مشاهدة النسخة كاملة : الله يتجلى فى عصر العلم
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 06:51 PM
أطوار التخلق الإنساني
قال تعالى: ( ما لكم لا ترجون لله وقاراً . و قد خلقكم أطواراً) نوح : 13 ـ 14 .
يبين بتارك و تعالى أن تخلق الإنسان إنما يتم على أطوار متتالية ، ثم يشير في سورة المؤمنين إلى أهم هذه الأطوار حيث يقول(و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين . ثم جعلناه نطفة في قرار مكين . ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً ءاخر فتبارك الله أحسن الخالقين ) سورة المؤمنون : 12 15 .
عن الناظر اليوم ، في هذه الآيات البينات و هو يضع في جعبته حقائق القرن العشرين عن علـم الأجنـة Embryology يشعر بان الله تبارك و تعالى إنما خصه هو بهذه الآيات ، و إن كانت قدر نزلت منذ أربعة عشر قرناً من الزمن ، لأنها تخاطبه باللغة التي يتباهى بها اليوم !!.
فهذه الآيات تحوي على إيجازها أهم أطوار تخلق الجنيني في بطن أمه و هي ( النطفة ،و العلقة ،و المضغة ،و مرحلة تخلق الأجهزة ، ثم الخلق الآخر ) هذه الأطوار التي استخدم لها القرآن ألفاظاً لم يستطع العلم الحديث إلا أن يستخدمها ،و بذلك نجد أن الآيات القرآنية قد جاءت إضافة لإعجازها العلمي بإعجاز بلاغي فريد و مدهش . و الآن لنسر مع آيات القرآن في تلك الأطوار التي أشار إليها :
ـ من النطفة إلى العلقة : ( ثم خلقنا النطفة علقةً) المؤمنون : 15 . ما إن يتم التحام النطفة بالبيضة ، حتى تباشر البيضة الملقحة بالانقسام إلى خليتين ، فأربع فثمان ،و هكذا ... دون زيادة في حجم مجموعة هذه الخلايا عن حجم البيضة الملقحة ، و تتم عملية الانقسام ه1ذه و البيضة في طريقها إلى الرحم ، تدفعها حركة أهداب البوق ،و التقلصات العضلية المنتظمة لعضلات جدار البوق . حتى إذا وصلت إلى الرحم كانت كتلة من الخلايا الصغيرة الضلعة ، يطلق عليها اسم التوتة Marula حيث تشبه ثمرة التوتة بتقسيمها الخارجي ، ثم لا تلبث الخلايا السطحية لهذه الكتلة أن تفترق عن الخلايا الداخلية ، و تصبح بشكل خلايا أسطوانية ، و مهمة ه1ه الخلايا تأمين الغذاء و تسمى بالخلايا المغذية ـTrophblast و بذلك يصبح محصول الحمل قابلاً للتعشيش ، فتغرس الخلايا المغذية استطالاتها في مخاطية الرحم ،و تستمر عملية العلوق مدة (24) أربع و عشرين ساعة ، و بذلك تنتهي مرحلة تشكل العلقة . و قد لا يدرك روعة التصوير القرآني لهذه المرحلة بالعلقة إلا من شاهد تلك الكتلة الخلوية و هي عالقة علوقاً ـ وليس التصاقاً ـ بواسطة تلك الاستطالات التي غرستها في مخاطية الرحم ، وما أدرنا هما أن نعرج على هذه الآيات التي تذكر الإنسان بتلك اللحظات التي كان فيها مجموعة خلوية علاقة بجدار رحم الأم ، تستمد منها الدفء و الغذاء و السكن ،فيقول في أول سورة نزلت من القرآن ، و أسماها الحق تبارك و تعالى بالعلق : ( أقرأ باسم ربك الذي خلق الإنسان من علق ) سورة العلق : 1 ـ2 .
ـ من العلقة إلى المضغة : ( فخلقنا العلقة مضغة ) المؤمنون : 15.
بعد عملية العلوق تبدأ مرحلة المضغة في الأسبوع الثالث ، بتشكل اللوحة المضغية ،و ذلك ابتداءً من الخلايا المضغية Embryoblast هي الخلايا التي بقيت بعد انفصال الخلايا المغذية .و اللوحة المضغية هي عبارة عن قرص مؤلف في البدء من وريقتين : خارجية Ectoderm و داخلية Endoderm ، ثم تتشكل بينهما ورقة ثالثة هي الوريقة المتوسطة Mesoderm و حتى نهاية الأسبوع الرابع لا يكون هناك أي تمايز لأي عضو أو جهاز ، و يمكن أن نسمي هذه المرحلة بالمضغة غير المخلقة . ثم يمر الحمل في أدق مراحله و اصعبها ، حيث يطرأ على اللوحة المضغية المؤلفة من الوريقات الثلاثة جملة تغيرات نسيجية هادفة و مدهشة ابتداءً من الأسبوع الخامس ، و تسمى بعملية التمايز ، Defferentiation أو كما أسماها القرآن " التخلق " ، فكل زمرة من خلايا هذه الوريقات تأخذ على عتقها تشكل واحدٍ من أجهزة الجسم أو أعضائه ،و ذلك في إطار من التكامل و التنسيق بين هذه الأجهزة ،و هي تنمو و تتطور ليكون الإنسان في أحسن تقويم و تنتهي عملية التخليق في نهاية الشهر الثالث تقريباً ،و يكون طول الجنين عندها (10) سم ،و يزن حوالي (55) غ . و يمكن تسمية هذه المرحلة بمرحلة المضغة غير المخلقة ،و المرحلة الثانية حيث تم فيها تمييز الأجهزة و أسميناها مرحلة المضغة المخلقة ،و هكذا يتضح جلياً إعجاز القرآن الكريم في وصفه لطور المضغة بقوله ( ثم من مضغة مخلقة و غير مخلقة ) الحج : 5 .
اللغز المحير :
لابد أن يستوقفنا و نحن نتكلم عن عملية التخليق سؤال هام ،و هو : كيف يمكن للخلايا المضغية Embryoblast المتماثلة تماماً في بنائها أن تعطي هذه الوريقات الثلاثة " الداخلية و الخارجية و المتوسطة " المختلفة عن بعضها البعض ؟ ، ثم كيف يمكن للخلايا المتماثلة في كل وريقة على حدة أن تعطي الأجهزة المختلفة في بنائها ووظائفها و خصائصها ؟.. فالوريقة الخارجية مثلاً يتشكل منها : الدماغ ،و الأعصاب ، وبشرة الجلد و لواحقه من الغدة والأشعار و الأغشية المخاطية بالفم والأنف . والوريقة المتوسطة يتشكل منها القلب والأوعية الدموية ،و الدم و العظام و العضلات ،و الكليتين ، و أدمة الجلد ، و قسم من الغدد الصماء . أما الوريقة الداخلية ، فيتشكل منها : مخاطية الجهاز التنفسي ،و الطريق الهضمية ،و الغدة الدرقية ،و الغدة جار الدرقية ،و الكبد و البنكرياس .. و هكذا ، أجل ن كيف تم ذلك ؟ و من الذي دفع هذه الخلايا المتماثلة الضعيفة لتغطي كل هذا من مراكز التفكير و الشعور و الإبداع ؟ .
و كل هذا من مصانع الدم و السكاكر و البروتين ؟ و كل هذا من أجهزة التكيف و الراحة و من وسائل الوقاية و الحماية و الأمن في الجسم ؟ إنه اللغز الذي حير و ما زال يحير كل علماء الدنيا حتى يعلموا أن المبدع و الموجه في هذه الحياة ، هو الله .. و يوم يصلون إلى حل اللغز فسيوقنون أكثر أنه ( هو الله الخالق البارىء المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات و الأرض و هو العزيز الحكيم ) الحشر : 24 .
و يتمالكنا العجب و نحن نرى أن القرآن قد أشار لهذا اللغز ، في آيات تعد منارات هداية على طريق العلم ،و بواعث تدفع للبحث و التحليل باستمرار ، قال تعالى في سورة الحج ( ثم من مضغة مخلقة و غير مخلقة ) ، ثم يؤكد على هذه الناحية حيث يقول في سورة المؤمنون ( فخلقنا المضغة عظاماً ، فكسونا العظام لحما ) .
ذكر القرآن هذه المراحل قبل أكثر من 14 قرناً، وجاء العلم الحديث والطب الحديث في النصف الثاني من القرن العشرين، باستعمال المناظير الداخلية (الأبروسكوب) واستعمال أجهزة (السونار) الصوتية، واكتشف العلماء وعلماء الأجنة أن هذا لمراحل المذكورة في القرآن صحيحة 100%.
حتى أن المؤتمر الخامس للإعجاز العلمي في القرآن والسنة الذي عقد في (موسكو) في عام 95 أقر هذه المراحل كأحسن تصنيف لعلم الأجنة في الطب، وقام الدكتور الأستاذ البروفيسور كيث مور عالم الأجنة الشهير في جامعة (تورنتو) في كندا، وألف كتاباً اسمه.. "علم الأجنة السريري" وفي طبعته الثالثة أدخل هذه المراحل المذكورة في القرآن في كتابه، كل فصل بما يناسبه من هذه المراحل اعترافاً منه بأن هذه المراحل صحيحة وواضحة وصريحة.
ـ ثم أنشأناه خلقاً آخر " طور الجنين "
يمل محصول الحمل نحو الزيادة في الوزن بعد الشهر الثالث ، و تسعى الأجهزة التي تشكلت نحو التكامل ،و حتى أن بعض الأجهزة تبدأ أثناء عملها الحياة الجنينية ، كالقلب و جهاز الهضم ،و يقوم نقي العظم بتكوين عناصر الدم ...
و بشكل عام فإن أهم ما يطرأ على الجنين بعد الشهر الثالث هو : الحركة ، و نبضات القلب ، و استقلاب إفراز المشيمة الغددي ، و النمو المتسارع في حجم الجنين ، و تكامل شكله الخارجي .
أما الحركة ن فتبدأ في آخر الشهر الثالث و ابتداء الرابع حيث تتم عملية اتصال الجهاز العصبي بالأجهزة ، و العضلات ، و تشعر الحامل بحركات جنينها الفاعلة في الشهر الرابع ،أو قبل ذلك في المولودات . أما نبضات القلب فتبدأ بعد بداية الشهر الرابع ، و يمكن سماعها أيضاً ، و تكون واضحة في الشهر الخامس و تذكر الدكتورة فلك الجعفري : " أن أحد الأساتذة المصريين أراد تسجيل أول دقة للقلب و عندما ابتدأ مشعر المسجل بالحركة ، قال : هنا الله ، أي هنا قدرة الله " .
و بالنسبة لأستقلاب المشيمة الغددي ، فهو مباشرتها بإفراز الهرمونات اللازمة لاستمرار الحمل بعد أن أصبحت الكميات التي يفرزها المبيض غير كافية ،و لأن متطلبات الحمل من هذه الهرمونات تصبح أكبر بكثير من كفاءة المبيض .
أما نمو الجنين فيكون سريعاً في هذه المرحلة ، فبعد أم كان وزنه في نهاية الشهر الثالث (55) غ ،و طوله (10) سم ، يصبح وزنه عند تمام الحمل حوالي (3250 ) غ ،و طوله (50) سم ، و خلال هذه الفترة ن يتكامل شكله الخارجي ،فيصبح لون الجلد أحمر ،و تنبسط تجعداته ،و تسقط عنه الأوبار ، و تنفتح الجفون و تتكامل الأظافر ....
بهذا الاستعراض السريع لأهم ميزات هذه المرحلة نجد أن تلك المضغة قد أخذت بعداً آخر ، اكتسبت فيه قدرة على الحركة ، و ابتدأ بها القلب بالنبضان بلا توقف ، و لهذا البعد أشار القرآن بعد عرضه لسلسلة أطوار تخلق البعد الجنين ، حيث قال : ( ثم أنشأناه خلقاً آخر )
و لعل أكثر الناس شعوراً بهذا البعد ليس الطبيب و إنما الأم تحس أن روحاً أخرى تدب في أعماقها ، فتظهر علامات الارتياح على ملامحها ،و تعلو البسمة محياها ، و إذا ما غابت عنها تلك الحركة مدة بسيطة قلقت و تأرقت .
و أبعد من هذا فقد وجد العلماء أن الجنين يبدأ في آخر الحمل بالسماع ، و مما يسترعي سمعه و هو في بطن أمه ، ذلك الصوت الحنون الخالد الذي لا يعرف إلا الحب و الحنان و العطاء ... إنه صوت خفقان القلب الكبير... قلب أمه و هكذا تنشا صلات الحب و المسؤلية بين الأم ووليدها في الوقت الذي تعاني فيه الأم من الوهن و العذاب ما لا يحتمله غيرها ،و لذلك قال تعالى في سورة لقمان : ( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك إلى المصير ) لقمان : 14 .
و بعد أن وقفنا على أطوار خلقنا البديع المدهش ، هل لنا أن نقدر الله حق قدره ؟ هل لنا أن نرجو لله وقاراً؟ .... ( مالكم لا ترجون لله وقاراً . و قد خلقكم أطواراً ) نوح ك 13 ـ 14 .
تشخيص الحمل اليقيني و العدَّةِ :
إن الشعور بحركة الجنين ، وسماع نبضات القلب ن هما العلامتان اليقينيتان لتشخيص الحمل ،و كل العلامات التي تسبقها كانقطاع الطمث ،و أعراض الوحم ، وحتى إيجابية الحمل الحيوي ،لا تعتبر علامات يقينية نستطيع على أساسها القطع بحصول الحمل ،فهناك حالات مرضية ، يمكن أن تعطي نفس الأعراض ، كالرحى العدارية ، و الورم الكوريوني البشري و الحمل الهيستريائي .
و كما لاحظنا أن هاتين العلامتين : شعور الحامل بحركة جنينها ، و سماع الطبيب لدقات قلب الجنين ،يحصلان بعد الشهر الرابع ، و هذا ما بينه القرآن الكريم منذ ألف و أربع مئة عام ، حيث قال تعالى : ( و الذين يتوفون منكم و يذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهرٍ و عشراً ) البقرة : 234 .
إن وجه الإعجاز في هذه الآية الكريمة ظاهر بلا شك ،و هي تقرر ما يسمى بعدة المرأة التي توفى زوجها ، حيث حددت و بالضبط المدة التي يصبح عندها أو بعدها تشخيص الحمل يقيناً .
أما عن الحكمة في هذه العدة فيعلمها الأطباء الشرعيون ،إذ يجب أن يعرف ما إذا كان الحمل من الزوج المتوفى أم لا ، و حتى لا تنسب المرأة حملاً حملته سفاحاً لزوجها المتوفى ، و حتى لا ينكر أهل الزوج المتوفى بنوة الجنين الجديد لأبيه بغية التخلص من ميراثه ،و يتهمون الأم البريئة بان حملها هذا سفاحاً أو من زوجها الجديد .. و إلى هنالك من المشاكل أو المظالم التي قد تقع .
المرجع :
مع الطب في القرآن الكريم تأليف الدكتور عبد الحميد دياب الدكتور أحمد قرقوز مؤسسة علوم القرآن دمشق
ندوة للدكتور محمد جميل الحبال على قناة الجزيرة في برنامج الشريعة و الحياة تاريخ الحلقة الاثنين 12/2/1422هـ الموافق 6/5/2001م
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 06:52 PM
الإيمان بالله و الدلائل العلميـة علـى وجـود الله
الإيمان بوجود الله فطرة في النفس الإنسانية ، وهو أمر ضروري يحصل للإنسان كثمرة من ثمرات مواهبه العقلية1 .
فمن الأمور المتفق عليها أن كل شيء له علة توجده ،أو صانع يصنعه ، فإذا نظر الإنسان إلى الكون و استعرض ما فيه من كائنات حصل له علم ضروري بأن هذه الكائنات لم بوجد صدفة بل لابد لها من موجد أوجدها
البرهان على وجود الله
" اعتقاد الأفراد و النوع الإنساني بأسره في الخالق اعتقاداً اضطرارياً قد نشأ قبل حدوث البراهين الدالة على وجوده ، و مهما صعد الإنسان بذاكرته في تاريخ طفولته فلا يستطيع أن يحدد الساعة التي حدثت فيها عقيدته بالخالق،تلك العقيدة التي نشأت صامتة و صار لها أكبر الأثر في حياته .
فقد حدثت هذه العقيدة في أنفسنا ككل المدركات الرئيسية على غير علم منا.
ولا شك إنها تحت تأثير أغاني الأمومة و الدروس و البحث ، أو بالتغييرات التي تحدثها الأحوال على أرق عواطفنا ... و كل ما يحدث في طفولة الإنسان يحدث نظيره في طفولة الأمم ... فالتاريخ يرينا الناس حاملين عقيدة فطرية على وجود قدرة خالقة للعالم و حاكمة بين الناس بالعدل ، تكافئ على الحسنة و السيئة سواء في هذه الدنيا أو في الحياة المستقبلية "2.
تطور الإنسان القديم في مجال الاعتقاد بالله و انتابته الشكوك في الخالق ، فأرسل الله أنبياء تباعاً لإرشاد الناس إلى الطريق القويم و أيدهم بالمعجزات ، وهي الأفعال التي فاقت مقدور البشر ليستجيب الناس لهم و يصدقوهم بأنهم مرسلون من عند الله ، فيهتدوا بعد الضلال الذي لازمهم
أما العقل البشري البري اليوم فلم تعد المعجزات تؤثر فيه ذلك التأثير الكلي كما كان بالأمس ، بل أصبح العقل و الإقناع هما السبيل الأول للفكر الإنساني المعاصر ، و لهذا كان على (الدين ) أن يبرز أدلة جديدة على وجود الخالق.
وقد كان من المحال على الإسلام ما ادعاه الأب تيري الذي قال :" حرم النبي محمد صراحة أي استعمال للعقل في المشكلة الدينية لأن وجود الله لا يمكن البرهنة عليه و الاجتهاد فيه ، وانطلاق العقل ليس من الواجبات الأساسية في القرآن "3 وهذا القول كما سيتبين لنا ـ فيما بعد ـ لا يمت إلي الحقيقة بصلة .
ومن المدهش أن الدلالة على الخالق ، و الآيات القرآنية التي دعت إلى الإيمان بالله ارتكزت على العقل و الفطرة الإنسانية و جعلنهما سبيل المؤمنين في تدعيم إيمانهم .
وها نحن سنعرض هذه الأدلة ونترك للقارئ أن يحكم بنفسه على مدى قوتها ، و كيف راعى الإسلام تطور العقل البشري الذي توصل إلى الكشف عن كثير من أسرار هذا الكون الذي يشهد بأن هناك خالقاً حكيماً أبدع كل شيء على الصورة وهذه السنن البالغة نهاية الدقة والنظام .
هذا الكون آية على و جود الله
من أعظم الدلائل على وجود الله : خلق الكون ، فالأرض التي نعيش عليها و المجموعة الهائلة من النجوم التي تتراءى لنا تبهر النظر عند التأمل فيها، فتقف النفس أمامها حائرة تسودها الرهبة و يسيطر عليها الإعجاب ، فتزداد إيمانا بعظمة الخالق .
و القرآن الكريم كثرت فيه الآيات التي تدعوا الإنسان بأن يوجه نظره إلى خلق هذا الكون ـ من سمائه و أرضه ـ و تدعوه إلى التفكر في أسراره ليدعم إيمانه ويطرد الشك من نفسه قال الله تعالى ( قل انظروا ماذا في السماوات و الأرض و ما تغني الآيات عن قوم لا يؤمنون ) يونس : 101، و قال تعالى ( أولم ينظروا في ملكوت السماوات و الأرض و ما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون ) الأعراف :185 .
فالقرآن يصرح بأن الإلحاد إذا استمر بعد النظر في هذا الكون و ما فيه من حكم و أسرار تدل على التصميم و على وجود خالق له ، فليست هناك أدلة أقوى من هذه ،كما أنه لن يؤثر في الملحدين أي دليل آخر .
فالمؤمنون هم الذين يستدلون بخلق هذا الكون على وجود الله ، جاء في القرآن : (خلق الله السموات و الأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين ) العنكبوت :44 و جاء أيضاً : (إن ّفي خلق السموات والأرض لآياتٍ للمؤمنين )الجاثية : 3 .
ولكن ما هذا الكون ؟ يقول علماء الفلك :إن الأرض ليست إلا فرداً من أفراد الأسرة الشمسية ، و الأسرة الشمسية ليست إلا فردا من أفراد المجموعة المجرية ، و المجموعة المجرية ليست إلا فرداً من مجموعة المدن النجومية التي في الفضاء ، ثم إن هناك أيضاً نيازك و شهباً و أقماراً و مذنبات
ثم ما هو عدد النجوم في مجرتنا وهي ما يطلق عليه " درب التبانة "و هي التي تنتسب شمسنا و كواكبنا إليها ؟
فإذا نظرنا إلها بالعين المجردة فإن العدد الكلي لهذه النجوم التي تظهر في نصف الكرة الشمالي أو ما يظهر في النصف الجنوبي ـ لا يزيد على ستة آلاف .
ولكن إذا نظرنا إلها خلال المناظير فان الموقف يتغير تغيراً تاماً ، فالعالم الفلكي كابتن يقدر عددها بـ :40000مليون نجم4 و ترتقي في تقدير شايبل5 إلى 100000مليون نجم ، وقدر عدد المجرات بما يزيد على 100مليون مجرة تحتوي على ملايين النجوم المشتعلة .
و ما هي أحجام هذه النجوم بالنسبة للشمس ؟
فالشمس نجم كسائر ما نرى في السماء من نجوم وهي إن تراءت لنا نجماً متوسطاً ، فأصغر النجوم التي اكتشفت للآن نجم (فان مانن) إن زاد قدره عن الأرض فلا يزيد إلا قليلاً ، فمليون من مثل هذا النجم يمكن إن يزج فيه في الشمس ويبقى محل لغيره ، وهناك نجم منكب الجوزاء هو من العظم بحيث يمكن أن يزج فيها بملايين كثيرة من كالشمس في الحجم و زيادة .
ثم ما هي أبعاد هذه النجم عنا ؟
أن المجموعة الشمسية التي تنتسب لها الأرض تكاد تكون منزلة انعزالاً تاماً في الفضاء بالنسبة لما تبعد عنها النجوم الأخرى ، و إليك البيان : الشمس تبعد عنا أقل من 93مليون ميل أي أبعد 400 مرة تقريباً من القمر ، أما إذا احتجنا أن نقيس أبعاد النجوم الأخرى فلا يكفي الألف مليون بل لا بد من مليون المليون ، و لهذا اتخذ علماء الفلك من سرعة الضوء وحدة للقياس وقدّرها العلماء 186000 ميلاً في الثانية .
فأبعد الكواكب السيارة و هو (بلوتوا) الذي ينتسب للمجموعة الشمسية يستغرق الضوء المنبعث منه إلينا ما بين أربع ساعات و خمس مع أن الضوء الآتي من أقرب النجوم يستغرق ما بين أربع سنوات و خمس ، وأقصى ما توصلت المراصد إليه و آلات التصوير الحساسة رؤية مجموعات من النجوم تبعد عنا بمدى ألفي مليون سنة ضوئية .
و مما يلفت النظر أنه قد تبين أن مجموعتنا النجمية تدور ببطء حول محورها المركزي ، و لقد وجد أيضاً إن المجامع النجمية الأخرى في حالة دوران مشابهة6 .
إن هذه البلايين من النجوم الموزعة توزيعاً منتظما ً في هذا الكون وتحركاتها وفق قانون معلوم بحيث لا يصطدم ببعضها لبرهان على وجود الله لا يقف أمامه برهان ، وهذا ما استدل به القرآن :
فلا أقسم7 بمواقع 8النجوم .و إنه لقسم لو تعلمون عظيم الواقعة : 75.
و إن في قوله تعالى : لو تعلمون عظيم لشاهد على أن القرآن وحي إلهي ، فهذا التعبير لم يدرك إلا علماء الفلك حديثاً وذلك بعد اختراع المناظير الضخمة التي أرتهم من عجائب الكون ما كان خافياُ .
يقول انشتاين :" إن ديني يشتمل على الإعجاب المتواضع بتلك الروح العليا غير المحددة و التي تكشف في سرها عن بعض التفصيلات القلية التي تستطيع عقولنا المتواضعة إدراكها وهذا الإيمان القلبي العميق والاعتقاد بوجود قوة حكيمة عليا نستطيع إدراك خلال ذلك الكون الغامض يلهمني فكرتي عن الإله "9.
ويقول الدكتور ماريت ستانلي كونجدن10 : أن جميع ما في الكون يشهد على و جود الله سبحانه و يدل على قدرته ، وعندما نقوم نحن العلماء بتحليل ظواهر هذا الكون ودراستها حتى باستحداثها الطريقة الاستدلالية فاتنا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي الله وعظمته 11.
ألا يحق لنا أمام هذا الكون و ما تكشف لنا حقائقه أن نؤمن إيمانا عن عقل واقتناع لخالقه، و نردد ما جاء في القرآن في تقرير هذه الحقيقة: إن في خلق السموات و الأرض واختلاف الليل و النهار لآيات لألي الألباب
الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً و على جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً آل عمران :190 ، 191.
الليل و النهار آيات على وجود الله
جاء في القرآن الكريم : و من آياته الليل و النهار و الشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون فصلت : 37.
