المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأمثال في القرآن الكريم



أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:38 PM
الأمثال في القرآن الكريم
تأليف الإمام بن قيم الجوزية‎

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:38 PM
‏ المنافقون في كتاب الله #‏
‏ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير البرية محمد وآله وصحبه ‏أجمعين # قال شيخنا رحمه الله وقع في القرآن أمثال وان أمثال القرآن لا يعقلها إلا العالمون وأنها ‏شبيه شيء بشيء في حكمه وتقريب المعقول من المحسوس أو أحد المحسوسين من الأخر واعتبار ‏أحدهما بالآخر كقوله تعالى في حق المنافقين ^ ومثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضآءت ما حوله ‏ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يصبرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون أو كصيب من ‏السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم ^ إلى قوله ^ إن الله على كل شيء قدير ‏‏^ فضرب للمنافقين بحسب حالهم مثلين مثلا ناريا ومثلا مائيا لما في الماء والنار من الإضاءة والإشراق ‏والحياة فإن النار مادة النور والماء مادة الحياة وقد جعل الله سبحانه الوحي الذي أنزل من السماء ‏متضمنا لحياة القلوب واستنارتها ولهذا سماه روحا ونورا وجعل قابليه أحياء في النور ومن لم يرفع به ‏رأسا أمواتا في الظلمات وأخبر عن حال المنافقين بالنسبة إلى حظهم من الوحي أنهم بمنزلة من استوقد ‏نارا لتضيء له وينتفع بها وهذا لأنهم دخلوا في الإسلام فاستضاءوا به وانتفعوا به‎


‏ تشبيه الكفار بالمطر المصاحب للظلمة والرعد والبرق وآمنوا به وخالطوا المسلمين ولكن لما لم يكن ‏لصحبتهم مادة من قلوبهم من نور الإسلام طغى عنهم وذهب الله بنورهم ولم يقل نارهم فإن النار ‏فيها الإضاءة والإحراق فذهب الله بما فيها من الإضاءة وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق وتركهم في ‏ظلمات لا يبصرون فهذا حال من أبصر ثم عمي وعرف ثم أنكر ودخل في الإسلام ثم فارقه بقلبه لا ‏يرجع إليه ولهذا قال ^ فهم لا يرجعون ^ # ثم ذكر حالهم بالنسبة إلى المثل المائي فشبههم بأصحاب ‏صيب وهو المطر الذي يصوب أي ينزل من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق فلضعف بصائرهم ‏وعقولهم اشتدت عليهم زواجر القرآن ووعيده وتهديده وأوامره ونواهيه وخطابه الذي يشبه الصواعق ‏فحالهم كحال من أصابه مطر فيه ظلمة ورعد وبرق فلضعفه وخوفه جعل أصبعيه في أذنيه خشية من ‏صاعقة تصيبه وقد شاهدنا نحن وغيرنا كثيرا من مخانيث تلاميذ الجهمية والمبتدعة إذا سمعوا شيئا من ‏آيات الصفات وأحاديث الصفات المنافية لبدعتهم رأيتهم عنها معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من ‏قسورة ويقول مخنثهم سدوا عنا هذا الباب واقرأوا شيئا غير هذا وترى قلوبهم مولية وهم يجمحون ‏لثقل معرفة الرب سبحانه تعالى وأسمائه وصفاته على عقولهم وقلوبهم وكذلك المشركون على ‏اختلاف شركهم إذا جرد لهم التوحيد وتليت عليهم نصوصه المبطلة‎


‏ الماء الذي به الحياة # لشركهم اشمأزت قلوبهم وثقل عليهم لو وجدوا السبيل إلى سد آذانهم لفعلوا ‏وكذلك نجد أعداء أصحاب رسول الله ثقل ذلك عليهم جدا فأنكرته قلوبهم وهذا كله شبه ظاهر ‏ومثل محقق من اخوانهم من المنافقين في المثل الذي ضربه الله لهم بالماء فإنهم لما تشابهت قلوبهم تشابهت ‏أعمالهم

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:39 PM
‏ فصل وقد ذكر سبحانه المثلين المائي والناري في سورة الرعد ولكن في حق المؤمنين فقال تعالى ^ ‏أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء ‏حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله ^ شبه الوحي الذي أنزله لحياة القلوب والأسماع والأبصار ‏بالماء الذي أنزله لحياة الأرض بالنبات وشبه القلوب بالأودية فقلب كبير يسع علما عظيما كواد كبير ‏يسع ماء كثيرا وقلب صغير إنما يسع بحسبه كالوادي الصغير فسالت أودية بقدرها واحتملت قلوب ‏من الهدى والعلم بقدرها كما أن السيل إذا خالط الأرض ومر عليها احتملت غثاء وزبدا فكذلك ‏الهدى والعلم إذا خالط القلوب أثار ما فيها من الشهوات والشبهات ليقلعها ويذهبها كما يثير الدواء ‏وقت شربه من البدن أخلاطه فتكرب بها شاربه وهي من تمام نفع الدواء فانه أثارها ليذهب بها فإنه ‏لا يجامعها ولا يساكنها وهكذا ^ يضرب الله الحق والباطل ^ ثم ذكر المثل‎

الناري فقال ^ ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ^ وهو الخبث الذي يخرج ‏عند سبك الذهب والفضة والنحاس والحديد فتخرجه النار وتميزه وتفصله عن الجوهر الذي ينتفع به ‏فيرمى ويطرح ويذهب جفاء فكذلك الشهوات والشبهات يرميها قلب المؤمن ويطرحها ويجفوها ‏كما يطرح السيل والنار ذلك الزبد والغثاء والخبث ويستقر في قرار الوادي الماء الصافي الذي يسقي ‏منه الناس ويزرعون ويسقون أنعامهم كذلك يستقر في قرار القلب وجذره الإيمان الخالص الصافي ‏الذي ينفع صاحبه وينتفع به غيره ومن لم يفقه هذين المثلين ولم يتدبرهما ويعرف ما يراد منهما فليس ‏من أهلهما والله الموفق

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:40 PM
‏ فصل ومنها قوله تعالى ^ إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما ‏يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها و ازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها ‏أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ^ شبه ‏سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في عين الناظر فتروقه بزينتها وتعجبه فيميل إليها ويهواها اغترارا منه ‏بها حتى إذا ظن أنه مالك لها قادر عليها سلبها بغتة أحوج ما كان إليها وحيل بينه وبينها فشبهها‎

بالأرض الذي ينزل الغيث عليها فتعشب ويحسن نباتها ويروق منظرها للناظر فيغتر به ويظن أنه قادر ‏عليها مالك لها فيأتيها أمر الله فتدرك نباتها الآفة بغتة فتصبح كأن لم تكن قبل فيخيب ظنه وتصبح ‏يداه صفرا منهما فهكذا حال الدنيا والواثق بها سواء وهذا من أبلغ التشبيه والقياس فلما كانت الدنيا ‏عرضة لهذه الآفات والجنة سليمة منها قال تعالى تعالى ^ والله يدعوا إلى دار السلام ^ فسماها هنا ‏دار السلام لسلامتها من هذه الآفات التي ذكرها في الدنيا فعم بالدعوة إليها وخص بالهداية من شاء ‏فذلك عدله وهذا فضله

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:40 PM
فصل ومنها قوله تعالى ^ مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا ‏تذكرون ^ فإنه سبحانه وتعالى ذكر الكفار ووصفهم بأنهم ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا ‏يبصرون ثم ذكر المؤمنين ووصفهم بالإيمان والعمل الصالح والإخبات إلى ربهم فوصفهم بعبودية ‏الظاهر وبالباطن جعل أحد الفريقين كالأعمى والأصم من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق أصم ‏عن سماعه فشبهت بمن بصره أعمى عن رؤية أحق الأشياء وسمعه أصم عن سماع الأصوات والفريق ‏الآخر بصير القلب سميعه كبصير العين وسميع الأذن فتضمنت الآية قياسين و تمثيلين للفريقين ثم نفى ‏التسوية عن الفريقين بقوله ^ هل يستويان مثلا ^

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:41 PM
‏ فصل ومنها قوله تعالى ^ مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت ^ فذكر سبحانه ‏إنهم ضعفاء وأن الذين اتخذوهم أولياء‎


‏ مثل المشرك بالعنكبوت # أضعف منهم فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت ‏اتخذت بيتا وهو أوهن البيوت وأضعفها وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا حيث ‏اتخذوا من دون الله أولياء فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلا ضعفا كما قال تعالى ^ واتخذوا من ‏دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ^ وقال تعالى ^ واتخذوا ‏من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون ^ وقال بعد أن ذكر ‏هلاك الأمم المشركين ^ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من ‏دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب ^ فهذه أربعة مواضع في القرآن تدل على ‏أن من اتخذ من دون الله وليا يتعزز به و يتكثر به ويستنصر به لم يحصل له به إلا ضد مقصوده وفي ‏القرآن أكثر من ذلك وهذا من أحسن الأمثال وأدلها على بطلان الشرك وخسارة صاحبه وحصوله ‏على ضد مقصوده فإن قيل فهم يعلمون أن أوهن البيوت بيت العنكبوت فكيف نفى عنهم علم ذلك ‏بقوله ^ لو كانوا يعلمون ^ # فالجواب أنه سبحانه لم ينف عنهم علمهم بوهن بيت العنكبوت وإنما ‏نفى علمهم بأن اتخاذهم أولياء من دونه كالعنكبوت اتخذت بيتا فلو علموا ذلك لما فعلوه ولكن ظنوا ‏أن اتخاذهم الأولياء من دونه يفيدهم عزا وقوة فكان الأمر بخلاف ما ظنوا‎

