المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام



أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:27 AM
الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام


تأليف
محمد ناصر الدين الألباني

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:27 AM
‏ إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا ‏مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .‏
‏ ‏‎‎يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون‎‎‏ ‏‎‎يأيها الناس إتقوا ربكم الذي ‏خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ، واتقوا الله الذي تساءلون به ‏والأرحام ، إن الله كان عليكم رقيباً‎‎‏ . ‏‎‎يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ، وقولوا قولاً سديداً ، يصلح لكم ‏أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيما‎‎‏ .‏
‏ " أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ‏، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار " ‏‎( * )‎‏ .‏

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:28 AM
الفصل الأول
وجوب الرجوع إلى السنة وتحريم مخالفتها

‏ أيها الإخوان الكرام : إن من المتفق عليه بين المسلمين الأولين كافة ، أن السنة النبوية – على صاحبها أفضل ‏الصلاة والسلام – هي المرجع الثاني والأخير في الشرع الإسلامي ، في كل نواحي الحياة من أمور غيبية اعتقادية – ‏أو أحكام عملية ، أو سياسية ، أو تربوية وأنه لا يجوز مخالفتها في شيء من ذلك لرأي أو اجتهاد أو قياس ، كما ‏قال الإمام الشافعي رحمه الله في آخر " الرسالة " : " لا يحل القياس والخبر موجود " ، ومثله ما اشتهر عند المتأخرين ‏من علماء الأصول :" إذا ورد الأثر بطل النظر " ،" لا اجتهاد في مورد النص " ومستندهم في ذلك الكتاب الكريم ، ‏والسنة المطهرة .‏
‏ * القرآن يأمر بالاحتكام إلى سنة الرسول صلى الله عليه و سلم
‏ أما الكتاب ففيه آيات كثير ، أجتزىء بذكر بعضها في هذه المقدمة على سبيل الذكرى ‏‎‎فإن الذكرى تنفع ‏المؤمنين‎‎‏.‏
‏ 1- قال تعالى:‏‎ ‎وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن ‏يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً‎‎‏ (الأحزاب : 36) .‏
‏ 2- وقال عز وجل:‏‎‎يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم‎ ‎‏ ‏‏(الحجرات : 1) .‏
‏ 3- وقال : ‏‎‎قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين‎‎‏ (آل عمران:32) .‏
‏ 4- وقال عز من قائل : ‏‎‎وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيداً . من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن ‏تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً‎‎‏ (النساء:80) .‏
‏ 5- وقال : ‏‎‎يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ‏الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً‎‎‏ (النساء:59).‏
‏ 6- وقال : ‏‎‎وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين‎‎‏ ‏‏(الأنفال : 46) .‏
‏ 7- وقال: ‏‎‎وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ، فإن توليتم فاعملوا أنما على رسولنا البلاغ المبين‎‎‏ ‏‏(المائدة : 92) .‏
‏ 8- وقال : ‏‎‎لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ، قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ، ‏فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم‎‎‏ (النور : 63) .‏
‏ 9- وقال : ‏‎‎يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ، واعملوا أن الله يحول بين المرء ‏وقلبه وأنه إليه تحشرون ‏‎‎‏ (الأنفال : 24) .‏
‏ 10- وقال: ‏‎‎ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز ‏العظيم.ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين‎‎‏(النساء13-14) ‏
‏ 11- وقال : ‏‎‎ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى ‏الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً . وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ‏وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً‎‎‏ (النساء:60-61) .‏
‏ 12- وقال سبحانه : ‏‎‎إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ‏وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون‎‎‏(النور:52).‏
‏ 13- وقال: ‏‎‎وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ، واتقوا الله إن الله شديد العقاب‎‎‏ (الحشر ‏‏: 7) .‏
‏ 14- وقال تعالى : ‏‎‎لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله ‏كثيراً‎‎‏ (الأحزاب:21) .‏
‏ 15- وقال : ‏‎‎والنجم إذا هوى . ما ضل صاحبكم وما غوى . وما ينطق عن الهوى . إن هو ‏
إلا وحي يوحى‎‎‏ (النجم:1-4) .‏
‏ 16- وقال تبارك وتعالى:‏‎‎وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون‎‎‏(النحل:44)‏
إلى غير ذلك من الآيات المباركات .‏

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:28 AM
* الأحاديث الداعية إلى اتباع النبي صلى الله عليه و سلم في كل شيء : ‏

‏ 1- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ‏‎‎‏ كل أمتي يدخلون الجنة إلا من ‏أبى ، ‏
قالوا : ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى ‏‎‎‏ .‏
‏ أخرجه البخاري في "صحيحه – كتاب الاعتصام " .‏
‏ 2- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال :‏
‏ ‏‎‎‏ جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه و سلم وهو نائم ، فقال بعضهم : إنه نائم ، وقال بعضهم : إن ‏العين نائمة ، والقلب يقظان ، فقالوا : إن لصاحبكم هذا مثلا ، فاضربوا له مثلا ، فقالوا : مثله كمثل رجل بنى ‏داراً، وجعل فيه مأدبة ، وبعث داعياً ، فمن أجاب الداعي دخل الدار ، وأكل من المأدبة ، ومن لم يجب الداعي لم ‏يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ، فقالوا : أولوها يفقهها ، فقال بعضهم : إن العين نائمة والقلب يقظان ، فقالوا ‏فالدار الجنة ، والداعي محمد صلى الله عليه و سلم ، فمن أطاع محمداً صلى الله عليه و سلم فقد أطاع الله ، ومن ‏عصى محمداً صلى الله عليه و سلم فقد عصى الله ، ومحمد صلى الله عليه و سلم فرق ‏‎( 1 )‎‏ بين الناس ‏‎‎‏ أخرجه ‏البخاري أيضاً .‏
‏ 3- عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال :‏
‏ ‏‎‎‏ إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوماً فقال : يا قوم إني رأيت الجيش بعيني ، وإني أنا النذير ‏العريان ، فالنجاء النجاء ، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا ، فأنطلقوا على مهلهم فنجوا ، وكذبت طائفة منهم ‏فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم ، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ، ومثل من ‏عصاني وكذب بما جئت به من الحق ‏‎‎‏ . أخرجه البخاري ومسلم .‏
‏ 4- عن أبي رافع رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لا ألفين أحدكم متكئاً على ‏أريكته، يأتيه الأمر من أمري ، مما أمرت به أو نهيت عنه ، فيقول : لا أدري ، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ( وإلا ‏فلا ) " . رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة والطحاوي وغيرهم بسند صحيح .‏
‏ 5- عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ألا إني أوتيت ‏القرآن ومثله معه ، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن ، فما وجدتم فيه من حرام ‏فحرموه ، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله ، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ، ولا كل ذي ناب من السباع، ‏ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه ‏‎( 2 )‎، فإن لم يقروه، فله أن يعقبهم ‏بمثل قراه ‏‎‎‏ . رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه وأحمد بسند صحيح .‏
‏ 6- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : :" تركت فيكم شيئين لن تضلوا ‏بعدهم ( ما تمسكتم بهما ) كتاب الله وسنتي ، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " .‏
‏ أخرجه مالك مرسلاً ، والحاكم مسنداً وصححه .‏

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:29 AM
* ما تدل عليه النصوص السابقة :‏

