المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القصص فى القرآن



أحمد سعد الدين
16-12-2004, 12:59 PM
د. فضل حسن عباس


القصة القرآنية

أهمية القصة القرآنية
إن المساحة التي شغلتها القصة القرآنية من كتاب الله كانت مساحة واسعة، ما نظن أن موضوعاً آخر كان له ما كان للقصة من نصيب، فالقصص القرآني لايقل الحيز الذي شغله من كتاب الله تعالى عن الربع إن لم يزد قليلاً، فإذا كان القرآن ثلاثين جزءاً، فإن القصص يبلغ قرابة الثمانية أجزاء من هذا الكتاب ولا تعجب من ذلك، لأن القصة القرآنية لم تأت لتقرر هدفاً واحداً، بل إن هذا القصص كانت له أهدافه الكثيرة وغاياته المتعددة، فعلى سبيل الإجمال يهدف القصص القرآني إلى تربية نوع الانسان تربية تضمن له خير المسالك ليتبوأ أفضل المدن والممالك، وتحول بينه وبين المنزلقات والمهالك، وإذا أردنا أن نفصل بعض التفصيل، فإننا نجد أن القصص القرآني جاء:
أولاً: ليعمق العقيدة في النفوس ويبصر بها العقول، ويحيي بها القلوب، ويسلك لتلك القضية المهمة الخطيرة أحسن الطرق إمتاعاً وإقناعاً، إمتاعاً للعاطفة، وإقناعاً للعقل، هذه العقيدة بأسسها الكبرى، الألوهية والرسالة واليوم الآخر، وكل من هذه الأصول الثلاثة ذو قضايا رئيسة كثيرة، فلقد ركزت القصة القرآنية في مقام الألوهية على وحدانية الله، وعدله، وقدرته، وحكمته، وحبّه، وودادته لعباده.
وفي مجال الرسالة ركزت القصة القرآنية على الصفات الخيرة للأنبياء، ليكون للناس فيهم أسوة، وبهم قدوة فهم وإن كانوا بشراً إلا أنهم أكرموا بالوحي والرسالة، وكذلك في الحديث عن اليوم الآخر، وما يكون فيه من أحداث (لتجزى كل نفس بما تسعى)، وفي حديثها عن ذلك كله نجد الدليل القاطع، والبرهان الساطع منتزعاً من النفس تارة، ومن الآفاق تارة، وتسلك لذلك كله الترغيب تارة والترهيب أخرى.
ثانياً: السمو بهذا الانسان حتى يمتاز عن الحيوان الذي يشترك معه في بعض الصفات، هذا السمو، الذي لايركز على جانب واحد في هذا الانسان، فهو سمو روحي، وخلقي، ونفسي يشعر به الفرد، وتجد به حلاوته ولذته، وهو بعد ذلك سمو اجتماعي تجد الجماعة فيه بغيتها وأمنها وضالتها وفضيلتها، والقصص القرآني يسلك أكثر من أسلوب للوصول بالإنسان إلى هذه النتيجة الطيبة.
ثالثاً: ولا يظنن أحد أن هذا القصص كانت عنايته بالمعنويات فحسب، وإنما ركز كثيراً على الرقي المادي، وأسباب القوة، لأن هذه المادية عنصر أساسي رئيس في مقومات هذا الانسان.
رابعاً: كان لهذا القصص عناية خاصة ببيان أسباب الهلاك التي يمكن أن تصيب الأمم والجماعات والأفراد، وقد فصّل ذلك تفصيلاً عجيباً، وهو يتحدث عن الترف والطغيان، والبطر والظلم، والاستعباد الفكري والإرهاب والسخرية والرضا بالذل إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة المبثوثة في هذا القصص.
خامساً: التركيز على أن التدين الحق لاينفصل عن الحياة العملية، ولا ينفصم عن واقع هذا الانسان، وإنما هو مرتبط به ارتباطاً وثيقاً، بل هو جزء منه.
سادساً: كما فصل في أسباب السعادة الروحية فصل كذلك أسباب الرقي المادي، حتى تتم السعادة للمؤمنين بهذا القصص العاملين بتوجيهاته وارشاداته.
سابعاً: في هذا القصص كثير من الحقائق العلمية المتعلقة بالكون، والانسان، والحياة والأحياء في السماوات والأرض، والتي تزيدها الأيام وضوحاً وظهوراً.
ثامناً: هذا كله عدا ما في القصة القرآنية من رونق الأسلوب، وبديع النظم، وجمال الصورة، مما ترقص له قلوب الأدباء، وعدا ما فيها كذلك من المواقف والتحاليل النفسية، والاستنتاجات الكامنة وراء الأحداث التي يجد فيها علماء النفس بغيتهم، وغير هؤلاء وأولئك، مما يطلع عليه من يتأمل هذه القصص ويتدبره.
لا عجب إذن أن يكون هذا القصص بدعاً مما عرفته الانسانية من هذا اللون في القديم والحديث حتى ذلك القصص الذي جاء في الكتب السماوية نجده يختلف تماماً عن القصة القرآنية، فأنت تجد القصة في هذه الكتب فضلاً عما فيها من مخالفة لقواعد العلم وقوانين التربية، فهي مع ذلك تذكر الله ورسله بما يأباه العقل وتشمئز منه النفس، وماذا أكثر من أن يوصف الله بالندم والبداء، والظهور بصورة البشر ـ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً ـ وان يوصف الرسل بالكذب والسكر والزنا!!.
أما القصة الأدبية في القديم والحديث فبعضها يقوم على الخيال الذي لا حقيقة له، وبعضها يقوم على تشويه الحقائق وثالث ينحرف به كاتبه عن القيم والمثل والمبادئ.
ستبقى القصة القرآنية إذن الشعلة التي تضيء لهذا الانسان، لتصل حاضره بماضيه، وستبقى النفحة الربانية التي تشرق بها النفس وتعمر القلب، وستبقى الوثيقة الوحيدة الصادقة الخالدة التي يطمئن الانسان لمصداقيتها، وستبقى النمط السويّ، الذي إن ترسمناه حقاً فسيقينا سلبيات التشويش والتهويش والتشويه.
تلك بعض الحقائق عن القصة القرآنية، هو موضوع التكرار، التكرار في القصص القرآني.
فالناظرون في كتاب الله تعالى من أجل تلاوته وتدبره، أو بهدف التشكيك والطعن يجدون لأول وهلة ان هناك قضايا ذكرت أكثر من مرة، وفي أكثر من موضع كالقصص وموضوعات العقيدة وبعض الجمل والآيات، وسموا ذلك تكراراً.
ومع ان إجماعهم على هذه التسمية، إلا انهم اختلفت فيه مذاهبهم وتعددت مشاربهم، وتلك طبيعة في أحوال الناس، بل هي سنة من سنن الله في هذا المجتمع البشري، فالكثرة الكثيرة من المتدبرين رأوا أن في هذا التكرار سحر بيان، وتثبيت بنيان، فعدوه بلاغة واعجازاً ووجدوا فيه منهجاً قويماً، وهدفاً عظيماً من مناهج التربية وأهدافها، وحاولوا أن يبرهنوا على ذلك ببراهين مما عرفته العرب في كلامها شعراً ونثراً، وأن يقيموا عليه الأدلة مما قرره علماء النفس وعلماء الاجتماع وأساطين التربية، وذووا الاختصاص في فن الإعلام والدعاية.
ولئة قليلة عميت أو تعامت هيمن عليها الحقد فعدت هذا مثلبة ومطعناً في كتاب الله، وهؤلاء لم يظهروا إلا بعد أن فسد الذوق البياني، وضعفت السليقة العربية، لذا رأينا أن هذه القضية لم تظهر مبكرة، فلم نسمع شيئاً عنها حتى من أعداء القرآن الذين كانوا ذوي سلائق سليمة في اللغة، بل على العكس من ذلك وجدنا ان هذا القرآن يملك عليهم كل شيء وإن لم يؤمنوا به، ولكن هذه القضية ظهرت فيما بعد حينما فسد المزاج اللغوي، واجتمع الطاعنون على دين الله من كل صوب، وتألبوا حسداً على دين الله، فبدأ الحديث عن شبهة التكرار. هذا وقد شمّر العلماء عن سواعد الجد ليردوا إلى النحور الظالمة سهام الحقد، فبينوا أنّ اللفظ حينما يكرر في الحسن فإنما يقرر في النفس.
وعرض المفسرون والكاتبون في علوم القرآن والدراسات القرآنية لهذه القضية فلم يألوا جهداً في دراسة هذه القضية، ولعل من أقدم الذين عرضوا لقضية التكرار عرضاً موجزاً مركزاً امام أهل السنة اللغوي ابن قتيبة:
قال رحمه الله: (وأما تكرار الأنباء والقصص، فإن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن نجوماً في ثلاث وعشرين سنة بفرض بعد فرض، تيسيراً منه على العباد، وتدريجاً لهم إلى كمال دينه، ووعظ بعد وعظ تنبيهاً لهم من سنة الغفلة وشحذاً لقلوبهم بتجدد الموعظة، وناسخ بعد منسوخ، استعباداً لهم، واختباراً لبصائرهم يقول الله عز وجل: (وقال الذين كفروا، لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً) ).
ثم يقول: (وكانت وفود العرب ترد على رسول الله (ص) للإسلام فيقرئهم المسلمون شيئاً من القرآن فيكون ذلك كافياً لهم. وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة، فلو لم تكن الأنباء والقصص مثناة ومكررة لوقعت قصة موسى إلى قوم، وقصة عيسى إلى قوم، وقصة نوح إلى قوم، وقصة لوط إلى قوم، فأراد الله بلطفه ورحمته أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض، ويلقيها في كل سمع ويثبتها في كلب قلب، ويزيد الحاضرين في الإفهام والتحذير.
وليست القصص كالفروض، لأن كتب رسول الله (ص) كانت تنفذ إلى كل قوم بما فرضه الله عليهم من الصلاة، وعددها وأوقاتها، والزكاة وسنتها، وصوم شهر رمضان وحج البيت، وهذا ما لاتعرف كيفيته من الكتاب، ولم تكن تنفذ بقصة موسى وعيسى ونوح وغيرهم من الانبياء، وكان هذا في صدر الإسلام قبل إكمال الله الدين، فلما نشره الله عزوجل في كل قطر، وبثّه في آفاق الأرض، وعلّم الأكابر الأصاغر، وجمع القرآن بين الدفتين: زال هذا المعنى، واجتمعت الأنباء في كل مصر، وعند كل قوم).
وقد أخبر الله عزوجل بالسبب الذي من أجله كرر الأقاصيص والأخبار في القرآن، فقال سبحانه: (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكّرون) وقال تعالى: (وصرّفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً).
والآن نستمع لعالم آخر هو الإمام الزركشي ـ رحمه الله ـ فلقد أشار في كتابه البرهان إلى التكرار في معاني القرآن بعامة، وإلى التكرار في القصة بخاصة، فبعد أن بيّن انّ التكرار أسلوب من أساليب العرب، وانّ الكلام حينما يكرر فإنه في النفوس يقرر، وعاب على الذين ينكرونه عرّفه بقوله: (وحقيقته إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنىً، خشية تناسي الأول لطول العهد به، فان أعيد لا لتقرير المعنى السابق لم يكن منه كقوله تعالى: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين، وأمرت لأن أكون أول المسلمين، قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل الله أعبد مخلصاً له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه) (الزمر: 11 ـ 15).
