المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سؤال عن حكم الصلاة على قاتل نفسه ( المنتحر )، وما الفرق بين الكافر والفاسق



أحمد سعد الدين
14-06-2005, 07:32 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ورد لى هذا السؤال:

السلام عليكم
كنت اتناقش مع بعض الاخوة على مسألة الانتحار وعلى حد علمي ان من ينتحر يعتبر مرتدا ولا يصلى عليه ولا يدفن في مدافن المسلمين.
وفوجئت ان احد الاشخاص يقول انها من الكبائر.
ارجو ان تفيدوني في هذه المسألة من فضلكم من حديث موثق او ايه قرأنية

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته



الجواب:


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

الأخ الفاضل ...
بارك الله فيك

وقاتل نفسه ليس بكافر كفرا يُخرِجَه من ملة الاسلام ، ولكنه فاسق عاصى لارتكابه كبيرة من الكبائر.

وبالنسبة للصلاة على قاتل نفسه ، فمن العلماء من قال لايُصَلَّى عليه مستندا على أن النبى لم يصلى عليه ، ومنهم من قال يُصلى عليه لأن عدم صلاة الرسول كانت زجرا ولم يمنع أحد من الصلاة عليه.

وسأورد لك بعضا من الأقوال:

صحيح مسلم:

‏حدثنا ‏ ‏عون بن سلام الكوفي ‏ ‏أخبرنا ‏ ‏زهير ‏ ‏عن ‏ ‏سماك ‏ ‏عن ‏ ‏جابر بن سمرة ‏ ‏قال ‏
‏أتي النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏برجل قتل نفسه ‏ ‏بمشاقص ‏ ‏فلم يصل عليه


صحيح مسلم بشرح النووي:

‏قوله : ( أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه ) ‏
‏المشاقص : سهام عراض , واحدها مشقص بكسر الميم وفتح القاف , وفي هذا الحديث دليل لمن يقول : لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه , وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي , وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء : يصلى عليه , وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه بنفسه زجرا للناس عن مثل فعله , وصلت عليه الصحابة , وهذا كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في أول الأمر على من عليه دين زجرا لهم عن التساهل في الاستدانة وعن إهمال وفائه , وأمر أصحابه بالصلاة عليه فقال صلى الله عليه وسلم : " صلوا على صاحبكم " . قال القاضي : مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنا . وعن مالك وغيره : أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في حد , وأن أهل الفضل لا يصلون على الفساق زجرا لهم . وعن الزهري : لا يصلى على مرجوم , ويصلى على المقتول في القصاص . وقال أبو حنيفة : لا يصلى على محارب , ولا على قتيل الفئة الباغية . وقال قتادة : لا يصلى على ولد الزنا . وعن الحسن : لا يصلى على النفساء تموت من زنا ولا على ولدها . ومنع بعض السلف الصلاة على الطفل الصغير . ‏
‏واختلفوا في الصلاة على السقط , فقال بها فقهاء المحدثين وبعض السلف إذا مضى عليه أربعة أشهر , ومنعها جمهور الفقهاء حتى يستهل وتعرف حياته بغير ذلك . ‏
‏وأما الشهيد المقتول في حرب الكفار فقال مالك والشافعي والجمهور : لا يغسل ولا يصلى عليه , وقال أبو حنيفة : يغسل ولا يصلى عليه , وعن الحسن : يغسل ويصلى عليه . والله أعلم . ‏

أحمد سعد الدين
14-06-2005, 07:34 PM
سنن النسائى:

‏أخبرنا ‏ ‏إسحق بن منصور ‏ ‏قال أنبأنا ‏ ‏أبو الوليد ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏أبو خيثمة زهير ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏سماك ‏ ‏عن ‏ ‏ابن سمرة ‏
‏أن رجلا قتل نفسه ‏ ‏بمشاقص ‏ ‏فقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏أما أنا فلا أصلي عليه


شرح سنن النسائي للسندي:

‏قوله ( بمشاقص ) ‏
‏جمع مشقص بكسر ميم وفتح قاف نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض ‏
‏( أما أنا فلا أصلي عليه ) ‏
‏قال النووي أخذ بظاهره من قال لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه وهو مذهب الأوزاعي وأجاب الجمهور بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يصل عليه بنفسه زجرا للناس عن مثل فعله وصلت عليه الصحابة وهذا كما ترك صلى الله تعالى عليه وسلم في أول الأمر الصلاة على من عليه دين زجرا لهم عن التساهل في الاستدانة وعن إهمال وفائها وأمر أصحابه بالصلاة عليه فقال صلوا على صاحبكم . قوله ( من تردى ) أي سقط . ‏


وفى سنن النسائى أيضا:

‏أخبرنا ‏ ‏محمد بن عبد الأعلى ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏خالد ‏ ‏قال حدثنا ‏ ‏شعبة ‏ ‏عن ‏ ‏سليمان ‏ ‏سمعت ‏ ‏ذكوان ‏ ‏يحدث عن ‏ ‏أبي هريرة ‏
‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏من ‏ ‏تردى ‏ ‏من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم ‏ ‏يتردى ‏ ‏خالدا مخلدا فيها أبدا ومن ‏ ‏تحسى ‏ ‏سما فقتل نفسه فسمه في يده ‏ ‏يتحساه ‏ ‏في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بحديدة ثم انقطع علي شيء ‏ ‏خالد ‏ ‏يقول كانت حديدته في يده ‏ ‏يجأ ‏ ‏بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا


شرح سنن النسائي للسندي:

‏قوله ( من تردى ) ‏
‏أي سقط ‏
‏( يتردى ) ‏
‏أي من جبال النار إلى أوديتها ‏
‏( خالدا مخلدا ) ‏
‏ظاهره يوافق قوله تعالى { ومن قتل مؤمنا متعمدا } الآية لعموم المؤمن نفس القاتل أيضا لكن قال الترمذي قد جاءت الرواية بلا ذكر خالدا مخلدا أبدا وهي أصح لما ثبت من خروج أهل التوحيد من النار قلت إن صح فهو محمول على من يستحل ذلك أو على أنه يستحق ذلك الجزاء وقيل هو محمول على الامتداد وطول المكث كما ذكروا في الآية والله تعالى أعلم ‏
‏( ومن تحسى ) ‏
‏آخره ألف أي شرب وتجرع والسم بفتح السين وضمها وقيل مثلثة السين دواء قاتل يطرح في طعام أو ماء فينبغي أن يحمل تحسى على معنى أدخل في باطنه ليعم الأكل والشرب جميعا ‏
‏( ثم انقطع علي شيء خالد ) ‏
‏يقول ليس هذا من متن الحديث بل هو من كلام الراوي عن خالد أي أن خالدا يقول انقطع شيء من متن الحديث بعد قوله ومن قتل نفسه بحديدة وهذا الانقطاع إما بسقوط لفظ أو بالتردد فيه أنه أي لفظ ‏
‏( يجأ ) ‏
‏بهمزة في آخره مضارع وجأته بالسكين إذا ضربته بها

أحمد سعد الدين
14-06-2005, 07:36 PM
سنن أبى داود:

‏حدثنا ‏ ‏ابن نفيل ‏ ‏حدثنا ‏ ‏زهير ‏ ‏حدثنا ‏ ‏سماك ‏ ‏حدثني ‏ ‏جابر بن سمرة ‏ ‏قال ‏
‏مرض رجل فصيح عليه فجاء جاره إلى رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقال له إنه قد مات قال وما يدريك قال أنا رأيته قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إنه لم يمت قال فرجع فصيح عليه فجاء إلى رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فقال إنه قد مات فقال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إنه لم يمت فرجع فصيح عليه فقالت امرأته انطلق إلى رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فأخبره فقال الرجل اللهم العنه قال ثم انطلق الرجل فرآه قد نحر نفسه ‏ ‏بمشقص ‏ ‏معه فانطلق إلى النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فأخبره أنه قد مات فقال وما يدريك قال رأيته ينحر نفسه ‏ ‏بمشاقص ‏ ‏معه قال أنت رأيته قال نعم قال إذا ‏ ‏لا أصلي عليه


عون المعبود شرح سنن أبي داود:

( إذا لا أصلي عليه ) ‏
‏: قال الخطابي : وترك الصلاة عليه معناه العقوبة له وردع لغيره عن مثل فعله . وقد اختلف الناس في هذا فكان عمر بن عبد العزيز لا يرى الصلاة على من قتل نفسه , وكذلك قال الأوزاعي وقال أكثر الفقهاء يصلى عليه انتهى . ‏

‏قال المنذري : والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه مختصرا بمعناه قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي . إنه صلى الله عليه وسلم , إنما قال ذلك ليحذر الناس بترك الصلاة عليه , فلا يرتكبوا كما ارتكب .