‏ وفي هذه النصوص من الآيات والأحاديث أمور هامة جداً يمكن إجمالها فيما يلي :‏
‏ 1- أنه لا فرق بين قضاء الله وقضاء رسوله ، وأن كلا منهما ، ليس للمؤمن الخيرة في أن يخالفهما ، وأن ‏عصيان الرسول صلى الله عليه و سلم كعصيان الله تعالى ، وأنه ضلال مبين .‏
‏ 2- أنه لا يجوز التقدم بين يدي الرسول صلى الله عليه و سلم كما لا يجوز التقدم بين يدي الله تعالى ، وهو ‏كناية عن عدم جواز مخالفة سنته صلى الله عليه و سلم ، قال الإمام ابن القيم في "إعلام الموقعين"(1/58) :" أي لا ‏تقولوا حتى يقول، وتأمروا حتى يأمر ، ولا تفتوا حتى يفتي ، ولا تقطعوا أمراً حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويمضي ‏‏" .‏
‏ 3- أن التولي عن طاعة الرسول صلى الله عليه و سلم إنما هو من شأن الكافرين .‏
‏ 4- أن المطيع للرسول صلى الله عليه و سلم مطيع لله تعالى .‏
‏ 5- وجوب الرد والرجوع عند التنازع والاختلاف في شيء من أمور الدين إلى الله وإلى الرسول صلى الله عليه ‏و سلم ، قال ابن القيم (1/54) :‏
‏ "فأمر تعالى بطاعته وطاعة رسوله ، وأعاد الفعل ( يعني قوله : وأطيعوا الرسول ) إعلاماً بأن طاعته تجب ‏استقلالاً من غير عرض ما أمر به على الكتاب ، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقاً سواء كان ‏
ما أمر به في الكتاب ، أو لم يكن فيه ، فإنه " أوتي الكتاب ومثله معه " ، ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالاً ، بل ‏حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول " ومن المتفق عليه عند العلماء أن الرد إلى الله إنما هو الرد إلى ‏كتابه ، والرد إلى الرسول ، هو الرد إليه في حياته ، وإلى سنته بعد وفاته ، وأن ذلك من شروط الإيمان .‏
‏ 6- أن الرضى بالتنازع ، بترك الرجوع إلى السنة للخلاص من هذا التنازع سبب هام في نظر الشرع لإخفاق ‏المسلمين في جميع جهودهم ، ولذهاب قوتهم وشوكتهم .‏
‏ 7- التحذير من مخالفة الرسول صلى الله عليه و سلم لما لها من العاقبة السيئة في الدنيا والآخرة .‏
‏ 8- استحقاق المخالفين لأمره صلى الله عليه و سلم الفتنة في الدنيا ، والعذاب الأليم في الآخرة .‏
‏ 9- وجوب الاستجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه و سلم وأمره ، وأنها سبب الحياة الطيبة ، والسعادة في ‏الدنيا والآخرة .‏
‏ 10- أن طاعة النبي صلى الله عليه و سلم سبب لدخول الجنة والفوز العظيم ، وأن معصيته وتجاوز حدوده ‏سبب لدخول النار والعذاب المهين .‏
‏ 11- أن من صفات المنافقين الذين يتظاهرون بالإسلام ويبطنون الكفر أنهم إذا دعوا إلى أن يتحاكموا إلى ‏الرسول صلى الله عليه و سلم وإلى سنته ، لا يستجيبون لذلك ، بل يصدون عنه صدوداً .‏
‏ 12- وأن المؤمنين على خلاف المنافقين ، فإنهم إذا دعوا إلى التحاكم إلى الرسول صلى الله عليه و سلم بادروا ‏إلى الاستجابة لذلك ، وقالوا بلسان حالهم وقالهم : " سمعنا وأطعنا " ، وأنهم بذلك يصيرون مفلحين ، ويكونون من ‏الفائزين بجنات النعيم .‏
‏ 13- كل ما أمرنا به الرسول صلى الله عليه و سلم يجب علينا اتباعه فيه ، كما يجب علينا أن ننتهي عن كل ما ‏نهانا عنه .‏
‏ 14- أنه صلى الله عليه و سلم أسوتنا وقدوتنا في كل أمور ديننا إذا كنا ممن يرجو الله واليوم الآخر .‏
‏ 15- وأن كل ما نطق به رسول الله صلى الله عليه و سلم مما لا صلة بالدين والأمور الغيبية التي لا تعرف ‏بالعقل ولا بالتجربة فهو وحي من الله إليه . لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .‏
‏ 16- وأن سنته صلى الله عليه و سلم هي بيان لما أنزل إليه من القرآن .‏
‏ 17- وأن القرآن لا يغني عن السنة ، بل هي مثله في وجوب الطاعة والاتباع ، وأن المستغني به عنها مخالف ‏للرسول عليه الصلاة والسلام غير مطيع له ، فهو بذلك مخالف لما سبق من الآيات .‏
‏ 18- أن ما حرم رسول الله صلى الله عليه و سلم مثل ما حرم الله ، وكذلك كل شيء جاء به رسول الله صلى ‏الله عليه و سلم مما ليس في القرآن ، فهو مثل ما لو جاء في القرآن لعموم قوله : ‏‎‎‏ ألا إني أوتيت القرآن ومثله ‏معه ‏‎‎‏.‏
‏ 19- أن العصمة من الانحراف والضلال إنما هو التمسك بالكتاب والسنة ، وأن ذلك حكم مستمر إلى يوم ‏القيامة ، فلا يجوز التفريق بين كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه و سلم تسلمياً كثيرا .‏
‏ * لزوم اتباع السنة على كل جيل في العقائد والأحكام ‏

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:29 AM
أيها الإخوة الكرام ! هذه النصوص المتقدمة من الكتاب والسنة كما أنها دلت دلالة قاطعة على وجوب اتباع ‏السنة اتباعاً مطلقاً في كل ما جاء به النبي صلى الله عليه و سلم ، وأن من لم يرض بالتحاكم إليها والخضوع لها ‏فليس مؤمناً ، فإني أريد أن ألفت نظركم إلى أنها تدل بعموماتها وإطلاقاتها على أمرين آخرين هامين أيضاً :‏
‏ الأول : أنها تشمل كل من بلغته الدعوة إلى يوم القيامة ، وذلك صريح في قوله تعالى : ‏‎‎لأنذركم به ومن ‏بلغ‎‎‏ ، وقوله : ‏‎‎وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً‎‎‏ وفسره صلى الله عليه و سلم بقوله في حديث : ‏
‏"... وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس كافة ‏‎‎‏ متفق عليه ، وقوله :" والذي نفسي بيده لا ‏يسمع بي رجل من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار ‏‎‎‏ رواه مسلم وابن ‏منده وغيرهما ( الصحيحة 157 ) .‏
‏ والثاني : أنها تشمل كل أمر من أمور الدين ، لا فرق بين ما كان منه عقيدة علمية، أو حكماً عملياً، أو غير ‏ذلك ، فكما كان يجب على كل صحابي أن يؤمن بذلك كله حين يبلغه من النبي صلى الله عليه و سلم أو من ‏صحابي آخر عنه كان يجب كذلك على التابعي حين يبلغه عن الصحابي ، فكما لا يجوز للصحابي مثلاً أن يرد ‏حديث النبي صلى الله عليه و سلم إذا كان في العقيدة بحجة أنه خبر آحاد سمعه عن صحابي مثله عنه صلى الله عليه ‏و سلم ، فكذلك لا يجوز لمن بعده أن يرده بالحجة نفسها مادام أن المخبر به ثقة عنده ، وهكذا ينبغي أن يستمر ‏الأمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وقد كان الأمر كذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين كما سيأتي ‏النص بذلك عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى .‏

