيا بدل من اليوم ^ أنكم في العذاب مشتركون ^ لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وشياطينكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه ويجوز أن يسند الفعل إليه بمعنى ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب كما ينفع الواقعين في أمر صعب معاونتهم في تحمل أعبائه وتقسمهم لمكابدة عنائه إذ لكل منكم ما لا تسعه طاقته وقرىء إنكم بالكسر وهو يقوي الأول
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:01 PM
القرطبى
الآية: 36 - 38 {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون، حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين}
قوله تعالى: "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين" وقرأ ابن عباس وعكرمة "ومن يعش" بفتح الشين، ومعناه يعمى؛ يقال منه عشي يعشى عشا إذا عمي. ورجل أعشى وامرأة عشواء إذا كان لا يبصر؛ ومنه قول الأعشى:
رأت رجلا غائب الوافدَيـ ـن مختلفَ الخلق أعشى ضريرا
وقوله:
أن رأت رجلا أعشى أضر به ريب المنون ودهر مفند خَبِلُ
الباقون بالضم؛ من عشا يعشو إذا لحقه ما لحق الأعشى. وقال الخليل: العشو هو النظر ببصر ضعيف؛ وأنشد:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد
وقال آخر:
لنعم الفتى يعشو إلى ضوء ناره إذا الريح هبت والمكان جديب
الجوهري: والعشا (مقصور) مصدر الأعشى وهو الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار. والمرأة عشواء، وامرأتان عشواوان. وأعشاه الله فعشي (بالكسر) يعشى عشي، وهما يعشيان، ولم يقولوا يعشوان؛ لأن الواو لما صارت في الواحد ياء لكسرة ما قبلها تركت في التثنية على حالها. وتعاشى إذا أرى من نفسه أنه أعشى. والنسبة إلى أعشى أعشوي. وإلى العشية عشوى. والعشواء: الناقة التي لا تبصر أمامها فهي تخبط بيديها كل شيء. وركب فلان العشواء إذا خبط أمره على غير بصيرة. وفلان خابط خبط عشواء.
وهذه الآية تتصل بقول أول السورة: "أفنضرب عنكم الذكر صفحا" [الزخرف: 5] أي نواصل لكم الذكر؛ فمن يعش عن ذلك الذكر بالإعراض عنه إلى أقاويل المضلين وأباطيلهم "نقيض له شيطانا" أي نسبب له شيطانا جزاء له على كفره "فهو له قرين" قيل في الدنيا، يمنعه يمنعه من الحلال، ويبعثه على الحرام، وينهاه عن الطاعة، ويأمره بالمعصية؛ وهو معنى قول ابن عباس. وقيل في الآخرة إذا قام من قبره؛ قال سعيد الجريري. وفي الخبر: أن الكافر إذا خرج من قبره يشفع بشيطان لا يزال معه حتى يدخل النار. وأن المؤمن يشفع بملك حتى يقضي الله بين خلقه؛ ذكره المهدوي. وقال القشيري: والصحيح فهو له قرين في الدنيا والآخرة. وقال أبو الهيثم والأزهري: عشوت إلى كذا أي قصدته. وعشوت عن كذا أي أعرضت عنه، فتفرق بين "إلى" و"عن"؛ مثل: ملت إليه وملت عنه. وكذا قال قتادة: يعش، يعرض؛ وهو قول الفراء. النحاس: وهو غير معروف في اللغة. وقال القرظي: يولي ظهره؛ والمعنى واحد. وقال أبو عبيدة والأخفش: تظلم عينه. وأنكر العتبي عشوت بمعنى أعرضت؛ قال: وإنما الصواب تعاشيت. والقول قول أبي الهيثم والأزهري. وكذلك قال جميع أهل المعرفة. وقرأ السلمي وابن أبي إسحاق ويعقوب وعصمة عن عاصم وعن الأعمش "يقيض" (بالياء) لذكر "الرحمن" أولا؛ أي يقيض له الرحمن شيطانا. الباقون بالنون. وعن ابن عباس "يقيض له شيطان فهو له قرين" أي ملازم ومصاحب. قيل: "فهو" كناية عن الشيطان؛ على ما تقدم. وقيل عن الإعراض عن القرآن؛ أي هو قرين للشيطان. "وإنهم ليصدونهم عن السبيل" أي وإن الشياطين ليصدونهم عن سبيل الهدى؛ وذكر بلفظ الجمع لأن "من" في قوله: "ومن يعش" في معنى الجمع. "ويحسبون" أي ويحسب الكفار "أنهم مهتدون" وقيل: ويحسب الكفار إن الشياطين مهتدون فيطيعونهم.
قوله تعالى: "حتى إذا جاءنا" على التوحيد قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص يعني الكافر يوم القيامة. الباقون "جاءانا" على التثنية، يعني الكافر وقرينه وقد جعلا في سلسلة واحدة؛ فيقول الكافر: "يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين" أي مشرق الشتاء ومشرق الصيف، كما قال تعالى: "رب المشرقين ورب المغربين" [الرحمن: 17] ونحوه قول مقاتل. وقراءة التوحيد وإن كان ظاهرها الإفراد فالمعنى لهما جميعا؛ لأنه قد عرف ذلك بما بعده؛ كما قال:
وعين لها حدرة بدرة شقت مآقيهما من أخر
قال مقاتل: يتمنى الكافر أن بينهما بعد المشرق أطول يوم في السنة إلى مشرق أقصر يوم في السنة، ولذلك قال: "بعد المشرقين". وقال الفراء: أراد المشرق والمغرب فغلب اسم أحدهما، كما يقال: القمران للشمس والقمر، والعمران لأبي بكر وعمر، والبصرتان للكوفة والبصرة، والعصران للغداة والعصر. وقال الشاعر:
أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع
وأنشد أبو عبيدة لجرير:
ما كان يرضى رسول الله فعلهم والعمران أبو بكر ولا عمر
وأنشد سيبويه:
قَدْنيَ من نصر الخُـبَيبين قَدِي
يريد عبدالله ومصعبا ابني الزبير،وإنما أبو خبيب عبدالله. "فبئس القرين" أي فبئس الصاحب أنت؛ لأنه يورده إلى النار. قال أبو سعيد الخدري: إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى يصير به إلى النار.
الآية: 39 {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون}
قوله تعالى: "ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم" "إذ" بدل من اليوم؛ أي يقول الله للكافر: لن ينفعكم اليوم إذ أشركتم في الدنيا هذا الكلام؛ وهو قول الكافر: "يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين" أي لا تنفع الندامة اليوم "إنكم" بالكسر "في العذاب مشتركون" وهي قراءة ابن عامر باختلاف عنه. الباقون بالفتح. وهي في موضع رفع تقديره: ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب؛ لأن لكل واحد نصيبه الأوفر منه. أعلم الله تعالى أنه منع أهل النار التأسي كما يتأسى أهل المصائب في الدنيا، وذلك أن التأسي يستروحه أهل الدنيا فيقول أحدهم: لي في البلاء والمصيبة أسوة؛ فيسكن ذلك من حزنه؛ كما قالت الخنساء:
فلولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي
فإذا كان في الآخرة لم ينفعهم التأسي، شيئا لشغلهم بالعذاب. وقال مقاتل: لن ينفعكم الاعتذار والندم اليوم؛ لأن قرناءكم وأنتم في العذاب مشتركون كما اشتركتم في الكفر.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:02 PM
ابن كثير
++++ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرّحْمَـَنِ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنّهُمْ لَيَصُدّونَهُمْ عَنِ السّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنّهُم مّهْتَدُونَ * حَتّىَ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظّلَمْتُمْ أَنّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصّمّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ * فَإِمّا نَذْهَبَنّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُم مّنتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنّكَ الّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مّقْتَدِرُونَ * فَاسْتَمْسِكْ بِالّذِيَ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنّكَ عَلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ * وَإِنّهُ لَذِكْرٌ لّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ * وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرّحْمَـَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ
يقول تعالى: {ومن يعش} أي يتعامى ويتغافل ويعرض {عن ذكر الرحمن} والعشا في العين ضعف بصرها, والمراد ههنا عشا البصيرة {نقيض له شيطاناً فهو له قرين} كقوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى} الاَية, وكقوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} وكقوله جل جلاله: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم} الاَية, ولهذا قال تبارك وتعالى ههنا: {وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون * حتى إذا جاءنا} أي هذا الذي تغافل عن الهدى نقيض له من الشياطين من يضله ويهديه إلى صراط الجحيم. فإذا وافى الله عز وجل يوم القيامة يتبرم بالشيطان الذي وكل به {قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} وقرأ بعضهم {حتى إذا جاءانا} يعني القرين والمقارن. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن سعيد الجريري قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث من قبره يوم القيامة سفع بيده شيطان فلم يفارقه حتى يصيرهما الله تبارك وتعالى إلى النار, فذلك حين يقول {يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} والمراد بالمشرقين هاهنا هو ما بين المشرق والمغرب وإنما استعمل هاهنا تغليباً كما يقال: القمران والعمران والأبوان, قاله ابن جرير وغيره.
ثم قال تعالى: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} أي لا يغني عنكم اجتماعكم في النار واشتراككم في العذاب الأليم.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:03 PM
فتح القدير للشوكانى
38- "حتى إذا جاءنا" قرأ الجمهور بالتثنية: أي الكافر والشيطان المقارن له، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص بالإفراد: أي الكافر أو جاء كل واحد منها "قال" الكافر مخاطباً للشيطان "يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين" أي بعد ما بين المشرق والمغرب، فغلب المشرق على المغرب. قال مقاتل: يتمنى الكافر أن بينهما بعد مشرق أطول يوم في السنة من مشرق أقصر يوم في السنة، والأول أولى، وبه قال الفراء "فبئس القرين" المخصوص بالذم محذوف أي أنت أيها الشيطان.
39- "ولن ينفعكم اليوم" هذا حكاية لما سيقال لهم يوم القيامة " إذ ظلمتم " أي لأجل ظلمكم أنفسكم في الدنيا، وقيل إن إذا بدل من اليوم لأنه تبين في ذلك اليوم أنهم ظلموا أنفسهم في الدنيا. قرأ الجمهور "أنكم في العذاب مشتركون" بفتح أن على أنها وما بعدها في محل رفع على الفاعلية: أي لن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب. قال المفسرون: لا يخفف عنهم بسبب الاشتراك شيء من العذاب لأن لكل أحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر منه. وقيل إنها للتعليل لنفي النفع: أي لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركني في سببه في الدنيا، ويقوي هذا المعنى قراءة ابن عامر على اختلاف عليه فيها بكسر إن.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:04 PM
السعدى
{ 36-39 } { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ }
يخبر تعالى عن عقوبته البليغة، لمن أعرض عن ذكره، فقال: { وَمَنْ يَعْشُ } أي: يعرض ويصد { عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ } الذي هو القرآن العظيم، الذي هو أعظم رحمة رحم بها الرحمن عباده، فمن قبلها، فقد قبل خير المواهب، وفاز بأعظم المطالب والرغائب، ومن أعرض عنها وردها، فقد خاب وخسر خسارة لا يسعد بعدها أبدا، وقيَّض له الرحمن شيطانا مريدا، يقارنه ويصاحبه، ويعده ويمنيه، ويؤزه إلى المعاصي أزا،
{ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ } أي: الصراط المستقيم، والدين القويم. { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ } بسبب تزيين الشيطان للباطل وتحسينه له، وإعراضهم عن الحق، فاجتمع هذا وهذا.
فإن قيل: فهل لهذا من عذر، من حيث إنه ظن أنه مهتد، وليس كذلك؟
قيل: لا عذر لهذا وأمثاله، الذين مصدر جهلهم الإعراض عن ذكر اللّه، مع تمكنهم على الاهتداء، فزهدوا في الهدى مع القدرة عليه، ورغبوا في الباطل، فالذنب ذنبهم، والجرم جرمهم.
فهذه حالة هذا المعرض عن ذكر اللّه في الدنيا، مع قرينه، وهو الضلال والغيّ، وانقلاب الحقائق.
وأما حاله، إذا جاء ربه في الآخرة، فهو شر الأحوال، وهو: إظهار الندم والتحسر، والحزن الذي لا يجبر مصابه، والتبرِّي من قرينه، ولهذا قال تعالى: { حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ }
كما في قوله تعالى: { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا }
وقوله تعالى: { وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } أي: ولا ينفعكم يوم القيامة اشتراككم في العذاب، أنتم وقرناؤكم وأخلاؤكم، وذلك لأنكم اشتركتم في الظلم، فاشتركتم في عقابه وعذابه.
ولن ينفعكم أيضا، روح التسلي في المصيبة، فإن المصيبة إذا وقعت في الدنيا، واشترك فيها المعاقبون، هان عليهم بعض الهون، وتسلَّى بعضهم ببعض، وأما مصيبة الآخرة، فإنها جمعت كل عقاب، ما فيه أدنى راحة، حتى ولا هذه الراحة. نسألك يا ربنا العافية، وأن تريحنا برحمتك.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:05 PM
تفسير آية 44/الحجر
( وإن جهنم لموعدهم أجمعين. لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم)
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:05 PM
الطبرى
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَإِنّ جَهَنّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْءٌ مّقْسُومٌ }.
يقول تعألـى ذكره لإبلـيس: وإن جهنـم لـموعد من تبعك أجمعين. لها سَبْعَةُ أبوابٍ يقول: لـجهنـم سبعة أطبـاق, لكلَ طَبَق منهم: يعنـي من أتبـاع إبلـيس جزء, يعنـي: قسما ونصيبـا مقسوما.
وذُكر أن أبواب جهنـم طبقات بعضها فوق بعض. ذكر من قال ذلك:
حدثنا مـحمد بن الـمثنى, قال: حدثنا مـحمد بن جعفر, قال: حدثنا شعبة, قال: سمعت أبـا هارون الغنوي, قال: سمعت حِطان, قال: سمعت علـيّا وهو يخطب, قال: إن أبواب جهنـم هكذا. ووضع شُعبة إحدى يديه علـى الأخرى.
حدثنـي يعقوب, قال: حدثنا ابن علـية, عن أبـي هارون الغنوي, عن حطان بن عبد الله, قال: قال علـيّ: تدرون كيف أبواب النار؟ قلنا: نعم كنـحو هذه الأبواب. فقال: لا, ولكنها هكذا. فوصف أبو هارون أطبـاقا بعضها فوق بعض, وفعل ذلك أبو بشر.
حدثنا الـحسن بن مـحمد, قال: حدثنا إسماعيـل بن إبراهيـم, عن أبـي هارون الغنوي, عن حطان بن عبد الله عن علـيّ, قال: هل تدرون كيف أبواب النار؟ قالوا: كنـحو هذه الأبواب, قال: لا, ولكن هكذا. ووصف بعضها فوق بعض.
حدثنا هارون بن إسحاق, قال: حدثنا مصعب بن الـمقدام, قال: أخبرنا إسرائيـل, قال: حدثنا أبو إسحاق, عن هبـيرة, عن علـيّ, قال: أبواب جهنـم سبعة بعضها فوق بعض, فـيـمتلـىء الأوّل, ثم الثانـي, ثم الثالث, ثم تـمتلـىء كلها.
حدثنا الـحسن بن مـحمد, قال: حدثنا شبـابة, قال: حدثنا إسرائيـل, عن أبـي إسحاق, عن هبـيرة, عن علـيّ قال: أبواب جهنـم سبعة بعضها فوق بعض وأشار بأصابعه علـى الأوّل, ثم الثانـي, ثم الثالث حتـى تـملأ كلها.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا يحيى بن واضح, قال: حدثنا يونس بن أبـي إسحاق, عن أبـيه, عن هبـيرة ابن مريـم, قال: سمعت علـيّا يقول: إن أبواب جهنـم بعضا فوق بعض, فـيـملأ الأوّل ثم الذي يـلـيه, إلـى آخرها.
حدثنا الـحسن بن مـحمد, قال: حدثنا علـيّ, قال: أخبرنا مـحمد بن يزيد الواسطيّ, عن جَهْضَم, قال: سمعت عكرمة يقول فـي قوله: لها سَبْعَةُ أبوابٍ قال: لها سبعة أطبـاق.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج, قوله: لها سَبْعَةُ أبوابٍ قال: أوّلها جهنـم, ثم لظى, ثم الـحطمة, ثم السعير, ثم سقر, ثم الـجحيـم, ثم الهاوية. والـجحيـم فـيها أبو جهل.
حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: لها سَبْعَةُ أبوابٍ لِكُلّ بـابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ وهي والله منازل بأعمالهم.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:06 PM
البغوى
43-"وإن جهنم لموعدهم أجمعين " ، يعني موعد إبليس ومن تبعه.
44-"لها سبعة أبواب"، أطباق. قال علي رضي الله عنه: تدرون كيف أبواب النار؟ هكذا، ووضع [شعبة] إحدى يديه على الأخرى، أي: سبعة أبواب بعضها فوق بعض وإن الله وضع الجنان على العرض ووضع النيران بعضها فوق بعض. قال ابن جريج: النار سبع دركات: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. "لكل باب منهم جزء مقسوم"، أي: لكل دركة قوم يسكنونها. وقال الضحاك: في الدركة الأولى أهل التوحيد الذين أدخلوا النار، يعذبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون، وفى الثانية النصارى، وفى الثالثة اليهود، وفى الرابعة الصابئون، وفى الخامسة المجوس، وفى السادسة أهل الشرك، وفى السابعة المنافقون، فذلك قوله تعالى: "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار" (النساء-145). وروي عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل السيف على أمتي أو قال على أمة محمد".
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:07 PM
القرطبى
{وإن جهنم لموعدهم أجمعين، لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم}
قوله تعالى: "وإن جهنم لموعدهم أجمعين" يعني إبليس ومن اتبعه. "لها سبعة أبواب" أي أطباق، طبق فوق طبق "لكل باب منهم" أي لكل طبقة "منهم جزء مقسوم" أي حظ معلوم. ذكر ابن المبارك قال: أخبرنا إبراهيم أبو هارون الغنوي قال: سمعت حطان بن عبدالله الرقاشي يقول سمعت عليا رضي الله عنه يقول: هل تدرون كيف أبواب جهنم؟ قلنا: هي مثل أبوابنا. قال لا، هي هكذا بعضها فوق بعض، - زاد الثعلبي: ووضع إحدى يديه على الأخرى: وأن الله وضع الجنان على الأرض، والنيران بعضها فوق بعض، فأسفلها جهنم، وفوقها الحطمة، وفوقها سقر، وفوقها الجحيم، وفوقها لظى، وفوقها السعير، وفوقها الهاوية، وكل باب أشد حرا من الذي يليه سبعين مرة.
قلت: كذا وقع هذا التفسير. والذي عليه الأكثر من العلماء أن جهنم أعلى الدركات، وهي مختصة بالعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي التي تخلى من أهلها فتصفق الرياح أبوابها. ثم لظى، ثم الحطمة، ثم سعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. قال الضحاك: في الدرك الأعلى المحمديون، وفي الثاني النصارى، وفي الثالث اليهود، وفي الرابع الصابئون، وفي الخامس المجوس، وفي السادس مشركو العرب، وفي السابع المنافقون وآل فرعون ومن كفر من أهل المائدة. قال الله تعالى: "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار" [النساء: 145] - وقد تقدم في النساء - ، وقال: "أدخلوا آل فرعون أشد العذاب" [غافر:46]. وقسم معاذ بن جبل رضي الله عنه العلماء السوء من هذه الأمة تقسيما على تلك الأبواب؛ ذكرناه في كتاب (التذكرة) وروى الترمذي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل سيفه على أمتي) قال: حديث غريب.
وقال أبي بن كعب: (لجهنم سبعة أبواب باب منها للحرورية. وقال وهب بن منبه: بين كل بابين مسيرة سبعين سنة، كل باب أشد حرا من الذي فوقه بسبعين ضعفا، وقد ذكرنا هذا كله في كتاب التذكرة. وروى سلام الطويل عن أبي سفيان عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله الله تعالى: "لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم" جزء أشركوا بالله، وجزء شكوا في الله، وجزء غفلوا عن الله، وجزء آثروا شهواتهم على الله، وجزء شفوا غيظهم بغضب الله، وجزء صيروا رغبتهم بحظهم من الله، وجزء عتوا على الله. ذكره الحليمي أبو عبدالله الحسين بن الحسن في كتاب (منهاج الدين) له، وقال: فإن كان ثابتا فالمشركون بالله هم الثنوية. والشاكون هم الذين لا يدرون أن لهم إلها أو لا إله لهم، ويشكون في شريعته أنها من عنده أم لا. والغافلون عن الله هم الذين يجحدونه أصلا ولا يثبتونه، وهم الدهرية. والمؤثرون شهواتهم على الله هم المنهمكون في المعاصي؛ لتكذيبهم رسل الله وأمره ونهيه. والشافون غيظهم بغضب الله هم القاتلون أنبياء الله وسائر الداعين إليه، المعذبون من ينصح لهم أو يذهب غير مذهبهم. والمصيرون رغبتهم بحظهم من الله هم المنكرون بالبعث والحساب؛ فهم يعبدون ما يرغبون فيه، لهم جميع حظهم من الله تعالى. والعاتون على الله الذين لا يبالون بأن يكون ما هم فيه حقا أو باطلا، فلا يتفكرون ولا يعتبرون ولا يستدلون. والله أعلم بما أراد رسوله صلى الله عليه وسلم إن ثبت الحديث. ويروى أن سلمان الفارسي رضي الله عنه لما سمع هذه الآية "وإن جهنم لموعدهم أجمعين" فر ثلاثة أيام من الخوف لا يعقل، فجيء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: يا رسول الله، أنزلت هذه الآية "وإن جهنم لموعدهم أجمعين"؟ فوالذي بعثك بالحق لقد قطعت قلبي؛ فأنزل الله تعالى "إن المتقين في جنات وعيون" [الحجر: 45]. وقال بلال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في مسجد المدينة وحده، فمرت به امرأة أعرابية فصلت خلفه ولم يعلم بها، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية "لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم" فخرت الأعرابية مغشيا عليها، وسمع النبي صلى الله عليه وسلم وجبتها فانصرف ودعا بماء فصب على وجهها حتى أفاقت وجلست، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا هذه مالك)؟ فقالت: أهذا شيء من كتاب الله المنزل، أو تقوله من تلقاء نفسك؟ فقال: (يا أعرابيه، بل هو من كتاب الله تعالى المنزل) فقالت: كل عضو من أعضائي يعذب على كل باب منها؟ قال: (يا أعرابية، بل لكل باب منهم جزء مقسوم يعذب أهل كل منها على قدر أعمالهم) فقالت: والله إني امرأة مسكينة، ما لي مال، وما لي إلا سبعة أعبد، أشهدك يا رسول الله، أن كل عبد منهم عن كل باب من أبواب جهنم حر لوجه الله تعالى: فأتاه جبريل فقال. "يا رسول الله، بشر الأعرابية أن الله قد حرم عليها أبواب جهنم كلها وفتح لها أبواب الجنة كلها).
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:08 PM
ابن كثير
++++ قَالَ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لاُزَيّنَنّ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَلاُغْوِيَنّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيّ مُسْتَقِيمٌ * إِنّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاّ مَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنّ جَهَنّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ جُزْءٌ مّقْسُومٌ
يقول تعالى مخبراً عن إِبليس وتمرده وعتوه أنه قال للرب: {بما أغويتني} قال بعضهم: أقسم بإِغواء الله له. {قلت} ويحتمل أنه بسبب ما أغويتني وأضللتني {لأزينن لهم} أي لذرية آدم عليه السلام {في الأرض} أي أحبب إليهم المعاصي وأرغبهم فيها وأؤزهم إليها, وأزعجهم إليها إزعاجاً {ولأغوينهم أجمعين} أي كما أغويتني وقدرت عليّ ذلك {إلا عبادك منهم المخلصين} كقوله: {أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخّرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلاً} {قال} الله تعالى له متهدداً ومتوعداً {هذا صراط عليّ مستقيم} أي مرجعكم كلكم إليّ, فأجازيكم بأعمالكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر, كقوله تعالى: {إن ربك لبالمرصاد}. وقيل: طريق الحق مرجعها إلى الله تعالى, وإليه تنتهي, قاله مجاهد والحسن وقتادة كقوله: {وعلى الله قصد السبيل} وقرأ قيس بن عبادة ومحمد بن سيرين وقتادة {هذا صراط عليّ مستقيم} كقوله: {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} أي رفيع والمشهور القراءة الأولى.
وقوله {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} أي الذي قدرت لهم الهداية فلا سبيل لك عليهم ولا وصول لك إليهم {إلا من اتبعك من الغاوين} استثناء منقطع. وقد أورد ابن جرير ههنا من حديث عبد الله بن المبارك عن عبد الله بن موهب, حدثنا يزيد بن قسيط قال: كانت الأنبياء يكون لهم مساجد خارجة من قراهم, فإذا أراد النبي أن يستنبىء ربه عن شيء خرج إلى مسجده فصلى ما كتب الله له, ثم سأله ما بدا له, فبينا نبي في مسجده إِذ جاء عدو الله ـ يعني إِبليس ـ حتى جلس بينه وبين القبلة, فقال النبي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, قال: فردد ذلك ثلاث مرات, فقال عدو الله: أخبرني بأي شيء تنجو مني ؟ فقال النبي: بل أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم مرتين ؟ فأخذ كل واحد منهما على صاحبه, فقال النبي: إن الله تعالى يقول: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين}. قال عدو الله: قد سمعت هذا قبل أن تولد. قال النبي: ويقول الله: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم}, وإني و الله ما أحسست بك قط إلا استعذت بالله منك. قال عدو الله: صدقت بهذا تنجو مني, فقال النبي: أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم ؟ قال آخذه عند الغضب والهوى.
قوله: {وإِن جهنم لموعدهم أجمعين} أي جهنم موعد جميع من اتبع إِبليس, كما قال عن القرآن {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده}, ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب {لكل باب منهم جزء مقسوم} أي قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا محيد لهم عنه, أجارنا الله منها, وكل يدخل من باب بحسب عمله, ويستقر في درك بقدر عمله. قال إسماعيل بن علية وشعبة, كلاهما عن أبي هارون الغنوي عن حطان بن عبد الله أنه قال: سمعت علي بن أبي طالب وهو يخطب قال: إن أبواب جهنم هكذا ـ قال أبو هارون ـ أطباقاً بعضها فوق بعض. وقال إسرائيل عن أبي إسحاق عن هبيرة بن أبي يريم, عن علي رضي الله عنه قال: أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض, فيمتلىء الأول ثم الثاني ثم الثالث حتى تمتلىء كلها.
وقال عكرمة: سبعة أبواب سبعة أطباق, وقال ابن جريج: سبعة أبواب: أولها جنهم, ثم لظى, ثم الحطمة, ثم السعير, ثم سقر, ثم الجحيم, ثم الهاوية. وروى الضحاك عن ابن عباس نحوه: وكذا روي عن الأعمش بنحوه أيضاً, وقال قتادة: {لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} هي و الله منازل بأعمالهم, رواهن ابن جرير, وقال جويبر عن الضحاك {لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} قال: باب لليهود, وباب للنصارى, وباب للصابئين, وباب للمجوس, وباب للذين أشركوا وهم كفار العرب, وباب للمنافقين, وباب لأهل التوحيد, فأهل التوحيد يرجى لهم ولا يرجى لأولئك أبداً.
وقال الترمذي: حدثنا عبد بن جنيد, حدثنا عثمان بن عمر عن مالك بن مغول عن حميد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لجهنم سبعة أبواب, باب منها لمن سل السيف على أمتي ـ أو قال على أمة محمد} ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عباس بن الوليد الخلال, حدثنا زيد ـ يعني ابن يحيى ـ حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي نضرة عن سمرة بن جندب, عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {لكل باب منهم جزء مقسوم} قال «إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه, وإن منهم من تأخذه النار إلى حجزته, ومنهم من تأخذه النار إلى تراقيه, منازلهم بأعمالهم, فذلك قوله: {لكل باب منهم جزء مقسوم}.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:09 PM
الدر المنثور للسيوطى
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {لها سبعة أبواب} قال: جهنم، والسعير، ولظى، والحطمة، وسقر، والجحيم، والهاوية، وهي أسفلها.
وأخرج ابن المبارك وهناد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأحمد في الزهد، وابن أبي الدنيا في صفة النار، وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث من طرق، عن علي قال: أبواب جهنم سبعة، بعضها فوق بعض. فتملأ الأول ثم الثاني ثم الثالث حتى تملأ كلها. وأخرج أحمد في الزهد عن خطاب بن عبد الله قال: قال علي: أتدرون كيف أبواب جهنم؟ قلنا: كنحو هذه الأبواب. قال: لا، ولكنها هكذا. ووضع يده فوق وبسط يده على يده.
وأخرج البيهقي في البعث، عن الخليل بن مرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ (تبارك) و (حم) السجدة. وقال: الحواميم سبع، وأبواب جهنم سبع: جهنم، والحطمة، ولظى، وسعير، وسقر، الهاوية، والجحيم. تجيء كل حاميم منها يوم القيامة تقف على باب من الأبواب فتقول: اللهم لا تدخل هذا الباب من كان يؤمن بي ويقرأني، مرسل.
وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وابن مردويه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سل السيف على أمتي".
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبزار، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "للنار باب لا يدخله إلا من شفى غيظه بسخط الله".
وأخرج أبو نعيم عن عطاء الخرساني قال: لجهنم سبعة أبواب، أشدها غما وكربا وحرا، وأنتنها ريحا للزناة.
وأخرج ابن مردويه عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لجهنم باب لا يدخل منه إلا من أخفرني في أهل بيتي وأراق دماءهم من بعدي".
وأخرج أحمد وابن حبان والطبري وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن عتبة بن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "للجنة ثمانية أبواب، وللنار سبعة أبوب، وبعضها أفضل من بعض".
وأخرج سعيد بن منصور والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: تطلع الشمس من جهنم بين قرني شيطان، فما ترفع من السماء قصبة إلا فتح لها باب من أبواب النار، حتى إذا كانت الظهيرة فتحت أبواب النار كلها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: {لها سبعة أبواب} قال: لها سبعة أطباق.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: {لها سبعة أبواب} قال: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية. والجحيم فيها أبو جهل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} قال: فهي والله منازل بأعمالهم.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن الأعمش رضي الله عنه قال: أسماء أبواب جهنم: الحطمة، والهاوية، ولظى، وسقر، والجحيم، والسعير، وجهنم، والنار هي جماع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {جزء مقسوم} قال: فريق مقسوم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: {لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} قال: باب لليهود وباب للنصارى وباب للصائبين وباب للمجوس وباب للذين أشركوا - وهم كفار العرب - وباب للمنافقين وباب لأهل التوحيد، فأهل التوحيد يرجى لهم ولا يرجى للآخرين أبدا.
وأخرج سعيد بن منصور والطبراني، عن ابن مسعود قال: تطلع الشمس من جهنم بين قرني شيطان، فما تترفع من السماء قصة إلا فتح لها باب من أبواب النار، حتى إذا كانت الظهيرة فتحت أبواب النار كلها.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الصراط بين ظهري جهنم دحض مزلة، والأنبياء عليه يقولون: اللهم سلم سلم. والمار كلمع البرق وكطرف العين، وكأجاويد الخيل والبغال والركاب. وشد على الأقدم فناج مسلم، ومخدوش مرسل ومطروح فيها و {لها سبعة أبواب لكل باب منها جزء مقسوم} ".
وأخرج ابن أبي حاتم عن سمرة بن جندب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {لكل باب منهم جزء مقسوم} قال: "إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه، وإن منهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى تراقيه منازل بأعمالهم، فذلك قوله: {لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم} قال: على كل باب منها سبعون ألف سرادق من نار، في كل سرادق سبعون ألف قبة من نار، في كل قبة سبعون ألف تنور من نار، لكل تنور منها سبعون ألف كوة من نار، في كل كوة سبعون ألف صخرة من نار، على كل صخرة منها سبعون ألف حجر من النار، في كل حجر منها سبعون ألف عقرب من النار لكل عقرب منها سبعون ألف ذنب من نار، لكل ذنب منها سبعون ألف فقارة من نار، في كل فقارة منها سبعون ألف قلة من سم وسبعون ألف موقد من نار، يوقدون تلك النار، وقال: إن أول من دخل من أهل النار وجدوا على الباب أربعمائة ألف من خزنة جهنم، وسود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد نزع الله الرحمة من قلوبهم ليس في قلب منهم مثقال ذرة من الرحمة".
وأخرج أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن جهنم لتسعر كل يوم وتفتح أبوابها، إلا يوم الجمعة فإنها لا تفتح أبوابها ولا تسعر".
وأخرج سعيد بن منصور عن مسروق رضي الله عنه قال: إن أحق ما استعيذ من جهنم في الساعة التي تفتح فيها أبوابها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي مالك رضي الله عنه قال: جهنم سبعة نيران، ليس منها نار إلا وهي تنظر إلى النار التي تحتها تخاف أن تأكلها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال: إن في النار سجنا لا يدخله إلا شر الأشرار، قراره نار وسقفه نار وجدرانه نار، وتلفح فيه النار.
وأخرج عبد الرزاق والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن كعب رضي الله عنه قال: للشهيد نور، ولمن قاتل الحرورية عشرة أنوار، وكان يقول: لجهنم سبعة أبواب، باب منها للحرورية. قال: ولقد خرجوا في زمان داود عليه السلام.
وأخرج ابن مردويه والخطيب في تاريخه، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {لكل باب منهم جزء مقسوم} قال: جزء أشركوا بالله، وجزء شكوا في الله، وجزء غفلوا عن الله.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:09 PM
الجلالين
(لها سبعة أبواب) أطباق (لكل باب) منها (منهم جزء) نصيب (مقسوم)
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:10 PM
فتح القدير للشوكانى
- "لها سبعة أبواب" يدخل أهل النار منها وإنما كانت سبعة لكثرة أهلها "لكل باب منهم" أي من الأتباع الغواة "جزء مقسوم" أي قدر معلوم متميز عن غيره، وقيل المراد بالأبواب الأطباق طبق فوق طبق، وهي: جهنم، ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير، ثم سقر ثم الجحيم، ثم الهاوية، فأعلاها للموحدين، والثانية لليهود، والثالثة للنصارى، والرابعة للصابئين، والخامسة للمجوس، والسادسة للمشركين، والسابعة للمنافقين، فجهنم أعلى الطباق، ثم ما بعدها تحتها، ثم كذلك، كذا قيل. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: خلق الإنسان من ثلاث من طين لازب وصلصال وحمأ مسنون، فالطين اللازب: اللازم الجيد، والصلصال: المدقق الذي يصنع منه الفخار، والحمأ المسنون: الطين الذي فيه الحمأة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه قال: الصلصال الماء يقع على الأرض الطيبة ثم يحسر عنها فتشقق ثم تصير مثل الخزف الرقاق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: الصلصال هو التراب اليابس الذي يبل بعد يبسه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً: قال الصلصال طين خلط برمل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً. قال: الصلصال الذي إذا ضربته صلصل. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً. قال: الصلصال الطين تعصر بيدك فيخرج الماء من بين أصابعك. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: " من حمإ مسنون " قال: من طين رطب: وأخرج هؤلاء عنه أيضاً "من حمإ مسنون" قال: من طين منتن. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: الجان مسيخ الجن كالقردة والخنازير مسيخ الإنس. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: الجان. هو إبليس خلق من قبل آدم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: "والجان خلقناه من قبل من نار السموم" قال: من أحسن النار. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال: نار السموم الحارة التي تقتل. وأخرج الطيالسي والفريابي وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: السموم. التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، ثم قرأ "والجان خلقناه من قبل من نار السموم"، وأخرجه ابن مردويه عنه مرفوعاً. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: " قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون " قال: أراد إبليس أن لا يذوق الموت فقيل إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، قال: النفخة الأولى يموت فيها إبليس، وبين النفخة والنفخة أربعون سنة. وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن ابن سيرين " هذا صراط علي مستقيم " أي رفيع. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: "لها سبعة أبواب" بعدد أطباق جهنم، كما قدمنا. وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وهناد وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في صفة النار وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث من طرق عن علي قال: أطباق جهنم سبعة بعضها فوق بعض، فيملأ الأول، ثم الثاني، ثم الثالث حتى: تملأ كلها، وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بجهنم سبعة أبواب: باب منها لمن سل السيف على أمتي". وقد ورد في صفة النار أحاديث وآثار. وأخرج ابن مردويه والخطيب في تاريخه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "في قوله تعالى: "لكل باب منهم جزء مقسوم" قال: جزء أشركوا بالله، وجزء شكوا في الله، وجزء غفلوا عن الله".
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:11 PM
التحرير لإبن عاشور
وجملة )لها سبعة أبواب( مستأنفة لوصف حال جهنم وأبوابها لإعداد الناس بحيث لا تضيق عن دخولهم.
والظاهر أن السبعة مستعملة في الكثرة فيكون كقوله )والملائكة يدخلون عليهم من كل باب(؛ أو أريد بالأبواب الكناية عن طبقات جهنم لأن الأبواب تقتضي منازل فهي مراتب مناسبة لمراتب الإجرام بان تكون أصول الجرائم سبعة تتفرع عنها جميع المعاصي الكبائر. وعسى أن نتمكن من تشجيرها في وقت آخر.
وقد يكون من جملة طبقاتها طبقة النفاق قال تعالى )إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار(. وانظر ما قدمناه من تفريع ما ينشأ عن النفاق من المذام في قوله تعالى )ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر( في سورة البقرة.
وجملة )لكل باب منهم جزء مقسوم( صفة ل)أبواب( وتقسيمها بالتعيين يعلمه الله تعالى. وضمير )منهم( عائد ل)من اتبعك من الغاوين(، أي لكل باب فريق يدخل منه، أو لكل طبقة من النار قسم من أهل النار مقسوم على طبقات أقسام النار.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:11 PM
السعدى
{ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } أي: إبليس وجنوده، { لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ } كل باب أسفل من الآخر، { لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ } أي: من أتباع إبليس { جُزْءٌ مَقْسُومٌ } بحسب أعمالهم. قال الله تعالى: { فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ }
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:13 PM
تفسير الآيات 180- 182 / الصافات
( سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين)
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:13 PM
الطبرى
. وقوله: سُبْحانَ رَبّكَ رَبّ العِزّةِ عَمّا يَصِفُونَ يقول تعالـى ذكره تنزيها لربك يا مـحمد وتبرئة له. رَبّ العزّة يقول: ربّ القوّة والبطش عَمّا يَصِفُونَ يقول: عمّا يصف هؤلاء الـمفترون علـيه من مشركي قريش, من قولهم ولد الله, وقولهم: الـملائكة بنات الله, وغير ذلك من شركهم وفِرْيتهم علـى ربهم, كما:
حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة سُبْحانَ رَبّكَ رَبّ العِزّةِ عَمّا يَصِفُونَ: أي عما يكذبون يسبح نفسه إذا قـيـل علـيه البُهتان.
وقوله: وَسَلامٌ علـى الـمُرْسَلِـينَ يقول: وأمنَة من الله للـمرسلـين الذين أرسلهم إلـى أمـمهم الذي ذكرهم فـي هذه السورة وغيرهم من فزع يوم العذاب الأكبر, وغير ذلك من مكروه أن ينالهم من قِبل الله تبـارك وتعالـى.
حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة وَسَلامٌ علـى الـمُرْسَلِـينَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذَا سَلّـمْتُـمْ عَلـيّ فَسَلّـمُوا عَلـى الـمُرْسَلِـينَ, فإنّـمَا أنا رَسُولٌ مِنَ الـمُرْسَلِـينَ».
والـحَمْدُ لِلّهِ رَبّ العالَـمِينَ يقول تعالـى ذكره: والـحمد للهربّ الثّقَلـين الـجن والإنس, خالصا دون ما سواه, لأن كلّ نعمة لعبـاده فمنه, فـالـحمد له خالص لا شريك له, كما لا شريك له فـي نعمه عندهم, بل كلها من قِبَله, ومن عنده.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:14 PM
الكشاف للزمخشرى
" سبحن ربك رب العزة عما يصفون وسلم على المرسلين والحمد لله رب العلمين " أضيف الرب إلى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل: ذو العزة كما تقول: صاحب صدق لاختصاصه بالصدق.
ويجوز أن يراد أنه ما من عزة لأحد من الملوك وغيرهم إلآ وهو ربها ومالكها كقوله تعالى: " تعز من تشاء " آل عمران: 26: اشتملت السورة على ذكر ما قاله المشركون في الله ونسبوا إليه مما هو منزه عنه وما عاناه المرسلون من جهتهم وما خولوه في العاقبة من النصرة عليهم فختمها بجوامع ذلك من تنزيه ذاته عما وصفه به المشركون والتسليم على المرسلين " والحمد لله رب العالمين " على ما قيض لهم من حسن العواقب والغرض تعليم المؤمنين أن يقولوا ذلك ولا يخلوا به ولا يغفلوا عن مضمنات كتابه الكريم ومودعات قرآنه المجيد.
وعن علي رضى اللّه عنه: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: " من قرأ والصافات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل جني وشيطان وتباعدت عنه مردة الشياطين وبرىء من الشرك وشهد له حافظاه يوم القيامة أنه كان مؤمناً بالمرسلين ".
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:14 PM
البيضاوى
الآخرة ^ سبحان ربك رب العزة عما يصفون ^ عما قاله المشركون فهي على ما حكي في السورة وإضافة الرب إلى العزة لاختصاصها به إذ لا عزة إلا له أو لمن أعزه وقد أدرج فيه جملة صفاته السلبية والثبوتية مع الإشعار بالتوحيد ^ وسلام على المرسلين ^ تعميم للرسل بالتسليم بعد تخصيص بعضهم
^ والحمد لله رب العالمين ^ على ما أفاض عليهم وعلى من اتبعهم من النعم وحسن العاقبة ولذلك أخره عن التسليم والمراد تعليم المؤمنين كيف يحمدونه ويسلمون على رسله وعن علي رضي الله عنه من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه من مجلسه سبحان ربك إلى آخر السورة وعن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة والصافات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل جني وشيطان وتباعدت عنه مردة الجن والشياطين وبرئ من الشرك وشهد له حافظاه يوم القيامة أنه كان مؤمنا بالمرسلين
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:15 PM
القرطبى
الآية: 180 {سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين}
قوله تعالى: "سبحان ربك" نزه سبحانه نفسه عما أضاف إليه المشركون. "رب العزة" على البدل. ويجوز النصب على المدح، والرفع بمعنى هو رب العزة. "عما يصفون" أي من الصاحبة والولد. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى "سبحان الله" فقال: (هو تنزيه الله عن كل سوء) وقد مضى في "البقرة" مستوفى.
سئل محمد بن سحنون عن معنى "رب العزة" لم جاز ذلك والعزة من صفات الذات، ولا يقال رب القدرة ونحوها من صفات ذاته جل وعز؟ فقال: العزة تكون صفة ذات وصفة فعل، فصفة الذات نحو قوله: "فلله العزة جميعا" وصفه الفعل نحو قوله: "رب العزة" والمعنى رب العزة التي يتعاز بها الخلق فيما بينهم فهي من خلق الله عز وجل. قال: وقد جاء في التفسير إن العزة ها هنا يراد بها الملائكة. قال: وقال بعض علمائنا: من حلف بعزة الله فإن أراد عزته التي هي صفته فحنث فعليه الكفارة، وإن أراد التي جعلها الله بين عباده فلا كفارة عليه. الماوردي: "رب العزة" يحتمل وجهين: أحدهما مالك العزة، والثاني رب كل شيء متعزز من ملك أو متجبر.
قلت: وعلى الوجهين فلا كفارة إذا نواها الحالف.
روي من حديث أبى سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول قبل أن يسلم: "سبحان ربك رب العزة" إلى آخر السورة؛ ذكره الثعلبي.
قلت: قرأت على الشيخ الإمام المحدث الحافظ أبي علي الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن عمروك البكري بالجزيرة قبالة المنصورة من الديار المصرية، قال أخبرتنا الحرة أم المؤيد زينب بنت عبدالرحمن بن الحسن الشعري بنيسابور في المرة الأولى، أخبرنا أبو محمد إسماعيل بن أبي بكر القارئ، قال حدثنا أبو الحسن عبدالقادر بن محمد الفارسي، قال حدثنا أبو سهل بشر بن أحمد الإسفرايني، قال حدثنا أبو سليمان داود بن الحسين البيهقي، قال حدثنا أبو زكرياء يحيى بن يحيى بن عبدالرحمن التميمي النيسابوري، قال حدثنا هشيم عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين يقول في آخر صلاته أو حين ينصرف "سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين". قال الماوردي: روى الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم: "سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين. والحمد لله رب العالمين"). ذكره الثعلبي من حديت علي رضي الله عنه مرفوعا.
قوله تعالى: "وسلام على المرسلين" ي الذين بلغوا عن الله تعالى التوحيد والرسالة. وقال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين) وقيل: معنى "وسلام على المرسلين" أي أمن لهم من الله جل وعز يوم الفزع الأكبر.
"والحمد لله رب العالمين" أي على إرسال المرسلين مبشرين ومنذرين. وقيل: أي على جميع ما أنعم الله به على الخلق أجمعين. وقيل: أي على هلاك المشركين؛ دليله: "فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين" [الأنعام: 45].
قلت: والكل مراد والحمد يعم. ومعنى "يصفون" يكذبون، والتقدير عما يصفون من الكذب.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:16 PM
ابن كثير
++++ سُبْحَانَ رَبّكَ رَبّ الْعِزّةِ عَمّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَىَ الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ
ينزه تبارك وتعالى نفسه ويقدسها ويبرئها عما يقول الظالمون المكذبون المعتدون تعالى وتنزه وتقدس عن قولهم علواً كبيراً ولهذا قال تبارك وتعالى: {سبحان ربك رب العزة} أي ذي العزة التي لا ترام {عما يصفون} أي عن قول هؤلاء المعتدين المفترين {وسلام على المرسلين} أي سلام الله عليهم في الدنيا والاَخرة لسلامة ما قالوه في ربهم وصحته وحقيّته {والحمد لله رب العالمين} أي له الحمد في الأولى والاَخرة في كل حال, ولما كان التسبيح يتضمن التنزيه من النقص قرن بينهما في هذا الموضع وفي مواضع كثيرة من القرآن ولهذا قال تبارك وتعالى: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين}, وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سلمتم عليّ فسلموا على المرسلين فأنا رسول من المرسلين». هكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد عنه كذلك, وقد أسنده ابن أبي حاتم رحمه الله فقال حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد حدثنا أبو بكر الأعين ومحمد بن عبد الرحيم صاعقة قالا: حدثنا حسين بن محمد حدثنا شيبان عن قتادة قال حدثنا أنس بن مالك عن أبي طلحة رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سلمتم عليّ فسلموا على المرسلين» وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا نوح حدثنا أبو هارون عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد أن يسلم قال: «سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين» ثم يسلم, إسناده ضعيف. وقال ابن أبي حاتم حدثنا عمار بن خالد الواسطي حدثنا شبابة عن يونس بن أبي إسحاق عن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم {سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين}. وروي من وجه آخر متصل موقوف على علي رضي الله عنه قال أبو محمد البغوي في تفسيره: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني ابن منجويه حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان حدثنا إبراهيم بن سهلويه حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه قال: من أحب ان يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه في مجلسه {سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين} . وروى الطبراني من طريق عبد الله بن صخر بن أنس عن عبد الله بن زيد بن أرقم عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال «من قال دبر كل صلاة {سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين} ثلاث مرات فقد اكتال بالجريب الأوفى من الأجر» وقد وردت أحاديث في كفارة المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. وقد أفردت لها جزءاً على حدة والله سبحانه وتعالى أعلم.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:16 PM
فتح القدير للشوكانى
ثم نزه سبحانه نفسه عن قبيح ما يصدر منهم فقال: 180- "سبحان ربك رب العزة عما يصفون" العزة الغلبة والقوة، والمراد تنزيهه عن كل ما يصفونه به مما لا يليق بجنابه الشريف، ورب العزة بدل من ربك.
ثم ذكر ما يدل على تشريف رسله وتكريمهم فقال: 181- " وسلام على المرسلين " أي الذين أرسلهم إلى عباده وبلغوا رسالاته، وهو من السلام الذي هو التحية، وقيل معناه: أمن لهم وسلامه من المكاره.
182- "والحمد لله رب العالمين" إرشاد لعباده إلى حمده على إرسال رسله إليهم مبشرين ومنذرين، وتعليم لهم كيف يصنعون عند إنعامه عليهم وما يثنون عليه به، وقيل إنه الحمد على هلاك المشركين ونصر الرسل عليهم، والأولى أنه حمد لله سبحانه على كل ما أنعم به على خلقه أجمعين كما يفيده حذف المحمود عليه، فإن حذفه مشعر بالتعميم كما تقرر في علم المعاني، والحمد هو الثناء الجميل بقصد التعظيم. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: "وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً" بقال: زعم أعداء الله أنه تبارك وتعالى هو وإبليس أخوان. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله "فإنكم وما تعبدون" قال: فإنكم يا معشر المشركين وما تعبدون: يعني الآلهة "ما أنتم عليه بفاتنين" قال: بمضلين "إلا من هو صال الجحيم" يقول: إلا من سبق في علمي أنه سيصلى الجحيم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضاً في الآية يقول: إنكم لا تضلون أنتم ولا أيضاً في الآية قال: لا تفتنون إلا من هو صال الجحيم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عنه أيضاً في قوله: "وما منا إلا له مقام معلوم" قال الملائكة: "وإنا لنحن الصافون" قال الملائكة: "وإنا لنحن المسبحون" قال: الملائكة. وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عائشة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم، وذلك قول الملائكة " وما منا إلا له مقام معلوم * وإنا لنحن الصافون "" وأخرج محمد بن نصر وابن عساكر عن العلاء بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأصحابه "أطت السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد، ثم قرأ " وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون "". وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: "إن من السموات لسماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه قائماً أو ساجداً، ثم قرأ " وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون "". وأخرج الترمذي وحسنه ابن جرير وابن مردويه عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، إن السماء أطت وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله" وقد ثبت في الصحيح وغيره "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يصفوا كما تصف الملائكة عند ربهم، فقالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم قال: يقيمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف". وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: "لو أن عندنا ذكراً من الأولين" قال: لما جاء المشركين من أهل مكة ذكر الأولين وعلم الآخرين كفروا بالكتاب "فسوف يعلمون". وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال "صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وقد خرجوا بالمساحي، فلما نظروا إليه قالوا: محمد والخميس، فقال: الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" الحديث. وأخرج ابن سعد وابن مردويه من طريق سعيد عن قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سلمتم على المرسلين فسلموا علي فإنما أنا بشر من المرسلين". وأخرج ابن مردويه من طريق أبي العوام عن قتادة عن أنس مرفوعاً نحوه بأطول منه. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن مردويه عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد أن يسلم من صلاته قال: " سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين ". وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: كنا نعرف انصراف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة بقوله: "سبحان ربك" إلى أخر الآية. وأخرج الخطيب نحوه من حديث أبي سعيد. وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من قال دبر كل صلاة: " سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين "ثلاث مرات، فقد اكتال بالمكيال الأوفى من الأجر". وأخرج حميد بن زنجويه في ترغيبه من طريق الأصبغ بن نباتة عن علي بن أبي طالب نحوه. وإلى هنا انتهى الجزء الثالث من هذا التفسير المبارك بمعونة الله، المقبول بفضل الله، بقلم مصنفه الحقير محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما، في نهار الخميس الحادي والعشرين من شهر محرم الحرام من شهور سنة تسعو عشرين ومائتين وألف من الهجرة النبوية، حامداً لله شاكراً له مصلياً مسلماً على رسوله وآله، ويتلوه إن شاء الله تفسير سورة ص. انتهى سماع هذا الجزء على مؤله حفظه الله في يوم الاثنين غرة شهر جمادي الآخرة سنة 1239هـ. كتبه يحيى بن علي الشوكاني غفر الله لهما
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:17 PM
أضواء البيان للشنقيطى
. {وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ * وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }. ختم هذه السورة الكريمة بالسلام على عباده المرسلين، ولا شكّ أنهم من عباده الذين اصطفى مع ثنائه على نفسه، بقوله تعالىٰ: {وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}، معلمًا خلقه أن يثنوا عليه بذلك، وما ذكره هنا من حمده هذا الحمد العظيم، والسلام على رسله الكرام، ذكره في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالىٰ في سورة «النمل»:{قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَـٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَى}،
ويشبه ذلك قوله تعالىٰ: {دَعْوٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:18 PM
التحرير لإبن عاشور
سبحان ربك رب العزة عما يصفون[180] وسلام على المرسلين[181] والحمد لله رب العالمين[182]( خطاب النبي صلى الله عليه وسلم تذييلا لخطابه المبتدأ بقوله تعالى )فاستفتهم ألربك البنات( الآية. فإنه خلاصة جامعة لما حوته من تنزيه الله وتأييده رسله. وهذه الآية فذلكة لما احتوت عليه السورة من الأغراض جمعت تنزيه الله والثناء على الرسل والملائكة وحمد الله على ما سبق ذكره من نعمة على المسلمين من هدى ونصر وفوز بالنعيم المقيم.
وهذه المقاصد الثلاثة هي أصول كمال النفوس في العاجل والآجل، لأن معرفة الله تعالى بما يليق به تنقذ النفس من الوقوع في مهاوي الجهالة المفضية إلى الضلالة فسوء الحالة. وإنما يتم ذلك بتنزيهه عما لا يليق به. فأشار قوله )سبحان ربك( الخ إلى تنزيهه، وأشار وصف )رب العزة( إلى التوصيف بصفات الكمال، فإن العزة تجمع الصفات النفسية وصفات المعاني والمعنوية لأن الربوبية هي كمال الاستغناء عن الغير، ولما كانت النفوس وإن تفاوتت في مراتب الكمال لا تسلم من نقص أو حيرة كانت في حاجة إلى مرشدين يبلغونها مراتب الكمال بإرشاد الله تعالى وذلك بواسطة الرسل إلى الناس وبواسطة المبلغين من الملائكة إلى الرسل.
وكانت غاية ذلك هي بلوغ الكمال في الدنيا والفوز بالنعيم الدائم في الآخرة. وتلك نعمة تستوجب على الناس حمد الله تعالى على ذلك لأن الحمد يقتضي اتصاف المحمود بالفضائل وإنعامه بالفواضل وأعظمها نعمة الهداية بواسطة الرسل فهم المبلغون إرشاد الله إلى الخلق.
و)رب( هنا بمعنى: مالك. ومعنى كونه تعالى مالك العزة: أنه منفرد بالعزة الحقيقية وهي العزة التي لا يشوبها افتقار، فإضافة )رب( إلى )العزة( على معنى لام الاختصاص كما يقال: صاحب صدق، لمن اختص بالصدق وكان عريقا فيه. وفي الانتقال من الآيات السابقة إلى التسليح والتسليم إيذان بانتهاء السورة على طريقة براعة الختم مع كونها من جوامع الكلم.
والتعريف في )العزة( كالتعريف في )الحمد( هو تعريف الجنس فيقتضي انفراده تعالى به لأن ما يثبت لغيره من ذلك الجنس كالعدم كما تقدم في سورة الفاتحة.
وتنكير )سلام( للتعظيم.
ووصف )المرسلين( يشمل الأنبياء والملائكة فإن الملائكة مرسلون فيما يقومون به من تنفيذ أمر الله.
روى القرطبي في تفسيره بسنده إلى يحيى بين يحيى التميمي النيسابوري إلى أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة ولا مرتين يقول آخر صلاته أو حين ينصرف )سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين(.
ومن المروي عن علي بن أبي طالب من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم )سبحان ربك رب العزة عما يصفون( إلى آخر السورة، وفي بعض أسانيده أنه رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:18 PM
السعدى
"سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ "
تنزه الله وتعالى رب العزة عما يصفه هؤلاء المفترون عليه.
"وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ "
وتحية الله الدائمة وثناؤه وأمانه لجميع المرسلين.
"وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ "
والحمد لله رب العالمين في الأولى والآخرة, فهو المستحق لذلك وحده لا شريك له.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:20 PM
تفسير آية 43-44/النجم
( وأنه هو أضحك وأبكى. وأنه هو أمات وأحيا)
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:20 PM
الطبرى
وقوله: وأنّهُ هُوَ أضْحَكَ وأبْكَى يقول تعالى ذكره: وأن ربك هو أضحك أهل الجنة في الجنة بدخولهم إياها, وأبكى أهل النار في النار بدخولهموها, وأضحك من شاء من أهل الدنيا, وأبكى من أراد أن يبكيه منهم.
يقول تعالى ذكره: وأنه هو أمات من مات من خلقه, وهو أحيا من حيي منهم. وعنى بقوله: أحْيا نفخ الروح في النطفة الميتة, فجعلها حية بتصييره الروح فيها.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:21 PM
البغوى
43. " وأنه هو أضحك وأبكى "، فهذا يدل على أن كل ما يعمله الإنسان فبقضائه وخلقه حتى الضحك والبكاء، قال مجاهد و الكلبي : أضحك أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار. وقال الضحاك : أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر. قال عطاء بن أبي مسلم : يعني أفرح وأحزن، لأن الفرح يجلب الضحك، والحزن يجلب البكاء. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح ، أخبرنا أبو القاسم البغوي ، حدثنا علي بن الجعد ، أخبرنا قيس، هو ابن الربيع الأسدي ، حدثنا سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم وكان أصحابه يجلسون ويتناشدون الشعر، ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم معهم إذا ضحكوا -يعني النبي صلى الله عليه وسلم-. وقال معمر عن قتادة : سئل ابن عمر هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال: نعم، والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل.
44. " وأنه هو أمات وأحيا "، أي: أمات في الدنيا وأحيا بالبعث. وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء. وقيل: أمات الكافر بالنكرة وأحيا المؤمن بالمعرفة.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:22 PM
القرطبى
قوله تعالى: "وأنه هو أضحك وأبكى" ذهبت الوسائط وبقيت الحقائق لله سبحانه وتعال فلا فاعل إلا هو؛ وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: لا والله ما قال رسول الله قط إن المت يعذب ببكاء أحد، ، ولكنه قال: (إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا وإن الله لهو أضحك وأبكى وما تزر وازرة وزر أخرى). وعنها قالت: مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من أصحابه وهم يضحكون، فقال: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) فنزل عليه جبريل فقال: يا محمد! إن الله يقول لك: "وأنه هو أضحك وأبكى". فرجع إليهم فقال: (ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل فقال ايت هؤلاء فقل لهم إن الله تعالى يقول: "هو أضحك وأبكى" أي قضى أسباب الضحك والبكاء. وقال عطاء بن أبي مسلم: يعني أفرح وأحزن؛ لأن الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء. وقيل لعمر: هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال: نعم! والإيمان والله أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي. وقد تقدم هذا المعنى في، "النمل" و"التوبة". قال الحسن: أضحك الله أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار. وقيل: أضحك من شاء في الدنيا بأن سره وأبكى من شاء بأن غمه. الضحاك: أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر. وقيل : أضحك الأشجار بالنوار، وأبكى السحاب بالأمطار. وقال ذو النون: أضحك قلوب المؤمنين والعارفين بشمس معرفته، وأبكى قلوب الكافرين والعاصين بظلمة نكرته ومعصيته. وقال سهل بن عبدالله: أضحك الله المطيعين بالرحمة وأبكى العاصين بالسخط. وقال محمد بن علي الترمذي : أضحك المؤمن في الآخرة وأبكاه في الدنيا. وقال بسام بن عبدالله: أضحك الله أسنانهم وأبكى قلوبهم. وأنشد :
السن تضحك والأحشاء تحترق وإنما ضحكها زور ومختلق
يارب باك بعين لا دموع لها ورب ضاحك سن ما به رمق
وقيل: إن الله تعالى خص الإنسان بالضحك والبكاء من بين سائر الحيوان، وليس في سائر الحيوان من يضحك ويبكي غير الإنسان. وقد قيل: إن القرد وحده يضحك ولا يبكي، وإن الإبل وحدها تبكي ولا تضحك. وقال يوسف بن الحسين: سئل طاهر المقدسي أتضحك الملائكة؟ فقال: ما ضحكوا ولا كل من دون العرش منذ خلقت جهنم. "وأنه هو أمات وأحيا" أي قضى أسباب الموت والحياة. وقيل: خلق الموت والحياة كما قال: "الذي خلق الموت والحياة" [الملك: 2] قاله ابن بحر. وقيل: أمات الكافر بالكفر وأحيا المؤمن بالإيمان؛ قال الله تعالى: "أومن كان ميتا فأحييناه" [الأنعام : 122] الآية. وقال: "إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله" على ما تقدم، وإليه يرجع قول عطاء: أمات بعدله وأحيا بفضله. وقول من قال: أمات بالمنع والبخل وأحيا بالجود والبذل. وقيل: أمات النطفة وأحيا النسمة. وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء. وقيل: يريد بالحياة الخصب وبالموت الجدب. وقيل: أنام وأيقظ. وقيل: أمات في الدنيا وأحيا للبعث
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:22 PM
ابن كثير
وقوله تعالى: {وأنه هو أضحك وأبكى} أي خلق في عباده الضحك والبكاء وسببهما وهما مختلفان {وأنه هو أمات وأحيا} كقوله: {الذي خلق الموت والحياة}
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:23 PM
فتح القدير للشوكانى
قوله: 43- "وأنه هو أضحك وأبكى" أي هو الخالق لذلك والقاضي بسببه. قال الحسن والكلبي: أضحك أهل الجنة في الجنة وأبكى أهل النار في النار. وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر، وقيل أضحك من شاء في الدنيا بأن سره وأبكى من شاء بأن غمه. وقال سهل بن عبد الله: أضحك المطيعين بالرحمة وأبكى العاصين بالسخط.
44- "وأنه هو أمات وأحيا" أي قضى أسباب الموت والحياة، ولا يقدر على ذلك غيره، وقيل خلق نفس الموت والحياة كما في قوله: "خلق الموت والحياة" وقيل أمات الآباء وأحيا الأبناء، وقيل أمات في الدنيا وأحيا للبعث، وقيل المراد بهما النوم واليقظة. وقال عطاء: أمات بعدله وأحيا بفضله، وقيل أمات الكافر وأحيا المؤمن كما في قوله: "أو من كان ميتاً فأحييناه".
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:24 PM
التحرير لإبن عاشور
وأنه هو أضحك وأبكى[43]( انتقال من الاعتبار بأحوال الآخرة إلى الاعتبار بأحوال الدنيا وضمير )هو( عائد إلى )ربك( من قوله )وأن إلى ربك المنتهى(.
والضحك: أثر سرور النفس، والبكاء: أثر الحزن، وكل من اضحك والبكاء من خواص الإنسان وكلاهما خلق عجيب دال على انفعال عظيم في النفس.
وليس لبقية الحيوان ضحك ولا بكاء وما ورد من إطلاق ذلك على الحيوان فهو كالتخيل أو التشبيه كقول النابغة:
بكاء حماقة تدعو هديلا مطوقة على فنن تغني
ولا يخلو الإنسان من حالي حزن وسرور لأنه إذا لم يكن حزينا مغموما كان مسرورا لأن الله خلق السرور والانشراح ملازما للإنسان بسبب سلامة مزاجه وإدراكه لأنه إذا كان سالما كان نشيط الأعصاب وذلك النشاط تنشأ عنه المسرة في الجملة وإن كانت متفاوتة في الضعف والقوة، فذكر الضحك والبكاء يفيد الإحاطة بأحوال الإنسان بإيجاز ويرمز إلى أسباب الفرح والحزن ويذكر بالصانع الحكيم، ويبشر إلى أن الله هو المتصرف في الإنسان لأنه خلق أسباب فرحه ونكده وألهمه إلى اجتلاب ذلك بما في مقدوره وجعل حدا عظيما من ذلك خارجا على مقدور الإنسان وذلك لا يمتري فيه أحد إذا تأمل وفيه ما يرشد إلى الإقبال على طاعة الله والتضرع إليه ليقدر للناس أسباب الفرح، ويدفع عنهم أسباب الحزن وإنما جرى ذكر هذا في هذا المقام لمناسبة أن الجزاء الأوفى لسعي الناس: بعضه سار لفريق وبعضه محزن لفريق آخر.
وأفاد ضمير الفصل قصرا لصفة خلق أسباب الضحك والبكاء على الله تعالى لإبطال الشريك في التصرف فتبطل الشركة في الإلهية، وهو قصر إفراد لأن المقصود نفي تصرف غير الله تعالى وإن كان هذا القصر بالنظر إلى نفس الأمر قصرا حقيقيا لإبطال اعتقاد أن الدهر متصرف.
وإسناد الإضحاك والإبكاء إلى الله تعالى لأنه خالق قوتي الضحك والبكاء في الإنسان، وذلك خلق عجيب ولأنه خالق طبائع الموجودات التي تجلب أسباب الضحك والبكاء من سرور وحزن.
ولم يذكر مفعول )أضحك وأبكى( لأن القصد إلى الفعلين لا إلى مفعوليهما فالفعلان منزلان منزلة اللازم، أي أوجد الضحك والبكاء.
ولما كان هذا الغرض من إثبات انفراد الله تعالى بالتصرف في الإنسان بما يجده الناس في أحوال أنفسهم من خروج أسباب الضحك والبكاء على قدرتهم تعين أن المراد: أضحك وأبكى في الدنيا, ولا علاقة لهذا بالمسرة والحزن الحاصلين في الآخرة.
وفي الاعتبار بخلق الشيء وضده إشارة دقائق حكمة الله تعالى.
وفي هذه الآية محسن الطباق بين الضحك والبكاء وهما ضدان.
وتقديم الضحك على البكاء لأن فيه امتنانا بزيادة التنبيه على القدرة وحصل بذلك مراعاة الفاصلة.
وموقع هذه الجملة في عطفها مثل موقع جملة )وأن سعيه سوف يرى( في الاحتمالين، فإن كانت مما شملته صحف إبراهيم كانت حكاية لقوله )وإذا مرضت فهو يشفين(.
)وأنه هو أمات وأحيا[44]( انتقل من الاعتبار بانفراد الله بالقدرة على إيجاد أسباب المسرة والحزن وهما حالتان لا تخلو عن إحداهما نفس الإنسان إلى العبرة بانفراده تعالى بالقدرة على الإحياء والإماتة, وهما حالتان لا يخلو الإنسان عن إحداهما فإن الإنسان أول وجوده نطفة ميتة ثم علقة ثم مضغة قطعة ميتة وإن كانت فيها مادة الحياة إلا أنها لم تبرز مظاهر الحياة فيها ثم ينفخ فيه الروح ثم يصير إلى حياة وذلك بتدبير الله تعالى وقدرته.
ولعل المقصود هو العبرة بالإماتة لأنها وضح عبرة وللرد عليهم قولهم )وما يهلكنا إلا الدهر(, وأن عطف )وأحيا( تتميم واحتراس كما في قوله )الذي خلق الموت والحياة(. ولذلك قدم )أمات( على )أحيا( مع الرعاية على الفاصلة كما تقدم في )أضحك وأبكى(.
وموقع الجملة كموقع جملة )وأن سعيه سوف يرى(. فإن كان مضمونها مما شملته صحف إبراهيم كان المحكي بها من كلام إبراهيم ما حكاه الله عنه بقوله )والذي يميتني ثن يحيين(.
وفعلا )أمات وأحيا( منزلان منزلة اللازم كما تقدم في قوله )وأنه هو أضحك وأبكى( إظهارا لبديع القدرة على هذا الصنع الحكيم مع التعريض بالاستدلال على كيفية البعث وإمكانه حيث إحالة المشركون, وشاهده في خلق أنفسهم.
وضمير الفصل للقصر على نحو قوله )وأنه هو أضحك وأبكى( ردا على أهل الجاهلية الذين يسندون الإحياء والإماتة إلى الدهر فقالوا )وما يهلكنا إلا الدهر(. فليس المراد الحياة الآخرة لأن المتحدث عنهم لا يؤمنون بها, ولأنها مستقبلة والمتحدث عنه ماض.
وفي هذه الآية محسن الطباق أيضا لما بين الحياة والموت من التضاد.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:24 PM
السعدى
{ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى } أي: هو الذي أوجد أسباب الضحك والبكاء، وهو الخير والشر، والفرح والسرور والهم [والحزن]، وهو سبحانه له الحكمة البالغة في ذلك،
{ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا } أي: هو المنفرد بالإيجاد والإعدام، والذي أوجد الخلق وأمرهم ونهاهم، سيعيدهم بعد موتهم، ويجازيهم بتلك الأعمال التي عملوها في دار الدنيا.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:25 PM
تفسير الآيات 27-29/ سورة النور
( يا أيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها، ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون. فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم، والله بما تعملون عليم. ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم، والله يعلم ما تبدون وما تكتمون)
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:27 PM
القرطبى
الآية: 27 {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون}
لما خصص الله سبحانه ابن آدم الذي كرمه وفضله بالمنازل وسترهم فيها عن الأبصار، وملكهم الاستمتاع بها على الانفراد، وحجر على الخلق أن يطلعوا على ما فيها من خارج أو يلجوها من غير إذن أربابها، أدبهم بما يرجع إلى الستر عليهم لئلا يطلع أحد منهم على عورة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اطلع في بيت قوم من غير إذنهم حل لهم أن يفقؤوا عينه). وقد اختلف في تأويله فقال بعض العلماء: ليس هذا على ظاهره، فإن فقأ فعليه الضمان، والخبر منسوخ، وكان قبل نزول قوله تعالى: "وإن عاقبتم فعاقبوا" [النحل: 126] ويحتمل أن يكون خرج على وجه الوعيد لا على وجه الحتم، والخبر إذا كان مخالفا لكتاب الله تعالى لا يجوز العمل به. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم بالكلام في الظاهر وهو يريد شيئا آخر؛ كما جاء في الخبر أن عباس بن مرداس لما مدحه قال لبلال: (قم فاقطع لسانه) وإنما أراد بذلك أن يدفع إليه شيئا، ولم يرد به القطع في الحقيقة. وكذلك هذا يحتمل أن يكون ذكر فقء العين والمراد أن يعمل به عمل حتى لا ينظر بعد ذلك في بيت غيره. وقال بعضهم: لا ضمان عليه ولا قصاص؛ وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لحديث أنس على ما يأتي.
سبب نزول هذه الآية ما رواه الطبري وغيره عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله، إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد، لا والد ولا ولد فيأتي الأب فيدخل عليّ وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع ؟ فنزلت الآية. فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله، أفرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن؛ فأنزل الله تعالى: "ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة"[النور: 29].
مد الله سبحانه وتعالى التحريم في دخول بيت ليس هو بيتك إلى غاية هي الاستئناس، وهو الاستئذان. قال ابن وهب قال مالك: الاستئناس فيما نرى والله أعلم الاستئذان؛ وكذا في قراءة أبيّ وابن عباس وسعيد بن جبير "حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها". وقيل: إن معنى "تستأنسوا" تستعلموا؛ أي تستعلموا من في البيت. قال مجاهد: بالتنحنح أو بأي وجه أمكن، ويتأنى قدر ما يعلم أنه قد شعر به، ويدخل إثر ذلك. وقال معناه الطبري؛ ومنه قوله تعالى: "فإن آنستم منهم رشدا" [النساء: 6] أي علمتم. وقال الشاعر:
آنست نبأة وأفزعها القناص عصرا وقد دنا الإمساء
قلت: وفي سنن ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبدالرحيم بن سليمان عن واصل بن السائب عن أبي سورة عن أبي أيوب الأنصاري قال قلنا: يا رسول الله، هذا السلام، فما الاستئذان؟ قال: (يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة ويتنحنح ويؤذن أهل البيت).
قلت: وهذا نص في أن الاستئناس غير الاستئذان؛ كما قال مجاهد ومن وافقه.
وروي عن ابن عباس وبعض الناس يقول عن سعيد بن جبير "حتى تستأنسوا" خطأ أو وهم من الكاتب، إنما هو "حتى تستأذنوا". وهذا غير صحيح عن ابن عباس وغيره؛ فإن مصاحف الإسلام كلها قد ثبت فيها "حتى تستأنسوا"، وصح الإجماع فيها من لدن مدة عثمان، فهي التي لا يجوز خلافها. وإطلاق الخطأ والوهم على الكاتب في لفظ أجمع الصحابة عليه قول لا يصح عن ابن عباس؛ وقد قال عز وجل: "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" [فصلت: 42]، وقال تعالى: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" [الحجر: 9]. وقد روي عن ابن عباس أن في الكلام تقديما وتأخيرا؛ والمعنى: حتى تسلموا على أهلها وتستأنسوا حكاه أبو حاتم. قال ابن عطية. ومما ينفي هذا القول عن ابن عباس وغيره أن "تستأنسوا" متمكنة في المعنى، بينة الوجه في كلام العرب. وقد قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: أستأنس يا رسول الله؛ وعمر واقف على باب الغرفة، الحديث المشهور. وذلك يقتضي أنه طلب الأنس به صلى الله عليه وسلم، فكيف يخطّئ ابن عباس أصحاب الرسول في مثل هذا.
قلت: قد ذكرنا من حديث أبي أيوب أن الاستئناس إنما يكون قبل السلام، وتكون الآية على بابها لا تقديم فيها ولا تأخير، وأنه إذا دخل سلم. والله أعلم.
السنة في الاستئذان ثلاث مرات لا يزاد عليها. قال ابن وهب قال مالك: الاستئذان ثلاث، لا أحب أن يزيد أحد عليها، إلا من علم أنه لم يسمع، فلا أرى بأسا أن يزيد إذا استيقن أنه لم يسمع. وصورة الاستئذان أن يقول الرجل: السلام عليكم أأدخل؛ فإن أذن له دخل، وإن أمر بالرجوع انصرف، وإن سكت عنه استأذن ثلاثا؛ ثم ينصرف من بعد الثلاث. وإنما قلنا: إن السنة الاستئذان ثلاث مرات لا يزاد عليها لحديث أبي موسى الأشعري، الذي استعمله مع عمر بن الخطاب وشهد به لأبي موسى أبو سعيد الخدري، ثم أبيّ بن كعب. وهو حديث مشهور أخرجه الصحيح، وهو نص صريح؛ فإن فيه: فقال - يعني عمر - ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: أتيت فسلمت على بابك ثلاث مرات فلم ترد علي فرجعت، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع). وأما ما ذكرناه من صورة الاستئذان فما رواه أبو داود عن ربعي قال: حدثنا رجل من بني عامر استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت، فقال: ألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه: (أخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان - فقال له - قل السلام عليكم أأدخل) فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم فدخل. وذكره الطبري وقال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال لها روضة: (قولي لهذا يقول السلام عليكم أدخل؟...) الحديث. وروي أن ابن عمر آذته الرمضاء يوما فأتى فسطاطا لامرأة من قريش فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقالت المرأة: ادخل بسلام؛ فأعاد فأعادت، فقال لها: قولي أدخل. فقالت ذلك فدخل؛ فتوقف لما قالت: بسلام؛ لاحتمال اللفظ أن تريد بسلامك لا بشخصك.
قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إنما خص الاستئذان بثلاث لأن الغالب من الكلام إذا كرر ثلاثا سمع وفهم؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى يفهم عنه، وإذا سلم على قوم سلم عليهم ثلاثا. وإذا كان الغالب هذا؛ فإذا لم يؤذن له بعد ثلاث ظهر أن رب المنزل لا يريد الإذن، أو لعله يمنعه من الجواب عنه عذر لا يمكنه قطعه؛ فينبغي للمستأذن أن ينصرف؛ لأن الزيادة على ذلك قد تقلق رب المنزل، وربما يضره الإلحاح حتى ينقطع عما كان مشغولا به؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي أيوب حين استأذن عليه فخرج مستعجلا فقال: (لعلنا أعجلناك... ) الحديث. وروى عقيل عن ابن شهاب قال: أما سنة التسليمات الثلاث فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سعد بن عبادة فقال: (السلام عليكم) فلم يردوا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (السلام عليكم) فلم يردوا، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما فقد سعد تسليمه عرف أنه قد انصرف؛ فخرج سعد في أثره حتى أدركه، فقال: وعليك السلام يا رسول الله، إنما أردنا أن نستكثر من تسليمك، وقد والله سمعنا؛ فأنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سعد حتى دخل بيته. قال ابن شهاب: فإنما أخذ التسليم ثلاثا من قبل ذلك؛ رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي قال: سمعت يحيى بن أبي كثير يقول حدثني محمد بن عبدالرحمن بن أسعد بن زرارة عن قيس بن سعد قال: زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا فقال: (السلام عليكم ورحمة الله) قال فرد سعد ردا خفيا، قال قيس: فقلت ألا تأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ذره يكثر علينا من السلام... الحديث، أخرجه أبو داود وليس فيه قال ابن شهاب فإنما أخذ التسليم ثلاثا من قبل ذلك. قال أبو داود: ورواه عمر بن عبدالواحد وابن سماعة عن الأوزاعي مرسلا لم يذكرا قيس بن سعد.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الاستئذان ترك العمل به الناس. قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وذلك لاتخاذ الناس الأبواب وقرعها؛ والله أعلم. روى أبو داود عن عبدالله بن بسر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر فيقول: (السلام عليكم السلام عليكم) وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور.
فإن كان الباب مردودا فله أن يقف حيث شاء منه ويستأذن، وإن شاء دق الباب؛ لما رواه أبو موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حائط بالمدينة على قُف البئر فمد رجليه في البئر فدق الباب أبو بكر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إيذن له وبشره بالجنة). هكذا رواه عبدالرحمن بن أبي الزناد وتابعه صالح بن كيسان ويونس بن يزيد؛ فرووه جميعا عن أبي الزناد عن أبي سلمة عن عبدالرحمن بن نافع عن أبي موسى. وخالفهم محمد بن عمرو الليثي فرواه عن أبي الزناد عن أبي سلمة عن نافع بن عبد الحارث عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك؛ وإسناده الأول أصح، والله اعلم.
وصفة الدق أن يكون خفيفا بحيث يسمع، ولا يعنف في ذلك؛ فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانت أبواب النبي صلى الله عليه وسلم تقرع بالأظافير؛ ذكره أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب في جامعه.
روى الصحيحان وغيرهما عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من هذا)؟ فقلت أنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا أنا)! كأنه كره ذلك. قال علماؤنا: إنما كره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لأن قوله أنا لا يحصل بها تعريف، وإنما الحكم في ذلك أن يذكر اسمه كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأبو موسى؛ لأن في ذكر الاسم إسقاط كلفة السؤال والجواب. ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مشربة له فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليكم أيدخل عمر؟ وفي صحيح مسلم أن أبا موسى جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: السلام عليكم، هذا أبو موسى، السلام عليكم، هذا الأشعري... الحديث.
ذكر الخطيب في جامعه عن علي بن عاصم الواسطي قال: قدمت البصرة فأتيت منزل شعبة فدققت عليه الباب فقال: من هذا؟ قلت أنا؛ فقال: يا هذا ما لي صديق يقال له أنا ثم خرج إليّ فقال: حدثني محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة لي فطرقت عليه الباب فقال: (من هذا)؟ فقلت أنا؛ فقال: (أنا أنا) كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره قولي هذا، أو قوله هذا. وذكر عن عمر بن شبة حدثنا محمد بن سلام عن أبيه قال: دققت على عمرو بن عبيد الباب فقال لي: من هذا؟ فقلت أنا؛ فقال: لا يعلم الغيب إلا الله. قال الخطيب: سمعت علي بن المحسن القاضي يحكي عن بعض الشيوخ أنه كان إذا دق بابه فقال من ذا؟ فقال الذي على الباب أنا، يقول الشيخ: أنا هم دق.
ثم لكل قوم في الاستئذان عرفهم في العبارة؛ كما رواه أبو بكر الخطيب مسندا عن أبي عبدالملك مولى أم مسكين بنت عاصم بن عمر بن الخطاب قال: أرسلتني مولاتي إلى أبي هريرة فجاء معي، فلما قام بالباب قال: أندر؟ قالت أندرون. وترجم عليه باب الاستئذان بالفارسية. وذكر عن أحمد بن صالح قال: كان الدراوردي من أهل أصبهان نزل المدينة، فكان يقول للرجل إذا أراد أن يدخل: أندرون، فلقبه أهل المدينة الدراوردي.
روى أبو داود عن كلدة بن حنبل أن صفوان بن أمية بعثه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن وجداية وضغابيس والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة، فدخلت ولم أسلم فقال: (ارجع فقل السلام عليكم) وذلك بعدما أسلم صفوان بن أمية. وروى أبو الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لم يبدأ بالسلام فلا تأذنوا له). وذكر ابن جريج أخبرني عطاء قال: سمعت أبا هريرة يقول: إذا قال الرجل أدخل؟ ولم يسلم فقل لا حتى تأتي بالمفتاح؛ فقلت السلام عليكم؟ قال نعم. وروي أن حذيفة جاءه رجل فنظر إلى ما في البيت فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقال حذيفة: أما بعينك فقد دخلت وأما باستك فلم تدخل.
ومما يدخل في هذا الباب ما رواه أبو داود عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رسول الرجل إلى الرجل إذنه)؛ أي إذا أرسل إليه فقد أذن له في الدخول، يبينه قوله عليه السلام: (إذا دعي أحدكم إلى طعام فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن). أخرجه أبو داود أيضا عن أبي هريرة.
فإن وقعت العين على العين فالسلام قد تعين، ولا تعد رؤيته إذنا لك في دخولك عليه، فإذا قضيت حق السلام لأنك الوارد عليه تقول: أدخل؟ فإن أذن لك وإلا رجعت.
هذه الأحكام كلها إنما هي في بيت ليس لك، فأما بيتك الذي تسكنه فإن كان فيه أهلك فلا إذن عليها، إلا أنك تسلم إذا دخلت. قال قتادة: إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك، فهم أحق من سلمت عليهم. فإن كان فيه معك أمك أو أختك فقالوا: تنحنح واضرب برجلك حتى ينتبها لدخولك؛ لأن الأهل لا حشمة بينك وبينها. وأما الأم والأخت فقد يكونا على حالة لا تحب أن تراهما فيها. قال ابن القاسم قال مالك: ويستأذن الرجل على أمه وأخته إذا أراد أن يدخل عليهما. وقد روى عطاء بن يسار أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أستأذن على أمي؟ قال (نعم) قال: إني أخدمها؟ قال: (استأذن عليها) فعاوده ثلاثا؛ قال (أتحب أن تراها عريانة)؟ قال لا؛ قال: (فاستأذن عليها) ذكره الطبري.
فإن دخل بيت نفسه وليس فيه أحد؛ فقال علماؤنا: يقول السلام علينا من ربنا التحيات الطيبات المباركات، لله السلام. رواه ابن وهب عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسنده ضعيف. وقال قتادة: إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فإنه يؤمر بذلك. قال: وذكر لنا أن الملائكة ترد عليهم. قال ابن العربي: والصحيح ترك السلام والاستئذان، والله أعلم.
قلت: قول قتادة حسن.
الآية: 28 {فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم}
قوله تعالى: "فإن لم تجدوا فيها أحدا" الضمير في "تجدوا فيها" للبيوت التي هي بيوت الغير. وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال: معنى قوله: "فان لم تجدوا فيها أحدا" أي لم يكن لكم فيها متاع. وضعف الطبري هذا التأويل، وكذلك هو في غاية الضعف؛ وكأن مجاهدا رأى أن البيوت غير المسكونة إنما تدخل دون إذن إذا كان للداخل فيها متاع. ورأى لفظة "المتاع" متاع البيت، الذي هو البسط والثياب؛ وهذا كله ضعيف. والصحيح أن هذه الآية مرتبطة بما قبلها والأحاديث؛ التقدير: يا أيها الذين أمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا، فإن أذن لكم فادخلوا وإلا فارجعوا؛ كما فعل عليه السلام مع سعد، وأبو موسى مع عمر رضي الله عنهما. فإن لم تجدوا فيها أحدا يأذن لكم فلا تدخلوها حتى تجدوا إذنا. وأسند الطبري عن قتادة قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبت عمري هذه الآية فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي ارجع فارجع وأنا مغتبط؛ لقوله تعالى: "هو أزكى لكم".
سواء كان الباب مغلقا أو مفتوحا؛ لأن الشرع قد أغلقه بالتحريم للدخول حتى يفتحه الإذن من ربه، بل يجب عليه أن يأتي الباب ويحاول الإذن على صفة لا يطلع منه على البيت لا في إقباله ولا في انقلابه. فقد روى علماؤنا عن عمر بن الخطاب أنه قال: (من ملأ عينيه من قاعة بيت فقد فسق) وروي في الصحيح عن سهل بن سعد أن رجلا اطلع في جحر في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرى يرجل به رأسه؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك إنما جعل الله الإذن من أجل البصر). وروي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح).
إذا ثبت أن الإذن شرط في دخول المنزل فإنه يجوز من الصغير والكبير. وقد كان أنس بن مالك دون البلوغ يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الصحابة مع أبنائهم وغلمانهم رضي الله عنهم. وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر السورة إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: "والله بما تعملون عليم" توعد لأهل التجسس على البيوت وطلب الدخول على غفلة للمعاصي والنظر إلى ما لا يحل ولا يجوز، ولغيرهم ممن يقع في محظور.
*3*الآية: 29 {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون}
روي أن بعض الناس لما نزلت آية الاستئذان تعمق في الأمر، فكان لا يأتي موضعا خربا ولا مسكونا إلا سلم واستأذن؛ فنزلت هذه الآية، أباح الله تعالى فيها رفع الاستئذان في كل بيت لا يسكنه أحد لأن العلة في الاستئذان إنما هي لأجل خوف الكشفة على الحرمات فإذا زالت العلة زال الحكم.
اختلف العلماء في المراد بهذه البيوت؛ فقال محمد بن الحنفية وقتادة ومجاهد: هي الفنادق التي في طرق السابلة. قال مجاهد: لا يسكنها أحد بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل، وفيها متاع لهم؛ أي استمتاع بمنفعتها. وعن محمد بن الحنفية أيضا أن المراد بها دور مكة ويبينه قول مالك. وهذا على القول بأنها غير متملكة، وأن الناس شركاء فيها وأن مكة أخذت عنوة. وقال ابن زيد والشعبي: هي حوانيت القيساريات. قال الشعبي: لأنهم جاؤوا بيوعهم فجعلوها فيها، وقالوا للناس هلم. وقال عطاء: المراد بها الخرب التي يدخلها الناس للبول والغائط؛ ففي هذا أيضا متاع. وقال جابر بن زيد: ليس يعني بالمتاع الجهاز، ولكن ما سواه من الحاجة؛ أما منزل ينزله قوم من ليل أو نهار، أو خربة يدخلها لقضاء حاجة، أو دار ينظر إليها فهذا متاع وكل منافع الدنيا متاع. قال أبو جعفر النحاس: وهذا شرح حسن من قول إمام من أئمة المسلمين، وهو موافق للغة. والمتاع في كلام العرب: المنفعة؛ ومنه أمتع الله بك. ومنه "فمتعوهن" [الأحزاب: 49].
قلت: واختاره أيضا القاضي أبو بكر بن العربي وقال: أما من فسر المتاع بأنه جميع الانتفاع فقد طبق المفصل وجاء بالفيصل، وبين أن الداخل فيها إنما هو لما له من الانتفاع فالطالب يدخل في الخانكات وهي المدارس لطلب العلم، والساكن يدخل الخانات وهي الفناتق، أي الفنادق، والزبون يدخل الدكان للابتياع، والحاقن يدخل الخلاء للحاجة؛ وكل يؤتي على وجهه من بابه. وأما قول ابن زيد والشعبي فقول وذلك أن بيوت القيساريات محظورة بأموال الناس، غير مباحة لكل من أراد دخولها بإجماع، ولا يدخلها إلا من أذن له ربها، بل أربابها موكلون بدفع الناس.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:28 PM
تفسير ( بسم الله الرحمن الرحيم)
ابن العثيمين
قوله تعالى: { بسم الله الرحمن الرحيم }: الجار والمجرور متعلق بمحذوف؛ وهذا المحذوف يقَدَّر فعلاً متأخراً مناسباً؛ فإذا قلت: "باسم الله" وأنت تريد أن تأكل؛ تقدر الفعل: "باسم الله آكل"..
قلنا: إنه يجب أن يكون متعلقاً بمحذوف؛ لأن الجار والمجرور معمولان؛ ولا بد لكل معمول من عامل..
وقدرناه متأخراً لفائدتين:
الفائدة الأولى: التبرك بتقديم اسم الله عزّ وجل.
والفائدة الثانية: الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، كأنك تقول: لا آكل باسم أحد متبركاً به، ومستعيناً به، إلا باسم الله عزّ وجلّ.
وقدرناه فعلاً؛ لأن الأصل في العمل الأفعال . وهذه يعرفها أهل النحو؛ ولهذا لا تعمل الأسماء إلا بشروط
وقدرناه مناسباً؛ لأنه أدلّ على المقصود؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم : "من لم يذبح فليذبح باسم الله"(3) . أو قال صلى الله عليه وسلم "على اسم الله"(4) : فخص الفعل..
و{ الله }: اسم الله رب العالمين لا يسمى به غيره؛ وهو أصل الأسماء؛ ولهذا تأتي الأسماء تابعة له..
و{ الرحمن } أي ذو الرحمة الواسعة؛ ولهذا جاء على وزن "فَعْلان" الذي يدل على السعة..
و{ الرحيم } أي الموصل للرحمة من يشاء من عباده؛ ولهذا جاءت على وزن "فعيل" الدال على وقوع الفعل
فهنا رحمة هي صفته . هذه دل عليها { الرحمن }؛ ورحمة هي فعله . أي إيصال الرحمة إلى المرحوم . دلّ عليها { الرحيم }..
و{ الرحمن الرحيم }: اسمان من أسماء الله يدلان على الذات، وعلى صفة الرحمة، وعلى الأثر: أي الحكم الذي تقتضيه هذه الصفة..
والرحمة التي أثبتها الله لنفسه رحمة حقيقية دلّ عليها السمع، والعقل؛ أما السمع فهو ما جاء في الكتاب، والسنّة من إثبات الرحمة لله . وهو كثير جداً؛ وأما العقل: فكل ما حصل من نعمة، أو اندفع من نقمة فهو من آثار رحمة الله..
هذا وقد أنكر قوم وصف الله تعالى بالرحمة الحقيقية، وحرّفوها إلى الإنعام، أو إرادة الإنعام، زعماً منهم أن العقل يحيل وصف الله بذلك؛ قالوا: "لأن الرحمة انعطاف، ولين، وخضوع، ورقة؛ وهذا لا يليق بالله عزّ وجلّ"؛ والرد عليهم من وجهين:.
الوجه الأول: منع أن يكون في الرحمة خضوع، وانكسار، ورقة؛ لأننا نجد من الملوك الأقوياء رحمة دون أن يكون منهم خضوع، ورقة، وانكسار..
الوجه الثاني: أنه لو كان هذا من لوازم الرحمة، ومقتضياتها فإنما هي رحمة المخلوق؛ أما رحمة الخالق سبحانه وتعالى فهي تليق بعظمته، وجلاله، وسلطانه؛ ولا تقتضي نقصاً بوجه من الوجوه..
ثم نقول: إن العقل يدل على ثبوت الرحمة الحقيقية لله عزّ وجلّ، فإن ما نشاهده في المخلوقات من الرحمة بَيْنها يدل على رحمة الله عزّ وجلّ؛ ولأن الرحمة كمال؛ والله أحق بالكمال؛ ثم إن ما نشاهده من الرحمة التي يختص الله بها . كإنزال المطر، وإزالة الجدب، وما أشبه ذلك . يدل على رحمة الله..
والعجب أن منكري وصف الله بالرحمة الحقيقية بحجة أن العقل لا يدل عليها، أو أنه يحيلها، قد أثبتوا لله إرادة حقيقية بحجة عقلية أخفى من الحجة العقلية على رحمة الله، حيث قالوا: إن تخصيص بعض المخلوقات بما تتميز به يدل عقلاً على الإرادة؛ ولا شك أن هذا صحيح؛ ولكنه بالنسبة لدلالة آثار الرحمة عليها أخفى بكثير؛ لأنه لا يتفطن له إلا أهل النباهة؛ وأما آثار الرحمة فيعرفه حتى العوام، فإنك لو سألت عامياً صباح ليلة المطر: "بِمَ مطرنا؟"، لقال: "بفضل الله، ورحمته"..
مسألة:
هل البسملة آية من الفاتحة؛ أو لا؟
في هذا خلاف بين العلماء؛ فمنهم من يقول: إنها آية من الفاتحة، ويقرأ بها جهراً في الصلاة الجهرية، ويرى أنها لا تصح إلا بقراءة البسملة؛ لأنها من الفاتحة؛ ومنهم من يقول: إنها ليست من الفاتحة؛ ولكنها آية مستقلة من كتاب الله؛ وهذا القول هو الحق؛ ودليل هذا: النص، وسياق السورة..
أما النص: فقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: إذا قال: { الحمد لله رب العالمين } قال الله تعالى: حمدني عبدي؛ وإذا قال: { الرحمن الرحيم } قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي؛ وإذا قال: { مالك يوم الدين } قال الله تعالى: مجّدني عبدي؛ وإذا قال: { إياك نعبد وإياك نستعين } قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي نصفين؛ وإذا قال: { اهدنا الصراط المستقيم }... إلخ، قال الله تعالى: هذا لعبدي؛ ولعبدي ما سأل"(1) ؛ وهذا كالنص على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ وفي الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "صلَّيت خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر؛ فكانوا لا يذكرون { بسم الله الرحمن الرحيم } في أول قراءة، ولا في آخرها"(2) : والمراد لا يجهرون؛ والتمييز بينها وبين الفاتحة في الجهر وعدمه يدل على أنها ليست منها..
أما من جهة السياق من حيث المعنى: فالفاتحة سبع آيات بالاتفاق؛ وإذا أردت أن توزع سبع الآية على موضوع السورة وجدت أن نصفها هو قوله تعالى: { إياك نعبد وإياك نستعين } وهي الآية التي قال الله فيها: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"؛ لأن { الحمد لله رب العالمين }: واحدة؛ { الرحمن الرحيم }: الثانية؛ { مالك يوم الدين }: الثالثة؛ وكلها حق لله عزّ وجلّ { إياك نعبد وإياك نستعين }: الرابعة . يعني الوسَط؛ وهي قسمان: قسم منها حق لله؛ وقسم حق للعبد؛ { اهدنا الصراط المستقيم } للعبد؛ { صراط الذين أنعمت عليهم } للعبد؛ { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } للعبد..
فتكون ثلاث آيات لله عزّ وجل وهي الثلاث الأولى؛ وثلاث آيات للعبد . وهي الثلاث الأخيرة؛ وواحدة بين العبد وربِّه . وهي الرابعة الوسطى..
ثم من جهة السياق من حيث اللفظ، فإذا قلنا: إن البسملة آية من الفاتحة لزم أن تكون الآية السابعة طويلة على قدر آيتين؛ ومن المعلوم أن تقارب الآية في الطول والقصر هو الأصل..
فالصواب الذي لا شك فيه أن البسملة ليست من الفاتحة . كما أن البسملة ليست من بقية السور..
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:29 PM
ابن عاشور
البسملة اسم لكلمة باسم الله، صيغ هذا الاسم على مادة مؤلفة من حروف الكلمتين (باسم)و(الله) على طريقة تسمى النحت، وهو صوغ فعل مضي على زنة فعلل مؤلفة مادته من حروف جملة أو حروف مركب إضافي، مما ينطق به الناس اختصارا عن ذكر الجملة كلها لقصد التخفيف لكثرة دوران ذلك على الألسنة. وقد استعمل العرب النحت في النسب إلى الجملة أو المراكب إذا كان في النسب إلى صدر ذلك أو إلى عجزه التباس، كما قالوا في النسبة إلى عبد شمس عبشمي خشية الالتباس بالنسب إلى عبد أو إلى شمس، وفي النسبة إلى عبد الدار عبدري كذلك والى حضرموت حضرمي قال سيبويه في باب الإضافة أي النسب إلى المضاف من الأسماء: وقد يجعلون للنسب في الإضافة اسما بمنزلة جعفري ويجعلون فيه من حروف الأول والآخر ولا يخرجونه من حروفهما ليعرف اه، فجاء من خلفهم من مولدي العرب واستعملوا هذه الطريقة في حكاية الجمل التي يكثر دورانها في الألسنة لقصد الاختصار، وذلك من صدر الإسلام فصارت الطريقة عربية. قال الراعي: قوم على الإسلام لما يمنعوا ماعونهم ويضيعوا التهليلا أي لم يتركوا قول لا إله إلا الله . وقال عمر بن أبي ربيعة: لقد بسملت ليلى غداة لقيتهـا ألا حبذا ذاك الحبيب المبسمل أي قالت بسم الله فرقا منه، فأصل بسمل قال: بسم الله، ثم أطلقه المولدون على قول: بسم الله الرحمن الرحيم، اكتفاء واعتمادا على الشهرة وإن كان هذا المنحوت خليا من الحاء والراء اللذين هما من حروف الرحمان الرحيم، فشاع قولهم: بسمل، في معنى قال: بسم الله الرحمن الرحيم، واشتق من فعل بسمل مصدر هو البسملة كما اشتق من هلل مصدر هو الهيللة وهو مصدر قياسي لفعلل.
واشتق منه اسم فاعل في بيت عمر بن أبي ربيعة ولم يسمع اشتقاق اسم مفعول.
ورأيت في شرح ابن هارون التونسي على مختصر ابن الحاجب في باب الأذان عن المطرز في كتاب اليواقيت: الأفعال التي نحتت من أسمائها سبعة: بسمل في بسم الله، وسبحل في سبحان الله، وحيعل في حي على الصلاة، وحوقل في لا حول ولا قوة إلا بالله، وحمدل في الحمد لله، وهلل في لا إله إلا الله، وجيعل إذا قال جعلت فداك، وزاد الطيقلة في أطال الله بقاءك، والد معزة في أدام الله عزك.
ولما كان كثير من أئمة الدين قائلا بأنها آية من أوائل جميع السور غير براءة أو بعض السور تعين على المفسر أن يفسر معناها وحكمها وموقعها عند من عدوها آية من بعض السور. وينحصر الكلام عليها في ثلاثة مباحث.
الأول في بيان أهي آية من أوائل السور أم لا. الثاني في حكم الابتداء بها عند القراءة. الثالث في تفسير معناها المختص بها.
فأما المبحث الأول فهو أن لا خلاف بين المسلمين في أن لفظ بسم الله الرحمان الرحيم هو لفظ قرآني لأنه جزء آية من قوله تعالى )إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم( كما أنهم لم يختلفوا في أن الافتتاح بالتسمية في الأمور المهمة ذوات البال ورد في الإسلام، وروي فيه حديث كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع لم يروه أصحاب السنن ولا المستدركات، وقد وصف بأنه حسن، وقال الجمهور إن البسملة رسمها الذين كتبوا المصاحف في أوائل السور ما عدا سورة براءة، كما يؤخذ من محادثة ابن عباس مع عثمان، وقد مضت في المقدمة الثامنة، ولم يختلفوا في أنها كتبت في المصحف في أول سورة الفاتحة وذلك ليس موضع فصل السورة عما قبلها، وإنما اختلفوا في أن البسملة هل هي آية من سورة الفاتحة ومن أوائل السور غير براءة، بمعنى أن الاختلاف بينهم ليس في كونها قرآنا، ولكنه في تكرر قرآنيتها كما أشار إليه ابن رشد الحفيد في البداية، فذهب مالك والأوزاعي وفقهاء المدينة والشام والبصرة وقيل باستثناء عبد الله بن عمرو ابن شهاب من فقهاء المدينة إلى أنها ليست بآية من أوائل السور لكنها جزء آية من سورة النمل، وذهب الشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وفقهاء مكة والكوفة غير أبي حنيفة، إلى أنها آية في أول سورة الفاتحة خاصة، وذهب عبد الله بن مبارك والشافعي في أحد قوليه وهو الأصح عنه إلى أنها آية من كل سورة. ولم ينقل عن أبي حنيفة من فقهاء الكوفة فيها شيء، وأخذ منه صاحب الكشاف أنها ليست من السور عنده فعده في الذين قالوا بعدم جزئيتها من السور وهو الصحيح عنه. قال عبد الحكيم لأنه قال بعدم الجهر بها مع الفاتحة في الصلاة الجهرية وكره قراءتها في أوائل السور الموصولة بالفاتحة في الركعتين الأوليين.
وأزيد فأقول إنه لم ير الاقتصار عليها في الصلاة مجزئا عن القراءة.
أما حجة مذهب مالك ومن وافقه فلهم فيها مسالك: أحدها من طريق النظر، والثاني من طريق الأثر، والثالث من طريق الذوق العربي.
فأما المسلك الأول فللمالكية فيه مقالة فائقة للقاضي أبي بكر الباقلاني وتابعه أبو بكر ابن العربي في أحكام القرآن والقاضي عبد الوهاب في كتاب الاشراف، قال الباقلاني: لو كانت التسمية من القرآن لكان طريق إثباتها إما التواتر أو الآحاد، والأول باطل لأنه لو ثبت بالتواتر كونها من القرآن لحصل العلم الضروري بذلك ولامتنع وقوع الخلاف فيه بين الأمة، والثاني أيضا باطل لأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن فلو جعلناه طريقا إلى إثبات القرآن لخرج القرآن عن كونه حجة يقينية، ولصار ذلك ظنيا، ولو جاز ذلك لجاز ادعاء الروافض أن القرآن دخله الزيادة والنقصان والتغيير والتحريف اه وهو كلام وجيه والأقيسة الاستثنائية التي طواها في كلامه واضحة لمن له ممارسة للمنطق وشرطياتها لا تحتاج للاستدلال لأنها بديهية من الشريعة فلا حاجة إلى بسطها . زاد أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن فقال: يكفيك أنها ليست من القرآن الاختلاف فيها، والقرآن لا يختلف فيه اه. وزاد عبد الوهاب فقال: إن رسول الله بين القرآن بيانا واحدا متساويا ولم تكن عادته في بيانه مختلفة بالظهور والخفاء حتى يختص به الواحد والاثنان؛ ولذلك قطعنا بمنع أن يكون شيء من القرآن لم ينقل إلينا وأبطلنا قول الرافضة إن القرآن حمل جمل عند الإمام المعصوم المنتظر فلو كانت البسملة من الحمد لبينها رسول الله بيانا شافيا اه.
وقال ابن العربي في العارضة: إن القاضي أبا بكر بن الطيب، لم يتكلم من الفقه إلا في هذه المسألة خاصة لأنها متعلقة بالأصول.
وقد عارض هذا الدليل أبو حامد الغزالي في المستصفى فقال نفى كون البسملة من القرآن أيضا إن ثبت بالتواتر لزم أن لا يبقى الخلاف أي وهو ظاهر البطلان وإن ثبت بالآحاد يصير القرآن ظنيا، قال ولا يقال إن كون شيء ليس من القرآن عدم والعدم لا يحتاج إلى الإثبات لأنه الأصل بخلاف القول بأنها من القرآن، لأنا نجيب بأن هذا وإن كان عدما إلا أن كون التسمية مكتوبة بخط القرآن يوهن كونها ليست من القرآن فها هنا لا يمكننا الحكم بأنها ليست من القرآن إلا بالدليل ويأتي الكلام في أن الدليل ما هو، فثبت أن الكلام الذي أورده القاضي لازم عليه اه، وتبعه على ذلك الفخر الرازي في تفسيره ولا يخفى أنه آل في استدلاله إلى المصادرة إذ قد صار مرجع استدلال الغزالي وفخر الدين إلى رسم البسملة في المصاحف، وسنتكلم عن تحقيق ذلك عند الكلام على مدرك الشافعي. وتعقب ابن رشد في بداية المجتهد كلام الباقلاني والغزالي بكلام غير محرر فلا نطيل به.
وأما المسلك الثاني وهو الاستدلال من الأثر فلا نجد في صحيح السنة ما يشهد بأن البسملة آية من أوائل سور القرآن والأدلة ستة: الدليل الأول: ما روى مالك في الموطأ عن العلاء بن عبد الرحمن إلى أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى قسمت الصلاة نصفين بيني وبين عبدي فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد الحمد لله رب العالمين فأقول حمدني عبدي إلخ، والمراد في الصلاة القراءة في الصلاة ووجه الدليل منه أنه لم يذكر بسم الله الرحمن الرحيم.
الثاني: حديث أبي بن كعب في الموطأ والصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ألا أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل مثلها قبل أن تخرج من المسجد? قال: بلى، فلما قارب الخروج قال له: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة? قال أبي: فقرآت الحمد لله رب العالمين حتى أتيت على آخرها، فهذا دليل على أنه لم يقرأ منها البسملة.
الثالث: ما في صحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن النسائي عن أنس بن مالك من طرق كثيرة أنه قال: صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، لا في أول قراءة ولا في آخرها.
الرابع: حديث عائشة في صحيح مسلم وسنن أبي داود قالت: كان رسول الله يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين.
الخامس: ما في سنن الترمذي والنسائي عن عبد الله بن مغفل قال: صليت مع النبي وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدا منهم يقول بسم الله الرحمن الرحيم، إذا أنت صليت فقل الحمد لله رب العالمين.
السادس: وهو الحاسم: عمل أهل المدينة، فإن المسجد النبوي من وقت نزول الوحي إلى زمن مالك، صلى فيه رسول الله والخلفاء الراشدون والأمراء وصلى وراءهم الصحابة وأهل العلم ولم يسمع أحد قرأ بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة الجهرية، وهل يقول عالم ان بعض السورة جهر وبعضها سر، فقد حصل التواتر بأن النبي والخلفاء لم يجهروا بها في الجهرية، فدل على أنها ليست من السورة ولو جهروا بها لما اختلف الناس فيها.
وهناك دليل آخر لم يذكروه هنا وهو حديث عائشة، في بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معتبر مرفوعا إلى النبي، وذلك قوله ففجئه الملك فقال: اقرأ قال رسول الله فقلت ما أنا بقارئ إلى أن قال فغطني الثالثة ثم قال )اقرأ باسم ربك الذي خلق( الحديث. فلم يقل فقال لي بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ بسم ربك، وقد ذكروا هذا في تفسير سورة العلق وفي شرح حديث بدء الوحي.
وأما المسلك الثالث وهو الاستدلال من طريق الاستعمال العربي فيأتي القول فيه على مراعاة قول القائلين بأن البسملة آية من سورة الفاتحة خاصة، وذلك يوجب أن يتكرر لفظان وهما الرحمن الرحيم في كلام غير طويل ليس بينهما فصل كثير وذلك مما لا يحمد في باب البلاغة، وهذا الاستدلال نقله الإمام الرازي في تفسيره وأجاب عنه بقوله: إن التكرار لآجل التأكيد كثير في القرآن وإن تأكيد كونه تعالى رحمانا رحيما من أعظم المهمات0 وأنا أدفع جوابه بأن التكرار وإن كانت له مواقع محمودة في الكلام البليغ مثل التهويل، ومقام الرثاء أو التعديد أو التوكيد اللفظي، إلا أن الفاتحة لا مناسبة لها بأغراض التكرير ولا سيما التوكيد لأنه لا منكر لكونه تعالى رحمانا رحيما، ولأن شأن التوكيد اللفظي أن يقترن فيه اللفظان بلا فصل فتعين أنه تكرير اللفظ في الكلام لوجود مقتضى التعبير عن مدلوله بطريق الاسم الظاهر دون الضمير، وذلك مشروط بأن يبعد ما بين الكررين بعدا يقصيه عن السمع، وقد علمت أنهم عدوا في فصاحة الكلام خلوصه من كثرة التكرار، والقرب بين الرحمن والرحيم حين كررا يمنع ذلك. وأجاب البيضاوي بأن نكتة التكرير هنا هي تعليل استحقاق الحمد، فقال السلكوتي أشار بهذا إلى الرد على ما قاله بعض الحنفية: إن البسملة لو كانت من الفاتحة للزم التكرار وهو جواب لا يستقيم لأنه إذا كان التعليل قاضيا بذكر صفتي الرحمن الرحيم فدفع التكرير يقتضي تجريد البسملة التي في أول الفاتحة من هاتين الصفتين بأن تصير الفاتحة هكذا )بسم الله الحمد لله الخ(.
وأنا أرى في الاستدلال بمسلك الذوق العربي أن يكون على مراعاة قول القائلين بكون البسملة آية من كل سورة فينشأ من هذا القول أن تكون فواتح سور القرآن كلها متماثلة وذلك مما لا يحمد في كلام البلغاء إذ الشأن أن يقع التفنن في الفواتح، بل قد عد علماء البلاغة أهم مواضع التأنق فاتحة الكلام وخاتمته، وذكروا أن فواتح السور وخواتمها واردة على أحسن وجوه البيان وأكملها فكيف يسوغ أن يدعى أن فواتح سورة جملة واحدة، مع أن عامة البلغاء من الخطباء والشعراء والكتاب يتنافسون في تفنن فواتح منشآتهم ويعيبون من يلتزم في كلامه طريقة واحدة فما ظنك بأبلغ الكلام.
وأما حجة مذهب الشافعي ومن وافقه بأنها آية من سورة الفاتحة فأمور كثيرة أنهاها فخر الدين إلى سبع عشرة حجة لا يكاد يستقيم منها بعد طرح المتداخل والخارج عن محل النزاع وضعيف السند أو واهية إلا أمران: أحدهما أحاديث كثيرة منها ما روى أبو هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال فاتحة الكتاب سبع آيات. أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم . وقول أم سلمة: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاتحة وعد )بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين( آية.
الثاني: الإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله.
والجواب أما عن حديث أبي هريرة فهو لم يخرجه أحد من رجال الصحيح إنما خرجه الطبراني وابن مردويه والبيهقي فهو نازل عن درجة الصحيح فلا يعارض الأحاديث الصحيحة، وأما حديث أم سلمة فلم يخرجه من رجال الصحيح غير أبي داود وأخرجه أحمد بن حنبل والبيهقي، وصحح بعض طرقه وقد طعن فيه الطحاوي بأنه رواه ابن أبي مليكة، ولم يثبت سماع ابن أبي مليكة من أم سلمة، يعني أنه مقطوع، على أنه روى عنها ما يخالفه، على أن شيخ الإسلام زكريا قد صرح في حاشيته على تفسير البيضاوي بأنه لم يرو باللفظ المذكور وإنما روى بألفاظ تدل على أن )بسم الله( آية وحدها، فلا يؤخذ منه كونها من الفاتحة، على أن هذا يفضي إلى إثبات القرآنية بغير المتواتر وهو ما يأباه المسلمون.
وأما عن الإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله، فالجواب: أنه لا يقتضي إلا أن البسملة قرآن وهذا لا نزاع فيه، وأما كون المواضع التي رسمت فيها في المصحف مما تجب قراءتها فيها، فذلك أمر يتبع رواية القراء وأخبار السنة الصحيحة فيعود إلى الأدلة السابقة.
وهذا كله بناء على تسليم أن الصحابة لم يكتبوا أسماء السور وكونها مكية أو مدنية في المصحف وأن ذلك من صنع المتأخرين وهو صريح كلام عبد الحكيم في حاشية البيضاوي، وأما إذا ثبت أن بعض السلف كتبوا ذلك كما هو ظاهر كلام المفسرين والأصوليين والقراء كما في لطائف الإشارات للقسطلاني وهو مقتضى كتابة المتأخرين لذلك لأنهم ما كانوا يجرأون على الزيادة على ما فعله السلف فالاحتجاج حينئذ بالكتابة باطل من أصله ودعوى كون أسماء السور كتبت بلون مخالف لحبر القرآن، يرده أن المشاهد في مصاحف السلف أن حبرها بلون واحد ولم يكن التلوين فاشيا.
وقد احتج بعضهم بما رواه البخاري عن أنس أنه سئل كيف كانت قراءة النبي، فقال: كانت مدا ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم، اه. ولا حجة في هذا لأن ضمير قرأ وضمير يمد عائدان إلى أنس، وإنما جاء بالبسملة على وجه التمثيل لكيفية القراءة لشهرة البسملة.
وحجة عبد الله بن المبارك وثاني قولي الشافعي، ما رواه مسلم عن أنس، قال بينا رسول الله بين أظهرنا ذات يوم إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا ما أضحكك يا رسول الله، قال أنزلت على سورة آنفا فقرأ )بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر( السورة، قالوا وللإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله ولإثبات الصحابة إياها في المصاحف مع حرصهم على أن لا يدخلوا في القرآن ما ليس منه ولذلك لم يكتبوا آمين في الفاتحة. والجواب عن الحديث أنا نمنع أن يكون قرأ البسملة على أنها من السورة بل افتتح بها عند إرادة القراءة لأنها تغني عن الاستعاذة إذا نوى المبسمل تقدير أستعيذ باسم الله وحذف متعلق الفعل، ويتعين حمله على نحو هذا لأن راويه أنسا بن مالك جزم في حديثه الآخر أنه لم يسمع رسول الله بسمل في الصلاة.
فإن أبوا تأويله بما تأولناه لزم اضطراب أنس في روايته اضطرابا يوجب سقوطها.