السؤال:

هل قاتل نفسه يغسَّل ويصلى عليه ؟.

الجواب:

الحمد لله

قاتل نفسه يغسل ويصلى عليه ويدفن مع المسلمين ، لأنه عاص وهو ليس بكافر ، لأن قتل النفس معصية وليس بكفر . وإذا قتل نفسه والعياذ بالله يغسل ويكفن ويصلى عليه ، لكن ينبغي للإمام الأكبر ولمن له أهمية أن يترك الصلاة عليه من باب الإنكار ، لئلا يُظن أنه راض عن عمله . والإمام الأكبر أو السلطان أو القضاة أو رئيس البلد أو أميرها إذا ترك ذلك من باب إنكار هذا الشيء وإعلان أن هذا خطأ فهذا حسن ، ولكن يصلي عليه بعض المصلين .

كتاب مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رحمه الله - م/13 ص/122.

أحمد سعد الدين
14-06-2005, 07:38 PM
السلام عليكم
شكرا يا شيخنا على هذه المداخلة الطيبة والله انك وافيت في شرحك لي ولكن سؤال يدور في ذهني ما الفرق بين الكافر والفاسق ارجوا اضاحها لي
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الجواب:


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

الأخ الفاضل ...
جزاك الله خيرا

أما الفاسق فهو الخارج عن الطاعة ، يُقال فسقت الرطبة بمعنى خرجت عن قسرتها ، ويُطلق على الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها للفساد.

والفاسق لفظ عام يشمل الكافر ، والعاصى ، والمبتدع.
ولكن فسق الكافر أشد وأفحش.

وأحسن ما قرأت عن الفسق
رسالة:'الفسق- معناه وأقسامه' للشيخ /عبدالعزيز آل عبد اللطيف، ومنها:

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين،أما بعد،،،

فتظهر أهمية دراسة موضوع 'الفسق' عندما نعلم أن أول نزاع ظهر في الإسلام كان في مسألة الفاسق الملي، فقد أحدث الخوارج القول بتكفير عصاة الموحدين وتخليدهم في النار، وزعمت المرجئة أن أولئك العصاة كاملو الإيمان، وقالت المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين في الدنيا، مع التخليد في النار في الآخرة.

وهدى الله أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فقالوا عن أولئك العصاة: إنهم مؤمنون، ناقصو الإيمان، أو مؤمنون بإيمانهم، فاسقون بمعاصيهم، وأنهم تحت مشيئة الله في الآخرة، إن شاء عذبهم بعدله، وإن شاء غفر لهم برحمته.

كما أن الفسق من الوعيد الذي يترتب عليه نتائج وتبعات، كما قال ابن تيمية:'اعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل 'الأسماء والأحكام' التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة ...'. إضافة إلى ذلك فقد حذر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الحكم بالفسق على شخص ما دون بينة، وإقامة للحجة، فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: [لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ] رواه البخاري.

ومما يؤكد أهمية دراسة هذا الموضوع، أن الفسق اسم عام يشمل الكفر، والكبائر، وبقية المعاصي، ولذا يتعين العلم بحد الفسق وإطلاقه، ولعل في الصفحات التالية ما يحقق شيئًا من ذلك.

معنى الفسق
الفسق لغة: الخروج عن الشيء، أو القصد، وهو الخروج عن الطاعة،
والفسق: الفجور.

وأما المقصود بالفسق اصطلاحًا:فقد تنوعت عبارات العلماء في ذلك، ومنها:

يقول ابن عطية:'
الفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله ـ عز وجل ـ فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان' [ تفسير ابن عطية 1/155].
وكذا قال القرطبي[تفسير القرطبي 1/245].