فأعاد قوله: (قل الله أعبد مخلصاً له ديني) بعد قوله: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين) لا لتقرير الأول، بل لغرض آخر، لأن معني الأول: الأمر بالإخبار أنه مأمور بالعبادة لله والإخلاص له فيا، ومعنى الثاني: انه يخص الله وحده دون غيره بالعبادة والإخلاص... واعلم انه إنما يحسن سؤال الحكمة عن التكرار إذا خرج عن الأصل، أما إذا وافق الأصل فلا، ولهذا لايتجه سؤالهم: لم كرر (إياك) في قوله (إياك نعبد وإياك نستعين).
إن القصة الواحدة من هذه القصص، كقصة موسى مع فرعون ـ وان ظنّ انّها لاتغاير الأخرى ـ فقد يوجد في ألفاظها زيادة ونقصان وتقديم وتأخير، وتلك حال المعاني الواقعة بحسب تلك الألفاظ، فإن كل واحدة لابد وأن تخالف نظيرتها من نوع معنى زائد منه، لايوقف عليه إلا منها دون غيرها، فكأن الله تعالى فرق ذكر ما دار بينهما وجعله أجزاء، ثم قسم تلك الأجزاء على تارات التكرار لتوجد متكررة فيها، ولو جمعت تلك القصص في موضع واحد لأشبهت ما وجد الأمر عليه من الكتب المتقدمة، من انفراد كل قصة منها بموضع، كما وقع في القرآن بالنسبة ليوسف (ع) خاصة، فاجتمعت في هذه الخاصية من نظم القرآن عدة معان عجيبة.
والتكرار ـ كما نراه ـ هو إعادة اللفظ نفسه في سياق واحد، ولمعنى واحد، فإذا لم يتوفر هذان الشرطان، أي إذا لم يكن المعاد اللفظ نفسه، أو إذا ذكر اللفظ أكثر من مرة ولكن لكل موضع سياقه الخاص ومعناه الخاص، فانّ ذلك لانسميه تكراراً أبداً. هذا هو التعريف الدقيق للتكرار كما يظهر لنا.
وقد أجمعوا على أن لا تكرار في آيات الأحكام، وإنما الذي يمكن أن يكون فيه تكرار، هما الموضوعان الأخيران آيات العقيدة والقصص. هذا من حيث الموضوع.
أما من حيث اللفظ، فقد قالوا: إن هناك جملاً أو آيات ذكرت أكثر من مرة، مما يوجب القول بأنها مكررة. فالتكرار عند هؤلاء هو أن يذكر الموضوع، أو الجملة أو الآية أكثر من مرة، ولسنا معهم في هذا التعريف. والذي يهمنا هنا موضوع القصة، أما الموضوعان الآخران، وهما: آيات العقيدة، والتكرار في الألفاظ، فقد ضمناها كتابنا (نظرات في إعجاز القرآن).
القصص القرآني صدق كله لاينبغي أن يرتاب فيه مرتاب، لأنه إنما ذكر في هذا الكتاب الذي لاريب فيه: (ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)، (نحن نقصُّ عليك نبأهم بالحقّ) ليس إذن كما ادعى المتخيلون الذين رأوا ان عنصر الواقعية، ليس من الضروري أن يتحقق في هذا القصص، وكذلك لاينبغي أن نعدل بالقصص القرآني عن ظاهره فنحمله على التمثيل، فنحن لانهرع إلى التمثيل إذا كان الحمل على الظاهر ممكناً. فالقصص القرآني واقعي من جهة، ولا يجوز أن يحمل على غير ظاهره من جهة أخرى.
هل في القصص القرآني تكرار؟!
لانحب أن نتعجل الإجابة عن هذا السؤال، نرجئه حتى نلم بالموضوع من جميع الجهات، ولابد أن نقرر هنا ما يلي:
1 ـ لم تلتزم القصة القرآنية طريقاً واحداً من حيث الطول والقصر والإجمال والتفصيل، فهناك القصة المفصلة: كما في قصة موسى (ع) في سورة الأعراف، وقصة نوح (ع) في سورة هود.
وهناك القصة المجملة: كما في قصة نوح في سورة الأعراف، وقصة موسى في سورة هود، فلقد أجملت كل من السورتين ما فصلته الأخرى.
كذلك سورة يونس فصلت بعض التفصيل في قصة موسى (ع) وأجملت في قصة نوح (ع).
2 ـ إن كل قصة قرآنية مجملة أم مفصلة، قصيرة أم غير قصيرة، جاءت تفي بالغرض الذي سيقت من أجلهن فليس قصر القصة يشعر القارئ بشيء من النقص، بل ربما يذكر في القصة القصيرة ما لايذكر في غيرها، ولعل خير مثال على ذلك ما ذكرته قصة نوح في سورة العنكبوت.
3 ـ ان بعض القصص القرآني لم يذكر إلا مرة واحدة، وبعضه الآخر ذكر أكثر من مرة، فالقصة التي ذكرت أكثر من مرة في كتاب الله كانت ذات صلة وثيقة بقضية الدعوة والدعاة إلى الله تعالى.
أما التي ذكرت مرة واحدة فمع سمو الحقائق التي قررتها، وما فيها من مناهج تربوية، وغايات رائدة، ألا أنها لم تكن تتحدث عن مجال الدعوة، وعما كان بين الأنبياء (ع) وأممهم، وما لاقاه هؤلاء من أولئك، إنما كان حديثها في مجالات اجتماعية، وجوانب انسانية، وقيم خلقية تمد الباحثين والعلماء بقبس لايخبو على مدى الدهر.
وهذا الضرب من القصص ـ أعني الذي لم يذكر كثيراً في كتاب الله تعالى ـ يظن البعض لأول وهلة أنه قليل إذا قيس بغيره، مما ذكر مرات كثيرة، لكن الأمر على العكس من ذلك، فقصة يوسف (ع) لم تذكر إلا مرة واحدة، كذلك قصة موسى (ع) مع العبد الصالح التي جاءت في سورة الكهف، وقصة موسى مع قومه في دخول الأرض المقدسة التي جاءت في سورة المائدة، ومع قومه في ذبح البقرة. ومن هذا القبيل ما جاء في شأن ابني الخالة يحيى وعيسى (ع)، حيث ذكرتا مرتين، إحداهما: في مكة في سورة مريم، والأخرى: في المدينة في سورة آل عمران، وما جاء في شأن يونس (ع) وما كان من خبر أيوب وداود وسليمان عليهم صلاة الله وسلامه، فلقد ذكر خبر أولئك مفرقاً على عدة سور، حيث خصت كل سورة بجانب يتلاءم مع موضوعها وشخصيتها.
ولعل القصة الوحيدة التي خرجت عن هذه القاعدة فذكرت أكثر من مرة وليس لها صلة مباشرة بالدعوة والدعاة، قصة آدم، ولكن إذا عرفنا أن قصة آدم أبي البشر جاءت تحدثنا عن النواحي الفطرية والجوانب الرئيسة في حياة الانسان، وعن الاستعدادات والغرائز التي تتكون منها طبيعته، إذا عرفنا ذلك أدركنا السر الذي ذكرت من أجله قصة آدم في أكثر من سورة.
فالقصص الذي ذكر أكثر من مرة، قصص أولئك الأنبياء الذين تحملوا المشقة ولاقوا العنت، وهم بدعون أقوامهم كنوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى عليهم الصلاة والسلام.
على أن في القرآن الكريم قصصاً لغير الأنبياء، أو لمن اختلف في نبوتهم لم تذكر إلا مرة واحدة في كتاب الله، كقصة ذي القرنين، وما كان من حديث لقمان لابنه، ونبأ ابني آدم وقصة أهل الكهف وخبر المائدة التي طلبها الحواريون ونبأ أصحاب الجنة الذي جاء في سورة (ن).
فهذه القصص جميعها مع ما تعطيه من قيم، ومع كثرة ما فيها من عظات وفوائد، ومع ما يستنتج منها من قواعد كثيرة في الاجتماع والتربية والسياسة والحكم وغير ذلك من المجالات الحيوية المفيدة التي أراد الله تبارك وتعالى لهذه الأمة أن تفيد منها. أقول: مع ما تعطيه هذه القصص من ذلك كله إلا انه اكتفي بذكرها مرة واحدة، لأنها تؤدي الغرض الذي سيقت من أجله من غير أن تذكر مرة أخرى.
4 ـ إن بعض السور القرآنية ذكر فيها أكثر من قصة من هذا اللون، أعني اللون الذي لم يذكر إلا مرة واحدة، فإذا نظرنا لهذا القصص في هذه السورة وجدناه ذا ترتيب بديع، عجيب الشأن، إذ هو يكوِّن منهجاً متكاملاً لما ينبغي أن يكون عليه المسلمون أفراداً وجماعات، ولنأخذ سورة الكهف مثلاً، فلقد انفردت بقصص ثلاث لم تذكر في سواها وهي قصة أهل الكهف، وقصة موسى مع العبد الصالح، وقصة ذي القرنين، والذي يبدو لنا ـ والله أعلم بما ينزل ـ أن ذلك إيحاء للمسلمين ليدركوا العناصر الرئيسة التي لابد أن تتوفر في شخصيتهم، فقصة هل الكهف تمثل عنصر العبادة والعقيدة، ولما كان أكثر ما يزلزل هذه العقيدة في النفوس ويفسد هذه العبادة. أمران إثنان هما: طغيان المال وإغواء الشيطان ذكرا بعد هذه القصة مباشرة حتى يستطيع المسلمون ان يحصنوا عقائدهم ويحافظوا على عباداتهم، فذكرت قضية المال وما يسببه من طغيان في قوله سبحانه: (واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب) (الكهف 32). وبعد ذلك ذكرت القصة الثانية، وهي قصة سيدنا موسى (ع) مع العبد الصالح، وهذه القصة إنما تبين عنصراً آخر لابدّ أن يتوفر للمسلم وهو عنصر العلم، ذلك ان العبادة بدون علم لايأمن صاحبها على نفسه من أن يضل ويطغى، وتزل قدم بعد ثبوتها، ولعل في حديث جريج الذي أخرجه الإمام مسلم عن سيدنا رسول الله (ص) ما يثبت ذلك، فلقد جاء ن جريحاً كان عبداً واتخذ صومعة له بعيداً عن الناس، وكانت أمه يهفو إليه قلبها، فتذهب لرؤيته، فتجده يتنفل في صلاته وتناديه فيأبى أن يكلمها. ففعل ذلك أكثر من مرة، وفي المرة الثالثة دعت عليه أن لايميته الله حتى يريه وجوه المومسات، واستجاب الله الدعوة، وفي هذا الحديث تقرير لفضل العلم وأن العبادة وحدها لاتفي بما يريده الانسان من سعادة فلقد كان جريج عابداً بغير علم، ولقد كانت أمه ذات علم ومعرفة فلم تدع عليه أن يفتن.
أما القصة الثالثة في سورة الكهف فهي قصة ذي القرنين، هي تمثل العنصر الثالث في حياة المسلمين، وهو عنصر الجهاد، وهكذا رأينا هذه السورة الكريمة تحدثنا عن القضايا الأساسية التي لابد للمسلمين منها: العقيدة والعلم والجهاد.
5 ـ إن القصص الذي ذكر أكثر من مرة في كتاب الله لانجد منه قصة واحدة ذكرت في سورتين إثنتين بطريقة واحدة، بل نجد كل قصة جاء فيها ما لم يجيء في الأخرى، ففي كل قصة من المشاهد والجزئيات والأحداث ما تفردت به السورة التي ذكرت فيها هذه القصة.
صحيح إن هناك قضايا مشتركه اقتضاها السياق، ولكن هذه القضايا المشتركة لم تأت على أسلوب واحد.
ولكي نصل إلى نتيجة حاسمة في هذا الأمر، فلابد أن نلم به من زوايا ثلاث:
أولاً: من حيث الألفاظ والتراكيب التي ذكرت في كل قصة.
ثانياً: من حيث الموضوعات والجزئيات والمشاهد والمواقف الموزعة على السور التي ذكرت فيها القصة.
------------------------------
المصدر : القصص القرآني ـ إيحاؤه ونفحاته