والحق البين في أمر البسملة في أوائل السور، أنها كتبت للفصل بين السور ليكون الفصل مناسبا لابتداء المصحف، ولئلا يكون بلفظ من غير القرآن، وقد روى أبو داود في سننه والترمذي وصححه عن ابن عباس أنه قال. قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين وإلى الأنفال وهي من المثاني فجعلتموهما في السبع الطوال ولم تكتبوا بينهما سطرا بسم الله الرحمن الرحيم ، قال عثمان كان النبي لما تنزل عليه الآيات فيدعو بعض من كان يكتب له ويقول له ضع هذه الآية بالسورة التي يذكر فيها كذا وكذا، أو تنزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك، وكانت الأنفال من أول ما أنزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما أنزل من القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها فقبض رسول الله ولم يبين لنا أنها منها، فظننت أنها منها، فمن هناك وضعتها في السبع الطوال ولم أكتب بينهما سطرا بسم الله الرحمن الرحيم .
وأرى في هذا دلالة بينة على أن البسملة لم تكتب بين السور غير الأنفال وبراءة إلا حين جمع القرآن في مصحف واحد زمن عثمان، وأنها لم تكن مكتوبة في أوائل السور في الصحف التي جمعها زيد بن ثابت في خلافة أبي بكر إذ كانت لكل سورة صحيفة مفردة كما تقدم في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:30 PM
وعلى أن البسملة مختلف في كونها آية من أول كل سورة غير براءة، أو آية من أول سورة الفاتحة فقط، أو ليست بآية من أول شيء من السور؛ فإن القراء اتفقوا على قراءة البسملة عند الشروع في قراءة سورة من أولها غير براءة. ورووا ذلك عمن تلقوا، فأما الذين منهم يروون اجتهادا أو تقليدا أن البسملة آية من أول كل سورة غير براءة، فأمرهم ظاهر، وقراءة البسملة في أوائل السور واجبة عندهم لا محالة في الصلاة وغيرها، وأما الذين لا يروون البسملة آية من أوائل السور كلها أو ما عدا الفاتحة فإن قراءتهم البسملة في أول السورة عند الشروع في قراءة سورة غير مسبوقة بقراءة سورة قبلها تعلل بالتيمن باقتفاء أثر كتاب المصحف، أي قصد التشبه في مجرد ابتداء فعل تشبيها لابتداء القراءة بابتداء الكتابة. فتكون قراءتهم البسملة أمرا مستحبا للتأسي في القراءة بما فعله الصحابة الكاتبون للمصحف، فقراءة البسملة عند هؤلاء نظير النطق بالاستعاذة ونظير التهليل والتكبير بين بعض السور من آخر المفصل، ولا يبسملون في قراءة الصلاة الفريضة، وهؤلاء إذا قرأوا في صلاة الفريضة تجري قراءتهم على ما انتهى إليه فهمهم من أمر البسملة من اجتهاد أو تقليد. وبهذا تعلم أنه لا ينبغي أن يؤخذ من قراءتهم قول لهم بأن البسملة آية من أول كل سورة كما فعل صاحب الكشاف والبيضاوي.
واختلفوا في قراءة البسملة في غير الشروع في قراءة سورة من أولها، أي في قراءة البسملة بين السورتين.
فورش عن نافع في أشهر الروايات عنه وابن عامر، وأبو عمرو، وحمزة، ويعقوب، وخلف، لا يبسملون بين السورتين وذلك يعلل بأن التشبه بفعل كتاب المصحف خاص بالابتداء، وبحملهم رسم البسملة في المصحف على أنه علامة على ابتداء السورة لا على الفصل، إذ لو كانت البسملة علامة على الفصل بين السورة والتي تليها لما كتبت في أول سورة الفاتحة، فكان صنيعهم وجيها لأنهم جمعوا بين ما رووه عن سلفهم وبين دليل قصد التيمن، ودليل رأيهم أن البسملة ليست آية من أول كل سورة.
وقالون عن نافع وابن كثير وعاصم والكسائي وأبو جعفر يبسملون بين السورتين سوى ما بين الأنفال وبراءة، وعدوه من سنة القراءة، وليس حظهم في ذلك إلا اتباع سلفهم، إذ ليس جميعهم من أهل الاجتهاد، ولعلهم طردوا قصد التيمن بمشابهة كتاب المصحف في الإشعار بابتداء السورة والإشعار بانتهاء التي قبلها.
واتفق المسلمون على ترك البسملة في أول سورة براءة وقد تبين وجه ذلك آنفا، ووجهه الأئمة بوجوه أخر تأتى في أول سورة براءة، وذكر الجاحظ في البيان والتبيين أن مؤرجا السدوسي البصري سمع رجلا يقول أمير المؤمنين يرد على المظلوم فرجع مؤرج إلى مصحفه فرد على براءة بسم الله الرحمن الرحيم، ويحمل هذا الذي صنعه مؤرج إن صح عنه إنما هو على التمليح والهزل وليس على الجد.
وفي هذا ما يدل على أن اختلاف مذاهب القراء في قراءة البسملة في مواضع من القرآن ابتداء ووصلا كما تقدم لا أثر له في الاختلاف في حكم قراءتها في الصلاة، فإن قراءتها في الصلاة تجري على إحكام النظر في الأدلة وليست مذاهب القراء بمعدودة من أدلة الفقه، وإنما قراءاتهم روايات وسنة متبعة في قراءة القرآن دون استناد إلى اعتبار أحكام رواية القرآن من تواتر ودونه، ولا إلى وجوب واستحباب وتخيير، فالقارئ يقرأ كما روى عن معلميه ولا ينظر في حكم ما يقرأه من لزوم كونه كما قرأ أو عدم اللزوم، تجري أعمالهم في صلاتهم على نزعاتهم في الفقه من اجتهاد وتقليد، ويوضح غلط من ظن أن خلاف الفقهاء في إثبات البسملة وعدمه مبني على خلاف القراء، كما يوضح تسامح صاحب الكشاف في عده مذاهب القراء في نسق مذاهب الفقهاء. وإنما اختلف المجتهدون لأجل الأدلة التي تقدم بيانها، وأما الموافقة بينهم وبين قراء أمصارهم غالبا في هاته المسألة فسببه شيوع القول بين أهل ذلك العصر بما قال به فقهاؤه في المسائل، أو شيوع الأدلة التي تلقاها المجتهدون من مشايخهم بين أهل ذلك العصر ولو من قبل ظهور المجتهد مثل سبق نافع بن أبي نعيم إلى عدم ذكر البسملة قبل أن يقول مالك بعدم جزئيتها؛ لأن مالكا تلقى أدلة نفي الجزئية عن علماء المدينة وعنهم أو عن شيوخهم تلقى نافع بن أبي نعيم. وإذ قد كنا قد تقلدنا مذهب مالك واطمأننا لمداركه في انتفاء كون البسملة آية من أول سورة البقرة كان حقا علينا أن لا نتعرض لتفسيرها هنا وأن نرجئه إلى الكلام على قوله تعالى في سورة النمل )إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم( غير أننا لما وجدنا من سلفنا من المفسرين كلهم لم يهملوا الكلام على البسملة في هذا الموضع اقتفينا أثرهم إذ صار ذلك مصطلح المفسرين.
واعلم أن متعلق المجرور في بسم الله محذوف تقديره هنا أقرأ، وسبب حذف متعلق المجرور أن البسملة سنت عند ابتداء الأعمال الصالحة فحذف متعلق المجرور فيها حذفا ملتزما إيجازا اعتمادا على القرينة، وقد حكى القرآن قول سحرة فرعون عند شروعهم في السحر بقوله )فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون( وذكر صاحب الكشاف أن أهل الجاهلية كانوا يقولون في ابتداء أعمالهم باسم اللات باسم العزى فالمجرور ظرف لغو معمول للفعل المحذوف ومتعلق به وليس ظرفا مستقرا مثل الظروف التي تقع أخبارا، ودليل المتعلق ينبئ عنه العمل الذي شرع فيه فتعين أن يكون فعلا خاصا من النوع الدال على معنى العمل المشروع فيه دون المتعلق العام مثل: أبتدئ، لأن القرينة الدالة على المتعلق هي الفعل المشروع فيه المبدوء بالبسملة، فتعين أن يكون المقدر اللفظ الدال على ذلك الفعل، ولا يجري في هذا الخلاف الواقع بين النحاة في كون متعلق الظروف هل يقدر اسما نحو كائن أو مستقر أم فعلا نحو كان أو استقر لأن ذلك الخلاف في الظروف الواقعة أخبارا أو أحوالا بناء على تعارض مقتضى تقدير الاسم وهو كونه الأصل في الأخبار والحالية، ومقتضى تقدير الفعل وهو كونه الأصل في العمل لأن ما هنا ظرف لغو، والأصل فيه أن يعدي الأفعال ويتعلق بها، ولأن مقصد المبتدئ بالبسملة أن يكون جميع عمله ذلك مقارنا لبركة اسم الله تعالى فلذلك ناسب أن يقدر متعلق الجار لفظا دالا على الفعل المشروع فيه، وهو أنسب لتعميم التيمن لأجزاء الفعل، فالابتداء من هذه الجهة أقل عموما، فتقدير الفعل العام يخصص وتقدير الفعل الخاص يعمم وهذا يشبه أن يلغز به. وهذا التقدير من المقدرات التي دلت عليها القرائن كقول الداعي للمعرس بالرفاء والبنين وقول المسافر عند حلوله وترحاله باسم الله والبركات وقول نساء العرب عندما يزففن العروس باليمن والبركة وعلى الطائر الميمون ولذلك كان تقدير الفعل هاهنا واضحا. وقد أسعف هذا الحذف بفائدة وهي صلوحية البسملة ليبتدئ بها كل شارع في فعل فلا يلجأ إلى مخالفة لفظ القرآن عند اقتباسه، والحذف هنا من قبيل الإيجاز لأنه حذف ما قد يصرح به في الكلام، بخلاف متعلقات الظروف المستقرة نحو: عندك خير، فإنهم لا يظهرون المتعلق فلا يقولون: خير كائن عندك، ولذلك عدوا نحو قوله: فإنك كالليل الذي هو مدركي
من المساواة دون الإيجاز يعني مع ما فيه من حذف المتعلق . وإذ قد كان المتعلق محذوفا تعين أن يقدر في موضعه متقدما على المتعلق به كما هو أصل الكلام؛ إذ لا قصد هنا لإفادة البسملة الحصر، ودعوى صاحب الكشاف تقديره مؤخرا تعمق غير مقبول، لا سيما عند حالة الحذف، فالأنسب أن يقدر على حسب الأصل.
والباء باء الملابسة، هي المصاحبة، وهي الإلصاق أيضا فهذه مترادفات في الدلالة على هذا المعنى وهي كما في قوله تعالى )تنبت بالدهن( وقولهم بالرفاء والبنين وهذا المعنى هو اكثر معاني الباء وأشهرها، قال سيبويه: الإلصاق لا يفارق الباء وإليه ترجع تصاريف معانيها ولذلك قال صاحب الكشاف وهذا الوجه أي الملابسة أعرب وأحسن أي أحسن من جعل الباء للآلة أي أدخل في العربية وأحسن لما فيه من زيادة التبرك بملابسة جميع أجزاء الفعل لاسمه تعالى.
والاسم لفظ جعل دالا على ذات حسية أو معنوية بشخصها أو نوعها. وجعله أئمة البصرة مشتقا من السمو وهو الرفعة لأنها تتحقق في إطلاقات الاسم ولو بتأويل فإن أصل الاسم في كلام العرب هو العلم ولا توضع الأعلام إلا لشيء مهتم به، وهذا اعتداد بالأصل والغالب، وإلا فقد توضع الأعلام لغير ما يهتم به كما قالوا فجار علم للفجرة. فأصل صيغته عند البصريين من الناقص الواوي فهو إما سمو بوزن حمل، أو سمو بوزن قفل فحذفت اللام حذفا لمجرد التخفيف أو لكثرة الاستعمال ولذلك جرى الإعراب على الحرف الباقي، لأنه لو حذفت لامه لعلة صرفية لكان الإعراب مقدر على الحرف المحذوف كما في نحو قاض وجوار، فلما جرى الأعراب على الحرف الباقي الذي كان ساكنا نقلوا سكونه للمتحرك وهو أول الكلمة وجلبوا همزة الوصل للنطق بالساكن؛ إذ العرب لا تستحسن الابتداء بحرف ساكن لابتناء لغتهم على التخفيف، وقد قضوا باجتلاب الهمزة وطرا ثانيا من التخفيف وهو عود الكلمة إلى الثلاثي لأن الأسماء التي تبقى بالحذف على حرفين كيد ودم لا تخلو من ثقل، وفي هذا دليل على أن الهمزة لم تجتلب لتعويض الحرف المحذوف وإلا لاجتلبوها في يد ودم وغد.
وقد احتجوا على أن أصله كذلك بجمعه على أسماء بوزن أفعال، فظهرت في آخره همزة وهي منقلبة عن الواو المتطرفة إثر ألف الجمع، وبأنه جمع على أسامي وهو جمع الجمع بوزن أفاعيل بإدغام ياء الجمع في لام الكلمة ويجوز تخفيفها كما في أثافي وأماني، وبأنه صغر على سمي. وأن الفعل منه سميت، وهي حجج بينة على أن أصله من الناقص الواوي. وبأنه يقال سمى كهدى؛ لأنهم صاغوه على فعل كرطب فتنقلب الواو المتحركة ألفا إثر الفتحة وأنشدوا على ذلك قول أبي خالد القناني الراجز: والله أسماك سمى مباركا آثرك الله به إيثـاركـا
وقال ابن يعيش: لا حجة فيه لاحتمال كونه لغة من قال سم والنصب فيه نصب إعراب لا نصب الإعلال، ورده عبد الحكيم بأن كتابته بالإمالة تدل على خلاف ذلك. وعندي فيه أن الكتابة لا تتعلق بها الرواية فلعل الذين كتبوه بالياء هم الذين ظنوه مقصورا، على أن قياسها الكتابة بالألف مطلقا لأنه واوي إلا إذا أريد عدم التباس الألف بألف النصب. ورأى البصريين أرجح من ناحية تصاريف هذا اللفظ. وذهب الكوفيون إلى أن أصله وسم بكسر الواو لأنه من السمة وهي العلامة، فحذفت الواو وعوضت عنها همزة الوصل ليبقى على ثلاثة أحرف ثم يتوسل بذلك إلى تخفيفه في الوصل، وكأنهم رأوا أن لا وجه لاشتقاقه من السمو لأنه قد يستعمل لأشياء غير سامية وقد علمت وجه الجواب، ورأى الكوفيين أرجح من جانب الاشتقاق دون التصريف، على أن همزة الوصل لم يعهد دخولها على ما حذف صدره. وردوا استدلال البصريين بتصاريفه بأنها يحتمل أن تكون تلك التصاريف من القلب المكاني بأن يكون أصل اسم وسم، ثم نقلت الواو التي هي فاء الكلمة فجعلت لاما ليتوسل بذلك إلى حذفها ورد في تصرفاته في الموضع الذي حذف منه لأنه تنوسي أصله، وأجيب عن ذلك بأن هذا بعيد لأنه خلاف الأصل وبأن القلب لا يلزم الكلمة في سائر تصاريفها وإلا لما عرف أصل تلك الكلمة. وقد اتفق علماء اللغة على أن التصاريف هي التي يعرف بها الزائد من الأصلي والمنقلب من غيره. وزعم ابن حزم في كتاب الملل والنحل أن كلا قولي البصريين والكوفيين فاسد افتعله النحاة ولم يصح عن العرب وأن لفظ الاسم غير مشتق بل هو جامد وتطاول ببذاءته عليهم وهي جرأة عجيبة، وقد قال تعالى )فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون(.
وإنما أقحم لفظ اسم مضافا إلى علم الجلالة إذ قيل: بسم الله، ولم يقل بالله لأن المقصود أن يكون الفعل المشروع فيه من شؤون أهل التوحيد الموسومة باسم الإله الواحد فلذلك تقحم كلمة اسم في كل ما كان على هذا المقصد كالتسمية على النسك قال تعالى )فكلوا مما ذكر اسم الله عليه( وقال )وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه( وكالأفعال التي يقصد بها التيمن والتبرك وحصول المعونة مثل )اقرأ باسم ربك( فاسم الله هو الذي تمكن مقارنته للأفعال لا ذاته، ففي مثل هذا لا يحسن أن يقال بالله لأنه حينئذ يكون المعنى أنه يستمد من الله تيسيرا وتصرفا من تصرفات قدرته وليس ذلك هو المقصود بالشروع، فقوله تعالى )فسبح باسم ربك العظيم( أمر بأن يقول سبحان الله، وقوله )وسبحه( أمر بتنزيه ذاته وصفاته عن النقائص، فاستعمال لفظ الاسم في هذا بمنزلة استعمال سمات الإبل عند القبائل، وبمنزلة استعمال القبائل شعار تعارفهم، واستعمال الجيوش شعارهم المصطلح عليه. والخلاصة أن كل مقام يقصد فيه التيمن والانتساب إلى الرب الواحد الواجب الوجود يعدى فيه الفعل إلى لفظ اسم الله كقوله )وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها( وفي الحديث في دعاء الاضطجاع باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه وكذلك المقام الذي يقصد فيه ذكر اسم الله تعالى كقوله تعالى )فسبح باسم ربك العظيم( أي قل سبحان الله )سبح اسم ربك الأعلى( وكل مقام يقصد فيه طلب التيسير والعون من الله تعالى يعدى الفعل المسؤول إلى علم الذات باعتبار ما له من صفات الخلق والتكوين كما في قوله تعالى )فاسجد له( وقوله في الحديث اللهم بك نصبح وبك نمسي أي بقدرتك ومشيئتك وكذلك المقام الذي يقصد فيه توجه الفعل إلى الله تعالى كقوله تعالى )فاسجد له( )وسبحه( أي نزه ذاته وحقيقته عن النقائص. فمعنى بسم الله الرحمن الرحيم اقرأ قراءة ملابسه لبركة هذا الاسم المبارك.
هذا وقد ورد في استعمال العرب توسعات في إطلاق لفظ الاسم مرة يعنون به ما يرادف المسمى كقول النابغة: نبئت زرعة والسفاهة كاسمها يهدي إلى غرائب الأشعـار يعني أن السفاهة هي هي لا تعرف للناس بأكثر من اسمها وهو قريب من استعمال اسم الإشارة في قوله تعالى )وكذلك جعلناكم أمة وسطا(، أي مثل ذلك الجعل الواضح الشهير ويطلقون الاسم مقحما زائدا كما في قول لبيد: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما يعني ثم السلام عليكما وليس هذا خاصا بلفظ الاسم بل يجيء فيما يرادفه مثل الكلمة في قوله تعالى )وألزمهم كلمة التقوى( وكذلك لفظ في قول بشار هاجيا:
وكذاك، كان أبوك يؤثر بالهنى ويظل في لفظ الندى يتـردد وقد يطلق الاسم وما في معناه كناية عن وجود المسمى، ومنه قوله تعالى )وجعلوا لله شركاء قل سموهم( والأمر للتعجيز أي أثبتوا وجودهم ووضع أسماء لهم. فهذه إطلاقات أخرى ليس ذكر اسم الله في البسملة من قبيلها، وإنما نبهنا عليها لأن بعض المفسرين خلط بها في تفسير البسملة، ذكرتها هنا توضيحا ليكون نظركم فيها فسيحا فشدوا بها يدا. ولا تتبعوا طرائق قددا وقد تكلموا على ملحظ تطويل الباء في رسم البسملة بكلام كله غير مقنع، والذي يظهر لي أن الصحابة لما كتبوا المصحف طولوها في سورة النمل للإشارة إلى أنها مبدأ كتاب سليمان فهي من المحكي، فلما جعلوها علامة على فواتح السور نقلوها برسمها، وتطويل الباء فيها صالح لاتخاذه قدوة في ابتداء الغرض الجديد من الكلام بحرف غليظ أو ملون.
والكلام على اسم الجلالة ووصفه يأتي بتفسير قوله تعالى )الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم(.
ومناسبة الجمع في البسملة بين علم الجلالة وبين صفتي الرحمن الرحيم، قال البيضاوي إن المسمى إذا قصد الاستعانة بالمعبود الحق الموصوف بأنه مولي النعم كلها جليلها ودقيقها يذكر علم الذات إشارة إلى استحقاقه أن يستعان به بالذات، ثم يذكر وصف الرحمن إشارة إلى أن الاستعانة على الأعمال الصالحة وهي نعم، وذكر الرحيم للوجوه التي سنذكرها في عطف صفة الرحيم على صفة الرحمن.
وقال الأستاذ الإمام محمد عبده: إن النصارى كانوا يبتدئون أدعيتهم ونحوها باسم الأب والابن والروح القدس إشارة إلى الأقانيم الثلاثة عندهم، فجاءت فاتحة كتاب الإسلام بالرد عليهم موقظة لهم بأن الإله الواحد وإن تعددت أسماؤه فإنما هو تعدد الأوصاف دون تعدد المسميات، يعني فهو رد عليهم بتغليط وتبليد. وإذا صح أن فواتح النصارى وأدعيتهم كانت تشتمل على ذلك إذ الناقل أمين فهي نكتة لطيفة.
وعندي أن البسملة كان ما يرادفها قد جرى على ألسنة الأنبياء من عهد إبراهيم عليه السلام فهي من كلام الحنيفية، فقد حكى الله عن إبراهيم أنه قال لأبيه )يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن(، وقال )سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا( ومعنى الحفي قريب من معنى الرحيم. وحكى عنه قوله )وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم(. وورد ذكر مرادفها في كتاب سليمان إلى ملكة سبأ )إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا على وأتوني مسلمين(. والمظنون أن سليمان افتدى في افتتاح كتابه بالبسملة بسنة موروثة من عهد إبراهيم كلمة باقية في وارثي نبوته، وان الله أحيا هذه السنة في الإسلام في جملة ما أحي له من الحنيفية كما قال تعالى )ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:35 PM
ابن كثير
(بسم الله الرحمن الرحيم) افتتح بها الصحابة كتاب الله واتفق العلماء على أنها بعض آية من سورة النمل ثم اختلفوا هل هي آية مستقلة في أول كل سورة أو من أول كل سورة كتبت في أولها أو أنها بعض آية من كل سورة أو أنها كذلك في الفاتحة دون غيرها أو أنها إنما كتبت للفصل لا أنها آية على أقوال للعلماء سلفاً وخلفاً وذلك مبسوط في غير هذا الموضع, وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه {بسم الله الرحمن الرحيم} وأخرجه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في مستدركه أيضاً وروي مرسلاً عن سعيد بن جبير وفي صحيح ابن خزيمة عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية لكنه من رواية عمر بن هارون البلخي وفيه ضعف عن ابن جريح عن ابن أبي مليكة عنها, وروى له الدارقطني متابعاً عن أبي هريرة مرفوعاً وروي مثله عن علي وابن عباس وغيرهما, وممن حكى عنه أنها آية من كل سورة إلا براءة ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو هريرة وعلي ومن التابعين عطاء وطاوس وسعيد بن جبير ومكحول والزهري وبه يقول عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل في رواية عنه وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام رحمهم الله وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما ليست من آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور وقال الشافعي في قوله في بعض طرق مذهبه هي آية من الفاتحة وليس من غيرها وعنه أنها بعض آية من أول كل سورة وهما غريبان. وقال داود هي آية مستقلة في أول كل سورة لا منها, وهذا رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وحكاه أبو بكر الرازي عن أبي الحسن الكرخي, وهما من أكابر أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله. هذا ما يتعلق بكونها آية من الفاتحة أم لا.
فأما الجهر بها فمفرع على هذا, فمن رأى أنها ليست من الفاتحة فلا يجهر بها وكذا من قال إنها آية من أولها, وأما من قال بأنها من أوائل السور فاختلفوا فذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه يجهر بها مع الفاتحة والسورة وهو مذهب طوائف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين سلفاً وخلفاً فجهر بها من الصحابة أبو هريرة وابن عمر وابن عباس ومعاوية وحكاه ابن عبد البر والبيهقي عن عمر وعلي ونقله الخطيب عن الخلفاء الأربعة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهو غريب, ومن التابعين عن سعيد بن جبير وعكرمة وأبي قلابة والزهري وعلي بن الحسن وابنه محمد وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد وسالم ومحمد بن كعب القرظي وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وأبي وائل وابن سيرين ومحمد بن المنكدر وعلي بن عبد الله بن عباس وابنه محمد ونافع مولى ابن عمرو وزيد بن أسلم وعمر بن عبد العزيز والأزرق بن قيس وحبيب بن أبي ثابت وأبي الشعثاء ومكحول وعبد الله بن معقل بن مقرن زاد البيهقي وعبد الله بن صفوان ومحمد بن الحنفية زاد ابن عبد البر وعمر بن دينار والحجة في ذلك أنها بعض الفاتحة فيجهر بها كسائر أبعاضها وأيضاً فقد روى النسائي في سننه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة أنه صلى فجهر في قراءته بالبسلمة وقال بعد أن فرغ: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم. وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم ثم قال الترمذي: وليس إسناده بذاك. وقد رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ثم قال صحيح, وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك أنه سئل عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال كانت قراءته مدّاً ثم قرأ ببسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم. وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود وصحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته: {بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين} وقال الدارقطني إسناده صحيح. وروى الإمام أبو عبد الله الشافعي والحاكم في مستدركه عن أنس أن معاوية صلى بالمدينة فترك البسملة فأنكر عليه من حضره من المهاجرين ذلك فلما صلى المرة الثانية بسمل. وفي هذه الأحاديث والاَثار التي أوردناها كفاية ومقنع في الاحتجاج لهذا القول عما عداها. فأما المعارضات والروايات الغربية وتطريقها وتعليلها وتضعيفها وتقريرها فله موضع آخر وذهب آخرون أنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة وهذا هو الثابت عن الخلفاء الأربعة وعبد الله بن مغفل وطوائف من سلف التابعين والخلف وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل. وعند الإمام مالك أنه لا يقرأ البسملة بالكلية لا جهراً ولا سراً واحتجوا بما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين وبما في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين, ولمسلم ولا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها, ونحوه في السنن عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه. فهذه مآخذ الأئمة رحمهم الله في هذه المسألة وهي قريبة لأنهم أجمعوا على صحة من جهر بالبسملة ومن أسر ولله الحمد والمنة.
فصل في فضلها
قال الإمام العالم الحبر العابد أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم رحمه الله في تفسيره حدثنا أبي حدثنا جعفر بن مسافر حدثنا زيد بن المبارك الصنعاني حدثنا سلام بن وهب الجندي حدثنا أبي عن طاوس عن ابن عباس أن عثمان بن عفان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن {بسم الله الرحمن الرحيم} ؟ فقال: «هو اسم من أسماء الله وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العينين وبياضهما من القرب» وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه عن سليمان بن أحمد عن علي بن المبارك عن زيد بن المبارك به, وقد روى الحافظ بن مردويه من طريقين عن إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى عن مسعر عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عيسى بن مريم عليه السلام أسلمته أمه إلى الكتّاب ليعلمه, فقال له المعلم: اكتب فقال, ما أكتب ؟ قال بسم الله, قال له عيسى: وما بسم الله ؟ قال المعلم, ما أدري, قال له عيسى: الباء بهاء الله, والسين سناؤه, والميم مملكته, والله إله الاَلهة, والرحمن رحمن الدنيا والاَخرة, والرحيم رحيم الاَخرة» وقد رواه ابن جرير من حديث ابراهيم بن العلاء الملقب زبرِيق عن إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى عن ابن أبي مليكة عمن حدثه عن ابن مسعود ومسعر عن عطية عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره, وهذا غريب جداً, وقد يكون صحيحاً إلى من دون رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد يكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات والله أعلم. وقد روى جويبر عن الضحاك نحوه من قبله, وقد روى ابن مردويه من حديث يزيد بن خالد عن سليمان بن بريدة وفي رواية عن عبد الكريم أبي أمية عن ابن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنزلت علي آية لم تنزل على نبي غير سليمان بن دواد وغيري وهي {بسم الله الرحمن الرحيم}, وروي بإسناده عن عبد الكريم بن المعافى بن عمران عن أبيه عن عمر بن ذر عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال: لما نزل {بسم الله الرحمن الرحيم} هرب الغيم إلى المشرق وسكنت الرياح, وهاج البحر وأصغت البهائم بآذانها, ورجمت الشياطين من السماء, وحلف الله تعالى بعزته وجلاله أن لا يسمى اسمه على شيء إلا بارك فيه. وقال وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرا {بسم الله الرحمن الرحيم} فيجعل الله له من كل حرف منها جنة من كل واحد. ذكره ابن عطية والقرطبي ووجهه ابن عطية ونصره بحديث «لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها» لقول الرجل ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه, من أجل أنها بضعة وثلاثون حرفاً وغير ذلك. وقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عاصم قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف النبي صلى الله عليه وسلم قال عثر بالنبي صلى الله عليه وسلم. فقلت تعس الشيطان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقل تعس الشيطان, فإنك إذا قلت تعس الشيطان تعاظم وقال بقوتي صرعته, وإذا قلت باسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب» هكذا وقع في رواية الإمام أحمد, وقد روى النسائي في اليوم والليلة وابن مردويه في تفيسره من حديث خالد الحذاء عن أبي تميمة وهو الهجيمي عن أبي المليح بن أسامة بن عمير عن أبيه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وقال: «لا تقل هكذا فإنه يتعاظم حتى يكون كالبيت, ولكن قل بسم الله فإنه يصغر حتى يكون كالذبابة» فهذا من تأثير بركة بسم الله, ولهذا تستحب في أول كل عمل وقول, فتستحب في أول الخطبة لما جاء «كل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم» وتستحب البسملة عند دخول الخلاء لما ورد من الحديث في ذلك وتستحب في أول الوضوء لما جاء في مسند الإمام أحمد والسنن من رواية أبي هريرة وسعيد بن زيد وأبي سعيد مرفوعاً «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» وهو حديث حسن ومن العلماء من أوجبها عند الذكر ههنا ومنهم من قال بوجوبها مطلقاً وكذا تستحب عند الذبيحة في مذهب الشافعي وجماعة, وأوجبها آخرون عند الذكر ومطلقاً في قول بعضهم كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله, وقد ذكره الرازي في تفسيره في فضل البسملة أحاديث منها عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتيت أهلك فسم الله فإنه إن وجد لك ولد كتب بعدد أنفاسه وأنفاس ذريته حسنات» وهذا لا أصل له ولا رأيته في شيء من الكتب المعتمد عليها ولا غيرها, وهكذا تستحب عند الأكل لما في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لربيبه عمر بن أبي سلمة: «قل بسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك» ومن العلماء من أوجبها والحالة هذه وكذلك تستحب عند الجماع لما في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً».
ومن ههنا ينكشف لك أن القولين عند النحاة في تقدير المتعلق بالباء في قولك بسم الله هل هو اسم أو فعل متقاربان, وكل قد ورد به القرآن, أما من قدره بسم تقديره بسم الله ابتدائي فلقوله تعالى: {وقال اركبوا فيهم بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم} ومن قدره بالفعل أمراً أو خبراً نحو أبدأ بسم الله او ابتدأت باسم الله فلقوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} وكلاهما صحيح فإن الفعل لا بد له من مصدر فلك أن تقدر الفعل ومصدره وذلك بحسب الفعل الذي سميت قبله إن كان قياماً أو قعوداً أو أكلاً أو شراباً أو قراءة أو وضوءاً أو صلاة فالمشروع ذكر اسم الله في الشروع في ذلك كله تبركاً وتيمناً واستعانة على الإتمام والتقبل والله أعلم, ولهذا روى ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال: إن أول ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال: «يا محمد قل: أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثم قال: قل {بسم الله الرحمن الرحيم} قال: قال له جبريل بسم الله يا محمد يقول اقرأ بذكر الله ربك وقم واقعد بذكر الله تعالى» لفظ ابن جرير.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:36 PM
وأما مسألة الاسم هل هو المسمى أو غيره ففيها للناس ثلاثة أقوال: أحدها أن الاسم هو المسمى, وهو قول أبي عبيدة وسيبويه, واختاره الباقلاني وابن فورك, وقال الرازي وهو محمد بن عمر المعروف بابن خطيب الري في مقدمات تفسيره قالت الحشوية والكرامية والأشعرية: الاسم نفس المسمى وغير نفس التسمية, وقالت المعتزلة الاسم غير المسمى ونفس التسمية, والمختار عندنا أن الاسم غير المسمى وغير التسمية, ثم نقول إن كان المراد بالاسم هذا اللفظ الذي هو أصوات متقطعة وحروف مؤلفة, فالعلم الضروري حاصل أنه غير المسمى وإن كان المراد بالاسم ذات المسمى, فهذا يكون من باب الإيضاح الواضحات وهوعبث, فثبت أن الخوض في هذا البحث على جميع التقديرات يجري مجرى العبث, ثم شرع يستدل على مغايرة الاسم للمسمى, بأنه قد يكون الاسم موجوداً والمسمى مفقوداً كلفظة المعدوم وبأنه قد يكون للشيء أسماء متعددة كالمترادفة وقد يكون الاسم واحداً والمسميات متعددة المشترك وذلك دال على تغاير الاسم والمسمى وأيضاً فالاسم لفظ وهو عرض والمسمى قد يكون ذاتاً ممكنة أو واجبة بذاتها وأيضاً فلفظ النار والثلج لو كان هو المسمى لوجد اللافظ بذلك حر النار أو برد الثلج ونحو ذلك ولا يقوله عاقل وأيضاً فقد قال الله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لله تسعة وتسعين اسماً» فهذه أسماء كثيرة والمسمى واحد وهو الله تعالى وأيضاً فقوله: {ولله الأسماء} أضافها إليه كما قال: {فسبح باسم ربك العظيم} ونحو ذلك فالإضافة تقتضي المغايرة وقوله تعالى: {فادعوه بها} أي فادعوا الله بأسمائه وذلك دليل على أنها غيره واحتج من قال الاسم هو المسمى بقوله تعالى: {تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام} والمتبارك هو الله تعالى والجواب أن الاسم معظم لتعظيم الذات المقدسة, وأيضاً فإذا قال الرجل زينب طالق يعني امرأته طلقت ولو كان الاسم غير المسمى لما وقع الطلاق والجواب أن المراد أن الذات المسماة بهذا الاسم طالق. قال الرازي: وأما التسمية فإنه جعل الاسم معيناً لهذه الذات فهي غير الاسم أيضاً والله أعلم.
(الله) علم على الرب تبارك وتعالى يقال إنه الاسم الأعظم لأنه يوصف بجميع الصفات كما قال تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هوالرحمن الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا هو هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون * هو الله الخالق البارى المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم} فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له كما قال تعالى: {و لله الأسماء الحسنى فادعوه بها} وقال تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّاً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} وفي الصحيحن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله تسعة وتسعين اسماً, مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة» وجاء تعدادها في رواية الترمذي وابن ماجه وبين الروايتين اختلاف زيادة ونقصان وقد ذكر الرازي في تفسيره عن بعضهم أن لله خمسة آلاف اسم : ألف في الكتاب والسنة الصحيحة, وألف في التوارة وألف في الإنجيل, وألف في الزبور وألف في اللوح المحفوظ.
وهو اسم لم يسم به غيره تبارك وتعالى ولهذا لا يعرف في كلام العرب له اشتقاق من فعل يفعل فذهب من ذهب من النحاة إلى أنه اسم جامد لا اشتقاق له وقد نقله القرطبي عن جماعة من العلماء منهم الشافعي والخطابي وإمام الحرمين والغزالي وغيره وروى عن الخليل وسيبويه أن الألف واللام فيه لازمة, قال الخطابي: ألا ترى أنك تقول ياألله ولا تقول يا الرحمن, فلولا أنه من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام وقيل إنه مشتق واستدلوا عليه بقول رؤبة بن العجاج:
لله در الغانيات المدّهسبحن واسترجعن من تألهي
فقد صرح الشاعر بلفظ المصدر وهوالتأله من أله يأله إلاهة وتألهاً كما روي عن ابن عباس أنه قرأ (ويذرك وإلاهتك) قال عبادتك أي أنه كان يعبد ولا يعبد وكذا قال مجاهد وغيره وقد استدل بعضهم على كونه مشتقاً بقوله تعالى: {وهو الله في السموات وفي الأرض} كما قال تعالى {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} ونقل سيبويه عن الخليل أن أصله إلاه مثل فعال فأدخلت الاَلف واللام بدلاً من الهمزة قال سيبويه مثل الناس أصله أناس وقيل أصل الكلمة لاه فدخلت الألف واللام للتنظيم وهذا اختيار سيبويه: قال الشاعر:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسبعني ولا أنت دياني فتخزوني
قال القرطبي بالخاء المعجمة أي فتسوسني, وقال الكسائي والفراء أصله الإله حذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية كما قال تعالى {لكنا هو الله ربي} أي لكن أنا وقد قرأها كذلك الحسن, قال القرطبي: ثم قيل هو مشتق من وله إذا تحير والوله ذهاب العقل: يقال رجل واله وامرأة ولهى ومولوهة إذا أرسل في الصحراء فالله تعالى يحير أولئك والفكر في حقائق صفاته فعلى هذا يكون ولاه فأبدلت الواو همزة كما قالوا في وشاح أشاح ووسادة أسادة وقال الرازي وقيل إنه مشتق من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره, والأرواح لا تفرح إلا بمعرفته لأنه الكامل على الإطلاق دون غيره, قال الله تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} قال: وقيل من لاه يلوه إذا احتجب وقيل اشتقاقه من أله الفصيل أولع بأمه. والمعنى أن العباد مألوهون مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال, قال: وقيل مشتق من أله الرجل يأله إذا فزع من أمر نزل به فألهه أي أجاره فالمجير لجميع الخلائق من كل المضار هو الله سبحانه لقوله تعالى: {وهو يجير ولا يجار عليه} وهو المنعم لقوله تعالى {وما بكم من نعمة فمن الله} وهو المطعم لقوله تعالى: {وهو يطعم ولا يطعم} وهو الموجد لقوله تعالى {قل كل من عند الله} وقد اختار الرازي أنه اسم غير مشتق ألبتة, قال وهو قول الخليل وسيبويه, وأكثر الأصوليين والفقهاء ثم أخذ يستدل على ذلك بوجوه منها أنه لو كان مشتقاً لاشترك في معناه كثيرون, ومنها أن بقية الأسماء تذكر صفات له فتقول الله الرحمن الرحيم الملك القدوس, فدل أنه ليس بمشتق قال فأما قوله تعالى {العزيز الحميد الله} على قراءة الجر فجعل ذلك من باب عطف البيان, ومنها قوله تعالى {هل تعلم له سميّاً} وفي الاستدلال بهذه على كون هذا الاسم جامداً غير مشتق نظر والله أعلم.
وحكى الرازي عن بعضهم أن اسم الله تعالى عبراني لا عربي ضعفه وهو حقيق بالتضعيف كما قال, وقد حكى الرازي هذا القول ثم قال وأعلم أن الخلائق قسمان واصلون إلى ساحل بحر المعرفة, ومحرومون قد بقوا في ظلمات الحيرة وتيه الجهالة, فكأنهم قد فقدوا عقولهم وأرواحهم, وأما الواجدون فقد وصلوا إلى عرصة النور وفسحة الكبرياء والجلال فتاهوا في ميادين الصمدية وبادوا في عرصة الفردانية, فثبت أن الخلائق كلهم والهون في معرفته, وروي عن الخليل بن أحمد أنه قال لأن الخلق يألهون إليه بفتح اللام وكسرها لغتان, وقيل إنه مشتق من الارتفاع, فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع لاها, وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس لاهت, وقيل إنه مشتق من أله الرجل إذا تعبد وتأله إذ تنسك, وقرأ ابن عباس (ويذرك وإلاهتك) وأصل ذلك الإله فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة فالتقت اللام التي هي عينها مع اللام الزائدة في أولها للتعريف فأدغمت إحداهما في الأخرى فصارتا في اللفظ لاماً واحدة مشددة وفخمت تعظيماً فقيل الله.
(الرحمن الرحيم) اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة, ورحمن أشد مبالغة من رحيم وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا, وفي تفسير بعض السلف ما يدل على ذلك كما تقدم في الأثر عن عيسى عليه السلام أنه قال: والرحمن: رحمن الدنيا والاَخرة, والرحيم: رحيم الاَخرة, وزعم بعضهم أنه غير مشتق إذ لو كان كذلك لاتصل بذكر المرحوم وقد قال {وكان بالمؤمنين رحيماً} وحكى ابن الانباري في الزاهر عن المبرد أن الرحمن: اسم عبراني ليس بعربي وقال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن: وقال أحمد بن يحيى الرحيم عربي والرحمن عبراني فلهذا جمع بينهما قال أبو إسحاق وهذا القول مرغوب عنه وقال القرطبي: والدليل على أنه مشتق ما خرّجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «قال الله تعالى أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته» قال: وهذا نص في الاشتقاق فلا معنى للمخالفة والشقاق, قال وإنكار العرب لاسم الرحمن لجهلهم بالله وبما وجب له, قال القرطبي: ثم قيل هما بمعنى واحد كندمان ونديم قاله أبو عبيد, وقيل ليس بناء فعلان كفعيل فإن فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل نحو قولك رجل غضبان للرجل الممتلى غضباً, وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول, قال أبو علي الفارسي: الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى والرحيم إنما هو من جهة المؤمنين قال الله تعالى: {وكان بالمؤمنين رحيما} وقال ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الاَخر أي أكثر رحمة, ثم حكي عن الخطابي وغيره أنهم استشكلوا هذه الصفة وقالوا لعله أرفق كما في الحديث «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله وأنه يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» وقال ابن المبارك الرحمن إذا سئل أعطى والرحيم إذا لم يسأل يغضب وهذا كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي صالح الفارسي الخوزي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من لم يسأل الله يغضب عليه» وقال بعض الشعراء:
الله يغضب ان تركت سؤالهوبنيّ آدم حين يسأل يغضب
وقال ابن جرير حدثنا السري بن يحيى التميمي حدثنا عثمان بن زفر سمعت العزرمي يقول: الرحمن الرحيم قال: الرحمن لجميع الخلق الرحيم قال بالمؤمنين قالوا ولهذا قال {ثم استوى على العرش الرحمن} وقال {الرحمن على العرش استوى} فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته وقال {وكان بالمؤمنين رحيماً} فخصهم باسمه الرحيم قالوا فدل على أن الرحمن أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين لجميع خلقه والرحيم خاصة بالمؤمنين, لكن جاء في الدعاء المأثور رحمن الدنيا والاَخرة ورحيمهما. واسمه تعالى الرحمن خاص به لم يسم به غيره كما قال تعالى {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} ولما تجهرم مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن اليمامة كساه الله جلباب الكذب وشهر به فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب فصار يضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر من أهل المدر وأهل الوبر من أهل البادية والأعراب.
وقد زعم بعضهم أن الرحيم أشد مبالغة من الرحمن لأنه أكدّ به والمؤكد لا يكون إلا أقوى من المؤكد والجواب أن هذا ليس من باب التأكيد وإنما هو من باب النعت ولا يلزم فيه ما ذكروه وعلى هذا فيكون تقدير اسم الله الذي لم يسم به أحد غيره ووصفه أولاً بالرحمن الذي منع من التسمية به لغيره كما قال تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} وإنما تجهرم مسيلمة اليمامة في التسمي به ولم يتابعه على ذلك إلا من كان معه في الضلالة وأما الرحيم فإنه تعالى وصف به غيره قال: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} كما وصف غيره بذلك من أسمائه كما قال تعالى {إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاح نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً} والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره ومنها ما لا يسمى به غيره كاسم الله والرحمن والخالق والرازق ونحو ذلك فلهذا بدأ باسم الله ووصفه بالرحمن لأنه أخص وأعرف من الرحيم, لأن التسمية أولاً إنما تكون بأشرف الأسماء فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص. فإن قيل: فإذا كان الرحمن أشد مبالغة فهلا اكتفى به عن الرحيم, فقد روي عن عطاء الخراساني ما معناه أنه لما تسمى غيره تعالى بالرحمن جيء بلفظ الرحيم ليقطع الوهم بذلك فإنه لا يوصف بالرحمن الرحيم إلا الله تعالى, كذا رواه ابن جرير عن عطاء. ووجهه بذلك والله أعلم وقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن حتى رد الله عليهم ذلك بقوله {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّاً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى}ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي اكتب {بسم الله الرحمن الرحيم} فقالوا لا نعرف الرحمن ولا الرحيم. رواه البخاري وفي بعض الروايات لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة وقال تعالى {وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً} والظاهر أن إنكارهم هذا إنما هو جحود وعناد وتعنت في كفرهم فإنه قد وجد في أشعارهم في الجاهلية تسمية الله بالرحمن قال ابن جرير وقد أنشد بعض الجاهلية الجهال:
ألا ضربت تلك الفتاة هجينهاألا قضب الرحمن ربي يمينها
وقال سلامة بن جندب الطهوي:
عجلتم علينا إذ عجلنا عليكموما يشأ الرحمن يعقد ويطلق
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب عثمان بن سعيد حدثنا بشر بن عمارة حدثنا أبو روق عن الضحاك عن عبد الله بن عباس قال الرحمن الفعلان من الرحمة هو من كلام العرب وقال {الرحمن الرحيم} الرفيق الرقيق لمن أحب أن يرحمه والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه, وكذلك أسماؤه كلها. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا محمد بن بشار حدثنا حماد بن مسعدة عن عوف عن الحسن قال الرحمن اسم ممنوع. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان حدثنا زيد بن الحباب حدثني أبو الأشهب عن الحسن قال الرحمن اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه تسمى به تبارك وتعالى. وقد جاء في حديث أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقطع قراءته حرفاً حرفاً {بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد الله رب العالمين} فقرأ بعضهم كذلك وهم طائفة ومنهم من وصلها بقوله {الحمد لله رب العالمين}. وكسرت الميم لالتقاء الساكنين وهم الجمهور, وحكى الكسائي من الكوفيين عن بعض العرب أنها تقرأ بفتح الميم وصلة الهمزة فيقولون {بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين} فنقلوا حركة الهمزة إلى الميم بعد تسكينها كما قُرى قول الله تعالى: {الم الله لا إله إلا هو} قال ابن عطية ولم ترد هذه قراءة عن أحد فيما علمت.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:39 PM
البغوى
." بسم الله الرحمن الرحيم " قوله: بسم الله الباء أداة تخفض ما بعدها مثل: من وعن، والمتعلق به الباء محذوف لدلالة الكلام عليه، تقديره: أبدأ بسم الله، أو قل: بسم الله. وأسقطت الألف من الاسم طلباً للخفة وكثرة استعمالها وطولت الباء قال القتيبي ليكون افتتاح كلام كتاب الله بحرف معظم، كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول لكتابه: طولوا الباء وأظهروا السين وفرجوا بينهما، ودوروا الميم. تعظيماً لكتاب الله تعالى وقيل: لما أسقطوا الألف ردوا طول الألف على الباء ليكون دالاً على سقوط الألف، ألا ترى أنه لما كتبت الألف في " اقرأ باسم ربك " ( 1- العلق ) ردت الباء إلى صيغتها ولا تحذف الألف إذا أضيف الاسم إلى غير الله ولا مع غير الباء. والاسم هو المسمى وعينه وذاته قال تعالى: " إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى " ( 7- مريم ) أخبر أن اسمه يحيى ثم نادى الاسم فقال: " يا يحيى " وقال " ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها " (40- يوسف ) وأراد الأشخاص المعبودة لأنهم كانوا يعبدون المسميات وقال: " سبح اسم ربك " ( 1- الأعلى )، و" تبارك اسم ربك " ( 78-الرحمن ) ثم يقال للتسمية أيضاً اسم فاستعماله في التسمية أكثر من المسمى ( فإن قيل ما معنى التسمية من الله لنفسه؟ قيل هو تعليم للعباد كيف يفتتحون القراءة ). واختلفوا في اشتقاقه قال المبرد في البصريين: هو مشتق من السمو وهو العلو، فكأنه علا على معناه وظهر عليه، وصار معناه تحته، وقال ثعلب في الكوفيين: هو من الوسم والسمة وهي العلامة وكأنه علامة لمعناه والأول أصح لأنه يصغر على السمى ولو كان من السمة لكان يصغر على الوسيم كما يقال في الوعد وعيد ويقال في تصريفه سميت ولو كان في الوسم لقيل: وسمت. قوله تعالى: (( الله )) قال الخليل وجماعة: هو اسم علم خاص لله عز وجل لا اشتقاق له كأسماء الأعلام للعباد مثل زيد وعمرو. وقال جماعة هو مشتق ثم اختلفوا في اشتقاقه فقيل: من أله إلاهة أي عبد عبادة وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما " ويذرك وآلهتك " ( 127- الأعراف ) أي عبادتك - معناه أنه مستحق للعبادة دون غيره وقيل أصله إله قال الله عز وجل: " وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق " ( 91- المؤمنون ) قال المبرد : هو من قول العرب ألهت إلى فلان أي سكنت إليه قال الشاعر: ألهت إليها والحوادث جمة فكأن الخلق يسكنون إليه ويطمئنون بذكره، ويقال: ألهت إليه، أي فزعت إليه قال الشاعر: ألهت إليها والركائب وقف وقيل أصل الإله (( ولاه )) فأبدلت الواو بالهمزة مثل وشاح واشاح، اشتقاقه من الوله لأن العباد يولهون إليه أي يفزعون إليه في الشدائد، ويلجؤون إليه في الحوائج كما يوله كل طفل إلى أمه، وقيل هو من الوله وهو ذهاب العقل لفقد من يعز عليك. قوله :"الرحمن الرحيم " قال ابن عباس رضي الله عنهما: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر. واختلفوا فيهما منهم من قال: هما بمعنى واحد مثل ندمان ونديم ومعناهما ذو الرحمة، وذكر أحدهما بعد الآخر ( تطميعاً ) لقلوب الراغبين. وقال المبرد : هو إنعام بعد إنعام، وتفضل بعد تفضل، ومنهم من فرق بينهما فقال: الرحمن بمعنى العموم والرحيم بمعنى الخصوص. فالرحمن بمعنى الرزاق في الدنيا وهو على العموم لكافة الخلق. والرحيم بمعنى المعافي في الآخرة والعفو في الآخرة للمؤمنين على الخصوص ولذلك قيل في الدعاء: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، فالرحمن من تصل رحمته إلى الخلق على العموم، والرحيم من تصل رحمته إليهم على الخصوص،ن ولذلك يدعى غير الله رحيماً ولا يدعى غير الله رحمن. فالرحمن عام المعنى خاص اللفظ، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى، والرحمة إرادة الله تعالى الخير لأهله. وقيل ترك عقوبة من يستحقها وإسداء الخير إلى من لا يستحق، فهي على الأول صفة ذات، وعلى الثاني صفة (فعل). واختلفوا في آية التسمية فذهب قراء المدينة والبصرة وفقهاء الكوفة إلى أنها ليست من فاتحة الكتاب، ولا من غيرها من السور والافتتاح بها للتيمن والتبرك. وذهب قراء مكة والكوفة وأكثر فقهاء الحجاز إلى أنها من الفاتحة وليست من سائر السور وأنها كتبت للفصل وذهب جماعة إلى أنها من الفاتحة ومن كل سورة إلا سورة التوبة وهو قول الثوري و ابن المبارك و الشافعي لأنها كتبت في المصحف بخط سائر القرآن. واتفقوا على أن الفاتحة سبع آيات فالآية الأةلى عند من يعدها من الفاتحة (بسم الله الرحمن الرحيم) وابتداء الآية الأخيرة (صراط الذين) ومن لم يعدها من الفاتحة قال ابتداؤها (الحمد لله رب العالمين) وابتداء الآية الأخيرة (غير المغضوب عليهم) واحتج من جعلها من الفاتحة ومن السور بأنها كتبت في المصحف بخط القرآن، وبما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الخلال ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم أنا الربيع بن سليمان أنا الشافعي أنا عبد المجيد عن ابن جريح قال: أخبرني أبي عن سعيد بن جبير (قال) " ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم " (87- الحجر) هي أم القرآن قال أبي ةقرأها علي سعيد بن جبير حتى ختمها ثم قال: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) الآية السابعة، قال ابن عباس: فذخرها لكم فما أخرجها لأحد قبلكم. ومن لم يجعلها من الفاتحة احتج بما ثنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرازي أنا زاهر بن أحمد ثنا أبو عيسى اسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (( قمت وراء أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم فكلهم كان لا يقرأ ((بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة )) قال سعيد بن جبير عن ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم / لا يعرف ختم سورة حتى ينزل بسم الله الرحمن الرحيم. وعن ابن مسعود قال: كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى بسم الله الرحمن الرحيم وقال الشعبي : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب في بدء الأمر على رسم قريش باسمك اللهم حتى نزلت " وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها " (41 - هود) فكتب بسم الله حتى نزلت " قل ادعوا الله. أو ادعوا الرحمن " (110 - الاسراء) فكتب بسم الله الرحمن الرحيم حتى نزلت " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " (30 - النمل) فكتب مثلها.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:42 PM
البيضاوى
. ^ بسم الله الرحمن الرحيم ^ من الفاتحة ومن كل سورة وعليه قراء مكة والكوفة وفقهاؤهما وابن المبارك رحمه الله تعالى والشافعي وخالفهم قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها ومالك والأوزاعي ولم ينص أبو حنيفة رحمه الله تعالى فيه بشيء فظن أنها ليست من السورة عنده وسئل محمد بن الحسن عنها فقال ما بين الدفتين كلام الله تعالى ولنا
أحاديث كثيرة منها ما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال فاتحة الكتاب سبع آيات أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم وقول أم سلمة رضي الله عنها قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاتحة وعد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين آية ومن أجلهما اختلف في أنها آية برأسها أم بما بعدها والإجماع على أن ما بين الدفتين
كلام الله سبحانه وتعالى والوفاق على إثباتها في المصاحف مع المبالغة في تجريد القرآن .
حتى لم تكتب آمين والباء متعلقة بمحذوف تقديره بسم الله أقرأ لأن الذي يتلوه مقروء وكذلك يضمر كل فاعل ما يجعل التسمية مبدأ له وذلك أولى من أن يضمر أبدأ لعدم ما
يطابقه ويدل عليه أو ابتدائي لزيادة إضمار فيه وتقديم المعمول ههنا أوقع كما في قوله ^ بسم الله مجراها ^ وقوله ^ إياك نعبد ^ لأنه أهم وأدل على الاختصاص وأدخل
في التعظيم وأوفق للوجود فإن اسمه سبحانه وتعالى مقدم على القراءة كيف لا وقد جعل آلة لها من حيث إن الفعل لا يتم ولا يعتد به شرعا ما لم يصدر باسمه تعالى لقوله عليه الصلاة والسلام كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر وقيل الباء للمصاحبة .
والمعنى متبركا باسم الله تعالى اقرأ وهذه وما بعده إلى آخر السورة مقول على ألسنة العباد
ليعلموا كيف يتبرك باسمه ويحمد على نعمه ويسأل من فضله وإنما كسرت ومن حق الحروف المفردة أن تفتح لاختصاصها باللزوم الحرفية والجر كما كسرت لام الأمر ولام
الإضافة داخلة على المظهر للفصل بينهما وبين لام الابتداء والاسم عند أصحابنا البصريين من الأسماء التي حذفت أعجازها لكثرة الاستعمال وبينت أوائلها على السكون وأدخل
عليها مبتدأ بها همزة الوصل لأن من دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن ويشهد له تصريفه على أسماء وأسامي وسمى وسميت ومجيء سمى كهدى لغة فيه قال والله أسماك سمى مباركا آثرك الله به إيثاركا والقلب بعيد غير مطرد واشتقاقه من السمو لأنه رفعة للمسمى وشعار له ومن السمة عند الكوفيين وأصله وسم حذفت الواو وعوضت عنها همزة الوصل ليقل إعلاله ورد بأن الهمزة لم تعهد داخلة علىما حذف صدره في كلامهم ومن لغاته سم وسم قال
بسم الذي في كل سورة سمه والاسم إن أريد به اللفظ فغير المسمى لأنه يتألف من أصوات متقطعة غير قارة ويختلف باختلاف الأمم والأعصار ويتعدد تارة ويتحد أخرى والمسمى لا يكون كذلك وإن أريد به ذات الشيء فهو المسمى لكنه لم يشتهر بهذا المعنى وقوله تعالى ^ تبارك اسم ربك ^ و ^ سبح اسم ربك ^ المراد به اللفظ لأنه كما يجب تنزيه ذاته سبحانه وتعالى وصفاته عن النقائص يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب أو الاسم فيه مقحم كما في قول الشاعر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما وإن أريد به الصفة كما هو رأي الشيخ أبي الحسن الأشعري انقسم انقسام الصفة
عنده إلى ما هو نفس المسمى وإلى ما هو غيره وإلى ما ليس هو ولا غيره وإنما قال بسم الله ولم يقل بالله لأن التبرك والاستعانة بذكر اسمه أو للفرق بين اليمين والتيمن .
ولم تكتب الألف على ما هو وضع الخط لكثرة الاستعمال وطولت الباء عوضا عنها والله أصله إله فحذفت الهمزة وعوض عنها الألف واللام ولذلك قيل يا الله بالقطع إلا أنه
مختص بالمعبود بالحق والإله في الأصل لكل معبود ثم غلب على المعبود بالحق واشتقاقه من أله ألهة وألوهة وألوهية بمعنى عبد ومنه تأله واستأله وقيل من أله إذا تحير
لأن العقول تتحير في معرفته أو من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه لأن القلوب تطمئن بذكره والأرواح تسكن إلى معرفته أو من أله إذا فزع من أمر نزل عليه وآلهة غيره أجاره إذ العائذ يفزع إليه وهو يجيره حقيقة أو بزعمه أو من أله الفصيل إذا ولع بأمه إذ العباد يولعون بالتضرع إليه في الشدائد أو من وله إذا تحير وتخبط عقله وكان أصله ولاه فقلبت الواو همزة لاستثقال الكسرة عليها استثقال الضمة في وجوه فقيل إله كإعاء وإشاح ويرده الجمع على آلهة دون أولهة وقيل أصله لاه مصدر لاه يليه ليها ولاها إذا احتجب وارتفع لأنه سبحانه وتعالى محجوب عن إدراك الأبصار ومرتفع على كل شيء وعما لا يليق به ويشهد له قول الشاعر كحلفة من أبي رباح يشهدها لاهه الكبار
وقيل علم لذاته المخصوصة لأنه يوصف ولا يوصف به ولأنه لا بد له من اسم تجري عليه صفاته ولا يصلح له مما يطلق عليه سواه ولأنه لو كان وصفا لم يكن قول لا إله إلا الله توحيدا مثل لا إله إلا الرحمن فإنه لا يمنع الشركة والأظهر أنه وصف في أصله لكنه لما غلب عليه بحيث لا يستعمل في غيره وصار له كالعلم مثل الثريا والصعق
أجرى مجراه في أجراء الأوصاف عليه وامتناع الوصف به وعدم تطرق احتمال الشركة إليه لأن ذاته من حيث هو بلا اعتبار أمر آخر حقيقي أو غيره غير معقول للبشر فلا يمكن أن يدل عليه بلفظ ولأنه لو دل على مجرد ذاته المخصوصة لما أفاد ظاهر قوله سبحانه
وتعالى وهو الله في السموات معنى صحيحا ولأن معنى الاشتقاق هو كون أحد اللفظين مشاركا للآخر في المعنى والتركيب وهو حاصل بينه وبين الأصول المذكورة
وقيل أصله لاها بالسريانية فعرب بحذف الألف الأخيرة وإدخال اللام عليه وتفخيم لامه إذا انفتح ما قبله أو انضم سنة وقيل مطلقا وحذف ألفه لحن تفسد به الصلاة ولا ينعقد
به صريح اليمين وقد جاء لضرورة الشعر ألا لا بارك الله في سهيل إذا ما الله بارك في الرجال و ^ الرحمن الرحيم ^ اسمان بنيا للمبالغة من رحم كالغضبان من غضب والعليم
من علم والرحمة في اللغة رقة القلب وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان ومنه الرحم لانعطافها على ما فيها وأسماء الله تعالى إنما تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادي التي تكون انفعالات و الرحمن أبلغ من الرحيم لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى كما في قطع وقطع وكبار وكبار وذلك إنما يؤخذ تارة باعتبار الكمية وأخرى باعتبار الكيفية فعلى الأول قيل يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر ورحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن وعلى الثاني قيل يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا لأن النعم الأخروية كلها جسام وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة وإنما قدم والقياس يقتضي الترقي من الأدنى إلى الأعلى لتقدم رحمة الدنيا ولأنه صار كالعلم من حيث إنه لا
يوصف به غيره لأن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها وذلك لا يصدق على غيره لأن من عداه فهو مستعيض بلطفه وإنعامه يريد به جزيل ثواب أو جميل ثناء أو مزيج رقة الجنسية أو حب المال عن القلب ثم إنه كالواسطة في ذلك لأن ذات النعم ووجودها والقدرة على إيصالها والداعية الباعثة عليه والتمكن من الانتفاع بها والقوى التي بها
يحصل الانتفاع إلى غير ذلك من خلقه لا يقدر عليها أحد غيره أو لأن الرحمن لما دل على جلائل النعم وأوصلها ذكر الرحيم ليتناول ما خرج منها فيكون كالتتمة والرديف له أو للمحافظة على رؤوس الآي . والأظهر أنه غير مصروف وإن حظر اختصاصه بالله تعالى أن يكون له مؤنث على فعلى أو فعلانة إلحاقا له بما هو الغالب في بابه وإنما خص التسمية بهذه الأسماء ليعلم العارف أن المستحق لأن يستعان به في مجامع الأمور هو المعبود الحقيقي الذي هو مولى
النعم كلها عاجلها وآجلها جليلها وحقيرها فيتوجه بشراشره إلى جناب القدس ويتمسك بحبل التوفيق ويشغل سره بذكره والاستعداد به عن غيره
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:42 PM
الدر المأثور للسيوطى
وأخرج الدارقطني والبيهقي في السنن بسند صحيح عن عبد خير قال: سئل علي رضي الله عنه عن السبع المثاني فقال {الحمد لله رب العالمين} فقيل له: إنما هي ست آيات! فقال {بسم الله الرحمن الرحيم} آية.
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه في تفسيره والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {الحمد لله رب العالمين} سبع آيات {بسم الله الرحمن الرحيم} إحداهن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي أم القرآن، وهي الفاتحة الكتاب".
وأخرج الدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة"إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ - وهو يؤم الناس - افتتح {بسم الله الرحمن الرحيم} قال أبو هريرة: آية من كتاب الله، اقرؤا إن شئتم فاتحة الكتاب، فإنها الآية المسابعة".
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أم سلمة قالت"قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} وقال: هي سبع يا أم سلمة"
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:43 PM
السعدى
{ بِسْمِ اللَّهِ } أي: أبتدئ بكل اسم لله تعالى, لأن لفظ { اسم } مفرد مضاف, فيعم جميع الأسماء [الحسنى]. { اللَّهِ } هو المألوه المعبود, المستحق لإفراده بالعبادة, لما اتصف به من صفات الألوهية وهي صفات الكمال. { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء, وعمت كل حي, وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة, ومن عداهم فلهم نصيب منها.
واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها, الإيمان بأسماء الله وصفاته, وأحكام الصفات.
فيؤمنون مثلا, بأنه رحمن رحيم, ذو الرحمة التي اتصف بها, المتعلقة بالمرحوم. فالنعم كلها, أثر من آثار رحمته, وهكذا في سائر الأسماء. يقال في العليم: إنه عليم ذو علم, يعلم [به] كل شيء, قدير, ذو قدرة يقدر على كل شيء.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:45 PM
الطبرى
بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ
القول فـي تأويـل بِسْمِ.
قال أبو جعفر: إن الله تعالـى ذكره وتقدست أسماؤه, أدّب نبـيه مـحمدا صلى الله عليه وسلم بتعلـيـمه تقديـم ذكر أسمائه الـحسنى أمام جميع أفعاله, وتقدم إلـيه فـي وصفه بها قبل جميع مهماته, وجعل ما أدبه به من ذلك وعلـمه إياه منه لـجميع خـلقه سنةً يستنون بها, وسبـيلاً يتبعونه علـيها, فـي افتتاح أوائل منطقهم وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم حتـى أغنت دلالة ما ظهر من قول القائل «بسم الله», علـى من بطن من فراده الذي هو مـحذوف. وذلك أن البـاء من «بسم الله» مقتضيةٌ فعلاً يكون لها جالبـا, ولا فعل معها ظاهر, فأغنت سامع القائل «بسم الله» معرفته بـمراد قائله من إظهار قائل ذلك مراده قولاً, إذ كان كل ناطق به عند افتتاحه أمرا قد أحضر منطقه به, إما معه وإما قبله بلا فصل, ما قد أغنى سامعه من دلالة شاهدة علـى الذي من أجله افتتـح قـيـله به. فصار استغناءُ سامع ذلك منه عن إظهار ما حذف منه, نظير استغنائه إذا سمع قائلاً قـيـل له: ما أكلت الـيوم؟ فقال: طعاما, عن أن يكرّر الـمسؤول مع قوله «طعاما» أكلت لـما قد ظهر لديه من الدلالة علـى أن ذلك معناه بتقدم مسألة السائل إياه عما أكل. فمعقول إذا أن قول القائل إذا قال: «بِسم الله الرحمن الرحيـم» ثم افتتـح تالـيا سورة, أن إتبـاعه «بسم الله الرحمن الرحيـم» تلاوةَ السورة, ينبىء عن معنى قوله: «بسم الله الرحمن الرحيـم» ومفهوم به أنه مريد بذلك أقرأُ بسم الله الرحمن الرحيـم.
وكذلك قوله: «بسم الله» عند نهوضه للقـيام أو عند قعوده وسائر أفعاله, ينبىء عن معنى مراده بقوله «بسم الله», وأنه أراد بقـيـله «بسم الله»: أقوم بسم الله, وأقعد بسم الله وكذلك سائر الأفعال.
وهذا الذي قلنا فـي تأويـل ذلك, هو معنى قول ابن عبـاس, الذي:
1ـ حدثنا به أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, قال: حدثنا أبو روق, عن الضحاك, عن عبد الله بن عبـاس, قال: إن أول ما نزل به جبريـل علـى مـحمد, قال: يا مـحمد, قل أستعيذ بـالسميع العلـيـم من الشيطان الرجيـم ثم قال: قل بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيـمِ قال: قال له جبريـل: قل بسم الله يا مـحمد. يقول: اقرأ بذكر الله ربك, وقم واقعد بذكر الله.
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فإن كان تأويـل قوله «بسم الله» ما وصفت, والـجالب «البـاء» فـي «بسم الله» ما ذكرت, فكيف قـيـل «بسم الله», بـمعنى «اقرأ بسم الله», أو «أقوم أو أقعد بسم الله»؟ وقد علـمت أن كل قارىء كتاب الله, فبعون الله وتوفـيقه قراءتُه, وأن كل قائم أو قاعد أو فـاعل فعلاً, فبـالله قـيامُه وقعوده وفعله؟ وهلاّ إذا كان ذلك كذلك, قـيـل: «بسم الله الرحمن الرحيـم», ولـم يقل «بسم الله» فإن قول القائل: أقوم وأقعد بـالله الرحمن الرحيـم, أو أقرأ بـالله, أوضح معنى لسامعه من قوله «بسم الله», إذ كان قوله أقوم وأقعد بسم الله, يوهم سامعه أن قـيامه وقعوده بـمعنى غير الله.
قـيـل له: إن الـمقصود إلـيه من معنى ذلك, غير ما توهمته فـي نفسك. وإنـما معنى قوله «بسم الله»: أبدأ بتسمية الله وذكره قبل كل شيء, أو أقرأ بتسمية الله, أو أقوم وأقعد بتسمية الله وذكره لا أنه يعنـي بقـيـله «بسم الله»: أقوم بـالله, أو أقرأ بـالله فـيكون قول القائل: «أقرأ بـالله», و«أقوم وأقعد بـالله», أولـى بوجه الصواب فـي ذلك من قوله «بسم الله».
فإن قال: فإن كان الأمر فـي ذلك علـى ما وصفتَ, فكيف قـيـل «بسم الله» وقد علـمت أن الاسم اسم, وأن التسمية مصدر من قولك سَمّيت؟.
قـيـل: إن العرب قد تـخرج الـمصادر مبهمةً علـى أسماء مختلفة, كقولهم: أكرمت فلانا كرامةً, وإنـما بناء مصدر «أفعلتُ» إذا أُخرج علـى فعله: «الإفعالُ», وكقولهم: أهنت فلانا هوانا, وكلـمته كلاما. وبناء مصدر «فعّلت» التفعيـل, ومن ذلك قول الشاعر:
أكُفْرا بَعْدَ رَدّ الـمَوْتِ عَنّـيوبَعْدَ عَطائِكَ الـمِائَةَ الرّتاعا
يريد: إعطائك. ومنه قول الاَخر:
وَإنْ كانَ هَذا البُخْـلُ مِنْكَ سَجِيّةًلَقَدْ كُنْتُ فـي طَوْلـي رَجاءَكَ أشْعَبـا
يريد: فـي إطالتـي رجاءك. ومنه قول الاَخر:
أظَلُومُ إنّ مُصَابَكُمْ رَجُلاأهْدَى السّلامَ تَـحِيّةً ظُلْـمُ
يريد إصابتكم. والشواهد فـي هذا الـمعنى تكثر, وفـيـما ذكرنا كفـاية, لـمن وفق لفهمه. فإذا كان الأمر علـى ما وصفنا من إخراج العرب مصادر الأفعال علـى غير بناء أفعالها كثـيرا, وكان تصديرها إياها علـى مخارج الأسماء موجودا فـاشيا, تبـين بذلك صواب ما قلنا من التأويـل فـي قول القائل: «بسم الله», أن معناه فـي ذلك عند ابتدائه فـي فعل أو قول: أبدأ بتسمية الله, قبل فعلـي, أو قبل قولـي.
وكذلك معنى قول القائل عند ابتدائه بتلاوة القرآن: «بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيـمِ» إنـما معناه: أقرأ مبتدئا بتسمية الله, أو أبتدىء قراءتـي بتسمية الله فجعل الاسم مكان التسمية, كما جعل الكلام مكان التكلـيـم, والعطاء مكان الإعطاء.
وبـمثل الذي قلنا من التأويـل فـي ذلك, رُوي الـخبر عن عبد الله بن عبـاس.
2ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, قال: حدثنا أبو روق عن الضحاك, عن عبد الله بن عبـاس, قال: أول ما نزل جبريـل علـى مـحمد صلى الله عليه وسلم, قال: يا مـحمد, قل أستعيذ بـالسميع العلـيـم من الشيطان الرجيـم ثم قال: قل بسم الله الرحمن الرحيـم.
قال ابن عبـاس: «بسم الله», يقول له جبريـل: يا مـحمد اقرأ بذكر الله ربك, وقم واقعد بذكر الله.
وهذا التأويـل من ابن عبـاس ينبىء عن صحة ما قلنا من أنه يراد بقول القائل مفتتـحا قراءته: «بسم الله الرحمن الرحيـم»: أقرأ بتسمية الله وذكره, وافتتـح القراءة بتسمية الله, بأسمائه الـحسنى, وصفـاته العلـى وفسادِ قول من زعم أن معنى ذلك من قائله: بـالله الرحمن الرحيـم فـي كل شيء, مع أن العبـاد إنـما أمروا أن يبتدئوا عند فواتـح أمورهم بتسمية الله لا بـالـخبر عن عظمته وصفـاته, كالذي أمروا به من التسمية علـى الذبـائح والصيد, وعند الـمطعم والـمشرب, وسائر أفعالهم, وكذلك الذي أمروا به من تسميته عند افتتاح تلاوة تنزيـل الله وصدور رسائلهم وكتبهم.
ولا خلاف بـين الـجميع من علـماء الأمة, أن قائلاً لو قال عند تذكيته بعض بهائم الأنعام: «بـالله», ولـم يقل «بسم الله», أنه مخالف بتركه قـيـل «بسم الله» ما سُنّ له عند التذكية من القول. وقد علـم بذلك أنه لـم يرد بقوله «بسم الله», «بـالله» كما قال الزاعم أن اسم الله فـي قول الله: «بسم الله الرحمن الرحيـم», هو الله لأن ذلك لو كان كما زعم, لوجب أن يكون القائل عند تذكيته ذبـيحته «بـالله» قائلاً ما سُنّ له منّ القول علـى الذبـيحة. وفـي إجماع الـجميع علـى أن قائل ذلك تارك ما سُنّ له من القول علـى ذبـيحته, إذْ لـم يقل «بسم الله», دلـيـل واضح علـى فساد ما ادعى من التأويـل فـي قول القائل «بسم الله» وأنه مراد به بـالله, وأن اسم الله هو الله.
ولـيس هذا الـموضع من مواضع الإكثار فـي الإبـانة عن الاسم, أهو الـمسمى أم غيره أم هو صفة له؟ فنطيـل الكتاب به, وإنـما هو موضع من مواضع الإبـانة عن الاسم الـمضاف إلـى الله, أهو اسم أم مصدر بـمعنى التسمية؟ فإن قال قائل: فما أنت قائل فـي بـيت لبـيد بن ربـيعة:
إلـى الـحَوْلِ ثُمّ اسْمُ السّلامِ عَلَـيْكُمَاوَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كامِلاً فقَدِ اعْتَذَرْ
فقد تأوّله مقدم فـي العلـم بلغة العرب, أنه معنـيّ به: ثم السلام علـيكما, وأن اسم السلام هو السلام.
قـيـل له: لو جاز ذلك وصحّ تأويـله فـيه علـى ما تأوّل, لـجاز أن يقال: رأيت اسم زيد, وأكلت اسم الطعام, وشربت اسم الشراب. وفـي إجماع جميع العرب علـى إحالة ذلك ما ينبىء عن فساد تأويـل من تأوّل قول لبـيد: «ثم اسم السلام علـيكما», أنه أراد: ثم السلام علـيكما, وادعائه أن ادخال الاسم فـي ذلك وإضافته إلـى السلام إنـما جاز, إذْ كان اسم الـمسمى هو الـمسمى بعينه.
ويُسأل القائلون قول من حكينا قوله هذا, فـيقال لهم: أتستـجيزون فـي العربـية أن يقال أكلت اسم العسل, يعنـي بذلك أكلت العسل, كما جاز عندكم اسم السلام علـيك, وأنتـم تريدون السلام علـيك؟ فإن قالوا: نعم خرجوا من لسن العرب, وأجازوا فـي لغتها ما تـخطئه جميع العرب فـي لغتها. وإن قالوا لا سئلوا الفرق بـينهما, فلن يقولوا فـي أحدهما قولاً إلاّ ألزموا فـي الاَخر مثله.
فإن قال لنا قائل: فما معنى قول لبـيد هذا عندك؟ قـيـل له: يحتـمل ذلك وجهين, كلاهما غير الذي قاله من حكينا قوله. أحدهما: أن «السلام» اسم من أسماء الله فجائز أن يكون لبـيد عنى بقوله: «ثم اسم السلام علـيكما»: ثم الْزَمَا اسم الله وذكره بعد ذلك, ودعا ذكري والبكاء علـيّ علـى وجه الإغراء. فرفع الاسم, إذْ أخّر الـحرف الذي يأتـي بـمعنى الإغراء. وقد تفعل العرب ذلك إذا أخرت الإغراء وقدمت الـمُغْرَى به, وإن كانت قد تنصب به وهو مؤخر. ومن ذلك قول الشاعر:
يا أيّها الـمَائِحُ دَلْوِي دُونَكَاإنـي رأيْتُ النّاس يَحْمَدُونَكا
فأغرى ب«دونك», وهي مؤخرة وإنـما معناه: دونك دلوي. فذلك قول لبـيد:
إلـى الـحَوْلِ ثُمّ اسْمُ السّلامِ عَلَـيْكُمَا
يعنـي: علـيكما اسم السلام, أي: الزما ما ذكر الله, ودعا ذكري والوجد بـي لأن من بكى حولاً علـى امرىء ميت فقد اعتذر. فهذا أحد وجهيه.
والوجه الاَخر منهما: ثم تسميتـي الله علـيكما, كما يقول القائل للشيء يراه فـيعجبه: «اسم الله علـيك» يعوّذه بذلك من السوء, فكأنه قال: ثم اسم الله علـيكما من السوء. وكأن الوجه الأول أشبه الـمعنـيـين بقول لبـيد.
ويقال لـمن وجّه بـيت لبـيد هذا إلـى أن معناه: «ثم السلام علـيكما»: أترى ما قلنا من هذين الوجهين جائزا, أو أحدهما, أو غير ما قلت فـيه؟ فإن قال: لا أبـان مقداره من العلـم بتصاريف وجوه كلام العرب, وأغنى خصمه عن مناظرته. وإن قال: بلـى قـيـل له: فما برهانك علـى صحة ما ادّعيت من التأويـل أنه الصواب دون الذي ذكرت أنه مـحتـمله من الوجه الذي يـلزمنا تسلـيـمه لك؟ ولا سبـيـل إلـى ذلك. وأما الـخبر الذي:
3ـ حدثنا به إسماعيـل بن الفضل, قال: حدثنا إبراهيـم بن العلاء بن الضحاك, قال: حدثنا إسماعيـل بن عياش, عن إسماعيـل بن يحيى عن ابن أبـي ملـيكة, عمن حدثه عن ابن مسعود, ومسعر بن كدام, عن عطية, عن أبـي سعيد, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عِيسى ابْنَ مَرْيَـمَ أسْلَـمَتْهُ أُمّهُ إلـى الكُتّابِ لِـيُعَلّـمَهُ, فَقالَ لَهُ الـمُعَلّـمُ: اكْتُبْ بِسْمِ فَقَالَ له عِيسَى: وَما بِسْمِ؟ فَقالَ لَهُ الـمُعَلّـمُ: ما أدْرِي فَقالَ عِيسىَ: البـاءُ: بَهاءُ اللّهِ, وَالسّينُ: سَناؤُهُ, وَالـمِيـمُ: مَـمْلَكَتُهُ».
فأخشى أن يكون غلطا من الـمـحدث, وأن يكون أراد: «ب س م», علـى سبـيـل ما يعلـم الـمبتدى من الصبـيان فـي الكتاب حروفَ أبـي جاد. فغلط بذلك, فوصله فقال: «بسم» لأنه لا معنى لهذا التأويـل إذا تُلـي «بسم الله الرحمن الرحيـم» علـى ما يتلوه القارىء فـي كتاب الله, لاستـحالة معناه علـى الـمفهوم به عند جميع العرب وأهل لسانها, إذا حمل تأويـله علـى ذلك.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{الله}.
قال أبو جعفر: وأما تأويـل قول الله: «الله», فإنه علـى معنى ما رُوي لنا عن عبد الله بن عبـاس: هو الذي يَأْلَهه كل شيء, ويعبده كل خـلق. وذلك أن أبـا كريب:
4ـ حدثنا قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, قال: حدثنا أبو روق, عن الضحاك, عن عبد الله بن عبـاس, قال: الله ذو الألوهية والـمعبودية علـى خـلقه أجمعين.
فإن قال لنا قائل: فهل لذلك فـي «فَعَلَ ويَفْعَل» أصل كان منه بناء هذا الاسم؟ قـيـل: أما سماعا من العرب فلا, ولكن استدلالاً.
فإن قال: وما دلّ علـى أن الألوهية هي العبـادة, وأن الإله هو الـمعبود, وأن له أصلاً فـي فعل ويفعل؟ قـيـل: لا تـمانُعَ بـين العرب فـي الـحكم لقول القائل يصف رجلاً بعبـادة ويطلب مـما عند الله جل ذكره: تألّه فلان بـالصحة ولا خلاف. ومن ذلك قول رؤبة بن العجاج:
لِلّهِ دَرّ الغانِـياتِ الـمُدّةِسَبّحْنَ واسْتَرْجَعْنَ مِنْ تألّهِي
يعنـي من تعبدي وطلبـي الله بعمل. ولا شك أن التأله «التفعّل» من: أَلَهَ يَأْلَهُ, وأن معنى «أَلَه» إذا نُطق به: عَبَد الله. وقد جاء منه مصدر يدل علـى أن العرب قد نطقت منه ب«فَعَل يفعل» بغير زيادة. وذلك ما:
5ـ حدثنا به سفـيان بن وكيع, قال حدثنا أبـي, عن نافع بن عمر, عن عمرو بن دينار, عن ابن عبـاس, أنه قرأ: «وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَكَ» قال: عبـادتك, ويُقال: إنه كان يُعْبَد ولا يَعْبَد.
وحدثنا سفـيان, قال: حدثنا ابن عيـينة, عن عمرو بن دينار, عن مـحمد بن عمرو بن الـحسن, عن ابن عبـاس: «وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَكَ» قال: إنـما كان فرعون يُعْبَد ولا يَعْبد. وكذلك كان عبد الله يقرؤها ومـجاهد.
6ـ وحدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين بن داود, قال: أخبرنـي حجاج, عن ابن جريج, عن مـجاهد, قوله: («وَيَذَرَكَ وَإلاهَتَكَ») قال: وعبـادتك. ولا شك أن الإلاهة علـى ما فسره ابن عبـاس ومـجاهد, مصدرٌ من قول القائل أَلَهَ اللّهَ فلانٌ إلاهةً, كما يقال: عبد الله فلانٌ عبـادة, وعَبَر الرؤيا عبـارةً. فقد بـيّن قول ابن عبـاس ومـجاهد هذا أن أله: عبد, وأن الإلاهة مصدره.
فإن قال: فإن كان جائزا أن يقال لـمن عبد الله: ألهه, علـى تأويـل قول ابن عبـاس ومـجاهد, فكيف الواجب فـي ذلك أن يقال, إذا أراد الـمخبر الـخبر عن استـيجاب الله ذلك علـى عبده؟ قـيـل: أما الرواية فلا رواية عندنا, ولكن الواجب علـى قـياس ما جاء به الـخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, الذي:
7ـ حدثنا به إسماعيـل بن الفضل, قال: حدثنا إبراهيـم بن العلاء, قال: حدثنا إسماعيـل بن عياش, عن إسماعيـل بن يحيى, عن ابن أبـي ملـيكة, عمن حدثه, عن ابن مسعود, ومسعر بن كدام, عن عطية العوفـي, عن أبـي سعيد, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ عِيسَى أسْلَـمَتْهُ أُمّهُ إلـى الكُتّابِ لِـيُعَلّـمَهُ, فَقالَ لَهُ الـمُعَلّـمُ: اكْتُبْ اللّهُ, فَقالَ لَهُ عِيسَى: أَتَدْرِي ما اللّهُ؟ اللّهُ إلَهُ الاَلِهَةِ».
أن يقال: الله جل جلاله أَلَهَ العَبْدَ, والعبدُ ألهه. وأن يكون قول القائل «الله» من كلام العرب أصله «الإله».
فإن قال: وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك مع اختلاف لفظيهما؟ قال: كما جاز أن يكون قوله: لَكِنّ هُوَ اللّهُ رَبّـي أصله: «لكن أنا هو الله ربـي» كما قال الشاعر:
وَتَرْمِيننِـي بـالطّرْفِ أيْ أنْتَ مُذْنِبٌوتَقْلِـينَنِـي لَكِنّ إيّاكِ لا أَقْلِـي
يريد: «لكنْ أنا إياك لا أقلـي» فحذف الهمزة من «أنا», فـالتقت نون «أنا» ونون «لكن» وهي ساكنة, فأدغمت فـي نون أنا, فصارتا نونا مشددة, فكذلك الله, أصله الإله, أسقطت الهمزة, التـي هي فـاء الاسم, فـالتقت اللام التـي هي عين الاسم, واللام الزائدة التـي دخـلت مع الألف الزائدة, وهي ساكنة, فأدغمت فـي الأخرى التـي هي عين الاسم, فصارتا فـي اللفظ لاما واحدة مشددة, كما وصفنا من قول الله: لَكِنّ هُوَ اللّهُ رَبّـي.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:46 PM
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: الرّحْمنِ الرّحِيـمِ.
قال أبو جعفر: أما الرحمن, فهو «فعلان», من رحم, والرحيـم فعيـل منه. والعرب كثـيرا ما تبنى الأسماء من فعل يفعل علـى فعلان, كقولهم من غضب غضبـان, ومن سكر سكران, ومن عطش عطشان, فكذلك قولهم رحمَن من رحم, لأن «فَعِلَ» منه: رَحِمَ يَرْحم.
وقـيـل «رحيـم» وإن كانت عين فعل منها مكسورة, لأنه مدح. ومن شأن العرب أن يحملوا أبنـية الأسماء إذا كان فـيها مدح أو ذمّ علـى فعيـل, وإن كانت عين فَعِلَ منها مكسورة أو مفتوحة, كما قالوا من عَلِـمَ: عالـم وعلـيـم, ومن قدَر: قادر وقدير. ولـيس ذلك منها بناءً علـى أفعالها لأن البناء من «فَعِلَ يَفْعَل» «وَفَعَلَ يَفْعَلُ» فـاعل. فلو كان الرحمن والرحيـم خارجين عن بناء أفعالهما لكانت صورتهما الراحم.
فإن قال قائل: فإذا كان الرحمَن والرحيـم اسمين مشتقـين من الرحمة, فما وجه تكرير ذلك وأحدهما مؤّد عن معنى الاَخر؟
قـيـل له: لـيس الأمر فـي ذلك علـى ما ظننت, بل لكل كلـمة منهما معنى لا تؤَدي الأخرى منهما عنها. فإن قال: وما الـمعنى الذي انفردت به كل واحدة منهما, فصارت إحداهما غير مؤدية الـمعنى عن الأخرى؟ قـيـل: أما من جهة العربـية, فلا تـمانع بـين أهل الـمعرفة بلغات العرب أن قول القائل «الرحمن» عن أبنـية الأسماء من «فَعِلَ يَفْعَل» أشد عدولاً من قوله «الرحيـم». ولا خلاف مع ذلك بـينهم أن كل اسم كان له أصل فـي «فَعِلَ يَفْعَل», ثم كان عن أصله من فعل ويفعل أشدّ عدولاً, أن الـموصوف به مفضل علـى الـموصوف بـالاسم الـمبنـي علـى أصله من «فَعِلَ يَفْعل» إذا كانت التسمية به مدحا أو ذما. فهذا ما فـي قول القائل «الرحمَن» من زيادة الـمعنى علـى قوله: «الرحيـم» فـي اللغة.
وأما من جهة الأثر والـخبر, ففـيه بـين أهل التأويـل اختلاف.
8ـ فحدثنـي السريّ بن يحيى التـميـمي, قال: حدثنا عثمان بن زفر, قال: سمعت العرزمي يقول: «الرحمن الرحيـم» قال: الرحمن بجميع الـخـلق. «الرحيـم» قال: بـالـمؤمنـين.
9ـ وحدثنا إسماعيـل بن الفضل, قال: حدثنا إبراهيـم بن العلاء, قال: حدثنا إسماعيـل بن عياش, عن إسماعيـل بن يحيى, عن ابن أبـي ملـيكة, عمن حدثه, عن ابن مسعود, ومسعر بن كدام, عن عطية العوفـي, عن أبـي سعيد يعنـي الـخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَـمَ قالَ: الرّحْمَنُ: رَحْمَنُ الاَخِرَةِ والدّنْـيَا, والرّحِيـمُ: رَحِيـمُ الاَخِرَةِ».
فهذان الـخبران قد أنبآ عن فرق ما بـين تسمية الله جل ثناؤه بـاسمه الذي هو «رحمن», وتسميته بـاسمه الذي هو «رحيـم». واختلاف معنى الكلـمتـين, وإن اختلفـا فـي معنى ذلك الفرق, فدل أحدهما علـى أن ذلك فـي الدنـيا, ودل الاَخر علـى أنه فـي الاَخرة.
فإن قال: فأيّ هذين التأويـلـين أولـى عندك بـالصحة؟ قـيـل: لـجميعهما عندنا فـي الصحة مخرج, فلا وجه لقول قائل: أيهما أولـى بـالصحة. وذلك أن الـمعنى الذي فـي تسمية الله بـالرحمن, دون الذي فـي تسميته بـالرحيـم هو أنه بـالتسمية بـالرحمن موصوف بعموم الرحمة جميع خـلقه, وأنه بـالتسمية بـالرحيـم موصوف بخصوص الرحمة بعض خـلقه, إما فـي كل الأحوال, وإما فـي بعض الأحوال. فلا شكّ إذا كان ذلك كذلك, أن ذلك الـخصوص الذي فـي وصفه بـالرحيـم لا يستـحيـل عن معناه, فـي الدنـيا كان ذلك أو فـي الاَخرة, أو فـيهما جميعا. فإذا كان صحيحا ما قلنا من ذلك وكان الله جل ثناؤه قد خص عبـاده الـمؤمنـين فـي عاجل الدنـيا بـما لطف بهم فـي توفـيقه إياهم لطاعته, والإيـمان به وبرسله, واتبـاع أمره واجتناب معاصيه مـما خذل عنه من أشرك به فكفر, وخالف ما أمره به وركب معاصيه, وكان مع ذلك قد جعل جل ثناؤه ما أعد فـي أجل الاَخرة فـي جناته من النعيـم الـمقـيـم والفوز الـمبـين لـمن آمن به وصدق رسله وعمل بطاعته خالصا دون من أشرك وكفر به كان بـيّنا أن الله قد خص الـمؤمنـين من رحمته فـي الدنـيا والاَخرة, مع ما قد عمهم به والكفـار فـي الدنـيا, من الإفضال والإحسان إلـى جميعهم, فـي البسط فـي الرزق, وتسخير السحاب بـالغيث, وإخراج النبـات من الأرض, وصحة الأجسام والعقول, وسائر النعم التـي لا تـحصى, التـي يشترك فـيها الـمؤمنون والكافرون. فربنا جل ثناؤه رحمنُ جميع خـلقه فـي الدنـيا والاَخرة, ورحيـم الـمؤمنـين خاصة فـي الدنـيا والاَخرة.
فأما الذي عمّ جميعهم به فـي الدنـيا من رحمته, فكان رحمانا لهم به, فما ذكرنا مع نظائره التـي لا سبـيـل إلـى إحصائها لأحد من خـلقه, كما قال جل ثناؤه: (وإنْ تَعُدّوا نِعْمَةَ اللّهِ لا تُـحْصُوها. وأما فـي الاَخرة, فـالذي عم جميعهم به فـيها من رحمته. فكان لهم رحمانا. تسويته بـين جميعهم جل ذكره فـي عدله وقضائه, فلا يظلـم أحدا منهم مِثْقَالَ ذَرّةٍ, وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرا عَظِيـما, وتُوفّـى كل نفس ما كسبت. فذلك معنى عمومه فـي الاَخرة جميعهم برحمته الذي كان به رحمانا فـي الاَخرة.
وأما ما خص به الـمؤمنـين فـي عاجل الدنـيا من رحمته الذي كان به رحيـما لهم فـيها, كما قال جل ذكره: وكانَ بـالـمُؤْمِنِـينَ رَحِيـما فما وصفنا من اللطف لهم فـي دينهم, فخصهم به دون من خذله من أهل الكفر به.
وأما ما خصهم به فـي الاَخرة, فكان به رحيـما لهم دون الكافرين. فما وصفنا آنفـا مـما أعدّ لهم دون غيرهم من النعيـم والكرامة التـي تقصر عنها الأمانـي. وأما القول الاَخر فـي تأويـله, فهو ما:
10ـ حدثنا به أبو كريب. قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, قال: حدثنا أبو روق, عن الضحاك, عن عبد الله بن عبـاس, قال: الرحمن الفعلان من الرحمة, وهو من كلام العرب. قال: الرحمن الرحيـم: الرقـيق الرفـيق بـمن أحبّ أن يرحمه, والبعيد الشديد علـى من أحبّ أن يعنف علـيه. وكذلك أسماؤه كلها.
وهذا التأويـل من ابن عبـاس, يدل علـى أن الذي به ربنا رحمن هو الذي به رحيـم, وإن كان لقوله «الرحمن» من الـمعنى ما لـيس لقوله «الرحيـم» لأنه جعل معنى الرحمن بـمعنى الرقـيق علـى من رقّ علـيه, ومعنى الرحيـم بـمعنى الرفـيق بـمن رفق به.
والقول الذي رويناه فـي تأويـل ذلك عن النبـي صلى الله عليه وسلم وذكرناه عن العرزمي, أشبه بتأويـله من هذا القول الذي روينا عن ابن عبـاس وإن كان هذا القول موافقا معناه معنى ذلك, فـي أن للرحمن من الـمعنى ما لـيس للرحيـم, وأن للرحيـم تأويلاً غير تأويـل الرحمن.
والقول الثالث فـي تأويـل ذلك, ما:
11ـ حدثنـي به عمران بن بكار الكلاعي, قال: حدثنا يحيى بن صالـح, قال: حدثنا أبو الأزهر نصر بن عمرو اللـخمي من أهل فلسطين, قال: سمعت عطاء الـخراسانـي, يقول: كان الرحمن, فلـما اختزل الرحمن من اسمه كان الرحمن الرحيـم.
والذي أراد إن شاء الله عطاء بقوله هذا: أن الرحمن كان من أسماء الله التـي لا يتسمى بها أحد من خـلقه, فلـما تسمى به الكذّاب مسيـلـمة وهو اختزاله إياه, يعنـي اقتطاعه من أسمائه لنفسه أخبر الله جلّ ثناؤه أن اسمه الرحمن الرحيـم, لـيفصل بذلك لعبـاده اسمه من اسم من قد تسمى بأسمائه, إذ كان لا يُسمّى أحد الرحمن الرحيـم فـيجمع له هذان الاسمان غيره جل ذكره وإنـما تسمى بعض خـلقه إما رحيـما, أو يتسمى رحمن, فأما «رحمَن رحيـم», فلـم يجتـمعا قط لأحد سواه, ولا يجمعان لأحد غيره. فكأن معنى قول عطاء هذا: أن الله جل ثناؤه إنـما فصل بتكرير الرحيـم علـى الرحمن بـين اسمه واسم غيره من خـلقه, اختلف معناهما أو اتفقا.
والذي قال عطاء من ذلك غير فـاسد الـمعنى, بل جائز أن يكون جل ثناؤه خص نفسه بـالتسمية بهما معا مـجتـمعين إبـانة لها من خـلقه, لـيعرف عبـاده بذكرهما مـجموعين أنه الـمقصود بذكرهما دون من سواه من خـلقه, مع ما فـي تأويـل كل واحد منهما من الـمعنى الذي لـيس فـي الاَخر منهما.
وقد زعم بعض أهل الغبـاء أن العرب كانت لا تعرف الرحمن ولـم يكن ذلك فـي لغتها ولذلك قال الـمشركون للنبـي صلى الله عليه وسلم: وَمَا الرّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لـما تَأْمُرُنَا إنكارا منهم لهذا الاسم. كأنه كان مـحالاً عنده أن ينكر أهل الشرك ما كانوا عالـمين بصحته, أو كأنه لـم يتل من كتاب الله قولَ الله: الّذِينَ آتَـيْنَاهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ يعنـي مـحمدا كَما يَعْرِفُونَ أبْنَاءَهُمْ وهم مع ذلك به مكذبون, ولنبّوته جاحدون. فـيعلـم بذلك أنهم قد كانوا يدافعون حقـيقة ما قد ثبت عندهم صحته واستـحكمت لديهم معرفته. وقد أنشد لبعض الـجاهلـية الـجهلاء:
ألاَ ضَرَبَتْ تِلْكَ الفَتاةُ هَجِينَهاألاَ قَضَبَ الرّحْمَنُ رَبّـي يَـمِينَها
وقال سلامة بن جندل الطهوي:
عَجِلْتُـمْ عَلَـيْنَا عَجْلَتَـيْنا عَلَـيْكُمُوَما يَشاء الرّحْمَنُ يَعْقِدْ ويُطْلِقِ
وقد زعم أيضا بعض من ضعفت معرفته بتأويـل أهل التأويـل, وقلت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير, أن «الرحمن» مـجازه «ذو الرحمة», و«الرحيـم» مـجازه «الراحم». ثم قال: قد يقدرون اللفظين من لفظ والـمعنى واحد, وذلك لاتساع الكلام عندهم. قال: وقد فعلوا مثل ذلك, فقالوا: ندمان ونديـم. ثم استشهد بقول بُرْج بن مسهر الطائي:
ونَدْمانٍ يَزِيدُ الكأسَ طِيبَـاسَقَـيْتُ وقَدْ تَغَوّرَتِ النّـجُومُ
واستشهد بأبـيات نظائر له فـي النديـم والندمان. ففرق بـين معنى الرحمن والرحيـم فـي التأويـل, لقوله: الرحمن ذو الرحمة, والرحيـم: الراحم. وإن كان قد ترك بـيان تأويـل معنـيهما علـى صحته. ثم مثل ذلك بـاللفظين يأتـيان بـمعنى واحد, فعاد إلـى ما قد جعله بـمعنـيـين, فجعله مثال ما هو بـمعنى واحد مع اختلاف الألفـاظ. ولا شك أن ذا الرحمة هو الذي ثبت أن له الرحمة وصح أنها له صفة, وأن الراحم هو الـموصوف بأنه سيرحم, أو قد رحم فـانقضى ذلك منه, أو هو فـيه. ولا دلالة له فـيه حينئذ أن الرحمة له صفة, كالدلالة علـى أنها له صفة إذا وصفه بأنه ذو الرحمة. فأين معنى الرحمن الرحيـم علـى تأويـله من معنى الكلـمتـين يأتـيان مقدرتـين من لفظ واحد بـاختلاف الألفـاظ واتفـاق الـمعانـي؟
ولكن القول إذا كان غير أصل معتـمد علـيه كان واضح عُوَارُه.
وإن قال لنا قائل: ولـم قدم اسم الله الذي هو الله علـى اسمه الذي هو الرحمن, واسمه الذي هو الرحمن علـى اسمه الذي هو الرحيـم؟
قـيـل: لأن من شأن العرب إذا أرادوا الـخبر عن مخبر عنه أن يقدموا اسمه, ثم يُتبعوه صفـاته ونعوته. وهذا هو الواجب فـي الـحكم: أن يكون الاسم مقدما قبل نعته وصفته, لـيعلـم السامع الـخبر عمن الـخبر فإذا كان ذلك كذلك, وكان لله جل ذكره أسماء قد حرم علـى خـلقه أن يتسموا بها خص بها نفسه دونهم, ذلك مثل «الله», و«الرحمن» و«الـخالق» وأسماء أبـاح لهم أن يسمي بعضهم بعضا بها, وذلك كالرحيـم, والسميع, والبصير, والكريـم, وما أشبه ذلك من الأسماء كان الواجب أن يقدم أسماءه التـي هي له خاصة دون جميع خـلقه, لـيعرف السامع ذلك من توجه إلـيه الـحمد والتـمـجيد ثم يتبع ذلك بأسمائه التـي قد تسمى بها غيره, بعد علـم الـمخاطب أو السامع من توجه إلـيه ما يتلو ذلك من الـمعانـي.
فبدأ الله جل ذكره بـاسمه الذي هو الله لأن الألوهية لـيست لغيره جل ثناؤه بوجه من الوجوه, لا من جهة التسمي به, ولا من جهة الـمعنى. وذلك أنا قد بـينا أن معنى الله هو الـمعبود, ولا معبود غيره جل جلاله, وأن التسمي به قد حرمه الله جل ثناؤه, وإن قصد الـمتسمي به ما يقصد الـمتسمي بسعيد وهو شقـيّ, وبحَسَن وهو قبـيح.
أَوَ لا ترى أن الله جل جلاله قال فـي غير آية من كتابه: (أإله مَعَ الله) فـاستكبر ذلك من الـمقرّ به, وقال تعالـى فـي خصوصية نفسه بـالله وبـالرحمن: (قُلِ ادْعُوا اللّهَ أو ادْعُوا الرّحْمَنَ أَيّا ما تَدْعُو فَلَهُ الأسْماءُ الْـحُسْنَى) ثم ثنّى بـاسمه, الذي هو الرحمن, إذْ كان قد منع أيضا خـلقه التسمي به, وإن كان من خـلقه من قد يستـحق تسميته ببعض معانـيه وذلك أنه قد يجوز وصف كثـير مـمن هو دون الله من خـلقه ببعض صفـات الرحمة, وغير جائز أن يستـحق بعض الألوهية أحد دونه فلذلك جاء الرحمَن ثانـيا لاسمه الذي هو الله».
وأما اسمه الذي هو «الرحيـم» فقد ذكرنا أنه مـما هو جائز وصف غيره به. والرحمة من صفـاته جل ذكره, فكان إذ كان الأمر علـى ما وصفنا, واقعا مواقع نعوت الأسماء اللواتـي هن توابعها بعد تقدم الأسماء علـيها. فهذا وجه تقديـم اسم الله الذي هو «الله» علـى اسمه الذي هو «الرحمن», واسمه الذي هو «الرحمن» علـى اسمه الذي هو «الرحيـم».
وقد كان الـحسن البصري يقول فـي الرحمن مثل ما قلنا, أنه من أسماء الله التـي منع التسمي بها لعبـاده.
12ـ حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا حماد بن مسعدة, عن عوف, عن الـحسن, قال: الرحمن اسم مـمنوع.
مع أن فـي إجماع الأمة مِن منع التسمي به جميع الناس ما يغنـي عن الاستشهاد علـى صحة ما قلنا فـي ذلك بقول الـحسن وغيره.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:47 PM
القرطبى
"بسم الله الرحمن الرحيم" قسم من ربنا أنزله عند رأس كل سورة، يقسم لعباده إن هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حق، وإني أفي لكم بجميع ما ضمنت في هذه السورة من وعدي ولطفي وبري. و"بسم الله الرحمن الرحيم" مما أنزله الله تعالى في كتابنا وعلى هذه الأمة خصوصا بعد سليمان عليه السلام. وقال بعض العلماء: " إن "بسم الله الرحمن الرحيم" تضمنت جميع الشرع، لأنها تدل على الذات وعلى الصفات، وهذا صحيح.
قال بن أبي سكينة: بلغني أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه نظر إلي رجل يكتب "بسم الله الرحمن الرحيم" فقال له: جودها فإن رجلا جودها فغفر له. قال سعيد: وبلغني أن رجلا نظر إلى قرطاس فيه "بسم الله الرحمن الرحيم" فقبله ووضعه على عينيه فغفر له. ومن هذا المعنى قصة بشر الحافي، فإنه لما رفع الرقعة التي فيها اسم الله وطيبها طيب اسمه، ذكره القشيري. وروى النسائي عن أبي المليح عن ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا عثرت بك الدابة فلا تقل تعس الشيطان فإنه يتعاظم حتى يصير مثل البيت ويقول بقوته صنعته ولكن قل بسم الله الرحمن الرحيم فإنه يتصاغر حتى يصير مثل الذباب). وقال علي بن الحسين في تفسير قوله تعالى: "وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا" [الإسراء:46] قال معناه: إذا قلت "بسم الله الرحمن الرحيم". وروى وكيع عن الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله بن مسعود قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" ليجعل الله تعالى له بكل حرف منها جنة من كل واحد. فالبسملة تسعة عشر حرفا على عدد ملائكة أهل النار الذين قال الله فيهم: "عليها تسعة عشر" [المدثر: 30] وهم يقولون في كل أفعالهم: "بسم الله الرحمن الرحيم" فمن هنالك هي قوتهم، وببسم الله استضلعوا. قال ابن عطية: ونظير هذا قولهم في ليلة القدر: إنها سبع وعشرين، مراعاة للفظة "هي" من كلمات سورة "إنا أنزلناه" [القدر: 1]. ونظيره أيضا قولهم في عدد الملائكة الذين ابتدروا قول القائل: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فإنها بضعة وثلاثون حرفا، فلذلك قال النبي الله صلى الله عليه وسلم: (لقد رأيت بضعا وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول). قال ابن عطية: وهذا من ملح التفسير وليس من متين العلم.
روى الشعبي والأعمش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتب "باسمك اللهم" حتى أمر أن يكتب "بسم الله" فكتبها، فلما نزلت: "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن" [الإسراء:110] كتب "بسم الله الرحمن الرحيم" فلما نزلت: "إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم" [النمل:30] كتبها. وفي مصنف أبي داود قال الشعبي وأبو مالك وقتادة وثابت بن عمارة: إن النبي الله صلى الله عليه وسلم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم حتى نزلت سورة "النمل".
روي عن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه قال: البسملة تيجان السور.
قلت: وهذا يدل على أنها ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها. وقد اختلف العلماء في هذا المعنى على ثلاثة أقوال: (الأول) ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها، وهو قول مالك. (الثاني) أنها آية من كل سورة، وهو قول عبدالله بن المبارك. (الثالث ) قال الشافعي: هي آية في الفاتحة، وتردد قوله في سائر السور، فمرة قال: هي آية من كل سورة، ومرة قال: ليست بآية إلا في الفاتحة وحدها. ولا خلاف بينهم في أنها آية من القرآن في سورة النمل.
واحتج الشافعي بما رواه الدارقطني من حديث أبي بكر الحنفي عن عبدالحميد بن جعفر عن نوح بن أبي بلال عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم أحد آياتها). رفع هذا الحديث عبدالحميد بن جعفر، وعبدالحميد هذا وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد ويحيى بن معين، وأبو حاتم يقول فيه: محله الصدق، وكان سفيان الثوري يضعفه ويحمل عليه. ونوح بن أبي بلال ثقة مشهور.
وحجة ابن المبارك وأحد قولي الشافعي ما رواه مسلم عن أبي أنس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: (نزلت علي آنفا سورة) فقرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم: إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر. إن شانئك هو الأبتر" [الكوثر: الآية]. وذكر الحديث، وسيأتي في سورة الكوثر إن شاء الله تعالى.
الصحيح من هذه الأقوال قول مالك، لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه. قال ابن العربي: "ويكفيك أنها ليست من القرآن اختلاف الناس فيها، والقرآن لا يختلف فيه". والأخبار الصحاح التي لا مطعن فيها دالة على أن البسملة ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها إلا في النمل وحدها. روى مسلم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد "الحمد لله رب العالمين" قال الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال العبد "الرحمن الرحيم" قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال العبد "مالك يوم الدين" قال مجدني عبدي - وقال مرة فوض إلي عبدي - فإذا قال "إياك نعبد وإياك نستعين" قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال "اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل). فقوله سبحانه: (قسمت الصلاة) يريد الفاتحة، وسماها صلاة لأن الصلاة لا تصح إلا بها، فجعل الثلاث الآيات الأول لنفسه، واختص بها تبارك اسمه، ولم يختلف المسلمون فيها. ثم الآية الرابعة جعلها بينه وبين عبده، لأنها تضمنت تذلل العبد وطلب الاستعانة منه، وذلك يتضمن تعظيم الله تعالى، ثم ثلاث آيات تتمة سبع آيات. ومما يدل على أنها ثلاث قوله: (هؤلاء لعبدي) أخرجه مالك، ولم يقل: هاتان، فهذا يدل على أن "أنعمت عليهم" آية. قال ابن بكير: قال قال مالك: "أنعمت عليهم" آية، ثم الآية السابعة إلى آخرها. فثبت بهذه القسمة التي قسمها الله تعالى وبقوله عليه السلام لأبي: (كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة) قال: فقرأت "الحمد لله رب العالمين" حتى أتيت على آخرها - أن البسملة ليست بآية منها، وكذا عد أهل المدينة وأهل الشام وأهل البصرة، وأكثر القراء عدوا "أنعمت عليهم" آية، وكذا روى قتادة عن أبي نضرة عن أبي هريرة قال: الآية السادسة "أنعمت عليهم". وأما أهل الكوفة من القراء والفقهاء فإنهم عدوا فيها "بسم الله الرحمن الرحيم" ولم يعدوا "أنعمت عليهم".
فإن قيل: فإنها ثبتت في المصحف وهي مكتوبة بخطه ونقلت نقله، كما نقلت في النمل، وذلك متواتر عنهم. قلنا: ما ذكرتموه صحيح، ولكن لكونها قرآناً أو لكونها فاصلة بين السور - كما روي عن الصحابة: كنا لا نعرف انقضاء السورة حتى تنزل "بسم الله الرحمن الرحيم" أخرجه أبو داود - أو تبركا بها، كما قد اتفقت الأمة على كتبها في أوائل الكتب والرسائل؟ كل ذلك محتمل. وقد قال الجريري: سئل الحسن عن "بسم الله الرحمن الرحيم" قال: في صدور الرسائل. وقال الحسن أيضا: لم تنزل "بسم الله الرحمن الرحيم" في شيء من القرآن إلا في "طس" "إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم" [النمل: 30]. والفيصل أن القرآن لا يثبن بالنظر والاستدلال، وإنما يثبت بالنقل المتواتر القطعي الاضطراري. ثم قد اضطرب قول الشافعي فيها في أول كل سورة فدل على أنها ليست بآية من كل سورة؛ والحمد لله.
فإن قيل: فقد روى جماعة قرآنيتها، وقد تولى الدارقطني جمع ذلك في جزء صححه. قلنا: لسنا ننكر الرواية بذلك وقد أشرنا إليها، ولنا أخبار ثابتة في مقابلتها، رواها الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات. روت عائشة في صحيح مسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين، الحديث. وسيأتي بكماله. وروى مسلم أيضا عن أنس بن مالك قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين؛ لا يذكرون "بسم الله الرحمن الرحيم" لا في أول قراءة ولا في آخرها. ثم إن مذهبنا يترجح في ذلك بوجه عظيم، وهو المعقول؛ وذلك أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة انقضت عليه العصور، ومرت عليه الأزمنة والدهور، من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمان مالك، ولم يقرأ أحد فيه قط "بسم الله الرحمن الرحيم" اتباعا للسنة؛ وهذا يرد أحاديثكم. بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل وعليه تحمل الآثار الواردة في قراءتها أو على السعة في ذلك. قال مالك: ولا بأس أن يقرأ بها في النافلة ومن يعرض القرآن عرضاً.
وجملة مذهب مالك وأصحابه: أنها ليست عندهم آية من فاتحة الكتاب ولا غيرها، ولا يقرأ بها المصلي في المكتوبة ولا في غيرها سراً ولا جهراً؛ ويجوز أن يقرأها في النوافل. هذا هو المشهور من مذهبه عند أصحابه. وعنه رواية أخرى أنها تقرأ أول السورة في النوافل، ولا تقرأ أول أم القرآن. وروى عنه ابن نافع ابتداء القراءة بها في الصلاة الفرض والنفل ولا تترك بحال. ومن أهل المدينة من يقول: إنه لابد فيها من "بسم الله الرحمن الرحيم" منهم ابن عمر، وابن شهاب؛ وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد. وهذا يدل على أن المسألة مسألة اجتهادية لا قطعية، كما ظنه بعض الجهال من المتفقهة الذي يلزم على قوله تكفير المسلمين؛ وليس كما ظن لوجود الاختلاف المذكور؛ والحمد لله.
وقد ذهب جمع من العلماء إلى الإسرار بها مع الفاتحة؛ منهم: أبو حنيفة والثوري؛ وروي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وعمار وابن الزبير؛ وهو قول الحكم وحماد؛ وبه قال أحمد بن حنبل وأبو عبيد؛ وروي عن الأوزاعي مثل ذلك؛ حكاه أبو عمر بن عبدالبر في (الاستذكار). واحتجوا من الأثر في ذلك بما رواه منصور بن زاذان عن أنس بن مالك قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم سمعنا قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم". وما رواه عمار بن رزيق عن الأعمش عن شعبة عن ثابت عن أنس قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر، فلم أسمع أحداً منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.
قلت: هذا قول حسن، وعليه تتفق الآثار عن أنس ولا تتضاد ويخرج به من الخلاف في قراءة البسملة. وقد روي عن سعيد بن جبير قال: هذا محمد يذكر رحمان اليمامة - يعنون مسيلمة - فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم، ونزل: "ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها" [الإسراء:110]. قال الترمذي الحكيم أبو عبدالله: فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذلك الرسم وإن زالت العلة، كما بقي الرمل في الطواف وإن زالت العلة، وبقيت المخافتة في صلاة النهار وإن زالت العلة.
اتفقت الأمة على جواز كتبها في أول كل كتاب من كتب العلم والرسائل؛ فإن كان الكتاب ديوان شعر فروى مجالد عن الشعبي قال: أجمعوا ألا يكتبوا أمام الشعر "بسم الله الرحمن الرحيم". وقال الزهري: مضت السنة ألا يكتبوا في الشعر "بسم الله الرحمن الرحيم". وذهب إلى رسم التسمية في أول كتب الشعر سعيد بن جبير، وتابعه على ذلك أكثر المتأخرين. قال أبو بكر الخطيب: وهو الذي نختاره ونستحبه.
قال الماوردي ويقال لمن قال بسم الله: مبسمل، وهي لغة مولدة، وقد جاءت في الشعر؛ قال عمر بن أبي ربيعة:
لقد بسملت ليلى غداة لقيتها فيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل
قلت: المشهور عن أهل اللغة بسمل. قال يعقوب بن السكيت والمطرز والثعالبي وغيرهم من أهل اللغة: بسمل الرجل. إذا قال: بسم الله. يقال: قد أكثرت من البسملة؛ أي من قول بسم الله. ومثله حوقل الرجل، إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. وهلل، إذا قال: لا إله إلا الله. وسبحل، إذا قال: سبحان الله. وحمدل، إذا قال: الحمد لله. وحيصل، إذا قال: حي على الصلاة. وجعفل، إذا قال: جعلت فداك. وطبقل، إذا قال: أطال الله بقاءك. ودمعز، إذا قال: أدام الله عزك. وحيفل، إذا قال: حي على الفلاح. ولم يذكر المطرز: الحيصلة، إذا قال: حي على الصلاة. وجعفل، إذا قال: جعلت فداك. وطبقل، إذا قال: أطال الله بقاءك. ودمعز، إذا قال: أدام الله عزك.