وقال الألوسي:
'الفسق شرعًا: خروج العقلاء عن الطاعة، فيشمل الكفر ودونه من الكبيرة والصغيرة، واختص في العرف والاستعمال بارتكاب الكبيرة، فلا يطلق على ارتكاب الآخرين إلا نادرًا بقرينة'
[ تفسير الألوسي 1/210].

أقسام الفسق وإطلاقاته:
الفسق له عدة أقسام باعتبارات مختلفة، فهو ينقسم إلى:

فسق يخرج عن الإسلام.

وفسق لا يخرج عن الإسلام،
قال محمد بن نصر المروزي رحمه الله:'والفسق فسقان: فسق ينقل عن الملة، وفسق لا ينقل عن الملة، فيسمى الكافر فاسقًا، والفاسق من المسلمين فاسقًا'.

وفسق الكفر هو المذكور في غالب آيات القرآن الكريم،
وكما قال ابن الوزير:'قد ورد في السمع ما يدل على أن الفاسق في زمان النبي، صلى الله عليه وسلم، يطلق على الكافر كثيرًا،
كقوله تعالى:} إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[67]{. [سورة التوبة]
وقوله تعالى: }وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ[99]{. [سورة البقرة]...
وذكر آيات كثيرة ثم قال:'فهذه الآيات دالة على أن الفاسق في العرف الأول يطلق على الكافر، ويسبق إلى الفهم'
[ العواصم والقواصم 2/160، 161 ـ باختصار].

أقسام الفسق الذي لا يخرج من الملة:

الفسق الذي لا يخرج من الملة يمكن تقسيمه إلى فسق الاعتقاد، وفسق العمل.

ومثال فسق الاعتقاد ها هنا:
ما قاله ابن القيم :'فسق أهل البدع الذين يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر، ويحرمون ما حرم الله، ويوجبون ما أوجب الله، ولكن ينفون كثيرًا مما أثبت الله ورسوله، جهلاً وتأويلاً، وتقليدًا للشيوخ، ويثبتون ما لم يثبته الله ورسوله ...'
[ مدارج السالكين 1/362].

فالفسق أعم من البدعة، حيث يطلق الفسق على البدعة وغيرها؛
ولذا قال ابن الصلاح:'كل مبتدع فاسق، وليس كل فاسق مبتدعًا'
[ فتاوى ابن الصلاح ص28 [ضمن مجموعة الرسائل المنيرية جـ4].].

وأما فسق العمل فأمثلته كثيرة: وإطلاقاته متعددة، كما جاء ذلك في النصوص الشرعية، وآثار أهل العلم، ولعل ما يضبط ذلك ما قاله النووي رحمه الله:
'وأما الفسق فيحصل بارتكاب الكبيرة، أو الإصرار على الصغيرة'
[ فتاوى النووي ص261].

فأما ضابط الكبيرة:
فأصح الأقوال أن الكبيرة: هي ما فيها حد في الدنيا، أو وعيد خاص في الآخرة، كالوعيد بالنار، والغضب، واللعنة، وأن الصغيرة ما ليس له حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة.

وهذا المأثور عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وابن عيينة، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد القاسم بن سلام [مجموع فتاوى ابن تيمية 11/ 650، وشرح الطحاوية 2/526، وأضواء البيان للشنقيطي 7/199].

جملة من النصوص والآثار من الاطلاقات على هذا الفسق العملي:

فيسمى القاذف فسقًا، كما جاء في قوله تعالى: }وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[4]{ [سورة النور].

ويطلق على الكاذب فاسقًا، كما في قوله تعالى:
}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ[6]{
[سورة الحجرات].

وتسمى محظورات الإحرام فسوقًا، حيث يقول تعالى:
}الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ...
[197]{ [سورة البقرة]
فالفسوق ها هنا محظورات الإحرام كما اختاره ابن جرير وغيره.

ويعد التنابز بالألقاب فسوقًا، كما في قوله تعالى:
} وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ...[11]{
[سورة الحجرات].