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 01:01 PM
ترتيب القصص القرآني في السور

هناك قصص لغير الأنبياء ذكر في العهد المكي، لم يذكر سوى مرة واحدة كخبر أصحاب الجنة: (أقسموا ليصرمنّها مصبحين)، وقصة أصحاب الكهف وذي القرنين وسيظهر لك:
1 ـ أن بعض القصص القرآني موزع على القرآن مكية ومدنية، وإن كانت مساحته في العهد المكي أوسع منها في العهد المدني.
2 ـ أن هناك سوراً قرآنية لم يذكر فيها شيء من القصص، كما أن هناك سوراً ذكرت فيها قصة واحدة، ولو أننا استقرأنا القرآن الكريم لوجدنا أن نصف السور المكية تقريباً لم تخل من ذكر هذا القصص، سواء كان ذلك موجزاً أم مفصلاً.
وأما السور المدنية فإن بضع سور فقط هي التي ذكر فيها شيء من القصص بإيجاز، أللهم إذا نظرنا إلى ما ذكر من أخبار بني إسرائيل في سورة البقرة.
3 ـ إن هذا القصص كان موزعاً توزيعاً موضوعياً على السور القرآنية. فسورة آل عمران مثلاً فصل فيها نبأهم، وسورة مريم فصل فيها نبأ إبراهيم وبنيه، وذريته ومنهم مريم ـ بالطبع ـ وقصص الأنبياء العرب فصل أكثر ما فصل في السورة المكية، هذا على سبيل الإجمال.
أما من حيث التفصيل فنقول:
إن السمع الطوال التي تبدأ بسورة البقرة وتنتهي بسورة براءة كانت أكثر سورة فيها نالت نصيباً من القصص سورة الأعراف، وذلك لأنها جاءت تعالج موضوع العقيدة من حيث تاريخها البعيد، لذلك نجدها ابتدأت بقصة آدم، ثم ذكرت قصة نوح بعد فصول كثيرة من الآيات، وبعد قصة نوح مباشرة ذكرت قصة هود وصالح ولوط وشعيب، وموسى مع فرعون ومع بني إسرائيل، ونلحظ أن القصص في سورة الأعراف عدا قصة آدم كانت جميعها حديثاً عن الأنبياء عليهم السلام مع أقوامهم، وما لقي هؤلاء من أولئك من شدة وعنت.
أما السورة المكية الثانية في السبع الطوال فهي سورة الأنعام، وهذه جاءت تتحدث عن العقيدة من حيث ردُ الاقتراحات التي اقترحها المشركون، وعلاج الشبهات التي أثاروها، وما يتصل بذلك من أدلة الوحدانية والرسالة والبعث، ومن حيث ما حرمه المشركون على أنفسهم دون دليل، ومن هنا لانجد في هذه السورة سوى قصة إبراهيم عليه السلام، ولكنها ذكرت من حيث استدلاله عليه السلام على الإله الحقن وهو متسق تماماً مع موضوع السورة الكريمة.
وبقية السبع الطوال كلها سور مدنية، والقصص التي ذكرت في بعضها مع قلتها كانت حديثاً عن بني إسرائيل فحسب. فإذا تجاوزنا السبع الطوال وجدنا أن سورتي يونس وهود تحدثنا عن بعض القصص، وإن كان نصيب الثانية أكثر من نصيب الأولى فسورة يونس حدثتنا موجزاً عن نوح (ع)، وقد بدأت به السورة ثم حديثاً فيه بعض التفصيل عن قصة موسى مع فرعون، لكن سورة هود بدأت بالحديث عن قصة نوح مفصلة تفصيلاً تاماً، ثم جرت على هذا الترتيب التاريخي فذكرت قصة هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب واشارة موجزة لقصة موسى، ولكن قصة إبراهيم في سورة هود لم تكن عما جرى بينه وبين قومه، وإنما عما كان بينه وبين الرسل من الملائكة، وكأنما ذكرت مقدمة لقصة لوط التي فصلت الحديث عنه مع قومه بعض التفصيل. ثم جاءت سورة يوسف وهي كما نعلم خاصة به (ع)، لكن سورة الرعد خلت من ذكر هذا القصص القرآني.
حدثنا القرآن الكريم عن إبراهيم (ع)، بأنه أمة وأنه أب الأنبياء، لأن أكثر الأنبياء الذين أرسلهم الله من بعده من ذريته. إن لم يكونوا جميعاً وما نعرف ممن قص الله علينا نبأهم بعده (ع). أقول: ما نعرف واحداً ليس من ذريته ابتداءً بإسماعيل وإسحاق، وختماً بسيد البشر سيدنا محمد (ص).
وسورة إبراهيم، السورة التي سميت باسمه أرادها الله أن تكون أمة في السور كذلك فلها من اسمها نصيب. من أجل ذلك وجدنا هذه المحاضرة والمحاورة التي تنسب إلى الرسل، وما كان بينهم وبين أقوامهم، ولم نجد مثلها في غير هذه السور الكريمة. إنهم تجمعوا ولكن في هذه السورة كما يتجمع الأبناء في بيت الأب.
إن الإشارة في قصة موسى في سورة إبراهيم كانت لبني إسرائيل دون فرعون وجميل أن يذكر في قصة إبراهيم بنو إسرائيل الذين ينتسبون إليه دون فرعون، وليس هذا فحسب، بل إن ما يدعو للإعجاب حقاً ويطرب له كل فؤاد أن الرسل الذين جاؤوا بعد إبراهيم هم أبناؤه وذريته، ولنستمع إلى ما تقصه علينا سورة إبراهيم: (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود) (آية 9) وهؤلاء كانوا قبل إبراهيم ـ بالطبع ـ ويستأنف الكلام فيقول الله: (والذين من بعدهم لايعلمهم إلا الله) الذين من بعد قوم نوح وعاد وثمود، وهم الذين لايعلمهم إلا الله لكثرتهم وتعدد منازلهم، واختلاف لغاتهم، إلى غير ذلك من الأمور الكثيرة.
ولكن ما بال أولئك (جاءتهم رسلهم بالبينات) الآيات الظاهرة، فماذا كان منهم؟ يقول الله: (فردوا أيديهم في أفواههم)، وهي كناية عن التقنيط والتيئيس، والحسد والغيظ، وهذا شبيه بقوله تعالى: (عضوا عليكم الأنامل من الغيظ وهكذا ردّ أولئك الأقوام أيديهم في أفواههم، معلنين للرسل أنهم لن يؤمنوا برسالتهم، وما كان ذلك إلا حسداً وغيظاً وكراهية للحقن أو ردّوا أيديهم في أفواه الرسل حتى لايتكلم الرسل (وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به) بهذه الصراحة الوقحة (وأنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب) عجيب أمر أولئك جعلوا قضية الرسل المشرقة الواضحة قضية تدعو إلى الريبة والتهمة والقلق.
ويرد الرسل جميعاً هذا الباطل (أفي الله شك فاطر السموات والأرض) لاينبغي أن يكون في الله شك، وهو فاطر السماوات والأرض. (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس)، (يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمّى)، ولكن مع هذا التحبب والتلطف لايزيد الفريق الآخر على أن يقول للفريق الأول، وهم الرسل عليهم السلام: (إن أنتم إلا بشر مثلنا) وهذه هي التهمة الأولى. وأما الثانية: (تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا).
ثم يأتي دور التمحل فرغم الحجج الواضحة ولكنهم مع ذلك لايكتفون (فأتونا بسلطان مبين) وترد الرسل مقالة أولئك: نحن لاننكر أننا بشر، نحن معترفون بهذه البشرية وهل ادعينا غيرها، ولكن أكل البشر سواء؟ ألستم تزعمون أنتم أنكم خير من غيركم فما دمتم ترون أنفسكم أفضل من غيركم، فلماذا تنكرون على غيركم أن يمنّ الله عليهم بمننه وكرمه؟. أما ما طلبتموه من سلطان فمع أنه تمحل منكم، ولكن مع ذلك ما كان لنا أن نأتيكم بشيء مما طلبتم إلا بإذن الله، عليه نتوكل وعليه وحده يتوكل المؤمنون، ولماذا لانتوكل عليه، وأي شيء يمنعنا من ذلك؟ وقد أكرمنا بالهداية. أما ما يلحقنا من إيذاء فلنصبرن عليه وعلى الله يتوكل المتوكلون.
وبعد تلك الرقة في القول والإقناع في المنطق بعد ذلكم القول الذي يمتع العواطف ويقنع العقول، ويوقظ المشاعر ويهز النفوس، يقول أولئك الكافرون لرسلهم بعد كل هذا (لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا) وهنا يعرض المتكبرون عضلتهم ويلوحون بعصا القوة (لنخرجنكم من أرضنا) سمعناها من قوم شعيب، وقالها قوم لوط ولكنها هنا يقولها فريق الكفر مجتمعاً (أو لتعودن في ملتنا) وليس معنى هذا أن الرسل عليهم السلام كانوا على ملة أقوامهم ـ فمعاذ الله أن يكونوا كذلك ـ ولكن معنى الآية الكريمة ـ والله أعلم ـ أو لتصيرن في ملتنا.
وهنا تدرك الرسل العناية الإلهية (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) أوحى إليهم ربهم الذي أكرمهم بعنايته ورسالته، رباهم وتعهدهم وتولاهم (لنهلكن الظالمين) يا لفظاعة الظلم! إنه أساس الدمار والبوار والانحراف (ولنسكننكم الأرض من بعدهم) وصدق الله وعده، فنجى رسله، وأسكنهم وأورثهم الأرض، والأرض لله. وذلك التأييد إنما يكون للرسل ولمن كان على نهجهم فمن اجتمع له هذان الأمران:
1 ـ أن يخاف مقام الله تبارك وتعالى، أي أن يخاف ذلك الموقف في الآخرة الذي سيقفه، أو يخاف مقام الله: أي يخاف مراقبة الله تبارك وتعالى، وقيامه سبحانه. وتعالى عليه بكل ما كسب (أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت).
2 ـ أن يخاف وعيد: أن يخاف ما توعده الله تبارك وتعالى به. ويستفتح الرسل يطلبون من الله أن يحكم بينهم وبين أقوامهم (ربنا افتح بيننا ويبن قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) وفتح الله بينهم (وخاب كل جبار عنيد) خاب أولئك الجبابرة المتعالون على الحق، المعاندون في آيات الله، وهو أن خسر في دنياه، فإن هناك خسارة أعظم (من وراءه جهنم) أي بين يديه سيلاقيها، ويعرض عليها ويدخلها (ويسقى من ماء صديد)، يتجرعه ولا يكاد يسيغه، وأنّى له أن يسيغ مثل ذلك، نعوذ بالله ونستجير به سبحانه (ويأتيه الموت من كل مكان، وما هو بميت). من كل مكان يأتيه الموت!! ما أبدعه من تصوير وما أشد وقعه على النفس!! أسباب الموت من كل ناحية وجانب ولكن لا موت. (ومن ورائه عذاب غليظ) تلك محاورة بين رسل الله، أهل الحق، وبين أهل الباطل.
وهذه المحاورة بين الرسل الكرام يختار لهما المكان اللائق بها بيت الشيخ بيت الأب العظيم سورة إبراهيم (ع) وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على أن الأنبياء جميعاً أمة واحدة مهما اختلفت أزمنتهم وأمكنتهم، وإن أهل الباطل كذلك.
