المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التفسير ‏النبوي للقرآن



أحمد سعد الدين
16-12-2004, 02:21 PM
فضيلة الشيخ
سلمان بن فهد العودة



مقدمة*‏

‏ (الحَمدُ لله الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبدِهِ الكِتَابَ وَلَم ‏يَجعَل لَهُ عوَجًا.قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأسًا شَدِيدًا مِن لَدُنهُ وَيُبَشِّرَ ‏المُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُم أَجرًا ‏حَسَنًا.مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا.وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ الله ‏وَلَدًا) [الكهف:1-4].‏
والصلاة والسلام على رسوله القائل -كما في ‏حديث المقدام رضي الله عنه وغيره-: "ألا إني أوتيت ‏القـرآن ومثله معه، ألا يوشك رجـل شبعان على ‏أريكته أن يقول حين يأتيه الأمر من أمري فيما أمرت ‏به، أو فيما نهيت عنه، فيقول: عندنا كتاب الله حسبنا، ‏ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ‏حرم الله تعالى"(‏ ‏).‏
أمَّا بعد:‏
فإن من نعمة الله تعالى على الناس أجمعين أن توجد ‏بين أظهرهم كلمات الله المنـزلة محفوظة من الزيادة ‏والنقصان.‏
ولعل هذه أعظم نعمة يفيض الله تعالى خيرها على ‏البشر أجمعين، أن يكون بين أيديهم كتاب محفوظ، ‏يحكِّمونه في حياتهم، ويحتكمون إليه فيما يقع بينهم من ‏اختلاف، وذلك بعد أن حُرِّفت الكتب السماوية كالتوراة ‏والإنجيل وغيرها، وضاع أكثرها، ولعبت بها أيدي التغيير ‏والتبديل، قال تعالى: (فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكتُبُونَ الكِتَابَ ‏بِأَيدِيهِم ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِن عِندِ الله لِيَشتَرُوا بِهِ ثَمَنًا ‏قَلِيلاً فَوَيلٌ لَهُم مِمَّا كَتَبَت أَيدِيهِم وَوَيلٌ لَهُم مِمَّا ‏يَكسِبُونَ) [البقرة:79].‏
ولذلك كان علم التفسير من أعظم العلوم على الإطلاق؛ ‏إذ هو الطريق إلى فهم معاني القرآن الكريم ومراد الله سبحانه ‏وتعالى من خلقه، ومن هنا اعتنى العلماء -سلفًا وخلفًا- بهذا ‏العلم اهتمامًا عظيمًا، وصنَّفوا فيه الكثير من المصنفات.‏
وقد بدأت مسيرة تفسير كتاب الله تعالى في عهد ‏النبوة؛ حيث يعتبر النبي صلى الله عليه وسلم المرجع الأول ‏في تفسير كتاب الله تعالى، فقد فسّر آيات الكتاب العزيز ‏بقوله وعمله صلى الله عليه وسلم.‏
وسوف نتناول في هذه الرسالة موضوع: التفسير ‏النبوي للقرآن الكريم، وذلك من خلال الفصول الآتية:‏
‏.الفصل الأول: خصائص القرآن الكريم.‏
‏.الفصل الثاني: عناية الأمة بتفسير القرآن الكريم.‏
‏.الفصل الثالث: البلاغ النبوي للقرآن الكريم.‏
‏.الفصل الرابع: تفسير الصحابة للقرآن الكريم.‏
‏.الفصل الخامس: أنواع بيان السنة للقرآن الكريم.‏

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 02:22 PM
الفصل الأول
خصائص القرآن الكريم

إن القرآن الكـريم كلام الله تعالى، وهـذه أعظم ‏مزايا وخصائص القـرآن الكريم، فحسبه أنه كـلام ‏الله. ‏
وقد وصفه الله عز وجل بقوله: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ ‏عَزِيزٌ.لا يَأتِيهِ البَاطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَلا مِن خَلفِهِ تَنـزِيلٌ ‏مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت:41، 42].‏
وكما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره، أن ‏النبي صلى الله عليه وسلم قال:"فضل القرآن على سائر ‏الكلام، كفضل الله تعالى على خلقه"(‏ ‏).‏
إذًا فكون القرآن كلام الله، فهذا يغني عن تعداد ‏خصائص القرآن وفضائله ومزاياه، لكن أجدني مضطرًّا إلى ‏أن أشير إلى ثلاث خصائص لهذا القرآن؛ لابد من ذكرها ‏في مطلع هذه الرسالة: ‏
الخاصية الأولى: الحفظ:‏
قال تعالى: (إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ‏‏[الحجر:9].‏
لقد قيَّض الله تعالى للقرآن منذ نزل من يحفظه من ‏الصحابة ومن بعدهم في الصدور وفي السطور، وبلغت عناية ‏المسلمين بالقرآن الكريم، وتدوينه، وكتابته، وحفظه، وضبطه ‏شيئًا يفوق الوصف، حتى إن جميع حروف القرآن وكلماته ‏مضبوطة محفوظة بقراءاتها المختلفة لا يزاد فيها ولا ينقص.‏
وقد ذكر بعض المفسرين -كالقرطبي وغيره- قصة ‏طريفة تتعلق بحفظ القرآن الكريم.‏
وذلك أنه كان للمأمون -وهو أمير إذ ذاك- مجلس نظر، ‏فدخل في جملة الناس رجل حسن الثوب، حسن الوجه، ‏طيب الرائحة، فتكلم فأحسن الكلام والعبارة، فلما تقوَّض ‏المجلس دعاه المأمون، فقال له: إسرائيلي؟ قال: نعم، قال له: ‏أسلم حتى أفعل بك وأصنع، ووعده، فقال: ديني، ودين ‏آبائي، وانصرف. ‏
فلمَّا كان بعد سنة جاء مسلمًا، فتكلم في الفقه ‏فأحسن الكلام، فلما تقوَّض المجلس دعاه المأمون، وقال: ‏ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى، قال: فما كان سبب ‏إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك، فأحببتُ أن أمتحن ‏هذه الأديان، وأنت تراني حسن الخط. ‏
فعمدتُ إلى التوراة، فكتبت ثلاث نسخ، فزدت فيها ‏ونقصت، وأدخلتها الكنيسة، فاشتريت مني. ‏
وعمدتُ إلى الإنجيل، فكتبت ثلاث نسخ، فزدت فيها ‏ونقصت، وأدخلتها البيعة، فاشتريت مني. ‏
وعمدتُ إلى القرآن، فعملت ثلاث نسخ، وزدت فيها ‏ونقصت، وأدخلتها الوراقين فتصفحوها، فلما أن وجدوا ‏فيها الزيادة والنقصان، رموا بها فلم يشتروها، فعلمت أن ‏هذا كتاب محفوظ؛ فكان هذا سبب إسلامي(‏ ‏).‏