ندب الشرع إلى ذكر البسملة في أول كل فعل؛ كالأكل والشرب والنحر؛ والجماع والطهارة وركوب البحر، إلى غير ذلك من الأفعال؛ قال الله تعالى: "فكلوا مما ذكر اسم الله عليه". [الأنعام:118]. "وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها" [هود:41]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أغلق بابك واذكر اسم الله وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله وخمر إناءك واذكر اسم الله وأوك سقاءك واذكر اسم الله). وقال: (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبداً). وقال لعمر بن أبي سلمة: (يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك). وقال: (إن الشيطان ليستحل الطعام ألا يذكر اسم الله عليه) وقال: (من لم يذبح فليذبح باسم الله). وشكا إليه عثمان بن أبي العاص وجعا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر). هذا كله ثابت في الصحيح. وروى ابن ماجة والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول بسم الله). وروى الدارقطني عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مس طهوره سمى الله تعالى، ثم يفرغ الماء على يديه.
قال علماؤنا: وفيها رد على القدرية وغيرهم ممن يقول: إن أفعالهم مقدورة لهم. وموضع الاحتجاج عليهم من ذلك أن الله سبحانه أمرنا عند الابتداء بكل فعل أن نفتتح بذلك، كما ذكرنا.
فمعنى "بسم الله" أي بالله. ومعنى "بالله" أي بخلقه وتقديره يوصل إلى ما يوصل إليه. وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله. وقال بعضهم: معنى قوله "بسم الله" يعني بدأت بعون الله وتوفيقه وبركته؛ وهذا تعليم من الله تعالى عباده، ليذكروا اسمه عند افتتاح القراءة وغيرها، حتى يكون الافتتاح ببركة الله جل وعز.
ذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى إلى أن "اسم" صلة زائدة، واستشهد يقول لبيد:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
فذكر "اسم" زيادة، وإنما أراد: ثم السلام عليكما.
وقد استدل علماؤنا بقول لبيد هذا على أن الاسم هو المسمى. وسيأتي الكلام فيه في هذا الباب وغيره، إن شاء الله تعالى.
اختلف في معنى زيادة "اسم"؛ فقال قطرب: زيدت لإجلال ذكره تعالى وتعظيمه. وقال الأخفش: زيدت ليخرج بذكرها من حكم القسم إلى قصد التبرك؛ لأن أصل الكلام: بالله. واختلفوا أيضا في معنى دخول الباء عليه، هل دخلت على معنى الأمر؟ والتقدير: ابدأ بسم الله. أو على معنى الخبر؟ والتقدير: ابتدأت بسم الله؛ قولان: الأول للفراء، والثاني للزجاج. فـ "بسم الله" في موضع رفع خبر الابتداء: وقيل: الخبر محذوف؛ أي ابتدائي مستقر أو ثابت باسم الله؛ فإذا أظهرته كان "بسم الله" في موضع نصب بثابت أو مستقر، وكان بمنزلة قولك: زيد في الدار وفي التنزيل "فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي" [النمل:40] فـ "عنده" في وضع نصب؛ روي هذا عن نحاة أهل البصرة. وقيل: التقدير ابتدائي ببسم الله موجود أو ثابت، فـ "بسم" في موضع نصب بالمصدر الذي هو ابتدائي.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:48 PM
تكتب "بسم الله" بغير ألف استغناء عنها بباء الإلصاق في اللفظ والخط لكثرة الاستعمال؛ بخلاف قوله: "اقرأ باسم ربك" [العلق:1] فإنها لم تحذف لقلة الاستعمال. واختلفوا فيحذفها مع الرحمن والقاهر؛ فقال الكسائي وسعيد الأخفش: تحذف الألف. وقال يحيى بن وثاب: لا تحذف إلا مع "بسم الله" فقط، لأن الاستعمال إنما كثر فيه. واختلف في تخصيص باء الجر بالكسر على ثلاثة معان؛ فقيل: ليناسب لفظها عملها. وقيل: لما كانت الباء لا تدخل إلا على الأسماء خصت بالخفض الذي لا يكون إلا في الأسماء. الثالث: ليفرق بينها وبين ما قد يكون من الحروف اسما؛ نحو الكاف في قول الشاعر:
ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا
أي بمثل ابن الماء أو ما كان مثله.
اسم، وزنه إفع، والذاهب منه الواو؛ لأنه من سموت، وجمعه أسماء، وتصغيره سمي. واختلف في تقدير أصله، فقيل: فعل، وقيل: فعل. قال الجوهري: وأسماء يكون جمعا لهذا الوزن، وهو مثل جذع وأجذاع، وقفل وأقفال؛ وهذا لا تدرك صيغته إلا بالسماع. وفيه أربع لغات: اسم الكسر، واسم بالضم. قال أحمد ين يحيى: من ضم الألف أخذه من سموت أسمو، ومن كسر أخذه من سميت أسمي. ويقال: سم وسم، وينشد:
والله أسماك سما مباركا آثرك الله به إيثاركا
وقال آخر:
وعامنا أعجبنا مقدمه يدعى أبا السمح وقرضاب سمه
مبتركا لكل عظم يلحمه
قرضب الرجل: إذا أكل شيئا يابسا، فهو قرضاب. "سمه" بالضم والكسر جميعا.
ومنه قول الآخر:
باسم الذي في كل سورة سمه
وسكنت السين من "باسم" اعتلالا غير قياس، وألفه ألف وصل، وربما جعلها الشاعر ألف قطع للضرورة؛ كقول الأحوص:
وما أنا بالمخسوس في جذم مالك ولا من تسمى ثم يلتزم الاسما
تقول العرب في النسب إلي الاسم: سموي، وإن شئت اسمي، تركته على حاله، وجمعه أسماء وجمع الأسماء أسام. وحكى الفراء: أعيذك بأسماوات الله.
اختلفوا في اشتقاق الاسم على وجهين؛ فقال البصريون: هو مشتق من السمو وهو العلو والرفعة، فقيل: اسم لأن صاحبه بمنزلة المرتفع به. وقيل: لأن الاسم يسمو بالمسمى فيرفعه عن غيره. وقيل: إنما سمي الاسم اسما لأنه علا بقوته على قسمي الكلام: الحرف والفعل؛ والاسم أقوى منهما بالإجماع لأنه الأصل؛ فلعلوه عليهما سمي اسما؛ فهذه ثلاثة أقوال.
وقال الكوفيون: إنه مشتق من السمة وهي العلامة؛ لأن الاسم علامة لمن وضع له؛ فأصل اسم على هذا "وسم". والأول أصح؛ لأنه يقال في التصغير سمي وفي الجمع أسماء؛ والجمع والتصغير سمي وفي الجمع أسماء؛ والجمع والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها؛ فلا يقال: وسيم ولا أوسام. ويدل على صحته أيضا فائدة الخلاف وهي:
فإن من قال الاسم مشتق من العلو يقول: لم يزل الله سبحانه موصوفا قبل وجود الخلق وبعد وجودهم وعند فنائهم، ولا تأثير لهم في أسمائه ولا صفاته؛ وهذا قول أهل السنة. ومن قال الاسم مشتق من السمة يقول: كان الله في الأزل بلا اسم ولا صفة، فلما خلق الخلق جعلوا له أسماء وصفات، فإذا أفناهم بقي بلا اسم ولا صفة؛ وهذا قول المعتزلة وهو خلاف ما أجمعت عليه الأمة، وهو أعظم في الخطأ من قولهم: إن كلامه مخلوق، تعالى الله عن ذلك! وعلى هذا الخلاف وقع الكلام في الاسم والمسمى فذهب أهل الحق فيما نقل القاضي أبو بكر بن الطيب إلى أن الاسم هو المسمى، وارتضاه ابن فورك؛ وهو قول أبي عبيدة وسيبويه. فإذا قال قائل: الله عالم؛ فقوله دال على الذات الموصوفة بكونه عالما، فالاسم كونه عالما وهو المسمى بعينه. وكذلك إذا قال: الله خالق؛ فالخالق هو الرب، وهو بعينه الاسم. فالاسم عندهم هو المسمى بعينه من غير تفصيل.
قال ابن الحصار: من ينفي الصفات من المبتدعة يزعم أن لا مدلول للتسميات إلا الذات، ولذلك يقولون: الاسم غير المسمى، ومن يثبت الصفات يثبت للتسميات مدلولا هي أوصاف الذات وهي غير العبارات وهي الأسماء عندهم. وسيأتي لهذه مزيد بيان في "البقرة" و"الأعراف" إن شاء الله تعالى.
قوله: "الله" هذا الاسم أكبر أسمائه سبحانه وأجمعها، حتى قال بعض العلماء: إنه اسم الله الأعظم ولم يتسم به غيره؛ ولذلك لم يثن ولم يجمع؛ وهو أحد تأويلي قوله تعالى: "وهل تعلم له سميا" [مريم:65] أي تسمى باسمه الذي هو "الله". فالله اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية، المنعوت بنعوت الربوبية، المنفرد بالوجود الحقيقي، لا إله إلا هو سبحانه. وقيل: معناه الذي يستحق أن يعبد. وقيل: معناه واجب الوجود الذي لم يزل ولا يزال؛ والمعنى واحد.
واختلفوا في هذا الاسم هل هو مشتق أو موضوع للذات علم؟. فذهب إلى الأول كثير من أهل العلم. واختلفوا في اشتقاقه وأصله؛ فروى سيبويه عن الخليل أن أصله إلاه، مثل فعال؛ فأدخلت الألف واللام بدلا عن الهمزة. قال سيبويه: مثل الناس أصله أناس. وقيل: أصل الكلمة "لا" وعليه دخلت الألف واللام للتعظيم، وهذا اختيار سيبويه. وأنشد:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني ولا أنت دياني فتخزوني
كذا الرواية: فتخزوني، بالخاء المعجمة ومعناه: تسوسني.
وقال الكسائي والفراء: معنى "بسم الله" بسم الإله؛ فحذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية فصارتا لاما مشددة؛ كما قال عز وجل: "لكنا هو الله ربي" [الكهف:38] ومعناه: لكن أنا، كذلك قرأها الحسن. ثم قيل: هو مشتق من "وله" إذا تحير؛ والوله: ذهاب العقل. يقال: رجل واله وامرأة والهة وواله، وماء موله: أرسل في الصحارى. فالله سبحانه تتحير الألباب وتذهب في حقائق صفاته والفكر في معرفته. فعلى هذا أصل "إلاه" "ولاه" وأن الهمزة مبدلة من واو كما أبدلت في إشاح ووشاح، وإسادة ووسادة؛ وروي عن الخليل. وروي عن الضحاك أنه قال: إنما سمي "الله" إلها، لأن الخلق يتألهون إليه في حوائجهم، ويتضرعون إليه عند شدائدهم. وذكر عن الخليل بن أحمد أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه (بنصب اللام) ويألهون أيضا (بكسرها) وهما لغتان. وقيل: إنه مشتق من الارتفاع؛ فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع: لاهاً، فكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: لاهت. وقيل: هو مشتق من أله الرجل إذا تعبد. وتأله إذا تنسك؛ ومن ذلك قوله تعالى: "ويذرك وإلاهتك" [الأعراف:127] على هذه القراءة؛ فإن ابن عباس وغيره قالوا: وعبادتك. قالوا: فاسم الله مشتق من هذا، فالله سبحانه معناه المقصود بالعبادة، ومنه قول الموحدين: إلا إله إلا الله، معناه لا معبود غير الله. و"إلا" في الكلمة بمعنى غير، لا بمعنى الاستثناء. وزعم بعضهم أن الأصل فيه "الهاء" التي هي الكناية عن الغائب، وذلك أنهم أثبتوه موجوداً في فطر عقولهم فأشاروا إليه بحرف الكناية عن الغائب، وذلك أنهم أثبتوه موجوداً في فطر عقولهم فأشاروا إليه بحرف الكناية ثم زيدت فيه لام الملك إذ قد علموا أنه خالق الأشياء ومالكها فصار "له" ثم زيدت فيه الألف واللام تعظيماً وتفخيماً.
القول الثاني: ذهب إليه جماعة من العلماء أيضاً منهم الشافعي وأبو المعالي والخطابي والغزالي والمفضل وغيرهم، وروي عن الخليل وسيبويه: أن الألف واللام لازمة له لا يجوز حذفهما منه. قال الخطابي: والدليل على أن الألف واللام من بنية هذا الاسم، ولم يدخلا للتعريف: دخول حرف النداء عليه؛ كقولك: يا الله، وحروف النداء لا تجتمع مع الألف واللام للتعريف؛ ألا ترى أنك لا تقول: يا الرحمن ولا يا الرحيم، كما تقول: يا الله، فدل على أنهما من بنية الاسم. والله أعلم.
واختلفوا أيضاً في اشتقاق اسمه الرحمن، فقال بعضهم: لا اشتقاق له لأنه من الأسماء المختصة به سبحانه، ولأنه لو كان مشتقاً من الرحمة لا تصل بذكر المرحوم، فجاز أن يقال: الله رحمن بعباده، كما يقال: رحيم بعباده. وأيضاً لو كان مشتقاً من الرحمة لم تنكره العرب حين سمعوه، إذ كانوا لا ينكرون رحمة ربهم، وقد قال الله عز وجل: "وإذ قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن" [الفرقان:60] الآية. ولما كتب علي رضي الله عنه في صلح الحديبية بأمر النبي صلى الله عليه وسلم: "بسم الله الرحمن الرحيم" قال سهيل بن عمرو: أما "بسم الله الرحمن الرحيم" فما ندري ما "بسم الله الرحمن الرحيم"! ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم، الحديث. قال ابن العربي: إنما جهلوا الصفة دون الموصوف، واستدل على ذلك بقولهم: وما الرحمن؟ ولم يقولوا: ومن الرحمن؟ قال ابن الحصار: وكأنه رحمه الله لم يقرأ الآية الأخرى: "وهم يكفرون بالرحمن" [الرعد:30] وذهب الجمهور من الناس إلى أن "الرحمن" مشتق من الرحمة مبني على المبالغة؛ ومعناه ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها، فلذلك لا يثنى ولا يجمع كما يثنى "الرحيم" ويجمع.
قال ابن الحصار: ومما يدل على الاشتقاق ما خرجه الترمذي وصححه عن عبدالرحمن بن عوف أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: (قال الله عز وجل أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته). وهذا نص من الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق، وإنكار العرب له لجهلهم بالله وبما وجب له.
زعم المبرد فيما ذكر ابن الأنباري في كتاب "الزاهر" له: أن "الرحمن" اسم عبراني جاء معه بـ "الرحيم". وأنشد:
لن تدركوا المجد أو تشروا عباءكم بالخز أو تجعلوا الينبوت ضمرانا
أو تتركون إلى القسين هجرتكم ومسحكم صلبهم رحمان قربانا
قال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن: وقال أحمد بن يحيى: "الرحيم" عربي و"الرحمن" عبراني، فلهذا جمع بينهما. وهذا القول مرغوب عنه. وقال أبو العباس: النعت قد يقع للمدح، كما تقول: قال جرير الشاعر: وروى مطرف عن قتادة في قول الله عز وجل: "بسم الله الرحمن الرحيم" قال: مدح نفسه. قال أبو إسحاق وهذا قول حسن. وقال قطرب: يجوز أن يكون جمع بينهما للتوكيد. قال أبو إسحاق: وهذا قول حسن. وفي التوكيد أعظم الفائدة، وهو كثير في كلام العرب، ويستغني عن الاستشهاد، والفائدة في ذلك ما قاله محمد بن يزيد: إنه تفضل بعد تفضل، وإنعام بعد إنعام، وتقوية لمطامع الراغبين، ووعد لا يخيب آمله.
واختلفوا هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ فقيل: هما بمعنى واحد؛ كندمان ونديم. قاله أبو عبيدة. وقيل: ليس بناء فعلان كفعيل، فإن فعلان لا يقع ألا على مبالغة الفعل، نحو قولك: رجل غضبان، للمتلىء غضباً. وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول. قال عملس:
فأما إذا عضت بك الحرب عضة فإنك معطوف عليك رحيم
فـ "الرحمن" خاص الاسم عام الفعل. و"الرحيم" عام الاسم خاص الفعل. هذا قول الجمهور. قال أبو علي الفارسي: "الرحمن" اسم عام في جميع أنواع الرحمة، يختصر به الله. "والرحيم" إنما هو في وجهة المؤمنين؛ كما قال تعالى: "وكان بالمؤمنين رحيما" [الأحزاب:43]. وقال العرزمي: "الرحمن" بجميع خلقه في الأمطار ونعم الحواس والنعم العامة، "والرحيم" بالمؤمنين في الهداية لهم، واللطف بهم. وقال ابن المبارك: "الرحمن" إذا سئل أعطي، و"الرحيم" إذا لم يسأل غضب. وروى ابن ماجة في سننه والترمذي في جامعه عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يسأل الله يغضب عليه" لفظ الترمذي. وقال ابن ماجة: "من لم يدع الله سبحانه غضب عليه". وقال: سألت أبا زرعة عن أبي صالح هذا، فقال: هو الذي يقال له: الفارسي وهو خوزي ولا أعرف اسمه. وقد أخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال:
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
وقال ابن عباس: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، أي أكثر رحمة.
قال الخطابي: وهذا مشكل؛ لأن الرقة لا مدخل لها في شيء من صفات الله تعالى. وقال الحسين بن الفضل البجلي: هذا وهم من الراوي، لأن الرقة ليست من صفات الله تعالى في شيء، وإنما هما اسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر، والرفق من صفات الله عز وجل؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف).
أكثر العلماء على أن "الرحمن" مختص بالله عز وجل، لا يجوز أن يسمى به غيره، ألا تراه قال: "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن" [الإسراء:110] فعادل الاسم الذي لا يشركه فيه غيره. وقال: "واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون" [الزخرف:45] فأخبر أن "الرحمن" هو المستحق للعبادة جل وعز. وقد تجاسر مسيلمة الكذاب - لعنه الله - فتسمى برحمان اليمامة، ولم يتسم به حتى قرع مسامعه نعت الكذاب فألزمه الله تعالى نعت الكذاب لذلك، وأن كان كل كافر كاذباً، فقد صار هذا الوصف لمسيلمة علماً يعرف به، ألزمه الله إياه. وقد قيل في اسمه الرحمن: إنه اسم الله الأعظم؛ ذكره ابن العربي.
"الرحيم" صفة مطلقة للمخلوقين، ولما في "الرحمن" من العموم قدم في كلامنا على "الرحيم" مع موافقة التنزيل؛ وقيل: إن معنى "الرحيم" أي بالرحيم وصلتم إلى الله وإلى الرحمن، فـ "الرحيم" نعت محمد صلى الله عليه وسلم؛ أي وبمحمد صلى الله عليه وسلم وصلتم إلي، أي باتباعه وبما جاء به وصلتم إلى ثوابي وكرامتي والنظر إلى وجهي؛ والله أعلم.
روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال في قوله "بسم الله": إنه شفاء من كل داء، وعون على كل دواء. وأما "الرحمن" هو عون لكل من آمن به، وهو اسم لم يسم به غيره. وأما "الرحيم"، فهو لمن تاب وآمن وعمل صالحاً.
وقد فسره بعضهم على الحروف؛ فروي عن عثمان بن عفان أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير "بسم الله الرحمن الرحيم" فقال: (أما الباء فبلاء الله وروحه ونضرته وبهاؤه وأما السين فسناء الله وأما الميم فملك الله وأما الله فلا إله غيره وأما الرحمن فالعاطف على البر والفاجر من خلقه وأما الرحيم فالرفيق بالمؤمنين خاصة). وروي عن كعب الأحبار أنه قال: الباء بهاؤه والسين سناؤه فلا شيء أعلى منه والميم ملكه وهو على كل شيء قدير فلا شيء يعازه. وقد قيل: إن كل حرف هو افتتاح اسم من أسمائه؛ فالباء مفتاح اسمه بصير، والسين مفتاح اسمه سميع، والميم مفتاح اسمه مليك، والألف مفتاح اسمه الله، واللام مفتاح اسمه لطيف، والهاء مفتاح اسمه هادي، والراء مفتاح اسمه رازق، والحاء مفتاح اسمه حليم، والنون مفتاح اسمه نور؛ ومعنى هذا كله دعاء الله تعالى عند افتتاح كل شيء.
واختلف في وصل "الرحيم" بـ "الحمد لله"؛ فروي عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "الرحيم. الحمد" يسكن الميم ويقف عليها، ويبتدئ بألف مقطوعة. وقرأ به قوم من الكوفيين. وقرأ جمهور الناس: "الرحيم الحمد"، تعرب "الرحيم" بالخفض وبوصل الألف من "الحمد". وحكى الكسائي عن بعض العرب أنها تقرأ "الرحيمَ الحمد" بفتح الميم وصلة الألف؛ كأنه سكنت الميم وقطعت الألف ثم ألقيت حركتها على الميم وحذفت. قال ابن عطية: ولم ترو عن هذه قراءة عن أحد فيما علمت. وهذا نظر يحيى بن زياد في قوله تعالى: "الَم الله".
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:49 PM
الكشاف للزمخشرى
بسم اَللَّهِ الرَّحمَنِ اَلرَّحِيمِ قراء المدينة والبصرة والشأم وفقهاؤها على أن التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور وإنما كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها كما بدئ بذكرها في كل أمر في بال وهو مذهب أبي حنيفة رحمه اللّه ومن تابعه ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة.
وقراء مكة والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة وعليه الشافعي وأصحابه رحمهم الله ولذلك يجهرون بها.
وقالوا: قد أثبتها السلف في المصحف مع توصيتهم بتجريد القرآن ولذلك لم يثبتوا "آمين" فلولا أنها من القرآَن لما أثبتوها.
وعن ابن عباس: " من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة اية من كتاب الله تعالى " فإن قلت: بم تعلقت الباء قلت: بمحذف تقديره: بسم الله أقرأ أو أتلو لأن الذي يتلو التسمية مقروء كما أن المسافر إذا حل أو ارتحل فقال: بسم الله والبركات كان المعنى: بسم الله أحل وبسم الله أرتحل كذلك الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله ب " بسم الله " كان مضمراً ما جعل التسمية مبدأ له.
ونظيره في حذف متعلق الجار قوله عز وجل: "في تسع آيات إلى فرعون وقومه" النمل: أذهب في تسع آيات.
وكذلك قول العرب في الدعاء للمعرس: بالرفاء والبنين.
وقول الأعرابي: باليمن والبركة بمعنى أعرست أو نكحت.
ومنه قوله: فقلُتُ إلى الطعام فقال مِنهُم فَرِيق نحسُدُ الإِنسَ الطعَامَا فأن قلت: لم قدرت المحذوف متأخراً قلت: لأن الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به لأنهم كانوا يبدءون بأسماء ألهتهم فيقولون: باسم اللات باسم العزى فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله عز وجل بالابتداء وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما فعل في قوله: "إِياكَ نَعبُدُ " حيث صرح بتقديم الاسم إرادة للاختصاص.
والدليل عليه قوله: " بسم اللّه مجراها ومرساها " هود.
فإن قلت: فقد قال: " اقرأ باسم ربك " العلق: ا فقدم الفعل.
قلت: هناك تقديم الفعل أوقع لأنها أؤل سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم.
فان قلت: ما معنى تعلق اسم الله بالقراءة قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يتعلق بها تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم على معنى أن المؤمن لما اعتقد أن فعله لا يجيء معتدأ به في الشرع واقعاً على السنة حتى يصدر بذكر اسم الله لقوله عليه الصلاة والسلام: " كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر " إلا كان فعلا كلا فعل جعل فعله مفعولاً باسم الله بهما كما يفعل الكتب بالقلم.
والثاني أن يتعلق بها تعلق الدهن بالإنبات في قوله: " تنبت بالدهن " المؤمنون: على معنى: متبركأ بسم الله أقرأ وكذلك قول الداعي للمعرس: بالرفاء والبنين معناه أعرست ملتبسأ بالرفاء والبنين وهذا الوجه أعرب وأحسن فان قلت: فكيف قال اللّه تبارك وتعالى متبركأ باسم الله أقرأ قلت: هذا مقول على ألسنة العباد كما يقولُ الرجل الشعر على لسان غيره وكذلك: " الحمد لله رب العالمين " إلى آخره وكثير من القرآن على هذا المنهاج ومعناه تعليم عباده كيف يتبركون باسمه وكيف يحمدونه ويمجدونه ويعظمونه.
فان قلت: من حق حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة التي هي أخت السكون نحو كاف التشبيه ولام الابتداء وواو العطف وفائه وغير ذلك فما بال لام الإضافة وبائها بنيتا على الكسر.
قلت: أما اللام فللفصل بينها وبين لام الابتداء وأما الباء فلكونها لازمة للحرفية والجر والاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة لئلا يقع ابتداؤهم بالساكن إذا كان دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن لسلامة لغتهم من كل لكنة وبشاعة ولوضعها على غاية من الإحكام والرصانة واذا وقعت في الدرج لم تفتقر إلى زيادة شيء.
ومنهم من لم يزدها واستغنى عنها بتحريك الساكن فقال: سم وسم.
قال: بِاسمِ الذي في كل سُورةٍ سِمُة وهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز: كيد ودم وأصله: سمو بدليل تصريفه: كأسماء وسمي وسميت واشتقاقه من السمو لأن التسمية تنويه بالمسمى واشادة بذكره ومنه قيل للقب النبز: من النبز بمعنى النبر وهو رفع الصوت.
والنبز قشر النخلة! الأعلى.
فان قلت: فلم حذفت الألفَ فْي الخط وأثبتت في قوله: باسم ربك.
قلت: قد اتبعوا في حذفها حكم الدرج دون الابتداء الذي عليه وضع الخط لكثرة الاستعمال وقالوا: طُوٌ لَتِ الباء تعويضأ من طرح الألف.
وعن عمر بن عبد العزيزأنه قال لكاتبه: طؤل الباء وأظهر السنات ودور الميم.
والله أصله الإله.
قال: مَعَاذَ الإِلهِ أَن تَكُونَ كظَبية ونظيره: الناس أصله الأناس.
قال: إن المَنايَا يطلعن عَلَى الإِنَاسِ الآمِنِينَا فحذفت الهمزة وعوض منها حرف التعريف ولذلك قيل في النداء: يا ألله بالقطع كما يقال: يا إله والإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا وكذلك السنة على عام القحط والبيت على الكعبة والكتاب على كتاب سيبويه.
وأما الله بحذف الهمزة فمختص بالمعبود بالحق لم يطلق على غيره.
ومن هذا الاسم اشتق: تأله وأله واستأله.
كما قيل: استنوق واستحجر في الاشتقاق من الناقة والحجر.
فإن قلت: أاسم هو أم صفة، قلت: بل اسم غير صفة ألا تراك تصفه ولا تصف به لا تقول: شيء إله كما لا تقول: شيء رجل.
وتقول: إله واحد صمد كما تقول: رجل كريم خير.
وأيضاً فان صفاته تعالى لا بد لها من موصوف تجرى عليه فلو جعلتها كلها صفات بقيت غير جارية على اسم موصوف بها وهذا محال.
فان قلت: هل لهذا الاسم اشتقاق.
قلت: معنى الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين فصاعداَ معنى واحد وصيغة هذا الاسم وصيغة قولهم: أله إذا تحير ومن أخواته: دله وعله ينتظمهما معنى التحير والدهشة وذلك أن الأوهام تتحير في معرفة المعبود وتدهش الفطن ولذلك كثر الضلال وفشا الباطل وقل النظر الصحيح.
فإن قلت: هل تفخم لأمه قلت: نعم قد ذكر الزجاج أن تفخيمها سنة وعلى ذلك العرب كلهم واطباقهم عليه دليل أنهم ورثوه كابراً عن كابر.
والرحمن فعلان من رحم كغضبان وسكران من غضب وسكر وكذلك الرحيم فعيل منه كمريض وسقيم من مرض وسقم وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم ولذلك قالوا: رحمان الدنيا والاحزة ورحيم الدنيا ويقولون: إن الزيادة في البناء لزيادة المعنى.
وقال الزجاج في الغضبان: هو الممتلئ غضباً.
ومما طَن على أذني من ملح العرب أنهم يسمون مركباً من مراكبهم بالشقدف.
وهو مركب خفيف ليس في ثقل معامل العراق فقلت في طريق الطائف لرجل منهم ما اسم هذا المحمل أردت المحمل العراقي فقال: أليس ذاك اسمه الشقدف.
قلت: بلى فقال: هذا اسمه الشقنداف فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمى وهو من الصفات الغالبة - كالدبران والعيوق والصعق لم يستعمل في غير الله عزوجل كما أنا الله من الأسماء الغالبة.
وأما قول بني حنيفة في مسيلمة: رحمان اليمامة وقول شاعرهم فيه:
فباب من تعنتهم في كفرهم.
فان قلت: كيف تقول: الله رحمان أتصرفه أم لا قْلت: أقيسه على أخواته من بابه أعني: نحو عطشان وغرثان وسكران فلا أصرفه.
فان قلت: قد شرط في امتناع صرف فعلان أن يكون فعلان فعلى واختصاصه باللّه يحظر أن يكون فعلان فعلى فلم تمنعه الصرف.
قلت: كما حظر ذلك أن يكون له مؤنث على فعلى كعطشى فقد حظر أن يكون له مؤنث على فعلانة كندمانة فإذاً لا عبرة بامتناع التأنيث للاختصاص العارض فوجب الرجوع إلى الأصل قبل الاختصاص وهو القياس على نظائره.
فان قلت: ما معنى وصف الله تعالى بالرحمةومعناها العطف والحنو ومنها الرحم لانعطافها على ما فيها.
قلت: هو مجاز عن إنعامه على عبادة لأن الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم أصابهم بمعروفه وانعامه كما أنه إذا أدركته الفظاظة والقسوة عنف بهم ومنعهم خيره ومعروفه.
فان قلت: فلم قذم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه والقياس الترقي من الأدنى إلى الأعلى كقولهم: فلان عالم نحرير وشجاع باسل وجواد فياض قلت: لما قال " اَلرخمَنِ " فتناول جلائل النعم وعظائمها وأصولها أردفه الرحيم كالتتمة والرديف ليتناول ما دق منها ولطف.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:50 PM
فتح القدير للشوكانى
"بسم الله الرحمن الرحيم" اختلف أهل العلم هل هي آية مستقلة في أول كل سورة كتبت في أولها، أو هي بعض آية من أول كل سورة، أو هي كذلك في الفاتحة فقط دون غيرها، أو أنها ليست بآية في الجميع وإنما كتبت للفصل؟ والأقوال وأدلتها مبسوطة في موضع الكلام على ذلك. وقد اتفقوا على أنها بعض آية في سورة النمل. وقد جزم قراء مكة والكوفة بأنها آية من الفاتحة ومن كل سورة. وخالفهم قراء المدينة والبصرة والشام فلم يجعلوها آية لا من الفاتحة ولا من غيرها من السور، قالوا: وإنما كتبت للفصل والتبرك. وقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم. وأخرجه الحاكم في المستدرك. وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن أم سلمة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وغيرها آية" وفي إسناده عمرو بن هارون البلخي وفيه ضعف، وروى نحوه الدارقطني مرفوعاً عن أبي هريرة. وكما وقع الخلاف في إثباتها وقع الخلاف في الجهر بها في الصلاة. وقد أخرج النسائي في سننه، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة "أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة، وقال بعد أن فرغ: إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم" وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم. وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس:" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم "قال الترمذي: وليس إسناده بذاك. وقد أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس بلفظ: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم" ثم قال صحيح. وأخرج البخاري في صحيحه عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كانت قراءته مداً، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم. وأخرج أحمد في المسند وأبو داود في السنن وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه عن أم سلمة أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته بسم الله الرحمن الرحيم "الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين "" وقال الدارقطني: إسناده صحيح. واحتج من قال: بأنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة بما في صحيح مسلم عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ "الحمد لله رب العالمين"". وفي الصحيحين عن أنس قال: "صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بـ "الحمد لله رب العالمين"". ولمسلم "لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها". وأخرج أهل السنن نحوه عن عبد الله بن مغفل. وإلى هذا ذهب الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة. وأحاديث الترك وإن كانت أصح ولكن الإثبات أرجح مع كونه خارجاً من مخرج صحيح، فالأخذ به أولى ولا سيما مع إمكان تأويل الترك، وهذا يقتضي الإثبات الذاتي، أعني كونها قرآناً، والوصفي أعني الجهر بها عند الجهر بقراءة ما يفتتح بها من السور في الصلاة. ولتنقيح البحث والكلام على أطرافه استدلالاً ورداً وتعقباً ودفعاً، ورواية ودراية موضع غير هذا. ومتعلق الباء محذوف وهو أقرأ أو أتلو لأنه المناسب لما جعلت البسملة مبدأ له، فمن قدره متقدماً كان غرضه الدلالة بتقديمه على الاهتمام بشأن الفعل، ومن قدره متأخراً كان غرضه الدلالة بتأخيره على الاختصاص مع ما يحصل في ضمن ذلك من العناية بشأن الاسم والإشارة إلى أن البداية به أهم لكون التبرك حصل به، وبهذا يظهر رجحان تقدير الفعل متأخراً في مثل هذا المقام، ولا يعارضه قوله تعالى: "اقرأ باسم ربك الذي خلق" لأن ذلك المقام مقام القراءة، فكان الأمر بها أهم، وأما الخلاف بين أئمة النحو في كون المقدر اسماً أو فعلاً فلا يتعلق بذلك كثير فائدة. والباء للاستعانة أو للمصاحبة، ورجح الثاني الزمخشري. واسم أصله سمو حذفت لامه، ولما كان من الأسماء التي بنوا أوائلها على السكون زادوا في أوله الهمزة إذا نطقوا به لئلا يقع الابتداء بالساكن، وهو اللفظ الذال على المسمى، ومن زعم أن الاسم هو المسمى كما قاله أبو عبيدة وسيبويه والباقلاني وابن فورك، وحكاه الرازي عن الحشوية والكرامية والأشعرية فقد غلط غلطاً بيناً، وجاء بما لا يعقل، مع عدم ورود ما يوجب المخالفة للعقل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من لغة العرب، بل العلم الضروري حاصل بأن الاسم الذي هو أصوات مقطعة وحروف مؤلفة غير المسمى الذي هو مدلوله، والبحث مبسوط في علم الكلام. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة: "إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة" وقال الله عز وجل: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها" وقال تعالى: "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى". والله علم لذات الواجب الوجود لم يطلق على غيره، وأصله إله حذفت الهمزة وعوضت عنها أداة التعريف فلزمت. وكان قبل الحذف من أسماء الله الأجناس يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق كالنجم والصعق، فهو قبل الحذف من الأعلام الغالبة، وبعده من الأعلام المختصة. والرحمن الرحيم: إسمان مشتقان من الرحمة على طريق المبالغة، ورحمن أشد مبالغة من رحيم. وفي كلام ابن جرير ما يفهم حكاية الاتفاق على هذا، ولذلك قالوا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا. وقد تقرر أن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى. وقال ابن الأنباري والزجاج: إن الرحمن عبراني والرحيم عربي وخالفهما غيرهما. والرحمن من الصفات الغالبة لم يستعمل في غير الله عز وجل. وأما قول بني حنيفة في مسيلمة رحمن اليمامة، فقال في الكشاف: إنه باب من تعنتهم في كفرهم. قال أبو علي الفارسي: الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى، والرحيم إنما هو في جهة المؤمنين، قال الله تعالى: "وكان بالمؤمنين رحيماً" وقد ورد في فضلها أحاديث. منها ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه وابن خزيمة في كتاب البسملة والبيهقي عن ابن عباس قال: استرق الشيطان من الناس أعظم آية من القرآن: بسم الله الرحمن الرحيم. وأخرج الدارقطني بسند ضعيف عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان جبريل إذا جاءني بالوحي أول ما يلقي علي بسم الله الرحمن الرحيم". وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره والحاكم في المستدرك، وصححه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس "أن عثمان بن عفان سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن بسم الله الرحمن الرحيم فقال: هو اسم من أسماء الله، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العين وبياضها من القرب". وأخرج ابن جرير وابن عدي في الكامل وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر في تاريخ دمشق، والثعلبي بسند ضعيف جداً عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عيسى ابن مريم أسلمته أمه إلى الكتاب لتعلمه، فقال له المعلم: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال له عيسى، وما بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال المعلم: لا أدري، فقال له عيسى: الباء بهاء الله، والسين سناه، والميم مملكته، والله إله الآلهة، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة" وفي إسناده إسماعيل بن يحيى وهو كذاب. وقد أورد هذا الحديث ابن الجوزي في الموضوعات. وأخرج ابن مردويه والثعلبي عن جابر قال: لما نزلت بسم الله الرحمن الرحيم هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الريح، وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورجمت الشياطين من السماء، وحلف الله بعزته وجلاله أن لا تسمى على شيء إلا بارك فيه. وأخرج أبو نعيم والديلمي عن عائشة قالت: لما نزلت بسم الله الرحمن الرحيم ضجت الجبال حتى سمع أهل مكة دويها، فقالوا: سحر محمد الجبال، فبعث الله دخاناً حتى أظل على أهل مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم موقناً سبحت معه الجبال إلا أنه لا يسمع ذلك منها". وأخرج الديلمي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله له بكل حرف أربعة آلاف حسنة، ومحا عنه أربعة آلاف سيئة، ورفع له أربعة آلاف درجة". وأخرج الخطيب في الجامع عن أبي جعفر محمد بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بسم الله الرحمن الرحيم مفتاح كل كتاب". وهذه الأحاديث ينبغي البحث عن أسانيدها والكلام عليها بما يتبين بعد البحث إن شاء الله. وقد شرعت التسمية في مواطن كثيرة قد بينها الشارع منها عند الوضوء، وعند الذبيحة، وعند الأكل، وعند الجماع وغير ذلك.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:52 PM
تفسير ( الحمد لله رب العالمين)
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:53 PM
الحمد لله رب العالمين
ابن عثيمين
قوله تعالى: { الحمد لله رب العالمين }: { الحمد } وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم؛ الكمال الذاتي، والوصفي، والفعلي؛ فهو كامل في ذاته، وصفاته، وأفعاله؛ ولا بد من قيد وهو "المحبة، والتعظيم" ؛ قال أهل العلم: "لأن مجرد وصفه بالكمال بدون محبة، ولا تعظيم: لا يسمى حمداً؛ وإنما يسمى مدحاً"؛ ولهذا يقع من إنسان لا يحب الممدوح؛ لكنه يريد أن ينال منه شيئاً؛ تجد بعض الشعراء يقف أمام الأمراء، ثم يأتي لهم بأوصاف عظيمة لا محبة فيهم؛ ولكن محبة في المال الذي يعطونه، أو خوفاً منهم؛ ولكن حمدنا لربنا عزّ وجلّ حمدَ محبةٍ، وتعظيمٍ؛ فلذلك صار لا بد من القيد في الحمدَ أنه وصف المحمود بالكمال مع المحبة، والتعظيم؛ و "أل" في { الحمد } للاستغراق: أي استغراق جميع المحامد..
وقوله تعالى: { لله }: اللام للاختصاص، والاستحقاق؛ و "الله" اسمَ ربنا عزّ وجلّ؛ لا يسمى به غيره؛ ومعناه: المألوه . أي المعبود حباً، وتعظيماً..
وقوله تعالى: { رب العالمين }؛ "الرب" : هو من اجتمع فيه ثلاثة أوصاف: الخلق، والملك، والتدبير؛ فهو الخالق المالك لكل شيء المدبر لجميع الأمور؛ و{ العالمين }: قال العلماء: كل ما سوى الله فهو من العالَم؛ وُصفوا بذلك؛ لأنهم عَلَم على خالقهم سبحانه وتعالى؛ ففي كل شيء من المخلوقات آية تدل على الخالق: على قدرته، وحكمته، ورحمته، وعزته، وغير ذلك من معاني ربوبيته..
الفوائد:
.1 من فوائد الآية: إثبات الحمد الكامل لله عزّ وجلّ، وذلك من "أل" في قوله تعالى: { الحمد }؛ لأنها دالة على الاستغراق..
.2 ومنها: أن الله تعالى مستحق مختص بالحمد الكامل من جميع الوجوه؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابه ما يسره قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات" ؛ وإذا أصابه خلاف ذلك قال: "الحمد لله على كل حال" ..
.3 ومنها: تقديم وصف الله بالألوهية على وصفه بالربوبية؛ وهذا إما لأن "الله" هو الاسم العَلَم الخاص به، والذي تتبعه جميع الأسماء؛ وإما لأن الذين جاءتهم الرسل ينكرون الألوهية فقط..
.4 ومنها: عموم ربوبية الله تعالى لجميع العالم؛ لقوله تعالى:(العالمين.. )
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:54 PM
ابن كثير
الْحَمْدُ للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ
القراء السبعة على ضم الدال في قوله الحمد لله هو مبتدأ وخبر. وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجاج أنهما قالا (الحمد لله) بالنصب وهو على إضمار فعل وقرأ ابن أبي عبلة الحمد لله بضم الدال واللام اتباعاً للثاني الأول وله شواهد لكنه شاذ, وعن الحسن وزيد بن علي {الحمد لله} بكسر الدال اتباعاً للأول الثاني.
قال أبو جعفر بن جرير معنى {الحمدالله} الشكر لله خالصاً دون سائر ما يعبد من دونه, ودون كل ما برأ من خلقه بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد ولا يحيط بعددها غيره أحد, في تصحيح الاَلات لطاعته وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق, وغذاهم من نعيم العيش من غير استحقاق منهم ذلك عليه, ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم, فلربنا الحمد على ذلك كله أولاً وآخراً. وقال ابن جرير رحمه الله: الحمد لله ثناء أثنى به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال: قولوا الحمد لله. قال وقد قيل أن قول القائل الحمد لله ثناء عليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى, وقوله الشكر لله ثناء عليه بنعمه وأياديه ثم شرع في رد ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلاً من الحمد والشكر مكان الاَخر وقد نقل السلمي هذا المذهب أنهما سواء عن جعفر الصادق وابن عطاء من الصوفية, وقال ابن عباس الحمد لله كلمة كل شاكر, وقد استدل القرطبي لابن جرير بصحة قول القائل الحمد لله شكراً, وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر, لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية, والشكر لا يكون إلا على المتعدية ويكون بالجنان واللسان والأركان كما قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة:يدي ولساني والضمير المحجبا
ولكنهم اختلفوا أيهما أعمّ الحمد أو الشكر على قولين والتحقيق أن بينهما عموماً وخصوصاً فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية, تقول حمدته لفروسيته وحمدته لكرمه وهو أخص, لأنه لا يكون إلا بالقول, والشكر أعم من حيث ما يقعان عليه لأنه يكون بالقول والفعل والنية كما تقدم وهو أخص لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية لا يقال شكرته لفروسيته وتقول شكرته على كرمه وإحسانه إليّ. هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين والله أعلم.
وقال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري: الحمد نقيض الذم, تقول حمدت الرجل أحمده حمداً ومحمدة فهو حميد ومحمود والتحميد أبلغ من الحمد, والحمد أعم من الشكر, وقال في الشكر هو الثناء على المحسن بما أولاه من المعروف يقال شكرته وشكرت له وباللام أفصح. وأما المدح فهو أعم من الحمد لأنه يكون للحي وللميت وللجماد أيضاً كما يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك ويكون قبل الإحسان وبعده, وعلى الصفات المتعدية واللازمة أيضاً فهو أعم.
ذكر أقوال السلف في الحمد
قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو معمر القطيعي حدثنا حفص عن حجاج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عمر رضي الله عنه: قد علمنا سبحان الله ولا إله إلا الله, فما الحمد لله, فقال علي: كلمة رضيها الله لنفسه, ورواه غير أبي معمر عن حفص فقال: قال عمر لعلي ـ وأصحابه عنده ـ: لا إله إلا الله وسبحان الله والله أكبر قد عرفناها فما الحمد لله ؟ قال علي: كلمة أحبها الله تعالى لنفسه ورضيها لنفسه وأحب أن تقال, وقال علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران: قال ابن عباس: الحمد لله كلمة الشكر وإذا قال العبد الحمد لله قال: شكرني, عبدي رواه ابن أبي حاتم, وروى أيضاً هو وابن جرير من حديث بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال الحمد لله هو الشكر لله هو الاستخذاء له والإقرار له بنعمته وهدايته وابتدائه وغير ذلك, وقال كعب الأحبار: الحمد لله ثناء الله, وقال الضحاك: الحمد لله رداء الرحمن, وقد ورد الحديث بنحو ذلك.
قال ابن جرير: حدثنا سعيد بن عمرو السكوني حدثنا بقية بن الوليد حدثني عيسى بن إبراهيم عن موسى بن أبي حبيب عن الحكم بن عمير وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قلت الحمد لله رب العالمين فقد شكرت الله فزادك, وقد روى الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا روح حدثنا عوف عن الحسن عن الأسود بن سريع قال: قلت يا رسول الله ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي تبارك وتعالى فقال: «أما إن ربك يحب الحمد» ورواه النسائي عن علي بن حجر عن ابن علية عن يونس بن عبيد عن الحسن الأسود بن سريع به. وروى أبو عيسى الحافظ الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث موسى بن إبراهيم بن كثير عن طلحة بن خراش عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أفضل الذكر لا إله إلا الله, وأفضل الدعاء الحمد لله» وقال الترمذي حسن غريب, وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد الله إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ» وقال القرطبي في تفسيره وفي نوادر الأصول عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن الدنيا بحذافيرها في يد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله كان الحمد لله أفضل من ذلك» قال القرطبي وغيره أي لكان إلهامه الحمد لله أكثر نعمة عليه من نعم الدنيا لأن ثواب الحمد لله لا يفنى ونعيم الدنيا لا يبقى قال الله تعالى: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً} وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم أن عبداً من عباد الله قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى الله فقالا يا ربنا إن عبداً قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها, قال الله, وهو أعلم بما قال عبده, ماذا قال عبدي ؟ قالا يا رب إنه قال: لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فقال الله لهما «اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها» وحكى القرطبي عن طائفة أنهم قالوا قول العبد الحمد لله رب العالمين أفضل من قوله لا إله إلا الله لاشتمال الحمد لله رب العالمين على التوحيد مع الحمد, وقال آخرون لا إله إلا الله أفضل لأنها تفصل بين الإيمان والكفر وعليها يقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, كما ثبت في الحديث المتفق عليه وفي الحديث الاَخر: «أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له» وقد تقدم عن جابر مرفوعاً «أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله» وحسنه الترمذي والألف واللام في الحمد لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى كما جاء في الحديث «اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله» الحديث.
والرب هو المالك المتصرف ويطلق في اللغة على السيد وعلى المتصرف للإصلاح وكل ذلك صحيح في حق الله ولا يستعمل الرب لغير الله بل بالإضافة تقول: رب الدار, رب كذا, وأما الرب فلا يقال إلا الله عز وجل, وقد قيل إنه الاسم الأعظم. والعالمين جمع عالم وهو كل موجود سوى الله عز وجل والعالم جمع لا واحد له من لفظه, والعوالم أصناف المخلوقات في السموات وفي البر والبحر وكل قرن منها وجيل يسمى عالماً أيضاً. قال بشر بن عمار عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس {الحمد لله رب العالمين} الحمد لله الذي له الخلق كله السموات والأرض وما فيهنّ وما بينهن مما نعلم ومما لا نعلم. وفي رواية سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس: رب الجن والإنس, وكذلك قال سعيد بن جبير ومجاهد وابن جريج وروي عن علي نحوه قال ابن أبي حاتم بإسناده لا يعتمد عليه, واستدل القرطبي لهذا القول بقوله تعالى: {ليكون للعالمين نذيراً} وهم الجن والإنس. قال الفراء وأبو عبيد: العالم عبارة عما يعقل وهم الإنس والجن والملائكة والشياطين ولا يقال للبهائم عالم. وعن زيد بن أسلم وأبي محيصن العالم كل ما له روح ترفرف. وقال قتادة: رب العالمين كل صنف عالم, وقال الحافظ ابن عساكر في ترجمة مروان بن محمد وهو أحد خلفاء بني أمية وهو يعرف بالجعد ويلقب بالحمار أنه قال خلق الله سبعة عشر ألف عالم أهل السموات وأهل الأرض عالم واحد وسائرهم لا يعلمهم إلا الله عز وجل.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: {رب العالمين} قال الإنس عالم وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف أو أربعة عشر ألف عالم ـ هو يشك ـ الملائكة على الأرض وللأرض أربع زوايا, في كل زاوية ثلاثة ألاف عالم وخمسمائة عالم خلقهم الله لعبادته. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وهذا كلام غريب يحتاج مثله إلى دليل صحيح. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هشام بن خالد حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الفرات, يعني ابن الوليد, عن معتب بن سمي عن سبيع يعني الحميري في قوله تعالى: {رب العالمين} قال: العالمين ألف أمة فستمائة في البحر وأربعمائة في البر, وحكي مثله عن سعيد بن المسيب وقد روي نحو هذا مرفوعاً كما قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى في مسنده: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد حدثني محمد بن عيسى بن كيسان حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قلّ الجراد في سنة من سني عمر التي ولي فيها, فسأل عنه فلم يخبر بشيء, فاغتم لذلك, فأرسل راكباً يضرب إلى اليمن وآخر إلى الشام وآخر إلى العراق يسأل هل رؤي من الجراد بشيء, أم لا قال فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد, فألقاها بين يديه فلما رآها كبر ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «خلق الله ألف أمة: ستمائة في البحر وأربعمائة في البر, فأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد فإذا هلك تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه» محمد بن عيسى هذا وهو الهلالي ضعيف وحكى البغوي عن سعيد بن المسيب أنه قال لله ألف عالم ستمائة في البحر وأربعمائة في البر وقال وهب بن منبه لله ثمانية عشر ألف عالم الدنيا عالم منها, وقال مقاتل: العوالم ثمانون ألفاً, وقال كعب الأحبار لا يعلم عدد العوالم إلا الله عز وجل نقله البغوي. وحكى القرطبي عن أبي سعيد الخدري أنه قال إن لله أربعين ألف عالم الدنيا من شرقها إلى مغربها عالم واحد منها, وقال الزجاج العالم كل ما خلق الله في الدنيا والاَخرة قال القرطبي: وهذا هو الصحيح إنه شامل لكل العالمين كقوله: {قال فرعون وما رب العالمين ؟ * قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين} والعالم مشتق من العلامة (قلت) لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته كما قال ابن المعتز:
فيا عجباً كيف يعصى الإلهأم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آيةتدل على أنه واحد
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:55 PM
أضواء البيان للشنقيطى
، لم يذكر لحمده هنا ظرفًا مكانيًا ولا زمانيًا . وذكر في سورة الروم أن من ظروفه المكانية: السماوات والأرض في قوله : {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ}، وذكر في سورة القصص أن من ظروفه الزمانية : الدنيا والآخرة في قوله : {وَهُوَ ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلاْولَىٰ وَٱلاْخِرَةِ}، وقال في أول سورة سبأ : {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلاْخِرَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} والألف واللام في {ٱلْحَمْدُ} لاستغراق جميع المحامد . وهو ثناء أثنى به تعالىٰ على نفسه وفي ضمْنه أمَرَ عباده أن يثنوا عليه به.
وقوله تعالىٰ : {رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} لم يبين هنا ما العالمون ، وبين ذلك في موضع آخر بقوله : {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * قَالَ رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا}
قال بعض العلماء : اشتقاق العالم من العلامة ، لأن وجود العالم علامة لا شك فيها على وجود خالقه متصفًا بصفات الكمال والجلال ، قال تعالىٰ : {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لاَيَـٰتٍ لاِوْلِى ٱلاْلْبَـٰبِ}، والآية في اللغة : العلامة .
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:56 PM
البغوى
" الحمد لله " لفظه خبر كأنه يخبر أن المستحق للحمد هو الله عز وجل وفيه تعليم الخلق تقديره قولوا الحمد لله والحمد يكون بمعنى الشكر على النعمة، ويكون بمعنى الثناء عليه بما فيه من الخصال الحميدة. يقال حمدت فلاناً على ما أسدى إلي من النعمة وحمدته على علمه وشجاعته، والشكر لا يكون إلا على النعمة، فالحمد أعم من الشكر إذ لا يقال شكرت فلاناً على علمه فكل حامد شاكر وليس كل شاكر حامداً. وقيل: الحمد باللسان قولاً: والشكر بالأركان فعلاً قال الله تعالى " وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً " (11 - الإسراء) وقال " اعملوا آل داود شكراً " (123 - سبأ). قوله " لله " اللام فيه للاستحقاق كما يقال الدار لزيد. قوله " رب العالمين " فالرب يكون بمعنى المالك كما يقال لمالك الدار: رب الدار: ويقال: رب الشيء إذا ملكه، ويكون بمعنى التربية والإصلاح، يقال: رب فلان الضيعة يربها إذا أتممها وأصلحها فهو رب مثل طب، وبر. فالله تعالى مالك العالمين ومربيهم، ولا يقال للمخلوق هو الرب معرفاً إنما يقال رب كذا مضافاً، لأن الألف واللام للتعميم وهو لا يملك الكل. و"العالمين " جمع عالم، لا واحد له في لفظه واختلفوا في العالمين قال ابن عباس: هم الجن والإنس لأنهم المكلفون بالخطاب قال الله تعالى: " ليكون للعالمين نذيراً " (1 - الفرقان) وقال قتادة و مجاهد و الحسن : هم جميع المخلوقات. قال الله تعالى: " قال فرعون وما رب العالمين * قال رب السماوات والأرض وما بينهما " (23 - 24 الشعراء) واشتقاقه من العلم والعلامة سموا به لظهور أثر الصنعة فيهم قال أبو عبيد: هم أربعة أمم: الملائكة، والأإنس، والجن، والشياطين، مشتق من العلم، ولا يقال للبهائم عالم لأنها لا تعقل، واختلفوا في مبلغهم قال سعيد بن المسيب لله ألف عالم ستمائة في البحر وأربعمائة في البر وقال مقاتل بن حيان : لله ثمانون ألف عالم أربعون ألفاً في البحر وأربعون ألفاً في البر. وقال وهب : لله ثمانية عشر ألف عالم الدنيا عالم منها، وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في صحراء. وقال كعب الأحبار: لا يحصي عدد العالمين أحد إلا الله قال الله تعالى: " وما يعلم جنود ربك إلا هو " (31 - المدثر).
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:56 PM
البيضاوى
. ^ الحمد لله ^ الحمد هو الثناء على الجميل الاختياري من نعمة أو غيرها والمدح هو الثناء على الجميل مطلقا تقول حمدت زيدا على علمه وكرمه ولا تقول حمدته على حسنه بل مدحته وقيل هما أخوان والشكر مقابلة النعمة قولا وعملا واعتقادا قال
أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المحجبا
فهو أعم منهما من وجه وأخص من آخر ولما كان الحمد من شعب الشكر أشيع للنعمة وأدل على مكانها لخفاء الاعتقاد وما في آداب الجوارح من الاحتمال جعل رأس الشكر والعمدة فيه فقال عليه الصلاة والسلام الحمد رأس الشكر وما شكر الله من لم يحمده .
والذم نقيض الحمد والكفران نقيض الشكر ورفعه بالابتداء وخبره لله وأصله النصب
وقد قرىء به وإنما عدل عنه إلى الرفع ليدل على عموم الحمد وثباته له دون تجدده وحدوثه وهو من المصادر التي تنصب بأفعال مضمرة لا تكاد تستعمل معها والتعريف فيه
للجنس ومعناه الإشارة إلى ما يعرف كل أحد أن الحمد ما هو أو للاستغراق إذ الحمد
في الحقيقة كله له إذ ما من خير إلا وهو موليه بوسط أو بغير وسط كما قال تعالى وما
^ بكم من نعمة فمن الله ^ وفيه إشعار بأنه تعالى حي قادر مريد عالم إذ الحمد لا يستحقه
إلا من كان هذا شأنه وقرىء الحمد لله بإتباع الدال اللام وبالعكس تنزيلا لهما من حيث إنهما يستعملان معا منزلة كلمة واحدة . ^ رب العالمين ^ الرب في الأصل مصدر بمعنى التربية وهي تبليغ الشيء إلى
كماله شيئا فشيئا ثم وصف به للمبالغة كالصوم والعدل وقيل هو نعت من ربه يربه فهو رب كقولك نم ينم فهو نم ثم سمى به المالك لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيدا كقوله ^ ارجع إلى ربك ^ والعالم اسم لما يعلم به كالخاتم
والقالب غلب فيما يعلم به الصانع تعالى وهو كل ما سواه من الجواهر والأعراض فإنها لإمكانها وافتقارها إلى مؤثر واجب لذاته تدل على وجوده وإنما جمعه ليشمل ما تحته من الأجناس المختلفة وغلب العقلاء منهم فجمعه بالياء والنون كسائر أوصافهم وقيل اسم وضع لذوي العلم من الملائكة والثقلين وتناوله لغيرهم على سبيل الاستتباع وقيل عني به الناس ههنا فإن كل واحد منهم عالم من حيث إنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير من الجواهر والأعراض يعلم بها الصانع كما يعلم بما أبدعه في العالم الكبير ولذلك سوى بين النظر فيهما وقال تعالى ^ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ^ وقرىء ^ رب العالمين ^ بالنصب على المدح أو النداء أو بالفعل الذي دل عليه الحمد وفيه دليل على أن
الممكنات كما هي مفتقرة إلى المحدث حال حدوثها فهي مفتقرة إلى المبقي حال بقائها
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:57 PM
التحرير والتنوير لإبن عاشور
ولما لقن المؤمنون هاته المناجاة البديعة التي لا يهتدي إلى الإحاطة بها في كلامه غير علام الغيوب سبحانه قدم الحمد عليها ليضعه المناجون كذلك في مناجاتهم جريا على طريقة بلغاء العرب عند مخاطبة العظماء أن يفتتحوا خطابهم إياهم وطلبتهم بالثناء والذكر الجميل. قال أمية ابن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان: أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه عن تعرضه الثناء
فكان افتتاح الكلام بالتحميد، سنة الكتاب المجيد، لكل بليغ مجيد، فلم يزل المسلمون من يومئذ يلقبون كل كلام نفيس لم يشتمل في طالعه على الحمد بالأبتر أخذا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أو بالحمد فهو أقطع . وقد لقبت خطبة زياد ابن أبي سفيان التي خطبها بالبصرة بالبتراء لأنه لم يفتتحها بالحمد. وكانت سورة الفاتحة لذلك منزلة من القرآن منزلة الديباجة للكتاب أو المقدمة للخطبة. ولذلك شأن مهم في صناعة الإنشاء فإن تقديم المقدمة بين يدي المقصود أعون للأفهام وأدعى لوعيها.
والحمد هو الثناء على الجميل أي الوصف الجميل الاختياري فعلا كان كالكرم وإغاثة الملهوف أم غيره كالشجاعة. وقد جعلوا الثناء جنسا للحمد فهو أعم منه ولا يكون ضده. فالثناء الذكر بخير مطلقا وشذ من قال يستعمل الثناء في الذكر مطلقا ولو بشر، ونسبا إلى ابن القطاع وغره في ذلك ما ورد في الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار وإنما هو مجاز دعت إليه المشاكلة اللفظية والتعريض بأن من كان متكلما في مسلم فليتكلم بثناء أو ليدع، فسمى ذكرهم بالشر ثناء تنبيها على ذلك. وأما الذي يستعمل في الخير والشر فهو النثاء بتقديم النون وهو في الشر أكثر كما قيل. وأما المدح فقد اختلف فيه فذهب الجمهور إلى أن المدح أعم من الحمد فإنه يكون على الوصف الاختياري وغيره. وقال صاحب الكشاف الحمد والمدح أخوان فقيل أراد أخوان في الاشتقاق الكبير نحو جبذ وجذب، وإن ذلك اصطلاح له في الكشاف في معنى أخوة اللفظين لئلا يلزم من ظاهر كلامه أن المدح يطلق على الثناء على الجميل الاختياري، لكن هذا فهم غير مستقيم والذي عليه المحققون من شراح الكشاف أنه أراد من الأخوة هنا الترادف لأنه ظاهر كلامه؛ ولأنه صريح قوله في الفائق الحمد هو المدح والوصف بالجميل ولأنه ذكر الذم نقيضا للحمد إذ قال في الكشاف والحمد نقيضه الذم مع شيوع كون الذم نقيضا للمدح، وعرف علماء اللغة أن يريدوا من النقيض المقابل لا ما يساوي النقيض حتى يجاب بأنه أراد من النقيض ما لا يجامع المعنى والذم لا يجامع الحمد وإن لم يكن معناه رفع معنى الحمد بل رفع معنى المدح إلا أن نفي الأعم وهو المدح يستلزم نفي الأخص وهو الحمد لأن هذا لا يقصده علماء اللغة، يعني وإن اغتفر مثله في استعمال العرب كقول زهير: ومن يجعل المعروف في غير أهله يكن حمـده ذمـا عـلـيه وينـدم لأن كلام العلماء مبني على الضبط والتدقيق.
ثم اختلف في مراد صاحب الكشاف من ترادفهما هل هما مترادفان في تقييدهما بالثناء على الجميل الاختياري، أو مترادفان في عدم التقييد بالاختياري، وعلى الأول حمله السيد الشريف وهو ظاهر كلام سعدالدين، واستدل السيد بأنه صرح بذلك في قوله تعالى )ولكن الله حبب إليكم الإيمان( إذ قال فإن قلت فإن العرب تمدح بالجمال وحسن الوجوه وهو مدح مقبول عند الناس، قلت الذي سوغ ذلك أنهم رأوا حسن الرواء ووسامة المنظر في الغالب يسفر عن مخبر مرض وأخلاق محمودة، على أن من محققة الثقات وعلماء المعاني من دفع صحة ذلك وخطأ المادح به وقصر المدح على النعت بأمهات الخير وهي كالفصاحة والشجاعة والعدل والعفة وما يتشعب عنها ا ه. وعلى المحمل الثاني وهو أن يكون قصد من الترادف إلغاء قيد الاختياري في كليهما حمله المحقق عبد الحكيم السلكوتي في حواشي التفسير فرضا أو نقلا لا ترجيحا بناء على أنه ظاهر كلامه في الكشاف والفائق إذ ألغى قيد الاختياري في تفسير المدح بالثناء على الجميل وجعلهما مع ذلك مترادفين.
وبهذا يندفع الإشكال عن حمدنا الله تعالى على صفاته الذاتية كالعلم والقدرة دون صفات الأفعال وإن كان اندفاعه على اختيار الجمهور أيضا ظاهرا؛ فإن ما ورد عليهم من أن مذهبهم يستلزم أن لا يحمد الله تعالى على صفاته لأنها ذاتية فلا توصف بالاختيار إذ الاختيار يستلزم إمكان الاتصاف، وقد أجابوا عنه إما بأن تلك الصفات العلية نزلت منزلة الاختيارية لاستقلال موصوفها، وإما بأن ترتب الآثار الاختيارية عليها يجعلها كالاختيارية، وإما بأن المراد بالاختيارية أن يكون المحمود فاعلا بالاختيار وإن لم يكن المحمود عليه اختياريا. وعندي أن الجواب أن نقول إن شرط الاختياري في حقيقة الحمد عند مثبته لإخراج الصفات غير الاختيارية لأن غير الاختياري فينا ليس من صفات الكمال إذ لا تترتب عليها الآثار الموجبة للحمد، فكان شرط الاختيار في حمدنا زيادة في تحقق كمال المحمود، أما عدم الاختيار المختص بالصفات الذاتية الإلهية فإنه ليس عبارة عن نقص في صفاته ولكنه كمال نشأ من وجوب الصفة للذات لقدم الصفة فعدم الاختيار في صفات الله تعالى زيادة في الكمال لأن أمثال تلك الصفات فينا لا تكون واجبة للذات ملازمة لها فكان عدم الاختيار في صفات الله تعالى دليلا على زيادة الكمال وفينا دليلا على النقص، وما كان نقصا فينا باعتبار ما قد يكون كمالا لله تعالى باعتبار آخر مثل عدم الولد، فلا حاجة إلى الأجوبة المبنية على التنزيل إما باعتبار الصفة أو باعتبار الموصوف، على أن توجيه الثناء إلى الله تعالى بمادة حمد هو أقصى ما تسمى به اللغة الموضوعة لأداء المعاني المتعارفة لدى أهل تلك اللغة، فلما طرأت عليهم المدارك المتعلقة بالحقائق العالية عبر لهم عنها بأقصى ما يقربها من كلامهم.
الحمد مرفوع بالابتداء في جميع القراءات المروية وقوله )لله( خبره فلام )لله( متعلق بالكون والاستقرار العام كسائر المجرورات المخبر بها وهو هنا من المصادر التي أتت بدلا عن أفعالها في معنى الإخبار، فاصله النصب على المفعولية المطلقة على أنه بدل من فعله وتقدير الكلام نحمد حمدا لله، فلذلك التزموا حذف أفعالها معها. قال سيبويه هذا باب ما ينصب من المصادر على إضمار الفعل غير المستعمل إظهاره وذلك قولك سقيا ورعيا وخيبة وبؤسا، والحذر بدلا عن احذر فلا يحتاج إلى متعلق وأما قولهم سقيا لك نحو: سقيا ورعيا لذاك العاتب الزاري فإنما هو ليبينوا المعنى بالدعاء. ثم قال بعد أبواب: هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره من المصادر في غير الدعاء، من ذلك قولك: حمدا وشكرا، لا كفرا وعجبا، فإنما ينتصب هذا على إضمار الفعل كأنك قلت أحمد الله حمدا وإنما اختزل الفعل هاهنا لأنهم جعلوا هذا بدلا من اللفظ بالفعل كما فعلوا ذلك في باب الدعاء وقد جاء بعض هذا رفعا يبتدأ به ثم يبني عليه أي يخبر عنه . ثم قال بعد باب آخر: هذا باب يختار فيه أن تكون المصادر مبتدأة مبنيا عليها ما بعدها، وذلك قولك: الحمد لله، والعجب لك، والويل له، وإنما استحبوا الرفع فيه لأنه صار معرفة وهو خبر أي غير إنشاء فقوى في الابتداء أي أنه لما كان خبرا لا دعاء وكان معرفة بأل تهيأت فيه أسباب الابتداء لأن كونه في معنى الإخبار يهيئ جانب المعنى للخبرية وكونه معرفة يصحح أن يكون مبتدأ بمنزلة عبدالله، والرجل، والذي تعلم من المعارف لأن الابتداء إنما هو خبر وأحسنه إذا اجتمع معرفة ونكرة أن تبدأ بالأعراف وهو أصل الكلام. وليس كل حرف أي تركيب يصنع به ذاك، كما أنه ليس كل حرف أي كلمة من هذه المصادر يدخل فيه الألف واللام، فلو قلت السقي لك والرعي لك لم يجز يعني يقتصر فيه على السماع .
واعلم أن الحمد لله وإن ابتدأته ففيه معنى المنصوب وهو بدل من اللفظ بقولك: أحمد الله.
وسمعنا ناسا من العرب كثيرا يقولون: التراب لك والعجب لك، فتفسير نصب هذا كتفسيره حيث كان نكرة، كأنك قلت: حمدا وعجبا، ثم جئت ب لك لتبين من تعني ولم تجعله مبنيا عليه فتبتدئه .
انتهى كلام سيبويه باختصار. وإنما جلبناه هنا لأنه أفصح كلام عن أطوار هذا المصدر في كلام العرب واستعمالهم، وهو الذي أشار له صاحب الكشاف بقوله وأصله النصب بإضمار فعله على أنه من المصادر التي ينصبها العرب بأفعال مضمرة في معنى الإخبار كقولهم شكرا، وكفرا، وعجبا، ينزلزنها منزلة أفعالها ويسدون بها مسدها، ولذلك لا يستعملونها معها والعدول بها عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات المعنى الخ.
ومن شأن بلغاء العرب أنهم لا يعدلون عن الأصل إلا وهم يرمون إلى غرض عدلوا لأجله، والعدول عن النصب هنا إلى الرفع ليتأتى لهم: الدلالة على الدوام والثبات بمصير الجملة اسمية؛ والدلالة على العموم المستفاد في المقام من أل الجنسية، والدلالة على الاهتمام المستفاد من التقديم. وليس واحد من هذه الثلاثة بممكن الاستفادة لو بقي المصدر منصوبا إذ النصب يدل على الفعل المقدر والمقدر كالملفوظ فلا تكون الجملة اسمية إذ الاسم فيها نائب عن الفعل فهو ينادي على تقدير الفعل فلا يحصل الدوام. ولأنه لا يصح معه اعتبار التقديم فلا يحصل الاهتمام، ولأنه وإن صح اجتماع الألف واللام مع النصب كما قريء بذلك وهي لغة تميم كما قال سيبويه فالتعريف حينئذ لا يكون دالا على عموم المحامد لأنه إن قدر الفعل أحمد بهمزة المتكلم فلا يعم إلا تحميدات المتكلم دون تحميدات جميع الناس، وإن قدر الفعل نحمد وأريد بالنون جميع المؤمنين بقرينة )اهدنا الصراط المستقيم( وبقرينة )إياك نعبد( فإنما يعم محامد المؤمنين أو محامد الموحدين كلهم، كيف وقد حمد أهل الكتاب الله تعالى وحمده العرب في الجاهلية. قال أمية بن أبي الصلت: الحمد لله حمدا لا انقطاع له فليس إحسانه عنا بمقطوع أما إذا صار الحمد غير جار على فعل فإنه يصير الإخبار عن جنس الحمد بأنه ثابت لله فيعم كل حمد كما سيأتي. فهذا معنى ما نقل عن سيبويه أنه قال: إن الذي يرفع الحمد يخبر أن الحمد منه ومن جميع الخلق والذي ينصب يخبر أن الحمد منه وحده لله تعالى. واعلم أن قراءة النصب وإن كانت شاذة إلا أنها مجدية هنا لأنها دلت على اعتبار عربي في تطور هذا التركيب المشهور، وأن بعض العرب نطقوا به في حال التعريف ولم ينسوا أصل المفعولية المطلقة. فقد بان أن قوله الحمد لله أبلغ من الحمد لله بالنصب، وأن الحمد لله بالنصب والتعريف أبلغ من حمدا لله بالتنكير. وإنما كان الحمد لله بالرفع أبلغ لأنه دال على الدوام والثبات.
قال في الكشاف إن العدول عن النصب إلى الرفع للدلالة على ثبات المعنى واستقراره ومنه قوله تعالى )قالوا سلاما قال سلام( رفع السلام الثاني للدلالة على أن إبراهيم عليه السلام حياهم بتحية أحسن من تحيتهم اه.
فإن قلت وقع الاهتمام بالحمد مع أن ذكر اسم الله تعالى أهم فكان الشأن تقديم اسم الله تعالى وإبقاء الحمد غير مهتم به حتى لا يلجأ إلى تغييره عن النصب إلى الرفع لأجل هذا الاهتمام، قلت: قدم الحمد لأن المقام هنا مقام الحمد إذ هو ابتداء أولى النعم بالحمد وهي نعمة تنزيل القرآن الذي فيه نجاح الدارين، فتلك المنة من أكبر ما يحمد الله عليه من جلائل صفات الكمال لا سيما وقد اشتمل القرآن على كمال المعنى واللفظ والغاية فكان خطوره عند ابتداء سماع إنزاله وابتداء تلاوته مذكرا بما لمنزله تعالى من الصفات الجميلة، وذلك يذكر بوجوب حمده وأن لا يغفل عنه فكان المقام مقام الحمد لا محالة، فلذلك قدم وأزيل عنه ما يؤذن بتأخره لمنافاته الاهتمام. ثم إن ذلك الاهتمام تأتى به اعتبار الاهتمام بتقديمه أيضا على ذكر الله تعالى اعتدادا بأهمية الحمد العارضة في المقام وإن كان ذكر الله أهم في نفسه لأن الأهمية العارضة تقدم على الأهمية الأصلية لأنها أمر يقتضيه المقام والحال والآخر يقتضيه الواقع، والبلاغة هي المطابقة لمقتضى الحال والمقام، ولأن ما كان الاهتمام به لعارض هو المحتاج للتنبيه على عارضه إذ قد يخفى، بخلاف الأمر المعروف المقرر فلا فائدة في التنبيه عليه بل ولا يفيته التنبيه على غيره.
فإن قلت كيف يصح كون تقديم الحمد وهو مبتدأ مؤذنا بالاهتمام مع أنه الأصل، وشأن التقديم المفيد للاهتمام هو تقديم ما حقه التأخير.
قلت لو سلم ذلك فإن معنى تقديمه هو قصد المتكلم للإتيان به مقدما مع إمكان الإتيان به مؤخرا؛ لأن للبلغاء صيغتين متعارفتين في حمد الله تعالى إحداهما الحمد لله كما في الفاتحة والأخرى لله الحمد كما في سورة الجاثية.
وأما قصد العموم فسيتضح عند بيان معنى التعريف فيه.
والتعريف فيه بالألف واللام تعريف الجنس لأن المصدر هنا في الأصل عوض عن الفعل فلا جرم أن يكون الدال على الفعل والساد مسده دالا على الجنس فإذا دخل عليه اللام فهو لتعريف مدلوله لأن اللام تدل على التعريف للمسمى فإذا كان المسمى جنسا فاللام تدل على تعريفه. ومعنى تعريف الجنس أن هذا الجنس هو معروف عند السامع فإذا قلت: الحمد لله أو العجب لك، فكأنك تريد أن هذا الجنس معروف لديك ولدى مخاطبك لا يلتبس بغيره كما أنك إذا قلت الرجل وأردت معينا في تعريف العهد النحوي فإنك تريد أن هذا الواحد من الناس معروف بينك وبين مخاطبك فهو في المعنى كالنكرة من حيث إن تعريف الجنس ليس معه كبير معنى إذ تعين الجنس من بين بقية الأجناس حاصل بذكر لفظة الدال عليه لغة وهو كاف في عدم الدلالة على غيره؛ إذ ليس غيره من الأجناس بمشارك له في اللفظ ولا متوهم دخوله معه في ذهن المخاطب بخلاف تعريف العهد الخارجي فإنه يدل على واحد معين بينك وبين مخاطبك من بين بقية أفراد الجنس التي يشملها اللفظ، فلا يفيد هذا التعريف أعني تعريف الجنس إلا توكيد اللفظ وتقريره وإيضاحه للسامع؛ لأنك لما جعلته معهودا فقد دللت على أنه واضح ظاهر، وهذا يقتضي الاعتناء بالجنس وتقريبه من المعروف المشهور، وهذا معنى قول صاحب الكشاف وهو نحو التعريف في أرسلها العراك، ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما هو والعراك ما هو من بين أجناس الأفعال وهو مأخوذ من كلام سيبويه.
وليست لام التعريف هنا للاستغراق لما علمت أنها لام الجنس ولذلك قال صاحب الكشاف والاستغراق الذي توهمه كثير من الناس وهم منهم غير أن معنى الاستغراق حاصل هنا بالمثال لأن الحكم باختصاص جنس الحمد به تعالى لوجود لام تعريف الجنس في قوله )الحمد( ولام الاختصاص في قوله )الله( يستلزم انحصار أفراد الحمد في التعلق باسم الله تعالى لأنه إذا اختص الجنس اختصت الأفراد؛ إذ لو تحقق فرد من أفراد الحمد لغير الله تعالى لتحقق الجنس في ضمنه فلا يتم معنى اختصاص الجنس المستفاد من لام الاختصاص الداخلة على اسم الجلالة، ثم هذا الاختصاص اختصاص ادعائي فهو بمنزلة القصر الادعائي للمبالغة.
واللام في قوله تعالى )لله( يجوز أن يكون للاختصاص على أنه اختصاص ادعائي كما مر، ويجوز أن يكون لام التقوية قوت تعلق العامل بالمفعول لضعف العامل بالفرعية وزاده التعريف باللام ضعفا لأنه أبعد شبهه بالأفعال، ولا يفوت معنى الاختصاص لأنه قد استفيد من تعريف الجزأين.
هذا وقد اختلف في أن جملة الحمد هل هي خبر أو إنشاء فإن لذلك مزيد تعلق بالتفسير لرجوعه إلى المعنى بقول القائل: الحمد لله.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:58 PM
الدر المنثور للسيوطى
- قوله تعالى: الحمد لله (رب العالمين)
%أخرج عبد الرزاق في المصنف والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والخطابي في الغريب والبيهقي في الأدب والديلمي في مسند الفردوس والثعلبي عن عبد الله بن عمرو بن العاص"عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ {الحمد} رأس الشكر، فما شكر الله عبد لا يحمده".
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن النواس بن سمعان قال: سرقت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "لئن ردها الله لأشكرن ربي، فوقعت في حي من أحياء العرب فيهم امرأة مسلمة، فوقع في خلدها أن تهرب عليها، فرأت من القوم غفلة فقعدت عليها ثم حركتها فصبحت بها المدينة، فلما رآها المسلمون فرحوا بها، ومشوا بمجئها حتى أتوا رسول الله فلما رآها قال {الحمد لله} فانتظروا هل يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم صوما أو صلاة؟ فظنوا أنه نسي فقالوا: يا رسول الله قد كنت قلت لئن ردها الله لأشكرن ربي. قال: ألم أقل {الحمد لله}؟ ".
وأخرج ابن جرير والحاكم في تاريخ نيسابور والديلمي بسند ضعيف عن الحكم بن عمير وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا قلت {الحمد لله رب العالمين} فقد شكرت الله فزادك".
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال {الحمد لله} كلمة الشكر إذا قال العبد {الحمد لله} قال الله شكرني عبدي.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: {الحمد} هو الشكر والاستحذاء لله، والإقرار بنعمه، وهدايته، وابتدائه. وغير ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال عمر: قد علمنا سبحان الله، ولاإله إلا الله، فما الحمد؟ قال علي: كلمة رضيها الله لنفسه، وأحب أن تقال.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن كعب قال {الحمد لله} ثناء على الله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال {الحمد} رداء الرحمن.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن الجبائي قال: الصلاة شكر، والصيام شكر، وكل خير تفعله لله شكر، وأفضل الشكر {الحمد}.
وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي في شعب الإيمان عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء {الحمد لله} ".
وأخرج ابن ماجه والبيهقي بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أنعم الله على عبده نعمة فقال {الحمد لله} إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذه".
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من عبد ينعم عليه بنعمة إلا كان {الحمد} أفضل منها".
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي في الشعب عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أنعم الله على عبد نعمة يحمد الله عليها إلا كان كان حمد الله أعظم منها، كائنة ما كانت".
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو أن الدنيا كلها بحذافيرها في يد رجل من أمتي، ثم قال {الحمد لله} لكان الحمد أفضل من ذلك".
وأخرج أحمد ومسلم والنسائي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الطهور شطر الإيمان {والحمد لله} تملأ الميزان، وسبحان الله تملآن - أو تملأ - ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها".
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي وحسنه وابن مردويه عن رجل من بني سليم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "سبحان الله نصف الميزان، والحمد لله تملأ الميزان، والله أكبر يملأ ما بين السماء والأرض، والطهور نصف الميزان، والصوم نصف الصبر".
وأخرج الترمذي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تخلص إليه".
وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد والنسائي والحاكم وصححه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان عن الأسود بن سريع التميمي قال "قلت: يا رسول الله ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي تبارك وتعالى قال: أما أن ربك يحب الحمد".
وأخرج ابن جرير عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ليس شيء أحب إليه الحمد من الله، ولذلك أثنى على نفسه فقال {الحمد لله} ".
وأخرج البيهقي عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "التأني من الله، والعجلة من الشيطان، وما شيء أكثر معاذير من الله، وما شيء أحب إلى الله من الحمد".
وأخرج ابن شاهين في السنة والديلمي من طريق أبان عن أنس قال: قال رسول الله"التوحيد ثمن الجنة، و {الحمد لله} ثمن كل قطعة، ويتقاسمون الجنة بأعمالهم".
وأخرج الخطيب في تالي التلخيص من طريق ثابت عن أنس مرفوعا"التوحيد ثمن الجنة، والحمد وفاء شكر كل نعمة".
وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع".
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس قال: إذا عطس أحدكم فقال {الحمد لله} قال الملك: رب العالمين فإذا قال رب العالمين قال الملك يرحمك الله.
وأخرج البخاري في الأدب وابن السني وأبو نعيم كلاهما في الطب النبوي عن علي ابن أبي طالب قال: من قال عند كل عطسة سمعها {الحمد لله رب العالمين} على كل حال ما كان. لم يجد وجع الضرس والأذن أبدا.
وأخرج الحكيم الترمذي عن واثله بن الأسقع قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من بادر العاطس بالحمد لم يضره شيء من داء البطن" وأخرج الحكيم الترمذي عن موسى بن طلحة قال: أوحى الله إلى سليمان: إن عطس عاطس من وراء سبعة أبحر فاذكرني.
وأخرج البيهقي عن علي قال "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية من أهله فقال: اللهم لك علي إن رددتهم سالمين أن أشكرك حق شكرك. فما لبثوا أن جاؤا سالمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم {الحمد لله} على سابغ نعم الله فقلت يا رسول الله ألم تقل إن ردهم الله أن أشكره حق شكره فقال أو لم أفعل".
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر وابن مردويه والبيهقي من طريق سعد بن اسحق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده قال "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا من الأنصار وقال: إن سلمهم الله وأغنهم فإن لله علي في ذلك شكرا. فلم يلبثوا أن غنموا وسلموا فقال بعض أصحابه: سمعناك تقول إن سلمهم الله وأغنهم فإن لله علي في ذلك شكرا قال: قد فعلت! قلت: اللهم شكرا، ولك الفضل المن فضلا".
وأخرج أبو نعيم في الحلية والبيهقي عن جعفر بن محمد قال: فقد أبي بغلته فقال: لئن ردها الله علي لأحمدنه بمحامد يرضاها، فما لبث أن أتى بها بسرجها ولجامها، فركبها فلما استوى عليها رفع رأسه إلى السماء فقال {الحمد لله} لم يزد عليها فقيل له: في ذلك... فقال: وهل تركت شيئا أو أبقيت شيئا؟ جعلت الحمد كله لله عز وجل.
وأخرج البيهقي من طريق منصور بن إبراهيم قال: يقال إن {الحمد لله} أكثر الكلام تضعيفا.
وأخرج أبو الشيخ والبيهقي عن محمد بن حرب قال: قال سفيان الثوري: {الحمد لله} ذكر وشكر، وليس شيء يكون ذكرا وشكرا غيره.
وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن العبد إذا قال: سبحان الله فهي صلاة الخلائق، وإذا قال {الحمد لله} فهي كلمة الشكر التي لم يشكر عبد قط حتى يقولها؛ وإذا قال لا إله إلا الله فهي كلمة الإخلاص التي لم يقبل الله من عبد قط عملا حتى يقولها، وإذا قال: الله أكبر ملأ ما بين السماء والأرض، وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله قال الله: أسلم واستسلم.
2 - قوله تعالى: (الحمد لله) رب العالمين
%أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله {رب العالمين} قال: الجن والإنس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {رب العالمين} قال: الجن والإنس.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير، مثله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {رب العالمين} قال: إله الخلق كله. السموات كلهن ومن فيهن، والأرضون كلهن ومن فيهن ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو يعلى في مسنده وابن عدي في الكامل وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإيمان والخطيب في التاريخ بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله قال: قل الجراد في سنة من سني عمر التي ولي فيها، فسأل عنه فلم يخبر بشيء، فاغتم لذلك فأرسل راكبا يضرب إلى كداء، وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق، يسأل هل رؤي من الجراد شيء أولا؟ فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد، فألقاها بين يديه. فلما رآها كبر ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"خلق الله ألف أمة، ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر، فأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد، فإذا أهلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه".
وأخرج ابن جريج عن قتادة في قوله {رب العالمين} قال: كل صنف عالم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن تتبع الجهري قال: العالمون ألف أمة. فستمائة في البحر، وأربعمائة في البر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {رب العالمين} قال: الإنس عالم، والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم من الملائكة، وللأرض أربع زوايا في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم وخمسمائة عالم خلقهم لعبادته.
وأخرج الثعلبي من طريق شهر بن حوشب عن أبي كعب قال: العالمون الملائكة وهم ثمانون ثمانية عشر ألف ملك، منهم أربعمائة أو خمسمائة ملك بالمشرق، ومثلها بالمغرب، ومثلها بالكتف الثالث من الدنيا، ومثلها بالكتف الرابع من الدنيا، مع كل ملك من الأعوان ما لا يعلم عددهم إلا الله.
وأخرج أبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن وهب قال: إن لله عز وجل ثمانية عشر ألف عالم. الدنيا منها عالم واحد.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 09:59 PM
السعدى
{ الْحَمْدُ لِلَّهِ } [هو] الثناء على الله بصفات الكمال, وبأفعاله الدائرة بين الفضل والعدل, فله الحمد الكامل, بجميع الوجوه. { رَبِّ الْعَالَمِينَ } الرب, هو المربي جميع العالمين -وهم من سوى الله- بخلقه إياهم, وإعداده لهم الآلات, وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة, التي لو فقدوها, لم يمكن لهم البقاء. فما بهم من نعمة, فمنه تعالى.
وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة.
فالعامة: هي خلقه للمخلوقين, ورزقهم, وهدايتهم لما فيه مصالحهم, التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
والخاصة: تربيته لأوليائه, فيربيهم بالإيمان, ويوفقهم له, ويكمله لهم, ويدفع عنهم الصوارف, والعوائق الحائلة بينهم وبينه, وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير, والعصمة عن كل شر. ولعل هذا [المعنى] هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة.
فدل قوله { رَبِّ الْعَالَمِينَ } على انفراده بالخلق والتدبير, والنعم, وكمال غناه, وتمام فقر العالمين إليه, بكل وجه واعتبار.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:00 PM
الطبرى
{الْحَمْدُ للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ }
قال أبو جعفر: معنى: الـحَمْدُ لِلّهِ: الشكر خالصا لله جل ثناؤه دون سائر ما يُعْبَد من دونه, ودون كل ما برأ من خـلقه, بـما أنعم علـى عبـاده من النعم التـي لا يحصيها العدد ولا يحيط بعددها غيره أحد, فـي تصحيح الاَلات لطاعته, وتـمكين جوارح أجسام الـمكلفـين لأداء فرائضه, مع ما بسط لهم فـي دنـياهم من الرزق وغذاهم به من نعيـم العيش من غير استـحقاق منهم لذلك علـيه, ومع ما نبههم علـيه ودعاهم إلـيه من الأسبـاب الـمؤدية إلـى دوام الـخـلود فـي دار الـمقام فـي النعيـم الـمقـيـم. فلربنا الـحمد علـى ذلك كله أولاً وآخرا.
وبـما ذكرنا من تأويـل قول ربنا جل ذكره وتقدست أسماؤه: الـحَمْدُ لِلّهِ جاء الـخبر عن ابن عبـاس وغيره:
13ـ حدثنا مـحمد بن العلاء, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, قال: حدثنا أبو روق عن الضحاك, عن ابن عبـاس, قال: قال جبريـل لـمـحمد: «قل يا مـحمد: الـحمد لله».
قال ابن عبـاس: الـحمد لله: هو الشكر, والاستـخذاء لله, والإقرار بنعمته وهدايته وابتدائه, وغير ذلك.
14ـ وحدثنـي سعيد بن عمرو السكونـي, قال: حدثنا بقـية بن الولـيد, قال: حدثنـي عيسى بن إبراهيـم, عن موسى بن أبـي حبـيب, عن الـحكم بن عمير وكانت له صحبة قال: قال النبـي صلى الله عليه وسلم: «إذَا قُلْتَ الـحَمْدُ لِلّهِ رَبّ العَالـمِينَ, فَقَدْ شَكَرْتَ اللّهَ فَزَادَكَ».
قال: وقد قـيـل إن قول القائل: الـحَمْدُ لِلّهِ ثناء علـى الله بأسمائه وصفـاته الـحسنى, وقوله: «الشكر لله» ثناء علـيه بنعمه وأياديه.
وقد رُوي عن كعب الأحبـار أنه قال: الـحمد لله ثناء علـى الله. ولـم يبـين فـي الرواية عنه من أيّ معنـيـي الثناء اللذين ذكرنا ذلك.
15ـ حدثنا يونس بن عبد الأعلـى الصدفـي, قال: أنبأنا ابن وهب, قال: حدثنـي عمر بن مـحمد, عن سهيـل بن أبـي صالـح, عن أبـيه, قال: أخبرنـي السلولـي, عن كعب قال: من قال: «الـحمد لله» فذلك ثناء علـى الله.
16ـ وحدثنـي علـيّ بن الـحسن الـخراز, قال: حدثنا مسلـم بن عبد الرحمن الـجرمي, قال: حدثنا مـحمد بن مصعب القرقسانـي, عن مبـارك بن فضالة, عن الـحسن, عن الأسود بن سريع, أن النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَـيْسَ شَيْءٌ أَحَبّ إلَـيْهِ الـحَمْدُ مِنَ اللّهِ تَعالـى, ولِذَلِكَ أَثْنَى علـى نَفْسِهِ فَقالَ: الـحَمْدُ لِلّهِ».
قال أبو جعفر: ولا تَـمَانُع بـين أهل الـمعرفة بلغات العرب من الـحكم لقول القائل: الـحَمْدُ لِلّهِ شكرا بـالصحة. فقد تبـين إذ كان ذلك عند جميعهم صحيحا, أن الـحمد لله قد يُنْطَق به فـي موضع الشكر, وأن الشكر قد يوضع موضع الـحمد, لأن ذلك لو لـم يكن كذلك لـما جاز أن يقال الـحمد لله شكرا, فـيخرج من قول القائل «الـحمد لله» مُصدّر «أشكُر», لأن الشكر لو لـم يكن بـمعنى الـحمد, كان خطأ أن يصدر من الـحمد غير معناه وغير لفظه.
فإن قال لنا قائل: وما وجه إدخال الألف واللام فـي الـحمد؟ وهلاّ قـيـل: حمدا لله ربّ العالـمين قـيـل: إن لدخول الألف واللام فـي الـحمد معنى لا يؤديه قول القائل «حمدا», بإسقاط الألف واللام وذلك أن دخولهما فـي الـحمد منبىءٌ علـى أن معناه: جميع الـمـحامد والشكر الكامل لله. ولو أُسقطتا منه لـما دلّ إلا علـى أن حَمْدَ قائلِ ذلك لله, دون الـمـحامد كلها. إذْ كان معنى قول القائل: «حمدا لله» أو «حمدٌ الله»: أحمد الله حمدا, ولـيس التأويـل فـي قول القائل: الـحَمْدُ لِلّهِ رَبّ العَالَـمِينَ تالـيا سورة أم القرآن أحمد الله, بل التأويـل فـي ذلك ما وصفنا قبل من أن جميع الـمـحامد لله بألوهيته وإنعامه علـى خـلقه, بـما أنعم به علـيهم من النعم التـي لا كفء لها فـي الدين والدنـيا والعاجل والاَجل.
ولذلك من الـمعنى, تتابعت قراءة القراءة وعلـماء الأمة علـى رفع الـحمد من: الـحَمْدُ لِلّهِ رَبّ العَالَـمينَ دون نصبها, الذي يؤدي إلـى الدلالة علـى أن معنى تالـيه كذلك: أحمد الله حمدا. ولو قرأ قارىء ذلك بـالنصب, لكان عندي مـحيلاً معناه ومستـحقّا العقوبة علـى قراءته إياه كذلك إذا تعمد قراءته كذلك وهو عالـم بخطئه وفساد تأويـله.
فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله: الـحمد لله؟ أَحَمَد اللّهُ نفسَه جل ثناؤه فأثنى علـيها, ثم عَلّـمناه لنقول ذلك كما قال ووصف به نفسه؟ فإن كان ذلك كذلك, فما وجه قوله تعالـى ذكره إذا: إيّاكَ نَعْبُدُ وَإيّاكَ نَسْتَعِينُ وهو عز ذكره معبود لا عابد؟ أم ذلك من قـيـل جبريـل أو مـحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقد بطل أن يكون ذلك لله كلاما.
قـيـل: بل ذلك كله كلام الله جل ثناؤه ولكنه جل ذكره حمد نفسه وأثنى علـيها بـما هو له أهل, ثم عَلّـم ذلك عبـاده وفرض علـيهم تلاوته, اختبـارا منه لهم وابتلاء, فقال لهم: قولوا «الـحمد لله ربّ العالـمين» وقولوا: «إياك نعبد وإياك نستعين» فقوله: إياك نعبد, مـما عَلّـمَهم جل ذكره أن يقولوه ويدينوا له بـمعناه. وذلك موصول بقوله الـحمد لله ربّ العالـمين, وكأنه قال: قولوا هذا وهذا.
فإن قال: وأين قوله: «قولوا» فـيكون تأويـل ذلك ما ادّعيت؟ قـيـل: قد دللنا فـيـما مضى أن العرب من شأنها إذا عرفت مكان الكلـمة ولـم تشك أن سامعها يعرف بـما أظهرت من منطقها ما حذفت, حَذْفُ ما كفـى منه الظاهر من منطقها, ولا سيـما إن كانت تلك الكلـمة التـي حذفت قولاً أو تأويـل قول, كما قال الشاعر:
واعْلَـمُ أنّنـي سأكُونُ رَمْساإذَا سارَ النّوَاعجُ لا يَسيرُ
فَقالَ السّائلُونَ لِـمَنْ حَفَرْتُـمْفَقالَ الـمُخْبرُونَ لَهُمْ وَزيرُ
قال أبو جعفر: يريد بذلك: فقال الـمخبرون لهم: الـميت وزير, فأسقط «الـميت», إذ كان قد أتـى من الكلام بـما يدل علـى ذلك. وكذلك قول الاَخر:
ورَأيْتِ زَوْجَكِ فـي الوَغَىمُتَقَلّدا سَيْفـا وَرُمْـحَا
وقد علـم أن الرمـح لا يتقلد, وإنـما أراد: وحاملاً رمـحا. ولكن لـما كان معلوما معناه اكتفـى بـما قد ظهر من كلامه عن إظهار ما حذف منه. وقد يقولون للـمسافر إذا ودّعوه: مُصَاحَبـا مُعافـى, يحذفون سِرْ واخْرُجْ إذْ كان معلوما معناه وإن أسقط ذكره. فكذلك ما حُذِف من قول الله تعالـى ذكره: الـحمدُ لِلّهِ ربّ العَالـمينَ لـمّا عُلِـم بقوله جل وعزّ: إياك نَعْبُد ما أراد بقوله: الـحمد لله ربّ العالـمين من معنى أمره عبـاده, أغنت دلالة ما ظهر علـيه من القول عن إبداء ما حُذف.
وقد روينا الـخبر الذي قدمنا ذكره مبتدأ فـي تفسير قول الله: الـحَمْدُ لِلّهِ رَبّ العالَـمِينَ عن ابن عبـاس, وأنه كان يقول: إن جبريـل قال لـمـحمد: قل يا مـحمد: الـحمد لله ربّ العالـمين. وبَـيّنا أن جبريـل إنـما عَلّـمَ مـحَمّدا صلى الله عليه وسلم ما أُمِر بتعلـيـمه إياه. وهذا الـخبر ينبىء عن صحة ما قلنا فـي تأويـل ذلك.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:{رَبّ}.
قال أبو جعفر: قد مضى البـيان عن تأويـل اسم الله الذي هو «الله» فـي «بسم الله», فلا حاجة بنا إلـى تكراره فـي هذا الـموضع. وأما تأويـل قوله «رَبّ», فإن الربّ فـي كلام العرب متصرف علـى معان: فـالسيد الـمطاع فـيها يدعى ربّـا, ومن ذلك قول لبـيد بن ربـيعة:
وأهْلَكْنَ يَوْما رَبّ كِنْدَةَ وابنَهوَرَبّ مَعَدّ بـينَ خَبْتٍ وعَرْعَرِ
يعنـي بربّ كندة: سيدَ كندة. ومنه قول نابغة بنـي ذبـيان:
تَـخُبّ إلـى النّعْمانِ حَتّـى تَنالَهُفِدًى لَكَ منْ رَبَ طَريفـي وتالِدِي
والرجل الـمصلـح للشيء يدعى رَبّـا. ومنه قول الفرزدق بن غالب:
كانُوا كسَالِئَةٍ حَمْقاءَ إذْ حَقَنَتْسِلأَها فـي أدِيـمٍ غَيْرِ مَرْبُوبِ
يعنـي بذلك فـي أديـم غير مصلـح. ومن ذلك قـيـل: إن فلانا يَرُبّ صنـيعته عند فلان, إذا كان يحامل إصلاحها وإدامتها. ومن ذلك قول علقمة بن عبدة:
فكنْتَ امْرَأً أفْضَتْ إلَـيْكَ رِبـابَتـيوقَبْلَكَ رَبّتْنـي فَضِعْتُ رُبُوبُ
يعنـي بقوله أفضت إلـيك: أي أوصلت إلـيك ربـابتـي, فصرت أنت الذي ترب أمري فتصلـحه لـما خرجتُ من ربـابة غيرك من الـملوك الذين كانوا قبلك علـيّ, فضيعوا أمري وتركوا تفقده. وهم الرّبوب واحدهم رَبّ والـمالك للشيء يدعى رَبّه. وقد يتصرّف أيضا معنى الرب فـي وجوه غير ذلك, غير أنها تعود إلـى بعض هذه الوجوه الثلاثة.
فربنا جل ثناؤه, السيد الذي لا شِبْه له, ولا مثل فـي سؤدده, والـمصلـح أمر خـلقه بـما أسبغ علـيهم من نعمه, والـمالك الذي له الـخـلق والأمر.
وبنـحو الذي قلنا فـي تأويـل قوله جل ثناؤه رَبّ العالَـمِينَ جاءت الرواية عن ابن عبـاس.
17ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, قال: حدثنا أبو روق عن الضحاك, عن ابن عبـاس, قال: قال جبريـل لـمـحمد: «يا مـحمد قل الـحَمْدُ لِلّهِ رَبّ العالَـمِينَ». قال ابن عبـاس: يقول قل الـحمد لله الذي له الـخـلق كله, السموات كلهن ومن فـيهن, والأرَضون كلهن ومن فـيهن وما بـينهن, مـما يُعلـم ومـما لا يُعلـم. يقول: اعلـم يا مـحمد أن ربك هذا لا يشبهه شيء.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {العَالَـمِينَ}.
قاله أبو جعفر: والعالـمون جمع عالـم, والعالَـم جمع لا واحد له من لفظه, كالأنامِ والرهط والـجيش ونـحو ذلك من الأسماء التـي هي موضوعات علـى جماع لا واحد له من لفظه. والعالَـم اسم لأصناف الأمـم, وكل صنف منها عالَـم, وأهل كل قرن من كل صنف منها عالَـم ذلك القرن وذلك الزمان, فـالإنس عالـم وكل أهل زمان منهم عالَـم ذلك الزمان. والـجن عالَـم, وكذلك سائر أجناس الـخـلق, كل جنس منها عالـم زمانه. ولذلك جُمِع فقـيـل «عالَـمون», وواحده جمع لكون عالَـم كل زمان من ذلك عالَـم ذلك الزمان. ومن ذلك قول العجاج:
فَخِنْدِفُ هامَةُ هَذَا العالَـمِ
فجعلهم عالـم زمانه. وهذا القول الذي قلناه قولُ ابن عبـاس وسعيد بن جبـير, وهو معنى قول عامة الـمفسرين.
18ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, قال: حدثنا أبو روق عن الضحاك, عن ابن عبـاس: {الـحمد لله ربّ العالـمين} الـحمد لله الذي له الـخـلق كله, السموات والأرض ومن فـيهن وما بـينهن, مـما يُعلـم ولا يُعلـم.
19ـ وحدثنـي مـحمد بن سنان القزاز, قال: حدثنا أبو عاصم, عن شبـيب, عن عكرمة, عن ابن عبـاس: ربّ العالـمين: الـجنّ والإنس.
وحدثنـي علـيّ بن الـحسن, قال: حدثنا مسلـم بن عبد الرحمن, قال: حدثنا مصعب, عن قـيس بن الربـيع, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, فـي قول الله جل وعزّ: ربّ العالـمين: قال: ربّ الـجن والإنس.
20ـ وحدثنا أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا قـيس, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبـير, قوله: {رب العالـمين} قال: الـجن والإنس.
21ـ وحدثنـي أحمد بن عبد الرحيـم البرقـي, قال: حدثنـي ابن أبـي مريـم, عن ابن لهيعة, عن عطاء بن دينار, عن سعيد بن جبـير, قوله: رَبّ العالَـمِينَ قال: ابن آدم, والـجن والإنس كل أمة منهم عالَـم علـى حِدَته.
22ـ وحدثنـي مـحمد بن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفـيان, عن مـجاهد: الـحَمْدُ لِلّهِ رَبّ العالَـمِينَ قال: الإنس والـجنّ.
وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, عن سفـيان, عن رجل, عن مـجاهد: بـمثله.
23ـ وحدثنا بشر بن معاذ العقدي, قال: حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة: رَبّ العالَـمِينَ قال: كل صنف: عالَـم.
24ـ وحدثنـي أحمد بن حازم الغفـاري, قال: حدثنا عبـيد الله بن موسى, عن أبـي جعفر, عن ربـيع بن أنس, عن أبـي العالـية, فـي قوله: {رَبّ العالَـمِينَ} قال: الإنس عالَـم, والـجن عالَـم, وما سوى ذلك ثمانـية عشر ألف عالـم, أو أربعة عشر ألف عالـم وهو يشك من الـملائكة علـى الأرض, وللأرض أربع زوايا, فـي كل زاوية ثلاثة آلاف عالـم وخمسمائة عالـم, خـلقهم لعبـادته.
25ـ وحدثنا القاسم بن الـحسن, قال: حدثنا الـحسين بن داود, قال: حدثنا حجاح, عن ابن جريج, فـي قوله: رَبّ العالَـمِينَ قال: الـجن والإنس.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:01 PM
القرطبى
قوله سبحانه وتعالى: "الحمد لله" روى أبو محمد عبدالغني بن سعيد الحافظ من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال العبد الحمد لله قال صدق عبدي الحمد لي). وروى مسلم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها). وقال الحسن: ما من نعمة إلا والحمد لله أفضل منها. وروى ابن ماجة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ). وفي (نوادر الأصول) عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أن الدنيا كلها بحذافيرها بيد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله لكانت الحمد لله أفضل من ذلك). قال أبو عبدالله: معناه عندنا أنه قد أعطي الدنيا ثم أعطي على أثرها هذه الكلمة حتى نطق بها، فكانت هذه الكلمة أفضل من الدنيا كلها لأن الدنيا فانية والكلمة باقية، هي من الباقيات الصالحات قال الله تعالى: "والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا" [مريم: 76]. وقيل في بعض الروايات: لكان ما أعطى أكثر مما أخذ. فصير الكلمة إعطاء من العبد، والدنيا أخذا من الله فهذا في التدبير. كذاك يجري في الكلام أن هذه الكلمة من العبد والدنيا من الله وكلاهما من الله في الأصل الدنيا منه والكلمة منه أعطاه الدنيا فأغناه وأعطاه الكلمة فشرفه بها في الآخرة. وروى ابن ماجة عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم: (أن عبدا من عباد الله قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فعَضَلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى السماء وقالا يا ربنا إن عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها، قال الله عز وجل وهو أعلم بما قال عبده، ماذا قال عبدي؟ قالا يا رب إنه قد قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فقال الله لهما اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها).
قال أهل اللغة: أعضل الأمر: اشتد واستغلق، والمعضّلات [بتشديد الضاد): الشدائد. وعضّلت المرأة والشاة: إذا نشِب ولدها فلم يسهل مخرجه، بتشديد الضاد أيضا فعلى هذا يكون: أعضلت الملكين أو عضلت الملكين بغير باء. والله أعلم. وروي عن مسلم عن أبي مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض) وذكر الحديث.
اختلف العلماء أيما أفضل قول العبد: الحمد لله رب العالمين، أو قول لا إله إلا الله؟ فقالت طائفة: قوله الحمد لله رب العالمين أفضل لأن في ضمنه التوحيد الذي هو لا إله إلا الله، ففي قوله توحيد وحمد، وفي قوله لا إله إلا الله توحيد فقط. وقالت طائفة: لا إله إلا الله أفضل لأنها تدفع الكفر والإشراك وعليها يقاتل الخلق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله). واختار هذا القول ابن عطية قال: والحاكم بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له).
أجمع المسلمون على أن الله محمود على سائر نعمه وأن مما أنعم الله به الإيمان فدل على أن الإيمان فعله وخلقه والدليل على ذلك قوله: "رب العالمين". والعالمون جملة المخلوقات ومن جملتها الإيمان لا كما قال القدرية: إنه خلق لهم على ما يأتي بيانه. الحمد في كلام العرب معناه الثناء الكامل، والألف واللام لاستغراق الجنس من المحامد فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه إذ له الأسماء الحسنى والصفات العلا وقد جمع لفظ الحمد جمع القلة في قول الشاعر:
وأبلج محمود الثناء خصصته بأفضل أقوالي وأفضل أحمدي
فالحمد نقيض الذم، تقول: حمدت الرجل أحمده حمدا فهو حميد ومحمود والتحميد أبلغ من الحمد. والحد أعم من الشكر والحمد: الذي كثرت خصال المحمودة. قال الشاعر:
إلى الماجد القرم الجواد المحمد
وبذلك سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الشاعر:
فشقّ له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
والمحمدة: خلاف المذمة. وأحمد الرجلُ: صار أمره إلى الحمد. وأحمدته: وجدته محمودا، تقول: أتيت موضع كذا فأحمدته، أي صادفته محمودا موافقا، وذلك إذا رضيت سكناه أو مرعاه. ورجل حُمَدَة - مثل هُمَزة - يكثر حمد الأشياء ويقول فيها أكثر مما فيها. وحَمَدة النار - بالتحريك - : صوت التهابها.
ذهب أبو جعفر الطبري وأبو العباس المبرد إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد سواء وليس بمرضي. وحكاه أبو عبدالرحمن السلمي في كتاب "الحقائق" له عن جعفر الصادق وابن عطاء. قال ابن عطاء: معناه الشكر لله إذ كان منه الامتنان على تعليمنا إياه حتى حمدناه. واستدل الطبري على أنهما بمعنى بصحة قولك: الحمد لله شكرا. قال ابن عطية: وهو في الحقيقة دليل على خلاف ما ذهب إليه لأن قولك شكرا إنما خصصت به الحمد لأنه على نعمة من النعم. وقال بعض العلماء: إن الشكر أعم من الحمد لأنه باللسان وبالجوارح والقلب والحمد إنما يكون باللسان خاصة. وقيل: الحمد أعم لأن فيه معنى الشكر ومعنى المدح، وهو أعم من الشكر لأن الحمد يوضع موضع الشكر ولا يوضع الشكر موضع الحمد. وروي عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة كل شاكر، وإن آدم عليه السلام قال حين عطس: الحمد لله. وقال الله لنوح عليه السلام: "فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين" [المؤمنون: 28] وقال إبراهيم عليه السلام: "الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق" [إبراهيم: 3]. وقال في قصة داود وسليمان: "وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين" [النمل: 15]. وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: "وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا" [الإسراء: 111]. وقال أهل الجنة: "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" [فاطر: 34]. "وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين" [يونس: 10]. فهي كلمة كل شاكر.
قلت: الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان. وعلى هذا الحد قال علماؤنا: الحمد أعم من الشكر، لأن الحمد يقع على الثناء وعلى التحميد وعلى الشكر، والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك معروفا فصار الحمد أعم في الآية لأنه يزيد على الشكر. ويذكر الحمد بمعنى الرضا يقال: بلوته فحمدته، أي رضيته. ومنه قوله تعالى: "مقاما محمودا" [الإسراء: 79]. وقال عليه السلام: (أحمد إليكم غسل الإحليل) أي أرضاه لكم. ويذكر عن جعفر الصادق في قوله "الحمد لله": من حمده بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد، لأن الحمد حاء وميم ودال، فالحاء من الوحدانية، والميم من الملك، والدال من الديمومية، فمن عرفه بالوحدانية والديمومية والملك فقد عرفه، وهذا هو حقيقة الحمد لله. وقال شقيق بن إبراهيم في تفسير "الحمد لله" قال: هو على ثلاثة أوجه: أولها إذا أعطاك الله شيئا تعرف من أعطاك. والثاني أن ترضى بما أعطاك. والثالث ما دامت قوته في جسدك ألا تعصيه، فهذه شرائط الحمد.
أثنى الله سبحانه بالحمد على نفسه وافتتح كتابه بحمده، ولم يأذن في ذلك لغيره بل نهاهم عن ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه عليه السلام فقال: "فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى" [النجم: 32]. وقال عليه السلام: (احثوا في وجوه المداحين التراب) رواه المقداد. وسيأتي القول فيه في "النساء" إن شاء الله تعالى.
فمعنى "الحمد لله رب العالمين" أي سبق الحمد مني لنفسي أن يحمد نفسه أحد من العالمين، وحمدي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن بعلة، وحمدي الخلق مشوب بالعلل. قال علماؤنا: فيستقبح من المخلوق الذي لم يعط الكمال أن يحمد نفسه ليستجلب لها المنافع ويدفع عنها المضار. وقيل: لما علم سبحانه عجز عباده عن حمده حمد نفسه بنفسه لنفسه في الأزل فاستفراغ طوق عباده هو محمل العجز عن حمده. ألا ترى سيد المرسلين كيف أظهر العجز بقوله: (لا أحصي ثناء عليك). وأنشدوا:
إذا نحن أثنينا عليك بصالح فأنت كما نُثني وفوق الذي نثني
وقيل: حَمِد نفسه في الأزل لما علم من كثره نعمه على عباده وعجزهم على القيام بواجب حمده فحمد نفسه عنهم، لتكون النعمة أهنأ لديهم، حيث أسقط به ثقل المنة.
وأجمع القراء السبعة وجمهور الناس على رفع الدال من "الحمد لله". وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجّاج: "الحمد لله" بنصب الدال وهذا على إضمار فعل. ويقال: "الحمد لله" بالرفع مبتدأ وخبر وسبيل الخبر أن يفيد فما الفائدة في هذا؟ فالجواب أن سيبويه قال: إذا قال الرجل الحمد لله بالرفع ففيه من المعنى مثل ما في قولك: حمدت الله حمدا، إلا أن الذي يرفع الحمد يخبر أن الحمد منه ومن جميع الخلق لله، والذي ينصب الحمد يخبر أن الحمد منه وحده لله. وقال غير سيبويه. إنما يتكلم بهذا تعرضا لعفو الله ومغفرته وتعظيما له وتمجيدا، فهو خلاف معنى الخبر وفيه معنى السؤال. وفي الحديث: (من شغل بذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين). وقيل: إن مدحه عز وجل لنفسه وثناءه عليها ليعلم ذلك عباده فالمعنى على هذا: قولوا الحمد لله. قال الطبري: "الحمد لله" ثناء أثنى به على نفسه وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال: قولوا الحمد لله، وعلى هذا يجيء قولوا إياك. وهذا من حذف العرب ما يدل ظاهر الكلام عليه كما قال الشاعر:
وأعلم أنني سأكون رمسا إذا سار النواعج لا يسير
فقال السائلون لمن حفرتم فقال القائلون لهم وزير
المعنى: المحفور له وزير، فحذف لدلاك ظاهر الكلام عليه وهذا كثير. وروي عن ابن أبي عبَلة: "الحمد لله" بضم الدال واللام على إتباع الثاني الأول وليتجانس اللفظ وطلب التجانس في اللفظ كثير في كلامهم نحو: أجودك وهو منحدر من الجبل بضم الدال والجيم. قال:
... اضرب الساقينُ أُمّك هابل
بضم النون لأجل ضم الهمزة. وفي قراءة لأهل مكة "مُرُدفين" بضم الراء إتباعا للميم، وعلى ذلك "مُقُتلين" بضم القاف. وقالوا: لإمِّك، فكسروا الهمزة اتباعا للاّم، وأنشد للنعمان بن بشير:
ويلِ امِّها في هواء الجو طالبة ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب
الأصل: ويلٌ لأمها، فحذفت اللام الأولى واستثقل ضم الهمزة بعد الكسرة فنقلها للأم ثم أتبع اللام الميم. وروي عن الحسن بن أبي الحسن وزيد بن علي: "الحمدِ لله" بكسر الدال على اتباع الأول الثاني.
قوله تعالى: "رب العالمين" أي مالكهم، وكل من ملك شيئا فهو ربه، فالرب: المالك. وفي الصحاح: والرب اسم من أسماء الله تعالى ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للملك قال الحارث بن حِلِّزة:
وهو الرب والشهيد على يوم الحيارين والبلاء بلاء
والرب: السيد: ومن قوله تعالى: "اذكرني عند ربك" [يوسف: 42]. وفي الحديث: (أن تلد الأمة ربتها) أي سيدتها وقد بيناه في كتاب (التذكرة). والرب: المصلح والمدبر والجابر والقائم. قال الهروي وغيره: يقال لمن قام بإصلاح شيء وإتمامه: قد ربه يربه فهو رب له وراب، ومنه سمي الربانيون لقيامهم بالكتب. وفي الحديث: (هل لك من نعمة تربُّها عليه) أي تقوم بها وتصلحها. والرب: المعبود ومنه قول الشاعر:
أربٌّ يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب
ويقال على التكثير: رباه ورببه وربته، حكاه النحاس. وفي الصحاح: ورب فلان ولده يربه ربا ورببه وترببه بمعنىً، أي رباه. والمربوب: المربى.