فاختلاف الليل و النهار هو من تأثير دوران الأرض حول نفسها ، و هذا الدوران من الآيات الباهرة التي تدل على وجود الله ، ذلك لما يتراءى للناظر من الدقة في دوراتها بحيث لا تخطئ ثانية من الثواني . إن ساعة من معدن بزن جرامات معدودة تدور فتخطئ في اليوم بضع ثوان و مع ذلك نقول عنها ما أضبطها، فما أمر ساعة و هي هذه الكرة الأرضية جرمها ملايين ملايين الملايين من الأطنان تدور فلا تخطئ في اليوم ثوان و لا أعشار ثوان و لكن بضعة أجزاء من ألف من الثانية وتخطئها لأسباب معلومة محسوبة فما هي بأخطاء .
ودوران لأرض له تأثير عظيم على الحياة على سطح هذه الأرض ، فلولا هذا الدوران المنتظم لفرغت البحار و المحيطات من مائها ، و لو دارت الأرض أتسرع مما تدور لتأثرت المنازل و تفكك ما على الأرض ، ولو دارت الأرض أبطأ مما لهلك من عليها من حر و من برد12.
و القرآن الكريم أشار إلى دوران الأرض بهذه الآية الكريمة و نبه الأنظار إلى دقة دورانها و ترى الجبال تحسبها جامدة و تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء النمل : 88.
صوّر الله في هذه الآية حركة الأرض و يدورانها بمرور الجبال التي هي أبرز ما على الأرض و هذا يستتبع دوران الكرة الأرضية لأن الجبال ملتصقة فيها .
والشمس هي الآية الكبرى على وجود الله و التي سخرها الله لحياة جميع الكائنات الأرضية ، فمن أين تأتي بوقودها ؟
إن كانت تنفق من مخزن في باطنها إذن لانخفضت درجة حرارة الشمس عاماً بعد عام ، و معنى هذا أن عمر الشمس لن يمتد كثيراً ، و لكن إذا نظرنا إلى الماضي البعيد رأينا الشمس أعطت الأرض من الحرارة بمقدار لا يزيد ولا ينقص في الحدود التي يعيش فيها النبات و الحيوان و الإنسان .
لابد إذن من شيء يعطي للشمس من الحرارة ما تفقد منها و يستمر في إمدادها بمقدار معين فيحرق و لا ينقص فيجمد . والقمر الذي سخره الله لنا لحساب الزمن وجعله منيراً في الليل وما يستتبع هذا من فائدة للكائنات الحية ، ألا يدل على وجود إرادة إلهية خالقة
و جود التصميم في الطبيعة
هذه السماء تحميه من بلايين النجوم المشتعلة و الكواكب السيارة التي يحفظها قانون الجاذبية من إن تتصادم أو يرتطم بعضها بكوكب السيارة التي يحفظها قانون الجاذبية من إن تتصادم أو يرتطم بعضها بكوكبنا الأرضي الذي نعيش عليه فتنسفه ، هذه الكرة الأرضية التي نعيش عليها و ما فيها من نبات و حيوان سهول وجبال وبحار كل ذلك يسير منفعة الإنسان إن ذلك من البراهين القوية على وجود قدرة إلهية حكيمة و على بطلان مزاعم الماديين بأن الكون وجد اتفاقاً وصدفة .
يقول العلامة أ.كريسي موريسون " إن استعراض عجائب الطبيعة ليدل دلالة قاطعة على إن هناك تصميماً و قصداً في كل شئ ، و ثمة برنامجاً ينفذ بحذافيره طبقاً لمشيئة الخالة جل و عز "13 و يقول : إن حجم الكرة الأرضية ، و بعدها عن الأرض ، وبعدها عن الشمس ، و درجة حرارة الشمس أشعتها الباعثة للحياة ، و سمك قشرة الأرض و كمية الماء ، و مقدار ثاني أكسيد الكربون ، وحجم النتروجين ، و ظهور الإنسان و بقاء الحياة كل أولاء تدل على خروج النظام من الفوضى وعلى التصميم والقصد 14إت هذا التصميم و القصد هو الذي لفت القرآن إليه الأنظار في آيات كثيرة نذكر منها قوله تعالى : إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل ، و الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ، و ما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها و بث فيها من كل دابة و تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يوقنون البقرة : 164 .
فالأرض كرة معلقة في الفضاء تدور حول نفسها فيكون في ذلك تابع الليل و النهار وبالتالي فإن دوران الأرض له تأثير على تحركات الرياح ، والرياح تنقل بخار الماء من المحيطات إلى مسافات بعيدة داخل القارات حيث يمكن أن يتكاثف ويتحول إلى مطر ، و المطر مصدر الماء العذب ولولاه لأصبحت الأرض جرداء خالية من كل أثر للحياة .
هذا مع العلم ما وضعه الله من العناصر التي يمتصها النبات و يتمثلها و يحولها إلى أنواع مختلفة من الغذاء يفتقر إليها الحيوان .
هذه حقائق علمية عن سر الحياة على هذه لأرض فصلته الآية القرآنية و بينت وجوده التصميم في الطبيعة والعلاقة المنتظمة بين عناصرها كافة و هي دلائل واضحة على وجوده سبحانه وتعالى عن طريق العقل كما هو مطلوب في آخر الآية : إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون .
وجاء في القرآن وصف قدرته سبحانه و تعالى : وهو الذي مد ّّالأرض و جعل فيها رواسي و انهاراً و من كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون الرعد : 3.
فالرواسي في هذه الآية هي الجبال التي يحسبها الجاهل فضلة في الأرض لا حاجة إليها و لكنها ذات فائدة عظيمة إذ ينزل عليها الثلج فيبقي في ثناياها حافظاً لشرت الناس يذوب بالتدريج فتسيل منه الأنهار ، ومن الماء تخرج أصناف متنوعة من الثمرات تتوقف حياتها على اختلاف الليل و النهار بهذا الطول المعروف الآن ، فلو كان نهارنا أطول مما هما الآن عشر مرات لأحرقت شمس الصيف نباتاتنا نهاراً، و لتجمد ليلاً كل نبت في الأرض.
هذه هي الحقائق التي ذكرتها الآية القرآنية و التي تبين وجود التصميم في الطبيعة ووجود إرادة حكيمة وهي إرادة حكيمة و هي إرادة الله سبحانه و تعالى .
و من الدلائل على وجود الله في القرآن : ومن آياته يريكم البرق خوفاً و طمعا ًوينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون الروم : 24.ما هي العلاقة التي تربط بين البرق و نزول المطر إلى الأرض و أحيائها ؟
و هل حياة الأرض ترتكز على الماء فقط ؟ لا ..فهناك عنصر أساسي لنمو النباتات و هو غاز النتروجين الذي بدونه في شكل ما لا يمكن أن ينمو أي نبات من النباتات الغذائية .
و هناك وسيلتان يدخل بهما النتروجين في التربة الزراعية :أحدهما عن طريق عواصف الرعد ، فكلما أومض لرق وحّد قدر قليل من الأوكسجين و النتروجين فيسقطهما المطر إلى الأرض كنتروجين مركب 15، وحين يتحلل النبات يبقى بعض هذا النتروجين المركب في الأرض .
فذكر البرق في القرآن السابقة و التعقيب على ذكره بنزول المطر و أحياء الأرض هي حقائق علمّية أشار إليها القرآن قبل أربعة عشر قرناً، و هي آية كبرى على وجود التصميم في الطبيعة الذي هو من صنع الله تعالى .
الخلايا الحية آية على وجود الله
جاء في القرآن : إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ذلكم الله فأنى تؤفكون16 الأنعام :95 .
و جاء أيضاً : إن الله له ملك السموات و الأرض يحيي يميت .
إذا كان لكل مادة وحدة أساسية هي وحدة تركيبها، فالكائنات الحية ـ من ابسط أنواعها إلى اعقد مخلوقاتها ـ تتكون من وحدات أساسية هي الخلايا.
فالخلايا هي الوحدة المتناهية في الصغر التي تحتوي على مادة الحياة ،و بها القدرة على توزيع هذه الحياة على كل كائن حي كبير أكان أو صغيراً.
و تؤدي كل خلية وظائفها الحيوية العديدة بدرجة من الدقة يتضاءل بجانبها أقصى ما وصل إليه الإنسان من مهارة في صناعة الساعات الدقيقة ،وهي التي يطلق عليها اسم ( البرتوابلازم ) .
يقول الدكتور وليم سيفرتيز في تعريفها : إن المادة الحية المعروفة اسم (البرتوابلازم )هي خليط معقد جداً من الماء و الأملاح والسكريات و الدهون و البر وتينات . وفي هذه المادة الحية غير المتجانسة تحدث تلك العمليات التي تؤلف في مجموعها الحياة .
و تتألف كل النباتات و الحيوانات من البروتولازم . و بروتوبلازم النباتات و الحيوانات واحدة تقريبا ًو لكنه ليس نفس الشيء تماماً. و هذه الفروق أساسية و حيوية ، و إلا لما نمت بيضة الضفدعة فصارت ضفدعة ، و لما نمت بذرة البلوط فاستحالت شجرة بلوط .
وهذه الفروق كلية و لكنها مخيفة عنا عمن ابرز الحقائق في علم الحياة إن كل أنواع ( البروتوبلازم)مهما كان مصدرها خافية تبدو متشابهة إلى حد كبير و تشبه بياض البيضة و فيه نقط دقيقة منتشرة17 .
و يقول رسل شارلز ارتست18 :إنني اعتقد إن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقيد درجة يصعب علينا فهمها، و إن ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرة الله شهادة تقوم على الفكر و المنطق ولذلك فإنني أومن بوجود الله إيمان ًراسخاً.
خلق النبات آية على وجود الله
من الأدلة على وجود الله ما تنبت الأرض من النبات و الحبوب والفواكه ، قال تعالى : و هو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً متراكباً ومن النخل من طلعها قنوان دانية و جنات من أعناب و الزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر و ينعه إن لآيات لقوم يؤمنون الأنعام :99.
تأمل قوله تعالى في هذه الآية : فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً متراكباً أي إن الله يخرج الحبّ من النبات الأخضر و هذا ما أدركه العلم من أن النبات ينتج المواد الغذائية بواسطة خلايا الورقة الخضراء ، إن أحسن معمل لدى الإنسان لا يقارن بنشاط ذلك المعمل الموجد في الورقة الخضراء فتأمل سر تعبير القرآن الدقيق .
و يبن القرآن اختلاف النبات في الطعم رغم اتحاد التربة و الماء : و في الأرض قطعٌ متجاورات وجنّات من أعنابٍ وزرعٌ و نخيل ٌصنوانٌ و غير صنوان يسقى بماء واحد و نفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقومٍ يعقلون الرعد :21 .
و يلفت القرآن النظر إلى اختلاف لون الأرض : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه الزمر :21.
و يجعل القرآن من انقسام أعضاء النبات إلى تذكير و تأنيث من الآيات الدالة على وجود الله ، فبعض النباتات تلقح نفسها بنفسها ،و يعضها يأتيها اللقاح بواسطة الهواء و الحشرات من نبتة أخرى ، و لهذا يقول تعالى أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوجٍ كريم إنّ في ذلك لآية و ما كان أكثرهم مؤمنين الشعراء :7،8.
يتساءل الدكتور لسترجون زمران19 عن كيفية نمو النبات فيقول : لا يكفي أن يكون هنالك ضوء و مواد كيماوية وماء و هواء لكي ينموا النبات ، إن هنالك قوة داخل البدرة تنبثق في الظروف المناسبة فتؤدي إلى قيام كثير من التفاعلات المتشابهة المعقدة و التي تعمل معاً في توافق عجيب . و البذرة التي بدأت من اتحاد خليتين مجهريتين تتألف كل منهما من عدد كبير من العناصر و العمليات ، تكوّن تكون فردا ًجديدا ًيشق طريقه في الحياة و يكون مشابهاً للنبات الذي أنتجه بحيث لا تنتج حبة القمح إلا قمحاً و لا بذرة البلوط إلا شجرة البلوط . ورغم ما بين أنواع النبات من تسابه تجد لكل صفاته و خواصه المميزة .
" وبينما تختلف النباتات الراقية اختلافات فردية بعضها عن بعض ، نجد لها بعض الصفات العامة التي تشترك فيها جميعاً ، فكلها مثلاً تقوم بعملية التمثيل الضوئي الذي ينتج فيه النبات المواد الغذائية من ثاني أكسيد الكربون و الماء في وجود الضوء ،وهنالك التشابه في تركيب البذرة والسيقان والأوراق و الأزهار و ما يؤدي كل منها من الوظائف المتماثلة في النباتات المختلفة .و هناك الاستجابة الموحدة للمؤثرات الخارجية ، فكلها تنتحي نحو الضوء تموت عندما تحرم من الضوء أو الأوكسجين ، إلى غير ذلك من الصفات العديدة التي تشترك فيها جميع النباتات .
فمن الذي قدّر و أوجد تلك القوانين العديدة التي تتحكم في وراثة الصفات و في النبات ؟ وسوف يقودنا هذا السؤال إلى سؤال آخر أشد تعقيداً و أكبر عمقاً ، وهو: منأين جاء النبات الأولى ؟ أو بعبارة أخرى كيف خلق النبات الأولي ؟
و نحن لا نستطيع أن نصل بعقلنا الطبيعي ومنطقنا السليم إلى أن هذه الأشياء قد أنشأت نفسها أو نشأت هكذا بمحض المصادفة ، و لابد لنا من البحث عن خالق مبدع ، ويعتبر التسليم بوجود الخالق أمراً بديهياً تفرضه عقولنا علينا20 .
وحدات الوراثة آية على وجود الله
من المعلوم انه لكي تتكون حياة جديدة لإنسان ما ، لابد من اندماج خليتين متميزتين : أحدهما من الذكر و الأخرى من الأنثى ، وهذه الناحية وجّه الله الأنظار إليها بقوله :قتل الإنسان ما أكفره . من أي شيء خلقه .من نطفة خلقه فقدره . عبس :17 ،19 .
يقول العلامة أ. كرسي مورسون عن وحدات الوراثة الموجودة في نوات خلية كل ذكر وأنثى مستدلاً بذلك على وجود الله : و تبلغ الجنات وحدات الوراثة من الدقة أنها ـ وهي المسئولة عن المخلوقات البشرية جميعاً التي على سطح الأرض من حيث خصائصها الفردية وأحوالها النفسية وألوانها وأجناسها ـ لو جمعت كلها ووضعت في مكان واحد ، لكان حجمها أقل من حجم الكشتبان و الكشتبان الذي يسع الصفات الفردية لبليونين من البشر هو بلا ريب مكان صغير الحجم و مع ذلك فان هذه الحقيقة التي لا جدل فيها ..فهي التي تحبس كل الصفات المتوارثة العادية لجمع من الأسلاف وتحتفظ بنفسية كل فرد منهم في تلك المساحة الضئيلة21 ..
و إن مسألة توارث الصفات اللونية و الجنسية لهي من الأمور التي استدل بها القرآن على وجود الله ـ قال تعالى : و من آياته خلف السماوات و الأرض و اختلاف ألسنتكم و ألوانكم إن في ذلك لآياتٍ للعالمين الروم :22.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 06:54 PM
خلق الإنسان آية على وجود الله
ومن الدلائل على وجود الإنسان . قال الله تعالى : و من آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بسر تنتشرون الروم : 20 . و قال أيضاً :وهو الذي أنشأ لكم السمع و الأبصار و الأفئدة قليلاً ما تشكرون المؤمنون : 78.
ما الدلائل على وجود الله في الأنفس فهي أكثر من أن تحصى ، و كلما اتسع نطاق العلم تضافرت الأدلة على أن لهذا الإنسان البديع الصنع إلها ًحكيماً .
أي ناحية من نواحي الإنسان ليست مثار دهشة و عجب ؟
أليس أطواره في الرحم آية من آيات الله ؟
أليس نظام طعامه وشرابه و تحليل الطعام إلى عناصر مختلفة بموازين يذهب كل عنصر الى حيث يؤدي وظيفته عدا العنصر الذي لا يفيد فيطرد إلى الخارج ،أليس هذا كله آية من آياته؟
أليس نظام توزيع الدم من مكانه الرئيسي وهو القلب إلى جميع أنحاء الجسم بواسطة الشرايين التي لا يحصي عددها إلا الله ، ثم عودته إلى القلب بواسطة الأوردة ،و مرور الهواء الجديد الذي جلبه التنفس ليصلح الدم بعد الفساد فيفيد منه الجسم ، أليس ذلك آية من آياته ؟ دع سمع الإنسان و بصره و نطقه و إحساسه ، بل دع ما يعرض له من تذكر ونسيان و حزن و سرور و علم و جهل و محبة و بغض فإنها آيات كبرى على وجود الله الخالق .
خلق الذكر بجانب الأنثى آية على وجود الله
و من الدلائل على وجود الله خلق الأنثى بجانب الذكر ، قال تعالى : و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون الروم : 21
فوجود الأنثى بجانب الذكر لأجل النسل ، ودوام بقاء الحياة للنوع الإنساني من البراهين القوية على وجود الله و على وجود القصد في هذا الكون ، و هذا يدحض الزعم القائل بقيام الكون على المادة دون سواها .
و قد كتب الأستاذ مونيه بحثاً في مجلة الوسموس الفرنسية أثبت فيه وجود الخالق فقال إذا افترضنا بطريقة تعلوا عن متناول العقل إن الكون خلق اتفاقاً بلا فاعل مريد مختار، و إن الاتفاقات المتكررة توصلت إلى تكوين رجل ، فهل يعقل أن الاتفاقات و المصادفات تكوّن كائنا ًآخر مماثل اًله تماما ًفي الشكل الظاهري و مبايناً له في التركيب الداخلي و هو المرأة بقصد عمارة الأرض بالناس و إدامة النسل فيها ؟ أل يدل هذا على أن في الوجود خالقاً مريداً مختاراً أبدع الكائنات ، وغرز في كل نوع غرائز ، و معه بمواهب يقوم بها أمره و يرقى عليها نوعه 22؟ .
توالد الإنسان و الحيوان آية على وجود الله
و من الدلائل على وجود الله التوالد المستمر في الإنسان و الحيوان ،جاء في القرآن : و الله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً و جعل لكم من أزواجكم بنين وحفدةٍ ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون و بنعمة الله يكفرون النحل :72 .
ويلفت القرآن النظر إلى توالد الإبل : أفلا ينظر إلى الإبل كيف خلقت الغاشية : 17.
يقول العلامة أ. موريسون : إن الحياة ترغم على التناسل ، لكي يبقى النوع ،وهو دافع من القوة إن كل مخلوق يبذل أقصى تضحية في سبيل هذا الغرض ... و هذه القوة الإلزامية لا توجد حيث لا توجد الحياة . فمن أين ينشأ هذه الدوافع القاهرة ؟ولماذا ، بعد أن نشأت ، تستمر ملايين السنين؟ انه قانون الطبيعة الحية .... الذي يأتي من إرادة الخالق23 .
وقد ضرب العالم بالي مثلاً من تأثره في ذلك بساعة يده ، ولفت النظر بأن مثل هذه الأداة تثبت لأداة لأكثر الناس شكاً بساعة أن هناك عملية ذهنية طبقت على الميكانيكا ، ثم قال : إننا لو فرضنا أن هذه الساعة قد منحت القدرة على إيجاد ساعات أخرى فان ذلك لا يكون معجزة توالد الإنسان و الحيوان .
خلق الحيوان و الزواحف و الطير آية على وجود الله
و من الدلائل على وجود الله خلق الحيوان والزواحف . قال تعالى : و الله خلق كل دابة من ماء ، فمنهم من يمشي على بطنه ، و منهم من يمشي على رجلين،و منهم من يمشي على أربع ، يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير النور : 45 .
و الطير من الدلائل على وجود الله . قال تعالى : ألم يروا إلى الطير مسخرات في جوّ السماء ما يمسكهنّّ إلا الله ، إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون النحل : 79.
و الدلائل على وجود الله في الحيوانات و الطير لا تحصى ، و يحتاج تفصيلها إلى مجلدات ، و قد تكفل بذلك علم الحيوان. وقد قرأنا بحثاً للفيلسوف نيوتن يستدل فيه على وجود الخالق يقول فيه : كيف تكونت أجسام الحيوانات بهذه الصناعة البديعة ؟ و لأي المقاصد وضعت أجزاؤها المختلفة ؟ هل يعقل أن تصنع العين المبصرة بدون علم بأصول الأبصار و نواميسه ، و الأذن بدون إلمام بقوانين الصوت؟ كيف يحدث أن حركات الحيوانات تتجدد بإرادتها ؟ ومن أين جاء هذا الإلهام الفطري في نفوس الحيوانات ؟ إلى إن قال: و هذه الكائنات كلها في قيامها على الأشكال و أكملها ألا تدل على وجود إله منزه عن الجسمانية حي حكيم موجود في كل مكان يرى حقيقة كل شيء و يدركه ؟.
الإيمان بالله فطرة في النفس الإنسانية
إن الدراسات الدينية الحديثة كشفت عن أمور كثيرة جديرة بإمعان النظر وهي : أن التدين صفة عامة لجميع البشر قديمهم وحديثهم ، فلم يعثر على أمة لا دين لها .
و قد ذهب الكثير من العلماء إلى أن فكرة الله أو الدين على العموم إنما هي فكرة فطرية وجدت في عقل الإنسان ، و لكن أوجدها فينا موجد أعلى وهو الله سبحانه .
و أبرز العلماء الذين اعتنقوا الفكرة الفطرية هو العلامة الاسكتلندي اندريهلنج ، و تتلخص آراؤه فيها يلي :
أولاً : كل إنسان يحمل في يفيه فكرة العلية و إن هذه الفكرة كافية لتكوين العقيدة : إن ثمة آلهة صانعة و خالقة للكون ، و إن كل إنسان لديه فكرة عن صنع الأشياء ، انه يعتقد في وجود صانع يفعلها ولا يستطيع هو أن يفعلها .
ثانياً: إننا نجد لدى القدماء و المتوحشين الاعتقاد في أب ، في سيد ، في خالق .
ثالثاً : وجد العنصر الديني عند البدائيين في حالة من الطهر و النقاء الكاملين ، ثم تلا هذا ظهر العنصر الأسطوري .
غير أن نظرية لنج هذه بقيت في مجموعها غير مسلم بها حتى ظهور المنهج التاريخي في الأجناس ، و قد وافق هذا المنهج على كثير من النتائج التي انتهى إليها لنج ، و أهم الأبحاث التي تثبت فكرة لنج هي أبحاث الأستاذ ليوبرلد فون شرودر الأستاذ بجامعة فيينا عن الهند الأوربية ، و قد توصل هذا الباحث إلى وجود فكرة الإله الأسمى عند الآليين ،واعتبر أساس الدين عندهم ثلاثة أصول : عبادة الطبيعة ، وعبادة الموتى ، و الاعتقاد في إله أعلى خيّر وخالق ، و لكنه لم يبين أي هؤلاء الثلاثة أقدم في الوجود . وقد ذكر في أحد المواضيع أن الأمر يحتاج إلى مزيد بحث .
وفي ذلك الوقت نشر الدكتور كروبر أبحاثاً معددة عن هنود كليفورنيا ، أثبت فيها إن تلك القبائل هي أقدم القبائل في أمريكا الشمالية ويبدو بوضوح من دراسته انه عثر على إله خير سام . بل إنه جزم بأن هؤلاء الهنود عرفوا الخالق بواسطة موجود سام ، بيده كل القوى وتنسب إليه كل القدر .
و قد أثبت شمت ـ عالم الأجناس ـ أن أقزام أفريقيا و هم أقدم الأجناس البشرية يؤمنون بوجود إله سام ، كما توصل إلى وجود فكرة الوحدانية عند معظم القبائل الزنجية و عند كثير من القبائل الأسترالية الجنوبية الشرقية و القبائل الهندية الأميركية الشمالية .أما عند غير تلك القبائل فقد ظهر إله سام موحد ، ثم تقدمت تلك القبائل و انتقلت إلى أطوار أخرى من الثقافة فساد الفكرة الديني تعقدت و تشابك أنتج فكرة تعدد الإله الواحد . و قد أنتج أيضاً فكرة موجودات عليا بجانب هذا الموجود الواحد الأسمى23 ...
وقد أدعى رينان RENAN أن الساميين موحدون بطبعهم ، وقد أقام رينان نظريته هذه من دراسة للآلهة التي عبدها الساميون ، ومن وجود أصل كلمة ايل في لهجتهم ، فادعى إن الشعوب السامية كانت تتعبد لإله واحد هو ايل في لهجاتهم ، فادعى أن الشعوب السامية كانت تتعبد لإله واحد هو ايل الذي تحرف اسمه بين هذه اللهجات فصار يهو و يهوه و الوهيم عند العبريين و اللات و الله و اله عند العرب و الأصل عند الجميع هو الإله ايل .
و يقول الدكتور بول كليرانس ايوسولد أستاذ الطبيعة الحيوية : و لا شك أن اتجاه الإنسان و تطلعه إلى البحث عن عقل أكبر من عقله و تدبير أحكم من تدبيره و أوسع لكي يستعين به على تفسير هذا الكون بعد في ذاته دليلاً على وجود قوة أكبر و تدبير أعظم ، هي قوة الله و تدبيره .
وقد لا يستطيع الإنسان أن يسلم بوجود الخالق تسليماً على أساس الأدلة العلمية المادية وحدها .
و لكننا يصل إلى الإيمان الكامل بالله عندما نمزج بين الأدلة العلمية و الأدلة الروحية ، أي عندما ندمج معلوماتنا عن هذا الكون المتسع إلى أقصى حدود الاتساع ، المعقد إلى أقصى حدود التعقيد مع إحساسنا الداخلي و الاستجابة إلى النداء العاطفة و الروح الذي ينبعث من أعماق نفوسنا. ولو ذهبنا نحصي الأسباب و الدوافع الداخلية التي تدعو ملايين الأذكياء من البشر إلى الإيمان بالله لوجدناها متنوعة لا يحصيها حصر ولا عد ، و لكمها قوية في دلالتها على وجوده تعالى ، مؤدية إلى الإيمان به 24.
