المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : انطون تشيخوف ( رائد القصة القصيرة )



سمير عصر
14-06-2005, 07:21 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

انطون بافلوفيتش تشيخوف ( 1860 – 1904 م )

كاتب روسيا المبدع , وسيد القصة القصيرة في العالم بلا منازع

وُلد انطون بافلوفيتش تشيخوف في سنة 1860 في بلدة ( تاجانروج ) الفقيرة المُعدمة الواقعة على بحر الخرز جنوبى العاصمة الروسية موسكو لأسرة يعمل أفرادها في خدمة الطبقة الاقطاعية ؛ وقد نجح جده في تحرير أفراد أسرته من القنانة ؛ وتمكن والده بعد التوفير والإقتصاد لسنوات من شراء حانوت للبقالة ؛ وانهارت سريعا تجارة الأب القاسى المهووس دينيا ؛ لتدخل الأسرة فى نفق مظلم من الفقر والتعاسة ؛ إلاّ أن الاوضاع
الاقتصادية والاجتماعية المتردية التي عاشها انطون في طفولته ؛ ولّدت لديه نوعا من التحدي قاده إلى النجاح مستعينا بما كان يسميه : ( العمل...العمل...العمل , طالما أن أحداً لن يمد لك يد العون والمساعدة ) .
وقد اكتسب موهبته في الكتابة من أمه ( ايفجينيا تشيخوف ) ؛ الحكاءة راوية القصص ؛ رغم كونها لم تحصل على قدر كاف من التعليم .
وفي سنة 1879 التحق تشيخوف بكلية الطب التابعة لجامعة موسكو وخلال تلك المرحلة بدأ بنشر عدد من القصص القصيرة في صحيفة ( سانت بطرس بيرج ) ليذيع صيته ككاتب معروف في سنة 1886. وبعد تخرجه عمل في مهنة الطب حتى سنة 1892.
كانت أعراض مرض السل قد ظهرت عليه وهو في سن الرابعة والعشرين ؛ وتمكن منه المرض اللعين ، لينتهى بموته وهو فى سن الأربعة والأربعين .

بعد مرور كل هذه السنوات علي رحيل تشيخوف يظل هذا الرجل في الإبداع العالمي‏ ,‏ حالة فريدة عبّرت عن الكينونة الإنسانية‏ ,‏ فتشيخوف هو أحد الكتاب الذين تلمسوا الحزن الإنساني واستطاع أن يمسح عن وجه المهمشين والفقراء‏ ,‏ وسكان الأحياء الصغيرة في المدن المزدحمة آلامهم ,‏ واستطاع أن يرسم أمامهم حلماً بديعاً عن المستقبل‏ ,‏ وهو القائل عن نفسه أنه عاش أربعين عاما ليعتصر من عروقه دماء العبودية .

ولقب مؤسس القصة القصيرة لم يأت من فراغ‏ ,‏ بل لأنه استطاع تحطيم الأعراف الأدبية وغير الأدبية‏ ,‏ وذلك بخروجه علي القواعد‏ ,‏ مثل البداية والنهاية ومواصفات الشخصية والحبكة القصصية ؛ كذلك البساطة والاختصار والغموض فى آن واحد ؛ التي كانت أهم سمات جماليات أسلوب تشيخوف‏‏ .
وتميز إنتاجه القصصي بالشمول وروح الفكاهة المشوبة بالحزن ؛ شخوصه حية ترزق تقابلها أينما ذهبت ، تشعر بأنفاسها حارة على وجهك وأنت تسير في الشوارع ، وربما تقابل أحدها لو نظرت في المرآة .
كان الوجود الانساني مأساة عبّرعنها تشيخوف وصوّرها في قصصه القصيرة , وفعل ذلك بنظرة دقيقة واضحة وعطوفه ؛ ولم يكن أبطال قصصه ملوكاً أو أمراء , إنما هم بشر من السائرين في الطرقات .
تُشبه مؤلفات تشيخوف فيضاناً من الابتكار المستحدث والتنوع الدائم , ليس هناك من وتيرة واحدة , وليس هناك من قصتين متشابهتين لا في الأشخاص ولا في الحوادث .
لقد كانت معرفته بالرجال والنساء عميقة وواسعة , أيضاً كانت قدرته على التركيز مُدهشة ؛ فالفكرة الغامضة العويصة التي يحتاج بعض الكتاب لإظهارها الى قصة طويلة , يستطيع تشيخوف إخراجها في صفحات قليلة . كان يدرس أبطاله جيداً , وكان يفهمهم تماماً , وكان يستطيع ببساطة ان يُعبّر عن شخصياتهم , وقد عرف كيف ينفذ الى أعماق النفس الانسانية.