قال بعض العلماء: إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم لكثرة دعوة الداعين به، وتأمل ذلك في القرآن كما في آخر "آل عمران" وسورة "إبراهيم" وغيرهما، ولما يشعر به هذا الوصف من الصلاة بين الرب والمربوب مع ما يتضمنه من العطف والرحمة والافتقار في كل حال.
واختلف في اشتقاقه فقيل: إنه مشتق من التربية، فالله سبحانه وتعالى مدبر لخلقه ومربيهم ومنه قوله تعالى: "وربائبكم اللاتي في حجوركم" [النساء: 23]. فسمى بنت الزوجة ربيبة لتربية الزوج لها.
فعلى أنه مدبر لخلقه ومربيهم يكون صفة فعل، وعلى أن الرب بمعنى المالك والسيد يكون صفة ذات.
متى أدخلت الألف واللام على "رب" اختص الله تعالى به، لأنها للعهد وإن حذفنا منه صار مشتركا بين الله وبين عباده، فيقال: الله رب العباد وزيد رب الدار فالله سبحانه رب الأرباب يملك المالك والمملوك، وهو خالق ذلك ورازقه وكل رب سواه غير خالق ولا رازق، وكل مملوك فمُمَلَّك بعد أن لم يكن، ومنتزع ذلك من يده وإنما يملك شيئا دون شيء وصفة الله تعالى مخالفة لهذه المعاني فهذا الفرق بين صفة الخالق والمخلوقين.
قوله تعالى: "العالمين" اختلف أهل التأويل في "العالمين" اختلافا كثيراً، فقال قتادة: العالمون جمع عالم وهو كل موجود سوى الله تعالى ولا واحد له من لفظه مثل رهط وقوم. وقيل: أهل كل زمان عالم قاله الحسين بن الفضل، لقوله تعالى: "أتأتون الذكران من العالمين" [الشعراء: 165] أي من الناس. وقال العجاج:
فخِنْدِفٌ هامة هذا العأْلَمِ
وقال جرير بن الخَطَفي:
تَنَصَّفُه البرية وهو سامٍ ويُضحي العالَمون له عيالا
وقال ابن عباس: العالمون الجن والإنس، دليله قوله تعالى: "ليكون للعالمين نذيرا" [الفرقان: 1] ولم يكن نذيرا للبهائم. وقال الفراء وأبو عبيدة: العالم عبارة عمن يعقل، وهم أربعة أمم: الإنس والجن والملائكة والشياطين. ولا يقال للبهائم: عالم، لأن هذا الجمع إنما هو جمع من يعقل خاصة.
قال الأعشى:
ما إن سمعت بمثلهم في العالمينا
وقال زيد بن أسلم: هم المرتزقون، ونحوه قول أبي عمرو بن العلاء: هم الروحانيون. وهو معنى قول ابن عباس أيضا: كل ذي روح دب على وجه الأرض. وقال وهب بن منبه: إن لله عز وجل ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا عالم منها. وقال أبو سعيد الخدري: إن لله أربعين ألف عالم، الدنيا من شرقها إلى غربها عالم واحد. وقال مقاتل: العالمون ثمانون ألف عالم، أربعون ألف عالم في البر وأربعون ألف عالم في البحر. وروى الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: الجن عالم والإنس عالم وسوى ذلك للأرض أربع زوايا في كل زاوية ألف وخمسمائة عالم خلقهم لعبادته.
قلت: والقول الأول أصح هذه الأقوال، لأنه شامل لكل مخلوق وموجود دليله قوله تعالى: "قال فرعون وما رب العالمين. قال رب السماوات والأرض وما بينهما" [الشعراء: 23] ثم هو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده. كذا قال الزجاج قال: العالم كل ما خلقه الله في الدنيا والآخرة. وقال الخليل: العلم والعلامة والمعلم: ما دل على الشيء، فالعالم دال على أن له خالقا ومدبرا وهذا واضح. وقد ذكر أن رجلا قال بين يدي الجنيد: الحمد لله فقال له: أتمها كما قال الله قل رب العالمين فقال الرجل: ومن العالمين حتى تذكر مع الحق؟ قال: قل يا أخي؟ فإن المحدث إذا قرن مع القديم لا يبقى له أثر.
يجوز الرفع والنصب في "رب" فالنصب على المدح والرفع على القطع، أي هو رب العالمين.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:02 PM
الكشاف للزمخشرى
" الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم " الحمد والمدح أخوان وهو الثناء والنداء على الجميل من نعمة وغيرها.
تقول: حمدت الرجل وأما الشكر فعلى النعمة خاصة وهو بالقلب واللسان والجوارح قال: أَفَادَثكُمُ النعمَاءِ منًي ثلاثةَ يَدِي ولسَانِي والضمِيرَ المُحَجبَا والحمد باللسان وحده فهو إحدى شعب الشكر ومنه قوله عليه أ الصلاة و السلام: " الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لم يحمده " وإنما جعله رأس الشكر لأن ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها أشيع لها وأدل على مكانها من الاعتقاد وآداب الجوارح لخفاء عمل القلب وما في عمل الجوارح من الاحتمال بخلاف عمل اللسان وهو النطق الذي يفصح عن كل خفي ويجلي كل مشتبه.
والحمد نقيضه الذم والشكر نقيضه الكفران وارتفاع الحمد بالابتداء وخبره الظرف الذي هو الله وأصله النصبالذي هو قراءة بعضهم بإضمار فعله على أنه من المصادر التي تنصبها العرب بأفعال مضمرة في معنى الإخبار كقولهم: شكراً وكفرأ وعجباً وما أشبه ذلك ومنها: سبحانك ومعاذ الله ينزلونها منزلة أفعالها ويسدون بها مسدها لذلك لا يستعملونها معها ويجعلون استعمالها كالشريعة المنسوخة والعدل بها عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات المعنى واستقراره.
ومنه قوله تعالى: " قالوا سلاما قال سلام " هود: رفع السلام الثاني للدلالة على أن إبراهيم عليه السلام حياهم بتحية أحسن من تحيتهم لأن الرفع دال على معنى ثبات السلام لهم دون تجدده وحدوثه.
والمعنى: نحمد الله حمداً ولذلك قيل: " إِياكَ نَعبُدُ وَإِياكَ نستعينَ " لأنه بيان لحمدهم له كأنه قيل: كيف تحمدون فقيل: إياك نعبد.
فإن قلت: ما معنى التعريف فيه.
قلت: هو نحو التعريف في أرسلها العراك وهو تعريف الجنس ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما هو والعراك ما هو من بين أجناس الأفعال.
والاستغراق الذي يتوهمه كثير من الناس وهم منهم.
وقرأ الحسن البصري: " الحمد لله " بكسر الدال لإتباعها اللام.
وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: " الحمد لله " بضم اللام لإتباعها الدال والتي جسرهما على ذلك والإتباع إنما يكون في كلمة واحدة كقولهم منحدر الجبل ومغيرة تنزل الكلمتين منزلة كلمة لكثرة استعمالهما مقترنتين وأشف القراءتين قراءة إبراهيم حيث جعل الحركة البنائية تابعة للإعرابية التي هي أقوى بخلاف قراءة الحسن.
الرب: المالك.
ومنه قول صفوان لأبي سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
تقول: ربه يربه فهو رب كما تقول: نم عليه ينم فهو نم.
ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر للمبالغة كما وصف بالعدل ولم يطلقوا الرب إلا في الله وحده وهو في غيره على التقيد بالإضافة كقولهم: رب الدار ورب الناقة وقوله تعالى: " ارجع إلى ربك إنه ربي أحسن مثواي " وقرأ زيد بن علي رضي اللّه عنهما: " رَبِّ العالمِينَ " بالنصب على العالم: اسم لذوي العلم من الملائكة والثقلين وقيل: كل ما علم به الخالق من الأجسام والأعراض.
فإن قلت: لم جمع قلت: ليشمل كل جنس مما سمي به.
فإن قلت: هو اسم غير صفة وإنما تجمع بالواو والنون صفات العقلاء أو ما في حكمها من الأعلام.
قلت: ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه وهي الدلالة على معنى العلم.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:03 PM
فتح القدير للشوكانى
"الحمد لله" الحمد: هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري، وبقيد الاختيار فارق المدح، فإنه يكون على الجميل وإن لم يكن الممدوح مختاراً كمدح الرجل على جماله وقوته وشجاعته. وقال صاحب الكشاف: إنهما إخوان، والحمد أخص من الشكر مورداً وأعم منه متعلقاً. فمورد الحمد اللسان فقط، ومتعلقه النعمة وغيرها. ومورد الشكر اللسان والجنان والأركان، ومتعلقه النعمة. وقيل: إن مورد الحمد كمورد الشكر، لأن كل ثناء باللسان لا يكون من صميم القلب مع موافقة الجوارح ليس بحمد بل سخرية واستهزاء. وأجيب بأن اعتبار موافقة القلب والجوارح في الحمد لا يستلزم أن يكون مورداً له بل شرطاً- وفرق بين الشرط والشطر وتعريفه لاستغراق أفراد الحمد وأنها مختصة بالرب سبحانه على معنى أن حمد غيره لا اعتداد به، لأن المنعم هو الله عز وجل، أو على أن حمده هو الفرد الكامل فيكون الحصر ادعائياً. ورجح صاحب الكشاف أن التعريف هنا هو تعريف الجنس لا الاستغراق، والصواب ما ذكرناه. وقد جاء في الحديث: "الله لك الحمد كله" وهو مرتفع بالابتداء وخبره الظرف وهو الله. وأصله النصب على المصدرية بإضمار فعله كسائر المصادر التي تنصبها العرب، فعدل عنه إلى الرفع لقصد الدلالة على الدوام والثبات المستفاد من الجمل الإسمية دون الحدوث والتجدد اللذين تفيدهما الجمل الفعلية، واللام الداخلة على الاسم الشريف هي لام الاختصاص. قال ابن جرير: الحمد ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: قولوا الحمد لله، ثم رجح اتحاد الحمد والشكر مستدلاً على ذلك بما حاصله: أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلاً من الحمد والشكر مكان الآخر. قال ابن كثير: وفيه نظر لأنه اشتهر عند كثير من العلماء المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية. والشكر لا يكون إلا على المتعدية ويكون بالجنان واللسان والأركان انتهى. ولا يخفى أن المرجع في مثل هذا إلى معنى الحمد في لغة العرب لا إلى ما قاله جماعة من العلماء المتأخرين، فإن ذلك لا يرد على ابن جرير، ولا تقوم به الحجة، هذا إذا لم يثبت للحمد حقيقة شرعية، فإن ثبتت وجب تقديمها. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال عمر: قد علمنا سبحان الله ولا إله إلا الله، فما الحمد لله؟ فقال علي: كلمة رضيها لنفيه. وروى ابن أبي حاتم أيضاً عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة الشكر، وإذا قال العبد الحمد لله قال: شكرني عبدي. وروى هو وابن جرير عن ابن عباس أيضاً أنه قال: الحمد لله هو الشكر لله والاستحذاء له والإقرار له بنعمه وهدايته وابتدائه وغير ذلك. وروى ابن جرير عن الحكم بن عمير، وكانت له صحبة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا قلت الحمد لله رب العالمين فقد شكرت الله فزادك". وأخرج عبد الرزاق في المصنف والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والخطابي في الغريب والبيهقي في الأدب والديلمي في مسند الفردوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الحمد راس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده". وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: "الصلاة شكر، والصيام وكل خير تفعله شكر وأفضل الشكر الحمد". وأخرج الطبراني في الأوسط بسيد ضعيف عن النواس بن سمعان قال: "سرقت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لئن ردها الله علي لأشكرن ربي فرجعت، فلما رآها قال: الحمد لله، فانتظروا هل يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم صوماً أو صلاة، فظنوا أنه نسي فقالوا: يا رسول الله قد كنت قلت: لئن ردها الله علي لأشكرن ربي، قال: ألم أقل الحمد لله؟". وقد ورد في فضل الحمد أحاديث. منها: ما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم وصححه، والبخاري في الأدب المفرد عن الأسود بن سريع قال: قلت يا رسول الله ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي تبارك وتعالى؟ فقال: "أما إن ربك يحب الحمد". وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله". وأخرج ابن ماجه والبيهقي بسند حسن عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ". وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والقرطبي في تفسيره عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو أن الدنيا كلها بحذافيرها في يد رجل من أمتي ثم قال الحمد لله، لكان الحمد أفضل من ذلك". قال القرطبي: معناه لكان إلهامه الحمد أكبر نعمة عليه من نعم الدنيا، لأن ثواب الحمد لا يفنى، ونعيم الدنيا لا يبقى. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من عبد ينعم عليه بنعمة إلا كان الحمد أفضل منها". وأخرج عبد الرزاق في المصنف نحوه عن الحسن مرفوعاً. وأخرج مسلم والنسائي وأحمد من أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان" الحديث. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي وحسنه وابن مردويه عن رجل من بني سليم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سبحان الله نصف الميزان، والحمد لله تملأ الميزان والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض والطهور نصف الإيمان والصوم نصف الصبر". وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تخلص إليه". وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التأني من الله، والعجلة من الشيطان، وما شيء أكثر معاذير من الله، وما شيء أحب إلى الله من الحمد". وأخرج ابن شاهين في السنة والديلمي عن أبان بن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "التوحيد ثمن الجنة، والحمد ثمن كل نعمة، ويتقاسمون الجنة بأعمالهم". وأخرج أهل السنن وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع". وأخرج ابن ماجه في سننه عن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم أن عبداً من عباد الله قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فلم يدر الملكان كيف يكتبانها، فصعدا إلى السماء فقالا: يا ربنا إن عبداً قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها، قال الله وهو أعلم بما قال عبده: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب إنه قال: لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني وأجزيه بها". وأخرج مسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها". "رب العالمين" قال في الصحاح: الرب اسم من أسماء الله تعالى، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للملك. وقال في الكشاف: الرب المالك. ومنه قول صفوان لأبي سفيان: لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن، ثم ذكر نحو كلام الصحاح. قال القرطبي في تفسيره: والرب السيد، ومنه قوله تعالى: "اذكرني عند ربك" وفي الحديث: "أن تلد الأمة ربها"، والرب: المصلح والمدبر والجابر والقائم قال: والرب المعبود. ومنه قول الشاعر: أرب يبول الثعلبان برأسه لقد هان من بالت عليه الثعالب و"العالمين": جمع العالم، وهو كل موجود سوى الله تعالى، قاله قتادة. وقيل: أهل كل زمان عالم، قاله الحسين بن الفضل. وقال ابن عباس: العالمون الجن والإنس. وقال الفراء وأبو عبيد: العالم عبارة عمن يعقل وهم أربعة أمم: الإنس، والجن، والملائكة، والشياطين. ولا يقال للبهائم عالم، لأن هذا الجمع إنما هو جمع ما يعقل. حكى هذه الأقوال القرطبي في تفسيره وذكر أدلتها وقال: إن القول الأول أصح هذه الأقوال لأنه شامل لكل مخلوق وموجود، دليله قوله تعالى: " قال فرعون وما رب العالمين * قال رب السماوات والأرض وما بينهما " وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده، كذا قال الزجاج. وقال: العالم كل ما خلقه الله في الدنيا والآخرة انتهى. وعلى هذا يكون جمعه على هذه الصيغة المختصة بالعقلاء تغليباً للعقلاء على غيرهم. وقال في الكشاف: ساغ ذلك لمعنى الوصفية فيه، وهي الدلالة على معنى العلم. وقد أخرج ما تقدم من قول ابن عباس عنه الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه. وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد. وأخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير. وأخرج ابن جبير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: "رب العالمين" قال: إله الخلق كله: السموات كلهن ومن فيهن: والأرضون كلهن ومن فيهن ومن بينهن مما يعلم ومما لا يعلم.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:05 PM
تفسير آيات 21-24 الحشر
( لَوْ أَنزَلْنَا هَـَذَا الْقُرْآنَ عَلَىَ جَبَلٍ لّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ * هُوَ اللّهُ الّذِي لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ هُوَ الرّحْمَـَنُ الرّحِيمُ * هُوَ اللّهُ الّذِي لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدّوسُ السّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبّرُ سُبْحَانَ اللّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللّهُ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوّرُ لَهُ الأسْمَآءُ الْحُسْنَىَ يُسَبّحُ لَهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:05 PM
القرطبى:
- عن أبى هريرة قال: سألت خليلى أبا القاسم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اسم الله الأعظم فقال:
يا أبا هريرة عليك بآخر سورة الحشر فأكثر قراءتها. فأعدت عليه فأعاد علىّ، فأعدت عليه فأعاد علىّ.
- وقال جابر بن زيد: إن اسم الله الأعظم هو الله، لمكان هذه الآية.
- وعن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
- وعن أبى أمامة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم:
من قرأ خواتيم سورة الحشر فى ليل أو نهار فقبضه الله فى تلك الليلة أو ذلك النهار فقد أوجب الله له الجنة.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:06 PM
الكشاف للزمخشرى:
- عن أبى هريرة رضى الله عنه - سألت حبيبى صلى الله عليه وسلم عن اسم الله الأعظم. فقال:
عليك بآخر الحشر فأكثر قراءته، فأعدت عليه فأعاد علىّ، فأعدت عليه فأعاد علىّ.
- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:07 PM
ابن كثير:
++++ لَوْ أَنزَلْنَا هَـَذَا الْقُرْآنَ عَلَىَ جَبَلٍ لّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ * هُوَ اللّهُ الّذِي لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ هُوَ الرّحْمَـَنُ الرّحِيمُ * هُوَ اللّهُ الّذِي لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدّوسُ السّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبّرُ سُبْحَانَ اللّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللّهُ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوّرُ لَهُ الأسْمَآءُ الْحُسْنَىَ يُسَبّحُ لَهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يقول تعالى معظماً لأمر القرآن ومبيناً علو قدره, وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب وتتصدع عند سماعه, لما فيه من الوعد الحق والوعيد الأكيد {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله} أي فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه لخشع وتصدع من خوف الله عز وجل, فكيف يليق بكم يا أيها البشر أن لا تلين قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشية الله, وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه, ولهذا قال تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً} إلى آخرها يقول لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه لتصدع وخشع من ثقله ومن خشية الله, فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع, ثم قال تعالى: {وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} وكذا قال قتادة وابن جرير.
وقد ثبت في الحديث المتواتر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عمل له المنبر, وقد كان يوم الخطبة يقف إلى جانب جذع من جذوع المسجد, فلما وضع المنبر أول ما وضع وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليخطب فجاوز الجذع إلى نحو المنبر, فعند ذلك حن الجذع وجعل يئن كما يئن الصبي الذي يسكت لما كان يسمع من الذكر والوحي عنده, ففي بعض روايات هذا الحديث قال الحسن البصري بعد إيراده: فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجذع وهكذا هذه الاَية الكريمة إذا كانت الجبال الصم لو سمعت كلام الله وفهمته لخشعت وتصدعت من خشيته, فكيف بكم وقد سمعتم وفهمتم ؟ وقد قال تعالى: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} الاَية. وقد تقدم أن معنى ذلك أي لكان هذا القرآن, وقد قال تعالى: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله}.
ثم قال تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم} أخبر تعالى أنه الذي لا إله إلا هو فلا رب غيره ولا إله للوجود سواه, وكل ما يعبد من دونه فباطل, وأنه عالم الغيب والشهادة أي يعلم جميع الكائنات المشاهدات لنا والغائبات عنا, فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء من جليل وحقير وصغير وكبير حتى الذر في الظلمات. وقوله تعالى: {هو الرحمن الرحيم} قد تقدم الكلام على ذلك في أول التفسير بما أغنى عن إعادته ههنا, والمراد أنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات, فهو رحمن الدنيا والاَخرة ورحيمهما, وقد قال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء} وقال تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} وقال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} ثم قال تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك} أي المالك لجميع الأشياء المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة. وقوله تعالى: {القدوس} قال وهب بن منبه أي الطاهر. وقال مجاهد وقتادة أي المبارك وقال ابن جريج تقدسه الملائكة الكرام {السلام} أي من جميع العيوب والنقائص لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله.
وقوله تعالى: {المؤمن} قال الضحاك عن ابن عباس: أي أمن خلقه من أن يظلمهم. وقال قتادة: أمن بقوله أنه حق. وقال ابن زيد: صدق عباده المؤمنين في إيمانهم به. وقوله تعالى: {المهيمن} قال ابن عباس وغير واحد: أي الشاهد على خلقه بأعمالهم بمعنى هو رقيب عليهم كقوله {والله على كل شيء شهيد} وقوله {ثم الله شهيد على ما يفعلون} وقوله {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} الاَية. وقوله تعالى: {العزيز} أي الذي قد عز كل شيء فقهره وغلب الأشياء فلا ينال جنابه لعزته وعظمته وجبروته وكبريائه, ولهذا قال تعالى: {الجبار المتكبر} أي الذي لا تليق الجبرية إلا له ولا التكبر إلا لعظمته, كما تقدم في الصحيح «العظمة إزاري والكبرياء رادئي فمن نازعني واحداً منهما عذبته» وقال قتادة: الجبار الذي جبر خلقه على ما يشاء. وقال ابن جرير: الجبار المصلح أمور خلقه المتصرف فيهم بما فيه صلاحهم. وقال قتادة: المتكبر يعني عن كل سوء ثم قال تعالى: {سبحان الله عما يشركون} وقوله تعالى: {هو الله الخالق البارىء المصور} الخلق التقدير والبرء هو الفري, وهو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود وليس كل من قدر شيئاً ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله عز وجل. قال الشاعر يمدح آخر:
ولأنت تفري ما خلقت وبعــض القوم يخلق ثم لا يفري
أي أنت تنفذ ما خلقت أي قدرت, بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع ما يريد, فالخلق التقدير والفري التنفيذ, ومنه يقال قدر الجلاد ثم فرى أي قطع على ما قدره بحسب ما يريده. وقوله تعالى: {الخالق البارىء المصور} أي الذي إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون على الصفة التي يريد, والصورة التي يختار كقوله تعالى: {في أي صورة ما شاء ركبك} ولهذا قال المصور أي الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها.
وقوله تعالى: {له الأسماء الحسنى} قد تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف. ونذكر الحديث المروي في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً, مائة إلا واحداً, من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر» وتقدم سياق الترمذي وابن ماجه له عن أبي هريرة أيضاً وزاد بعد قوله: «وهو وتر يحب الوتر». واللفظ للترمذي: «هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن, الرحيم, الملك, القدوس, السلام, المؤمن, المهيمن, العزيز, الجبار, المتكبر, الخالق, البارىء, المصور, الغفار, القهار, الوهاب, الرزاق, الفتاح, العليم, القابض الباسط, الخافض, الرافع, المعز, المذل, السميع, البصير, الحكم, العدل, اللطيف, الخبير, الحليم, العظيم, الغفور, الشكور, العلي, الكبير, الحفيظ, المقيت, الحسيب, الجليل, الكريم, الرقيب, المجيب, الواسع, الحكيم, الودود, المجيد, الباعث, الشهيد, الحق, الوكيل, القوي, المتين, الولي, الحميد, المحصي, المبدىء, المعيد, المحيي, المميت, الحي, القيوم, الواجد, الماجد, الواحد, الصمد, القادر, المقتدر, المقدم, المؤخر, الأول, الاَخر, الظاهر, الباطن, الوالي, المتعالي, البر, التواب, المنتقم, العفو, الرؤوف, مالك الملك, ذو الجلال والإكرام, المقسط الجامع, الغني, المغني, المعطي, المانع, الضار, النافع, النور, الهادي, البديع, الباقي, الوارث, الرشيد, الصبور». وسياق ابن ماجه بزيادة ونقصان وتقديم وتأخير وقد قدمنا ذلك مبسوطاً مطولاً بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته ههنا.
وقوله تعالى: {يسبح له ما في السموات والأرض} كقوله تعالى: {تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً} وقوله تعالى: {وهو العزيز} أي فلا يرام جنابه {الحكيم} في شرعه وقدره, وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد ال++++*ري حدثنا خالد يعني ابن طهمان أبو العلاء الخفاف حدثنا نافع بن أبي نافع, عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم, ثم قرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي, وإن مات في ذلك اليوم مات شهيداً, ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة» ورواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن أبي أحمد ال++++*ري به. وقال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:08 PM
فتح القدير للشوكانى:
وأخرج الديلمي عن ابن مسعود وعلي مرفوعاً في قوله: "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل" إلى آخر السورة قال: هي رقية الصداع. رواه الديلمي بإسنادين لا ندري كيف حال رجالهما. وأخرج الخطيب في تاريخه بإسناده إلى إدريس بن عبد الكريم الحداد قال: قرأت على خلف، فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك، فإني قرأت على حمزة فلما بلغت هذه الآية قال: ضع يدك على رأسك فإني قرأ على الأعمش ثم ساق الإسناد مسلسلاً هكذا إلى ابن مسعود فقال: فإني قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت هذه الآية قال لي: ضع يد على رأسك، فإن جبريل لما نزل بها قال لي ضع يدل على رأسك، فإنها شفاء من كل داء إلا السام، والسام الموت. قال الذهبي: هو باطل. وأخرجه ابن السني في عمل يوم وليلة وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً إذا آوى إلى فراشه أن يقرأ آخر سورة الحشر وقال: إن مت مت شهيداً. وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من تعوذ بالله من الشيطان ثلاث مرات، ثم قرأ آخر سورة الحشر بعث الله سبعين ملكاً يطردون عنه شياطين الإنس والجن إن كان ليلاً حتى يصبح، وإن كان نهاراً حتى يمسي". وأخرج أحمد والدرامي والترمذي وحسنه والطبراني وابن الضريس والبيهقي في الشعب عن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالل السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قرأ الثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات ذلك اليوم مات شهيداً، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة". قال الترمذي بعد أخراجه: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأخرج ابن عدي وابن مردويه والخطيب والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ خواتيم الحشر في ليل أو نهار فمات من يومه أو ليلته أوجب الله له الجنة".
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:09 PM
البيضاوى:
عن النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر
السعدى:
{ 22-24 } { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }
هذه الآيات الكريمات قد اشتملت على كثير من أسماء الله الحسنى وأوصافه العلى، عظيمة الشأن، وبديعة البرهان، فأخبر أنه الله المألوه المعبود، الذي لا إله إلا هو، وذلك لكماله العظيم، وإحسانه الشامل، وتدبيره العام، وكل إله سواه فإنه باطل لا يستحق من العبادة مثقال ذرة، لأنه فقير عاجز ناقص، لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا، ثم وصف نفسه بعموم العلم الشامل، لما غاب عن الخلق وما يشاهدونه، وبعموم رحمته التي وسعت كل شيء ووصلت إلى كل حي.
ثم كرر [ذكر] عموم إلهيته وانفراده بها، وأنه المالك لجميع الممالك، فالعالم العلوي والسفلي وأهله، الجميع، مماليك لله، فقراء مدبرون.
{ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ } أي: المقدس السالم من كل عيب وآفة ونقص، المعظم الممجد، لأن القدوس يدل على التنزيه عن كل نقص، والتعظيم لله في أوصافه وجلاله.
{ الْمُؤْمِنُ } أي: المصدق لرسله وأنبيائه بما جاءوا به، بالآيات البينات، والبراهين القاطعات، والحجج الواضحات.
{ الْعَزِيزُ } الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد قهر كل شيء، وخضع له كل شيء، { الْجَبَّارُ } الذي قهر جميع العباد، وأذعن له سائر الخلق، الذي يجبر الكسير، ويغني الفقير، { الْمُتَكَبِّرُ } الذي له الكبرياء والعظمة، المتنزه عن جميع العيوب والظلم والجور.
{ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } وهذا تنزيه عام عن كل ما وصفه به من أشرك به وعانده.
{ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ } لجميع المخلوقات { الْبَارِئُ } للمبروءات { الْمُصَوِّرُ } للمصورات، وهذه الأسماء متعلقة بالخلق والتدبير والتقدير، وأن ذلك كله قد انفرد الله به، لم يشاركه فيه مشارك.
{ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } أي: له الأسماء الكثيرة جدا، التي لا يحصيها ولا يعلمها أحد إلا الله هو، ومع ذلك، فكلها حسنى أي: صفات كمال، بل تدل على أكمل الصفات وأعظمها، لا نقص في شيء منها بوجه من الوجوه، ومن حسنها أن الله يحبها، ويحب من يحبها، ويحب من عباده أن يدعوه ويسألوه بها.
ومن كماله، وأن له الأسماء الحسنى، والصفات العليا، أن جميع من في السماوات والأرض مفتقرون إليه على الدوام، يسبحون بحمده، ويسألونه حوائجهم، فيعطيهم من فضله وكرمه ما تقتضيه رحمته وحكمته، { وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } الذي لا يريد شيئا إلا ويكون، ولا يكون شيئا إلا لحكمة ومصلحة.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:10 PM
تفسير الآيتين 23 ، 24 من سورة الإسراء
وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:11 PM
قال القرطبى فى تفسيره:
أمر الله سبحانه بعبادته وتوحيده، وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك، كما قرن شكرهما بشكره فقال: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا". وقال: "أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير" [لقمان: 14]. وفي صحيح البخاري عن عبدالله قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: (الصلاة على وقتها) قال: ثم أي؟ قال: (ثم بر الوالدين) قال ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) فأخبر صلى الله عليه وسلم أن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم دعائم الإسلام. ورتب ذلك بـ (ثم) التي تعطي الترتيب والمهلة.
من البر بهما والإحسان إليهما ألا يتعرض لسبهما ولا يعقهما؛ فإن ذلك من الكبائر بلا خلاف، وبذلك وردت السنة الثابتة؛ ففي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من الكبائر شتم الرجل والديه) قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال (نعم. يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه).
عقوق الوالدين مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما؛ كما أن برهما موافقتهما على أغراضهما. وعلى هذا إذا أمرا أو أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه، إذا لم يكن ذلك الأمر معصية، وإن كان ذلك المأمور به من قبيل المباح في أصله، وكذلك إذا كان من قبيل المندوب. وقد ذهب بعض الناس إلى أن أمرهما بالمباح يصيره في حق الولد مندوبا إليه وأمرهما بالمندوب يزيده تأكيدا في ندبيته.
روى الترمذي عن عمر قال: كانت تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها فأمرني أن أطلقها فأبيت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا عبدالله بن عمر طلق امرأتك). قال هذا حديث حسن صحيح.
روى الصحيح عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (أمك) قال: ثم من؟ قال: (ثم أمك) قال: ثم من؟ قال: (ثم أمك) قال: ثم من؟ قال: (ثم أبوك). فهذا الحديث يدل على أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب؛ لذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأم ثلاث مرات وذكر الأب في الرابعة فقط. وإذا توصل هذا المعنى شهد له العيان. وذلك أن صعوبة الحمل وصعوبة الوضع وصعوبة الرضاع والتربية تنفرد بها الأم دون الأب؛ فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب. وروي عن مالك أن رجلا قال له: إن أبي في بلد السودان، وقد كتب إلي أن أقدم عليه، وأمي تمنعني من ذلك؛ فقال: أطع أباك، ولا تعص أمك. فدل قول مالك هذا أن برهما متساو عنده. وقد سئل الليث عن هذه المسألة فأمره بطاعة الأم؛ وزعم أن لها ثلثي البر. وحديث أبي هريرة يدل على أن لها ثلاثة أرباع البر؛ وهو الحجة على من خالف. وقد زعم المحاسبي في (كتاب الرعاية) له أنه لا خلاف بين العلماء أن للأم ثلاثة أرباع البر وللأب الربع؛ على مقتضى حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والله اعلم.
لا يختص بر الوالدين بأن يكونا مسلمين، بل إن كانا كافرين يبرهما ويحسن إليهما إذا كان لهما عهد؛ قال الله تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم" [الممتحنة: 8]. وفي صحيح البخاري عن أسماء قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش ومدتهم إذ عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيها، فاستفتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال: (نعم صلي أمك). وروي أيضا عن أسماء قالت: أتتني أمي راغبة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أأصلها؟ قال: (نعم). قال ابن عينية: فأنزل الله عز وجل فيها: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين" [الممتحنة: 8] الأول معلق والثاني مسند.
من الإحسان إليهما والبر بهما إذا لم يتعين الجهاد ألا يجاهد إلا بإذنهما. روى الصحيح عن عبدالله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال: (أحي والداك)؟ قال نعم. قال: (ففيهما فجاهد). لفظ مسلم. في غير الصحيح قال: نعم؛ وتركتهما يبكيان. قال: (اذهب فأضحكهما كما أبكيتهما). وفي خبر آخر أنه قال: (نومك مع أبويك على فراشهما يضاحكانك ويلاعبانك أفضل لك من الجهاد معي). ذكره ابن خويز منداد. ولفظ البخاري في كتاب بر الوالدين: أخبرنا أبو نعيم أخبرنا سفيان عن عطاء بن السائب عن أبيه عن عبدالله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبايعه على الهجرة، وترك أبويه يبكيان فقال: (ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما). قال ابن المنذر: في هذا الحديث النهي عن الخروج بغير إذن الأبوين ما لم يقع النفير؛ فإذا وقع وجب الخروج على الجميع. وذلك بين في حديث أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيش الأمراء...؛ فذكر قصة زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وابن رواحة وأن منادي وسول الله صلى الله عليه وسلم نادى بعد ذلك: أن الصلاة جامعة؛ فاجتمع الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أيها الناس، اخرجوا فأمدوا إخوانكم ولا يتخلفن أحد) فخرج الناس مشاة وركبانا في حر شديد. فدل قوله: (اخرجوا فأمدوا إخوانكم) أن العذر في التخلف عن الجهاد إنما هو ما لم يقع النفير؛ مع قوله عليه السلام: (فإذا استنفرتم فانفروا).
قلت: وفي هذه الأحاديث دليل على أن المفروض أو المندوبات متى اجتمعت قدم الأهم منها. وقد استوفى هذا المعنى المحاسبي في كتاب الرعاية.
واختلفوا في الوالدين المشركين هل يخرج بإذنهما إذا كان الجهاد من فروض الكفاية؛ فكان الثوري يقول: لا يغزو إلا بإذنهما. وقال الشافعي: له أن يغزو بغير إذنهما. قال ابن المنذر: والأجداد آباء، والجدات أمهات فلا يغزو المرء إلا بإذنهم، ولا أعلم دلالة توجب ذلك لغيرهم من الأخوة وسائر القرابات. وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله عز وجل.
من تمام برهما صلة أهل ودهما؛ ففي الصحيح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن من أبر صلة الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي). وروى أبو أسيد وكان بدريا قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم جالسا فجاءه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر والدي من بعد موتهما شيء أبرهما به؟ قال: (نعم. الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما بعدهما وإكرام صديقهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما فهذا الذي بقي عليك). وكان صلى الله عليه وسلم يهدي لصدائق خديجة برا بها ووفاء لها وهي زوجته، فما ظنك بالوالدين.
قوله تعالى: "إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما" خص حالة الكبر لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره لتغير الحال عليهما بالضعف والكبر؛ فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل، لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلا عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه؛ فلذلك خص هذه الحالة بالذكر. وأيضا فطول المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة ويحصل الملل ويكثر الضجر فيظهر غضبه على أبويه وتنتفخ لهما أوداجه، ويستطيل عليهما بدالة البنوة وقلة الديانة، وأقل المكروه ما يظهره بتنفسه المتردد من الضجر. وقد أمر أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة، وهو السالم عن كل عيب فقال: "فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما". روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رغم أنفه رغم أنفه رغم أنفه) قيل: من يا رسول الله؟ قال: (من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة). وقال البخاري في كتاب الوالدين: حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا عبدالرحمن بن إسحاق عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي. رغم أنف رجل أدرك أبويه عند الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة. ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له). حدثنا ابن أبي أويس حدثنا أخي عن سليمان بن بلال عن محمد بن هلال عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة السالمي عن أبيه رضي الله عنه قال: إن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحضروا المنبر) فلما خرج رقي إلى المنبر، فرقي في أول درجة منه قال آمين ثم رقي في الثانية فقال آمين ثم لما رقى في الثالثة قال آمين، فلما فرغ ونزل من المنبر قلنا: يا رسول الله، لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه منك؟ قال: (وسمعتموه)؟ قلنا نعم. قال: (إن جبريل عليه السلام اعترض فال: بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له فقلت آمين فلما رقيت في الثانية قال بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت آمين فلما رقيت في الثالثة قال بعد من أدرك عنده أبواه الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قلت آمين). حدثنا أبو نعيم حدثنا سلمة بن وردان سمعت أنسا رضي الله عنه يقول: ارتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر درجة فقال آمين ثم ارتقى درجة فقال آمين ثم ارتقى الدرجة الثالثة فقال آمين، ثم استوى وجلس فقال أصحابه: يا رسول الله، علام أمنت؟ قال: (أتاني جبريل عليه السلام فقال رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت آمين ورغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخل الجنة فقلت آمين) الحديث. فالسعيد الذي يبادر اغتنام فرصة برهما لئلا تفوته بموتهما فيندم على ذلك. والشقي من عقهما، لا سيما من بلغه الأمر ببرهما.
قوله تعالى: "فلا تقل لهما أف" أي لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرم. وعن أبي رجاء العطاردي قال: الأف الكلام القذع الرديء الخفي. وقال مجاهد: معناه إذا رأيت منهما في حال الشيخ الغائط والبول الذي رأياه منك في الصغر فلا تقذرهما وتقول أف. والآية أعم من هذا. والأف والتف وسخ الأظفار. ويقال لكل ما يضجر ويستثقل: أف له. قال الأزهري: والتف أيضا الشيء الحقير. وقرئ "أف" منون مخفوض؛ كما تخفض الأصوات وتنون، تقول: صه ومه. وفيه عشر لغات: أف، وإف، وأف، وأفا وأف، وأفه، وإف لك (بكسر الهمزة)، وأف (بضم الهمزة وتسكين الفاء)، وأفا (مخففة الفاء). وفي الحديث: (فألقى طرف ثوبه على أنفه ثم قال أف أف). قال أبو بكر: معناه استقذار لما شم. وقال بعضهم: معنى أف الاحتقار والاستقلال؛ أخذ من الأف وهو القليل. وقال القتبي: أصله نفخك الشيء يسقط عليك من رماد وتراب وغير ذلك، وللمكان تريد إماطة شيء لتقعد فيه؛ فقيلت هذه الكلمة لكل مستثقل. وقال أبو عمرو بن العلاء: الأف وسخ بين الأظفار، والتف قلامتها. وقال الزجاج: معنى أف النتن. وقال الأصمعي: الأف وسخ الأذن، والتف وسخ الأظفار؛ فكثر استعماله حتى ذكر في كل ما يتأذى به. وروي من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو علم الله من العقوق شيئا أردا من "أف" لذكره فليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار. وليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة). قال علماؤنا: وإنما صارت قولة "أف" للأبوين أردأ شيء لأنه رفضهما رفض كفر النعمة، وجحد التربية ورد الوصية التي أوصاه في التنزيل. و"أف" كلمة مقولة لكل شيء مرفوض؛ ولذلك قال إبراهيم لقومه: "أف لكم ولما تعبدون من دون الله" [الأنبياء: 67] أي رفض لكم ولهذه الأصنام معكم.
قوله تعالى: "ولا تنهرهما" النهر: الزجر والغلظة. "وقل لهما قولا كريما" أي لينا لطيفا، مثل: يا أبتاه ويا أماه، من غير أن يسميهما ويكنيهما؛ قال عطاء. وقال ابن البداح التجيبي: قلت لسعيد بن المسيب كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته إلا قوله: "وقل لهما قولا كريما" ما هذا القول الكريم؟ قال ابن المسيب: قول العبد المذنب السيد الفظ الغليظ.
قوله تعالى: "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة" هذه استعارة في الشفقة والرحمة بهما والتذلل لهما تذلل الرعية للأمير والعبيد للسادة؛ كما أشار إليه سعيد بن المسيب. وضرب خفض الجناح ونصبه مثلا لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه لولده. والذل: هو اللين. وقراءة الجمهور بضم الذال، من ذل يذل ذلا وذلة ومذلة فهو ذال وذليل. وقرأ سعيد بن جبير وابن عباس وعروة بن الزبير "الذل" بكسر الذال، ورويت عن عاصم؛ من قولهم: دابة ذلول بينة الذل. والذل في الدواب المنقاد السهل دون الصعب. فينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل الإنسان نفسه مع أبويه في خير ذلة، في أقواله وسكناته ونظره، ولا يحد إليهما بصره فإن تلك هي نظرة الغاضب.
الخطاب في هذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته؛ إذ لم يكن له عليه السلام في ذلك الوقت أبوان. ولم يذكر الذل في قوله تعالى: "واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين" [الشعراء: 215] وذكره هنا بحسب عظم الحق وتأكيده. و"من" في قوله: "من الرحمة" لبيان الجنس، أي إن هذا الخفض يكون من الرحمة المستكنة في النفس، لا بأن يكون ذلك استعمالا. ويصح أن يكون لانتهاء الغاية،
قوله تعالى: "وقل رب ارحمهما" أمر تعالى عباده بالترحم على آبائهم والدعاء لهم، وأن ترحهما كما رحماك وترفق بهما كما رفقا بك؛ إذ ولياك صغيرا جاهلا محتاجا فآثراك على أنفسهما، وأسهرا ليلهما، وجاعا وأشبعاك، وتعريا وكسواك، فلا تجزيهما إلا أن يبلغا من الكبر الحد الذي كنت فيه من الصغر، فتلي منهما ما وليا منك، ويكون لهما حينئذ فضل التقدم. قال صلى الله عليه وسلم: (لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه). وسيأتي في سورة [مريم] الكلام على هذا الحديث. والآية "وقل رب أرحمهما" نزلت في سعد بن أبي وقاص، فإنه أسلم، فألقت أمه نفسها في الرمضاء متجردة، فذكر ذلك لسعد فقال: لتمت، فنزلت الآية
قوله تعالى: "كما ربياني" خص التربية بالذكر ليتذكر العبد شفقة الأبوين وتبعهما في التربية، فيزيده ذلك إشفاقا لهما وحنانا عليهما، وهذا كله في الأبوين المؤمنين. وقد نهى القرآن عن الاستغفار للمشركين الأموات ولو كانوا أولي قربى، كما تقدم. وذكر عن ابن عباس وقتادة أن هذا كله منسوخ بقوله: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين - إلى قوله - أصحاب الجحيم" [التوبة: 113] فإذا كان والدا المسلم ذميين استعمل معهما ما أمره الله به هاهنا؛ إلا الترحم لهما بعد موتهما على الكفر؛ لأن هذا وحده نسخ بالآية المذكورة. وقيل: ليس هذا موضع نسخ، فهو دعاء بالرحمة الدنيوية للأبوين المشركين ما داما حيين، كما تقدم. أو يكون عموم هذه الآية خص بتلك، لا رحمة الآخرة، لا سيما وقد قيل إن قوله: "وقل رب أرحمهما" نزلت في سعد بن أبي وقاص، فإنه أسلم، فألقت أمه نفسها في الرمضاء متجردة، فذكر ذلك لسعد فعال: لتمت، فنزلت الآية. وقيل: الآية خاصة في الدعاء للأبوين المسلمين. والصواب أن ذلك عموم كما ذكرنا، وقال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أمسى مرضيا لوالديه وأصبح أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان من الجنة وإن واحدا فواحدا. ومن أمسى وأصبح مسخطا لوالديه أمسى وأصبح وله بابان مفتوحان إلى النار وإن واحدا فواحدا) فقال رجل: يا رسول الله، وإن ظلماه؟ قال: (وإن ظلماه وإن ظلماه وإن ظلماه). وقد روينا بالإسناد المتصل عن جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أبي أخذ مالي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: (فأتني بأبيك) فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك إذا جاءك الشيخ فاسأله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه) فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بال ابنك يشكوك أتريد أن تأخذ ماله)؟ فقال: سله يا رسول الله، هل أنفقه إلا على إحدى عماته أو خالاته أو على نفسي! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إيه، دعنا من هذا أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك)؟ فقال الشيخ: والله يا رسول الله، ما زال الله عز وجل يزيدنا بك يقينا، لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي. قال: (قل وأنا أسمع) قال قلت:
غذوتك مولودا ومنتك يافعا تعل بما أجني عليك وتنهل
إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا ساهرا أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي طرقت به دوني فعيني تهمل
تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت وقت مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المصاقب يفعل
فأوليتني حق الجوار ولم تكن علي بمال دون مالك تبخل
قال: فحينئذ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه وقال: (أنت ومالك لأبيك). قال الطبراني: اللخمي لا يروى - يعني هذا الحديث - عن ابن المنكدر بهذا التمام والشعر إلا بهذا الإسناد؛ وتفرد به عبيدالله بن خلصة. والله اعلم.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:12 PM
تفسير سورة الإخلاص
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:13 PM
الطبرى
سورة الإخلاص مكيّة
وآياتها أربع
بسم الله الرحمَن الرحيم
الآية : 1-4
القول فـي تأويـل قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ * اللّهُ الصّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لّهُ كُفُواً أَحَدٌ }.
ذُكر أن المشركين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسب ربّ العزة, فأنزل الله هذا السورة جوابا لهم. وقال بعضهم: بل نزلت من أجل أن اليهود سألوه, فقالوا له: هذا الله خلق الخلق, فمن خلق الله؟ فأُنزلت جوابا لهم.
ذكر من قال: أُنزلت جوابا للمشركين الذين سألوه أن ينسُب لهم الربّ تبارك وتعالى.
ـ حدثنا أحمد بن منيع المَرْوزيّ ومحمود بن خِداش الطالَقَاني, قالا: حدثنا أبو سعيد الصنعاني, قال: حدثنا أبو جعفر الرازيّ, عن الربيع بن أنس, عن أبي العالية, عن أُبيّ بن كعب, قال: قال المشركون للنبيّ صلى الله عليه وسلم: انسُبْ لنا ربك, فأنزل الله: قُلْ هُوَ اللّهُ أحَدٌ اللّهُ الصّمَدُ.
ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا يحيى بن واضح, قال: حدثنا الحسين, عن يزيد, عن عكرِمة, قال: إن المشركين قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن ربك, صف لنا ربك ما هو, ومن أيّ شيء هو؟ فأنزل الله: قُلْ هُوَ اللّهُ أحَدٌ إلى آخر السورة.
ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن أبي جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية قُلْ هُوَ اللّهُ أحَدٌ اللّهُ الصّمَدُ قال: قال ذلك قادة الأحزاب: انسُب لنا ربك, فأتاه جبريل بهذه.
ـ حدثني محمد بن عوف, قال: حدثنا شريح, قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد, عن مجالد, عن الشعبيّ, عن جابر قال: قال المشركون: انسُب لنا ربك, فأنزل الله قُلْ هُوَ اللّهُ أحَدٌ. ذكر من قال: نزل ذلك من أجل مسألة اليهود:
ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلمة, قال: ثني ابن إسحاق, عن محمد, عن سعيد, قال: أتى رهط من اليهود النبيّ صلى الله عليه وسلم, فقالوا: يا محمد هذا الله خلق الخلق, فمن خلقه؟ فغضب النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى انتُقِعَ لونه ثم ساوَرَهم غضبا لربه, فجاءه جبريل عليه السلام فسكنّه, وقال: اخفض عليك جناحك يا محمد, وجاءه من الله جواب ما سألوه عنه. قال: يقول الله: قُلْ هُوَ اللّهُ أحَدٌ اللّهُ الصّمَدُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أحَدٌ فلما تلا عليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم, قالوا: صف لنا ربك كيف خَلْقُه, وكيف عضُدُه, وكيف ذراعُه, فغضب النبيّ صلى الله عليه وسلم أشدّ من غضبه الأوّل, وساوَرَهم غضبا, فأتاه جبريل فقال له مثل مقالته, وأتاه بجواب ما سألوه عنه: وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ والسّمَوَاتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ.
ـ حدثنا ابن حُمَيد, قال: حدثنا مِهران, عن سعيد بن أبي عَرُوبة, عن قتادة, قال: جاء ناس من اليهود إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم, فقالوا: انسب لنا ربك, فنزلت: قُلْ هُوَ اللّهُ أحَدٌ حتى ختم السورة.
فتأويل الكلام إذا كان الأمر على ما وصفنا: قل يا محمد لهؤلاء السائليك عن نسب ربك وصفته, ومن خلقه: الربّ الذي سألتموني عنه, هو الله الذي له عبادة كل شيء, لا تنبغي العبادة إلاّ له, ولا تصلح لشيء سواه.
واختلف أهل العربية في الرافع أحَدٌ فقال بعضهم: الرافع له «الله», و «هو» عمادا, بمنزلة الهاء في قوله: إنّهُ أنا اللّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وقال آخر منهم: بل «هو» مرفوع, وإن كان نكرة بالاستئناف, كقوله: هذا بعلي شيخ, وقال: هو الله جواب لكلام قوم قالوا له: ما الذي تعبد؟ فقال: هو الله, ثم قيل له: فما هو؟ قال: هو أحد.
وقال آخرون أحَدٌ بمعنى: واحد, وأنكر أن يكون العماد مستأنفا به, حتى يكون قبله حرف من حروف الشكّ, كظنّ وأخواتها, وكان وذواتها, أو إنّ وما أشبهها, وهذا القول الثاني هو أشبه بمذاهب العربية.
واختلفت القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الأمصار أحَدٌ اللّهُ الصّمَدُ بتنوين «أحدٌ», سوى نصر بن عاصم, وعبد الله بن أبي إسحاق, فإنه رُوي عنهما ترك التنوين: «أحَدُ اللّهُ» وكأن من قرأ ذلك كذلك, قال: نون الإعراب إذا استقبلتها الألف واللام أو ساكن من الحروف حُذفت أحيانا, كما قال الشاعر:
كَيْفَ نَوْمي على الفرَاشِ ولمَاتَشْمَلِ الشّامَ غارَةٌ شَعْوَاءُ
تُذْهِلُ الشّيْخَ عَن بَنِيهِ وتُبْدِيعَنْ خِدَامِ العَقِيلَةُ العَذْراءُ
يريد: عن خِدامٍ العقيلةُ.
والصواب في ذلك عندنا: التنوين, لمعنيين: أحدهما أفصح اللغتين, وأشهر الكلامين, وأجودهما عند العرب. والثاني: إجماع الحجة من قرّاء الأمصار على اختيار التنوين فيه, ففي ذلك مُكْتفًى عن الاستشهاد على صحته بغيره. وقد بيّنا معنى قوله «أحد» فيما مضى, بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وقوله: اللّهُ الصّمَدُ يقول تعالى ذكره: المعبود الذي لا تصلح العبادة إلاّ له الصمدُ.
واختلف أهل التأويل في معنى الصمد, فقال بعضهم: هو الذي ليس بأجوف, ولا يأكل ولا يشرب. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا عبد الرحمن بن الأسود, قال: حدثنا محمد بن ربيعة, عن سلمة بن سابور, عن عطية, عن ابن عباس, قال: الصمد: الذي ليس بأجوف.
ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد, قال: الصمد: المُصْمَت الذي لا جوف له.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد, مثلَه سواء.
حدثني الحرث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: الصمد: المُصْمَت الذي ليس له جوف.
حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن ووكيع, قالا: حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: الصمد: الذي لا جوف له.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا وكيع وحدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران جميعا, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثلَه.
ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا الربيع بن مسلم, عن الحسن, قال: الصّمَدُ: الذي لا جوف له.
ـ قال: ثنا الربيع بن مسلم, عن إبراهيم بن ميسرة, قال: أرسلني مجاهد إلى سعيد بن جُبير أسأله عن الصمد, فقال: الذي لا جوف له.
ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا يحيى, قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد, عن الشعبيّ, قال: الصمدُ الذي لا يَطْعَم الطعام.
حدثنا يعقوب, قال: حدثنا هشيم, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن الشعبيّ أنه قال: الصّمَدُ: الذي لا يأكل الطعام, ولا يشرب الشراب.
ـ حدثنا أبو كُرَيب وابن بشار, قالا: حدثنا وكيع, عن سلمة بن نُبَيط, عن الضحاك, قال: الصمدُ: الذي لا جوف له.
ـ حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا ابن أبي زائدة, عن إسماعيل, عن عامر, قال: الصمدُ: الذي لا يأكل الطعام.
ـ حدثنا ابن بشار وزيد بن أخزم, قالا: حدثنا ابن داود, عن المستقيم بن عبد الملك, عن سعيد بن المسيب قال: الصمدُ: الذي لا حِشوة له.
حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: الصمدُ: الذي لا جوف له.
ـ حدثني العباس بن أبي طالب, قال: حدثنا محمد بن رومي, عن عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش, قال: ثني صالح بن حيان, عن عبد الله بن بريدة, عن أبيه, قال: لا أعلمه إلاّ قد رَفَعه, قال: الصّمَد الذي لا جوف له.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا بشر بن المفضل, عن الربيع بن مسلم, قال: سمعت الحسن يقول: الصّمَدُ: الذي لا جوف له.
ـ حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن عكرِمة, قال: الصمدُ: الذي لا جوف له.
وقال آخرون: هو الذي لا يخرج منه شيء. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثني يعقوب, قال: حدثنا ابن عُلَية, عن أبي رجاء, قال: سمعت عِكْرِمة, قال في قوله: الصّمَدُ: الذي لم يخرج منه شيء, ولم يَلِد, ولم يُولَد.
حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا محمد بن جعفر, قال: حدثنا شعبة, عن أبي رجاء محمد بن يوسف, عن عكرِمة قال: الصمدُ: الذي لا يخرج منه شيء.
وقال آخرون: هو الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن أبي جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية, قال: الصّمَدُ: الذي لم يلد ولم يولد, لأنه ليس شيء يلد إلاّ سيورث, ولا شيء يولد إلاّ سيموت, فأخبرهم تعالى ذكره أنه لا يُورث ولا يموت.
ـ حدثنا أحمد بن منيع ومحمود بن خِداش قالا: حدثنا أبو سعيد الصّنْعانيّ, قال: قال المشركون للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أنسُب لنا ربك, فأنزل الله: قُلْ هُوَ اللّهُ أحَدٌ اللّهُ الصّمَدُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أحَدٌ لأنه ليس شيء يولد إلاّ سيموت, وليس شيء يموت إلاّ سيُورث, وإن الله جلّ ثناؤه لا يموت ولا يورث ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أحَدٌ: ولم يكن له شبيه ولا عدل, وليس كمثله شيء.
ـ حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا وكيع, عن أبي معشر, عن محمد بن كعب: الصّمَد: الذي لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفوا أحد.
وقال آخرون: هو السيد الذي قد انتهى سُؤدَدُه. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثني أبو السائب, قال: ثني أبو معاوية, عن الأعمش, عن شقيق, قال: الصّمَدُ: هو السيد الذي قد انتهى سُؤدَدُه.
ـ حدثنا أبو كريب وابن بشار وابن عبد الأعلى, قالوا: حدثنا وكيع, عن الأعمش, عن أبي وائل, قال: الصّمد: السيد الذي قد انتهى سُؤدَدُه ولم يقل أبو كُرَيب وابن عبد الأعلى سُؤدَدُه.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن الأعمش, عن أبي وائل مثله.
ـ حدثنا عليّ, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله: الصّمَدُ يقول: السيد الذي قد كمل في سُؤدَدِه, والشريف الذي قد كمُل في شرفه, والعظيم الذي قد عظُم في عظمته, والحليم الذي قد كمل في حلمه, والغنيّ الذي قد كمل في غناه, والجبّار الذي قد كمل في جبروته, والعالم الذي قد كمل في علمه, والحكيم الذي قد كمل في حكمته, وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسّؤدَد, وهو الله سبحانه هذه صفته, لا تنبغي إلاّ له.
وقال آخرون: بل هو الباقي الذي لا يفنَى. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, في قوله: قُلْ هُوَ اللّهُ أحَدٌ اللّهَ الصّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ قال: كان الحسن وقتادة يقولان: الباقي بعد خلقه, قال: هذه سورة خالصة, ليس فيها ذكر شيء من أمر الدنيا والاَخرة.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قال: الصّمَدُ: الدائم.
قال أبو جعفر: الصّمَدُ عند العرب: هو السيد الذي يُصْمَدُ إليه, الذي لا أحد فوقه, وكذلك تسمي أشرافَها ومنه قول الشاعر:
ألا بَكَرَ النّاعي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْبعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبالسّيّدِ الصّمَدْ
وقال الزبرقان:
وَلا رَهِينَةَ إلاّ سَيّدٌ صَمَدُ
فإذا كان ذلك كذلك, فالذي هو أولى بتأويل الكلمة, المعنى المعروف من كلام من نزل القرآن بلسانه ولو كان حديث ابن بُريدة, عن أبيه صحيحا, كان أولى الأقوال بالصحة, لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بما عَنى الله جلّ ثناؤه, وبما أنْزل عليه.
وقوله: لَمْ يَلِدْ يقول: ليس بفان, لأنه لا شيء يلد إلا هو فان بائد ولَمْ يُولَدْ يقول: وليس بمحدث لم يكن فكان, لأن كلّ مولود فإنما وُجد بعد أن لم يكن, وحدث بعد أن كان غير موجود, ولكنه تعالى ذكره قديم لم يزل, ودائم لم يَبِد, ولا يزول ولا يفني.
وقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ اختلف أهل التأويل في معنى ذلك, فقال بعضهم: معنى ذلك: ولم يكن له شبيه ولا مِثْل. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن أبي جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية قوله: ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أحَدٌ: لم يكن له شبيه, ولا عِدْل, وليس كمثله شيء.
ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, عن عمرو بن غَيلانَ الثقفيّ, وكان أميرَ البصرة, عن كعب, قال: إن الله تعالى ذكره أسّس السموات السبع, والأرضين السبع, على هذه السورة لَمْ يَلِدْ وَلمْ يُولَدْ ولمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أحَدٌ وإن الله لم يكافئه أحد من خلقه.
ـ حدثني عليّ, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أحَدٌ قال: ليس كمثله شيء, فسبحان الله الواحد القهّار.
ـ حدثني الحرث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, عن ابن جُرَيج ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا: مثل.
وقال آخرون: معنى ذلك, أنه لم يكن له صاحبة. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفيان, عن عبد الملك بن أبجر, عن طلحة, عن مجاهد, قوله: ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ قال: صاحبة.
حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا يحيى, عن سفيان, عن ابن أبجر, عن طلحة, عن مجاهد, مثلَه.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا ابن إدريس, عن عبد الملك, عن طلحة, عن مجاهد, مثله.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن ابن أبجر, عن رجل عن مجاهد ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أحَدٌ قال: صاحبة.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن عبد الملك بن أبجر, عن طلحة بن مصرّف, عن مجاهد ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ قال: صاحبة.
حدثنا أبو السائب, قال: حدثنا ابن إدريس, عن عبد الملك, عن طلحة, عن مجاهد, مثله.
والكُفُؤْ والكفىء والكِفاء في كلام العرب واحد, وهو المِثْل والشّبْه ومنه قول نابغة بني ذُبيان:
لا تَقْذِفَنّي برُكْنٍ لا كِفاءَ لَهُوَلَوْ تأَثّفَكَ الأعْدَاءُ بالرّفَدِ
يعني: لا كفاء له: لا مثل له.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: كُفُوًا. فقرأ ذلك عامة قرّاء البصرة: كُفُوًا بضم الكاف والفاء. وقرأه بعض قرّاء الكوفة بتسكين الفاء وهمزها «كُفْئا».
والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان, ولغتان مشهورتان, فبأيتهما قرأ القارىء فمصيب.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:14 PM
ابن كثير
(ذكر سبب نزولها وفضلها)
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد محمد بن ميسر الصاغاني, حدثنا أبو جعفر الرازي, حدثنا الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد «انسب لنا ربك, فأنزل الله تعالى: {قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد} وكذا رواه الترمذي وابن جرير عن أحمد بن منيع, زاد ابن جرير ومحمود بن خداش عن أبي سعيد محمد بن ميسر به زاد ابن جرير والترمذي قال {الصمد} الذي لم يلد ولم يولد لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت, وليس شيء يموت إلا سيورث, وإن الله عز وجل لا يموت ولا يورث {ولم يكن له كفواً أحد} ولم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء. ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي سعيد محمد بن ميسر به, ثم رواه الترمذي عن عبد بن حميد عن عبيد الله بن موسى عن أبي جعفر عن الربيع عن أبي العالية, فذكره مرسلاً ثم لم يذكر حدثنا, ثم قال الترمذي: وهذا أصح من حديث أبي سعيد.
(حديث آخر في معناه) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا سريج بن يونس حدثنا إسماعيل بن مجالد, عن مجالد عن الشعبي عن جابر رضي الله عنه أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: انسب لنا ربك, فأنزل الله عز وجل {قل هو الله أحد} إلى آخرها إسناد متقارب, وقد رواه ابن جرير عن محمد بن عوف عن سريج فذكره, وقد أرسله غير واحد من السلف, وروى عبيد بن إسحاق العطار عن قيس بن الربيع عن عاصم, عن أبي وائل, عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك فنزلت هذه السورة {قل هو الله أحد} قال الطبراني: ورواه الفريابي وغيره عن قيس عن أبي عاصم, عن أبي وائل مرسلاً, ثم روى الطبراني من حديث عبد الرحمن بن عثمان الطرائفي, عن الوازع بن نافع عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل شيء نسبة ونسبة الله {قل هو الله أحد. الله الصمد} والصمد ليس بأجوف».
(حديث آخر في فضلها) قال البخاري: حدثنا محمد هو الذهلي, حدثنا أحمد بن صالح, حدثنا ابن وهب, أخبرنا عمرو عن ابن أبي هلال أن أبا الرجال محمد بن عبد الرحمن, حدثه عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن, وكانت في حجر عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية, وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد, فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «سلوه لأي شيء يصنع ذلك» فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أخبروه أن الله تعالى يحبه» هكذا رواه في كتاب التوحيد, ومنهم من يسقط ذكر محمد الذهلي ويجعله من روايته عن أحمد بن صالح, وقد رواه مسلم والنسائي أيضاً من حديث عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث, عن سعيد بن أبي هلال به.
(حديث آخر) قال البخاري في كتاب الصلاة, وقال عبيد الله عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء, فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بقل هو الله أحد, حتى يفرغ منها ثم كان يقرأ سورة أخرى معها, وكان يصنع ذلك في كل ركعة: فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى, فإما أن تقرأ بها, وإما تدعها وتقرأ بأخرى, فقال: ما أنا بتاركها, إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت, وإن كرهتم تركتكم, وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره, فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر فقال: «يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة» قال إني أحبها, قال: «حبك إياها أدخلك الجنة».
هكذا رواه البخاري تعليقاً مجزوماًبه. وقد رواه أبو عيسى الترمذي في جامعه عن البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي, عن عبيد الله بن عمر فذكر بإسناده مثله سواء, ثم قال الترمذي: غريب من حديث عبيد الله عن ثابت. قال: وروى مبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أحب هذه السورة {قل هو الله أحد} قال: «إن حبك إياها أدخلك الجنة» وهذا الذي علقه الترمذي قد رواه الإمام أحمد في مسنده متصلاً, فقال: حدثنا أبو النضر, حدثنا مبارك بن فضالة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أحب هذه السورة {قل هو الله أحد} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حبك إياها أدخلك الجنة».
(حديث في كونها تعدل ثلث القرآن) قال البخاري: حدثنا إسماعيل, حدثنا مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ {قل هو الله أحد} يرددها, فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له, وكأن الرجل يتقالها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» زاد إسماعيل بن جعفر عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه عن أبي سعيد قال: أخبرني أخي قتادة بن النعمان عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد رواه البخاري أيضاً عن عبد الله بن يوسف والقعنبي, ورواه أبو داود عن القعنبي والنسائي عن قتيبة كلهم عن مالك به, وحديث قتادة بن النعمان أسنده النسائي من طريقين عن إسماعيل بن جعفر عن مالك به.
(حديث آخر) قال البخاري: حدثنا عمر بن حفص, حدثنا أبي حدثنا الأعمش, حدثنا إبراهيم والضحاك المشرقي عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة» فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله. فقال: «الله الواحد الصمد ثلث القرآن» تفرد بإخراجه البخاري من حديث إبراهيم بن يزيد النخعي والضحاك بن شرحبيل الهمداني المشرقي, كلاهما عن أبي سعيد, قال الفربري: سمعت أبا جعفر محمد بن أبي حاتم وراق أبي عبد الله قال: قال أبو عبد الله البخاري عن إبراهيم مرسل وعن الضحاك مسند.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق, حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن أبي الهيثم, عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, قال: بات قتادة بن النعمان يقرأ الليل كله بقل هو الله أحد, فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل نصف القرآن ـ أو ثلثه ـ».
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا حسن, حدثنا ابن لهيعة, حدثنا حُيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو أن أبا أيوب الأنصاري كان في مجلس وهو يقول: ألا يستطيع أحدكم أن يقوم بثلث القرآن كل ليلة» ؟ فقالوا: وهل يستطيع ذلك أحد ؟ قال: فإن {قل هو الله أحد} ثلث القرآن. قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسمع أبا أيوب فقال: «صدق أبو أيوب».
(حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا يزيد بن كيسان, أخبرني أبو حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن» فحشد من حشد ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقرأ {قل هو الله أحد} ثم دخل فقال بعضنا لبعض: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن» إني لأرى هذا خبراً جاء من السماء, ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني قلت سأقرأ عليكم ثلث القرآن ألا وإنها تعدل ثلث القرآن» وهكذا رواه مسلم في صحيحه عن محمد بن بشار به. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب, واسم أبي حازم سلمان.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن زائدة بن قدامة عن منصور, عن هلال بن يساف, عن الربيع بن خيثم عن عمرو بن ميمون, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن امرأة من الأنصار عن أبي أيوب, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة ؟ فإنه من قرأ {قل هو الله أحد * الله الصمد} في ليلة فقد قرأ ليلتئذ ثلث القرآن» هذا حديث تساعي الإسناد للإمام أحمد ورواه الترمذي والنسائي كلاهما عن محمد بن بشار بندار زاد الترمذي وقتيبة كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي به فصار لهما عشارياً, وفي رواية الترمذي عن امرأة أبي أيوب عن أبي أيوب به, وحسنه ثم قال وفي الباب عن أبي الدرداء وأبي سعيد وقتادة بن النعمان وأبي هريرة وأنس وابن عمر وأبي مسعود, وهذا حديث حسن ولا نعلم أحداً روى هذا الحديث أحسن من رواية زائدة, وتابعه على روايته إسرائيل والفضيل بن عياض, وقد روى شعبة وغير واحد من الثقات هذا الحديث عن منصور واضطربوا فيه.
(حديث آخر) قال أحمد: حدثنا هشيم عن حصين عن هلال بن يساف, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بن كعب أو رجل من الأنصار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ بقل هو الله أحد فكأنما قرأ بثلث القرآن» ورواه النسائي في اليوم والليلة من حديث هشيم عن حصين عن ابن أبي ليلى به. ولم يقع في روايته هلال بن يساف.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي قيس, عن عمرو بن ميمون عن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن» وهكذا رواه ابن ماجه عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع به. ورواه النسائي في اليوم والليلة من طرق أخر عن عمرو بن ميمون مرفوعاً وموقوفاً.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا بهز, حدثنا بكير بن أبي السميط حدثنا قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن أبي معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ كل يوم ثلث القرآن ؟» قالوا: نعم يا رسول الله نحن أضعف من ذلك وأعجز, قال: «فإن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فقل هو الله أحد ثلث القرآن» ورواه مسلم والنسائي من حديث قتادة به.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أمية بن خالد, حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم بن أخي بن شهاب عن عمه الزهري, عن حميد بن عبد الرحمن هو ابن عوف, عن أمه وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط, قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «{قل هو الله أحد}, تعدل ثلث القرآن» وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن عمرو بن علي عن أمية بن خالد به, ثم رواه من طريق مالك عن الزهري, عن حميد بن عبد الرحمن قوله. ورواه النسائي أيضاً في اليوم والليلة من حديث محمد بن إسحاق عن الحارث بن الفضيل الأنصاري عن الزهري, عن حميد بن عبد الرحمن أن نفراً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حدثوه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن لمن صلى بها».
(حديث آخر في كون قراءتها توجب الجنة) قال الإمام مالك بن أنس عن عبيد الله بن عبد الرحمن عن عبيد بن حنين قال: سمعت أبا هريرة يقول: أقبلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع رجلاً يقرأ قل هو الله أحد, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وجبت ـ قلت وما وجبت قال ـ الجنة» ورواه الترمذي والنسائي من حديث مالك, وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك, وتقدم حديث «حبك إياها أدخلك الجنة».
(حديث في تكرار قراءتها) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا قطر بن بشير, حدثنا عيسى بن ميمون القرشي, حدثنا يزيد الرقاشي عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات في ليلة فإنها تعدل ثلث القرآن» هذا إسناد ضعيف وأجود منه.
(حديث آخر) قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي, حدثنا الضحاك بن مخلد, حدثنا ابن أبي ذئب عن أسيد بن أبي أسيد, عن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه قال: أصابنا عطش وظلمة فانتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا, فخرج فأخذ بيدي فقال: «قل» فسكت. قال «قل» قلت: ما أقول ؟ قال «قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثاً, تكفيك كل يوم مرتين» ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن أبي ذئب به. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وقد رواه النسائي من طريق أخرى عن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه عن عقبة بن عامر فذكره ولفظه «تكفك كل شيء».
(حديث آخر في ذلك) قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى, حدثني ليث بن سعد, حدثني الخليل بن مرة عن الأزهر بن عبد الله عن تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله واحداً أحداً صمداً لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ولم يكن له كفواً أحد,, عشر مرات كتب الله له أربعين ألف ألف حسنة» تفرد به أحمد والخليل بن مرة, ضعفه البخاري وغيره بمرة.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا حسن بن موسى, حدثنا ابن لهيعة, حدثنا زبان بن فائدة عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ قل هو الله أحد حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة» فقال عمر: إذاً نستكثر يا رسول الله, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكثر وأطيب» تفرد به أحمد ورواه أبو محمد الدارمي في مسنده فقال: حدثنا عبد الله بن زيد, حدثنا حيوة, حدثنا أبو عقيل زهرة بن معبد, قال الدارمي: وكان من الأبدال أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة, ومن قرأها عشرين مرة بنى الله له قصرين في الجنة, ومن قرأها ثلاثين مرة بنى الله له ثلاثة قصور في الجنة» فقال عمر بن الخطاب: إذاً نكثر قصورنا, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الله أوسع من ذلك» وهذا مرسل جيد.
(حديث آخر) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا نصر بن علي, حدثني نوح بن قيس, أخبرني محمد العطار, أخبرتني أم كثير الأنصارية عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ قل هو الله أحد خمسين مرة غفر الله له ذنوب خمسين سنة» إسناده ضعيف.
(حديث آخر) قال أبو يعلى: حدثنا أبو الربيع: حدثنا حاتم بن ميمون, حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ قل هو الله أحد في يوم مائتي مرة كتب الله له ألفا وخمسمائة حسنة إلا أن يكون عليه دين», إسناد ضعيف, حاتم بن ميمون ضعفه البخاري وغيره, ورواه الترمذي عن محمد بن مرزوق البصري عن حاتم بن ميمون به. ولفظه: «من قرأ كل يوم مائتي مرة قل هو الله أحد محي عنه ذنوب خمسين سنة إلا أن يكون عليه دين».
قال الترمذي: وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أراد أن ينام على فراشه فنام على يمينه, ثم قرأ قل هو الله أحد مائة مرة, فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب عز وجل: يا عبدي ادخل على يمينك الجنة» ثم قال غريب من حديث ثابت, وقد روي من غير هذا الوجه عنه, وقال أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن بحر, حدثنا حبان بن أغلب, حدثنا أبي, حدثنا ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ قل هو الله أحد مائتي مرة حط الله عنه ذنوب مائتي سنة» ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا الحسن بن أبي جعفر والأغلب بن تميم, وهما متقاربان في سوء الحفظ.
(حديث آخر) في الدعاء بما تضمنته من الأسماء. قال النسائي عند تفسيرها: حدثنا عبد الرحمن بن خالد, حدثنا زيد بن الحباب, حدثني مالك بن مغول, حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد, فإذا رجل يصلي يدعو يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. قال: «والذي نفسي بيده لقد سأله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب» وقد أخرجه بقية أصحاب السنن من طرق عن مالك بن مغول عن عبد الله بن بريدة عن أبيه به, وقال الترمذي: حسن غريب.
(حديث آخر) في قراءتها عشر مرات بعد المكتوبة. قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبد الأعلى, حدثنا بشر بن منصور عن عمر بن شيبان عن أبي شداد عن جابر بن عبد الله: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من جاء بهن مع الإيمان دخل من أي أبواب الجنة شاء, وزوج من الحور العين حيث شاء, من عفا عن قاتله, وأدى ديناً خفياً, وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات: قل هو الله أحد» قال: فقال أبو بكر: أو إحداهن يا رسول الله, قال «أو إحداهن».
(حديث) في قراءتها عند دخول المنزل. قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله بن بكر السراج العسكري, حدثنا محمد بن الفرج, حدثنا محمد بن الزبرقان عن مروان بن سالم عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير, عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ قل هو الله أحد حين يدخل منزله نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل والجيران» إسناده ضعيف.
(حديث) في الإكثار من قراءتها في سائر الأحوال. قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي, حدثنا يزيد بن هارون عن العلاء أبي محمد الثقفي. قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور, لم نرها طلعت فيما مضى بمثله, فأتى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا جبريل مالي أرى الشمس طلعت اليوم بضياء وشعاع ونور لم أرها طلعت بمثله فيما مضى ؟» قال: إن ذلك معاوية بن معاوية الليثي, مات بالمدينة اليوم فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه. قال: «وفيم ذلك ؟» قال: كان يكثر قراءة قل هو الله أحد في الليل وفي النهار وفي ممشاه وقيامه وقعوده فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه ؟ قال: «نعم» فصلى عليه, وكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة من طريق يزيد بن هارون عن العلاء بن محمد وهو متهم بالوضع, والله أعلم.
(طريق أخرى) قال أبو يعلى: حدثنا محمد بن إبراهيم الشامي أبو عبد الله حدثنا عثمان بن الهيثم مؤذن مسجد الجامع بالبصرة عندي عن محمود أبي عبد الله عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس قال: نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال مات معاوية بن معاوية الليثي, فتحب أن تصلي عليه ؟ قال: «نعم» فضرب بجناحه الأرض فلم تبق شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت, فرفع سريره فنظر إليه فكبر عليه وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا جبريل بم نال هذه المنزلة من الله تعالى ؟» قال: بحبه قل هو الله أحد, وقراءته إياها ذاهباً وجائياً قائماً وقاعداً وعلى كل حال. ورواه البيهقي من رواية عثمان بن الهيثم المؤذن عن محبوب بن هلال عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس فذكره, وهذا هو الصواب ومحبوب بن هلال قال أبو حاتم الرازي ليس بالمشهور, وقد روي هذا من طرق أخر تركناها اختصاراً وكلها ضعيفة.
(حديث آخر) في فضلها مع المعوذتين. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة حدثنا معاذ بن رفاعة, حدثني علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن عقبة بن عامر قال لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأته فأخذته بيده فقلت: يا رسول الله بم نجاة المؤمن ؟ قال: يا عقبة أخرس لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك» قال: ثم لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأني فأخذ بيدي فقال: «يا عقبة بن عامر ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم» ؟ قال: قلت بلى جعلني الله فداك. قال: فأقرأني {قل هو الله أحد} و {قل أعوذ برب الفلق} و {قل أعوذ برب الناس} ثم قال: «يا عقبة لا تنسهن ولا تبت ليلة حتى تقرأهن» قال فما نسيتهن منذ قال لا تنسهن وما بت ليلة قط حتى أقرأهن, قال عقبة: ثم لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأته فأخذت بيده, فقلت يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال فقال: «يا عقبة صل من قطعك وأعط من حرمك وأعرض عمن ظلمك» روى الترمذي بعضه في الزهد من حديث عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد, فقال: هذا حديث حسن وقد رواه أحمد من طريق آخر: حدثنا حسين بن محمد حدثنا ابن عياش عن أسيد بن عبد الرحمن الخثعمي عن فروة بن مجاهد اللخمي عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم, فذكر مثله سواء تفرد به أحمد.
(حديث آخر) في الاستشفاء بهن قال البخاري: حدثنا قتيبة حدثنا المفضل عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما, وقرأ فيهما قل هو الله أحد, وقل أعوذ برب الفلق, وقل أعوذ برب الناس, ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده, يفعل ذلك ثلاث مرات» وهكذا رواه أهل السنن من حديث عقيل به.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:15 PM
بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ
++++ قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ * اللّهُ الصّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لّهُ كُفُواً أَحَدٌ
قد تقدم ذكر سبب نزولها, وقال عكرمة. لما قالت اليهود نحن نعبد عزيراً ابن الله, وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح بن الله, وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر, وقالت المشركون: نحن نعبد الأوثان, أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم {قل هو الله أحد} يعني هو الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا وزير ولا نديد ولا شبيه ولا عديل, ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله عز وجل لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله وقوله تعالى: {الله الصمد} قال عكرمة عن ابن عباس: يعني الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو السيد الذي قد كمل في سؤدده, والشريف الذي قد كمل في شرفه, والعظيم الذي قد كمل في عظمته, والحليم الذي قد كمل في حلمه, والعليم الذي قد كمل في علمه, والحكيم الذي قد كمل في حكمته. وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد, وهو الله سبحانه هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفء وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار, وقال الأعمش عن شقيق عن أبي وائل {الصمد} السيد الذي قد انتهى سؤدده, ورواه عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود مثله.
وقال مالك عن زيد بن أسلم {الصمد} السيد, وقال الحسن وقتادة: هو الباقي بعد خلقه, وقال الحسن أيضاً {الصمد} الحي القيوم الذي لا زوال له وقال عكرمة: الصمد الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم وقال الربيع بن أنس هو الذي لم يلد ولم يولد كأنه جعل ما بعده تفسيراً له وهو قوله: {لم يلد ولم يولد} وهو تفسير جيد, وقد تقدم الحديث من رواية ابن جرير عن أبي بن كعب في ذلك وهو صريح فيه, وقال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب ومجاهد وعبد الله بن بريدة وعكرمة أيضاً, وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وعطية العوفي والضحاك والسدي {الصمد} الذي لا جوف له. وقال سفيان عن منصور عن مجاهد {الصمد} المصمت الذي لا جوف له, وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل الطعام, ولا يشرب الشراب. وقال عبد الله بن بريدة أيضاً {الصمد} نور يتلألأ, روى ذلك كله وحكاه ابن أبي حاتم والبيهقي والطبراني, وكذا أبو جعفر بن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده, وقال: حدثني العباس بن أبي طالب, حدثنا محمد بن عمرو بن رومي عن عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش, حدثنا صالح بن حبان عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: لا أعلم إلاقد رفعه قال: «الصمد الذي لا جوف له» وهذا غريب جداً والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن بريدة.
وقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة له بعد إيراده كثيراً من هذه الأقوال في تفسير الصمد: وكل هذه صحيحة وهي صفات ربنا عز وجل, هو الذي يصمد إليه في الحوائج وهو الذي قد انتهى سؤدده, وهو الصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب, وهو الباقي بعد خلقه. وقال البيهقي نحو ذلك. وقوله تعالى: {لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} أي ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة. قال مجاهد {ولم يكن له كفواً أحد} يعني لا صاحبة له وهذا كما قال تعالى: {بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء} أي هو مالك كل شيء وخالقه فكيف يكون له من خلقه نظير يساميه أو قريب يدانيه تعالى وتقدس وتنزه, قال الله تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولداً لقد جئتم شيئاً إدّاً * تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّاً * أن دعوا للرحمن ولداً وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً * إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً * لقد أحصاهم وعدهم عداً وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً}.
وقال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} وقال تعالى : {وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً, ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون سبحان الله عما يصفون} وفي صحيح البخاري «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله يجعلون له ولداً وهو يرزقهم ويعافيهم» وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك, وشتمني ولم يكن له ذلك, فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني, وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته, وأما شتمه إياي فقوله: «اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد» ورواه أيضاً من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة مرفوعاً بمثله تفرد بهما من هذين الوجهين.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:16 PM
البغوى
1- "قل هو الله أحد"، روى أبو العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى هذه السورة. وروى أبو ظبيان، وأبو صالح، عن ابن عباس: "أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر: إلام تدعونا يا محمد؟ قال: إلى الله، قال: صفه لنا أمن ذهب هو؟ أم من فضة؟ أم من حديد؟ أم من خشب؟ فنزلت هذه السورة. فأهلك الله أربد بالصاعقة وعامر بن الطفيل بالطاعون"، وقد ذركناه في سورة الرعد. وقال الضحاك، وقتادة ومقاتل: "جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: صف لنا ربك يا محمد لعلنا نؤمن بك، فإن الله أنزل نعته في التوراة، فأخبرنا من أي شيء هو؟ وهل يأكل ويشرب؟ ومن يرث منه؟ فأنزل الله هذه السورة". "قل هو الله أحد" أي واحد ولا فرق بين الواحد والأحد، يدل عليه قراءة ابن مسعود: قل هو الله الواحد.
2- "الله الصمد"، قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير: "الصمد" الذي لا جوف له. قال الشعبي: الذي لا يأكل ولا يشرب. وقيل: تفسيره ما بعده، روى أبو العالية عن أبي بن كعب قال: "الصمد" الذي لم يلد ولم يولد، لأن من يولد سيموت، ومن يرث يورث منه. قال أبو وائل شقيق بن سلمة: هو السيد الذي قد انتهى سؤدده، وهو رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: هو السيد الذي قد كمل في جميع أنواع السؤدد. وعن سعيد بن جبير أيضاً: هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وقيل: هو السيد المقصود في الحوائج. وقال السدي: هو المقصود إليه في الرغائب المستغاث به عند المصائب، تقول العرب: صمدت فلاناً أصمده صمداً -بسكون الميم- إذا قصدته، والمقصود: صمد، بفتح الميم. وقال قتادة: "الصمد" الباقي بعد فناء خلقه. وقال عكرمة: "الصمد" الذي ليس فوقه أحد، وهو قول علي. وقال الربيع: الذي لا تعتريه الآفات. قال مقاتل بن حيان: الذي لا عيب فيه.
3- "لم يلد ولم يولد".
4- "ولم يكن له كفواً أحد"، قرأ حمزة وإسماعيل: كفؤاً ساكنة الفاء مهموزاً، وقرأ حفص عن عاصم بضم الفاء من غير همز، وقرأ الآخرون بضم الفاء مهموزاً، وكلها لغات صحيحة، ومعناه: المثل، أي: هو أحد. وقيل: على التقديم والتأخير، مجازه: ولم يكن له أحداً كفواً أي مثلا. قال مقاتل: قال مشركو العرب: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فأكذبهم الله ونفى عن ذاته الولادة والمثل. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد". أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي /أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، "أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ: "قل هو الله أحد" ويرددها، فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن". أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن الأصفهاني، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة عن قتادة: سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ قلت: يا رسول الله ومن يطيق ذلك؟ قال: اقرأوا قل هو الله أحد". أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن عبيد الله بن عبد الرحمن عن عبيد بن جبير مولى زيد بن الخطاب أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول: "أقبلت مع رسول الله فسمع رجلاً يقرأ " قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد "، فقال رسول الله: وجبت، فسألته: ماذا يا رسول الله؟ فقال: الجنة. فقال أبو هريرة: فأردت أن أذهب إلى الرجل فأبشره، ثم فرقت أن يفوتني الغداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآثرت الغداء، ثم ذهب إلى الرجل فوجدته قد ذهب". أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، حدثنا عبد الرحيم بن منيب، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا المبارك بن فضالة عن ثابت، عن أنس قال: "قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أحب هذه السورة: "قل هو الله أحد" قال: حبك إياها أدخلك الجنة".
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:23 PM
القرطبى
سورة الإخلاص
*3*الآية: 1 - 4 {قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد}
@قوله تعالى: "قل هو الله أحد" أي الواحد الوتر، الذي لا شبيه له، ولا نظير ولا صاحبة، ولا ولد ولا شريك. وأصل"أحد": وحد؛ قلبت الواو همزة. ومنه قول النابغة:
بذي الجليل على مستأنس وحد
وقد تقدم في سورة "البقرة" الفرق بين واحد وأحد، وفي كتاب "الأسنى، في شرح أسماء الله الحسي" أيضا مستوفى. والحمد لله. و"أحد" مرفوع، على معنى: هو أحد. وقيل: المعنى: قل: الأمر والشأن: الله أحد. وقيل: "أحد" بدل من قوله: "الله". وقرأ جماعة "أحد الله" بلا تنوين، طلبا للخفة، وفرارا من التقاء الساكنين؛ ومنه قول الشاعر:
ولا ذاكر الله إلا قليلا
"الله الصمد" أي الذي يصمد إليه في الحاجات. كذا روى الضحاك عن ابن عباس، قال: الذي يصمد إليه في الحاجات؛ كما قال عز وجل: "ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون" [النحل: 53]. قال أهل اللغة: الصمد: السيد الذي يصمد إليه في النوازل والحوائج. قال:
ألا بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
وقال قوم: الصمد: الدائم الباقي، الذي لم يزل ولا يزال. وقيل: تفسيره ما بعده "لم يلد ولم يولد". قال أبي بن كعب: الصمد: الذي لا يلد ولا يولد؛ لأنه ليس شيء إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا يورث. وقال علي وابن عباس أيضا وأبو وائل شقيق بن سلمة وسفيان: الصمد: هو السيد الذي قد أنتهى سؤدده في أنواع الشرف والسؤدد؛ ومنه قول الشاعر:
علوته بحسام ثم قلت له خذها حذيف فأنت السيد الصمد
وقال أبو هريرة: إنه المستغني عن كل أحدا، والمحتاج إليه كل أحد. وقال السدي: إنه: المقصود في الرغائب، والمستعان به في المصائب. وقال الحسين بن الفضل: إنه: الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وقال مقاتل: إنه: الكامل الذي لا عيب فيه؛ ومنه قول الزبرقان:
سيروا جميعا بنصف الليل واعتمدوا ولا رهينة إلا سيد صمد
وقال الحسن وعكرمة والضحاك وابن جبير: الصمد: المصمت الذي لا جوف له؛ قال الشاعر:
شهاب حروب لا تزال جياده عوابس يعلكن الشكيم المصمدا
قلت: قد أتينا على هذه الأقوال مبينة في الصمد، في (كتاب الأسنى) وأن الصحيح منها. ما شهد له الاشتقاق؛ وهو القول الأول، ذكره الخطابي. وقد أسقط من هذه السورة من أبعده الله وأخزاه، وجعل النار مقامة ومثواه، وقرأ "الله الواحد الصمد" في الصلاة، والناس يستمعون، فاسقط: "قل هو"، وزعم أنه ليس من القرآن. وغير لفظ "أحد"، وأدعى أن هذا الصواب، والذي عليه الناس هو الباطل والمحال، فأبطل معنى الآية؛ لأن أهل التفسير قالوا: نزلت الآية جوابا لأهل الشرك لما قالوا لرسول الله صلى: صف لنا ربك، أمن ذهب هو أم من نحاس أم من صفر؟ فقال الله عز وجل ردا عليهم: "قل هو والله أحد" ففي "هو" دلالة على موضع الرد، ومكان الجواب؛ فإذا سقط بطل معنى الآية، وصح الافتراء على الله عز وجل، والتكذيب لرسول صلى الله عليه وسلم.
@ وروى الترمذي عن أبي بن كعب: أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك؛ فأنزل الله عز وجل: "قل هو الله أحد. الله الصمد". والصمد: الذي لم يلد ولم يولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وأن الله تعالى لا يموت ولا يورث. "ولم يكن له كفوا أحد" قال: لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء. وروي عن أبي العالية: إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر آلهتهم فقالوا: انسب لنا ربك. قال: فأتاه جبريل بهذه السورة "قل هو الله أحد"، فذكر نحوه، ولم يذكر فيه عن أبي بن كعب، وهذا صحيح؛ قاله الترمذي.
قلت: ففي هذا الحديث إثبات لفظ "قل هو الله أحد" وتفسير الصمد، وقد تقدم. وعن عكرمة نحوه. وقال ابن عباس: "لم يلد" كما ولدت مريم، ولم يولد كما ولد عيس وعزير. وهو رد على النصارى، وعلى من قال: عزير ابن الله.
@قوله تعالى: "ولم يكن له كفوا أحد" أي لم يكن له مثلا أحد. وفيه تقدم وتأخير؛ تقديره: ولم يكن له كفوا أحد؛ فقدم خبر كان على اسمها، لينساق أو آخر الآي على نظم واحد. وقرئ "كفوا" بضم الفاء وسكونها، وقد تقدم في "البقرة" أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، فإنه يجوز في عينه الضم والإسكان؛ إلا قوله تعالى: "وجعلوا له من عباده جزءا" [الزخرف:15] لعلة تقدمت. وقرأ حفص "كفوا" مضموم الفاء غير مهموز. وكلها لغات فصيحة.
@ القول في الأحاديث الواردة في فضل هذه السورة؛ وفيه ثلاث مسائل:
الأولى: ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري: أن رجلا سمع رجلا يقرأ "قل هو الله أحد" يرددها؛ فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، وكان الرجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن). وعنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة) فشق ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: (الله الواحد الصمد ثلث القرآن) خرجه مسلم من حديث أبي الدرداء بمعناه. وخرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن)، فحشد من حشد؛ ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقرأ "قل هو الله أحد" ثم دخل فقال بعضنا لبعض: إني أرى هذا خبرا جاءه من السماء، فذاك الذي أدخله. ثم خرج فقال: (إني قلت لكم سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا إنها تعدل ثلث القرآن) قال بعض العلماء: إنها عدلت ثلث القرآن لأجل هذا الاسم، الذي هو "الصمد"، فإنه لا يوجد في غيرها من السور. وكذلك "أحد". وقيل: إن القرآن أنزل أثلاثا، ثلثا منه أحكام، وثلثا منه وعد ووعيد، وثلثا منه أسماء وصفات، وقد جمعت "قل هو الله أحد" أحد الأثلاث، وهو الأسماء والصفات. ودل على هذا التأويل ما في صحيح مسلم، من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الله جل وعز جزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل "قل هو الله أحد" جزءا من أجزاء القرآن). وهذا نص؛ وبهذا المعنى سميت سورة الإخلاص، والله أعلم.
الثانية: روى مسلم عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم "بقل هو الله أحد"؛ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (سلوه لأي شيء يصنع ذلك)؟ فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخبروه أن الله عز وجل يحبه). وروى الترمزي عن أنس بن مالك قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما أفتتح سورة يقرؤها لهم في الصلاة فقرأ بها، أفتتح "بقل هو الله أحد"؛ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تقرأ بهذه السورة، ثم لا ترى منها تجزيك حتى تقرأ بسورة أخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعوا وتقرأ بسورة أخرى؟ قال: ما أنا بتاركها وإن أحببتم أن أؤمكم بها فعلت، وإن كرهتم تركتكم؛ وكانوا يرونه أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم اخبروه الخبر، فقال: (يا فلان ما يمنعك مما يأمر به أصحابك؟ وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة)؟ فقال: يا رسول الله، إني أحبها؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن حبها أدخلك الجنة). قال: حديث حسن غريب صحيح. قال ابن العربي: فكان هذا دليلا على أنه يجوز تكرار سورة في كل ركعة. وقد رأيت على باب الأسباط فيما يقرب منه، إماما من جملة الثمانية والعشرين إماما، كان يصلي فيه التراويح في رمضان بالأتراك؛ فيقرأ في كل ركعة "الحمد لله" و"قل هو الله أحد" حتى يتم التراويح؛ تخفيفا عليه، ورغبة في فضلها وليس من السنة ختم القرآن في رمضان.
قلت: هذا نص قول مالك، قال مالك: وليس ختم القرآن في المساجد بسنة.
الثالثة: روى الترمذي عن أنس بن مالك قال: أقبلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فسمع رجلا يقرأ "قل هو الله أحد"؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وجبت). قلت: وما وجبت؟ قال: (الجنة). قال: هذا حديث حسن صحيح. قال الترمذي: حدثنا محمد بن مرزوق البصري قال حدثنا حاتم بن ميمون أبو سهل عن ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ كل يوم مائتي مرة قل هو الله أحد، محي عنه ذنوب خمسين سنة، إلا أن يكون عليه دين). وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من أراد أن ينام على فراشه، فنام على يمينه، ثم قرأ "قل هو الله أحد" مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول الرب: يا عبدي، ادخل على يمينك الجنة). قال: هذا حديث غريب من حديث، ثابت عن أنس. وفي مسند أبي محمد الدارمي، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ "قل هو الله أحد" خمسين مرة، غفرت له ذنوب خمسين سنة) قال: وحدثنا عبدالله بن يزيد قال حدثنا حيوة قال: أخبرني أبو عقيل: أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ "قل هو الله أحد" عشرة مرات بني له قصر في الجنة. ومن قرأها عشرين مرة بني له بها قصران في الجنه. ومن قرأها ثلاثين مرة بني له بها ثلاثة قصور في الجنة). فقال عمر بن الخطاب: والله يا رسول الله إذا لنكثرن قصورنا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الله أوسع من ذلك) قال أبو محمد: أبو عقيل زهرة بن معبد، وزعموا أنه كان من الأبدال. وذكر أبو نعيم الحافظ من حديث أبي العلاء يزيد بن عبدالله بن الشخير عن أبيه، قال: والرسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ قل هو الله أحد في مرضه الذي يموت فيه، لم يفتن في قبره. وأمن من ضغطة القبر. وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها، حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة). قال: هذا حديث غريب من حديث يزيد، تفرد به نصر بن حماد البجلي.
وذكر أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ عن عيسى بن أبي فاطمة الرازي قال: سمعت مالك بن أنس يقول: إذا نقس بالناقوس اشتد غضب الرحمن، فتنزل الملائكة، فيأخذون بأقطار الأرض، فلا يزالون يقرؤون "قل هو الله أحد" حتى يسكن غضبه جل وعز. وخرج من حديث محمد بن خالد الجندي عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من دخل يوم الجمعة المسجد، فصلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب و"قل هو الله أحد" خمسين مرة فذلك مائتا مرة في أربع ركعات، لم يمت حتى يرى منزله في الجنة أو يرى له). وقال أبو عمر مولى جرير بن عبدالله البجلي، عن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ "قل هو الله أحد" حين يدخل منزله، نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل وعن الجيران) وعن أنسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ "قل هو الله أحد" مرة بورك عليه، ومن قرأها مرتين بورك عليه وعلى أهله، ومن قرأها ثلاث مرات بورك عليه وعلى جميع جيرانه، ومن قرأها اثنتي عشرة بني الله له اثني عشر قصرا في الجنة، وتقول الحفظة انطلقوا بنا ننظر إلى قصر أخينا، فإن قرأها مائة مرة كفر الله عنه ذنوب خمسين سنة، ما خلا الدماء والأموال، فإن قرأها أربعمائة مرة كفر الله عنه ذنوب مائة سنة، فإن قرأها ألف مرة لم يمت حتى يرى مكانه في الجنة أو يرى له). وعن سهل بن سعد الساعدي قال: شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر وضيق المعيشة؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخلت البيت فسلم إن كان فيه أحد، وإن لم يكن فيه أحد فسلم علي، واقرأ "قل هو الله أحد" مرة واحدة) ففعل الرجل فأدر الله عليه الرزق، حتى أفاض عليه جيرانه. وقال أنس: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك، فطلعت الشمس بيضاء لها شعاع ونور، لم أرها فيما مضى طلعت قط كذلك، فأتى جبريل، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا جبريل، مالي أرى الشمس طلعت بيضاء بشعاع لم أرها طلعت كذلك فيما مضى قط)؟ فقال: (ذلك لأن معاوية الليثي توفي بالمدينة اليوم، فبعث الله سبعين ألف ملك يصلون عليه). قال (ومم ذلك)؟ قال: (كان يكثر قراءة "قل هو الله أحد" آناء الليل وآناء النهار، وفي ممشاه وقيامه وقعوده، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض. فتصلي عليه)؟ قال [نعم] فصلى عليه ثم رجع. ذكره الثعلبي، والله أعلم.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:24 PM
فتح القدير للشوكانى
وهي أربع آيات وهي مكية في قول ابن مسعود والحسن وعطاء وعكرمة وجابر، ومدينة في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي، وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير وابن خزيمة وابن أبي عاصم في السنة والبغوي في معجمه وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه البيهقي في الأسماء والصفات عن أبي بن كعب "أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد انسب لنا ربك، فأنزل الله " قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد " إلخ ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يوت إلا سيورث، وإن الله لا يموت ولا يورث "ولم يكن له كفواً أحد" قال: لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء"، ورواه الترمذي من طريق أخرى عن أبي العالية مرسلاً ولم يذكر أبيا، ثم قال: وهذا أصح. وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية والبيهقي عن جابر قال: "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: انسب لنا ربك، فأنزل الله "قل هو الله أحد" إلى آخر السورة" وحسن السيوطي إسناده. وأخرج الطبراني وأبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود قال: "قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك فنزلت هذه السورة "قل هو الله أحد"". وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس "أن اليهود جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، فقالوا: يا محمد صف لنا ربك الذي بعثك، فأنزل الله " قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد " فيخرج منه الولد. ولم يولد، فيخرج منه شيء". وأخرج أبو عبيد في فضائله وأحمد والنسائي في اليوم والليلة وابن منيع ومحمد بن نصر وابن مردويه والضياء في المختارة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ "قل هو الله أحد" فكأنما قرأ ثلث القرآن"، وأخرج ابن الضريس والبزار والبيهقي في الشعب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: "من قرأ "قل هو الله أحد" مائتي مرة غفر الله له ذنب مائتي سنة". قال البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا الحسن بن أبي جعفر والأغلب بن تميم، وهما يتقاربان في سوء الحفظ. وأخرج أحمد والترمذي وابن الضريس والبيهقي في سننه عن أنس قال: "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أحب هذه السورة "قل هو الله أحد"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حبك أياها أدخلك الجنة". وأخرج ابن الضريس وأبو يعلى وابن الأنباري في المصاحف عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أما يستطيع أحدكم أن يقرأ "قل هو الله أحد" ثلاث مرات في ليلة؟ فأنها تعدل ثلث القرآن" وإسناده ضعيف. وأخرج محمد بن نصر وأبو يعلى عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قرأ "قل هو الله أحد" خمسين مرة غفر له ذنوب خمسين سنة" وإسناده ضعيف. وأخرج الترمذي وابن عدي والبيهقي في الشعب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ "قل هو الله أحد" مائتي مرة، كتب الله له ألفاً وخمسمائة حسنة، ومحا عنه ذنوب خمسين سنة، إلا أن يكون عليه دين" وفي إسناده حاتم بن ميمون ضعفه البخاري وغيره، ولفظ الترمذي "من قرأ في يوم مائتي مرة "قل هو الله أحد" محي عنه ذنوب خمسين سنة، إلا أن يكون عليه دين"، وفي إسناده حاتم بن ميمون المذكور. وأخرج الترمذي ومحمد بن نصر وأبو يعلى وابن عدي والبيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن ينام على فراشه من الليل فنام على يمينه، ثم قرأ "قل هو الله أحد" مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب: يا عبدي ادخل على يمينك الجنة" وفي إسناده أيضاً حاتم بن ميمون المذكور. قال الترمذي بعد إخراجه: غريب من حديث ثابت. وقد روي من غير هذا الوجه عنه. وأخرج ابن سعيد وابن الضريس وأبو يعلى والبيهقي في الدلائل عن أنس قال "كان النبي صلى الله عليه وسلم بالشام، وفي لفظ: بتبوك فهبط جبريل فقال: يا محمد إن معاوية بن معاوية المزني هلك، أفتحب أن تصلي عليه؟ قال: نعم، فضرب بجناحه الأرض فتضعضع له كل شيء ولزق بالأرض ورفع له سريره فصلى عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من أي شيء أوتي معاوية هذا الفضل، صلى عليه صفان من الملائكة في كل صف ستة آلاف ملك؟ قال: بقراءة "قل هو الله أحد" كان يقرأها قائماً وقاعداً وجائياً وذاهباً ونائماً"، وفي إسناده العلاء بن محمد الثقفي وهو متهم بالوضع. وروي عنه من وجه آخر بأطول من هذا، وفي إسناده هذا المتهم. وفي الباب أحاديث في هذا المعنى وغيره. وقد روي من غير الوجه أنها تعدل ثلث القرآن، وفيها ما هو صحيح وفيها ما هو حسن، فمن ذلك ما أخرجه مسلم والترمذي وصححه وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، فحشد من حشد، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقرأ "قل هو الله أحد" ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ثم خرج نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني قلت سأقرأ عليكم ثلث القرءان ألا وإنها تعدل ثلث القرآن". وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن" يعني "قل هو الله أحد". وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك؟ فقال: الله الواحد الصمد ثلث القرآن". وأخرج مسلم وغيره من حديث أبي الدرداء نحوه. وقد روي نحو هذا بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة وحديث ابن مسعود، وحديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وروي نحو هذا عن غير هؤلاء بأسانيد بعضها حسن وبعضها ضعيف، ولو لم يرد في فضل هذه السورة إلا حديث عائشة عند البخاري ومسلم وغيرهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً في سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ"قل هو الله أحد"، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال: أخبروه أن الله تعالى يحبه" هذا لفظ البخاري في كتاب التوحيد. وأخرج البخاري أيضاً في كتاب الصلاة من حديث أنس قال "كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة فقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح "قل هو الله أحد" حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذ السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها وإماأن تدعها وتقرأ بأخرى. قال: ما أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم فكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر، فقال: يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ فقال: إني أحبها، قال: حبك إياها أدخلك الجنة" وقد روي بهذا اللفظ من غير وجه عند غير البخاري. قوله: 1- "قل هو الله أحد" الضمير يجوز أن يكون عائداً إلى ما يفهم من السياق لما قدمنا من بيان سبب النزول، وأن المشركين قالوا: يا محمد انسب لنا ربك، فيكون مبتدأ، والله مبتدأ ثان، وأحد خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول، ويجوز أن يكون الله بدلاً من هو، والخبر أحد. ويجوز أن يكون الله خبراً أول، وأحد خبراً ثانياً، ويجوز أن يكون أحد خبراً لمبتدأ محذوف: أي هو أحد. ويجوز أن يكون هو ضمير شأن لأنه موضع تعظيم، والجملة بعده مفسرة له وخبر عنه، والأول أولى. قال الزجاج: هو كناية عن ذكر الله، والمعنى: إن سألتم تبيين نسبته هو الله أحد، قيل وهمزة أحد بدل من الواو وأصله واحد. وقال أبو البقاء. همزة أحد أصل بنفسها غير مقلوبة، وذكر أن أحد يفيد العموم دون واحد. ومما يفيد الفرق بينهما ما قاله الأزهري: أنه لا يوصف بالأحدية غير الله تعالى ولا يقال رجل أحد ولا درهم أحد، كما يقال رجل واحد ودرهم واحد. قيل والواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه فإذا قلت لا يقاومه واحد جاز أن يقال لكنه يقاومه اثنان بخلاف قولك لا يقاومه أحد. وفرق ثعلب بين واحد وبين أحد بأن الواحد يدخل في العدد، وأحد لا يدخل فيه. ورد عليه أبو حيان بأنه يقال أحد وعشرون ونحوه فقد دخله العدد، وهذا كما ترى، ومن جملة القائلين بالقلب الخليل. قرأ الجمهور "قل هو الله أحد" بإثبات قل. وقرأ عبد الله بن مسعود وأبي الله أحد بدون قل. وقرأ الأعمش قل هو الله الواحد وقرأ الجمهور بتنوين " أحد "، وهو الأصل. وقرأ زيد بن علي وأبان بن عثمان وابن أبي إسحاق والحسن وأبو السماك وأبو عمرو في رواية عنه بحذف التنوين للخفة كما في قول الشاعر: عمرو الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف وقيل إن ترك التنوين لملاقاته لام التعريق، فيكون الترك لأجل الفرار من التقاء الساكنين. ويجاب عنه بأن الفرار من التقاء الساكنين قد حصل مع التنوين بتحريك الأول منهما بالكسر.
2- "الله الصمد" الإسم الشريف مبتدأ، والصمد خبره، والصمد هو الذي يصمد إليه في الحاجات: أي يقصد لكونه قادراً على قضائها، فهو فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض لأنه مصمود إليه: أي مقصود إليه، قال الزجاج: الصمد السند الذي انتهى إليه [السؤدد] فلا سيد فوقه. قال الشاعر: ألا بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد وقيل معنى الصمد: الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزول. وقيل معنى الصمد ما ذكر بعده من أنه الذي لم يلد ولم يولد. وقيل هو المستغني عن كل أحد، والمحتاج إليه كل أحد. وقيل هو المقصود في الرغائب والمستعان به في المصائب، وهذان القولان يرجعان إلى معنى القول الأول. وقيل هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وقيل هو الكامل الذي لا عيب فيه. وقال الحسن وعكرمة والضحاك وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب ومجاهد وعبد الله بن بريدة وعطاء وعطية العوفي والسدي: الصمد هو المصمت الذي لا جوف له، ومنه قول الشاعر: شهاب حروب لا تزال جياده عوابس يعلكن الشكيم المصمدا وهذا لا ينافي القول الأول الجواز أن يكون هذا أصل معنى الصمد، ثم استعمل في السيد المصمود إليه في الحوائج، ولهذا أطبق على القول الأول أهل اللغة وجمهور أهل التفسير، ومنه قول الشاعر: علوته بحسام ثم قلت له خذها حذيف فأنت السيد الصمد وقال الزبرقان بن بدر: سيروا جميعاً بنصف الليل واعتمدوا ولا رهينة إلا سيد صمد وتكرير الاسم الجليل للإشعار بأن من لم يتصف بذلك فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية، وحذف العاطف من هذه الجملة لأنها كالنتيجة للجملة الأولى، وقيل إن الصمد صفة للاسم الشريف والخبر هو ما بعده، والأولى أولى لأن السياق يقتضي استقلال كل جملة.
3- "لم يلد ولم يولد" أي لم يصدر عنه ولد، ولم يصدر هو عن شيء، لأنه لا يجانسه شيء، ولاستحالة نسبة العدم إليه سابقاً ولاحقاً. قال قتادة: إن مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الله. وقالت اليهود: عزيز ابن الله. وقال النصارى: المسيح ابن الله فأكذبهم الله فقال: "لم يلد ولم يولد" قال الرازي: قدم ذكر نفي الولد مع أن الولد مقدم للاهتمام لأجل ما كان يقوله الكفار من المشركين: إن الملائكة بنات الله، واليهود: عزيز ابن الله، والنصارى: المسيح ابن الله، ولم يدع أحد أن له والداً، فلهذا السبب بدأ بالأهم فقال: "لم يلد" ثم أشار إلى الحجة فقال: "ولم يولد" كأنه قيل الدليل على امتناع الولد اتفاقنا على أنه ما كان ولداً لغيره، وإنما عبر سبحانه بما يفيد انتفاء كونه لم يلد ولم يولد في الماضي ولم يذكر ما يفيد انتفاء كونه كذلك في المستقبل لأنه ورد جواباً عن قولهم: ولد الله كما حكى الله عنهم بقوله: " ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله " فلما كان المقصود من هذه الآية تكذيب قولهم، وهم إنما قالوا ذلك بلفظ يفيد النفي فيما مضى، وردت الآية لدفع قولهم هذا.
4- "ولم يكن له كفواً أحد" هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها لأنه سبحانه إذا كان متصفاً بالصفات المتقدمة كان متصفاً بكونه لم يكافئه أحد ولا يماثله ولا يشاركه في شيء، وأخر اسم كان لرعاية الفواصل، وقوله: له متعلق بقوله: كفواً قدم عليه لرعاية الاهتمام، لأن المقصود نفي المكافأة عن ذاته. وقيل إنه في محل نصب على الحال، والأل أولى. وقد رد المبرد على سيبويه بهذه الآية لأن سيبويه قال: إنه إذا تقدم الظرف كان هو الخبر، وههنا لم يجعل خبراً مع تقدمه، وقد رد على المبرد بوجهين: أحدهما أن سيبويه لم يجعل ذلك حتماً بل جوزه. والثاني أنا لا نسلم كون الظرف هنا ليس بخبر، بل يجوز أن يكون خبراً ويكون كفواً منتصباً على الحال وحكي في الكشاف عن سيبويه على أن الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر، واقتصر في هذه الحكاية على نقل أول كلام سيبويه ولم ينظر إلى آخره، فإنه قال في آخر كلامه: والتقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير انتهى. وقرأ الجمهور "كفواً" بضم الكاف والفاء وتسهيل الهمزة، وقرأ الأعرج وسيبويه ونافع في رواية عنه بإسكان الفاء، وروي ذلك عن حمزة مع إبداله الهمزة واو وصلاً ووفقاً، وقرأ نافع في رواية عنه كفأ بكسر الكاف وفتح الفاء من غير مد، وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس كذلك مع المد، وأنشد قول النابغة: لا تقذفني بركن لا كفاء له والكفء في لغة العرب النظير، يقول هذا كفؤك: أي نظيرك، والاسم الكفاءة بالفتح. وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والمحاملي في أماليه والطبراني وأبو الشيخ في العظمة عن بريد لا أعلمه إلا رفعه. قال: "الصمد" الذي لا جوف له، ولا يصح رفع هذا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: "الصمد" الذي لا جوف له، وفي لفظ: ليس له أحشاء. وأخرج ابن أبي عاصم وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن المنذر عنه قال: "الصمد" الذي لا يطعم، وهو المصمت: وقال: أو ما سمعت النائحة وهي تقول: لقد بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد وكان لا يطعم عند القتال، وقد روي عنه أن الذي يصمد إليه في الحوائج، وأنه أنشد البيت واستدل به على هذا المعنى، وهو أظهر في المدح وأدخل في الشرف، وليس لوصفه بأنه لا يطعم عند القتال كثير معنى. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: "الصمد" السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حمله، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه هذه صفة لا تنبغي إلا له ليس له كفو وليس كمثله شيء. وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال: "الصمد" هو السيد الذي قد انتهى سؤدده فلا شيء أسود منه. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال "الصمد" الذي تصمد إليه الأشنياء إذا نزل بهم كربة أو بلاء. وأخرج ابن جرير من طرق عنه في قوله: "ولم يكن له كفواً أحد" قال: ليس له كفو ولا مثل.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:26 PM
التحرير لإبن عاشور
المشهور في تسميتها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفيما جرى من لفظه وفي أكثر ما روي عن الصحابة تسميتها )سورة قل هو الله أحد(.
روى الترمذي عن أبي هريرة، وروى أحمد عن أبي مسعود الأنصاري وعن أم كلثوم بنت عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن وهو ظاهر في أن أراد تسميتها بتلك الجملة لأجل تأنيث الضمير من قوله تعدل فإنه على تأويلها بمعنى السورة.
وقد روي عن جمع من الصحابة ما فيه تسميتها بذلك، فذلك هو الاسم الوارد في السنة.
ويؤخذ من حديث البخاري عن إبراهيم عن أبي سعيد الخدري ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله الواحد الصمد ثلث القرآن فذكر ألفاظا تخالف ما تقرأ به، ومحمله على إرادة التسمية. وذكر القرطبي أن رجلا لم يسمه قرأ كذلك والناس يستمعون وادعى أن ما قرأ به هو الصواب وقد ذمه القرطبي وسبه.
وسميت في أكثر المصاحف وفي معظم التفاسير وفي جامع الترمذي )سورة الإخلاص( واشتهر هذا الاسم لاختصاره وجمعه معاني هذه السورة لأن فيها تعليم الناس إخلاص العبادة لله تعالى، أي سلامة الاعتقاد من الإشراك بالله غيره في الإلهية.
وسميت في بعض المصاحف التونسية سورة التوحيد لأنها تشتمل على إثبات أنه تعالى واحد.
وفي الإتقان أنها تسمى سورة الأساس لاشتمالها على توحيد الله وهو أساس الإسلام. وفي الكشاف روي عن أبي وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم إست السماوات السبع والأرضون السبع على )قل هو الله أحد(. يعني ما خلقت إلا لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته.