إن من الآيات التي تبهر الألباب في الإسلام انه سبق العلم في هذه الناحية بنحو ثلاثة عشر قرناً قرّر القرآن هذه الحقيقة بقوله :فأقم وجهك للدّين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم و لكنّ أكثر الناس لا يعلمون . منيبين إليه و اتقوه و أقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين الروم 30 ،31 .
فالقرآن يقرر بأن الدين فطرة في الإنسان فطر الله الناس عليها ، و أن أساسه الاعتقاد بخالق الكون ، و انه واحد لا شريك له ، فإذا انفرد المرء بنفسه حكم بأنه مخلوق لإله قادر حكيم و أنعم عليه .لاحظ قوله تعالى حنيفا أي موحداً لله ، ثم انظر كيف ختم الله الآية بقوله : و لكن أكثر الناس لا يعلمون ، وهذا القول حق ، فإنه لا يعلم إن الدين فطرة النفس إلا أفراد ممن وقفوا أنفسهم على الأبحاث العلمية في منشأة الدين وأثره في النفس .
لاجرم إن هذا الأمر معجزة علمية للقرآن و قد زاد النبي هذا المعنى تأكيداً فيما يرويه عن ربه : (كل عبادي خلقت حنفاء فاجتالتهم25 الشياطين عن دينهم و أمروهم أن يشركوا بي غيري ).
و يقول النبي في هذا المعنى أيضاً ( كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) أي كل مولود على ما قرره الإسلام من التوحيد الخالص الذي لا تشوبه شائبة من الإشراك و إنما البيئة و العائلة ـ و فيما الأبوان ـ هما اللتان تحولان فطرته عن الحقيقة التي اطبع عليها نفسه .
و الدعاء الذي يدعو به الإنسان خالقه ـ عند اشتداد المحن ـ يظهر بأن الدين فطرة في الإنسان . يقول الأستاذ ا. كريسي موريسون : إن كون الإنسان في كل مكان ومنذ بدء الخليقة حتى الآن هو أسمى منه و أقوى و أعظم يدل على إن الدين فطري فيه . و يجب أن يقرّ العلم بذلك26 .
و القرآن أعلن هذه الحقيقة في كثير من آياته مثل قوله تعالى : و إذا مسّ الناس ضُرٌّ دعوا ربهم منيبين إليه الروم :33 .
و إذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين لقمان : 32
فالنفس تدرك وجود الله بفطرتها وترجع إليه في الشدائد تستمد منه العون وتطلب منه النجدة .
مما تقدم يتبين لنا إن الدراسات الدينية الحديثة أثبتت ما قرّره القرآن من أن وجود الله فطرة في النفس الإنسانية ، و إذا نظرنا إلى الزمن الذي نزل فيه القرآن رأينا الناس في ذلك الوقت لا يعرفون شيئاً من أسرار الفطرة الدينية ، ألا يدل ذلك على أن القرآن من عند الله و على صدق نبوة محمد صلى الله عليه و سلم ؟.
العـلـم يدعـو إلـى الإيمـان
يظن بعض الناس الذين لم يدركوا من العلم إلا قليلاً إن الكفر من ضروريات العلم و إن أكثر الناس علماً هم أشدهم إلحادا .
والحقيقة أن العلم لا يؤدي بصاحبه إلى الإلحاد في أي عهد من العهود ، فأن العالم المنقب عن الحقائق يجد نفسه في هذا الوجود في عالم لا حدّ له
يسود مجموعه نظام محكم لا تشوبه شائبة من الفوضى ، لا بعد تأمله أن يخر ّساجدا ّللقدرة الإلهية التي أوجدت هذا الكون العظيم .
فقد نشر الدكتور دينرت الالماني بحثاً حلل فيه الآراء الفلسفية لأكابر العلماء الذين اناروا العقول في القرون الأربعة الأخيرة ، و توخى أن يدقق في تعرف عقائدهم فتبين له من دراسة 290منهم
28 منهم لم يصلوا إلى عقيدة ما .
242 أعلنوا على رؤوس الأشهاد الإيمان بالله .
و 20 فقط على انهم غير مبالين بالوجهة الدينية أو ملاحدة .
فإذ اعتبرنا غير المبالين كلهم من الملحدة ، وجدنا أن 92 في المائة من كبار العلماء يعتقدون بوجود الله تعالى .
فهذه النسبة الكبيرة تدل دلالة صريحة على إن التناقض بين الإيمان والعلم الذي يزعم الماديون أنه وصف مميز للعلماء ليس له أصل ، و تشير أيضاً إلى أن الإيمان يتكاملان و لا يتنافيان .
فالدكتور ليون ووتي الذي أخذنا عنه هذا الإحصاء : إن العلامة الكبير باستورو هو أكبر عقل ظهر في القرن الماضي كتب يقول : الإيمان لا يمنع أي ارتقاء كان ،لأن كل ترق يبين ويسجل الارتساق البادي في مخلوقات الله، و لو كانت علمت أكثر مما أعلم اليوم ، لكان إيماني بالله أشد و أعمق مما هو عليه الآن ثم عقب هذا بقوله : إن العلم الصحيح لا يمكن أن يكون مادياً و لكنه على خلاف ذلك يؤدي إلى زيادة العلم بالله ،لأنه يدل بواسطة تحليل الكون على مهارة و تبصرّ، وكمال عقل الحكمة التي خلقت الناموس المدبّرة للوجود ، كمالاً لا حدَّ له .أما الدكتور وتز الكيميائي و عضو أكاديمية العلوم وعميد كلية الطب الباريزية يقول :إذا أحسستُ في حِينٍ من الأحيان أن عقيدتي بالله قد تزعزعت وجهت وجهي إلى أكاديمية العلوم لتثبيتها .
و قال الفلكي الكبير فأي العضو بأكاديمية العلوم في مؤلفه أصل العلوم :من الخطأ أن يؤدي إلى الكفر ، ولا إلى المادية ،و لا يفضي إلى التشكيك .
و قال العلامة و المؤرخ الطبيعي فابر : كل عهد له أهواء جنونية. فإني اعتبر الكفر بالله من الأهواء الجنونية و هو مرض العهد الحالي،وأيسر عندي أن ينزعوا جلدي من أن ينزعوا مني العقيدة بالله .
هذه آراء بعض أقطاب الطبيعي اخترناها من كثير مما ذكره ليون ووتي 27 .
و قد سُئل الدكتور أندروكونواي ايفي28 من أحد رجال الأعمال هذا السؤال :سمعت إن معظم المشتغلين بالعلوم ملحدون .فهل هذا صحيح؟ .
فأجابه قائلاً :
إنني لا أعتقد أن هذا القول صحيح . بل إنني ـ على نقيض ذلك ـ وجدت في قراءتي و مناقشاتي أن معظم من اشتغلوا في ميدان العلوم من العباقرة لم يكونوا ملحدين ، و لكن الناس أساءوا نقل أحاديثهم أو أساءوا فهمهم ثم استطرد قائلاً :إن الإلحاد ،أو الإلحاد المادي ، يتعارض مع الطريقة التي لا يمكن أن توجد آلة دون صانع .وهو يستخدم العقل على أساس الحقائق المعروفة و يدخل إلى معمله يحدوه الأمل و يمتلىء قلبه بالإيمان ،و معظم رجال العلوم يقومون بأعمالهم حباً في المعرفة وفي الناس وفي الله .و نقل عن الدكتورالبرت ماكوت ومشتر قوله :
... إن اشتغالي بالعلوم قد دعم إيماني بالله حتى صار أشد قوة وامتن أساسا ًمما كان عليه من قبل . ليس من شك أن العلوم تزيد الإنسان تبصرا بقدرة الله وجلاله ،و كلما اكتشف الإنسان جديداً في دائرة بحثه و دراسته ازداد أيمانا بالله .وننقل عن اللورد كلفن* قوله إذا فكرت تفكيرا عميقا فإن العلوم سوف تضطرك إلى الاعتقاد في وجود الله29 .
ويقول العالم المشهور أيشتين :إن الإيمان هو أقوى و أنبل نتائج البحوث العلمية 30.
و نختم هذه الأقوال بما قاله الفيلسوف الإنجليزي فرا نسس بيكون :إن قليلاً من الفلسفة يقرب الإنسان من الإلحاد .أما التعمق في الفلسفة فيرده إلى الدين .
فترى من أقوال هؤلاء العلماء أن العلوم هي سبب إيمانهم بالله تعالى .
و مما يسجّل للقرآن أنه سبق أن قرّر هذه الحقيقة منذ ثلاثة عشر قرناً ،وفقد حصر خشية اله على وجهها الأكمل في العلماء . قال الله تعالى :
إنما يخشى الله من عباده العُلماء فاطر:28 .
لأن العلماء بما أُوتوا من صفات النظر العميق و التحقيق الدقيق يقفون على أسرار الإبداع الإلهي في الوجود ونواحي الإعجازية فيه مما لا يظهر لعيرهم .
كما أن القرآن اعتد بشهادة العلماء ،قال الله تعالى :
شهد الله أنه لا إله إلا هو و الملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط آل عمران
فجعل الله شهادة العلماء بوجوده وروحانيته في درجة شهادة الملائكة و هم من لا يتطرق إليهم العلماء بوجوده ووحدانيته في درجة شهادة الملائكة و هم من لا يتطرق إليهم الش ، و في هذا ما فيه من الاعتداد بآراء أهل العلم.
فالعلم أقام ـ في كتاب الكون ـ البرهان على وجود الله ،والقرآن سبق إلى الأدلة جاء بها العلم، فاتحد البرهان على وجود الله برهان القرآن الكريم ،و برهان كتاب الكون .
منـاقـشـة المـاديّيـن
الماديون لا يعتقدون أن للوجود خالقاً بل يقولون بأن كل ما في الوجود أزلي صادر عن المادة ، و النواميس الطبيعية نشأت على سبيل الصدف و الاتفاق و بلغت من الكمال و الارتقاء عن طريق التطورات المتعاقبة ،و قد سرت تعاليم المادة إلى بعض الناس فألحدوا فتصدى كثير من العلماء للرد على هؤلاء و بيان فساد مزاعم ، و إليك بعضاً من أقوالهم :
بطلان نظرية المصادفة
يقول الدكتور ارفنج وليم31 : إنني اعتقد في وجود سبحانه لأني لا أستطيع أن أتتصور أن المصادفة وحدها تستطيع أن تفسير لنا ظهور الإلكترونات و البروتونات الأول ، أو الذرات الأولى ، أو الأحماض الأمينية الأولى ، أو البروتوبلازم الأول ، أو البذرة الأولى ، أو العقل الأول ، إنني اعتقد في وجود الله ، لأن وجود القدس هو القدس هو التفسير المنطقي الوحيد لكل ما يحيط بنا من ظواهر هذا الكون التي نشاهدها32 .
و يقول الدكتور وأين اولت33 : أما النظريات التي ترمي إلى تفسير الكون تفسيراً آلياً فإنها تعجز عن تفسير كيف بدأ الكون ، ثن ترجع ما حدث من الظواهر التالية للنشأة الأولى إلى محض المصادفة ، فالمصادفة هنا فكرة يستعاض بها عن فكرة وجود الله بقصد إكمال الصورة و البعد بها عن التشويه و لكن حتى بغض النزر عن الاعتبارات الدينية عامة ،نجد أن فكرة وجود الله أقرب إلى العقل و المنطق من فكرة الصدفة و لا شك بل إن ذلك النظام البديع الذي يسود الكون يدل دلالة حتمية على وجود إله منظم و ليس على وجود مصادفة عمياء تخبط خبط عشواء34 .
و يتساءل العلامة أ.كريسي مورسون35 عن سر الحياة و هل من صنع المادة :إن المتفق علبه عموماً هو أنه لا البيئة وحدها و لا المادة كانت موائمة للحياة و لا أي اتفاق في الظروف الكيميائية و الطبيعية قد تخلقه المصادفة يمكنها أن تأتي بالحياة إلي الوجود ، و يقول : فالحياة هي المصدر الوحيد للوعي و الشعور ، و هي وحدها التي ندرك صنع الله ، و يبهرنا جماله، و إن كانت أعيينا لا تزال فوقها غشاوة36 .
فنظرية المصادفة لا تقوم على دليل علمي مقبول ، و لا يقبلها أي عقل سليم ،و لهذا نرى القرآن يخاطب هؤلاء المتشككين بأسلوب إقناعي يبين فيه إن الكون لابد من مسبب و هو الله سبحانه .
أفي الله شك فاطر السموات و الأرض إبراهيم : 10 .
أي أفي وجود الله و ألوهيته وحده شك ؟ و هو خالق السموات و الأرض .
و يلفت القرآن إلى الحكمة المتمثلة في خلق المخلوقات و التي تدل على خالق في نهاية العلم و الحكمة : صنع الله الذي أتقن كل شيء ، و جاء في القرآن في وصف الله الذي أحسن كل شيء خلقه السجدة :7.فالمصادفة لا تخلق وجوداً فيه علم و حكمة و إتقان صنع .
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 06:55 PM
للـكـون بـدايــة
ويرد الدكتور ادورد لوثر كسيل37 على الماديين الذين قالوا بأزلية الكون فيقول : فالعلوم تثبت بكل ّوضوح إن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً فهناك انتقال حراري مستمر من الأجسام الحراري مستمر من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة ،و لا يمكن أن يحدث العكس بقوة ذاتية بحيث تعود الحرارة فترتد من الأجسام الباردة إلى الأجسام الحارة . و معنى ذلك أن الكون يتجه إلى درجة تتساوى فيها حرارة جميع الأجسام ، و ينصت فيها معين الطاقة .
و يومئذ لن تكون هناك عمليات كيماوية ، أو و لن يكون هناك أثر للحياة نفيها في هذا الكون .
و لما كانت الحياة لا تزال العمليات الكمياوية و الطبيعة تسير في طريقها ، فإننا نستطيع أن نستنتج أن هذا هذا الكون لا يمكن أن يكون أزلياً ، و إلا لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد و توقف كل نشاط في الوجد ، و هذا توصلت العلوم ـ دون قصد ـ إلى أن لهذا الكون بداية . و هي بذلك مبدىء ، أو من محرك أول ، أو من خالق ، و هو الإله38
و إذا نظرنا إلى القرآن الكريم نراه يصرّح بأن للكون بداية ، و أن ذلك من صنع الله في قوله تعالى :
أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده العنكبوت : 19.
و يصرح القرآن بأن الكون صائر إلى نهاية ، و هو يوم القيامة ، و فيه تنعدم الطاقة و يخبو نور الشمس : إذا الشمس كورت و إذا النجوم انكدرت التكوير : 1، 2 . و بعد ذلك يعيد الله الخلق بصورة أخرى .
التطـور مـن آيـات الله
يقول الدكتور جورج ايرل دافيز39 : إن التكور الذي تكشف عنه العلوم في هذا الكون ، هو ذاته شاهد على وجود الله فمن جزئيات بسيطة ليس لها صورة معينة وليس بينها فراغ نشأت ملايين من الكواكب و النجوم و العوالم المختلفة لها صور معينة و أعمار محدّدة تخضع لقوانين ثابتة يعجز العقل البشري عن الإحاطة بمدى إبداعها . و قد حملت كل ذرة من ذرات هذا الكون بل كل ما دون الذرّة ـ مما لا يدركه حسّ و لا يتصور صغر عقل ـ قوانينها و سنناها و ما ينبغي لها أن تقوم به أو تخضع له40 .
هذه أدلة كافية ، و لكن هناك ما هو أشد إعجازا أو أكثر دلالة على وجود الله ،فمن تلك الجزيئات البسطة لم تنشأ النجوم و الكواكب فحسب وبل نشأ كذلك أنواع متطورة من الأحياء بل كائنات تستطيع أن تفكر و تبتكر و تصنع أشياء جميلة ، بل هي تبحث عن أسرار الحياة و الوجود .إن كل ذرّة من ذرات هذا الكون تشهد بوجود الله ، و إنها تدل على وجوده حتى دون حاجة إلى الاستدلال بأن الأشياء المادية تعجز عن خلق نفسها .
و يقول الدكتور ادوارد لوثركيل :
" الانتخاب الطبيعي هو أحد العوامل الميكانيكية للتطور ، كما أن التطور هو أحد عوامل عملية الخلق ، فالتطور إذن ليس إلا أحد السنن الكونية أو القوانين الطبيعية و هو الخلق كسائر القوانين العلمية الأخرى يقوم بدور ثانوي ، لأنه هو ذاته يحتاج إلى من يبدعه . و لا شك في أنه من خلق الله وصنعه .و الكائنات التي بطريق عملية الانتخاب الطبيعية قد خلقها الله أيضا كما خلق القوتين التي تخضع لها ، فالانتخاب الطبيعي ذاته لا يستطيع أن يخلق شيء ، و كل ما يفعله هو انه إحدى الطرق التي تسلكها بعض الكائنات في سبيل البقاء أو الزوال عن طريق الحياة و التكاثر بين الأنواع المختلفة .أما الأنواع ذاتها التي يتم فيها القوانين الوراثة و ظواهرها ، و هذه القوانين الوراثية وظواهرها ، و هذه القوانين لا تسير على هدى و لا تخضع للمصادفة للعمياء كما يتوهم الماديون أو يريدوننا أن نعتقد "41 .
أما نظرية على التطور فان القرآن يصرح بأنها من خلق الله سبحانه : و يخلق ما لا تعلمون .
و الانتخاب الطبيعي وفق قوانين و نواميس وضعها الله لهذه الحياة ، قال تعالى : فأما الزبد يحصل وفق قوانين و نواميس وضعها الله لهذه الحياة ، قال تعالى : فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ينفع الناس فيمكث في الأرض الرعد : 17.
المصدر :
هذا البحث هو فصل من كتاب روح الدّين الإسلامي
تأليف عفيف عبد الفتاح طبارة ط : دار العلم للملايين .
--------------------------------------------------------------------------------
1 من مراجع هذا البحث كتاب ( الله يتجلى في عصر العلم ) تأليف جون كلوفر مونسما ترجمة الدكتور الدمرداش عبد المجيد سرحان . و كتاب (الإنسان لا يقوم وحده )تأليف كريسي مورسون الرئيس السابق لأكاديمية العلوم بنيويورك ترجمة الأستاذ محمد صالح الفلكي الذي أطلق على الترجمة اسم ( العلم يدعوا إلى الإيمان ) .
2 نقلاً عن دائرة معارف وجدي التي نقلت هذا القول عن كتاب ( التذكرة في تاريخ البرهان على وجود الخالق ) تأليف بوشيت ) .
3 عن محاضرات في الفلسفة الإسلامية و (الثقافة الفرنسية )
4 عن كتاب ( الشمس ) تأليف جورج جاموا الأستاذ بجامعة واشنطن .
5 من علماء مرصد هارفرد .
6 عن كتاب ( الشمس ) جورج جامو.
7 لا أقسم بمواقع النجوم : لا ، زائدة للتوكيد ، و المعنى أقسم بمواقع النجوم ، و قد أقسم الله في القرآن بكثير من مخلوقاته دلالة على أهمية الشيء المقسم به و التي تدل على وجوده سبحانه .
8 مواقع : جاء في تفسير الألوسي نقلا عن قتادة إن المواقع مقصود بها منازل و مجاري النجوم .
9 عن كتاب (العالم اينشتين ) تأليف لنكولن بارنت ترجمة محمد عاطف البرقوقي ص 116.
10 عضوا الجمعية الأمريكية الطبيعية .
11 عن كتاب (الله يتجلى في عصر العلم) ص 22.
12 عن كتاب ( مع الله في السماء ) للدكتور أحمد زكي .
13 نقلاً عن كتاب (الإنسان لا يقوم وحده ) ص 186 من الترجمة العربية
14 نفس المصدر ص 193.
15 يقدر أحد خبراء الصواعق الدكتور كارل ماكرون إنتاج الصواعق من النتروجين بـ 100مليون طن في أي ما يوازي عشر أضعاف ما تنتجه معامل الأسمدة في العالم .
16 تؤفكون : تصرفون عن عبادته .
17 عن كتاب (العلم يزحف ) تأليف جيمس ستوكلي ترجمة محمد الشحات .
18 أستاذ في جامعة فرنكفورت بألمانيا و عضوا الأكاديمية العلمية بانديانا نقلا عن كتاب الله يتجلى في عصر العلم ص 79من الترجمة العربية .
19 أستاذ الزراعة و الرياضيات بكلية جوش ، و عضوا الجمعية العلمية لدراسة التربة بأمريكا .
20 من كتاب الله في عصر العلم ص 124 .
21 عن كتاب الإنسان لا يقوم وحده ص 137 الترجمة العربية .
22نقلاً عن دائرة معارف وجدي ( مادة اله ) .
23 نقلاً عن كتاب الإنسان لا يقوم وحده ص 146.
23 اقتبسنا هذه النصوص من كتاب نشأة الدين تأليف الأستاذ علي سامي النشارة ابتداء من صفحة 181 .
24 عن كتاب الله يتجلى في عصر العلم ص 8.
25 اجتالتهم : إدارتهم .
26 عن كتاب الإنسان يتجلى في عصر العلم ص 290 .
27 ترجم هذه النصوص الأستاذ محمد فريدة وجدي و نشرها في مجلة الأزهر مجلد 19.
28 من العلماء البارزين ذوي الشهرة العالمية ، يشغل حاليا ًوظيفة أستاذ قسم الفسيولوجيا و رئس قسم العلوم بكلية الطب بجامعة شيكاغو.
* من علماء الطبيعة البارزين في العالم.
29 عن كتاب الله يتجلى في عصر العلم ص 152.
30 عن كتاب العالم و اينشتين .
31 أستاذ العلوم الطبيعية في جامعة ميشيغان ،و اختصاصي في وراثة النبات و دراسة شكلها الظاهري .
32 عن كتاب الله يتجلى في عصر العلم ص56.
33 عضو الجمعية الجيولوجية الأمريكية .
34 عن كتاب الله يتجلى في عصر العلم ص 133 134 .
35 الرئيس الأسبق لأكاديمية العلوم في نيويورك.
36 عن كتاب الله يتجلى في عصر العلم ص 96.
37 أستاذ علم الأحياء ، و رئيس قسم بجامعة سان فرانسيسكوا .
38 عن كتاب الله يتجلى في عصر العلم ص29.
39 أخصائي ي الإشعاع الشمسي و البصريات الهندسية و الطبيعية .
40 عن كتاب الله يتجلى في عصر العلم ص43.
41 عن كتاب الله يتجلى في عصر العلم ص 31.
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 06:57 PM
الخلايا الحية تؤدي رسالتها
كتبه
رسل تشارلز آرنست
ـ إخصائي في علم الأحياء و النبات
ـ حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة منيسوتا
ـ أستاذ في جامعة فرانكفورت بألمانيا
ـ عضو الأكاديمية العلمية بانديانا
ـ مؤلف لكثير من البحوث البيولوجية .
تهيئ دراسة الخلايا الحية لنا خبرة عجيبة ، فإذا فحصت طرف وريقة صغيرة من وريقات العشب المائي الذي يسمى " الإيلوديا" تحت العدسة الكبرى للمجهر ، فسوف تلاحظ مظهراً من أكثر مظاهر الحياة انتظاماً و أروعها جمالاً .
فلكل خلية من خلاياها تركيب رائع .
و يبلغ سمك الورقة عند طرفها طبقتين من الخلايا . و تستطيع أن تحرك قصبة المجهر رافعاً و خفضاً حتى نرى كل خلية من خلايا هاتين الطبقتين على حدة ، و تدرك أنها وحدة قائمة بذاتها ، كما يلوح أن كل خلية من هذه الخلايا الطبقيتين على حدة ، و تدرك أنها وحدة قائمة بذاتها ، كما يلوح أن كل خلية من هذه الخلايا تستطيع أن تؤدي جميع وظائف الحياة مستقلة عن غيرها من الخلايا الأخرى المشابهة لها . و يفصل الخلايا بعضها عن بعض جداران ثابتة متماسكة . و تتكون الورقة من آلاف من هذه الخلايا المتراكمة التي تبدوا كأنها بنيان مرصوص .
أما النواة فترى بصعوبة على صورة جسم رمادي باهت تبرز فيه الفجوة العصارية التي تشغل مركز الخلية . و يحيط بالنواة شريط من الحشوة ( السيتوبلازم ) الذي يحيط بالفجوة . و يفصل الحشوة ( السيتوبلازم ) عن الجدار الخارجي للخلية غشاء رقيق ، لا نستطيع أن نراه تحت الظروف المعتادة بسبب ضغط الفجوة العصارية عليه و التصاقه بالجدار. أما فحصت الخلايا بعد أن تغمر الورقة فترة من الزمن في محلول مركز من ملح الطعام ، فإنه يسهل مشاهدة هذا الغشاء ، لأن انغمار الورقة في محلول الملح بسبب فقدانها لعض الماء الذي بفجوتها العصارية ، مما يترتب عليه انكماش محتويات الخلية وابتعاد الغشاء عن الجدار . و عندئذ يقال للخلية إنها تبلزمت .