ليست العشرات من قصصه وحدها هي التي أخذت شكلا جديدا ؛ بل مسرحياته أيضا‏ ,‏ فقد تمرّد علي كل الأسس المسرحية التي كان المساس بها يُعد من المحرمات‏ ؛ وتميّزت مسرحيات تشيخوف باللمسات الخافتة اللمّاحة ، وبجوّ مُفعم بالحنين والشاعرية ؛ تجلّى ذلك في الابتعاد عن المواقف الجاهزة واجتناب العنف ، والخلو من وسائل الإثارة .
مسرحياته لا تتضمن من الأحداث إلا القليل ، وقد كتب للمسرح أربع مسرحيات هي :
( النُورس ) ؛ و( العَم فانيا ) ؛ و( الأخوات الثلاث ) ؛ و( بُستان الكَرز ) ؛ وكان له أسلوبه المتميز في الدراما السيكولوجية التي يلعب فيها الانفعال الداخلي دوراً مهماً .

كان متواضعا حين تصور أن أعماله ستُقرأ لسبع سنوات فقط بعد وفاته ؛ ولكنه أصبح ظاهرة في الثقافة العالمية بزيادة عدد قرائه بمضي الوقت .

واعْتُبِرَ تشيخوف الى جانب الفرنسي جي دي موباسان والأمريكيين إدجار ألآن بو وأرنست هيمنجواي ؛ من أقوى القوى الفاعلة في القصة المصرية القصيرة خُصوصاً في الفترة من الأربعينات الى السبعينات ؛ حين بدأت القصة تولّي وجهها شطر مصادر أخرى للإلهام كأدب أمريكا اللاتينية ؛ ففي رأي عدد من المُترجمين والنُقاد المصريين ؛ أنّ الرُوسي انطون تشيخوف كان الكاتب الأكثر تأثيراً على أجيالٍ من الأدباء المصريين مثل يوسُف إدريس ونجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الآداب .
وكان يوسُف ادريس يُوَاجَه في حياته بأنه ( تشيخوف مصر ) ؛ ولكنه كان يُنفي التهمة
قائلا : أنه تخلص من تأثير تشيخوف الذي ( جاءني فدَعَّم بواقعيته إدْرَاكي لحقيقة الاشياء ).

وبعد ؛

هذا رابط بعدد خاص من أخبار الأدب المصرية( تشيخوف قرن من الحياة بعد الرحيل )
http://www.akhbarelyom.org.eg/adab/issues/583/0100.html
وهذا رابط من نفس العدد لأربعة قصص قصيرة من أعمال تشيخوف
( فانكا - وفاة موظف - القناع - زودها )
http://www.akhbarelyom.org.eg/adab/issues/583/0700.html
وهذا رابط من نفس العدد لدراسة قيِّمَة للكاتب الكبير/ محمود الوردانى بعنوان
( فى مئوية سيد السّاخرين : حياته قصة قصيرة.. نهايتها مفتوحة )
http://www.akhbarelyom.org.eg/adab/issues/583/0901.html

وللتزود بالمعرفة ؛ ابحث بمحركات البحث بإسم ( انطون تشيخوف أو تشيكوف ) .

