المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نريد الهجرة .. لا الهجران



محمد جاد الزغبي
04-07-2008, 07:57 AM
نريد الهجرة لا الهجران

البعض يفهم الغربة والإغتراب من طريق الخطأ
فليست الغربة ترك أرض تربيت فيها .. ولا إلفا اعتدت عليه .. ولا حتى أهلا تركت لهم قلبك
إنما الغربة أن يولد لك عقل ولا تولد له رسالة ..
أن تعيش طموحا لا يتعدى أنفك .. وتطلب آمالا لا تفيد بها إلا نفسك
إنما الغربة ألا تشعر بالغربة فى زمن كل ما فيه مناقض لعقيدة اعتنقناها .. ودين آمنا به .. وتاريخ حملنا أمانة إحيائه
فلو أنك لم تشعر بالإغتراب فى ظل مجتمعك فلك أن تراجع نفسك بالفعل لتدرك ساعتها أنك بهذا فقط أصبحت غريبا

فالغريب المغترب هو ذلك الذى يشعر بالإلفة فى مجتمعه المعاصر ويشعر بالغربة مع تاريخه الذى لا يعرف عنه شيئا
وأولى الناس بالإغتراب عن مجتمعاتهم وقوانينها هم المفكرون والعلماء حاملى لواء الرسل والأنبياء
وإلى هؤلاء وإلى كل صاحب قلم تم توجيه هذه الرسالة ..
أننا نريدها هجرة .. ولا نريدها هجرانا
هجرة إلى كل مكان بغض النظر عن موقعه لكى تلقي فيه بذور قلمك مؤديا رسالتك .. لأن عهد مواطن الأقلام ولى إلى غير رجعة وأصبح الموطن لكل كاتب هو قلمه وحسب .. وأى إنتماء لغيره أو لغير رسالته ليس من الإنتماء فى شيئ
نريدها هجرة إلى القيمة حيث حلت وعن أى مكان عنه رحلت
فكل كاتب صاحب هدف فى أى مجال يرمى بقلمه إلى إحياء ما كان لهذه الأمة من تاريخ ملزم أن يهاجر بالهجرة .. لا أن يهجر بالهجران
فالهجرة تكون للقيمة .. أما الهجران فيكون عن القيمة
فأيما مكان طغى فيه السواد على البياض حتى أفناه صار محتما تركه وإن عز .. وأصبح لازما هجره وإن كان فيه الأقرباء
ولا أزعم أنه من الممكن فى عالمنا المعاصر أن يوجد مكان كل ما فيه بياض ناصع .. أو نظن وجود مكان كل ما فيه ثقافة وكل من فيه مثقفون .. فالذى يظن هذا واهم حالم لا شك
إنما حديثي عن الأمكنة التى يحارب فيها المثقفون ويكون فيها من اللون الأبيض فقط ثلاثين فى المائة أو حتى عشرين لأن تلك المساحة تستحق المعاناة والكفاح للحفاظ على نسبتها على الأقل
ولكن إن قلت النسبة فوصلت إلى خمسة فى المائة أو أقل فالمحاولة هناك ضياع رسالة قبل أن يكون ضياع جهد
والمنابر التى يكافح فيها المثقفون ومنها على إختلاف أشربتهم تتضاءل كل يوم ويضيق عليهم الخناق كل ساعة ولا حل أمامهم إلا أن تكون سياسة الهجرة طريقهم لإيصال رسالتهم بعيدا عن حروف .. الغرض هو سلاحها الوحيد
والهجرة دونما نظر إلى عواقب أو فقد رفاق .. مهما كانت تلك الصحبة القليلة نادرة وداعية للتمسك بها لا تركها لأن الرفاق إن كانت لهم حقوق فالرسالة لها الحق الأولى
وتلك الأمكنة تتنوع بين دور صحف ودور نشر وأندية ثقافية ومنظمات فكرية ومنتديات كلها تختلف فيما بينها فى درجة الوعى على حسب النسبة التى توجد بها من أهل الجادة .. وكلها تمثل عذابا مقيما لتلك النسبة الضئيلة فى معاركهم مع الأكثرية الغائبة عن الوعى
وكلها شهدت على مر التاريخ هجرة رآها العقلاء واجبة وشهدت هجرانا رآه الطامحون للإصلاح لازما
وبدا واضحا أن العلاء كانوا ولا زالوا على حق
وعندما نتأمل دروس وعبرة الهجرة الكبري فى الإسلام نوقن أنها كانت درسا لمن أتى بعدها ولم تكن حادثا لزمانها وحده
فالرسول عليه الصلاة والسلام ترك مكة وهى أقرب بقاع الأرض لقلبه لكن هذه المعزة لم يكن لها إعتبار عندما يتعلق الأمر بعوائق أمام إتمام الرسالة على أكمل وجه بعد محاولات مريرة لم تفلح عبر ثلاثة عشر عاما من الدعوة