وذكر في الكشاف: أنها وسورة الكافرون تسميان المقشقشتين، أي المبرئتين من الشرك ومن النفاق.
وسماها البقاعي في نظم الدرر سورة الصمد ، وهو من الأسماء التي جمعها الفخر. وقد عقد الفخر في التفسير الكبير فصلا لأسماء هذه السورة فذكر لها عشرين اسما بإضافة عنوان سورة إلى كل اسم منها ولم يذكر أسانيدها فعليك بتتبعها على تفاوت فيها وهي: التفريد، والتجريد لأنه لم يذكر فيها سوى صفاته السلبية التي هي صفات الجلال ، والتوحيد كذلك ، والإخلاص لما ذكرناه آنفا ، والنجاة لأنها تنجي من الكفر في الدنيا ومن النار في الآخرة ، والولاية لأن من عرف الله بوحدانيته فهو من أوليائه المؤمنين الذين لا يتولون غير الله والنسبة لما روي أنها نزلت لما قال المشركون: أنسب لنا ربك، كما سيأتي ، والمعرفة لأنها أحاطت بالصفات التي لا تتم معرفة الله إلا بمعرفتها والجمال لأنها جمعت أصول صفات الله وهي أجمل الصفات وأكملها، ولما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله جميل يحب الجمال فسألوه عن ذلك فقال: أحد صمد لم يلد ولم يولد ، والمقشقشة يقال: قشقش الدواء الجرب إذا أبرأه لأنها تقشقش من الشرك، وقد تقدم آنفا أنه اسم لسورة الكافرون أيضا ، والمعوذة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن مضعون وهو مريض فعوذه بها وبالسورتين اللتين بعدها وقال له: تعوذ بها . والصمد لأن هذا اللفظ خص بها ، والأساس لأنها أساس العقيدة الأسلامية والمانعة لما روي: أنها تمنع عذاب القبر ولفحات النار والمحضر لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت . والمنفرة لأن الشيطان ينفر عند قراءتها والبراءة لأنها تبرئ من الشرك ، والمذكرة لأنها تذكر خالص التوحيد الذي هو مودع في الفطرة ، والنور لما روي: أن نور القرآن قل هو الله أحد ، والأمان لأن من اعتقد ما فيها أمن من العذاب .
وبضميمة اسمها المشهور )قل هو الله أحد( تبلغ أسماؤها اثنين وعشرين، وقال الفيروز آبادي في بصائر التمييز أنها تسمى الشافية فتبلغ واحدا وعشرين اسما.
وهي مكية في قول الجمهور، وقال قتادة والضحاك والسدي وأبو العالية والقرضي: هي مدنية ونسب كلا القولين إلى ابن عباس.
ومنشأ هذا الخلاف الاختلاف في سبب نزولها فروى الترمذي عن أبي بن كعب، وروى عبيد العطار عن ابن مسعود، وأبو يعلى عن جابر بن عبد الله أن قريشا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فنزلت قل هو الله أحد إلى آخرها فتكون مكية.
وروى أبو صالح عن ابن عباس أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعو أخا لبيد أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر: إلام تدعونا? قال: إلى الله، قال: صفه لنا أمن ذهب هو، أم من فضة، أم من حديد، أم من خشب? يحسي لجهله أن الإله صنم كأصنامهم من معدن أو خشب أو حجارة فنزلت هذه السورة، لإتكون مدنية لأنهما ما أتياه إلا بعد الهجرة وقال الواحدي أن أحبار اليهود منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك، فنزلت .
والصحيح أنه مكية فإنها جمعت أصل التوحيد وهو الأكثر فيما نزل من القرآن بمكة، ولعل تأويل من قال: إنها نزلت حينما سأل عامر بن الطفيل وأربد، أو حينما سأل أحبار اليهود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم هذه السورة، فظنها الراوي من الأنصار نزلت ساعتئذ أو لم يضبط الرواة عنهم عبارتهم تمام الضبط.
قال في الإتقان: وجمع بعضهم بين الروايتين بتكرر نزولها ثم ظهر لي ترجيح أنها مدنية كما بينته في أسباب النزول اه.
وعلى الأصح من أنها مكية عدت السورة الثانية والعشرون في عداد نزول السور نزلت بعد سورة الناس وقبل سورة النجم.
وآياتها عند أهل العدد بالمدينة والكوفة والبصرة أربع، وعند أهل مكة والشام خمس باعتبار )لم يلد( آية )ولم يولد( آية.
أغراضها
إثبات وحدانية الله تعالى.
وأنه لا يقصد في الحوائج غيره وتنزيهه عن سمات المحدثات وإبطال أن يكون له ابن.
وإبطال ان يكون المولود إلها مثل عيسى عليه السلام.
والأحاديث في فضائلها كثيرة وقد صح أنها تعدل ثلث القرآن. وتأويل هذا الحديث مذكور في شرح الموطأ والصحيحين.
)قل هو الله أحد[1]( افتتاح هذه السورة بالأمر بالقول لإظهار العناية بما بعد فعل القول كما علمت ذلك عند قوله تعالى )قل يا أيها الكافرون(.
ولذلك الأمر في هذه السورة فائدة أخرى، وهي أنها نزلت على سبب قول المشركين: انسب لنا ربك، فكانت جوابا عن سؤالهم فلذلك قيل له )قل( كما قال تعالى )قل الروح من أمر ربي( فكان للأمر بفعل )قل( فائدتان.
وضمير )هو( ضمير الشأن لإفادة الاهتمام بالجملة التي بعده، وإذا سمعه الذين سألوا تطلعوا إلى ما بعده.
ويجوز أن يكون )هو( أيضا عائدا إلى الرب في سؤال المشركين حين قالوا: انسب لنا ربك.
ومن العلماء من عد ضمير )هو( في هذه السورة اسما من أسماء الله الحسنى وهي طريقة صوفية درج عليها فخر الدين الرازي في شرح الأسماء الحسنى نقله ابن عرفة عنه في تفسيره وذكر الفخر ذلك في مفاتيح الغيب ولا بد من المزج بين كلاميه.
وحاصلهما قوله )قل هو الله أحد( فيها ثلاثة أسماء لله تعالى تنبيها على ثلاثة مقامات.
الأول: مقام السابقين المقربين الناظرين إلى حقائق الأشياء من حيث هي هي، فلا جرم ما رأوا موجودا سوى الله لأنه هو الذي لأجله يجب وجوده فما سوى الله عندهم معدوم فقوله )هو( إشارة مطلقة. ولما كان المشار إليه معينا انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين فكان قوله )هو( إشارة من هؤلاء المقربين إلى الله فلم يفتقروا في تلك الإشارة إلى مميز فكانت لفظة )هو( كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء. المقام الثاني مقام أصحاب اليمين المقتصدين فهم شاهدوا الحق موجودا وشاهدوا الممكنات موجودة فحصلت كثرة في الموجودات فلم تكن لفظة )هو( تامة الإفادة في حقهم فافتقروا معها إلى مميز فقيل لأجلهم )هو الله(.
والمقام الثالث مقام أصحاب الشمال وهم الذين يجوزون تعدد الآلهة فقرن لفظ )أحد( بقوله )هو الله( إبطالا لمقالتهم اه.
فاسمه تعالى العلم ابتدئ به قبل إجراء الأخبار عليه ليكون ذلك طريق استحضار صفاته كلها عند التخاطب بين المسلمين وعد المحاجة بينهم وبين المشركين، فإن هذا الاسم معروف عند جميع العرب فمسماه لا نزاع في وجوده ولكنهم كانوا يصفونه بصفات تنزه عنها.
أما )أحد( فاسم بمعنى واحد . وأصل همزته الواو، فيقال: وحد كما يقال أحد، قلبت الواو همزة على غير قياس لأنها مفتوحة بخلاف قلب واو وجوه ومعناه منفرد قال النابغة:
كأن رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحد أي كأني وضعت الرجل على ثور وحش أحس بأنسي وهو منفرد عن قطيعه.
وهو صفة مشبهة مثل حسن، يقال: وحد مثل كرم، ووحد مثل فرح. وصيغة الصفة المشبهة تفيد تمكن الوصف في موصوفها بأنه ذاتي له، فلذلك أوثر )أحد( هنا على واحد لأن واحد اسم فاعل لا يفيد التمكن. ف واحد و)أحد( وصفان مصوغان بالتصريف لمادة متحدة وهي مادة الوحدة يعني التفرد.
هذا هو أصل إطلاقه وتفرعت عنه إطلاقات صارت حقائق للفظ أحد، أشهرها أنه يستعمل اسما بمعنى إنسان في خصوص النفي نحو قوله تعالى )لا نفرق بين أحد من رسله( في البقرة، وقوله )ولا أشرك بربي أحدا( في الكهف وكذلك إطلاقه على العدد في الحساب نحو: أحد عشر، وأحد وعشرين، ومؤنثه إحدى، ومن العلماء من خلط بين واحد وبين أحد فوقع في ارتباك.
فوصف الله بأنه )أحد( معناه: أنه منفرد بالحقيقة التي لوحظت في اسمه العلم وهي الإلهية المعروفة، فإذا قيل )الله أحد( فالمراد أنه منفرد بالإلهية. وإذا قيل الله واحد، فالمراد أنه واحد لا متعدد فمن دونه ليس بإله. ومآل الوصفين . ومآل الوصفين إلى معنى نفي الشريك له تعالى في إلهيته.
فلما أريد في صدر البعثة إثبات الوحدة الكاملة لله تعليما للناس كلهم وإبطالا لعقيدة الشرك وصف الله في هذه السورة ب)أحد( ولم يوصف ب واحد لأن الصفة المشبهة نهاية ما يمكن به تقريب معنى وحدة الله تعالى إلى عقول أهل اللسان العربي المبين.
وقال ابن سينا في تفسير له لهذه السورة: إن )أحد( دال على أنه تعالى واحد من جميع الوجوه وأنه لا كثرة هناك أصلا لا كثرة معنوية وهي كثرة المقومات والأجناس والفصول، ولا كثرة حسية وهي كثرة الأجزاء الخارجية المتمايزة عقلا كما في المادة والصورة. والكثرة الحسية بالقوة أو بالفعل كما في الجسم، وذلك متضمن لكونه سبحانه منزها عن الجنس والفصل، والمادة والصورة، والأعراض والأبعاض، والأعضاء والأشكال، والألوان، وسائر ما يثلم الوحدة الكاملة والبساطة الحقة اللائقة بكرم وجهه عز وجل على أن يشبهه شيء أو يساويه سبحانه شيء. وتبيينه: أما الواحد فمقول على ما تحته بالتشكيك، والذي لا ينقسم بوجهه أصلا أولى بالواحدية مما ينقسم من بعض الوجوه، والذي لا ينقسم انقساما عقليا أولى بالواحدية من الذي ينقسم انقساما بالحس بالقوة ثم بالفعل، فأحد جامع للدلالة على الواحدية من جميع الوجوه وأنه لا كثرة في موصوفه اه.
قلت: قد فهم المسلمون هذا فقد روي أن بلالا كان إذا عذب على الإسلام يقول: أحد أحد. وكان شعار المسلمين يوم بدر: أحد أحد.
والذي درج عليه أكثر الباحثين في أسماء الله تعالى أن )أحد( ليس ملحقا بالأسماء الحسنى لأنه لم يرد ذكره في حديث أبي هريرة عند الترمذي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله تسعا وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة . وعدها ولم يذكر فيها وصف أحد، وذكر وصف واحد وعلى ذلك درج إمام الحرمين في كتاب الإرشاد وكتاب اللمع والغزالي في شرح الأسماء الحسنى.
وقال الفهري في شرحه على لمع الأدلة لإمام الحرمين عند ذكر اسمه تعالى )الواحد(. وقد ورد في بعض الروايات الأحد فلم يجمع بين الاسمين في اسم.
ودرج ابن برجان الأشبيلي في شرح الأسماء والشيخ محمد بن محمد الكومي بالميم التونسي، ولطف الله الأرضرومي في معارج النور، على عد أحد في عداد الأسماء الحسنى مع اسمه الواحد فقالا: الواحد الأحد بحيث هو كالتأكيد له كما يقتضيه عدهم الأسماء تسعة وتسعين، وهذا بناء على أن حديث أبي هريرة لم يقتض حصر الأسماء الحسنى في التسعة والتسعين، وإنما هو لبيان فضيلة تلك الأسماء المعدودة فيه.
والمعنى: أن الله منفرد بالإلهية لا يشاركه فيها شيء من الموجودات. وهذا إبطال للشرك الذي يدين به أهل الشرك، وللتثليث الذي أحدثه النصارى الملكانية وللثانوية عند المجوس، وللعد الذي لا يحصى عند البراهمة.
فقوله )الله أحد( نظير قوله في الآية الأخرى )إنما الله إله واحد(. وهذا هو المعنى الذي يدركه المخاطبون في هذه الآية السائلون عن نسبة الله، أي حقيقته، فابتدئ لهم بأنه واحد ليعلموا أن الأصنام ليست من الإلهية في شيء.
ثم أن الأحدية تقتضي الوجود لا محالة فبطل قول المعطلة والدهريين.
وقد اصطلح علماء الكلام من أهل السنة على استخراج الصفات السلبية الربانية من معنى الأحدية لأنه إذا كان منفردا بالإلهية كان مستغنيا عن المخصص بالإيجاب لأنه لو افتقر إلى من يوجده لكان من يوجده إلها أول منه فلذلك كان وجود الله قديما غير مسبوق بعدم ولا محتاج إلى مخصص للوجود بدلا عن العدم، وكان مستعينا على الإمداد بالوجود فكان باقيا، وكان غنيا عن غيره، وكان مخالفا للحوادث وإلا لاحتاج مثلها إلى المخصص فكان وصفه تعالى ب)أحد( جامعا للصفات السلبية. ومثل ذلك يقال في مرادفه وهو وصف واحد.
واصطلحوا على أن أحدية الله أحدية واجبة كاملة، فالله تعالى واحد من جميع الوجوه. وعلى كل التقادير فليس لكنه الله كثرة أصلا لا كثرة معنوية وهي تعدد المقومات من الأجناس والفصول التي تتقوم منها المواهي، ولا كثرة الأجزاء في الخارج التي تتقوم منها الأجسام. فأفاد وصف )أحد( أنه منزه عن الجنس والفصل والمادة والصورة، والأعراض والأبعاض، والأعضاء والأشكال والألوان وسائر ما ينافي الوحدة الكاملة كما أشار إليه ابن سينا.
قال في الكشاف: وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم )الله أحد( بغير )قل هو( اه ولعله أخذه مما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قرأ )الله أحد( كان بعدل ثلث القرآن، كما ذكره بأثر قراءة أبي بدون )قل( مما تأوله الطيبي إذ قال وهذا استشهاد على هذه القراءة.
وعندي إن صح ما روي من القراءة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد بها التلاوة وإنما قصد الامتثال لما أمر بأن يقول. وهذا كما كان يكثر أن يقول سبحان ربي العظيم وبحمده اللهم اغفر لي يتأول قوله تعالى )فسبح بحمد ربك واستغفره(.
)الله الصمد[2]( جملة ثانية محكية بالقول المحكي به جملة )الله أحد(، فهي خبر ثاني عن الضمير. والخبر المتعدد يجوز عطفه وفصله، وإنما فصلت عن التي قبلها لأن هذه الجمل مسوقة لتلقين السامعين فكانت جديرة بأن تكون كل جملة مستقلة بذاتها غير ملحقة بالتي قبلها بالعطف، على طريقة إلقاء المسائل على المتعلم نحو أن يقول: الحوز شرط صحة الحبس، الحوز لا يتم إلا بالمعاينة، ونحو قولك: عنترة من فحول الشعراء، عنترة من أبطال الفرسان.
ولهذا الاعتبار وقع إظهار اسم الجلالة في قوله )الله الصمد( وكان مقتضى الظاهر أن يقال: هو الصمد.
والصمد: السيد الذي لا يستغنى عنه في المهمات، وهو سيد القوم المطاع فيهم.
قال في الكشاف: وهو فعل بمعنى مفعول من: صمد إليه، إذا قصده، فالصمد المصمود في الحوائج. قلت: ونظيره السند الذي تسند إليه الأمور المهمة. والفلق اسم الصباح بأنه يتفلق عنه الليل.
والصمد: من صفات الله، والله هو الصمد الحق الكامل الصمدية على وجه العموم.
فالصمد من الأسماء التسعة والتسعين في حديث أبي هريرة عند الترمذي. ومعناه: المفتقر إليه كل ما عداه، فالمعدوم مفتقر وجوده إليه والموجود مفتقر في شؤونه إليه وقد كثرت عبارات المفسرين من السلف في معنى الصمد، وكلها مندرجة تحت هذا المعنى الجامع، وقد أنهاها فخر الدين إلى ثمانية عشر قولا. ويشمل هذا الاسم صفات الله المعنوية الإضافية وهي كونه تعالى حيا، عالما، مريدا، قادرا، متكلما، سميعا، بصيرا، لأنه لو انتفى عنه أحد هذه الصفات لم يكن مصمودا إليه.
وصيغة )الله الصمد( صيغة قصر بسبب تعريف المسند فتفيد قصر صفة الصمدية على الله تعالى، وهو قصر قلب الإبطال ما تعوده أهل الشرك في الجاهلية من دعائهم أصنامهم في حوائجهم والفزع إليها في نوائبهم حتى نسوا الله. قال أبو سفيان ليلة فتح مكة وهو بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وقال له النبي صلى الله عليه وسلم أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله لقد علمت أن لو كان معه إله آخر لقد أغنى عني شيئا .
)لم يلد ولم يولد[3](
جملة )لم يلد( خبر ثاني عن اسم الجلالة من قوله )الله الصمد(، أو حال من المبتدأ أو بدل اشتمال من جملة )الله الصمد(، لأن من يصمد إليه لا يكون من حاله أن يلد لأن طلب الولد لقصد الاستعانة به في إقامة شؤون الوالد وتدارك عجزه، ولذلك استدل على إبطال قولهم )اتخذ الله ولدا( بإثبات أنه الغني في قوله تعالى )قال اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض( فبعد أن أبطلت الآية الأولى من هذه السورة تعدد الإله بالأصالة والاستقلال، أبطلت هذه الآية تعدد الإله بطريق تولد إله عن إله، لأن المتولد مساو لما تولد عنه.
والتعدد بالتولد مساو في الاستحالة لتعدد الإله بالأصالة لتساوي ما يلزم على التعدد في كليهما من فساد الأكوان المشار إليه بقوله تعالى )لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا( وهو برهان التمانع ولأنه لو تولد عن الله موجود آخر للزم انفصال جزء عن الله تعالى وذلك مناف للأحدية كما علمت آنفا وبطل اعتقاد المشركين من العرب أن الملائكة بنات الله تعالى فعبدوا الملائكة لذلك، لأن النبوة للإله تقتضي إلهية الابن قال تعالى )وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل عباد مكرمون(.
وجملة )ولم يولد( عطف على جملة )لم يلد(، أي ولم يلده غيره وهي بمنزلة الاحتراس سدا لتجويز أن يكون له والد، فأردف نفي الولد بنفي الوالد. وإنما قدم نفي الولد بأنه أهم إذ قد نسب أهل الضلالة الولد إلى الله تعالى ولم ينسبوا إلى الله والدا. وفيه الإيماء إلى أن من يكون مولودا مثل عيسى لا يكون إلها لأنه لو كان الإله مولودا لكان وجوده مسبوقا بعدم لا محالة وذلك محال لأنه لو كان مسبوقا بعدم لكان مفتقرا إلى من يخصصه بالوجود بعد العدم، فحصل من مجموع جملة )لم يلد ولم يولد( إبطال أن يكون الله والدا لمولود، أو مولودا من والد بالصراحة. وبطلت إلهية كل مولود بطريق الكناية فبطلت العقائد المبنية على تولد الإله مثل عقيدة زرادشت الثانوية القائلة بوجود إلهين: إله الخير وهو الأصل، وإله الشر وهو متولد عن إله الخير، لأن إله الخير وهو المسمى عندهم يزدان فكر فكرة سوء فتولد منه إله الشر المسمى عندهم أهرمن وقد أشار إلى مذهبهم أبو العلاء بقوله:
قال أناس باطل زعمـهـم فراقبوا الله ولا تزعـمـن
فكر )يزدان( علـى غـرة فصيغ من تفكيره )أهرمن( وبطلت عقيدة النصارى بإلهية عيسى عليه السلام بتوهمهم أنه ابن الله وأن ابن الله لا يكون إلا إلها بأن الإله يستحيل أن يكون له ولد فليس عيسى بابن الله، وبأن الإله يستحيل أن يكون مولودا بعد عدم. فالمولود المتفق على أنه مولود يستحيل أن يكون إلها فبطل أن يكون عيسى إلها.
فلما أبطلت الجملة الاسمية الأولى إلهية إله غير الله بالأصالة، وأبطلت الجملة الثانية إلهية غير الله بالاستحقاق، أبطلت هذه الجملة إلهية غير الله بالفرعية والتولد بطريق الكناية.
وإنما نفي أن يكون الله والدا وأن يكون مولودا في الزمن الماضي، لأن عقيدة التولد ادعت وقوع ذلك في زمن مضى، ولم يدع أحد أن الله سيتخذ ولدا في المستقبل.
)ولم يكن له كفوا أحد[4]( في معنى التذليل للجمل التي قبلها لأنها أعم من مضمونها لأن تلك الصفات المتقدمة صريحها وكنايتها وضمنيها لا يشبهه فيها غيره، مع إفادة هذه انتفاء شبيه له فيما عداها مثل صفات الأفعال كما قال تعالى )إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له(.
والواو في قوله )ولم يكن له كفوا أحد( اعتراضية، وهي واو الحال، كالواو في قوله تعالى )وهل يجازى إلا الكفور( فإنها تذليل لجملة )ذلك جزيناهم بما كفروا(، ويجوز أن يكون الواو عاطفة إن جعلت الواو الأولى عاطفة فيكون المقصود من الجملة إثبات وصف مخالفته تعالى للحوادث وتكون استفادة معنى التذليل تبعا للمعنى، والنكت ولا تتزاحم.
والكفؤ: بضم الكاف وضم الفاء وهمزة في آخره. وبه قرأ نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر، إلا أن الثلاثة الأولين حققوا الهمزة وأبو جعفر سهلها ويقال: )كفء( بضم الكاف وسكون الفاء وبالهمز، وبه قرأ حمزة ويعقوب، ويقال )كفؤا( بالواو عوض الهمز، وبه قرأ حفص عن عاصم وهي لغات ثلاث فصيحة.
ومعناه: المساوي والمماثل في الصفات.
و)أحد( هنا بمعنى إنسان أو موجود، وهو من الأسماء النكرات الملازمة للوقوع في حيز النفي.
وحصل بهذا جناس تام مع قوله )قل هو الله أحد(.
وتقديم خبر )كان( على اسمها للرعاية على الفاصلة وللاهتمام بذكر الكفؤ عقب الفعل المنفي ليكون أسلق إلى السمع.
وتقديم المجرور بقوله )له( على متعلقه وهو)كفوا( للاهتمام باستحقاق الله نفي كفاءة أحد له، فكان هذا الاهتمام مرجحا تقديم المجرور على متعلقه وإن كان الأصل تأخير المتعلق إذ كان ظرفا لغويا. وتأخيره عند سيبويه أحسن ما لم يقتضي التقديم مقتضى كما أشار إليه في الكشاف.
وقد وردت في فصل هذه السورة أخبار صحيحة وحسنة استوفاها المفسرون. وثبت في الحديث الصحيح في الموطأ والصحيحين من طرق عدة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن .
واختلفت التأويلات التي تأول بها أصحاب معاني الآثار بهذا الحديث ويجمعها أربع تأويلات.
الأول: أنها تعدل ثلث القرآن في ثواب القراءة، أي تعدل ثلث القرآن إذا قرئ بدونها حتى لو كررها القارئ ثلاث مرات كان له ثواب من قرأ القرآن كله.
الثاني: أنها تعدل ثلث القرآن إذا قرأها من لا يحسن غيرها من سور القرآن.
الثالث: أنها تعدل ثلث معاني القرآن باعتبار أجناس المعاني لأن معاني القرآن أحكام وأخبار وتوحيد، وقد انفردت هذه السورة بجمعها أصول العقيدة الإسلامية ما لم يجمعه غيرها.
وأقول: أن ذلك كان قبل نزول آيات مثلها مثل آية الكرسي، أو لأنه لا توجد سورة واحدة جامعة لما في سورة الإخلاص.
التأويل الرابع: أنها تعدل ثلث القرآن في الثواب مثل التأويل الأول ولكن لا يكون تكريرها ثلاث مرات بمنزلة قراءة ختمة كاملة.
قال ابن رشد في البيان والتحصيل: أجمع العلماء على أن من قرأ )قل هو الله أحد( ثلاث مرات لا يساوي في الأجر من أحيا بالقرآن كله اه. فيكون هذا التأويل قيدا للتأويل الأول، ولكن في حكايته الإجماع على أن ذلك هو المراد نظر، فإن في بعض الأحاديث ما هو صريح في أن تكريرها ثلاث مرات يعدل قراءة ختمة كاملة.
قال ابن رشد: واختلافهم في تأويل الحديث لا يرتفع بشيء منه عن الحديث الأشكال ولا يتخلص عن أن يكون فيه اعتراض.
وقال أبو عمر بن عبد البر السكوت على هذه المسألة أفضل من الكلام فيها.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:26 PM
البيضاوى
سورة الإخلاص مختلف فيها وآيها أربع آيات بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد الضمير للشأن كقولك هو زيد منطلق وارتفاعه بالابتداء وخبره الجملة ولا حاجة إلى العائد لأنها هي هو أو لما سئل عنه صلى الله عليه وسلم أي الذي سألتموني عنه هو الله إذ روي أن قريشا قالوا يا محمد صف لنا ربك الذي تدعونا إليه فنزلت وأحد بدل أو خبر ثان يدل على مجامع صفات الجلال كما دل الله على جميع صفات الكمال إذ الواحد الحقيقي ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية والحكمة التامة
المقتضية للألوهية وقرئ هو الله بلا قل مع الأتفاق على أنه لا بد منه في قل يا أيها الكافرون ولا يجوز في تبت ولعل ذاك لأن سورة الكافرون مشاقة الرسول أو موادعته لهم وتبت معاتبة عمه فلا يناسب أن تكون منه وأما هذا فتوحيد يقول به تارة ويؤمر بأن يدعو إليه أخرى الله الصمد السيد المصمود إليه في الحوائج من صمد إليه إذا قصد وهو الموصوف به على الإطلاق فإنه يستغنى عن غيره مطلقا وكل ما عداه محتاج إليه في جميع جهاته وتعريفه لعلمهم بصمديته بخلاف أحديته وتكرير لفظة الله للإشعار بأن من لم يتصف به لم يستحق الألوهية وإخلاء الجملة عن العاطف لأنها كالنتيجة للأولى أو الدليل عليها لم يلد لأنه لك يجانس ولم يفتقر إلى ما يعينه أو يخلف عنه لامتناع الحاجة والفناء عليه ولعل الاقتصاد على لفظ الماضي لوروده ردا على من قال الملائكة بنات الله أو المسيح ابن الله أو ليطابق قوله ولم يولد وذلك لأنه لا يفتقر إلى شيء ولا يسبقه عدم
^ ^ ولم يكن له كفوا أحد أي ولم يكن أحد يكافئه أو يماثله من صاحبة أو غيرها وكان أصله أن يؤخر الظرف لأنه صلة كفوا لكن لما كان المقصود نفي المكافأة عن ذاته تعالى قدم تقديما للأهم ويجوز أن يكون حالا من المستكن في كفوا أو خبرا ويكون كفوا حالا من أحد ولعل ربط الجمل الثلاث بالعطف لأن المراد منها نفي أقسام المكافأة فهي كجملة واحدة منبهة عليها بالجمل وقرأ حمزة ويعقوب ونافع في رواية كفوا بالتخفيف وحفص كفوا بالحركة وقلب الهمزة واوا ولاشتمال هذه السورمع قصرها على جميع المعارف الإلهية والردعلى من ألحد فيها جاء في الحديث أنها تعدل ثلث القرآن فإن مقاصده محصورة في بيان العقائد والأحكام والقصص ومن عدلها بكله اعتبر المقصود بالذات من ذلك وعنه صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلا يقرؤها فقال وجبت قيل يا رسول الله وما وجبت قال وجبت له الجنة
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:27 PM
السعدى
"قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ "
قل يا محمد: هو الله المتفرد بالألوهية لا يشاركه أحد فيها.
"اللَّهُ الصَّمَدُ "
الله وحده المقصود في قضاء الحوائج والرغائب.
"لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ "
ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة.
"وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ "
ولم يكن له كفوا أحد, لا في أسمائه ولا في صفاته, ولا في أفعاله, تبارك وتعالى وتقدس.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:28 PM
الكشاف للزمخشرى
مكية وقيل: مدنية وآياتها أربع
بسم الله الرحمن الرحيم
{قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد} هو ضمير الشأن والله أحد هو الشأن كقولك: هو زيد منطلق كأنه قيل: الشأن هذا وهو أن الله واحد لا ثاني له.
فإن قلت: ما محل هو قلت: الرفع على الابتداء والخبر الجملة.
فإن قلت: فالجملة الواقعة خبراً لا بد فيها من راجع إلى المبتدأ فأين الراجع قلت: حكم هذه
الجملة حكم المفرد في قولك: زيد غلامك في أنه هو المبتدأ في المعنى وذلك أن قوله: الله أحد هو الشأن الذي هو عبارة عنه وليس كذلك زيد أبوه منطلق فإن زيداً والجملة يدلان على معنيين مختلفين فلا بد مما يصل بينهما.
وعن ابن عباس: قالت قريش: يا محمد صف لنا ربك الذي تدعونا إليه فنزلت: يعني: الذي سألتموني وصفه هو الله وأحد: بدل من قوله الله.
أو على: هو أحد وهو بمعنى واحد وأصله وحد.
وقرأ عبد اله وأبي: هو الله أحد بغير قل وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم: الله أحد بغير قل هو وقال من قرأ: الله أحد كان بعدل القرآن.
وقرأ الأعمش: قل هو الله الواحد.
وقرئ: أحد اله بغير تنوين أسقط لملاقاته لام التعريف.
ونحوه: ولا ذاكر الله إلا قليلاً والجيد هو التنوين وكسره لالتقاء الساكنين.
والصمد فعل بمعنى مفعول من صمد إليه إذا قصده وهو السيد المصمود إليه في الحوائج.
والمعنى: هو الله الذي تعرفونه وتقرون بأنه خالق السموات والأرض وخالقكم وهو واحد متوحد بالإلهية لا يشارك فيها وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه وهو الغني عنهم.
لم يلد لأنه لا يجانس حتى تكون له من جنسه صاحبه فيتوالدا.
و قد دل على هذا المعنى بقوله: {أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة} الأنعام 101.
ولم يلد لأن كل مولود محدث وجسم وهو قديم لا أول لوجوده وليس بجسم ولم يكافئه أحد أي: لم يماثله ولم يشاكله.
ويجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح نفياً للصاحبة: سألوه أن يصفه لهم فأوحى إليه ما يحتوي على صفاته فقوله: هو الله إشارة لهم إلى من هو خالق الأشياء وفاطرها وفي طي ذلك وصفه بأنه قادر عالم لأن الخلق يستدعي القدرة والعلم لكونه واقعاً على غاية إحكام واتساق وانتظام.
وفي ذل وصفه بأنه حي سميع بصير.
وقوله أحد وصف بالوحدانية ونفي الشركاء.
وقوله: الصمد وصف بأنه ليس إلا محتاجاً إليه وإذا لم يكن إلا محتاجاً إليه: فهو غني.
وفي كونه غنياً مع كونه عالماً: أنه عدل غير فاعل للقبائح لعلمه بقبح القبيح وعلمه بغناه عنه.
وقوله: لم يولد وصف بالقدم والأولية.
وقوله: لم يلد نفي للشبه والمجانسة.
وقوله: ولم يكن له كفواً أحد تقرير لذلك وبت للحكم به فإن قلت: الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم وقد نص سيبويه على ذلك في كتابه فما باله مقدماً في أفصح كلام وأعربه قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف فكان لذلك أهم شيء وأعناه وأحقه بالتقديم وأحراه.
وقرئ: كفؤا بضم الكاف والفاء.
وبضم الكاف وكسرها مع سكون الفاء: فإن قلت: لم كانت هذه السورة عدل القرآن كله على قصر متنها وتقارب طرفيها قلت: لأمر ما يسود من يسود وما ذاك إلا لاحتوائها على صفات الله فيها: إن علم التوحيد من الله تعالى بمكان وكيف لا يكون كذلك والعلم تابع للمعلوم: يشرف بشرفه ويتضع بضعته ومعلوم هذا العلم هو الله تعالى وصفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز فما ظن بشرف منزلته وجلالة محله وإنافته على كل علم واستيلائه على قصب السبق دونه ومن ازدراه فلضعف علمه بمعلومه وقلة تعظيمه له وخلوه من خشيته وبعده من النظر لعاقبته.
اللهم احشرنا في زمرة العالمين بك العاملين لك القائلين بعدلك وتوحيدك الخائفين من وعيدك.
وتسمى سورة الأساس لاشتمالها على أصول الدين وروي أبي وأنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أسست السموات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد " يعني ما خلقت إلا لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته التي نطقت بها هذه السورة.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه سمع رجلاً يقرأ: قل هو الله أحد فقال: وجبت.
قيل: يا رسول الله وما وجبت قال: وجبت له الجنة.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:29 PM
الجلالين
112- سورة الإخلاص
1 - (قل هو الله أحد) فالله خبر هو وأحد بدل منه أو خبر ثان
2 - (الله الصمد) مبتدأ وخبر أي المقصود في الحوائج على الدوام
3 - (لم يلد) لانتفاء مجانسته (ولم يولد) لانتفاء الحدوث عنه
4 - (ولم يكن له كفوا أحد) أي مكافئا ومماثلا وله متعلق بكفواً وقدم عليه لأنه محط القصد بالنفي وأخر أحد وهو اسم يكن عن خبرها رعاية للفاصلة
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:38 PM
تفسير آية 118/ التوبة
وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا، إن الله هو التواب الرحيم.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:39 PM
الطبرى
القول في تأويل قوله تعالى: {وَعَلَى الثّلاَثَةِ الّذِينَ خُلّفُواْ حَتّىَ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنّوَاْ أَن لاّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاّ إِلَيْهِ ثُمّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوَاْ إِنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ }.
يقول تعالى ذكره: لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والأنصار وعلى الثلاثة الذين خلفوا. وهؤلاء الثلاثة الذين وصفهم الله في هذه الآية بما وصفهم به فيما قبل, هم الاَخرون الذين قال جلّ ثناؤه: وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللّهِ إمّا يُعَذّبَهُمْ وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فتاب عليهم عزّ ذكره وتفضل عليهم. وقد مضى ذكر من قال ذلك من أهل التأويل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. فتأويل الكلام إذًا: ولقد تاب الله على الثلاثة الذين خلّفهم الله عن التوبة, فأرجأهم عمن تاب عليه ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما:
ـ حدثنا الحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عمن سمع عكرمة, في قوله: وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال: خلفوا عن التوبة.
ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, أما قوله: خُلّفُوا فخلّفوا عن التوبة.
حتى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ يقول: بسعتها غمّا وندما على تخلفهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ بما نالهم من الوجد والكرب بذلك. وَظَنّوا أنْ لا مَلْجَأَ يقول: وأيقنوا بقلوبهم أن لا شيء لهم يلجئون إليه مما نزل بهم من أمر الله من البلاء بتخلفهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينجيهم من كربه, ولا مما يحذرون من عذاب الله إلا الله. ثم رزقهم الإنابة إلى طاعته, والرجوع إلى ما يرضيه عنهم, لينيبوا إليه ويرجعوا إلى طاعته والانتهاء إلى أمره ونهيه. أنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحيمُ يقول: إن الله هو الوهاب لعباده الإنابة إلى طاعته الموفق من أحبّ توفيقه منهم لما يرضيه عنه, الرحيم بهم أن يعاقبهم بعد التوبة, أو يخذل من أراد منهم التوبة والإنابة ولا يتوب عليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن أبي سفيان, عن جابر, في قوله: وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا: قال: كعب بن مالك, وهلال بن أمية, ومرارة بن ربيعة, وكلهم من الأنصار.
حدثني عبيد بن الورّاق, قال: حدثنا أبو أسامة, عن الأعمش, عن أبي سفيان, عن جابر بنحوه, إلا أنه قال: ومرارة بن الربيع, أو ابن ربيعة, شكّ أبو أسامة.
ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبي, عن إسرائيل, عن جابر, عن عكرمة وعامر: وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال: أُرجئوا في أوسط براءة.
ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال: الذين أرجئوا في أوسط براءة, قوله: وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْر اللّهِ هلال بن أمية, ومرارة بن ربيعة, وكعب بن مالك.
حدثني المثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا الذين أرجئوا في وسط براءة.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبي, عن أبيه, عن ليث, عن مجاهد: وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال: كلهم من الأنصار: هلال بن أمية, ومرارة بن ربيعة, وكعب بن مالك.
قال: حدثنا ابن نمير, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال: الذين أرجئوا.
ـ قال: حدثنا جرير, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد, قال: الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا: كعب بن مالك وكان شاعرا, ومرارة بن الربيع, وهلال بن أمية, وكلهم أنصار.
ـ قال: حدثنا أبو خالد الأحمر والمحاربي, عن جويبر, عن الضحاك, قال: كلهم من الأنصار: هلال بن أمية, ومرارة بن الربيع, وكعب بن مالك.
ـ حدثني المثنى, قال: حدثنا عمرو بن عون, قال: أخبرنا هاشم, عن جويبر, عن الضحاك, قوله: وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال: هلال بن أمية, وكعب بن مالك, ومرارة بن الربيع كلهم من الأنصار.
ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا... إلى قوله: ثُمّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا, إنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ كعب بن مالك, وهلال بن أمية, ومرارة بن ربيعة تخلفوا في غزوة تبوك. ذكر لنا أن كعب بن مالك أوثق نفسه إلى سارية, فقال: لا أطلقها أو لا أطلق نفسي حتى يطلقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله: «واللّهِ لا أُطْلِقُهُ حتى يُطْلِقَهُ رَبّهُ إنْ شاءَ». وأما الاَخر فكان تخلف على حائط له كان أدرك, فجعله صدقة في سبيل الله, وقال: والله لا أطعمه وأما الاَخر فركب المفاوز يتبع رسول الله ترفعه أرض وتضعه أخرى, وقدماه تشلشلان دما.
ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا عبيد الله, عن إسرائيل, عن السديّ, عن أبي مالك, قال: الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا: هلال بن أمية, وكعب بن مالك, ومرارة بن ربيعة.
ـ قال: حدثنا أبو داود الحفري, عن سلام أبي الأحوص, عن سعيد بن مسروق, عن عكرمة: وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا قال: هلال بن أمية, ومرارة, وكعب بن مالك.
ـ حدثني يعقوب, قال: حدثنا ابن علية, قال: أخبرنا ابن عون, عن عمر بن كثير بن أفلح, قال: قال كعب بن مالك: ما كنت في غزاة أيسر للظهر والنفقة مني في تلك الغزاة. قال كعب بن مالك: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: أتجهز غدا ثم ألحقه فأخذت في جهازي, فأمسيت ولم أفرغ فلما كان اليوم الثالث أخذت في جهازي, فأمسيت ولم أفرغ, فقلت: هيهات, سار الناس ثلاثا فأقمت. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الناس يعتذرون إليه, فجئت حتى قمت بين يديه فقلت: ما كنت في غزاة أيسر للظهر والنفقة مني في هذه الغزاة. فأعرض عني رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأمر الناس أن لايكلمونا, وأمرت نساؤنا أن يتحوّلن عنا. قال: فتسوّرت حائطا ذات يوم فإذا أنا بجابر بن عبد الله, فقلت: أي جابر, نشدتك بالله هل علمتني غششت الله ورسوله يوما قطّ؟ فسكت عني, فجعل لا يكلمني. فبينا أنا ذات يوم, إذ سمعت رجلاً على الثنيّةِ يقول: كعب كعب حتى دنا مني, فقال: بشّروا كعبا.
ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني يونس, عن ابن شهاب قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام, حتى إذا بلغ تبوك أقام بها بضع عشرة ليلة ولقيه بها وفد أذرح ووفد أيلة, صالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية. ثم قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك ولم يجاوزها, وأنزل الله: لَقَدْ تابَ اللّهُ على النّبِيّ والمُهاجِرِينَ والأنْصَارِ الّذِينَ اتّبَعُوهُ فِي ساعَةِ العُسْرَةِ... الآية, والثلاثة الذين خلفوا: رهط منهم: كعب بن مالك وهو أحد بني سلمة, ومرارة بن ربيعة وهو أحد بني عمرو بن عوف, وهلال بن أمية وهو من بني واقف. وكانوا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة في بضعة وثمانين رجلاً فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة, صدَقه أولئك حديثهم واعترفوا بذنوبهم, وكذب سائرهم, فحلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما حبسهم إلا العذر, فقبل منهم رسول الله وبايعهم, ووكلهم في سرائرهم إلى الله. ونُهي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن كلام الذين خلفوا, وقال لهم حين حدّثوه حديثهم واعترفوا بذنوبهم: «قَدْ صَدَقْتُمْ فَقُومُوا حتى يَقْضِيَ اللّهُ فِيكُمْ» فلما أنزل الله القرآن تاب على الثلاثة, وقال للاَخرين: سَيَحْلِفُونَ باللّهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ... حتى بلغ: لا يَرْضَى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ. قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك, وكان قائد كعب من بنيه حين عمي, قال: سمعت كعب بن مالك يحدّث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قطّ إلا في غزوة تبوك, غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش, حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام, وما أحبّ أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها. فكان من خبري حين تخلفت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قطّ أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة, والله ما جمعت قبلها راحلتين قطّ حتى جمعتهما في تلك الغزوة. فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرّ شديد, واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز, واستقبل عدوّا كثيرا, فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم, فأخبرهم بوجهه الذي يريد, والمسلمون مع النبيّ صلى الله عليه وسلم كثير, ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد بذلك الديوان قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا يظنّ أن ذلك سيخفى ما لم ينزل فيه وحي من الله. وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال, وأنا إليهما أصعر. فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه, وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم, فلم أقض من جهازي شيئا, ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا. فلم يزل ذلك يتمادى حتى أسرعوا وتفارط الغزو, وهممت أن أرتحل فأدركهم, فيا ليتني فعلت, فلم يقدرّ ذلك لي, فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصا عليه في النفاق أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء. ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك, فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مالكٍ؟» فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه بُرْداه والنظر في عطفيه. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبينا هو على ذلك رأى رجلاً مبيضا يزول به السراب, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُنْ أبا خَيْثَمَةَ» فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري, وهو الذي تصدّق بصاع التمر, فلمزه المنافقون. قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك حضرني همي, فطفقت أتذكر الكذب وأقول بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك بكلّ ذي رأي من أهلي. فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظلّ قادما زاح عني الباطل, حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا, فأجمعت صدقه. وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما, وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون, فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له, وكانوا بضعة وثمانين رجلاً, فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم, ووكل سرائرهم إلى الله حتى جئت, فلما سلمت تبسمّ تبسمّ المغضب, ثم قال: «تَعَالَ» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه, فقال لي: «ما خَلّفَكَ, ألَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟» قال: قلت يا رسول الله إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر لقد أُعطيت جدلاً, ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكنّ الله أن يسخطك عليّ, ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه إني لأرجو فيه عفو الله والله ما كان لي عذر, والله ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ, قُمْ حتى يَقْضِيَ اللّهُ فِيكَ» فقمت, وثار رجال من بني سلمة, فاتبعوني وقالوا: والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا, لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون, فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني, حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذّب نفسي. قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: قلت من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي. قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة. قال: فمضيت حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه, قال: فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف, فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان, وأما أنا فكنت أشبّ القوم وأجْلَدَهُم, فكنت أخرج وأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد, وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة, فأقول في نفسي هل حرّك شفتيه بردّ السلام أم لا؟ ثم أصلي معه وأسارقه النظر, فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ وإذا التفت نحوه أعرض عني. حتى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين, مشيت حتى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحبّ الناس إليّ, فسلمت عليه, فوالله ما ر دّ عليّ السلام, فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلم أني أحبّ الله ورسوله؟ فسكت, قال: فعدت فناشدته فسكت, فعدت فنا شدته فقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي, وتوليت حتى تسورت الجدار. فبينا أنا أمشي في سوق المدينة, إذا بنبطي من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة, يقول: من يدلّ على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له حتى جاءني, فدفع إليّ كتابا من ملك غسان, وكنت كاتبا, فقرأته فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك, ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة, فالحق بنا نواسك قال: فقلت حين قرأته: وهذا أيضا من البلاء. فتأممت به التنّور فسجرته به. حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك, قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها فلا تقربها قال: وأرسل إلى صاحبيّ بذلك, قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك تكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر قال: فجاءت امرأة هلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم, فهل تكره أن أخدمه؟ فقال: «لا, وَلَكِنْ لا يَقْرُبَنّكِ» قالت: فقلت: إنه والله ما به حركة إلى شيء, ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يوم هذا قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه قال: فقلت لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما يدريني ماذا يقول لي إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب. فلبثت بعد ذلك عشر ليال, فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا. قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا, فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عنا قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت, سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر قال: فخررت ساجدا, وعرفت أن قد جاء فرج. قال: وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر, فذهب الناس يبشروننا, فذهب قِبَل صاحبي مبشرون, وركض رجل إليّ فرسا, وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى الجبل, وكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ, فكسوتهما إياه ببشارته, والله ما أملك غيرهما يومئذ, واستعرت ثوبين فلبستهما. وانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم, فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة, ويقولون: لتهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد, فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد حوله الناس, فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني, والله ما قام رجل من المهاجرين غيره قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور: «أبْشرْ بِخَيْرِ يَوْمّ مَرّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدتْكَ أُمّكَ» فقلت: أمن عندك يا رسول الله, أم من عند الله؟ قال: «لا بَلْ مِنْ عِنْدِ اللّهِ». وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سرّ استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر, وكنا نعرف ذلك منه. قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمْسِكْ بَعْضَ مالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله إن الله إنما أنجاني بالصدق, وإن من توبتي أن لا أحدّث إلا صدقا ما بقيت قال: فوالله ما علمت أحدا من المسلمين ابتلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله عليه الصلاة والسلام أحسن مما ابتلاني, والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا, وإني أرجو أن يحفظني الله فيما بقى. قال: فأنزل الله: لَقَدْ تابَ اللّهُ على النّبِيّ... حتى بلغ: وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا.... إلى: اتّقُوا اللّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ قال كعب: والله ما أنعم الله عليّ من نعمة قطّ بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه, فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شرّ ما قال لأحد: سَيَحْلِفُونَ باللّهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأعْرِضُوا عَنْهُمْ أنّهُمْ رِجْسٌ وَمأْوَاهُمْ جَهَنّمُ جَزَاءً بِمَا كانُوا يَكْسِبُونَ... إلى قوله: لا يَرْضَى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ قال كعب: خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قَبِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم توبتهم حين حلفوا له, فبايعهم واستغفر لهم, وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه, فبذلك قال الله: وَعَلى الثّلاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو إنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه, فقبل منهم.
حدثنا المثنى, قال: حدثنا أبو صالح, قال: ثني الليث, عن عقيل, عن ابن شهاب, قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك, أن عبد الله بن كعب بن مالك, وكان قائد كعب من بنيه حين عمي, قال: سمعت كعب بن مالك يحدّث حديثه حين تخلف, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, فذكر نحوه.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الزهري, عن عبد الرحمن بن كعب, عن أبيه, قال: لم أتخلف عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في غزاة غزاها إلا بدرا, ولم يعاتب النبيّ صلى الله عليه وسلم أحدا تخلف عن بدر, ثم ذكر نحوه.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن ابن شهاب الزهري, عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري, ثم السلمي, عن أبيه. أن أباه عبد الله بن كعب, وكان قائد أبيه كعب حين أصيب بصره, قال: سمعت أبي كعب بن مالك يحدّث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, وحديث صاحبيه قال: ما تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها, غير أني كنت تخلفت عنه في غزوة بدر, ثم ذكر نحوه.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:41 PM
ابن كثير
++++ وَعَلَى الثّلاَثَةِ الّذِينَ خُلّفُواْ حَتّىَ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنّوَاْ أَن لاّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاّ إِلَيْهِ ثُمّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوَاْ إِنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ * يَـَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصّادِقِينَ
قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب بن إبراهيم, حدثنا ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله, عن عمه محمد بن مسلم الزهري أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك, أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي, قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزاة تبوك, غيرأني كنت تخلفت في غزاة بدر ولم يعاتب أحد تخلف عنها, وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد, ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام, وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر, وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك, أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة, والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفراً بعيداً ومفاوز, واستقبل عدواً كثيراً فخلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم, فأخبرهم وجهه الذي يريد, والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير, لا يجمعهم كتاب حافظ ـ يريد الديوان ـ قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل, وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار والظلال وأنا إليها أصعر, فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه, فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض من جهازي شيئا, فأقول لنفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت, فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى شمّر بالناس الجد, فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً وقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه فغدوت بعد ما فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئاً, ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً, فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فألحقهم وليت أني فعلت, ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق أو رجلاً ممن عذره الله عز وجل, ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك, فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب بن مالك» فقال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه, فقال معاذ بن جبل: بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً من تبوك, حضرني بثي وطفقت أتذكر الكذب, وأقول بماذا أخرج من سخطه غداً وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي, فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادماً, زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبداً, فأجمعت صدقه فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى ركعتين ثم جلس للناس, فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلاً, فيقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم ويستغفر لهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى, حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب, ثم قال لي «تعال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه, فقال لي: «ما خلفك ألم تكن قد اشتريت ظهراً» فقلت يا رسول الله إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر, لقد أعطيت جدلاً ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي, ولئن حدثتك بصدق تجد علي فيه إني لأرجو عقبى ذلك من الله عز وجل والله ما كان لي عذر, والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك, قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك» فقمت وقام إلي رجال من بني سلمة واتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا ولقد عجزت إلا أن تكون اعتذرت إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون, فقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك, قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي, قال ثم قلت لهم هل لقي معي هذا أحد ؟ قالوا نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت, وقيل لهما مثل ما قيل لك, فقلت فمن هما ؟ قالوا مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي, فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً لي فيهما أسوة, قال: فمضيت حين ذكروهما لي قال ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه, فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف, فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدافي بيوتهما يبكيان, وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم, فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد, وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي أحرك شفتيه برد السلام عليّ أم لا ؟ ثم أصّلي قريباً منه وأسارقه النظر, فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ, فإِذا التفتُ نحوه أعرض عنّي, حتّى إِذا طال علّي ذلك من هجر المسلمين مشيت حتّى تسوّرت حائط أبي قتادة وهوابن عمي وأحب الناس إليّ, فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام, فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟ قال فسكت, قال فعدت له فنشدته فسكت, فعدت له فنشدته فسكت, فقال الله ورسوله أعلم.
قال ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار, فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا أنا بنبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك, قال فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إلي كتاباً من ملك غسان وكنت كاتباً, فإِذا فيه: أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك وإن الله لم يجعلك في دار هوان ولا مضيعة, فالحق بنا نواسك, قال: فقلت حين قرأته وهذا أيضاً من البلاء, قال: فتيممت به التنور فسجرته به حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين, إذا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني يقول: يأمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتزل امرأتك, قال فقلت أطلقها أم ماذا أفعل ؟ فقال: بل اعتزلها ولا تقربها, قال وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك, قال فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما يشاء, قال فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هلالاً شيخ ضعيف ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه, قال «لا ولكن لا يقربنّك» قالت وإنه والله ما به من حركة إلى شيء, وإنه والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا, قال فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لا مرأة هلال بن أمية أن تخدمه, قال فقلت والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدري ما يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته وأنا رجل شاب.
قال: فلبثنا عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا, قال: ثم صليت صلاة الصبح صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا, فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت, سمعت صارخاً أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: أبشر يا كعب بن مالك, قال: فخررت ساجداً وعرفت أن قد جاء الفرج من الله عز وجل بالتوبة علينا, فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر, فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبيّ مبشرون, وركض إلي رجل فرساً وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس, فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ فكسوتهما إياه ببشارته, والله ما أملك يومئذ غيرهما, واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنوني بتوبة الله, يقولون ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد, فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد والناس حوله, فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره, قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة, قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» قال: قلت أمن عندك رسول الله أم من عند الله ؟ قال «لا بل من عند الله» قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر حتى يعرف ذلك منه, فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إِن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله, قال «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر وقلت يا رسول الله: إنما نجاني الله بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقاً ما بقيت, قال: فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى, والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا, وإِني لأرجو أن يحفظني الله عز وجل فيما بقي.
(قال) وأنزل الله تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤ وف رحيم * وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجاً من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم * يا أيها الذين آمنوا اتقوا لله وكونوا مع الصاديقين} إلى آخر الاَيات. قال كعب: فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ, أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه, فإن الله تعالى قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد, فقال الله تعالى: {سيحلفون با لله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون * يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإِن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين} قال: وكنا أيها الثلاثة الذين خلفنا عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا فبايعهم واستغفر لهم, وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه, فلذلك قال عز وجل {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} وليس تخليفه إِيانا وارجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخليفنا عن الغزو, وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه.
هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته رواه صاحبا الصحيح البخاري ومسلم, من حديث الزهري بنحوه, فقد تضمن هذا الحديث تفسير هذه الاَية الكريمة بأحسن الوجوه وأبسطها, وكذا روي عن غير واحد من السلف في تفسيرها, كما رواه الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} قال: هم كعب بن مالك, وهلال بن أمية, ومرارة بن الربيع, وكلهم من الأنصار, وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد وكلهم قال مرارة بن ربيعة, وكذا في مسلم ابن ربيعة في بعض نسخه, وفي بعضها مرارة بن الربيع, وفي رواية عن الضحاك مرارة بن الربيع كما وقع في الصحيحين وهو الصواب, وقوله فسموا رجلين شهدا بدراً قيل إنه خطأ من الزهري, فإِنه لا يعرف شهود واحد من هؤلاء الثلاثة بدراً, والله أعلم.
ولما ذكر تعالى ما فرج به عن هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب من هجر المسلمين إياهم نحواً من خمسين ليلة بأيامها, وضاقت عليهم أنفسهم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت, أي مع سعتها فسدت عليهم المسالك والمذاهب فلا يهتدون ما يصنعون, فصبروا لأمر الله واستكانوا لأمر الله وثبتوا حتى فرج الله عنهم بسبب صدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تخلفهم, وأنه كان عن غير عذر فعوقبوا على ذلك هذه المدة ثم تاب الله عليهم, فكان عاقبة صدقهم خيراً لهم وتوبة عليهم, ولهذا قال {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} أي اصدقوا والزموا الصدق تكونوا من أهله وتنجوا من المهالك, ويجعل لكم فرجاً من أموركم ومخرجاً, وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش, عن شقيق عن عبد الله هو ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالصدق فإِن الصدق يهدي إلى البر, وإن البر يهدي إلى الجنة, ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً, وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار, ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً» أخرجاه في الصحيحين, وقال شعبة عن عمرو بن مرة: سمع أبا عبيدة يحدث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل, اقروءا إن شئتم {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} هكذا قرأها, ثم قال فهل تجدون لأحد فيه رخصة, وعن عبد الله بن عمرو في قوله {اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} قال مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه, وقال الضحاك مع أبي بكر وعمر وأصحابهما, وقال الحسن البصري إن أردت أن تكون مع الصادقين فعليك بالزهد في الدنيا والكف عن أهل الملة.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:42 PM
البغوى
117-قوله عز وجل: "لقد تاب الله على النبي" الآية، تاب الله أي: تجاوز وصفح. ومعنى توبته على النبي صلى الله عليه وسلم بإذنه للمنافقين بالتخلف عنه. وقيل: افتتح الكلام به لأنه كان سبب توبتهم، فذكره معهم، كقوله تعالى: "فأن لله خمسه وللرسول" (الأنفال -41)، ونحوه. "والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة"، أي: في وقت العسرة، ولم يرد ساعة بعينها، وكانت غزوة تبوك تسمى عزوة العسرة، والجيش يسمى جيش العسرة. والعسرة: الشدة، وكانت عليهم غزوة عسرة في الظهر والزاد والماء. قال الحسن: كان العشرة منهم يخرجون على بعير واحد يعتقبونه، يركب الرجل ساعة، ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك، وكان زادهم التمر المسوس والشعير المتغير، وكان النفر منهم يخرجون ما معهم إلا التمرات بينهم، فإذا بلغ الجوع من أحدهما أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه فيمصها، ثم يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى يأتي على آخرهم، ولا يبقى من التمرة إلا النواة، فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك على صدقهم ويقينهم. وقال عمر بن الخطاب: " خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادعوا الله لنا...قال أتحب ذلك؟قل: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأظلت ثم سكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا فلم نجدها جازت العسكر". "من بعد ما كاد يزيغ" قرأ حمزة وحفص: "يزيغ" بالياء لقوله: "كاد" ولم يقل: كادت. وقرأ الآخرون بالتاء. والزيغ: الميل، أي: من بعد ما/ كاد تميل، "قلوب فريق منهم"، أي: قلوب بعضهم، ولم يرد الميل عن الدين، بل أراد الميل إلى التخلف والانصراف للشدة التي عليهم. قال الكلبي: هم ناس بالتخلف ثم لحقوه. "ثم تاب عليهم"، فإن قيل: كيف أعاد ذكر التوبة وقد قال في أول الآية: "لقد تاب الله على النبي"؟. قيل: ذكر التوبة في أول الآية قبل ذكر الذنب، وهو محض الفضل من الله عز وجل، فلما ذكر الذنب أعاد التوبة، والمراد منه قبولها. "إنه بهم رؤوف رحيم". قال ابن عباس: من تاب الله عليه لم يعذبه أبدا. قوله عز وجل: "وعلى الثلاثة الذين خلفوا"، أي خلفوا عن غزوة تبوك. وقيل: خلفوا أي: أرجىء أمرهم، عن توبة أبي لبابة وأصحابه، وهؤلاء الثلاثة هم: كعب بن مالك الشاعر، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، كلهم من الأنصار. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى ين بكير، حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك -وكان قائد كعب من بنيه حين عمي- قال:" سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن غزوة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت عن غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، وكان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ -يريد الديوان- قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا، وأقول في نفسي: أنا قادر عليه إذا أردت، فلم يزل يتمادى بي الأمر حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه ونظره في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقة، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي:ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟فقلت: بلى يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت أقوى قط ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك. فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع وأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قبل لك، فقلت: من هما قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي. قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟. ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل على صلاتي أقبل إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه/ فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: ياأبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت: فعدت له فنشدته فسكت،فعدت فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم.ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار. قال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له نحوي، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان فقرأته فإذا فيه: أما بعد: فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، فقلت لما قرأته: وهذا أيضا من البلاء، فتيممت به التنور فسجرته. حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول لرسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: لا بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، ففلت لامرأتي إلحقي بأهلك وكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ قال:لا، ولكن لا يقربك، قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال كعب: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ما يقول لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب، فلبثت بعد ذلك عشر ليالي حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع، يقول بأعلى صوته: ياكعب بن مالك أبشر. فخررت لله ساجدا وعرفت أنه قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه، ووالله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنؤنني بالتوبة ويقولون: ليهنك توبة الله علك قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك! قال قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا، بل من عند الله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. فقلت: يا رسول الله إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يخفظني الله فيما بقيت. وأنزل الله على رسوله: "لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار"، إلى قوله: "وكونوا مع الصادقين"". وروى إسحاق بن راشد عن الزهري بهذا الإسناد عن كعب، قال:" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي، فلبثت كذلك حتى طال علي الأمر، وما من شيء أهم إلي من أن أموت ولا يصلي علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة، فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي علي! وأنزل الله توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم حين بقى الثلث الأخير من الليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة وكانت أم سلمة محسنة في شأني، معينة في أمري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يا أم سلمة تيب على كعب، قالت: أفلا أرسل إليه فأبشره؟ قال: إذا يحطمكم الناس، فيمنعونكم النوم سائر الليلة، حتى إذا صلى صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا".
118-قوله تعالى: "وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت"، اتسعت، "وضاقت عليهم أنفسهم"، غما وهما، "وظنوا"، أي: تيقنوا، "أن لا ملجأ من الله"، لا مفزع من الله، "إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا"، أي: ليستقيموا على التوبة فإن توبتهم قد سبقت. "إن الله هو التواب الرحيم".
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:43 PM
الدر المأثور للسيوطى
أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن منده وابن مردويه وابن عساكر عن جابر بن عبد الله في قوله {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} قال: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكلهم من الأنصار.
وأخرج ابن مردويه عن مجمع بن جارية قال: الثلاثة الذين خلفوا فتاب الله عليهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربعي.
وأخرج ابن مردويه عن ابن شهاب قال: إن الثلاثة الذين خلفوا كعب بن مالك من بني سلمة، وهلال بن أمية من بني واقف، ومرارة بن ربيع من بني عمرو بن عوف.
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي أوان خرج عامة المنافقين الذين كانوا تخلفوا عنه يتلقونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه"لا تكلمن رجلا تخلف عنا ولا تجالسوه حتى آذن لكم فلم يكلموهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه الذين تخلفوا يسلمون عليه، فأعرض عنهم وأعرض المؤمنون عنهم حتى أن الرجل ليعرض عنه أخوه وأبوه وعمه، فجعلوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعتذرون بالجهد والأسقام، فرحمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعهم واستغفر لهم، وكان ممن تخلف عن غير شك ولا نفاق ثلاثة نفر الذين ذكر الله تعالى في سورة التوبة. كعب بن مالك السلمي، وهلال بن أمية الواقفي، ومرارة بن ربيعة العامري".
وأخرج ابن منده وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} قال: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والبيهقي من طريق الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر.
وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزاة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا واستقبل عدوا كثيرا، فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان.
قال كعب رضي الله عنه: فقل رجل يريد أن يتغيب إلى ظن أن ذلك سيخفى ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل وآن لها أن تصغر، فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولا أقضي شيئا، فأقول لنفسي: أنا قادر على ذلك إن أردت. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا، وفلت الجهاز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه، فغدوت بعد ما فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى انتهوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم - وليت أني أفعل - ثم لم يقدر لي ذلك، فطفقت إذ خرجت في الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه من النفاق أو رجلا ممن عذره الله.
ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك "ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك، حضرني همي فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما، راح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم علانيتهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله حتى جئت، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال لي "تعال. فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال: ما خلفك، ألم تكن قد اشتريت ظهرك؟ فقلت: يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، لقد أعطيت جدلا ولكنه - والله - لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به ليوشكن الله يسخطك علي، ولئن حدثتك الصدق وتجد علي فيه أني لأرجو قرب عتبي من الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك".
فقمت وبادرني رجال من بني سلمة، واتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون، فلقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحدا؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان، قالا ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك. فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة حسنة، فمضيت حين ذكروهما لي.
قال: ونهى رسول الله الناس عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا، ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين، مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه، فوالله ما رد السلام علي فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك الله تعالى، هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت. قال: فعدت فنشدته فسكت، فعدت فنشدته قال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار.
وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إلي كتابا من ملك غسان - وكنت كاتبا - فإذا فيه: أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: وهذا أيضا من البلاء. فيممت بها التنور فسجرته فيها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟! قال: بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هلالا شيخ ضائع وليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربنك. فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي من لدن إن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه. فقلت: والله لا استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدري ما يقول إذا استأذنته وأنا رجل شاب.
قال: فلبثنا عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا. قال: ثم صليت الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عنا، قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صارخا أوفى جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء الفرج، فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجل فرسا وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته - والله ما أملك غيرهما يومئذ - فاستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا بعد فوج يهنئونني بالتوبة، يقولون: ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره. قال: فكان كعب رضي الله عنه لا ينساها لطلحة. قال كعب رضي الله عنه: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور"أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك. قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا بل من عند الله. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر.
فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم قال: أمسك بعض مالك فهو خير لك. قلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رسول الله إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت. قال: فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت منذ قلت ذلك إلى يومي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي، وأنزل الله (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار) (التوبة الآية 117) إلى قوله {وكونوا مع الصادقين} فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، فقال (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس) (التوبة الآية 95) إلى قوله {الفاسقين} قال: وكنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خلفوا، فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} وليس تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخلفنا عن الغزو، وإنما هو حلف له واعتذر إليه فقبل منه".
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: لما نزلت توبتي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقبلت يده وركبتيه، وكسوت المبشر ثوبين.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} قال: الذين أرجأوا في وسط براءة قوله {وآخرون مرجون لأمر الله) (التوبة الآية 106) هلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة، وكعب بن مالك.
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} مثقلة يقول: عن غزوة تبوك.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك تخلف كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، قال: أما أحدهم فكان له حائط حين زها قد فشت فيه الحمرة والصفرة فقال: غزوت وغزوت وغزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلو أقمت العام في هذا الحائط فأصبت منه. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه دخل حائطه فقال: ما خلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم وما استبق المؤمنون في الجهاد في سبيل الله إلا ضن بك أيها الحائط، اللهم إني أشهدك أني تصدقت به في سبيلك. وأما الآخر فكان قد تفرق عنه من أهله ناس واجتمعوا له فقال: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوت، فلو أني أقمت العام في أهلي. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال: ما خلفني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما استبق إليه المجاهدون في سبيل الله إلا ضن بكم أيها الأهل، اللهم إن لك علي أن لا أرجع إلى أهلي ومالي حتى أعلم ما تقضي في. وأما الآخر فقال: اللهم إن لك علي أن ألحق بالقوم حتى أدركهم أو أنقطع. فجعل يتتبع الدقع والحزونة حتى لحق بالقوم، فأنزل الله {لقد تاب الله على النبي} إلى قوله {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} قال الحسن رضي الله عنه: يا سبحان الله! والله ما أكلوا مالا حراما، لا أصابوا دما حراما، ولا أفسدوا في الأرض، غير أنهم أبطأوا عن شيء من الخير الجهاد في سبيل الله، وقد - والله - جاهدوا وجاهدوا وجاهدوا، فبلغ منهم ما سمعتم فهكذا يبلغ الذنب من المؤمن.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} يعني خلفوا عن التوبة، لم يتب عليهم حتى تاب الله على أبو لبابة وأصحابه.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن عساكر عن عكرمة في قوله {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} عن التوبة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة بن خالد المخزومي، أنه كان يقرؤها {وعلى الثلاثة الذين خلفوا} نصب أي بعد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: دعا الله إلى توبته من قال (أنا ربكم الأعلى) (النازعات الآية 24). وقال (ما علمت لكم من إله غيري) (القصص الآية 38) ومن آيس العباد من التوبة بعد هؤلاء فقد جحد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله وهو قوله {ثم تاب عليهم ليتوبوا} فبدء التوبة من الله عز وجل.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:44 PM
القرطبى
الآية: 118 {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم}
@قوله تعالى: "وعلى الثلاثة الذين خلفوا" قيل: عن التوبة عن مجاهد وأبي مالك. وقال قتادة: عن غزوة تبوك. وحكي عن محمد بن زيد معنى "خلفوا" تركوا؛ لأن معنى خلفت فلانا تركته وفارقته قاعدا عما نهضت فيه. وقرأ عكرمة بن خالد "خلفوا" أي أقاموا بعقب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروي عن جعفر بن محمد أنه قرأ "خالفوا". وقيل: "خلفوا" أي أرجئوا وأخروا عن المنافقين فلم يقض فيهم بشيء. وذلك أن المنافقين لم تقبل توبتهم، واعتذر أقوام فقبل عذرهم، وأخر النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الثلاثة حتى نزل فيهم القرآن. وهذا هو الصحيح لما رواه مسلم والبخاري وغيرهما. واللفظ لمسلم قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه؛ فبذلك قال الله عز وجل: "وعلى الثلاثة الذين خلقوا" وليس الذي ذكر الله مما خلفنا تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. وهذا الحديث فيه طول، هذا آخره.
والثلاثة الذين خلفوا هم: كعب بن مالك ومرارة بن ربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي وكلهم من الأنصار. وقد خرج البخاري ومسلم حديثهم، فقال مسلم عن كعب بن مالك قال: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنه إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك: أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا واستقبل عدوا كثيرا فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد بذلك الديوان - قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله تعالى وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال فأنا إليها أصعر فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم يزل كذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو فهممت أن أترحل فأدركهم فيا ليتني فعلت ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: (ما فعل كعب بن مالك)؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه برداه والنظر في عطفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كن أبا خيثمة) فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري وهو الذي تصدق بصاع التمر حتى لمزه المنافقون. فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدا وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي فلما قيل لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه، وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله حتى جئت فلما سلمت تبسم تبسم المغضب ثم قال: (تعال) فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: (ما خلفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك)؟ قال: قلت: يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك). فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا لقد عجزت في ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به إليه المتخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي. قال: ثم قلت لهم هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي. قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة؛ قال: فمضيت حين ذكروهما لي.
قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه. قال: فاجتنبنا الناس. وقال: وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة؛ فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمن أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم فقاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطيٌ من نبط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبا فقرأته فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك. قال فقلت، حين قرأتها: وهذه أيضا من البلاء فتياممت بها التنور فسجرته بها حتى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزلها فلا تقربنها. قال: فأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك. قال فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: (لا ولكن لا يقربنك) فقالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال بعض أهلي لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب قال: فلبثت بذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا.
قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. قال: فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج. قال: فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا فذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل إلي فرسا وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ فكسوته إياهما ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس فقام طلحة بن عبيدالله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام رجل من المهاجرين غيره. قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور ويقول: (أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك). قال: فقلت أمن عند الله يا رسول الله أم من عندك؟ قال: (لا بل من عند الله). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر. قال: وكنا نعرف ذلك. قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبة الله علي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك). قال فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. قال وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت. قال: فوالله ما علمت أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا أحسن مما أبلاني الله به، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا وإني لأرجو الله أن يحفظني فيما بقي فأنزل الله عز وجل: "لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين أتبعوه في ساعة العسرة - حتى بلغ - إنه بهم رؤوف رحيم. وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم - حتى بلغ - اتقوا الله وكونوا مع الصادقين". قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، وقال الله تعالى: "سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنه فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون. يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين" [التوبة: 95 - 96]. قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله عز وجل: "وعلى الثلاثة" وليس الذي ذكر الله مما خُلفنا تَخَلُفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه.
@قوله تعالى: "حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت" أي بما اتسعت يقال: منزل رجب ورحيب ورحاب. و"ما" مصدرية؛ أي ضاقت عليهم الأرض برحبها، لأنهم كانوا مهجورين لا يعاملون ولا يكلمون. وفي هذا دليل على هجران أهل المعاصي حتى يتوبوا. "وضاقت عليهم أنفسهم" أي ضاقت صدورهم بالهم والوحشة، "وبما لقوه من الصحابة من الجفوة. "وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه" أي تيقنوا أن لا ملجأ يلجؤون إليه في الصفح عنهم وقبول التوبة منهم إلا إليه. قال أبو بكر الوراق. التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت، وتضيق عليه نفسه؛ كتوبة كعب وصاحبيه.
@قوله تعالى: "ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم" فبدأ بالتوبة منه. قال أبو زيد: غلطت في أربعة أشياء: في الابتداء مع الله تعالى، ظننت أني أحبه فإذا هو أحبني؛ قال الله تعالى: "يحبهم ويحبونه" [المائدة: 54]. وظننت أني أرضى عنه فإذا هو قد رضي عني؛ قال الله تعالى: "رضي الله عنهم ورضوا عنه" [المائدة: 119]. وظننت أني أذكره فإذا هو يذكرني؛ قال الله تعالى: "ولذكر الله أكبر". وظننت أني أتوب فإذا هو قد تاب على؛ قال الله تعالى: "ثم تاب عليهم ليتوبوا". وقيل: المعنى ثم تاب عليهم ليثبتوا على التوبة؛ كما قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا آمنوا" [النساء: 136] وقيل: أي فسح لهم ولم يعجل عقابهم كما فعل بغيرهم؛ قال جل وعز: "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم" [النساء: 160].
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:45 PM
فتح القدير للشوكانى
وعلى الثلاثة الذين خلفوا" أي وتاب على الثلاثة الذين خلفوا: أي أخروا ولم تقبل توبتهم في الحال كما قبلت توبة أولئك المتخلفين المتقدم ذكرهم. قال ابن جرير: معنى خلفوا تركوا، يقال: خلفت فلاناً فارقته. وقرأ عكرمة بن خالد خلفوا بالتخفيف: أي أقاموا بعد نهوض رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى الغزو. وقرأ جعفر بن محمد خالفوا وهؤلاء الثلاثة: هم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع أو ابن ربيعة العامري، وهلال بن أمية الواقفي، وكلهم من الأنصار لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم توبتهم حتى نزل القرآن بأن الله قد تاب عليهم، وقيل معنى خلفوا فسدوا، مأخوذ من خلوف الفم. قوله: "حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت" معناه: أنهم أخروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية، وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وما مصدرية: أي برحبها، لإعراض الناس عنهم وعدم مكالمتهم من كل أحد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الناس أن يكالموهم، والرحب: الواسع، يقال: منزل رحب ورحيب ورحاب. وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديباً لهم لينزجروا عن المعاصي. ومعنى ضيق أنفسهم عليهم: أنها ضاقت صدورهم بما نالهم من الوحشة وبما حصل لهم من الجفوة، وعبر بالظن في قوله: "وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه" عن العلم: أي علموا أن لا ملجأ يلجئون إليه قط إلا إلى الله سبحانه بالتوبة والاستغفار. قوله: "ثم تاب عليهم ليتوبوا" أي رجع عليهم بالقبول والرحمة، وأنزل في القرآن التوبة عليهم ليستقيموا أو وفقهم للتوبة فيما يستقبل من الزمان إن فرطت منهم خطيئة ليتوبوا عنها ويرجعوا إلى الله فيها ويندموا على ما وقع منهم "إن الله هو التواب" أي الكثير القبول لتوبة التائبين، "الرحيم" أي الكثير الرحمة لمن طلبها من عباده.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:46 PM
التحرير لإبن عاشور
)وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم( )وعلى الثلاثة( معطوف على النبي بإعادة حرف الجر لبعد المعطوف عليه، أي وتاب على الثلاثة الذين خلفوا. وهؤلاء فريق له حالة خاصة من بين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك غير الذين ذكروا في قوله )فرح المخلفون بمقعدهم( الآية، والذين ذكروا في قوله )وجاء المعذرون( الآية.
والتعريف في )الثلاثة( تعريف العهد فإنهم كانوا معروفين بين الناس، وهم: كعب ابن مالك من بني سلمة، ومرارة بن الربيع العمري من بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية الواقفي من بني واقف، كلهم من الأنصار تخلفوا عن غزوة تبوك بدون عذر. ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك سألهم عن تخلفهم فلم يكذبوه بالعذر ولكنهم اعتذروا بذنبهم وحزنوا. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عن كلامهم، وأمرهم بأن يعتزلوا نساءهم. ثم عفا الله عنهم بعد خمسين ليلة. وحديث كعب بن مالك في قصته هذه مع الآخرين في صحيح البخاري وصحيح مسلم طويل أغر وقد ذكره البغوي في تفسيره.
و)خلفوا( بتشديد اللام مضاعف خلف المخفف الذي هو فعل قاصر، معناه أنه وراء غيره، مشتق من الخلف بسكون اللام وهو الوراء. والمقصود بقي وراء غيره. يقال: خلف عن أصحابه إذا تخلف عنهم في المشي يخلف بضم اللام في المضارع، فمعنى )خلفوا( خلفهم مخلف، أي تركهم وراءه وهم لم يخلفهم أحد وإنما تخلفوا بفعل أنفسهم. فيجوز أن يكون )خلفوا( بمعنى خلفوا أنفسهم على طريقة التجريد. ويجوز أن يكون تخليفهم تخليفا مجازيا استعير لتأخير البت في شأنهم، أي الذين خلفوا عن القضاء في شأنهم فلم يعذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أيسهم من التوبة كما أيس المنافقين. فالتخليف هنا بمعنى الإرجاء. وبهذا التفسير فسره كعب بن مالك في حديثه المروي في الصحيح فقال: وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو وإنما تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. اه.
يعني ليس المعنى أنهم خلفوا أنفسهم عن الغزو وإنما المعنى خلفهم أحد، أي جعلهم خلفا وهو تخليف مجازي، أي لم يقض فيهم. وفاعل التخليف يجوز أن يراد به النبي صلى الله عليه وسلم أو الله تعالى.
وبناء فعل )خلفوا( للنائب على ظاهره، فليس المراد أنهم خلفوا أنفسهم.
وتعليق التخليف بضمير الثلاثة من باب تعليق الحكم باسم الذاتز والمراد: تعليقه بحال من أحوالها يعلم من السياق، مثل )حرمت عليكم الميتة(.
وهذا الذي فسر كعب به هو المناسب للغاية بقوله )حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت( لأن تخيل ضيق الأرض عليهم وضيق أنفسهم هو غاية لإرجاء أمرهم انتهى عندها التخليف، وليس غاية لتخلفهم عن الغزو، لأن تخلفهم لا انتهاء له.
وضيق الأرض: استعارة، أي حتى كانت الأرض كالضيقة عليهم، أي عندهم. وذلك التشبيه كناية عن غمهم وتنكر المسلمين لهم. فالمعنى أنهم تخيلوا الأرض في أعينهم كالضيقة كما قال الطرماح:
ملأت عليه الأرض حتى كأنها من الضيق في عينيه كفة حابل وقوله )بما رحبت( حال من )الأرض(. والباء للملابسة، أي الأرض الملابسة لسعتها المعروفة. )وما( مصدرية.
و)رحبت( اتسعت، أي تخيلوا الأرض ضيقة وهي الأرض الموصوفة بسعتها المعروفة.
وضيق أنفسهم: استعارة للغم والحزن لأن الغم يكون في النفس بمنزلة الضيق. ولذلك يقال للمحزون: ضاق صدره، وللمسرور: شرح صدره.
والظن مستعمل في اليقين والجزم، وهو من معانيه الحقيقية. وقد تقدم عند قوله تعالى )الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون( في سورة البقرة وعند قوله تعالى)وإنا لنظنك من الكاذبين( في سورة الأعراف، أي وأيقنوا أن أمر التوبة عليهم موكول إلى الله دون غيره بما يوحي به إلى رسوله، أي التجأوا إلى الله دون غيره. وهذا كناية عن أنهم تابوا إلى الله وانتظروا عفوه.
وقوله )ثم تاب عليهم( عطف على )ضاقت عليهم الأرض( وما بعده، أي حتى وقع ذلك كله ثم تاب عليهم بعده.
و)ثم( هنا للمهلة والتراخي الزمني وليست للتراخي الرتبي، لأن ما بعدها ليس أرفع درجة مما قبلها بقرينة السياق، وهو مغن عن جواب )إذا( لأنه يفيد معناه، فهو باعتبار العطف تنهية للغاية، وباعتبار المعطوف دال على الجواب.
واللام في )ليتوبوا( للتعليل، أي تاب عليهم لأجل أن يكفوا عن المخالفة ويتنزهوا عن الذنب، أي ليدوموا على التوبة، فالفعل مستعمل في معنى الدوام على التلبس بالمصدر لا على إحداث المصدر.
وليس المراد ليذنبوا فيتوبوا، إذ لا يناسب مقام التنويه بتوتتة عليهم. وجملة )إن الله هو التواب الرحيم( تذييل مفيد للامتنان.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:47 PM
السعدى
"وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ "
ومن رأفته ورحمته, أن مَنَّ عليهم بالتوبة, وقبلها منهم, وثبتهم عليها. وكذلك لقد تاب " وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا " عن الخروج مع المسلمين, في تلك الغزوة, وهم "كعب بن مالك" وصاحباه, وقصتهم مشهورة معروفة, في الصحاح والسنن. " حَتَّى إِذَا " حزنوا حزنا عظيما, و " ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ " أي: على سعتها ورحبها " وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ " التي هي أحب إليهم من كل شيء. فضاق عليهم الفضاء الواسع, والمحبوب الذي لم تجر العادة بالضيق منهم. وذلك لا يكون إلا من أمر مزعج, بلغ من الشدة والمشقة, ما لا يمكن التعبير عنه. وذلك لأنهم قدموا رضا اللّه ورضا رسوله على كل شيء. " وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ " أي: تيقنوا, وعرفوا بحالهم, أنه لا ينجي من الشدائد, ويلجأ إليه, إلا اللّه وحده لا شريك له. فانقطع تعلقهم بالمخلوقين, وتعلقوا باللّه ربهم, وفروا منه إليه. فمكثوا بهذه الشدة نحو خمسين ليلة. " ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ " أي أذن في توبتهم, ووفقهم لها " لِيَتُوبُوا " لتقع منهم, فيتوب اللّه عليهم. " إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ " أي: كثير التوبة والعفو, والغفران عن الزلات والنقصان. " الرَّحِيمِ " وصفه الرحمة العظيمة, التي لا تزال تنزل على العباد, في كل وقت وحين, في جميع اللحظات, ما تقوم به أمورهم الدينية والدنيوية. وفي هذه الآيات, دليل على أن توبة اللّه على العبد, أجل الغايات, وأعلى النهايات, فإن اللّه جعلها نهاية خواص عباده, وامتن عليهم بها, حين عملوا الأعمال التي يحبها ويرضاها: ومنها: لطف الله بهم, وتثبيتهم في إيمانهم, عند الشدائد, والنوازل المزعجة. ومنها: أن العبادة الشاقة على النفس, لها فضل ومزية, ليست لغيرها. وكلما عظمت المشقة, عظم الأجر. ومنها: أن توبة اللّه على عبده, بحسب ندمه وأسفه الشديد. وأن من لا يبالي بالذنب, ولا يحرج إذا فعله, فإن توبته مدخولة, وإن زعم أنها مقبولة. ومنها: أن علامة الخير وزوال الشدة, إذا تعلق القلب بالله تعالى, تعلقا تاما, وانقطع عن المخلوقين. ومنها: أن من لطف اللّه بالثلاثة, أن وسمهم بوسم, ليس بعار عليهم فقال: " خُلِّفُوا " إشارة إلى أن المؤمنين خلفوهم, أو خلفوا عن من بث في قبول عذرهم, أو في رده, وأنهم لم يكن تخلفهم, رغبة عن الخير, ولهذا لم يقل "تخلفوا". ومنها: أن اللّه تعالى, من عليهم بالصدق, ولهذا أمر بالاقتداء بهم فقال: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " الآية.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:48 PM
الكشاف للزمخشرى
{وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم {. {الثلاثة {كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية. ومعنى {خلفوا {خلفوا عن الغزو وقيل عن أبي لبابة وأصحابه حين تيب عليهم بعدهم وقرئ خلفوا أي خلفوا الغازين بالمدينة أو فسدوا من الخالفة وخلوف الفم. وقرأ جعفر الصادق رضي اللّه عنه: خالفوا. وقرأ الأعمش: {وعلى الثلاثة المخلفين {بما رحبت {برحبها أي: مع سعتها وهو مثل للحيرة في أمرهم كأنهم لا يجدون فيها مكاناً يقرون فيه قلقاً وجزعاً مما هم فيه {وضاقت عليهم أنفسهم {أي قلوبهم لا يسعها أنس ولا سرور لأنها حرجت من فرط الوحشة والغم {وَظَنُوا {وعلموا {أن لا ملجأ من {سخط {الله إلا {إلى استغفاره {ثم تاب عليهم ليتوبوا {ثم رجع عليهم بالقبول والرحمة كرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم ويثبتوا وليتوبوا أيضاً فيما يستقبل إن فرطت منهم خطيئة علماً منهم أن الله تواب على من تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة. روي أن ناساً من المؤمنين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. منهم من بدا له وكره مكانه فلحق به. عن الحسن: بلغني أنه كان لأحدهم حائط كان خيراً من مائة ألف درهم فقال: يا حائطاه ما خلفني إلا ظلك وانتظار ثمرك اذهب فأنت في سبيل اللّه. ولم يكن لآخر إلا أهله فقال: يا أهلاه ما بطأني ولا خلفني إلا الضن بك لا جرم والله لأكابدن المفاوز حتى ألحق برسول اللّه صلى الله عليه وسلم فركب ولحق به. ولم يكن لآخر إلا نفسه لا أهل ولا مال فقال: يا نفس ما خلفني إلا حب الحياة لك والله كابدن الشدائد حتى ألحق برسول الله فتأبط زاده ولحق به. قال الحسن: كذلك واللّه المؤمن يتوب من ذنوبه ولا يصر عليها. وعن أبي ذر الغفاري: أن بعيره أبطأ به فحمل متاعه على ظهره واتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشياً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى سواده: كن أبا ذر فقال الناس: هو ذاك فقال: رحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده {. وعن أبي خيثمة أنه بلغ بستانه وكانت له امرأة حسناء فرشت له في الظل وبسطت له الحصير وقربت إليه الرطب والماء البارد فنظر فقال: ظل ظليل ورطب يانع {وماء بارد وامرأة حسناء ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الضح والريح.: ما هذا بخير فقام فرحل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ومر كالريح فمد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم طرفه إلى الطريق فإذا برأي يزهاه السراب فقال: {كن أبا خيثمة {فكانه. ففرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم واستغفر له. ومنهم من بقي لم يلحق به. منهم الثلاثة. قال كعب: لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمت عليه فرد علي كالمغضب بعد ما ذكرني وقال: {ليت شعري ما خلف كعباً {فقيل له: ما خلفه إلا حسن برديه والنظر في عطفيه. فقال معاذ: {بئس ما قلت والله يا رسول الله {ما أعلم إلا فضلاً وإسلاما ونهى عن كلامنا أيها الثلاثة فتنكر لنا الناس ولم يكلمنا أحد من قريب ولا بعيد فلما مضت أربعون ليلة أمرنا أن نعتزل نساءنا ولا نقربهن فلما تمت خمسون ليلة إذا أنا بنداء من ذروة سلع: أبشر يا كعب بن مالك فخررت ساجداً وكنت كما وصفني ربي {ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم {وتتابعت البشارة فلبست ثوبي وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمين فقام إلى طلحة وقال رسول الله صلى الله وسلم وهو يستنير استنارة القمر: {أبشر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ثم تلا علينا الآية وعن أبي بكر الوراق أنه سئل عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:49 PM
تفسير آية 8- 11 من سورة الليل
( وأما من بخل واستغنى. وكذَّب بالحسنى. فسنيسره للعسرى. وما يغنى عنه ماله إذا تردى )
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:50 PM
الطبرى
وقوله: وأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى يقول تعالى ذكره: وأما من بخل بالنفقة في سبيل الله, ومنع ما وهب الله له من فضله, من صرفه في الوجوه التي أمر الله بصرفه فيها, واستغنى عن ربه, فلم يرغب إليه بالعمل له بطاعته, بالزيادة فيما خوّله من ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا حميد بن مَسْعدة, قال: حدثنا بشر بن المفضل, قال: حدثنا داود, عن عكرِمة, عن ابن عباس, في قوله: وَأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى قال: بخل بما عنده, واستغنى في نفسه.
حدثنا ابن المثنى, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا خالد بن عبد الله, عن داود بن أبي هند, عن عكرِمة عن ابن عباس وَأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وأما من بخل بالفضل, واستغنى عن ربه.
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس وَأمّا مَنْ بَخِلَ واسْتَغْنَى يقول: من أغناه الله, فبخل بالزكاة.
ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله وأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى: وأما من بخل بحقّ الله عليه, واستغنى في نفسه عن ربه.
وأما قوله: وَكَذّبَ بالْحُسْنَى فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله نحو اختلافهم في قوله: وَصَدّقَ بالْحُسْنَى وأما نحن فنقول: معناه: وكذّب بالخَلَف, كما:
ـ حدثنا حميد بن مسعدة, قال: حدثنا بشر بن المفضل, قال: حدثنا داود, عن عكرِمة, عن ابن عباس: وكَذّبَ بالْحُسْنَى: وكذّب بالخَلَف.
حدثنا ابن المثنى, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا خالد بن عبد الله, عن داود بن أبي هند, عن عكرِمة, عن ابن عباس وَكَذّبَ بالْحُسْنَى بالخَلَف من الله.
ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة وكَذّبَ بالْحُسْنَى وكذّب بموعود الله الذي وعد, قال الله: فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة وَكَذّبَ بالْحُسْنَى وكذّب الكافر بموعود الله الحسن.
وقال آخرون: معناه: وكذّب بتوحيد الله. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس وَكَذّبَ بالْحُسْنَى: وكذّب بلا إله إلاّ الله.
ـ حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: وَكَذّبَ بالْحُسْنَى بلا إله إلاّ الله.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وكذّب بالجنة. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد وَكَذّبَ بالْحُسْنَى قال: بالجنة.
وقوله: فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى يقول تعالى ذكره: فسنهيئه في الدنيا للخَلّة العُسرى, وهو من قولهم: قد يسرت غنم فلان: إذا ولدت وتهيأت للولادة, وكما قال الشاعر:
هُمَا سَيّدَانا يَزْعُمانِ وإنّمَايَسُودَانِنا أنْ يَسّرَتْ غَنَماهُمَا
وقيل: فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى ولا تيسر في العُسرى للذي تقدّم في أوّل الكلام من قوله: فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى وإذا جمع بين كلامين أحدهما ذكر الخير والاَخر ذكر الشرّ, جاز ذلك بالتيسير فيهما جميعا والعُسرى التي أخبر الله جلّ ثناؤه أنه ييسره لها: العمل بما يكرهه ولا يرضاه. وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الخبر بذلك:
ـ حدثني واصل بن عبد الأعلى وأبو كُرَيب, قالا: حدثنا وكيع, عن الأعمش, عن سعد بن عُبيدة, عن أبي عبد الرحمن السّلميّ, عن عليّ, قال: كُنّا جلوسا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم, فنكَتَ الأرض, ثم رفع رأسه فقال: «ما مِنْكمْ مِنْ أحَدٍ إلاّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ». قلنا: يا رسول الله أفلا نتّكل؟ قال: «لا, اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ», ثم قرأ: فأمّا مَنْ أعْطَى وَاتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذّبَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى.
حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا زائدة بن قُدامة, عن منصور, عن سعد بن عُبيدة عن أبي عبد الرحمن السّلَميّ, عن عليّ, قال: كنا في جنازة في البقيع, فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وجلسنا معه, ومعه عود يَنْكُت في الأرض, فرفع رأسه إلى السماء فقال: «ما مِنْكمْ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلاّ قَدْ كُتِبَ مَدْخَلُها», فقال القول: يا رسول الله ألا نتكل على كتابنا, فمن كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة, ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء, فقال: «بَلِ اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ فأمّا مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ السّعادَةِ فإنّهُ يُيَسّرُ لِعَمَلِ السّعادَةِ وأمّا مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ الشّقاء فإنّهُ يُيَسّرُ للشّقاءِ», ثم قرأ: فأمّا مَنْ أعْطَى واتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى وأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وكَذّبَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى».
حدثنا أبو السائب, قال: حدثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن سعد بن عبيدة, عن أبي عبد الرحمن السلميّ, عن عليّ, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنحوه.
حدثنا ابن المثنى, قال: حدثنا محمد بن جعفر, قال: حدثنا شعبة, عن منصور والأعمش: أنهما سمعا سعد بن عُبيدة, عن أبي عبد الرحمن السّلَميّ, عن عليّ, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان في جنازة, فأخذ عودا فجعل ينكُت في الأرض, فقال: «ما مِنْ أحَدٍ إلاّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ أوْ مِنَ الجَنّةِ», فقالوا: يا رسول الله أفلا نتّكل؟ قال: «اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ فأمّا مَنْ أعْطَى وَاتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ للْيُسْرَى وأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وكَذّبَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى».
حدثنا ابن حُميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن منصور والأعمش, عن سعد بن عُبيدة, عن أبي عبد الرحمن السّلَميّ, عن عليّ رضي الله عنه قال: كنا جلوسا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم, فتناول شيئا من الأرض بيده, فقال: «ما مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاّ وَقَدْ عُلِمَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنّةِ والنّارِ» قالوا: يا نبيّ الله, أفلا نتكل؟ قال: «لا اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ», ثم قرأ: فأمّا مَنْ أعْطَى وَاتّقَى... الاَيتين.
ـ قال: ثنا مهران, عن أبي سنان, عن عبد الملك بن سَمُرة بن أبي زائدة, عن النّزّال بن سَبْرَةَ, قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلاّ قَدْ كَتَبَ اللّهُ عَلَيْها ما هِيَ لاقِيَتُهُ» وأعرابي عند النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرتاد, فقال الأعرابيّ: فما جاء بي أضرب من وادي كذا وكذا, إن كان قد فُرِغ من الأمر؟ فنكت النبيّ صلى الله عليه وسلم في الأرض, حتى ظنّ القوم أنه ودّ أنه لم يكن تكلم بشيء منه, فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «كُلّ مُيَسّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ, فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ بِهِ خَيرا يَسّرَهُ لِسَبِيلِ الخَيرِ, وَمَنْ يُرِدْ بِهِ شَرّا يَسّرَهُ لِسَبِيلِ الشّرّ», فلقيت عمرو بن مُرّة, فعرضت عليه هذا الحديث, فقال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم, وزاد فيه: فأمّا مَنْ أعْطَى وَاتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى وأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وكَذّبَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى.
ـ حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: حدثنا هشيم, قال: حدثنا حصين, عن سعد بن عبيدة, عن أبي عبد الرحمن السّلَمي, قال: لما نزلت هذه الاَية: إنّا كُلّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ قال رجل: يا رسول الله, ففيم العمل؟ أفي شيء نستأنفه, أو في شيء قد فُرغ منه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ: سَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى, وَسُنَيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى».
حدثني عمرو بن عبد الملك الطائي, قال: حدثنا محمد بن عبيدة, قال: حدثنا الجراح, عن إبراهيم بن عبد الحميد, عن الحجاج بن أرطأة, عن أبي إسحاق الهمداني, عن سليمان الأعمش, رفع الحديث إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه, أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالسا وبيده عود ينكُت به في الأرض, فرفع رأسه فقال: «ما مِنْكمْ مِنْ أحَدٍ وَلا مِنَ النّاس, إلاّ وَقَدْ عُلِمَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنّةِ أوِ النّارِ», قلنا: يا رسول الله أفلا نتوكل؟ قال لهم: «اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ», ثم قال: «أما سَمِعْتُمُ اللّهَ فِي كِتابِهِ يَقُولُ: فأمّا مَنْ أعْطَى وَاتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى وأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وكَذّبَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُه لِلْعُسْرَى».
ـ حدثنا ابن المثنى, قال: حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِيّ, قال: حدثنا خالد بن عبد الله, عن داود بن أبي هند, عن عكرِمة, عن ابن عباس فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى: للشرّ من الله.
ـ حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني عمرو بن الحرث, عن أبي الزّبير, عن جابر بن عبد الله أنه قال: يا رسول الله, أنعمل لأمر قد فُرغ منه, أو لأمر نأتنفه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «كُلّ عامِلٍ مُيَسّرٌ لِعَمَلِهِ».
ـ حدثني يونس, قال: حدثنا سفيان, عن عمرو بن دينار, عن طلق بن حبيب, عن بشير بن كعب, قال: سأل غلامان شابان النبيّ صلى الله عليه وسلم, فقالا: يا رسول الله, أنعمل فيما جفّت به الأقلام, وجرَت به المقادير, أو في شيء يستأنف؟ فقال: «بَلْ فِيما جَفّتْ به الأقْلامُ, وَجَرَتْ بهِ المَقادِيرُ» قالا: ففيم العمل إذن؟ قال: «اعْمَلُوا, فَكُلّ عامِلٍ مُيَسّرٌ لعَمَلِهِ الّذِي خُلِقَ لَهُ», قالا: فالاَن نجدّ ونعمل.
يعني جلّ ثناؤه بقوله: وَما يُغْني عَنْهُ مالُهُ: أيّ شيء يدفع عن هذا الذي بخل بماله, واستغنى عن ربه, مالُه يوم القيامة إذَا هو تَرَدّى؟.
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: إذَا تَرَدّى فقال بعضهم: تأويله: إذا تردّى في جهنم: أي سقط فيها فَهَوى. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا الأشجعيّ, عن ابن أبي خالد, عن أبي صالح وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذَا تَرَدّى قال: في جهنم. قال أبو كُرَيب: قد سمع الأشجعيّ من إسماعيل ذلك.
ـ حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قوله: إذَا تَرَدّى قال: إذا تردّى في النار.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا مات. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذَا تَرَدّى قال: إذا مات.
حدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثني الحرث, قال: حدثنا الحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: إذا تَرَدّى قال: إذا مات.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا الأشجعيّ, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد, قال: إذا مات.
وأَولَى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: إذا تردّى في جهنم, لأن ذلك هو المعروف من التردّي فأما إذا أُريد معنى الموت, فإنه يقال: رَدِيَ فلان, وقلما يقال: تردّى.
وقوله: إنّ عَلَيْنا لَلْهُدَى يقول تعالى ذكره: إن علينا لَبيانَ الحقّ من الباطل, والطاعة من المعصية.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:52 PM
ابن كثير
ولهذا قال تعالى: {وأما من بخل} أي بما عنده {واستغنى} قال عكرمة عن ابن عباس: أي بخل بماله واستغنى عن ربه عز وجل. رواه ابن أبي حاتم {وكذب بالحسنى} أي بالجزاء في الدار الاَخرة {فسنيسره للعسرى} أي لطريق الشر كما قال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} والاَيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن الله عز وجل يجازي من قصد الخير بالتوفيق له, ومن قصد الشر بالخذلان, وكل ذلك بقدر مقدر والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة.
(رواية أبي بكر الصديق رضي الله عنه) قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عياش, حدثني العطاف بن خالد, حدثني رجل من أهل البصرة عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أبيه قال: سمعت أبي يذكر أن أباه سمع أبا بكر وهو يقول: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أنعمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف ؟ قال «بل على أمر قد فرغ منه» قال: ففيم العمل يا رسول الله ؟ قال: «كل ميسر لما خلق له».
(رواية علي رضي الله عنه) قال البخاري: حدثنا أبو نعيم, حدثنا سفيان عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقيع الغرقد في جنازة فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار» فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل ؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ـ إلى قوله ـ للعسرى} وكذا رواه من طريق شعبة ووكيع عن الأعمش بنحوه. ثم رواه عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس, فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: «ما منكم من أحد ـ أو ما من نفس منفوسة ـ إلا كتب مكانها من الجنة والنار وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة» فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل ؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة, ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء ؟ فقال: «أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة, وأما أهل الشقاء فييسرون إلى عمل أهل الشقاء, ثم قرأ {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} وقد أخرجه بقية الجماعة من طرق عن سعيد بن عبيدة به.
(رواية عبد الله بن عمر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن, حدثنا شعبة عن عاصم بن عبيد الله قال سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر قال: قال عمر: يا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه أفي أمر قد فرغ أو مبتدأ أو مبتدع ؟ قال: «فيما قد فرغ منه, فاعمل يا ابن الخطاب, فإن كلاً ميسر, أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء, ورواه الترمذي في القدر عن بندار عن ابن مهدي به, وقال: حسن صحيح.
(حديث آخر من رواية جابر) قال ابن جرير: حدثني يونس, أخبرنا ابن وهب, أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أنه قال: يا رسول الله أنعمل لأمر قد فرغ منه أو لأمر نستأنفه ؟ فقال: «لأمر قد فرغ منه» فقال سراقة: ففيم العمل إذاً ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل عامل ميسر لعمله» ورواه مسلم عن أبي الظاهر عن ابن وهب به.
(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثني يونس, حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طلق بن حبيب عن بشير بن كعب العدوي قال: سأل غلامان شابان النبي صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله أنعمل فيما جفت الأقلام وجرت به المقادير أو في شيء يستأنف ؟ فقال: «بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير» قالا: ففيم العمل إذاً ؟ قال: «اعملوا فكل عامل ميسر لعمله الذي خلق له» قالا: فالاَن نجد ونعمل.
(رواية أبي الدرداء) قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم بن خارجة, حدثنا أبو الربيع سليمان بن عتبة السلمي عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن أبي إدريس عن أبي الدرداء قال: قالوا يا رسول الله أرأيت ما نعمل أمر قد فرغ منه أم شيء نستأنفه ؟ قال «بل أمر قد فرغ منه» فقالوا: فكيف بالعمل يا رسول الله ؟ قال: «كل امرىء مهيأ لما خلق له» تفرد به أحمد من هذا الوجه.
(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثني الحسن بن سلمة بن أبي كبشة, حدثنا عبد الملك بن عمرو, حدثنا عباد بن راشد عن قتادة, حدثني خليد العصري عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين: اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً» وأنزل الله في ذلك القرآن {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن ابن أبي كبشة بإسناده مثله.
(حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني, حدثنا حفص بن عمر العدني, حدثني الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلاً كان له نخيل, ومنها نخلة فرعها في دار رجل صالح فقير ذي عيال, فإذا جاء الرجل فدخل داره فيأخذ التمرة من نخلته فتسقط التمرة, فيأخذها صبيان الرجل الفقير, فينزل من نخلته فينزع التمرة من أيديهم, وإن أدخل أحدهم التمرة في فمه أدخل أصبعه في حلق الغلام ونزع الثمرة من حلقه, فشكا ذلك الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما هو فيه من صاحب النخلة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهب» ولقي النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النخلة فقال له: «أعطني نخلتك التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة» فقال له: لقد أعطيت ولكن يعجبني ثمرها وإن لي لنخلاً كثيراً ما فيها نخلة أعجب إلي ثمرة من ثمرها, فذهب النبي صلى الله عليه وسلم فتبعه رجل كان يسمع الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن صاحب النخلة فقال الرجل: يا رسول الله إن أنا أخذت النخلة فصارت لي النخلة فأعطيتك إياها أتعطيني ما أعطيته بها نخلة في الجنة ؟ قال: «نعم».
ثم إن الرجل لقي صاحب النخلة ولكلاهما نخل, فقال له: أخبرك أن محمداً أعطاني بنخلتي المائلة في دار فلان نخلة في الجنة, فقلت له قد أعطيت ولكن يعجبني ثمرها, فسكت عنه الرجل فقال له: أراك إذاً بعتها, قال لا إلا أن أعطى بها شيئاً ولا أظنني أعطاه, قال: وما مناك ؟ قال: أربعون نخلة, فقال الرجل: لقد جئت بأمر عظيم, نخلتك تطلب بها أربعين نخلة ؟ ثم سكتا وأنشآ في كلام آخر, ثم قال: أنا أعطيتك أربعين نخلة, فقال: أَشهِد لي إن كنت صادقاً, فأمر بأناس فدعاهم فقال: اشهدوا إني قد أعطيته من نخلي أربعين نخلة بنخلته التي فرعها في دار فلان بن فلان, ثم قال: ما تقول ؟ فقال صاحب النخلة: قد رضيت, ثم قال بعد ليس بيني وبينك بيع لم نفترق, فقال له: قد أقالك الله ولست بأحمق حين أعطيتك أربعين نخلة بنخلتك المائلة, فقال صاحب النخلة: قد رضيت على أن تعطيني الأربعين على ما أريد, قال: تعطينيها على ساق, ثم مكث ساعة ثم قال: هي لك على ساق, وأوقف له شهوداً وعد له أربعين نخلة على ساق, فتفرقا, فذهب الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن النخلة المائلة في دار فلان قد صارت لي فهي لك, فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرجل صاحب الدار فقال له «النخلة لك ولعيالك» قال عكرمة: قال ابن عباس فأنزل الله عز وجل: {والليل إذا يغشى ـ إلى قوله ـ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} إلى آخر السورة, هكذا رواه ابن أبي حاتم وهو حديث غريب جداً.
قال ابن جرير: وذكر أن هذه الاَية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه: حدثنا هارون بن إدريس الأصم, حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي, حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه, عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر رضي الله عنه يعتق على الإسلام بمكة, فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن, فقال له أبوه: أي بني أراك تعتق أناساً ضعفاء فلو أنك تعتق رجالاً جلداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك, فقال: أي أبت إنما أريد ـ أظنه قال ـ ما عند الله, قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الاَية أنزلت فيه {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى}. وقوله تعالى: {وما يغني عنه ماله إذا تردى} قال مجاهد: أي إذا مات وقال أبو صالح ومالك عن زيد بن أسلم: إذا تردى في النار
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:53 PM
البغوى
8- "وأما من بخل"، بالنفقة في الخير، "واستغنى"، عن ثواب الله فلم يرغب فيه.
9- "وكذب بالحسنى".
10- "فسنيسره للعسرى"، سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه حتى يعمل بما لا يرضي الله، فيستوجب به النار. قال مقاتل: نعسر عليه أن يأتي خيراً. وروينا عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من نفس منفوسة إلا كتب الله مكانها من الجنة أو النار، فقال رجل: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: لا ولكن اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل الشقاء فييسرون لعمل أهل الشقاء، وأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، ثم تلا: " فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى "". قيل: نزلت في أبي بكر الصديق اشترى بلالاً من أمية بن خلف ببردة وعشرة أواق، فأعتقه فأنزل الله تعالى: "والليل إذا يغشى" إلى قوله: "إن سعيكم لشتى" يعني: سعي أبي بكر وأمية. وروى علي بن حجر عن إسحاق عن أبي نجيح عن عطاء، قال: "كان لرجل من الأنصار نخلة وكان له جار يسقط من بلحها في دار جاره، وكان صبيانه يتناولون منه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بعنيها بنخلة في الجنة فأبى، فخرج فلقيه أبو الدحداح، فقال له: هل لك أن تبيعها بحش البستان، يعني حائطاً له، فقال له: هي لك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أتشتريها مني بنخلة في الجنة؟ قال: نعم قال: هي لك، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم جار الأنصاري فقال: خذها. فأنزل الله تعالى: "والليل إذا يغشى" إلى قوله: "إن سعيكم لشتى" سعي أبي الدحداح والأنصاري صاحب النخلة". "فأما من أعطى واتقى"، يعني أبا الدحداح، "وصدق بالحسنى" الثواب "فسنيسره لليسرى" يعني الجنة، "وأما من بخل واستغنى" يعني الأنصاري، "وكذب بالحسنى"، يعني الثواب، "فسنيسره للعسرى"، يعني النار.
11- "وما يغني عنه ماله"، الذي بخل به، "إذا تردى"، قال مجاهد: إذا مات. وقال قتادة وأبو صالح: هوى في جهنم.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:54 PM
القرطبى
@قوله تعالى: "وأما من بخل واستغنى" أي ضن بما عنده، فلم يبذل خيرا. وقد تقدم بيانه وثمرته في الدنيا في سورة "آل عمران". وفي الآخرة مآله النار، كما في هذه الآية. روى الضحاك عن ابن عباس "فسنيسره للعسرى" قال: سوف أحول بينه وبين الإيمان باللّه وبرسوله. وعنه عن ابن عباس قال: نزلت في أمية بن خلف وروى عكرمة عن ابن عباس: "وأما من بخل واستغنى" يقول: بخل بماله، واستغنى ربه. "وكذب بالحسنى" أي بالخلف. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: "وكذب بالحسن" قال: بالجنة. وبإسناد عنه آخر قال "بالحسنى" أي بلا إله إلا اللّه. "فسنيسره" أي نسهل طريقه... "للعسرى" أي للشر. وعن ابن مسعود: للنار. وقيل: أي فسنعسر عليه أسباب الخير والصلاح حتى يصعب عليه فعلها. وقد تقدم أن الملك ينادي صباحا ومساء: [اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا]. رواه أبو الدرداء.
@ مسألة: قال العلماء: ثبت بهذه الآية وبقوله: "ومما رزقناهم ينفقون" [البقرة: 3]، وقوله: "الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية" [البقرة: 274] إلى غير ذلك من الآيات - أن الجود من مكارم الأخلاق، والبخل من أرذلها. وليس الجواد الذي يعطي في غير موضع العطاء، ولا البخيل الذي يمنع في موضع المنع، لكن الجواد الذي يعطي في موضع العطاء، والبخيل الذي يمنع في موضع العطاء، فكل من استفاد بما يعطي أجرا وحمدا فهو الجواد. وكل من استحق بالمنع ذما أو عقابا فهو البخيل. ومن لم يستفد بالعطاء أجرا ولا حمدا، وإنما استوجب به ذما فليس بجواد، وإنما هو مسوف مذموم، وهو من المبذرين الذين جعلهم اللّه إخوان الشياطين، وأوجب الحجر عليهم. ومن لم يستوجب بالمنع عقابا ولا ذما، واستوجب به حمدا، فهو من أهل الرشد، الذين يستحقون القيام على أموال غيرهم، بحسن تدبيرهم وسداد رأيهم.
@ قال الفراء: يقول القائل: كيف قال: "فسنيسره للعسرى"؟ وهل في العسرى تيسير؟ فيقال في الجواب: هذا في إجازته بمنزلة قوله عز وجل: "فبشرهم بعذاب أليم" [آل عمران: 21]، والبشارة في الأصل على المفرح والسار، فإذا جمع في كلامين هذا خير وهذا شر، جاءت البشارة فيهما. وكذلك التيسير في الأصل على المفرح، فإذا جمع في كلامين هذا خير وهذا شر، جاء التيسير فيهما جميعا. قال الفراء: وقوله تعالى: "فسنيسره" : سنهيئه. والعرب تقول: قد يسرت الغنم: إذا ولدت أو تهيأت للولادة. قال:
هما سيدانا يزعمان وإنما يسوداننا أن يسرت غنماهما
قوله تعالى: "وما يغني عنه ماله إذا تردى" أي مات. يقال: ردي الرجل يردي ردي : إذا هلك. قال:
صرفت الهوى عنهن من خشية الردى
وقال أبو صالح وزيد بن أسلم: "إذا تردى": سقط في جهنم؛ ومنه المتردية. ويقال: ردي في البئر وتردى: إذا سقط في بئر، أو تهور من جبل. يقال: ما أدري أين ردي؟ أي أين ذهب. و"ما": يحتمل أن تكون جحدا؛ أي ولا يغني عنه ماله شيئا؛ ويحتمل أن تكون استفهاما معناه التوبيخ؛ أيْ أيّ شيء يغني عنه إذا هلك ووقع في جهنم! "إن علينا للهدى" أي إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلالة. فالهدى: بمعنى بيان الأحكام، قاله الزجاج. أي على اللّه البيان، بيان حلال وحرامه، وطاعته ومعصيته؛ قال قتادة. وقال الفراء: من سلك الهدى فعلى اللّه سبيله؛ لقوله: "وعلى الله قصد السبيل" [النحل: 9] يقول: من أراد اللّه فهو على السبيل القاصد. وقيل: معناه إن علينا للهدى والإضلال، فترك الإضلال؛ كقوله: "بيدك الخير" [آل عمران: 26]، و"بيده ملكوت كل شيء" [يس: 83]. وكما قال: "سرابيل تقيكم الحر" [النحل: 81] وهي تقي البرد؛ عن الفراء أيضا. وقيل: أي إن علينا ثواب هداه الذي هديناه. "وإن لنا للآخرة والأولى" "للآخرة" الجنة. "والأولى" الدنيا. وكذا روى عطاء عن ابن عباس. أي الدنيا والآخرة لله تعالى. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: ثواب الدنيا والآخرة، وهو كقوله تعالى: "من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة" [النساء: 134] فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:54 PM
فتح القدير للشوكانى
8- "وأما من بخل واستغنى" أي بخل بماله فلم يبذله في سبل الخير، واستغنى: أي زهد في الأجر والثواب، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة.
9- "وكذب بالحسنى" أي بالخلف من الله عز وجل، وقال مجاهد: بالجنة، وروي عنه أيضاً أنه قال: بلا إله إلا الله.