أما سورة الحجر، فبعد أن ذكرت قصة آدم انتقلت بعد فاصل قصير إلى الحديث عن إبراهيم (ع)، ولكن لا من حيث ما كان بينه وبين قومه، وإنما من حيث مجيء الرسل وتبشيرهم له، ثم تحدثت عن قصة لوط وأشارت إشارتين موجزتين خاطفتين إلى أصحاب الحجر الذين سميت السورة باسمهم وأصحاب الأيكة.
وإذا جاز لنا أن نقسم ما حدثت عنه السورة تقسيماً جغرافياً فإن الذين حدثتنا عنهم سورة الحجر كانوا جميعاً في منطقة واحدة، وأمكنة متقاربة فقرى قوم لوط وثمود ومدين كلها في شمال الجزيرة، وكأن الحديث عنها كان تذكرة لأهل مكة، لأنهم يمرون بطريقهم على هؤلاء الأقوام، وعلى هذه الأمكنة.
أما سورة النحل، وهي سورة النعم، فلم نر فيها شيئاً من هذا القصص، أللهم إلا بعض الآيات ثناءً على إبراهيم (ع).
وتأتي سورة الإسراء، ولا نقرأ فيها إلا لمحة عن قصة آدم، وهذا يتلاءم مع موضوع السورة، ثم اشارة متلائمة أيضاً مع موضوع السورة إلى الآية التي أعطيتها ثمود، وإشارة كذلك إلى الآيات التي أعطيها موسى لفرعون.
أما سورة مريم، فلقد بدأت الحديث عن زكريا (ع) وبشارته بيحيى (ع)، ثم جاءت قصة مريم، وهذا على عكس ما جاء في سورة آل عمران حيث بدأ الحديث عن مريم، لأن السورة الكريمة سميت باسمها، وبعد هذا حدثتنا السورة عن إبراهيم وأبيه موسى وأخيه وبعض أنباء إبراهيم، ولكن لا من حيث ما كان بينهم وبين أقوامهم، وإنما هي إشارات ثناء على أنبياء الله عليهم السلام، ونلحظ أن الذين حدثتنا السورة عنهم كانوا من ذرية إبراهيم، أللهم إلا ما جاء من اشارة موجزة عن إدريس إذا لم نقل إنه إلياس.
وتأتي سورة طه، ويكون الحديث فيها عن موسى (ع)، وعن أكثر من جانب في حياته: رسالته وإرساله إلى فرعون وخبره مع بني إسرائيل. ثم وبعد فاصل من الآيات الكريمة تحدثنا عن قصة آدم.
أما سورة الأنبياء، ولها من اسمها نصيب، فلقد كان الحديث فيها عن الأنبياء ـ عليهم السلام ـ ثناءً ومنّةً وفضلاً... ولكن كان الحديث فيها موجزاً إيجازاً تاماً، بدأ الحديث فيها عن موسى (ع) بآيتين اثنتين، وهكذا كان الحديث عن لوط ونوح وداود وسليمان وأيوب وغيرهم. كان كله موجزاً مركزاً والرسول الوحيد الذي فصلت عنه السورة الكريمة سورة الأنبياء كان إبراهيم (ع)... وليس في ذلك شيء من العجب فإبراهيم (ع) هو أبو الأنبياء.
وتأتي سورة الحج، فلا نقرأ فيها شيئاً من القصص، ولعل اسمها يشير إلى الحكمة في ذلك، أما ما ذكر عن إبراهيم فإنما كان حديثاً ذا صلة بالحج.
وتأتي سورة المؤمنون، والمؤمنون تكفيهم الإشارة فتحدثنا السورة بإيجاز يكفي المؤمنين للعبرة عن نوح وهود، ولمحة عن موسى وهارون، وجعل ابن مريم وأمه آية. إن ذلك متلائم تماماً مع اسم السورة الكريمة وموضوعها.
أما سورة النور، فنظن أن موضوعها الذي جاءت تتحدث عنه جعلها خالية من هذا القصص، وسورة النور هي السورة المدنية بين سور مكية.
أما سورة الفرقان، فلقد جاءت علاجاً للشبهات التي أثارها المشركون حول الرسالة والرسول، وما ذكر فيها من إشارة عن السابقين لم يكن عما جرى بين الأنبياء وأقوامهم من حوار وجدال، وإنما كان بياناً لما حل بأولئك بعبارات قصيرة موجزة.
وتأتي الطواسين الثلاث: الشعراء والنمل والقصص.
أما سورة الشعراء: وهي أكثرها تعداداً لقصص الأنبياء، فبعد ذكر القرن والنبي وأهل مكة، ابتدأت الحديث عن موسى (ع) مع فرعون، وفصلت بعض التفصيل تفصيلاً لانكاد نجده في غير سورة الأعراف أعني في شأن فرعون، وبعدها تنتقل السورة للحديث عن إبراهيم (ع)، ولكن هذا الحديث يكون أكثر ما يكون عن تمجيد إبراهيم لربه. ثم تحدثنا السورة عن قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، ثم تنتقل إلى القرآن الكريم، وتنزيله بالحق: (وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين).
أما سورة النمل، فبعد أن تحدثنا عن القرآن والنبي تذكر شيئاً عن قصة موسى (ع) ومبدأ رسالته، ولكن بإيجاز ثم تذكر داود وسليمان وتفصل الحديث عن سليمان وما كان من ملكة سبأ. ثم تحدثنا عن ثمود وقوم لوط... ولكن بما ليس فيه تفصيل، وإنما هو أقرب إلى الإيجاز.
أما سورة القصص: وهي آخر الطواسين، فالحديث فيها إنما هو عن موسى (ع) منذ ولادته إلى أن أرسل إلى فرعون. حتى ما جاء في آخر السورة كان حديثاً عن قارون الذي هو من قوم موسى، لكن السورة تبدأ بالحديث عن القرآن، وتنتهي كذلك ونلحظ ما يلي:
1 ـ الطواسين وطه، كان الحديث فيها بادئ ذي بدء عن موسى (ع)، بل إن منها ما اقتصر على الحديث عنه أو أطال كـ (طه) والشعراء والقصص، ونتساءل: هذه الطواسين حتى طه هذه السورة التي ابتدأت بحرف (الطاء) جميعاً بدأت الحديث عن موسى (ع)، ولكن كان للحديث عن القرآن الكريم فيها شأن كذلك.
وتأتي سورة العنكبوت، والإشارات إلى الأنبياء فيها موجزة، وقد حدثتنا عن نوح وإبراهيم ولوط وآية واحدة جمع فيها عاد وثمود، وآية واحدة عن قارون وفرعون وهامان، واشارة موجزة لمدين. سورة العنكبوت سورة الدعاة ولا أدل على ذلك من بدايتها وخاتمتها، أما بدايتها: (بسم الله الرحمن الرحيم ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لايفتنون) أما خاتمتها، فهي قول الله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).
أما سورة الروم، فقد اكتفت أن يشار فيها إلى الروم، وغلبتهم، ولم يذكر فيها شيء من القصص: وكذلك السورة التي بعدها سورة لقمان اكتفت أن تحدثنا عن وصية لقمان لابنه، وكذلك سورة السجدة لم تحدثنا عن شيء من هذا القصص، أللهم إلا بدء خلق الإنسان من طين.
وتأتي سورة الأحزاب المدنية ونعم ما ذكرته لنا من نصر الله المؤمنين وقد ابتلوا وزلزلوا زلزالاً شديداً فالله نصرهم على الأحزاب، والحمد لله أولاً وآخراً.
وتأتي سورة سبأ، وسبأ كما نعلم كانت لها شهرتها (جنتان عن يمين وشمال)، ولكنهم أعرضوا فأرسل عليهم سيل العرم، ويدلوا بجنتيهم ذواتي الثمر الزكي الشهي، بدلوا بجنتيهم جنتين أخريين ذواتي أكل خمط وأثل، وشيء من سدر قليل، (ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور).
سورة سبأ هذه ذكرت فيها قصة واحدة قصة داود وسليمان، ومن عجيب شأن القرآن وروعة نظمه وبديع صنعته، وجميل موضوعاته، ورائق معانيه أن تجد هذا الترتيب المحكم. آية إعجاز ودليل صدق، وبرهان حق، ذكرت فيه قصة داود ثم اتبعت بقصة سبأ، ولكن هل تعلم أن قصة داود في سورة سبأ ذكرت من حيثية يهدف لها القرآن، إن الله ذكر داود في سورة سبأ ليبين أنه أنعم الله عليه فشكر (اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور). فسورة سبأ تذكر لنا فريقين من الناس أنعم الله عليهما، لكن منهم من شكر النعمة، ومهم من كفرها. ولهذا يذكر عقب هاتين القصتين قول الله تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين).
أما سورة فاطر، فكان الحديث فيها عن آثار فاطر السماوات والأرض، ولم يأت فيها شيء من القصص.
أما سورة يس، و(يس) قلب القرآن، فلم يذكر فيها إلا المثل لأصحاب القرية (إذ جاءها المرسلون، إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا: إنا إليكم مرسلون).
لكن سورة الصافات ذكر فيها الأنبياء من حيث الثناء عليهم والنبي الذي فصل خبره هو إبراهيم (ع).
وتأتي سورة (ص)، فلم يكن الحديث فيا عما جرى بين الأنبياء وبين أقوامهم، وإنما عن بعض ما ابتلي به بعض الأنبياء كداود وسليمان وأيوب كل ذلك كان تسلية للنبي (ص) وثناء بإيجاز على إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذي الكفل.
أما سورة الزمر، فلم يذكر فيها شيء من قصص الأنبياء ـ عليهم السلام ـ .
وتأتي الحواميم السبع فيكون الحديث في السورة الأولى وهي: سورة غافر (المؤمن) عن نبأ موسى، وتفيض في الحديث عن مؤمن آل فرعون.
أما سورة فصلت ففيها اشارة في معرض الحديث عن أهل مكة ووعيدهم إن أعرضوا. وأما سورة الشورى فليس فيها شيء من القصص القرآني.
وتأتي سورة الزخرف، وفيها اشارة عن إبراهيم (ع) تتلاءم مع موضوعها، وشيء عن خبر موسى مع فرعون، وما اكن من اعتزاز فرعون وفخره بنفسه وبملكه، وهو متلائم مع موضوع السورة كذلك.
وتأتي سورة الدخان فتحدثنا شيئاً عن خبر فرعون متسقاً مع ما أصيب به أهل مكة حينما دعا النبي (ص) عليهم بسنين كسنين يوسف.
لكن سورة الجاثية نجدها خالية من القصص، أللهم إلا إشارة موجزة عن بني إسرائيل وما خصهم الله به، ولكنهم اختلفوا.
وتأتي سورة الأحقاف وهي السورة الأخيرة في الحواميم، وفيها إشارة ساكني الأحقاف وهم عاد.
ثم تأتي ثلاث سورة مدنية: وهي سورة سيدنا محمد (ص) وسورة الفتح المبين الذي أكرمه الله به، ثم سورة الحجرات ـ وبالطبع ـ لايكون فيها شيء من هذا القصص.
ويبدأ المفصل فنجد اشارة موجزة في بعض سوره ـ كما في سورة (ق) والقمر، وكما جاء من ذكر موسى وقومه في سورة الصف، ومن خبر أصحاب الجنة وصاحب الحوت في سورة (ن)، ومن اشارات في سورة الحاقة.
والسورة الوحيدة في المفصل التي فصل فيها، كانت سورة نوح، حيث كانت كلها حديثاً عنه (ع). كل ما في المفصل إذن كان اشارات.
كما جاء في سورة المزمل وسورة الفجر والشمس والبروج عن أصحاب الخدود.
وهناك سورتان كان فيهما بعض التفصيل عن بعض الأنبياء وهما: سورة الذاريات حيث فصلت في نبأ إبراهيم، وبعض اشارات إلى قوم لوط وفرعون وعاد وثمود وسورة النازعات التي أجملت الحديث عن خبر موسى (ع) مع فرعون.
-------------------------------
القصص القرآني ـ إيحاؤه ونفحاته