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:30 AM
* تحكم الخلف بالسنة بدل التحاكم إليها :‏

‏ ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا السنة النبوية وأهملوها ، بسبب أصول يبناها بعض علماء الكلام، وقواعد ‏زعمها بعض علماء الأصول والفقهاء المقلدين ، كان من نتائجها الإهمال المذكور الذي أدى بدوره إلى الشك في ‏قسم كبير منها ، ورد قسم آخر منها لمخالفتها لتلك الأصول والقواعد ، فتبدلت الآية عند هؤلاء ، فبدل أن ‏يرجعوا بها إلى السنة ويتحاكموا إليها ، فقد قلبوا الأمر ، ورجعوا بالسنة إلى قواعدهم وأصولهم ، فما كان منها ‏موافقاً لقواعدهم قبلوه ، وإلا رفضوه ، وبذلك انقطعت الصلة التامة بين المسلم وبين النبي صلى الله عليه و سلم ، ‏وخاصة عند المتأخرين منهم ، فعادوا جاهلين بالنبي صلى الله عليه و سلم وعقيدته وسيرته وعبادته ، وصيامه وقيامه ‏وحجة وأحكامه وفتاويه ، فإذا سئلوا عن شيء من ذلك أجابوك إما بحديث ضعيف أو لا أصل له ، أو بما في ‏المذهب الفلاني ، فإذا اتفق أنه مخالف للحديث الصحيح وذكروا به لا يذكرون ، ولا يقبلون الرجوع إليه لشبهات ‏لا مجال لذكرها الآن ، وكل ذلك سببه تلك الأصول والقواعد المشار إليها ، وسيأتي قريباً ذكر بعضها إن شاء الله ‏تعالى .‏
‏ ولقد عم هذا الوباء وطم كل البلاد الإسلامية ، والمجلات العلمية والكتب الدينية إلا نادراً ، فلا تجد من يفتي ‏فيها على الكتاب والسنة إلا أفراداً قليلين غرباء ، بل جماهيرهم يعتمدون فيها على مذهب من المذاهب الأربعة ، ‏وقد يتعدونها إلى غيرها إذا وجدوا في ذلك مصلحة – كما زعموا – وأما السنة فقد أصبحت عندهم نسياً منسياً ، ‏إلا إذا اقتضت المصلحة عندهم الأخذ بها ، كما فعل بعضهم بالنسبة لحديث ابن عباس في الطلاق بلفظ ثلاث وأنه ‏كان على عهد النبي صلى الله عليه و سلم طلقة واحدة ، فقد أنزلوها منزلة بعض المذاهب المرجوحة ! وكانوا قبل ‏أن يتبنوه يحاربونه ويحاربون الداعي إليه ! ‏

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:30 AM
* غربة السنة عند المتأخرين :‏

وإن مما يدل على غربة السنة في هذا الزمان وجهل أهل العلم والفتوى بها ، جواب إحدى المجلات الإسلامية ‏السيارة عن سؤال : " هل تبعث الحيوانات ..." ونصه :‏
‏" قال الإمام الآلوسي في تفسيره : " ليس في هذا الباب – يعني بعض الحيوانات – نص من كتاب أو سنة يعول ‏عليه يدل على حشر غير الثقلين من الوحوش والطيور " .‏
هذا كل ما أعتمده المجيب ، وهو شيء عجيب يدلكم على مبلغ إهمال أهل العلم – فضلاً عن غيرهم– لعلم السنة، ‏فقد ثبت فيها أكثر من حديث واحد يصرح بأن الحيوانات تحشر، ويقتص لبعضها من بعض، من ذلك حديث ‏مسلم في "صحيحه" : ‏‎‎‏ لتؤدون الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ‏‎‎‏ . وثبت عن ابن ‏عمرو وغيره أن الكافر حين يرى هذا القصاص يقول : ( ياليتني كنت ترابا).

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:31 AM
* أصول الخلف التي تركت السنة بسببها :‏

‏ فما هي تلك الأصول والقواعد التي أقامها الخلف ، حتى صرفتهم عن السنة دراسة واتباعاً ؟ وجواباً عن ذلك ‏أقول :‏
‏ يمكن حصرها في الأمور الآتية :‏

‏ الأول : قول بعض علماء الكلام : إن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة ، وصرح بعض الدعاة الإسلاميين اليوم ‏بأنه لا يجوز أخذ العقيدة منه ، بل يحرم .‏

‏ الثاني : بعض القواعد التي تبنتها بعض المذاهب المتبعة في " أصولها " يحضرني الآن منها ما يلي :‏
تقديم القياس على خبر الآحاد . ( الإعلام 1/327و300 شرح المنار ص623 ) .‏
‏ رد خبر الآحاد إذا خالف الأصول . ( الإعلام 1/329 ، شرح المنار ص646 ) .‏
ج - رد الحديث المتضمن حكماً زائداً على نص القرآن بدعوى أن ذلك نسخ له ، والسنة لا تنسخ القرآن ( شرح ‏المنار ص647 ، الأحكام 2/66 ) .‏
د - تقديم العام على الخاص عند التعارض ، أو عدم جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ! ‏
‏( شرح المنار ص289-294 ، إرشاد الفحول 138-139-143-144 ) .‏
‏ هـ - تقديم أهل المدينة على الحديث الصحيح .‏

‏ الثالث : التقليد ، واتخاذه مذهباً وديناً .‏

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:31 AM
الفصل الثاني
بطلان تقديم القياس وغيره على الحديث

‏ إن رد الحديث الصحيح بالقياس أو غيره من القواعد التي سبق ذكرها مثل رده بمخالفة أهل المدينة له ، لهو ‏مخالفة صريحة لتلك الآيات والأحاديث المتقدمة القاضية بوجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة عند الاختلاف ‏والتنازع ، ومما لا شك فيه عند أهل العلم أن رد الحديث لمثل ما ذكرنا من القواعد ، ليس مما اتفق عليه أهل العلم ‏كلهم ، بل إن جماهير العلماء يخالفون تلك القواعد ، ويقدمون عليها الحديث الصحيح اتباعاً للكتاب والسنة ، ‏كيف لا ، مع أن الواجب العمل بالحديث ولو مع ظن الاتفاق على خلافه أو عدم العلم بمن عمل به ، قال الإمام ‏الشافعي في "الرسالة" (ص463/464) : " ويجب أن يقبل الخبر في الوقت الذي ثبت فيه ، وإن لم يمض عمل من ‏الأئمة بمثل الخبر " .وقد قال العلامة ابن القيم في ‏
‏"إعلام الموقعين" (1/32-33) : ‏
‏ " ولم يكن الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقدم على الحديث الصحيح ، عملا ولا رأيا ولا قياساً ولا قول صاحب ‏، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعاً ، ويقدمونه على الحديث الصحيح وقد كذب أحمد ‏من ادعى هذا الإجماع ، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت ، وكذلك الشافعي أيضاً نص في "رسالته الجديدة" ‏على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع ... ونصوص رسول الله صلى الله عليه و سلم أجل عند الإمام أحمد ‏وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها ما توهم إجماع ، مضمونه عدم العلم بالمخالف ، ولو ساغ لتعطلت ‏النصوص ، وساغ لكل من لم يعلم مخالفاً في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص " .‏
‏ وقال ابن القيم أيضاً (3/464-465) : ‏
‏ " وقد كان السلف الطيب يشتد نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم ‏برأي أو قياس ، أو استحسان ، أو قول أحد من الناس كائناً من كان ، ويهجرون فاعل ذلك وينكرون على من ‏ضرب له الأمثال ، ولا يسوغون غير الانقياد له صلى الله عليه و سلم والتسليم ، والتلقي بالسمع والطاعة ، ولا ‏يخطر بقلوبهم التوقف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس ، أو يوافق قول فلان وفلان ن بل كانوا عاملين بقوله ‏تعالى : ‏‎‎وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم‎‎‏ وأمثاله ‏
‏( مما تقدم ) فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم : ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : كذا ، وكذا ، يقول ‏‏: من قال بهذا ؟ دفعاً في صدر الحديث ، ويجعل جهله بالقائل حجة له في مخالفته وترك العمل به ، ولو نصح نفسه ‏لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل ن وأنه لا يحل له دفع سنن رسول الله صلى الله عليه و سلم بمثل هذا الجهل ، ‏وأقبح من ذلك عذره في جهله ، إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة ، وهذا سوء ظن بجماعة ‏المسلمين ، إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وأقبح من ذلك عذره في ‏دعوى هذه الإجماع ، وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث ، فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة والله ‏المستعان " .‏
‏ قلت : وإذا كان هذا حال من يخالف السنة ، وهو يظن أن العلماء اتفقوا على خلافها ، فكيف يكون حال من ‏يخالفها ، إذا كان يعلم أن كثيراً من العلماء قد قالوا بها ، وأن من خالفها لا حجة له ‏
إلا من مثل تلك القواعد المشار إليها ، أو التقليد على ما سيأتي في الفصل الرابع .‏