10- "فسنيسره للعسرى" أي فسنيئه للخصلة العسرى ونسهلها له حتى تتعسر عليه أسباب الخير والصلاح ويضعف عن فعلها فيؤديه ذلك إلى النار. قال مقاتل: يعسر عليه أن يعطي خيراً. قيل العسرى الشر، وذلك أن الشر يؤدي إلى العذاب، والعسرة في العذاب، والمعنى: سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه. قال الفراء: سنيسره سنهيئه، والعرب تقول: قد يسرت الغنم إذا ولدت أو تهيأت للولادة. قال الشاعر: هما سيدانا يزعمان وإنما يسوداننا إن يسرت غنماهما
11- "وما يغني عنه ماله إذا تردى" أي لا يغني عنه شيئاً ماله الذي بخل به، أو أي شيء يغني عنه إذا تردى: أي هلك، يقال ردي الرجل يردي ردي، وتردى يتردى: إذا هلك. وقال قتادة وأبو صالح وزيد بن أسلم: إذا تردى: إذا سقط في جهنم، يقال ردي في البئر وتردى: إذا سقط فيها، ويقال ما أدري أين ردي: أي أين ذهب؟.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:55 PM
البيضاوى
^ وأما من بخل ^ بما أمر به واستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى ^ وكذب بالحسنى ^ وبإنكار مدلولها ^ فسنيسره للعسرى ^ للخلة المؤدية إلى العسر والشدة كدخول النار ^ وما يغني عنه ماله ^ نفي أو استفهام إنكار ^ إذا تردى ^ هلك تفعل من الردى أو تردى في حفرة القبر أو قعر جهنم
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:56 PM
السعدى
"وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى "
وأما من بخل بماله واستغنى عن جزاء ربه,
"وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى "
وكذب بالحساب والثواب,
"فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى "
فسنبين له أسباب الشقاء,
"وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى "
ولا ينفعه ماله الذي بخل به إذا وقع في النار.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:57 PM
الكشاف للزمخشرى
{وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسر لليسرى وما يغني عنه ماله إذا تردى " " واستغنى} وزهد فيما عند الله كأنه مستغنى عنه فلم يتقه.
أو أستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة لنه في مقابلة " واتقى ".
{فسنيسره للعسرى} فسنخذله ونمنعه الألطاف حتى تكون الطاعة أعس شيء عليه وأشده من قوله: {يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء} الأنعام: 125 أو سمى طريقة الخير باليسرى لأن عاقبتها اليسر وطريقة الشر العسرى لأن عاقبتها العسر.
أو أراد بهما طريقي الجنة والنار أي: فسنهيهما في الآخرة للطريقين.
وقيل: نزلنا في أبي بكر رضي الله عنه وفي أبي سفيان بن حرب " وما يغنى عنه " استفهام في معنى الإنكار.
أو نفي " تردى " تفعل من الردى وهو الهلاك يريد: لموت.
أو تردى في الحفرة إذا قبر أو تردى في قعر جهنم.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:58 PM
الجلالين
- (وأما من بخل) بحق الله (واستغنى) عن ثوابه
9 - (وكذب بالحسنى)
10 - (فسنيسره) نهيئه (للعسرى) للنار
11 - (وما) نافية (يغني عنه ماله إذا تردى) في النار
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 10:58 PM
ابن عثيمين
]. وكلما كان الإنسان أبعد عن الله كان أشد عسراً في أموره ولهذا قال: {وأما من بخل} فلم يعط ما أمر بإعطائه {واستغنى} استغنى عن الله عز وجل، ولم يتق ربه، بل رأى أنه في غنى عن رحمة الله. {وكذب بالحسنى} أي: بالقولة الحسنى، وهي قول الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. {فسنيسره للعسرى} ييسر للعسرى في أموره كلها، ولكن قد يأتي الشيطان للإنسان فيقول: نجد أن الكفار تيسر أمورهم فيقال: نعم. قد تيسر أمورهم، لكن قلوبهم تشتعل ناراً وضيقاً وحرجاً كما قال تعالى: {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء}. [الأنعام: 125]. ثم ما ينعمون به فهو تنعيم جسد فقط، لا تنعيم روح، ثم هو أيضاً وبال عليهم لقول الله تعالى فيهم: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين}. [الأعراف: 182، 183]. وقال النبي صلى الله عليه وسلّم: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته». وتلا قوله تعالى: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد}. [هود: 102]. وهؤلاء عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ومع ذلك فإن هذه الدنيا جنة لهم بالنسبة للاخرة. وقد ذكروا عن ابن حجر العسقلاني شارح البخاري بالشرح الذي سماه (فتح الباري) وكان قاضي القضاة بمصر، أنه مر ذات يوم وهو على عربته تجره البغال والناس حوله، مر برجل يهودي سمان يعني: يبيع السمن والزيت، ومن المعلوم أن الذي يبيع السمن والزيت تكون ثيابه وسخة وحاله سيئة فأوقف العربة وقال لابن حجر: إن نبيكم يقول: «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر»، فكيف أنا أكون بهذه الحال وأنت بهذه الحال؟ فقال له ابن حجر على البديهة: أنا في سجن بالنسبة لما أعد الله للمؤمنين من الثواب والنعيم، لأن الدنيا بالنسبة للاخرة ليست بشيء كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها»، وأما أنت أيها اليهودي: فأنت في جنة بالنسبة لما أعد لك من العذاب إن مت على الكفر فاقتنع بذلك اليهودي وصار ذلك سبباً في إسلامه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
ثم قال عز وجل: {وما يغني عنه ماله إذا تردى} يعني أي شيء يغني عنه ماله إذا بخل به وتردى هو. أي: هلك أي شيء يغني المال؟ لا يغني شيئاً.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:00 PM
تفسير آية 2 من سورة العنكبوت
( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون )
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:00 PM
الطبرى
وأما قوله: أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ فإن معناه: أظَنّ الذين خرجوا يا مـحمد من أصحابك من أذى الـمشركين إياهم, أن نتركَهم بغير اختبـار, ولا ابتلاء امتـحان, بأن قالوا: آمنا بك يا مـحمد, فصدّقناك فـيـما جئتنا به من عند الله, كَلاّ لنـختبرهم, لـيتبـين الصادق منهم من الكاذب. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, فـي قول الله آمّنا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ قال: يُبْتلَون فـي أنفسهم وأموالهم.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مـجاهد, مثله.
ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قَتادة وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ: أي لا يُبْتَلَون.
حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا مؤمل, قال: حدثنا سفـيان, عن أبـي هاشم, عن مـجاهد, فـي قوله وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ قال: لا يُبْتَلَون.
فَأَنِ الأولـى منصوبة بحسب, والثانـية منصوبة فـي قول بعض أهل العربـية, بتعلق يتركوا بها, وأن معنى الكلام علـى قوله أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا لأن يقولوا آمنا فلـما حذفت اللام الـخافضة من لأَنْ, نصبت علـى ما ذكرت. وأما علـى قول غيره فهي فـي موضع خفض بإضمار الـخافض, ولا تكاد العرب تقول: تركت فلانا أن يذهب, فتدخـل أنْ فـي الكلام, وإنـما تقول: تركته يذهب, وإنـما أدخـلت أن هاهنا لاكتفـاء الكلام بقوله أنْ يُتْرَكُوا إذ كان معناه: أحسب الناس أن يُتركوا وهم لا يفتنون, من أجل أن يقولوا آمنا, فكان قوله: أنْ يُتْرَكُوا مكتفـية بوقوعها علـى الناس, دون أخبـارهم. وإن جعلت «أن» فـي قوله أنْ يَقُولُوا منصوبة بنـية تكرير أحسب, كان جائزا, فـيكون معنى الكلام: أحسب الناس أن يُتركوا: أحسبوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:01 PM
ابن كثير
وقوله تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمناوهم لا يفتنون} استفهام إنكار, ومعناه أن الله سبحانه وتعالى لابد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان, كما جاء في الحديث الصحيح «أشد الناس بلاء الأنبياء, ثم الصالحون, ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه, فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء» وهذه الاَية كقوله: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} ومثلها في سورة براءة. وقال في البقرة: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب}
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:02 PM
البغوى
" الم * أحسب الناس "، أظن الناس، "أن يتركوا"، بغير اختبار ولا ابتلاء، "أن يقولوا"، أي: بأن يقولوا، "آمنا وهم لا يفتنون"، لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم؟ كلا لنختبرنهم ليبين المخلص من المنافق والصادق من الكاذب. واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال الشعبي: نزلت في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه لا يقبل منكم إقرار بالإسلام حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله هاتين الآيتين. وكأن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أراد بالناس الذين آمنوا بمكة: سلمة بن هشام، وعياش ابن ربيعة، والوليد بن الوليد، وعمار بن ياسر وغيرهم. وقال ابن جريج: نزلت في عمار بن ياسر، كان يعذب في الله عز وجل. وقال مقاتل:نزلت في مهجع بن عبد الله مولى عمر، كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة، فجزع أبواه وامرأته فأنزل الله فيهم هذه الآية. وقيل: "وهم لا يفتنون" بالأوامر والنواهي، وذلك أن الله تعالى أمرهم في الابتداء بمجرد الإيمان، ثم فرض عليهم الصلاة، والزكاة، وسائر الشرائع، فشق على بعضهم، فأنزل الله هذه الآية.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:03 PM
القرطبى
"أحسب" استفهام أريد به التقرير والتوبيخ ومعناه الظن "أن يتركوا" في موضع نصب بـ "حسب" وهي وصلتها مقام المفعولين على قول سيبويه و" أن" الثانية من "أن يقولوا" في موضع نصب على إحدى جهتين بمعنى لأن يقولوا أو بأن يقولوا أو على أن يقولوا والجهة الأخرى أن يكون على التكرير؛ والتقدير "الم أحسب الناس أن يتركوا" أحسبوا "أن يقولوا آمنا وهم يفتنون" قال ابن عباس وغيره: يريد بالناس قوما من المؤمنين كانوا بمكة وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام؛ كسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وعمار بن ياسر وياسر أبوه وسمية أمه وعدة من بني مخزوم وغيرهم فكانت صدورهم تضيق لذلك وربما استنكر أن يمكن الله الكفار من المؤمنين؛ قال مجاهد وغيره: فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله في عباده اختبارا للمؤمنين وفتنة قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب أو ما في معناه من الأقوال فهي باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم موجود حكمها بقية الدهر وذلك أن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك وإذا أعتبر أيضا كل موضع ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن ولكن التي تشبه نازلة المسلمين مع قريش هي ما ذكرناه من أمر العدو في كل ثغر
قلت: ما أحسن ما قال ولقد صدق فيما قال رضي الله عنه وقال مقاتل: نزلت في مهجع مولى عمر بن الخطاب كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر؛ رماه عامر بن الحضرمي بسهم فقتله فقال النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ: (سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة) فجزع عليه أبواه وامرأته فنزلت: "ألم أحسب الناس أن يتركوا" وقال الشعبي: نزل مفتتح هذه السورة في أناس كانوا بمكة من المسلمين فكتب إليهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية أنه لا يقبل منكم إقرار الإسلام حتى تهاجروا فخرجوا فأتبعهم المشركون فآذوهم فنزلت فيهم هذه الآية: "ألم أحسب الناس أن يتركوا" فكتبوا إليهم نزلت فيكم آية كذا فقالوا: نخرج وإن اتبعنا أحد قاتلناه؛ فاتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا فنزل فيهم: "ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا" [النحل:110] "وهم لا يفتنون" يمتحنون؛ أي أظن الذين جزعوا من أذى المشركين أن يُقنع منهم أن يقولوا إنا مؤمنون ولا يمتحنون في إيمانهم وأنفسهم وأموالهم بما يتبين به حقيقة إيمانهم
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:03 PM
فتح القدير للشوكانى
والاستفهام في قوله: 2- "أحسب الناس" للتقريع والتوبيخ، و "أن يتركوا" في موضع نصب بحسب، وهي وما دخلت عليه قائمة مقام المفعولين على قوله سيبويه والجمهور، و "أن يقولوا" في موضع نصب على تقدير: لأن يقولوا، أو بأن يقولوا، أو على أن يقولوا، وقيل هو بدل من أن يتركوا، ومعنى الآية: أن الناس لا يتركون بغير اختبار ولا ابتلاء "أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون" أي وهم لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم، وليس الأمر كما حسبوا، بل لا بد أن يختبرهم حتى يتبين المخلص من المنافق، والصادق من الكاذب، فالآية مسوقة لإنكار ذلك الحسبان واستبعاده، وبيان أنه لا بد من الامتحان بأنواع التكاليف وغيرها. قال الزجاج: المعنى أحسبوا أن نقنع منهم بأن يقولوا إنا مؤمنون فقط ولا يمتحنون بما تتبين به حقيقة إيمانهم، وهو قوله: "أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون". قال السدي وقتادة ومجاهد: أي لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم بالقتل والتعذيب، وسيأتي في بيان سبب نزول هذه الآيات ما يوضح معنى ما ذكرناه، وظاهرها شمول كل الناس من أهل الإيمان، وإن كان السبب خاصاً فالاعتبار بعموم اللفظ كما قررناه غير مرة. قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نازلة في سبب خاص فهي باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم موجود حكمها بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:04 PM
أضواء البيان للشنقيطى
والاستفهام في قوله: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ}، للإنكار.
والمعنى: أن الناس لا يتركون دون فتنة، أي: ابتلاء واختبار، لأجل قولهم: آمنّا، بل إذا قالوا: أمنا فتنوا، أي: امتحنوا واختبروا بأنواع الابتلاء، حتى يتبيّن بذلك الابتلاء الصادق في قوله: {مِنَ} من غير الصادق.
وهذا المعنى الذي دلّت عليه هذه الآية الكريمة، جاء مبيّنًا في آيات أُخر من كتاب اللَّه؛ كقوله تعالىٰ: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ}،
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:04 PM
البيضاوى
^ أحسب الناس ^ الحسبان مما يتعلق بمضامين الجمل للدلالة على جهة ثبوتها ولذلك اقتضى مفعولين متلازمين أو ما يسد مسدهما كقوله ^ أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ^ فإن معناه أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا فالترك أول مفعوليه وغير مفتونين من تمامه ولقولهم آمنا هو الثاني كقولك حسبت ضربه للتأديب أو أنفسهم متروكين غير مفتونين لقولهم آمنا بل يمتحنهم الله بمشاق التكاليف كالمهاجرة والمجاهدة ورفض الشهوات ووظائف الطاعات وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ليتميز المخلص من المنافق والثابت في الدين من المضطرب فيه ولينالوا بالصبر عليها عوالي الدرجات فإن مجرد الإيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب روي أنها نزلت في ناس من الصحابة جزعوا من أذى المشركين وقيل في عمار وقد عذب في الله تعالى وقيل في مهجع مولى عمر بن الخطاب رماه عامر بن الحضرمي بسهم يوم بدر فقتله فجزع عليه أبواه وامرأته
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:05 PM
السعدى
"أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ "
يخبر تعالى, عن تمام حكمته, وأن حكمته, لا تقتضي أن كل من قال "إنه مؤمن" وادعى لنفسه الإيمان, أن يبقوا في حالة, يسلمون فيها من الفتن والمحن, ولا يعرض لهم, ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه. فإنهم لو كان الأمر كذلك, لم يتميز الصادق من الكاذب, والحق من المبطل, ولكن سنته تعالى وعادته في الأولين, وفي هذه الأمه, أن يبتليهم بالسراء والضراء, والعسر واليسر, والمنشط والمكره, والغنى والفقر, وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان, ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل, ونحو ذلك من الفتن, التي ترجع كلها, إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة, والشهوات المعارضة للإرادة. فمن كان عند ورود الشبهات, يثبت إيمانه ولا يتزلزل, ويدفعها بما معه من الحق. وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب, أو الصارفة عن ما أمر اللّه به ورسوله, يعمل بمقتضى الإيمان, ويجاهد شهوته, دل ذلك على صدق إيمانه وصحته. ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه, شكا وريبا, وعند اعتراض الشهوات, تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات, دل ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه. والناس في هذا المقام: درجات, لا يحصيها إلا اللّه, فمستقل ومستكثر. فنسأل اللّه تعالى, أن يثبتنا بالقول الثابت, في الحياة الدنيا وفي الآخرة, وأن يثبت قلوبنا على دينه. فالابتلاء والامتحان للنفوس, بمنزلة الكير, يخرج خبثها, وطيبها.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:06 PM
الكشاف للزمخشرى
{الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن} الحسبان لا يصح تعليقه بمعاني المفردات ولكن بمضامين الجمل. ألا ترى أنك لو قلت: حسبت زيداً وظننت الفرس: لم يكن شيئاً حتى يقول: حسبت زيداً عالماً وظننت الفرس جواداً لأن قولك: زيد عالم أو الفرس جواد: كلام دال على مضمون فأردت الإخبار عن ذلك المضمون ثابتاً عندك على وجه الظن لا اليقين فلم تجد بداً في العبارة عن ثباته عندك على ذلك الوجه من ذكر شطري الجملة مدخلاً عليهما فعل الحسبان حتى يتم لك غرضك. فإن قلت: فأين الكلام الدال على المضمون الذي يقتضيه الحسبان في الآية قلت: هو في قوله {أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} وذلك أن تقديره: أحسبوا تركوهم غير مفتونين لقولهم: آمنا فالترك أول مفعولي حسب ولقولهم: آمنا هو الخبر. وأما غير مفتونين فتتمة الترك لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير كقوله: فتركته جزر السباع بنشنه ألا ترى أنك قبل المجئ بالحسبان تقدر أن تقول: تركهم غير مفتونين لقولهم: آمنا على تقدير: حاصل ومستقر قبل اللام. فإن قلت {أن يقولوا} هو علة تركهم غير مفتونين فكيف يصح أن يقع خبر مبتدأ قلت: كما تقول خروجه لمخافة الشر وضربه للتأديب وقد كان التأديب والمخافة في قولك: خرجت مخافة الشر وضربته تأديباً: تعليلين. وتقول ايضاً: حسبت خروجه لمخافة الشر وظننت ضربه للتأديب فتجعلها مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبراً. والفتنة: الإمتحان بشدائد التكليف: من مفارقة الأوطان ومجاهدة الأعداء وسائر الطابعات الشاقة وهجر الشهوات والملاذ وبالفقر والقحط وأنواع المصائب في الأنفس والأموال وبمصابرة الكفار على أذاهم وكيدهم وضرارهم. والمعنى: أحسب الذين أجروا كلمة الشهادة على ألسنتهم وأظهروا القول بالإيمان: أنهم يتركون بذلك غير ممتحنين بل يمنحهم الله بضروب المحن حتى يبلو صبرهم وثبات أقدامهم وصحة عقائدهم ونصوح نياتهم ليتمز المخلص من غير المخلص والراسخ في الدين من المضطرب والمتمكن من العابد على حرف كما قال {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} [آل عمران: 186] وروي أنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جزعوا من أذى المشركين. وقيل في عمار بن ياسر: وكان يعذب في الله. وقيل: في ناس أسلموا بمكة فكتب إليهم المهاجرون: لا يقبل منكم إسلامكم حتى تهاجروا فخرجوا فتتبعهم المشركون فردوهم فلما نزلت كتبوا بها إليهم فخرجوا فتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا. وقيل: فيمهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهو أول قتيل من المسلمين يوم بدر رماه عامر بن الحضرمي فقال سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة فجزع عليه أبواه وامرأته {ولقد فتنا} موصول بأحسب أو بلا يفتنون كقولك: ألا يمتحن فلان وقد امتحن من هو خير منه يعنى: أن أتباع الأنبياء عليهم السلام قبلهم قد أصابهم من الفتن والمحن نحو ما أصابهم. أو ما هو أشد منه فصبروا كما قال {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا....} الآية [آل عمران: 146] وعن النبي صلى الله عليه وسلم: وقد كان من قبلكم يؤخذ فيوضع المنشار على رأسه فيفرق فريقتين وما يصرفه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:07 PM
الجلالين
2 - (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا) أي بقولهم (آمنا وهم لا يفتنون) يختبرون بما يتبين به حقيقة إيمانهم نزل في جماعة آمنوا فآذاهم المشركون
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:08 PM
تفسير آية 108 من سورة يوسف
( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله ، على بصيرة أنا ومن اتبعنى وسبحان الله وما أنا من المشركين )
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:09 PM
السعدى
"قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ "
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " قُلْ " للناس " هَذِهِ سَبِيلِي " أي: طريقي, التي أدعوا إليها, وهي السبيل الموصلة إلى الله, وإلى دار كرامته, المتضمنة للعلم بالحق, والعمل به, وإيثاره وإخلاص الدين لله وحده لا شريك له. " أَدْعُو إِلَى اللَّهِ " أي: أحث الخلق والعباد, على الوصول إلى ربهم, وأرغبهم في ذلك, وأرهبهم مما يبعدهم عنه. ومع هذا, فأنا " عَلَى بَصِيرَةٍ " من ديني, أي: على علم ويقين, من غير شك ولا امتراء, ولا مرية. " أَنَا " كذلك " وَمَنِ اتَّبَعَنِي " يدعو إلى الله, كما أدعو, على بصيرة من أمره. " وَسُبْحَانَ اللَّهِ " عما ينسب إليه, مما لا يليق بجلاله, أو ينافي كماله. " وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ " في جميع أموري, بل أعبد الله, مخلصا له الدين
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:09 PM
الطبرى
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {قُلْ هَـَذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }.
يقول تعالـى ذكره لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم: قُلْ يا مـحمد هَذِهِ الدعوة التـي أدعو إلـيها, والطريقة التـي أنا علـيها من الدعاء إلـى توحيد الله وإخلاص العبـادة له دون الاَلهة والأوثان والانتهاء إلـى طاعته وترك معصيته, سَبِـيـلِـي وطريقتـي ودعوتـي أدْعُو إلـى اللّهِ وحده لا شريك له علـى بَصِيرَةٍ بذلك, ويقـين علـم منـي به, أنَا وَ يدعو إلـيه علـى بصيرة أيضا مَن اتّبَعَنِـي وصدّقنـي وآمن بـي. وَسُبْحانَ اللّهِ يقول له تعالـى ذكره: وقل تنزيها لله وتعظيـما له من أن يكون له شريك فـي ملكه أو معبود سواه فـي سلطانه, وَما أنا مِنَ الـمُشْرِكِينَ يقول: وأنا بريء من أهل الشرك به, لست منهم ولا هم منـي.
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنـي الـمثنى, قال: أخبرنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع بن أنس, فـي قوله: قُلْ هَذِهِ سَبِـيـلـي أدْعُو إلـى اللّهِ علـى بَصِيرَةٍ يقول: هذه دعوتـي.
ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: قُلْ هَذِهِ سَبِـيـلـي أدْعُوا إلـى اللّهِ علـى بَصِيرَةٍ قال: هذه سبـيـلـي, هذا أمري وسنتـي ومنهاجي. أدْعُو إلـى اللّهِ علـى بَصِيرَةٍ أنا وَمَن اتّبَعَنـي قال: وحقّ الله وعلـى من اتبعه أن يدعو إلـى ما دعا إلـيه, ويذكر بـالقرآن والـموعظة, وينهي عن معاصي الله.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن أبـي جعفر, عن الربـيع بن أنس, قوله: قُلْ هَذِهِ سَبِـيـلـي: هذه دعوتـي.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا حكام, عن أبـي جعفر, عن الربـيع: قُلْ هَذِهِ سَبِـيـلـي قال: هذه دعوتـي.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:10 PM
ابن كثير
++++ قُلْ هَـَذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين: الإنس والجن, آمراً له أن يخبر الناس أن هذه سبيله أي طريقته ومسلكه وسنته, وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له, يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان هو وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي. وقوله: {وسبحان الله} أي وأنزه الله وأجله وأعظمه وأقدسه عن أن يكون له شريك أو نظير أو عديل أو نديد أو ولد أو والد أو صاحبة أو وزير أو مشير, تبارك وتقدس وتنزه وتعالى عن ذلك كله علواً كبيراً, {تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إِلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إِنه كان حليماً غفوراً}.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:11 PM
البغوى
-"قل"، يا محمد، "هذه"، الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها، "سبيلي"، سنتي ومنهاجي. وقال مقاتل: ديني، نظيره قوله: "ادع إلى سبيل ربك" (النحل-125) أي: إلى دينه. " أدعو إلى الله على بصيرة "، على يقين، والبصيرة: هي المعرفة التي تميز بها بين الحق والباطل، "أنا ومن اتبعني"، أي: ومن آمن بي وصدقني أيضا يدعو إلى الله. هذا قول الكلبي وابن زيد، قالوا: حق على من اتبعه أن يدعوا إلى ما دعا إليه، ويذكر بالقرآن. وقيل: تم الكلام عند قوله: " أدعو إلى الله " ثم استأنف: "على بصيرة أنا ومن اتبعني"، يقول: إني على بصيرة من ربي وكل من اتبعني. قال ابن عباس: يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على أحسن طريقة وأقصد هداية، معدن العلم، وكنز الإيمان، وجند الرحمن. قال عبد الله بن مسعود: من كان مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة، وأبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. قوله تعالى: "وسبحان الله"، أي: وقل سبحان الله تنزيها له عما أشركوا به. "وما أنا من المشركين".
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:11 PM
الدر المأثور للسيوطى
أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله {قل هذه سبيلي} قال: دعوتي.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ، عن الربيع بن أنس - رضي الله عنه - مثله.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - {قل هذه سبيلي} قال: صلاتي.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله {قل هذه سبيلي} قال: أمري وسنتي ومنهاجي.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله {على بصيرة} أي على هدى {أنا ومن اتبعني}.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:12 PM
القرطبى
108 {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين}
قوله تعالى: "قل هذه سبيلي" ابتداء وخبر؛ أي قل يا محمد هذه طريقي وسنتي ومنهاجي؛ قاله ابن زيد. وقال الربيع: دعوتي، مقاتل: ديني، والمعنى واحد؛ أي الذي أنا عليه وأدعو إليه يؤدي إلى الجنة. "على بصيرة" أي على يقين وحق؛ ومنه: فلان مستبصر بهذا. "أنا" توكيد. "ومن اتبعني" عطف على المضمر. "وسبحان الله" أي قل يا محمد: "وسبحان الله". "وما أنا من المشركين" الذين يتخذون من دون الله أندادا.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:13 PM
فتح القدير للشوكانى
"قل هذه سبيلي" أي قل يا محمد للمشركين هذه الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها سبيلي: أي طريقي وسنتي، فاسم الإشارة مبتدأ وخبره سبيلي، وفسر ذلك بقوله: " أدعو إلى الله على بصيرة " أي على حجة واضحة، والبصيرة المعرفة التي يتميز بها الحق من الباطل والجملة في محل نصب على الحال "أنا ومن اتبعني" أي ويدعو إليها من اتبعني واهتدى بهديي. قال الفراء: والمعنى ومن اتبعني يدعو إلى الله كما أدعو. وفي هذا دليل على أن كل متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حق عليه أن يقتدي به في الدعاء إلى الإيمان به وتوحيده والعمل بما شرعه لعباده " وسبحان الله وما أنا من المشركين" أي وقل يا محمد لهم سبحان الله وما أنا من المشركين بالله الذين يتخذون من دونه أنداداً. قال ابن الأنباري: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله: " أدعو إلى الله " ثم ابتدأ، فقال "على بصيرة أنا ومن اتبعني". وقد اخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: "وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون" قال: هم بنو يعقوب إذ يمكرون بيوسف. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في الآية يقول: وما كنت لديهم وهم يلقونه في غيابة الجب وهم يمكرون بيوسف. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك "وكأين من آية" قال: كم من آية في السماء يعني شمسها وقمرها ونجومها وسحابها، وفي الأرض ما فيها من الخلق والأنهار والجبال والمدائن والقصور. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون" قال: سلهم من خلقهم ومن خلق السموات والأرض فسيقولون الله، فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عطاء في قوله: "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون" قال: كانوا يعلمون ان الله ربهم وهو خالقهم وهو رازقهم، وكانوا مع ذلك يشركون. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: كانوا يشركون به في تلبيتهم يقولون لبيك، [لبيك] اللهم ليك لا شريك لك إلا شريكاً هز لك تملكه وما ملك. زأخرج أبو الشيخ عن الحسن في الآية قال: ذلك المنافق يعمل بالرياء وهو مشرك بعمله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: "غاشية من عذاب الله" قال: وقيعة تغشاهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: "هذه سبيلي" قل هذه دعوتي. وأخرج أبو الشيخ عنه "قل هذه سبيلي" قال: صلاتي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زد في الآية قال: أمري ومشيئتي ومنهاجي، وأخرجا عن قتادة في قوله: "على بصيرة" أي على هدىً "أنا ومن اتبعني".
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:14 PM
تفسير آية 6 من سورة لقمان
( ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا، أولئك لهم عذاب مهين )
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:16 PM
الطبرى
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلّ عَن سَبِيلِ اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَـَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مّهِينٌ }.
اختلف أهل التأويـل, فـي تأويـل قوله: وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيث فقال بعضهم: من يشتري الشراء الـمعروف بـالثمن, ورووا بذلك خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما:
ـ حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا وكيع, عن خلاد الصفَـار, عن عبـيد الله بن زَحْر, عن علـيّ بن يزيد, عن القاسم, عن أبـي أُمامة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلّ بَـيْعُ الـمُغَنّـياتِ, وَلا شِرَاؤُهُنّ, وَلا التّـجارَةُ فِـيهِنّ, وَلا أثمَانُهُنّ, وفـيهنّ نزلت هذه الاَية: وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ».
حدثنا ابن وكيع, قال: ثنـي أبـي, عن خَلاد الصفَـار, عن عبـيد الله بن زَحْر, عن علـيّ بن يزيد, عن القاسم, عن أبـي أُمامة, عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم بنـحوه, إلاّ أنه قال: «أكْلُ ثَمَنِهِنّ حَرَامٌ» وقال أيضا: «وفِـيهِنّ أنْزَلَ اللّهُ علـيّ هَذِهِ الاَيَةَ: وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ لِـيُضِلّ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ».
حدثنـي عبـيد بن آدم بن أبـي إياس العسقلانـي, قال: حدثنا أبـي, قال: حدثنا سلـيـمان بن حيان, عن عمرو بن قـيس الكلابـي, عن أبـي الـمهلّب, عن عبـيد الله بن زَحْر, عن علـيّ بن يزيد, عن القاسم, عن أبـي أُمامة. قال: وثنا إسماعيـل بن عَياش, عن مُطَرّح بن يزيد, عن عبـيد الله بن زَحْر, عن علـيّ بن زيد, عن القاسم, عن أبـي أُمامة البـاهلـي, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحلّ تَعْلِـيـمُ الـمُغَنّـياتِ, وَلا بَـيْعُهُنّ وَلا شِرَاؤُهُنّ, وثَمَنُهُنّ حَرامٌ, وقَدْ نَزَلَ تَصْدِيقُ ذلكَ فِـي كِتابِ اللّهِ وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ إلـى آخر الاَية».
وقال آخرون: بل معنى ذلك: من يختار لهو الـحديث ويستـحبه. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قَتادة, قوله: وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ لِـيُضِلّ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ بغَيْرِ عِلْـمٍ والله لعله أن لا ينفق فـيه مالاً, ولكن اشتراؤه استـحبـابه, بحسب الـمرء من الضلالة أن يختار حديث البـاطل علـى حديث الـحقّ, وما يضرّ علـى ما ينفع.
ـ حدثنـي مـحمد بن خـلف العسقلانـي, قال: حدثنا أيوب بن سويد, قال: حدثنا ابن شوذب, عن مطر, فـي قول الله وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ قال: اشتراؤه: استـحبـابه.
وأولـى التأويـلـين عندي بـالصواب تأويـل من قال: معناه: الشراء, الذي هو بـالثمن, وذلك أن ذلك هو أظهر معنـيـيه.
فإن قال قائل: وكيف يشتري لهو الـحديث؟ قـيـل: يشتري ذات لهو الـحديث, أو ذا لهو الـحديث, فـيكون مشتريا لهو الـحديث.
وأما الـحديث, فإن أهل التأويـل اختلفوا فـيه, فقال بعضهم: هو الغناء والاستـماع له. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنـي يونس بن عبد الأعلـى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرنـي يزيد بن يونس, عن أبـي صخر, عن أبـي معاوية البجلـي, عن سعيد بن جُبَـير, عن أبـي الصهبـاء البكري, أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يُسأل عن هذه الاَية وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ لِـيُضِلّ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ بغَيْرِ عِلْـمٍ فقال عبد الله: الغناء, والذي لا إله إلاّ هو, يردّدها ثلاث مرّات.
حدثنا عمرو بن علـيّ, قال: حدثنا صفوان بن عيسى, قال: أخبرنا حميد الـخراط, عن عمار, عن سعيد بن جُبَـير, عن أبـي الصهبـاء, أنه سأل ابن مسعود, عن قول الله وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ قال: الغناء.
ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا علـيّ بن عابس, عن عطاء, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ قال: الغِناء.
ـ حدثنا عمرو بن علـيّ, قال: حدثنا عمران بن عيـينة, قال: حدثنا عطاء بن السائب, عن سعيد بن جُبَـير, عن ابن عبـاس وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ قال: الغناء وأشبـاهه.
حدثنا ابن وكيع, والفضل بن الصبـاح, قالا: حدثنا مـحمد بن فضيـل, عن عطاء, عن سعيد بن جُبَـير عن ابن عبـاس, فـي قوله: وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ قال: هو الغناء ونـحوه.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا حكام بن سلـم, عن عمرو بن أبـي قـيس, عن عطاء, عن سعيد بن جُبَـير عن ابن عبـاس, مثله.
حدثنا الـحسين بن عبد الرحمن الأنـماطي, قال: حدثنا عبـيد الله, قال: حدثنا ابن أبـي لـيـلـى, عن الـحكم, عن مقسم, عن ابن عبـاس, قال: هو الغناء والاستـماع له, يعنـي قوله: وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ.
ـ حدثنا الـحسن بن عبد الرحيـم, قال: حدثنا عبـيد الله بن موسى, قال: حدثنا سفـيان, عن قابوس بن أبـي ظبـيان, عن أبـيه, عن جابر, فـي قوله: وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ قال: هو الغناء والاستـماع له.
ـ حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبـي, عن ابن أبـي لـيـلـى, عن الـحكم أو مقسم, عن مـجاهد, عن ابن عبـاس قال: شراء الـمغنـية.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا حفص والـمـحاربـي, عن لـيث, عن الـحكم, عن ابن عبـاس, قال: الغناء.
حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس, قوله وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ لِـيُضِلّ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ قال: بـاطل الـحديث: هو الغناء ونـحوه.
ـ حدثنا ابن بشار وابن الـمثنى, قالا: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفـيان, عن حبـيب, عن مـجاهد وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ قال: الغناء.
حدثنا ابن الـمثنى, قال: حدثنا مـحمد بن جعفر وعبد الرحمن بن مهدي, عن شعبة, عن الـحكم, عن مـجاهد أنه قال فـي هذه الاَية وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ قال: الغناء.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبـي, عن سفـيان, عن حبـيب عن مـجاهد قال: الغناء.
قال: ثنا أبـي, عن شعبة, عن الـحكم, عن مـجاهد, مثله.
ـ حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا الأشجعي, عن سفـيان, عن عبد الكريـم, عن مـجاهد وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ قال: هو الغناء, وكلّ لعب لهو.
حدثنا الـحسين بن عبد الرحمن الأنـماطي, قال: حدثنا علـيّ بن حفص الهمدانـي, قال: حدثنا ورقاء, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ قال: الغناء والاستـماع له وكل لهو.
ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, فـي قوله وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ قال: الـمغنـي والـمغنـية بـالـمال الكثـير, أو استـماع إلـيه, أو إلـى مثله من البـاطل.
حدثنـي يعقوب وابن وكيع, قالا: حدثنا ابن علـية, عن لـيث, عن مـجاهد, فـي قوله وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ قال: هو الغناء أو الغناء منه, أو الاستـماع له.
ـ حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا عثام بن علـيّ, عن إسماعيـل بن أبـي خالد, عن شعيب بن يسار, عن عكرمة قال: لَهْوَ الـحَدِيثِ: الغناء.
ـ حدثنـي عبـيد بن إسماعيـل الهَبّـاريّ, قال: حدثنا عَثّام, عن إسماعيـل بن أبـي خالد, عن شعيب بن يسار هكذا قال عكرمة, عن عبـيد مثله.
حدثنا الـحسين بن الزبرقان النـخعي, قال: حدثنا أبو أسامة وعبـيد الله, عن أسامة, عن عكرمة, فـي قوله وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ قال: الغناء.
حدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبـي, عن أسامة بن زيد, عن عكرمة, قال: الغناء.
وقال آخرون: عنى بـاللهو: الطّبل. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنـي عبـاس بن مـحمد, قال: حدثنا حجاج الأعور, عن ابن جُرَيج, عن مـجاهد, قال: اللهو: الطبل.
وقال آخرون: عنى بلهو الـحديث: الشرك. ذكر من قال ذلك:
ـ حُدثت عن الـحسين, قال: سمعت أبـا معاذ, يقول: أخبرنا عبـيد, قال: سمعت الضحاك يقول, فـي قوله: وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ يعنـي الشرك.
ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الـحَدِيثِ لِـيُضِلّ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ بغَيْرِ عِلْـمٍ, ويَتّـخِذها هُزُوا قال: هؤلاء أهل الكفر, ألا ترى إلـى قوله: وَإذا تُتْلَـى عَلَـيْهِ آياتُنا وَلّـى مُسْتَكْبِرا كأنْ لَـمْ يَسْمَعْها, كأنّ فِـي أُذُنَـيْهِ وَقْرا فلـيس هكذا أهل الإسلام, قال: وناس يقولون: هي فـيكم, ولـيس كذلك, قال: وهو الـحديث البـاطل الذي كانوا يَـلْغَون فـيه.
والصواب من القول فـي ذلك أن يقال: عنى به كلّ ما كان من الـحديث ملهيا عن سبـيـل الله, مـما نهى الله عن استـماعه أو رسولُه, لأن الله تعالـى عَمّ بقوله لَهْوَ الـحَدِيثِ ولـم يخصص بعضا دون بعض, فذلك علـى عمومه, حتـى يأتـي ما يدلّ علـى خصوصه, والغناء والشرك من ذلك.
وقوله: لِـيُضِلّ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ يقول: لـيصدّ ذلك الذي يشتري من لهم الـحديث عن دين الله وطاعته, وما يقرّب إلـيه من قراءة قرآن, وذكر الله. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس لِـيُضِلّ عَنْ سَبِـيـلِ اللّهِ قال: سبـيـل الله: قراءة القرآن, وذكر الله إذا ذكره, وهو رجل من قريش اشترى جارية مغنـية.
وقوله: بغَيْرِ عِلْـمٍ يقول: فعل ما فعل من اشترائه لهو الـحديث, جهلاً منه بـما له فـي العاقبة عند الله من وزر ذلك وإثمه. وقوله وَيَتّـخِذَها هُزُوا اختلفت القرّاء فـي قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء الـمدينة والبصرة, وبعض أهل الكوفة: «وَيَتّـخِذُها» رفعا, عطفـا به علـى قوله: يَشْتَرِي كأن معناه عندهم: ومن الناس من يشتري لهو الـحديث, ويتـخذ آيات الله هزوا. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة: وَيَتّـخِذَها نصبـا عطفـا علـى يضلّ, بـمعنى: لـيضلّ عن سبـيـل الله, ولـيتـخذَها هُزُوا.
والصواب من القول فـي ذلك: أنهما قراءتان معروفتان فـي قرّاء الأمصار, متقاربتا الـمعنى, فبأيتهما قرأ القارىء, فمصيب الصواب فـي قراءته, والهاء والألف فـي قوله: ويَتّـخِذَها من ذكر سبـيـل الله. ذكر من قال ذلك:
-حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, فـي قول الله: وَيَتّـخِذَها هُزُوا قال: سبـيـل الله.
وقال آخرون: بل ذلك من ذِكر آيات الكتاب.
ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قال: بِحَسْب الـمرء من الضلالة, أن يختار حديث البـاطل علـى حديث الـحقّ, وما يضرّ علـى ما ينفع.
ويَتّـخِذَها هُزُوا يستهزىء بها ويكذّب بها. وهما من أن يكونا من ذكر سبـيـل الله أشبه عندي لقربهما منها, وإن كان القول الاَخر غير بعيد من الصواب. واتـخاذه ذلك هُزُوا هو استهزاؤه به.
وقوله: أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ يقول تعالـى ذكره: هؤلاء الذين وصفنا أنهم يشترون لهو الـحديث لـيضلوا عن سبـيـل الله, لهم يوم القـيامة عذاب مُذِلّ مخزٍ فـي نار جهنـم.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:17 PM
ابن كثير
++++ وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلّ عَن سَبِيلِ اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَـَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مّهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلّىَ مُسْتَكْبِراً كَأَن لّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنّ فِيَ أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
لما ذكر تعالى حال السعداء, وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه, كما قال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} الاَية, عطف بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب, كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله} قال: هو والله الغناء.
روى ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب, أخبرني يزيد بن يونس عن أبي صخر عن أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يسأل عن هذه الاَية {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل على سبيل الله} فقال عبد الله بن مسعود: الغناء والله الذي لا إله إلا هو, يرددها ثلاث مرات, حدثنا عمرو بن علي, حدثنا صفوان بن عيسى, أخبرنا حميد الخراط عن عمار عن سعيد بن جبير, عن أبي الصهباء أنه سأل ابن مسعود عن قول الله {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} قال: الغناء, وكذا قال ابن عباس وجابر وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومكحول وعمرو بن شعيب وعلي بن نديمة.
وقال الحسن البصري: نزلت هذه الأية {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم} في الغناء والمزامير. وقال قتادة: قوله {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم} والله لعله لا ينفق فيه مالاً, ولكن شراؤه استحبابه بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق, وما يضر على ما ينفع, وقيل: أراد بقوله {يشتري لهو الحديث} اشتراء المغنيات من الجواري. قال ابن أبي حاتم, حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي, حدثنا وكيع عن خلاد الصفار عن عبيد الله بن زحر, عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن, عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن وأكل أثمانهن حرام, وفيهن أنزل الله عز وجل علي {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله}» وهكذا رواه الترمذي وابن جرير من حديث عبيد الله بن زحر بنحوه, ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب, وضعف علي بن يزيد المذكور. (قلت) علي وشيخه والراوي عنه كلهم ضعفاء, والله أعلم.
وقال الضحاك في قوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث} قال: يعني الشرك, وبه قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم, واختار ابن جرير أنه كل كلام يصد عن آيات الله واتباع سبيله. وقوله {ليضل عن سبيل الله} أي إنما يصنع هذا للتخالف للإسلام وأهله, وعلى قراءة فتح الياء تكون اللام لام العاقبة أو تعليلاً للأمر القدري, أي قيضوا لذلك ليكونوا كذلك. وقوله تعالى: {ويتخذها هزواً} قال مجاهد: ويتخذ سبيل الله هزواً يستهزىء بها. وقال قتادة: يعني ويتخذ آيات الله هزواً, وقول مجاهد أولى.
وقوله {أولئك لهم عذاب مهين} أي كما استهانوا بآيات الله وسبيله أهينوا يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر. ثم قال تعالى: {وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرأ} أي هذا المقبل على اللهو واللعب والطرب إذا تليت عليه الاَيات القرآنية ولى عنها وأعرض وأدبر وتصامم وما به من صمم, كأنه ما سمعها لأنه يتأذى بسماعها إذ لا انتفاع له بها ولا أرب له فيها, {فبشره بعذاب أليم} أي يوم القيامة, يؤلمه كما تألم بسماع كتاب الله وآياته.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:18 PM
البغوى
"ومن الناس من يشتري لهو الحديث"، الآية. قال الكلبي، ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة كان يتجر فيأتي الحيرة ويشتري أخبار العجم ويحدث بها قريشاً، ويقول: إن محمداً يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، فأنزل الله هذه الآية. وقال مجاهد: يعني شراء القيان والمغنيين، ووجه الكلام على هذا التأويل: من يشتري ذات لهو أو ذا لهو الحديث. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المزكي، حدثنا جدي محمد بن إسحاق بن خزيمة، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا مشعل بن ملحان الطائي، عن مطرح بن يزيد، عن عبد الله بن زجر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد العزيز، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن وأثمانهن حرام، وفي مثل هذا أنزلت هذه الآية: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله"، وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين: أحدهما على هذا المنكب، والآخر على هذا المنكب، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت". أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد القفال، أخبرنا أبو منصور أحمد بن الفضل البروجردي، أخبرنا ابو أحمد بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي، أخبرنا محمد بن غالب بن تمام، أخبرنا خالد بن أبي يزيد، عن هشام هو ابن حسان، عن محمد هو ابن سيرين، عن أبي هريرة "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب وكسب الزمارة". قال مكحول: من اشترى جارية ضرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيماً عليه حتى يموت لم أصل عليه، لأن الله يقول: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث" الآية. وعن عبد الله بن مسعود، وابن عباس، والحسن، وعكرمة، وسعيد بن جبير قالوا: لهو الحديث هو الغناء، والآية نزلت فيه. ومعنى قوله: "يشتري لهو الحديث"، أي: يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن، قال أبو الصباء البكري سألت ابن مسعود عن هذه الآية فقال: هو الغناء، والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات. وقال إبراهيم النخعي: الغناء ينبت النفاق في القلب، وكان أصحابنا يأخذون بأفواه السكك يخرقون الدفوف. وقيل: الغناء رقية الزنا. وقال ابن جريج: هو الطبل. وعن الضحاك قال: هو الشرك. وقال قتادة: هو كل لهو ولعب. "ليضل عن سبيل الله بغير علم"، أي: يفعله عن جهل. قال قتادة: بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق. قوله تعالى: "ويتخذها هزواً"، أي: يتخذ آيات الله هزواً. قرأ حمزة، والكسائي، وحفص، ويعقوب: "ويتخذها" بنصب الدال عطفاً على قوله: ليضل، وقرأ الآخرون بالرفع نسقاً على قوله: يشتري. "أولئك لهم عذاب مهين".
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:19 PM
القرطبى
الآية: 6 {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين}
@قوله تعالى: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث" "من" في موضع رفع بالابتداء. و"لهو الحديث": الغناء؛ في قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما. وهو ممنوع بالكتاب والسنة؛ والتقدير: من يشتري ذا لهو أو ذات لهو؛ مثل: "واسأل القرية" [يوسف: 82]. أو يكون التقدير: لما كان إنما اشتراها يشتريها ويبالغ في ثمنها كأنه اشتراها للهو.
قلت: هذه إحدى الآيات الثلاث التي استدل بها العلماء على كراهة الغناء والمنع منه. والآية الثانية قوله تعالى: "وأنتم سامدون" [النجم: 61]. قال ابن عباس: هو الغناء بالحميرية؛ اسمدي لنا؛ أي غني لنا. والآية الثالثة قوله تعالى: "واستفزز من استطعت منهم بصوتك" [الإسراء: 64] قال مجاهد: الغناء والمزامير. وقد مضى في "الإسراء" الكلام فيه. وروى الترمذي عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام، في مثل هذا أنزلت هذه الآية: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله") إلى آخر الآية. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، إنما يروى من حديث القاسم عن أبي أمامة، والقاسم ثقة وعلّي ابن يزيد يضعّف في الحديث؛ قاله محمد بن إسماعيل. قال ابن عطية: وبهذا فسر ابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبدالله ومجاهد، وذكره أبو الفرج الجوزي عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة والنخعّي.
قلت: هذا أعلى ما قيل في هذه الآية، وحلف على ذلك ابن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات إنه الغناء. روى سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري قال: سئل عبدالله بن مسعود عن قوله تعالى: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث" فقال: الغناء والله الذي لا إله إلا هو؛ يرددها ثلاث مرات. وعن ابن عمر أنه الغناء؛ وكذلك قال عكرمة وميمون بن مهران ومكحول. وروى شعبة وسفيان عن الحكم وحماد عن إبراهيم قال قال عبدالله بن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب؛ وقاله مجاهد، وزاد: إن لهو الحديث في الآية الاستماع إلى الغناء وإلى مثله من الباطل. وقال الحسن: لهو الحديث المعازف والغناء. وقال القاسم بن محمد: الغناء باطل والباطل في النار. وقال ابن القاسم سألت مالكا عنه فقال: قال الله تعالى: "فماذا بعد الحق إلا الضلال" [يونس: 32] أفحق هو؟! وترجم البخاري (باب كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله، ومن قال لصاحبه تعالى أقامرك)، وقوله تعالى: "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا" فقوله: (إذا شغل عن طاعة الله) مأخوذ من قوله تعالى: "ليضل عن سبيل الله". وعن الحسن أيضا: هو الكفر والشرك. وتأوله قوم على الأحاديث التي يتلهى بها أهل الباطل واللعب. وقيل: نزلت في النضر بن الحارث؛ لأنه اشترى كتب الأعاجم: رستم، واسفنديار؛ فكان يجلس بمكة، فإذا قالت قريش إن محمدا قال كذا ضحك منه، وحدثهم بأحاديث ملوك الفرس ويقول: حديثي هذا أحسن من حديث محمد؛ حكاه الفراء والكلبي وغيرهما. وقيل: كان يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنيه؛ ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه. وهذا القول والأول ظاهر في الشراء. وقالت طائفة: الشراء في هذه الآية مستعار، وإنما نزلت الآية في أحاديث قريش وتلهيهم بأمر الإسلام وخوضهم في الباطل. قال ابن عطية: فكان ترك ما يجب فعله وامتثال هذه المنكرات شراء لها؛ على حد قوله تعالى: "أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى" [البقرة: 16]؛ اشتروا الكفر بالإيمان، أي استبدلوه منه واختاروه عليه. وقال مطرف: شراء لهو الحديث استحبابه. قتادة: ولعله لا ينفق فيه مالا، ولكن سماعه شراؤه.
قلت: القول الأول أولى ما قيل به في هذا الباب؛ للحديث المرفوع فيه، وقول الصحابة والتابعين فيه. وقد زاد الثعلبي والواحدي في حديث أبي أمامة: (وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربان بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت). وروى الترمذي وغيره من حديث أنس وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صوتان ملعونان فاجران أنهى عنهما: صوت مزمار ورنة شيطان عند نغمة ومرح ورنة عند مصيبة لطم خدود وشق جيوب). وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علّي عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بعثت بكسر المزامير) خرجه أبو طالب الغيلاني. وخرج ابن بشران عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بعثت بهدم المزامير والطبل). وروى الترمذي من حديث علّي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء - فذكر منها: إذا اتخذت القينات والمعازف). وفي حديث أبي هريرة: (وظهرت القيان والمعازف). وروى ابن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جلس إلى قينة يسمع منها صب في أذنه الآنك يوم القيامة). وروى أسد بن موسى عن عبدالعزيز بن أبي سلمة عن محمد بن المنكدر قال: بلغنا أن الله تعالى يقول يوم القيامة: (أين عبادي الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان أحلوهم رياض المسك وأخبروهم أني قد أحللت عليهم رضواني). وروى ابن وهب عن مالك عن محمد بن المنكدر مثله، وزاد بعد قوله (المسك: ثم يقول للملائكة أسمعوهم حمدي وشكري وثنائي، وأخبروهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون). وقد روي مرفوعا هذا المعنى من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين). فقيل: ومن الروحانيون يا رسول الله؟ قال: (قراء أهل الجنة) خرجه الترمذي الحكيم أبو عبدالله في نوادر الأصول، وقد ذكرنا في كتاب التذكرة مع نظائره: (فمن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة). إلى غير ذلك. وكل ذلك صحيح المعنى على ما بيناه هناك. ومن رواية مكحول عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه).
@ ولهذه الآثار وغيرها قال العلماء بتحريم الغناء. وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به، الذي يحرك النفوس ويبعثها على الهوى والغزل، والمجون الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن؛ فهذا النوع إذا كان في شعر يشبب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن وذكر الخمور والمحرمات لا يختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق. فأما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح؛ كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخندق وحدو أنجشة وسلمة بن الأكوع. فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة من الشبابات والطار والمعازف والأوتار فحرام. قال ابن العربّي: فأما طبل الحرب فلا حرج فيه؛ لأنه يقيم النفوس ويرهب العدو. وفي اليراعة تردد. والدف مباح. الجوهريّ: وربما سّموا قصبة الراعي التي يزمر بها هيرعة ويراعة. قال القشيريّ: ضرب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل المدينة، فهم أبو بكر بالزجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعهن يا أبا بكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح) فكن يضربن ويقلن: نحن بنات النجار، حبذا محمد من جار. وقد قيل: إن الطبل في النكاح كالدف، وكذلك الآلات المشهرة للنكاح يجوز استعمالها فيه بما يحسن من الكلام ولم يكن فيه رفث
@ الاشتغال بالغناء على الدوام سفه ترد به الشهادة، فإن لم يدم لم ترد. وذكر إسحاق بن عيسى الطباع قال: سألت مالك بن أنس عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال: إنما يفعله عندنا الفساق. وذكر أبو الطيب طاهر بن عبدالله الطبريّ قال: أما مالك بن أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه، وقال: إذا اشترى جارية ووجدها مغنية كان له ردها بالعيب؛ وهو مذهب سائر أهل المدينة؛ إلا إبراهيم بن سعد فإنه حكى عنه زكريا الساجي أنه كان لا يرى به بأسا. وقال ابن خويز منداد: فأما مالك فيقال عنه: إنه كان عالما بالصناعة وكان مذهبه تحريمها. وروي عنه أنه قال: تعلمت هذه الصناعة وأنا غلام شاب، فقالت لي أمي: أي بنّي! إن هذه الصناعة يصلح لها من كان صبيح الوجه ولست كذلك، فطلب العلوم الدينية؛ فصحبت ربيعة فجعل الله في ذلك خيرا. قال أبو الطيب الطبري: وأما مذهب أبي حنيفة فإنه يكره الغناء مع إباحته شرب النبيذ، ويجمل سماع الغناء من الذنوب. وكذلك مذهب سائر أهل الكوفة: إبراهيم والشعبي وحماد والثوري وغيرهم، لا اختلاف بينهم في ذلك. وكذلك لا يعرف بين أهل البصرة خلاف في كراهية ذلك والمنع منه؛ إلا ما روي عن عبيدالله بن الحسن العنبري أنه كان لا يرى به بأسا. قال: وأما مذهب الشافعّي فقال: الغناء مكروه يشبه الباطل، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته. وذكر أبو الفرج الجوزي عن إمامه أحمد بن حنبل ثلاث روايات قال: وقد ذكر أصحابنا عن أبي بكر الخلال وصاحبه عبدالعزيز إباحة الغناء، وإنما أشاروا إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزهديات؛ قال: وعلى هذا يحمل ما لم يكرهه أحمد؛ ويدل عليه أنه سئل عن رجل مات وخلف ولدا وجارية مغنية فاحتاج الصبي إلى بيعها فقال: تباع على أنها ساذجة لا على أنها مغنية. فقيل له: إنها تساوي ثلاثين ألفا؛ ولعلها إن بيعت ساذجة تساوي عشرين ألفا؟ فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة. قال أبو الفرج: وإنما قال أحمد هذا لأن هذه الجارية المغنية لا تغني بقصائد الزهد، بل بالأشعار المطربة المثيرة إلى العشق.
@ وهذا دليل على أن الغناء محظور؛ إذ لو لم يكن محظورا ما جاز تفويت المال على اليتيم. وصار هذا كقول أبي طلحة للنبي صلى الله عليه وسلم: عندي خمر لأيتام؟ فقال: (أرِقْها). فلو جاز استصلاحها لما أمر بتضييع مال اليتامى. قال الطبري: فقد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه. وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبيدالله العنبري؛ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالسواد الأعظم. ومن فارق الجماعة مات ميتة جاهلية). قال أبو الفرج: وقال القفال من أصحابنا: لا تقبل شهادة المغني والرقاص.
قلت: وإذ قد ثبت أن هذا الأمر لا يجوز فأخذ الأجرة عليه لا تجوز. وقد ادعى أبو عمر بن عبدالبر الإجماع على تحريم الأجرة على ذلك. وقد مضى في الأنعام عند قوله: "وعنده مفاتح الغيب" [الأنعام: 59] وحسبك.
@ قال القاضي أبو بكر بن العربي: وأما سماع القينات فيجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته؛ إذ ليس شيء منها عليه حراما لا من ظاهرها ولا من باطنها، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها. أما أنه لا يجوز انكشاف النساء للرجال ولا هتك الأستار ولا سماع الرفث، فإذا خرج ذلك إلى ما لا يحل ولا يجوز منع من أوله واجتث من أصله. وقال أبو الطيب الطبري: أما سماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرم فإن أصحاب الشافعي قالوا لا يجوز، سواء كانت حرة أو مملوكة. قال: وقال الشافعي: وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته؛ ثم غلظ القول فيه فقال: فهي دياثة. وإنما جعل صاحبها سفيها لأنه دعا الناس إلى الباطل، ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيها.
@قوله تعالى: "ليضل عن سبيل الله" قراءة العامة بضم الياء؛ أي ليضل غيره عن طريق الهدى، وإذا أضل غيره فقد ضل. وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد وأبو عمرو ورويس وابن أبي إسحاق (بفتح الياء) على اللازم؛ أي ليضل هو نفسه. "ويتخذها هزوا" قراءة المدنيين وأبي عمرو وعاصم بالرفع عطفا على "من يشتري" ويجوز أن يكون مستأنفا. وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي: "ويتخذها" بالنصب عطفا على "ليضل". ومن الوجهين جميعا لا يحسن الوقف على قوله: "بغير علم" والوقف على قوله: "هزوا"، والهاء في "يتخذها" كناية عن الآيات. ويجوز أن يكون كناية عن السبيل؛ لأن السبيل يؤنث ويذكر. "أولئك لهم عذاب مهين" أي شديد يهينهم قال الشاعر:
ولقد جزعت إلى النصارى بعدما لقي الصليب من العذاب مهينا
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:20 PM
فتح القدير للشوكانى
- "ومن الناس من يشتري لهو الحديث" محل ومن الناس الرفع على الابتداء كما تقدم بيانه في سورة البقرة، وخبره من يشتري لهو الحديث ومن إما موصولة أو موصوفة، ولهو الحديث كل ما يلهى عن الخير من الغناء والملاهي والأحاديث المكذوبة وكل ما هو منكر، والإضافة بيانية. وقيل المراد شراء القينات المغنيات والمغنين، فيكون التقدير: ومن يشتري أهل لهو الحديث. قال الحسن: لهو الحديث المعازف والغناء. وروي عنه أنه قال: هو الكفر والشرك. قال القرطبي: إن أولى ما قيل في هذا الباب هو تفسير لهو الحديث بالغناء، قال: وهو قول الصحابة والتابعين، واللام في "ليضل عن سبيل الله" للتعليل. قرأ الجمهور بضم الياء من "ليضل" أي ليضل غيره عن طريق الهدى ومنهج الحق، وإذا أضل غيره فقد ضل في نفسه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيصن وحميد وورش وابن أبي إسحاق بفتح الياء: أي ليضل هو في نفسه. قال الزجاج: من قرأ بضم الياء، فمعناه ليضل غيره، فإذا أضل غيره فقد ضل هو، ومن قرأ بفتح الياء فمعناه ليصير أمره إلى الضلال، وهو وإن لم يكن يشتري للضلالة، فإنه يصير أمره إلى ذلك، فأفاد هذا التعليل أنه إنما يستحق الذم من اشترى لهو الحديث لهذا المقصد، ويؤيد هذا سبب نزول الآية وسيأتي. قال القرطبي: قد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه. وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبد الله العنبري. قال القاضي أبو بكر بن العربي: يجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته إذ ليس شيء منها عليه حرام لا من ظاهرها ولا من باطنها، فكيف يمنع من التلذذ بصوتها؟ قلت: قد جمعت رسالة مشتملة على أقوال أهل العلم في الغناء وما استدل به المحللون له والمحرمون له، وحققت هذا المقام بما لا يحتاج من نظر فيها وتدبر معانيها إلى النظر في غيرها، وسميتها [إبطال دعوى الإجماع، على تحريم مطلق السماع] فمن أحب تحقيق المقام كما ينبغي فليرجع إليها. ومحل قوله بغير علم النصب على الحال: أي حال كونه غير عالم بحال ما يشتريه، أو بحال ما ينفع من التجارة وما يضر، لفهذا استبدل بالخير ما هو شر محض "ويتخذها هزواً" قرأ الجمهور برفع "يتخذها" عطفاً على يشتري فهو من جملة الصلة، وقيل الرفع على الاستئناف، والضمير المنصوب في يتخذها يعود إلى الآيات المتقدم ذكرها، والأول أولى. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش "ويتخذها" بالنصب عطفاً على يضل، والضمير المنصوب راجع إلى السبيل، فتكون على هذه القراءة من جملة التعليل للتحريم، والمعنى: أنه يشتري لهو الحديث للإضلال عن سبيل الله واتخاذ السبيل هزواً: أي مهزوءاً به، والسبيل يذكر ويؤنث، والإشارة بقوله: "أولئك لهم عذاب مهين" إلى من. والجمع باعتبار معناها كما أن الإفارد في الفعلين باعتبار لفظها، والعذاب المهين: هو الشديد الذي يصير به من وقع عليه مهيناً.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:21 PM
البيضاوى
ومن الناس من يشتري لهو الحديث ما يلهي عما يعني كالأحاديث التي لا أصل لها والأساطير التي لا اعتبار بها والمضاحك وفضول الكلام والإضافة بمعنى من وهي
تبيينية إن أراد بالحديث المنكر وتبعيضية إن أراد به الأعم منه وقيل نزلت في النضر بن الحارث اشترى كتب الأعاجم وكان يحدث بها قريشا ويقول إن كان محمد يحدثكم بحديث عاد وثمود فأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار والأكاسرة وقيل كان يشتري القيان ويحملهن على معاشرة من أراد الإسلام ومنعه عنه ليضل عن سبيل الله دينه أو قراءة كتابه وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء بمعنى ليثبت على ضلاله ويزيد فيه بغير علم بحال ما يشتريه أو بالتجارة حيث استبدل اللهو بقراءة القرآن ويتخذها هزوا ويتخذ السبيل سخرية وقد نصبه حمزة والكسائي ويعقوب وحفص عطفا على ليضل ^ ^ أولئك لهم عذاب مهين لإهانتهم الحق باستئثار الباطل عليه
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:21 PM
السعدى
"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ "
ومن الناس من يشري لهو الحديث - وهو كل ما يلهي عن طاعة الله ويصد عن مرضاته- ليضل الناس عن طريق الهدى إلى طريق الهوى, وينخذ آيات الله سخرية, أولئك لهم عذاب يهينهم ويخزيهم.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:22 PM
الكشاف للزمخشرى
{ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين وإذا تتلى عليه آيتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرأ فبشره بعذاب أليم} اللهو كل باطل ألهي عن لخير وعما يعني و{لهو الحديث} نحو السمر بالأساطير والأحاديث التي أصل لها والتحديث بالخرافات والمضاحيك وفضول الكلام وما لا ينبغي من كان وكان ونحو الغناء وتلعم الموسيقار وما أشبه ذلك وقيل: نزلت في النضر بن الحرث ةكان يتجر إلى فارس فيشتري كتب الأعاجم فيحدث بها قريشاً ويقول: إن كان محمد يحدثكم بحديث عاد وثمود فأنا أحدثكم بأحديث رستم وبهرام والأكاسير وملوك الحيرة فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن. وقيل: كان يشتري المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسفيه وغنيه ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن ولا التجارة فيهن ولا أثمانهن وعنه صلى الله عليه وسلم: ما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شطانين: أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت وقيل: الغناء مندة للمال مسخطة للرب مفسدة للقلب. فإن قلت: ما معنى إضافة اللهو إلى الحديث قلت: معناها التبيين وهي إضافة بمعنى من وأن يضاف الشئ إلى ما هو منه كقولك: صفة خز وباب ساج. والمعنى: من يشتري اللهو من الحديث لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره فبين بالحديث. والمراد بالحديث. الحديث النكر كما جاء في الحديث: الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى من التبعيضية كأنه قيل: ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو منه. وقوله {يشتري} إما من الشراء على ما روى عن النضر: من شراء القيان. وإما من قوله {اشتروا الكفر بالإيمان} [آل عمران: 177] أي استبدلوا منه واختاروه عليه. وعن قتادة: اشتراؤه: استحبابه يختار حديث الباطل على حديث الحق. وقرئ {ليضل} بضم الياء وفتحها.
و{سبيل الله} دين الإسلام أو القرآن. فإن قلت: القراءة بالضم بينة لأن النضر كان غرضه باشتراء اللهو: أن يصد الناس عن الدخول في الإسلام واستماع القرآن ويضلهم عنه فما معنى القراءة بالفتح قلت: فيه معنيان أحدهما: لبثت على ضلالة الذين كان عليه ولا يصدف عنه ويزيد فيه ويمده فإن المخذول كان شديداً الشكيمة في عداوة الدين وصد الناس عنه.
والثاني: أن يوضع ليضل موضع ليضل من قبل أن من أضل كان ضالاً لا محالة فدل بالرديف على المردوف. فإن قلت: ما معنى قوله {بغير علم} قلت: ملا جعله مشترياً لهو الحديث بالقرآن قال: يشتري بغير علم بالتجارة بصيرة بها حيث يستبدل الضلال بالهدى والباطل بالحق.
ونحوه قوله تعالى {فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} [البقرة: 16] أي: وما كانوا مهتدين للتجارة بصراء بها: وقرئ} ويتخذها} بالنصب والرفع عطفاً على يشتري الله من آمن به وتبغونها عوجا}[الأعراف: 86]. يسمعها وهو سامع ": أن في أذنيه وقراً أي ثقلاً ولا وقر فيهما وقرئ: بسكون الذال. فإن قلت: ما محل الجملتين المصدرتين بكان قلت: الأولى حال من مستكبراً والثانية من لم يسمعها: ويجوز أن تكونا استئنافين والأصل في كأن المخففة: كأنه والضمير: ضمير الشأن.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:23 PM
الجلالين
6 - (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) أي ما يلهي منه عما يعني (ليضل) بفتح الياء وضمها (عن سبيل الله) طريق الإسلام (بغير علم ويتخذها) بالنصب عطفا على يضل وبالرفع عطفا على يشتري (هزوا) مهزوءا بها (أولئك لهم عذاب مهين) ذو إهانة
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 11:24 PM
تفسير آية 72 من سورة الأحزاب
( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:35 AM
الطبرى
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {إِنّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }.
اختلف أهل التأويـل فـي معنى ذلك, فقال بعضهم: معناه: إن الله عرض طاعته وفرائضه علـى السموات والأرض والـجبـال علـى أنها إن أحسنت أثـيبت وجوزيت, وإن ضيعت عوقبت, فأبت حملها شفقا منها أن لا تقوم بـالواجب علـيها, وحملها آدم إنّهُ كانَ ظَلُوما لنفسه جَهُولاً بـالذي فـيه الـحظّ له. ذكر من قال ذلك: 21884ـ حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا هشيـم, عن أبـي بشر, عن سعيد بن جُبَـير, فـي قوله: إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ علـى السّمَوَاتِ والأرْضِ والـجِبـالِ فَأَبَـيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنْها قال: الأمانة: الفرائض التـي افترضها الله علـى العبـاد.
ـ قال: ثنا هشيـم, عن العوّام, عن الضحاك بن مزاحم, عن ابن عبـاس, فـي قوله: إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ علـى السّمَوَاتِ والأرْضِ والـجِبـالِ فَأَبَـيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها قال: الأمانة: الفرائض التـي افترضها الله علـى عبـاده.
ـ قال: ثنا هشيـم, قال: أخبرنا العوّام بن حوشب وجويبر, كلاهما عن الضحاك, عن ابن عبـاس, فـي قوله إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ... إلـى قوله جَهُولاً قال: الأمانة: الفرائض. قال جويبر فـي حديثه: فلـما عرضت علـى آدم, قال: أي ربّ وما الأمانة؟ قال: قـيـل: إن أدّيتها جزيت, وإن ضيعتها عوقبت, قال: أي ربّ حملتها بـما فـيها, قال: فما مكث فـي الـجنة إلا قدر ما بـين العصر إلـى غروب الشمس حتـى عمل بـالـمعصية, فأُخرج منها.
حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا مـحمد بن جعفر, قال: حدثنا شعبة, عن أبـي بشر, عن سعيد, عن ابن عبـاس أنه قال فـي هذه الاَية إنّا عَرَضْنا الأَمانَةَ قال: عرضت علـى آدم, فقال: خذها بـما فـيها, فإن أطعت غفرت لك, وإن عصيت عذّبتك, قال: قد قبلت, فما كان إلا قدر ما بـين العصر إلـى اللـيـل من ذلك الـيوم حتـى أصاب الـخطيئة.
حدثنـي علـيّ, قال: حدثنا أبو صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس, قوله إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ علـى السّمَوَاتِ والأرْضِ والـجِبـالِ إن أدّوها أثابهم, وإن ضيّعوها عذّبهم, فكرهوا ذلك, وأشفقوا من غير معصية, ولكن تعظيـما لدين الله أن لا يقوموا بها, ثم عرضها علـى آدم, فقبلها بـما فـيها, وهو قوله: وَحَمَلَها الإنْسانُ إنّهُ كانَ ظَلُوما جَهُولاً غرّا بأمر الله.
حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس, قوله: إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ: الطاعة عرضها علـيها قبل أن يعرضها علـى آدم, فلـم تطقها, فقال لاَدم: يا آدم إنـي قد عرضت الأمانة علـى السموات والأرض والـجبـال, فلـم تطقها, فهل أنت آخذها بـما فـيها؟ فقال: يا ربّ: وما فـيها؟ قال: إن أحسنت جُزِيت, وإن أسأت عُوقبت, فأخذها آدم فتـحملها, فذلك قوله: وَحَمَلَها الإنْسانُ إنّهُ كانَ ظَلُوما جَهُولاً.
ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا سفـيان, عن رجل, عن الضحاك بن مزاحم, فـي قوله: إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ علـى السّمَوَاتِ والأرْضِ والـجِبـالِ فَأَبَـيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَها الإنْسانُ إنّهُ كانَ ظَلُوما جَهُولاً قال آدم: قـيـل له: خذها بحقها, قال: وما حقها؟ قـيـل: إن أحسنت جُزيت, وإن أسأت عُوقبت, فما لبث ما بـين الظهر والعصر حتـى أخرج منها.
ـ حُدثت عن الـحسين, قال: سمعت أبـا معاذ يقول: أخبرنا عبـيد, قال: سمعت الضحاك يقول فـي قوله إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ علـى السّمَوَاتِ والأرْضِ والـجِبـالِ فلـم يطقن حمَلها, فهل أنت يا آدم آخذها بـما فـيها قال آدم: وما فـيها يا ربّ؟ قال: إن أحسنت جُزِيت, وإن أسأت عوقبت, فقال: تـحمّلتُها, فقال الله تبـارك وتعالـى: قد حملتكها فما مكث آدم إلا مقدار ما بـين الأولـى إلـى العصر حتـى أخرجه إبلـيس لعنه الله من الـجنة والأمانة: الطاعة.
ـ حدثنـي سعيد بن عمرو السكونـي, قال: حدثنا بقـية, قال: ثنـي عيسى بن إبراهيـم, عن موسى بن أبـي حبـيب, عن الـحكم بن عمرو, وكان من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال: قال النبـيّ صلى الله عليه وسلم: «إنّ الأمانَةَ والوَفـاءَ نَزَلا علـى ابْنِ آدَمَ مَعَ الأنْبِـياءِ, فأُرْسِلُوا بِهِ, فَمِنْهُمْ رَسُولُ اللّهِ, ومِنْهُمْ نَبِـيّ, وَمِنْهُمْ نَبِـيّ رَسُولٌ. نزل القرآن وهو كلام الله, ونزلت العربـية والعجمية, فعلـموا أمر القرآن, وعلـموا أمر السنن بألسنتهم, ولـم يدع الله شيئا من أمره مـما يأتون ومـما يجتنبون, وهي الـحجج علـيهم, إلا بَـيّنَةُ لهم, فلـيس أهل لسان إلا وهم يعرفون الـحسن من القبـيح. ثم الأمانة أوّل شيء يُرْفع, ويبقـى أثرها فـي جذور قلوب الناس, ثم يُرْفع الوفـاء والعهد والذمـم, وتبقـى الكتب, فعالـم يعمل, وجاهل يعرفها وينكرها حتـى وصل إلـيّ وإلـى أمتـي, فلا يَهْلِك علـى الله إلا هالك, ولا يُغْفِله إلا تارك, والـحذرَ أيها الناس, وإياكم والوسواس الـخناس, وإنـما يبلوكم أيكم أحسن عملا».
ـ حدثنـي مـحمد بن خـلف العَسْقلانـي, قال: حدثنا عبـيد بن عبد الـمـجيد الـحنفـيّ, قال: حدثنا العوّام العطار, قال: حدثنا قتادة, وأبـان بن أبـي عياش, عن خَـلِـيد العَصْري, عن أبـي الدرداء, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَمْسٌ مَنْ جاءَ بِهِنّ يَوْمَ القِـيامَةِ مَعَ إيـمانٍ دَخَـلَ الـجَنّةَ: مَن حافَظَ علـى الصّلَوَاتِ الـخَمْسِ, علـى وُضُوئهِنّ وَرُكُوعِهِنّ وَسُجُودِهِنّ وَمَوَاقِـيتِهِنّ, وأعْطَى الزّكاةَ مِنْ مالِهِ طَيّبَ النّفْسِ بِها» وكانَ يَقُولُ: «وَايْـمُ اللّهِ لا يفْعَلُ ذلكَ إلاّ مُؤْمِنٌ, وَصَامَ رَمَضَانَ, وَحَجّ البَـيْتَ إنِ اسْتَطاعَ إلـى ذِلك سَبِـيلاً, وأدّى الأمانَةَ» قالوا: يا أبـا الدرداء: وما الأمانة؟ قال: الغسل من الـجنابة, فإن الله لـم يأمن ابن آدم علـى شيء من دينه غيره.
ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفـيان, عن الأعمش, عن أبـي الضحى, عن مسروق, عن أُبـيّ بن كعب, قال: من الأمانة أن الـمرأة اؤتـمنت علـى فرجها.
ـ حدثنـي يونس, قال: حدثنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قول الله: إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ علـى السّمَوَاتِ والأرْضِ والـجِبـالِ فَأَبَـيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنْها قال: إن الله عرض علـيهنّ الأمانة أن يفترض علـيهنّ الدين, ويجعل لهنّ ثوابـا وعقابـا, ويستأمنهنّ علـى الدين, فقلن: لا, نـحن مسخرات لأمرك, لا نريد ثوابـا ولا عقابـا, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَعَرَضَها اللّهُ علـى آدَمَ, فقالَ: بـين أُذُنِـي وَعاتِقـي» قال ابن زيد, فقال الله له: أما إذ تـحملت هذا فسأعينك, أجعل لبصرك حجابـا, فإذا خشيت أن تنظر إلـى ما لا يحلّ لك, فأرْخ علـيه حجابه, وأجعل للسانك بـابـا وغلقا, فإذا خشيت فأغلق, وأجعل لفرجك لبـاسا, فلا تكشفه إلا علـى ما أحللت لك.
ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ علـى السّمَوَاتِ والأرْضِ والـجِبـالِ يعنـي به: الدين والفرائض والـحدود فَأَبَـيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنْها قـيـل لهنّ: احملنها تؤَدّين حقها, فقلن: لا نطيق ذلك وَحَمَلَها الإنْسانُ إنّهُ كانَ ظَلُوما جَهُولاً قـيـل له: أتـحملها؟ قال: نعم, قـيـل: أتؤدّي حقها؟ قال: نعم, قال الله: إنه كان ظلوما جهولاً عن حقها.
وقال آخرون: بل عنى بـالأمانة فـي هذا الـموضع: أمانات الناس. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا تـميـم بن الـمنتصر, قال: حدثنا إسحاق, عن شريك, عن الأعمش, عن عبد الله بن السائب, عن زاذان, عن عبد الله بن مسعود, عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القَتْلُ فِـي سَبِـيـلِ اللّهِ يُكَفّرُ الذّنُوبَ كُلّها أو قال: يُكَفّرُ كُلّ شَيْءٍ إلاّ الأمانَةَ يُؤْتَـى بصَاحِبِ الأمانَةِ, فَـيُقالُ لَهُ: أدّ أمانَتَكَ, فَـيَقُولُ: أي ربّ وَقَدْ ذَهَبَتِ الدّنْـيا, ثَلاثا فَـيُقالُ: اذْهَبُوا بِهِ إلـى الهَاوِيَةِ فَـيُذْهَبُ بِهِ إلَـيْها, فَـيَهْوِي فِـيها حتـى يَنْتَهِي إلـى قَعْرِها, فَـيَجِدُها هُناكَ كَهِيْئَتِها, فَـيَحْملُها, فَـيَضَعَها علـى عاتِقِهِ, فَـيَصْعَدُ بِها إلـى شَفِـيرِ جَهَنّـمَ, حتـى إذَا رأى أنّهُ قَدْ خَرَجَ زَلّتْ, فَهَوَى فِـي أثَرِها أبَدَ الاَبِدِينَ». قالوا: والأمانة فـي الصلاة, والأمانة فـي الصوم, والأمانة فـي الـحديث وأشدّ ذلك الودائع, فلقـيت البراء فقلت: ألا تسمع إلـى ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق.
قال: شريك, وثنـي عياش العامري عن زاذان, عن عبد الله بن مسعود, عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم بنـحوه, ولـم يذكر الأمانة فـي الصلاة, وفـي كلّ شيء.
ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: أخبرنـي عمرو بن الـحارث, عن ابن أبـي هلال, عن أبـي حازم, قال: إن الله عرض الأمانة علـى سماء الدنـيا, فأبت ثم التـي تلـيها, حتـى فرغ منها, ثم الأرضين ثم الـجبـال, ثم عرضها علـى آدم, فقال: نعم, بـين أذنـي وعاتقـي. فثلاث آمرك بهنّ, فإنهنّ لك عون: إنـي جعلت لك لسانا بـين لـحسيـين, فكفه عن كلّ شيء نهيتك عنه وجعلت لك فرجا وواريته, فلا تكشفه إلـى ما حرّمت علـيك.
وقال آخرون: بل ذلك إنـما عنى به ائتـمان آدم ابنه قابـيـل علـى أهله وولده, وخيانة قابـيـل أبـاه فـي قتله أخاه. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ فـي خبر ذكره عن أبـي مالك, وعن أبـي صالـح, عن ابن عبـاس, وعن مُرّة الهمدانـي, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم قال: كان لا يولد لاَدم مولود إلا وُلد معه جارية, فكان يزوّج غلامَ هذا البطن جارية هذا البطن الاَخر, ويزوّج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الاَخر, حتـى وُلد له اثنان, يقال لهما قابـيـل, وهابـيـل وكان قابـيـل صاحب زرع, وكان هابـيـل صاحب ضرع, وكان قابـيـل أكبرهما, وكان له أخت أحسن من أخت هابـيـل, وإن هابـيـل طلب أن يَنْكِح أخت قابـيـل, فأبى علـيه وقال: هي أختـي وُلدتْ معي, وهي أحسن من أختك, وأنا أحقّ أن أتزوّجها, فأمره أبوه أن يزوّجها هابـيـل فأبى, وإنهما قرّبـا قربـانا إلـى الله أيهما أحقّ بـالـجارية, وكان آدم يومئذ قد غاب عنهما, أي بـمكة ينظر إلـيها, قال الله لاَدم: يا آدم هل تعلـم أن لـي بـيتا فـي الأرض؟ قال: اللهمّ لا, قال: إن لـي بـيتا بـمكة فأته, فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بـالأمانة, فأبت وقال للأرض, فأبت فقال للـجبـال, فأبت فقال لقابـيـل, فقال: نعم, تذهب وترجع وتـجد أهلك كما يسرّك فلـما انطلق آدم وقرّبـا قربـانا, وكان قابـيـل يفخر علـيه فـيقول: أنا أحقّ بها منك, هي أختـي, وأنا أكبر منك, وأنا وصيّ والدي فلـما قرّبـا, قرّب هابـيـل جَذَعة سمينة, وقرّب هابـيـل حُزْمة سُنْبل, فوجد فـيها سنبلة عظيـمة, ففركها فأكلها, فنزلت النار فأكلت قُربـان هابـيـل, وتركت قُربـان قابـيـل, فغضب وقال: لأقتلنك حتـى لا تنكح أختـي, فقال هابـيـل إنّـمَا يَتَقَبّلُ اللّهُ مِنَ الـمُتّقِـينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إلـيّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِـي ما أنا بِبـاسِطٍ يَدِيَ إلَـيْكَ لأَقْتُلَكَ إنّـي أخافُ اللّهَ رَبّ العالَـمِينَ... إلـى قوله: فَطَوّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فطلبه لـيقتله, فراغ الغلام منه فـي رؤوس الـجبـال وأتاه يوما من الأيام, وهو يرْعَى غنـمه فـي جبل, وهو نائم, فرفع صخرة, فشدخ بها رأسه, فمات, وتركه بـالعَراء, ولا يعلـم كيف يُدْفَن, فبعث الله غرابـين أخوين فـاقتتلا, فقتل أحدهما صاحبه, فحفر له, ثم حثا علـيه فلـما رآه قال: يا وَيُـلَتا أعَجَزْتَ أنْ أكونَ مِثْلَ هَذَا الغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أخي, فهو قول الله تبـارك وتعالـى: فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابـا يَبْحَثُ فِـي الأرْضِ لِـيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوأَةَ أخِيهِ فرجع آدم فوجد ابنه قد قَتل أخاه, فذلك حين يقول: إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ علـى السّمَوَاتِ والأرْضِ والـجِبـالِ... إلـى آخر الاَية.
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب ما قاله الذين قالوا: إنه عُنِـي بـالأمانة فـي هذا الـموضع: جميع معانـي الأمانات فـي الدين, وأمانات الناس, وذلك أن الله لـم يخصّ بقوله: عَرَضنا الأمانَةَ بعضَ معانـي الأمانات لـما وصفنا.
وبنـحو قولنا قال أهل التأويـل فـي معنى قول الله: إنّهُ كانَ ظَلُوما جَهُولاً. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السديّ إنّهُ كانَ ظَلُوما جَهُولاً يعنـي قابـيـل حين حمل أمانة آدم لـم يحفظ له أهله.
ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيريّ, قال: حدثنا سفـيان, عن رجل, عن الضحاك, فـي قوله: وَحَملَها الإنسان قال آدم إنّهُ كانَ ظَلُوما جَهُولاً قال: ظلوما لنفسه, جهولاً فـيـما احتـمل فـيـما بـينه وبـين ربه.
ـ حدثنا علـيّ, قال: حدثنا أبو صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس إنّهُ كانَ ظَلُوما جَهُولاً غَرّ بأمر الله.
ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة إنّهُ كانَ ظَلُوما جَهُولاً قال: ظلوما لها, يعنـي للأمانة, جهولاً عن حقها.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:36 AM
البغوى
قوله عز وجل: 72- "إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال"، الآية. أراد بالأمانة الطاعة والفرائض التي فرضها الله على عباده، عرضها على السموات والأرض والجبال على أنهم إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم، وهذا قول ابن عباس. وقال ابن مسعود: الأمانة: أداء الصلوات، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وصدق الحديث، وقضاء الدين، والعدل في المكيال والميزان، وأشد من هذا كله الودائع. وقال مجاهد: الأمانة: الفرائض، وحدود الدين. وقال أبو العالية: ما أمروا به ونهوا عنه. وقال زيد بن أسلم: هو الصوم، والغسل من الجنابة، وما يخفى من الشرائع. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: أول ما خلق الله من الإنسان فرجه وقال: هذه أمانة استودعتكها، فالفرج أمانة، والعين أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له. وقال بعضهم: هي أمانات الناس، والوفاء بالعهود، فحق على كل مؤمن أن لا يغش مؤمناً ولا معاهداً في شيء قليل ولا كثير، وهي رواية الضحاك عن ابن عباس، فعرض الله هذه الأمانة على أعيان السموات والأرض والجبال، هذا قول ابن عباس وجماعة من التابعين وأكثر السلف، فقال لهن أتحملن هذه الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قال: إن أحسنتن جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن، فقلن: لا يا رب، نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثواباً ولا عقاباً، وقلن ذلك خوفاً وخشية وتعظيماً لدين الله أن لا يقوموا بها لا معصية ولا مخالفة، وكان العرض عليهن تخييراً لا إلزاماً ولو ألزمهن لم يمتنعن من حملها، والجمادات كلها خاضعة لله عز وجل مطيعة ساجدة له كما قال جل ذكره للسموات والأرض: "ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين" (فصلت-11)، وقال للحجارة: "وإن منها لما يهبط من خشية الله" (البقرة-74)، وقال تعالى: "ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب" (الحج-18) الآية. وقال بعض أهل العلم: ركب الله عز وجل فيهن العقل والفهم حين عرض الأمانة عليهن حتى عقلن الخطاب وأجبن بما أجبن. وقال بعضهم: المراد من العرض على السموات والأرض هو العرض على أهل السموات والأرض، عرضها على من فيها من الملائكة. وقيل: على أهلها كلها دون أعيانها، كقوله تعالى: " واسأل القرية " (يوسف-82)، أي: أهل القرية. والأول أصح، وهو قول العلماء. "فأبين أن يحملنها وأشفقن منها"، أي: خفن من الأمانة أن لا يؤدينها فليحقهن العقاب، "وحملها الإنسان"، يعني: آدم عليه السلام، فقال الله لآدم: إني عرضت الأمانة السموات والأرض والجبال فلم تطلقها فهل أنت آخذها بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن أحسنت جوزيت، وإن أسأت عوقبت، فتحملها آدم، وقال: بين أذني وعاتقي، قال الله تعالى: أما إذا تحملت فسأعينك، أجعل لبصرك حجاباً فإذا خشيت أن تنظر إلى مالا يحل لك فارخ عليه حجابه، وأجعل للسانك لحين غلقاً فإذا غشيت فأغلق، وأجعل لفرجك لباساً فلا تكشفه على ما حرمت عليك. قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها وبين أن خرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر والعصر. وحكى النقاش بإسناده عن ابن مسعود أنه قال: مثلت الأمانة كصخرة ملقاة، ودعيت السموات والأرض والجبال إليها فلم يقربوا منها، وقالوا: لا نطيق حملها، وجاء آدم من غير أن يدعى، وحرك الصخرة، وقال: لو أمرت بحملها لحملتها، فقلن له: احملها، فحملها إلى ركبتيه ثم وضعها، وقال والله لو أردت أن أزداد لزدت، فقلن له: احملها فحملها إلى حقوه، ثم وضعها، وقال: والله لو أردت أن أزداد لزدت، فقلن له: احمل فحملها حتى وضعها على عاتقه، فأراد أن يضعها قال الله: مكانك فإنها في عنقك وعنق ذريتك إلى يوم القيامة. "إنه كان ظلوماً جهولاً"، قال ابن عباس: ظلوماً لنفسه جهولاً بأمر الله وما احتمل من الأمانة. وقال الكلبي: ظلوماً حين عصى ربه، جهولاً لا يدري ما العقاب في ترك الأمانة. وقال مقاتل: ظلوماً لنفسه جهولاً بعاقبة ما تحمل. وذكر الزجاج: وغيره من أهل المعاني، في قوله وحملها الإنسان قولان، فقالوا: إن الله ائتمن آدم وأولاده على شيء وائتمن السموات والأرض والجبال على شيء، فالأمانة في حق بني آدم ما ذكرنا في الطاعة والقيام بالفرائض، والأمانة في حق السموات والأرض والجبال هي الخضوع والطاعة لما خلقهن له. وقيل: قوله: "فأبين أن يحملنها"، أي: أدين الأمانة، يقال: فلان لم يتحمل الأمانة أي: لم يخن فيها وحملها الإنسان أي: خان فيها، يقال: فلان حمل الأمانة أي: أثم فيها بالخيانة. قال الله تعالى: "وليحملن أثقالهم" (العنكبوت-13)، إنه كان ظلوماً جهولاً. حكى عن الحسن على هذا التأويل: إنه قال وحملها الإنسان يعني الكافر والمنافق، حملا الأمانة أي: خانا. وقول السلف ما ذكرنا.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:37 AM
الكشاف للزمخشرى
قوله {إنا عرضنا الأمانة} وهو يريد بالأمانة الطاعة فعظم أمرها وفخم شأنها وفيه وجهان أحدهما: أن هذه الأجرام العظام من السمات والأرض والجبال قد انقادت لأمر الله عز وعلا انقياد مثلها - وهو ما يتأتى من الجمادات - وأطاعت له الطاعة التي تصح منها وتليق بها. حيث لم تمتنع على مشيئته وإرادته إيجاداً وتكويناً وتسوية على هيئات مختلفة وأشكال متنوعة كما قال {قالتا أتينا طائعبن} [فصلت: 11] وأما الإنسان فلم تكن حاله - فيما يصح منه من الطابعات ويليق به من الانقياد لأوامر الله ونواهيه وهو حيوان عاقل صالح للتكليف - مثل الطابعات ويليق به من الانقياد لأوامر الله ونواهيه وهو حيوان عاقل صالح للتكيف - مثل حال تلك الجمادات وإباؤها وإشفاقها: مجاز. وأما حمل الأمانة لازمة الأداء. وعرضها على الجمادات وإيباؤها وإشفاقها: مجاز. وأما حمل الأمانة فمن قولك: قلان حامل للأمانة ومحتمل لها تريد أنه لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته ويخرج عن عهدتها لأن الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها وهو حاملها ألا تراهم يقولن: ركبته الديون ولي عليه حق فإذا أداها لم تبق راكبة له ولا هو حاملاً لها. ونحوه قولهم لا يملك مولى لمولى نصراً. يريدون: أنه يبذل النصرة له ويسامحه بها ولا يمسكها كما يمسكها الخاذل ومنه قول القائل:
أخوك الذي لا تمـلـك الـحـس نـفـسـه++++ وترفض عند المـحـفـظـات الكـتـائف
أي لا يمسك الرقة والعطف إمساك المالك الضنين ما في يده بل يبذل ذلك ويسمح به. ومنه قولهم أبغض حق أخيك لأنه إذا أحبه لم يخرجه إلى أخيه ولم يؤده وإذا أبغضه أخرجه وأداه فمعنى فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان فأبين إلا أن يؤدينها وأبى الإنسان إلا أن يكون محتملاً لها لا يؤديها. ثم وصفه بالظلم لكونه تاركاً لأداء الأمانة وبالجهل لإخطائه ما يسعده مع تمكنه منه وهو أداؤها. والثاني: أن ما كلفه الإنسان بلغ من عظمه وثقل محمله: أنه عرض على أعظم ما خلق الله من الجرام وأقواه وأشده: أن يتحمله ويستقل به فأبى حمله والاستقلال به وأشفق منه وحمله الإنسان على ضعفه ورخاوة قوته {إنه كان ظلوماً جهولاً} حيث حمل الأمانة ثم لم يف بها وضمنها ثم خاس بضمانه فيها ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب. وما جاء القرآن إلا على طرقهم وأساليبهم من ذلك قولهم: لو قيل للشحم: أين تذهب لقال: أسوي العوج وكم وكم لهم من أمثال على ألسنة البهائم والجمادات. وتصور مقاولة الشحم محال ولكن الغرض أن السمن في الحيوان مما يحسن قبيحه كما أن العجف مما يقبح حسنه فصور أثر السمن فيه تصويراً هو أوقع في نفس السامع وهي يه آنس وله أقبل وعلى حقيقته أوقف وكذلك تصوير عظم الأمانة وصعوبة أمرها وثقل محملها والوفاء بها. فإن قلت: قد علم وجه التمثيل في قلوهم للذي لا يثبت على رأي واحد: أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى لأنه مثلت حاله - في تميله وترحجه بين الرأيين وتركه المضي على أحدهما - بحال من يتردد في ذهابه فلا يجمع رجليه للمضي في وجهه. وكل واحد من الممثل والممثل به شيء مستقيم داخل تحت الصحة والمعرفة وليس كذلك ما في هذه الآية فإن عرض الأمانة على الجماد وإباءه وإشفاقه محال في نفسه غير مستقيم فكيف صح بناء التمثيل على المحال وإباءه وإشفاقه محال في نفسه غير مستقيم فكيف صح بناء التمثيل على المحال وما مقال هذا إلا أن تشبه شيئاً والمشبه به غير معقول.
قلت: الممثل به في الآية وفي قولهم: لو قيل للشحم أين تذهب. وفي نظائره مفروض والمفروضات تتخيل في الذهن كما المحققات: مثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحاله المفروضات تتخيل في الذهن كما المحققات: مثلت حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحاله المفروضة لو عضت على السموات والأرض والجبال لأبين أن يحملها وأشفقن منها.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:38 AM
البيضاوى
أنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة وسماها امانة من حيث إنها واجبة الاداء والمعنى إنها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه الاجرام العظام وكانت ذات شعور وادراك لابين أن يحملنها واشفقن منها وحملها الإنسان مع ضعيف بنيته ورخاوة قوته لا جرم فاز الراعي لها والقائم بحقوقها بخر الدارين انه كان ظلوما حيث لم يف بها ولم يراع حقها جهولا بكنه عاقبتها وهذا وصف للجنس باعتبار الاغلب ويقل المراد ب الأمانة الطاعة التي تعم الطبيعية والاختيارية وبعرضها استدعاؤها الذي يعم طلب الفعل من المختار وارادة صدوره من غيره وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن أدائها ومنه قولهم حامل الأمانة ومحتملها لمن لا يؤديها فتبرأ ذمته فيكون الاباء عنه اتيانا بما
يمكن أن يتأتى منه والظلم والجهالة الخيانة والتقصير وقيل انه تعالى لما خلق هذه الاجرام خلق فيها فهما وقال لها أني فرضت فريضة وخلقت جنة لمن اطاعني فيها ونارا لمن عصاني فقلن نحن مسخرات على ما خلقتنا لا نحتمل فريضة ولا نبغي ثوابا ولا عقابا ولما خلق آدم عرض عليه مثل ذلك فحمله وكان ظلوما لنفسه بتحمله ما يشق عليها جهولا بوخامة عاقبته ولعل المراد ب الأمانة العقل أو التكليف وبعرضها عليهن اعتبارها بالاضافة إلى استعدادهن وبإبائهن الاباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد وبحمل الإنسان قابليته واستعداده لها وكونه ظلوما جهولا لما غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية وعلى هذا يحسن أن يكون علة للحمل عليه فإن من فوائد العقل أن يكون مهيمنا على القوتين حافظا لهما عن التعدي ومجاوزة الحد ومعظم مقصود التكليف تعديلهما وكسر سورتهما ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات تعليل للحمل من حيث انه نتيجته كالتأديب للضرب في ضربته تأديبا وذكر التوبة في الوعد أشعار بأنهم كونهم ظلوما جهولا ي جبلتهم لا يخليهم عن فرطات وكان الله غفورا رحيما حيث تاب عن فرطاتهم واثاب بالفوز على طاعاتهم قال صلى الله عليه وسلم من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله أو ما ملكت يمينه اعطي الامان من عذاب القبر
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:39 AM
القرطبى
@ لما بين تعالى في هذه السورة من الأحكام ما بين، أمر بالتزام أوامره. والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور. روى الترمذي الحكيم أبو عبدالله: حدثنا إسماعيل بن نصر عن صالح بن عبدالله عن محمد بن يزيد بن جوهر عن الضحاك عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى لآدم يا آدم إني عرضت الأمانة على السموات والأرض فلم تطقها فهل أنت حاملها بما فيها فقال وما فيها يا رب قال إن حملتها أجرت وإن ضيعتها عذبت فاحتملها بما فيها فلم يلبث في الجنة إلا قدر ما بين صلاة الأولى إلى العصر حتى أخرجه الشيطان منها). فالأمانة هي الفرائض التي ائتمن الله عليها العباد. وقد اختلف في تفاصيل بعضها على أقوال؛ فقال ابن مسعود: هي في أمانات الأموال كالودائع وغيرها. وروي عنه أنها في كل الفرائض، وأشدها أمانة المال. وقال أبي بن كعب: من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها. وقال أبو الدرداء: غسل الجنابة أمانة، وإن الله تعالى لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها. وفي حديث مرفوع (الأمانة الصلاة) إن شئت قلت قد صليت وإن شئت قلت لم أصل. وكذلك الصيام وغسل الجنابة. وقال عبدالله بن عمرو بن العاص: أول ما خلق الله تعالى من الإنسان فرجه وقال هذه أمانة استودعتكها، فلا تلبسها إلا بحق. فإن حفظتها حفظتك فالفرج أمانة، والأذن أمانة، والعين أمانة، واللسان أمانة، والبطن أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له. وقال السدي: هي ائتمان آدم ابنه قابيل على ولده وأهله، وخيانته إياه في قتل أخيه. وذلك أن الله تعالى قال له:(يا آدم، هل تعلم أن لي بيتا في الأرض) قال:(اللهم لا قال: (فإن لي بيتا بمكة فأته) فقال للسماء: احفظي ولدي بالأمانة؟ فأبت، وقال للأرض: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للجبال كذلك فأبت. فقال لقابيل: احفظ ولدي بالأمانة، فقال نعم، تذهب وترجع فتجد ولدك كما يسرك. فرجع فوجده قد قتل أخاه، فذلك قوله تبارك وتعالى: "إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها". الآية. وروى معمر عن الحسن أن الأمانة عرضت على السموات والأرض والجبال، قالت: وما فيها؟ قيل لها: إن أحسنت جوزيت وإن أسأت عوقبت. فقالت لا. قال مجاهد: فلما خلق الله تعالى آدم عرضها عليه، قال: وما هي؟ قال: إن حسنت أجرتك وإن أسأت عذبتك. قال: فقد تحملتها يا رب. قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها إلى أن أخرج من الجنة إلا قدر ما بين الظهر والعصر. وروى علي بن طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: "إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال" قال: الأمانة الفرائض، عرضها الله عز وجل على السموات والأرض والجبال، إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم. فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله عز وجل ألا يقوموا به. ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها. قال النحاس: وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير. وقيل: لما حضرت آدم صلى الله عليه وسلم أمر أن يعرض الأمانة على الخلق، فعرضها فلم يقبلها إلا بنوه. وقيل: هذه ألأمانة هي ما أودعه الله تعالى في السموات والأرض والجبال والخلق، من الدلائل على ربوبيته أن يظهروها فأظهروها، إلا الإنسان فإنه كتمها وجحدها؛ قال بعض المتكلمين. ومعنى "عرضنا" أظهرنا، كما تقول: عرضت الجارية على البيع. والمعنى إنا عرضنا الأمانة وتضييعها على أهل السموات وأهل الأرض من الملائكة والإنس والجن "فأبين أن يحملنها" أي أن يحملن وزرها، كما قال جل وعز: "وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم" [العنكبوت: 13].
@قوله تعالى: "وحملها الإنسان" قال الحسن: المراد الكافر والمنافق. "إنه كان ظلوما" لنفسه "جهولا" بربه. فيكون على هذا الجواب مجازا، مثل: "واسأل القرية" [يوسف: 82]. وفيه جواب آخر على أن يكون حقيقة أنه عرض على السموات والأرض والجبال الأمانة وتضييعها وهي الثواب والعقاب، أي أظهر. لهن ذلك فلم يحملن وزرها، وأشفقت وقالت: لا أبتغي ثوابا ولا عقابا، وكل يقول: هذا أمر لا نطيقه، ونحن لك سامعون ومطيعون فيما أمرن به وسخرن له، قال الحسن وغيره. قال العلماء: معلوم أن الجماد لا يفهم ولا يجيب، فلا بد من تقدير الحياة على القول الأخير. وهذا العرض عرض تخيير لا إلزام. والعرض على الإنسان إلزام. وقال القفال وغيره: العرض في هذه الآية ضرب مثل، أي أن السموات والأرض على كبر أجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد. الشرائع، لما فيها من الثواب والعقاب، أي أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السموات والأرض والجبال، وقد كلفه الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل. وهذا كقول: "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل" [الحشر: 21] - ثم قال: - "وتلك الأمثال نضربها للناس" [الحشر: 21]. قال القفال: فإذا تقرر في أنه تعالى يضرب الأمثال، وورد علينا من الخبر ما لا يخرج إلا على ضرب المثل، وجب حمله عليه. وقال قوم: إن الآية من المجاز، أي إنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السموات والأرض والجبال، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت، فعبر عن هذا المعنى بقوله: "إنا عرضنا الأمانة" الآية.
وهذا كما تقول: عرضت الحمل على البعير فأباه، وأنت تريد قايست، قوته بثقل الحمل، فرأيت أنها تقصر عنه. وقيل: "عرضنا" بمعنى عارضنا الإمامة بالسموات والأرض والجبال فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة، ورجحت الأمانة بثقلها عليها. وقيل: إن عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال، إنما كان من آدم عليه السلام. وذلك أن الله تعالى لما استخلفه على ذريته، وسلطه على جميع ما في الأرض من الأنعام والطير والوحش، وعهد إليه عهدا أمره فيه ونهاه وحرم وأحل، فقبله ولم يزل عاملا به. فلما أن حضرته الوفاة سأل الله أن يعلمه من يستخلف بعده، ويقلده من الأمانة ما تقلده، فأمره أن يعرض ذلك على السموات بالشرط الذي أخذ عليه من الثواب إن أطاع ومن العقاب إن عصى، فأبين أن يقبلنه شفقا من عذاب الله. ثم أمره أن يعرض ذلك على الأرض والجبال كلها فأبياه. ثم أمره أن يعرض ذلك على ولده فعرضه عليه فقبله بالشرط، ولم يهب منه ما تهيبت السموات والأرض والجبال. "إنه كان ظلوما" لنفسه "جهولا" بعاقبة ما تقلد لربه. قال الترمذي الحكيم أبو عبدالله محمد بن علي: عجبت من هذا القائل من أين أتى بهذه القصة! فإن نظرنا إلى الآثار وجدناها بخلاف، ما قال، وإن نظرنا إلى ظاهره وجدناه بخلاف ما قال، وإن نظرنا إلى، باطنه وجدناه بعيدا مما قال! وذلك أنه ردد ذكر الأمانة ولم يذكر ما الأمانة، إلا أنه يومئ في مقالته. إلى أنه سلطه على جميع ما في، الأرض، وعهد الله إليه عهدا فيه أمره ونهيه وحله وحرامه، وزعم أنه أمره أن يعرض ذلك على، السموات والأرض والجبال؛ فما تصنع السموات والأرض والجبال بالحلال والحرام؟ وما التسليط على الأنعام والطير والوحش! وكيف إذا عرضه على ولده فقبله في أعناق ذريته من بعده. وفي مبتدأ الخبر في التنزيل أنه عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال - حتى ظهر الإباء منهم، ثم ذكر أن الإنسان حصلها، أي من قبل نفسه لا أنه حمل ذلك، فسماه "ظلوما" أي لنفسه، "جهولا" بما فيها. وأما الآثار التي هي بخلاف ما ذكر، فحدثني أبي رحمه الله قال حدثنا الفيض بن الفضل الكوفي حدثنا السري بن إسماعيل عن عامر الشعبي عن مسروق عن عبدالله بن مسعود قال: لما خلق الله الأمانة مثلها صخرة، ثم وضعها حيث شاء ثم دعا لها السموات والأرض والجبال ليحملنها، وقال لهن: إن هذه "الأمانة"، ولها ثواب وعليها عقاب؛ قالوا: يا رب، لا طاقة لنا بها؛ وأقبل الإنسان من قبل أن يدعي فقال للسموات والأرض والجبال: ما وقوفكم؟ قالوا: دعانا ربنا أن نحمل هذه فأشفقنا منها ولم نطقها؛ قال: فحركها بيده وقال: والله لو شئت أن أحملها لحملتها؛ فحملها حتى بلغ بها إلى ركبتيه، ثم وضعها وقال: والله لو شئت أن أزداد لازددت؛ قالوا: دونك! فحملها حتى بلغ بها حقويه، ثم وضعها وقال: والله لو شئت أن أزداد لازددت؛ قالوا: دونك، فحملها حتى وضعها على عاتقه، فلما أهوى ليضعها، قالوا: مكانك! إن هذه "الأمانة" ولها ثواب وعليها عقاب وأمرنا ربنا أن نحملها فأشفقنا منها، وحملتها أنت من غير أن تدعي لها، فهي في عنقك وفي أعناق ذريتك إلى يوم القيامة، إنك كنت ظلوما جهولا. وذكر أخبارا عن الصحابة والتابعين تقدم أكثرها. "وحملها الإنسان" أي التزم القيام بحقها، وهو في ذلك ظلوم لنفسه. وقال قتادة: للأمانة، جهول بقدر ما دخل فيه. وهذا تأويل ابن عباس وابن جبير. وقال الحسن: جهول بربه. قال: ومعنى "حملها" خان فيها. وقال الزجاج والآية في الكافر والمنافق والعصاة على قدرهم على هذا التأويل. وقال ابن عباس وأصحابه والضحاك وغيره: "الإنسان" آدم، تحمل الأمانة فما تم له يوم حتى عصى المعصية التي أخرجته من الجنة. وعن ابن عباس أن الله تعالى قال له: أتحمل هذه الأمانة بما فيها. قال وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت. قال: أنا أحملها بما فيها بين أذني وعاتقي. فقال الله تعالى له: إني سأعينك، قد جعلت لبصرك حجابا فأغلقه عما لا يحل لك، ولفرجك لباسا فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك. وقال قوم: "الإنسان" النوع كله. وهذا حسن مع عموم الأمانة كما ذكرناه أولا. وقال السدي: الإنسان قابيل. فالله أعلم.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:40 AM
ابن كثير
إِنّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لّيُعَذّبَ اللّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً
قال العوفي عن ابن عباس: يعني بالأمانة الطاعة وعرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم فلم يطقنها فقال لاَدم: إني قد عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم يطقنها فهل أنت آخذ بما فيها ؟ قال: يا رب وما فيها ؟ قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت فأخذها آدم فتحملها فذلك قوله تعالى, {وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الأمانة الفرائض, عرضها الله على السموات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم فكرهوا ذلك, وأشفقوا عليه من غير معصية, ولكن تعظيما لدين الله أن لا يقوموا بها ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها وهو قوله تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً} يعني غراً بأمر الله.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار, حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في هذه الاَية {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} قال: عرضت على آدم, فقال: خذها بما فيها, فإن أطعت غفرت لك, وإن عصيت عذبتك, قال: قبلت فما كان إلا مقدار ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الخطيئة, وقد روى الضحاك عن ابن عباس قريباً من هذا, وفيه نظر وانقطاع بين الضحاك وبينه, والله أعلم. وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن البصري وغير واحد: إن الأمانة هي الفرائض, وقال آخرون: هي الطاعة, وقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال أبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها. وقال قتادة: الأمانة الدين والفرائض والحدود, وقال بعضهم الغسل من الجنابة, وقال مالك عن زيد بن أسلم قال: الأمانة ثلاثة: الصلاة والصوم والاغتسال من الجنابة وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها بل متفقة وراجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها وهو أنه إن قام بذلك أثيب وإن تركها عوقب فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه إلا من وفق الله وبالله المستعان.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا عبد العزيز بن المغيرة البصري, حدثنا حماد بن واقد, يعني أبا عمر الصفار سمعت أبا معمر يعني عون بن معمر يحدث عن الحسن, يعني البصري أنه تلا هذه الاَية {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال} قال عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم, وحملة العرش العظيم, فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها ؟ قالت: وما فيها ؟ قال: قيل لها إن أحسنت جزيت, وإن أسأت عوقبت قالت: لا ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد, التي شدت بالأوتاد, وذللت بالمهاد, قال: فقيل لها هل تحملين الأمانة وما فيها ؟ قالت: وما فيها ؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت, قالت: لا ثم عرضها على الجبال الشم الشوامخ الصعاب الصلاب, قال قيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها ؟ قالت: وما فيها ؟ قال لها: إن أحسنت جزيت, وإن أسأت عوقبت قالت: لا.
وقال مقاتل بن حيان إن الله تعالى حين خلق خلقه جمع بين الإنس والجن والسموات والأرض والجبال فبدأ بالسموات فعرض عليهن الأمانة, وهي الطاعة, فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة, ولكن على الفضل والكرامة والثواب في الجنة ؟ فقلن: يا رب إنا لانستطيع هذا الأمر وليس بنا قوة ولكنا لك مطيعون, ثم عرض الأمانة على الأرضين فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها مني, وأعطيكن الفضل والكرامة في الدنيا ؟ فقلن: لا صبر لنا على هذا يا رب, ولا نطيق ولكنا لك سامعون مطيعون لا نعصيك في شيء أمرتنا به. ثم قرب آدم فقال له: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها ؟ فقال عند ذلك آدم: مالي عندك ؟ قال: يا آدم إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة, فلك عندي الكرامة والفضل, وحسن الثواب في الجنة, وإن عصيت, ولم ترعها حق رعاتها, وأسأت فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار, قال: رضيت يا رب, وأتحملها, فقال الله عز وجل عند ذلك قد حملتكها فذلك قوله تعالى: {وحملها الإنسان} رواه ابن أبي حاتم. وعن مجاهد أنه قال: عرضها على السموات فقالت: يا رب حملتني الكواكب وسكان السماء وما ذكر وما أريد ثواباً ولا أحمل فريضة. قال: وعرضها على الأرض فقالت: يا رب غرست في الأشجار وأجريت في الأنهار وسكان الأرض وما ذكر وما أريد ثواباً ولا أحمل فريضة, وقالت الجبال مثل ذلك قال الله تعالى: {وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً} في عاقبة أمره, وهكذا قال ابن جريج. وعن ابن أشوع أنه قال: لما عرض الله عليهن حمل الأمانة ضججن إلى الله ثلاثة أيام ولياليهن, وقلن: ربنا لا طاقة لنا بالعمل ولا نريد الثواب.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي, حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الموصلي, حدثنا أبي حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم في هذه الاَية {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض} الاَية, قال الإنسان بين أذني وعاتقي, فقال الله عز وجل: إني معينك عليها, إني معينك على عينيك بطبقتين, فإذا نازعاك إلى ما أكره فأطبق, ومعينك على لسانك بطبقتين, فإذا نازعك إلى ما أكره فأطبق, ومعينك على فرجك بلباس فلا تكشفه إلى ما أكره. ثم روي عن أبي حازم نحو هذا. وقال ابن جرير: حدثنا يونس, حدثناء ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال} الاَية, قال: إن الله تعالى عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين ويجعل لهن ثواباً وعقاباً, ويستأمنهن على الدين, فقلن لا, نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثواباً ولا عقاباً, قال: وعرض الله تبارك وتعالى على آدم فقال: بين أذني وعاتقي, قال ابن زيد: قال الله تعالى له: أما إذا تحملت هذا فسأعينك, أجعل لبصرك حجاباً فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك, فأرخ عليه حجابه واجعل للسانك باباً وغلقاً, فإذا خشيت فأغلق, وأجعل لفرجك لباساً فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك.
وقال ابن جرير: حدثني سعيد بن عمرو السكوني, حدثنا بقية, حدثنا عيسى بن إبراهيم عن موسى بن أبي حبيب عن الحكم بن عمير رضي الله عنه, وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء فأرسلوا به, فمنهم رسول الله, ومنهم نبي , ومنهم نبي رسول, ونزل القرآن وهو كلام الله, وأنزلت العجمية والعربية, فعلموا أمر القرآن, وعلموا أمر السنن بألسنتهم, ولم يدع الله تعالى شيئاً من أمره مما يأتون وما يجتنبون وهي الحجج عليهم إلا بينه لهم, فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح, ثم الأمانة أول شيء يرفع ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس, ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم وتبقى الكتب, فعالم يعمل وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها, حتى وصل إليّ وإلى أمتي, ولا يهلك على الله إلا هالك, ولا يغفله إلا تارك, فالحذر أيها الناس, وإياكم والوسواس الخناس, فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملاً» هذا حديث غريب جداً, وله شواهد من وجوه أخرى.
ثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن خلف العسقلاني, حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي, حدثنا أبو العوام القطان, حدثنا قتادة وأبان بن أبي عياش عن خليد العصري, عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن, وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها ـ وكان يقول ـ وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن وأدى الأمانة». قالوا: يا أبا الدرداء وما أداء الأمانة ؟ قال رضي الله عنه: الغسل من الجنابة, فإن الله تعالى لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره, وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري, عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي, عن أبي العوام عمران بن داود القطان به.
وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا تميم بن المنتصر, أخبرنا إسحاق عن شريك عن الأعمش, عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها ـ أو قال ـ يكفر كل شيء إلا الأمانة, يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أد أمانتك, فيقول أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقال له: أد أمانتك, فيقول أنى يارب وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقال له: أد أمانتك, فيقول أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقول: اذهبوا به إلى أمه الهاوية, فيذهب به إلى الهاوية, فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها فيجدها هنالك كهيئتها, فيحملها فيضعها على عاتقه فيصعد بها إلى شفير جهنم, حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت قدمه فهوى في أثرها أبد الاَبدين» قال: والأمانة في الصلاة, والأمانة في الصوم والأمانة في الوضوء, والأمانة في الحديث, وأشد ذلك الودائع, فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك عبد الله ؟ فقال: صدق.