وسمى النبي صلى الله عليه وسلم الرويبضة فويسقًا، فقال عليه الصلاة والسلام:
[إِنَّ أَمَامَ الدَّجَّالِ سِنِينَ خَدَّاعَةً يُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيَتَكَلَّمُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ] قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ: [ الْفُوَيْسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ]رواه أحمد،
وقال ابن كثير في النهاية1/57] عن هذا الحديث:'وهذا إسناد جيد تفرد به أحمد من هذا الوجه'.

والرويبضة تصغير الرابضة، وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور، وقعد عن طلبها.

وفي الجملة، فقد يقال: عن هذه المعاصي التي سميت فسقًا عمليًا أعظم ممن دونها من معاصٍ لم تسم فسقًا، وكما قال البيضاوي:'والفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي دل على عظمته كأنه متجاوز عن حده'[ تفسير البيضاوي 1/72].

ضرورة عدم الخلط بين مفهوم الفسق عند أهل السنة، ومخالفيهم:

فمرتكب الكبيرة عند أهل السنة مع أنه فاسق بكبيرته، إلا أنه لا يخرج من الإيمان بالكلية، فيمكن اجتماع الإيمان مع هذا الفسق الأصغر ـ كما هو مقرر عند أهل السنة ـ، ومن ثم فهو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وأمره إلى الله تعالى، إن شاء غفر له برحمته، وإن شاء عذبه بعدله، ومآله إلى الجنة فيما بعد؛ فأهل السنة متفقون على أن فساق أهل الملة ـ وإن دخلوا النار، أو استحقوا دخولها ـ فإنهم لابد أن يدخلوا الجنة.

يقول ابن تيمية ـ مقررًا هذه المسألة ـ:'ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان،وعمل القلب والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه: }فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ...[178]}{ [سورة البقرة]. وقال سبحانه}وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[9]إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ...[10]{ [سورة الحجرات].

ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار، كما تقول المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: }فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ...[92]{ [سورة النساء] وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى:}إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً...[2]{ [سورة الأنفال].

وقوله صلى الله عليه وسلم:
[لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ] رواه البخاري ومسلم.
ونقول: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، فلا يعطي الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم'
[ العقيدة الواسطية [بشرح محمد خليل هراس] ص152 ـ 156].

وإذا تقرر مفهوم الفسق عند أهل السنة، فإننا نورد مفهومه عند المخالفين:

فأما الأشاعرة:
فنجد فيهم من يجعل الفاسق الملي مؤمنًا بإطلاق، ويعتبرونه مؤمنًا حقًا.

وقد سبق أن ذكرنا أن مرتكب الكبيرة ـ عند أهل السنة ـ لا يعطي الإيمان المطلق، فلا يقال عن الزاني، أو شارب الخمر ـ مثلًا ـ: إنه مؤمن بإطلاق، ولكن نقيده، فنقول: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان.

ومقالة أولئك الأشاعرة متفرعة من قول جمهورهم بأن الإيمان هو التصديق، حيث أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان.

أما المعتزلة:
فمفهوم الفسق عندهم على عكس المقالة السابقة، فالفاسق عندهم ليس مؤمنًا، كما أنه ليس كافرًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، ولم يقل أحد من المعتزلة بإيمان مرتكب الكبيرة سوى الأصم. ولما كان مرتكب الكبيرة ـ عندهم ـ فاسقًا غير مؤمن، لذا حكموا عليه بالخلود في النار.

أحمد سعد الدين
14-06-2005, 07:40 PM
والذنوب في جملتها جناية في حق الخالق سبحانه ، حيث إنها عصيان لأمره وخروج عن طاعته ، وهي وإن استوت جميعها في كونها معصية للخالق ، إلا أنها متفاوتة في الإثم والعقوبة ،

فأقبح الذنوب على الإطلاق وأكبرها إثما وأشدها عقوبة هو الكفر ، فالكافر إذا مات ولم يتب من كفره فمصيره إلى النار خالداً مخلداً فيها أبداً ،

ثم تأتي في المرتبة الثانية بعد الكفر الكبائر ويأتي على قائمة الكبائر ما يسميه العلماء بالكفر الأصغر ، ويعده العلماء أشد من الزنا وشرب الخمر وقذف المحصنات ، ذلك أن ذنباً سماه الله كفرا هو أعظم من غيره من الذنوب التي لم يسمها الله بذلك ، وهو لا يختلف في أحكامه عن سائر أحكام الكبائر من كونها لا تخرج من الملة ، ولا يخلد مرتكبها في النار ، وأن الشفاعة في حق أهلها جائزة ، وغير ذلك من أحكام اختص الله بها من أتى بالتوحيد ، وإن أخل به في بعض جوانبه.