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 01:02 PM
سيد قطب


الدين والفن في القصة

|إن خضوع القصة للغرض الديني، لم يمنع بروز الخصائص الفنية في عرضها ومن أثر هذا الخضوع بروز خصائص فنية بعينها تحسب في الرصيد الفني للقصة في عالم الفنون الطليق؛ وتصدق ما قلناه من أن القرآن (يجعل الجمال الفني أداة مقصودة للتأثير الوجداني، فيخاطب حاسة الوجدان الدينية، بلغة الجمال الفنية)|.
++++*
ومن الخصائص الفنية في القصة:
(أ‌) كان من أغراض القصة في القرآن إثبات وحدة الاله، ووحدة الدين، ووحدة الرسل، ووحدة طرائق الدعوة، ووحدة المصير الذي يلقاه المكذبون على نحو ما بينا في أول هذا الفصل.
فنشأ عن خضوع القصة لهذه الأغراض أن يعرض شريط الأنبياء والرسل الداعين إلى الايمان بدين واحد، والانسانية المكذبة بهذا الدين الواحد، مرات متعددة بتعدد هذه الأغراض؛ وأن ينشيء هذا ظاهرة التكرار في بعض المواضع. ولكن هذا أنشأ جمالاً فنياً من ناحية أخرى، ذلك أن عرض هذا الشريط يخيل للمتأمل أنه نبي واحد وأنها إنسانية واحدة على تطاول الأزمان والآماد: كل نبي يمر وهو يقول كلمته الهادية، فتكذبه هذه الانسانية الضالة، ثم يمضي، ويجيء تاليه فيقول الكلمة ذاتها ويمضي، وهكذا...
(لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه، فقال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، إني أخاف عليكم عذابَ يوم عظيم. قال الملأ من قومه: إنا لنراك في ضلال مبين. قال: يا قوم ليس بي ضلالة، ولكني رسولٌ من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم، وأعلم من الله ما لا تعلمون. أو عَجبتم أن جاءكم ذكرٌ من ربكم على رجل منكم لينذركم، ولتتقوا ولعلكم تُرحمون؟ فكذبوه، فأنجيناه والذين معه في الفلك، وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا، إنهم كانوا قوماً عَمين).
وكلما تكرر هذا الاستعراض، كان هناك مجال لتملي هذا الشريط، الذي يقف مرة عند كل نبي، ثم يمضي في عرضه مطرداً... حتى يقف محمد أمام كفار قريش فاذا هو يقول القولة الواحدة، وإذا هم يردون ذلك الرد المكرور. وفي تأمل الشريط على هذا النحو جمال فني أكيد.
++++*
(ب‌) وكان من آثار خضوع القصة للغرض الديني أن تعرض منها الحلقات التي تقتضيها هذه الأغراض. وقد نشأ عن هذا ما يشبه أن يكون نظاماً عاماً. ذلك أن آخر حلقة تعرض _بحسب ترتيب السور _ تتفق مع أظهر غرض ديني صيغت القصة من أجله، وفي الوقت ذاته يتفق هذا الختام مع الأصول الفنية؛ ويبدو كأنه ختام فني لذاته، لا للغرض الديني من ورائه.
وقد لاحظنا في قصة موسى أن آخر ذكر لها يرد في سورة المائدة، والحلقة التي تعرض فيها هي حلقة التيه. فهؤلاء بنو إسرائيل قد أغدق الله عليهم نعمته، وأملى لهم في رحمته؛ ثم هاهم أولاء في النهاية لا يحافظون على النعمة، ولا يدخلون الأرض المقدسة، وقد جهد موسى ما جهد لردهم إليها؛ فيكون تأديبهم على هذا المطال، تركهم في التيه لا مرشد لهم ولا معين، حتى يأتي الأجل المعلوم.
ذلك غرض ديني بحت. ولكن تُرى كان هناك ختام فني أجمل من مشهد التيه، في نهاية ذلك الجهد الجهيد، وبعد ذلك التردد الشديد؟ إن مشهد التيه هو المشهد الفني الأنسب، لو كانت القصة مطلقة من جميع القيود.
فلنتتبع هذه الظاهرة في قصص أخرى.
1_ هذه قصة إبراهيم ترد في حوالي العشرين موضعاً، ثم يكون آخر موضع ترد فيه هو "سورة الحج" (103) فتعرض منها الحلقة التالية: (وإذ بؤّنا لابراهيم مكانَ البيت أن لا تُشرك بي شيئاً؛ وطَهّر بيتيَّ للطائفين والقائمين والرُّكع السجود؛ وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فجّ عميق).
فهنا _من الوجهة الدينية _ ربط بين شعائر الحج في الاسلام وشعائره في دين إبراهيم: وذلك غرض _كما قلنا _ مقصود؛ وقد ورد في ختام السورة نفسها آخر ذكر لابراهيم في قوله: (ملة أبيكم إبراهيم هو سَمّاكم المسلمين من قبل) ولكن لننظر من الوجهة الفنية البحتة. أكان هناك مشهد تختم به قصة إبراهيم، أليق من مشهده يؤذن في الناس للحج؛ وهو باني البيت، ومودع طفله إسماعيل هناك قبل البناء؟ إنه أليق ختام فني بلا جدال، ولو لم يكن الغرض الديني هو الذي اقتضاه.
2_ وهذه قصة عيسى ابن مريم ترد وروداً أساسياً في ثمانية مواضع، وآخر حلقة منها تعرض في سورة المائدة (112) على النحو التالي: (وإذ قال الله: يا عيسى ابنَ مريم: أأنت قُلت للناس أتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق. إن كنتُ قلتهُ فقد علمته. تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك. إنك أنت علام الغيوب. ما قلتُ لهم إلا ما أمرتني به: أن اعبدوا اللهَ ربي وربكم. وكنتُ عليهم شهيداً ما دُمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد. إن تعذبهم فانهم عبادك، وإن تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم).
فهذا الختام هو ختام ديني وختام فني في آن واحد، لقصة كقصة عيسى. مولده عجيب، وعن هذا المولد نشأت شبهات تأليهه، وحول هذه النقطة المعقدة ثارت المشكلات. فها هو ذا في اللحظة الأخيرة أمام خالقه يعترف بعبوديته، ويشهد بما قاله لقومه. ويفوض الأمر فيهم إلى الله العزيز الحكيم.
الفن يقتضي هذا الختام، حين تساق القصة مساقها في القرآن.
3_ وحتى القصص المشتركة بين عدد من الأنبياء _وأغراضها الدينية معلومة _ قد اتسق آخر عرض لها مع الخاتمة الفنية في اختصار:
(وإن يكذبوك، فقد كذّبت قبلهم قومُ نوح، وعادٌ وثمودُ، وقوم إبراهيمَ وقومُ لوط، وأصحابُ مَدينَ، وكُذّب موسى، فأمليتُ للكافرين ثم أخذتهم. فكيف كان نكير؟) وذلك ختام واقعي، وختام ديني، وختام فني في آن.
4_ أما قصة يوسف فكان فيها توافق في الختام من نوع خاص يتفق مع القصة في الابتداء. فقد بدأت القصة برؤيا يوسف فختمت بتحقق هذه الرؤيا، وسجود أخوته له وأبويه، ثم بالمشهد الأخير: ويوسف ينفض يديه من كل شيء ويتوجه إلى ربه بهذا الدعاء الخالص المنيب: (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة، توفني مسلماً وألحقني بالصالحين)... ولم يخط خطوة وراء هذا كما فعلت التوراة، لأن الغرض الديني قد تحقق، وتحقق معه للقصة أجمل ختام.
++++*
(ح) وكان من مقتضى الأغراض الدينية للقصة أن تتساوق مع الوسط الذي تعرض فيه؛ فأنشأ التساوق نوعاً من التناسق الفني.
فالآن نذكر لسياق القصة نماذج يتفق فيها الغرض الديني، والتناسق الفني تمام الاتفاق:
1_ في سورة الأعراف عرض قصة آدم على النحو التالي:
(ولقد خلقناكم، ثم صورناكم، ثم قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم. فسجدو إلا إبليسَ لم يكن من الساجدين. قال: ما مَنعك ألا تسجدَ إذ أمرتُك؟ قال: أنا خيرٌ منه؛ خلقتني من نار، وخلقته من طين. قال: فاهبط منها، فما يكون لك أن تتكبر فيها، فاخرج إنك من الصاغرين. قال: أنظرني إلى يوم يُبعثُون. قال: إنك من المنظرين. قال: فبما أغويتني لأقعدَن لهم صراطك المستقيم! ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا تجدُ أكثرهم شاكرين. قال: اخرج منها مذؤوماً مدحوراً. لمن تَبعكَ منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين. ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، فكلا من حيثُ شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. فوسوس لهما الشيطانُ ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما، وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين، أو تكونا من الخالدين؛ وقاسَمهُما إني لكما لمن الناصحين؛ فدلاّهما بغرور، فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وناداهما ربهما: ألم أنهكُما عن تلكما الشجرة، وأقل لكما: إن الشيطان لكما عدوٌ مبين؟ قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. قال: اهبطوا، بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مُستقر ومتاع إلى حين. قال: فيها تحيون، وفيها تموتون، ومنها تُخرجون).
ثم يستمر السياق، فيدعو بني آدم بعد هذه القصة أن يحذروا الشيطان: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطانُ كما أخرج أبويكم من الجنة). وأن يتمتعوا في الحدود المباحة، وألا يحرّموا كذلك ما أحل الله، وأن يطيعوا الرسل الذين يأتونهم من عند الله: (إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لايؤمنون)... ثم يستطرد إلى يوم القيامة حيث يستعرض موقف المؤمنين الذين اتبعوا هدى الله وموقف الكافرين الذين اتبعوا غواية الشيطان، حتى ينتهي الاستعراض إلى دخول هؤلاء النار ودخول أولئك الجنة.
فكأنما كانت هذه "عودة المهاجرين وأوبة المغتربين" عن دار النعيم. وكأنما استحقوا الاياب وأورثوا الجنة، لأنهم عصوا الشيطان. بعد أن كان اتباعه سبب الخروج.
وفي هذه "الأوبة" تناسق في العرض مع ذلك "الخروج" كان مكانه هناك في فصل "التناسق" فهو بلا شك من مستوى ذلك الطراز.
ومثل هذا التناسق ملحوظ في القصص، نكتفي منه بهذا المثال، ليقرأ القارئون على هداه سائر القصص في القرآن.
----------------------------------
المصدر : التصوير الفني في القرآن

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 01:03 PM
آثار خضوع القصة للغرض الديني