وقال شريك: وحدثنا عياش العامري عن زاذان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه, ولم يذكر الأمانة في الصلاة وفي كل شيء, إسناده جيد, ولم يخرجوه. ومما يتعلق بالأمانة الحديث الذي رواه الإمام أحمد. حدثنا أبو معاوية, حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الاَخر, حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال, ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة. ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه, فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجته على رجلك, تراه منتبراً وليس فيه شيء ـ قال: ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله قال ـ فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلاً أميناً, حتى يقال للرجل ما أجلده وأظرفه وأعقله وما في قلبه حبة خردل من إيمان, ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت إن كان مسلماً ليردنه علي دينه, وإن كان نصرانياً أو يهودياً ليردنه علي ساعيه, فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلاناً وفلاناً. وأخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن, حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا. حفظ أمانة, وصدق حديث, وحسن خليقة, وعفة طعمة» هكذا رواه الإمام أحمد في مسند عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما, وقد قال الطبراني في مسنده عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما, حدثنا يحيى بن أيوب العلاف المصري, حدثنا سعيد بن أبي مريم, حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن ابن حجيرة عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة, وصدق حديث, وحسن خليقة, وعفة طعمة» فزاد في الإسناد ابن حجيرة وجعله في مسند ابن عمر رضي الله عنهما.
وقد ورد النهي عن الحلف بالأمانة, قال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد: حدثنا شريك عن أبي إسحاق الشيباني عن خناس بن سحيم أو قال: جبلة بن سحيم, قال: أقبلت مع زياد بن حدير من الجابية فقلت في كلامي لا والأمانة, فجعل زياد يبكي ويبكي فظننت أني أتيت أمراً عظيماً, فقلت له: أكان يكره هذا ؟ قال: نعم, كان عمر بن الخطاب ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي, وقد ورد في ذلك حديث مرفوع قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس, حدثنا زهير, حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي عن ابن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف بالأمانة فليس منا» تفرد به أبو داود رحمه الله.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:41 AM
الجلالين
(إنا عرضنا الأمانة) الصلوات وغيرها مما في فعلها من الثواب وتركها من العقاب (على السماوات والأرض والجبال) بأن خلق فيها فهما ونطقا (فأبين أن يحملنها وأشفقن) خفن (منها وحملها الإنسان) آدم بعد عرضها عليه (إنه كان ظلوما) لنفسه بما حمله (جهولا) به
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:42 AM
فتح القدير للشوكانى
"إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها". واختلف في تفسير هذه الأمانة المذكورة هنا، فقال الواحدي: معنى الأمانة ههنا في قوله جميع المفسرين الطاعة والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب. قال القرطبي: والأمانة تعم الجميع وصائف الدين على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور. وقد اختلف في تفاصيل بعضها، فقال ابن مسعود: هي في أمانة الأموال كالودائع وغيرها، وروي عنه أنها في كل الفرائض، وأشدها أمانة المال. وقال أبي بن كعب: من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها. وقال أبو الدرداء: غسر الجنابة أمانة، وإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها. وقال ابن عمر: أول ما خلق الله من الإنسان فرجه وقال: هذه أمانة استودعكها فلا تلبسها إلا بحق، فإن حفظتها حفظتك. فالفرج أمانة والأذن أمانة والعين أمانة واللسان أمانة والبطن أمانة واليد أمانة والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له. وقال السدي: هي ائتمان آدم ابنه قابيل على ولده هابيل وخيانته إياه في قتله. وما أبعد هذا القول، وليت شعري ما هو الذي سوغ للسدي تفسير هذه الآية بهذا، فإن كان ذلك لدليل دله على ذلكح فلا دليل، وليست هذه الآية حكاية عن الماضين من العباد حتى يكون له في ذلك متمسك أبعد من كل بعيد وأوهن من بيوت العنكبوت، وإن كان تفسير هذا عملاً بما تقتضيه اللغة العربية، فليس في لغة العرب ما يقتضي هذا ويوجب حمل هذه الأمانة المطلقة على شيء كان في أول هذا العالم، وإن كان هذا تفسيراً منه بمحض الرأين فليس الكتاب العزيز عرضه لتلاعب آراء الرجال به، ولهذا ورد الوعيد على من فسر القرآن برأيه، فاحذر أيها الطالب للحق عن قبول مثل هذه التفاسير واشدد يديك في تفسير كتاب الله على ما تقتضيه اللغة العربية، فهو قرآن عربي كما وصفه الله، فإن جاءك التفسير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تلتفت إلى غيره، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، وكذلك ما جاء عنه الصحابة رضي الله عنهم فإنهم من جملة العرب ومن أهل اللغة وممن جمع إلى اللغة العربية فعليك أن تضم إلى ما ذكره الصحابي ما تقتضيه لغة العرب وأسرارها، فخذ هذه كلية تنتفع بها، وقد ذكرنا في خطبة هذا التفسير ما يرشدك إلى هذا. قال الحسن: إن الأمانة عرضت على السموات والأرض والجبال فقالت: وما فيها؟ فقال لها: إن أحسنت آجرتك وإن أسأت عذبتك، فقالت لا. قال مجاهد: فلما خلق الله آدم عرضها عليه، وقيل له ذلك فقال: قد تحملتها. وروي نحو هذا عن غير حسن ومجاهد. قال النحاس: وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير. وقيل هذه الأمانة هي ما أودعه الله في السموات والأرض والجبال وسائر المخلوقات من الدلائل على ربوبيته أن يظهروها فأظهروها، إلا الإنسان فإنه كتمها وجحدها. كذا قال بعض المتكلمين مفسراً للقرآن برأيه الزائف، فيكون على هذا معنى عرضنا أظهرنا. قال جماعة من العلماء: ومن المعلوم أن الجماد لا يفهم ولا يجيب، فلا بد من تقدير الحياة فيها، وهذا العرض في الآية هو عرض تخيير لا عرض إلزام. وقال القفال وغيره: العرض في هذه الآية ضرب مثل: أي إن السموات والأرض والجبال على كبر أجرامها لو انت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع لما فيها من الثواب والعقاب: أي أن التكليف أمر عظيم حقه أن تعجز عنه السموات والأرض والجبال، وقد كلفه الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل، وهذا كقوله: "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل" وقيل إن عرضنا بمعنى عارضنا: أي عارضنا الأمانة بالسموات والأرض والجبال، فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة ورجحت الأمانة بثقلها عليها. وقيل إن عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال إنما كان من آدم عليه السلام، وأن الله أمره أن يعرض ذلك عليها، وهذا أيضاً تحريف لا تفسير، ومعنى "وحملها الإنسان" أي التزم بحقها، وهو في ذلك ظلوم لنفسه جهول لما يلزمه، أو جهول لقدر ما دخل فيه كما قال سعيد بن جبيرن أو جهول بربه كما قال الحسن. وقال الزجاج: معنى حملها خان فيها، وجعل الآية في الكفار والفساق والعصاة، وقيل معنى حملها: كلفها وألزمها، أو صار مستعداً لها بالفطرة، أو حملها عند عرضها عليه في عالم الذر عند خروج ذرية آدم من ظهره وأخذ الميثاق عليهم.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:43 AM
أضواء البيان للشنقيطى
{إِنَّا عَرَضْنَا ٱلاٌّمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلاٌّرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }. ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنه عرض الأمانة، وهي التكاليف مع ما يتبعها من ثواب وعقاب على السمٰوات والأرض والجبال، وأنهن أبين أن يحملنها وأشفقن منها، أي: خفن من عواقب حملها أن ينشأ لهنّ من ذلك عذاب اللَّه وسخطه، وهذا العرض والإباء، والإشفاق كلّه حق، وقد خلق اللَّه للسمٰوات والأرض والجبال إدراكًا يعلمه هو جلَّ وعلا، ونحن لا بعلمه، وبذلك الإدراك أدركت عرض الأمانة عليها، وأبت وأشفقت، أي: خافت.
ومثل هذا تدلّ عليه آيات وأحاديث كثيرة، فمن الآيات الدالَّة على إدرام الجمادات المذكور: قوله تعالىٰ في سورة «البقرة»، في الحجارة: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}، فصرّح بأن من الحجارة ما يهبط من خشية اللَّه، وهذه الخشية التي نسبها اللَّه لبعض الحجارة بإدراك يعلمه هو تعالىٰ.
ومن الآيات الدالَّة على ذلك قوله تعالىٰ: {تُسَبّحُ لَهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ ٱلسَّبْعُ وَٱلاْرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}، ومنها قوله تعالىٰ: {وَسَخَّرْنَا مَعَ * دَاوُودُ ٱلْجِبَالَ يُسَبّحْنَ}، إلى غير ذلك من الآيات.
ومن الأحاديث الصحيحة الدالَّة على ذلك قصة حنين الجذع، الذي كان يخطب عليه صلى الله عليه وسلم لما انتقل بالخطبة إلى المنبر، وهي في صحيح البخاري وغيره.
ومنها ما ثبت في صحيح مسلم عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنّه قال: «إني لأعرف حجرًا كان يسلّم عليّ في مكّة»، وأمثال هذا كثيرة. فكل ذلك المذكور في الكتاب والسنّة إنما يكون بإدراك يعلمه اللَّه، ونحن لا نعلمه؛ كما قال تعالىٰ: {وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}، ولو كان المراد بتسبيح الجمادات دلالتها على خالقها لكنا نفقهه، كما هو معلوم، وقد دلّت عليه آيات كثيرة.
وقوله تعالىٰ في هذه الآية الكريمة: {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}، الظاهر أن المراد بالإنسان ءادم عليه وعلى نبيّنا الصّلاة والسّلام، وأن الضمير في قوله: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}، راجع للفظ: {ٱلإِنسَـٰنَ}، مجرّدًا عن إرادة المذكور منه، الذي هو ءادم.
والمعنى: أنه أي الإنسان الذي لا يحفظ الأمانة {كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}، أي: كثير الظلم والجهل، والدليل على هذا أمران:
أحدهما: قرينة قرءانيّة دالَّة على انقسام الإنسان في حمل الأمانة المذكورة إلى معذّب ومرحوم في قوله تعالىٰ بعده، متّصلاً به: {لّيُعَذّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}، فدلّ هذا على أن الظلوم الجهول من الإنسان هو المعذب، والعياذ باللَّه، وهم المنافقون والمنافقات، والمشركون والمشركات، دون المؤمنين والمؤمنات. واللام في قوله: {لّيُعَذّبَ}: لام التعليل، وهي متعلّقة بقوله: {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ}.
الأمر الثاني: أن الأسلوب المذكور الذي هو رجوع الضمير إلى مجرّد اللفظ دون اعتبار المعنى التفصيلي معروف في اللغة التي نزل بها القرءان، وقد جاء فعلاً في آية من كتاب اللَّه، وهي قوله تعالىٰ {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ}؛ لأن الضمير في قوله: {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ}، راجع إلى لفظ المعمر دون معناه التفصيلي؛ كما هو ظاهر، وقد أوضحناه في سورة «الفرقان»، في الكلام على قوله تعالىٰ: {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً}، وبيّنا هناك أن هذه المسألة هي المعروفة عند علماء العربية بمسألة: عندي درهم ونصفه، أي: نصف درهم آخر، كما ترى. وبعض من قال من أهل العلم إن الضمير في قوله: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}، عائد إلى ءادم، قال: المعنى أنه كان ظلومًا لنفسه جهولاً، أي: غرًّا بعواقب الأموار، وما يتبع الأمانة من الصعوبات، والأظهر ما ذكرنا، والعلم عند اللَّه تعالىٰ.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:44 AM
ابن عاشور
(إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)
استئناف ابتدائي أفاد الأنباء على سنة عظيمة من سنن الله تعالى في تكوين العالم وما فيه وبخاصة الإنسان ليرقب الناس في تصرفاتهم ومعاملاتهم مع ربهم ومعاملات بعضهم مع بعض بمقدار جريهم على هذه السنة ورعيهم تطبيقا فيكون عرضهم أعمالهم على معيارها مشعرا لهم بمصيرهم ومبينا سبب تفضيل بعضهم على بعض واصطفاء بعضهم من بين بعض.
وموقع هذه الآية عقب ما قبلها وفي آخر هذه السورة يقتضي أن لمضمونها ارتباطا بمضمون ما قبلها،ويصلح عونا لاكتشاف دقيق معناها وإزالة ستور الرمز عن المراد منها،ولو بتقليل الاحتمال،والمصير إلى المآل.
والافتتاح بحرف التوكيد للاهتمام بالخبر أو تنزيله لغرابة شأنه منزلة ما قد ينكره السامع.
وافتتاح الآية بمادة العرض، وصوغها في صيغة المضي، وجعل متعلقها السماوات والأرض والجبال والإنسان يومئ إلى أن متعلق هذا العرض كان في صعيد واحد فيقتضي أنه عرض أزلي في مبدأ التكوين عند تعلق القدرة الربانية بإيجاد الموجودات الأرضية وإيداعها فصولها المقومة لمواهبها وخصائصها ومميزاتها الملائمة لوفائها بما خلقت لأجله كما حمل قوله )وإذ أخذ ربك من بين آدم من ظهور ذرياتهم( الآية.
واختتام الآية بالعلة من قوله )ليعذب الله المنافقين والمنافقات( إلى نهاية السورة يقتضي أن للأمانة المذكورة في هذه الآية مزيد اختصاص بالعبرة في أحوال المنافقين والمشركين من بين نوع الإنسان في رعي الأمانة وإضاعتها.
فحقيق بنا أن نقول: إن هذا العرض كان في مبدأ تكوين العالم ونوع الإنسان لأنه لما ذكرت فيه السماوات والأرض والجبال مع الإنسان علم أن المراد بالإنسان نوعه لأنه لو أريد بعض أفراده ولو في أول النشأة لما كان في تحمل ذلك الفرد الأمانة،بتعذيب المنافقين والمشركين،ولما كان في تحمل بعض أفراده دون بعض الأمانة حكمة مناسبة لتصرفات الله تعالى.
فتعريف الإنسان تعريف الجنس،أي نوع الإنسان.
والعرض: حقيقته إحضار شيء لآخر ليختاره أو يقبله ومنه عرض الحوض على الناقة، أي عرضه عليها أن تشرب منه، وعرض المجندين على الأمير لقبول من تأهل منهم. وفي حديث ابن عمر : عرضت على رسول الله وأنا ابن أربع عشرة فردني وعرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني . وتقدم عند قوله تعالى )أولئك يعرضون على ربهم( في سورة هود، وقوله )وعرضوا على ربك صفا( في سورة الكهف.
فقوله )عرضنا( هنا استعارة تمثيلية لوضع شيء في شيء لأنه أهل له دون بقية الأشياء،وعدم وضعه في بقية الأشياء لعدم تأهلها لذلك الشيء، فشبهت حالة صرف تحميل الأمانة عن السماوات والأرض والجبال ووضعها في الإنسان بحالة من يعرض شيئا على أناس فيرفضه بعضهم ويقبله واحد منهم على طريقة التمثيلية، أو تمثيل لتعلق علم الله تعالى بعدم صلاحية السماوات والأرض والجبال لإناطة ما عبر عنه بالأمانة بها وصلاحية الإنسان لذلك، فشهبت حالة تعلق علم الله بمخالفة قابلية السماوات والأرض والجبال بحمل الأمانة لقابلية الإنسان ذلك بعرض شيء على أشياء لاستظهار مقدار صلاحية أحد تلك الأشياء للتلبس بالشيء المعروض عليها.
وفائدة هذا التمثيل تعظيم أمر هذه الأمانة إذ بلغت أن لا يطيق تحملها ما هو أعظم ما يبصره الناس من أجناس الموجودات. فتخصيص )السماوات والأرض( بالذكر من بين الموجودات لأنهما أعظم المعروف للناس من الموجودات، وعطف )الجبال( على )الأرض( وهي منها لأن الجبال أعظم الأجزاء المعروفة من ظاهر الأرض وهي التي تشاهد الأبصار عظمتها إذ الأبصار لا ترى الكرة الأرضية كما قال تعالى)لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله(.
وقرينة الاستعارة حالية وهي عدم صحة تعلق العرض والإباء بالسماوات والأرض والجبال لانتفاء إدراكها فأنى لها أن تختار وترفض وكذلك الإنسان باعتبار كون المراد كمه جنسه وماهيته لأن الماهية لا تفاوض ولا تختار كما يقال :الطبيعة عمياء،أي لا اختيار لها،أي للجبلة وإنما تصدر منها آثارا قسرا.
ولذلك فأفعال )عرضنا، وأبين، ويحملنها، وأشفقن منها، وحملها( أجزاء للمركب التمثيلي. وهذه الأجزاء صالحة لأن يكون كل منها استعارة مفردة بأن يشبه إيداع الأمانة في الإنسان وصرفها عن غيره بالعرض، ويشبه عدم مصحح مواهي السماوات والأرض والجبال لإيداع الأمانة فيها بالإباء، ويشبه الإيداع بالتحميل والحمل،ويشبه عدم التلاؤم بين مواهي السماوات والأرض والجبال بالعجز عن قبول تلك الكائنات إياها وهو المعبر عنه بالإشفاق،ويشبه التلاؤم ومصحح القبول لإيداع وصف الأمانة في الإنسان بالحمل للثقل.
ومثل هذه الاستعارات كثير في الكلام البليغ. وصلوحية المركب التمثيلي للانحلال بأجزائه إلى استعارات معدود من كمال بلاغة ذلك التمثيل.
وقد عدت هذه الآية من مشكلات القرآن وتردد المفسرون في تأويلها ترددا دل على الحيرة في تقويم معناها.ومرجع ذلك إلى تقويم معنى العرض على السماوات والأرض والجبال، وإلى معرفة معنى الأمانة، ومعرفة معنى الإباء والإشفاق.
فأما العرض فقد استبانت معانيه بما علمت من طريقة التمثيل. وأما الأمانة فهي ما يؤتمن عليه ويطالب بحفظه والوفاء دون إضاعة ولا إجحاف، وقد اختلف فيها المفسرون على عشرين قولا وبعضها متداخل في بعض ولنبتدئ بالإلمام بها ثم نعطف إلى تمحيصها وبيانها.
فقيل: الأمانة الطاعة، وقيل: الصلاة، وقيل: مجموع الصلاة والصوم والاغتسال، وقيل: جميع الفرائض، وقيل الانقياد إلى الدين، وقيل: حفظ الفرج، وقيل: الأمانة التوحيد، أو دلائل الوحدانية، أو تجليات الله بأسمائه، وقيل: ما يؤتمن عليه ومنه الوفاء بالعهد، ومنه انتفاء الغش بالعمل، وقيل: الأمانة العقل، وقيل: الخلافة، أي خلافة الله في الأرض التي أودعها الإنسان كما قال تعالى )وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة( الآية.
وهذه الأقوال ترجع إلى أصناف: صنف الطاعات والشرائع، وصنف العقائد، وصنف ضد الخيانة، وصنف العقل، وصنف خلافة الأرض.
ويجب أن يطرح منها صنف الشرائع لأنها ليست لازمة لفطرة الإنسان فطالما خلت أمم عن التكليف بالشرائع وهم أهل الفتر فتسقط ستة أقوال وهي ما في الصنف الأول.
ويبقى سائر الأصناف لأنها مرتكزة في طبع الإنسان وفطرته؛ فيجوز أن تكون الأمانة أمانة الإيمان، أي توحيد الله، وهي العهد الذي أخذه الله على جنس بني آدم وهو الذي في قوله تعالى )وإذ أخذ ربك من بني أدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا( وتقدم في سورة الأعراف. فالمعنى: أن الله أودع في نفوس الناس دلائل الوحدانية فهي ملازمة للفكر البشري فكأنها عهد الله لهم به وكأنه أمانة ائتمنهم عليها لأنه أودعها في الجبلة ملازمة لها، وهذه الأمانة لم تودع في السماوات والأرض والجبال لأن هذه الأمانة من قبيل المعارف والمعارف من العلم الذي لا يتصف به إلا من قامت به صفة الحياة لأنها مصححة الإدراك لمن قامت به، ويناسب هذا المحمل قوله )ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات(، فإن هذين الفريقين خالون من الإيمان بوحدانية الله.
ويجوز أن تكون الأمانة هي العقل وتسميته أمانة تعظيم لشأنه ولأن الأشياء النفسية تودع عند من يحتفظ بها.
والمعنى: أن الحكمة اقتضت أن يكون الإنسان مستودع العقل من بين الموجودات العظيمة لأن خلقته ملائمة لأن يكون عاقلا فإن العقل يبعث على التغير والانتقال من حال إلى حال ومن مكان إلى غيره، فلو جعل ذلك في سماء من السماوات أو في الأرض أو في جبل من الجبال أو جميعها لكان سببا في اضطراب العوالم واندكاكها. وأقرب الموجودات التي تحمل العقل أنواع الحيوان ما عدا الإنسان فلو أودع فيها العقل لما سمحت هيئات أجسامها بمطاوعة ما يأمرها العقل به.فلنفرض أن العقل يسول للفرس أن لا ينتظر علفه أو سومه وأن يخرج إلى حناط يشتري منه علفا، فإنه لا يستطيع في الإفهام ثم لا يتمكن من تسليم العوض بيده إلى فرس غيره. وكذلك إذا كانت معاملته مع أحد من نوع الإنسان.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:44 AM
السعدى
"إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا "
إنا عرضنا الأمانة -التي ائتمن الله عليها المكلفين من امتثال الأوامر واجتناب النواهي- على السموات والأرض والجبال, فأبين أن يحملنها, وخفن أن لا يقمن بأدائها, وحملها الإنسان والتزم بها على ضعفه, إنه كان شديد الظلم والجهل لنفسه.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:46 AM
تفسير آية 32 من سورة فاطر
( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، ذلك هو الفضل الكبير)
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:47 AM
ابن كثير
++++ ثُمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
يقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم المصدق لما بين يديه من الكتب الذين اصطفينا من عبادنا وهم هذه الأمة, ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع, فقال تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه} وهو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات {ومنهم مقتصد} وهو المؤدي للواجبات, التارك للمحرمات, وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات, {ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} وهو الفاعل للواجبات والمستحبات, التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} قال: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم, ورثهم الله تعالى كل كتاب أنزله, فظالمهم يغفر له, ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً, وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح وعبد الرحمن بن معاوية العتبي قالا: حدثنا أبو الطاهر بن السرح, حدثنا موسى بن عبد الرحمن الصنعاني. حدثنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات يوم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». قال ابن عباس رضي الله عنهما: «السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب, والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله, والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم, وكذا روي عن غير واحد من السلف أن الظالم لنفسه من هذه الأمة من المصطفين على ما فيه من عوج وتقصير. وقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة ولا من المصطفين الوارثين للكتاب.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق, حدثنا ابن عيينة عن عمرو عن ابن عباس رضي الله عنهما فمنهم ظالم لنفسه قال هو الكافر وكذا روى عنه عكرمة, وبه قال عكرمة أيضاً فيما رواه ابن جرير. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه} قال: هم أصحاب المشأمة. وقال مالك عن زيد بن أسلم والحسن وقتاده: هو المنافق, ثم قد قال ابن عباس والحسن وقتاده: وهذه الأقسام الثلاثة كالأقسام الثلاثة المذكورة في أول سورة الواقعة وآخرها, والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة, وهذا اختيار ابن جرير, كما هو ظاهر الأية, وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق يشد بعضها بعضاً ونحن إن شاء الله تعالى نورد منها ما تيسر.
(الحديث الأول) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا شعبة عن الوليد بن العيزار أنه سمع رجلاً من ثقيف يحدث عن رجل من كنانة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الأية {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} قال «هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة, وكلهم في الجنة» هذا حديث غريب من هذا الوجه, وفي إسناده من لم يسم, وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث شعبه به نحوه. ومعنى قوله بمنزلة واحدة, أي في أنهم من هذه الأمة, وأنهم من أهل الجنة وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة.
(الحديث الثاني) قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى, حدثنا أنس بن عياض الليثي أبو ضمرة عن موسى بن عقبة, عن علي بن عبد الله الأزدي عن أبي الدرداء رضي الله عنه, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «قال الله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب, وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حساباً يسيراً وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذي يحبسون في طول المحشر, ثم هم الذين تلاقاهم الله برحمته, فهم الذين يقولون {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لايمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب}.
(طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم, حدثنا الحسين بن حفص, حدثنا سفيان عن الأعمش, عن رجل, عن أبي ثابت, عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ثم أورثنا الكتاب اصطفينا من عبادنا, فمنهم ظالم لنفسه ـ قال ـ فأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يصيبه الهم والحزن, ثم يدخل الجنة» ورواه ابن جرير من حديث سفيان الثوري عن الأعمش قال: ذكر أبو ثابت أنه دخل المسجد, فجلس إلى جنب أبي الدرداء رضي الله عنه, فقال: اللهم آنس وحشتي, وارحم غربتي ويسر لي جليساً صالحاً, فقال أبو الدرداء رضي الله عنه: لئن كنت صادقاً لأنا أسعد بك منك, سأحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أحدث به منذ سمعته منه وذكر هذه الاَية {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات}, فأما السابق بالخيرات فيدخلها بغير حساب, وأما المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً, وأما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن, وذلك قوله تعالى: {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن}.
(الحديث الثالث) قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس, حدثنا ابن مسعود, أخبرنا سهل بن عبد ربه الرازي, حدثنا عمرو بن أبي قيس عن ابن أبي ليلى عن أخيه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} الاَية, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلهم من هذه الأمة».
(الحديث الرابع) قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عزيز, حدثنا سلامة عن عقيل عن ابن شهاب عن عوف بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أمتي ثلاثة أثلاث: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب, وثلث يحاسبون حساباً يسيراً ثم يدخلون الجنة, وثلث يمحصون ويكشفون, ثم تأتي الملائكة فيقولون وجدناهم يقولون: لا إله إلا الله وحده, يقول الله تعالى صدقوا لا إله إلا أنا أدخلوهم الجنة بقولهم لا إله إلا الله وحده, واحملوا خطاياهم على أهل النار, وهي التي قال الله تعالى: {وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم} وتصديقها في التي فيهاذكر الملائكة, قال الله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} فجعلهم ثلاثة أنواع, وهم أصناف كلهم, فمنهم ظالم لنفسه, فهذا الذي يمحص ويكشف» غريب جداً.
(أثر عن ابن مسعود) رضي الله عنه. قال ابن جرير: حدثني ابن حميد, حدثنا الحكم بن بشير عن عمرو بن قيس عن عبد الله بن عيسى رضي الله عنه عن يزيد بن الحارث, عن شقيق أبي وائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب, وثلث يحاسبون حساباً يسيراً, وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول الله عز وجل: ما هؤلاء ؟ وهو أعلم تبارك وتعالى فتقول الملائكة: هؤلاء جاؤوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا بك شيئاً, فيقول الرب عز وجل: أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي وتلا عبد الله رضي الله عنه هذه الأية {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} الاَية.
(أثر آخر) قال أبو داود الطيالسي عن الصلت بن دينار بن الأشعث عن عقبة بن صهبان الهنائي قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه} الاَية, فقالت لي: يا بني هؤلاء في الجنة, أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم, شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحياة والرزق, وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به, وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم, قال: فجعلت نفسها رضي الله عنها معنا, وهذا منها رضي الله عنها من باب الهضم والتواضع, وإلا فهي من أكبر السابقين بالخيرات لأن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه في قوله تبارك وتعالى: {فمنهم ظالم لنفسه} قال: هي لأهل بدونا ومقتصدنا أهل حضرنا, وسابقنا أهل الجهاد, رواه ابن أبي حاتم.
وقال عوف الأعرابي: حدثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: حدثنا كعب الأحبار رحمة الله عليه, قال: إن الظالم لنفسه من هذه الأمة والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة, ألم تر أن الله تعالى قال: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها ـ إلى قوله عز وجل ـ والذين كفروا لهم نار جهنم} قال: فهؤلاء أهل النار, رواه ابن جرير من طرق عن عوف به ثم قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم, حدثنا ابن علية, أخبرنا حميد عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن أبيه قال: إن ابن عباس رضي الله عنهما سأل كعباً عن قوله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ـ إلى قوله ـ بإذن الله} قال: تماست مناكبهم ورب كعب, ثم أعطوا الفضل بأعمالهم.
ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد, حدثنا الحكم بن بشير, حدثنا عمرو بن قيس عن أبي إسحاق السبيعي في هذه الأية {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} الاَية, قال أبو إسحاق: أما ما سمعت من ذي ستين سنة فكلهم ناج, ثم قال: حدثنا ابن حميد, حدثنا الحكم, حدثنا عمرو عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه قال: إنها أمة مرحومة, الظالم مغفور له, والمقتصد في الجنان عند الله, والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله. ورواه الثوري عن إسماعيل بن سميع عن رجل عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه بنحوه.
وقال أبو الجارود: سألت محمد بن علي ـ يعني الباقر ـ رضي الله عنهما عن قول الله تعالى {فمنهم ظالم لنفسه} فقال: هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً. فهذا ما تيسر من إيراد الأحاديث والاَثار المتعلقة بهذا المقام. وإِذا تقرر هذا, فإِن الاَية عامة في جميع الأقسام الثلاثة في هذه الأمة, فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة, وأولى الناس بهذه الرحمة, فإنهم كما قال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا محمد بن يزيد, حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة عن قيس بن كثير قال: قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء رضي الله عنه وهو بدمشق, فقال: ما أقدمك أي أخي ؟ قال: حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: أما قدمت لتجارة ؟ قال: لا, قال: أما قدمت لحاجة ؟ قال: لا, قال: أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث ؟ قال: نعم. قال رضي الله عنه: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقاً يطلب فيها علماً, سلك الله تعالى به طريقاً إلى الجنة, وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم, وإنه ليستغفر للعالم من في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء, وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب, إن العلماء هم ورثة الأنبياء, وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً, وإنما ورثوا العلم, فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث كثير بن قيس, ومنهم من يقول قيس بن كثير عن أبي الدرداء رضي الله عنه وقد ذكرنا طرقه واختلاف الرواة فيه في شرح كتاب العلم من صحيح البخاري, ولله الحمد والمنة, وقد تقدم في أول سورة طه حديث ثعلبة بن الحكم رضي الله عنه, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى يوم القيامة للعلماء: إني لم أضع علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي».
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:48 AM
الطبرى
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {ثُمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ }.
اختلف أهل التأويـل فـي معنى الكتاب الذي ذكر الله فـي هذه الاَية أنه أورثه الذين اصطفـاهم من عبـاده, ومن الـمصطفون من عبـاده, والظالـم لنفسه, فقال بعضهم: الكتاب: هو الكتب التـي أنزلها الله من قبل الفُرقان, والـمصطفون من عبـاده: أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم, والظالـم لنفسه: أهل الإجرام منهم. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا علـيّ, قال: حدثنا أبو صالـح, قال: ثنـي معاوية, عن علـيّ, عن ابن عبـاس, قوله: ثُمّ أَوْرَثْنا الكِتابَ... إلـى قوله: الفَضْلُ الكَبِـيرُ هم أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم, ورّثهم الله كل كتاب أنزله, فظالـمهم يغفر له, ومقتصدهم يحاسب حسابـا يسيرا, وسابقهم يدخـل الـجنة بغير حساب.
ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا الـحكم بن بشير, قال: حدثنا عمرو بن قـيس, عن عبد الله بن عيسى, عن يزيد بن الـحارث, عن شقـيق, عن أبـي وائل, عن عبد الله بن مسعود أنه قال: هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القـيامة: ثلث يدخـلون الـجنة بغير حساب, وثلث يحاسبون حسابـا يسيرا, وثلث يجيئون بذنوب عظام, حتـى يقول: ما هؤلاء؟ وهو أعلـم تبـارك وتعالـى, فتقول الـملائكة: هؤلاء جاؤوا بذنوب عظام إلاّ أنهم لـم يُشركوا بك, فـيقول الربّ: أدخـلوا هؤلاء فـي سعة رحمتـي. وتلا عبد الله هذه الاَية: ثُمّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا.
ـ حدثنا حميد بن مسعدة, قال: حدثنا يزيد بن زريع, قال: حدثنا عون, قال: حدثنا عبد الله بن الـحارث بن نوفل, قال: حدثنا كعب الأحبـار أن الظالـم لنفسه من هذه الأمة, والـمقتصد, والسابق بـالـخيرات: كلهم فـي الـجنة ألـم تر أن الله قال: ثُمّ أوْرَثْنا الكِتابَ الّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا... إلـى قوله: كُلّ كَفُورٍ.
حدثنـي علـيّ بن سعيد الكندي, قال: حدثنا عبد الله بن الـمبـارك, عن عوف, عن عبد الله بن الـحارث بن نوفل, قال: سمعت كعبـا يقول: فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ بإذْنِ اللّهِ قال: كلهم فـي الـجنة, وتلا هذه الاَية: جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُـلُونَها.
حدثنا الـحسن بن عرفة, قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري, عن عوف بن أبـي جبلة, قال: حدثنا عبد الله بن الـحارث بن نوفل, قال: حدثنا كعب أن الظالـم من هذه الأمة, والـمقتصد, والسابق بـالـخيرات, كلهم فـي الـجنة ألـم تر أن الله قال: ثُمّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا... إلـى قوله: لُغُوبِ والذين كفروا لهم نار جهنـم, قال: قال كعب: فهؤلاء أهل النار.
حدثنـي يعقوب, قال: حدثنا ابن علـية, عن عوف, قال: سمعت عبد الله بن الـحارث يقول: قال كعب: إن الظالـم لنفسه, والـمقتصد, والسابق بـالـخيرات من هذه الأمة: كلهم فـي الـجنة, ألـم تر أن الله يقول: ثُمّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا... حتـى بلغ قوله: جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُـلُونَها.
ـ حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا ابن علـية, قال: أخبرنا حميد, عن إسحاق بن عبد الله بن الـحارث عن أبـيه, أن ابن عبـاس سأل كعبـا عن قوله تعالـى: ثُمّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا... إلـى قوله: بإذْنِ اللّهِ فقال: تـماست مناكبهم ورب الكعبة, ثم أعطوا الفضل بأعمالهم.
ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا الـحكم بن بشير, قال: حدثنا عمرو بن قـيس, عن أبـي إسحاق السبـيعي, فـي هذه الاَية: ثُمّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الّذِينَ اصْطَفَـيْنا قال: قال أبو إسحاق: أما ما سمعت منذ ستـين سنة, فكلهم ناج.
ـ قال: ثنا عمرو, عن مـحمد بن الـحنفـية, قال: إنها أمة مرحومة الظالـم مغفور له, والـمقتصد فـي الـجنات عند الله, والسابق بـالـخيرات فـي الدرجات عند الله.
وقال آخرون: الكتاب الذي أورث هؤلاء القوم, هو شهادة أن لا إله إلاّ الله والـمصطفون هم أمة مـحمد صلى الله عليه وسلم والظالـم لنفسه منهم هو الـمنافق, وهو فـي النار والـمقتصد, والسابق بـالـخيرات فـي الـجنة. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا أبو عمار الـحسين بن حريث الـمروزي, قال: حدثنا الفضل بن موسى, عن حسين بن واقد, عن يزيد, عن عكرمة, عن عبد الله فَمِنهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ قال: اثنان فـي الـجنة, وواحد فـي النار.
ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس, قوله ثُمّ أوْرَثْنا الكِتابَ الّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا... إلـى آخر الاَية, قال: جعل أهل الإيـمان علـى ثلاثة منازل, كقوله: أصحَابُ الشّمالِ ما أصحَابُ الشّمال وأصحَابُ الـيَـمِينِ ما أصحَابُ الـيَـمِينِ والسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولَئِكَ الـمُقَرّبُونَ فهم علـى هذا الـمثال.
ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا يحيى بن واضح, قال: حدثنا الـحسين, عن يزيد, عن عكرمة فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ... الاَية, قال: الاثنان فـي الـجنة, وواحد فـي النار, وهي بـمنزلة التـي فـي الواقعة: وأصحَابُ الـيَـمِينِ ما أصحَابُ الـيَـمِينِ وأصحَابُ الشّمالِ ما أصحَابُ الشّمالِ والسّابِقونَ السّابِقُونَ.
ـ حدثنا سهل بن موسى, قال: حدثنا عبد الـمـجيد, عن ابن جريج, عن مـجاهد, فـي قوله: ثُمّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ قال: هم أصحاب الـمشأمة وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ قال: هم أصحاب الـميـمنة وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْراتِ قال: هم السابقون من الناس كلهم.
ـ حدثنا الـحسن بن عرفة قال: حدثنا مروان بن معاوية, قال: قال عوف, قال الـحسن: أما الظالـم لنفسه فإنه هو الـمنافق, سقط هذا. وأما الـمقتصد والسابق بـالـخيرات, فهما صاحبـا الـجنة.
حدثنـي يعقوب, قال: حدثنا ابن علـية, عن عوف, قال: قال الـحسن: الظالـم لنفسه: الـمنافق.
ـ حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ثمّ أوْرَثْنا الكِتابَ الّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا شهادة أن لا إله إلاّ الله فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ هذا الـمنافق فـي قول قتادة والـحسن وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ قال: هذا صاحب الـيـمين وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ قال: هذا الـمقرّب. قال قتادة: كان الناس ثلاث منازل فـي الدنـيا, وثلاث منازل عند الـموت, وثلاث منازل فـي الاَخرة. أما الدنـيا, فكانوا: مؤمن, ومنافق, ومشرك. وأما عند الـموت, فإن الله قال: فأمّا إنْ كانَ مِنَ الـمُقَرّبِـينَ فَرْوحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنّةُ نَعِيـمٍ وأمّا إنْ كانَ مِنْ أصحَابِ الـيَـمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أصحَابِ الـيَـمينِ وأمّا إنْ كانَ مِنَ الـمُكَذّبِـينَ الضّالّـينَ فَنُزُلٌ منْ حَمِيـمٍ وَتَصْلِـيَةُ جَحِيـمٍ. وأما فـي الاَخرة فكانوا أزواجا ثلاثة, وأصحَابُ الـمَيْـمَنَةِ ما أصحَابُ الـمَيْـمَنَةِ وأصحَابُ الـمَشأمَةِ ما أصحَابُ الـمَشْأَمَةِ والسّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولَئِكَ الـمُقَرّبُونَ.
حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, قوله: ثُمّ أوْرَثْنا الكِتابَ الّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ قال: هم أصحاب الـمشأمة وَمِنْهُمْ مُقْتَصِد قال: أصحاب الـميـمنة, وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ قال: فهم السابقون من الناس كلهم.
حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء, جميعا عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: ثُمّ أوْرَثْنا الكِتابَ الّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ قال: سقط هذا وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ بإذْنِ اللّهِ قال: سبق هذا بـالـخيرات, وهذا مقتصد علـى أثره.
وأولـى الأقوال فـي ذلك بـالصواب تأويـل من قال: عنى بقوله: ثُمّ أوْرَثْنا الكِتابَ الّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا الكتب التـي أُنزلت من قبل الفرقان.
فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه, وأمة مـحمد صلى الله عليه وسلم لا يتلون غير كتابهم, ولا يعملون إلاّ بـما فـيه من الأحكام والشرائع؟ قـيـل: إن معنى ذلك علـى غير الذي ذهبت إلـيه, وإنـما معناه: ثم أورثنا الإيـمان بـالكتاب الذين اصطفـينا, فمنهم مؤمنون بكلّ كتاب أنزله الله من السماء قبل كتابهم وعاملون به, لأن كل كتاب أنزل من السماء قبل الفرقان, فإنه يأمر بـالعمل بـالفرقان عند نزوله, وبـاتبـاع من جاء به, وذلك عمل من أقرّ بـمـحمد صلى الله عليه وسلم, وبـما جاء به, وعمل بـما دعاه إلـيه بـما فـي القرآن, وبـما فـي غيره من الكتب التـي أنزلت قبله.
وإنـما قـيـل: عنى بقوله ثُمّ أوْرَثْنا الكتابَ الكتب التـي ذكرنا لأن الله جلّ ثناؤه قال لنبـيه مـحمد صلى الله عليه وسلم وَالّذِي أوْحَيْنَا إلَـيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الـحَقّ مُصَدّقا لِـمَا بَـيْنَ يَدَيْهِ ثم أتبع ذلك قوله ثُمّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الّذِينَ اصْطَفَـيْنا فكان معلوما, إذ كان معنى الـميراث إنـما هو انتقال معنى من قوم إلـى آخرين, ولـم تكن أمة علـى عهد نبـينا صلى الله عليه وسلم انتقل إلـيهم كتاب من قوم كانوا قبلهم غير أمته, أن ذلك معناه. وإذ كان ذلك كذلك, فبـيّنٌ أن الـمصطفـين من عبـاده هم مؤمنو أمته وأما الظالـم لنفسه, فإنه لأن يكون من أهل الذنوب والـمعاصي التـي هي دون النفـاق والشرك عندي أشبه بـمعنى الاَية من أن يكون الـمنافق أو الكافر, وذلك أن الله تعالـى ذكره أتبع هذه الاَية قوله: جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُـلُونَها فعمّ بدخول الـجنة جميع الأصناف الثلاثة.
فإن قال قائل: فإن قوله يَدْخُـلُونَها إنـما عنى به الـمقتصد والسابق قـيـل له: وما برهانك علـى أن ذلك كذلك من خبر أو عقل؟ فإن قال: قـيام الـحجة أن الظالـم من هذه الأمة سيدخـل النار, ولو لـم يدخـل النار من هذه الأصناف الثلاثة أحد وجب أن لا يكون لأهل الإيـمان وعيد قـيـل: إنه لـيس فـي الاَية خبر أنهم لا يدخـلون النار, وإنـما فـيها إخبـار من الله تعالـى ذكره أنهم يدخـلون جنات عَدْن, وجائز أن يدخـلها الظالـم لنفسه بعد عقوبة الله إياه علـى ذنوبه التـي أصابها فـي الدنـيا, وظلـمه نفسه فـيها بـالنار, أو بـما شاء من عقابه, ثم يُدخـله الـجنة, فـيكون مـمن عمه خبر الله جلّ ثناؤه بقوله جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخَـلُونَها.
وقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـحو الذي قلنا فـي ذلك أخبـارٌ, وإن كان فـي أسانـيدها نظر, مع دلـيـل الكتاب علـى صحته علـى النـحو الذي بـيّنت. ذكر الرواية الواردة بذلك:
ـ حدثنا مـحمد بن بشار, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, قال: حدثنا سفـيان عن الأعمش, قال: ذكر أبو ثابت أنه دخـل الـمسجد, فجلس إلـى جنب أبـي الدرداء, فقال: اللهمّ آنس وحشتـي, وارحم غُرْبتـي, ويسّر لـي جلـيسا صالـحا, فقال أبو الدرداء: لئن كنت صادقا لأنا أسعد به منك سأحدّثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لـم أحدّث به منذ سمعته ذَكَرَ هذه الاَية: ثُمّ أَوْرَثْنا الكِتابَ الّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ فأما السابق بـالـخيرات, فـيدخـلها بغير حساب, وأما الـمقتصد فـيحاسب حسابـا يسيرا, وأما الظالـم لنفسه فـيصيبه فـي ذلك الـمكان من الغمّ والـحزن, فذلك قوله: الـحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أذْهَبَ عَنّا الـحَزَنَ.
ـ حدثنا ابن الـمثنى, قال: حدثنا مـحمد بن جعفر, قال: حدثنا شعبة عن الولـيد بن الـمغيرة, أنه سمع رجلاً من ثقـيف حدّث عن رجل من كنانة, عن أبـي سعيد الـخدريّ, عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال فـي هذه الاَية: ثُمّ أوْرَثْنا الكِتابَ الّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ بإذْنِ الله قال: «هؤلاء كلهم بـمنزلة واحدة, وكلهم فـي الـجنة».
وعنى بقوله: الّذِينَ اصْطَفَـيْنا مِنْ عِبـادِنا: الذين اخترناهم لطاعتنا واجتبـيناهم. وقوله: فَمِنْهُمْ ظالِـمٌ لِنَفْسِهِ يقول: فمن هؤلاء الذين اصطفـينا من عبـادنا, من يظلـم نفسه بركوبه الـمآثم, واجترامه الـمعاصي, واقترافه الفواحش وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وهو غير الـمبـالغ فـي طاعة ربه, وغير الـمـجتهد فـيـما ألزمه من خدمة ربه, حتـى يكون عمله فـي ذلك قصدا وَمِنْهُمْ سابِقٌ بـالـخَيْرَاتِ وهو الـمبرز الذي قد تقدّم الـمـجتهدين فـي خدمة ربه, وأداء ما لزمه من فرائضه, فسبقهم بصالـح الأعمال, وهي الـخيرات التـي قال الله جلّ ثناؤه بِإذْنِ اللّهِ يقول: بتوفـيق الله إياه لذلك.
وقوله: ذَلكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِـيرُ يقول تعالـى ذكره: سبوق هذا السابق من سبقه بـالـخيرات بإذن الله, وهو الفضل الكبـير الذي فضل به من كان مقصّرا عن منزلته فـي طاعة الله من الـمقتصد والظالـم لنفسه.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:49 AM
البغوى
- "ثم أورثنا الكتاب"، يعني: الكتاب الذي أنزلناه إليك الذي ذكر في الآية الأولى، وهو القرآن، جعلناه ينتهي إلى، "الذين اصطفينا من عبادنا". ويجوز أن يكون ثم بمعنى الواو، أي: وأورثنا، كقوله: "ثم كان من الذين آمنوا" (البلد-17)، أي: وكان من الذين آمنوا، ومعنى أورثنا أعطينا، لأن الميراث عطاء، قاله مجاهد. وقيل: أورثنا أي: أخرنا، ومنه الميراث لأنه أخر عن الميت، ومعناه: أخرنا القرآن عن الأمم السالفة وأعطيناكموه، وأهلكناكم له. "الذين اصطفينا من عبادنا"، قال ابن عباس: يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قسمهم ورتبهم فقال: "فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات"، "روي عن أسامة بن زيد في قوله عز وجل: "فمنهم ظالم لنفسه" الآية، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: كلهم من هذه الأمة". أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه، أخبرنا محمد بن علي بن الحسين القاضي، أخبرنا بكر بن محمد المرزوي، أخبرنا أبو قلابة، حدثنا عمرو بن الحصين، عن الفضل بن عميرة، عن ميمون الكردي، "عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا"، الآية، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له"، قال أبو قلابة فحدثت به يحيى بن معين فجعل يتعجب منه. واختلف المفسرون في معنى الظالم والمقتصد والسابق. أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن عيسى الصيرفي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي، حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، "عن أبي ثابت أن رجلاً دخل المسجد فقال: اللهم ارحم غربتي، وآنس وحشتي، وسق إلي جليساً صالحاً، فقال أبو الدرداء: لئن كنت صادقاً لأنا أسعد بك منك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات" فقال: أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم، ثم يدخل الجنة، ثم قرأ هذه الآية: "وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور"". وقال عقبة بن صهبانسألت عائشة عن قول الله عز وجل: "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا" الآية، فقالت: يا بني كلهم في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم، فجعلت نفسها معنا. وقال مجاهد، والحسن، وقتادة: فمنهم ظالم لنفسه وهم أصحاب المشئمة، ومنهم مقتصد وهم أصحاب الميمنة، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله هم السابقون المقربون من الناس كلهم. وعن ابن عباس قال: السابق: المؤمن المخلص، والمقتصد: المرائي، والظالم: الكافر نعمة الله غير الجاحد لها، لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة فقال: "جنات عدن يدخلونها". وقال بعضهم: يذكر ذلك عن الحسن، قال: السابق من رجحت حسناته على سيئاته، والمقتصد من استوا حسناته وسيئاته، والظالم من رجحت سيئاته على حسناته. وقيل: الظالم من كان ظاهره خيراً من باطنه، والمقتصد الذي يستوي ظاهره وباطنه، والسابق الذي باطنه خير من ظاهره. وقيل: الظالم من وحد الله بلسانه ولم يوافق فعله قوله، والمقتصد من وحد الله بلسانه وأطاعه بجوارحه، والسابق من وحد الله بلسانه وأطاعه بجوارحه وأخلص له عمله. وقيل: الظالم التالي للقرآن، والمقتصد القارئ له العالم به، والسابق القارئ له العالم به العامل بما فيه. وقيل: الظالم أصحاب الكبائر والمقتصد أصحاب الصغائر، والسابق الذي لم يرتكب كبيرة ولا صغيرة. وقال سهل بن عبد الله: السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم الجاهل. قال جعفر الصادق: بدأ بالظالمين إخباراً أنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه، وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفاء، ثم ثنى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره، وكلهم في الجنة. وقال أبو بكر الوراق: رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس، لأن أحوال العبد ثلاثة: معصية وغفلة ثم توبة ثم قربة، فإذا عصى دخل في حيز الظالمين، وإذا تاب دخل في جملة المقتصدين، وإذا صحت التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة دخل في عداد السابقين. وقال بعضهم: المراد بالظالم الكافر ذكره الكلبي. وقيل: المراد منه المنافق، فعلى هذا لا يدخل الظالم في قوله: "جنات عدن يدخلونها". وحمل هذا القائل الاصطفاء على الاصطفاء في الخلقة وإرسال الرسول إليهم وإنزال الكتاب والأول هو المشهور أن المراد من جميعهم المؤمنون، وعليه عامة أهل العلم. قوله: "ومنهم سابق بالخيرات"، أي: سابق إلى الجنة، أو إلى رحمة الله بالخيرات، أي: بالأعمال الصالحات، "بإذن الله"، أي: أمر الله وإرادته، "ذلك هو الفضل الكبير"، يعني: إيراثهم الكتاب.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:50 AM
القرطبى
{ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير، جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير، وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور، الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب}
@ هذه الآية مشكلة؛ لأنه قال جل وعز: "اصطفينا من عبادنا" ثم قال: "فمنهم ظالم لنفسه" وقد تكلم العلماء فيها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. قال النحاس: فإن أصح ما روي في ذلك ما روي عن ابن عباس "فمنهم ظالم لنفسه" قال: الكافر؛ رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس أيضا. وعن ابن عباس أيضا "فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات" قال: نجت فرقتان، ويكون التقدير في العربية: فمنهم من عبادنا ظالم لنفسه؛ أي كافر. وقال الحسن: أي فاسق. ويكون الضمير الذي في "يدخلونها" يعود على المقتصد والسابق لا على الظالم. وعن عكرمة وقتادة والضحاك والفراء أن المقتصد المؤمن العاصي، والسابق التقي على الإطلاق. قالوا: وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة الواقعة "وكنتم أزواجا ثلاثة" [الواقعة: 7] الآية. قالوا وبعيد أن يكون ممن يصطفي ظالم. ورواه مجاهد عن ابن عباس. قال مجاهد: "فمنهم ظالم لنفسه" أصحاب المشاهدة، "ومنهم مقتصد" أصحاب الميمنة، "ومنهم سابق بالخيرات" السابقون من الناس كلهم. وقيل: الضمير في "يدخلونها" يعود على الثلاثة الأصناف، على ألا يكون الظالم ها هنا كافرا ولا فاسقا. وممن روي عنه هذا القول عمر وعثمان وأبو الدرداء، وابن مسعود وعقبة بن عمرو ومنة، والتقدير على هذا القول: أن يكون الظالم لنفسه الذي عمل الصغائر. و"المقتصد" قال محمد بن يزيد: هو الذي يعطي الدنيا حقها والآخرة حقها؛ فيكون "جنات عدن يدخلونها" عائدا على الجميع على هذا الشرح والتبيين؛ وروي عن أبي سعيد الخدري. وقال كعب الأحبار: استوت مناكبهم ورب الكعبة وتفاضلوا بأعمالهم. وقال أبو إسحاق السبيعي: أما الذي سمعت منذ ستين سنة فكلهم ناج. وروى أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: (كلهم في الجنة). وقرأ عمر بن الخطاب هذه الآية ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سابقنا سابق ومقصدنا ناج وظالمنا مغفور له). فعلى هذا القول يقدر مفعول الاصطفاء من قوله: "أورثنا الكتاب الذين أصطفينا من عبادنا" مضافا حذف كما حذف المضاف في "واسأل القرية" [يوسف: 82] أي اصطفينا دينهم فبقى اصطفيناهم؛ فحذف العائد إلى الموصول كما حذف في قوله: "ولا أقول للذين تزدري أعينكم" [هود: 31] أي تزدريهم، فالاصطفاء إذا موجه إلى دينهم، كما قال تعالى: "إن الله اصطفى لكم الدين" [البقرة: 132]. قال النحاس: وقوله ثالث: يكون الظالم صاحب الكبائر، والمقتصد الذي لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيئاته؛ فيكون: "جنات عدن يدخلونها" للذين سبقوا بالخيرات لا غير. وهذا قول جماعة من أهل النظر؛ لأن الضمير في حقيقة النظر بما يليه أولى.
قلت: القول الوسط أولاها وأصحها إن شاء الله؛ لأن الكافر والمنافق لم يصطفوا بحمد الله، ولا اصطفى دينهم. وهذا قول ستة من الصحابة، وحسبك. وسنزيده بيانا وإيضاحا في باقي الآية.
@قوله تعالى: "ثم أورثنا الكتاب" أي أعطينا. والميراث، عطاء حقيقة أو مجازا؛ فإنه يقال فيما صار للإنسان بعد موت آخر. و"الكتاب" ها هنا يريد به معاني الكتاب وعلمه وأحكامه وعقائده، وكأن الله تعالى لما أعطى أمة محمد صلى القرآن، وهو قد تضمن معاني الكتب المنزلة، فكأنه ورث أمة محمد عليه السلام الكتاب الذي كان في الأمم قبلنا. "اصطفينا" أي اخترنا. واشتقاقه من الصفو، وهو الخلوص من شوائب الكدر. وأصله اصتفونا، فأبدلت التاء طاء والواو ياء. "من عبادنا" قيل المراد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس وغيره. وكان اللفظ يحتمل جميع المؤمنين من كل أمة، إلا أن عباره توريث الكتاب لم تكن إلا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وورث سليمان يرثوه. وقيل: المصطفون الأنبياء، توارثوا الكتاب بمعنى أنه انتقل عن بعضهم إلى آخر، قال الله تعالى: "وورث سليمان داود" [النمل: 16]، وقال: "يرثني ويرث من آل يعقوب" [مريم: 6] فإذا جاز أن تكون النبوة موروثة فكذلك الكتاب. "فمنهم ظالم لنفسه" من وقع في صغيرة. قال ابن عطية: وهذا قول مردود من غير ما وجه. قال الضحاك: معنى "فمنهم ظالم لنفسه" أي من ذريتهم ظالم لنفسه وهو المشرك. الحسن: من أممهم، على ما تقدم ذكره من الخلاف في الظالم. والآية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقد اختلفت عبارات أرباب القلوب في الظالم والمقتصد والسابق، فقال سهل بن عبدالله: السابق العالم، والمقتصد المعلم، والظالم الجاهل. وقال ذو النون المصري: الظالم الذاكر الله بلسانه فقط، والمقتصد الذاكر بقلبه، والسابق الذي لا ينساه. وقال الأنطاكي: الظالم صاحب الأقوال، والمقتصد صاحب الأفعال، والسابق صاحب الأحوال. وقال ابن عطاء: الظالم الذي يحب الله من أجل الدنيا، والمقتصد الذي يحبه من أجل العقبى، والسابق الذي أسقط مراده بمراد الحق. وقيل: الظالم الذي يعبد الله خوفا من النار، والمقتصد الذي يعبد الله طمعا في الجنة، والسابق الذي يعبد الله لوجهه لا لسبب. وقيل: الظالم الزاهد في الدنيا، لأنه ظلم نفسه فترك لها حظا وهي المعرفة والمحبة، والمقتصد العارف، والسابق المحب. وقيل: الظالم الذي يجزع عند البلاء، والمقتصد الصابر على البلاء، والسابق المتلذذ بالبلاء. وقيل: الظالم الذي يعبد الله على الغفلة والعادة، والمقتصد الذي يعبده على الرغبة والرهبة، والسابق الذي يعبده على الهيبة. وقيل: الظالم الذي أعطي فمنع، والمقتصد الذي أعطي فبذل، والسابق الذي يمنع فشكر وآثر.
يروى أن عابدين التقيا فقال: كيف حال إخوانكم بالبصرة؟ قال: بخير، إن أعطوا شكروا وإن منعوا صبروا. فقال: هذه حالة الكلاب عندنا ببلخ! عبادنا إن منعوا شكروا وإن أعطوا آثروا. وقيل: الظالم من استغنى بماله، والمقتصد من استغنى بدينه، والسابق من استغنى بربه. وقيل: الظالم التالي للقرآن ولا يعمل به، والمقتصد التالي للقرآن ويعمل به، والسابق القارئ للقرآن العامل به والعالم به. وقيل: السابق الذي يدخل المسجد قبل تأذين المؤذن، والمقتصد الذي يدخل المسجد وقد أذن، والظالم الذي يدخل المسجد وقد أقيمت الصلاة؛ لأنه ظلم نفسه الأجر فلم يحصل لها ما حصله غيره. وقال بعض أهل المسجد في هذا: بل السابق الذي يدرك الوقت والجماعة فيدرك الفضيلتين، والمقتصد الذي إن فاتته الجماعة لم يفرط في الوقت، والظالم الغافل عن الصلاة حتى يفوت الوقت والجماعة، فهو أولى بالظلم. وقيل: الظالم الذي يحب نفسه، والمقتصد الذي يحب دينه، والسابق الذي يحب ربه. وقيل: الظالم الذي ينتصف ولا ينصف، والمقتصد الذي ينتصف وينصف، والسابق الذي ينصف ولا ينصف. وقالت عائشة رضي الله عنها: السابق الذي أسلم قبل الهجرة، والمقتصد من أسلم بعد الهجرة، والظالم من لم يسلم إلا بالسيف؛ وهم كلهم مغفور لهم.
قلت: ذكر هذه الأقوال وزيادة عليها الثعلبي في تفسيره. وبالجملة فهم طرفان وواسطة، وهو المقتصد الملازم للقصد وهو ترك الميل؛ ومنه قول جابر بن حُنَي التغلبي:
نعاطي الملوك السلم ما قصدوا لنا وليس علينا قتلهم بمحرم
أي نعاطيهم الصلح ما ركبوا بنا القصد، أي ما لم يجوروا، وليس قتلهم بمحرم علينا إن جاروا؛ فلذلك كان المقتصد منزلة بين المنزلتين، فهو فوق الظالم لنفسه ودون السابق بالخيرات. "ذلك هو الفضل الكبير" يعني إتياننا الكتاب لهم. وقيل: ذلك الاصطفاء مع علمنا بعيوبهم هو الفضل الكبير. وقيل: وعد الجنة لهؤلاء الثلاث فضل كبير.
@ وتكلم الناس في تقديم الظالم على المقتصد والسابق فقيل: التقدير في الذكر لا يقتضي تشريفا؛ كقوله تعالى: "لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة" [الحشر: 20]. وقيل: قدم الظالم لكثرة الفاسقين منهم وغلبتهم وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم، والسابقين أقل من القليل؛ ذكره الزمخشري ولم يذكره غيره وقيل: قدم الظالم لتأكيد الرجاء في حقه، إذ ليس له شيء يتكل عليه إلا رحمة ربه. واتكل المقتصد على حسن ظنه، والسابق على طاعته. وقيل: قدم الظالم لئلا ييأس من رحمة الله، وأخر السابق لئلا يعجب بعمله. وقال جعفر بن محمد بن علي الصادق رضي الله عنه: قدم الظالم ليدبر أنه لا يتقرب إليه إلا بصرف رحمته وكرمه، وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفائية إذا كانت ثم عناية، ثم ثنى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكر الله، وكلهم في الجنة بحرمة كلمة الإخلاص: "لا إله إلا الله محمد رسول الله". وقال محمد بن علي الترمذي: جمعهم في الاصطفاء إزالة للعلل عن العطاء؛ لأن الاصطفاء يوجب الإرث، لا الإرث يوجب الاصطفاء، ولذلك قيل في الحكمة: صحح النسبة ثم النسبة ادع في الميراث. وقيل: أخر السابق ليكون أقرب إلى الجنات والثواب، كما قدم الصوامع والبيع في سورة الحج" على المساجد، لتكون الصوامع أقرب إلى الهدم والخراب، وتكون المساجد أقرب إلى ذكر الله. وقيل: إن الملوك إذا أرادوا الجمع بين الأشياء بالذكر قدموا الأدنى؛ كقوله تعالى: "لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم" الأعراف: 167]، وقوله: "يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور" [الشورى: 49]، وقوله: "لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة" [الحشر: 20]
قلت: ولقد أحسن من قال:
وغاية هذا الجود أنت وإنما يوافي إلى الغايات في آخر الأمر
@قوله تعالى: "جنات عدن يدخلونها" جمعهم في الدخول لأنه ميراث، والعاق والبار في الميراث سواء إذا كانوا معترفين بالنسب؛ فالعاصي والمطيع مقرّون بالرب. وقرئ: "جنة عدن" على الأفراد، كأنها جنة مختصة بالسابقين لقلتهم؛ على ما تقدم. و"جنات عدن" بالنصب على، إضمار فعل يفسره الظاهر؛ أي يدخلون جنات عدن يدخلونها. وهذا للجميع، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. وقرأ أبو عمرو "يُدخلونها" بضم الياء وفتح الخاء. قال: لقوله "يحلون". وقد تقدم.
@قوله تعالى: "وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" قال أبو ثابت: دخل رجل المسجد. فقال اللهم ارحم غربتي وأنس وحدتي يسر لي جليسا صالحا. فقال أبو الدرداء: لئن كنت صادقا فلأنا أسعد بذلك منك، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ثم أورثنا الكتاب الذين أصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات" قال فيجيء هذا السابق فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام ويوبخ ويقرع ثم يدخل الجنة فهم الذين قالوا: "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور" وفي لفظ آخر وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين يتلقاهم الله برحمته فهم الذين يقولون "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور إلى قوله "ولا يمسنا فيها لغوب". وقيل: هو الذي يؤخذ منه في مقامه؛ يعني يكفر عنه بما يصيبه من الهم والحزن، ومنه قوله تعالى "من يعمل سوءا يجز به" [النساء: 123] يعني في الدنيا. قال الثعلبي: وهذا التأويل أشبه بالظاهر؛ لأنه قال: "جنات عدن يدخلونها"، ولقوله: "الذين اصطفينا من عبادنا" والكافر والمنافق لم يصطفوا.
قلت: وهذا هو الصحيح، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها وطيب وطعمها مر. فأخبر أن المنافق يقرؤه، وأخبر الحق سبحانه وتعالى أن المنافق في الدرك الأسفل من النار، وكثير من الكفار واليهود والنصارى يقرؤونه في زماننا هذا. وقال مالك: قد يقر القرآن من لا خير فيه. والنصب: التعب. واللغوب: الإعياء
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:51 AM
أضواء البيان للشنقيطى
من أرجى آيات القرآن العظيم قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرٰتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ}.
فقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن إيراث هذه الأمة لهذا الكتاب، دليل على أن الله اصطفاها في قوهل: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} وبين أنهم ثلاثة أقسام:
الأول: الظالم لنفسه وهو الذي يطيع الله، ولكنه يعصيه أيضاً فهو الذي قال الله فيه {خَلَطُواْ عَمَلاً صَـٰلِحاً وَءاخَرَ سَيّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}.
والثاني: المقتصد وهو الذي يطيع الله، ولا يعصيه، ولكنه لا يتقرب بالنوافل من الطاعات.
والثالث: السابق بالخيرات: وهو الذي يأتي بالواجبات ويجتنب المحرمات ويتقرب إلى الله بالطاعات والقربات التي هي غير واجبة، وهذا على أصح الأقوال في تفسير الظالم لنفسه، والمقتصد والسابق، ثم إنه تعالى بين أن إيراثهم الكتاب هو الفضل الكبير منه عليهم، ثم وعد الجميع بجنات عدن وهو لا يخلف الميعاد في قوله: {جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} إلى قوله: {وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} والواو في يدخلونها شاملة للظالم، والمقتصد والسابق على التحقيق. ولذا قال بعض أهل العلم: حق لهذه الواو أن تكتب بماء العينين، فوعده الصادق بجنات عدن لجميع أقسام هذه الأمة، وأولهم الظالم لنفسه يدل على أن هذه الآية من أرجى آيات القرآن، ولم يبق من المسلمين أخد خارج عن الأقسام الثلاثة، فالوعد الصادق بالجنة في الآية شامل لجميع المسلمين ولذا قال بعدها متصلاً بها {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ} إلى قوله: {فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ}.
واختلف أهل العلم في سبب تقديم الظالم في الوعد بالجنة على المقتصد والسابق، فقال بعضهم: قد الظالم لئلا يقنط، وأخر السابق بالخيرات لئلا يعجب بعمله فيحبط. وقال بعضهم: قدم الظالم لنفسه، لأن أكثر أهل الجنة الظالمون لأنفسهم لأن الذين لم تقع منهم معصية أقل من غيرهم.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:52 AM
السعدى
، لما كانت هذه الأمة أكمل الأمم عقولا، وأحسنهم أفكارا، وأرقهم قلوبا، وأزكاهم أنفسا، اصطفاهم الله تعالى، واصطفى لهم دين الإسلام، وأورثهم الكتاب المهيمن على سائر الكتب، ولهذا قال: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } وهم هذه الأمة. { فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ } بالمعاصي، [التي] هي دون الكفر. { وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ } مقتصر على ما يجب عليه، تارك للمحرم. { وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ } أي: سارع فيها واجتهد، فسبق غيره، وهو المؤدي للفرائض، المكثر من النوافل، التارك للمحرم والمكروه.
فكلهم اصطفاه اللّه تعالى، لوراثة هذا الكتاب، وإن تفاوتت مراتبهم، وتميزت أحوالهم، فلكل منهم قسط من وراثته، حتى الظالم لنفسه، فإن ما معه من أصل الإيمان، وعلوم الإيمان، وأعمال الإيمان، من وراثة الكتاب، لأن المراد بوراثة الكتاب، وراثة علمه وعمله، ودراسة ألفاظه، واستخراج معانيه.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:53 AM
تفسير آية 219 من سورة الشعراء
( وتقلبك فى الساجدين)
الطبرى:
الآية : 216-220
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنّي بَرِيَءٌ مّمّا تَعْمَلُونَ * وَتَوكّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرّحِيمِ * الّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلّبَكَ فِي السّاجِدِينَ * إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ }.
يقول تعالـى ذكره: فإن عصتك يا مـحمد عشيرتك الأقربون الذين أمرتك بإنذارهم, وأبوا إلا الإقامة علـى عبـادة الأوثان, والإشراك بـالرحمن, فقل لهم: إنّـي بَرِيءٌ مِـمّا تَعْمَلُونَ من عبـادة الأصنام ومعصية بـاريء الأنام وَتَوَكّلْ عَلـى العَزِيزِ فـي نقمته من أعدائه الرّحِيـمِ بـمن أناب إلـيه وتاب من معاصيه, الّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ يقول: الذي يراك حين تقوم إلـى صلاتك. وكان مـجاهد يقول فـي تأويـل ذلك ما:
ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جريج عن مـجاهد, قوله: الّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ قال: أينـما كنت.
وَتَقَلّبَكَ فِـي السّاجِدِينَ اختلف أهل التأويـل فـي تأويـل ذلك, فقال بعضهم: معنى ذلك: ويرى تقلبك فـي صلاتك حين تقوم, ثم تركع, وحين تسجد. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس قوله: وَتَقَلّبَكَ فِـي السّاجِدِينَ يقول: قـيامك وركوعك وسجودك.
ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفـيان, قال: سمعت أبـي وعلـيّ بن بذيـمة يحدّثان عن عكرِمة فـي قوله: يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلّبَكَ فِـي السّاجِدِينَ قال: قـيامه وركوعه وسجوده.
حدثنا الـحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, قال: قال عكرِمة, فـي قوله: وَتَقَلّبَكَ فِـي السّاجِدِينَ قال: قائما وساجدا وراكعا وجالسا.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ويرى تقلبك فـي الـمصلـين, وإبصارك منهم من هو خـلفك, كما تبصر من هو بـين يديك منهم. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفـيان, عن لـيث, عن مـجاهد وَتَقَلّبَكَ فِـي السّاجِدِينَ كان يرى من خـلفه, كما يرى من قدّامه.
حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى وحدثنـي الـحارث, قال: حدثنا الـحسن, قال: حدثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد, فـي قوله وَتَقَلّبَكَ فِـي السّاجِدِينَ قال: الـمصلـين كان يرى مَن خـلفه فـي الصلاة.
حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مـجاهد, قوله وَتَقَلّبَكَ فِـي السّاجِدِينَ قال: الـمصلـين, قال: كان يرى فـي الصلاة من خـلفه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وتقلبك مع الساجدين: أي تصرفك معهم فـي الـجلوس والقـيام والقعود. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, قال: قال ابن جُرَيج: أخبرنـي عطاء الـخراسانـي عن ابن عبـاس, قال: وَتَقَلّبَكَ فِـي السّاجِدِينَ قال: يراك وأنت مع الساجدين تَقَلّب وتقوم وتقعد معهم.
ـ حدثنا الـحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قَتادة, فـي قوله: وَتَقَلّبَكَ فِـي السّاجِدِينَ قال: فـي الـمصلـين.
ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فـي قوله: وَتَقَلّبَكَ فِـي السّاجِدِينَ قال: فـي الساجدين: الـمصلـين.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ويرى تصرّفك فـي الناس. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا يحيى, قال: حدثنا ربـيعة بن كلثوم, قال: سألت الـحسن عن قوله: وَتَقَلّبَكَ فِـي السّاجِدِينَ قال: فـي الناس.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وتصرّفك فـي أحوالك كما كانت الأنبـياء من قبلك تفعله, والساجدون فـي قول قائل هذا القول: الأنبـياء. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا ابن يـمان, عن أشعث, عن جعفر, عن سعيد, فـي قوله: الّذِي يَرَاكَ... الاَية, قال: كما كانت الأنبـياء من قبلك.
قال أبو جعفر: وأولـى الأقوال فـي ذلك بتأويـله قول من قال تأويـله: ويرى تقلبك مع الساجدين فـي صلاتهم معك, حين تقوم معهم وتركع وتسجد, لأن ذلك هو الظاهر من معناه. فأما قول من وجّهه إلـى أن معناه: وتقلبك فـي الناس, فإنه قول بعيد من الـمفهوم بظاهر التلاوة, وإن كان له وجه, لأنه وإن كان لا شيء إلا وظله يسجد لله, فإنه لـيس الـمفهوم من قول القائل: فلان مع الساجدين, أو فـي الساجدين, أنه مع الناس أو فـيهم, بل الـمفهوم بذلك أنه مع قوم سجود, السجودَ الـمعروف, وتوجيه معانـي كلام الله إلـى الأغلب أولـى من توجيهه إلـى الأنكر. وكذلك أيضا فـي قول من قال: معناه: تتقلّب فـي أبصار الساجدين, وإن كان له وجه, فلـيس ذلك الظاهر من معانـيه.
فتأويـل الكلام إذن: وتوكل علـى العزيز الرحيـم, الذي يراك حين تقوم إلـى صلاتك, ويرى تقلبك فـي الـمؤتـمين بك فـيها بـين قـيام وركوع وسجود وجلوس.
وقوله: إنّهُ هُوَ السّمِيعُ الَعلِـيـمُ يقول تعالـى ذكره: إن ربك هو السميع تلاوتك يا مـحمد, وذكرك فـي صلاتك ما تتلو وتذكر, العلـيـم بـما تعلـم فـيها ويعمل فـيها من يتقلّب فـيها معك مؤتـما بك, يقول: فرتل فـيها القرآن, وأقم حدودها, فإنك بـمرأى من ربك ومسمع.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:54 AM
البغوى:
219- "وتقلبك في الساجدين"، أي: يرى تقلبك في صلاتك في حال قيامك وركوعك وسجودك وقعودك. قال عكرمة وعطية عن ابن عباس: في الساجدين أي: في المصلين. وقال مقاتل والكلبي: أي مع المصلين في الجماعة، يقول: يراك حين تقوم وحدك للصلاة ويراك إذا صليت مع المصلين في الجماعة. وقال مجاهد: يرى تقلب بصرك في المصلين، فإنه كان يبصر من خلفه كما يبصر من أمامه. أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هل ترون قبلتي ها هنا، فوالله ما يخفي علي خشوعكم ولا ركوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري". وقال الحسن: "وتقلبك في الساجدين" أي: تصرفك وذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين. وقال سعيد بن جبير: يعني وتصرفك في أحوالك، كما كانت الأنبياء من قبلك. والساجدون: هم الأنبياء. وقال عطاء عن ابن عباس: أراد تقلبك في أصلاب الأنبياء من نبي إلى نبي حتى أخرجك في هذه الأمة.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:55 AM
الكشاف للزمخشرى:
ذكر ما كان بفعله في جوف الليل من قيامه للتهجد وتقلبه في تصفح أحوال المتجهدين من أصحاب ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون ويستبطن سر أمرهم وكيف يعبدون الله وكيف يعملون لآخرتهم كما يحكى أنه حين نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون لحرصه عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطابعات وتكثير الحسنات فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع منها من دندنتهم بذكر الله والتلاوة. والمراد بالساجدين: المصلون. وقيل: معناه يراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة.
وتقلبه في الساجدين: تصرفه فيما بينهم بقيامة وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمهم. وعن مقاتل: أنه سأل أبا حنيفة رحمه الله هل تحجد الصلاة في الجماعةو في القرآن فقال: لا يحضرني فتلا له هذه الآية. ويحتمل أنه: لا يخفى عليه {العليم} بما تنويه وتعلمه. وقيل: هو تقلب بصره فيمن يصلي خلفه من قوله صلى الله عليه وسلم: أتموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلف ظهري إذا ركعتم وسجدتم وقرئ ويقلبك.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:56 AM
البيضاوى:
^ وتقلبك في الساجدين ^ وترددك في تصفح أحوال المجتهدين كما روي أنه عليه السلام لما نسخ قيام فرض الليل طاف عليه السلام تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون حرصا على كثرة طاعاتهم فوجدها كبيوت الزنانير لما سمع بها من دندنتهم بذكر الله وتلاوة القرآن أو تصرفك فيما بين المصلين بالقيام والركوع والسجود والقعود إذا أممتهم وإنما وصفه الله تعالى بعلمه بحاله التي بها يستأهل ولايته بعد وصفه بأن من شأنه قهر أعدائه ونصر أوليائه تحقيقا للتوكل وتطمينا لقلبه عليه
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:56 AM
القرطبى:
"الذي يراك حين تقوم" أي حين تقوم إلى الصلاة في قول أكثر المفسرين: ابن عباس وغيره. وقال مجاهد: يعني حين تقوم حيثما كنت. "وتقلبك في الساجدين" قال مجاهد وقتادة: في المصلين. وقال ابن عباس: أي في أصلاب الآباء، آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبيا. وقال عكرمة: يراك قائما وراكعا وساجدا؛ وقاله ابن عباس أيضا. وقيل: المعني؛ إنك ترى بقلبك في صلاتك من خلفك كما ترى بعينك من قدامك. وروي عن مجاهد، ذكره الماوردي والثعلبي. وكان عليه السلام يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، وذلك ثابت في الصحيح
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:57 AM
ابن كثير:
وقوله تعالى: {وتقلبك في الساجدين} قال قتادة {الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين} قال: في الصلاة يراك وحدك, ويراك في الجمع, وهذا قول عكرمة وعطاء الخراساني والحسن البصري. وقال مجاهد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى من خلفه كما يرى من أمامه, ويشهد لهذا ما صح في الحديث «سووا صفوفكم فإنّي أراكم من وراء ظهري» وروى البزار وابن أبي حاتم من طريقين عن ابن عباس أنه قال في هذه الاَية: يعني تقلبه من صلب نبي إلى صلب نبي حتى أخرجه نبياً.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:57 AM
الجلالين:
(وتقلبك) في أركان الصلاة قائما وقاعدا وراكعا وساجدا (في الساجدين) المصلين
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:58 AM
فتح القدير للشوكانى:
- "وتقلبك في الساجدين" أي ويراك إن صليت في الجماعة راكعاً وساجداً وقائماً، كذا قال أكثر المفسرين. وقيل يراك في الموحدين من نبي إلى نبي حتى أخرجك في هذه الأمة. وقيل المراد بقوله يراك حين تقوم قيامة إلى التهجد، وقوله: "وتقلبك في الساجدين" يريد ترددك في تصفح أحوال المجتهدين في العبادة وتقلب بصرك فيهم، كذا قال مجاهد.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:59 AM
أضواء البيان للشنقيطى:
{وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ}، قال فيه بعض أهل العلم المعنى: وتقلبك في أصلاب آبائك الساجدين، أي: المؤمنين باللَّه كآدم ونوح، وإبرٰهيم، وإسمٰعيل.
واستدلّ بعضهم لهذا القول فيمن بعد إبرٰهيم من آبائه، بقوله تعالىٰ عن إبرٰهيم: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَـٰقِيَةً فِى عَقِبِهِ}، وممّن روي عنه هذا القول ابن عباس نقله عنه القرطبي، وفي الآية قرينة تدلّ على عدم صحة هذا القول، وهي قوله تعالىٰ قبله مقترنًا به: {ٱلَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ}، فإنه لم يقصد به أن يقوم في أصلاب الآباء إجماعًا، وأوّل الآية مرتبط بأخرها، أي: الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك، وحين تقوم من فراشك ومجلسك، ويرى {وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ}، أي: المُصلِّين، على أظهر الأقوال؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يتقلب في المصلّين قائمًا، وساجدًا وراكعًا، وقال بعضهم: {ٱلَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ}، أي: إلى الصلاة وحدك، و {وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ}، أي: المصلّين إذا صلُّيت بالناس.
وقوله هنا: {ٱلَّذِى يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ}، يدلّ على الاعتناء به صلى الله عليه وسلم، ويوضح ذلك قوله تعالىٰ: {فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ * فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 06:59 AM
السعدى:
" الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ " أي: يراك في هذه العبادة العظيمة, التي هي الصلاة, وقت قيامك, وتقلبك راكعا وساجدا. خصها بالذكر, لفضلها وشرفها, ولأن من استحضر فيها قرب ربه, خشع وذل, وأكملها, وبتكميلها, يكمل سائر عمله, ويستعين بها على جميع أموره.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:17 AM
تفسير آية الكرسى
(الله لا إله إلا هو الحي القيوم*لا تأخذه سنة ولا نوم* له ما في السموات و ما في الارض* من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه*يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم*ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والارض*ولا يؤده حفظهما و هو العلي العظيم*)
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:19 AM
الطبرى
القول فـي تأويـل قوله تعالـى:
{اللّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لّهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيّ الْعَظِيمُ }
قد دللنا فـيـما مضى علـى تأويـل قوله: «اللّهُ».
وأما تأويـل قوله: {لا إلَهَ إلاّ هُوَ} فإن معناه: النهي عن أن يعبد شيء غير الله الـحيّ القـيوم الذي صفته ما وصف به نفسه تعالـى ذكره فـي هذه الآية. يقول: «الله» الذي له عبـادة الـخـلق «الـحيّ القـيوم», لا إله سواه, لا معبود سواه, يعنـي: ولا تعبدوا شيئاف سوى الـحَيّ القَـيّوم الذي لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ, والذي صفته ما وصف فـي هذه الآية. وهذه الآية إبـانة من الله تعالـى ذكره للـمؤمنـين به وبرسوله عما جاءت به أقوال الـمختلفـين فـي البـينات من بعد الرسل الذين أخبرنا تعالـى ذكره أنه فضل بعضهم علـى بعض, واختلفوا فـيه, فـاقتتلوا فـيه كفرا به من بعض, وإيـمانا به من بعض. فـالـحمد لله الذي هدانا للتصديق به ووفقنا للإقرار به.
وأما قوله: {الـحَيّ} فإنه يعنـي: الذي له الـحياة الدائمة, والبقاء الذي لا أوّل له يحدّ, ولا آخر له يُؤْمَد, إذ كان كل ما سواه فإنه وإن كان حيا فلـحياته أول مـحدود وآخر مأمود, ينقطع بـانقطاع أمدها وينقضي بـانقضاء غايتها.
وبـما قلنا فـي ذلك قال جماعة من أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثت عن عمار بن الـحسن, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع قوله: {الـحَيّ} حيّ لا يـموت.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع, مثله.
وقد اختلف أهل البحث فـي تأويـل ذلك, فقال بعضهم: إنـما سمى الله نفسه حيا لصرفه الأمور مصارفها وتقديره الأشياء مقاديرها, فهو حيّ بـالتدبـير لا بحياة.
وقال آخرون: بل هو حيّ بحياة هي له صفة.
وقال آخرون: بل ذلك اسم من الأسماء تسمى به, فقلناه تسلـيـما لأمره.
وأما قوله: {القَـيّومُ} فإنه «الفـيعول» من القـيام, وأصله «القـيووم»: سبق عين الفعل وهي واو ياء ساكنة, فـاندغمتا فصارتا ياء مشددة¹ وكذلك تفعل العرب فـي كل واو كانت للفعل عينا سبقتها ياء ساكنة. ومعنى قوله: {القَـيّومُ}: القائم برزق ما خـلق وحفظه, كما قال أمية:
لَـمْ يُخْـلَقِ السّماءُ والنّـجُومُوالشّمْسُ مَعْها قَمَرٌ يقومُ
قَدّرَهُ الـمُهَيْـمِنُ القَـيّومُوالـحَشْرُ والـجَنّةُ والـجحيـمُ
إلا لأمرٍ شأنُهُ عَظِيـمُ
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنـي مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله: {القَـيّومُ} قال: القائم علـى كل شيء.
ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, عن ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: {القَـيّومُ} قـيـم كل شيء, يكلؤه ويرزقه ويحفظه.
ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: {القَـيّومُ} وهو القائم.
ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك: {الـحَيّ الْقَـيّومُ} قال: القائم الدائم.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ}.
يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {لاَ تَأخُذُهُ سِنَةٌ} لا يأخذه نعاس فـينعس, ولا نوم فـيستثقل نوما. والوسن: خثورة النوم, ومنه قول عديّ بن الرقاع:
وَسْنانُ أقْصَدَهُ النّعاسَ فَرَنّقَتْفـي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَـيْسَ بِنائِمِ
ومن الدلـيـل علـى ما قلنا من أنها خثورة النوم فـي عين الإنسان, قول الأعشى ميـمون بن قـيس:
تُعاطِي الضّجِيعَ إذَا أقْبَلَتْبُعَيْدَ النّعاسِ وَقَبْلَ الوَسَنْ
وقال آخر:
بـاكَرَتْها الأغْرَابُ فـي سِنَةِ النّوْمِ فَتَـجْرِي خِلالَ شَوْكِ السّيالِ
يعنـي عند هبوبها من النوم ووسن النوم فـي عينها, يقال منه: وسن فلان فهو يَوْسَنُ وَسَنا وسِنَةً وهو وسنان, إذا كان كذلك.
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية بن صالـح, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس قوله تعالـى: {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} قال: السنة: النعاس, والنوم: هو النوم.
حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس: {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} السنة: النعاس.
ـ حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة والـحسن فـي قوله: {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} قالا: نعسة.
ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عمرو بن عون, قال: أخبرنا هشيـم, عن جويبر, عن الضحاك فـي قوله: {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} قال: السنة: الوسنة, وهو دون النوم, والنوم: الاستثقال.
حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك: {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} السنة: النعاس, والنوم: الاستثقال.
حدثنـي يحيـى بن أبـي طالب, قال: أخبرنا يزيد, قال: أخبرنا جويبر, عن الضحاك, مثله سواء.
ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} أما سنة: فهو ريح النوم الذي يأخذ فـي الوجه فـينعس الإنسان.
ـ حدثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} قال: السنة: الوسنان بـين النائم والـيقظان.
ـ حدثنـي عبـاس بن أبـي طالب, قال: حدثنا منـجاب بن الـحرث, قال: حدثنا علـيّ بن مسهر, عن إسماعيـل عن يحيـى بن رافع: {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ} قال: النعاس.
ـ حدثنـي يونس, قال أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: {لا تأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} قال: الوسنان: الذي يقوم من النوم لا يعقل, حتـى ربـما أخذ السيف علـى أهله.
وإنـما عنى تعالـى ذكره بقوله: {لا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} لا تـحله الاَفـات, ولا تناله العاهات. وذلك أن السنة والنوم معنـيان يغمران فهم ذي الفهم, ويزيلان من أصابـاه عن الـحال التـي كان علـيها قبل أن يصيبـاه.
فتأويـل الكلام إذ كان الأمر علـى ما وصفنا: الله لا إله إلا هو الـحيّ الذي لا يـموت, القـيوم علـى كل ما هو دونه بـالرزق والكلاءة والتدبـير والتصريف من حال إلـى حال, لا تأخذه سنة ولا نوم, لا يغيره ما يغير غيره, ولا يزيـله عما لـم يزل علـيه تنقل الأحوال وتصريف اللـيالـي والأيام, بل هو الدائم علـى حال, والقـيوم علـى جميع الأنام, لو نام كان مغلوبـا مقهورا, لأن النوم غالب النائم قاهره, ولو وسن لكانت السموات والأرض وما فـيهما دكّا, لأن قـيام جميع ذلك بتدبـيره وقدرته, والنوم شاغل الـمدبر عن التدبـير, والنعاس مانعٌ الـمقدّر عن التقدير بوسنه. كما:
ـ حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, قال: وأخبرنـي الـحكم بن أبـان, عن عكرمة مولـى ابن عبـاس فـي قوله: {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} أن موسى سأل الـملائكة: هل ينام الله؟ فأوحى الله إلـى الـملائكة, وأمرهم أن يؤرّقوه ثلاثا فلا يتركوه ينام. ففعلوا, ثم أعطوه قارورتـين فأمسكوه, ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما. قال: فجعل ينعس وهما فـي يديه, فـي كل يد واحدة. قال: فجعل ينعس وينتبه, وينعس وينتبه, حتـى نعس نعسة, فضرب بإحداهما الأخرى فكسرهما. قال معمر: إنـما هو مثل ضربه الله, يقول: فكذلك السموات والأرض فـي يديه.
ـ حدثنا إسحاق بن أبـي إسرائيـل, قال: حدثنا هشام بن يوسف, عن أمية بن شبل, عن الـحكم بن أبـان, عن عكرمة, عن أبـي هريرة, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى صلى الله عليه وسلم علـى الـمنبر, قال: «وَقَعَ فِـي نَفْسِ مُوسَى هَلْ يَنامُ اللّهُ تَعالـى ذِكْرُهُ؟ فأرْسَلَ اللّهُ إلَـيْهِ مَلَكا فَأرّقَهُ ثَلاثا, ثُمّ أعْطَاهُ قارُورَتَـيْنِ, فِـي كُلّ يَدٍ قارُورَةٌ, وأمَرَهُ أنْ يَحْتَفِظَ بِهما» قال: «فَجَعَلَ يَنامُ وَتَكادُ يَدَاهُ تَلْتَقِـيَانِ, ثُمّ يَسْتَـيْقِظُ فَـيَحْبِسُ إحْدَاهُمَا عَنِ الأُخْرَى, ثُمّ نَامَ نَوْمَةً فَـاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ وَانْكَسَرَتِ القارُورَتَانِ». قال: ضرب الله مثلاً له, أن الله لو كان ينام لـم تستـمسك السماء والأرض.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:19 AM
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {لَهُ مَا فِـي السّمَوَاتِ وَما فِـي الأرْضِ مَنْ ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بإذْنِهِ}.
يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {لَهُ مَا فِـي السّمَوَاتِ وَمَا فِـي الأَرْضِ} أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد, وخالق جميعه دون كل آلهة ومعبود. وإنـما يعنـي بذلك أنه لا تنبغي العبـادة لشيء سواه, لأن الـمـملوك إنا هو طوع يد مالكه, ولـيس له خدمة غيره إلا بأمره. يقول: فجميع ما فـي السموات والأرض ملكي وخـلقـي, فلا ينبغي أن يعبد أحد من خـلقـي غيري وأنا مالكه, لأنه لا ينبغي للعبد أن يعبد غير مالكه, ولا يطيع سوى مولاه.
وأما قوله: {مَنْ ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإذْنِهِ} يعنـي بذلك: من ذا الذي يشفع لـمـمالـيكه إن أراد عقوبتهم إلا أن يخـلـيه, ويأذن له بـالشفـاعة لهم. وإنـما قال ذلك تعالـى ذكره لأن الـمشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا لـيقرّبونا إلـى الله زلفـى, فقال الله تعالـى ذكره لهم: لـي ما فـي السموات وما فـي الأرض مع السموات والأرض ملكا, فلا ينبغي العبـادة لغيري, فلا تعبدوا الأوثان التـي تزعمون أنها تقربكم منـي زلفـى, فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغنـي عنكم شيئا, ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتـخـلـيتـي إياه والشفـاعة لـمن يشفع له, من رسلـي وأولـيائي وأهل طاعتـي.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {يَعْلَـمُ ما بَـيْنَ أيْدِيهِمْ وَما خَـلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْـمِهِ إلاّ بِـمَا شاءَ}.
يعنـي تعالـى ذكره بذلك أنه الـمـحيط بكل ما كان وبكل ما هو كائن علـما, لا يخفـى علـيه شيء منه.
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا جرير, عن منصور, عن الـحكم: {وَيَعْلَـمُ مَا بَـيْنَ أَيْدِيهِمْ} الدنـيا {وَما خَـلْفَهُمْ} الاَخرة.
ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد: {يَعْلَـمُ مَا بَـيْنَ أيْدِيهِمْ} ما مضى من الدنـيا {وَما خَـلْفَهُمْ} من الاَخرة.
ـ حدثنا القاسم, قال: حدثنا الـحسين, قال: ثنـي حجاج, قال: قال ابن جريج قوله: {يَعْلَـمُ مَا بَـيْنَ أيْدِيهِمْ} ما مضى أمامهم من الدنـيا {وَما خَـلْفَهُمْ} ما يكون بعدهم من الدنـيا والاَخرة.
ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: {يَعْلَـمُ مَا بَـيْنَ أيْدِيهِمْ} قال: ما بـين أيديهم فـالدنـيا {وَما خَـلْفَهُمْ} فـالاَخرة.
وأما قوله: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْـمِهِ إِلاّ بِـمَا شاءَ} فإنه يعنـي تعالـى ذكره أنه العالـم الذي لا يخفـى علـيه شيء مـحيط بذلك كله مـحص له دون سائر من دونه, وأنه لا يعلـم أحد سواه شيئا إلا بـما شاء هو أن يعلـمه فأراد فعلـمه.
وإنـما يعنـي بذلك أن العبـادة لا تنبغي لـمن كان بـالأشياء جاهلاً فكيف يعبد من لا يعقل شيئا البتة من وثن وصنـم, يقول: أخـلصوا العبـادة لـمن هو مـحيط بـالأشياء كلها يعلـمها, لا يخفـى علـيه صغيرها وكبـيرها.
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْـمِهِ} يقول: لا يعلـمون بشيء من علـمه إلا بـما شاء هو أن يعلـمهم.
القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَوَاتِ وَالأَرْضَ}.
اختلف أهل التأويـل فـي معنى الكرسي الذي أخبر الله تعالـى ذكره فـي هذه الآية أنه وسع السموات والأرض, فقال بعضهم: هو علـم الله تعالـى ذكره. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنا أبو كريب وسلـم بن جنادة, قالا: حدثنا ابن إدريس, عن مطرف, عن جعفر بن أبـي الـمغيرة, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس: {وَسِعَ كُرْسِيّهُ} قال: كرسيه: علـمه.
ـ حدثنـي يعقوب بن إبراهيـم, قال: حدثنا هشيـم, قال: أخبرنا مطرّف, عن جعفر بن أبـي الـمغيرة, عن سعيد بن جبـير, عن ابن عبـاس, مثله, وزاد فـيه: ألا ترى إلـى قوله: {وَلاَ يَؤُوُدُهُ حِفْظُهُمَا}؟
وقال آخرون: الكرسي: موضع القدمين. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنـي علـيّ بن مسلـم الطوسي, قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي مـحمد بن جحادة, عن سلـمة بن كهيـل, عن عمارة بن عمير, عن أبـي موسى, قال: الكرسي: موضع القدمين, وله أطيط كأطيط الرحل.
ـ حدثنـي موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: {وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَوَاتِ وَالأرْضَ} فإن السموات والأرض فـي جوف الكرسي, والكرسي بـين يدي العرش, وهو موضع قدميه.
ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك قوله: {وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَوَاتِ وَالأرْضَ} قال: كرسيه الذي يوضع تـحت العرش, الذي يجعل الـملوك علـيه أقدامهم.
ـ حدثنا أحمد بن إسحاق, قال: حدثنا أبو أحمد الزبـيري, عن سفـيان, عن عمار الدهنـي, عن مسلـم البطين, قال: الكرسي: موضع القدمين.
ـ حدثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع: {وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَوَاتِ وَالأرْضَ} قال: لـما نزلت: {وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَوَاتِ وَالأرْضَ} قال أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هذا الكرسي وسع السموات والأرض, فكيف العرش؟ فأنزل الله تعالـى: {وَما قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ} إلـى قوله: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالـى عَمّا يُشْرِكُونَ}.
ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَوَاتِ والأرْضَ} قال ابن زيد: فحدثنـي أبـي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما السّمَوَاتُ السّبْعُ فِـي الكُرْسِيّ إلاّ كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِـيَتْ فِـي تُرْسٍ». قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما الكُرْسِيّ فـي العَرْشِ إلاّ كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِـيَتْ بَـيْنَ ظَهْرَيْ فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ».
وقال آخرون: الكرسي: هو العرش نفسه. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك, قال: كان الـحسن يقول: الكرسي: هو العرش.
قال أبو جعفر: ولكل قول من هذه الأقوال وجه ومذهب, غير أن الذي هو أولـى بتأويـل الآية ما جاء به الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو ما:
ـ حدثنـي به عبد الله بن أبـي زياد القطوانـي, قال: حدثنا عبـيد الله بن موسى, قال: أخبرنا إسرائيـل, عن أبـي إسحاق, عن عبد الله بن خـلـيفة, قال: أتت امرأة النبـيّ صلى الله عليه وسلم, فقالت: ادع الله أن يدخـلنـي الـجنة! فعظم الربّ تعالـى ذكره, ثم قال: «إنّ كُرْسِيّهُ وَسِعَ السّمَوَاتِ وَالأرْضَ, وَإنّهُ لَـيَقْعُدُ عَلَـيْهِ فَمَا يَفْضُلُ مِنْهُ مِقْدَارُ أرْبَعِ أصَابِعَ» ثم قال بأصابعه فجمعها: «وَإنّ لَهُ أطيطا كأطِيطِ الرّحْلِ الـجَدِيدِ إذَا رُكِبَ مِنْ ثِقَلِه».
حدثنـي عبد الله بن أبـي زياد, قال: حدثنا يحيـى بن أبـي بكر, عن إسرائيـل, عن أبـي إسحاق, عن عبد الله بن خـلـيفة, عن عمر, عن النبـيّ صلى الله عليه وسلم, بنـحوه.
حدثنا أحمد بن إسحاق, قال: حدثنا أبو أحمد, قال: حدثنا إسرائيـل, عن أبـي إسحاق, عن عبد الله بن خـلـيفة, قال: جاءت امرأة, فذكر نـحوه.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:20 AM
وأما الذي يدل علـى صحته ظاهر القرآن فقول ابن عبـاس الذي رواه جعفر بن أبـي الـمغيرة عن سعيد بن جبـير عنه أنه قال: هو علـمه, وذلك لدلالة قوله تعالـى ذكره: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُما} علـى أن ذلك كذلك, فأخبر أنه لا يؤوده حِفظ ما علـم, وأحاط به مـما فـي السموات والأرض, وكما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا فـي دعائهم: {رَبّنَا وَسِعْتَ كُلّ شَيْءٍ رَحمَةً وَعِلْـما} فأخبر تعالـى ذكره أن علـمه وسع كل شيء, فكذلك قوله: {وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَوَاتِ وَالأرْضَ}. وأصل الكرسي: العلـم, ومنه قـيـل للصحيفة يكون فـيها علـم مكتوب كُرّاسة, ومنه قول الراجز فـي صفة قانص:
حتـى إذَا ما احْتازَها تَكَرّسا
يعنـي علـم. ومنه يقال للعلـماء: الكراسي, لأنهم الـمعتـمد علـيهم, كما يقال: أوتاد الأرض, يعنـي بذلك أنهم العلـماء الذين تصلـح بهم الأرض¹ ومنه قول الشاعر:
يَحُفّ بِهِمْ بِـيضُ الوُجُوهِ وَعُصْبَةٌكَرَاسِيّ بـالأحْدَاثِ حِينَ تَنُوبُ
يعنـي بذلك علـماء بحوادث الأمور ونوازلها.
والعرب تسمي أصل كل شيء: الكِرْس, يقال منه: فلان كريـم الكِرْس: أي كريـم الأرض, قال العجاج:
قَدْ عَلِـمَ القُدّوسُ مَوْلَـى القُدْسِأنّ أبـا العَبّـاسِ أوْلَـى نَفْسِ
بِـمَعْدن الـمُلْـكِ الكَرِيـمِ الكِـرْسِ
يعنـي بذلك: الكريـم الأصل, ويُروى:
فِـي مَعْـدِنِ العزّ الكَرِيـمِ الكِـرْسِ
(القول فـي تأويـل قوله تعالـى: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِـيّ العَظِيـمُ}.
يعنـي تعالـى ذكره بقوله: {وَلا يَؤُوُدُهُ حِفْظُهُمَا} ولا يشقّ علـيه ولا يثقله, يقال منه: قد آنى هذا الأمر فهو يؤودنـي أَوْدا وإيادا, ويقال: ما آدك فهو لـي آئد, يعنـي بذلك: ما أثقلك فهو لـي مثقل.
وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل. ذكر من قال ذلك:
ـ حدثنـي الـمثنى بن إبراهيـم, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية بن صالـح, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس: {وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} يقول: لا يثقل علـيه.
حدثنـي مـحمد بن سعد, قال: ثنـي أبـي, قال: ثنـي عمي, قال: ثنـي أبـي, عن أبـيه, عن ابن عبـاس: {وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُما} قال: لا يثقل علـيه حفظهما.
ـ حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} لا يثقل علـيه لا يجهده حفظهما.
ـ حدثنا الـحسن بن يحيـى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر عن الـحسن وقتادة فـي قوله: {وَلاَ يَؤُوُدُهُ حِفْظُهُمَا} قال: لا يثقل علـيه شيء.
حدثنـي مـحمد بن عبد الله بن بزيع, قال: حدثنا يوسف بن خالد السمتـي, قال: حدثنا نافع بن مالك, عن عكرمة, عن ابن عبـاس فـي قوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} قال: لا يثقل علـيه حفظهما.
ـ حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا ابن أبـي زائدة, وحدثنا يحيـى بن أبـي طالب, قال: أخبرنا يزيد, قالا جميعا: أخبرنا جويبر, عن الضحاك: {وَلاَ يَؤُوُدُهُ حِفْظُهُمَا} قال: لا يثقل علـيه.
حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا يحيـى بن واضح, عن عبـيد, عن الضحاك, مثله.
ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: سمعته ـ يعنـي خلادا ـ يقول: سمعت أبـا عبد الرحمن الـمدينـي يقول فـي هذه الآية: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} قال: لا يكثر علـيه.
ـ حدثنا مـحمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى بن ميـمون, عن ابن أبـي نـجيح, عن مـجاهد فـي قول الله: {وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} قال: لا يَكْرُثُهُ.
ـ حدثنـي موسى, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسبـاط, عن السدي: {وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} قال: لا يثقل علـيه.
ـ حدثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبـي جعفر, عن أبـيه, عن الربـيع قوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} يقول: لا يثقل علـيه حفظهما.
ـ حدثنـي يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد فـي قوله: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} قال: لا يعزّ علـيه حفظهما.
قال أبو جعفر: والهاء والـميـم والألف فـي قوله: {حِفْظُهُمَا} من ذكر السموات والأرض¹ فتأويـل الكلام: وسع كرسيه السموات والأرض, ولا يثقل علـيه حفظ السموات والأرض.
وأما تأويـل قوله: {وَهُوَ العَلِـيّ} فإنه يعنـي: والله العلـيّ. والعلِـيّ: الفعيـل من قولك علا يعلو علوّا: إذا ارتفع, فهو عالٍ وعلـيّ, والعلـيّ: ذو العلوّ والارتفـاع علـى خـلقه بقدرته. وكذلك قوله: {العَظِيـمُ} ذو العظمة, الذي كل شيء دونه, فلا شيء أعظم منه. كما:
ـ حدثنـي الـمثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالـح, قال: ثنـي معاوية بن صالـح, عن علـيّ بن أبـي طلـحة, عن ابن عبـاس: العظيـم الذي قد كمل فـي عظمته.
واختلف أهل البحث فـي معنى قوله: {وَهُوَ العَلِـيّ} فقال بعضهم: يعنـي بذلك¹ وهو العلـيّ عن النظير والأشبـاه. وأنكروا أن يكون معنى ذلك: وهو العلـيّ الـمكان, وقالوا: غير جائز أن يخـلو منه مكان, ولا معنى لوصفه بعلوّ الـمكان¹ لأن ذلك وصفه بأنه فـي مكان دون مكان.
وقال آخرون: معنى ذلك: وهو العلـيّ علـى خـلقه بـارتفـاع مكانه عن أماكن خـلقه, لأنه تعالـى ذكره فوق جميع خـلقه وخـلقه دونه, كما وصف به نفسه أنه علـى العرش, فهو عالٍ بذلك علـيهم.
وكذلك اختلفوا فـي معنى قوله: {العَظِيـمُ} فقال بعضهم: معنى العظيـم فـي هذا الـموضع: الـمعظم صرف الـمُفَعّل إلـى فعيـل, كما قـيـل للـخمر الـمعتقة: خمر عتـيق, كما قال الشاعر:
وكأنّ الـخَمْرَ العَتِـيقَ مِنَ الإسْــفَنْطِ مَـمْزُوجَةً بِـمَاءٍ زُلالِ
وإنـما هي معتقة. قالوا: فقوله «العظيـم» معناه: الـمعظم الذي يعظمه خـلقه ويهابونه ويتقونه. قالوا: وإما يحتـمل قول القائل: هو عظيـم أحد معنـيـين: أحدهما: ما وصفنا من أنه معظم¹ والاَخر: أنه عظيـم فـي الـمساحة والوزن. قالوا: وفـي بطول القول بأن يكون معنى ذلك: أنه عظيـم فـي الـمساحة والوزن صحة القول بـما قلنا.
وقال آخرون: بل تأويـل قوله: {العَظِيـمُ} هو أن له عظمة هي له صفة. وقالوا: لا نصف عظمته بكيفـية, ولكنا نضيف ذلك إلـيه من جهة الإثبـات, وننفـي عنه أن يكون ذلك علـى معنى مشابهة العظم الـمعروف من العبـاد, لأن ذلك تشبـيه له بخـلقه, ولـيس كذلك. وأنكر هؤلاء ما قاله أهل الـمقالة التـي قدمنا ذكرها, وقالوا: لو كان معنى ذلك أنه معظم, لوجب أن يكون قد كان غير عظيـم قبل أن يخـلق الـخـلق, وأن يبطل معنى ذلك عند فناء الـخـلق, لأنه لا معظم له فـي هذه الأحوال.
وقال آخرون: بل قوله: إنه العظيـم وصف منه نفسه بـالعظم. وقالوا: كل ما دونه من خـلقه فبـمعنى الصغر لصغرهم عن عظمته
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:21 AM
البغوى
قوله عز وجل: " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني أنا حميد بن زنجويه أنا ابن شيبة أنا عبد الأعلى عن الجريري عن أبي السليل عن عبد الله بن رباح الأنصاري عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا المنذر أي آية من كتاب الله أعظم قلت " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " قال فضرب في صدري ثم قال: ليهنك العلم ثم قال: والذي نفس محمد بيده إن لهذه الآية لساناً وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش" . أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف عن محمد بن إسماعيل قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو : أخبرنا عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:" وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني محتاج وعلي عيال ولي شديدة قال: فخليت سبيله فأصبحت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يارسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله قال: (( أما إنه قد كذبك وسيعود )) فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيعود، فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال ولا أعود، فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال: لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك قلت: يارسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته وخليت سبيله قال: أما إنه كذبك وسيعود فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا آخر ثلث مرات إنك تزعم لا تعود ثم تعود قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت: ما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل أسيرك البارحة قلت يارسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال ما هي؟ قلت: قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " وقال: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص الناس على الخير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة قلت: لا قال ذاك الشيطان ". أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا أبو معاوية عن عبد الرحمن بن أبي بكر هو المليكي عن زرارة بن مصعب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ حين يصبح آية الكرسي وآيتين من أول " حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم " (2-غافر) حفظ في يومه ذلك حتى يمسي ومن قرأهما حين يمسي حفظ في ليلته تلك حتى يصبح ". قوله تعالى: " الله " رفع بالإبتداء وخبره في " لا إله إلا هو الحي " الباقي الدائم على الأبد وهو من له الحياة، ةالحياة صفة الله تعالى " القيوم " قرأ عمر وابن مسعود (( القيام )) وقرأ علقمة (( القيم )) وكلها لغات بمعنى واحد، قال مجاهد " القيوم " القائم على كل شيء وقال الكلبي : القائم على كل نفس بما كسبت وقيل هو القائم بالأمور. وقال أبو عبيدة: الذي لا يزول " لا تأخذه سنة ولا نوم " السنة: النعاس وهو النوم الخفيف، والوسنان بين النائم واليقظان يقال منه وسن يسن وسناً وسنة والنوم هو الثقيل المزيل للقوة والعقل، قال المفضل الضبي : السنة في الرأس والنوم في القلب، فالسنة أول النوم وهو النعاس، وقيل السنة في الرأس والنعاس في العين والنوم في القلب فهو غشية ثقيلة تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء، نفى الله تعالى عن نفسه النوم لأنه آفة وهو منزه عن الآفات ولأنه تغير ولا يجوز عليه التغير. أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو اسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرنا عبد الله بن حامد أخبرنا محمد بن جعفر أخبرنا علي بن حرب أخبرنا أبو معاوية أخبرنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال:" إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، ولكنه يخفض القسط، ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ". ورواه المسعودي عن عمرو بن مرة وقال: حجابه النار. " له ما في السموات وما في الأرض " ملكاً وخلقاً " من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " بأمره " يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم " قال مجاهد و عطاء و السدي : " ما بين أيديهم " من أمر الدنيا " وما خلفهم " من أمر الآخرة، وقال الكلبي : " ما بين أيديهم " يعني الآخرة لأنهم يقدمون عليها " وما خلفهم " الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم، وقال ابن جريج : ما بين أيديهم ما مضى أمامهم وما خلفهم ما يكون بعدهم، وقال مقاتل : ما بين أيديهم، ما كان قبل خلق الملائكة وما خلفهم أي ما كان بعد خلقهم، وقيل: ما بين أيديهم أي ما قدموه من خير أو وشر وما خلفهم ما هم فاعلوه " ولا يحيطون بشيء من علمه " أي من علم الله " إلا بما شاء " أي يطلعهم عليه يعني لا يحيطون بشيء من علم الغيب إلا بما شاء مما أخبر به الرسل كما قال الله تعالى: " فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول " (36-الجن) قوله تعالى: " وسع كرسيه السموات والأرض " أي ملأ وأحاط به، واختلفوا في الكرسي فقال الحسن : هو العرش نفسه وقال أبو هريرة رضي الله عنه: الكرسي موضوع أمام العرش ومعنى قوله: " وسع كرسيه السموات والأرض " أي سعته مثل سعة السموات والأرض، وفي الأخبار أن السموات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة، والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة. ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن السموات السبع والأرضين السبع في الكرسي كدراهم سبعة ألأقيت في ترس. وقال علي و مقاتل : كل قائمة من الكرسي طولها مثل السموات السبع والأرضين السبع، وهو بين يدي العرش، ويحمل الكرسي أربعة أملاك، لكل ملك أربعة وجوه، وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى مسيرة خمسمائة عام، ملك على صورة سيد البشر آدم عليه السلام، وهو يسأل للآدميين الرزق والمطر من السنة إلى السنة، وملك على صورة سيد الأنعام وهو الثور وهو يسأل للإنعام الرزق من السنة إلى السنة وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل، وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد يسأل للسباع الرزق من السنة إلى السنة، [ وملك على صورة سيد الطير وهو النسر يسأل الرزق للطير من السنة إلى السنة ] وفي بعض الأخبار أن ما بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعين حجاباً من ظلمة وسبعين حجاباً من نور غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام لولا ذلك لاحترق حملة الكرسي من نور حملة العرش. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أراد بالكرسي علمه وهو قول مجاهد ، ومنه قيل لصحيفة العلم كراسه، وقيل: كرسيه ملكه وسلطانه، والعرب تسمى الملك القديم كرسياً، " ولا يؤوده " أي لا يثقله ولا يشق عليه يقال: آدني الشي أي أثقلني " حفظهما " أي حفظ السموات والأرض " وهو العلي " الرفيع فوق خلقه والمتعالى عن الأشياء والأنداد، وقيل العلي بالملك والسلطنة " العظيم " الكبير الذي لا شيء أعظم منه.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:22 AM
الكشاف للزمخشرى
" الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنةٌ ولا نومٌ له ما في السموات وما في الأرض من ذا
الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيءٍ من علمه إلا بما شاء
وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم "
" الحي " الباقي الذي لا سبيل عليه للفناء وهو على اصطلاح المتكلمين الذي يصح أن يعلم
ويقدر و " القيوم " الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه. وقرئ: القيام والقيم والسنة: ما يتقدم النوم
من الفتور الذي يسمى النعاس. قال ابن الرقاع العاملي:
وسنان أقصده النعاس فرنقت في عينه سنةٌ وليس بنائم
أي لا يأخذه نعاس ولا نوم وهو تأكيد للقيوم لأن من جاز عليه ذلك استحال أن يكون قيوماً.
أنه سأل الملائكة وكان ذلك من قومه كطلب الرؤية: أينام ربنا فأوحى الله إليهم أن يوقظوه
ثلاثاً ولا يتركوه ينام ثم قال: خذ بيدك قارورتين مملوءتين. فأخذهما وألقى الله عليه النعاس
فضرب إحداهما على الأخرى فانكسرتا ثم أوحى إليه: قل لهؤلاء إني أمسك السموات
والأرض بقدرتي فلو أخذني نوم أو نعاس لزالتا. " من ذا الذي يشفع عنده " بيان لملكوته
وكبريائه. وأن أحداً لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام كقوله تعالى: " لا
يتكلمون إلا من أذن له الرحمن " النبأ: 38 " يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم " ما كان قبلهم وما
يكون بعدهم. والضمير لما في السموات والأرض لأن فيهم العقلاء أو لما دل عليه " من ذا " من الملائكة والأنبياء " من علمه " من معلوماته " إلا بما شاء " إلا بما علم. الكرسي ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد. وفي قوله " وسع كرسيه " أربعة أوجه: أحدها أن كرسيه لم يضق عن السموات والأرض لبسطته وسعته وما هو إلا تصوير لعظمته وتخييل فقط ولا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد كقوله: " وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه " الزمر: 67 من غير تصور قبضة وطي ويمين وإنما هو تخييل لعظمة شأنه وتمثيل حسي. ألا ترى إلى قوله: " وما قدروا الله حق قدره " والثاني: وسع علمه وسمي العلم كرسياً تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم. والثالث: وسع ملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك. والرابع ما روي: أنه خلق كرسياً هو بين يدي العرش دونه السموات والأرض وهو إلى العرش كأصغر شيء. وعن الحسن: الكرسي هو العرش " ولا يؤده " ولا يثقله ولا يشق عليه " حفظهما " حفظ السموات والأرض " وهو العلي " الشأن " العظيم " الملك والقدرة. فإن قلت: كيف ترتبت الجمل في آية الكرسي من غير حرف عطف قلت: ما منها جملة إلا وهي واردة على سبيل البيان لما ترتبت عليه والبيان متحد بالمبين فلو توسط بينهما عاطف لكان كما تقول العرب: بين العصا ولحائها فالأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمناً عليه غير ساه عنه. والثانية لكونه مالكاً لما يدبره. والثالثة لكبرياء شأنه. والرابعة لإحاطته بأحوال الخلق وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة وغير المرتضى. والخامسة لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها أو لجلاله وعظم قدره. فإن قلت: لم فضلت هذه الآية حتى ورد في فضلها ما ورد منه قوله صلى الله عليه وسلم: " ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوماً ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة يا علي علمها ولدك وأهلك وجيرانك فما نزلت آية أعظم منها " وعن علي رضي الله عنه: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم على أعواد المنبر وهو يقول:
" من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد ومن قرأها إذا أخذ مضجعه أمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله ". وتذاكر الصحابة رضوان الله عليهم أفضل ما في القرآن فقال لهم علي رضي الله عنه.