الكُفرُ عِندَ العلماءِ نوعان : كُفرٌ أكبر ، و كُفرٌ أصغر .

فالأصغر موجِبٌ لاستحقاق الوعيد دونَ الخلودِ في النار ، كُلُكم يعلم أنهُ يخرجُ من النار من كانَ في قلبهِ مثقالُ من خير ، فالكُفرُ الأصغر هوَ الذي يُوجبُ الوعيد وعيدَ اللهِ عزّ وجل ولكنهُ لا يخلدُ صاحبهُ في النار .. يخرجُ منها .. يقولُ عليه الصلاة والسلام فيما رواهُ الإمامُ مُسلم والإمامُ أحمد عن أبي هُريرة رضيَ اللهُ عنه :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ *
(رواه الإمام مسلم والإمام أحمد)

ابن عباس قال : ومن لم يحكم بما أنزلَ اللهُ فأؤلئكَ هم الكافرون ليسَ بِكُفرٍ ينقلُ عن المِلّة بل إذا فعلهُ فهوَ بهِ كُفرٌ .. بهِ بعضُ الكُفر هذا كلام ابن عباس ، وليسَ كمن كفرَ باللهِ واليوم الآخر
قالَ عطاء هوَ كُفرٌ دونَ كُفرٍ وظُلمٌ دونَ ظُلمٍ وفِسقٌ دونَ فِسقٍ .

والكفر الأصغر :
هو الذنوب التي أطلق الشرع على فاعلها وصف الكفر ودلت الأدلة على أنه ليس بأكبر ، ولما كان الأصل في لفظ الكفر في كلام الشارع هو الكفر الأكبر ، كان لابد من وجود علامة تميز الكفر الأصغر عن الكفر الأكبر ، وقد ذكر العلماء علامتين على ذلك:

الأولى : أن الكفر الأصغر يرد في ألفاظ الشرع منكراً من غير أل التعريف ، كما سيتضح في الأمثلة التي سنوردها .

والثانية : وجود قرينة شرعية تصرف لفظ الكفر من حمله على الكفر الأكبر إلى الكفر الأصغر .

والأمثلة على ذلك من السنة كثيرة منها :
قوله صلى الله عليه وسلم : ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر )
فالحديث لو أخذ به دون النظر إلى الأدلة الأخرى لحكمنا بكفر من يقاتل المسلمين بغير حق ، لكننا إذا نظرنا إلى الأدلة لوجدنا ما يعارض ذلك ، كقوله تعالى :
{ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } (الحجرات:9)
فأثبت لكلا الطائفتين وصف الإيمان ، رغم أن إحداهما باغية ، فدل على أن قتال المسلمين بغير حق هو من الكفر الأصغر وليس من الكفر الأكبر المخرج من الملة .

ومثال آخر قوله صلى الله عليه وسلم :
( اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت ) فالمراد بالكفر هنا هو الكفر الأصغر لوروده منكراً من غير أل التعريف ولأن الإجماع قائم على أن الطعن في الأنساب والنياحة على الميت من الذنوب غير المكفرة ، وقد ناحت بعض النسوة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنهاها صلى الله عليه وسلم فلم تنته ، فلم تكفر بذلك ، فدلّ على أن النياحة ليست من الكفر المخرج من الملة.


أمّا الكُفر الأكبر فهوَ خمسةُ أنواع :
كُفرُ تكذيب ، وكُفرُ استكبار وكُفرُ إباءٍ مع التصديق ، وكُفرُ إعراض ، كُفرُ شك ، وكُفرُ نِفاق . وكُل نوع له آيات خاصة بهِ .