الخاصية الثانية: الشمول والكمال:‏
فإن هذا الكتاب -كما قال الله عز وجل فيه-: ‏‏(تَفصِيلَ كُلِّ شَيءٍ) [يوسف:111].‏
فما من أمر يحتاجه الناس في دينهم أو دنياهم إلا في ‏القرآن بيانه، سواء بالنص عليه، أو بدخوله تحت قاعدة ‏كلية عامة بينها الله تعالى في كتابه الكريم، أو بالإحالة ‏على مصدر آخر؛ كالإحالة على السنة النبوية، أو القياس ‏الصحيح، أو إجماع أهل العلم، أو ما أشبه ذلك.‏
فما من قضية يحتاجها الناس في اجتماعهم، أو أخلاقهم، ‏أو عقائدهم، أو اقتصادهم، أو سياستهم، أو أمورهم الفردية ‏أو الاجتماعية، الدنيوية أو الأخروية، إلا وفي القرآن بيانها ‏إجمالاً أو تفصيلاً.‏
فجاء القرآن بأصول المسائل؛ فأصول العقائد؛ وأصول ‏الأحكام في القرآن الكريم، فالقرآن شامل كامل مهيمن على ‏جميع شئون الحياة. ‏
الخاصية الثالثة: الحق المطلق:‏
إن القرآن الكريم هو الحق المطلق الذي لا ريب فيه، قال ‏تعالى: (ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيبَ فِيهِ هُدًى لِلمُتَّقِينَ) [البقرة:2]. ‏
فالقرآن حق كله، وصدق كله، فهو -فيما أخبر به عن ‏الماضي أو الحاضر أو المستقبل- صدق، ويستحيل استحالة ‏مطلقة قطعية لا تردد فيها أن يتعارض خبر القرآن مع الواقع، ‏أو مع التاريخ الماضي، أو مع ما يكتشفه العلم في المستقبل.‏
فنجزم ونقطع بلا تردد -من منطلق إيماننا بالله العظيم- أن ‏كل ما أخبر به القرآن عن الأمم السابقة، من أخبار الأنبياء، ‏وأخبار الأمم والدول، والقصص والأخبار في الواقع، وفي ‏الكون، والفلك، والنجوم، والأرض، والسماء، والأرحام، ‏والنفس البشرية... أنه صدق وحق قطعي لا تردد فيه. ‏
ولذلك يستحيل أن يثبت العلم حقيقة تتناقض مع ما جاء ‏في القرآن، ومن ادَّعى أن هناك حقيقة علمية تناقض القرآن، ‏فهو إما أنه لم يفهم القرآن حق فهمه، فظن أنه يناقض العلم، ‏أو لم يفهم العلم حق فهمه، فظن أنه يناقض القرآن. ‏
أما أن توجد حقيقة علمية تناقض نصًّا قطعيًّا صريحًا، فهذا ‏لا يمكن أن يكون بحال من الأحوال؛ لأن الذي أنزل القرآن ‏هو الذي خلق الأكوان، وأوجد الإنسان، فلا يمكن أن يخبر ‏عن الإنسان أو عن الأكوان إلا فيما هو الحق والواقع. (ألا ‏يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير). ‏
وكذلك ما أخبر به الله عز وجل في القرآن من الأخبار ‏المستقبلة في آخر الدنيا، أو في يوم القيامة، فإنه لابد أن ‏يكون حقًّا لا شك فيه.‏
فأخبار الله تعالى في القرآن صدق لا ريب فيها، وأحكامه ‏في القرآن عدل لا ظلم فيها ؛ ولذلك يقول الله عز وجل: ‏‏(وَتَمَّت كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدقًا وَعَدلاً) [الأنعام:115]، صدقًا في ‏الأخبار: ماضيها، وحاضرها، ومستقبلها، وعدلاً في الأحكام: ‏خاصها وعامها، فرعها وأصلها، فهو الحق المطلق الذي لا شك ‏فيه. ‏

نعمة القرآن:‏
والقرآن هو الميزان والفيصل فيما يشتجر فيه الناس ‏ويختلفون فيه من أمور الدين، وبذلك تُعرف نعمة الله تعالى ‏بحفظ هذا القرآن إلى هذا الزمان، وأنه نعمة كبرى على ‏المسلمين؛ بل على البشرية كلها.‏
وشكر هذه النعمة أن يكون القرآن هو المهيمن على ‏حياتنا: أفرادًا، وأسرًا، ومجتمعات، ودولاً، وأممًا، بحيث ‏يكون القرآن هو المحكَّم في كل أمورنا.‏
وإذا لم نفعل نكون كفرنا هذه النعمة، وعقوبة كفران ‏هذه النعمة عقوبة أليمة، وهي أن يُرفع هذا القرآن من بين ‏أيدينا، فلا يبقى في الأرض منه آية.‏
روى ابن ماجة وغيره بسند صحيح من حديث حذيفة ‏رضي الله عنه أن النبي‏‎ ‎صلى الله عليه وسلم قال: "يدرس ‏الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يُدرى ما صيام، ‏ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليُسرى على كتاب الله ‏عز وجل في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية"(‏ ‏)، فيُنـزع ‏القرآن من المصاحف ومن صدور الرجال؛ لأنه لا يُعمل به، ‏فتعطلت منافعه، فرفعه الله تعالى تكريمًا لكلامه العظيم أن ‏يوضع عند من لا يستعينون به، ولا يستحقونه.‏

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 02:23 PM
الفصل الثاني
عناية الأمة بتفسير القرآن الكريم