أين أنتم عن آية الكرسي ثم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا علي سيد
البشر آدم وسيد العرب محمد ولا فخر وسيد الفرس سلمان وسيد الروم صهيب وسيد
الحبشة بلال وسيد الجبال الطور وسيد الأيام يوم الجمعة وسيد الكلام القرآن وسيد القرآن
البقرة وسيد البقر آية الكرسي " قلت: لما فضلت له سورة الإخلاص لاشتمالها على توحيد الله
وتعظيمه وتمجيده وصفاته العظمى ولا مذكور أعظم من رب العزة فما كان ذكراً له كان أفضل من سائر الأذكار. وبهذا يعلم أن أشرف العلوم وأعلاها منزلة عند الله علم أهل العدل
والتوحيد ولا يغرنك عنه كثرة أعدائه:
فإن العرانين تلقاها محسدةً ولا ترى للئام الناس حساداً
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:23 AM
البيضاوى
الله لا إله إلا هو ^ مبتدأ وخبر والمعنى أنه المستحق للعبادة لا غيره وللنجاة خلاف في أنه هل يضمر للأخير مثل في الوجود أو يصح أن يوجد الحي الذي يصح أن يعلم ويقدر وكل ما يصح له فهو واجب لا يزول لامتناعه عن القوة والإمكان القيوم الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه فيعول من قام بالأمر إذا حفظه وقرىء القيام والقيم ^ لا تأخذه سنة ولا نوم ^ السنة فتور يتقدم النوم قال ابن الرقاع وسنان أقصده النعاس فرنقت في عينه سنة وليس بنائم والنوم حال تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة
المتصاعدة بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأسا وتقديم السنة عليه وقياس المبالغة عكسه على ترتيب الوجود والجملة نفي للتشبيه وتأكيد لكونه حيا قيوما فإن من أخذه نعاس أو نوم كان موؤف الحياة قاصرا في الحفظ والتدبير ولذلك ترك العاطف فيه وفي الجمل التي بعده له ما في السموات وما في الأرض تقرير لقيوميته واحتجاج به عل ىتفرده في الألوهية والمراد بما فيهما داخلا في حقيقتهما أو خارجا عنهما متمكنا فيهما فهو أبلغ من قوله له السموات والأرض وما فيهن ^ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ^
بيان لكبرياء شأنه سبحانه وتعالى وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه يستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة فضلا عن أن يعاوقه عنادا أو مناصبة أي مخاصمة ^ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ^ ما قبلهم وما بعدهم أو بالعكس لأنك مستقبل المستقبل ومستدبر الماضي أو أمور الدنيا وأمور الآخرة أو عكسه أو ما يحسونه وما يعقلونه أو ما يدركونه وما لايدركونه والضمير لما في السموات والأرض لأن فيهما العقلاء أو لما دل عليه من ذا من الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ^ ولا يحيطون بشيء من علمه ^ من معلوماته ^ إلا بما شاء ^ أن يعلموه وعطفه على ما قبله لأن مجموعهما يدل على تفرده بالعلم الذاتي التام الدال على وحدانيته سبحانه وتعالى وسع كرسيه السموات والأرض
تصوير لعظمته وتمثيل مجرد كقوله تعالى ^ وما قدروا الله حق قدره ^ والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ولا كرسي في الحقيقة ولا قاعد . وقيل كرسيه مجاز عن علمه أو ملكه مأخوذ من كرسي العالم والملك وقيل جسم بين يدي العرش ولذلك سمي كرسيا محيط بالسموات السبع لقوله عليه الصلاة والسلام ما السموات السبع والأرضون السبع من الكرسي إلا كحلقة في فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ولعله الفلك المشهور بفلك البروج وهو في الأصل اسم لما يقعد عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد وكأنه منسوب إلى الكرسي وهو الملبد ^ ولا يؤوده ^ أي ولا يثقله مأخوذ من الأود وهو الاعوجاج حفظهما أي حفظه السموات والأرض فحذف الفاعل وأضاف المصدر إلى المفعول ^ وهو العلي ^ المتعالي عن الأنداد والأشباه العظيم المستحقر بالإضافة إليه كل ما سواه . وهذه الآية مشتملة على أمهات المسائل الإلهية فإنها دالة على أنه تعالى موجود واحد في الألوهية متصف بالحياة واجب الوجود لذاته موجد لغيره إذ القيوم هو القائم
بنفسه المقيم لغيره منزه عن التحيز والحلول مبرأ عن التغير والفتور لا يناسب الأشباح ولا يعتريه ما يعتري الأرواح مالك الملك والملكوت ومبدع الأصول والفروع ذو البطش الشديد الذي لا يشفع عنده إلا من أذن له عالم الأشياء كلها جليها وخفيها كليها وجزئيها واسع الملك والقدرة كل ما يصح أن يملك ويقدر عليه لا يؤده شاق ولا يشغله شأن متعال عما يدركه وهو عظيم لا يحيط به فهم ولذلك قال عليه الصلاة والسلام إن أعظم آية في القرآن آية الكرسي من قرأها بعث الله ملكا يكتب من حسناته ويمحو من سيئاته إلى الغد من تلك الساعة وقال من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد ومن
قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:24 AM
القرطبى
255 {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم}
@قوله تعالى: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" هذه آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية، كما تقدم بيانه في الفاتحة، ونزلت ليلا ودعا النبي صلى الله عليه وسلم زيدا فكتبها. روي عن محمد بن الحنفية أنه قال: لما نزلت آية الكرسي خر كل صنم في الدنيا، وكذلك خر كل ملك في الدنيا وسقطت التيجان عن رؤوسهم، وهربت الشياطين يضرب بعضهم على بعض إلى أن أتوا إبليس فأخبروه بذلك فأمرهم أن يبحثوا عن ذلك، فجاؤوا إلى المدينة فبلغهم أن آية الكرسي قد نزلت. وروى الأئمة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم) ؟ قال قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم) ؟ قال قلت: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" فضرب في صدري وقال: (ليهنك العلم يا أبا المنذر). زاد الترمذي الحكيم أبو عبدالله: (فوالذي نفسي بيده إن لهذه الآية للسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش). قال أبو عبدالله: فهذه آية أنزلها الله جل ذكره، وجعل ثوابها لقارئها عاجلا وآجلا، فأما في العاجل فهي حارسة لمن قرأها من الآفات، وروي لنا عن نوف البكالي أنه قال: آية الكرسي تدعى في التوراة ولية الله. يريد يدعي قارئها في ملكوت السماوات والأرض عزيزا، قال: فكان عبدالرحمن بن عوف إذا دخل بيته قرأ آية الكرسي في زوايا بيته الأربع، معناه كأنه يلتمس بذلك أن تكون له حارسا من جوانبه الأربع، وأن تنفي عنه الشيطان من زوايا بيته. وروي عن عمر أنه صارع جنيا فصرعه عمر رضي الله عنه؛ فقال له الجني: خل عني حتى أعلمك ما تمتنعون به منا، فخلى عنه وسأله فقال: إنكم تمتنعون منا بآية الكرسي.
قلت: هذا صحيح، وفي الخبر: من قرأ الكرسي دبر كل صلاة كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال والإكرام، وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى يستشهد. وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول وهو على أعواد المنبر: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله). وفي البخاري عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، وذكر قصة وفيها: فقلت يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخيلت سبيله، قال: (ما هي) ؟ قلت قال لي: إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم "الله لا إله إلا هو الحي القيوم". وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة) ؟ قال: لا؛ قال: (ذاك شيطان). وفي مسند الدارمي أبي محمد قال الشعبي قال عبدالله بن مسعود: لقي رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رجلا من الجن فصارعه فصرعه الإنسي، فقال له الإنسي: إني لأراك ضئيلا شخيتا كأن ذريعتيك ذريعتا كلب فكذلك أنتم معشر الجن، أم أنت من بينهم كذلك ؟ قال: لا والله إني منهم لضليع ولكن عاودني الثانية فإن صرعتني علمتك شيئا ينفعك، قال نعم، فصرعه، قال:، تقرأ آية الكرسي: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم"؟ قال: نعم؛ قال: فإنك لا تقرأها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خبج كخبج الحمار ثم لا يدخله حتى يصبح. أخرجه أبو نعيم عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي. وذكره أبو عبيدة في غريب حديث عمر حدثناه أبو معاوية عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي عن عبدالله قال: فقيل لعبدالله: أهو عمر ؟ فقال: ما عسى أن يكون إلا عمر. قال أبو محمد الدارمي: الضئيل: الدقيق، والشخيت: المهزول، والضليع: جيد الأضلاع، والخبج: الريح. وقال أبو عبيدة: الخبج: الضراط، وهو الحبج أيضا بالحاء. وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حم - المؤمن - إلى إليه المصير وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح) قال: حديث غريب. وقال أبو عبدالله الترمذي الحكيم: وروى أن المؤمنين ندبوا إلى المحافظة على قراءتها دبر كل صلاة. عن أنس رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أوحى الله إلى موسى عليه السلام من داوم على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة أعطيته فوق ما أعطي الشاكرين وأجر النبيين وأعمال الصديقين وبسطت عليه يميني بالرحمة ولم يمنعه أن أدخله الجنة إلا أن يأتيه ملك الموت) قال موسى عليه السلام: يا رب من سمع بهذا لا يداوم عليه؟ قال: (إني لا أعطيه من عبادي إلا لنبي أو صديق أو رجل أحبه أو رجل أريد قتله في سبيلي). وعن أبي بن كعب قال: قال الله تعالى: (يا موسى من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة أعطيته ثواب الأنبياء) قال أبو عبدالله: معناه عندي أعطيته ثواب عمل الأنبياء، فأما ثواب النبوة فليس لأحد إلا للأنبياء. وهذه الآية تضمنت التوحيد والصفات العلا، وهي خمسون كلمة، وفي كل كلمة خمسون بركة، وهي تعدل ثلث القرآن، ورد بذلك الحديث، ذكره ابن عطية. و"الله" مبتدأ، و"لا إله" مبتدأ ثان وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود. و"إلا هو" بدل من موضع لا إله. وقيل: "الله لا إله إلا هو" ابتداء وخبر، وهو مرفوع محمول على المعنى، أي ما إله إلا هو، ويجوز في غير القرآن لا إله إلا إياه، نصب على الاستثناء. قال أبو ذر في حديثه الطويل: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي آية أنزل الله عليك من القرآن أعظم ؟ فقال: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم). وقال ابن عباس: أشرف آية في القرآن آية الكرسي. قال بعض العلماء: لأنه يكرر فيها اسم الله تعالى بين مضمر وظاهر ثماني عشرة مرة.
@ قوله: "الحي القيوم" نعت لله عز وجل، وإن شئت كان بدلا من "هو"، وإن شئت كان خبرا بعد خبر، وإن شئت على إضمار مبتدأ. ويجوز في غير القرآن النصب على المدح. و"الحي" اسم من أسمائه الحسنى يسمى به، ويقال: إنه اسم الله تعالى الأعظم. ويقال: إن عيسى ابن مريم عليه السلام كان إذا أراد أن يحيي الموتى يدعو بهذا الدعاء: يا حي يا قيوم. ويقال: إن آصف بن برخيا لما أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان دعا بقوله يا حي يا قيوم. ويقال: إن بني إسرائيل سألوا موسى عن اسم الله الأعظم فقال لهم: أيا هيا شرا هيا، يعني يا حي يا قيوم. ويقال: هو دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق يدعون به. قال الطبري عن قوم: إنه يقال حي قيوم كما وصف نفسه، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه. وقيل: سمى نفسه حيا لصرفه الأمور مصاريفها وتقديره الأشياء مقاديرها. وقال قتادة: الحي الذي لا يموت. وقال السدي: المراد بالحي الباقي. قال لبيد:
فإما تريني اليوم أصبحت سالما فلست بأحيا من كلاب وجعفر
وقد قيل: إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم. "القيوم" من قام؛ أي القائم بتدبير ما خلق؛ عن قتادة. وقال الحسن: معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها بعملها، من حيث هو عالم بها لا يخفى عليه شيء منها. وقال ابن عباس: معناه الذي لا يحول ولا يزول؛ قال أمية بن أبي الصلت:
لم تخلق السماء والنجوم والشمس معها قمر يقوم
قدره مهيمن قيوم والحشر والجنة والنعيم
إلا لأمر شأنه عظيم
قال البيهقي: ورأيت في "عيون التفسير" لإسماعيل الضرير تفسير القيوم قال: ويقال هو الذي لا ينام؛ وكأنه أخذه من قوله عز وجل عقيبه في آية الكرسي: "لا تأخذه سنة ولا نوم". وقال الكلبي: القيوم الذي لا بدئ له؛ ذكره أبو بكر الأنباري. وأصل قيوم قيووم اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فأدغمت الأولى في الثانية بعد قلب الواو ياء؛ ولا يكون قيوم فعولا؛ لأنه من الواو فكان يكون قيووما. وقرأ ابن مسعود وعلقمة والأعمش والنخعي "الحي القيام" بالألف، وروي ذلك عن عمر. ولا خلاف بين أهل اللغة في أن القيوم أعرف عند العرب وأصح بناء وأثبت علة. والقيام منقول عن القوام إلى القيام، صرف عن الفعال إلى الفيعال، كما قيل للصواغ الصياغ؛ قال الشاعر:
إن ذا العرش للذي يرزق النا س وحي عليهم قيوم
ثم نفى عز وجل أن تأخذه سنة ولا نوم. والسنة: النعاس في قول الجميع. والنعاس ما كان من العين فإذا صار في القلب صار نوما؛ قال عدي بن الرقاع يصف امرأة بفتور النظر:
وسنان أقصده النعاس فرنقت في عينه سنة وليس بنائم
وفرق المفضل بينهما فقال: السنة من الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب. وقال ابن زيد: الوسنان الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل، حتى ربما جرد السيف على أهله. قال ابن عطية: وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر، وليس ذلك بمفهوم من كلام العرب. وقال السدي: السنة: ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان.
قلت: وبالجملة فهو فتور يعتري الإنسان ولا يفقد معه عقله. والمراد بهذه الآية أن الله تعالى لا يدركه خلل ولا يلحقه ملل بحال من الأحوال. والأصل في سِنَة وسْنَة حذفت الواو كما حذفت من يسن. والنوم هو المستثقل الذي يزول معه الذهن في حق البشر. والواو للعطف و"لا" توكيد.
قلت: والناس يذكرون في هذا الباب عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى على المنبر قال: (وقع في نفس موسى هل ينام الله جل ثناؤه فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا ثم أعطاه قارورتين في كله يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما قال فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان ثم يستيقظ فينحي أحديهما عن الأخرى حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان - قال - ضرب الله له مثلا أن لو كان ينام لم تمتسك السماء والأرض) ولا يصح هذا الحديث، ضعفه غير واحد منهم البيهقي
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:25 AM
@قوله تعالى: "له ما في السماوات وما في الأرض" أي بالملك فهو مالك الجميع وربه وجاءت العبارة بـ "ما" وإن كان في الجملة من يعقل من حيث المراد الجملة والموجود. قال الطبري: نزلت هذه الآية لما قال الكفار: ما نعبد أوثانا إلا ليقربونا إلى الله زلفى.
@قوله تعالى: "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه" "من" رفع بالابتداء و"ذا" خبره؛ و"الذي" نعت لـ "ذا"، وإن شئت بدل، ولا يجوز أن تكون "ذا" زائدة كما زيدت مع "ما" لأن "ما" مبهمة فزيدت "ذا" معها لشبهها بها. وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة، وهم الأنبياء والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أكرمهم وشرفهم الله، ثم لا يشفعون إلا لمن ارتضى؛ كما قال: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى" [الأنبياء: 28] قال ابن عطية: والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار وهو بين المنزلتين، أو وصل ولكن له أعماله صالحة. وفي البخاري في "باب بقية من أبواب الرؤية": إن المؤمنين يقولون: ربنا إن إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا. وهذه شفاعة فيمن يقرب أمره، وكما يشفع الطفل المحبنطئ على باب الجنة. وهذا إنما هو في قراباتهم ومعارفهم. وإن الأنبياء يشفعون فيمن حصل في النار من عصاة أممهم بذنوب دون قربى ولا معرفة إلا بنفس الإيمان، ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين في المستغرقين في الخطايا والذنوب الذين لم تعمل فيهم شفاعة الأنبياء. وأما شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في تعجيل الحساب فخاصة له.
قلت: قد بين مسلم في صحيحه كيفية الشفاعة بيانا شافيا، وكأنه رحمه الله لم يقرأه وأن الشافعين يدخلون النار ويخرجون منها أناسا استوجبوا العذاب؛ فعلى هذا لا يبعد أن يكون للمؤمنين شفاعتان: شفاعة فيمن لم يصل إلى النار، وشفاعة فيمن وصل إليها ودخلها؛ أجارنا الله منها. فذكر من حديث أبي سعيد الخدري: (ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم - قيل: يا رسول الله وما الجسر ؟ قال: دحض مزلة فيها خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول عز وجل ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به، ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به، ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا - وكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم "إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما" [النساء: 40] (فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما) وذكر الحديث. وذكر من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال ليس ذلك لك - أو قال ليس ذلك إليك - وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله). وذكر من حديث أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: (حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود) الحديث بطوله.
قلت: فدلت هذه الأحاديث على أن شفاعة المؤمنين وغيرهم إنما هي لمن دخل النار وحصل فيها، أجارنا الله منها وقول ابن عطية: "ممن لم يصل أو وصل" يحتمل أن يكون أخذه من أحاديث أخر، والله أعلم. وقد خرج ابن ماجة في سننه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يصف الناس يوم القيامة صفوفا - وقال ابن نمير أهل الجنة - فيمر الرجل من أهل النار على الرجل فيقول يا فلان أما تذكر يوم استسقيت فسقيتك شربة ؟ قال فيشفع له ويمر الرجل على الرجل فيقول أما تذكر يوم ناولتك طهورا ؟ فيشفع له - قال ابن نمير - ويقول يا فلان أما تذكر يوم بعثتني لحاجة كذا وكذا فذهبت لك ؟ فيشفع له).
وأما شفاعات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فاختلف فيها؛ فقيل ثلاث، وقيل اثنتان، وقيل: خمس، يأتي بيانها في "سبحان" إن شاء الله تعالى. وقد أتينا عليها في كتاب "التذكرة" والحمد لله.
@قوله تعالى: "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم" الضميران عائدان على كل من يعقل ممن تضمنه قوله: "له ما في السماوات وما في الأرض ". وقال مجاهد: "ما بين أيديهم" الدنيا "وما خلفهم" الآخرة. قال ابن عطية: وكل هذا صحيح في نفسه لا بأس به؛ لأن ما بين اليد هو كل ما تقدم الإنسان، وما خلفه هو كل ما يأتي بعده؛ وبنحو قول مجاهد قال السدي وغيره.
@قوله تعالى: "ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء" العلم هنا بمعنى المعلوم، أي ولا يحيطون بشيء من معلوماته؛ وهذا كقول الخضر لموسى عليه السلام حين نقر العصفور في البحر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر. فهذا وما شاكله راجع إلى المعلومات؛ لأن علم الله سبحانه وتعالى الذي هو صفة ذاته لا يتبعض. ومعنى الآية لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه.
@قوله تعالى: "وسع كرسيه السماوات والأرض" ذكر ابن عساكر في تاريخه عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الكرسي لؤلؤة والقلم لؤلؤة وطول القلم سبعمائة سنة وطول الكرسي حيث لا يعلمه إلا الله). وروى حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة - وهو عاصم بن أبي النجود - عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال: بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي وبين العرش مسيرة خمسمائة عام، والعرش فوق الماء والله فوق العرش يعلم ما أنتم فيه وعليه. يقال كُرسي وكرسي والجمع الكراسي. وقال ابن عباس: كرسيه علمه. ورجحه الطبري، قال: ومنه الكراسة التي تضم العلم؛ ومنه قيل للعلماء: الكراسي؛ لأنهم المعتمد عليهم؛ كما يقال: أوتاد الأرض.
قال الشاعر:
يحف بهم بيض الوجوه وعصبة كراسي بالأحداث حين تنوب
أي علماء بحوادث الأمور. وقيل: كرسيه قدرته التي يمسك بها السماوات والأرض، كما تقول: اجعل لهذا الحائط كرسيا، أي ما يعمده. وهذا قريب من قول ابن عباس في قوله "وسع كرسيه". قال البيهقي: وروينا عن ابن مسعود وسعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله "وسع كرسيه" قال: علمه. وسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد به الكرسي المشهور مع العرش. وروى إسرائيل عن السدي عن أبي مالك في قوله "وسع كرسيه السماوات والأرض" قال: إن الصخرة التي عليها الأرض السابعة ومنتهى الخلق على أرجائها، عليها أربعة من الملائكة لكل واحد منهم أربعة وجوه: وجه إنسان ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر؛ فهم قيام عليها قد أحاطوا بالأرضين والسماوات، ورؤوسهم تحت الكرسي والكرسي تحت العرش والله واضع كرسيه فوق العرش. قال البيهقي: في هذا إشارة إلى كرسيين: أحدهما تحت العرش، والآخر موضوع على العرش. وفي رواية أسباط عن السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود عن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله "وسع كرسيه السماوات والأرض" فإن السماوات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش. وأرباب الإلحاد يحملونها على عظم الملك وجلالة السلطان، وينكرون وجود العرش والكرسي وليس بشيء. وأهل الحق يجيزونهما؛ إذ في قدرة الله متسع فيجب الإيمان بذلك. قال أبو موسى الأشعري: الكرسي موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل. قال البيهقي: قد روينا أيضا في هذا عن ابن عباس وذكرنا أن معناه فيما يرى أنه موضوع من العرش موضع القدمين من السرير، وليس فيه إثبات المكان لله تعالى. وعن ابن بريدة عن أبيه قال: لما قدم جعفر من الحبشة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أعجب شيء رأيته) ؟ قال: رأيت امرأة على رأسها مكتل طعام فمر فارس فأذراه فقعدت تجمع طعامها، ثم التفتت إليه فقالت له: ويل لك يوم يضع الملك كرسيه فيأخذ للمظلوم من الظالم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا لقولها: (لا قدست أمة - أو كيف تقدس أمة - لا يأخذ ضعيفها حقه من شديدها). قال ابن عطية: في قول أبي موسى "الكرسي موضع القدمين" يريد هو من عرش الرحمن كموضع القدمين من أسرة الملوك، فهو مخلوق عظيم بين يدي العرش نسبته إليه كنسبة الكرسي إلى سرير الملك. وقال الحسن بن أبي الحسن: الكرسي هو العرش نفسه؛ وهذا ليس بمرضي، والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش والعرش أعظم منه. وروى أبو إدريس الخولاني عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله، أي ما أنزل عليك أعظم ؟ قال: (آية الكرسي - ثم قال - يا أبا ذر ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة). أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده والبيهقي وذكر أنه صحيح. وقال مجاهد: ما السماوات والأرض في الكرسي إلا بمنزلة حلقة ملقاة في أرض فلاة. وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقات الله تعالى، ويستفاد من ذلك عظم قدرة الله عز وجل إذ لا يؤده حفظ هذا الأمر العظيم.
@و "يؤوده" معناه يثقله؛ يقال: آدني الشيء بمعنى أثقلني وتحملت منه المشقة، وبهذا فسر اللفظة ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم. قال الزجاج: فجائز أن تكون الهاء لله عز وجل، وجائز أن تكون للكرسي؛ وإذا كانت للكرسي؛ فهو من أمر الله تعالى. و"العلي" يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان؛ لأن الله منزه عن التحيز. وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا: هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه. قال ابن عطية: وهذا قول جهلة مجسمين، وكان الوجه ألا يحكى. وعن عبدالرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به سمع تسبيحا في السماوات العلى: سبحان الله العلي الأعلى سبحانه وتعالى. والعلي والعالي: القاهر الغالب للأشياء؛ تقول العرب: علا فلان فلانا أي غلبه وقهره؛ قال الشاعر:
فلما علونا واستوينا عليهم تركناهم صرعى لنسر وكاسر
ومنه قوله تعالى: "إن فرعون علا في الأرض" [القصص: 4]. و"العظيم" صفة بمعنى عظيم القدر والخطر والشرف، لا على معنى عظم الأجرام. وحكى الطبري عن قوم أن العظيم معناه المعظم، كما يقال: العتيق بمعنى المعتق، وأنشد بيت الأعشى:
فكأن الخمر العتيق من الإسـ ـفنط ممزوجة بماء زلال
وحكي عن قوم أنهم أنكروا ذلك وقالوا: لو كان بمعنى معظم لوجب ألا يكون عظيما قبل أن يخلق الخلق وبعد فنائهم؛ إذ لا معظم له حينئذ.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:26 AM
ابن كثير
++++ اللّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لّهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مّنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَآءَ وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيّ الْعَظِيمُ
هذه آية الكرسي, ولها شأن عظيم, وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها أفضل آية في كتاب الله. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق, حدثنا سفيان, عن سعيد الجريري, عن أبي السليل, عن عبد الله بن رباح, عن أبي هو ابن كعب, أن النبي صلى الله عليه وسلم, سأله «أي آية في كتاب الله أعظم ؟ قال الله ورسوله أعلم, فرددها مراراً, ثم قال: آية الكرسي, قال «ليهنك العلم أبا المنذر, والذي نفسي بيده, إن لها لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش» وقد رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة, عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى, عن الجريري به, وليس عنده زيادة: والذي نفسي بيده الخ.
(حديث آخر) عن أبي أيضاً في فضل آية الكرسي, قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي, حدثنا مبشر عن الأوزاعي, عن يحيى بن أبي كثير, عن عبدة بن أبي لبابة, عن عبد الله بن أبي بن كعب, أن أباه أخبره أنه كان له جرن فيه تمر, قال: فكان أبي يتعاهده, فوجده ينقص, قال: فحرسه ذات ليلة, فإذا هو بدابة شبيه الغلام المحتلم, قال: فسلمت عليه, فرد السلام, قال: فقلت: ما أنت ؟ جني أم أنسي ؟ قال: جني. قال: ناولني يدك, قال فناولني يده, فإذا يد كلب وشعر كلب, فقلت: هكذا خلق الجن . قال: لقد علمت الجن ما فيهم أشد مني. قلت: فما حملك على ما صنعت ؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة, فأحببنا أن نصيب من طعامك. قال: فقال له أبي: فما الذي يجيرنا منكم ؟ قال: هذه الاَية, آية الكرسي, ثم غدا إلى النبي فأخبره, فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق الخبيث» وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي داود الطيالسي, عن حرب بن شداد, عن يحيى بن أبي كثير, عن الحضرمي بن لاحق, عن محمد بن عمرو بن أبي بن كعب, عن جده به, وقال الحاكم: صحيح الإسناد, ولم يخرجاه.
(طريق آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر, حدثنا عثمان بن غياث, قال: سمعت أبا السليل, قال: كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحدث الناس حتى يكثروا عليه, فيصعد على سطح بيت, فيحدث الناس, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله: «أي آية في القرآن أعظم ؟» فقال رجل {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} قال: فوضع يده بين كتفي, فوجدت بردها بين ثديي, أو قال: فوضع يده بين ثديي فوجدت بردها بين كتفي, وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر.
(حديث آخر) عن الأسقع البقري. قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو زيد القرطيسي, حدثنا يعقوب بن أبي عباد المكي, حدثنا مسلم بن خالد, عن ابن جريج, أخبرني عمر بن عطاء أن مولى ابن الأسقع رجل صدق, أخبره عن الأسقع البكري, أنه سمعه يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في صفة المهاجرين, فسأله إنسان: أي آية في القرآن أعظم ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم « الله لا إله هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} حتى انقضت الاَية.
(حديث آخر) ـ عن أنس ـ قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن الحارث, حدثني سلمة بن وردان, أن أنس بن مالك, حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل رجلاً من صحابته, فقال «أي فلان هل تزوجت ؟ قال: لا , وليس عندي ما أتزوج به, قال «أوليس معك قل هو الله أحد ؟» قال: بلى, قال «ربع القرآن». قال «أليس معك قل يا أيها الكافرون ؟» قال: بلى. قال: «ربع القرآن». أليس معك إذا زلزلت ؟» قال: بلى. قال «ربع القرآن» قال «أليس معك إذا جاء نصر الله ؟ قال: بلى. قال «ربع القرآن». قال «أليس معك آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم» قال بلى. قال «ربع القرآن».
(حديث آخر) عن أبي ذر جندب بن جنادة. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع بن الجراح, حدثنا المسعودي, أنبأني أبو عمر الدمشقي, عن عبيد الخشخاش, عن أبي ذر رضي الله عنه, قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فجلست, فقال «يا أبا ذر, هل صليت ؟» قلت: لا . قال «قم فصل». قال: فقمت فصليت, ثم جلست, فقال «يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن». قال: قلت: يا رسول الله, أوَ للإنس شياطين ؟ قال: نعم, قال قلت: يا رسول الله الصلاة ؟ قال «خير موضوع, من شاء أقل, ومن شاء أكثر» قال: قلت: يا رسول الله فالصوم ؟ قال «فرض مجزي وعند الله مزيد» قلت: يا رسول الله فالصدقة ؟ قال «أضعاف مضاعفة». قلت: يا رسول الله, فأيها أفضل ؟ قال: «جهد من مقل, أوسر إلى فقير» قلت: يا رسول الله, أي الأنبياء كان أول ؟ قال: «آدم» قلت: يا رسول الله, ونبي كان ؟ قال: نعم نبي مكلم» قلت: يا رسول الله, كم المرسلون ؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر جماً غفيراً», وقال مرة «وخمسة عشر» قلت: يا رسول الله, أي ما أنزل عليك أعظم ؟ قال: «آية الكرسي { الله لا إله إلا هوالحي القيوم} ورواه النسائي.
(حديث آخر) عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه. قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى, عن أخيه عبد الرحمن بن أبي ليلى, عن أبي أيوب, أنه كان في سهوة له, وكانت الغول تجيء فتأخذ, فشكاها إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال «فإذا رأيتها فقل باسم الله, أجيبي رسول الله». قال: فجاءت, فقال لها, فأخذها, فقالت: إني لا أعود, فأرسلها¹ فجاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «ما فعل أسيرك» ؟ قال: أخذتها, فقالت: إني لا أعود, فأرسلتها, فقال: إنها عائدة, فأخذتها مرتين أو ثلاثاً كل ذلك تقول: لا أعود, فيقول «إنها عائدة», فأخذتها, فقالت: أرسلني, وأعلمك شيئاً تقوله فلا يقربك شيء, آية الكرسي, فأتى النبي صلى الله عليه وسلم. فأخبره, فقال «صدقت وهي كذوب». ورواه الترمذي في فضائل القرآن عن بندار عن أبي أحمد الزبيري به, وقال حسن غريب. والغول في لغة العرب: الجان إذا تبدى في الليل.
وقد ذكر البخاري هذه القصة عن أبي هريرة, فقال في كتاب فضائل القرآن, وفي كتاب الوكالة, وفي صفة إبليس من صحيحه, قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو: حدثنا عوف عن محمد بن سيرين, عن أبي هريرة, قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان, فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام, أخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: دعني فإني محتاج وعليّ عيال ولي حاجة شديدة, قال: فخليت عنه فأصبحت, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة ؟» قال: قلت يا رسول الله, شكا حاجة شديدة وعيالاً, فرحمته وخليت سبيله, قال «أما إنه قد كذبك وسيعود» فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «إنه سيعود» فرصدته, فجاء يحثو الطعام, فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعني فأنا محتاج وعليّ عيال, لا أعود. فرحمته وخليت سبيله, فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم, «يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة ؟» قلت: يا رسول الله, شكا حاجة وعيالاً, فرحمته وخليت سبيله. قال «أما أنه قد كذبك وسيعود», فرصدته الثالثة, فجاء يحثو من الطعام, فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود, فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها, قلت: وما هي ؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي { الله لا إله إلا هو الحي القيوم} حتى تختم الاَية, فإنك لن يزال عليك من الله حافظ, ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فخليت سبيله, فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما فعل أسيرك البارحة ؟» قلت: يا رسول الله, زعم أنه يعلمني كلمات ينفعي الله بها, فخليت سبيله. قال «وما هي ؟» قال لي: إذا أويت إلى فراشك, فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الاَية { الله لا إله إلا هو الحي القيوم} وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح, وكانوا أحرص شيء على الخير, فقال النبي صلى الله عليه وسلم «أما صدقك وهو كذوب, تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟» قلت: لا . قال «ذاك شيطان». كذا رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم, وقد رواه النسائي في اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب, عن عثمان بن الهيثم, فذكره وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة بسياق آخر قريب من هذا, فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عمرويه الصفار, حدثنا أحمد بن زهير بن حرب, أنبأنا مسلم بن إبراهيم, أنبأنا إسماعيل بن مسلم العبدي, أنبأنا أبو المتوكل الناجي, أن أبا هريرة كان معه مفتاح بيت الصدقة, وكان فيه تمر, فذهب يوماً ففتح الباب, فوجد التمر قد أخذ منه ملء كف, ودخل يوماً آخر فإذا قد أخذ منه ملء كف, ثم دخل يوماً آخر ثالثاً, فإذا قد أخذ منه مثل ذلك, فشكا ذلك أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «تحب أن تأخذ صاحبك هذا ؟» قال: نعم. قال «فإذا فتحت الباب فقل سبحان من سخرك محمد. فذهب ففتح الباب فقال سبحان من سخرك محمد فإذا هو قائم بين يديه, قال: يا عدو الله, أنت صاحب هذا. قال: نعم, دعني فإني لا أعود, ما كنت آخذاً إلا لأهل بيت من الجن فقراء, فخلى عنه, ثم عاد الثانية, ثم الثالثة, فقلت: أليس قد عاهدتني ألا تعود ؟ لا أدعك اليوم حتى أذهب بك إلى النبي صلى الله عليه وسلم, قال لا تفعل, فإنك إن تدعني علمتك كلمات إذا أنت قلتها, لم يقربك أحد من الجن صغير ولا كبير, ذكر ولا أنثى, قال له: لتفعلن ؟ قال: نعم. قال: ما هن ؟ قال { الله لا إله إلا هو الحي القيوم} قرأ آية الكرسي حتى ختمها, فتركه فذهب فلم يعد, فذكر ذلك أبو هريرة للنبي صلى الله عليه وسلم, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «أماعلمت أن ذلك كذلك» وقد رواه النسائي عن أحمد بن محمد بن عبيد الله, عن شعيب بن حرب, عن إسماعيل بن مسلم, عن أبي المتوكل, عن أبي هريرة به, وقد تقدم لأبي بن كعب كائنة مثل هذه أيضاً, فهذه ثلاث وقائع.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:27 AM
(قصة أخرى) قال أبو عبيد في كتاب الغريب: حدثنا أبو معاوية, عن أبي عاصم الثقفي, عن الشعبي, عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رجل من الإنس, فلقيه رجل من الجن فقال: هل لك أن تصارعني ؟ فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان, فصارعه فصرعه, فقال: إني أراك ضئيلاً شخيتاً, كأن ذراعيك ذراعا كلب, أفهكذا أنتم أيهاالجن كلكم, أم أنت من بينهم ؟ فقال: إني بينهم لضليع, فعاودني فصارعه فصرعه الأنسي فقال: تقرأ آية الكرسي فإنه لا يقرؤها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان وله خبخ كخبخ الحمار, فقيل لابن مسعود: أهو عمر ؟ فقال من عسى أن يكون إلا عمر, قال أبو عبيد: الضئيل النحيف الجسم, والخيخ بالخاء المعجمة, ويقال بالحاء المهملة الضراط.
(حديث آخر) عن أبي هريرة. قال الحاكم أبو عبد الله في مستدركه: حدثنا علي بن حمشان, حدثنا سفيان حدثنا بشر بن موسى, حدثنا الحميدي, حدثنا حكيم بن جبير الأسدي, عن أبي صالح, عن أبي هريرة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن, لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه: آية الكرسي», وكذا رواه من طريق آخر عن زائدة, عن حكيم بن جبير, ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه, كذا قال, وقد رواه الترمذي من حديث زائدة, ولفظه «لكل شيء سنام, وسنام القرآن سورة البقرة, وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي» ثم قال: غريب, لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير, وقد تكلم فيه شعبة وضعفه. (قلت) وكذا ضعفه أحمد ويحيى بن معين, وغير واحد من الأئمة, وتركه ابن مهدي وكذبه السعدي.
(حديث آخر) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن نافع, أخبرنا عيسى بن محمد المروزي, أخبرنا عمر بن محمد البخاري, أخبرنا عيسى بن غنجار, عن عبد الله بن كيسان, حدثنا يحيى, أخبرنا بن عقيل, عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر, عن عمر بن الخطاب: أنه خرج ذات يوم إلى الناس وهم سماطات فقال: أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن. فقال ابن مسعود على الخبير سقطت, سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أعظم آية في القرآن {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}.
(حديث آخر) في اشتماله على اسم الله الأعظم قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر, أنبأنا عبد الله بن زياد, حدثنا شهر بن حوشب, عن أسماء بنت يزيد بن السكن, قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هاتين الاَيتين {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} و {ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم} «إن فيهما اسم الله الأعظم» وكذا رواه أبو داود, عن مسدد والترمذي, عن علي بن خشرم وابن ماجه, عن أبي بكر بن أبي شيبة, ثلاثتهم عن عيسى بن يونس, عن عبيد الله بن أبي زياد به, وقال الترمذي: حسن صحيح.
(حديث آخر) في معنى هذا, عن أمامة رضي الله عنه, قال ابن مردويه: أخبرنا عبد الله بن نمير, أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل, أخبرنا هشام بن عمار, أنبأنا الوليد بن مسلم, أخبرنا عبد الله بن العلاء بن زيد, أنه سمع القاسم بن عبد الرحمن يحدث عن أبي أمامة يرفعه, قال «اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة, وآل عمران وطه» وقال هشام وهو ابن عمار خطيب دمشق أما البقرة و {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} وفي آل عمران {ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم} وفي طه {وعنت الوجوه للحي القيوم}.
(حديث آخر) عن أبي أمامة في فضل قراءتها بعد الصلاة المكتوبة, قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن محرز بن مساور الأدمي, أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسن, أخبرنا الحسين بن بشر بطرسوس, أخبرنا محمد بن حمير, أخبرنا محمد بن زياد, عن أبي أمامة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي, لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة, عن الحسين بن بشر به, وأخرجه ابن حبان في صحيحه, من حديث محمد بن حمير وهو الحمصي, من رجال البخاري أيضاً, فهو إسناد على شرط البخاري, وقد زعم أبو الفرج بن الجوزي, أنه حديث موضوع, والله أعلم. وقد روى ابن مردويه من حديث علي والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله, نحو هذا الحديث, ولكن في إسناد كل منهما ضعف. وقال ابن مردويه أيضاً: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقري, أخبرنا يحيى بن درستويه المروزي, أخبرنا زياد بن إبراهيم, أخبرنا أبو حمزة السكري, عن المثنى, عن قتادة, عن الحسن, عن أبي موسى الأشعري, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أوحى الله إلى موسى بن عمران عليه السلام أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة, فإنه من يقرؤها في دبر كل صلاة مكتوبة, أجعل له قلب الشاكرين, ولسان الذاكرين, وثواب النبيين, وأعمال الصديقين, ولا يواظب على ذلك إلا نبي أو صديق أو عبد امتحنت قلبه للإيمان, أو أريد قتله في سبيل الله» وهذا حديث منكر جداً.
(حديث آخر) في أنها تحفظ من قرأها في أول النهار وأول الليل. قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا يحيى بن المغيرة أبو سلمة المخزومي المديني, أخبرنا ابن أبي فديك. عن عبد الرحمن المليكي, عن زرارة بن مصعب, عن أبي سلمة, عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قرأ: {حم} المؤمن إلى {إليه المصير} وآية الكرسي, حين يصبح, حفظ بهما حتى يمسي, ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح» ثم قال: هذا حديث غريب, وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مليكة المليكي, من قبل حفظه.
وقد ورد في فضلها أحاديث أخر, تركناها اختصاراً لعدم صحتها وضعف أسانيدها كحديث علي في قراءتها عند الحجامة, إنها تقوم مقام حجامتين. وحديث أبي هريرة في كتابتها في اليد اليسرى بالزعفران سبع مرات, وتلحس للحفظ وعدم النسيان, أوردهما ابن مردويه, وغير ذلك.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:28 AM
وهذه الاَية مشتملة على عشر جمل مستقلة
فقوله {الله لا إله إلا هو} إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق {الحي القيوم} أي الحي في نفسه الذي لا يموت أبداً, القيم لغيره. وكان عمر يقرأ القيام, فجميع الموجودات مفتقرة إليه, وهو غني عنها, لا قوام لها بدون أمره, كقوله {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} وقوله {لا تأخذه سنة ولا نوم} أي لايعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه, بل هو قائم على كل نفس بما كسبت, شهيد على كل شيء, لا يغيب عنه شيء, ولا يخفى عليه خافية, ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم, فقوله {لا تأخذه} أي لا تغلبه سنة وهي الوسن والنعاس, ولهذا قال: ولا نوم لأنه أقوى من السنة. وفي الصحيح عن أبي موسىَ, قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات, فقال «إن الله لا ينام, ولا ينبغي له أن ينام, يخفض القسط ويرفعه, يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل, وعمل الليل قبل عمل النهار, حجابه النور أو النار, لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر, أخبرني الحكم بن أبان, عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله {لا تأخذه سنة ولا نوم} أن موسى عليه السلام سأل الملائكة: هل ينام الله عز وجل ؟ فأوحى الله تعالى إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثاً, فلا يتركوه ينام, ففعلوا, ثم أعطوه قارورتين فأمسكهما, ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما, قال: فجعل ينعس وهما في يده, وفي كل يد واحدة, قال: فجعل ينعس وينبه, وينعس وينبه, حتى نعس نعسة, فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما, قال معمر: إنما هو مثل ضربه الله عز وجل, يقول فكذلك السموات والأرض في يده, وهكذا رواه ابن جرير, عن الحسن بن يحيى, عن عبد الرزاق فذكره, وهو من أخبار بني إسرائيل, وهو مما يعلم أن موسى عليه السلام لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله عز وجل, وأنه منزه عنه, وأغرب من هذا كله الحديث الذي رواه ابن جرير: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل. حدثنا هشام بن يوسف, عن أمية بن شبل, عن الحكم بن أبان, عن عكرمة, عن أبي عكرمة عن أبي هريرة, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى عليه السلام على المنبر, قال «وقع في نفس موسى: هل ينام الله ؟ فأرسل إليه ملكاً فأرقه ثلاثاً, ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة, وأمره أن يحتفظ بهما قال: فجعل ينام, وكادت يداه تلتقيان, فيستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى, حتى نام نومة, فاصطفقت يداه, فانكسرت القارورتان, ـ قال ـ ضرب الله عز وجل مثلاً, أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض» وهذا حديث غريب جداً, والأظهر أنه إسرائيلي لا مرفوع, والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية, حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي, حدثني أبي عن أبيه, حدثنا أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى, هل ينام ربك ؟ قال: اتقوا الله, فناداه ربه عز وجل يا موسى, سألوك هل ينام ربك, فخذ زجاجتين في يديك, فقم الليلة, ففعل موسى, فلما ذهب من الليل ثلث نعس, فوقع لركبتيه, ثم انتعش فضبطهما, حتى إذا كان آخر الليل نعس, فسقطت الزجاجتان فانكسرتا, فقال: يا موسى, لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكت كما هلكت الزجاجتان في يديك. فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم آية الكرسي.
وقوله {له ما في السموات وما في الأرض} إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه, وتحت قهره وسلطانه, كقوله {إن كل من في السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبداً * لقد أحصاهم وعدهم عداً * وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً}.
وقوله {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} كقوله {وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} وكقوله {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل, أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة, كما في حديث الشفاعة: «آتي تحت العرش فأخر ساجداً, فيدعني ما شاء الله أن يدعني. ثم يقال: ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع ـ قال ـ فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة».
وقوله: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات, ماضيها وحاضرها ومستقبلها, كقوله إخباراً عن الملائكة {وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا, وما بين ذلك, وما كان ربك نسيا}.
وقوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} أي لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله عز وجل وأطلعه عليه. ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته, إلا بما أطلعهم الله عليه, كقوله: {ولا يحيطون به علماً}.
وقوله: {وسع كرسيه السموات والأرض}, قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج, حدثنا ابن إدريس عن مطرف بن طريف, عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, في قوله: {وسع كرسيه السموات والأرض} قال: علمه, وكذا رواه ابن جرير من حديث عبد الله بن إدريس وهشيم, كلاهما عن مطرف بن طريف به, قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير مثله, ثم قال ابن جرير: وقال آخرون الكرسي موضع القدمين, ثم رواه عن أبي موسى والسدي والضحاك ومسلم البطين. وقال شجاع بن مخلد في تفسيره: أخبرنا أبو عاصم, عن سفيان, عن عمار الذهبي, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل {وسع كرسيه السموات والأرض} ؟ قال «كرسيه موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل» كذا أورد هذا الحديث الحافظ أبو بكر بن مردويه من طريق شجاع بن مخلد الفلاس, فذكره وهو غلط, وقد رواه وكيع في تفسيره, حدثنا سفيان عن عمار الذهبي, عن مسلم البطين, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: الكرسي موضع القدمين, والعرش لا يقدر أحد قدره. وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي, عن محمد بن معاذ, عن أبي عاصم, عن سفيان, وهو الثوري بإسناده عن ابن عباس موقوفاً مثله, وقال: صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه. وقد رواه ابن مردويه من طريق الحاكم بن ظهير الغزاري الكوفي, وهو متروك عن السدي, عن أبيه, عن أبي هريرة, مرفوعاً ولا يصح أيضاً. وقال السدي, عن أبي مالك: الكرسي تحت العرش: وقال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي, والكرسي بين يدي العرش. وقال الضحاك عن ابن عباس: لو أن السموات السبع والأرضين السبع, بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض, ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة, ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم, وقال ابن جرير: حدثني يونس, أخبرني ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله «ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» قال: وقال أبو ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض».
وقال أبو بكر بن مردويه: أخبرنا سليمان بن أحمد, أخبرنا عبد الله بن وهيب المقري, أخبرنا محمد بن أبي السري العسقلاني, أخبرنا محمد بن عبد الله التميمي, عن القاسم بن محمد الثقفي, عن أبي إدريس الخولاني, عن أبي ذر الغفاري, أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي, إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة, وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة», وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده. حدثنا زهير, حدثنا ابن أبي بكر, حدثنا إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن عبد الله بن خليفة, عن عمر رضي الله عنه, قال: أتت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة, قال: فعظم الرب تبارك وتعالى, وقال: «إن كرسيه وسع السموات والأرض وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد من ثقله» وقد رواه الحافظ البزار في مسنده المشهور وعبد بن حميد وابن جرير في تفسيريهما, والطبراني وابن أبي عاصم في كتابي السنة لهما, والحافظ الضياء في كتابه المختار من حديث أبي إسحاق السبيعي, عن عبد الله بن خليفة, وليس بذاك المشهور, وفي سماعه من عمر نظر. ثم منهم من يرويه عنه عن عمر موقوفاً, ومنهم من يرويه عنه مرسلاً, ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة, ومنهم من يحذفها. وأغرب من هذا حديث جبير بن مطعم في صفة العرش كما رواه أبو داود في كتابه السنة من سننه,والله أعلم. وقد روى ابن مردويه وغيره أحاديث عن بريدة وجابر وغيرهما في وضع الكرسي يوم القيامة لفصل القضاء, والظاهر أن ذلك غير المذكور في هذه الاَية, وقد زعم بعض المتكلمين على علم الهيئة من الإسلاميين, إن الكرسي عندهم هو الفلك الثامن, وهو فلك الثوابت الذي فوقه الفلك التاسع, وهو الفلك الأثير ويقال له الأطلس, وقد رد ذلك عليهم آخرون وروى ابن جرير من طريق جويبر عن الحسن البصري أنه كان يقول: الكرسي هو العرش, والصحيح أن الكرسي غير العرش, والعرش أكبر منه, كما دلت على ذلك الاَثار والأخبار, وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد الله بن خليفة عن عمر في ذلك, وعندي في صحته نظر, والله أعلم.
وقوله: {ولا يؤده حفظهما} أي لا يثقله ولا يكرثه حفظ السموات والأرض, ومن فيهما, ومن بينهما, بل ذلك سهل عليه, يسير لديه, وهو القائم على كل نفس بما كسبت, الرقيب على جميع الأشياء, فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء, والأشياء كلها حقيرة بين يديه, الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون, وهو القاهر لكل شيء, الحسيب على كل شيء, الرقيب العلي العظيم, لا إله غيره, ولا رب سواه, فقوله: {وهو العلي العظيم} كقوله: {وهو الكبير المتعال} وهذه الاَيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح, أمروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:29 AM
الدر المأثور للسيوطى
أخرج أحمد واللفظ له ومسلم وأبو داود وابن الضريس والحاكم والهروي في فضائله عن أبي بن كعب "أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: آية الكرسي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} قال ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده أن لها لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش". وأخرج النسائي وأبو يعلى وابن حبان؟؟ وأبو الشيخ في العظمة والطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي معا في الدلائل عن أبي كعب: أنه كان له جرن فيه تمر فكان يتعاهده فوجده ينقص، فحرسه ذات ليلة فإذا هو بدابة شبه الغلام المحتلم، قال: فسلمت فرد السلام فقلت: ما أنت؟! جني أم أنسي؟ قال: جني. قلت: ناولني يدك. فناولني فإذا يداه يدا كلب وشعره شعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجن؟ قال: لقد علمت الجن أن ما فيهم من هو أشد مني. قلت: ما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة فأحببنا أن نصيب من طعامك. فقال له أبي: فما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية، آية الكرسي التي في سورة البقرة، من قالها حتى؟؟ يمسي أجير منا حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح أجير منا حتى يمسي. فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبره، فقال: "صدق الخبيث".
وأخرج البخاري في تاريخه والطبراني وأبو نعيم في المعرفة بسند رجاله ثقات عن ابن الأسقع البكري "أن النبي صلى الله عليه وسلم. جاءهم في صفة المهاجرين، فسأله إنسان أي آية في القرآن أعظم؟ فقال النبي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} حتى انقضت الآية".
وأخرج أحمد وابن الضريس والهروي في فضائله عن أنس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. سأل رجلا من أصحابه هل تزوجت؟ قال: لا، وليس عندي ما أتزوج به. قال: أو ليس معك {قل هو الله أحد} (الإخلاص الآية 1)؟ قال: بلى. قال: ربع القرآن، أليس معك {قل يا أيها الكافرون} (الكافرون الآية 1)؟ قال: بلى. قال: ربع القرآن، أليس معك {إذا زلزلت} (الزلزال الآية 1)؟ قال: بلى. قال: ربع القرآن، أليس معك {إذا جاء نصر الله} (الفتح الآية 1)؟ قال: بلى. قال: ربع القرآن، أليس معك آية الكرسي؟ قال: بلى. قال: فتزوج".
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ في دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي حفظ إلى الصلاة الأخرى، ولا يحافظ عليها إلا نبي أو صديق أو شهيد"
وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتدرون أي القرآن أعظم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} إلى آخر الآية".
وأخرج الطبراني بسند حسن عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. "من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة الله إلى الصلاة الأخرى".
وأخرج أبو الحسن محمد بن أحمد بن َشمعون الواعظ في أماليه وابن النجار عن عائشة "أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فشكا إليه أن ما في بيته ممحوق من البركة، فقال: أين أنت من آية الكرسي، ما تليت على طعام ولا على أدام إلا أنمى الله بركة ذلك الطعام والأدام".
وأخرج الدرامي عن أيفع بن عبد الله الكلاعي قال: قال رجل: يا رسول الله أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: "آية الكرسي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} قال: فأي آية في كتاب الله تحب أن تصيبك وأمتك؟ قال: آخر سورة البقرة، فإنها من كنز الرحمة من تحت عرش الله، ولم تترك خيرا في الدنيا والآخرة إلا اشتملت عليه".
وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة أعطاه الله قلوب الشاكرين، وأعمال الصديقين، وثواب النبيين، وبسط عليه يمينه بالرحمة، ولم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت فيدخلها".
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان من طريق محمد بن الضوء بن الصلصال بن الدلهمس عن أبيه عن جده "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة لم يكن بينه وبين أن يدخل الجنة إلا أن يموت، فإن مات دخل الجنة".
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن الضريس والطبراني والهروي في فضائله والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود أن أعظم آية في كتاب الله {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}.
وأخرج أبو عبيد وابن الضريس ومحمد بن نصر عن ابن مسعود قال: ما خلق الله من سماء ولا أرض ولا جنة ولا نار أعظم من آية في سورة البقرة {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}.
وأخرج سعيد بن منصور وابن الضريس والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود قال: ما من سماء ولا أرض ولا سهل ولا جبل أعظم من آية الكرسي.
وأخرج أبو عبيد في فضائله والدارمي والطبراني وأبو نعيم في دلائل النبوة والبيهقي عن ابن مسعود قال: خرج رجل من الأنس، فلقيه رجل من الجن فقال: هل لك أن تصارعني؟ فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان، فصارعه فصرعه الأنسي. فقال: تقرأ آية الكرسي، فإنه لا يقرؤها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان له خبج كخبج الحمار. فقيل لابن مسعود: أهو عمر؟ قال: من عسى أن يكون إلا عمر.
الخبج: الضراط.
وأخرج المحاملي في فوائده عن ابن مسعود قال: قال رجل: يا رسول الله علمني شيئا ينفعني الله به. قال "اقرأ آية الكرسي فإنه يحفظك وذريتك ويحفظ دارك، حتى الدويرات حول دارك".
وأخرج ابن مردويه والشيرازي في الألقاب والهروي في فضائله عن ابن عمر. أن عمر بن الخطاب خرج ذات يوم إلى الناس فقال: أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن، وأعدلها، وأخوفها، وأرجاها؟ فسكت القوم. فقال ابن مسعود: على الخبير سقطت "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: أعظم آية في القرآن {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} وأعدل آية في القرآن {ان الله يأمر بالعدل والإحسان} (النحل الآية 90) إلى آخرها، وأخوف آية في القرآن {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} (الزلزلة الآيتان 7_8) وأرجى آية في القرآن {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} (الزمر الآية 53) ".
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا قرأ آخر سورة البقرة، أو آية الكرسي ضحك، وقال: إنهما من كنز الرحمن تحت العرش، وإذا قرأ {من يعمل سوءا يجز به} (النساء الآية 123) استرجع واستكان".
وأخرج ابن الضريس ومحمد بن نصر والهروي في فضائله عن ابن عباس قال: ما خلق الله من سماء ولا أرض ولا سهل ولا جبل أعظم من سورة البقرة، وأعظم آية فيها آية الكرسي.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن المنذر وابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف، أنه كان إذا دخل منزله قرأ في زواياه آية الكرسي.
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب قال: سيد آي القرآن {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}.
وأخرج البيهقي عن علي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول: "من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ومن قرأها حين يأخذ مضجعه أمنه الله على داره ودار جاره، وأهل دويرات حوله".
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:30 AM
وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة والدارمي ومحمد بن نصر وابن الضريس عن علي قال: ما أرى رجلا ولد في الإسلام أو أدرك عقله الإسلام يبيت أبدا حتى يقرأ هذه الآية {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ولو تعلمون ما هي، إنما أعطيها نبيكم من كنز تحت العرش، ولم يعطها أحد قبل نبيكم، وما بت ليلة قط حتى أقرأها ثلاث مرات، أقرؤها في الركعتين بعد العشاء الآخرة، وفي وتري، وحين آخذ مضجعي من فراشي.
وأخرج أبو عبيد عن عبد الله بن رباح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال لأبي بن كعب: "أبا المنذر أي آية في القرآن أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم! قال: أبا المنذر أي آية في كتاب الله أعظم، قال: الله ورسوله أعلم! قال: أبا المنذر أي آية في كتاب الله عز وجل أعظم؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} قال: فضرب صدره وقال: ليهنك العلم أبا المنذر".
وأخرج ابن راهويه في مسنده عن عوف بن مالك قال: جلس أبو ذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: "يا رسول الله أيما أنزل الله عليك أعظم؟ قال {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} حتى تختم".
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان ومحمد بن نصر الطبراني والحاكم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن معاذ بن جبل قال: " ضم إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم تمر الصدقة، جعلته في غرفة لي، فكنت أجد فيه كل يوم نقصانا، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: هو عمل الشيطان فارصده، فرصدته ليلا، فلما ذهب هوى من الليل أقبل على صورة الفيل، فلما انتهى إلى الباب دخل من خلل الباب على غير صورته، فدنا من التمر فجعل يلتقمه، فشددت على ثيابي فتوسطته، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، يا عدو الله وثبت إلى تمر الصدقة فأخذته وكانوا أحق به منك، لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفضحك - فعاهدني أن لا يعود. فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل أسيرك؟ فقلت: عاهدني أن لا يعود. فقال: إنه عائد فارصده، فرصدته الليلة الثانية، فصنع مثل ذلك، وصنعت مثل ذلك، فعاهدني أن لا يعود، فخليت سبيله، ثم غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته. فقال: إنه عائد فارصده، فرصدته الليلة الثالثة فصنع مثل ذلك، وصنعت مثل ذلك، فقلت: يا عدو الله عاهدتني مرتين وهذه الثالثة. فقال: إني ذو عيال وما أتيتك إلا من نصيبين، ولو أصبت شيئا دونه ما أتيتك، ولقد كنا في مدينتكم هذه حتى بعث صاحبكم، فلما نزلت عليه آيتان انفرتنا منها فوقعنا بنصيبين، ولا تقرآن في بيت إلا لم يلج فيه الشيطان ثلاثا، فإن خليت سبيلي علمتكهما. قلت: نعم. قال: آية الكرسي، وآخر سورة البقرة {آمن الرسول} (البقرة الآية 285) إلى آخرها. فخليت سبيله، ثم غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبرته بما قال. فقال: صدق الخبيث وهو كذوب. قال: فكنت أقرؤهما بعد ذلك فلا أجد فيه نقصانا".
وأخرج الطبراني في السنة عن ابن عباس {الله لا إله إلا هو} يريد الذي ليس معه شريك، فكل معبود من دونه فهو خلق من خلق لا يضرون ولا ينفعون، ولا يملكون رزقا ولا حياة ولا نشورا {الحي} يريد الذي لا يموت {القيوم} الذي لا يبلى {لا تأخذه سنة} يريد النعاس {ولا نوم من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} يريد الملائكة مثل قوله {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} (الأنبياء الآية 28) {يعلم ما بين أيديهم} يريد من السماء إلى الأرض {وما خلفهم} يريد ما في السموات {ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء} يريد مما أطلعهم على علمه {وسع كرسيه السموات والأرض} يريد هو أعظم من السموات السبع والأرضين السبع {ولا يؤده حفظهما} يريد ولا يفوته شيء مما في السموات والأرض {وهو العلي العظيم} يريد لا أعلى منه، ولا أعظم، ولا أعز، ولا أجل، ولا أكرم.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي رحزة يزيد بن عبيد الساعي قال: "لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أتاه وفد من بني فزارة، فقالوا: يا رسول الله ادع ربك أن يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، وليشفع ربك إليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك هذا أنا شفعت إلى ربي فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه، لا إله إلا هو العظيم، وسع كرسيه السموات والأرض، فهي تئط من عظمته وجلاله كما يئط الرجل الحديد!".
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان ومحمد بن نصر والطبراني وأبو نعيم في الدلائل عن أبي أسيد الساعدي. أنه قطع تمر حائطه فجعله في غرفة، فكانت الغول تخالفه إلى مشربته فتسرق تمره وتفسده عليه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "تلك الغول يا أبا أسيد، فاستمع عليها فإذا سمعت اقتحامها قل: بسم الله أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت الغول: يا أبا أسيد اعفني أن تكلفني أن أذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطيك موثقا من الله أن لا أخالفك إلى بيتك ولا أسرق تمرك، وأدلك على آية تقرؤها على بيتك فلا تخالف إلى أهلك، وتقرؤها على إنائك فلا يكشف غطاؤه، فأعطته الموثق الذي رضي به منها. فقالت: الآية التي أدلك عليها هي آية الكرسي. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم. فقص عليه القصة، فقال: صدقت وهي كذوب".
وأخرج النسائي والروياني في مسنده وابن حبان والدارقطني والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت".
وأخرج ابن أبي الدنيا في الدعاء والطبراني وابن مردويه والهروي في فضائله والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي أمامة يرفعه "قال: اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث سور: سورة البقرة، وآل عمران، وطه، قال أبو أمامة: فالتمستها فوجدت في البقرة في آية الكرسي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} وفي آل عمران (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) (آل عمران الآية 2) وفي طه (وعنت الوجوه للحي القيوم) (طه الآية 111) ".
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم. نازلا على أبي أيوب في غرفة، وكان طعامه في سلة في المخدع، فكانت تجيء من الكوة كهيئة السنور تأخذ الطعام من السلة، فشكا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: تلك الغول فإذا جاءت فقل: عزم عليك
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحي. فجاءت فقال لها أبو أيوب:: عزم عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحي. فقالت: يا أبا أيوب دعني هذه المرة فوالله لا أعود، فتركها ثم قالت: هل لك أن أعلمك كلمات إذا قلتهن لا يقرب بيتك شيطان تلك الليلة وذلك اليوم ومن الغد؟ قال: نعم. قالت: اقرأ آية الكرسي. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبره. فقال: صدقت وهي كذوب ".
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان وأبو الشيخ في العظمة والطبراني والحاكم وأبو نعيم في الدلائل عن أبي أيوب "أنه كان في سهوة له، فكانت الغول تجيء فتأخذ، فشكاها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا رأيتها فقل: بسم الله أجيبي رسول الله. فجاءت فقال لها. فأخذها فقالت: إني لا أعود. فأرسلها فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له: ما فعل أسيرك؟ قال: أخذتها فقالت: إني لا أعود فأرسلتها. فقال: إنها عائدة. فأخذها مرتين أو ثلاثا كل ذلك تقول: لا أعود، ويجيء النبي صلى الله عليه وسلم. فيقول: ما فعل أسيرك؟ فيقول: أخذتها فتقول: لا أعود. فقال: إنها عائدة. فأخذها فقالت: أرسلني وأعلمك شيئا تقوله فلا يقربك شيء. آية الكرسي. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: صدقت وهي كذوب".
وأخرج أحمد وابن الضريس والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي ذر قال "قلت يا رسول الله: أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: آية الكرسي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ".
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:31 AM
وأخرج ابن السني عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: "من
قرأ آية الكرسي، وخواتيم سورة البقرة عند الكرب أغاثه الله".
وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى الأشعري مرفوعا "أوحى الله إلى موسى بن عمران: أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، فإنه من يقرأها في دبر كل صلاة مكتوبة أجعل له قلب الشاكرين، ولسان الذاكرين، وثواب النبيين، وأعمال الصديقين، ولا يواظب على ذلك إلا نبي، أو صديق، أو عبد امتحنت قلبه بالإيمان، أو أريد قتله في سبيل الله. قال ابن كثير: منكر جدا".
وأخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة قال: " قلت يا رسول الله أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} آية الكرسي".
وأخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق علي بن الحسين عن أبيه عن أمه فاطمة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دنا ولادها أمر أم سلمة وزينب بنت جحش أن يأتيا فاطمة، فيقرأ عندها آية الكرسي و {ان؟؟ ربكم الله} (الأعراف الآية 54} إلى آخر الآية، ويعوذاها بالمعوذتين".
وأخرج الديلمي عن علي بن أبي طالب قال: ما أرى رجلا أدرك عقله في الإسلام يبيت حتى يقرأ هذه الآية {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ولو تعلمون ما فيها لما تركتموها على حال، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أعطيت آية الكرسي من كنز تحت العرش، ولم يؤتها نبي قبلي. قال علي: فما بت ليلة قط منذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى أقرأها ".
وأخرج الطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال: كان لي تمر في سهوة لي، فجعلت أراه ينقص منه، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "إنك ستجد فيه غدا هرة فقل: أجيبي رسول صلى الله عليه وسلم فلما كان الغد وجدت فيه هرة فقلت: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتحولت عجوزا وقالت: أذكرك الله لما تركتني، فإني غير عائدة. فتركتها فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال:ما فعل الرجل؟ فأخبرته بخبرها. فقال: كذبت وهي عائدة. فقل لها: أجيبي رسول الله، فتحولت عجوزا. وقالت: أذكرك الله يا أبا أيوب لما تركتني هذه المرة فإني غير عائدة. فتركتها، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم. فقال كما قال لي، فعلت ذلك ثلاث مرات، فقالت لي في الثالثة: أذكرك الله يا أبا أيوب حتى أعلمك شيئا لا يسمعه شيطان فيدخل ذلك البيت فقلت: ما هو؟ فقالت: آية الكرسي لا يسمعها شيطان إلا ذهب، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت وإن كانت كذوبا".
وأخرج الطبراني عن أبي أيوب قال: أصبت جنية فقالت لي: دعني ولك علي أن أعلمك شيئا إذا قلته لم يضرك منا أحد. قلت: ما هو؟ قال: آية الكرسي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "صدقت وهي كذوب ".
وأخرج الطبراني عن أبي أيوب قال "كنت مؤذى في البيت، فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكانت روزنة في البيت لنا، فقال: ارصده فإذا أنت عاينت شيئا فقل: أجيبي يدعوك رسول الله صلى الله عليه وسلم فرصدت فإذا شيء قد تدلى من روزنة، فوثبت إليه وقلت: اخسأ يدعوك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخذته فتضرع إلي، وقال لي: لا أعود. فأرسلته فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل أسيرك؟ فأخبرته بالذي كان فقال: أما إنه سيعود. ففعلت ذلك ثلاث مرات كل ذلك آخذه وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالذي كان، فلما كانت الثالثة أخذته قلت: ما أنت بمفارقي حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فناشدني وتضرع إلي وقال: أعلمك شيئا إذا قلته من ليلتك لم يقربك جان ولا لص، تقرأ آية الكرسي. فأرسلته ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: ما فعل أسيرك؟ قلت: يا رسول الله ناشدني وتضرع إلي حتى رحمته، وعلمني شيئا أقوله إذا قلته لم يقربني جن ولا لص. قال: صدق وإن كان كذوبا".
وأخرج البخاري وابن الضريس والنسائي وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي هريرة قال "وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال، ولي حاجة شديدة فخليت عنه، فأصبحت فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته وخليت سبيله. قال: أما أنه قد كذبك وسيعود، فعرفت أنه سيعود فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود، فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل أسيرك؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالا فرحمته وخليت سبيله، فقال: أما إنه قد كذبك وسيعود. فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا آخر ثلاث مرات تزعم أنك لا تعود ثم تعود. فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت: ما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} حتى تختم الآية، فإنك لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان، حتى تصبح. فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما إنه صدقك وهو كذوب".
وأخرج البيهقي في الدلائل عن بريدة قال: كان لي طعام فتبينت فيه النقصان، فكمنت في الليل فإذا غول قد سقطت عليه، فقبضت عليها فقلت: لا أفارقك حتى أذهب بك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقالت: إني امرأة كثيرة العيال لا أعود. فجاءت الثانية والثالثة، فأخذتها فقالت: ذرني حتى أعلمك شيئا إذا قلته لم يقرب متاعك أحد منا، إذا أويت إلى فراشك فاقرأ على نفسك ومالك آية الكرسي. فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم. فقال "صدقت وهي كذوب".
وأخرج سعيد بن منصور والحاكم والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: " سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه، آية الكرسي".
وأخرج الدرامي والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. "من قرأ (حم، المؤمن) إلى (إليه المصير)، وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح ".
وأخرج البخاري في تاريخه وابن الضريس عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أعطيت آية الكرسي من تحت العرش ".
و أخرج ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان، والدينوري في المجالسة عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن جبريل أتاني فقال: إن عفريتا من الجن يكيدك، فإذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي".
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان وأبو الشيخ في العظمة عن ابن إسحق قال: خرج زيد بن ثابت ليلا إلى حائط له، فسمع فيه جلبة فقال: ما هذا؟ قال: رجل من الجان أصابتنا السنة، فأردت أن أصيب من ثمارهم فطيبوه لنا. قال: نعم، ثم قال زيد بن ثابت: ألا تخبرنا بالذي يعيذنا منكم؟ قال: آية الكرسي.
و أخرج أبو عبيد عن سلمة بن قيس وكان أول أمير كان على ايلياء قال: ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، أعظم من {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}.
وأخرج ابن الضريس عن الحسن "أن رجلا مات أخوه فرآه في المنام فقال: أخي أي الأعمال تجدون أفضل؟ قال: القرآن. قال: فأي القرآن؟ قال: آية الكرسي {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ثم قال: ترجون لنا شيئا؟ قال: نعم. قال: إنكم تعملون ولا تعلمون، وإنا نعلم ولا نعمل.
وأخرج ابن الضريس عن قتادة قال: من قرأ آية الكرسي إذا أوى إلى فراشه وكل به ملكين يحفظانه حتى يصبح.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس. أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل ينام ربك؟ قال: اتقوا لله. فناداه ربه: يا موسى سألوك هل ينام ربك، فخذ زجاجتين في يديك فقم الليل، ففعل موسى فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه ثم انتعش فضبطهما، حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا، فقال: يا موسى لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك، وأنزل الله على نبيه آية الكرسي
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:32 AM
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله {الحي} قال: حي لا يموت {القيوم} قيم على كل شيء يكلؤه ويرزقه ويحفظه.
وأخرج آدم ابن أبي إياس وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله {القيوم} قال: القائم على كل شيء.
وأخرج ابن أبي حاتم والحسن قال {القيوم} الذي لا زوال له.
و أخرج ابن الأنباري في المصاحف عن قتادة قال {الحي} الذي لا يموت و {القيوم} القائم الذي لا بديل له.
وأخرج آدم بن أبي إياس وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله {القيوم} قال: القائم على كل شيء.
وأخرج ابن أبي حاتم والحسن قال {القيوم} الذي لا زوال له.
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن قتادة قال {الحي} الذي لا يموت و {القيوم} القائم الذي لا بديل له.
وأخرج آدم بن أبي إياس وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله {لا تأخذه سنة ولا نوم} قال: السنة النعاس، والنوم هو النوم.
وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء والطستي في مسائله عن ابن عباس.
أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {لا تأخذه سنة} قال: السنة الوسنان الذي هو نائم وليس بنائم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمى وهو يقول:
ولا سنة طوال الدهر تأخذه * ولا ينام وما في أمره فند
و أخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك في الآية قال:السنة النعاس، والنوم الاستثقال.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن السدي قال: السنة ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان.
و أخرج ابن أبي حاتم عن عطية {لا تأخذه سنة} قال: لا يفتر.
وأخرج عن سعيد بن جبير في قوله {من ذا الذي يشفع عنده} قال: من يتكلم عنده إلا بإذنه.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {يعلم ما بين أيديهم} قال: ما مضى من الدنيا {وما خلفهم} من الآخرة.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس {يعلم ما بين أيديهم} ما قدموا من أعمالهم {وما خلفهم} ما أضاعوا من أعمالهم.
وأخرج ابن جرير عن السدي {ولا يحيطون بشيء من علمه} يقول: لا يعلمون بشيء من علمه {إلا بما شاء} هو أن يعلمهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس {وسع كرسيه السموات والأرض} قال: كرسيه علمه، ألا ترى إلى قوله {ولا يؤده حفظهما}.
وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله {وسع كرسيه السموت والأرض} قال "كرسيه موضع قدمه، والعرش لا يقدر قدره".
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه والخطيب والبيهقي عن ابن عباس قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي موسى الأشعري قال: الكرسي موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل. قلت: هذا على سبيل الاستعارة - تعإلى الله عن التشبيه - و يوضحه ما أخرجه ابن جرير عن الضحاك في الآية قال: كرسيه الذي يوضع تحت العرش الذي تجعل الملوك عليه أقدامهم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لو أن السموات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعته - يعني الكرسي - إلا بمنزلة الحلقة في المفازة.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ذر "أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي فقال: يا أبا ذر ما السموات السبع والأرضين السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة".
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي عاصم في السنة والزار وأبو يعلى وابن جرير وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه والضياء المقدسي في المختارة عن عمر "أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم. فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، فعظم الرب تبارك وتعالى، وقال: إن كرسيه وسع السموات والأرض، وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد إذا ركب من ثقله، ما يفضل منه أربع أصابع.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الحلية بسند واه عن علي مرفوعا "الكرسي لؤلؤ، والقلم لؤلؤ، وطول القلم سبعمائة سنة، وطول الكرسي حيث لا يعلمه العالمون".
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك قال: الكرسي تحت العرش.
وأخرج أبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: الكرسي بالعرش ملتصق، والماء كله في جوف الكرسي.
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة قال: الشمس جزء من سبعين جزءا من نور الكرسي، والكرسي جزء من سبعين جزءا من نور العرش.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي عن مجاهد قال: ما السموات والأرض في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة، وما موضع كرسيه من العرش إلا مثل حلقة في أرض فلاة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: إن السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال: قال رجل: يا رسول الله ما المقام المحمود؟ قال: ذلك يوم ينزل الله على كرسيه يئط منه كما يئط الرحل الجديد من تضايقه، وهو كسعة ما بين السماء والأرض.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: كان الحسن يقول: الكرسي هو العرش.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمذاني عن ابن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. في قوله {الله لا إله إلا هو الحي القيوم....} الآية. قال: أما قوله {القيوم} فهو القائم، وأما {السنة؟؟} فهي ريح النوم التي تأخذ في الوجه فينعس الانسان، وأما {ما بين أيديهم} فالدنيا {وما خلفهم} الآخرة، وأما {لا يحيطون بشيء من علمه} يقول:لا يعلمون شيئا من علمه إلا بما شاء هو يعلمهم؟؟، وأما {وسع كرسيه السموات والأرض} فإن السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش وهو موضع قدميه، وأما {لا يؤده} فلا يثقل عليه.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن أبي مالك في قوله {وسع كرسيه السموات والأرض} قال: إن الصخرة التي تحت الأرض السابعة ومنتهى الخلق على أرجائها عليها أربعة من الملائكة، لكل واحد منهم أربعة وجوه: وجه إنسان، ووجه أسد، ووجه ثو، ووجه نسر، فهم قيام عليها قد أحاطوا بالأرضين والسموات، ورؤوسهم تحت الكرسي، والكرسي تحت العرش، والله واضع كرسيه على العرش. قال البيهقي: هذا إشارة إلى كرسيين. أحدهما تحت العرش، والآخر موضوع على العرش.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {ولا يؤده حفظهما} يقول: لا يثقل عليه.
وأخرج الطسي في مسائله عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {ولا يؤده حفظهما} قال: لا يثقله. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول الشاعر:
يعطي المئين ولا يؤده حملها * محض الضرائب ماجد الأخلاق
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {ولا يؤده} قال: لا يكرثه.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال {العظيم} الذي قد كمل في عظمته.
وأخرج الطبراني في السنة عن ابن عباس {الله لا إله إلا هو} يريد الذي ليس معه شريك، فكل معبود من دونه فهو خلق من خلقه لا يضرون ولا ينفعون، ولا يملكون رزقا ولا حياة ولا نشورا {الحي} يريد الذي لا يموت {القيوم} الذي لا يبلى {لا تأخذه سنة} يريد النعاس {ولا نوم من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} يريد الملائكة، مثل قوله (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى). {يعلم ما بين أيديهم} يريد من السماء إلى الأرض {وما خلفهم} يريد ما في السموات {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} يريد مما أطلعهم على علمه {وسع كرسيه السموات والأرض} يريد هو أعظم من السموات السبع والأرضين السبع {ولا يؤده حفظهما} يريد لا يفوته شيء مما في السموات والأرض {وهو العلي العظيم} يريد لا أعلى منه ولا أعز، ولا أجل ولا أكرم.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السلمي قال "لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أتاه وفد من بني فزارة فقالوا: يا رسول الله ادع ربك أن يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، وليشفع ربك إليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك هذا أنا شفعت إلى
ربي، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه؟! لا إله إلا الله العظيم وسع كرسيه السموات والأرض، فهي تئط من عظمته وجلاله كما يئط الرحل الجديد".
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:33 AM
الجلالين
)الله لا إله) أي لا معبود بحق في الوجود (إلا هو الحي) الدائم بالبقاء (القيوم) المبالغ في القيام بتدبير خلقه (لا تأخذه سِنةٌ) نعاس (ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض) ملكا وخلقا وعبيدا (من ذا الذي) أي لا أحد (يشفع عنده إلا بإذنه) له فيها (يعلم ما بين أيديهم) أي الخلق (وما خلفهم) أي من أمر الدنيا والآخرة (ولا يحيطون بشيء من علمه) أي لا يعلمون شيئا من معلوماته (إلا بما شاء) أن يعلمهم به منها بإخبار الرسل (وسع كرسيه السماواتِ والأرضَ) قيل أحاط علمه بهما وقيل الكرسي نفسه مشتمل عليهما لعظمته ، لحديث: "ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس". (ولا يؤوده) يثقله (حفظهما) أي السماوات والأرض (وهو العلي) فوق خلقه بالقهر (العظيم) الكبير
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:34 AM
فتح القدير للشوكانى
- "لا إله إلا هو" أي لا معبود بحق إلا هو، وهذه الجملة خبر المبتدأ. والحي: الباقي، وقيل: الذي لا يزول ولا يحول، وقيل: المصرف للأمور والمقدر للأشياء. قال الطبري عن قوم إنه يقال حي كما وصف نفسه، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه، وهو خبر ثان ومبتدأ محذوف. والقيوم القائم على كل نفس بما كسبت، وقيل: القائم بذاته المقيم لغيره، وقيل: القائم بتدبير الخلق وحفظه، وقيل: هو الذي لا ينام، وقيل: الذي لا بديل له. وأصل قيوم قيووم اجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون فأدغمت الأولى في الثانية بعد قلب الواو ياء. وقرأ ابن مسعود وعلقمة والنخعي والأعمش الحي القيام بالألف، وروي ذلك عن عمر، ولا خلاف بين أهل اللغة أن القيوم أعرف عند العرب وأصح بناء، وأثبت علة. والسنة: النعاس في قول الجمهور، والنعاس: ما يتقدم النوم من الفتور وانطباق العينين، فإذا صار في القلب صار نوماً. وفرق المفصل بين السنة والنعاس والنوم فقال: السنة من الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب انتهى. والذي ينبغي التعويل عليه في الفرق بين السنة والنوم أن السنة لا يفقد معها العقل، بخلاف النوم فإنه استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبات الأبخرة حتى يفقد معه العقل، بل وجميع الإدراكات بسائر المشاعر، والمراد أنه لا يعتريه سبحانه شيء منهما، وقدم السنة على النوم، لكونها تتقدمه في الوجود. قال الرازي في تفسيره: إن السنة ما تتقدم النوم، فإذا كانت عبارة عن مقدمة النوم، فإذا قيل: لا تأخذه سنة دل على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى، فكان ذكر النوم تكراراً، قلنا: تقدير الآية لا تأخذه سنة فضلاً عن أن يأخذه نوم، والله أعلم بمراده انتهى. وأقول: إن هذه الأولولية التي ذكرها غير مسلمة، فإن النوم قد يرد ابتداء من دون ما ذكر من النعاس. وإذا ورد على القلب والعين دفعة واحدة فإنه قال له نوم، ولا يقال له سنة، فلا يستلزم نفي السنة نفي النوم. وقد ورد عن العرب نفيهما جميعاً، ومنه قول زهير: ولا سنة طوال الدهر تأخذه ولا ينام وما في أمره فند فلم يكتف بنفي السنة، وأيضاً فإن الإنسان يقدر على أن يدفع عن نفسه السنة، ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه النوم، فقد يأخذه النوم ولا تأخذه السنة، فلو وقع الاقتصار في النظم القرآني على نفي السنة لم يفد ذلك نفي النوم، وهكذا لو وقع الاقتصار على نفي النوم لم يفد نفي السنة، فكم من ذي سنة غير نائم، وكرر حرف النفي للتنصيص على شمول النفي لكل واحد منهما. قوله: "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه" في هذا الاستفهام من الإنكار على من يزعم أن أحداً من عباده يقدر على أن ينفع أحداً منهم بشفاعة أو غيرها والتقريع والتوبيخ له ما لا مزيد عليه، وفيه من الدفع في صدور عباد القبور والصد في وجوههم والفت في أعضادهم ما لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه، والذي يستفاد منه فوق ما يستفاد من قوله تعالى: "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى" وقوله تعالى: "وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى" وقوله تعالى: "لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن" بدرجات كثيرة. وقد بينت الأحاديث الصحيحة الثابتة في دواوين الإسلام صفة الشفاعة، ولمن هي، ومن يقوم بها. قوله: "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم" الضميران لما في السموات والأرض بتغليب العقلاء على غيرهم، وما بين أيديهم وما خلفهم عبارة عن المتقدم عليهم والمتأخر عنهم، أو عن الدنيا والآخرة وما فيهما. قوله: "ولا يحيطون بشيء من علمه" قد تقدم معنى الإحاطة، والعلم هنا بمعنى المعلوم: أي لا يحيطون بشيء من معلوماته. قوله: "وسع كرسيه" الكرسي الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته كما سيأتي بيان ذلك. وقد نفى ودوده جماعة من المعتزلة، وأخطئوا في ذلك خطأ بيناً، وغلطوا غلطاً فاحشاً. وقال بعض السلف: إن الكرسي هنا عبارة عن العلم. قالوا: ومنه قيل للعلماء الكراسي، ومنه الكراسة التي يجمع فيها العلم، ومنه قول الشاعر: تحف بهم بيض الوجوه وعصبة كراسي بالأخبار حين تنوب ورجح هذا القول ابن جرير الطبري، وقيل كرسيه: قدرته التي يمسك بها السموات والأرض، كما يقال: اجعل لهذا الحائط كرسياً: أي ما يعمده، وقيل: إن الكرسي هو العرش، وقيل: هو تصوير لعظمته ولا حقيقة له، وقيل: هو عبارة عن الملك. والحق القول الأول، ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقي إلا مجرد خيالات تسببت عن جهالات وضلالات، والمراد بكونه وسع السموات والأرض أنها صارت فيه وأنه وسعها ولم يضق عنها لكونه بسيطاً واسعاً. وقوله: "ولا يؤوده حفظهما" معناه لا يثقله ثقالة أدنى الشيء، بمعنى أثقلني وتحملت منه مشقة. وقال الزجاج: يجوز أن يكون الضمير في قوله: "يؤوده" لله سبحانه، ويجوز أن يكون للكرسي لأنه من أمر الله " العلي " يراد به علو القدرة والمنزلة. وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا: هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه. قال ابن عطية: وهذه أقوال جهلة مجسمين، وكان الواجب أن لا تحكى انتهى. والخلاف في إثبات الجهة معروفة، ولكن الناشئ على مذهب يرى غيره خارجاً عن الشرع ولا ينظر في أدلته ولا يلتفت إليها، والكتاب والسنة هما المعيار الذي يعرف به الحق من الباطل، ويتبين به الصحيح من الفاسد "ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض" ولا شك أن هذا اللفظ يطلق على الظاهر الغالب كما في قوله: "إن فرعون علا في الأرض" وقال الشاعر: فلما علونا واستوينا عليهم تركناهم صرعى لنسر وكاسر والعظيم بمعنى عظم شأنه وخطره. قال في الكشاف: إن الجملة الأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمناً عليه غير ساه عنه. والثانية بيان لكونه مالكاً لما يدبره. والجملة الثالثة بيان لكبرياء شأنه. والجملة الرابعة بيان لإحاطته بأحوال الخلق وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة وغير المرتضى. والجملة الخامسة بيان لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها، أو لجلاله وعظم قدره. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في قوله: "الحي" أي حي لا يموت " القيوم " القائم الذي لا بديل له. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن مجاهد في قوله: "القيوم" قال: القائم على كل شيء. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: القيوم الذي لا زوال له. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: "لا تأخذه سنة ولا نوم" قال: السنة النعاس، والنوم هو النوم. وأخرجوا إلا البيهقي عن السدي قال: السنة ريح النوم الذي تأخذه في الوجه فينعس الإنسان. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: "يعلم ما بين أيديهم" قال: ما مضى من الدنيا "وما خلفهم" من الآخرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس "ما بين أيديهم" ما قدموا من أعمالهم "وما خلفهم" ما أضاعوا من أعمالهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: "وسع كرسيه" قال: علمه، ألا ترى إلى قوله: "ولا يؤوده حفظهما".
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:35 AM
وأخرج الدارقطني في الصفات والخطيب في تاريخه عنه قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله "وسع كرسيه" قال: كرسيه موضع قدمه، والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل". وأخرجه الحاكم وصححه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي عن أبي موسى الأشعري مثله موقوفاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لو أن السموات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعته: يعني الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر الغفاري: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكرسي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده ما السموات السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة". وأخرج عبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن جرير وأبو الشيخ والطبراني والضياء المقدسي في المختارة عن عمر قال: "أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، فعظم الرب سبحانه وقال: إن كرسيه وسع السموات والأرض، وإن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد من ثقله" وفي إسناده عبد الله بن خليفة وليس بالمشهور. وفي سماعه من عمر نظر، ومنهم من يرويه عن عمر موقوفاً. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً: أنه موضع القدمين. وفي إسناده الحكم بن ظهير الفزاري الكوفي وهو متروك. وقد ورد عن جماعة من السلف من الصحابة وغيرهم في وصف الكرسي آثار لا حاجة في بسطها. وقد روى أبو داود في كتاب السنة من سننه من حديث جبير بن مطعم حديثاً في صفته، وكذلك أورد ابن مردويه عن بريدة وجابر وغيرهما. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: "ولا يؤوده حفظهما" قال: لا يثقل عليه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه "ولا يؤوده" قال: ولا يكثره. وأخرج ابن جرير عنه قال: العظيم الذي قد كمل في عظمته. واعلم أنه قد ورد في فضل هذه الآية أحاديث. فأخرج أحمد ومسلم واللفظ له عن أبي بن كعب "أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله أي آية من كتاب الله أعظم؟ قال: آية الكرسي، قال: ليهنك العلم أبا المنذر". وأخرج النسائي وأبو يعلى وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة والطبراني والحاكم وصححه عن أبي بن كعب: أنه كان له جرن فيه تمر، فكان يتعاهده، فوجده ينقص، فحرسه ذات ليلة فإذا هو بداية شبه الغلام المحتلم، قال: فسلمت فرد السلام، فقلت: ما أنت، جني أم إنسي؟ قال: جني، قلت: ناولني يدك، فناولني فإذا يده يد كلب وشعره شعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجن؟ قال: لقد علمت الجن أن ما فيهم من هو أشد مني، قلت: ما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة فأحببنا أن نصيب من طعامك، فقال له أبي: فما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية آية الكرسي التي في سورة البقرة "من قالها حين يمسي أجير منا حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح أجير منا حتى يمسي- فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: صدق الخبيث". وأخرج البخاري في تاريخه والطبراني وأبو نعيم في المعرفة بسند رجاله ثقات عن ابن الأسقع البكري "أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم في صفة المهاجرين، فسأله إنسان أي آية في القرآن آعظم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم" حتى انقضت الآية". وأخرج أحمد من حديث أبي ذر مرفوعاً نحوه. وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه عن أنس مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج الدارمي عن أنفع بن عبد الله الكلاعي نحوه. وأخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: "وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو وذكر قصة، وفي آخرها أنه قال له: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح- فأخبر أبو هريرة بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب يا أبا هريرة؟ قال: لا، قال: ذلك شيطان كذا". وأخرج نحو ذلك أحمد عن أبي أيوب. وأخرج الطبراني والحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن معاذ بن جبل مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعظم آية في كتاب الله- الله لا إله إلا هو الحي القيوم". وأخرج نحوه أحمد والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي ذر مرفوعاً. وأخرج نحوه أيضاً أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة مرفوعاً. وأخرج سعيد بن منصور والحاكم والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه، آية الكرسي". قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأخرج الحاكم من حديث زائدة مرفوعاً "لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن، آية الكرسي"، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير. وقد تكلم فيه شعبة وضعفه، وكذا ضعفه أحمد ويحيى بن معين وغير واحد، وتركه ابن مهدي، وكذبه السعدي. وأخرج أبو داود والترمذي وصححه من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هاتين الآيتين: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم"، و" الم * الله لا إله إلا هو " إن فيهما اسم الله الأعظم. وقد وردت أحاديث في فضلها غير هذه، وورد أيضاً في فضل قراءتها دبر الصلوات وفي غير ذلك، وورد أيضاً في فضلها مع مشاركة غيرها لها أحاديث، وورد عن السلف في ذلك شيء كثير.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:36 AM
السعدى
{ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ }
هذه الآية الكريمة أعظم آيات القرآن وأفضلها وأجلها، وذلك لما اشتملت عليه من الأمور العظيمة والصفات الكريمة، فلهذا كثرت الأحاديث في الترغيب في قراءتها وجعلها وردا للإنسان في أوقاته صباحا ومساء وعند نومه وأدبار الصلوات المكتوبات، فأخبر تعالى عن نفسه الكريمة بأن { لا إله إلا هو } أي: لا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى، لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه، ولكون العبد مستحقا أن يكون عبدا لربه، ممتثلا أوامره مجتنبا نواهيه، وكل ما سوى الله تعالى باطل، فعبادة ما سواه باطلة، لكون ما سوى الله مخلوقا ناقصا مدبرا فقيرا من جميع الوجوه، فلم يستحق شيئا من أنواع العبادة، وقوله: { الحي القيوم } هذان الاسمان الكريمان يدلان على سائر الأسماء الحسنى دلالة مطابقة وتضمنا ولزوما، فالحي من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ونحو ذلك، والقيوم: هو الذي قام بنفسه وقام بغيره، وذلك مستلزم لجميع الأفعال التي اتصف بها رب العالمين من فعله ما يشاء من الاستواء والنزول والكلام والقول والخلق والرزق والإماتة والإحياء، وسائر أنواع التدبير، كل ذلك داخل في قيومية الباري، ولهذا قال بعض المحققين: إنهما الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى، ومن تمام حياته وقيوميته أن { لا تأخذه سنة ولا نوم } والسنة النعاس { له ما في السماوات وما في الأرض } أي: هو المالك وما سواه مملوك وهو الخالق الرازق المدبر وغيره مخلوق مرزوق مدبر لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض فلهذا قال: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } أي: لا أحد يشفع عنده بدون إذنه، فالشفاعة كلها لله تعالى، ولكنه تعالى إذا أراد أن يرحم من يشاء من عباده أذن لمن أراد أن يكرمه من عباده أن يشفع فيه، لا يبتدئ الشافع قبل الإذن، ثم قال { يعلم ما بين أيديهم } أي: ما مضى من جميع الأمور { وما خلفهم } أي: ما يستقبل منها، فعلمه تعالى محيط بتفاصيل الأمور، متقدمها ومتأخرها، بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة، والعباد ليس لهم من الأمر شيء ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علمهم تعالى، ولهذا قال: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض } وهذا يدل على كمال عظمته وسعة سلطانه، إذا كان هذه حالة الكرسي أنه يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تعالى، بل هنا ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو، وفي عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل الأبصار، وتقلقل الجبال وتكع عنها فحول الرجال، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها، والذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما أودع، والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصب، فلهذا قال: { ولا يؤوده } أي: يثقله { حفظهما وهو العلي } بذاته فوق عرشه، العلي بقهره لجميع المخلوقات، العلي بقدره لكمال صفاته { العظيم } الذي تتضائل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة، فسبحان من له العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة والقهر والغلبة لكل شيء، فقد اشتملت هذه الآية على توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وعلى إحاطة ملكه وإحاطة علمه وسعة سلطانه وجلاله ومجده، وعظمته وكبريائه وعلوه على جميع مخلوقاته، فهذه الآية بمفردها عقيدة في أسماء الله وصفاته، متضمنة لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلا
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:36 AM
ابن عثيمين
)اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة:255)
التفسير:
هذه الآية أعظم آية في كتاب الله كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أبيّ بن كعب، وقال: «أي آية أعظم في كتاب الله؟ قال: آية الكرسي؛ فضرب على صدره، وقال: ليهنك العلم يا أبا المنذر»(1)؛ ولهذا من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح؛ وهي مشتملة على عشر جمل؛ كل جملة لها معنى عظيم جداً.
{ 255 } قوله تعالى: { الله لا إله إلا هو }: الاسم الكريم مبتدأ؛ وجملة: { لا إله إلا هو } خبر؛ وما بعده: إما أخبار ثانية؛ وإما معطوفة؛ و{ إله } بمعنى مألوه؛ و«المألوه» بمعنى المعبود حباً، وتعظيماً؛ ولا أحد يستحق هذا الوصف إلا الله سبحانه وتعالى؛ والآلهة المعبودة في الأرض، أو المعبودة وهي في السماء - كالملائكة - كلها لا تستحق العبادة؛ وهي تسمى آلهة؛ لكنها لا تستحق ذلك؛ الذي يستحقه رب العالمين، كما قال تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم} [البقرة: 21] ، وقال تعالى: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} [الحج: 62] .
و{ إله } اسم لا؛ و{ لا } هنا نافية للجنس؛ ولا النافية للجنس تدل على النفي المطلق العام لجميع أفراده؛ وهي نص في العموم؛ فـ{ لا إله } نفي عام محض شامل لجميع أفراده؛ وقوله تعالى: { إلا هو } بدل من خبر { لا } المحذوف؛ لأن التقدير: لا إله حق إلا هو؛ والبدل في الحقيقة هو المقصود بالحكم، كما قال ابن مالك:
التابع المقصود بالحكم بلا واسطة هو المسمى بدلاً وهذه الجملة العظيمة تدل على نفي الألوهية الحق نفياً عاماً قاطعاً إلا لله تعالى وحده.
وقوله تعالى: { الحي القيوم } هذان اسمان من أسمائه تعالى؛ وهما جامعان لكمال الأوصاف، والأفعال؛ فكمال الأوصاف في { الحي }؛ وكمال الأفعال في { القيوم }؛ لأن معنى { الحي } ذو الحياة الكاملة؛ ويدل على ذلك «أل» المفيدة للاستغراق؛ وكمال حياته تعالى: من حيث الوجود، والعدم؛ ومن حيث الكمال، والنقص؛ فحياته من حيث الوجود، والعدم؛ أزلية أبدية - لم يزل، ولا يزال حياً؛ ومن حيث الكمال، والنقص: كاملة من جميع أوصاف الكمال - فعلمه كامل؛ وقدرته كاملة؛ وسمعه، وبصره، وسائر صفاته كاملة؛ و{ القيوم }: أصلها من القيام؛ ووزن «قيوم» فيعول؛ وهي صيغة مبالغة؛ فهو القائم على نفسه فلا يحتاج إلى أحد من خلقه؛ والقائم على غيره فكل أحد محتاج إليه.
قوله تعالى: { لا تأخذه سنة ولا نوم } أي لا يعتريه نعاس، ولا نوم؛ فالنوم معروف؛ والنعاس مقدمته.
قوله تعالى في الجملة الثالثة: { له ما في السموات وما في الأرض } أي له وحده؛ ففي الجملة حصر لتقديم الخبر على المبتدأ؛ و{ السموات } جمعت؛ و{ الأرض } أفردت؛ لكنها بمعنى الجمع؛ لأن المراد بها الجنس.
قوله تعالى في الجملة الرابعة: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه }؛ { من } اسم استفهام مبتدأ؛ و{ ذا} ملغاة إعراباً؛ ويأتي بها العرب في مثل هذا لتحسين اللفظ؛ و{ الذي } اسم موصول خبر { من }؛ والمراد بالاستفهام هنا النفي بدليل الإثبات بعده، حيث قال تعالى: { إلا بإذنه }.
و«الشفاعة» في اللغة: جعل الوتر شفعاً؛ وفي الاصطلاح: التوسط للغير لجلب منفعة، أو دفع مضرة؛ فشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الموقف أن يقضي الله بينهم بعدما يلحقهم من الهمّ، والغمّ ما لا يطيقون(2): شفاعة لدفع مضرة؛ وشفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة(3): شفاعة في جلب منفعة.
وقوله تعالى: { إلا بإذنه } أي الكوني؛ يعني: إلا إذا أذن في هذه الشفاعة - حتى أعظم الناس جاهاً عند الله لا يشفع إلا بإذن الله؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة - وهو أعظم الناس جاهاً عند الله؛ ومع ذلك لا يشفع إلا بإذن الله لكمال سلطانه جلّ وعلا، وهيبته؛ وكلما كمل السلطان صار أهيب للملِك، وأعظم؛ حتى إن الناس لا يتكلمون في مجلسه إلا إذا تكلم؛ وانظر وصف رسولِ قريشٍ النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، حيث وصفهم بأنه إذا تكلم سكتوا؛ كل ذلك من باب التعظيم.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:38 AM
قوله تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم }؛ هذه هي الجملة السادسة؛ و«العلم» عند الأصوليين: إدراك الشيء إدراكاً جازماً مطابقاً؛ فعدم الإدراك: جهل؛ والإدراك على وجه لا جزم فيه: شك؛ والإدراك على وجه جازم غير مطابق: جهل مركب؛ فلو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «لا أدري» فهذا جهل؛ ولو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «إما في الثانية؛ أو في الثالثة» فهذا شك؛ ولو سئلت: متى كانت غزوة بدر؟ فقلت: «في السنة الخامسة» فهذا جهل مركب؛ والله عز وجل يعلم الأشياء علماً تاماً شاملاً لها جملة، وتفصيلاً؛ وعلمه ليس كعلم العباد؛ ولذلك قال تعالى: { يعلم ما بين أيديهم } أي المستقبل؛ { وما خلفهم} أي الماضي؛ وقد قيل بعكس هذا القول؛ ولكنه بعيد؛ فاللفظ لا يساعد عليه؛ و{ ما } من صيغ العموم؛ فهي شاملة لكل شيء سواء كان دقيقاً أم جليلاً؛ وسواء كان من أفعال الله أم من أفعال العباد.
قوله تعالى: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } لها معنيان؛ المعنى الأول: لا يحيطون بشيء من علم نفسه؛ أي لا يعلمون عن الله سبحانه وتعالى من أسمائه، وصفاته، وأفعاله، إلا بما شاء أن يعلمهم إياه، فيعلمونه؛ المعنى الثاني: ولا يحيطون بشيء من معلومه - أي مما يعلمه في السموات، والأرض - إلا بما شاء أن يعلمهم إياه، فيعلمونه؛ وقوله تعالى: { إلا بما شاء } استثناء بدل من قوله تعالى: { شيء }؛ لكنه بإعادة العامل؛ وهي الباء؛ و «ما» يحتمل أن تكون مصدرية؛ أي: إلا بمشيئته؛ ويحتمل أن تكون موصولة؛ أي: إلا بالذي شاء؛ وعلى التقدير الثاني يكون العائد محذوفاً؛ والتقدير: إلا بما شاءه.
قوله تعالى: { وسع كرسيه السماوات والأرض }؛ أي شمل، وأحاط، كما يقول القائل: وسعني المكان؛ أي شملني، وأحاط بي؛ و «الكرسي» هو موضع قدمي الله عز وجل؛ وهو بين يدي العرش كالمقدمة له؛ وقد صح ذلك عن ابن عباس موقوفاً(1)، ومثل هذا له حكم الرفع؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه؛ وما قيل من أن ابن عباس رضي الله عنهما يأخذ عن بني إسرائيل فلا صحة له؛ بل الذي صح عنه في البخاري(2) أنه كان ينهى عن الأخذ عن بني إسرائيل؛ فأهل السنّة والجماعة عامتهم على أن الكرسي موضع قدمي الله عز وجل؛ وبهذا جزم شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من أهل العلم، وأئمة التحقيق؛ وقد قيل: إن «الكرسي» هو العرش؛ ولكن ليس بصحيح؛ فإن «العرش» أعظم، وأوسع، وأبلغ إحاطة من الكرسي؛ وروي عن ابن عباس أن { كرسيه }: علمه؛ ولكن هذه الرواية أظنها لا تصح عن ابن عباس(3)؛ لأنه لا يعرف هذا المعنى لهذه الكلمة في اللغة العربية، ولا في الحقيقة الشرعية؛ فهو بعيد جداً من أن يصح عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ فالكرسي موضع القدمين؛ وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما السموات السبع والأرضون بالنسبة للكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة»(4)؛ وهذا يدل على سعة هذه المخلوقات العظيمة التي هي بالنسبة لنا من عالم الغيب؛ ولهذا يقول الله عز وجل: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها} [ق~: 6] ؛ ولم يقل: أفلم ينظروا إلى الكرسي؛ أو إلى العرش؛ لأن ذلك ليس مرئياً لنا؛ ولولا أن الله أخبرنا به ما علمنا به.
قوله تعالى: { ولا يؤوده }؛ أي لا يثقله، ويشق عليه { حفظهما }؛ أي حفظ السموات، والأرض؛ وهذه الصفة صفة منفية.
قوله تعالى: { وهو العلي العظيم }: مثل هذه الجملة التي طرفاها معرفتان تفيد الحصر؛ فهو وحده العلي؛ أي ذو العلو المطلق، وهو الارتفاع فوق كل شيء؛ و{ العظيم } أي ذو العظمة في ذاته، وسلطانه، وصفاته.
الفوائد:
1 - من فوائد الآية: إثبات هذه الأسماء الخمسة؛ وهي { الله }؛ { الحي }؛ { القيوم }؛ { العلي }؛ { العظيم }؛ وما تضمنته من الصفات.
2 - ومنها: إثبات انفراد الله تعالى بالألوهية في قوله تعالى: { لا إله إلا هو }.
3 - ومنها: إبطال طريق المشركين الذين أشركوا بالله، وجعلوا معه آلهة.
4 - ومنها: إثبات صفة الحياة لله عز وجل؛ وهي حياة كاملة: لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، ولا توصف بنقص، كما قال تعالى: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3] ، وقال تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت} [الفرقان: 58] ، وقال تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 27] .
5 - ومنها: إثبات القيومية لله عز وجل؛ لقوله تعالى: { القيوم }؛ وهذا الوصف لا يكون لمخلوق؛ لأنه ما من مخلوق إلا وهو محتاج إلى غيره: فنحن محتاجون إلى العمال، والعمال محتاجون إلينا؛ ونحن محتاجون إلى النساء، والنساء محتاجة إلينا؛ ونحن محتاجون إلى الأولاد، والأولاد يحتاجون إلينا؛ ونحن محتاجون إلى المال، والمال محتاج إلينا من جهة حفظه، وتنميته؛ والكل محتاج إلى الله عز وجل؛ لقوله تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} [فاطر: 15] ؛ وما من أحد يكون قائماً على غيره في جميع الأحوال؛ بل في دائرة ضيقة؛ ولهذا قال الله تعالى: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} [الرعد: 33] ؛ يعني الله؛ فلا أحد سواه قائم على كل نفس بما كسبت.
6 - ومن فوائد الآية: أن الله تعالى غني عما سواه؛ وأن كل شيء مفتقر إليه تعالى؛ فإن قلت: كيف تجمع بين هذا، وبين قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم} [محمد: 7] ، وقوله تعالى: {ولينصرن الله من ينصره} [الحج: 40] ؛ فأثبت أنه يُنصر؟
فالجواب: أن المراد بنصره تعالى نصر دينه.
7 - ومنها: تضمن الآية لاسم الله الأعظم الثابت في قوله تعالى: { الحي القيوم }؛ وقد ذكر هذان الاسمان الكريمان في ثلاثة مواضع من القرآن: في «البقرة»؛ و«آل عمران»؛ و«طه»؛ في «البقرة»: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255] ؛ وفي «آل عمران»: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم }؛ وفي «طه»: {وعنت الوجوه للحي القيوم} [طه: 111] ؛ قال أهل العلم: وإنما كان الاسم الأعظم في اجتماع هذين الاسمين؛ لأنهما تضمنا جميع الأسماء الحسنى؛ فصفة الكمال في { الحي }؛ وصفة الإحسان، والسلطان في { القيوم }.
8 - ومن فوائد الآية: امتناع السِّنَة والنوم لله عز وجل؛ وذلك لكمال حياته، وقيوميته، بحيث لا يعتريهما أدنى نقص؛ لقوله تعالى: { لا تأخذه سنة ولا نوم }؛ وهذه من الصفات المنفية؛ والإيمان بالصفات المنفية يتضمن شيئين؛ أحدهما: الإيمان بانتفاء الصفة المذكورة؛ والثاني: إثبات كمال ضدها؛ لأن الكمال قد يطلق باعتبار الأغلب الأكثر، وإن كان يرد عليه النقص من بعض الوجوه؛ لكن إذا نفي النقص فمعناه أن الكمال كمال مطلق لا يرد عليه نقصٌ أبداً بوجه من الوجوه؛ مثال ذلك: إذا قيل: «فلان كريم» فقد يراد به أنه كريم في الأغلب الأكثر؛ فإذا قيل: «فلان كريم لا يبخل» عُلم أن المراد كمال كرمه، بحيث لا يحصل منه بخل؛ وهنا النفي حصل بقوله تعالى: { لا تأخذه سنة ولا نوم }؛ فدل على كمال حياته، وقيوميته.
9 - ومن فوائد الآية: إثبات الصفات المنفية؛ لقوله تعالى: { لا تأخذه سنة ولا نوم }، وقوله تعالى: { ولا يؤوده حفظهما }؛ و«الصفات المنفية» ما نفاه الله عن نفسه؛ وهي متضمنة لثبوت كمال ضدها.
10 - ومنها: عموم ملك الله؛ لقوله تعالى: { له ما في السموات وما في الأرض }.
ويتفرع على كون الملك لله ألا نتصرف في ملكه إلا بما يرضاه.
أحمد سعد الدين
17-12-2004, 07:39 AM
11 - ومنها: أن الحكم الشرعي بين الناس، والفصل بينهم يجب أن يكون مستنداً على حكم الله؛ وأن اعتماد الإنسان على حكم المخلوقين، والقوانين الوضعية نوع من الإشراك بالله عز وجل؛ لأن الملك لله عز وجل.
12 - ومنها: تسلية الإنسان على المصائب، ورضاه بقضاء الله عز وجل، وقدره؛ لأنه متى علم أن الملك لله وحده رضي بقضائه، وسلّم؛ ولهذا كان في تعزية النبي صلى الله عليه وسلم لابنته أنه قال: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى»(1).
13 - ومنها: عدم إعجاب الإنسان بما حصل بفعله؛ لأن هذا من الله؛ والملك له.
14 - ومنها: اختصاص الله تعالى بهذا الملك؛ يؤخذ من تقديم الخبر: { له ما في السموات }؛ لأن الخبر حقه التأخير؛ فإذا قُدِّم أفاد الحصر.
15 - ومنها: إثبات أن السموات عدد؛ لقوله تعالى: { السموات }؛ وأما كونها سبعاً، أو أقل، أو أكثر، فمن دليل آخر.
16 - ومنها: كمال سلطان الله لقوله تعالى: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه }؛ وهذا غير عموم الملك؛ لكن إذا انضمت قوة السلطان إلى عموم الملك صار ذلك أكمل، وأعلى.
17 - ومنها: إثبات الشفاعة بإذن الله؛ لقوله تعالى: { إلا بإذنه }؛ وإلا لما صح الاستثناء.
18 - ومنها: إثبات الإذن - وهو الأمر -؛ لقوله تعالى: { إلا بإذنه }؛ وشروط إذن الله في الشفاعة: رضى الله عن الشافع؛ وعن المشفوع له؛ لقوله تعالى: {وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} [النجم: 26] ، وقوله تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28] .
19 - ومنها: إثبات علم الله، وأنه عام في الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ لقوله تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم }.
20 - ومنها: الرد على القدرية الغلاة؛ لقوله تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم }؛ فإثبات عموم العلم يرد عليهم؛ لأن القدرية الغلاة أنكروا علم الله بأفعال خلقه إلا إذا وقعت.
21 - ومنها: الرد على الخوارج والمعتزلة في إثبات الشفاعة؛ لأن الخوارج، والمعتزلة ينكرون الشفاعة في أهل الكبائر؛ لأن مذهبهما أن فاعل الكبيرة مخلد في النار لا تنفع فيه الشفاعة.
22 - ومنها: أن الله عز وجل لا يحاط به علماً كما لا يحاط به سمعاً، ولا بصراً؛ قال تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} [الأنعام: 103] ، وقال تعالى: {ولا يحيطون به علماً} [طه: 110] .
23 - ومنها: أننا لا نعلم شيئاً عن معلوماته إلا ما أعلمنا به؛ لقوله تعالى: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } على أحد الوجهين في تفسيرها.
24 - ومنها: تحريم تكييف صفات الله؛ لأن الله ما أعلمنا بكيفية صفاته؛ فإذا ادعينا علمه فقد قلنا على الله بلا علم.
25 - ومنها: الرد على الممثلة؛ لأن ذلك قول على الله بلا علم؛ بل بما يعلم خلافه؛ لقوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] .
26 - ومنها: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: { إلا بما شاء }.
27 - ومنها: عظم الكرسي؛ لقوله تعالى: { وسع كرسيه السموات والأرض }.
28 - ومنها: عظمة خالق الكرسي؛ لأن عظم المخلوق يدل على عظمة الخالق.
29 - ومنها: كفر من أنكر السموات، والأرض؛ لأنه يستلزم تكذيب خبر الله؛ أما الأرض فلا أظن أحداً ينكرها؛ لكن السماء أنكرها من أنكرها، وقالوا: ما فوقنا فضاء لا نهاية له، ولا حدود؛ وإنما هي سدوم، ونجوم، وما أشبه ذلك؛ وهذا لا شك أنه كفر بالله العظيم سواء اعتقده الإنسان بنفسه، ووهمه؛ أو صدَّق من قال به ممن يعظمهم إذا كان عالماً بما دل عليه الكتاب والسنّة.
30 - ومنها: إثبات قوة الله؛ لقوله تعالى: { ولا يؤوده حفظهما }.
31 - ومنها: أنه سبحانه وتعالى لا يثقل عليه حفظ السموات، والأرض؛ لقوله تعالى: { ولا يؤوده حفظهما}؛ وهذه من الصفات المنفية؛ فهي كقوله تعالى: {وما مسنا من لغوب} [ق~: 38] .
32 - ومنها: إثبات ما تتضمنه هذه الجملة: { ولا يؤوده حفظهما }؛ وهي العلم، والقدرة، والحياة، والرحمة، والحكمة، والقوة.
33 - ومنها: أن السموات، والأرض تحتاج إلى حفظ؛ لقوله تعالى: { ولا يؤوده حفظهما }؛ ولولا حفظ الله لفسدتا؛ لقوله تعالى: {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً} [فاطر: 41] .
34 - ومنها: إثبات علو الله سبحانه وتعالى أزلاً، وأبداً؛ لقوله تعالى: { وهو العلي }؛ و{ العلي } صفة مشبهة تدل على الثبوت، والاستمرار؛ وعلوّ الله عند أهل السنة، والجماعة ينقسم إلى قسمين؛ الأول: علو الذات؛ بمعنى أنه سبحانه نفسه فوق كل شيء؛ وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، والعقل، والفطرة؛ وتفصيل هذه الأدلة في كتب العقائد؛ وخالفهم في ذلك طائفتان؛ الأولى: من قالوا: إنه نفسه في كل مكان في السماء، والأرض؛ وهؤلاء حلولية الجهمية، ومن وافقهم؛ وقولهم باطل بالكتاب، والسنّة، وإجماع السلف، والعقل، والفطرة؛ الطائفة الثانية: قالوا: إنه لا يوصف بعلوّ، ولا غيره؛ فهو ليس فوق العالم، ولا تحته، ولا عن يمين، ولا عن شمال، ولا متصل، ولا منفصل؛ وهذا قول يكفي تصوره في رده؛ لأنه يَؤول إلى القول بالعدم المحض؛ إذ ما من موجود إلا وهو فوق، أو تحت، أو عن يمين، أو شمال، أو متصل، أو منفصل؛ فالحمد لله الذي هدانا للحق؛ ونسأل الله أن يثبتنا عليه؛ والقسم الثاني: علو الصفة: وهو أنه كامل الصفات من كل وجه لا يساميه أحد في ذلك؛ وهذا متفق عليه بين فرق الأمة، وإن اختلفوا في تفسير الكمال.
35 - ومن فوائد الآية: الرد على الحلولية، وعلى المعطلة النفاة؛ فالحلولية قالوا: إنه ليس بعالٍ؛ بل هو في كل مكان؛ والمعطلة النفاة قالوا: لا يوصف بعلو، ولا سفل، ولا يمين، ولا شمال، ولا اتصال، ولا انفصال.
36 - ومنها: التحذير من الطغيان على الغير؛ لقوله تعالى: { وهو العلي العظيم }؛ ولهذا قال الله في سورة النساء: {فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً} [النساء: 34] ؛ فإذا كنت متعالياً في نفسك فاذكر علو الله عز وجل؛ وإذا كنت عظيماً في نفسك فاذكر عظمة الله؛ وإذا كنت كبيراً في نفسك فاذكر كبرياء الله.
37 - ومنها: إثبات العظمة لله؛ لقوله تعالى: { العظيم }.
38 - ومنها: إثبات صفة كمال حصلت باجتماع الوصفين؛ وهما العلوّ، والعظمة.
Powered by vBulletin™ Version 4.0.2 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir