محمد جاد الزغبي
16-07-2008, 12:21 AM
ضحكات على مسرح الفضيلة ,,
{ هناك من يضحك من الفضيلة .. وهناك من يضحك بالفضيلة .. فالأول يسخر منها والثانى يسخر من مفتقديها .. وهذه يوميات حوارية خفيفة الظل فيها الطرفة وفيها المعلومة وفيها بعض مواقف لعلماء مشاهير سنذكرها منسوبة لأصحابها وأخرى لبعض تلامذتهم سنوردها بلا أسماء لنعرف كيف ولماذا يسخر العلماء ونرى أيضا كيف يحتذى بهم تلامذتهم }
* تمهيد
من أقوى التنطع أن يحتج البعض على العلماء بأنهم يسخرون من أصحاب الشبهات وأن هذا لا يجوز شرعا !
ولم يلتفت هؤلاء المغيبون وهم يحاسبون العلماء على سخريتهم ممن هو أهل لها وأكثر .. أن أصحاب الشبهات إنما يستحقونها من وجهين أولهما أنهم يسخرون بأقذع الأساليب من كل الثوابت الإسلامية والثانية جهلهم المدقع وهم يعترضون بما لم يفهموا
فالذى يسخر من سيرة وتاريخ الإسلام ليس له اعتبار يُحترم .. والذى يتشدق بالشرعية وعلاقته بها كعلاقة إبليس بالجنة ليس له مكانة تـُـقدّر .. وقد نهى الله تعالى عن السخرية فى موضعها وأثبتها فى موضعها أيضا .. يقول عز وجل
[اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ] {البقرة:15}
وقد درج كبار العلماء على تعمد السخرية من تلك الفئة المتعمدة للتشويه , كجزاء رادع لهم ولغيرهم حتى لا يكرروها .. فقد فعلها الشافعى فى محاججته لأصحاب الكلام وفعلها بن تيمية فى الصارم المسلول وفعلها بن الجوزى فى تلبيس إبليس وفعلها بن قتيبة فى تأويل مختلف الحديث وعيون الأخبار وفعلها المعاصرون من مفكرينا كعباس العقاد فى تصديه للحداثة وفعلها مصطفي محمود فى تصديه للماركسية وفعلها الشعراوى فى تصديه لشبهات الداخل والخارج وفعلها الحوينى فى تصديه لمنكرى السنة وفعلها الكبيسي فى سخريته من المتواطئين وفعلها وجدى غنيم فى تصديه لغث الأفكار وعشرات غيرهم ..
المحاورة الأولى :
إلا الحماقة أعيت من يداويها
وصل لمسامع الحوينى ـ بارك الله فى عمره ـ أن نور الشريف يقول أنه عندما هم بتمثيل مسلسل عمرو بن العاص قرأ مراجع وأمهات الكتب فى التاريخ ليتأكد تماما أن عمرو بن العاص رضي الله عنه فعل كذا .. وكذا
فضحك الحوينى ساخرا وقال :
عن أى تاريخ و أى شريعة يتحدث هذا الغارق فى الملذات ومن أدراه بها حتى يستطيع أن يميز بين الغث والسمين والصحيح والموضوع من الأخبار .. وهل يستطيع أن يقرأ أحداث التاريخ ثم يعود إلى رواتها بحثا عن مصداقيتهم فى كتب علم الرجال .. وماذا سيفعل لو وجد عبارة تتحدث عن أحد الرواة وتقول { بين يدى عدل }
هل سيفقهها .. " والله ما حيعرف حيقراها "
وتعالت ضحكات مستمعيه فالعبارة تخصصية بحته وتعد ذما فى الراوى لأنها ترمى إلى أحد رجال الشرطة ممن عرفوا ببطشهم فكان يقال بين يدى عدل إشارة إلى عدم الضبط فأخذها أصحاب الحديث كعبارة من عبارات الدلالة على حال الرواة
طرقت العبارة ذهن أحد الكتاب وهو يستمع إلى إلحاح رفاقه أن يتحدث أو يرد بعضا مما يقال عنه فرفض لضيق الوقت وعندما أتيحت الفرصة طلب أن ينقلوا إليه ما يريدون فيجيبهم ..
قال الأول :
يقول عنك أنك أسأت الخلق وتجاوزت الحدود ويذكرك بالسوء إشارة أو تصريحا دون أن يخبرنا عن الكارثة التى فعلتها والتى تبلغ من عظمها أنه أخفاها سموا منه وترفعا .. والمشكلة أن قاضينا العادل يحكم بأقواله
رد الكاتب :
سأتناول الأولى قبل الثانية فقاضي العدل يقضي بما يتاح له ويظهر أمامه ولذلك كم من حـُـكم عادل ولكنه فى نفس الوقت غير صحيح .. ورحم الله القاضي شريح كان أول من فرق بين الشهود فإن اتفقت أقوالهم دل ذلك على صدقهم وإذا تناقضت دل على الكذب .. فالعيب ليس فى القاضي
أما صاحبنا المتذرع بالدفاع عن الشريعة فلن يفصح عما قيل ـ وأتحداه أن يفعل ـ لأنه ببساطة لم يكن سبا وشتما وغيبة ـ مثلما يفعل هو الآن ـ بل كان وصفا وما أبعد الفارق بينهما
فعندما تصف الأحمق بصفته فأنت لا تسبه بل تضعه مقداره .. حتى الحدود فى الشريعة تقر ببراءة القاذف إذا ثبت القذف
فرد الأول :
وهل أتيت بشهود على أوصافك له ؟
ضحك الكاتب ملئ فيه وهو يقول ساخرا :
وما حاجتى للشهود وأمة لا إله إلا الله أقرت أن الحماقة أعيت من يداويها !
وكيف لمدافع عن الأخلاق أن يغتاب ويبهت وينكر مكانة صاحب المكانة لمجرد حقده عليه.. ويرمى بلا بينة ويسكت عن الحق ويداهن فى الباطل ثم يتحدث عن الخـُـلق
وكيف لصاحب الحق ـ لو أنه كان صادقا ـ أن يخاف التناول الحر فى الأمر كما حدث معكم وكيف للحر أن يظهر شجاعته فى غير وجود خصمه بل كيف يعجز عن إقناع الناس فى غير وجوده وهو منفرد بهم وكيف به يتذرع بالأخلاق ثم يظهر حقدا دفينا يكتمه فلا يكاد يطيق أن يذكر صاحب الفضل بفضله فالدفاع عنده تمرد والتساؤل مؤامرة ورد الغيبة تواطؤ .. وهذا طبيعى لأن المثل الشعبي يقول { اللص يعتقد أن كل الناس لصوصا }
وقد فشل فى إقناع الناس رغم خلو الساحة له تماما ومع ذلك لم يستطع أن يرد تساؤلا واحدا من أسئلتكم إليه
وكيف للمتسامى الذى يرفض ذكر الجريمة أن يأتى أضعافها .. وقد أحصيتم عليه أحاديثه فهل رأيتموه يأتى بدليل واحد أو حتى إشارة صحيحة ؟ أم أن كل كلامه يدور فى فلك عبارة واحدة يكررها وهى اتهام سوء الخلق
دون أن يبرهن بنقطة واحدة سابقة أو لاحقة تمنحه بعضا من المصداقية التى فقدها تماما أمام الجميع ولم يلحظ هذا ..
بل رد بالحجب والتهديد فأصبح مثله كمثل الحكام العرب قاموا بإخفاء معارضيهم المجاهرين فى غياهب السجون وألجموا الباقين ثم قالوا بالعدل والتقوى .. وصاحبنا نسي نفسه فبالغ فى شدة بردة فعله على نحو يورطه فى ضرورة الإتيان بجريمة مناسبة ولن يجد طبعا
بينما كل من ذكر بالخير دلل على ذكره بواقعة أو أيدها بمعلومة تختلف عن الآخر ليبرهنوا عن مرجعية دفاعهم ودليله
وهو يريد أن يثبت أنه أهل الخلق بمخالفة الخلق ! تماما كالزوج الذى طلبت زوجته من القاضي أن يطلقها منه لكثرة حلفه بالطلاق .. فسأله القاضي هل تكثر الحلف بالطلاق .. فأجابه العبقري { عليا الطلاق ما حلفت } !
فتساءلت الثانية :
ولكننا نعيب عليك أنك رفضت الدفاع عن نفسك أمام القاضي الذى تقر بعدله وأمامنا أيضا ..
فقال الكاتب :
روى فى المستطرف أن عمارة بن حمزة أحد مشاهير أصحاب الأنفة فى العصر العباسي أنه كان يوما فى مجلس الخليفة وكان هذا الأخير يدنيه ويقربه لفضله .. وكان بالمجلس من يحقد على عمارة مكانته عند الخليفة وسمعته الشهيرة فأراد أن ينال من مكانة عمارة فقال للخليفة ـ وعمارة حاضر ـ مظلوم يا أمير المؤمنين وقد ظلمنى عمارة إذ غصب ضيعتى
فالتفت الخليفة لعمارة طالبا منه أن ينزل فيجلس إلى جوار خصمه ليقضي بينهما
فقال عمارة { يا أمير المؤمنين .. ليس هذا لى بخصم .. إن كانت الضيعة له فهى له لا أنازعه فيها .. وإن كانت لى فأنا أهبها له ولا أنزل عن مكانتى لمكانته فى سبيل ضيعة }
فعمارة هنا لم يهن الخليفة بقراره بل جنبه وجنب نفسه موضع الشك الذى لا يليق لثقته أن خليفته يعرف معدنه
هذا الخلق هو الذى حكمنى فتركت له ضيعته المدعاة التى لا يملك سواها ..
لأنه خارجها لا يساوى شيئا ولا يعطى أثرا أما أنا فلست بخاسر فضيعته يريدها صحراء خالية إلا منه وأمثاله وأنا لا أجلس بين الصخور والرمال وأبث فيها ماء الحياة لأنها لن تحيا فالرمال تشرب الماء ولا تعترف لك بفضل ولا تنتج لأهلها زرعا أما الأرض الخضراء فتعترف لك بفضلك إذا يظلك شجرها وتثمر خيرها لغيرها من المسلمين
قال الثالث :
لكنك لم تخبرنا ماذا فعلت ولماذا تعطيه الفرصة التى ينتظرها ليتهمك
فقال الكاتب :
سأخبرك بالثانية قبل الأولى .. فربما عاب البعض أن أعطى الفرصة لطالبها لكنهم لا يدركون أن هذا المبدأ إنما يكون فى خصومة الأكفاء أما إن كان الخصم هينا وأراد الفرصة فأنا أعطيها له قبل أن يطلبها لسبب بسيط وهو أنه سيخسرها أيضا فها هو على الحلبة منفردا فتارة يرمى بتهم وتارة يتساءل عن سبب ثورتكم ولماذا لم تحدث من قبل مع أحد وتارة يتحدث عن الإلتزام كما لو أنه يعطيكم أجرا على جهدكم دون أن يدرى أن يخالف كالعادة ما ينادى به من العمل دون فوارق
أما ماذا فعلت فلم يكن السكوت إلا لسبب خاف عندى لا علاقة له بالقول الذى أعلنكم أنى لم أتنازل عنه وها هى الأيام قد أثبتته
فقد قلت له أنه إن ظن فى نفسه يعطينى علما فتلك من علامات القيامة .. ولم أخطئ فى ذلك فمن علاماتها فعلا أن يعلم الخلق من لا خلاق له .. وقلت له أنه لم يستفد بعدل القاضي الذى خدمه حظه بالوجود لجواره وثبت قولى فعلا عندما أظهر غيظه مقرونا بجهله فرأيتموه يقول أن العلم والثقافة فى الكتب
وهى نظرية جديدة أنصحه أن يسجلها باسمه فلم يقل بها أحد من العلماء ولا حتى العامة ولا الأطفال فى الكتاتيب والتى تجلس لمعلمها فى تقدير وهى تأخذ عنه
ورأيتموه يضرب مثلا بحمار بنى إسرائيل ولست أدرى من أين تأول المثل الأصلي فى الآية الكريمة والذى يشبه حامل التوراة دون وعى بالحمار حامل الأسفار ليفسرها بمثل آخر يقيسه على المثل الأصلي لا على واقعة كما هو مفترض فربما لم يبلغه أن بنى إسرائيل كانت لهم بقرة وكان عندهم الهدهد كما لقوم صالح الناقة ..
ورأيتموه يقول أن المثقفين لا يمكن تعليمهم الأخلاق كالأطفال إذا فقدوها وليتنا نعرف من أن يستقي الشريعة حتى يدلنا على المبدأ الذى يجيز لمثله أن يتربص ليل نهار لكل كلمة إشادة فينقضها وكل كلمة شكر فيحجبها وكل كلمة دفاع فيمحوها ..
وليته يخبرنا بعلمه الغزير عن العدل الذى يجيز له أن يقلب المبدأ القرآنى فتصبح السيئات ماحية للحسنات بدلا من العكس ..
بل وتنفي عن صاحب العلم علمه على اعتبار أنه أتى بعلمه من الكتب القديمة ـ وهو اتهام خطير آخر لم يدلل عليه طبعا ـ ولم يخبرنا العبقري هل عالج بن تيمية قضية فلسطين بفكرتها الجديدة ولم نسمع ؟! أو حدث الشافعى عن الشعراوى ولم نر ؟ ولم يخبرنا كيف جزم بهذا قبل أن يكلف وقته نظرا فيما بصروه به فلم يبصره من شهادات عامة الناس وخواصهم ..
فضلا على شيئ آخر لم ينتبه إليه لحماقته وهو أن اتهامه هذا لو كان فيه صادقا لماذا سكت عنه ـ وهو ضد الأمانة ـ من قبل ولو كان كاذبا مفترى فهو دليل عاشر على بهتانه أى أنه ـ باتهامه هذا ـ خاسر سواء صح أم افترى
وهذا إن دل فإنما يدل على أنه لم يقرأ شيئا أصلا .. على الأقل ليمكنه الحديث بشيئ من المنطق لكن من أين يأتى بالوقت ؟!
وليته يخبرنا إن كان ما رآه منى منكرا لهذه الدرجة لماذا لم يقم بواجبه فيبصر الناس بالفعلة الشنعاء التى لوثت ثوبه الطاهر للدرجة التى فاقت الموبقات التى أتت من غيرنا فسكت عنها ومنها ما مس الشريعة ذاتها ؟!
فأين كانت الغيره ولماذا لم تخرج من الحفره ؟!!
وإن كان العدل متشربا فى دمه لهذه الدرجة لماذا سكت عند الإجادة وشتم عند التجاوز ؟ وليته كان تجاوزا فقد نصحته .. قلت له إن لم يكن لديك من الحياء نصيب فاستعره .. ويبدو أنه لم يستمع لنصيحتى !
لأنه بعد رحيلي بادر بارسال رسالة إلى القلم الذى عرفتموه يعلنه فيها أنه قد عرف الحق ولذلك تم طردى من المكان لأجله وتلك العبارة تحوى عدة مصائب
أولها .. أن أمر استقالتى لا علاقة له بردودى من قريب أو بعيد كما قال لكم هو بنفسه لأن هذه الردود تستحق التكريم لا الإنكار
وثانيها .. أن هذا القلم بالذات هو الذى فعل الموبقات السابق التنويه عنها وسكت إزاءها هذا المدافع عن الفضيلة ويكفيه عارا أنه كان مدافعا منافحا عن اليهود وليته يدافع لعلم بل بجهل وعندما أتيت رددت كتاباته الحمقاء بالحجة والمنطق وبسهولة ويسر بالغين أخرساه .. فقد أعصابه طبعا وانفلت لسانه فلم يدع دينا ولا شريعة ولا حتى تربية
فيأتى صاحبنا فيرسل إليه ويستبقيه ويسترضيه مما فعلته به ! بل ويدلس عليه ويقول فعلناها لأجلك !
وثالثها
وهى مصيبة عظمى أننى أنا الذى تركت لهم المكان لكن حقده أبي عليه أن يجعلها كما حدثت فزورها طبعا
قال رفيقه فى دهشة :
ولكن العضو تم طرده الآن
فرد الكاتب :
نعم ولكن لسبب لن تتوقعوه وهو أن العضو يهودى الإنتماء بادر بمرضه النفسي فقام بنشر رسائل صاحبنا وفضحه فبادر لطرده فورا قبل أن ينكشف أمره لكنه لم يحسب أنه يتعامل مع مريض فقد قام نفس العضو بنشر الرسائل فى عدة مواقع وباسم صاحبنا الصريح ساخرا منه أشد السخرية وقد نال جزاء موالاته له من عينة جنسه والطيور على أشكالها تقع .. وقد وصلتنى عدة رسائل من هذا العضو أعترف له فيها بفضل الترفيه عنى صراحة وأطمح فى المزيد ! فليس فى كل يوم يشاهد المرء قردا بشريا .. ولو ظهر هذا العضو فى زمن داروين لدفع فيه الملايين
ورغم هذه الفضيحة العلنية لا زال صاحبنا يجد الوجه الذى يدافع به عن الفضيلة !؟
قالت الرابعة :
ولكن بعض الناس يدافع عنك كما لو كنت أخطأت وها أنت تقول أنك لم تتراجع عن رأيك
قال الكاتب :
هؤلاء لهم الفضل منى والعرفان حتى لو كانوا قد دافعوا عن أمر لا زلت أتمسك به لأنهم لا يعرفون شيئا عنه ومع الحديث المتكرر منه على الخطأ ظنوا بأننى أجرمت حتما فى شيئ ما لم يفصح عنه .. غير أنهم وبشيئ من التفكير البسيط لو تأملوا لأدركوا .. فمن لا يتورع عن الإفتراء لا يمكن أن يسكت عن إدانة حقيقية تحت يده فلا يظهرها
وهو الآن لو قام بإخراج ما ظنه اتهاما للناس وأعلنه فسيحصد سخريتهم لعدة ليال ــ ما لم يأت بافتراء آخر بالغ الشدة يبرهن به على كلامه ــ لأن المقارنة بين ردة فعله وبين الفعل تبين الفارق الشاسع بينهما لأن ما قلته لا يكاد يبلغ مقدار الذرة فيما قاله علنا أمامكم أو سرا بالرسائل التى حذفها من ملفاتكم كى لا تصبح دليلا مقيما عليه وهو غباء مطلق لأنه لو أراد الهرب حقا ما حذفها فالسؤال الذى يثور تلقائيا لماذا قمت بحذف الرسائل من أصحابها دون إذنهم لو أنك فعلا برئ من تهمة التجسس التى أنكرتها رغم إقرارك بها فى إحدى رسائلك وقولك عنها أنها إجراء شرعى ؟!
سأل الخامس فى حمية مألوفة منه :
ولكنك إلى الآن لم تفسر لنا التناقض بين عدالة القاضي وبين غضه الطرف عن جميع أقوالنا لأجل قول شخص واحد كشف نفسه بنفسه
رفع الكاتب إصبعه محذرا :
لا تجعل الغيرة تأخذك للباطل .. ولو قبلنا هذا الكلام رغم وجود إشارات له سنكون قد حكمنا بسطح الترمومتر ونسينا عمقه فما لقاضينا من مكانة ومكان وتاريخ وهيبة تجبرنا أن نتأنى لأننا لن نبلغ مقداره قط .. ونظرته للأمور أوسع من نظرتنا وحميتنا تقابلها حكمته .. وهذا يجبرنا على أن نتأول له ..
ثم إن الوقت الذى نراه طويلا يراه هو فيما ننتظره منه قصيرا فليس من السهل أبدا أن يخيب ظنك بإنسان عاشرته فعرفته ثم نأتى وبكل بساطة لنكشف أمامه أنه كان مخادعا .. فحسن الظن سيظل يحكمه حتى يري بعينيه ما يحتاجه من دليل .. ولا يشغلنى قط هذا الأمر لأن صاحبنا يتكفل بهذا الأمر عوضا عنا فكل تصرف وكل كلمة وكل إجراء يقدم عليه تقربه شيئا فشيئا إلى مهلكه .. ولا يحتاج قاضينا منا إلا إلى الوقت فحسب وسيتوصل وحده فيعرف من المدعى ومن صاحب الحق
والقرار بالغ الصعوبة وأنتم لم تنتبهوا أننا نحمل له نتيجة مفادها أن ما بذله فى أعوام يضيعه صاحبنا فى أيام
فقال محاوره فى حيرة :
يا أخى ولكنه رفض الحديث معنا ولم يكمله
فقال الكاتب :
سأريحك بسؤال .. أيهما أصدق عندك قلبك أم عينك ؟!
فقال الخامس فى سرعة بديهة :
قلبي لأن العين تخدعها النظر
فأشار الكاتب قائلا :
قد وصلت للإجابة .. ولهذا لو أننى رأيت قاضينا بعينىّ يحكم ظلما والدليل أمامه لكذبت عينى وصدقت قلبي الذى خبره وعرفه نزيها فقيها عالما شريفا ولقلت أن هناك حتما تفسير آخر ..
فقال الخامس :
وماذا لو أن صاحبنا ظل على خداعه وتربصه بكل منشور وانفراده بقاضينا ؟
فقال الكاتب فى غموض :
بدون أن نضيع وقتنا بشأن من لا يستحق .. عندما يحدث هذا وتهدأ الأمور ويظن صاحبنا أنه قد تمكن من تغطية نفسه.. ساعتها ستأتي العاصفة له من حيث لا يتوقع ومن مكان لا يحتسبه دون أن أبذل فى سبيل هذا مقدار ذرة من جهد فالله يسر لى تلك الواقعة لأعرف قدرى عند الناس
وساعتها سيدرك القاضي العادل أن العدالة أيضا لها فتنة
ثم قال فى هدوء :
هذا إن لم يكن قد أدركها فعلا ولا تلتفتوا لكلماته فى غضبته فعندما قال أنه لا يجامل كان ظنه أنى أطلب المجاملة ولم يكن قد رأى إلا قولى منفردا وحسبنى أهدد بالرحيل لغرض فى نفسي ولم يدرك أنى إن قلت فعلت وإن فعلت لم يكن قراري بهوى
وعندما قال أنه لا يغفر الخطأ ولو لولده من صلبه .. لم يكن منتبها أنه ليس بصدد خطأ منى بل هو بصدد خطأ تجاهى قابلته بعنف .. كما أنه لم يتذكر أننى أقرب إليه من ولده الصلبي نفسه ..
فأبوة العلم تفوق أبوة النسب عند العلماء .. وإن كان ولده يحمل إمتداد اسمه .. فقد حملت ما هو أغلى عنده .. علمه وفكره
{ هناك من يضحك من الفضيلة .. وهناك من يضحك بالفضيلة .. فالأول يسخر منها والثانى يسخر من مفتقديها .. وهذه يوميات حوارية خفيفة الظل فيها الطرفة وفيها المعلومة وفيها بعض مواقف لعلماء مشاهير سنذكرها منسوبة لأصحابها وأخرى لبعض تلامذتهم سنوردها بلا أسماء لنعرف كيف ولماذا يسخر العلماء ونرى أيضا كيف يحتذى بهم تلامذتهم }
* تمهيد
من أقوى التنطع أن يحتج البعض على العلماء بأنهم يسخرون من أصحاب الشبهات وأن هذا لا يجوز شرعا !
ولم يلتفت هؤلاء المغيبون وهم يحاسبون العلماء على سخريتهم ممن هو أهل لها وأكثر .. أن أصحاب الشبهات إنما يستحقونها من وجهين أولهما أنهم يسخرون بأقذع الأساليب من كل الثوابت الإسلامية والثانية جهلهم المدقع وهم يعترضون بما لم يفهموا
فالذى يسخر من سيرة وتاريخ الإسلام ليس له اعتبار يُحترم .. والذى يتشدق بالشرعية وعلاقته بها كعلاقة إبليس بالجنة ليس له مكانة تـُـقدّر .. وقد نهى الله تعالى عن السخرية فى موضعها وأثبتها فى موضعها أيضا .. يقول عز وجل
[اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ] {البقرة:15}
وقد درج كبار العلماء على تعمد السخرية من تلك الفئة المتعمدة للتشويه , كجزاء رادع لهم ولغيرهم حتى لا يكرروها .. فقد فعلها الشافعى فى محاججته لأصحاب الكلام وفعلها بن تيمية فى الصارم المسلول وفعلها بن الجوزى فى تلبيس إبليس وفعلها بن قتيبة فى تأويل مختلف الحديث وعيون الأخبار وفعلها المعاصرون من مفكرينا كعباس العقاد فى تصديه للحداثة وفعلها مصطفي محمود فى تصديه للماركسية وفعلها الشعراوى فى تصديه لشبهات الداخل والخارج وفعلها الحوينى فى تصديه لمنكرى السنة وفعلها الكبيسي فى سخريته من المتواطئين وفعلها وجدى غنيم فى تصديه لغث الأفكار وعشرات غيرهم ..
المحاورة الأولى :
إلا الحماقة أعيت من يداويها
وصل لمسامع الحوينى ـ بارك الله فى عمره ـ أن نور الشريف يقول أنه عندما هم بتمثيل مسلسل عمرو بن العاص قرأ مراجع وأمهات الكتب فى التاريخ ليتأكد تماما أن عمرو بن العاص رضي الله عنه فعل كذا .. وكذا
فضحك الحوينى ساخرا وقال :
عن أى تاريخ و أى شريعة يتحدث هذا الغارق فى الملذات ومن أدراه بها حتى يستطيع أن يميز بين الغث والسمين والصحيح والموضوع من الأخبار .. وهل يستطيع أن يقرأ أحداث التاريخ ثم يعود إلى رواتها بحثا عن مصداقيتهم فى كتب علم الرجال .. وماذا سيفعل لو وجد عبارة تتحدث عن أحد الرواة وتقول { بين يدى عدل }
هل سيفقهها .. " والله ما حيعرف حيقراها "
وتعالت ضحكات مستمعيه فالعبارة تخصصية بحته وتعد ذما فى الراوى لأنها ترمى إلى أحد رجال الشرطة ممن عرفوا ببطشهم فكان يقال بين يدى عدل إشارة إلى عدم الضبط فأخذها أصحاب الحديث كعبارة من عبارات الدلالة على حال الرواة
طرقت العبارة ذهن أحد الكتاب وهو يستمع إلى إلحاح رفاقه أن يتحدث أو يرد بعضا مما يقال عنه فرفض لضيق الوقت وعندما أتيحت الفرصة طلب أن ينقلوا إليه ما يريدون فيجيبهم ..
قال الأول :
يقول عنك أنك أسأت الخلق وتجاوزت الحدود ويذكرك بالسوء إشارة أو تصريحا دون أن يخبرنا عن الكارثة التى فعلتها والتى تبلغ من عظمها أنه أخفاها سموا منه وترفعا .. والمشكلة أن قاضينا العادل يحكم بأقواله
رد الكاتب :
سأتناول الأولى قبل الثانية فقاضي العدل يقضي بما يتاح له ويظهر أمامه ولذلك كم من حـُـكم عادل ولكنه فى نفس الوقت غير صحيح .. ورحم الله القاضي شريح كان أول من فرق بين الشهود فإن اتفقت أقوالهم دل ذلك على صدقهم وإذا تناقضت دل على الكذب .. فالعيب ليس فى القاضي
أما صاحبنا المتذرع بالدفاع عن الشريعة فلن يفصح عما قيل ـ وأتحداه أن يفعل ـ لأنه ببساطة لم يكن سبا وشتما وغيبة ـ مثلما يفعل هو الآن ـ بل كان وصفا وما أبعد الفارق بينهما
فعندما تصف الأحمق بصفته فأنت لا تسبه بل تضعه مقداره .. حتى الحدود فى الشريعة تقر ببراءة القاذف إذا ثبت القذف
فرد الأول :
وهل أتيت بشهود على أوصافك له ؟
ضحك الكاتب ملئ فيه وهو يقول ساخرا :
وما حاجتى للشهود وأمة لا إله إلا الله أقرت أن الحماقة أعيت من يداويها !
وكيف لمدافع عن الأخلاق أن يغتاب ويبهت وينكر مكانة صاحب المكانة لمجرد حقده عليه.. ويرمى بلا بينة ويسكت عن الحق ويداهن فى الباطل ثم يتحدث عن الخـُـلق
وكيف لصاحب الحق ـ لو أنه كان صادقا ـ أن يخاف التناول الحر فى الأمر كما حدث معكم وكيف للحر أن يظهر شجاعته فى غير وجود خصمه بل كيف يعجز عن إقناع الناس فى غير وجوده وهو منفرد بهم وكيف به يتذرع بالأخلاق ثم يظهر حقدا دفينا يكتمه فلا يكاد يطيق أن يذكر صاحب الفضل بفضله فالدفاع عنده تمرد والتساؤل مؤامرة ورد الغيبة تواطؤ .. وهذا طبيعى لأن المثل الشعبي يقول { اللص يعتقد أن كل الناس لصوصا }
وقد فشل فى إقناع الناس رغم خلو الساحة له تماما ومع ذلك لم يستطع أن يرد تساؤلا واحدا من أسئلتكم إليه
وكيف للمتسامى الذى يرفض ذكر الجريمة أن يأتى أضعافها .. وقد أحصيتم عليه أحاديثه فهل رأيتموه يأتى بدليل واحد أو حتى إشارة صحيحة ؟ أم أن كل كلامه يدور فى فلك عبارة واحدة يكررها وهى اتهام سوء الخلق
دون أن يبرهن بنقطة واحدة سابقة أو لاحقة تمنحه بعضا من المصداقية التى فقدها تماما أمام الجميع ولم يلحظ هذا ..
بل رد بالحجب والتهديد فأصبح مثله كمثل الحكام العرب قاموا بإخفاء معارضيهم المجاهرين فى غياهب السجون وألجموا الباقين ثم قالوا بالعدل والتقوى .. وصاحبنا نسي نفسه فبالغ فى شدة بردة فعله على نحو يورطه فى ضرورة الإتيان بجريمة مناسبة ولن يجد طبعا
بينما كل من ذكر بالخير دلل على ذكره بواقعة أو أيدها بمعلومة تختلف عن الآخر ليبرهنوا عن مرجعية دفاعهم ودليله
وهو يريد أن يثبت أنه أهل الخلق بمخالفة الخلق ! تماما كالزوج الذى طلبت زوجته من القاضي أن يطلقها منه لكثرة حلفه بالطلاق .. فسأله القاضي هل تكثر الحلف بالطلاق .. فأجابه العبقري { عليا الطلاق ما حلفت } !
فتساءلت الثانية :
ولكننا نعيب عليك أنك رفضت الدفاع عن نفسك أمام القاضي الذى تقر بعدله وأمامنا أيضا ..
فقال الكاتب :
روى فى المستطرف أن عمارة بن حمزة أحد مشاهير أصحاب الأنفة فى العصر العباسي أنه كان يوما فى مجلس الخليفة وكان هذا الأخير يدنيه ويقربه لفضله .. وكان بالمجلس من يحقد على عمارة مكانته عند الخليفة وسمعته الشهيرة فأراد أن ينال من مكانة عمارة فقال للخليفة ـ وعمارة حاضر ـ مظلوم يا أمير المؤمنين وقد ظلمنى عمارة إذ غصب ضيعتى
فالتفت الخليفة لعمارة طالبا منه أن ينزل فيجلس إلى جوار خصمه ليقضي بينهما
فقال عمارة { يا أمير المؤمنين .. ليس هذا لى بخصم .. إن كانت الضيعة له فهى له لا أنازعه فيها .. وإن كانت لى فأنا أهبها له ولا أنزل عن مكانتى لمكانته فى سبيل ضيعة }
فعمارة هنا لم يهن الخليفة بقراره بل جنبه وجنب نفسه موضع الشك الذى لا يليق لثقته أن خليفته يعرف معدنه
هذا الخلق هو الذى حكمنى فتركت له ضيعته المدعاة التى لا يملك سواها ..
لأنه خارجها لا يساوى شيئا ولا يعطى أثرا أما أنا فلست بخاسر فضيعته يريدها صحراء خالية إلا منه وأمثاله وأنا لا أجلس بين الصخور والرمال وأبث فيها ماء الحياة لأنها لن تحيا فالرمال تشرب الماء ولا تعترف لك بفضل ولا تنتج لأهلها زرعا أما الأرض الخضراء فتعترف لك بفضلك إذا يظلك شجرها وتثمر خيرها لغيرها من المسلمين
قال الثالث :
لكنك لم تخبرنا ماذا فعلت ولماذا تعطيه الفرصة التى ينتظرها ليتهمك
فقال الكاتب :
سأخبرك بالثانية قبل الأولى .. فربما عاب البعض أن أعطى الفرصة لطالبها لكنهم لا يدركون أن هذا المبدأ إنما يكون فى خصومة الأكفاء أما إن كان الخصم هينا وأراد الفرصة فأنا أعطيها له قبل أن يطلبها لسبب بسيط وهو أنه سيخسرها أيضا فها هو على الحلبة منفردا فتارة يرمى بتهم وتارة يتساءل عن سبب ثورتكم ولماذا لم تحدث من قبل مع أحد وتارة يتحدث عن الإلتزام كما لو أنه يعطيكم أجرا على جهدكم دون أن يدرى أن يخالف كالعادة ما ينادى به من العمل دون فوارق
أما ماذا فعلت فلم يكن السكوت إلا لسبب خاف عندى لا علاقة له بالقول الذى أعلنكم أنى لم أتنازل عنه وها هى الأيام قد أثبتته
فقد قلت له أنه إن ظن فى نفسه يعطينى علما فتلك من علامات القيامة .. ولم أخطئ فى ذلك فمن علاماتها فعلا أن يعلم الخلق من لا خلاق له .. وقلت له أنه لم يستفد بعدل القاضي الذى خدمه حظه بالوجود لجواره وثبت قولى فعلا عندما أظهر غيظه مقرونا بجهله فرأيتموه يقول أن العلم والثقافة فى الكتب
وهى نظرية جديدة أنصحه أن يسجلها باسمه فلم يقل بها أحد من العلماء ولا حتى العامة ولا الأطفال فى الكتاتيب والتى تجلس لمعلمها فى تقدير وهى تأخذ عنه
ورأيتموه يضرب مثلا بحمار بنى إسرائيل ولست أدرى من أين تأول المثل الأصلي فى الآية الكريمة والذى يشبه حامل التوراة دون وعى بالحمار حامل الأسفار ليفسرها بمثل آخر يقيسه على المثل الأصلي لا على واقعة كما هو مفترض فربما لم يبلغه أن بنى إسرائيل كانت لهم بقرة وكان عندهم الهدهد كما لقوم صالح الناقة ..
ورأيتموه يقول أن المثقفين لا يمكن تعليمهم الأخلاق كالأطفال إذا فقدوها وليتنا نعرف من أن يستقي الشريعة حتى يدلنا على المبدأ الذى يجيز لمثله أن يتربص ليل نهار لكل كلمة إشادة فينقضها وكل كلمة شكر فيحجبها وكل كلمة دفاع فيمحوها ..
وليته يخبرنا بعلمه الغزير عن العدل الذى يجيز له أن يقلب المبدأ القرآنى فتصبح السيئات ماحية للحسنات بدلا من العكس ..
بل وتنفي عن صاحب العلم علمه على اعتبار أنه أتى بعلمه من الكتب القديمة ـ وهو اتهام خطير آخر لم يدلل عليه طبعا ـ ولم يخبرنا العبقري هل عالج بن تيمية قضية فلسطين بفكرتها الجديدة ولم نسمع ؟! أو حدث الشافعى عن الشعراوى ولم نر ؟ ولم يخبرنا كيف جزم بهذا قبل أن يكلف وقته نظرا فيما بصروه به فلم يبصره من شهادات عامة الناس وخواصهم ..
فضلا على شيئ آخر لم ينتبه إليه لحماقته وهو أن اتهامه هذا لو كان فيه صادقا لماذا سكت عنه ـ وهو ضد الأمانة ـ من قبل ولو كان كاذبا مفترى فهو دليل عاشر على بهتانه أى أنه ـ باتهامه هذا ـ خاسر سواء صح أم افترى
وهذا إن دل فإنما يدل على أنه لم يقرأ شيئا أصلا .. على الأقل ليمكنه الحديث بشيئ من المنطق لكن من أين يأتى بالوقت ؟!
وليته يخبرنا إن كان ما رآه منى منكرا لهذه الدرجة لماذا لم يقم بواجبه فيبصر الناس بالفعلة الشنعاء التى لوثت ثوبه الطاهر للدرجة التى فاقت الموبقات التى أتت من غيرنا فسكت عنها ومنها ما مس الشريعة ذاتها ؟!
فأين كانت الغيره ولماذا لم تخرج من الحفره ؟!!
وإن كان العدل متشربا فى دمه لهذه الدرجة لماذا سكت عند الإجادة وشتم عند التجاوز ؟ وليته كان تجاوزا فقد نصحته .. قلت له إن لم يكن لديك من الحياء نصيب فاستعره .. ويبدو أنه لم يستمع لنصيحتى !
لأنه بعد رحيلي بادر بارسال رسالة إلى القلم الذى عرفتموه يعلنه فيها أنه قد عرف الحق ولذلك تم طردى من المكان لأجله وتلك العبارة تحوى عدة مصائب
أولها .. أن أمر استقالتى لا علاقة له بردودى من قريب أو بعيد كما قال لكم هو بنفسه لأن هذه الردود تستحق التكريم لا الإنكار
وثانيها .. أن هذا القلم بالذات هو الذى فعل الموبقات السابق التنويه عنها وسكت إزاءها هذا المدافع عن الفضيلة ويكفيه عارا أنه كان مدافعا منافحا عن اليهود وليته يدافع لعلم بل بجهل وعندما أتيت رددت كتاباته الحمقاء بالحجة والمنطق وبسهولة ويسر بالغين أخرساه .. فقد أعصابه طبعا وانفلت لسانه فلم يدع دينا ولا شريعة ولا حتى تربية
فيأتى صاحبنا فيرسل إليه ويستبقيه ويسترضيه مما فعلته به ! بل ويدلس عليه ويقول فعلناها لأجلك !