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:42 PM
مثل من عمله كسراب أو في بحر لجى
‏ فصل # ومنها قوله تعالى ^ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه ‏لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج ‏من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما ‏له من نور ^ # ذكر سبحانه للكافرين مثلين مثلا بالسراب ومثلا بالظلمات المتراكمة وذلك لأن ‏المعرضين عن الهدى والحق نوعان أحدهما من يظن أنه على شيء فيتبين له عند انكشاف الحقائق ‏خلاف ما كان يظنه وهذه حال أهل الجهل وأهل البدع والأهواء الذين يظنون أنهم على هدى وعلم ‏فإذا انكشفت الحقائق تبين لهم أنهم لم يكونوا على شيء وأن عقائدهم وأعمالهم التي ترتبت عليها ‏كانت كسراب يرى في أعين الناظرين ماء ولا حقيقة له وهكذا الأعمال التي لغير الله عز وجل وعلى ‏غير أمره يحسبها العامل نافعة له وليست كذلك وهذه هي الأعمال التي قال الله عز وجل فيها ^ ‏وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا ^ وتأمل جعل الله سبحانه السراب بالقيعة وهي ‏الأرض الخالية القفر من البناء والشجر‎


‏ مثل من عمله كسراب أو في بجر لجي # والنبات والعالم فمحل السراب أرض قفر لا شيء بها ‏والسراب لا حقيقة له وذلك مطابق لأعمالهم وقلوبهم التي أقفرت من الإيمان والهدى وتأمل ما تحت ‏قوله ^ يحسبه الظمآن مآء ^ والظمآن الذي اشتد عطشه فرأى السراب فظنه ماء فتبعه فلم يجده شيئا ‏بل خانه أحوج ما كان إليه فكذلك هؤلاء لما كانت أعمالهم على غير طاعة الرسل عليهم الصلاة ‏والسلام ولغير الله جعلت كالسراب فرفعت لهم أظمأ ما كانوا إليها فلم يجدوا شيئا ووجدوا الله ‏سبحانه ثم فجازاهم بأعمالهم ووفاهم حسابهم وفي الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله ‏عنه عن النبي في حديث التجلي يوم القيامة ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها السراب فيقال لليهود وما ‏كنتم تعبدون فيقولون كنا نعبد عزيرا ابن الله فيقال كذبهم لم يكن لله صاحبة ولا ولد فما تريدون ‏قالوا نريد أن تسقينا فيقال اشربوا فيتساقطون في جهنم ثم يقال للنصارى ما كنتم تعبدون فيقولون ‏كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال كذبتم ما كان لله صاحبة ولا ولد فما تريدون فيقولون أن تسقينا ‏فيقال لهم اشربوا فيتساقطون وذكر الحديث وهذه حال كل صاحب باطل فإنه يخونه باطله أحوج ما ‏كان إليه فإن الباطل لا حقيقة له وهو كإسمه باطل فإذا كان الاعتقاد غير مطابق ولا حق كان متعلقه ‏باطلا وكذلك إذا كانت غاية العمل باطلة كالعمل لغير الله عز وجل أو على غير أمره بطل‎


‏ مثل من عرف الحق والهدى وعمل بغيره # العمل ببطلان غايته وتضرر عامله ببطلانه وبحصول ضد ‏ما كان يؤمله فلم يذهب عليه عمله واعتقاده لا له ولا عليه بل صار معذبا بفوات نفعه وبحصول ضد ‏النفع فلهذا قال تعالى ^ ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ^ فهذا مثل الضال الذي ‏يحسب أنه على هدى

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:43 PM
فصل # النوع الثاني أصحاب مثل الظلمات المتراكمة وهم الذين عرفوا الحق والهدى وآثروا عليه ‏ظلمات الباطل والضلال فتراكمت عليه ظلمة الطبع وظلمة النفوس وظلمة الجهل حيث لم يعلموا ‏بعلمهم فصاروا جاهلين وظلمة اتباع الغي والهوى فحالهم كحال من كان في بحر لجي لا ساحل له ‏وقد غشيه موج ومن فوق ذلك الموج موج ومن فوقه سحاب مظلم فهو في ظلمة البحر وظلمة الموج ‏وظلمة السحاب وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجه الله منها إلى نور الإيمان وهذان ‏المثلان بالسراب الذي ظنه مادة الحياة وهو الماء والظلمات المضادة للنور نظير المثلين اللذين ضربهما ‏للمنافقين والمؤمنين وهما المثل المائي والمثل الناري وجعل حظ المؤمنين منهما الحياة والإشراق وحظ ‏المنافقين منهما الظلمة المضادة للنور والموت المضاد للحياة فكذلك الكفار في هذين المثلين حظهم من ‏الماء السراب الذي يغرر الناظر فيه ولا حقيقة له وحظهم الظلمات المتراكمة وهذا يجوز أن يكون ‏المراد به حال كل طائفة من طوائف الكفار وأنهم عدموا مادة الحياة والإضاءة بإعراضهم عن الوحي ‏فيكون المثلان صفتين لموصوف واحد ويجوز أن يكون المراد به تنويع أحوال الكفار وأن أصحاب ‏المثل الأول هم الذين عملوا‏‎


‏ مثل المنعم عليهم والضالين والمغضوب عليهم # على غير علم ولا بصيرة بل على جهل وحسن ظن ‏بالأسلاف فكانوا يحسبون أنهم يحسنون صنعا وأصحاب المثل الثاني هم الذين استحبوا الضلالة على ‏الهدى وآثروا الباطل على الحق وعموا عنه بعد إذ أبصروه وجحدوه بعد أن عرفوه فهذا حال ‏المغضوب عليهم والأول حال الضالين وحال الطائفتين مخالف لحال المنعم عليهم المذكورين في قوله ‏تعالى ^ الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ^ إلى قوله ‏‏^ ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب ^ فتضمنت ‏الآيات أوصاف الفرق الثلاثة المنعم عليهم وهم أهل النور والضالين وهم أصحاب السراب ‏والمغضوب عليهم وهم أهل الظلمات المتراكمة والله أعلم فالمثل الأول من المثلين لأصحاب العمل ‏الباطل الذي لا ينفع فأولئك أصحاب العمل الباطل وهؤلاء أصحاب العمل الذي لا ينفع ‏والاعتقادات الباطلة وكلاهما مضاد للهدى ودين الحق ولهذا مثل حال الفريق الثاني في تلاطم أمواج ‏الشكوك والشبهات والعلوم الفاسدة في قلوبهم بتلاطم أمواج البحر فيه وأنها أمواج متراكمة من ‏فوقها سحاب مظلم وهكذا أمواج الشكوك والشبه في قلوبهم المظلمة التي قد تراكمت عليها سحب ‏الغي والهوى والباطل فليتدبر اللبيب أحوال الفريقين وليطابق بينهما وبين المثلين يعرف عظمة القرآن ‏وجلاله وأنه تنزيل من حكيم حميد وأخبر سبحانه أن الموجب لذلك أنه لم يجعل لهم نورا بل تركهم ‏على الظلمة التي خلقوا فيها فلم يخرجهم منها إلى النور فإنه سبحانه ولي الذين آمنوا يخرجهم من ‏الظلمات إلى النور وفي المسند من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي‎


‏ مثل من يسمع ولا يعقل # قال إن الله خلق خلقه في ظلمة وألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ‏ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله فالله سبحانه خلق الخلق في ‏ظلمة فمن أراد هدايته جعل له نورا وجوديا يحيى به قلبه وروحه كما يحيى بدنه بالروح التي ينفخها ‏فيه فهي حياتان حياة البدن بالروح وحياة الروح والقلب بالنور ولهذا سمى الله الوحي روحا لتوقف ‏الحياة الحقيقية عليه كما قال تعالى ^ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده ^ وقال ‏‏^ يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده ^ وقال ^ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما ‏كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ^ فجعل وحيه ‏روحا ونورا فمن لم يحيه بهذا الروح فهو ميت ومن لم يجعل له نورا منه فهو في الظلمات ماله من نور ‏

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:43 PM
‏ فصل # ومنها قوله تعالى ^ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم ‏أضل سبيلا ^ فشبه أكثر الناس بالأنعام والجامع بين النوعين التساوي في عدم قبول الهدى والانقياد له ‏وجعل الأكثرين أضل سبيلا من الأنعام لأن البهيمة يهديها سائقها فتهتدي وتتبع الطريق فلا تحيد ‏عنها يمينا ولا شمالا والأكثرون يدعونهم الرسل ويهدونهم السبيل فلا‎


‏ مثل الشرك بالله يستجيبون ولا يهتدون ولا يفرقون بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم والأنعام تفرق ‏بين ما يضرها من النبات والطريق فتجتنبه وما ينفعها فتؤثره والله تعالى لم يخلق للأنعام قلوبا تعقل بها ‏ولا ألسنة تنطق بها وأعطى ذلك لهؤلاء ثم لم ينتفعوا بما جعل لهم من العقول والقلوب والألسنة ‏والأسماع والأبصار فهم أضل من البهائم فإن من لا يهتدي إلى الرشد وإلى الطريق مع الدليل له أضل ‏وأسوأ حالا ممن لا يهتدي حيث لا دليل معه

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:44 PM
‏ فصل # ومنها قوله تعالى ^ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من ‏شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ‏‏^ وهذا دليل قياسي احتج الله سبحانه به على المشركين حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء ‏فأقام عليهم حجة يعرفون صحتها من نفوسهم ولا يحتاجون فيها إلى غيرهم ومن أبلغ الحجاج أن ‏يأخذ الإنسان من نفسه ويحتج عليه بما هو في نفسه مقرر عندهم معلوم لها فقال ^ هل لكم من ما ‏ملكت أيمانكم من ^ عبيدكم وإمائكم شركاء في المال والأهل أي هل يشارككم عبيدكم في ‏أموالكم و أهليكم فأنتم وهم في ذلك سواء تخافون أن يقاسموكم أموالكم ويشاطروكم إياها ‏ويستأثرون ببعضها عليكم كما يخاف الشريك شريكه وقال ابن عباس تخافون أن يرثوكم كما يرث ‏بعضكم بعضا والمعنى هل‎

هل يرضى أحد منكم أن يكون عبده شريكه في ماله وأهله حتى يساويه في التصرف في ذلك فهو ‏يخاف أن ينفرد في ماله بأمر يتصرف فيه كما يخاف غيره من الشركاء والأحرار فإذا لم ترضوا ذلك ‏لأنفسكم فلم عدلتم بي من خلقي من هو مملوك لي فإن كان هذا الحكم باطلا في فطركم وعقولكم ‏مع أنه جائز عليكم ممكن في حقكم إذ ليس عبيدكم ملكا لكم حقيقة وإنما هم إخوانكم جعلهم الله ‏تحت أيديكم وأنتم وهم عبادي فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي مع أن من جعلتموهم لي ‏شركاء عبيدي وملكي وخلقي فهكذا يكون تفصيل الآيات لأولي العقول

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:44 PM
‏ فصل ومنها قوله تعالى ^ ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا ‏فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون وضرب الله مثلا رجلين ‏أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن ‏يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ^ # هذان مثلان متضمنان قياسين من قياس العكس وهو نفى ‏الحكم لنفي علته وموجبه فإن القياس نوعان قياس طرد يقتضي اثبات الحكم في الفرع لثبوت علة ‏الأصل فيه وقياس عكس يقتضي نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه فالمثل الأول ما ضربه الله ‏سبحانه لنفسه وللأوثان فالله سبحانه هو المالك لكل شيء ينفق كيف يشاء على عبيده سرا وجهرا ‏ليلا ونهارا يمينه ملأى لا تغضيها نفقة سحاء الليل والنهار والأوثان مملوكة عاجزة لا تقدر على شيء ‏فكيف تجعلونها شركاء لي وتعبدونها من دوني مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين هذا قول مجاهد ‏وغيره وقال ابن‎


‏ إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون عباس وهو مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر ومثل المؤمن في الخير ‏الذي عنده ثم رزقه منه رزقا حسنا فهو ينفق منه على نفسه وعلى غيره سرا وجهرا و الكفار بمنزلة ‏عبد مملوك عاجز لا يقدر على شيء لأنه لا خير عنده فهل يستوي الرجلان عند أحد من العقلاء ‏والقول الأول أشبه بالمراد فأنه أظهر في بطلان الشرك وأوضح عند المخاطب وأعظم في إقامة الحجة ‏وأقرب نسبا بقوله ^ ويعبدون من دون الله مالا يملك لهم رزقا من السموات والأرض شيئا ولا ‏يستطيعون فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون ^ ثم قال # ^ ضرب الله مثلا عبدا ‏مملوكا لا يقدر ^ ومن لوازم هذا المثل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحد كمن رزقه منه رزقا حسنا ‏والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء فهذا مما نبه عليه المثل وأرشد إليه فذكره ابن ‏عباس منبها على إرادته لأن الآية اختصت به فتأمله فإنك تجده كثيرا في كلام ابن عباس وغيره من ‏السلف في فهم القرآن فيظن الظان أن ذلك معنى الآية التي لا معنى لها غيره فيحكيه قوله

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:45 PM
‏ فصل وأما المثل الثاني فهو مثل ضربه الله سبحانه لنفسه ولما يعبدون من دونه أيضا فالصنم الذي ‏يعبدون من دونه بنزلة رجل أبكم لا يعقل ولا ينطق بل هو أبكم القلب واللسان قد عدم النطق القلبي‎


‏ كمال العبودية واللساني ومع هذا فهو عاجز لا يقدر على شيء البتة ومع هذا فأينما أرسلته لا ‏يأتيك بخير ولا يقضي لك حاجة و الله سبحانه حي قادر متكلم يأمر بالعدل وهو على صراط ‏مستقيم وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد فإن أمره بالعدل وهو الحق يتضمن أنه سبحانه عالم به ‏معلم له راض به آمر لعباده به محب لأهله لا يأمر بسواه بل ينزه عن ضده الذي هو الجور والظلم ‏والسفه والباطل بل أمره وشرعه عدل كله وأهل العدل هم أولياؤه وأحباؤه وهم المجاوروه عن يمينه ‏على منابر من نور وأمره بالعدل يتناول الأمر الشرعي الديني والأمر القدري الكوني وكلاهما عدل لا ‏جور فيه بوجه ما كما في الحديث الصحيح # اللهم اني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ‏ماض في حكمك عدل في قضاؤك فقضاؤه هو أمره الكوني فإنما أمره إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن ‏فيكون فلا يأمر بحق وعدل وقضاؤه وقدره القائم به حق وعدل وإن كان في المقضي المقدر ما هو ‏جور وظلم فإن القضاء غير المقضي والقدر غير المقدر ثم أخبر سبحانه ^ أنه على صراط مستقيم ^ ‏وهذا نظير قول شعيب عليه الصلاة والسلام ^ إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو ‏آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ^ فقوله ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ^ نظير قوله ^ ‏ناصيتي بيدك ^ وقوله ^ إن ربي على صراط مستقيم ^ نظير قوله ^ عدل في قضاؤك ^ فالأول ملكه ‏والثاني حمده وهو سبحانه له الملك وله الحمد وكونه سبحانه على صراط مستقيم يقتضي أنه لا يقول ‏إلا الحق ولا يأمر إلا بالعدل ولا يفعل إلا ما هو مصلحة وحكمة وعدل‎


‏ تفسير ابن جرير لمعنى الصراط # فهو على حق في أقواله وأفعاله فلا يقضي على العبد ما يكون طالما ‏له به ولا يأخذه بغير ذنبه ولا ينقصه من حسناته شيئا ولا يحمل عليه من سيئات غير التي لم يعملها ‏ولم يتسبب إليها شيئا ولا يؤاخذ أحدا بذنب غيره ولا يفعل قط مالا يحمد عليه ويثنى به عليه ويكون ‏له فيه العواقب الحميدة والغايات المطلوبة فإن كونه على صراط مستقيم يأبى ذلك كله # قال محمد ‏بن جرير الطبري وقوله ^ إن ربي على صراط مستقيم ^ يقول إن ربي على طريق الحق يجازي المحسن ‏من خلقه بإحسانه و المسيء بإساءته لا يظلم أحدا منهم شيئا ولا يقبل منهم إلا الإسلام والإيمان ثم ‏حكى عن مجاهد من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عنه إن ربي على صراط مستقيم قال الحق وكذلك ‏رواه ابن جريج عنه وقالت فرقة هي مثل قوله ^ إن ربك لبالمرصاد ^ وهذا اختلاف عبارة فإن كونه ‏بالمرصاد هو مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته وقالت فرقة في الكلام حذف تقديره إن ربي ‏يحثكم على صراط مستقيم ويحضكم عليه وهؤلاء إن أرادوا أن هذا معنى الآية التي أريد بها فليس كما ‏زعموا ولا دليل على هذا المقدر # وقد فرق سبحانه بين كونه آمرا بالعدل وبين كونه على صراط ‏مستقيم وإن أرادوا أن حثه على الصراط المستقيم من جملة على صراط مستقيم فقد أصابوا وقالت ‏فرقة أخرى معنى كونه على صراط مستقيم أن مرد العباد والأمور كلها‎

‏# إلى الله لا يفوته شيء منها وهؤلاء أن أرادوا أن هذا معني الآية فليس كذلك وإن أرادوا ان هذا ‏من لوازم كونه على صراط مستقيم ومن مقتضاه و موجبه فهو حق وقالت فرقة أخرى معناه كل ‏شيء تحت قدرته وقهره وفي ملكه وقبضته وهذا وإن كان حقا فليس هو معنى الآية وقد فرق شعيب ‏عليه الصلاة والسلام بين قوله ^ ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ^ وبين قوله ^ إن ربي على صراط ‏مستقيم ^ فهما معنيان مستقلان فالقول قول مجاهد وهو قول أئمة التفسير ولا تحتمل العربية غيره إلا ‏على استكراه قال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز % أمير المؤمنين على صراط % إذا اعوج الموارد ‏مستقيم %
‏ # وقد قال تعالى ^ من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم ^ وإذا كان الله تعالى ‏هو الذي جعل رسله عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم على الصراط المستقيم في أقوالهم وأفعالهم فهو ‏سبحانه أحق أن يكون على صراط مستقيم في قوله وفعله وإن كان صراط الرسل وأتباعهم هو ‏موافقة أمره فصراطه الذي هو سبحانه عليه هو ما يقتضيه حمده وكماله ومجده من قول الحق وفعله ‏وبالله التوفيق

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:46 PM
‏ فصل وفي الآية قول ثان مثل الآية الأولى سواء أنه مثل ضربه الله للمؤمن والكافر وقد تقدم ما في ‏معنى هذا القول والله الموفق‎


‏ مثل من أعرض عن كلام الله
‏ فصل ومنها قوله تعالى في تشبيه من أعرض عن كلامه وتدبره ^ فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم ‏حمر مستنفرة فرت من قسورة ^ شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحمر رأت الأسد والرماة ‏ففرت منه وهذا من بديع التمثيل فإن القوم من جهلهم بما بعث الله سبحانه رسوله كالحمر فهي لا ‏تعقل شيئا فإذا سمعت صوت الأسد أو الرامي نفرت منه أشد النفور وهذا غاية الذم لهؤلاء فإنهم ‏نفروا عن الهدى الذي فيه سعادتهم وحياتهم كنفور الحمر عما يهلكها ويعقرها وتحت المستنفرة معنى ‏أبلغ من النافرة فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضا وحضه على النفور فإن في الاستفعال من ‏الطلب قدرا زائدا على الفعل المجرد فكأنها تواصت بالنفور وتواطأت عليه ومن قرأها بفتح الفاء ‏فالمعنى أن القسورة استنفرها وحملها على النفور ببأسه وشدته

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:46 PM
فصل ومنها قوله تعالى ^ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل ‏القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين ^ فقاس سبحانه من حمله كتابه لؤمن به ‏ويتدبره ويعمل به ويدعو إليه ثم خالف ذلك ولم يحمله إلا على ظهر قلب فقرأه به بغير تدبر ولا ‏تفهم ولا اتباع له ولا تحكيم له وعمل بموجبه كحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدري ما فيها ‏وحظه منها حملها على ظهره ليس إلا فحظه‎


‏ مثل الذين حملوا التوراة # من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره فهذا المثل ‏وإن كان قد ضرب لليهود فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به ولم يؤد حقه ‏ولم يرعه حق رعايته