‏ نزل القرآن على رسول الله‏‎ ‎صلى الله عليه وسلم ‏فتلقاه عنه أصحابه، ثم تلقاه عنهم المسلمون، وعنوا به عناية ‏كبيرة، وكان من أوجه عنايتهم به عنايتهم بتفسيره. ‏
عناية الصحابة بتفسير القرآن الكريم:‏
كان الصحابة يعنون بتفسير القرآن، حتى كان منهم ‏من اشتهر بذلك(‏ ‏)، فصرفوا حياتهم ووقتهم في فهم معاني ‏القرآن الكريم، ومن هؤلاء:‏
‏- عبد الله بن عباس(‏ ‏) رضي الله عنهما:‏
حبر الأمة، وترجمان القرآن(‏ ‏)، وإمام المفسِّرين، الذي دعا ‏له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "اللهم فقهه في الدين، ‏وعلمه التأويل"(‏ ‏)، وقد ورد عنه في التفسير ما لا يحصى كثرة، ‏وهو أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد الرسول صلى ‏الله عليه وسلم، وكان من قراء الصحابة، وسيد الحفاظ(‏ ‏).‏
‏- عبد الله بن مسعود(‏ ‏) رضي الله عنه: ‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا القرآن من ‏أربعة: من ابن أم عبد -أي عبد الله بن مسعود- فبدأ به، ‏ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفة"(‏ ‏).‏
وقال عبد الله بن مسعود: "والله، لقد أخذت من فيِّ ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعًا وسبعين سورة، والله ‏لقد علم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم ‏بكتاب الله، وما أنا بخيرهم"، قال الراوي: فجلستُ في الحلق ‏أسمع ما يقولون، فما سمعتُ رادًّا يقول غير ذلك(‏ ‏).‏
وقال رضي الله عنه -كما في الرواية الصحيحة عنه-: ‏‏"والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا ‏أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا ‏أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه ‏الإبل لركبت إليه"(‏ ‏).‏
ومن الصحابة رضي الله عنهم من ورد عنه اليسير في ‏تفسير القرآن الكريم، ومن هؤلاء(‏ ‏) عمر وعلي وأبي بن ‏كعب و عبد الله بن عمر(‏ ‏) رضي الله عنهم:‏
روى مالك في الموطّأ أن ابن عمر رضي الله عنه مكث ‏في تعلم سورة البقرة ثماني سنين(‏ ‏)، فلمَّا أتمَّها نحر بَدَنَة ‏شكرًا لله تعالى، وهو لا شك كان يتعلم البقرة ألفاظًا ‏ومعاني، وإلا فصغار الطلبة اليوم في المدارس الابتدائية ‏يحفظون سورة البقرة في أسبوع أو في شهر، حاشا ابن عمر ‏أن يحتاج إلى ثماني سنين في حفظ ألفاظها فحسب؛ بل كان ‏يتفهمها ويتلقاها ألفاظًا ومعاني.‏
عناية التابعين بتفسير القرآن الكريم:‏
وكذلك التابعون تلقوا التفسير عن الصحابة رضي الله ‏عنهم، فكان منهم أئمة في التفسير كمجاهد بن جبر المكي(‏ ‏)، ‏الذي يقول فيه سفيان الثوري: "إذا جاءك التفسير من مجاهد ‏فحسبك به"(‏ ‏)، وليس هذا بغريب؛ فقد تلقى عن ابن عباس، ‏حتى إنه كان يقول: "عرضتُ القرآن على ابن عباس ثلاث ‏عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية"(‏ ‏).‏
وكذلك ممن عرف بالتفسير من التابعين: قتادة(‏ ‏)، ‏وعكرمة(‏ ‏)، والسدي(‏ ‏)، وغيرهم كثير من التابعين وأتباعهم(‏ ‏).‏
المصنَّفات في التفسير:‏
ثم انتهى الأمر إلى الأئمة المصنِّفين، فصنَّفوا مئات -بل ‏ألوف- الكتب في تفسير كتاب الله تعالى بمختلف الفنون، ‏فأهل اللغة صنَّفوا كتبًا في تفسير القرآن من النواحي اللغوية؛ ‏في الإعراب، والبلاغة، والبيان، والبديع، وغيرها(‏ ‏)...‏
وأهل الفقه صنَّفوا كتبًا في معاني آيات الأحكام، ‏وتفسيرها، ودلالاتها، واختلاف العلماء فيها(‏ ‏).‏
وأهل الحديث صنَّفوا كتبًا في جمع الروايات‏‎ ‎التي ‏وردت في تفسير معاني كتاب الله تعالى(‏ ‏).‏
وهكذا أهل كل فن صنَّفوا كتبًا في التفسير، تتناول ‏القرآن من الزاوية‎ ‎التي يحسنونها ويتحدثون فيها، وهذه الكتب ‏لاشك فيها الغث والسمين، والقوي والضعيف، والجيد ‏والرديء؛ بل إن بعض الذين فسَّروا القرآن الكريم، فسروه ‏ليوافق ما لديهم من الأغراض، سواء أكانت حقًّا أم باطلاً.‏
فالمعتزلة -مثلاً- منهم من فسَّر القرآن ليخدم مذهبه ‏الفاسد، كما فعل القاضي عبد الجبار(‏ ‏) في تفسيره(‏ ‏)، ‏وكما فعل الزمخشري(‏ ‏) في كشافه ، حيث جعل القرآن ‏دليلاً لمذهبه في الاعتزال(‏ ‏).‏
وكذلك بعض المتكلمين، فسّروا القرآن ليوافق آراءهم ‏وأصولهم، كما فعل الرازي(‏ ‏) في تفسيره الكبير(‏ ‏)، ‏والماتُريدي، وغيرهم. ‏
ومن الصوفية من يفسِّر القرآن ليخدم مذهبه الصوفي، ‏كتفسير أبي عبد الرحمن السلمي وغيره(‏ ‏). ‏
وبعض الفقهاء فسَّروا آيات الأحكام تفسيرًا يخدم ‏اتجاهاتهم المذهبية، ويؤيد ما اختاروه من الأقوال الفقهية. ‏
ووُجد من أرباب العلوم -خاصة المعاصرين- من يحاول ‏أن يحمِّل القرآن وألفاظه ما لا يحتمل من الدلالة على أنواع ‏العلوم العصرية، كما فعل طنطاوي جوهري في تفسيره ‏المسمّى "بالجواهر"(‏ ‏)، والذي فيه كل شيء إلا التفسير، ‏فهو كتاب في الفلك، والعلوم المادية، والأحياء، والفيزياء، ‏والجيولوجيا، لكن ليس فيه شيء من تفسير القرآن الكريم. ‏
وكما يفعل بعض الذين يتحدَّثون عمّا يُسمى ‏‏"الإعجاز العلمي للقرآن"، فإن منهم من يغلو فيحمِّل ‏ألفاظ القرآن الكريم ومعانيه ما لا تحتمل؛ لتوافق بعض ‏مكتشفات ومخترعات العلم؛ بل بعض النظريات العلمية‎ ‎التي لم تصل بعد إلى حد أن تكون حقيقة قطعية ثابتة.‏

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 02:24 PM
الفصل الثالث
البلاغ النبوي للقرآن الكريم

إن هذا الخلاف في تفسير القرآن الكريم، يوجب على ‏المسلم الحريص على معرفة كلام الله عز وجل أن يعود إلى ‏المصدر الأول والمنبع الصافي، ألا وهو سنة الرسول عليه ‏الصلاة والسلام الصحيحة الثابتة، فهي خير ما يفسِّر ‏كتاب الله تعالى؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أُمِرَ ‏بالبلاغ، قال تعالى: (إِن عَلَيكَ إِلاَّ البَلاغُ) ‏‏[الشورى:48]، وقال: (لا تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ ‏بِهِ.إِنَّ عَلَينَا جَمعَهُ وَقُرآنَهُ.فَإِذَا قَرَأنَاهُ فَاتَّبِع قُرآنَهُ.ثُمَّ ‏إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ) [الإنسان:16]، وقال: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ ‏مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ) ‏‏[المائدة:67].‏
فالرسول عليه الصلاة والسلام مطالب بالبلاغ ‏والبيان، لكن ما هو البلاغ الذي طولب به الرسول صلى ‏الله عليه وسلم؟
إن البلاغ النبوي للقرآن الكريم يشتمل على الأمور الآتية:‏
أولاً: بلاغ الألفاظ:‏
والمقصود به بلاغ النبي صلى الله عليه وسلم لألفاظ ‏القرآن الكريم كما نزلت، وكما بلغه جبريل إياها، دون ‏زيادة أو نقص.‏
يقول الله عز وجل في سورة آل عمران: (لَقَد مَنَّ الله ‏عَلَى المُؤمِنِينَ إِذ بَعَثَ فِيهِم رَسُولاً مِن أَنفُسِهِم يَتلُو عَلَيهِم ‏آيَاتِهِ) [آل عمران:164]، فالبلاغ النبوي لألفاظ القرآن ‏الكريم هو المقصود بقوله تعالى: (يَتلُو عَلَيهِم آيَاتِهِ).‏
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحرص ‏على بلاغ ألفاظ القرآن الكريم، حتى إن ابن عباس رضي ‏الله عنهما يقول -كما في الحديث المتفق عليه-: "كان ‏رسول الله‎ ‎صلى الله عليه وسلم يعالج من التنـزيل شدة، ‏وكان يحرك شفتيه"، "فأنزل الله عز وجل: (لا تُحَرِّك بِهِ ‏لِسَـانَكَ لِتَعجَلَ بِهِ.إِنَّ عَلَينَا جَمعَـهُ وَقُرآنَـهُ) ‏‏[القيامة:16، 17]، قال: جَمعه في صدرك ثم تقرؤه، (فَإِذَا ‏قَرَأنَاهُ فَاتَّبِع قُرآنَهُ) [القيامة:18]، قال: فاستمع له وأنصت، ‏ثم إن علينا أن تقرأه، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم إذا أتاه جبريل عليه السلام استمع، فإذا انطلق ‏جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما أقرأه"(‏ ‏). ‏
وهذا البيان اللفظي جزء من البلاغ الذي أُمر به رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم ‏بلَّغ ألفاظ القرآن الكريم بلاغًا تامًّا، ولم يكتم شيئًا مما أُنزل عليه. ‏
ولو كان الرسول‎ ‎صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا مما ‏أُنزل عليه، لكتم هذه الآية: (وَإِذ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ الله عَلَيهِ ‏وَأَنعَمتَ عَلَيهِ أَمسِك عَلَيكَ زَوجَكَ وَاتَّقِ الله وَتُخفِي فِي ‏نَفسِكَ مَا الله مُبدِيهِ وَتَخشَى النَّاسَ وَالله أَحَقُّ أَن تَخشَاهُ) ‏‏[الأحزاب:37]، فهذه الآية فيها عتاب شديد للرسول صلى ‏الله عليه وسلم، ثم يقوم الرسول صلى الله عليه وسلم ‏فيقرؤها على الناس في الصلاة وفي غيرها وهو المخاطب بها!!‏
أو يكتم هذه الآيات: (عَبَسَ وَتَولَّى.أَن جَاءَهُ الأعمَى. ‏وَمَا يُدرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى.أَو يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكرَى.أَمَّا مَنِ ‏استَغنَى.فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى.وَمَا عَلَيكَ أَلاَّ يَزَّكَّى.وَأَمَّا مَن ‏جَاءَكَ يَسعَى.وَهُوَ يَخشَى.فَأَنتَ عَنهُ تَلَهَّى) [عبس:1-10]، ‏ففيها عتاب شديد للرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يتلو ‏هذه الآيات على الناس كما نزلت عليه!!‏
إن الله تعالى اختار محمدًا صلى الله عليه وسلم على ‏علم على العالمين، قال تعالى: (الله أَعلَمُ حَيثُ يَجعَلُ ‏رِسَالَتَهُ) [الأنعام:124]، اختار رجلاً يعلم أنه لن يكتم ‏شيئًا مما يوحى إليه، فحتى الآيات‎ ‎التي عاتبه ولامه الله فيها ‏على بعض ما صدر منه‏‎ ‎صلى الله عليه وسلم، ينقلها للناس ‏كما ينقل الآيات‎ ‎التي مُدح فيها!.‏
فيقرأ على الناس قول الله جل وعلا له صلى الله عليه ‏وسلم: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4]، ويقرأ عليهم ‏قوله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى ‏الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُم تَرَاهُم رُكَّعًا سُجَّدًا يَبتَغُونَ فَضلاً ‏مِنَ الله وَرِضوَانًا) [الفتح:29]، كما يقرأ الآيات‎ ‎التي فيها ‏اللوم والعتاب، سواء بسواء.‏
إذًا يجزم كل موحِّد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا ‏رسول الله؛ بأن النبي‏‎ ‎صلى الله عليه وسلم قد بلَّغ القرآن ‏الكريم بألفاظه بلاغًا تامًّا لا ريب فيه.‏
ثانيًا: بلاغ المعاني:‏
كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على البلاغ ‏اللفظي للقرآن الكريم، لكنه – صلى الله عليه وسلم – لم ‏يكتف ببلاغ ألفاظه ولكن بلغهم معانيه أيضاً. ‏
إن تبليغه‎ ‎صلى الله عليه وسلم لمعاني كتاب الله تعالى ‏هي بنص كتاب الله تعالى جزء من مهمته في البلاغ، فمن ‏مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم ومسئوليته أن يبلِّغ ‏الناس ألفاظ القرآن ومعانيه.‏
فبعد أن قال تعالى: (لا تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ ‏بِهِ.إِنَّ عَلَينَا جَمعَهُ وَقُرآنَهُ) [القيامة:16، 17]، وهذا هو ‏البلاغ اللفظي كما سبق، قال سبحانه: (ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا ‏بَيَانَهُ) [القيامة:19]، أي: علينا أن نبين لك لفظه ومعناه.‏
وبعد أن قال تعالى: (رَسُولاً مِن أَنفُسِهِم يَتلُو عَلَيهِم ‏آيَاتِهِ) [آل عمران:164]، قال: (وَيُزَكِّيهِم)، والتزكية تعني ‏أن الرسول صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على القرآن ‏الكريم، بحيث يتحوَّل القرآن من مجرد كتاب مكتوب ‏ومقروء إلى واقع حياة عملية، تتحقق على ظهر الأرض. ‏
حتى قال بعضهم: "إن أصحاب الرسول صلى الله عليه ‏وسلم، كان الواحد منهم كأنه قرآن يمشي على الأرض"، ‏وهذا التعبير ليس بعيدًا، فإن عائشة رضي الله عنها لما سئلت ‏عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم، قالت للسائل -كما ‏في مسلم وغيره-: "أتقرأ القرآن؟"، قال: "نعم"، قالت: "فإن ‏خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن"(‏ ‏).‏
فهذا معنى قوله تعالى: (وَيُزَكِّيهِم) أي: يربيهم ويزكيهم ‏بالعقائد الصحيحة، والأخلاق الفاضلة، والسلوك الحسن، ‏ويعدُّهم للدور العالمي الذي ينتظرهم لقيادة البشرية.‏
ثم قال تعالى: (وَيُزَكِّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ)، ‏فما الكتاب؟ وما الحكمة؟ ‏
قال الشافعي: "قال تعالى: (وَاذكُرنَ مَا يُتلَى فِي ‏بُيُوتِكُنَّ مِن آيَاتِ الله وَالحِكمَةِ إِنَّ الله كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) ‏‏[الأحزاب:34]، فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر ‏الحكمة، فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: ‏الحكمة سنة رسول الله"(‏ ‏).‏
إذن إذا تأملنا قول الله تعالى: (رَسُولاً مِن أَنفُسِهِم ‏يَتلُو عَلَيهِم آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ) ‏‏[آل عمران:164]، فإننا نلاحظ أنه في أول الآية قال: (يَتلُو ‏عَلَيهِم آيَاتِهِ)، أي: يقرأ عليهم القرآن ويتلو عليهم ألفاظه، ‏وهو البيان اللفظي للقرآن، فإذا ضبطوا القرآن وحفظوه ‏وأتقنوه، انتقل إلى مرحلة أخرى، وهي: (وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ)، ‏يعني: يفقههم في معاني القرآن، ويعلمهم معاني ما حفظوه ‏وضبطوه، ثم ينتقل إلى مرحلة ثالثة، وهي: (وَيُزَكِّيهِم)، أي: ‏يؤدِّبهم بهذا الكتاب حتى يعملوا به وهي التزكية.‏
ولذلك قال أبو عبد الرحمن الجهني(‏ ‏): حدَّثنا من ‏كان يقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أنهم ‏كانوا يقترئون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ‏آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في ‏هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلمنا العلم والعمل(‏ ‏).‏
فمهمة الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ اللفظي ‏والمعنوي، وقد قام بمهمة البلاغ بشقيها خير قيام، عليه ‏الصلاة والسلام.‏

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 02:25 PM
الفصــــل الــرابع
تفسير الصحابة للقرآن الكريم


إن أصحاب النبي‎ ‎صلى الله عليه وسلم كانوا عربًا، يعرفون ‏بالسليقة معاني الكلام العربي، فبمجرد سماعهم الكلام العربي ‏يفقهونه؛ ولذلك كان الكفار في مكة يعرفون عموم معاني ‏الكلام العربي والقرآن، والله عز وجل يقول عن القرآن: (نَزَلَ ‏بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ.عَلَى قَلبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ.بِلِسَانٍ ‏عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) [الشعراء:193-195]، وقال تعالى: (وَمَا أَرسَلنَا ‏مِن رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَومِهِ) [إبراهيم:4]، ومن هنا فإن العرب ‏‏-حتى الكفار منهم- فهموا القرآن من حيث الجملة؛ ولذلك ‏ردوه حيث خالف أهواءهم.‏
وكانوا أيضًا يفهمون معنى: "لا إله إلا الله"، فلمَّا ‏سمعوا قوله‎ ‎صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس، قولوا ‏لا إله إلا الله"(‏ ‏)، عرفوا أن معناها: لا عبودية إلا لله، فلا ‏معبود بحق إلا الله، ولا أحد يستحق العبادة إلا الله؛ ‏ولذلك رفضوها، وقالوا: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ ‏هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ) [ص:5]. ‏
إن الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قارن ‏بين مسلمي هذا الزمان ومشركي الأولين، فقال: إن ‏الأولين كانوا أعلم بمعنى "لا إله إلا الله" ممن ينسبون إلى ‏الإسلام في هذا الزمان. ‏
فأبو جهل وأبو لهب يفهمون معانيها في اللغة العربية، ‏لكن كثيرًا من المنتسبين إلى الإسلام في هذا العصر ومنذ ‏عصور يقولون: لا إله إلا الله، ولا يفهمون منها حتى المعنى ‏الذي فهمه أبو جهل وأبو لهب. يفهم كثير من المسلمين ‏معنى لا إله إلا الله أي لا خالق إلا الله، لا رازق إلا الله. ‏وهذا جزء من معناها، لكن المعنى الأصلي الذي أنكره ‏المشركون هو إفراد الله في العبادة. ‏
فالصحابة كانوا عربًا أقحاحاً، يفهمون معاني الكلام؛ ‏ولذلك فهموا كثيرًا من القرآن الكريم بمجرد تلاوة ‏الرسول صلى الله عليه وسلم له، كما أن العربي اليوم ‏يفهم بالسليقة من القرآن الكريم أشياء كثيرة لا يحتاج ‏معها إلى الرجوع إلى كتب التفسير.‏
فأنت -مثلاً- إذا سمعتَ كلام الله تعالى عن الجنة، ‏عن النار، عن الرسل، عن القرآن الكريم، عن المواريث... ‏فهمت معناها مباشرة بمجرد سماعها، والصحابة رضي الله ‏عنهم كانوا يفهمون أيضًا وراء ذلك أشياء كثيرة.‏
أسباب اختلاف الصحابة في فهم القرآن الكريم:‏
إن الصحابة الكرام كانوا أكثر الناس فهمًا لكتاب الله ‏عز وجل، ومع ذلك فإنهم كانوا يتفاوتون في فهمهم ‏للقرآن الكريم لأسباب كثيرة؛ ولذلك كانوا يسألون ‏الرسول صلى الله عليه وسلم عن أشياء من القرآن مما ‏يحتاجون إلى بيانه، فيبينه لهم، ومن أسباب اختلافهم - ‏رضي الله عنهم - في فهمهم للكتاب العزيز:‏

أولاً: تفاوتهم في مداركهم وعقولهم:‏
فإن الله تعالى قسَّم بين الخلق أرزاقهم وأخلاقهم ‏وعقولهم؛ فهذا عقله كبير عبقري نابغة، وآخر دون ذلك.‏
‏ وأصحاب النبي‏‎ ‎صلى الله عليه وسلم كانوا يشتركون ‏في قدر من العلم بالقرآن، إلا أن بعضهم كان يفوق بعضًا في ‏ذلك. ‏
وفي الصحيحين أن عليًّا رضي الله عنه سئل: هل عندكم ‏شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ فقال: " والذي فلق الحبة ‏وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهمًا يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما ‏في هذه الصحيفة" -إشارة إلى صحيفة معلَّقة في سيفه-، فقال ‏السائل:"وما في هذه الصحيفة؟"، قال: "العقل -يعني الديات-، ‏وفكاك الأسير، وألا يُقتل مسلم بكافر"(‏ ‏).‏
والشاهد قوله: "إلا فهمًا يعطيه الله رجلاً في القرآن"، إذًا قد ‏يُؤتى أحد الصحابة -أو غيرهم- من الفهم ما لم يؤته غيره.‏
وفي الصحيح أن ابن عباس رضي الله عنهما وضع ‏للنبي صلى الله عليه وسلم طهوره، فقال: "من وضع ‏هذا؟" قالوا: "ابن عباس"، وكان شابًّا دون الحُلُم في ذلك ‏الوقت، فأُعجب النبي صلى الله عليه وسلم بعمله وذكائه ‏وأدبه، فدعا له قائلاً: "اللهم فقِّههُ في الدين، وعلمه ‏التأويل"(‏ ‏)، فكان ابن عباس رضي الله عنهما لا يشق له ‏غبار في فهمه لكتاب الله تعالى، وله في ذلك قصص ‏وأخبار، لعل من أعجبها وأطرفها قصته مع نافع بن ‏الأزرق الخارجي.‏
وذلك أنه سأل ابن عباس عن أشياء كثيرة في كتاب الله ‏عز وجل، وكلَّما أجابه قال: هل تعرف ذلك العرب في ‏كلامها؟ فيقول: نعم، ثم يستشهد ابن عباس بأبيات من أبيات ‏العرب، وهي من محفوظه، وهي عجب من العجب(‏ ‏).‏
ولتفاوتهم في مداركهم تجد الاختلاف بينهم، فقد اختلف ‏الصحابة في معاني آيات كثيرة، وفهم بعضهم من معاني ‏الآيات خلاف ما تدل عليه، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك.‏
ثانيًا: اختلافهم في فهم اللغة العربية:‏
فإنهم وإن كانوا عربًا إلا أنهم متفاوتون في التوسع في ‏فهم اللغة العربية، وألفاظها، ومعانيها. ‏
ولذلك جاء في تفسير الطبري وغيره: أن عمر بن ‏الخطاب قرأ قول الله تعالى: (ثُمَّ شَقَقنَا الأرضَ ‏شَقًّا.فَأَنبَتنَا فِيهَا حَبًّا.وَعِنَبًا وَقَضبًا.وَزَيتُونًا وَنَخلاً. ‏وَحَدَائِقَ غُلبًا.وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) [عبس:26-31]، فقال: ‏‏"قد عرفنا الفاكهة، فما الأبّ؟"، ثم رجع إلى نفسه وقال: ‏‏"والله إن هذا لهو التكَلُّف ياعمر!"(‏ ‏).‏
فما كان يعرف الأبّ، أي نوع من أنواع النباتات هو؟(‏ ‏).‏
وفي رواية: أن أبا بكر رضي الله عنه سئل عن هذه ‏الآية، فقال: "أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إن قلت ‏في كتاب الله تعالى ما لا أعلم؟"(‏ ‏).‏
فكانوا يتفاوتون في فهمهم للغة العربية، كما كانوا ‏يتفاوتون في فهمهم لمراد الله تعالى بالآية. ‏
وهذا عدي بن حاتم رضي الله عنه لمَّا سمع قول الله ‏تعالى: (وَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأبيَضُ ‏مِنَ الخَيطِ الأسوَدِ مِنَ الفَجرِ) [البقرة:187]، فهم أن ‏الخيط هو الحبل المعروف، فلمَّا نام وضع تحت وسادته ‏حبلين: أحدهما أبيض والآخر أسود، فلما قام لكي يتسحر ‏وضع الخيطين بجواره، وصار يأكل وينظر حتى أسفر، ‏وصار يعرف الأبيض من الأسود.‏
فلمَّا أصبح غدا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ‏وأخبره بالخبر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما ‏ذلك سواد الليل وبياض النهار"(‏ ‏) -الخيط الأبيض هو ‏النهار والخيط الأسود هو الليل-، فإذا بان لك النهار -يعني ‏طلع الصبح- فأمسِك. ‏
فهذا من اختلافهم في فهم مراد الله تعالى؛ لأن اللغة ‏العربية تحتمل أن يكون الخيط هو الحبل، ويحتمل أن يكون ‏المقصود هو الليل والنهار، فعديٌّ فهم الأول، فبيَّن له الرسول ‏عليه الصلاة والسلام أن المراد هو المعنى الثاني، ولا شك أن ‏بقية الصحابة لم يفهموا هذا المعنى الذي فهمه عدي؛ ولذلك ‏لم يقعوا في الأمر الذي وقع فيه.‏
ثالثًا: اختلافهم في معرفة التواريخ والأحداث والأخبار ‏والعلوم الأخرى التي يستفاد منها في فهم القرآن الكريم:‏
وفي صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة: أن النبي‎ ‎صلى الله ‏عليه وسلم بعثه إلى نصارى نجران يدعوهم إلى الإسلام ‏ويعلِّمهم، فكان من ضمن ما قرأ عليهم المغيرة بن شعبة سورة ‏مريم: (يَا أُختَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امرَأَ سَوءٍ وَمَا كَانَت ‏أُمُّكِ بَغِيًّا) [مريم:28]، فقال النصارى: "يا مغيرة، كيف ‏يقول: يا أخت هارون، ومريم بينها وبين هارون قرون ‏متطاولة؟!".‏
فتحيَّر المغيرة رضي الله عنه ولم يستطع أن يجيبهم، ‏فجاء للنبي صلى الله عليه وسلم وسأله، فقال له النبي صلى ‏الله عليه وسلم: "كانوا يسمّون بأنبيائهم والصالحين ‏قبلهم"(‏ ‏)، فحلَّ له الإشكال، وبيَّن له أن هارون المذكور ‏في الآية ليس هارون أخا موسى؛ بل هارون آخر سموه ‏عليه؛ لأنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياء؛ ولذلك يكثر ‏مثلاً في اليهود اسم موسى وهارون.‏
ولا شك أن المغيرة لو كان يعلم هذا لما سأل النبي‏‎ ‎صلى الله عليه وسلم عنه، لكن لمَّا سأله النصارى وقع ‏عنده الإشكال، فسأل عنه النبي‏‎ ‎صلى الله عليه وسلم، ‏فأجابه.‏