و في الخلية حركة . وهي حركة لا يمكن أن ينبىء عنها ما يبدوا على ظاهر الورقة من السكون . ففي داخل شريط الحشوة ( السيتوبلازم ) الرقيق الذي أشرنا إليه ، أجسام دقيقة خضر تسمى البلاستيدات الخضر ، و هي لا تسبح في الحشوة ( السيتوبلازم ) أو تندفع داخله كما تندفع الحيوانات المجهرية الصغيرة داخل الماء , و إنما تتهادي كما تتهادى السفن الصغيرة يجرفها تيار الماء في بحر خضم .إنه الجبلة ( البروتوبلازم ) ذو التركيب المائي و الحيوي الفياض ، هو الذي يتحرك . و هذا البروتوبلازم هو مركز الحركة و الحياة في جميع الكائنات الحية .و تعتبر حركة الجبلة ( البروتولازم) في خلايا نبات " الإيلوديا " مظهراً من مظاهر الحياة . أما القوة أو القوى التي تجعل هذه الجبلة (البرتوبلازم ) يتحرك و التي ينشأ عنها هذا التيار المستمر فهي مالا تعرفه معرفة اليقين و مالا نستطيع أن نفسره في حدود معرفتنا الخالية تفسيراً صحيحاً . و لكننا نشاهد هذه الحركة البروتوبلازمية هنا و هنالك في عالم الأحياء من حيوان و نبات و تعرف هذه الظاهرة " تدفق الحشوة (السيتوبلازم ) و تعرف في نبات الإيلوديا بالذات بدوران الحشوة ( السيتوبلازم ) بسبب ما يشاهد من حركة البلاستيدات الخضر داخل خلاياها حركة دائرية مستمرة .
و إذا وضعت قطرة من ماء مزرعة حيوانات أولية تشتمل على الأميبيا فوق شريحة زجاجية دافئة ، ثم فحصتها بالمجهر ، فإنك تستطيع أن تشاهد ان الجبلة (البروتوبلازم ) يتحرك حركة عجيبة ، فالأميبيا لا تسبح في الماء و لا تطفو على سطح قطرة الماء أو تندفع في جوفها و لكنها تتحرك كما لو كانت تنسكب أو تسيل . أما جسم الأميبا فهو كتلة عارية من البروتولازم يتحرك حركة عجيبة ، فالأميبيا لا تسبح في الماء و لا تطفو على سطح قطرة الماء او تنطفع في جوفها و لكنها تتحرك كما لو كانت تنسكب أو تسيل .أما الأميبيا فهو كتلة عارية من البروتوبلازم وهو يختلف عن الخلية النباتية فأنه لا يحيط به من الخارج جدار صلب ، بل مجرد غشاء رقيق يحدد جسمه . كلما تحركت الجبلة (البروتوبلازم ) في اتجاه من الاتجاهات ، أطاعه ذلك الغشاء و تحرك معه في نفس الاتجاه . و بذلك يتغير شكل الحيوان و تتكون له زوائد لا تلبث أن يتغير شكلها بعد قليل . و بهذه الطريقة يتحرك الحيوان وتتكون له زوائد لا تشبه الأقدام ، و التي تسمى بسبب ذلك " الأقدام الكاذبة " .
و من الممكن استخدام القوة المكبرة العظمى لمشاهدة الحشوة (السيتوبلازم ) عند اندفاعه في الأقدام الكاذبة ،و لكي نشاهد أن جسم الحيوان يتكون من طبقتين من الجِبلة (البروتوبلازم ) يختلفان في كثافتيهما . أما إحداهما فهي كتلة شفافة مائية دائمة الحركة ، و أما الأخرى فهي كتلة هلامية نصف صلبة تحيط بالطبقتين السابقة إحاطة تامة ، و يعتقد بعض العلماء ان الاختلاف في كثافة هاتين الطبقتين هو الذي يساعد على حدوث الحركة . فالطبقة الخارجية تضغط على الداخلية فتجعليها تندفع في اتجاه معين مكونة تلك الأقدام الكاذبة . و يعتقد آخرون أنه يمكن تفسير الحركة على أساس نظرية التوتر السطحي ، وهي نظرية يدرسها طلاب الجامعات عند بداية دراستهم للأحياء ،و مع ذلك فإننا لا نستطيع ان نبين لهم أسبابها . و حتى إذا سلمنا بالتفسير الأول لحركة الأميبيا فينبغي أن نعترف بأننا لا نعرف شيئاً عن عمليات التحول الغذائي التي تسببها هي الأخرى .
هذان طرازان من الخلايا يختلفان عن بعضهما اختلافاً كثيراً ، أحدهما من نبات أخضر و الآخر فرد حيواني ، و كل منهما يتكون من خلية بسيطة . و تعرف الأمبيا بين علماء الحيوان بأنها أبسط الحيوانات تركيباً . و الواقع أن حركة الجبلة البورتوبلازم فيها تعتبر أبسط أنواع الحركة في المملكة الحيوانية . أما الإيلوديا فبرغم أنها نبات زهري بسيط ، فإن خلاياها غير متخصصة أو متنوعة كما هو الشأن في كثير من النباتات الأخرى ، فهي على التحقيق خلايا بسيطة . و مع ذلك فإن كل خلية من هذه الخلايا ، إنما هي جهاز معقد ، يقوم بطريقته الخاصة بجميع الوظائف المعقدة الضرورية للحياة ، و منها الحركة و منها الحركة التي شاهدنا أحد مظاهرها . و تؤدي كل خلية من الخلايا وظائفها الحيوية العديدة بدرجة من الدقة يتضاءل بجانبها أقصى ما وصل إليه الإنسان من دقة في صناعة الساعات الدقيقة . و بمناسبة الحديث عن الساعات فقد توصل الإنسان إلى صناعة ساعات بالغة الدقة و الروعة ، يستطيع بعضها أن يمتلىء بطرقة آلية عند ما يحرك الإنسان يده التي تحمل الساعة . و لا يمكن أن يتصور العقل البشري أن آلة دقيقة كالساعة قد وجدت بمحض المصادفة ، دون الاستعانة بالعقل المفكر و اليد الماهرة ، أو أن تلك الساعة الأوتومايكية التي تدور من تلقاء نفسها قد صنعت نفسها أو أخذت تتحرك دون ان يبدأ أحد في تحريكها فإنه يستحيل علينا أن نفسر كل ذلك ما لم نسلم ، عن طرق العقل و المنطق ، أو وراء كل ذلك عقلاً و تدبيراً . هذا العقل و هذا التدبير و تلك القوة التي تعجز عنها المادة العاجزة عن التفكسر و التدبير ليست إلا من مظاهر قوة الله و حكمته و تدبيره .
حقيقة أن هنالك بعض القوى و المؤثرات الخارجية الموجودة في البيئة و التي تؤثر في حركة الجبلة داخل الخلايا ، فبعض الباحثين يشير إلى درجة الحرارة ، و ربما الضوء أو الضغط الأسموزي ، أو غير ذلك من المؤثرات التي تؤثر فعلاً في حركة البروتوبلازم دائبة لا تنقطع ، حتى عندما يزول أثر جميع هذه المؤثرات . و معنى ذلك أن جانباً على الأقل من أسباب هذه الظاهرة يرجع إلى الجبلة ذاتها . فمن المحال إذن أن نفسر ظواهر الحياة على أنها مجرد استجابات لبعض المؤثرات الخارجية .
و بهذه المناسبة نحن نعلم أنه عندما نشطر خلية حية إلى نصفين بطريقة التشريح الدقيق بحيث تكون النواة في أحد القسمين دون الآخر ، فإن القسم الخالي من النواة يموت بعد قليل . و قد أخفقت جميع الجهود التي بذلت للاحتفاظ بها حياً . و على ذلك فإن النواة هي التي تنظم العمليات الحيوية في الخلية و تسيطر عليها ،فإذا زال هذا الإشراف توقفت الحياة . و هكذا نرى أن خالق هذا الكون و منظمه يعتبر ضرورياً لخلق الخلية و الإنسان ، بل لخلق العقول المفكرة التي تبحث عن الحقيقة وعن السبب الأول .
و انا لا أريد أن أقول هنا إنني أومن بالله بسبب عجزي في الوقت الحاضر عن إدراك سبب ظاهر الحركة في البروتوبلازم أو غيرها من الظواهر ، و أنا أعلم أن كثيراً من الناس يستخدمون هذا الأسلوب من أساليب المنطق و يقولون إذا كانت العلوم عاجزة عن التفسير فلابد من التسليم بوجود الله ، ولكنني أرفض هذا المنطق رفضاً باتاً و أقول إنه حتى عندما نكتشف الحقائق و يزول عنا ذلك الغموض يوماً من الأيام و نصير قادرين على فهم الخلية الحية بصورة أفضل ، فإننا لا نفعل أكثر من أن نتبع و نتدبر ما صنعه و دبره خالق و مدبر أكبر ،و هو الذي جعل هذا البروتوبلازم يتحرك في بادىء الأمر وهو الذي يجعله يتحرك و يؤدي كل وظائفه .
لقد وضعت نظريات عديدة ، لكي تفسر لنا كيف نشأت الحياة من عالم الجمادات ، فذهب بعض الباحثين إلى ان الحياة قد نشأت من البورتوجين أو من الفيروس أو من تجمع بعض الجزيئات البروتينية الكبيرة .و قد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء و عالم الجمادات . و لكن الواقع الذي ينبغي أن نسلم به هو أن جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية ، قد باءت بخذلان و فشل ذريعين .
و مع ذلك فإن من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع على أن مجرد تجمع بعض الذرات و الجزيئات عن طرق المصادفة ، يمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها و توجيهها بالصورة التي شاهدناها في الخلايا الحية . و للشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة ، فهذا شأنه وحده . ولكنه إذ يفعل ذلك فإنما يسلم بأمر أشد إعجاز وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود الله الذي خلق هذه الأشياء ودبرها .
إنني أعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقيد درجة يصعب علينا فهمها ،وا، ملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته شاهدة تقوم على الفكر و المنطق ،و لذلك فإنني أومن بوجود الله إيماناً راسخاً .
المصدر :
عن كتاب "الله يتجلى في عصر العلم .."
جمعها : جون كلوفر مونسما
ترجمة الدكتور الدمرداش عبد المجيد سرحان
الناشر مؤسسة الحلبي و شركاه للنشر و التوزيع القاهرة
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 06:58 PM
الكون تحت سيطرة مركزية
كتبها
اريل تشتر ريكس
ـ عالم الرياضيات و الفيزياء
حاصل على درجة الماجستير من جامعة واشنطن
ـ محاضر بجامعة جنوب كاليفورنيا سابقاً
ـ أستاذ مساعد الطبيعة في كلية جورج ببردين
ـ عضو الجمعية الرياضية الأمريكية.
كثيراً ما تكون الأفكار و المعتقدات الشائعة خاطئة مضللة ، فهنالك اعتقاد شائع بأن العلوم تشبه عجوزاً متحدثاً لديه عن كل سؤال جواب . و الواقع أن العلوم تشبه شاباً كثير الأسئلة و التفكير و البحث ، يحاول أن يسجل ملاحظات منظمة عن كل شيء ، و لا يقنع بما وصل إليه من النتائج في البحث عن الحقيقة .
و من المعتقدات كذلك أن العلوم تتبع طريقاً مستقيماً في الاستدلال و التفكير ، و الواقع إن العلوم تشبه نبات العنب المتسلق الذي يحاول دائماً أن يمتد إلى أعلى و لكنه لا يستطيع أن يسلك طريقاً مستقيماً ، فيلتف و يدور حول الأشياء . و على ذلك فإن الطريق الذي تسلكه العلوم و الاتجاه الذي يسير فيه لابد أن يكون مراناً قابلاً للتعديل و التغير كلما دعت إلى ذلك الظروف .
أم الدراسات الرياضية ،و أنا من المشتغلين بها ، فإنها تشبه شعاعاً من الضوء يضيء السبيل أمام العلوم ،و لكن اتجاه هذا الشعاع لابد أن يتغير دائماً لكي يسير في نفس الاتجاه الذي تسلكه العلوم . فمن المتفق عليه في الطريقة العلمية عند المفاضلة بين فرضية أو نظرية المبدأ للمفاضلة بين الفرضين اللذين يقول أحدهما بأن الأرض مركز هذا الكون و يقول الآخر بان الشمس هي مركز المجموعة الشمسية .و قد فضل هذا الفرض الأخير على الأول بسبب ما يترتب على الأخذ بالفرض الأول من تعقيدات و صعوبات .
و برغم ما للعلوم من قيود و حدود ، فلنظرياتها و نتائجها فوائد لا تحصى ، و كذلك الحال بالنسبة لموقف العلوم من كشف أسرار هذا الكون و الدلالة على خالقها. فدراسة الظواهر الكونية دراسة بعيدة عن التحيز و تتسم بالعدل و الإنصاف قد أقنعتني بأن لهذا الكون إلهاً ، و أنه هو الذي يسيطر عليه و يوجهه ،أي إن هنالك سيطرة مركزية هي سيطرة الله تعالى و قوته التي توجه هذا الكون .
و هنالك من الأدلة ما يوضح أن بعض الظواهر التي تبدوا متباعدة ، تقوم على أساس مشترك من التفسير ، و يتوضح ذلك من قوانين كولمب عن تجاذب الشحنات و تنافرها .
فقد اتضح لي أن هذه القوانين تشبه إلى حد كبير قوانين التجاذب و التنافر بين قطبين مغناطيسيين ، بل إنها تتشابه إلى حد كبير مع قوانيين نيوتن عن الجاذبية العامة .
ففي كل حالة من الحالات الثلاثة السابقة ، تتناسب القوة تناسباً طردياً مع حاصل ضرب الشحنتين أو قوة القطبين المغناطيسيين أو الكتلتين ، كما أنها تتناسب عكسياً مع مربع المسافة .
حقيقة هنالك بعض الفروق ، فمن ذلك مثلاً أنه بينما تسير الموجات الكهرومغناطيسية ، بسرعة الضوء ، فإن التجاذب الأرضي ينتقل بسرعة لا نهائية ، و لكن هذه الفروق تشير إلى الاختلافات في طبيعة الأشياء و تدفعنا نحو دراسة الموضوع بصورة أشمل .
و هنالك ظواهر عديدة تدل على وحدة الغرض في هذا الكون و تشير إلى ان نشأته و السيطرة عليه لابد أن تتم على يد إله واحد لا آلهة متعددة .
و يحدثنا علماء الأحياء عن توافق مشابه فيما يتعلق بتركيب الكائنات الحية ووظائفها ، فالأجسام الطبيعية تؤدي وظائفها على أكمل و أتم صورة . خذ مثلاً الكريات الدموية الحمراء التي بجسم الإنسان ، تجد ان شكلها و حجمها يتناسبان إلى أقصى حد مع الوظائف التي خلقت من أجلها . و ينطبق هذا على سائر الأعضاء و الأجزاء و دقائق الجسم . فإذا ذهبنا إلى عالم الحشرات فقد يكفينا أن نفحص خلية النحل لكي تستولي علينا روعة الدقة و الكمال و التشابه العجيب بين عيونها . و كل خلية من ملايين الخلايا الموجودة في سائر أنحاء العالم مصممة بصورة هندسية و بدقة رائعة و تناسب العمل الذي خلقت من أجله إلى أقصى الحدود .
و ليست خلايا النحل إلا مثلاً من آلاف الأمثلة التي نستطيع ان نضربها لبيان الورعة و الإتقان و التوافق في كل ما هو طبيعي . فإذا كان كل ذلك و غيره مما لا يحصى ، لا يدل على وجدود إله مدبر يسيطر على هذا الكون و يوجهه ، فليت شعري كيف أستطيع بعد ذلك أن أنتسب إلى دائرة العلماء و المشتغلين .
إنني أجد بوصفي من المشتغلين بالعلوم أن النتائج التي وصلت إليها بدراستي العلمية عن الله و الكون تتفق كل الاتفاق مع الكتب المقدسة ، التي أومن بها و أعتقد في صدق ما جاءت به عن نشأة الكون و توجيه الله له و قد يرجع ما نشاهده أحيانا من التعارض بين ما توصلت إليه العلوم و بين ما جاء في هذه الكتب المقدسة إلى نقص في معلوماتنا .
فقد أشار الإنجيل مثلاً إلى أن قدماء المصريين ، كانوا يستخدمون القش في صناعة الطوب . وهو رأي لم تؤيده دراسة الحفريات المصرية . و لكن علماء الآثار ما لبثوا أن اكتشفوا أن القش كان يعطن أولاً في المخامر ثم يؤخذ بعد ذلك فيخلط بالطين و يدخل في صناعة الطوب ليزيد من صلابته . فعلينا إذن أن نتريث عندما نجد بعض التعارض بين ما تحدثنا عنه العلوم وبين ما يحدثنا عنه الدين حتى تتبين لنا الحقيقة .
و النظريات الحديثة التي تفسر نشأة الكون و السيطرة عليه بصورة تخاف ما جاء في الكتب السماوية ن تعجز جميع الحقائق و تزج بنفسها في ظلمات اللبس و الغموض ، و إنني شخصياً أومن بوجود الله و أعتقد في سيطرته على هذا الكون .
عن كتاب "الله يتجلى في عصر العلم .."
بقلم : جون كلوفر مونسما
ترجمة الدكتور الدمرداش عبد المجيد سرحان
الناشر مؤسسة الحلبي و شركاه للنشر و التوزيع القاهرة
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 06:59 PM
الله و العلاج الطبي
كتبه
بول إرنست أدولف ـ طبيب و جراح
حاصل على درجة الماجستير و الدكتوراه من
جامعة بنسفانيا عضو الإرسالية الطبية بالصين
ـ أستاذ سماعد التشريح بجامعة سانت جونس
ـ عضو جعية الجراحين الأمريكية ـ
مؤلف عدة كتب في رسالة الطب .
لإجابة عن السؤال الذي هو موضوع هذا الكتاب أحب أن أقول إنني أؤمن بالله إيمانا راسخاً لا ريب فيه ، و ليس إيماني به نتيجة خبرة روحية فحسب ، و لكن اشتغالي بالطب قد دعم ذلك الإيمان .
لقد درست ـ عندما كنت أتعلم الطب ـ أحد المبادىء المادية الأساسية التي تفسر ما يحدث من تغيرات داخل الجسم عندما يصيبها عطب أو تلف ، تفسيراً مادياً صرفاً ، كما فحصت قطاعات مجهرية لهذه الأنسجة ، و تبينت أن الظروف المناسبة تعينها على أن تلتئم بسرعة و تتقدم نحو الشفاء .و عندما اشتغلت جراحاً في احد المستشفيات بعد ذلك ، كنت أستخدم المبدأ السابق استخداما يتسم بالثقة فيه و الاطمئنان إليه . و لم يكن علىّ إلا أن أهيئ الظروف المادية و الطبية المناسبة ، ثم أدع الجرح يلتئم و كلي ثقة بالنتيجة المرتقبة .
و لكنني لم ألبث غير قليل حتى اكتشفت أنني قد فاتني أن أُضِّمن علاجي و أفكاري الطبية أهم العناصر و أبعدها أثراً في إتمام الشفاء ألا و هو الاستعانة بالله .
و عندما كنت أعمل جراحاً في احد المستشفيات ، جاءتني ذات يوم جدة جاوزت السبعين تكشو من شدخ في عظام ردفها ، و بعد أن وضعت فترة تحت العلاج أدركت من فحص سلسلة الصور التي أخذت لها على فترات تحت الأشعة أنها تتقدم بسرعة عجيبة نحو الشفاء
و لم تمض أيام قليلة حتى تقدمت غلها مهنئاً بما تم لها من شفاء نادر عجيب .
عندئذ استطاعت السيدة أن تتحرك فوق المقعد ذي العجلات ، ثم سارت وحدها متوكئة على عصاها ، و قررتا أن تخرج تلك السيدة في مدى أربع و عشرين ساعة و تذهب إلى بيتها ، فلم يعد بها حاجة إلى البقاء في المستشفى .
و كان صباح اليوم التالي هو الأحد ، و قد عادتها ابنتها في زيارة الأحد المعتادة حيث أخبرتها أنها تستطيع أن تأخذها والدتها في الصباح إلى المنزل لأنها تستطيع الآن أن تسير متوكئة على عصاها .
و لم تذكر لي ابتنها شيئاً مما جال في خاطرها و لكنها انتحت بأمها جانباً و أخبرتها أنها قد قررت بالاتفاق مع زوجها أن يأخذا الأم إلى أحد ملاجيء العجزة لأنهما لا يستطيعان أن يأخذاها إلى المنزل . و لم تكد تنقضي بضع ساعات على ذلك حتى استدعيت على عجل لإسعاف السيدة العجوز . و يا للهول ما رأيت . لقد كانت المرأة تحتضر ،و لم تمضي ساعات قليلة حتى أسلمت الروح . إنها لم تمت من كسر في عظام ردفها و لكنها ماتت من انكسار في قلبها . لقد حاولت دون جدوى أن أقدم لها أقصى ما يمكن من وسائل الإسعاف وضاعت كل الجهود سدى . قد شفيت من مرضها بسهولة و لكن قلبها الكسير لم يمكن شفاؤه برغم ما كانت قد تناولته في أثناء العلاج من الفيتامينات و العقاقير المقوية و ما تهيأ لها من أسباب الراحة و من الاحتياجات التي كانت تتخذ لتعينها على المرض و تعجل لها الشفاء . لقد التأمت عظامها المكسورة التئاماً تاماً و مع ذلك فإنها ماتت .لماذا ؟ إن أهم عامل في شفائها لم يكن الفيتامينات ولا العقاقير و لا التئام العظام ، و لكنه كان الأمل . و عندما ضاع الأمل تعذر الشفاء .
أثرت هذه الحاثة في نفسي تأثيراً عميقاً ، و قلت في نفسي: لو أن هذه السيدة و ضعت أملها في الله ما ضيعها و ما انهارت و لما حدث لها ما حدث . و برغم أنني كنت أومن بالله خالق كل شيء بحكم اشتغالي بالعلوم الطبية ، فإنني كمنت أفضل بين معلوماتي الطبية و المادية و بين اعتقادي في وجود الله كما لو لم تكن هنالك صلة بين هذين الأمرين .
و لكن هل يوجد ما يدعو إلى هذا الانفصال بين هاتين الناحيتين ؟ ها هي ذي السيدة العجوز التي تم لها الشفاء و سلامة الجسد فقدت روحها و نظرة التفاؤل إلى الحياة . لقد عقدت كل آمالها حول ابنتها الوحيدة ، و عندما خلت لها أبنتها انهارت آمالها فواجهت الموت بدلاً من أن تواجه الحياة . و لقد صدق عيسى عند ما قال : ." كيف ينتفع الإنسان بهذه الدنيا إذا ملكها كلها و فقد روحه ".
لقد أيقنت أن العلاج الحقيقي لابد يشمل الروح و الجسم معاً و في وقت واحد ،و أدركت أن من واجبي أن أطبق معلوماتي الطبية والجراحية إلى جانب إيماني بالله و علمي به ، ولقد أقمت كلتا الناحيتين على أساس قويم . بهذه الطريقة وحدها استطعت أن أقدم لمرضاي العلاج الكامل الذي يحاجون إليه . ولقد وجدت بعد تدبر عميق ان معلوماتي الطبية و عقيدتي في الله هما الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه الفلسفة الطبية الحديثة .
و الواقع أن النتيجة التي وصلت إليها تتفق كل الاتفاق مع النظرية الطبية الحديثة عن أهمية العنصر السيكولوجي في العلاج الحديث ، فقد دلت الإحصائيات الدقيقة على أن 80% من المرضى بشتى الأمراض في جميع المدن الأمريكية الكبرى ترجع أمراضهم إلى حد كبير إلى مسببات نفسية ،و نصف هذه النسبة من الأشخاص الذين ليس لديهم مرض عضوي في أية صورة من الصور . و ليس معنى ذلك أن هذه الأمراض مجرد أوهام خيالية حقيقة ، و ليست أسبابها خيالية و لكنها موجودة فعلاً و يمكن الوصول إليها عندما يستخدم الطبيب المعالج بصيرته بها.
فما هي الأسباب الرئيسية لما نسميه الأرض العصبية ؟
إن من الأسباب الرئيسية لهذا الأمراض الشعور بالإثم و الخطيئة و الحقد و القلق و الكبت و التردد و الشك و الغيرة و الأثرة و السأم . و مما يؤسف له أن كثيراً ممن يشتغلون بالعلاج النفسي قد ينجحون في تقصي أسباب الاضطراب النفسي الذي يسبب المرض ، و لكنهم يفشلون في معالجة هذه الاضطرابات لأنهم لا يلجأون في علاجها إلى بث الإيمان بالله في نفوس هؤلاء المرضى .
ونحب فوق ذلك أن نتساءل عن هذه الاضطرابات الانفعالية و العوامل التي تسبب تلك الأمراض ، إنها هي ذاتها الاضرابات التي جاءت الأديان لكي تعمل على تحريرنا منها.
فلقد أدرك الله بقدرته و حكمته حاجاتنا النفسية و دبرها العلاج الكامل . و لقد وصف الأخصائيون النفسيون القفل الذي يغلق باب الصحة ، و أدنا الله بالمفتاح الذي يفتح هذا الباب .و لا يمكن أن يقودنا التخبط الأعمى إلى فتح هذا القفل المعقد ، بل إنه لا يستطيع أن يمدنا بالمفتاح الذي يفتح باب باب الروح الإنسانية ، فالله وحده هو الذي يستطيع أن يهدينا طريق الصواب ،و يقول الشاعر كوبر في هذا المعنى :
الجحود الأعمى يوقعنا في الأخطاء
و يجعلنا نبعثر آياته و لكننا نكفر بها
اســتعــن بالله علــــــى فهـم الأمــور
و سوف يوضح لك كل غامض عليك
فماذا يخبرنا الله ـ المستعان على فهم الأمورـ عن هذه المفاتيح ؟ إن ذلك يتلخص في أننا نركب الإثم و الذنوب و نحتاج إلى عفو الله و مغفرته ، حتى نعود إلى رحابه و نعفو عن غيرنا إن المذنبين الذين ينالهم هذا الصفح تتجلى في نفوسهم روح الله فيذهب عنهم الخوف القلق ،و لا يكون هنالك سبيل إلى إصابتهم بالكبت و الغيرة و الأثرة .
فعتدما تحل محبته في القلب ، تفارقها الشرور و الآثام ، و لا ينتابها السأم و تفيض بالآمال الحية التي تنبعث منها الحياة .
لقد وجدت في أثناء ممارستي للطب أن تسلحي بالنواحي الروحية إلى جانب إلمامي بالمادة العلمية يمكناني من معالجة جميع الأمراض علاجاً يتسم بالبركة الحقيقة ،أما إذا أبعد الإنسان ربه عن هذا المحيط ، فإن محاولاته لا تكون إلا نصف العلاج ، بل قد لا تبلغ هذا القدر .
فمعظم القرح المعدية لا ترجع إلى ما يأكله الناس كما يقال ، و إنما إلى ما تأكل ، قلوبهم ، و لابد لعلاج المريض بها من علاج قلبه و أحقاده أولاً ، و ليكن لنا أسوة بالأنبياء الذين كانوا يصلون من اجل أعدائهم و يدعون لهم بالخير . فإذا تطهرت قلوبنا و صرنا مخلصين ، فإننا نشق طريقنا نحو الشفاء ،و بخاصة إذا كان العلاج الروحي مصحوباً بتناول المواد ضد الحامضية و غيرها من العقاقير التي تساعد على الشفاء من هذه القرح .
و هنالك كثير من الحالات النفسية التي يلعب الخوف و القلق دوراً هاماً فيها ، فإذا عولج الخوف و القلق على أساس تدعيم إيمان الإنسان بالله ، فإن الصحة و الشفاء يعودان إلى الإنسان بصورة كأنها السحر في كثير من الحالات .
و لا يتسع المقام لذكر كثير من الحالات التي تم فيها الشفاء فوراً بسبب الالتجاء إلى الله والثقة به ، و قد وصفت كثيراً من هذه الحالات في أحد الكتب التي ألفتها وهو ك " الصحة تتدفق " ، و بينت في هذا الكتاب كيف كان الإيمان بالله جزءاً هاماً من العلاج النفسي و الطبي ، و كيف أدى إلى نتائج تدعو إلى العجب .
إن الجسم الإنساني يصبح على أفضل ما يمكن عندما يكون على وفاق مع صانعه و خالقه ، و بدون ذلك يصيبنا الاضطراب و المرض .
نعم هنالك إله . و لقد عرفته في مواطن كثيرة ، و هو الذي يشفي العظام المكسورة و القلوب المحطمة .
المصدر :
عن كتاب "الله يتجلى في عصر العلم .."
جمعها : جون كلوفر مونسما
ترجمة الدكتور الدمرداش عبد المجيد سرحان
الناشر مؤسسة الحلبي و شركاه للنشر و التوزيع القاهرة
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:00 PM
الله و الكون المعقد
كتبها
جون وليم كلونس
عالم في الوراثة ـ حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة بيتسبرج
أستاذ علم الأحياء و الفسيولوجيا بكلية المعلمين بكلونكورديا منذ 1945
ـ عضو جمعية الدراسات الوراثة ـ مختص في الوراثة و علم البيئة .
عندما حاولت أن أكتب في هذا الموضوع جالت بخاطري حكمتان قديمتان من الحكم المقدسة و هما :
" السماوات تشهد بجلال الله ، و إحكامها يدل على بديع صنعه ".
" يقول الأحمق في نفسه : ليس هناك غله " .
إن هذا العالم الذي نعيش فيه بلغ من الإتقان و التعقيد درجة تجعل من المحال أن يكون قد نشا بمحض الصدفة . إنه مليء بالروائع و الأمور التي تحتاج إلى مدبر ، و التي يمكن نسبتها إلى قدر أعمى . و لا شك أن العلوم قد ساعدتنا على زيادة فهم و تقدير ظواهر هذا الكون المعقد . و هي بذلك من معرفتنا بالله و من إيماننا بوجوده .
و من التعقيدات الطريفة في هذا الكون ، ما نشاهده من العلاقات التوافقية الاضطرارية بين الأشياء أحياناً ؟ و من أمثلتها العلاقات الموجودة بين فراش اليوكاونيا و نبات اليوكا و هو أحد النباتات الزنبقية . فزهرة اليوكا تتدلى غلى أسفل و يكون عضو التأنيث فيها أكثر انخفاضاً عن عضوا التذكير أو السداة . أما الميسم و هو الجزء من الزهور الذي يتلقى حبوب اللقاح ، فإنه على شكل الكأس . و هو موضوع بطريقة يستحيل معها أن تسقط معها فيه حبوب اللقاح .
و لابد أن تنتقل هذه الحبوب بواسطة فراشة اليوكا التي تبدأ عمليها بعد مغيب الشمس بقليل ، فتجمع كمية من حبوب اللقاح من الأزهار التي تزورها و تحفظها في فمها الذي بني بطرقة خاصة لأداء هذا العمل . ثم تطير الفراشة إلى نبات آخر من نفس النوع و تثقب مبيضها بجهاز خاص في مؤخرة جسمها ، ينتهي بطرف مدبب يشبه الإبرة و ينزل منه البيض . و تضع الفراشة بيضة أو أكثر ثم تزحف إلى أسفل الزهرة حتى تصل إلى القلم ، و هناك تترك ما جمعته من حبوب اللقاح على صورة كرة فوق ميسم الزهرة . و ينتج عدداً كبيراً من الحبوب يستخدم بعضها طعاماً ليرقة الفراشة و ينضج بعضها لكي يواصل دورة الحياة .
و هناك علاقة مشابهة بين نبات التين و مجموعة من الزنابير الصغيرة و ينتج هذا النبات عين من مجموعات الأزهار يحتوي أحدهما على الأزهار المذكرة و المؤنثة معا . أما الآخر فجميع أزهاره مؤنثة . و يقوم بتلقيح الأزهار المؤنثة في كلا النوعين السابقين إناث الزنابير . و تكون فتحة التخت الذي يحمل مجموعات الأزهار في كلا النوعين ضيقة إلى حد كبير بسبب إحاطتها بكثير من الأوراق الحرشفية مما يجعل وصول الحشرة إلى الداخل يتم بصعوبة كبيرة و يؤدي إلى تمزق أجنحتها . و عندما تدخل الحشرة إلى المجموعة التي تشتمل على الأزهار الذكرية و الأنثوية ، تضع الحشرة الأنثى بيضها ثم تموت ثم يفقس البيض و تتزاوج الشفافير الصغيرة الناتجة ، و لا يستطيع أن يخرج منها سوى الإناث ،أما الذكور فتموت ، و قبل أن تخرج الإناث تلتصق هبوات اللقاح بأجسامها فتحملها إلى مجموعات جديدة من الأزهار . فإذا كانت المجموعات الجيدة تشتمل على أزهار ذكور وأخرى إناث ، فإن العلمية تتكرر بالصورة السابقة ، اما إذا اشتملت المجموعة على أزهار إناث فقط ، فإن الفراشة تموت دون أن تضع البيوض .
ففي هذه الحالة تكون الأزهار الإناث على درجة من الطول بحيث لا تستطيع أن تصل الحشرات إلى قاعدتها لكي تضع البيض هناك ، و عندما تحاول الحشرات أن تصل إلى هذه القاعدة العميقة دون جدوى تلقح الأزهار بما تحمله من هبوات اللقاح ، ثم تنضج الأزهار و تكون ثمار التين . و عندما أدخل التين إلى الولايات المتحدة لأول مرة لم يكن ينتج ثماراً و لم يمكن إنتاج الثمار و قيام و صناعة التين إلا بعد أن جلبت الشفافير إلى اولايات المتحدة .
و هناك كثير من الأزهار التي تسجن الحشرات داخلا ن ومن أمثلتها الزهرة المسات " جاك المصورة " JACK IN THE PULPIT . و لهذا النبات نوعان من المجموعات الزهرية ، ذكور و إناث . و هي تتكون داخل مقصورات تضيق عند منتصفها . و يتم التلقيح بواسطة ذبابة دقيقة تدخل إلى المقصورة ولا تكاد تجتاذ المنطقة الضيقة الوسطى حتى تجد نفسها سجينة ن ليس بسببب الضيق فحسب ن بل بسبب تغطية الجدران الداخلية بمادة شمعية منزلقة يتعذر معها على الحشرة أن تثبت أقدامها ، و عندئذ تدور الحشرات بصورة جنونية داخل المكان ، فتعلق هبوات اللقاح بجسمها . و بعد قليل تتصلب جوانب المقصورة بعض الشيء فتستطيع الحشرة الخروج بعد أن يكون جسمها تغطى بهبوات اللقاح . فإذا زارت الحشرة مقصورة مذكرة أخرى تكررت العملية السابقة ، أما إذا دخلت مقصورة أنثى فإنها تسجن في داخلها سجناً دائماً حتى تموت هي ن و عند محاولتها اليائسة للخروج ، تقوم بتلقيح الأزهار الأنثى . إن النبات في هذه الحالة لا يهتم بخروج الحشرة لأنها تكون قد أدت رسالتها ، أما عند زيارتها للمقصورات المذكرة فإنه يسمح لها بالخروج لأنها لا تكون قد أدت رسالتها بعد .
أفلا تدل كل هذه الشواهد على وجود الله ؟إنه من الصعب على عقولنا أن تتصور أن كل هذا التوافق العجيب قد تم بمحض المصادفة ، إنه لابد أن يكون نتيجة توجيه محكم أحتاج إلى قدرة و تدبير .
و نستطيع أن نلمح أدلة أخرى على وجود الله و قدرته في تلك الحالات العديدة التي حاول الإنسان فيها أن يتدخل في توازل الطبيعة أو يعمل على تعديله.
فمثلاً عندما نزل المهاجرون الأولون أستراليا ، لم يكن هنالك من الثدييات المشيمية إلا الدنجو ، و هو كلب بري . و لما كان هؤلاء المهاجرون قد نزحوا من أوربا فقد تذكروا ما كان يهيئه صيد الأرنب من فرصة طيبة لممارسة الصيد و الرياضة . و في محاولة لتحسين الطبيعة في أستراليا أستورد توماس أوستين نحو أثني عشر زوجاً من الأرانب و أطلقها هناك ن و كان ذلك سنة 1859 ،و لم يكن لهذه الأرانب أعداء طبيعيون في استراليا ، و لذلك فقد تكاثرت بصورة مذهلة ،و وزاد عددها زيادة كبيرة فوق ما كان ينتظر ن و كانت النتيجة سيئة للغية . فقد أحدثت الأرانب أضراراً بالغة بتلك البلاد حيث قضت على الحشائش و المراعي التي ترعاها الأغنام . و قد بذلت محاولات عديدة للسيطرة على الأرانب ن وبنيت أسوار عبر القارة في كوينزلاند بلغ امتدادها 7000 ميل و مع ذلك ثبت عدم فائدتها . فقد استطاعت الأرانب أن تتخطاها . ثم استخدم نوع من الطعم السام و لكن هذه المحاولة باءت هي الأخرى بالفشل . و لم يمكن الوصول إلة حل إلا في السنوات الأخيرة ن و كان ذلك باستخدام فيروس خاص يسبب مرضاً قاتلاً لهذ الأرانب هو مرض الرض المخاطي . و قد لا يكون هذا هو الحل الأخير ، فقد أخذنا نسمع أخيراً عن ظهور أرانب حصينة لديها مقاومة كبيرة لهذا المرض في استراليا . ومع ذلك فقد أدى انخفاض عدد الأرانب هنالك إلى منافح جمة ، و تحولت مناطق البراري القاحلة و الجبال المقفرة التي بقيت عشرات السنين إلى مروج خضراء يانعة . و قد ترتب على ذلك في الإيراد من صناعة الأغنام وحدها قدرت 1952 ـ 1953 بما يبلغ 84 مليون جنيه .
ومن الممكن ن يكون لدينا مشكلة أرانب مشابهة في الولايات المتحدة الأمريكية ، فالأرانب الأوربية تختلف في نوعها عن الأرانب التي كانت تستوطن أمريكا ، و التي لا تعرف الآن إلا في جزيرة سان جوان حيث تعيش في عزلة تامة سنة 1900 . و قد حاول أصحاب بعض نوادي الصيد ـ بحسن نية طبعاً ـ أن يعمموا نوع الأرنب المسمى سان جوان في الولايات المتحدة كلها بسبب صعوبة أستيراد النوع المسمى ذيل القطن و انتقاله من ولاية إلى أخرى كما كانت الحال من قبل . و كان من الممكن أن تصبح النتيجة خطيرة للغاية لأن أرانب السان جوان تتكاثر في الولايات المتحدة بنفس السرعة التي تتكاثر بها الأرانب في أستراليا . و من الاحتياطات الحديثة التي أتخذت لتلافي هذا الخطر رفع الحظر عن صيد هذا النوع من الأرانب على مدار السنة .
و من الطريف أن استخدام فيروس الأرانب في أوربا قد أحدث أثره هنالك . فقد أحضر طبيب فرنس من المهتمين بالموضوع ـ بسبب ما أحدثته الأرانب من الأضرار للأشجار في حديقـته ، بعض هذا الفيروس و حقن به بعض الأرانب البرية في فرنسا ، بل الأقاليم الأوربية المجاورة أيضاً . و يتجادل الناس حول هذا الموضوع فتختلف وجهات نظرهم . فمنهم من يرى أن العمل قد أدى إلى خفض كمية اللحوم التي كانت تعيش عليها الطبقات الفقيرة . و منهم من يرى أن هذا العجز يعوضه تحسين الإنتاج النباتي بعد انخفاض عدد الأرانب .
المصدر :
عن كتاب "الله يتجلى في عصر العلم .."
جمعها : جون كلوفر مونسما
ترجمة الدكتور الدمرداش عبد المجيد سرحان
الناشر مؤسسة الحلبي و شركاه للنشر و التوزيع القاهرة
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:02 PM
الله والقوانين الكيماوية
كتبه
جون أزولف بوهلر
مستشار كيماوي ـ حاصل على درجة الكتوراه من جامعة إنديانا ـ أستاذ الكيميا بكلية أندرسون ـ متخصص في تركيب الأحماض الأمينية و الكشف عن الكوبلت .
لكي ندرك كيف تنتسب القوانين الكيماوية إلى الله ، و نتبين مبلغ قصور العقل الإنساني ، و نعرف لماذا ينبغي أن يتواضع الناس جميعاً حتى أولئك الذين نعدهم من العباقرة فإنني أحب أن أعرض على قرائي لمحة موجزة عن علم الكيمياء ، الذي هو ميدان تخصصي .وسوف أحاول الابتعاد عن المصطلحات الفنية و أن أكون واضحا ما استطعت.
فمنذ فجر المدنية و الإنسان يحاول أن يفهم كنه التغيرات التي تطرأ على ما يحيط به من عالم الماديات . و قد كان فهمه للمادة في بادىء الأمر يشوبه النقص و الغموض ، و كان ديمقريطس الذي عاش قيل الميلاد بنحو 400 سنة أول من وصل عن طريق التخمين إلى أن جميع الأشياء تتألف من دقائق صغيرة تعتبر كل منها وحدة قائمة بذاتها . و تختلف هذه الفكرة عما كان شائعاً من قبل من أن المادة المادة تتألف من كتلة واحدة متصلة .
و لما كانت فكرة ديمقريطس لا تتفق مع ما تشاهده العين من أمر المادة ، فقد بقيت هذه الفكرة مدفوعة تحت أنقاض ما كان يسود ذلك العهد من شك في صحتها .
و ظلت الكيمياء القديمة من ضروب الشعوذة و السحر ألفي سنة و هي تحاول أن تجد تفسيراً لمعنى المادة . و في حوالي متصف القرن السابع عشر عاد روبرت بويل إلى فكرة ديمقريطس من جديد و أطلق اسم العنصر على كل مادة من المواد البسيطة التي لا يمكن تحوليها في المعمل إلى أبسط منها .و العناصر بهذا المعنى تختلف عن المعنى الذي ذهب إليه أرسطوطاليس حينما رأى أن العناصر التي تتألف منها المادة هي الأرض و النار و الهواء و الماء . و في سنة 1774 أكتشف جون بريستلي الأوكسجين وو في سنة 1776 توصل لورد كافينديش إلى عنصر الإيدروجين . و بعد فترة وجيزة اكتشف لافوزييه أن الهواء خليط منن الأوكسجين و النيتروجين . و استنبط أن الماء هو الآخر لا يمكن أن يكون عنصراً لأنه يمكن تحضيره بإحراق الأيدروجين في الهواء .لقد كان علم الكيمياء يتقدم بحق ، و في عام 1799 توصل الكيماوي الفرنسي جوزيف براوست إلى أن المواد الكيماوية النقية مثل ملح الطعام يكون لها تركيب ثالث ، بصرف النظر عن مصدرها . أما بيرثوليت فكان يناقضه و يرى أن الملح المحضر من أماكن مختلفة على سطح الأرض يختلف في تركيبها تبعاً لاختلاف هذه الأماكن.
و لقد كسب براوست الجولة بعد مضي ثمان سنوات قضاها في إجراء التجارب و بذلك تبين أن للمركبات تركيباً ثابتاً.
و في سنة 1808 حاول دالتون ـ و كان مدرساً ـ أن يجمع كل ما هو معروف من المعلومات الكيماوية حتى ذلك الوقت ، و أن يجد تفسيراً لثبات العناصر و المركبات . و قد توصل إلى النظرية الذرية للمادة . فقد كان يرى أن العناصر تتكون من جزيئات صغيرة سماه الذرات و توصل إلى أن الذرات العنصر الواحد لابد أن تكون متكافئة من جميع الوجوه أما ذرات العناصر المختلفة فمتباينة .
و قد أفترض دالتون أن الذرات غير قابلة للكسر فهي لا تستطيع أن تتحول إلى صورة اصغر . و قد أرجع اختلاف العناصر في صفاتها الطبيعية و الكيماوية إلى ما بين ذراتها من اختلاف في الوزن و الخواص الأخرى . كما بين أن ثبات المركبات يرجع إلى اتحاد العناصر الداخلية في تركيبها بنسب دقيقة ثابتة في المركب الواحد . و عندئذ أتضح أن الظواهر الكيماوية تخضع لقوانين معينة مثل قانون بقاء المادة و قانون ثبات الركيب و قانون بقاء الطاقة .
و بهذه الوسائل التي تسلح بها الكيماويون في بحوثهم العلمية ، تحول علم الكيمياء من علم وصفي إلى علم قياسي يعتمد على القياس الدقيق .و ما إن فتح ذلك الطريق على أساس الاتجاه حتى ظهر التقدم الحقيقي ، وصار من المقرر أن دراسة الكيمياء تقوم على أساس الانتظام و القوانين . بذلك تحولت الكيمياء إلى صف العلوم . و تقدمت دراستها في نصف القرن الذي تلا دالتون تقدماً كبيراَ وسارت في نفس الاتجاه الذي حددته قوانين نيوتن ، و نجح العلماء في زيادة عدد العناصر في سنة 1900 و بذلك ضربت الكيمياء رقماً قياسياً في تقدمها.
لقد كان دالتون يعتبر الذرة كتلة صلبة من المادة تخضع لقوانين نيوتن . و في النصف الأخير من القرن التاسع عشر أجريت تجارب عديدة اتضح منها أن هنالك ذرات أكثر تعقيداً من الذرات التي وصفها دالتون ، فقد بدأ ماسون في سنة 1853 بإمرار تيار كهربائي خلال أنبوبة مفرغة . ثم حاول جسلر أن يعيد التجربة السابقة مستخدما تياراً أقوى و مجموعة من الغازات المختلفة داخل الأنابيب المفرغة .
و في سنة 1878 أستطاع كروكس باستخدام أنابيب مفرغة إلى درجة لم يحصل عليها سابقوه ، أن يلاحظ بريقا عجيبا داخل الأنبوب عند إمرار التيار الكهربي بها . و قد أثبت طويون أن هذه الأشعة العجيبة تحمل شحنات كهربية سالبة ، و أنها تتحرك بسرعة لا يتصورها العقل ، و أنها تكاد تكون عديمة الوزن ،و قد سميت هذه الأشعة أشعة المهبطية ، كنا سميت الأنابيب التي تتلون داخلها أشعة المهبط . وقد تبين أخيراً أن هذه الأشعة ليست إلا سيلا من الالكترونات المتدفقة .
ثم اكتشفت بعد ظاهرة النشاط الإشعاعي ، التي اكتشفتها بكويرل و آل كوري . و قد فتح هذا الاكتشاف عالما جيديا من الجزيئات التي هي دون الذرات . و لم يعد ينظر إلى الذرة على أنها جسم صلب مصمت ، بل صار ينظر إليها على أنها تشبه مجموعة شمسية مصغرة ن تقع كتلتها الكبرى في مركزها حيث تتجمع البروتونات الموجبة ، و من حول هذه الكتلة يتم توزيع الالكترونات السالبة التي هي ليست إلا وحدات من الطاقة تتحرك حول المركز في نظام معين .
و تتوقف الخواص الطبيعة و الكيموية للذرة على ما يحمله حول المركز في نظام معين . و تتوقف على طريقة ترتيب الالكترونات حول النواة . و قد بذلت محاولات في بادىء الأمر لتطبيق قوانين نيوتن على الجزيئات دون الذرة ، و لكن اتضح بعد قليل ان هذه القوانين لا تنطبق على تلك الجزيئات الدقيقة . و قد دعا ذلك إلى ضرورة قيام طرق جديدة أخرى للحساب فنشأت نظرية " الكوانتم " أو نظرية الكم . و هي تساعدنا على أن تعبر تعبيراً رياضياً عن احتمال سلوك البروتونات و الالكترونات و غيرها من الجزيئات دون الذرية .
و في سنة 1927 توصل هايزنبرج إلى نظرية " الشك " أو عدم التحديد لكي يبين لماذا لا تخضع الجزيئات دون الذرية لقوانين نيوتن ز و ينص هذا المبدأ على أنه من المحال تعيين موضع أي جزيء وسرعته في لحظة واحدة . فكلما حاولنا أن نشاهد إلكترونا نجد أننا نغير من حالته ، و قد يتناول التغيير مكانه أو سرعته أو كليهما .
و على ذلك فإننا نستطيع ان نتكلم عن احتمال حدوث ظاهرة ، ولكننا لا نستطيع أن نحددها تحيداً دقيقا ، و عندئذ نقول إن الطبيعة تخضع لقوانين المصادفة الإحصائية . و نحن في العادة نتعامل مع أعداد كبيرة جداً من الأيونات أو الجزيئات في المعمل ، أعداد تبلغ الملايين ، فعندما نمزج المحاليل يسلك كل أيون من الأيونات الداخلة في التفاعل سلوكا خاصاً ، سلوك غير منتظم ، لا نستطيع أن نتنبأ به ، و مع ذلك فإننا نستطيع أن نقدر نتائج التفاعل الكلي تقديرا بالغ الدقة . و قد يكون هنالك مئات الآلاف من الأيونات التي لم تشترك في التفاعل و لكن مادامت الموازين التي نستخدم عاجزة عن تقدير هذا القدر الضئيل منها فإننا نعتبر أن التفاعل قد أكتمل و بلغ درجة التمام .
و يشير دينوي إلى ذلك فيقول : إن كل شيء يتوقف على معايير الملاحظة التي تستخدمها ، و إن ما قد نعتبره تاماً أو كاملا باستخدام أحد المعايير قد لا يكون كذلك عندما نستخدم معياراً آخر ، فإذا مزجنا جراماً من الكربون لأحد الميكروبات التي تزحف فوق هذا التل من الخليط ، فإنه يبدو على صورة مجموعة من الكتل السوداء التي تجاورها كتل بيضاء . و يرجع ذلك إلى اختلاف مستوى الملاحظة في حالة الميكروب عنده في حالتنا .
أما لماذا تخضع الكيمياء للقوانين التي اكتشفناها ، فيرجع إلى أنها علم إحصائي . و على ذلك فإن القوانين الطبيعية الكيماوية تقوم في أساسها على عدم الانتظام .أما ما نشاهده من انتظام الظواهر فيرجع إلى أننا نتعامل مع أعداد بالغة الكبر تخضع في مجموعها لقوانين الإحصاء و تعطي نتائج محددة . ومن أن النظام الذي نشاهده و التوافق الذي نلاحظ إنما يخرجان من الفوضى .
فما هي القوى الموجهة التي وراء هذه القوانين الإحصائية ؟
عندما يطبق الإنسان قوانين المصادفة لمعرفة مدى احتمال حدوث ظاهرة من الظواهر في الطبيعة مثل تكون جزيء واحد من جزيئات البروتين من العناصر التي تدخل في تركيبه ، فإننا نجد أن عمر الأرض الذي يقدر بثلاثة بلايين من السنين أو أكثر ن لا يعتبر زمنا كافيا لحدوث هذه الظاهرة و تكون هذا الجزيء عن طرق المصادفة إن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا إذا كانت هناك قوة موجهة إلى غاية محددة و تعيننا على إدراك كيف يخرج النظام من الفوضى .
و لابد أن نسلم بأننا لا نعرف حتى الآن كل ما يمكن أن يعرف عن المادة و الطاقة ، فنحن لا نزال في بداية الطريق . و قد يكون ما سميناه عدم نظام أو فوضى على المستوى دون الذري مخافاً لذلك كل المخالفة ، فقد تكون أفكارنا خاطئة أو متأثرة بنقص معلوماتنا عن الظواهر المختلفة ن أو تقيدنا بجانب غير سليم من الملاحظة .