خضعت القصة في القرآن للغرض الديني فترك هذا الخضوع آثاراً واضحة في طريقة عرضها، بل في مادتها. ونحن نعرف فيما يلي، أوضح هذه الآثار:
1_ لقد كان أول أثر لهذا الخضوع أن ترد القصة الواحدة _في معظم الحالات _ مكررة في مواضع شتى. ولكن هذا التكرار لا يتناول القصة كلها _غالباً _ إنما هو تكرار لبعض حلقاتها، ومعظمه إشارات سريعة لموضع العبرة فيها؛ أما جسم القصة كله، فلا يكرر إلا نادراً ولمناسبات خاصة في السياق.
وحين يقرأ الانسان هذه الحلقات المكررة ملاحظاً السياق الذي وردت فيه يجدها مناسبة لهذا السياق تماماً، في اختيار الحلقة التي تعرض هنا أو تعرض هناك، وفي طريقة عرضها كذلك. ويجب أن نذكر دائماً أن القرآن كتاب دعوة دينية، وأن التناسق بين حلقة القصة التي تُعرض والسياق الذي تعرض فيه هو الغرض المقدم. وهذا يتوافر دائماً، ولا يخل بالسمة الفنية إطلاقاً.
على أن هناك ما يشبه أن يكون نظاماً مقرراً في عرض الحلقات المكررة من القصة الواحدة _يتضح حين يقرأ بحسب ترتيب نزولها _ |فمعظم القصص يبدأ باشارة مقتضبة، ثم تطول هذه الاشارات شيئاً فشيئاً، ثم تعرض حلقات كبيرة تكوّن في مجموعها جسم القصة _وقد تستمر الاشارات المقتضبة فيما بين عرض هذه الحلقات الكبيرة عند المناسبات _حتى إذا استوفت القصة حلقاتها، عادت هذه الاشارات هي كل ما يعرض منها|.
ونضرب مثالاً على هذا النظام، قصة موسى. إذ أنها أشد القصص في القرآن تكراراً. فهي من هذه الوجهة تعطي فكرة كاملة عن هذا التكرار.
وردت هذه القصة في حوالي الثلاثين موضعاً. نذكر أهمها ونهمل بعض المواضع التي ورد فيها الاسم مجرداً. فكيف جاءت في هذه المواضع؟ إنها تسير في المراحل التالية:
1_ في سورة الأعلى (السورة الثامنة في النزول) إشارة قصيرة: "إن هذا لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم وموسى". وإشارة قريبة منها في النجم (السورة 23).
2_ وفي الفجر (السورة العاشرة) إشارة إلى فرعون بدون ذكر موسى مع عاد وثمود: (... وفرعون ذي الأوتاد، الذي طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب). وإشارة قريبة منها في سورة البروج (السورة27).
3_ وفي سورة الأعراف (39) بدأ التفصيل الأول للقصة في معرض قصص مشترك مع نوح وهود ولوط وشعيب، اتحدت فيه صيغة الدعوة وصيغة التكذيب، والعقاب الذي أخذ المكذبين.
وقد بدأت القصة هنا برسالة موسى وهارون إلى فرعون وملئه (ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه...) ثم ذكرت معجزة العصا واليد البيضاء. وجمع السحرة والمباراة بينهم وبين موسى، وغلبته عليهم، وإيمانهم به. وتعذيب فرعون لبني إسرائيل بعد ذلك، وتسليط الجراد والقُمّل والضفادع والدم على فرعون وقومه، واستغاثتهم بموسى، وكف الأذى عنهم، وعودتهم لتعذيب بني إسرائيل. ثم خروج هؤلاء من مصر، وبعد الخروج طلبهم من موسى أن يتخذ لهم إلها كما للمصريين آلهة، وتذكيره لهم بربهم ثم ميعاد موسى مع ربه بعد ثلاثين ليلة زيدت إلى أربعين، وطلبه رؤية ربه، ودك الجبل وانصعاق موسى وإفاقته. وعودته إلى قومه حيث وجدهم قد اتخذوا لهم عجلاً إلهاً، وغضبه على أخيه. ثم اختيار سبعين رجلا منهم لميقات ربه، وغشيتهم بالجبل لما طلبوا رؤية الله جهرة وإفاقتهم، ثم دعائهم بطلب الرحمة، فالرد عليهم بأن الرحمة قد كتبت للمؤمنين الذي يتبعون النبي الأمي...
4_ ثم ترد إشارتان للرسالة والتكذيب وإهلاك المكذبين، في قصص مشترك إحداهما في الفرقان (42) والثانية في مريم (44).
5_ وفي سورة طه (45) يبدأ تفصيل آخر، يبدأ من حلقة أسبق من حلقة الرسالة التي ذكرت في "الأعراف" تلك هي رؤية موسى للنار من جانب الطور: (وهل أتاك حديثُ موسى، إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا إني آنستُ ناراً لعلي آتيكم منها بقبسٍ أو أجد على النار هُدى. فلما أتاها نُودي يا موسى: إني أنا ربك فاخلع نعليك، إنك بالوادي المقدس طوى، وأنا اخترتك فاستمع لما يُوحى...) وبعد أن يكلّف الذهاب إلى فرعون، يحاور ربه ليرسل معه هارون، يشد أزره ويكون وزيراً له، فيذكّره الله بنعمته عليه في مولده، ورده إلى أمه _في إشارة سريعة _ ثم تسير القصة كما سارت في الأعراف (مع حذف آيات الجراد والقمل والضفادع والدم، وعهد فرعون لبني إسرائيل ونكثه. ومع زيادة حلقة وهي أن السامري هو الذي صنع العجل، وتفصيل قصة صنعه. ويذكر الميعاد بسرعة ويغفل الميقات).
6_ وفي سورة (الشعراء 47) تبدأ القصة من حلقة الرسالة، وتسير في الخطوات التي سارت فيها إلى حلقة الخروج، ولكنها تزيد هنا أمرين: الأول ذكر موسى أنه قتل رجلاً من المصريين فهو يخشى أن يؤخذ به، وتذكير فرعون له بأنه قد رُبي فيهم وليداً وفعل هذه الفعلة ومضى. والثاني ذكر انفلاق البحر كالطود العظيم. وهذا وذلك مع تنويع في الحوار بين فرعون وموسى، وإثبات إلهة بصفاته وتنويع في الحوار مع السحرة كذلك.
7_ ثم تذكر في سورة النمل (48) حلقة التكذيب والعقاب مجملة مع قصص مشترك.
8_ وفي سورة القصص (49) تبدأ القصة من أول حلقة فيها: من مولد موسى في إبان اضطهاد قومه. فوضعه في التابوت وإلقائه في البحر. والتقاط آل فرعون له، وتحريم المراضع عليه. وقول أمه لأخته أن تقص أثره. ومعرفتها بأمره، وإشارتها على آل فرعون بمرضع للطفل هي أمه. ثم كبره. ثم قتله للمصري، ومحاولته قتل آخر، وتهديده إياه بافشاء سر القتلة الأولى، ونصح رجل له بالهرب وقد جاءه من أقصى المدينة يسعى، وخروجه إلى أرض مَدينَ، والتقائه ببنتي الشيخ الكبير، وسقيه لهما، وإعجاب إحداهما به، وحضها أبيها على استخدامه، وعمله مع حميه. وزواجه بابنته حسب شرطه، ثم انفصاله عنه وذهابه بأهله، ثم رؤيته النار (التي بدأ منها القصة في سورة طه)، ثم تسير القصة كما سارت هناك، بزيادة واحدة هي تهكم فرعون في قوله: (فأوقد لي يا هامانُ على الطين فاجعل لي صَرحاً، لعلي أطلعُ إلى إله موسى‍). وتنتهي عند حلقة غرق فرعون، بعد خروج موسى.
9_ ثم في سورة الاسراء (50) إشارة سريعة إلى إغراق فرعون والتمكين لبني إسرائيل.
10_ وفي سورة يونس (51) عرض قصير _في وسط قصص مشترك _ لبيان عاقبة التكذيب، وقد ذكرت فيه حلقة السحرة باختصار، وتجاوز بني إسرائيل البحر، واتباع فرعون لهم وغرقه. ولكن زاد في حلقة الغرق أن يقول: (حتى إذا أدركه الغرق قال: آمنت أنه لا إله إلاّ الذي آمنت به بنو إسرائيل)‍ فكان الرد عليه: (الآن؟ وقد عصيت قبلُ وكنت من المفسدين؟ فاليومَ نُنَجيكَ ببدنكَ لتكون لمن خلفك آية). وهي زيادة لا ترد إلا في هذا الموضع.
11_ ثم في سورة هود (52) إشارة سريعة إلى الاهلاك بعد التكذيب في صدد قصص مشترك.
12_ وفي سورة غافر _أو المؤمن _ (60) تعرض حلقة الحوار بين فرعون وموسى. ولكن يزيد في هذا الحوار قول فرعون، (ذروني أقتل موسى وليدعُ ربه). وظهور رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، وينافح عن موسى ويشير عليهم ألا يقتلوه، فقد يكون على صراط مستقيم. وهي زيادة لا ترد في غير هذا الموضع.
13_ وفي سورة فُصّلت (61) إشارة سريعة. وكذلك في سورة الزخرف (63) إشارتان سريعتان. ولكن يزيد هنا أن فرعون يقول: (أليس لي مُلكُ مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟ أفلا تبصرون؟ أم أنا خيرٌ من هذا الذي هو مهين ولا يكادُ يبين؟) وهي زيادة لا ترد إلا في هذه السورة.
14_ وفي سورة الذاريات (67) إشارة خاطفة إلى إرسال موسى إلى فرعون بسلطان مبين، وتكذيبه وإهلاكه.
15_ وفي الكهف (69) تعرض حلقة مقابلة موسى لعبد من عباد الله أوتي من لدنه رحمة وعُلم علماً. وقد طلب إليه موسى أن يصحبه ليستفيد من علمه، فأخبره أنه لن يصبر معه ليعلمه فوعده موسى أن يصبر ثم لم يستطع معه صبراً، لأن الرجل أخذ في تصرفات لا يدرك كنهها موسى، ولا يعرف لها مغزى. فشرح له الرجل العالم سرها وافترقا. وهي حلقة تذكر مرة واحدة.
16_ ثم في سورتي إبراهيم والأنبياء (72 _ 73) إشارتان سريعتان، المهم في ثانيتهما وصف التوراة بأنها "فرقان".
17_ ويأتي تفصيل آخر في سورة البقرة (87) في معرض تذكير بني إسرائيل بنعم الله عليهم، ومقابلتهم هذه النعم بالمماطلة والجحود _وفي هذا المعرض تكرر بعض الحلقات التي سبقت في قصة موسى _ ومن ذلك إعطاؤهم المنّ والسلوى _ولكن يزيد هنا تبطرهم على هذه النعم، وطلبهم أطعمة منوعة بدل المن والسلوى. ثم حلقة البقرة التي أمرهم الله بذبحها، فجعلوا يتلكأون، ويسألون عن صفاتها ويتمحلون فيها، حتى استنفذوا المعاذير، (فذبحوها وما كادوا يفعلون)، وهي _كما ترى _ حلقة جديدة لم تذكر من قبل أصلاً.
18_ وفي سورة النساء (92) إشارة إلى طلبهم أن يروا الله جهرة للتدليل على عنتهم ومِحَالهم.
19_ وفي سورة المائدة (112) تذكر حلقة وقوفهم على أبواب الأرض المقدسة "فلسطين" لا يدخلون: (قالوا: ياموسى إن فيها قوماً جبّارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فان يخرجوا منها فانّا داخلون)‍... إلى قوله: (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، قال: ربّ إني لا أملكُ إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين. قال: فانها محرّمةٌ عليهم أربعينَ سنة يتيهون في الأرض، فلا تأس على القوم الفاسقين). ويتركهم هنالك في التيه فلا يأتي بعد ذلك ذكر لموسى. ولا يذكر عن بني إسرائيل إلا تفرقهم وعداؤهم للمسيح والمسلمين.
هذه القصة أشد القصص تكراراً في القرآن. وقد رأينا من هذا الاستعراض نوع التكرار؛ وأنه _فيما عدا ستة مواضع _ إشارات توجيهية إلى القصة اقتضاها السياق؛ أما الحلقات الأساسية فلم تكرر تقريباً؛ وإذا كررت حلقة منها جاءت بشيء جديد في تكرارها. وهذه القصة نموذج للقصص الأخرى، وعلى ضوئها ندرك أن ليس في القصص القرآني ذلك التكرار المطلق، الذي يُخيّل لبعض من يقرأون القرآن، بلا تدقيق ولا إمعان.
++++*
ب) وكان من آثار خضوع القصة في القرآن للغرض الديني _غير التكرار _ أن تعرض بالقدر الذي يكفي لأداء هذا الغرض، ومن الحلقة التي تتفق معه؛ فمرة تعرض القصة من أولها، ومرة من وسطها، ومرة من آخرها؛ وتارة تعرض كاملة. وتارة يكتفي ببعض حلقاتها، وتارة تتوسط بين هذا وذاك، حسبما تكمن العبرة في هذا الجزء أو ذاك، ذلك أن الهدف التاريخ لم يكن من بين أهداف القرآن الأساسية كالهدف القصصي سواء؛ فسارت القصة وهدفها الأول هو الهدف الديني، على النحو التالي:
1_ نجد قصصاً تعرض منذ الحلقة الأولى: حلقة ميلاد بطلها، لأن في مولده عظة بارزة، وذلك مثل:
قصة آدم (منذ خلقه) وفيها مظهر لقدرة الله، وكمال علمه، ونعمته على آدم وبنيه. وفي حادثة إبليس معه ما فيها من أغراض دينية أشرنا من قبل إليها.
ومثل مولد عيسى ابن مريم: وهو يعرض بتفصيل كامل، ذلك أن مولده هو الآية الكبرى في حياته؛ وحول هذا المولد قام الجدل كله؛ وعنه تفرعت كل قضايا المسيحية قبل الاسلام وبعده.
وقصة مريم: فقد نذرت لله وهي في بطن أمها، وتولى كفالتها زكريا؛ ثم رزقت منذ مولدها رزقاً حسناً من عند الله، فكانت (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً. قال: يا مريمُ أنىّ لك هذا؟ قالت: هو من عند الله)... ثم تطوي حلقاتها حتى تأتي حلقة ميلاد عيسى. وهي الحلقة الهامة الثانية في حياتها.
وقصة موسى: لأن لمولده في عهد اضطهاد بني اسرائيل، وتذبيح الذكور من أطفالهم، ونجاته هو من ذلك مع وجوده بين آل فرعون أنفسهم.. قيمة خاصة في بيان رعاية الله له، وإعداده إعداداً خاصّاً للمهمة التي سينهض بها. ثم تذكر من حياته حلقاتها ذات المغزى.
وإسماعيل وإسحاق تعرض حلقة مولدهما، لأن في هذا المولد عبرة. فأولهما رزقه إبراهيم على الكبر، وأسكنه _على الرغم منه _ بجوار البيت المحرم؛ والثاني بُشر به وامرأته عجوز. وقد بلغ من الكبر عتيّاً.
وكذلك يذكر مولد يحيى لزكريا؛ بعد أن وهن منه العظم واشتعل الرأس شيباً.
2_ ونجد قصصاً أخرى تعرض من حلقة متأخرة نسبيّاً.
فيوسف تبدأ قصته صبيّاً، فمن هذه الحلقة يرى الرؤيا التي تُسيّر حياته كلها، وتؤثر في مستقبله جميعاً، إذ يرى أحد عشر كوكباً والشمس والقمر له ساجدين؛ فيدرك أبوه مغزاها ويقربه إليه، فيغار إخوته منه... ثم تسير القصة في طريقها المرسوم بعد هذه الرؤيا.
وإبراهيم تبدأ قصته فتىً ينظر في السماء فيرى نجماً، فيظنه إلهه، فاذا أفل قال لا أحب الآفلين، ثم ينظر مرة أخرى فيرى القمر، فيظنه ربه؛ ولكنه يأفل كذلك، فيتركه ويمضي، ثم ينظر إلى الشمس فيعجبه كبرها؛ ويظنها _ولا شك _ إلهاً‍ ولكنها تخلف ظنه هي الأخرى، فيفيء إلى ربه الذي لا يُرى... ويدعو أباه وقومه إلى هذا الاله الواحد فلا يجيبونه، فيحطم أصنامهم في غفلة منهم حيث يقولون (سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) ويهمون باحراقه، فينجيه الله منهم: (قُلنا: يا نارُ كوني برداً وسلاماً على إبراهيم).
3_ ثم نجد قصصاً لا تعرض إلا في حلقة متأخرة جداً:
فنوح وهود وصالح ولوط وشعيب، وكثيرون غيرهم، لا تعرض قصصهم إلا عند حلقة الرسالة، وهي الحلقة الوحيدة التي تعرض من حياتهم، لأنها أهم حلقة منها، والعبرة كامنة فيها.
هذا كله من ناحية الابتداء. وأما من ناحية الاطناب والايجاز فهما كذلك خاضعان لما في حلقات القصة من عظة وأهمية. نضرب لذلك الأمثال فيما يلي:
1_ قصة كقصة موسى تذكر بجميع حوادثها وتفصيلاتها، منذ مولده _بل قبل مولده _ إلى وقوفه بقومه أمام الأرض المقدسة، حيث كتب عليهم التيه أربعين سنة، جزاءً وفاقاً. لأن في كل حلقة من حلقات القصة غرضاً دينياً يبرز، وله صلة بأهداف القرآن العليا، وبالتصور الاسلامي الأصيل.
2_ وهناك قصص متوسطة التفصيل:
فقصة نوح تذكر منها تفصيلات رسالته ودعوته لقومه واستكبارهم عنها.
وحلقة صنع السفينة. وحلقة الطوفان، وغرق ابنه، ودعائه الله أن يحييه، وعدم استجابته له، لأنه ليس من أهله، ولو كان ابنه: لأنه عملٌ غير صالح!.
وقصة آدم تفصل تفصيلا في نشأته وخطيئته، وهبوطه، وتوبته، واستجابة الله له.
3_ وهناك قصص قصيرة:
فقصص هود وصالح ولوط وشعيب _مع تكرارها _ قصيرة لأنها تعرض عند حلقة الرسالة وحدها، فتتضمن الرسالة والحوار مع قومهم، وتكذيب هؤلاء القوم، ثم إهلاكهم جميعاً.
وقصة إسماعيل تذكر عند مولده، وعند افتدائه من الذبح، وعند اشتراكه في بناء الكعبة مع أبيه، في اختصار نسبي، في هذه الحلقات جميعاً.
4_ وهناك قصص متناهية في القصر:
فقصة زكريا تذكر عند مولد يحيى، وعند كفالته لمريم. وقصة أيوب تذكر عند مس الضر له، ثم استغاثته بالله وشفائه ورد أهله إليه. وقصة يونس تذكر عند ابتلاع الحوت له ثم نبذه بالعراء، ورسالته لقومه وإيمانهم به.
5_ وقصص يشار إليها ولا يذكر شيء عنها _إلا وصفاً خاطفاً لأصحابها: كقصص إدريس واليسع وذي الكفل؛ وطائفة أخرى لا تذكر إلا أسماؤهم في صدد استعراض سجل الأنبياء.
6_ فأما القصص الأخرى المتفرقة كقصة أصحاب الأخدود. وأهل الكهف، وابني آدم. وصاحب الجنتين. وأصحاب الجنة. وسد مأرب. والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها... وهي القصص الوعظية البحتة، فتعرض بالقدر الذي يبلغ العظة.
++++*
"ح" وكان من أثر خضوع القصة للغرض الديني أن تمزج التوجيهات الدينية بسياق القصة، قبلها وبعدها وفي ثناياها كذلك.
فأما ما يذكر من التوجيهات قبلها فقد ذكرنا منه مثالين فيما مضى. أولا: التنبيه إلى دلالة القصص على الوحي بها، كما في قصة يوسف وقصة آدم. وثانياً: مجيء القصص مصدقة للانباء مثل: (نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم) ثم سرد القصص التي تدل على الرحمة والتي تدل على العذاب.
وأما ما يذكر منه بعدها، فقد ذكرنا منه كذلك مثالين فيما مضى: أولا: التنبيه إلى دلالة القصص على الوحي بها، كما في أعقاب قصة موسى في سورة القصص، وما في أعقاب قصة نوح في سورة هود. وثانياً: التنبيه إلى أن أعقاب الله عادل، وأنه لا يأخذ القوم إلا بعد الانذار، كالذي ورد في سورة العنكبوت عقب قصص الأنبياء المجتمعة: (فكلاً أخذنا بذنبه. فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا. وما كان الله ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون).
والذي يتتبع قصص القرآن يجد عقب كل قصة تعقيباً دينياً يناسب العبرة فيها.
والقارىء لقصص القرآن يجد هذه التوجيهات منثورة في ثناياه على هذا النحو أو على نحو سواه؛ ولكنه يجدها بكثرة ووفرة، تدل على الغرض الأساسي من سياق القصة، وهو الغرض الديني أولا وقبل جميع الأغراض.
---------------------------------------
المصدر : عن ( التصوير الفني في القرآن )

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 01:06 PM
القصة في القرآن الكريم
مفهومها وأنواعها

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين والسلام على العباد الصالحين، وبعد:

لكل شيء قصة في التكوين والتغيير والتطوير من البداية إلى النهاية، والتاريخ معرض مشحون بالقصص المختلفة الأنواع والألوان، والمرء يتعلق بماضيه برباط قصصي محكم تراوده بأحداثها وشخوصها وتطبع أحاسيسه بمؤثراتها وتبقى ماثلة بأعيائها للعيان بحيث يصعب تخطيها وتناسيها.