ورغم أن مكة المكرمة ظهر منها المسلمون المعاهدون لربهم إلا أن ظهورهم ووجودهم لم يمنع أن الأكثرية كانت من الغثاء الواجب تركه والحلول ببقعة خصبة فيها من الخير ما يمنح للدعوة طريق الرشاد
ولم تكن المدينة المنورة حال قدوم الرسول عليه الصلاة والسلام مدينة من الملائكة أو المؤمنين وحدهم
بل كانت بها فرق اليهود وبها النعرة القبلية التى أثمرت شلالات الدم بين الأوس والخزرج وبها المنافقون فلماذا كانت الهجرة إليها رغم كل هذا
والسبب أن المساوئ الموجودة هناك كانت قابلة للحل لأن رجالها من أهل الحل والعقد
كانت المدينة فيها من القيمة ما يكفي لمواصلة المقاومة والعناء حتى تستكمل الرسالة رونقها وتثمر بعد جهد
أما مكة فكانت ـ شرفها الله ـ تعج بما لا يفيد معه الإصلاح إلا بالسلاح .. والسلاح يلزم له العدة والعتاد بعيدا عنها أولا
فلو أن كاتب ومصلح ضاقت به بلده أو ضاق به منبره حتى مثل عائقا على ممارسة رسالته قام بالهجرة عن هذا المكان واتخذ لنفسه منبرا أو حتى بلدا أخرى يمارس منها رسالته .. لكان الحال اليوم غير الذى نحن فيه
وعلى مر التاريخ مارس العباقرة الفكرة فكانت الهجرة ..
فعلها الأئمة الأربعة كلٌ فى محنته وفعلها العز بن عبد السلام فجاء إلى مصر من الشام .. وفعلها بن تيمية فجاء من الحرية للسجن ..
ومن التاريخ المعاصر ..
فعلها عمر مكرم عندما أحاط به الحقد فقال كلمته ومضي ولم يثنه عن عزمه رفاقه وأهله الذين تركهم
وفعلها رواد البرلمان المصري الأول عندما تركوا مرضاة الخديو إسماعيل إلى غضبه فأدوا رسالتهم وقبعوا فى مجلسهم دونما أن يلتفتوا لأهليهم وما لاقوه .. وفعلها الأفغانى وتنقل عبر البلاد لا يكل ولا يمل ولم يصعب عليه مغادرة الأهل والولد
وفعلها محمد عبده عندما تآمروا عليه فمنحوه العالمية من الدرجة الثانية بدلا من الأولى فأدى رسالته من خارج الأزهر
وفعلها عبد الله النديم عندما ترك رغد العيش إلى الهروب المستمر رافضا اليأس مهما ضاقت دوائر الأمل ومفضلا ترك الأعزاء على فؤاده فى سبيل الأعز
وفعلها الشعراوى عندما ضاق به الداخل فأدرى رسالته من الخارج ثم عاد فأكملها بالداخل ..
وفعلها العقاد من بيته عندما ازدحم المشهد الخارجى وضاق بأهله
وفعلها محمد حسنين هيكل عندما ترك الأهرام الذى أسس فيه الوعى ونشره وقبع فى منزله ومكتبه راضيا ليبدأ فى ممارسة دوره التوعوى دون مقعد الأهرام بأضعاف ما كان عليه فوقه ولم يثنه عن قراره أن له بالأهرام أساتذة وتلاميذ ورفاق
فخرجت من محرابه عشرات البحوث التى لا تقوى على جمعها أمة من العلماء
واحتمل فى جلد وصبر عتاب المحبين وغضب الأصدقاء ممن رأوا فى موقفه تعنتا ورآه هو رحيلا ضروريا عن مكان .. البقاء فيه معناه رحيله عن نفسه
وما ينادى به أبو اسحق الحوينى هذا العالم الفذ حول مسألة كفالة طلبة العلم والحرص على توفير نفقاتهم لئلا يتركوا رسالتهم تحت ضغوط الحياة .. هو قول محل نظر
لأنه ما من عظيم أدى رسالته فى السابق ولا حتى الحوينى نفسه إنتظر شيئا أو محفزا لكى يقوم بأداء دوره بل قام كل منهم بالحفر فى الصخر حتى يحقق مبتغاه العام من نهضة الفكر لا مبتغاه الخاص فى تحقيق الطموح
ولا زال هناك من يحفر ويواصل ويري ضربات القهر على ظهره مجرد منشطات لعضلاته .. فما أشد حاجتنا لتلك الروح

عبير جلال الدين
04-07-2008, 05:35 PM
فالهجرة تكون للقيمة .. أما الهجران فيكون عن القيمة

حرف جر ، غير الهدف

حقًا .. لا أملك أي بلاغة للرد

محمد جاد

أبدعت والله

.
..
.