إن الإنسان يشاهد التنظيم و الإبداع حيثما ولى وجهة في نواحي هذا الكون . و يبدو أن هذا الكون يسير نحو هدف معين ، كما يدل على ذلك النظام الذي نشاهده في الذرات ، فهناك نظام معين تتبعه الذرات جميعها من الأيدروجين إلى اليورانيوم وما بعد اليورانيوم .و كلما أزداد علمنا بالقوانين التي تتحكم في توزيع البروتونات و الإلكترونات لإنتاج العناصر المختلفة ، أزداد إيماننا بما يسود عالم المادة من توافق و نظام ، و قد يجيء اليوم الذي ينكشف لنا فيه كيف تتجمع الطاقة لكي تكون تلك الكتل من المادة . و لقد كان أينشتين أول من أظهر العلاقة الموجودة بين المادة و الطاقة . و لا يزال الإنسان في بداية الطري لكشف أسرار الطاقة الذرية ، و قد نستطيع في يوم من الأيام أن تحول الطاقة إلى مادة .
و تدل الشواهد على وحدة الكون من الوجهة الكيماوية . و لدينا من الطرق و الوسائل ما يمكننا من اختبار كثير من العناصر الموجودة في الكواكب الأخرى ، و معرفة أنها هي نفس العناصر التي توجد على الأرض . و حتى النجوم البعيدة عنا ن فإنها تشتمل على عناصر مشابهة لعناصر الأرض . و يعتقد العلماء أن القوانيين الطبيعية التي تتحكم في هذا الكوكب هي عينا القوانين التي تخضع لها النجوم و الكواكب الأخرى في أفلاكها النائية المترامية في الفضاء . فحيثما اتجهنا نجد الإبداع و النظام و التوافق ، حتى هنالك ظل من شك عندي في أن إلها قادرا قد أبدع هذا الكون و بناه وحدد وجهته و غايته .
و كنت أرجوا أن يتسع الوقت و المكان لذكر كثير من الأمثلة الأخرى التي تدل على روعة الإبداع و جلال النظام ،و لكنني أحب ا، أوجه نظر القارىء إلى دورة الماء على الأرض و دورة ثاني أوكسيد الكربون و دورة النشادر و دورة الأكسجين التي تشهد كل منها بحكمة و تدبير و قوة لأحد لها .
و برغم أن هنالك كثيراً من الأشياء في الطبيعة مما لم يصل الإنسان بعد إلى معرفة كنهه او تفسيره و مما لا يزال يكتنفه الغموض ،فإننا لا نريد أن نقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه الأقدمون عندما اتخذوا آلهة لكي يجدوا تفسيراً لما غمض عليهم ، و حددوا لكل إله قدرته و عينوا له وظيفته و دائرة تخصصه ... و عندما تقدمت العلوم و أمكن فهم كثير من الظواهر الغامضة و معرفة القوانين التي تخضع لها ، لم يعد هؤلاء الناس في حاجة إلى الآلهة التي نتلمس قدرة الله في النظام الذي خلقه و القوانين التي تحكمها و لكن الإنسان عاجز عن أن يسن تلك القوانين ، فهي من صنع الله وحده .و لا يفعل الإنسان أكثر من أنه يكتشفها ثم يستخدمها في محاولة إدراك أسرار هذا الكون.
و كل قانون يكتشفه الإنسان يزيد قربا من الله ، و قدرة على إدراكه ، فتلك هي الآيات التي يتجلى بها الله علينا ، و قد لا تكون هذه هي طريقته الوحيدة في هذا التجلي ، فهو يتجلى أيضا في كتبها المقدسة مثلا ، و مع ذلك فإن طرقة تجليه تعالى في آياته التي نشاهدها في هذا الكون تعتبر بالغة الأهمية بالنسبة لنا .
عن كتاب "الله يتجلى في عصر العلم .."
جمعها : جون كلوفر مونسما
ترجمة الدكتور الدمرداش عبد المجيد سرحان
الناشر مؤسسة الحلبي و شركاه للنشر و التوزيع القاهرة
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:03 PM
النظام الفريد في المجموعة الشمسية
نعلم أن في المجموعة الشمسية ثمانية كواكب غير منيرة تدور حول الشمس : أصغرها عطارد ثم المريخ ثم الزهرة ، فالأرض فارونوس فنبتون فزحل فالمشتري ، ثم بلوتوا الذي كشفوه منذ ثلاثين سنة ( و هو كوكب شاذ في صغر حجمه و في بعد عن الشمس فلا يصلح أن يكون سببا قاطعاً لابطال النسبة العجيبة التي سأذكرها عن بعد الكواكب من الشمس ) .هذا في ترتيب أحجامها ، و أما بعدها عن الشمس فالكواكب تأتي على ترتيب آخر : فأقربها عطارد الذي يبلغ متوسط بعده عن الشمس 36 مليون ميل ، ثم الزهرة و متوسط بعدها 67 مليوناً ، فالأرض و متوسط بعدها 93 مليواناً ، فالمريخ و بعده مليوناً ، فالمشتري و بعده 484 مليوناً ، فزحل 887 مليوناً ، فأورانوس و بعده 1782 مليوناً ، و نبتون و متوسط بعده عن الشمس 2792 مليوناً من الأميال .
و ما ذكرت لك هذه الأحجام و الأبعاد لأعرفك بشيء أنت تعرفه ، أو تستطيع أن تعثر عليه في أبسط كتب الفلك ، وإنما ذكرتها لأعرفك بما تطوي عليه هذه الأبعاد من نسب مقدرة تدهش العقول : فقد كشف العلماء أن أبعاد هذه السيارة عن الشمس جارية على نسب مقدرة تدهش العقول : فقد كشف العلماء أن أبعاد هذه السيارات عن الشمس جارية على نسب مقدرة و مطردة تسير وفق (9) منازل : أولها ( الصفر ) ثم تليه ثمانية أعداد تبدأ بالعدد (3) ثم تتدرج متضاعفة هكذا : ( 3ـ 6 ـ 12ـ 24 ـ48ـ 96ـ 192 ـ384ـ).فإذا أضيف إلى كل واحد منها العدد (4) ثم ضرب حاصل الجمع بتسعة ملايين ميل ، ظهر مقدار بعد السيارة التي في منزلة العدد عن الشمس . أي أنه بإضافة (4) إلى كل منزلة تصبح المنازل التسع هكذا ك (4ـ 7ـ10 ـ28ـ100ـ196ـ388).
فإذا أخذنا أعداد المنازل هذه و ضربنا كل عدد منها بتسعة ملايين يظهر لنا بعد السيارة التي هي في منزلة ذلك العدد عن الشمس .فعطارد مثلاً يبلغ متوسط بعده عن الشمس(36) مليون ميل كما سبق القول .و بما أن منزلته في البعد هي الأولى فيكون رقمها (4) فإذا ضربنا 4*9 ملايين يكون حاصل الضرب (36) مليون ميل . و هكذا تسير النسبة في بعد كل سيار عن الشمس مع فروق مختلفة قليلة .
و لكنهم رأوا كيف تكون المنازل التي اكتشفوها في تفاوت الأبعاد تسع منازل في حين أن الكواكب المعروفة ثمانية .
فقد وجدوا أن منزلة العدد (28) ليس فيها كوكب ، بل يأتي ن بعد المريخ صاحب العدد(16) ، كوكب المشتري الذي هو صاحب العدد (52 ) .
فما هو السر في هذا الفراغ ؟ إما أن تكون النسبة التي اكتشفوها غير مطردة و إما أن يكون هنالك كوكب غير منظور في مرتبة العدد (28) على 252 مليون ميل عن الشمس ، أي بين المريخ و المشتري .
و من عجائب النظام الباهر أنهم وجدوا أخيراً في هذا الفراغ الشيء الذي قدّروا أنه لابد من وجوده . و لكنهم لم يجدوه كوكباً كبيراً بل وجدوا كويكبات صغيرة كثيرة تدور كلها في الفراغ المذكور الذي بين المريخ و المشتري أي في نفس المنزلة التي حسبوها من قبل فارغة .
فهل هذا التناسب في مواقع النجوم و أقدارها ، و مواقع الكواكب و أبعادها ، كله أثر من آثار المصادفة العمياء ...
عن كتاب قصة الإيمان
تأليف الشيخ : نديم الجسر
ص 307 308 بتصرف .
ط . دار الهجرة
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:04 PM
آيات الله في تيسير الحياة للأحياء و حمايتها
قال تعالى : " و سخر لكم ما في السماوات و ما في الأرض منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ".
ظلت الحياة تدب على الأرض منذ ملايين السنين ، متغلبة على ما يقابلها من صعاب متحررة إلى كل ما يلائم البيئة والتي تعيش فيها ، و بذلك تعددت الأحياء و دامت الحياة .. و هناك ملابسات و ظروف يسرت حياة الأحياء لا يمكن للعقل أن يحيط بها إلا أن يسلم بقدرة الخالق و عظمته .. علاوة على وجوده ... فالدراسات العميقة التي تولتها كافة الهيئات العلمية ، لا تستطيع الا أن تعترف بأن مقومات الحياة في الأحياء ، إنما هي أدلة ناطقة تشهد على وجود الله .
لغة الكائن الحي
الإنسان
قال تعال " و علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صداقين " .قرآن كريم 2/31 .
ترى لو لم يلهم الله الأحياء بأن يتخاطبوا ، و أن يلهم كل صنف لغة يتفاهمون ،بها .. كيف تكون الحياة .. ؟ لغة الإنسان ، عبارة عن ألفاظ و جمل ينادي بها على الأسماء ويشرح بها الأفعال ، و أصوات تعبر عن الاستحسان و الاستهجان ، قهقهة للفرح ، و آهة للألم و الحزن و أنين و نداء للاستغاثة ، و بهذه أصبح الإنسان يستطيع أن يطلب الغذاء إذا جاع ، و أن يستغيث إذا ألم به مكروه ... و تمكن من أن يتفاهم مع غيره بما حفظ عليه حياته... و من أعجب ما يسرت به الحياة على الأحياء .. تفاهم الذين أصابهم العي في ألسنتهم ، أو حرموا الكلام أصلا ً .. فهم يتفاهمون بإشارات أسرع من الألفاظ ، و إذا تخاطب اثنان منهم قل من يستطيع أن يتسامعهما ، بل لا يمكن لغيرهما أن يفهم كلامهما السريع الطويل .. و لم يتعلموا هذه اللغة إطلاقاً..إنما يسرت لهم كما يسرت لغيرهم الكلام من لدن حكيم خبير .
الحـيـــوان
قال تعالى : " حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان و جنوده و هم لا يشعرون ".قرآن كريم 27/18 .
أثبت العلم أن للحيوان لغته الخاصة ، فلكل نوع من أنواع الحيوانات لغة خاصة به ، يتفاهم بها ، و يتعارف مع غيره على أحوال ما حوله .. فهذه هي الدجاجة التي تصدر أصواتاً مميزة ، فنرى صغارها أقبلت في سرعة تلتقط معها الحب .. و تصدر أصواتاً مخافة ، فإذا بالصغار تهرول إلى العش في لحظة .
ويقول " ألن ديفو "أحد علماء الحيوان أنه وقف يوماً يراقب ثلاثة من صغار الثعلب تلعب حول أمها ، و إذا بصغير منها يدخل في الغابة ن و يبتعد عنها بعدا بحيث غاب عن النظر ، فاستوت الأم قائمة و مدت أنفها إلى الناحية التي ذهب منها ،، و بقيت على حالها هذه برهة عاد بعدها الصغير في اتجاه أمه لا يلتفت يمنة أو يسرة ، كأنما كانت تجذبه بخيط لا تراه العين . و من الدراسات المماثلة أمكن لعلماء الحيوان تعلم لغة الحيوانات .
و النحلة إذا عثرت على حقل مزهر عادت إلى الخلية و ما إن تتوسطها حتى ترقص رقصاً خاصاً ، فإذا بالنحل يندفع إليها ، ويسير خلفها إلى حيث تهديه النحلة إلى الزهور .
و يقول اللورد " أفبري " أنه طالما أراد أن يمتحن عقل النمل ، و الوقوف على طريقة التفاهم بين أفراد ، فمما فعله في هذا السبيل ، أنه ود يوما نملة خارجة وحدها من جحرها ، فأخذ ذبابة و لصقها على فلينة بدبوس ، و ألقاها في طريق النملة ، فما أن عثرت عليها ن حتى أخذت تعالجها بفمها و أرجلها مدة تزيد على العشرين دقيقة ، تيقنت بعدها ن فعادت أدراجها إلى جحرها ، و بعد ثوان معدودة ن خرجت النملة تتقدم نحوا من اثنتي عسرة نملة من أخواتها ، انتهت بها إلى الذبابة التي وقع عليها النمل ، يمزقها تمزيقاً ن و عاد النمل إلى جحره و كل منها تحمل جزءاً من الذبابة .. فالنمل الأولى قد رجعت إلى زميلتها و لم يكن معها شيء قط .. فكيف تم لها أن تخبر باقي النمل بأنها وجدت طعاماً سائغاً ، و فريسة شهية ما لم يكن تم ذل بلغة خاصة ...!!!
و يتكلم نمل الشجر في المناطق الاستوائية بلغة عجيبة ، إذ يصعد إلى الشجرة و يدق دقات غير منتظمة ، تقارب إشارات مورس التلغرافية ، و يبلغ من قوتها أن تسمع من بعيد ....!! و ما صرير صرصار الغيط ن الذي كثيراً ما يسمع في الليل الدافئة في الحدائق و المزارع ، إلا دعوة منه لأنثاه إذا بعدت عنه . و كذلك نقيق الضفادع الذي لا يحدث إلا ليلاً.
و قد لوحظ أن أسراب الفيلة ، لا تكف لحظة عن غمغمة ، طالما هي تسير في رهط ، فإذا تفرقت الجماعة ، و سار كل فيل على حدة انقطع الصوت تماماً .. و من أعجب ما يؤيد لغة الفيلة ، تلك الأصوات المزعجة التي تلاحظ عندما تجتمع الفيلة المحكوم عليه ليعيش وحيدا و يسير منفرداً ... فقد حكمت عليه الفيلة بالعزلة و الوحدة ...!!!
و أصوات الغراب مميزة تميزاً واضحاً .. فنعيبه أكبر على الخطر . و هو يصدره ليحذر به أبناء جنسه ، بينما يصدر في مرحه و لعبه أصواتاً أخرى تقرب من القهقهة .
و مما يثبت تفاهم جماعات الغربان ما تأتيه في حياتها من أمور تكاد تكون عجيبة ، غذ المتداول أن الغراب من الطيور الحقيرة التي يمر عليها الإنسان دون انتباه ن ويقول " اكلاند " إن الغراب يفوق الطيور الأخرى منه حجماً ،و الأقوى منه ، بسبب مكره الممتاز ، و بالرغم من أن الغراب لص ، و فيه عيوب أخرى من سفاهة و دناءة و خسة ،فهو طائر مسل عندما تراقبه .. راقب جماعة من الغربان وقت نومها ، تجد أنه بعد محادثة طويلة ذات ضوضاء مع جيرانها ، و انتقالها من مكان إلى آخر ، يستقر العجوز على فرع شجرة ، و يبدأ في التأهب للنوم مبكراً ، و ما يكاد يفعل حتى تأتي بعض الغربان الأشقياء ، تدور حوله مرة أو مرتين ، ثم تحط بجواره حتى يوشك أن يفقد توازنه أو تصطدم به عمداً لزحزحته من مكانه ... فيعلوا صراخه لانتهاك حرمته ، و إقلاق راحته ، بصوت مميز . و تتكرر هذه المحاولات و تصيح صغار الغربان بأصوات ضاحكة تعلن عن فرحها .. و ليس هناك أدنى شك في أن الأغربة مغرمة بالهزل ، و تنظم الألعاب لنفسها . فقد قرر العلماء أنها تلعب المساكة و الاستغماء ...!!
و مما لوحظ في دراسة حياة الغربان أنها تحب كل الأشياء التي تبرق في الشمس . و لكل غراب مخزنه السري الخاص به الذي قد يكون ثغرة في شجرة ، أو تحت سقف برج قديم ، أو خلف حجر في كوبري ، و قد وجد أن بأحد المخازن التي أمكن اكتشافها ، من دراسي حياة الغربان قطعة من مرآة مكسورة و يد فنجان ، و قطعة من صفيح و أخرى من معدن ، و أشياء تافهة متنوعة كلها تتفق في أنها تتألق في الشمس .
و يفهم الحيوان لغة الإنسان و يستجيب لها ، كما يدعو الإنسان الدجاج إلى الغذاء بصوت معروف ، و يدعوا الإوز و البط بصوت مغاير و يدعو الدواب إلى الشراب بالصفير كما يستطيع الأولاد في الريف عند صيد السمك من جذبه قريباً منهم بأصوات خاصة . و كلنا نعلم أن الكلب في المنزل أن الكلب في المنزل يعرف بل ينفذ أوامر سيده ، و في أمريكا رجل أسمه "جاك ماينز " تخصص في دراسة الإوز البري ، و بلغ من علمه بلغتها ، أنه يستطيع أن يدعو سربا طائراً إلى النزول ، حيث يختفي و ذل بأن يخاطب الإوز بلغتها و يخبرها بوجود بركة صالحة و طعام كثير .
و قد يستطيع الإنسان أن يبادل الحيوان لغته و يتفاهم معه ، فقد كتب "مورتون طمسون " في مجلة " ذي أمريكانميركيوري أن أخاه لويس الطالب بمدرسة الطيران كان يسمى " لويس الحصان " إذ أنه كان يكلم الخيل و يحادثها ن و بدأ بذلك و هو طالب في مدرسة قرية في " سان دييجو " و كان بها خيول غير مروضة ، كثيراً ما قضى معها لويس الأوقات الطويلة ، يلاعبها و يروضها ، و لم يقضي إجازته ، بل ولا فسحته إلا إما راكباً أو مصاحباً حصاناً . و كان يراهن التلاميذ على أي حصان يفوز في سباقها .. ولم يحدث أن أخطأ مرة ، و لما حاول أخوه أن يهتدي إلى سر ذلك ، أجابه أن الخيل تخبرني عن حالتها في الجري ، ورأيها في راكبها ، و في المضمار ،و كثيراً ما وضع ذلك موضع الاختبار و الامتحان ، فكان يذهب إلى حلبة الخيل في أي مكان و كلما مر به حصان نظر إليه لويس نظرة متسائلة بصوت معين ن فيلتفت الحصان و يلوي عنقه بهزات معينة ن و همهمة خاصة . ثم أخيراً ينطق لويس برقم الحصان الذي سيفوز . قال لأخيه يوماص : الجواد 1 يتمنى أن يربح ، و لكنه لا يحب راكبه . أما الجواد 2 فحالته اليوم سيئة ،و لن يفوز . أما رقم 3 فهو يتحدى إذ أنه صمم على الفوز .
النــــوم
قال تعالى : " ومن آياته منامكم بالليل و النهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون" . قرآن كريم 30/23 .
إن من أهم ما أنعم الله به على الكائن الحي النوم ، و هو في الواقع دليل لا يقاربه شك على وجود الله . فالنوم عملية تتم دون أن يكون للإنسان دخل بها . و لا سيطرة له عليها . فهو في وقت معين تبدأ قواه في التناقص ، و تعتريه حالة من الاستعداد للنوم ، ثم لابد بعد ذلك من أن ينام . و أهمية النوم يمكن إدراكها بالتجارب التي أجريت على الحيوان ، و أتضح منها أن النوم أهم للحياة من الطعام و الشراب . و قد قرر علماء الروس أن التجارب التي أجريت على صغار الكلاب أثبتت أنها لم تستطع الحياة لأكثر من خمسة أيام بلا نوم ، بينما عاشت مثيلاتها التي تنام .. عشرين يوماً بلا أكل .
و لم يمكن للعلماء أن يقرروا ماذا في الجسد أثناء النوم أكثر من أن النائم يتخلص من إجهاده الجسدي و إرهاقه الفكري ن و إن استرخاء عضلا ت الإنسان بنومه ، تساعد على تنشيط و تنظيم الدورة الدموية ، التي تطرد من الجسم ما قد يكون سببه الإجهاد من مواد ضارة . و من دلائل وجود الله أن تشترك الكائنات الحية في النوم ، فالحيوانات تنام و تصحوا كالإنسان ، و قد ثبت أن الحيوانات تحلم كذلك في منامها . و أن بعض الكلاب تنهض من نومها فزعة تتلفت في كل الاتجاهات مما يدل على أنها كانت فريسة حلم مخيف . و تنام أيضاً الحيوانات الدنيا و الأسماك و الحشرات و لو أنه من الصعب تمييز حالتها بين اليقظة و النوم .
و قد أجريت تجارب بأن وضع بقرب الحشرات أو الحيوانات ليلاً ما يثيرها و يفزعها ن فلم تتحرك حتى الفجر ن بينما ظهر عليها بعض الاختلاف في المظهر بعد الفجر ن إذ تصرفت الخائفة الفزعة .
و من أرحم آيات الله أن الطير ينام على غصنه ، لا يقع بالرغم من أن قبضة الطائر لابد أن تسترخي كباقي عضلاته حين يغلبه النعاس ، إذ أن الأوتار التي تحدث البسط و القبض في المخلب الطائر تلتف حول مفصل ساقه ، فحين ينام و يثني ثقل جسمه هذا المفصل . تشد الأوتار مخلبه فيزيد تشبث قبضة الطائر على غصنه ، و يتم ذلك دون تفكير ، بل دون أن يعيها أو يحسها الطائر ...!!!.
و قد قرر علماء النبات ، أنهم بدراسة الأزهار و التطورات التي تشملها في كل وقت ، أتضح لهم أن النبات ينام كما ينام كل كائن حي ، و ا، مشاهد النوم تظهر واضحة جلية في الأزهار و مما يثبت أن تفتح الأزهار لا دخل له بالشمس و الضوء ما نراه في الأزهار التي يختص بها فراشات الليل إذ تتفتح أزهارها ن في الليل ، و تكون في تمام تفتحها عند منتصف الليل .. سواء أكانت الليلة قمرية أم مظلمة .. و هناك أزهار تقفل أوراقها . و تستسلم للنوم العميق ظهراً ، حتى أولاد الفلاحين في الجهات التي تنمو فيها هذه الأزهار يعرفون غذائهم من نومها .
و من الأدلة الدالة التي تثبت حساسية النبات ، و يقظته ، نشاطه و كسله ، ما نشر أخيراً من أن " البروفسور سنج ط ريئس قسم النباتات بإحدى جامعات الهند ن وضع نظرية تقول : أن نمو النبات يزداد عند سماعه الأصوات الموسيقية ، و أن للنبات أذنا حساسة للموسيقى . و قد شرح الأستاذ المذكور لمندوب وكالة الأنباء العربية في أوائل فبراير 1956 تاريخ اكتشافه لهذه المشاهدات و أن أول نجاح حصل عليه كان في 10 ديسمبر 1952 م ، إذ بينما كان ينظر في تلك الليلة بأنفاس مبهورة في نتائج تجاربه في غرفته بالجامعة ن كان مساعده يراقب حركة الكلوروبلازم في داخل البروتوبلازم مستعينا بمجهر وساعة . ولم يلبث أن دخل غلى أستاذه مسرعاً يقول أنه لاحظ سرعة في حركة الكلوروبلازم ، راجعة إلى الموسيقى الصوتية التي كانت مسلطة على البروتوبلازم !!.
المصدر :
كتاب " الله و العلم الحديث " بقلم عبد الرزاق نوفل
ط: دارالناشر العربي الطبعة الثالثة 1393هـ 1973 م .
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:05 PM
تقدير من الله لا مصادفة
خذ عشرة بنسات ، كلا منها على حدة ، وضع عليها أرقاماً مسلسلة من 1 إلى 10 ثم ضعها في جيبك حسب ترتيبها ، من 1 إلى 10 .
إن فرصة سحب البنس رقم 1 هي بنسبة 1 إلى 10 .
و فرصة سحب البنسات التي عليها أرقام 1، 2، 3 متتالية ، هي بنسبة 1 إلى 1000 . و فرصة سحب 1و 2و 3متتالية ، هي بنسبة 1 إلى 10000 ، و هكذا ، حتى تصبح فرصة سحب البنسات بترتيبها الأول من 1 إلى 10 ، هي بنسبة 1 إلى 10 بلايين .
و الغرض من هذا المثل البسيط ، هو أن نبين لك كيف تتكاثر الأعداد بشكل هائل ضد المصادفة و لابد للحياة فوق أرضنا هذه من شروط جوهرية عديدة ، بحيث يصبح من المحال حسابيا أن تتوافر كلها بالروابط الواجبة ، بمجرد المصادفة على أي أرض في أي وقت . لذلك لابد أن يكون في الطبيعة نوع من التوجيه السديد. و إذا كان هذا صحيحاً فلابد أن يكون هناك هدف . و الغرض من هذا الكتاب هو أن نبين بعض هذه التنظيمات العجيبة ن و أن نعرض الهدف الذي وراء وجود الإنسان . و الآن لنبحث الحقائق المدهشة : إن بعض علماء الفلك يقولون لنا إن المصادفة مرور نجمين متقاربين لدرجة تكفي لإحداث مد خفاق هدَّام ، هي في نطاق الملايين ، و إن مصادفة التصادم هي نادرة لدرجة وراء الحسيات . و مع ذلك ، تقول إحدى نظريات الفلك ، إنه في وقت ما ، و لنقل منذ بليوني سنة مضت ، قد مرَّ نجم بالفعل قريباً من شمسنا لدرجة كانت كافية لأن تحدث أمداداً ( جمع مدّ) مروعة ، و لأن تقذف في الفضاء تلك الكواكب السيارة التي تبدو لنا هائلة ، و لكنها ضئيلة الأهمية من الوجهة الفلكية . و من بين تلك الكتل التي اقتلعت ، تلك الحزمة من الكون التي نسميها بالكرة الأرضية . إنها جسم لا أهمية له في نظر الفلك ، و مع ذلك يمكن القول بأنها أهم حسم نعرف حتى الآن .