أحمد سعد الدين
14-06-2005, 07:41 PM
مجموع فتاوى ومقالات_الجزء التاسع ( ابن باز رحمه الله )

س : الأخت ن . س . ع من الرياض وتقول في سؤالها :

ما هو الفرق يين الكفر والشرك أفتونا مأجورين .

ج : الكفر جحد الحق وستره ، كالذي يجحد وجوب الصلاة أو وجوب الزكاة أو وجوب صوم رمضان أو وجوب الحج مع الاستطاعة أو وجوب بر الوالدين ونحو هذا . .

وكالذي يجحد تحريم الزنا أو تحريم شرب المسكر أو تحريم عقوق الوالدين أو نحو ذلك .

أما الشرك فهو : صرف بعض العبادة لغير الله كمن يستغيث بالأموات أو الغائبين أو الجن أو الأصنام أو النجوم ونحو ذلك ، أو يذبح لهم أو ينذر لهم ويطلق على الكافر أنه مشرك وعلى المشرك أنه كافر كما قال الله عز وجل : وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ وقال سبحانه : إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وقال جل وعلا في سورة فاطر : ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ فسمى دعاءهم غير الله شركا في هذه السورة ، وفي سورة قد أفلح المؤمنون سماه كفرا .

وقال سبحانه في سورة التوبة : يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ فسمى الكفار به كفارا وسماهم مشركين .

فدل ذلك على أن الكافر يسمى مشركا ، والمشرك يسمى كافرا والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة .

أحمد سعد الدين
14-06-2005, 07:43 PM
أنواع الكفر والشرك عند أهل السنة والجماعة :

ذكر ابن القيم رحمه الله أن الكفر ينقسم إلى خمسة أقسام:

الأول: كفر تكذيب. قال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} (النمل:14)
الثاني: كفر إباء واستكبار: ككفر ابليس. قال تعالى: {فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} (المؤمنون:47)
الثالث: كفـر أعراض مثل من يعرض عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يسمعه ولا يصدقه، ولا يكذبه ولا يواليه، ولا يعاديه ولا يصغي إلى ما جاء به البتة..
الرابع: كفر الشك: حيث لا يجزم بصدقه ولا بكذبه، بل يشك في أمره.
الخامس: كفر النفاق: وهو أن يظهر بلسانه الإيمان وينطوي بقلبه التكذيب، وهذا هو النفاق الأكبر. (انظر مدارج 1/337)

وأما النفاق الأصغـر فهو مثل ما إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا ائتمن خان، وإذا خاصم فجر، أي فيه شعبة من النفاق وخصلة منه.


* وأما أنواع الشرك:

فهي أربعة أنواع كما ذكر ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب:
الأول: شرك الدعاء قال تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين}..
الثاني: شرك النية والإرادة، والقصد. قال تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها، وباطل ما كانوا يعملون} (هود:15)
الثالث: شرك الطاعة قال تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} (التوبة:31)
الرابع: شرك المحبة: قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله} (البقرة:165)


ثالثاً: حقيقة الكفر والشرك والنفاق وانقسامها إلى أكبر وأصغر:

وحقيقة الكفر والشرك والنفاق تتبين بذكر حقيقة ضده الذي هو الإيمان فكما أن الإيمان أصل له شعب فأصله التصديق، وشعبه الأعمـال الباطنة والظاهرة، ومن شعبه ما يزول الإيمان بزواله كالشهادة ومنها ما لا يزول كإماطة الأذى عن الطريق ومنها ما هو أقرب إلى هذا، وما هو أقرب إلى هذا.
كذلك الكفر أصله التكذيب، وشعبه المعاصي، فالمعاصي كلها شعب الكفر، والطاعات شعب الإيمان.
ومن المعاصي ما يكون كفـراً أكبر كالسجود لصنم، والاستهانة بالمصحف، وترك الصلاة عند من يقول بكفـر تارك الصلاة ومنها ما يكون كفراً أصغر كما سمى الرسول صلى الله عليه وسلم قتال المؤمن كفر ونحو ذلك.
وذلك كما أن النفاق منه أكبر كاعتقاد الكفـر، وإظهار الإسلام، ومنه أصغر، وهو أن يكون في الرجل شعبة من شعب النفاق كإذا حدث كذب أو يخون الأمانة، وينقض العهد، ونحو ذلك.