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:47 PM
‏ فصل ومنها قوله تعالى ^ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من ‏الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه ‏يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ^ فشبه ‏سبحانه من آتاه كتابه وعلمه العلم الذي منعه غيره فترك العمل به واتبع هواه وآثر سخط الله على ‏رضاه ودنياه على آخرته والمخلوق على الخالق بالكلب الذي هو من أخبث الحيوانات و أوضعها ‏قدرا و أخبثها نفسا وهمته لا تتعدى بطنه وأشدها شرها وحرصا ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخطمه ‏في الأرض يتشمم و يتروح حرصا وشرها ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزائه وإذا رميت له بحجر ‏رجع إليه ليعضه من فرط نهمته وهو من أمهن الحيوانات وأحملها للهوان وأرضاها بالدنايا والجيف ‏المروحة أحب إليه من اللحم الطري والقذرة أحب إليه من الحلوى وإذا ظفر بميتة تكفي مائة كلب لم ‏يدع كلبا يتناول معه منه شيء إلا هر عليه وقهره لحرصه وبخله وشره ومن عجيب أمره وحرصه أنه ‏إذا رأى ذا هيئة رثة وثياب دنية وحال زرية نبحه وحمل عليه كأنه يتصور مشاركته له ومنازعته في ‏قوته وإذا رأى ذا هيئة حسنة وثياب جميلة ورئاسة وضع له خطمه بالأرض وخضع له ولم يرفع إليه ‏رأسه وفي تشبيه من آثر الدنيا وعاجلها على‎

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:48 PM
مثل الذي أوتى الكتاب ولم يعمل به الله والدار الآخرة مع وفور علمه بالكلب في لهثه سر بديع وهو ‏أن الذي حاله ما ذكره الله من انسلاخه من آياته واتباعه هواه إنما كان لشدة لهفه على الدنيا ‏لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة فهو شديد اللهف عليها ولهفه نظير لهف الكلب الدائم في حال ‏ازعاجه وتركه واللهف واللهث شقيقان وأخوان في اللفظ والمعنى قال ابن جريج الكلب منقطع الفؤاد ‏لا فؤاد له أن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث فهو مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له إنما فؤاده ينقطع ‏قلت مراده بانقطاع فؤاده أنه ليس له فؤاد يحمله على الصبر وترك اللهث وهكذا الذي انسلخ من ‏آيات الله لم يبق معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا وترك اللهف عليها فهذا يلهف على الدنيا من ‏قلة صبره عليها وهذا يلهث من قلة صبره على الماء فالكلب من أقل الحيوانات صبرا عن الماء وإذا ‏عطش أكل الثرى من العطش وإن كان صبر عن الجوع وعلى كل حال فهو من أشد الحيوانات لهثا ‏يلهث قائما وقاعدا وماشيا وواقفا ذلك لشدة حرصه فحرارة الحرص في كبده توجب له دوام اللهث ‏فهكذا مشبهه شدة حرارة الشهوة في قلبه توجب له دوام اللهث # فإن حملت عليه بالموعظة ‏والنصيحة فهو يلهث وإن تركته ولم تعظه فهو يلهف قال مجاهد وذلك مثال الذي أوتى الكتاب ولم ‏يعمل به وقال ابن عباس إن تحمل عليه الكلمة لم يحملها وإن تركته لم يهتد إلى الخير‎


‏ سبب الانسلاخ كالكلب إن كان رابضا لهث وإن طرد لهث وقال الحسن وهو المنافق لا يثبت على ‏الحق دعي أو لم يدع وعظ أم لم يوعظ كالكلب يلهث طرد أو ترك وقال عطاء ينبح إن حملت عليه ‏أو لم تحمل عليه وقال محمد بن قتيبة كل شيء يلهث إنما يلهث من إعياء أو عطش ألا الكلب فإنه ‏يلهث في حال الكلال أو حال الراحة وحال الصحة وحال المرض والعطش فضربه الله مثلا لمن كذب ‏بآياته وقال ابن عطية إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث وإن تركته ‏على حاله لهث ونظيره قوله تعالى ^ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم ‏أنتم صامتون ^ # وتأمل ما في هذا المثل من الحكم و المعنى فمنها قوله ^ وآتيناه آياتنا ^ فأخبر ‏سبحانه أنه هو الذي آتاه آياته فإنها نعمة والله هو الذي أنعم بها عليه فأضافها إلى نفسه ثم قال ^ ‏فانسلخ منها ^ أي خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها وفارقها فراق الجلد ينسلخ عن اللحم ولم ‏يقل فسلخناه منها لأنه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها باتباع هواه ومنها قوله سبحانه ^ فأتبعه ‏الشيطان ^ أي لحقه وأدركه كما قال تعالى في قوم فرعون ^ فأتبعوهم مشرقين ^ فكان محفوظا ‏محروسا بآيات الله محمي الجانب بها من الشيطان لا ينال منه شيئا إلا غلى غرة وخطفة فلما انسلخ ‏من آيات الله ظفر به الشيطان ظفر الأسد بفريسته فكان من الغاوين العاملين بخلاف علمهم الذين ‏يعرفون الحق ويعملون‎


‏ سبب الخلود إلى الأرض بخلافه كعلماء السوء ومنها أنه سبحانه قال ^ ولو شئنا لرفعناه بها ^ فأخبر ‏سبحانه أن الرفعة عنده ليست بمجرد العلم فإن هذا كان من العلماء وإنما هي باتباع الحق إيثاره ‏وقصد مرضاة الله تعالى فان هذا كان من أعلم أهل زمانه ولم يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه به فتعوذ بالله ‏من علم لا ينفع وأخبر سبحانه أنه هو الذي يرفع عبده إذا شاء بما آتاه الله من العلم وإن لم يرفعه الله ‏فهو موضوع لا يرفع أحد به رأسا فإن الخافض الرافع الله سبحانه خفضه ولم يرفعه والمعنى ولو شئنا ‏فضلناه وشرفناه ورفعنا قدره ومنزلته بالآيات التي آتيناه قال ابن عباس رضي الله عنهما ولو شئنا ‏لرفعناه بعلمه بها وقالت طائفة الضمير في قوله ^ لرفعناه ^ عائد على الكفر والمعنى ولو شئنا لرفعناه ‏عن الكفر بما معه من آياتنا قال مجاهد وعطاء لرفعنا عنه الكفر بالإيمان وعصمناه وهذا المعنى حق ‏والأول مراد الآية وهذا من لوازم المراد وقد تقدم أن السلف كثيرا ما ينبهون على لازم معنى الآية ‏فيظن الظان أن ذلك هو المراد منها وقوله ^ ولكنه أخلد إلى الأرض ^ قال سعيد بن جبير ركن إلى ‏الأرض وقال مجاهد سكن وقال مقاتل رضي بالدنيا وقال‏‎

أبو عبيدة لزمها وأبطأ والمخلد من الرجال هو الذي تبطئ مشيته ومن الدواب الذي تبقى ثناياه إلى ‏أن تخرج رباعيته وقال الزجاج خلد وأخلد واحد وأصله من الخلود وهو الدوام والبقاء يقال فلان ‏أخلد ولاذ بالمكان إذا أقام به قال مالك بن نويره بأبناء حي من قبائل مالك وعمرو بن يربوع أقاموا ‏وأخلدوا # قلت ومنه قوله تعالى ^ يطوف عليهم ولدان مخلدون ^ أي قد خلقوا للبقاء لذلك لا ‏يتغيرون ولا يكبرون وهم على سن واحد أبدا وقيل المقرطون في آذانهم والمسورون في أيديهم ‏وأصحاب هذا القول فسروا اللفظ ببعض لوازمه وذلك إشارة إلى التخليد على ذلك السن فلا ينافي ‏القولين # وقوله ^ واتبع هواه ^ قال الكلبي اتبع مسافل الأمور وترك معاليها وقال أبو روق اختار ‏الدنيا على الآخرة وقال عطاء‎

أراد الدنيا وأطاع شيطانه وقال ابن زيد كان هواه مع القوم يعني الذين حاربوا موسى عليه الصلاة ‏والسلام وقومه وقال يمان اتبع امرأته لأنها هي التي حملته على ما فعله فإن قيل الإستدراك بلكن ‏يقتضي أن يثبت بعدها نفي ما قبلها أو ينفي ما أثبت كما تقول لو شئت لأعطيته لكني لم أعطه ولو ‏شئت لما فعلت كذا لكني فعلته فالاستدراك يقتضي ^ ولو شئنا لرفعناه بها ^ ولكنا لم نشأ أو فلم ‏نرفع ولكنه أخلد فكيف استدرك بقوله ^ ولكنه أخلد إلى الأرض ^ بعد قوله ^ ولو شئنا لرفعناه بها ‏‏^ قيل هذا من الكلام الملحوظ فيه المعنى المعدول فيه عن مراعاة الألفاظ إلى المعاني وذلك أن مضمون ‏قوله ^ ولو شئنا لرفعناه بها ^ أنه لم يتعاط الأسباب التي تقتضي رفعه بالآيات من ايثار الله ومرضاته ‏على هواه ولكنه آثر الدنيا وأخلد إلى الأرض واتبع هواه وقال الزمخشري المعنى ولو لزم آياتنا لرفعناه ‏بها فذكر المشيئة والمراد ما هي تابعة له ومسببة عنه قال ألا ترى إلى قوله ^ ولكنه أخلد ^ فاستدرك ‏المشيئة بإخلاده الذي هو فعله فوجب أن تكون ^ ولو شئنا ^ في معنى ما هو فعله ولو كان الكلام ‏على ظاهره لوجب أن يقال ولو شئنا لرفعناه ولكنا لم نشأ فهذا منه شنشنة نعرفها من قدري ناف ‏للمشيئة العامة مبعد للنجعة في جعل كلام الله معتزليا‎


‏ مثل الظن التجسس الاغتياب قدريا فأين قوله ^ ولو شئنا ^ من قوله ولو لزمها ثم إذا كان اللزوم لها ‏موقوفا على مشيئة الله وهو الحق بطل أصله وقوله إن مشيئة الله تابعة للزومه لآياته تابعة لمشيئة الله عز ‏وجل فمشيئة الله سبحانه متبوعة لاتابعة وسبب لا مسبب وموجب مقتضي لا مقتضى فما شاء الله ‏وجب وجوده وما لم يشأ امتنع وجوده

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:49 PM
‏ فصل ومنها قوله تعالى ^ يآ أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ‏ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب ‏رحيم وهذا من أحسن القياس التمثيلي فانه شبه تمزيق عرض الأخ بتمزيق لحمه ولما كان المغتاب يمزق ‏عرض أخيه في غيبته كان بمنزلة من يقطع لحمه في حال غيبة روحه عنه بالموت لما كان المغتاب عاجزا ‏عن دفعه بنفسه بكونه غائبا عن ذمه كان بمنزلة الميت الذي يقطع لحمه ولا يستطيع أن يدفع عن ‏نفسه ولما كان مقتضى الأخوة التراحم والتواصل والتناصر فعلق عليها المغتاب ضد مقتضاها من الذم ‏والعيب والطعن كان ذلك نظير تقطيعه لحم أخيه والأخوة تقتضي حفظه وصيانته والذب عنه ولما ‏كان المغتاب متفكها بغيبته وذمه متحليا بذلك شبه بأكل لحم أخيه بعد تقطيعه ولما كان المغتاب محبا ‏لذلك معجبا به شبه بمن يحب أكل لحم أخيه ميتا ومحبته لذلك قدر زائد على مجرد أكله كما أن أكله ‏قدر زائد على تمزيقه فتأمل هذا التشبيه والتمثيل وحسن موقعه ومطابقة المعقول فيه للمحسوس وتأمل ‏أخباره عنهم بكراهة أكل لحم الأخ ميتا ووصفهم بذلك في آخر الآية والإنكار عليهم في أولها أن ‏يجب‎


‏ مثل أعمال الكفار أحدهم ذلك فكما أن هذا مكروه في طباعهم فكيف يحبون ما هو مثله ونظيره ‏فاحتج عليهم بما كرهوه على ما أحبوه وشبه لهم ما يحبونه بما هو أكره شيء إليهم وهم أشد شيء ‏نفرة عنه فلهذا يوجب العقل والفطرة والحكمة أن يكونوا اشد شيء نفرة عما هو نظيره ومشبهه ‏وبالله التوفيق

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:49 PM
‏ فصل ومنها قوله تعالى ^ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا ‏يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد ^ فشبه تعالى أعمال الكفار في بطلانها وعدم ‏الانتفاع بها برماد مرت عليه ريح شديدة في يوم عاصف فشبه سبحانه أعمالهم في حبوطها وذهابها ‏باطلا كالهباء المنثور لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان وكونها لغير الله عز وجل على غير ‏أمره برماد طيرته الريح العاصف فلا يقدر صاحبه على شيء منه وقت شدة حاجته إليه فلذلك لا ‏يقدرون مما كسبوا على شيء لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء فلا يرون لها ‏أثرا من ثواب ولا فائدة نافعة فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه موافقا لشرعه ‏والأعمال أربعة فواحد مقبول وثلاثة مردودة فالمقبول الخالص الصواب فالخالص أن يكون لله لا لغير ‏والصواب أن يكون مما شرعه على لسان رسوله والثلاثة المردودة ما خالف ذلك # وفي تشبيهها ‏بالرماد سر بديع وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم وبين الرماد في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا ‏وهذا فكانت الأعمال التي لغير الله عز وجل وعلى غير مراده طعمة للنار وبها تسعر النار على ‏أصحابها وينشئ الله لهم من أعمالهم الباطلة نارا وعذابا كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقة لأمره‎


‏ مثل الكلمة الطبية # التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيما وروحا فأثرت النار في أعمال أولئك ‏حتى جعلتها رمادا فهم وما يعبدون من دون الله وقود النار

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:50 PM
‏ فصل ومنها قوله تعالى ^ ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها ‏في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ^ فشبه سبحانه ‏الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع ‏وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله فإنها ‏تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة و الباطنة فكل عمل صالح مرضي لله عز وجل ثمرة هذا الكلمة ‏وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أصلها ثابت قول لا إله إلا الله في ‏قلب المؤمن وفرعها في السماء يقول يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء وقال الربيع بن أنس كلمة طيبة ‏هذا مثل الإيمان والإيمان الشجرة الطيبة وأصلها الثابت الذي لا يزول الإخلاص فيه وفرعه في السماء ‏خشية الله والتشبيه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن فإنه سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب ‏بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل الباسقة الفرع في السماء علوا التي لا تزال تؤتي ثمرتها كل‎


‏ رفع العمل الصالح حين وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في ‏القلب التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال ‏الصالحة كل وقت بحسب ثباتها في القلب ومحبة القلب لها وإخلاصه فيها ومعرفته بحقيقتها وقيامه ‏بحقها ومراعاتها حق رعايتها فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها واتصف قلبه ‏بها وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسن صبغة منها فيعرف حقيقة الهيئة التي يثبتها قلبه لله ويشهد بها ‏لسانه وتصدقها جوارحه ونفى تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى الله عز وجل وواطأ قلبه ‏لسانه في هذا النفي والإثبات وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعة سالكة سبل ربه ذللا ‏غير ناكبة عنها ولا باغية سواها بدلا كما لا يبتغي القلب سوى معبوده الحق بدلا فلا ريب أن هذه ‏الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتى ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى الرب تعالى ‏وهذه الكلمة الطيبة تثمر كثيرا طيبا كلما يقارنه عمل صالح فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب كما ‏قال تعالى ^ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ^ فأخبر سبحانه أن العمل الصالح يرفع ‏الكلم الطيب وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها كل وقت عملا صالحا كل وقت # والمقصود أن ‏كلمة التوحيد إذا شهد المؤمن بها عارفا بمعناها وحقيقتها نفيا واثباتا متصفا بموجبها قائما قلبه ولسانه ‏وجوارحه بشهادته فهذه الكلمة من هذا الشاهد أصلها ثبات راسخ في قلبه وفروعها متصلة‎


‏ مثل النخلة والمؤمن بالسماء وهي مخرجة لثمرتها كل وقت ومن السلف من قال إن الشجرة الطيبة ‏هي النخلة ويدل عليه حديث ابن عمر الصحيح ومنهم من قال هي المؤمن نفسه كما قال محمد بن ‏سعد حدثني أبي حدثني عمي حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله ^ ألم تر كيف ضرب الله مثلا ‏كلمة طيبة كشجرة طيبة ^ يعني بالشجرة الطيبة المؤمن ويعني بالأصل الثابت في الأرض والفرع في ‏السماء يكون المؤمن يعمل في الأرض ويتكلم فيبلغ قوله وعمله السماء وهو في الأرض وقال عطية ‏العوفي في ^ ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ^ قال ذلك مثل المؤمن لا يزال يخرج منه كلام ‏طيب وعمل صالح يصعد إلى الله # وقال الربيع بن أنس ^ أصلها ثابت وفرعها في السماء ^ قال ‏ذلك المؤمن ضرب مثله في الإخلاص لله وحده وعبادته وحده لا شريك له قال ^ أصلها ثابت ^ ‏قال أصل عمله ثابت في الأرض ^ وفرعها في السماء ^ قال ذكره في السماء ولا اختلاف بين ‏القولين فالمقصود بالمثل المؤمن والنخلة مشبهة به وهو مشبه بها وإذا كانت النخلة شجرة طيبة فالمؤمن ‏المشبه بها أولى أن يكون كذلك ومن قال من السلف إنها شجرة في الجنة فالنخلة من أشرف أشجار ‏الجنة‎


‏ تجديد الإيمان # وفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف ما يليق ويقتضيه علم الذي تكلم به ‏سبحانه وحكمته فمن ذلك أن الشجرة لا بد لها من عروق وساق وفروع وورق وثمر فكذلك شجرة ‏الإيمان والإسلام ليطابق المشبه المشبه به فعروقها العلم والمعرفة واليقين وساقها الإخلاص وفروعها ‏الأعمال وثمرتها ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة والصفات الممدوحة والأخلاق الزكية ‏والسمت الصالح والهدى والدل المرضى فيستدل على غرس هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه بهذه ‏الأمور فإذا كان العلم صحيحا مطابقا لمعلومه الذي أنزل الله كتابه به والاعتقاد مطابقا لما أخبر به عن ‏نفسه وأخبرت به عنه رسله صلوات الله وسلامه عليهم والإخلاص قائم في القلب والأعمال موافقة ‏للأمر والهدى والدل والسمت مشابه لهذه الأصول مناسب لها علم أن شجرة الإيمان في القلب أصلها ‏ثابت وفرعها في السماء وإذا كان الأمر بالعكس علم أن القائم بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة التي ‏اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار ومنها أن الشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها فإذا ‏انقطع عنها السقي أوشك أن تيبس فهكذا شجرة الإسلام في القلب إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها ‏كل وقت بالعمل النافع والعمل الصالح والعود بالتذكر على التفكر والتفكر على التذكر وإلا أوشك ‏أن تيبس وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله إن الإيمان ‏يخلق في القلب كما يخلق الثوب فجددوا إيمانكم‎


‏ الغرس الطيب وبالجملة فالغرس إن لم يتعاهده صاحبه أوشك أن يهلك ومن هنا يعلم شدة حاجة ‏العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على تعاقب الأوقات وعظيم رحمته وتمام نعمته وإحسانه إلى ‏عباده بأن وضعها عليهم وجعلها مادة لسقي غراس التوحيد الذي غرسه في قلوبهم # ومنها إن ‏الغرس والزرع النافع قد أجرى الله سبحانه العادة أنه لا بد أن يخالطه دغل ونبت غريب ليس من ‏جنسه فإن تعاهده ربه ونقاه وقلمه كمل الغرس والزرع واستوى وتم نباته وكان أوفر لثمرته وأطيب ‏وأزكى وإن تركه أوشك أن يغلب على الغرس والزرع ويكون الحكم له أو يضعف الأصل ويجعل ‏الثمرة ذميمة ناقصة بحسب كثرته وقلته ومن لم يكن له فقه يقيس في هذا ومعرفته به فإنه يفوته ربح ‏كثير وهو لا يشعر فالمؤمن دائم سعيه في شيئين سقي هذه الشجرة وتنقية ما حولها فبسقيها تبقى ‏وتدوم وبتنقية ما حولها تكمل وتتم والله المستعان وعليه التكلان # فهذا بعض ما تضمنه هذا المثل ‏العظيم الجليل من الأسرار والحكم ولعلها قطرة من بحر بحسب أذهاننا الواقعة وقلوبنا المخبطة وعلومنا ‏القاصرة وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار وإلا فلو طهرت منا القلوب وصفت الأذهان وزكت ‏النفوس وخلصت الأعمال وتجردت الهمم للتقي عن الله تعالى‎