وفي سن مبكرة يسمع الصغير أنواعاً من القصص ويتعلق بها حتى ينام عليها، وهذا أهم الأسباب في الانصراف للأبوين والجدين الكبيرين.

ولقد أدرك الناس مدى تأثير القصة في التعليم والتربية، وكان من السهل فهم المقاصد والمطالب بطريق السرد القصصي، وكان من السهل أيضاً سبر أغوار النفس لإيقاظها وتربيتها وتوجيهها.

فليس غريباً على القرآن إذن أن يدخل ميدان القصة من القمة وبطرق أنواعاً ويسلك ميادين فيعرض لتكوين السموات والأرضيين في الحياتين الدنيوية والأخروية ويعرض قضية الحياة والموت وتاريخ الإنسان وصراعه الداخلي والخارجي مع نفسه ومع عدوه الشيطان. والله المستعان.



المبحث الأول مفهوم القصة القرآنية

المبحث الثاني أنواع القصة القرآنية

المبحث الثالث المصنفات المستقلة ومصنفوها

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 01:08 PM
المبحث الأول

مفهوم القصة القرآنية



أ – القصة في اللغة:

قال الراغب في مفرداته: القص تتبع الأثر، والقصص الأثر، والقصص الأخبار. وما ذكره ابن فارس في مقاييسه قريب من هذا.

أما لسان العرب فقد فصل وأطال ونقل من الكتاب والسنة والأخبار والأمثال، والنقول والأقاويل ومن زبدة ما قال،(القصة): الخبر والقصص: الخبر المقصوص- بالفتح - وضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه والقصص بكسر القاف: جمع القصة.

ب - القصة في الاصطلاح:

عرفها بعضهم بقوله: أخبار عن أحوال الأمم الماضية والوقائع الحاضرة والحوادث السابقة. وهذا التعريف "وأشباهه" مأخوذ من أنواع القصة، والتعريف الذي أراه مناسباً في جمعه ومنعه هو أن القصة: خبر عن حوادث حسية ونفسية تدور حول شخوص محدودة الزمان والمكان.

والمراد بالخبر هو العلم المنقول حكاية ورواية، والحوادث هي الظواهر المحسوسة أي المدركة بحاسة من الحواس المعروفة، والحوادث النفسية هي الباطنية في الضمائر والنيات والمشاعر، والشخوص هي الشخصيات أفراداً وجماعات، وحدود الزمان هي البداية والنهاية المحدودة بوحدة زمنية كاليوم والشهر والسنة، وحدود المكان المساحة من طول وعرض مع الارتفاع في الحجم.

خصائص القصة القرآنية:

1- القصة القرآنية حقيقية في وقوعها وصادقة في خبرها فليست خيالاً ولا كذباً.

ولقد تجرأ باحث مع مشرفه في جامعة عربية على اتهام القصة القرآنية بالخيالية بدعوى أن الحرية الفنية تقتضي عدم التقيد بالصدق، وبناء على ذلك ينبغي أن لا تكون قصص الأنبياء حقائق بل القصة القرآنية هي تصوير للواقع النفسي لا للحوادث وأنها حرب أعصاب.. بل أفرطوا في جراءتهم واتهامهم بوجود أساطير وحوادث ملفقة ومكذوبة، بالإضافة إلى دعوى أن مصدر القصة القرآنية هي كتب الأديان الأخرى والحكايات الشعبية والأفراد العاديون… وحينما استفتي علماء الأزهر في شأن هذه الرسالة لم يترددوا في الإجماع على كفر الباحث والمشرف معاً.

2- حسن الاختيار بعرض الوجه الأحسن من القصة والإعراض عما لا خير فيه فضلاً عن الشر، ولذلك تسمى القصص القرآنية أحسن القصص.

وهذه ميزة للقرآن بخلاف المعهود المعدود في الكتب الأخرى كالتوراة والإنجيل حيث تعرض القصة كاملة بخيرها وشرها، ولقد حوت قصص أهل الكتاب نتيجة لذلك على كثير من الجوانب الضارة في التعليم والتربية.

والتوجيه واضح في تحديد غرض أو أغراض القصة القرآنية من حيث التكليف للدعوة والتعليم والتربية.

3- التفاوت في العرض طولاً وقصراً فمثلاً سورة نوح في قصة واحدة وهذه القصة ذكرت في آية واحدة هي قوله:{إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية}.

4- التقطيع بعرض المشاهد منفصلة غير متصلة وغير متسلسة وهذا يعني عدم مراعاة التسلسل التاريخي والترتيب الزمني لحوادث القصة كما هو شأن كتب التاريخ وكما هو حال التوراة والإنجيل.

5- تكرير القصة لفظاً ومعنى أو التكرير بالمعنى، والثاني هو الغالب والذي يسوغ التكرار تنوع السياق سباقاً ولحاقاً، ومعلوم أن التكرير وإن كان من عيوب الكلام من وجه فإنه من وجه آخر أدل على البلاغة وأجل في الإعجاز، فإذا كانت البلاغة تحقق في وجه واحد من البيان فإن عرض ذات الموضوع وقد ازداد في قوة الإعجاز وتعدد وجوهه لأن الكلام المعجز في بيانه الأول إذا أضيف إليه وجوه أخرى تعدد وتقوى مع العلم أن التكرير بصورة عامة وتكرير القصة بوجه خاص ينصرف إلى ترسيخ المعاني والتأكيد على الأغراض لتعميق الآثار.

فوائد القصة القرآنية:

للقصة القرآنية فائدة مهمة تتعلق بالداعية الأول ومن تبعه من الدعاة من حيث الإعداد والتربية وهذه الفائدة هي التسلية بدفع الهم والحزن والخوف، {وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين} 120هود، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم في وضع شديد في نفسه بسبب موقف قومه ووصل به الحال كما قال تعالى:{ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً}.

وهناك فائدة أخرى وهي حول تأثير القصة في نفس الإنسان حيث يدفعه حب الاستطلاع إلى التعلق والتشوق وإلى تعقب عقد القصة وترقب حلولها من خلال السرد القصصي.

وهناك فوائد أخرى كثيرة نذكر منها:

1- بيان السنن الدينية أي أصول الدين والعبادات كما قال تعالى:{وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله أنا فاعبدون}25الأنبياء، وقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} 13الشورى.

2- بيان السنن الدنيوية كما قال تعالى:{فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون}51-52النحل.

3- تصديق الأنبياء السابقين يشهد له قوله في سورة الشورى {شرع لكم من الدين ما وصى...}الآية المذكورة في الفائدة الأولى.

4- إظهار صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في نبوته فهو أمي لم يتعلم على المعلمين ولم يأخذ من أهل الكتاب فكيف يورد ما لديهم ويرد عليهم كما قال تعالى:{تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين} 49هود، وقال تعالى:{وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاوياً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين، وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون} 44-46 القصص.

وقال تعالى في محاجة أهل الكتاب:{وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً} 156-158النساء.

وقال تعالى:{كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} 93 آل عمران.

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 01:09 PM
المبحث الثاني

أنواع القصة القرآنية



القصة القرآنية العامة تشمل قصة التكوين من بداية الخلق إلى النهاية وأطوار الحياة والموت والوجود والفناء، كما تشمل الأمثال المضروبة على سبيل الإشارة والرمز فلا تخرج عن كونها قصصاً وإن كانت قصصاً قصيرة جداً، وليس مرادنا ولا مطلوبنا هذا ولا ذاك، بل المراد المطلوب هو القصة المعروضة في التاريخ البشري لحياة الإنسان على الأرض، باعتبار الشخوص في أزمانها وأمكانها، وهي بهذا الاعتبار ثلاثة أنواع:

1- قصص الأنبياء المرسلين

عنوان القصة
رقم السورة التي وردت فيها القصة

آدم
2 ، 7، 15، 17، 18، 20، 38

نوح
7، 10، 11، 17، 21، 23، 25، 26، 29، 37، 51، 54، 57، 71

إبراهيم
2، 3، 4، 6، 11، 12، 14، 15، 16، 19، 21، 22، 26، 29، 37، 43، 51، 57، 60

إسماعيل
2، 3، 4، 6، 14، 19، 21، 38

لوط
7، 11، 15، 21، 26، 27، 29، 37، 51، 54

إسحاق
37

يعقوب
2، 11، 12، 19، 21، 29، 38

يوسف
12، 40

هود
7، 11، 15، 17، 26، 27، 51، 54، 89، 91

صالح
7، 11،15، 17، 26، 27، 51، 54، 89، 91

شعيب
7، 11، 15، 26، 29

موسى وهارون
2، 4، 5، 6، 7، 10، 11، 14، 17، 18، 19، 20، 23، 25، 26، 27، 28، 33، 37، 40، 41، 43، 44، 51، 54، 61، 73، 79

داود
4، 21، 27، 34، 38

سليمان
2، 21، 27، 34، 38

يونس
10، 21، 37، 68

إدريس
19، 21

أيوب
21، 38

ذو الكفل
21

إلياس
6، 37

اليسع
6، 38

زكريا ويحيى
3، 4، 5، 19، 21، 23، 43، 57، 64، 66

عيسى
2، 3، 4، 6، 7، 9، 19، 21، 23، 33، 36، 42، 43، 45، 48، 57، 61

محمد أو أحمد
3، 33، 47، 48، 61


2- قصص السيرة النبوية (الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه)

عنوان القصة
رقم السورة التي وردت فيها القصة

الإسراء
17

الهجرة
9

غزوة بدر
8، 9

غزوة أحد
3

غزوة حمراء الأسد
3

غزوة حنين
9

غزوة الخندق "الأحزاب"
33

الإفك
24

غزوة تبوك والثلاثة الذين خلفوا
9

غزوة بني النضير
59

غزوة الحديبية
48

فتح مكة
48، 57، 61، 110

مسجد الضرار
9

المباهلة
3

المجادلة
58

التحريم
66

زينب بنت حجش
33


3- قصص عامة

عنوان القصة
رقم السورة التي وردت فيها القصة

الملائكة
2، 3، 4، 7، 8، 10، 13، 16، 32، 43، 47، 50، 72، 82

الجن
6، 7، 15، 17، 18، 27، 34، 46، 55، 72

إبليس الشيطان
2، 4، 5، 6، 7، 8، 15، 16، 17، 18، 20، 22، 23، 24، 25، 26، 28، 29، 34، 35، 36، 38، 41، 43، 47، 58، 59، 114

ابنا آدم
5

قارون
28

طالوت وجالوت
2

الخضر
18

ذو القرنين
18

يأجوج ومأجوج
21

هاروت وماروت
2

لقمان
31

أصحاب السبت
2، 4، 7، 16

سبأ والملكة وسيل العرم
27

الألوف الخارجون
2

ميت المائة عام (عزير)
2

أصحاب الكهف
18

مريم
3، 4، 5، 19، 21، 23، 43

أصحاب الجنة
68

تبع
44، 50

أصحاب الأخدود
85

أصحاب الفيل
105

أبو لهب وامرأته
111

انتصار الروم
30

أصحاب الأيكة
36، 50

أصحاب الرس
35


عرض مجمل للقصص القرآني:

خلق الله الأرض في أربعة أيام والسموات المحيطة بها في يومين فتم التكوين في ستة أيام، ونوع الأجناس وطور الأنواع في الذوات والصفات، وأتاه كل شيء طائعاً على قدر معلوم في حدود الزمن والمكان.