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:32 AM
* سبب الخطأ في تقديم القياس وأصولهم على الحديث :‏

‏ ومنشأ الخطأ في تقديهم القواعد المشار إليها على السنة في نظري إنما هو نظرتهم إلى السنة أنها في مرتبة دون ‏المرتبة التي أنزلها الله تبارك وتعالى فيها من جهة ، وفي شكهم في ثبوتها من جهة أخرى ، ‏
وإلا كيف جاز لهم تقديم القياس عليها ، علماً بأن القياس قائم على الرأي والاجتهاد ، وهو معرض للخطأ كما هو ‏معلوم ، ولذلك لا يصار إليه إلا عند الضرورة كما تقدم في كلمة الشافعي رحمه الله : ‏
‏" لا يحل القياس والخبر موجود " ، وكيف جاز لهم تقديم عمل أهل بعض البلاد عليها ، وهم يعلمون أنهم مأمورون ‏بالتحاكم إليها عند التنازع كما سلف ؟ وما أحسن قول الإمام السبكي في صدد المتمذهب بمذهب يجد حديثاً لم ‏يأخذ به مذهبه ، ولا علم قائلاً به من غير مذهبه :‏
‏ " والأولى عندي اتباع الحديث ، وليفرض الإنسان نفسه بين يدي النبي صلى الله عليه و سلم ، وقد سمع ذلك ‏منه أيسعه التأخر عن العمل به ؟ ! لا والله ، وكل أحد مكلف بحسب فهمه " ‏‎( 3 )‎‏ .‏
‏ قلت : وهذا يؤيد ما ذكرنا من أن الشك في ثبوت السنة هو مما رماهم في ذلك الخطأ ، وإلا فلو كانوا على ‏علم بها وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد قالها ، لم يتفوهوا بتلك القواعد فضلا عن أن يطبقوها ، وأن ‏يخالفوا بها مئات الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه و سلم ولا مستند لهم في ذلك إلا الرأي والقياس واتباع ‏عمل طائفة من الناس كما ذكرنا ، وإنما العمل الصحيح ما وافق السنة ، والزيادة على ذلك زيادة في الدين ، ‏والنقص منه نقص في الدين ، قال ابن القيم (1/299) مفسراً للزيادة والنقص المذكورين :‏
‏ " فالأول القياس ، والثاني التخصيص الباطل ، وكلاهما ليس من الدين ، ومن لم يقف مع النصوص ، فإنه تارة ‏يزيد في النص ما ليس منه ، ويقول هذا قياس ، ومرة ينقص منه بعض ما يقتضيه ، ويخرجه عن حكمه ويقول : ‏هذا تخصيص ومرة يترك النص جملة ، ويقول : ليس العمل عليه ، أو يقول : هذا خلاف القياس ، أو خلاف ‏الأصول . ( قال ) : ونحن نرى أنه كلما اشتد توغل الرجل في القياس إشتدت مخالفته للسنن ، ولا نرى خلاف ‏السنن والآثار عند أصحاب الرأي والقياس ، فالله كم من سنة صحيحة صريحة قد عطلت به ، وكم من أثر درس ‏حكمه بسببه ، فالسنن والآثار عند الآرائيين والقياسيين خاوية على عروشها ، معطلة أحكامها ، معزولة عن ‏سلطانها وولايتها ، لها الاسم ، ولغيرها الحكم ، لها السكة والخطبة ولغيرها الأمر والنهي ، وإلا فلماذا ترك :‏

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:33 AM
* أمثلة من الأحاديث الصحيحة التي خولفت بتلك القواعد :‏