والرجل قد يجتمع فيه -بناء على ما تقدم- كفر وإيمان وشرك وتوحيد، وتقوى وفجور بأن يكون فيه شعبة من الكفر أو الشرك أو النفاق أي الأصغر من هذه الثلاث، ويكون مسلماً موحداً.

قال ابن القيم رحمه الله:

"وهذا من أعظم أصول أهل السنة وخالفهم فيه غيرهم من أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والقدرية، ومسألة خروج أهل الكبائر من النار وتخليدهم فيها مبنية على هذا الأصل" (كتاب الصلاة لابن القيم ص/29)

ولا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمناً، ولا من قيام شعبة من شعب الكفر به أن يسمى كافراً، حتى يجمع خصالاً يكون بها مستحقاً لاسم الكفر الأكبر، كما لا يسمى مؤمنـاً الاسم المطلق حتى يستجمع خصالاً يكون بها مستحقاً ذلك الاسم، وإن كان قد يكون فيه إيمان مطلق يصير به مسلماً.


قال ابن القيم رحمه الله:

ولا يمنع ذلك أن تسمى شعب الإيمان إيماناً، وشعب النفاق نفاقاً، وشعب الكفر كفراً، وقد يطلق عليه الفعل كقوله: [فمن تركها فقد كفر] و [من حلف بغير الله فقد كفـر] رواه الحاكم في صحيحه بهذا اللفظ، فمن صدر منه خله من خلال الكفر فلا يستحق اسم كافر على الإطلاق، ولا يلزم اسم فاسق إلا بغلبة ذلك عليه، وهكذا الزاني والسارق، والشارب، والمنتهب لا يسمى مؤمناً، وإن كان معه إيمان، كما أنه لا يسمى كافراً، وإن كان ما أثر به من خصال الكفر وشعبه" (كتاب الصلاة لابن القيم ص/30)


رابعاً: كفر من ترك العمل بالكلية من غير مانع:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله بقلبه ولسانه ولم يؤد واجباً ظاهراً، ولا صلاة، ولا زكاة، ولا صياماً، ولا غير ذلك من الواجبات"
ثم قـال: "ومن قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات سواء جعل فعل تلك الواجبات لازماً له أو جزءً منه -فهذا نزاع لفظي- كان مخطئاً خطئاً بيناً، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها المقالات الغليظة ما هو معروف" (مجموع الفتاوى 7/621)
هذا والفرق بين أهل السنة والخوارج في هذا الباب أن الخوارج ينفون الإيمان بزوال بعض العمل لا كله، ولهذا يكفرون صاحب الكبيرة وأهل السنة عندهـم صاحب الكبيرة ناقص الإيمان ليس بكفار كفراً ينقل عن الملة بخلاف من يترك العمل بالكلية، فإن هذا هو التولي الذي يزول معه الإيمان، ولهذا كان من شروط التوحيد الانقياد عند أهل السنة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "التولي ليس هو التكذيب بل هو التولي عن الطاعة فإن الناس عليهم أن يصدقوا الرسول فيما أخبر، ويطيعون فيما أمر، وضد التصديق التكذيب، وضد الطاعـة التولي، فلهذا قال تعالى: {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل وإن كان قد أتى بالقـول" (الإيمان ص/136)

ومن الخطأ الشنيع في هذا الباب أن يظن أن الكفر لا يكون إلا بالتكذيب كما هو مذهب المرجئة، ولهذا لا يكفرون تارك العمل كله لأنه غير مكذب، وكان الأئمة يشنعون على قائل هذه المقالة كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: "وقال حنبل حدثنا الحميدي قال: وأخبرت أن أناساً يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم، ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت، ويصلي مستدبر القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان مقراً بالفرائض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله، وعلماء المسلمين.قال الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} الآية، وقال حنبل: سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يقول: من قال هذا فقد كفر بالله ورد على أمره وعلى الرسول ما جاء به عن الله" (مجموع الفتاوى 7/209)