و يجب أن نفرض أن الكرة الأرضية مكونة من بعض العناصر التي توجد في الشمس ، لا في أي كوكب آخر .
و هذه العناصر التي توجد في الشمس ، لا في أي كوكب آخر .
و هذه العناصر مقسمة على الكرة الأرضية بنسب مئوية معينة قد حولت جملة الكرة الأرضية إلى أقسام دائمة ، و حدود حجمها و سرعتها في مدارها حول الشمس هي ثابتة للغاية .
و دورانها على محورها قد حد بالضبط ، لدرجة أن اختلاف ثانية واحدة في مدى قرن من الزمان يمكن أن يقلب القديرات الفلكية . و يصحب الكرة الأرضية كوكب نسمية بالقمر ، و حركاته محدودة ، وسياق تغيراته يتكرر كل 18 سنة ، سو لو أن حجم الكرة الأرضية كان أكبر مما هو أو أصغر ، أو لو أن سرعتها كانت مختلفة عما هي عليه ، لكانت أبعد أو أقرب من الشمس مما هي ، و لكانت هذه الحالة ذات أثر هائل في الحياة من كل نوع ، بما فيها حياة الإنسان . و كان هذا الأثر يبلغ من القوة ، بحيث إن الكرة الأرضية لو كان اختلفت من هذه الناحية أو تلك ، إلى أية درجة ملحوظة ، لما أمكن وجود الحياة فوقها . و من بين كل الكوكب السيارة ، نجد أن الكرة الأرضية فيما نعلم الآن ، هي الكوكب الوحيد الذي كانت صلته بالشمس سبباً في جعل نوع حياتنا ممكناً.
أما عطارد فإنه بناء على القوانين الفكلية لا يدير إلا وجهاً واحدة منه نحو الشمس ، و لا يدور حول محوره إلا مرة واحدة في خلال الدورة الكاملة للشمس ( سنة عطارد ) . و بناء على ذلك لابد أن جانباً من عطارد هو أتون صحراوي ، والجانب الآخر متجمد . و كثافة جاذبيته هما من القلة بحيث إن كل آثار للهواء فيه لابد أن تكون في شكل رياح هوجاء تجتاح هذا الكوكب من جانب آخر.
أما كوكب الزهرة فهو لغز من الألغاز به بخار سميك يحل محل الهواء ، و قد ثبت أنه لا يمكن أن يعيش فيه أي كائن حيّ.
و أما المريخ فهو الاستثناء الوحيد ، و قد تقوم فيه حياة كحياتنا ، سواء في بدايتها أو تكون على شفا الانتهاء . و لكن الحياة في المريخ لابد أن تعتمد على غازات أخرى غير الأوكسجين ، وعلى الخصوص الهيدروجين . إذ يبدو أن هذين قد أفلتا منه . و لا يمكن أن توجد مياه في المريخ . و معدل درجة الحرارة فيه أقل كثيراً من أن تسمح بنمو النبات كما تعرفه .
أما الكواكب السيارة الأخرى فإنها بعيدة عن الشمس إلى حد لا يسمح بوجود الحياة فوقها ، و هي لصعاب أخرى لا يمكن تذليلها ، لا تستطيع أن تحتمل الحياة في أي شكل من الأشكال .
و المتفق عليه الآن عموماً ، أن الحياة لم توجد قط و لا يمكن ان توجد ، في أي شكل معروف ، علي أي كوكب سيار غير الكرة الأرضية . لذلك في البداية الأولى ، كوطن للمخوقات البشرية ، كوكب سيار صغير ، قد أصبح بعد سلسلة تغيرات في مدى بليوني سنة أو أكثر ، مكاناً صالحاً لوجود الحياة الحيوانية و النباتية التي توجت بالإنسان ، و تدور الكرة الأرضية حول محورها مرة في كل أربع و عشرين ساعة ، أو بمعدل نحو ألف ميل في الساعة ، و الآن أفرض أنها تدور بمعدل مائة ميل فقط في الساعة . و لم لا ؟ عندئذ يكون نهارنا و ليلنا أطول مما هو الآن عشر مرات، و في هذه الحالة قد تحرق شمس الصيف الحارة نباتاتنا في كل نهار ، و في الليل هي مصدر كل نبت في الأرض .
إن الشمس ، التي هي مصدر كل حياة ، تبلغ درجة حرارة مسطحها 12000 درجة فهرنهايت ، و كرتنا الأرضية بعيدة عنها إلى حد يكفي لأن تمدنا هذه (النار الهائلة ) بالدفء الكافي ، لا بأكثر منه . و تلك المسافة ثابتة بشكل عجيب ، و كان تغيرها في خلال ملايين السنين من القلة ، بحيث أمكن استمرار الحياة كما عرفناها ، و لو أن درجة الحرارة على الكرة الأرضية قد زادت بمعدل خمسين درجة في سنة واحدة ، فإن كل نبت يموت ، و يموت معه الإنسان حرقاً أو تجمداً .
و الكرة الأرضية تدور حول الشمس بمعدل ثمانية عشر ميلا في الثانية . و لو أن معدل دورانها كان مثلاً ، ستة أميال أو أربعين ميلاً في الثانية ، فإن بعدنا عن الشمس أو قربنا منها يكون يمتنع معه نوع حياتنا .
و النجوم كما نعلم تختلف في الحجم . و أحدها يبلغ من الضخامة حداً لو كانت شمسنا لكان محور الكرة الأرضية داخلاً في مسطحه لمسافة ملايين الأميال .
و النجوم كذلك تختلف في طراز إشعاعها . و كثير من أشعتها يميت كل نوع معروف من أنواع الحياة . و تتراوح كثافة هذا الإشعاع و حجمه بين ما هو اقل من إشعاع شمسنا و ما هو أكثر منه عشرة آلاف مرة ، و لو أن شمسنا أعطت نصف إشعاعها الحالي فقط ، لكنا تجمدنا . ولو أنها زادته بمعدل النصف ، لأصبحنا رماداً من زمن بعيد ، هذا إذا كنا قد ولدنا بوصفنا شرارة بوتوبلازمية ( خلية ) للحياة .
و من ذلك نجد أن شمسنا هي الصالحة لحياتنا من بين ملايين الشموس غير الصالحة لهذه الحياة .
ثم إن الكرة الأرضية مائلة بزاوية قدرها 23 درجة .
و لهذا دواع دعت إليه : فلو أن الكرة الأرضية لم تكن مائلة لكان القطبان في حالة غسق دائم، و لصار بخار الماء المنبعث من المحيطات يتحرك شمالاً و جنوباً ، مكدساً في طرقة قارات من الجليد ، وربما ترك صحراء بين خط الاستواء و الثلج .
و في هذه الحالة كانت تنبعث أنهار من الجليد ، و تتوقف خلال أودية إلى قاع المحيط المغطى بالملح ، لتكون بركاً مؤقتة من الملح الأجاج ( ملاحات ) . و كان ثقل الكتلة الهائلة من الجليد يضغط على القطبين ، فيؤدي ذلك إلى فرطحة خط الاستواء أو فورانه ، أو على الأقل كان يتطلب منطقة استوائية جديدة ، كما أن انخفاض المحيط يعرض مساحات شاسعة جديدة من الأرض ، ويقلل من هطول المطر في جميع أرجاء العالم ، مما ينجم عن ذلك من عواقب مخيفة .
إننا قلّ أن ندرك أن الحياة كلها محصورة في الفضاء الذي بين قمم الجبال و بين حرارة داخلية الأرض . و إذا قورنت هذه الطبقة الضيقة بقطر الكرة الأرضية ، كانت نسبتها إليه كنسبة نصف كثافة ورقة الشجرة ، إلى كتاب مكون من ألف صفحة . و تاريخ جميع المخلوقات مكتوب على هذا السطح الذي هو في سمك النسيج . و لو أن الهواء أصبح سائلاً لغطى الكرة الأرضية إلى عمق خمسة و ثلاثين قدماً ، أو ما يعادل جزءاً من ستمائة ألف جزء من المسافة إلى مركز الكرة الأرضية . وهو تنظيم بالغ الدقة !
و يبعد القمر عنا مسافة 240000 ميل ، و يذكرنا المد الذي يحدث مرتين تذكيراً لطيفاً بوجود القمر . و المد الذي يحدث بالمحيط قد يرتفع إلى ستين قدماً في بعض الأماكن . بل إن قشرة الأرض تنحني مرتين نحو الخارج مسافة عدة بوصات بسبب جاذبية القمر . ويبدو لنا كل شيء منتظماً درجة أننا لا ندرك القوة الهائلة التي ترفع مسافة المحيط كلها عدة أقدام ، و تحني قشرة الأرض التي تبدو لنا صلبة للغاية .
و المريخ له قمر ، قمر صغير ، لا يبعد عنه سوى ستة آلاف من الأميال . و لو كان قمرنا يبعد عنا خمسين ألف ميل مثلا ، بدلاً من المسافة الشاسعة التي يبعد بها عنا فعلاً ، فإن المد كان يبلغ من القوة بحيث إن جميع الأرضي التي تحت منسوب الماء كانت تغمر مرتين في اليوم بماء متدفق يزيح بقوته الجبال نفسها ، و في هذه الحالة ربما كانت لا توجد الآن قارة قد ارتفعت من الأعماق بالسرعة اللازمة .
و كانت الكرة الأرضية تتحطم من هذا الاضطراب ، و كان المد الذي في الهواء يحدث أعاصير كل يوم .
و إذا فرضنا أن القارات قد اكتسحت ، فإن معدل عمق الماء فوق الكرة الأرضية كلها يكون نحو ميل و نصف ميل ، و عندئذ ما كانت الحياة لتوجد إلا في أعماق المحيط السحيقة على وجه الاحتمال و هناك كان تستنفذ نفسها حتى تخمد . و يبدوا أن العلم يؤيد النظرية القائلة بأن هذه الحالة قد وجدت فعلا في خلال الفوضى العامة قبل أن تتماسك الأرض . و طبقاً لقوانين معترف بها ، صارت الأمداد ( جمع مد ) نفسها تدفع القمر بعيداً ، و في الوقت نفسه جعلت دوران الأرض يبطىء ، فبعد أن كان يتم في يوم مقداره يقل عن ست ساعات ، صار يكمل في يوم مكون من أربع و عشرين ساعة ، و هكذا أصبح القمر اللطيف مسرة العاشق و في أحسن تقويم ، و هو ما يرجى منه الدوام و الأمان لمدة بليون سنة قادمة أو نحو ذلك . و يعتقد الفلكيون أنفسهم كذلك أنه في المستقبل البعيد سوف يعود القمر إلى الكرة الأرضية بنفس تلك القوانين الفلكية ، ثم ينفجر حين يقترب منها للدرجة الكافية فيضفي بهاء على العالم الفاني بحلقات كتلك التي تحيط بزحل .
لقد جاء نظامنا الشمسي من خليط مضطرب للعناصر التي انفصلت عن الشمس عند درجة حرارة قدرها 412000 و تبعثرت في فضاء غير محدود ، بعنف لا يتصوره العقل . و قد حل النظام محل الفوضى بدقة تجعلنا نستطيع أن نقدر بـ" الثانية " المكان الذي سيحتله أي جزء . و يبلغ التوازن من الكمال إلى حد أنه لم يعتوره أي تغيير في مدى بليون سنة ، و أنه يدل على الدوام إلى الأبد . كل ذلك بحكم قانون . و بهذا القانون نفسه يتكرر هذا النظام الذي نراه في النظام الشمسي ، في نواح أخرى .
المصدر :
كتاب العلم يدعو إلى الإيمان أ. كريسي مورسون رئيس أكاديمية العلوم في واشنطن
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:06 PM
حقائق من سجل الغابات
كتبها
لورنس كولتون ووكر
أخصائي علوم الغابات و النباتات و علم الفسيولولوجيا
ـ حاصل على درجة دكتوراه من جامعة نيويورك
ـ أستاذ علم الغابات بجامعة جورجيا
جاء في الإنجيل ما معناه أن الله هو الدافع على الفوضى و الارتباك , و الحق أنه سبحانه هو الذي نظم هذا الكون فأحسن تنظيمه و أبدعه أيما إبداع .
إن عوام الناس ينظرون إلى قمم الجبال من أسفل الوادي ، فتأخذهم روعتها فينسبونها إلى الله تعالى ، أو يسمعون صوت الريح العاصفة تقطع صمت الأشجار و النباتات ، فيدركون جانبا من آيات الله التي تظهر في أرجاء هذا الكون و يتضاءل بجانبها ملك سليمان . حقيقة إن روعة هذا الكون ،إنما هي من إبداع الخالق الأعظم ، و لكن وقوف الإنسان عند هذا الحد من الإعجاب يشبه الإنسان بمظهر بعض الأعمال التي ينتجها صانع أو نجار بارع ، دون أن يجهد نفسه في تأمل دقة الصناعة و تفاصيلها و روائع الزوايا و التشابك " التعشيق " و الحلي الداخلية و غير ذلك ...
و لو أن تدبير الله العالم الذي نحن فيه قد اقتصر على خلق الوديان الخصيبة مما تنقله عوامل التعرية من الطمي و الرواسب و تجلبه من فوق سفوح الجبال ، لكان هذا الأمر هينا من وجهة نظر المتخصصين في فسيولوجيا النبات أو في علم الجيولوجيا ، و لكن لكي يدرك الإنسان روعة هذا العالم و ما وراءه من جلال الحكمة و التدبير ، لابد أن يدرسه بدقة و و أن يتأمل في الغابات و الحقول ، عندئذ سوف يجد أن ما كان يعده طبيعياً ليس إلا إعجازاً إلهياً يعلو فوق مستوى البشر و تعجز عن إدراكه كنهه ، و هنا لا سبيل إلا إلى الإيمان بالله و بقدرته و جلاله . و يقول كارل هايم في كتابه ( المسيحية و العلوم الطبيعية ) :
" إن عجائب الكون لا تسمح بالإيمان فحسب بل تدعو الناس إلى هذا الإيمان . و إن الاستدلال بالكون على وجود الله قد عاد إلى الظهور من جديد في عصر النهضة و التفكير العقلي بسبب انهيار النظرية الآلية في تفسير الكون بعد أن كادت هذه النظرية تقضي على هذا النوع من الاستدلال " .
و إني أكتب هذا المقال من وجهة نظري متخصصاً في بحوث الغابات ومهتما بدراسة علم البيئة و فسيولوجيا النباتات لكي أظهر جانباً مما للغابات من أدلة على وجود الله .
تجدد تربة الغابات :
تظهر في جبال أديرو نداك رمال عميقة يرجع أصلها إلى ما اكتسحته أنهر الجليد في سابق الأزمان . و التربة في هذه الأماكن ضعيفة بسبب نقص العناصر الغذائية و بخاصة عنصر البوتاسيوم الذي تجرفه المياه بمجرد تكونه نتيجة لتحليل المواد العضوية ، و لا يتبقى من هذا العنصر إلا ما يدخل في تركيب المواد العضوية ذاتها . و لقد كانت تنمو على هذه السهول الرملية غابات من أشجار التنوب الفضي spruce و الصنوبر و الشوكران hemlock ، و لكن سهولة طبيعة الأرض فوق هذه السهول أغرت باقتلاع هذه الأشجار و زراعة الأرض . و بعد انقضاء مائة عام زرعت الأرض في أثنائها زراعة عنيفة استنزفت عناصر التربة و أضعفت خصوبتها إلى حد كبير ، و لذلك شرع في زراعتها بأشجار الغابات من جديد.
و بعد مضي سنوات قليلة على زراعتها بأشجار الشوكران و أشجار الصنوبر الأبيض وو الأحمر ، ظهرت أعراض نقص البوتاسيوم في التربة على الأشجار . و قد أظهرت بعض البحوث العلمية التي أجريت على نباتات هذه الغابات أن بعض الأشجار العشبية المستوطنة مثل أشجار القان ( BIRCH ) الرمادي و أشجار الكريز الأسود ، قد ظهرت على أوراقها أعراض نقص البوتاسيوم في صورة الوان شاذة يمكن بواسطتها تحيد خواص التربة في المناطق المختلفة مدى صلاحيتها لزراعة الأنواع المختلفة من الأشجار .
لقد هيأ لنا الله بفضله الطريقة التي تعيننا على تحديد الأماكن التي تصلح لزراعة الشوكران و أشجار الصنوبر الأحمر و الأبيض ، وتحديد الناطق التي يمكن زراعتها ببعض الأشجار ذات القيمة الاقتصادية ، مما لا يضره انخفاض مستوى عنصر البوتاسيوم في التربة مثل أشجار الصنوبر الأسكتلندي و غيرها . كما وجدنا أن أوراق بعض النجيليات و أشجار الفراولا البرية و أنواعاً عديدة أخرى من الشجيرات العشبية و أشجار الصنوبر الأبيض يمكن تحليلها تحليلاً كيميائياً للوقوف على مدى صلاحية الأماكن و المناطق المختلفة المزروعة فيها . فالصنوبر الأبيض مثلا تظهر عليه دلائل نقص البوتاسيوم عندما تنخفض نسبة البوتاسيوم في الأوراق الإبرية عن 0،5 % . و يمكن الاستدلال بنسبة البوتاسيوم الموجودة في هذه الأوراق على نسبة البوتاسيوم الموجود في التربة و الذي هو قابل للامتصاص .
و هناك ظاهرة أخرى من الظواهر التي شوهدت في هذه الغابات ، فالقان الأبيض ، و هو عادة من الأعشاب التي تنمو بكثرة من تلقاء نفسها و تجوز زراعتها إلى حد بعيد في مناطق السهول تنمو تحت جذوره و في حضانتها نباتات الصنوبر البيضاء التي تكون في هذه الحالة الحالة كثيفة غاية الكثافة . و قد لوحظ أن أعراض نقص البوتاسيوم لا تظهر على ألأشجار الصنوبرية التي تنمو بجوار القان ، و أثبتت تحاليل التربة و الأوراق أن نسبة البوتاسيوم القابل للامتصاص كانت تحت هذه الظروف ثلاثة أمثالها في في الأرض الخالية من أشجار القان ن مما يثبت أن لأشجار القان قدرة كبيرة على تجيد خصوبة التربة التي تكون عناصرها قد استنزفت بسبب الإجهاد المترتب على طول فترات زراعتها . و لا شك أن هذه التغذية المعدنية ، تعتبر همزة الوصل التي يستخدمها الإنسان لكي يحوّل المواد غير العضوية الميتة إلى عالم الحياة .
و من الظواهر العجيبة الأخرى التي شوهدت في التربة في وادي كونيكتيكت ما لوحظ من أن شجر السد ر الأحمر يستطيع بمصاحبة خرطوم الأرض و هو من الدود ن أن يزيد من نسبة عنصر الكالسيوم بالتربة . فأوراق السدر الأحمر تتساقط على قاع الغابة ، و عندئذ تنجذب ديدان الأرض إليها بسبب ارتفاع نسبة الكالسيوم بها .و سرعان ما تلتهم الديدان هذه الأوراق و تهضمها و بذلك تطلق في التربة عنصر الكالسيوم في صورة يسهل على النبات امتصاصها و الاستفادة بها .
و لا تقتصر فائدة السدر الأحمر على الناحية الغذائية وحدها ، بل إنه يؤدي إلى تحسين جميع الخواص الطبيعية للتربة مثل مساميتها ، و سرعة رشح الماء خلالها ، و قدرتها على الاحتفاظ بالماء و منسوب الماء فيها . و لجميع هذه الصفات علاقة كبيرة بالاستفادة من مياه الفيضان و السيطرة عليها .
و نستطيع أن نذكر أكثر من ذلك في سياق الحديث عن العناية المقدسة و القدرة الإلهية التي تتجلى في إعادة خصوبة التربة ، ففي الغابات البكر التي لم يتدخل في أمرها الإنسان ، تتكاثر الأشجار و تتتابع أنواعها على ممر الأجيال حتى تصل في نهاية الأمر إلى نوع من الاستقرار تميزه أشجار خاصة تنمو و تتكاثر فيها إلى ما شاء الله إلا إذا تدخل في أمرها الإنسان ن أو دهمتها النار ، أو عبثت بها العواصف . و يؤدي تدخل الإنسان في أمر هذه الغابات الطبيعية ن بزراعتها و استنزاف خصوبتها ، إلى نقص صلاحيتها لنمو الأشجار ن و عندئذ نكون قد خسرنا الأشجار و التربة ن و يعقب ذلك حدوث الفيضانات .
إن الإنسان يبذل أموالاً طائلة لكي يقلل من أخطار الفيضانات بإقامة مشروعات السود الضخمة ، و لكن إقامة هذه السود ليست إلا حلا مؤقتاً ضد قوة جبارة لا تستطيع أن تصدها حواجز الصخر أو البناء المسلح ، و لابد أن يقوم العلاج الحقيقي لمشكلة الفيضان على مهاجمها في مصدرها . و لا يتم ذلك بإقامة السدود و إنما بإعادة الأشجار و النباتات إلى الأرض ، و هو أمر تقوم به الطبيعة من تلقاء نفسها ، فإنه لا يكاد ينقضي عام على الأراضي و الحقول التي تكون قد هجرت بسبب استنزاف عناصرها و نقص خصوبتها ن حتى تنمو بها الحشائش الكثيفة و الأعشاب و الشجيرات و بادرات الأشجار ، وهذه كلها تعمل على عودة الخصب إلى الأرض من جديد .و قي منطقة بدمونت التي تقع في شرق الولايات المتحدة ن تكفي خمسة و عشرون سنة لتكوين طبقة جديدة ظاهرة من المواد الدبالية التي تغطي سطح التربة و تعيد إليها خصوبتها . و حتى في المناطق التي هي أشد برودة من هذه المنطقة حيث يكون تحلل المواد العضوية أشد بطؤا ، فإن هذه الطبقة في تكوينها أكثر من 50 سنة . و يلاحظ أن التربة التي تستصلح بهذه الطريقة لا ترجع كعهدها الأول من حيث معالجة أخطار الفيضان .و مع ذلك فإنها تتحسن كثيراً عن ذي قبل . و في ذلك يقول جونث:
" إن الطبيعة لا تعرف الإسراف . إنها دائماً صداقة و عظيمة و عنيفة . إنها دائماً صائبة . أما الخطأ فإنها لا يحدث إلا من جانبنا . إن الطبيعة تحارب العجز و لا تكشف أسرارها إلا للقادرين المخلصين الأتقياء ".
سد فروج الغابات :
عندما انتشر مرض الأندوثيا ، وهو المرض الذي يسبب الشلل لنباتات الكستناء " أبي فروة "
خلال العقدين الأولين من هذا القرن ، شاهد كثير من الناس فروجاً في أسقف الغابات و لاحظوا ان هذه الفروج لا تسد أبداً . و لقد كان الكستناء الأمريكي يحتل مكانا بين سائر أنواعه في العالم لا يدانيه فيه مكان آخر ، فقد كان يمتاز بنوعه و مقاومته للتعطن و بنخاعه الخشبي و ما به من مادة التنين ، ثم بثماره وبما يعطيه من الظل و غير ذلك من الصفات الممتازة العديدة الأخرى .
و كان ينمو على حواف الجبال ذات التربة الضعيفة كما ينمو في الوديان الخصبة .
قبل أن يصيبه هذا المرض الذي وصل إليه من آسيا حوالي 1900 ، لم تكن تصيبه أمراض أخرى ، فلقد كان بحق ملك الغابة أما الآن فقد باد و اندثر من الغابات و لم يعد يشاهد منه إلا بعض البراعم الضئيلة تنبثق بين حين و آخر من بقايا جذوع الأشجار التي كانت قائمة يوماً من الأيام كأنما تذكرنا أن البقاء لله وحده ، و أن أقوى الرجال كأقوى الأشجار لابد يوماً أن يزول .
و ما لبثت الفروج التي حدثت في سماء الغابة حتى ملئت ، لقد سدتها أشجار الخزامى ، التي كأنما كانت تراقب ما نزل بأشجار " أبي فروة " من داء لتحل محلها بفارغ الصبر حتى تحصل على ما يكفيها من الضوء . فهي من الأشجار التواقة إلى الضوء و التي لا تحتمل المعيشة في الظل . و حتى ذلك الوقت كانت أشجار الخزامى من الأشجار الضئيلة في الغابة التي لا يمكن أن تعتبر من أشجار الخشب القيمة إلا نادرا ً . أما الآن فإنها أحداً لا يحزن على ما حل بأشجار الكستناء من خسارة ، إذ تقوم مكانها جذوع أشجار الخزامى الضخمة التي تضيف كل منها إلى نفسها بسبب نموها السريع ما يقرب من بوصة في السمك و ست بوصات في الارتفاع سنويا.
و بالإضافة إلى سرعة نموها فإنها تعطي خشبها من النوع الممتاز .
فهل تضع الطبيعة العبقرية خططها و تدبيرها للأمور بأكثر من تهيئة الظروف المناسبة ؟و لقد كنت أتحدث مت زميل ممن أطمئن إليهم من الأخصائيين في فلاحة الغابات عن ذلك المرض الذي أصاب نباتات الكستناء ، وهو ينصح المشتغلين بالغابات بان يلجأوا دائماً إلى كتاب الكون و الطبيعة لكي يجدوا فيه حلا لكل مشكلة من المشكلات .