سوسنة الكنانة
04-07-2008, 05:51 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هو سؤال وحيد جال بخاطري بعدما قرأتها عدة مرات ..

بأي مداد تكتب؟؟؟


وجزاك الله عنا خيرا

محمد جاد الزغبي
04-07-2008, 06:02 PM
أهلا ومرحبا بك

هو سؤال وحيد جال بخاطري بعدما قرأتها عدة مرات ..

بأي مداد تكتب؟؟؟
هو الإخلاص فقط
نسأل الله الثبات

محمد جاد الزغبي
04-07-2008, 06:07 PM
فالهجرة تكون للقيمة .. أما الهجران فيكون عن القيمة

حرف جر ، غير الهدف

حقًا .. لا أملك أي بلاغة للرد

محمد جاد

أبدعت والله

.
..
.
بارك الله فيك
هو حرف جر أتى لينفي جر الحرف إلى ما لا يليق به
شكرا جزيلا

محمد جاد الزغبي
05-07-2008, 04:22 PM
جاء هذا التعقيب متسائلا عن إحدى النقاط بالموضوع ..
وأنشره مرفقا بالرد عليه لتعلقه بذات القضية


ولي هنا مداخلــه بسيطـه [ تسائل]
وهي
/

لماذا صـار من أبناء جلدتنا من ينتهج التظليل على الحقائق الثابته

كـحقيقة فلسطين وتاريخه ويتفرغو لدراسات عميقه وتحليلات قد تجلب اللبس على الجيل الغير مطلــع من أبنائنا ..؟

هل ثمـة خلل في الأوساط العربيه كـحركات خفيه تعمل لمنظمات أخرى غربيه أو يهوديه ..؟

أم الخلل في التلقى / المناهج التعليميه في الدور العربيه ..؟
كــأساتذتنا ممن تلقو العلم أو الجزء الأكبر منه في الخارج وقد يكون هناك مدرسين أو دكاتره أجانب .. هل هذا سبب ؟؟

أم أين الخلل ..؟
حقـاً أتفاجأ بمثل ماتفضلت من دراسات أو مقالات تطعن في الحقيقه وتشوهها وأخرى تتعدى موضوعك للطعن في التشريعات والثوابت ..


أخي سر سدد الله خطاك وكان معك
:
سؤالك يحتوى على نقطتين لا نقطة واحدة بالموضوع
الأولى
سبب لجوء بعض أهل الإسلام والعروبة للعزف على أوتار الغرب
والثانية
هى التعليم المتدنى الذى أدى باستجابة البعض لهؤلاء وهل للتعليم الفاشل علاقة بخروجح تلك الفئة المناصرة للغرب

ليس صحيحا أن التعليم الفاسد هو سبب خروج هذه الفئة فهى فئة دخيلة ومعروفة التوجه ووجدت فى سائر العصور الإسلامية العملاقة عبر المذاهب الهدامة
فقديما كان العلماء يواجهون الفرق الشاذة من فرق الرافضة والمشبهة والجدليين وأصحاب الكلام ومن بهرتهم فلسفات الغرب فاستكانوا لها
وفى عصرنا الحاضر لم يجد الغرب بعد فشل السلاح والغزو وفشل المستشرقين إلا مد يد العون لهؤلاء الكتاب ممن لديهم البراعة الكافية للتزوير والإختلاق
فهم يعلمون جيدا أن ما يقولون به كذب محض وشبهات كلها مردود عليها من مئات الأعوام وكل ما يقومون به هو اتباع تلك الشبهات فى كتب العلماء ونقلها مع عدم نقل الرد عليها
ونظرا لتفشي الجهل على نحو رهيب وجد هؤلاء الفرصة فى ذلك
غير أنهم لم يهنئوا بها
وذلك بسبب توالد العلماء فى هذه الأمة دوما وخروجهم من بذرة الإضطهاد وسياسة التجويع المتبعة من أولياء أمور سائر البلاد العربية وهى السياسة القائمة على شغل الناس بأقواتها لتنسي أوقاتها وحق أوطانها فيها
غير أن الله قيض للأمة رجالا يأكلون الصفحات ويشربون الأحبار عبر مسيرة التاريخ الطويل منذ ألف أربعمائة عام وحتى اليوم فلم يمت عالم إلا وظهر مثله أو أكثر
وفى ظل عالمنا الحالى نرى الحرب مستعرة فلم يترك المفكرون كبارهم وصغارهم دينهم وأوطانهم نهبا للتغريب بل ردوا على الحجة بالحجة وما فتئوا يواجهون التزييف والإختلاق بأعتى أنواع السخرية وكشف المؤامرات التى لا تتوقف