‏ مثل الكلمة الخبيثة ورسوله لشاهدنا من معاني كلام الله عز وجل وأسراره وحكمه ما تضمحل عنده ‏العلوم وتتلاشى عنده معارف الحق وبهذا يعرف قدر علوم الصحابة ومعارفهم رضي الله عنهم وإن ‏التفاوت الذي بين علومهم وعلوم من بعدهم كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والله أعلم حيث يجعل ‏مواقع فضله ومن يختص برحمته

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:51 PM
‏ فصل ثم ذكر سبحانه مثل الكلمة الخبيثة فشبهها بالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها ‏من قرار فلا عرق ثابت ولا فرع عال ولا ثمرة زاكية ولا ظل ولا جنى ولا ساق قائم ولا عرق في ‏الأرض ثابت مغدق ولا أعلاها مونق ولا جنى لها ولا تعلو بلى تعلى # وإذا تأمل اللبيب أكثر كلام ‏هذا الخلق في خطابهم وكتبهم وجده كذلك فالخسران كل الخسران الوقوف معه والاشتغال به عن ‏أفضل الكلام وأنفعه قال الضحاك ضرب الله مثلا للكافر بشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من ‏قرار يقول ليس لها أصل ولا فرع وليس لها ثمرة و لا فيها منفعة كذلك الكافر ليس يعمل خيرا ولا ‏يقوله ولا يجعل الله فيه بركة ولا منفعة وقال ابن عباس # ومثل كلمة خبيثة وهي الشرك كشجرة ‏خبيثة يعني الكافر اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار يقول الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر ‏ولا برهان ولا يقبل الله عمل المشرك ولا يصعد إلى الله فليس له أصل ثابت في الأرض ولا فرع في ‏السماء يقول ليس له عمل صالح في السماء ولا في الآخرة وقال الربيع بن أنس # مثل الشجرة ‏الخبيثة مثل‎


‏ التثبيت بالقول الصالح الكافر ليس لقوله ولا لعمله أصل ولا فرع ولا يستقر قوله ولا عمله على ‏الأرض ولا يصعد إلى السماء وقال سعيد عن قتادة في هذه الآية إن رجلا لقي رجلا من أهل العلم ‏فقال له ما تقول في الكلمة الخبيثة قال لا اعلم لها في الأرض مستقرا ولا في السماء مصعدا إلا أن ‏تلزم عنق صاحبها حتى يوافي بها يوم القيامة وقوله اجتثت أي استؤصلت من فوق الأرض ثم أخبر ‏سبحانه عن فصله وعدله في الفريقين أصحاب الكلم الطيب والكلم الخبيث فأخبر أنه يثبت الذين ‏آمنوا بالقول الثابت أحوج ما يكونون إليه في الدنيا والآخرة وأنه يضل الظالمين وهم المشركون عن ‏القول الثابت فأضل هؤلاء بعدله لظلمهم وثبت المؤمنين بفضله لإيمانهم وتحت قوله ^ يثبت الله الذين ‏آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ^ كنز عظيم من وقف عليه لظنته وأحسن استخراجه ‏واقتناءه وأنفق منه فقد غنم ومن حرمه فقد حرم وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله طرفة عين ‏فإن لم يثبته وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه عبده ورسوله ‏‏^ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ^ وقال تعالى ^ إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني ‏معكم فثبتوا الذين آمنوا ^ وفي الصحيحين من حديث البجلي قال وهو يسألهم ويثبتهم وقال تعالى ‏لرسوله ^ وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ^‏‎


‏ كيفية التثبيت # فالخلق كلهم قسمان موفق بالتثبيت ومخذول بترك التثبيت ومادة التثبيت وأصله ‏ومنشأه من القول الثابت وفعل ما أمر به العبد فيهما يثبت الله عبده فكل ما كان أثبت قولا وأحسن ‏فعلا كان أعظم تثبتا قال تعالى ^ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ^ فأثبت ‏الناس قلبا أثبتهم قولا والقول الثابت هو القول الحق والصدق وهو ضد القول الباطل الكذب فالقول ‏نوعان ثابت له حقيقة وباطل لا حقيقة له وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها فهي أعظم ما يثبت ‏الله بها عباده في الدنيا والآخرة ولهذا ترى الصادق من أثبت الناس وأشجعهم قلبا والكاذب من أمهن ‏الناس وأخبثهم وأكثرهم تلويا وأقلهم ثباتا وأهل الفراسة يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت ‏الاختبار وشجاعته ومهابته ويعرفون كذب الكاذب بضد ذلك ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف ‏البصيرة وسئل بعضهم عن كلام سمعه من متكلم به فقال والله ما فهمت منه شيئا الا أني سمعت ‏لكلامه صولة ليست بصولة مبطل فما منح العبد منحة أفضل من منحة القول الثابت ويجد أهل القول ‏الثابت ثمرته أحوج ما يكونون إليه في قبورهم ويوم معادهم كما في صحيح مسلم من حديث البراء ‏بن عازب عن النبي أن هذه الآية نزلت في عذاب القبر وقد جاء هذا مبينا في أحاديث صحاح فمنها ‏ما في المسند من حديث داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال كنا مع النبي في جنازة فقال ‏يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه‎


‏ سؤال القبر أصحابه جاءه ملك بيده مطراق فأقعده فقال ما تقول في هذا الرجل فإن كان مؤمنا قال ‏أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فيقول له صدقت فيفتح له ‏باب إلى النار فيقال له هذا منزلك لو كفرت بربك فأما إذ آمنت فإن الله أبدلك به هذا ثم يفتح له ‏باب إلى الجنة فيريد أن ينهض له اسكن ثم يفسح له في قبره وأما الكافر والمنافق فيقال له ما تقول في ‏هذا الرجل فيقول لا أدري فيقال لا دريت ولا اهتديت ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له هذا منزلك ‏لو آمنت بربك فأما إذ كفرت فإن الله أبدلك به هذا ثم يفتح له باب إلى النار ثم يقمعه الملك بالمطراق ‏قمعة يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين قال بعض أصحابه يا رسول الله ما منا من أحد يقوم على ‏رأسه ملك بيده مطراق إلا هيل عند ذلك فقال رسول الله ^ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ‏الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ^ # وفي المسند من حديث البراء بن ‏عازب وروى المنهال عن عمرو وعن زاذان عن البراء قال قال رسول الله وذكر قبض روح المؤمن ‏فقال يأتيه آت يعني في قبره فيقول من ربك وما دينك ومن نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبي ‏محمد قال فيقول له ما ربك وما دينك وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن فذلك حين يقول الله ^ ‏يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ^ فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيي ‏محمد فيقال له صدقت وهذا حديث صحيح‎

‏# وقال حماد بن سلمة عن محمد بن عمر وعن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ^ يثبت ‏الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ^ قال إذا قيل له في القبر من ربك وما ‏دينك فيقول ربي الله وديني الاسلام ونبي محمد جاء بالبينات من عند الله فآمنت وصدقت فيقال له ‏صدقت على هذا عشت وعليه مت وعليه تبعث وقال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن ‏البراء بن عازب قال قال رسول الله وذكر قبض روح المؤمن قال فترجع روحه في جسده ويبعث إليه ‏ملكان شديدان فيجلسانه وينهرانه ويقولان من ربك فيقول الله وما دينك فيقول الإسلام فيقولان ما ‏هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول محمد رسول الله قال فيقولان له وما يدريك قال يقول قرأت ‏كتاب الله فآمنت به وصدقت وذلك قول الله تبارك وتعالى ^ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في ‏الحياة الدنيا وفي الآخرة ^ رواه ابن حبان في صحيحه وأحمد وفي صحيحه أيضا من حديث أبي هريرة ‏يرفعه قال إن الميت ليسمع خفق نعالهم يولون عنه مدبرين فإذا كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه ‏والزكاة عن يمينه وكان الصيام عن يساره وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف ‏والإحسان إلى الناس عند رجليه فيؤتى من عند رأسه فتقول الصلاة ما قبلي مدخل فيؤتى عن يمينه ‏فتقول الزكاة ما قبلي مدخل فيؤتي عن يساره فيقول الصيام ما قبلي مدخلى فيؤتى من عند‎

رجليه فتقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف و الإحسان إلى الناس ما قبلي مدخل فيقال ‏له اجلس فيجلس قد مثلت له الشمس قد قدمت للغروب فيقال له أخبرنا عما نسألك عنه فيقول ‏وعم تسألوني فيقول دعوني حتى أصلي فيقال إنك ستفعل # فأخبرنا عما نسألك فيقول وعم ‏تسألون فيقال له أرأيت هذا الرجل الذي بعث فيكم ماذا تقول فيه وماذا تشهد به عليه فيقول محمد ‏فيقولون نعم فيقول أشهد أنه رسول الله وأنه جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه فيقال له على ذلك ‏حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له فيه ‏ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال انظر إلى ما أعد الله لك فيها فيزداد غبطة وسرورا ثم يجعل نسمته في ‏النسم الطيبة وهي طير خضر تعلق بشجر الجنة فيعاد الجسد إلى ما بدا منه من التراب وذلك قول الله ‏‏^ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ^ ولا تستطل هذا الفصل المعترض ‏فالمفتي والشاهد والحاكم بل وكل مسلم أشد ضرورة إليه من الطعام والشراب والنفس وبالله التوفيق
‏ فصل ومنها قوله تعالى ^ فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ‏ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق ^ فتأمل هذا ‏المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله وتعلق بغيره ويجوز لك في هذا التشبيه أمران أحدهما أن تجعله ‏تشبيها مركبا ويكون قد شبه من أشرك بالله وعبد معه غيره‎