‏* * *‏

أحمد سعد الدين
16-12-2004, 02:26 PM
الفصـــل الخــامس
أنواع بيان السنة للقرآن الكريم


إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بَيّن في سنته كل ما يحتاج إلى بيانه من القرآن، وهل ‏بيَّنه كله أو بعضه؟
من العلماء من يقول: لم يبين الرسول عليه الصلاة والسلام من القرآن إلا قليلاً كما يقول ‏السيوطي، ويستدلون بحديث مروي عن عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏كان لا يفسِّر شيئًا من القرآن برأيه إلا آيًا بعدد"(‏ ‏)، وهذا الحديث لا يصح، رواه البزار وغيره ‏وهو معلول، في إسناده محمد بن جعفر الزبيري، وهو ضعيف لا يُحتج بحديثه. ‏
ومن العلماء من يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن القرآن كله، ومقصودهم ‏بأنه بيَّن ما يحتاج إلى بيان، فهناك آيات لا تحتاج إلى بيان لأنها بيِّنة بنفسها.‏
يقول ابن عباس رضي الله عنهما -كما ذكر الطبري وغيره-: التفسير أربعة أوجه:‏
وجه تعرفه العرب من كلامها، فإذا قرئ على العرب فإنهم يفهمونه. ‏
وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وذلك كتفسير الآيات في الأحكام والعقائد التي يحتاج ‏الناس إلى معرفتها. ‏
وتفسير تعلمه العلماء، وهي المعاني الخفية التي لايفقهها عامة الناس. ‏
وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى.‏
فهذه أربعة أنواع من التفسير.‏
والخلاصة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بيَّن كل ما يحتاج الناس إلى بيانه من القرآن ‏الكريم في سنته.‏
وبشكل عام فإن السنة النبوية تفسير للقرآن الكريم، وأنواع بيان السنة للقرآن على أربعة ‏أضرب:‏
الأول: بيان القرآن بالقول (بالنص):‏
وذلك بأن يبيِّن الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن بقوله، وهذا كثير جدًّا، حتى صنَّف فيه ‏العلماء مصنفات مستقلة، مثل: تفسير عبد بن حميد(‏ ‏)، وتفسير ابن مردويه(‏ ‏)، وتفسير ابن أبي ‏حاتم(‏ ‏)، وتفسير الطبري(‏ ‏)، وجمع السيوطي من ذلك أشياء طيبة في كتابه: "الدر المنثور في التفسير ‏بالمأثور"(‏ ‏).‏
وكثير من كتب السنة تفرد بابًا خاصًّا بالتفسير، فمثلاً: "جامع الأصول" لابن الأثير(‏ ‏) خصَّص ‏مجلدًا تقريبًا للمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير القرآن في الكتب الستة، وهي: صحيح ‏البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وموطأ مالك، ولم ‏يستقص؛ بل فرَّق بعضها في مواضع أخرى، وهو قريب من مجلد كامل. ‏
إذًا فقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم وفسَّر أشياء كثيرة من القرآن الكريم بقوله ‏ولفظه، ومن أمثلة ذلك:‏
أ- ما جاء في الصحيحين عن كعب بن عجرة في تفسير قوله تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُم ‏مَرِيضًا أَو بِهِ أَذًى مِن رَأسِهِ فَفِديَةٌ مِن صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ) [البقرة:196]، فقوله: ‏‏(مِن صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ) يحتاج إلى تفسير، فهو مجمل، ما الصيام؟ ما مقداره؟ ما ‏الصدقة؟ ما النسك؟ ‏
قال كعب: "كان بي أذى من رأسي فحُملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل ‏يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى، أتجد شاة؟ فقلت: لا، ‏فنـزلت هذه الآية: (فَفِديَةٌ مِن صِيَامٍ أَو صَدَقَةٍ أَو نُسُكٍ)، قال: صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ‏ستة مساكين، نصف صاع طعامًا لكل مسكين"(‏ ‏). فبيَّن عليه الصلاة والسلام تفسير هذه ‏الآية في هذا الحديث. ‏
ب- قوله تعالى: (يَومَ يَأتِي بَعضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفسًا إِيمَانُهَا لَم تَكُن آمَنَت مِن ‏قَبلُ أَو كَسَبَت فِي إِيمَانِهَا خَيرًا) [الأنعام:158].‏
بيَّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك حين تطلع الشمس من مغربها، فقال: "لا ‏تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم ‏أجمعون، فيومئذ (لا يَنفَعُ نَفسًا إِيمَانُهَا لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أَو كَسَبَت فِي إِيمَانِهَا ‏خَيرًا)"(‏ ‏).‏
ج- كذلك ما ورد في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: "سمعت ‏رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ)، ‏ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي"(‏ ‏).‏
ففسَّر القوة بالرمي؛ والمراد الرمي بكل شيء سواء كان بالسهام كما في وقتهم، أو بالمدفعية ‏والطائرات والصواريخ في وقتنا هذا. ‏
د - ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏قال: "ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك"، فقالت عائشة رضي الله عنها: "يا رسول الله، أليس ‏قد قال الله تعالى: (فَأَمَّا مَن أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ.فَسَوفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا)؟" فقال رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم: "إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عُذِّب"(‏ ‏).‏
فبيَّن صلى الله عليه وسلم أن المقصود بالحساب اليسير، هو أن تعرض على العبد أعماله ‏وذنوبه ولا يناقش فيها، وإلاَّ لو نوقش الحساب عُذِّب.‏
هـ - وما جاء في الصحيحين من حديث البراء، في تفسير قوله تعالى: (يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ ‏آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِي الآخِرَةِ).‏
قال صلى الله عليه وسلم: "إذا أُقعد المؤمن في قبره، أُتي، ثم شهد أن لا إله إلا الله، وأن ‏محمدا رسول الله، فذلك قوله: (يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ)"(‏ ‏).‏
وأمثلة ذلك كثيرة جدًّا.‏
الثاني: ما جاء في السنة النبوية استنباطًا واستقراء من القرآن الكريم:‏
أحيانًا تكون المعاني الواردة في النصوص النبوية تفصيلاً لمعاني آيات الكتاب العزيز، وهذا الضرب ‏لطيف، فتأتي إلى معنى جاء في السنة فتستخرج من القرآن ما يدل عليه، وهذا أسلوب لطيف عُني به ‏الحافظ ابن كثير في تفسيره.‏
وبعض طلبة العلم في هذا العصر يحاولون أن يجمعوا كتابًا يشمل كل ما ورد في السنة النبوية ‏مما يعتبر مستخرجًا من القرآن الكريم استنباطًا من النبي‎ ‎صلى الله عليه وسلم، ومن لطيف ذلك:‏
أ - قوله‎ ‎صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح-: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ‏ساجد"(‏ ‏)، ففي القرآن الكريم آية تدل على هذا المعنى، وهي قوله تعالى: (كَلاَّ لا تُطِعهُ ‏وَاسجُد وَاقتَرِب) [العلق:19].‏