ويُسعدنا أن نُتبع هذا التقديم السريع بنموذج تشيخوفى ( وفاة موظف ) .

مع وافر تحياتى وأمنياتى الطيبة .

سمير عصر

سمير عصر
14-06-2005, 07:23 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


وفاة موظف

ذات مساء رائع كان ايفان ديمتريفيتش تشرفياكوف ، الموظف الذي لا يقل روعة، جالساً في الصف الثاني من مقاعد الصالة ، يتطلع في المنظار إلي ( أجراس كورنيفيل ). وراح يتطلع وهو يشعر بنفسه في قمة المتعة ، وفجأة... وكثيرا ما تقابلنا (وفجأة) هذه في القصص. والكُتّاب علي حق ، فما أحفل الحياة بالمفاجآت ! وفجأة تقلص وجهه ، وزاغ بصره ، واحتبست أنفاسه... وحول عينيه عن المنظار وانحني و... آتششش!!! عطس كما ترون ، والعطس ليس محظورا علي أحد في أي مكان ، اذ يعطس الفلاحون ، ورجال الشرطة ، بل وحتي أحيانا المستشارون السريون . الجميع يعطس ، ولم يشعر تشرفياكوف بأي حرج ، ومسح أنفه بمنديله ، وكشخص مهذب نظر حوله ليري ما إذا كان قد ازعج أحدا بعطسه ، وعلي الفور أحس بالحرج . فقد رأي العجوز الجالس أمامه في الصف الأول يمسح صلعته ورقبته بقفازه بعناية ويدمدم بشيء ما . وعرف تشرفياكوف في شخص العجوز الجنرال بريزجالوف الذي يعمل في مصلحة السكك الحديدية .
وقال تشرفياكوف لنفسه : - لقد بللته... انه ليس رئيسي ، بل غريب ، ومع ذلك فشيء محرج ينبغي أن اعتذر .
وتنحنح تشرفياكوف ومال بجسده إلي الامام وهمس في اذن الجنرال :
* - عفوا يا صاحب السعادة ، لقد بللتكم.. لم أقصد .
* - لا شيء ، لا شيء .
* - أستحلفكم بالله العفو . انني.... لم أكن اريد !
* - أووه، اسكت من فضلك ! دعني أصغي !
وأحْرَج تشرفياكوف فابتسم ببلاهة ، وراح ينظر إلي المسرح . كان ينظر ولكنه لم يعد يحس بالمتعة ، لقد بدأ القلق يعذبه ، وأثناء الاستراحة اقترب من بريزجالوف وتمشي قليلا بجواره ، وبعد أن تغلب علي وجله دمدم :
*- لقد بللتكم يا صاحب السعادة.. اعذروني.. انني لم أكن اقصد أن...
فقال الجنرال:
* - أوووه كفاااك ! أنا قد نسيت وأنت مازلت تتحدث عن نفس الامر ! .
وحرّك شفته السفلي بنفاد صبر .
وقال تشرفياكوف لنفسه وهو يتطلع إلي الجنرال بشك :
( يقول نسيت بينما الخبث يطل من عينيه... ولا يريد أن يتحدث... ينبغي أن أوضح له انني لم أكن أرغب علي الاطلاق... وأن هذا قانون الطبيعة ، وإلاّ ظن أنني أردت أن أبصق عليه ، فإذا لم يظن الآن فسيظن فيما بعد ! ) .
وعندما عاد تشرفياكوف الي المنزل روي لزوجته ما بدر عنه من سوء تصرف . وخُيِّل إليه أن زوجته نظرت الي الأمر باستخفاف ، فقد جزعت فقط ، ولكنها اطمأنت عندما علمت أن بريزجالوف ( غريب ) .
*- ومع ذلك اذهب اليه واعتذر... وإلاّ ظن أنك لا تعرف كيف تتصرف في المجتمعات ! .