‏ مثل من يشرك بالله فكأنما خر من السماء برجل قد تسبب إلى هلاك نفسه هلاكا لا يرجى معه نجاة ‏فصور حاله بصورة من خر من السماء فاختطفه الطير في الهوى فتمزق مزعا في حواصلها أو عصفت ‏به الريح حتى هوت في بعض المطارح البعيدة وعلى هذا لا ينظر إلى كل فرد من أفراد الشبه ومقابلته ‏من المشبه به # والثاني أن يكون من التشبيه المفرق فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل بالممثل به ‏وعلى هذا فيكون قد شبه الإيمان والتوحيد في علوه وسعته وشرفه بالسماء التي هي مصعده ومهبطه ‏فمنها يهبط إلى الأرض وإليها يصعد منها وشبه تارك الإيمان والتوحيد بالساقط من السماء إلى أسفل ‏سافلين من حيث التضييق الشديد والآلام المتراكمة والطير الذي يخطف أعضاءه ويمزقه كل ممزق ‏بالشياطين التي يرسلها الله سبحانه وتعالى عليه تؤزه أزا وتزعجه وتقلقه إلى مظان هلاكه فكل شيطان ‏له مزعة من دينه وقلبه كما أن لكل طير مزعة من لحمه وأعضائه والريح التي تهوي به في مكان ‏سحيق هو هواه الذي يحمله القاء نفسه في أسفل مكان وأبعده من السماء

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:52 PM
‏ فصل ومنها قوله تعالى ^ يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن ‏يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب وما ‏قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز ^ حقيق كل عبد أن يستمع لهذا‎


‏ الشرك بالله لن يخلقوا ذبابا المثل ويتدبره حق تدبره فإنه يقطع موارد الشرك من قلبه وذلك أن المعبود ‏أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما يضره والآلهة التي يعبدها المشركون من دون ‏الله لن تقدر على خلق ذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه فكيف ما هو أكبر منه ولا يقدرون على ‏الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئا مما عليهم من طيب ونحوه فيستنقذونه منه فلا هم قادرون على ‏خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوان ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم إياه فلا أعجز ‏من هذه الآلهة ولا أضعف منها فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله تعالى وهذا المثل من أبلغ ‏ما أنزل الله سبحانه في بطلان الشرك وتجهيل أهله وتقبيح عقولهم والشهادة على أن الشياطين قد ‏تتلاعب بهم أعظم من تلاعب الصبيان بالكرة حيث أعطوا الإلهية التي من بعض لوازمها القدرة على ‏جميع المقدورات والإحاطة بجميع المعلومات والغنى عن جميع المخلوقات وأن يعمد إلى الرب في جميع ‏الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإجابة الدعوات فأعطوها صورا وتماثيل تمتنع عليها ‏القدرة على مخلوقات الآلهة الحق وأذلها وأصغرها وأحقرها ولو اجتمعوا لذلك وتعاونوا عليه وأدل من ‏ذلك على عجزهم وانتفاء آلهتهم أن هذا الخلق الأقل الأذل العاجز الضعيف لو اختطف منهم شيئا ‏واستلبه فاجتمعوا على أن يستنقذوه منه لعجزوا عن ذلك ولم يقدروا عليه ثم سوى بين العابد ‏والمعبود في الضعف والعجز بقوله ^ ضعف الطالب‎


‏ مثل الذي ينعق والمطلوب ^ قيل الطالب العابد والمطلوب المعبود فهو عاجز متعلق بعاجز وقيل هو ‏تسوية بين السالب والمسلوب وهو تسوية بين الإله والذباب في الضعف والعجز وعلى هذا فالطالب ‏الإله الباطل والمطلوب الذباب يطلب منه ما استنقذه منه وقيل الطالب الذباب والمطلوب الآلهة ‏فالذباب يطلب منه ما يأخذه مما عليه والصحيح أن اللفظ يتناول الجميع فضعف العابد والمعبود ‏والمستلب و المستلب فمن جعل هذا الآلهة مع القوي العزيز فما قدره حق قدره ولا عرفه حق معرفته ‏ولا عظمه حق عظمته

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:52 PM
فصل ومنها قوله تعالى ^ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم ‏عمى فهم لا يعقلون ^ # فتضمن هذا المثل ناعقا أي مصوتا بالغنم وغيرها و منعوقا به وهو الدواب ‏فقيل الناعق العابد وهو الداعي للصنم والصنم هو المنعوق به المدعو وإن حال الكافر في دعائه كحال ‏من ينعق بما لا يسمعه هذا قول طائفة منهم عبد الرحمن بن زيد وغيره واستشكل صاحب الكشاف ‏وجماعة معه هذا القول وقالوا قوله إلا دعاء ونداء لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع دعاء ولا نداء ‏وقد أجيب عن هذا الاشكال بثلاثة‎

أجوبة أحدها أن زائدة والمعنى بما لا يسمع دعاء ونداء قالوا وقد ذكر الأصمعي في قول الشاعر # ‏جراجيج لا تنفعك إلا مناخة # أي ما تنفك مناخة وهذا جواب فاسد فإن إلا لا تزاد في الكلام # ‏الجواب الثاني أن التشبيه وقع في مطلق الدعاء لا في خصوصات المدعو # الجواب الثالث أن المعنى أن ‏مثل هؤلاء في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعآءهم كمثل الناعق بغنمه فلا ينتفع بنعقته شيئا غير أنه في ‏دعآء ونداء وكذا المشرك ليس له من دعائه وعبادته إلا العناء وقيل المعنى ومثل الذين كفروا كالبهائم ‏التي لا تفقه مما يقول الراعي أكثر من الصوت فالراعي هو داعي الكفار والكفار هم البهائم المنعوق ‏بها قال سيبويه المعنى ومثلك يا محمد ومثل الذين كفروا كمثل الناعق و المنعوق به وعلى قوله فيكون ‏المعنى ومثل الذين كفروا وداعيهم كمثل الغنم والناعق بها ذلك أن تجعل هذا من التشبيه المركب وأن ‏تجعله من التشبيه المفرق فإن جعلته من المركب كان تشبيها للكفار في عدم فقههم وانتفاعهم بالغنم ‏التي ينعق بها الراعي فلا تفقه من قوله شيئا غير الصوت المجرد الذي هو الدعاء والنداء وإن جعلته من ‏التشبيه المفرق فالذين‎


‏ مثل الإنفاق بحبه كفروا بمنزلة البهائم ودعاؤهم إلى الطريق والهدى بمنزلة النعيق وإدراكهم مجرد ‏الدعاء والنداء كإدراك البهائم مجرد صوت الناعق والله أعلم

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:54 PM
‏ فصل ومنها قوله تعالى ^ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في ‏كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع عليم ^ شبه سبحانه نفقة المنفق في سبيله سواء ‏كان المراد به الجهاد أو جميع سبل الخير من كل بر بمن بذر بذرا فأنبتت كل حبة سبع سنابل اشتملت ‏كل سنبلة على مائة حبة والله يضاعف بحسب حال المنفق وإيمانه وإخلاصه واحسانه ونفع نفقته ‏وقدرها ووقوعها موقعها فان ثواب الانفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الايمان والاخلاص ‏والتثبت عند النفقة وهو اخراج المال بقلب ثابت قد انشرح صدره باخراجه وسمحت به نفسه وخرج ‏من قلبه قبل خروجه من يده فهو ثابت القلب عند اخراجه غير جزع ولا هلع ولا متبعه نفسه ترجف ‏يده وفؤاده ويتفاوت بحسب نفع الإنفاق ومصارفه بمواقعه وبحسب طيب المنفق وذكائه وتحت هذا ‏المثل من الفقه أنه سبحانه شبه الانفاق بالبذر فالمنفق ماله الطيب لله لا لغيره باذر ماله في أرض زكية ‏فمغلة بحسب بذرة وطيب أرضه وتعاهد البذر بالسقي ونفي الدغل والنبات الغريب عنه فإذا ‏اجتمعت هذه الأمور ولم تحرق الزرع نار ولا لحقته جائحة جاء أمثال الجبال وكان مثله كمثل حبة ‏بربوة وهي المكان فيه نصب‎


‏ مثل النفقة في سبيل الله الشمس والرياح فتربى الأشجار هناك أتم تربية فنزل عليها من السماء مطر ‏عظيم القطر متتابع فرواها ونماها فآتت أكلها ضعفي ما تؤتيه غيرها بسبب ذلك الوابل وإن لم يصبها ‏وابل فطل مطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها تزكو على الطل وتنمي عليه مع أن في ذكر نوعي ‏الوابل والطل إشارة إلى نوعي الإنفاق الكثير والقليل فمن الناس من يكون إنفاقه وابلا ومنهم من ‏يكون إنفاقه طلا والله لا يضيع مثقال ذرة فإن عرض لهذا العامل ما يفرق أعماله ويبطل بها حسناته ‏كان بمنزلة رجل له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار وله فيها من كل الثمرات وأصابه ‏الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت فإذا كان يوم استيفاء الأعمال وإحراز الأجور ‏وجد العامل عمله قد أصابه ما أصاب صاحب هذه الجنة فحسرته حينئذ أشد من حسرة هذا على ‏جنته فهذا مثل ضربه الله سبحانه في الحسرة لسلب النعمة عند شدة الحاجة إليها مع عظم قدرها ‏ومنفعتها والذي ذهبت عنه قد أصابه الكبر والضعف فهو أحوج ما كان إلى نعمته ومع هذا فله ذرية ‏ضعفآء لا يقدرون على نفعه والقيام بمصالحه بل هم في عياله فحاجته إلى نعمته حينئذ أشد ما كانت ‏لضعفه وضعف ذريته فكيف يكون حال هذا إذا كان له بستان عظيم فيه من جميع الفواكه والثمر ‏وسلطان ثمره أجل الفواكه وأنفعها وهو ثمر النخيل والأعناب فنخله يقوم بكفايته وكفاية ذريته ‏فأصبح يوما وقد وجده محترقا كله كالصريم فأي حسرة أعظم‎