و يقول إسحق واطسن في هذا المعنى :
" إن الطبيعة تحمل كتابها المفتوح ".
" و تسبح بحمد الله و حلاله ".
و يقول عالم النبات اللامع آساجراى في محاضراته التي ألقاها في جامعة ييل سنة 1880 : " إن ما تنقله العلوم من عالم المجهول إلى عالم الطبيعة لا ينال من الإيمان أو يتعارض معه ، فالعلوم تسير في نفس الاتجاه الذي تسير فيه الطبيعة . و على ذلك فإن وظيفة العلوم هي العمل أن ترد ظواهر الكون في نشأتها الأولى إلى قدرة الله جلاله ".
المرجع :
عن كتاب "الله يتجلى في عصر العلم .."
جمعها : جون كلوفر مونسما
ترجمة الدكتور الدمرداش عبد المجيد سرحان
الناشر مؤسسة الحلبي و شركاه للنشر و التوزيع القاهرة
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:07 PM
حوار بين الحق و الباطل
قال تعالى :
( و في الأرض آيات للموقنين . و في أنفسكم أفلا تبصرون) .الذاريات 20 ـ 21 .
قال الدكتور عناية الله المشرقي ،و هو من أعظم علماء الهند في الطبيعة و الرياضيات ،و يتمتع بشهرة كبيرة في الغرب ، لاكتشافاته العديدة و أفكاره الجديدة و هو أول من عرض فكرة القنبلة الذرية ، قال : خرجت من بيتي لقضاء حاجة ما ، و كان ذلك يوم الأحد من أيام سنة 1909م فإذا بي أرى الفلكي المشهور السير جميس جينز الأستاذ بجامعى كمبرج ، فدنوت منه ، و سلمت عليه فسألني : ماذا تريد مني ؟ فقلت له : إن شمسيتك تحت إبطك رغم شدة المطر ! فتبسم السير جيمس و فتح شمسيته على الفور ، و توقف لحظة ثم قال : عليك أن تأخذ شاي المساء عندي .
و عندما و صلت إلى داره في المساء ، خرجت ليدي جيمس في تمام الساعة الرابعة بالضبط ،و أخبرتني أن السير جيمس ينتظرني ، و عندما دخلت عليه في الغرفة وجدت أمامه منضدة صغيرة موضوعة عليها أدوات الشاي .
و كان البروفيسور منهمكاً في أفكاره ، و عندما شعر بوجودي ، سألني : ماذا تريد ؟ و دون أن ينتظر ردي ، بدأ يلقي محاضرة عن تكوين الأجرام السماوية ، و نظامها المدهش و أبعادها وفواصلها اللامنتاهية ،و طرقها و مداراتها و جاذبيتها و طوفان أنوارها المذهلة ، حتى إنني شعرت بقلبي يهتز بهيبة الله و جلاله .
و أما السير جيمس فوجدت شعر رأسه قائماً ،و الدموع تنهمر من عينيه و يداه ترتعدان من خشية الله ، و توقف فجأة ثم بدأ يقول :
" يا عناية الله !
عندما ألقي نظرة على روائع خلق الله يبدأ وجودي يرتعش من الجلال الإلهي ، و عندما أركع أمام الله وأقول له " إنك عظيم " أجد أن كل جزء من كياني يؤيدني في هذا الدعاء ، و أشعر بسكون و سعادة عظيمتين ،و أحس بسعادة تفوق سعادة الآخرين ألف مرة ،أفهمت ... يا عناية الله خان ؟
و يضيف العلامة عناية الله قائلاً : لقد أحدثت هذه المحاضرة طوفان في عقلي و قلت له : يا سيدي لقد تأثرت جداً بالتفاصيل العلمية التي رويتموها لي ،و تذكرت بهذه المناسبة آية من كتاب الله فلو سمحتم لي لقرأتها عليكم فهز رأسه قائلاً : بكل سرور فقرأت عليه الآية التالية: ( ألم تر أنّالله أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ثمرات ٍ مختلفاً ألوانها و من الجبال جددٌ بيض و حمر مختلف ألوانها و غرابيب سود ،و من الناس و الدواب و الأنعام مختلف ألوانها كذلك ، إنما يخشى الله من عباده العلماء ، إن الله عزيز ٌ غفور ).
فصرخ السير جيمس قائلاً : ماذا قلت ؟
( إنما يخشى الله من عباده العلماء ).
مدهش ..! و غريب و عجيب جداً .
إن الأمر الذي كشفت عنه درسته و اكتشفته بعد خمسين سنة من البحث .
من أنبأ محمد به ؟.
المصدر :
كتاب حوار بين الحق و الباطل تأليف الشيخ عبد الحميد كشك
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:13 PM
عجائب التربة
كتبه
ديل سوارتزن دروبر
ـ إختصاصي فيزياء التربة
ـ حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة أبووا
ـ أستاذ بجامعة كاليفورنيا
ـ عضوا جمعية علم التربة أمريكا
ـ إخصائي في تركيب التربة و حركة الماء بها .
عندما يسير سكان المدن بسيارتهم في الطرقات التي تخترق الريف و المزارع نجدهم يعجبون بالمحاصيل الزراعية ، و هم يعلمون أنها تخرج من الأرض ،و لكنهم قلما يعيرون التربة التي تبنتها جانباً من الاهتمام . و على نقيض ذلك يهتم الممتازون من الفلاحين و الزراع بأنواع التربة و خواصها ،و لو أننا لا نتوقع من الغالبية منهم أن يقوموا بدارسة علمية لمادة التربة التي يتوقف عليها كسبهم و مستوى معيشتهم .
و التربة عالم يفيض بالعجائب ، و لكنها عجائب لا يستطيع أن يصل إلى كنهها أو يكشف أمرها إلا العلوم و الدراسة العلمية ،و لذلك فإنني أحب أن أشير هنا إلى خواص التربة بإيجاز .
و قد لا يستطيع القاريء أن يتابعني بسهولة عند سرد بعض النواحي و المصطلحات الفنية ، إلا أنني واثق من أنه سوف يتفق معي في أن عالم التربة مليء بالعجائب كما أنه سوف تروعه تلك العلاقات المتشابهة العديدة التي لا يمكن أن تكون قد تمت إلا عن تصميم و إبداع ، و لا شك أن ذلك سوف يقود القاريء إلى التفكير في المبدع الأعظم .
فلننظر إلى التربة لكي نرى كيف تنتج من عوامل التعرية ،و قد قسمت نواتج هذه العوامل إلى أقسام : فهنالك الطبقة المتخلفة السفلى تعلوها الكتل المتخلفة ثم فوق ذلك طبقة التربة . و جميع الطبقات تنتج من عملية التفتيت و التكسير التي تسببها عوامل التعرية . و للتربة أهمية خاصة بالنسبة لنا لأنها مصدر المواد الغذائية الهامة التي يحصل عليها النبات في انثناء نموه ، كما أنها ضرورية لتثبيت النباتات الأرضية فوق سطح الأرض .
فعندما تتعرض الصخور النارية لعوامل التفتت تزول عنها تدريجياً القواعد القابلة للذوبان في الماء مثل الكلسيوم و الماجنيزيوم و البوتاسيوم ، و تتبقى أكاسيد السليكون و الألومونيوم و الحديد مكونة الغلبية الكبرى من التربة ، و لا يحب هذه العملية انخفاض كبير في المنسوب الفسفوري ، بينما يترتب عليها عادة ارتفاع في نسبة النيتروجين .
و يؤدي تحلل عناصر السليكات الأصلية بتأثير عوامل التفتت هذه إلى تكون الصلصال ، و يشتمل الصلصال في المناطق المعتدلة و الباردة على نسبة كبيرة من السليكات غير المتبلورة و على كميات ضئيلة من غير السليكات ، أما في المناطق الاستوائية فترتفع في الصلصال نسبة الأكاسيد الطليقة و الأكاسيد المائية و الألومونيوم .
و من الخواص الهامة للصلصال قدرته على تبادل الأيونات الموجبة (الكتيونات ) ، إذ تمكنه هذه الخاصية من الاحتفاظ بالقواعد القابلة للذوبان و اللازمة لنمو النبات و يؤدي ذلك إلى عدم انخفاض نسبة هذه المواد بالتربة انخفاضاً كبيراً او انعداماً كلياً ، ومن ذلك نرى أن عمليات التفتت تؤدي من جهة إلى فقدان بعض المواد القاعدية القابلة للذوبان ،و لكنها تقدم في نفس الوقت طريقة أخرى للمحافظة على هذه المواد .
و لا يتسع المقام لتناول العناصر الغذائية الأخرى اللازمة لحياة النبات فلننظر إذن إلى مشكلة أخرى و هي كيف هيا المدبر الأعظم الظروف المناسبة لنمو النباتات في الأحقاب الجيولوجية القديمة ، و علم على استمرار حياتها و بقائها .
فإذا سلمنا بأن هذه النباتات القديمة كان لها نفس الاحتياجات الغذائية مثل النباتات الحالية ، فلابد ان تكون القواعد القابلة للذوبان و كذلك المواد الفسفورية قد وجدت بكميات أكبر مما توجد عليه الآن . أما بالنسبة للنيتروجين فإن الوضع يختلف ، فالنباتات تحتاج إلى قدر كبير من المواد النيتروجينية ، و مع ذلك فإن قدرة التربة القديمة على الاحتفاظ بهذه المواد كانت ضعيفة . فكيف كانت النباتات الأولى تحصل إذن على حاجاتها من النيتروجين ؟
هنالك شواهد تدل على أن الصخور النارية التي لم تتأثر بعوامل التفتت تحتوي على قدرة من النتروجين النشادري . و من الممكن أن تكون النباتات الأولى قد استفادت من هذا المصدر . و لكن هنالك مصادر أخرى غير ذلك ، هنالك البرق مثلاً ، وقد يظن كثير من الناس ان البرق يؤدي إلى تكوين أكاسيد النيتروجين التي تحصل عليها التربة بهذه الطريقة في صورة نيترات بما يقرب من خمسة أرطال للفدان الواحد سنوياً ، وهو ما يعادل ثلاثين رطلاً من نترات الصوديوم ، وهذه كمية تكفي لبدء نمو النباتات.
و يلاحظ أن كمية النيتروجين الذي يثبته البرق تكون في المناطق الاستوائية أكثر منها في المناطق الرطبة ، و هذه بدورها تزيد على الكمية التي تتكون في المناطق الصحراوية .
و من ذلك نرى أن النتروجين يوزع على المناطق الجغرافية المختلفة بصورة مفاوتة تبعاً لمدى احتياج كل منطقة منها لهذا العنصر الهام .
فمن الذي دبر كل ذلك ؟ إنه المدبر الأعظم .
وعندما نتحدث عن المدبر الأعظم ، هل من الممكن أن نستدل بما بين النباتات و التربة من علاقات متشابكة و توافق عجيب متشابكة و توافق عجيب على وجود تدبير و غرض واضح في الطبيعة ؟ إننا لا نستطيع أن نجيب على هذا السؤال دون أن نتدبر مقتضياته بالنسبة لدائرة العلوم كلها .
إن العلماء قد لا يستطيعون أن يتفقوا على تعريف واحد للطريقة العلمية ، و لكنهم متفقون جميعاً على أن العلوم تستهدف كشف قوانين الطبيعة . و لابد للمشتغل بالعلوم أن يسلم أولاً بوجود هذه القوانين حتى لا يكون متناقضاً مع نفسه . و قد أصبح من المحال أن ينكر أحد وجود هذه القوانين بعد اكتشف الإنسان الكثير منها في ضمن ميادين البحث و من الطبيعي أن يتساءل الإنسان بعد كل ذلك : لماذا وجدت هذه القوانين ؟ و لماذا قامت بين الأشياء المختلفة ،ومن بينها التربة و النبات ، تلك العلاقات العديدة التي تتسم بذلك التوافق الرائع بين القوانين مما يؤدي إلى تحقيق النفع و الفائدة ؟
إننا نعترف بأننا وقد وصلنا إلى هذا الحد من التفكير قد اقتربنا من الحد الفاصل بين العلوم و الفلسفة . فكيف نفسر كل ذلك النظام و الإبداع الذي يسود هذا الكون ؟
هنالك حلان :فإما أن يكون هذا النظام قد حدث بمحض المصادفة ،و هو مالا يتفق مع المنطق أو الخبرة ، و مالا يتفق في الوقت نفسه مع قوانين الديناميكا الحرارية التي يأخذ بها الحديثون من رجال العلوم . و إما أن يكون هذا النظام قد وضع بعد تفكير و تدبر ، و هو الرأي الذي يقبله العقل و المنطق . و هكذا نرى أن العلاقة بين النبات و التربة تشير إلى حكمة الخالق و تدل على بديع تدبيره .
و أنا واثق أن الأخذ بهذا الرأي سوف يثير انتقاد المعارضين لهذا الاتجاه ممن لا يؤمنون بوجود الحكمة أو الغرض وراء ظواهر الطبيعة و قوانينها ، و معظم هولاء ممن يأخذون بالتفسيرات الميكانيكية و يظنون أن النظريات التي يصلون إليها في تفسير ظواهر الكون تمثل الحقيقة بعينها و لكن هنالك من المسوغات ما يدعوا إلى الاعتقاد أن ما وصلنا إليه من التفسيرات و النظريات العلمية ليس إلا تفسيرات مؤقتة ، وليست لها صفة الإطلاق أو الثبات . فإذا ما سلمنا بهذا الرأي تضاءل خطر المعارضين في غرضية الكون أو وجود غاية منه ، فمما لاشك فيه أن هنالك حكمة و تصميماً وراء كل شيء سواء في السماء التي فوقنا أو الأرض التي من تحتنا . إن إنكار وجود المصمم و المبدع الأعظم يشبه في تجافيه مع العقل و المنطق ما يحدث عندما يبصر الإنسان حقلاً يموج بنباتات القمح الصفراء الجميلة ثم ينكر في نفس الوقت وجود الفلاح الذي زرع و الذي يسكن في البيت الذي يقوم بجوار الحقل .
عن كتاب "الله يتجلى في عصر العلم .."
بقلم : جون كلوفر مونسما
ترجمة الدكتور الدمرداش عبد المجيد سرحان
الناشر مؤسسة الحلبي و شركاه للنشر و التوزيع القاهرة
أحمد سعد الدين
16-12-2004, 07:14 PM
منطق الإيمان
كتبه
جورج هربرت بلومنت ـ أستاذ الفيزياء التطبيقية
حاصل على درجة الماجستير من معهد كاليفورنيا التكنولوجي
ـ كبير الهندسنين بقسم البحوث الهندسية بجامعة كاليفورنيا.
إنني أومن بالله ، بل و أكثر من ذلك ،إنني أوكل إليه أمري ، ففكرة الألوهية بالنسبة إليّ ليست مجرد قضية فلسفية ، بل إن لها في نفسي قيمتها العلمية العظمى و إيماني بالله جزء من صميم حياتي اليومية .
و يختلف هذا اختلافاً كبيراً عما يذهب إليه كثير من المفكرين ،فهنالك عدد غير قليل من عمالقة الفكر استبعدوا فكرة وجود الله عن محيطهم و أقاموا من أنفسهم دعاة إلى الإلحاد ،و هذا يفرض علينا أن نوضح الأسباب التي تدعونا إلى الإيمان بالله .
و لدى محاولتي القيام بهذا الواجب، أحب أن أوضح بعض خواطري ، وان أناقش بعض النظريات الهامة التي تدعو إلى الإيمان أو الإلحاد ،و لسوف تعيننا مناقشة هذه الآراء على الأسباب التي تدعو كل من يستخدم عقله إلى الإيمان بالله ،وأريد بعد ذلك أن أبين لماذا يؤمن الناس بالله.
لقد درس كثير من الباحثين الأسباب التي تجعل الناس يؤمنون إيماناً أعمى يقوم على التسليم لا على أساس المنطق و الاقتناع ، وما يؤدي إليه هذا النوع من الإيمان من أفكار متناقضة حول صفات الله . و تدل الشواهد على أن هنالك نوعاً من الإجماع بين الفلاسفة و المفكرين على أن لهذا الكون إلهاً ، و لكن لا يوجد هنالك اتفاق على أن هذا الإله هو ذاته إله الكتب المقدسة . و ليس معنى ذلك بطبيعة الحال أن هنالك مطعناً في تلك الكتب ،أو أن ذلك الغموض يرجع إلى عدم وجود الأدلة الكافية فقد يكون العيب في المنظار ذاته الذي ترى به لحقائق ،و عندئذ يؤدي ضبط المنظار إلى المزيد من الوضوح , و لكن حتى مع ذلك يبدوا أن الأدلة في حد ذاتها لا تعطي الحكم المطلق .
و لكي أبين القيمة الحقيقية للأدلة و ما يعتبر من وجهة نظري الطريقة السليمة لاستخدامها ، أحب أن ألفت الأنظار إلى طريقة الاستدلال التي نستخدمها في علوم الرياضة .
فمن المعروف في علم الهندسة ، أننا نستطيع أن نبني كثيراً من النظريات على عدد قليل ن من البديهيات ، أو تلك الفروض التي نسلم بها و نقبلها دون مناقشة أو جدال حول صحتها ، فالعلماء يسلمون أولاً بالبديهيات ، ثم يتتبعون مقتضياتها أو النتائج التي تترتب عليها . و عند إثبات أي نظرية نجد أن برهانها يعتمد في النهاية على مسلمات أو أمور بديهية ، و مع ذلك فإن النظريات مجتمعة لا تستطيع أن تقدم دليلاً على صحة بديهية من هذه البديهيات ،بمعرفة ما يترتب على استخدامها من الاتفاق أو تضارب مع التطبيقات العملية و الحقائق المشاهدة .
و لا تعتبر صحة النظريات التي تقوم على الأخذ بهذه البديهيات ، و لا مجرد عدم مشاهدة آثار للتناقض بين هذه النظريات و بين الواقع و المشاهد ، دليلاً أو برهاناً كافياً على صحة البديهيات المستخدمة . فالواقع أننا نقبل البديهيات قبول تسليم و إيمان .
و ليس معنى ذلك بطبيعة الحال أنه تسليم أعمى لا يقوم على البصيرة .
و كذلك الحال فيما يتعلق بوجوده تعالى أمر بديهي من الوجهة الفلسفية ،و الاستدلال بالأشياء على وجود الله ـ كما في الإثبات الهندسي ـ لا يرمي إلى إثبات البديهيات ،و لكنه يبدأ بها ، فإذا كان هنالك اتفاق بين هذه البديهية و بين ما نشاهده من حقائق هذا الكون و نظامه ، فإن ذلك يعد دليلاً على صحة البديهية التي اخترناها . و على ذلك فإن الاستدلال على وجود الله يوقم على أساس المطابقة بين ما متوقعه إذا كان هنالك إله و بين الواقع الذي نشاهده .
و الاستدلال بهذا المعنى ليس معناه ضعف الإيمان ،و لكنه طريقة لقبول البديهيات قبولا يتسم باستخدام الفكر ، و يقوم على أساس الاقتناع بدلاً من أن يكون تسليماً أعمى .
و الأدلة أنواع : منها الأدلة الكونية ، ومنها الأدلة التي تقوم على إدراك الحكمة ، ثم الأدلة التي تكشف عنها الدراسات الإنسانية .
فالأدلة الكونية تقوم على أساس أن الكون متغير ، و على ذلك فإنه لا يمكن أن يكون أبديا ، و لابد من البحث عن حقيقة أبدية عليا .
أما الأدلة التي تبنى على إدراك الحكمة فتقوم على أساس أن هنالك غرضاً معيناً أو غاية وراء هذا الكون ،و لابد لذلك من حكيم أو مدبر . و تكمن الأدلة الإنسانية وراء طبيعة الإنسان الخلقية ، فالشعور الإنساني في نفوس البشر إنما هو اتجاه إلى مشرع أعظم .
و لما كان اشتغالي بالعلوم ينحصر في التحليل الفيزيائي ،فإن الأدلة التي يتجه إليها تفكيري تعتبر من النوع الذي يبحث عن حكمة الخالق فيما خلق . و لاكتشاف القوانين التي تخضع لها الظواهر المختلفة ، لابد من التسليم أولاً بأن هذا الكون أساسه النظام ، ثم يتجه عمل الباحث نحو كشف هذا النظام .
و يبدأ عمله عند حل مشكلة من المشكلات بعمل نموذج أو تجربة تعينه على دراسة الظاهرة التي يدرسها ،و ليس النموذج أو التجربة إلا محاولة لاختبار صحة فرض من الفروض . و يجب أن يكون هذا الفرض بسيطاً مع مطابقته للواقع ، ثم يدور البحث حول النموذج أو التجربة لمعرفة العوامل التي تؤثر في الظاهرة التي هي موضع البحث ، فإذا كانت النتائج مؤيدة للفرض الذي بدأ به ، فإنه يعده صحيحاً لأن ما ينطبق على هذا النموذج ينطبق أيضاً على سواه ، مما يدل على تسليمنا بأن هنالك نظاماُ يسود هذا الكون .
و لا يمكن أن يتصور العقل أن هذا النظام قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم او من الفوضى ، و على ذلك فإن الإنسان المفكر لابد أن يصل و يسلم بوجود إله منظم لهذا الكون ،و عندئذ تصير فكرة الألوهية إحدى بديهيات الحياة ، بل الحقيقة العظمى التي تظهر في هذا الكون و المطابقة بين الفرض و النتيجة تعد برهاناً على صحة الفرض . و المنطق الذي نستخدمه هنا هو أنه إذا كان هنالك إله فلابد أن يكون هنالك نظام . و على ذلك فما هنالك نظام فلابد من وجود إله .
و يلاحظ أن للملحدين منطقهم ، و لكنه منطق سلبي ، فهم يقولون إن وجود الله يستدل عليه بشواهد معينة و ليس ببراهين قاطعة ، و هذا من وجهة نظرهم يعني عدم وجوده تعالى . إنهم يردون على الأدلة الكونية بقولهم : إن المادة و الطاقة يتحول كل منها إلى الآخر بحيث يمكن أن يكون الكون بذلك أبدياً . كما أنهم ينكرون النظام في الكون ،يرونه مجرد وهم ، و هكذا ينكرون الشعور النفسي بالعدالة و الاتجاه نحو موجّه أعظم ، و مع ذلك لا يستطيعون أن يقيموا دليلاً واحداً على عدم وجود الله ، و من منطقهم : أن الأدلة المقدمة لإثبات وجود الله لا تعتبر كافية من وجهة نظرهم .
و هنالك فئة أخرى من الملحدين لا يعترفون بإله لهذا الكون لأنهم لا يرونه ، و لكنهم لا ينفون وجود إله أو عالم آخر غير هذا الكون . و لا شك أن هذا موقف مائع متضارب لا يستند إلى أساس سليم .
فإذا قارنا الشواهد التي يستدل بها المؤمنون على وجود الله، و تلك التي تستند إليها الملحدون في إنكار ذاته العلية ، لأتضح لنا أن وجهة نظر الملحد تحتاج إلى تسليم أكثر مما تحتاج إليه وجهة نظر المؤمن ، و بعبارة أخرى نجد المؤمن يقيم إيمانه على البصيرة .أما الملحد فيقيم إلحاده على العمى .
و أنا مقتنع ا، الإيمان يقوم على العقل وأن العقل يدعوا إلى الإيمان . و إذا كان الإنسان يعجز أحياناً عن مشاهدة الأدلة ، فقد يكون ذلك راجعاً إلى عدم قدرته على أن يفتح عينيه .
و مجرد الاقتناع بوجود الله ، لا يجعل الإنسان مؤمناً ، فبعض الناس يخشون من القيود التي يفرضها الاعتراف بوجود الله على حريتهم . و ليس هذا الخوف قائماً على غير أساس ، فإننا نشاهد ان كثيراً من المذاهب المسيحية ، حتى تلك التي تعتبر مذاهب عظمى ـ تفرض نوعاً من الدكتاتورية على العقول . و شك في أن هذه الدكتاتورية الفكرية إنما هي من صنع الإنسان و ليست بالأمر اللازم في الدين ، فالإنجيل مثلاً يسمح بالحرية الفكرية حينما يقول : " قال الرب أقبل علينا و دعنا نفكر معاً ".
فماذا يدعو الإنسان إذن إلى الإيمان الحقيقي و الاعتراف بوجود الله ؟ إنه نفس الشيء الذي يدعوه إلى الاعتراف بوجود صديقه ، و على ذلك فإن الإيمان يحدث عندما يتجه الإنسان إلى ربه و يرجع إليه .
و أعتقد أنني آمنت بالله بهذه الطريقة ، كما أعتقد أن الإيمان بالله يقوم على أساس المنطق و الاقتناع ،و لكن هذا يعتبر أمرا ثانوياً بالنسبة للأمر الأول : لقد اتجهت إلى الله و حصلت على خبرة شخصية محض لا أستطيع أن أقدمها إليك . فإذا كنت في شك من أمره تعالى فإليك الحل : " اتجه إليه و سوف تجده ". قال تعالى في القرآن الكريم :"و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " سورة العنكبوت .
عن كتاب "الله يتجلى في عصر العلم .."
بقلم : جون كلوفر مونسما
ترجمة الدكتور الدمرداش عبد المجيد سرحان
الناشر مؤسسة الحلبي و شركاه للنشر و التوزيع القاهرة
Powered by vBulletin™ Version 4.0.2 Copyright © 2012 vBulletin Solutions, TranZ by Almuhajir