وثالثها
وهى مصيبة عظمى أننى أنا الذى تركت لهم المكان لكن حقده أبي عليه أن يجعلها كما حدثت فزورها طبعا
قال رفيقه فى دهشة :
ولكن العضو تم طرده الآن
فرد الكاتب :
نعم ولكن لسبب لن تتوقعوه وهو أن العضو يهودى الإنتماء بادر بمرضه النفسي فقام بنشر رسائل صاحبنا وفضحه فبادر لطرده فورا قبل أن ينكشف أمره لكنه لم يحسب أنه يتعامل مع مريض فقد قام نفس العضو بنشر الرسائل فى عدة مواقع وباسم صاحبنا الصريح ساخرا منه أشد السخرية وقد نال جزاء موالاته له من عينة جنسه والطيور على أشكالها تقع .. وقد وصلتنى عدة رسائل من هذا العضو أعترف له فيها بفضل الترفيه عنى صراحة وأطمح فى المزيد ! فليس فى كل يوم يشاهد المرء قردا بشريا .. ولو ظهر هذا العضو فى زمن داروين لدفع فيه الملايين
ورغم هذه الفضيحة العلنية لا زال صاحبنا يجد الوجه الذى يدافع به عن الفضيلة !؟
قالت الرابعة :
ولكن بعض الناس يدافع عنك كما لو كنت أخطأت وها أنت تقول أنك لم تتراجع عن رأيك
قال الكاتب :
هؤلاء لهم الفضل منى والعرفان حتى لو كانوا قد دافعوا عن أمر لا زلت أتمسك به لأنهم لا يعرفون شيئا عنه ومع الحديث المتكرر منه على الخطأ ظنوا بأننى أجرمت حتما فى شيئ ما لم يفصح عنه .. غير أنهم وبشيئ من التفكير البسيط لو تأملوا لأدركوا .. فمن لا يتورع عن الإفتراء لا يمكن أن يسكت عن إدانة حقيقية تحت يده فلا يظهرها
وهو الآن لو قام بإخراج ما ظنه اتهاما للناس وأعلنه فسيحصد سخريتهم لعدة ليال ــ ما لم يأت بافتراء آخر بالغ الشدة يبرهن به على كلامه ــ لأن المقارنة بين ردة فعله وبين الفعل تبين الفارق الشاسع بينهما لأن ما قلته لا يكاد يبلغ مقدار الذرة فيما قاله علنا أمامكم أو سرا بالرسائل التى حذفها من ملفاتكم كى لا تصبح دليلا مقيما عليه وهو غباء مطلق لأنه لو أراد الهرب حقا ما حذفها فالسؤال الذى يثور تلقائيا لماذا قمت بحذف الرسائل من أصحابها دون إذنهم لو أنك فعلا برئ من تهمة التجسس التى أنكرتها رغم إقرارك بها فى إحدى رسائلك وقولك عنها أنها إجراء شرعى ؟!
سأل الخامس فى حمية مألوفة منه :
ولكنك إلى الآن لم تفسر لنا التناقض بين عدالة القاضي وبين غضه الطرف عن جميع أقوالنا لأجل قول شخص واحد كشف نفسه بنفسه
رفع الكاتب إصبعه محذرا :
لا تجعل الغيرة تأخذك للباطل .. ولو قبلنا هذا الكلام رغم وجود إشارات له سنكون قد حكمنا بسطح الترمومتر ونسينا عمقه فما لقاضينا من مكانة ومكان وتاريخ وهيبة تجبرنا أن نتأنى لأننا لن نبلغ مقداره قط .. ونظرته للأمور أوسع من نظرتنا وحميتنا تقابلها حكمته .. وهذا يجبرنا على أن نتأول له ..
ثم إن الوقت الذى نراه طويلا يراه هو فيما ننتظره منه قصيرا فليس من السهل أبدا أن يخيب ظنك بإنسان عاشرته فعرفته ثم نأتى وبكل بساطة لنكشف أمامه أنه كان مخادعا .. فحسن الظن سيظل يحكمه حتى يري بعينيه ما يحتاجه من دليل .. ولا يشغلنى قط هذا الأمر لأن صاحبنا يتكفل بهذا الأمر عوضا عنا فكل تصرف وكل كلمة وكل إجراء يقدم عليه تقربه شيئا فشيئا إلى مهلكه .. ولا يحتاج قاضينا منا إلا إلى الوقت فحسب وسيتوصل وحده فيعرف من المدعى ومن صاحب الحق
والقرار بالغ الصعوبة وأنتم لم تنتبهوا أننا نحمل له نتيجة مفادها أن ما بذله فى أعوام يضيعه صاحبنا فى أيام
فقال محاوره فى حيرة :
يا أخى ولكنه رفض الحديث معنا ولم يكمله
فقال الكاتب :
سأريحك بسؤال .. أيهما أصدق عندك قلبك أم عينك ؟!
فقال الخامس فى سرعة بديهة :
قلبي لأن العين تخدعها النظر
فأشار الكاتب قائلا :
قد وصلت للإجابة .. ولهذا لو أننى رأيت قاضينا بعينىّ يحكم ظلما والدليل أمامه لكذبت عينى وصدقت قلبي الذى خبره وعرفه نزيها فقيها عالما شريفا ولقلت أن هناك حتما تفسير آخر ..
فقال الخامس :
وماذا لو أن صاحبنا ظل على خداعه وتربصه بكل منشور وانفراده بقاضينا ؟
فقال الكاتب فى غموض :
بدون أن نضيع وقتنا بشأن من لا يستحق .. عندما يحدث هذا وتهدأ الأمور ويظن صاحبنا أنه قد تمكن من تغطية نفسه.. ساعتها ستأتي العاصفة له من حيث لا يتوقع ومن مكان لا يحتسبه دون أن أبذل فى سبيل هذا مقدار ذرة من جهد فالله يسر لى تلك الواقعة لأعرف قدرى عند الناس
وساعتها سيدرك القاضي العادل أن العدالة أيضا لها فتنة
ثم قال فى هدوء :
هذا إن لم يكن قد أدركها فعلا ولا تلتفتوا لكلماته فى غضبته فعندما قال أنه لا يجامل كان ظنه أنى أطلب المجاملة ولم يكن قد رأى إلا قولى منفردا وحسبنى أهدد بالرحيل لغرض فى نفسي ولم يدرك أنى إن قلت فعلت وإن فعلت لم يكن قراري بهوى
وعندما قال أنه لا يغفر الخطأ ولو لولده من صلبه .. لم يكن منتبها أنه ليس بصدد خطأ منى بل هو بصدد خطأ تجاهى قابلته بعنف .. كما أنه لم يتذكر أننى أقرب إليه من ولده الصلبي نفسه ..
فأبوة العلم تفوق أبوة النسب عند العلماء .. وإن كان ولده يحمل إمتداد اسمه .. فقد حملت ما هو أغلى عنده .. علمه وفكره