ب - أيضًا قوله‎ ‎صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح مسلم-: "إذا دخل الرجل بيته، ‏فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا دخل فلم ‏يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: ‏أدركتم المبيت والعشاء"(‏ ‏).‏
فالآية‎ ‎التي تدل على هذا المعنى هي قوله تعالى: (وَاستَفزِز مَنِ استَطَعتَ مِنهُم بِصَوتِكَ ‏وَأَجلِب عَلَيهِم بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكهُم فِي الأموَالِ وَالأولادِ وَعِدهُم) [الإسراء:64]، فمن ‏مشاركته في الأموال، أن يأكل الشيطان ويشرب وينام معك، إذا لم تذكر الله تعالى. ‏
ج- أيضًا قوله‎ ‎صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ ‏الله بيوتهم وقبورهم نارًا"(‏ ‏)، والحديث نفسه جاء في صحيح مسلم عن ابن مسعود(‏ ‏)، فكأن ‏الحديث تفسير للصلاة الوسطى الواردة في قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ ‏الوُسطَى) [البقرة:238].‏
وفي القرآن الكريم آية تدل على هذا وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَستَأذِنكُمُ ‏الَّذِينَ مَلَكَت أَيمَانُكُم وَالَّذِينَ لَم يَبلُغُوا الحُلُمَ مِنكُم ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبلِ صَلاةِ الفَجرِ ‏وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعدِ صَلاةِ العِشَاءِ) [النور:58].‏
ويمكن أن يستأنس بهذه الآية على أن الرسول صلى الله عليه وسلم فهم أن الصلاة الوسطى هي ‏صلاة العصر من القرآن الكريم، فهذه الآية تدل على أن الأوقات تبتدئ بالفجر وتنتهي بالعشاء… ‏إذًا يكون الوقت الأوسط هو العصر، وقبله الفجر والظهر، وبعده المغرب والعشاء، فقد بدأ الله تعالى ‏بقوله: (قَبلِ صَلاةِ الفَجرِ)، وانتهى بقوله: (وَمِن بَعدِ صَلاةِ العِشَاءِ)، فأول الأوقات هو الفجر ‏وآخرها العشاء.‏
ولذلك كان مسلك بعض الفقهاء وكثير من المحدِّثين في ذكر المواقيت في كتب الفقه، أن ‏يبدأوا بميقات صلاة الفجر، ثم الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء. ‏
د – ومنه أن بني سلمة -وهم حي من الأنصار- أرادوا أن يتحولوا بمنازلهم قرب مسجد ‏رسول الله – صلى الله عليه وسلم، فلمَّا علم بذلك النبى صلى الله عليه وسلم، قال: "يا بني ‏سلمة، دياركم تكتب آثاركم"(‏ ‏)، يعني: الزموا دياركم وابقوا فيها.‏
وكأنه‎ ‎صلى الله عليه وسلم كره أن يخلوا أنحاء المدينة، وأحب أن يكون أهل الخير منتشرين ‏في البلد، ولا يكونون موجودين فقط حول المسجد، وتخلو بقية الأحياء عنهم. ‏
وقد يكون‎ ‎صلى الله عليه وسلم فهم ذلك واستنبطه من قوله تعالى: (إِنَّا نَحنُ نُحيِي ‏المَوتَى وَنَكتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُم) [يس:12]، فمن الآثار‎ ‎التي تُكتب خطى الإنسان إلى ‏المسجد ذهابًا وإيابًا.‏
هـ- أيضًا قوله‎ ‎صلى الله عليه وسلم -: "لا يمس القرآن إلا طاهر"(‏ ‏)، والحديث ‏حسن بمجموع طرقه وله ما يشهد له، والمقصود بالطاهر على الراجح من أقوال أهل العلم ‏الطاهر من الحدثين الأكبر والأصغر.‏
فقد يكون الرسول صلى الله عليه وسلم استنبط ذلك من قوله تعالى: (إِنَّهُ لَقُرآنٌ كَرِيمٌ.فِي ‏كِتَابٍ مَكنُونٍ.لا يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ.تَنزِيلٌ مِن رَبِّ العَالَمِينَ) [الواقعة:77-80]، فقوله: (إِنَّهُ ‏لَقُرآنٌ كَرِيمٌ) كل ما بعده وصف له، فهو (فِي كِتَابٍ مَكنُونٍ)، وهو (لا يَمَسُّهُ إِلاَّ المُطَهَّرُونَ)، ‏وهو (تَنزِيلٌ مِن رَبِّ العَالَمِينَ)؛ ولذلك استدل أهل العلم على تحريم مس المصحف لغير المتوضئ ‏بهذه الآية.‏
الثالث: بيان أسباب نزول القرآن الكريم:‏
ولا شك أن من يعلم سبب نزول القرآن يكون أقدر على فهم الآيات، وربطها بسبب ‏النـزول، ومعرفة على أي وجه أُنزلت، وأضرب على ذلك بعض الأمثلة: ‏
أ- ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن الزهري عن عروة بن الزبير أنه قال: "سألت ‏عائشة رضي الله عنها، فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ الله فَمَن ‏حَجَّ البَيتَ أَوِ اعتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا) [البقرة:158]، فوالله ما على أحـد جناح أن ‏لا يطُوف بالصفا والمروة، قالت: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت كما أوَّلتها عليه، ‏كانت: لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أُنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلُّون لمناة ‏الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المُشَلَّل، فكان من أهلَّ يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا ‏سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بين ‏الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالمَروَةَ مِن شَعَائِرِ الله) الآية. ‏
قالت عائشة رضي الله عنها: وقد سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، ‏فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. ‏
ثم أخبرتُ أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا لعلم ما كنت سمعتُه، ولقد سمعتُ رجالاً من ‏أهل العلم يذكرون: أن الناس -إلا من ذكرت عائشةُ ممن كان يهل بمناة- كانوا يطوفون كلهم ‏بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن، قالوا: يا ‏رسول الله، كنا نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا، فهل علينا من ‏حرج أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) الآية. ‏
قال أبو بكر: فأسمعُ هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما؛ في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا ‏بالجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام، من أجل أن الله ‏تعالى أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا، حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت"(‏ ‏).‏
إذن الآية نزلت لأمرين: الأول: لتقول للأنصار: طوفوا بين الصفا والمروة خلافًا لما كنتم ‏تفعلونه في الجاهلية يوم أن كنتم تُهلُّون لمناة.‏
والثاني: لتقول للمهاجرين ولسائر المسلمين: طوفوا بالصفا والمروة وإن كنتم تطوفون بهما ‏في الجاهلية؛ لأن هذا من شعائر الله، وليس من عادات الجاهلية. ‏
فمعرفة سبب النـزول هاهنا تبيِّن معنى الآية بيانًا شافيًا.‏