‏ مثل الإنفاق بالمن والأذى من حسرته قال ابن عباس هذا مثل الذي يختم له بالفساد في آخر عمره ‏وقال مجاهد هذا مثل المفرط في طاعة الله حتى يموت وقال السري هذا مثل للمرائي في نفقته الذي ‏ينفق لغير الله ينقطع عنه نفعها أحوج ما يكون إليها وسأل عمر بن الخطاب الصحابة رضي الله عنهم ‏يوما عن هذه الآية فقالوا الله أعلم فغضب عمر وقال قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس في نفسي ‏منها شيء يا أمير المؤمنين قال قل يا ابن أخي ولا تحصر نفسك قال ضرب مثل لعمل قال لأي عمل ‏قال لرجل غنى يعمل بالحسنات ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله كلها وقال ‏الحسن هذا مثل قل والله أعلم من يعقله من الناس شيخ ضعف جسمه وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى ‏جنته وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:54 PM
‏ فصل فإن عرض لهذه الأعمال من الصدقات ما يبطلها من المن والأذى والرياء فالرياء يمنع انعقادها ‏سببا للثواب والمن والأذى يبطل الثواب الذي كان سببا له فمثل صاحبها وبطلان عمله كمثل ‏صفوان وهو الحجر الأملس عليه تراب فأصابه وابل وهو المطر الشديد فتركه صلدا لا شيء عليه ‏وتأمل جزاء هذا المثل البليغ وانطباقها على أجزاء الممثل به تعرف عظمة القرآن وجلالته فإن الحجر ‏في مقابلة قلب هذا المرائي و المان والمؤذي فقلبه في‎


‏ مثل ما ينفقون كمثل ريح قسوته عن الإيمان والإخلاص والإحسان بمنزلة الحجر والعمل الذي لغير ‏الله بمنزلة التراب الذي على ذلك الحجر فقوة ما تحته وصلابته تمنعه من الثبات والنبات عند نزول ‏الوابل فليس له مادة متصلة بالذي يقبل الماء وينبت الكلأ وكذلك قلب المرآئي ليس له ثبات عند ‏وابل الأمر والنهي والقضاء والقدر فإذا نزل عليه وابل الوحي انكشف عنه ذلك التراب اليسير الذي ‏كان عليه فبرز ما تحته حجرا صلدا لا نبات فيه وهذا مثل ضربه الله سبحانه لعمل المرآئي ونفقته لا ‏يقدر يوم القيامة على ثواب شيء منه أحوج ما كان إليه وبالله التوفيق

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:55 PM
‏ فصل ومنها قوله تعالى ^ إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك ‏أصحاب النار هم فيها خالدون مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت ‏حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ^ هذا مثل ضربه الله تعالى ‏لمن أنفق ماله في غير طاعته ومرضاته فشبه سبحانه ما ينفقه هؤلاء من أموالهم في المكارم والمفاخر ‏وكسب الثناء وحسن الذكر لا يبتغون به وجه الله وما ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله واتباع رسله ‏عليهم الصلاة والسلام بالزرع الذي زرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره فأصابته ريح شديدة البرد جدا ‏يحرق بردها ما يمر عليه من الزرع والثمار فأهلكت ذلك الزرع وأيبسته‎


‏ ضرب الله مثلا رجلا # واختلف في الصر فقيل البرد الشديد وقيل النار قاله ابن عباس وقال ‏الأنباري وإنما وصفت النار أنها صر لتصريتها عند الالتهاب وقيل الصر الصوت الذي يصحب الريح ‏من شدة هبوبها والأقوال الثلاثة متلازمة فهو برد شديد محرق بيبسه للحرث كما تحرق النار وفيه ‏صوت شديد وفي قوله ^ أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم ^ تنبيه على أن سبب إصابتها لحرثهم ‏هو ظلمهم فهو الذي سلط عليهم الريح المذكورة حتى أهلكت زرعهم وأيبسته فظلمهم هو الريح ‏التي أهلكت أعمالهم ونفقاتهم وأتلفتها

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:56 PM
‏ فصل ومنها قوله تعالى ^ ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل ‏يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ^ هذا مثل ضربه الله سبحانه للمشرك والموحد ‏فالمشرك بمنزلة عبد تملكه جماعة مشتركين في خدمته لا يمكنه رضاهم أجمعين والموحد لما كان يعبد الله ‏وحده فمثله كمثل عبد رجل واحد قد سلم له وعلم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه فهو في راحة ‏من تشاحن الخلطاء فيه بل هو سالم لمالكه من غير منازع فيه مع رأفة مالكه به ورحمته له وشفقته ‏عليه وإحسانه إليه وتوليته بمصالحه فهل يستوي هذان العبدان وهذا‎


‏ مثل امرأة نوح وامرأة لوط منه أبلغ الأمثال فإن الخالص لمالك واحد مستحق من معونته وإحسانه ‏والتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحقه صاحب الشركاء المتشاكسين ^ الحمد لله بل أكثرهم لا ‏يعلمون

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:56 PM
‏ فصل ومنها قوله تعالى ^ ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من ‏عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين وضرب الله مثلا ‏للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من ‏القوم الظالمين ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها ‏وكتبه وكانت من القانتين ^ فاشتملت هذه الآيات على ثلاثة أمثال مثل للكافر ومثلين للمؤمنين ‏فتضمن مثل الكفار أن الكافر يعاتب على كفره وعداوته لله تعالى ورسوله وأوليائه ولا ينفعه مع ‏كفره ما كان بينه وبين المؤمنين من لحمة نسب أو وصلة صهر أو سبب من سبب الاتصال فان ‏الأسباب كلها تنقطع يوم القيامة إلا ما كان منها متصلا بالله وحده على أيدي رسله عليهم الصلاة ‏والسلام فلو نفعت وصلة القرابة والمصاهرة والنكاح مع عدم الايمان لنفعت الصلة التي كانت بين ‏نوح ولوط عليهما الصلاة والسلام وامرأتيهما فلما لم يغنيا عنهما من الله شيئا‎


‏ مثل امرأة نوح وامرأة لوط وقيل لهما ادخلا النار مع الداخلين فقطعت الآية حينئذ طمع من ارتكب ‏معصية الله تعالى وخالف أمره ورجا أن ينفعه صلاح غيره من قريب أو أجنبي ولو كان بينهما في ‏الدنيا أشد الاتصال فلا اتصال فوق اتصال النبوة والأبوة والزوجية ولم يغن نوح عليه الصلاة والسلام ‏عن ابنه ولا إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن أبيه ولا نوح ولوط عليهما الصلاة و السلام عن ‏امرأتيهما من الله شيئا قال الله تعالى ^ لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم ^ ‏وقال تعالى ^ يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ^ وقال تعالى ^ واتقوا يوما لا تجزي ‏نفس عن نفس شيئا ^ وقال تعالى ^ واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن ‏والده شيئا ^ وهذا كله تكذيب لأطماع المشركين الباطلة أن من تعلقوا به من دون الله من قرابة أو ‏صهر أو نكاح أو صحبة تنفعهم يوم القيامة أو تجيرهم من عذاب الله تعالى أو تشفع لهم عند الله تعالى ‏وهذا أصل ضلال بني آدم وشركهم وهو الشرك الذي لا يغفره الله وهو الذي بعث الله تعالى جميع ‏رسله عليهم الصلاة والسلام وأنزل جميع كتبه بإبطاله ومحاربة أهله ومعاداتهم

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:57 PM
‏ فصل وأما المثلان اللذان للمؤمنين فأحدهما امرأة فرعون ووجه المثل أن اتصال المؤمن بالكافر لا ‏يضره شيئا إذا فارقه في كفره وعمله فمعصية العاصي لا تضر المطيع شيئا في الآخرة وإن تضرر بها في ‏الدنيا بسبب العقوبة التي تحل بأهل الأرض إذا أضاعوا أمر الله عز وجل فتأتي عامة فلم يضر‎


‏ مثل امرأة فرعون ومريم امرأة فرعون اتصالها به وهو من أكفر الكافرين ولم ينفع امرأة نوح ولوط ‏اتصالهما بهما وهما رسولا رب العالمين # المثل الثاني للمؤمنين مريم التي لا زوج لها لا مؤمن ولا كافر ‏فذكر ثلاثة أصناف النساء المرأة الكافرة التي لها وصلة بالرجل الصالح والمرأة الصالحة التي لها وصلة ‏بالرجل الكافر والمرأة العزبة التي لا وصلة بينها وبين أحد فالأولى لا تنفعها وصلتها وسببها والثانية لا ‏تضرها وصلتها وسببها والثالثة لا يضرها عدم الصلة شيئا ثم في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما ‏يناسب سياق السورة فإنها سيقت في ذكر أزواج النبي والتحذير من تظاهرهن عليه وأنهن إن لم يطعن ‏الله ورسوله ويردن الدار الآخرة لم ينفعهن اتصالهن برسول الله كما لم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما ‏بهما ولهذا ضرب لهما في هذه السورة مثل اتصال النكاح دون القرابة قال يحيى بن سلام ضرب الله ‏المثل الأول يحذر عائشة وحفصة ثم ضرب لهما المثل الثاني يحرضهما على التمسك بالطاعة وفي ضرب ‏المثل للمؤمنين بمريم أيضا اعتبار آخر وهو أنها لم يضرها عند الله شيئا قذف أعداء الله تعالى اليهود لها ‏ونسبتهم إياها وابنها إلى ما برأهما الله عنه مع كونها الصديقة الكبرى المصطفاة على نساء العالمين فلا ‏يضر‎


‏ الحرص على الطاعة الرجل الصالح قذف الفجار والفساق فيه وفي هذا تسلية لعائشة أم المؤمنين إن ‏كانت السورة نزلت بعد قصة الإفك وتوطين نفسها على ما قال فيها الكاذبون إن كانت قبلها كما ‏في التمثيل بامرأة نوح ولوط تحذير لها ولحفصة مما اعتمدتاه في حق النبي فتضمنت هذه الأمثال ‏التحذير لهن والتخويف والتحريض لهن على الطاعة والتوحيد والتسلية وتوطين النفس لمن أوذي منهن ‏وكذب عليه وأسرار التنزيل فوق هذا وأجل منه ولا سيما أسرار الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون ‏تمت بحمد الله وحسن توفيقه وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما اللهم اغفر ‏لكاتبها ولقارئها ومتدبرها حق تدبرها ولمصنفها وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات آمين ‏والحمد لله رب العالمين # بقلم الفقير إلى ربه تعالى علي بن زيد آل غفر الله له ولوالديه ولجميع ‏المسلمين # والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات‎