*- تلك هي المسألة ! لقد اعتذرت له ، ولكنه... كان غريبا... لم يقل كلمة مفهومة واحدة... ثم انه لم يكن هناك متسعا للحديث .
وفي اليوم التالي ارتدي تشرفياكوف حُلّة جديدة ، وقص شعره ، وذهب الي بريزجالوف لتوضيح الامر... وعندما دخل غرفة استقبال الجنرال رأي هناك كثيراً من الزوار ورأي بينهم الجنرال نفسه الذي بدأ يستقبل الزوار ، وبعد أن سأل عدة أشخاص رفع عينيه الي تشرفياكوف . فراح الموظف يشرح له :
* - بالامس في ( اركاديا ) لو تذكرون يا صاحب السعادة عطست و... بلّلتكم من غير قصد.. اعذر..
*- يا للتفاهات.. الله يعلم ما هذا ! .
* وتوجه الجنرال الي الزائر التالي * : - ماذا تريد ؟ .
وفكر تشرفياكوف ووجهه يشحب: ( لا يريد أن يتحدث ... اذن فهو غاضب.. كلاّ ، لا يُمكن أن ادع الامر هكذا.. سوف اشرح له...) .
وبعد أن أنهي الجنرال حديثه مع آخر زائر واتجه الي الغرفة الداخلية ، خطا تشرفياكوف خلفه ودمدم :
*- يا صاحب السعادة ! إذا كنت أتجاسر علي ازعاج سعادتكم فإنما من واقع الاحساس بالندم !. لم أكن أقصد ، كما تعلمون سعادتكم ! .
فقال الجنرال وهو يختفي خلف الباب :
*- انك تسخر يا سيدي الكريم ! .
وفكر تشرفياكوف : ( أية سُخرية يمكن أن تكون ؟ ... لييس هنا أية سخرية علي الاطلاق ! جنرال ومع ذلك لا يستطيع أن يفهم ! ... إذا كان الامر كذلك فلن اعتذر بعد لهذا المتغطرس. ليذهب الي الشيطان ! ...سأكتب له رسالة ، ولكن لن آتي اليه... أقسم لن أتي ) ! .
هكذا فكر تشرفياكوف وهو عائد الي المنزل . ولكنه لم يكتب للجنرال رسالة . فقد فكر وفكر ولم يستطع أن يدبّج الرسالة . واضطر في اليوم التالي الي الذهاب بنفسه لشرح الامر . ودمدم عندما رفع اليه الجنرال عينين متسائلتين :
*- جئت بالأمس فأزعجتكم يا صاحب السعادة ، لا لكي أسخر منكم كما تفضلتم سعادتكم فقلتم. بل كنت اعتذر لاني عطست فبللتكم... ولكنه لم يدر بخاطري أبدا أن أسخر وهل أجسر علي السخرية ؟ فلو رحنا نسخر ، فلن يكون هناك احترام للشخصيات اذن..
وفجأة زار الجنرال وقد ارتعد وأرعد :
*- أخرج من هنااا !! .
فسأل تشرفياكوف هامسا وهو يذوب رعبا :
*- ماذا ؟ .
فردد الجنرال ودق بقدمه :
*- أخرج من هنااا !! .
وتمزّق شيءٌ ما في بطن تشرفياكوف . وتراجع الي الباب وهو لا يري ولا يسمع شيئا ، وخرج الي الشارع وهو يجرجر ساقيه.. وعندما وصل آليا الي المنزل استلقي علي الكنبة دون أن يخلع حُلته... ومات

وسام أبو عمره
14-06-2005, 07:56 AM
الأخ الفاضل
سمير عصر

مشكوور بارك الله فيك
على ما تثري به المنتدى من مشاركات قيمة
تقديري العميق لجهودك
فأهلا وسهلا بك وبقلمك الواعي
ولك تحيتي

وسام

سمير عصر
15-06-2005, 11:34 PM
لكم منى كل الود والتقدير .