‏ 1 - حديث قسم الابتداء وأن للزوجة حق العقد سبع ليال إن كانت بكراً ، أو ثلاثا إن كانت ثيباً ، ثم يقسم ‏بالسوية ؟
‏ 2 – وحديث تغريب الزاني غير المحصن .‏
‏ 3 – وحديث الاشتراط في الحج ، وجواز التحلل بالشرط .‏
‏ 4 – وحديث المسح على الجوربين .‏
‏ 5 – وحديث أبي هريرة ومعاوية بن الحكم السلمي في أن كلام الناسي والجاهل لا يبطل الصلاة .‏
‏ 6 – وحديث إتمام صلاة الصبح لمن طلعت عليه الشمس وقد صلى منها ركعة .‏
‏ 7 – وحديث إتمام الصوم لمن أكل ناسياً .‏
‏ 8 – وحديث الصوم عن الميت .‏
‏ 9 – وحديث الحج عن المريض الميئوس من برئه .‏
‏ 10 – وحديث القضاء بالشاهد مع اليمين .‏
‏ 11 – وحديث قطع يد السارق في ربع دينار .‏
‏ 12 – وحديث من تزوج إمرأة أبيه ضرب عنقه ويأخذ ماله .‏
‏ 13 – وحديث لا يقتل مؤمن بكافر .‏
‏ 14 – وحديث لعن الله المحلل والمحلل له .‏
‏ 15 – وحديث لا نكاح إلا بولي .‏
‏ 16 – وحديث المطلقة ثلاثاً لا سكنى لها ولا نفقة .‏
‏ 17 – وحديث أصدقها ولو خاتماً من حديد .‏
‏ 18 – وحديث إباحة لحوم الخيل .‏
‏ 19 – وحديث كل مسكر حرام .‏
‏ 20 – وحديث : ليس فيما دون الخمس أوسق صدقة .‏
‏ 21 – وحديث المزارعة والمساقاة .‏
‏ 22 – وحديث ذكاة ‏‎( 4 )‎‏ الجنين وذكاة أمه .‏
‏ 23 – وحديث الرهن مركوب ومحلوب .‏
‏ 24 – وحديث النهي عن تخليل الخمر .‏
‏ 25 – وحديث لا تحرم المصة والمصتان .‏
‏ 26 – وحديث أنت ومالك لأبيك .‏
‏ 27 – وحديث الوضوء من لحوم الإبل .‏
‏ 28 – وأحاديث المسح على العمامة .‏
‏ 29 – وحديث الأمر بإعادة الصلاة لمن صلى خلف الصف وحده .‏
‏ 30 – وحديث من دخل والإمام يخطب يوم الجمعة يصلي تحية المسجد .‏
‏ 31- وحديث الصلاة على الغائب .‏
‏ 32 – وحديث الجهر بآمين في الصلاة .‏
‏ 33 – وحديث جواز رجوع الأب فيما وهب لولده ، ولا يرجع غيره .‏
‏ 34 – وحديث الخروج إلى العيد من الغد إذا علم بالعيد بعد الزوال .‏
‏ 35 – وحديث نضح بول الرضيع الذي لم يأكل الطعام .‏
‏ 36 – وحديث الصلاة على القبر .‏
‏ 37 – وحديث بيع جابر بعيره واشتراط ظهره ‏‎( 5 )‎‏ .‏
‏ 38 – وحديث النهي عن جلود السباع .‏
‏ 39 – وحديث لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره .‏
‏ 40 – وحديث إذا أسلم وتحته أختان يختاره أيتهما شاء .‏
‏ 41 – وحديث الوتر على الراحلة .‏
‏ 42 – وحديث كل ذي ناب من السباع حرام .‏
‏ 43 – وحديث : من السنة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة ‏‎( 6 )‎‏ .‏
‏ 44 – وحديث لا تجزيء صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في ركوعه وسجوده .‏
‏ 45 – وأحاديث رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه .‏
‏ 46 – وأحاديث الاستفتاح في الصلاة .‏
‏ 47 – وحديث : تحريمها التكبير ، وتحلها التسليم .‏
‏ 48 – وحديث حمل الصبية في الصلاة .‏
‏ 49 – وأحاديث العقيقة .‏
‏ 50 – وحديث : لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذنك .‏
‏ 51 – وحديث أن بلالا يؤذن بليل .‏
‏ 52 – وحديث النهي عن صوم يوم الجمعة .‏
‏ 53 – وحديث صلاة الكسوف والاستسقاء .‏
‏ 54- وحديث عسب الفحل .‏
‏ 55 – وحديث المحرم إذا مات لم يخمر رأسه لم يقرب طيباً " .‏

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:33 AM
قلت : هذه الأحاديث كلها أو جلها إلى أضعافها تركت من أجل القياس أو القواعد التي سبق ذكرها ، بعضها ‏أعزاها ابن حزم للتاركين للسنة من أجل عمل المدينة ، وإليكم أمثلة أخرى من مخالفة هؤلاء للسنة ، فمن ذلك ‏مخالفتهم لـــ :‏

‏ 1 – حديث قراءته صلى الله عليه و سلم ( بالطور ) في المغرب و ( المرسلات ) في آخر عمره صلى الله عليه ‏و سلم .‏
‏ 2 – تأمينه صلى الله عليه و سلم بعد الفاتحة .‏
‏ 3 – سجوده صلى الله عليه و سلم في ‏‎‎إذا السماء انشقت‎‎‏ .‏
‏ 4 – صلاته صلى الله عليه و سلم بالناس جالساً وهم جلوس وراءه . فقالوا : صلاة من صلى كذلك باطلة ! ‏
‏ 5 – حديث أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ابتدأ بالناس الصلاة فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فدخل ‏فجلس إلى جنب أبي بكر رضي الله عنه ، فأتم عليه السلام الصلاة بالناس . فقالوا : ليس عليه العمل ، ومن صلى ‏هكذا بطلت صلاته ! ‏
‏ 6 – حديث جمع بين الظهر والعصر ( يعني في المدينة ) في غير خوف ولا سفر ‏‎( 7 )‎‏ .‏
‏ 7 – حديث أنه أتى بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء ، فأتبعه إياه ونضحه ولم يغسله .‏
‏ 8 – وحديث أنه عليه السلام كان يقرأ في صلاة العيد بسورة ( ق ) و ( اقتربت الساعة ) . ‏
‏ 9 – حديث أنه عليه السلام صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد .‏
‏ 10 – حديث أنه عليه السلام رجم يهوديين زنيا . فقالوا : لا يجوز رجمهم ! ‏
‏ 11 – حديث أنه صلى الله عليه و سلم وهو محرم .‏
‏ 12 – حديث تطيبه صلى الله عليه و سلم لحله قبل أن يطوف بالبيت ‏‎( 8 )‎‏ .‏
‏ 13 – أحاديث التسليمتين في الصلاة .‏
‏ إلى غير ذلك من الأحاديث التي خالفوا فيها أوامره صلى الله عليه و سلم التي لو تتبعها المتتبع لربما بلغت الألوف ‏كما قال ابن حزم رحمه الله تعالى .‏
‏ وقد درسنا مسألة تقديم القياس وغيره على الحديث فيما مضى ، فلندرس الآن الأمرين الآخرين على ضوء ‏الكتاب والسنة ، والنصوص المتقدمة لنتبين منها حقيقتها ، في فصلين اثنين .‏

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:34 AM
الفصل الثالث
حديث الآحاد حجة في العقائد والأحكام

‏ إن القائلين بأن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة ، يقولون في الوقت نفسه بأن الأحكام الشرعية ثبتت بحديث ‏الآحاد ن وهم بهذا قد فرقوا بين العقائد والأحكام ، فهل تجد هذا التفريق في النصوص المتقدمة من الكتاب والسنة ، ‏كلا ، وألف كلا ، بل هي بعمومها وإطلاقاتها تشمل العقائد أيضاً ، وتوجب اتباعه صلى الله عليه و سلم فيها ، ‏لأنها بلا شك مما يشمله قوله ( أمراً ) في آية ‏‎‎وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم ‏الخيرة من أمرهم‎ ‎وهكذا أمره تعالى بإطاعة نبيه صلى الله عليه و سلم والنهي عن عصيانه ، والتحذير من مخالفته ‏‏– وثناوه على المؤمنين الذين يقولون عندما يدعون للتحاكم إلى الله ورسوله : سمعنا وأطعنا ، كل ذاك يدل على ‏وجوب طاعته واتباعه صلى الله عليه و سلم في العقائد والأحكام . وقوله تعالى ‏‎‎وما آتاكم الرسول فخذوه‎‎‏ ‏فإنه ( ما ) من ألفاظ العموم والشمول كما هو معلوم . وأنت لو سألت هؤلاء القائلين بوجوب الأخذ بحديث ‏الآحاد في الأحكام عن الدليل عليه ، لاحتجوا بهذه الآيات السابقة وغيرها مما لم نذكره اختصاراً ، وقد استوعبها ‏الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه "الرسالة" فليراجعها من شاء ، فما الذي حملهم على استثناء العقيدة من ‏وجوب الأخذ بها وهي داخلة في عموم الآيات ؟ إن تخصيصها بالأحكام دون العقائد تخصيص بدون مخصص ن ‏وذلك باطل ، وما لزم منه باطل فهو باطل .‏