وخلق الله آدم على مثاله من أجهزة مادتها التراب والماء طيناً وفخاراً يابساً، ونفخ فيه الروح وسلط عليه النفس وسواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها، وعلم تعالى آدم الأسماء كلها، وكلفه بخلافة الأرض، وأقنع الملائكة بالسجود، وكان لا بد من تذكير الإنسان بعداوة الشيطان والكشف عن حقيقة الصراع معه ومع النفس الأمارة بالسوء، ولكن الله لا تدركه الأبصار لأنه ليس كمثله شيء فعقدت صلة التذكير بطريق الأنبياء المرسلين والملائكة الأشداء المقربين بعد حراسة السماء والأرض ورصد النبي المرسل.

وفي المقابل عقدت صلة بين الإنسان وغير الله تحت مختلف الأسماء والأستار، ونسبت هذه الصلة أحياناً إلى الله.

وتعرضت سير الأنبياء المرسلين وما أنزل عليهم من كتب إلى التحريف والتبديل واقتضى ذلك توارث الأنبياء وتواردهم واحداً بعد الآخر ليستمر الحق ممثلاً في حامليه كلما مضى واحد خلفه آخر يذكر ويصحح ويجدد، وكل دعوة قومية في حدود القرية والأمة، ولم تخرج دعوة عن الدائرة القومية على وجهها الصحيح التام إلا الدعوة الخاتمة التي حملها محمد بن عبد الله إلى العرب ثم إلى جميع الناس...

من آدم إلى محمد عدد كبير من أنبياء الله المرسلين كل واحد منهم أرسل إلى قومه، وقد يرسل أكثر من واحد في وقت واحد، ولا يصح في عددهم عدد ولا يسلم التفريق بين أنبياء ومرسلين.

والمذكورون في القرآن ممن ثبتت نبوتهم أربعة وعشرون : أولهم آدم أبو البشر، وحواء أم البشر خلقت من ضلعه سكناً له ورحمة، وانعم الله عليهما بجنة بربوة يأكلان منها إلا شجرة حرمها الله عليهما ابتلاء لهما، وقد خدعهما الشيطان فوسوس لهما ومناهما وغلبتهما نفساهما فوقعا في المعصية الأولى، فأخرجهما الله من الجنة وتابا فتاب الله عليهما، وعاشا خارج الجنة على أرض يتعبان فيها ويكسبان ويتناسلان.. وفي الأسرة الآدمية وقعت المعصية الثانية في ولدي آدم حيث طوعت لأحدهما نفسه فقتل أخاه فسن معصية القتل فكان ظالماً والآخر كان مظلوماً.. وكثرت الذرية على رقعة من الأرض لعلها عند ملتقى دجلة والفرات جنوباً، ولم تكن هذه الأرض معمورة الأطراف لأن الناس ما كانوا منتشرين بل كانوا محصورين في بقعة معينة أو بقاع متقاربة، وغلب عليهم الظلم والكفر فعبدوا الأصنام، فأرسل الله إليهم نوحاً يدعوهم إلى اجتناب الكفر والمعاصي، يرهبهم ويرغبهم إلى دين الله وطاعته فاستكبروا وآذوا نوحاً حتى كفر ابنه، وخانت زوجه، وتوقفت دعوته، فدعا عليهم بطوفان أغرق أرض نوح وأهلك قومه، ونجاه الله ومن معه في السفينة التي اتجهت شمالاً بعيداً حتى استقرت على الأرض المباركة {واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين}.

وانتشر الناس وقامت الممالك ومن أعظمها مملكة نمرود الطاغية، وقد حمل قومه على عبادة الأصنام في الأرض، والكواكب في السماء، ورضخ له قومه ولعلهم الكرد ومن دخل تحت حكمه، فأرسل الله إليهم إبراهيم بن آزر فدعاهم وكسر أصنامهم وحاج ملكهم فألقوه في النار فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، فخرج مهاجراً لوطنه هاجراً لقومه مع زوجه سارة إلى فلسطين، وتبعه ابن أخيه لوط الذي أرسل إلى سادوم وعامورا وغيرهما من القرى، وارتحل إبراهيم إلى مصر وتزوج منها بهاجر المصرية أم إسماعيل، وقد تركه أبوه مع أمه عند بيته العتيق، ثم أبتلى برؤية ذبحه وأكرمه بفدائه، وأقاما البيت لحج الناس من كل فج، وإسماعيل هو أبو العرب ولغته أصل اللغة العربية.

وولدت زوجة سارة إسحاق وهو أبو يعقوب المسمى بإسرائيل أبي العبريين ولغته العبرية قريبة من العربية، وكان ليعقوب اثنا عشر ولداً منهم يوسف، وقد كاد له إخوته لكونه أحب إلى أبيه منهم، فألقوه في الجب وباعوه بثمن بخس، ثم اشتراه عزيز مصر، فراودته زوجه واتهمته فسجنوه، ثم برأه الله ، فأخرجوه من السجن، وأول رؤيا الملك في البقرات والسنبلات، فولاه الملك على خزائن مصر وأقواتها، ويقول ابن تيمية أنه كان نائباً لفرعون في الحكم، فأحضر أبويه وإخوته يعيشون معه في بلد الخيرات.

ويعد يوسف كره المصريون بني إسرائيل لبداوتهم وسلطانهم فاضطهدوهم، واستحيوا نساءهم وقتلوا أبناءهم لتحديدهم وإضعافهم، فخافت أم موسى فألقت وليدها في اليم، فالتقطه آل فرعون، ومالت إليه زوجه، فحمته وربته حتى شب، وحصل أنه قتل مصرياً لخلاف مع عبري وخاف على نفسه، فلجأ إلى أقاربه في مدين، وتزوج ابنة الشيخ الكبير، وبقى يعمل له مقابل مهرها بضع سنين، ثم رجع إلى مصر، وفي الطريق بسيناء كلمه الله، وأرسله إلى فرعون لإخراج بني إسرائيل من الذل والعبودية، وأيده بتسع آيات، وشد أزره بأخيه هارون يترجم عنه ويبين للمصرين مراده بعد غيابه الطويل عنهم وعن لغتهم، ولكن فرعون وملأه وجنوده وقومه الذين استخف بهم أطاعوه واجتمعوا على مواجهته ومهاجمته، ففتح الله لبني إسرائيل الطرق في البحر لإنجاء بني إسرائيل وإغراق فرعون ومن معه، ولقد أوذي موسى من بعض قومه.

ولما ذهب موسى لميقات ربه أضلهم السامري، وادعى أن العجل هو الإله الذي يبحث عنه موسى على عادة المصريين، ورجع موسى غضبان أسفاً، وعاقب السامري بلا مساس، وغفر الله لبني إسرائيل.. فأنعم عليهم بالمن والسلوى، حتى ملوا واشتهوا ما اعتادوا عليه بمصر من البقل والفول والقثاء والعدس والبصل، فشرع الله الجهاد.. فقعدوا وقالوا لموسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} فتاهوا أربعين سنة مات فيها القاعدون الذين ربوا جيلاً مجاهداً قادهم فتى موسى وهو يوشع بن نون، وفتح بهم البلاد وانتصر على الأعداء، وقامت لهم مملكة في فلسطين، ومن ملوكهم طالوت، وقد أعانه داود على قتل جالوت فأصبح ملكاً بعده، وأوبت الجبال معه والطير، وألين له الحديد، وفتن في قصة التسع والتسعين نعجة والنعجة الواحدة، وغفر له الله ورفع مقامه.

وورث سليمان داود وعظم ملكه، وكانت فتنته بجسد ملقى على كرسيه فتاب وأناب، فرفع الله مقامه وآتاه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، حيث سخر له الطير والجن والريح، وأحضرت له ملكة سبأ باليمن فآمنت به.. وتتابع من بعده الأنبياء المرسلون، فبنو إسرائيل من أكثر الناس أنبياء، وكان من أواخرهم زكريا الذي رزقه الله بيحيى فبشر بالمسيح وقتل ذبحاً، وقد كفل زكريا مريم ابنة عمران ام المسيح عيسى الذي ولد من غير أب وأنزل الله عليه الإنجيل، وأيده بالمعجزات كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وقد بشر بمحمد خاتم الأنبياء المرسلين وحمل محمد القرآن الكريم إلى الناس جميعاً وإلى قيام الساعة.

وهناك قصص أخرى مستقلة وتابعة لم نتناولها خلال العرض السابق منها:

هود:

الذي أرسله الله إلى عاد إرم ذات العماد إلى الجنوب من بلاد العرب فقالوا: من أشد منا قوة؟ فعاقبهم الله بريح صرصر سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، وجعلهم كأعجاز نخل خاوية.

صالح:

أرسله الله إلى ثمود الذين فتنوا بالأموال والحصون وطغوا حتى عقروا ناقة الله، فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها.

يونس:

في نينوى – الموصل - اليوم هي بكردستان وكانت قرية عامرة وكافرة أرسل الله إليها يونس بن متى فتباطأ النبي وأبق في الفلك، فتبعهم الحوت، فألقوه، فالتقمه، فسبح وتاب، وأرسله الله إلى المدينة المذكورة وأهلها مائة ألف ويزيدون بعد أن غفر لهم وتاب عليهم.

قارون:

كان قارون من قوم موسى وتولى عليهم نائباً عن فرعون حاكم مصر، فاستغل ذلك لجمع المال حتى أن مفاتيح كنوزه لتنوء بالعصبة أولي القوة، ولما جاء موسى نبياً مرسلاً وأنقذ بني إسرائيل من فرعون وقومه.. غار منه قارون وحسده، وكاد له في بغي، ثم رجعت واعتذرت وأخبرت بمن دفعها وهو قارون، فدعا عليه موسى، فخسف به وبداره الأرض.

الخضر:

خرج موسى مع فتاه يوشع بن نون يبحث عن عالم يتعلم منه، فقابل العبد الصالح المشهور بأنه الخضر، فرافقه في سفينة كسرها، وفي طفل صغير قتله، وفي جدار في ضربة أقامه، وكان موسى ينكر عليه في كل مرة.. حتى بيّن الخضر قصة المساكين من أصحاب السفينة، إذ لو بقيت صالحة لأخذها الملك غصباً، والغلام العاق لأبوية خشية أن يرهقهما طغياناً وكفراً، والجدار الذي أقيم على كنز ليتيمين لصلاح أبيهما، والمشهور أنه الخضر كما قلنا، وأنه من البشر، ولسنا نرى ذلك بل هو ملك أو من الجن أو مما شاء، فله تعالى جنود السموات والأراضين.

ذو القرنين:

كان بختنصر وهو قائد كردي على ما يقال قد هدم بيت المقدس وحرق التوراة وسبى بني إسرائيل إلى عاصمته بابل، وبقوا هناك في ذل الأسر حتى أنقذهم الأمبراطور الفارسي كورش المعروف بذي القرنين.

وكان من شأن ذي القرنين أن بلغ آخر العمران شرقاً وغرباً كان يفتح البلاد ويعين المظلوم ويوقف الظالم كما حصل مع يأجوج ومأجوج من القبائل المتوحشة حيث حبسها بسد معدني ما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً.؟

هاروت وماروت:

هذان ملكان من الجن والخلاف بين الجن والملائكة، هل هما شيء واحد أم لا؟ والقرآن يصرح بملكية هاروت وماروت. وكان من شأن هذين الملكين فتنة الناس بتعليمهم السحر للإفساد بين الناس.. والحياة ابتلاء بالخير والشر وصراع بين الحق والباطل.

أصحاب السبت:

هؤلاء من بني إسرائيل حرم عليهم الكسب يوم السبت وأبيح لهم فيما عداه، وكانوا يحتالون بإعداد الشباك لجمع الأسماك، وتبقى يوم السبت حتى تمتلىء.. ثم يخرجون للصيد بعد انقضاء السبت.

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 01:10 PM
المبحث الثالث

المصنفات المستقلة ومصنفوها



1- ابن كثير، كتابه: قصص القرآن.

2- الثعالبي، كتابه: قصص الأنبياء.

3- عبد الوهاب النجار، كتابه: قصص الأنبياء.

4- جار الله سليلة الخطيب، كتابه: قصص القرآن.

5- عبد الكريم الخطيب، كتابه:القصص القرآني.

6- محمد أحمد جاد المولى وآخرون، كتابهم: قصص القرآن.

7- فضل حسن عباس، كتابه: القصص القرآني.

8- أبو الحسن الندوي، كتابه: قصص النبيين.

9- محمد علي قطب، كتابه: قصص القرآن.

10- محمد المولى، كتابه: قصص القرآن.

11- عبد الدائم الزيتوني، كتابه: قصص القرآن.

12- أبو الفضل إبراهيم، كتابه: قصص القرآن.

13- أحمد عسال، كتابه: قصص من التنزيل.

14- جابر الشال، كتابه: قصص النساء في القرآن الكريم.

15- نور الدين قمر، كتابه قصة إدريس عليه السلام.

16- محمد عزة دروزة، كتابه اليهود في القرآن.

17- محمد خضر الحسين، كتابه: الفن القصصي في القرآن.

18- أحمد موسى سالم، كتابه: قصص القرآن في مواجهة أدب الرواية.

19- محمود بيومي مهران، كتابه: دراسات تاريخية من القرآن الكريم.