ب- قوله تعالى: (لَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَبتَغُوا فَضلاً مِن رَبِّكُم فَإِذَا أَفَضتُم مِن عَرَفَاتٍ ‏فَاذكُرُوا الله عِندَ المَشعَرِ الحَرَامِ) [البقرة:198]، ما هو المقصود بالفضل؟ يحتمل أن يكون هو ‏الذكر، والدعاء، والأجر... والآية شاملة جامعة لهذا كله، لكن من معاني الفضل التجارة في الحج.‏
وقد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز ‏أسواقًا في الجاهلية، فتأثَّموا أن يتَّجروا في المواسم، فنـزلت: (لَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَبتَغُوا ‏فَضلاً مِن رَبِّكُم) في مواسم الحج"(‏ ‏)، أي ليس عليهم جناح أن يذهبوا للحج ويتاجروا فيه، ‏فبيَّن سببُ النـزول معنى الآية.‏
ج- قوله تعالى: (لَمَسجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى مِن أَوَّلِ يَومٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ ‏يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ) [التوبة:108]، ما المقصود بالتطهر؟
ثبت عند أبي داود والترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو ‏حديث صحيح بمجموع طرقه، أن هذه الآية نزلت في أهل قباء، قال: "كانوا يستنجون ‏بالماء"(‏ ‏)، يعني: يستخدمون الماء في الاستنجاء. ‏
وفي رواية عند البزار: "أنهم كانوا يتبعون الحجارة بالماء"(‏ ‏)، وهذه رواية ضعيفة جدًّا. ‏فلم يكونوا يتبعون الحجارة بالماء، يعني يستنجون بالحجارة ثم الماء؛ بل كانوا يستنجون بالماء ‏لا بالحجارة.‏
د- قوله تعالى: (يَومَ يُسحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِم ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ.إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقنَاهُ ‏بِقَدَرٍ) [القمر:48، 49].‏
هذه الآية يستدل بها أهل السنة والجماعة على إثبات القدر، وأن كل شيء بقدر، أي ‏بقضاء من عند الله تعالى، وقد رأيت بعض من ينكر ذلك، يقول: إن معنى الآية خلقناه بقدر، ‏يعني مقدرًا مفصلاً مناسبًا لأوانه وزمانه، ولا مانع بأن يكون هذا جزءًا من معنى الآية، لكن ‏أيضًا بقدر يعني: مكتوب عند الله تعالى.‏
والذي يفصل في هذا ويبيِّن المعنى الصحيح للقدر، ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ‏هريرة قال: "جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر، ‏فنـزلت: (يَومَ يُسحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِم ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ.إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقنَاهُ ‏بِقَدَرٍ)"(‏ ‏).‏
الرابع: بيان القرآن بالفعل:‏
قال بعض الأئمة المهتدين في هذا العصر -لمَّا سئل عن تفسير القرآن-: أعظم كتاب يُفهم ‏منه تفسير القرآن هو سيرة النبي‎ ‎صلى الله عليه وسلم؛ لأن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ‏عبارة عن ترجمة عملية للقرآن الكريم، بأقواله، وأفعاله، وتقريراته عليه الصلاة والسلام. ‏
ولذلك لما سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم، قالت: "فإن خلق نبي ‏الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن"(‏ ‏) ويقول جابر أيضًا في حديثه الطويل في سياق حجة النبي‎ ‎صلى الله عليه وسلم-: "ورسولُ الله‏‎ ‎صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وعليه ينـزل القرآن، وهو ‏يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به"(‏ ‏)، يعني في الحج وغير الحج. ‏
ومن أمثلة أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم‎ ‎التي هي تفسير للقرآن:‏
أ - صلاته عليه الصلاة والسلام، فقد صلَّى وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"(‏ ‏)، فالصلاة ‏كلها داخلة تحت قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) [البقرة:43]، وصلاته تفسير لهذه الآية.‏
ب - حجه عليه الصلاة والسلام، فقد حجَّ وأدى المناسك كلها؛ من الإحرام، والطواف، ‏والسعي، والوقوف، والنحر، وغيرها...، وقال: "خذوا عني مناسككم"(‏ ‏)، فكل أعمال ‏الرسول صلى الله عليه وسلم في الحج داخلة في تفسير قوله تعالى: (وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ) ‏‏[آل عمران:97].‏
ج - وهكذا بيَّن لنا أحكام الصيام بعمله صلى الله عليه وسلم، فكلها داخلة تحت قوله ‏تعالى: (كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ) [البقرة:183].‏
د- وبيَّن لنا مقادير الزكاة، فكلها تفسير لقوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) [البقرة:43].‏
هـ. ومن الأمثلة التفصيلية لذلك:‏
يقول الله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيلِ وَقُرآنَ الفَجرِ إِنَّ قُرآنَ ‏الفَجرِ كَانَ مَشهُودًا) [الإسراء:78]، هذه الآية تحدد مواقيت الصلوات الخمس.‏
وقد أتاه صلى الله عليه وسلم سائل يسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئًا: فأقام ‏الفجر حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا، ثم أمره فأقام بالظهر حين ‏زالت الشمس، والقائل يقول: "قد انتصف النهار" وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام بالعصر ‏والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب ‏الشفق.‏
ثم أخَّر الفجر من الغد، حتى انصرف منها والقائل يقول: "قد طلعت الشمس أو كادت"، ثم أخَّر ‏الظهر حتى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس، ثم أخَّر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول: "قد ‏احمرَّت الشمس"، ثم أخَّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخَّر العشاء حتى كان ثلث الليل ‏الأول، ثم أصبح فدعا السائل، فقال: "الوقت بين هذين"(‏ ‏).‏
و- ومثله أيضًا: قول الله عز وجل عن السعي بين الصفا والمروة في الحـج: (فَلا جُنَاحَ ‏عَلَيهِ أَن يَطَّـوَّفَ بِهِما) [البقرة:185]، وهذا يدل على أنه لا يحرم السعي بين الصفا والمروة ولا ‏يجب أيضًا، لكن لما فعله صلى الله عليه وسلم عُلِم أنه واجب؛ ولذلك قالت عائشة رضي الله ‏عنها -كما سبق-: "ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته، لم يَطُف بين الصفا والمروة"(‏ ‏).‏
فكل أفعاله وأقواله صلى الله عليه وسلم هي بيان للقرآن الكريم؛ ولذلك قال الشافعي رحمه ‏الله: "كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن"(‏ ‏).‏
وبذلك نعلم أن القرآن والسنة متلازمان ، لا يفترقان إلى يوم القيامة، ولا يُستغنى بأحدهما عن ‏الآخر، وأنه لا يمكن أن نفهم القرآن إلا على ضوء السنة.‏
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الفقه في كتابه والعمل به، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، ‏وعلى آله وصحبه وسلم.‏

‏* * *‏