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:34 AM
* شبهة وجوابها

‏ لقد عرضت لهم شبهة ثم صارت لديهم عقيدة ! وهي أن حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن ، ويعنون به الظن ‏الراجح طبعاً ، والظن الراجح يجب العمل به في الأحكام اتفاقاً ، ولا يجوز الأخذ به عندهم في الأخبار الغيبية ، ‏والمسائل العلمية ، وهي المراد بالعقيدة ، ونحن لو سلمنا لهم جدلا بقولهم : ( إن حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن ) ‏على إطلاقه ، فإنا نسألهم : من أين لكم هذا التفريق ، وما الدليل على أنه لا يجوز الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة ‏؟ ! ‏
لقد رأينا بعض المعاصرين يستدلون على ذلك بقوله تعالى في المشركين : ‏‎‎إن يتبعون إلا الظن وما تهوى ‏الأنفس‎‎‏ وبقوله سبحانه : ‏‎‎إن الظن لا يغني منن الحق شيئاً‎‎‏ ، ونحو ذلك من الآيات التي يذم الله تعالى فيها ‏المشركين على اتباعهم الظن . وفات هؤلاء المستدلين أن الظن المذكور ففي هذه الآيات ليس المراد به الظن الغالب ‏الذي يفيده خبر الآحاد ، والواجب الأخذ به اتفاقاً ، وإنما هو الشك الذي هو الخرص ن فقد جاء في "النهاية" و ‏‏"اللسان" وغيرها من كتب اللغة : " الظن : الشك يعرض لك في الشيء فتحققه وتحكم عليه " .‏
‏ فهذا هو الظن الذي نعاه الله تعالى على المشركين ، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى فيهم : ‏‎‎إن يتبعون ‏
إلا الظن وإن هم إلا يخرصون‎‎‏ فجعل الظن هو الخرص الذي هو مجرد الحزر والتخمين .‏
‏ ولو كان الظن المنعي على المشركين في هذه الآيات هو الظن الغالب كما زعم أولئك المستدلون ، ‏
لم يجز الأخذ به في الأحكام أيضاً ، وذلك لسببين أثنين :‏
‏ الأول : أن الله أنكره عليهم إنكاراً مطلقاً ، ولم يخصه بالعقيدة دون الأحكام . ‏
‏ والآخر : أنه تعالى صرح في بعض الآيات أن الظن الذي أنكره على المشركين يشمل القول به في الأحكام أيضاً ‏، فاسمع إلى قوله تعالى الصريح في ذلك : ‏‎‎سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ( فهذه عقيدة ‏‏) ولا حرمنا من شيء ( وهذا حكم ) كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل : هل عندكم من علم ‏فتخرجوه لنا ؟ إن تتبعون إلا الظن ، وإن أنتم إلا تخرصون‎‎‏ ، ويفسرها قوله تعالى : ‏‎‎قل إنما حرم ربي ‏الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، والإثم والبغي بغير الحق ، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ، وأن تقولوا ‏على الله ما لا تعلمون‎‎‏ فثبت مما تقدم أن الظن الذي لا يجوز الأخذ به إنما هو الظن الغوي المرادف للخرص ‏والتخمين ، والقول بغير علم ، وأنه يحرم الحكم به في الأحكام كما يحرم الأخذ به في العقائد ولا فرق .‏
‏ وإذ كان الأمر كذلك فقد سلم لنا القول المتقدم : إن كل الآيات والأحاديث المتقدمة الدالة على وجوب الأخذ ‏بحديث الآحاد في الأحكام ، تدل أيضاً بعمومها وشمولها على وجوب الأخذ به في العقائد أيضاً ، والحق أن التفريق ‏بين العقيدة والأحكام في وجوب الأخذ فيها بحديث الآحاد فلسفة دخيلة في الإسلام، لا يعرفها السلف الصالح ولا ‏الأئمة الأربعة الذين يقلدهم جماهير المسلمين في كل العصر الحاضر

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:35 AM
* بناؤهم عقيدة ( عدم الأخذ بحديث الآحاد ) على الوهم والخيال :‏

‏ وإن من أعجب ما يسمعه المسلم العاقل اليوم هو هذه الكلمة التي يرددها كثير من الخطباء والكتاب كلما ‏ضعف إيمانهم عن التصديق بحديث ، حتى ولو كان متواتراً عند أهل العلم بالحديث كحديث نزول عيسى عليه ‏السلام في آخر الزمان ، فإنهم يتسترون بقولهم : " حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة " ، وموضع العجب أن قولهم ‏هذا هو نفسه عقيدة ، كما قلت مرة لبعض من ناظرتهم في هذه المسألة ، وبناء على ذلك ، فعليهم أن يأتوا بالدليل ‏القاطع على صحة هذا القول ، وإلا فهم متناقضون فيه ، وهيهات هيهات فإنهم لا دليل لهم إلا مجرد الدعوى ، ‏ومثل ذلك مردود في الأحكام فكيف في العقيدة ؟ وبعبارة أخرى : لقد فروا من القول بالظن الراجح في العقيدة ، ‏فوقعوا فيما هو أسوأ منه وهو قولهم بالظن المرجوح فيها ، ( فاعتبروا يا أولى الأبصار ) ! وما ذلك إلا بسبب البعد ‏عن التفقه بالكتاب والسنة ، والإهتداء بنورهما مباشرة ، والانشغال عنه بآراء الرجال .‏

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:36 AM
* الأدلة على وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة :‏

‏ إن هناك أدلة أخرى أخص في الدلالة مما سبق على وجوب الأخذ بخبر الواحد في العقيدة أرى أنه ‏لا بد من التعرض لذكر بعضها ، وبيان وجه دلالتها .‏

الدليل الأول : قوله تعالى : ‏‎‎وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ‏ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون‎‎‏ .‏
فقد حض الله تبارك وتعالى المؤمنون على أن ينفر طائفة منهم إلى النبي ‏r‏ ليتعلموا منه دينهم ويتفقهوا فيه . ولا ‏شك أن ذلك ليس خاصاً بما يسمى بالفروع والأحكام بل هو أعم . بل المقطوع به أن يبدأ المعلم بما هو الأهم ‏فالأهم تعليما وتعلما ، ومما لا ريب فيه أن العقائد أهم من الأحكام ، ومن أجل ذلك زعم الزاعمون أن العقائد لا ‏تثبت بحديث الآحاد ، فيبطل ذلك عليهم هذه الآية الكريمة ، فإن الله تعالى كم حض فيها الطائفة على التعلم ‏والتفقه عقيدة وأحكاماً حضهم على أن ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما تعلموه من العقائد والأحكام ، و ( ‏الطائفة ) في لغة العرب تقع على الواحد فما فوق . فلولا أن الحجة تقوم بحديث الآحاد عقيدة وحكماً لما حض الله ‏تعالى الطائفة على التبليغ حضاً عاماً، معللاً ذلك بقوله: ‏‎‎لعلهم يحذرون‎‎‏ الصريح في أن العلم يحصل بإنذار ‏الطائفة، فإنه كقوله تعالى في آياته الشرعية والكونية: ‏‎‎لعلهم يتفكرون‎‎‏ ، ‏‎‎لعلهم يعقلون‎‎‏ ، ‏‎‎لعلهم ‏يهتدون‎‎‏ ، فالآية نص في أن خبر الآحاد حجة في التبليغ عقيدة وأحكاماً .‏