غير أن هناك ملحوظة قمت بإيضاحها فى الموضوع جديرة بالنظر
فأصحاب الشبهات فى العصور الإسلامية الأولى كانوا قديما من أعداء الفقهاء ولهذا كانوا يهدفون إلى الإستيلاء على مكانتهم وكان هذا الدافع هو دافعهم لمحاولة الطعن والتشكيك
أى أنهم كانوا يسعون لهدف معين من وراء ذلك
والمتغربون من أبناء العرب المعاصرين المشاهير ممن هاجروا للغرب هربا من مواجهات العلماء بعد ظهور عوارهم .. هم كتاب قبضوا ثمن ما يفعلون ..
وكما قلت سابقا لقد أسبغت الدول العربية ولا زالت حمايتها ورعايتها المطلقة إلى درجة الترفيه على كل كاتب شكك فى العقيدة أو حاول
إنما الغريب فى شباب الكتاب الحاليين على الإنترنت والصحف الذين يقولون بما لم يجرؤ على التصريح به عتاة العلمانيين ودعاة التطبيع وكل هذا بلا مقابل نظرا لأنهم أصلا بلا قيمة
فعلام يدفع هؤلاء ثمنا باهظا فى الدنيا والآخرة ودون شراء سلعة محددة اللهم إلا إن حب الظهور عن طريق مبدأ خالف تعرف وفقط !!

وخلاصة القول أن الكتائب العلمانية لم تربح معركتها قط
لأن الشعوب الإسلامية بفطرتها رفضتهم ورغم القهر أعلت شأن المتمسكين بالدين عبر صناديق الإنتخابات فى تركيا ومصر وفلسطين وغيرهارغم كل الظروف العاتية فى مواجهة كل ما هو إسلامى
وهو ما يثير جنون العلمانية العربية
دون أن تدرك أن الأمة لا تمنح أكتافها لا طواعية ولا كرها
فإن كان الأمر طواعية تمنح أكتافها لعلمائها
وإن كان كرها وقفت فى أمكانها لم تساند القوة الحاكمة أو انقلبت عليها
وكما أن للعلمانية محترفون وهواة
فلأهل العلم أيضا عمالقة وتلامذة
فالعلماء الكبار كفوا الأمة حق الدفاع عن ثوابتها أمام دعاة جهنم والتلامذة تكفلوا بالبقية الباقية
والفئتان " العلماء والتلامذة " لا هم لهم إلا التصيد لهؤلاء وعدم منحهم الفرصة لا عبر الصحف ولا عبر القنوات
لأنهم باعوا أنفسهم لهذه الرسالة السامية كما باع غيرهم نفس الرسالة لأجل ذاتيته فقط
هؤلاء هم حرس الحدود الذين تحدث عنهم الإمام أبو اسحق الحوينى بارك الله بعمره ونادى فى المجتمع أن اكفلوا طلبة العلم المتصدين لأصحاب الشبهات لأنهم يدينون الأمة كلها بردودهم على تلك الشبهات الطاعنة فى العقيدة وفى القضايا القومية وفى كل ثابت من ثوابت الحضارة الإسلامية

وهو النداء الذى ربما يبدو فى محله إلا أنه لا يقدم أو يؤخر فعليا لأن المجتمع لا زال رهن التقيد والسلبية وإن كان يستمع جيدا لعلمائه ولا يثق بغيرهم
لكنه يفضل الحصول على الوعى دون جهد
وفى هذا الكفاية والزيادة
لأن من رهنوا أنفسهم لحماية تلك الحدود تعودوا على شبع من نوع آخر وهو شبع الإشباع المعنوى القائم على أمنية غالية تداعب خيالهم جميعا عبر قوله تعالى

[مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا] {الأحزاب:23}