الدليل الثاني : قوله تعالى : ‏‎‎ولا تقف ما ليس لك به علم‎‎‏ أي لا تتبعه ، ولا تعمل به ، ومن المعلوم أن ‏المسلمين لم يزالوا من عهد الصحابة يقفون أخبار الآحاد ، ويعملون بها ، ويثبتون بها الأمور الغيبية ، والحقائق ‏الإعتقادية مثل بدء الخلق وأشراط الساعة ، بل ويثبتون بها لله تعالى الصفات ، فلو كانت ‏
لا تفيد علما ، ولا تثبت عقيدة لكان الصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام كلهم قد قفوا ما ليس لهم به ‏علم، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في (مختصر الصواعق– 2/396) وهذا مما لا يقوله مسلم.‏

الدليل الثالث : قوله تعالى : ‏‎‎يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا‎‎‏ وفي القراءة الأخرى ‏
‎‎فتثبتوا‎‎‏ ، فإنها تدل على أن العدل إذا جاء بخبر ما فالحجة قائمة به ، وأنه لا يجب التثبت بل يؤخذ به حالاً ، ‏ولذلك قال ابن القيم رحمه الله في "الإعلام" (2/394) : ‏
‏ "وهذا يدل على الجزم بقبول خبر الواحد وأنه لا يحتاج إلى التثبت ، ولو كان خبره لا يفيد العلم لأمر بالتثبت ‏حتى يحصل العلم . ومما يدل عليه أيضاً أن السلف الصالح وأئمة الإسلام لم يزالوا يقولون : قال رسول الله صلى الله ‏عليه و سلم كذا ، وفعل كذا وأمر بكذا ، ونهى عن كذا ، وهذا معلوم في كلامهم بالضرورة ، وفي "صحيح ‏البخاري" : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في عدة مواضع ، وكثير من أحاديث الصحابة يقول فيها أحدهم ‏‏: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ! وإنما سمعه من صحابي غيره ، وهذه شهادة من القائل ، وجزم على رسول ‏الله صلى الله عليه و سلم بما نسب إليه من قول أو فعل ، فلو كان خبر الواحد لا يفيد العلم لكان شاهداً على ‏رسول الله صلى الله عليه و سلم بغير علم".‏

الدليل الرابع : سنة النبي صلى الله عليه و سم وأصحابه تدل على الأخذ بخبر الآحاد : إن السنة العملية التي جرى ‏عليها النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه في حياته وبعد وفاته تدل أيضاً دلالة قاطعة على عدم التفريق بين حديث ‏الآحاد في العقيدة والأحكام ، وأنه حجة قائمة في كل ذلك ، وأنا ذاكر الآن بإذن الله بعض ما وقفت عليه من ‏الأحاديث الصحيحة ، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في "صحيحه" - 8/132) :‏
‏" باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام ، وقول الله تعالى : ‏‎‎فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون‎‎‏ ‏ويسمى الرجل طائفة لقوله تعالى : ‏‎‎وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا‎‎‏ فلو اقتتل رجلان دخلا في معنى الآية ، ‏وقوله تعالى : ‏‎‎إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا‏‎‎‏ وكيف بعث النبي صلى الله عليه و سلم أمراءه واحداً بعد واحد ، ‏فإن سها أحد منهم رد إلى السنة " .‏
‏ ثم ساق الإمام البخاري أحاديث مستدلاً بها على ما ذكر من إجازة خبر الواحد ، والمراد بها جواز العمل ‏والقول بأنه حجة فأسوق بعضاً منها :‏

‏ الأول : عن مالك بن الحويرث قال :‏
‏ " أتينا النبي صلى الله عليه و سلم ونحن شببه ‏‎( 9 )‎‏ متقاربون ، فأقمنا عنده نحواً من عشرين ليلة ، وكان رسول ‏الله صلى الله عليه و سلم رحيماً رفيقاً ، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا ، أو قد اشتقنا سألنا عمن تركنا بعدنا ، ‏فأخبرناه ، قال : ارجعوا إلى أهليكم ، فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم ، وصلوا كما رأيتموني أصلي ".‏
‏ فقد أمر صلى الله عليه و سلم كل واحد من هؤلاء الشببة أن يعلم كل واحد منهم أهله ، والتعليم يعم العقيدة ، ‏
بل هي أول ما يدخل في العموم فلو لم يكن خبر الآحاد تقوم به الحجة لم يكن لهذا الأمر معنى .‏

‏ الثاني : عن أنس بن مالك : أن أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا : إبعث معنا رجلا ‏يعلمنا السنة والإسلام . قال : فأخذ بيد أبي عبيدة فقال :" هذا أمين هذه الأمة ‏‎‎‏ أخرجه مسلم ‏
‏(7/29) ورواه البخاري مختصراً .‏
‏ قلت : فلو لم تقم الحجة بخبر الواحد لم يبعث إليهم أبا عبيدة وحده ، وكذلك يقال في بعثه صلى الله عليه و ‏سلم إليهم في نوبات مختلفة ، أو إلى بلاد منها متفرقة غيره من الصحابة رضي الله عنهم كعلي بن أبي طالب ، ‏ومعاذ بن جبل ، وأبي موسى الأشعري ، وأحاديثهم في "الصحيحين" وغيرهما ، ومما لا ريب فيه أن هؤلاء كانوا ‏يعلمون الذين أرسلوا إليهم العقائد في جملة ما يعلمونهم ، فلو لم تكن الحجة قائمة بهم عليهم ‏
لم يبعثهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أفرداً ، لأنه عبث يتنزه عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وهذا معنى ‏قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في "الرسالة" (ص412) :‏
‏ " وهو صلى الله عليه و سلم لا يبعث بأمره ، إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول ‏الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان قادراً على أن يبعث إليهم فيشافههم ، أو يبعث إليهم عدداً ، فبعث واحداً ‏يعرفونه بالصدق " .‏

‏ الثالث : عن عبد الله بن عمر قال :‏
‏ " بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت، فقال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أنزل عليه الليلة ‏قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها ، وكانت وجوههم إلى الشام ، فاستداروا إلى الكعبة " رواه البخاري ‏ومسلم .‏
‏ فهذا نص على أن الصحابة رضي الله عنهم قبلوا خبر الواحد في نسخ ما كان مقطوعاً عندهم من وجوب ‏استقبال بيت المقدس ، فتركوا ذلك واستقبلوا الكعبة لخبره ، فلولا أنه حجة عندهم ما خالفوا به المقطوع عندهم ‏من القبلة الأولى . قال ابن القيم :‏
‏ "ولم ينكر عليهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ، بل شكروا على ذلك " .‏
‏ الرابع : عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس ‏موسى نبي إسرائيل ، فقال ابن عباس : كذب عدو الله ، أخبرني أبي بن كعب قال : خطبنا رسول الله ، ثم ذكر ‏حديث موسى والخضر بشيء يدل على أن موسى عليه السلام صاحب الخضر . أخرجه الشيخان مطولاً ، ‏والشافعي هكذا مختصراً وقال (442/1219) : ‏
‏ الشافعي يثبت العقيدة بخبر الواحد :‏
‏"فابن عباس مع فقهه وورعه يثبت خبر أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى يكذب به امرءاً من ‏المسلمين ، إذ حدثه أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بما فيه دلالة على أن موسى نبي إسرائيل ‏صاحب الخضر" .‏
‏ قلت : وهذا القول من الإمام الشافعي رحمه الله دليل على أنه لا يرى التفريق بين العقيدة والعمل في الاحتجاج ‏بخبر الآحاد ، لأن كون موسى عليه السلام هو صاحب الخضر عليه السلام هي مسألة علمية وليست حكماً عملياً ‏كما هو مبين ، ويؤيد ذلك أن الإمام رحمه الله تعالى عقد فصلاً هاماً في "الرسالة" تحت عنوان "الحجة في تثبيت خبر ‏الواحد" وساق تحته أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، (ص401-453) وهي أدلة مطلقة ، أو عامة ، تشمل ‏بإطلاقها وعمومها أن خبر الواحد حجة في العقيدة أيضاً ، وكذلك كلامه عليها عام أيضاً ، وختم هذا البحث ‏بقوله :‏
‏"وفي تثبيت خبر الواحد أحاديث يكفي بعض هذا منها ، ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذه ‏‎( 10 )‎‏ السبيل .‏
وكذلك حكى لنا عمن حكى لنا عنه أن أهل العلم بالبلدان" .‏
‏ وهذا عام أيضاً . وكذلك قوله (ص457) :‏
‏ "ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة : أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تثبيت خبر الواحد ‏والإنتهاء إليه بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي ، ولكن أقول : لم أحفظ عن فقهاء المسلمين ‏أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد" .‏

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:36 AM
* عدم الإحتجاج بحديث الآحاد في العقيدة بدعة محدثة :‏

‏ وبالجملة ، فأدلة الكتاب والسنة ، وعمل الصحابة ، وأقوال العلماء تدل دلالة قاطعة – على ‏
ما شرحنا – من وجوب الأخذ بحديث الآحاد في كل أبواب الشريعة ، سواء كان في الإعتقاديات ‏
أو العمليات ، وأن التفريق بينهما ، بدعة لا يعرفها السلف ، ولذلك قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى ‏
‏(3/412) : ‏
‏ " وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة ، فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميات ( يعني العقيدة ) ، ‏كما تحتج بها في الطلبيات العمليات ، ولا سيما والأحكام العملية تتضمن الخبر عن الله بأنه شرع كذا وأوجبه ‏ورضيه ديناً ، فشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته ، ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل الحديث والسنة ‏يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام ، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوز ‏الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الأخبار عن الله وأسمائه وصفاته ، فأين سلف المفرقين بين البابين ؟ ! نعم ‏سلفهم بعض متأخري المتكلمين الذين لا عناية لهم ‏
بما جاء عن الله ورسوله وأصحابه ، بل يصدون القلوب عن الاهتداء في هذا الباب بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة ‏، ويحيلون على آراء المتكلمين ، وقواعد المتكلفين ، فهم الذين يعرف عنهم التفريق بين الأمرين ... وادعوا الإجماع ‏على هذا التفريق ، ولا يحفظ ما جعلوه إجماعاً عن إمام من أئمة المسلمين ، ولا عن أحد من الصحابة والتابعين ... ‏فنطالبهم بفرق صحيح بين ما يجوز إثباته بخبر الواحد من الدين ، وما لا يجوز ، ولا يجدون إلى الفرق سبيلا إلا ‏بدعاوى باطلة ... كقول بعضهم : الأصوليات هي المسائل العلميات ، والفروعيات هي المسائل العملية ( وهذا ‏تفريق باطل أيضاً ، فإن المطلوب من العمليات ) ‏‎( 11 )‎أمران : العلم والعمل ، والمطلوب من العلميات العلم والعمل ‏أيضاً ، وهو حب القلب وبغضه ، وحبه للحق الذي دلت عليه وتضمنته ، وبغضه للباطل الذي يخالفها ، فليس ‏العمل مقصوراً على عمل الجوارح ، بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح ، وأعمال الجوارح تبع ، فكل مسألة ‏علمية ، فإنه يتبعها إيمان القلب وتصديقه وحبه ، بل هو أصل العمل ، وهذا مما غفل عنه كثير من المتكلمين في ‏مسائل الإيمان ، حيث ظنوا أنه مجرد التصديق دون الأعمال ! وهذا من أقبح الغلط وأعظمه ، فإن كثيراً من الكفار ‏كانوا جازمين بصدق النبي صلى الله عليه و سلم غير شاكين فيه ، غير أنه لم يقترن بذلك التصديق عمل القلب ، ‏من حب ما جاء به والرضا به وإرادته ، والموالاة والمعاداة عليه ، فلا تهمل هذا الموضع فإنه مهم جداً ، به تعرف ‏حقيقة الإيمان .‏
‏ فالمسائل العلمية عملية ، والمسائل العملية عليمة ، فإن الشارع لم يكتف من المكلفين في العمليات بمجرد العمل ‏دون العلم ، ولا في العمليات بمجرد العلم دون العمل" .‏
‏ فتحرر من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى أن التفريق المذكور مع كونه باطلاً بالإجماع لمخالفته ما جرى عليه ‏السلف ، وتظاهر الأدلة المتقدمة على مخالفته ، فهو باطل أيضاً من جهة تصور المفرقين عدم وجوب اقتران العلم ‏بالعمل ، والعمل بالعلم ، وهذه نقطة هامة جداً تساعد المؤمن على تفهم الموضوع جيداً ، والإيمان ببطلان التفريق ‏المذكور يقيناً .‏

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:37 AM
إفادة كثير من أخبار الآحاد العلم واليقين :‏

‏ ثم إن ما تقدم من البحث وتحقيق القول ببطلان التفريق المذكور ، إنما هو قائم كله على افتراض صحة القول ‏بأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن الراجح ، ولا يفيد اليقين ، والعلم القاطع فينبغي أن يعلم أن ذلك ليس مسلماً ‏على إطلاقه ، بل فيه تفصيل مذكور في موضعه ، والذي يهمنا ذكره الآن هو أن خبر الآحاد يفيد العلم واليقين في ‏كثير من الأحيان ، من ذلك الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول ، ومنها ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما ‏مما لم ينتقد عليهما فإنه مقطوع بصحته ، والعلم اليقيني النظري حاصل به ، كما جزم به الإمام ابن الصلاح في ‏كتابه "علوم الحديث" (ص28-29) ونصره الحافظ بن كثير في "مختصره" ومن قبله شيخ الإسلام ابن تيمية ، وتبعه ‏العلامة ابن قيم الجوزية في "مختصر الصواعق" ‏
‏(2/383) ، ومثل له بعدة أحاديث ، منها حديث عمر : ‏‎‎‏ إنما الأعمال بالنيات ‏‎‎‏ وحديث : ‏‎‎‏ إذا جلس ‏بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل ‏‎‎‏ ، وحديث ابن عمر : ‏‎‎‏ فرض رسول الله صلى الله عليه و ‏سلم صلاة الفطر في رمضان على الصغير والكبير والذكر والأنثى ‏‎‎‏ وأمثال ذلك ، قال ابن القيم (2/373) : ‏
‏ " قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فهذا يفيد العلم اليقيني عند جماهير أمة محمد صلى الله عليه و سلم من الأولين ‏والآخرين ، أما السلف ، فلم يكن بينهم في ذلك نزاع ، وأما الخلف ؛ فهذا مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب ‏الأئمة الأربعة ، والمسألة منقولة في كتب الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية ، مثل السرخسي وأبي بكر الرازي من ‏الحنفية ، والشيخ أبي حامد وأبي الطيب والشيخ أبي إسحاق من الشافعية ، وابن خويز منداد وغيره من المالكية ، ‏ومثل القاضي أبي يعلى وابن أبي موسى وأبي الخطاب وغيرهم من الحنبلية ، ومثل أبي إسحاق الإسفرائيني وابن ‏فورك وأبي إسحاق النظام من المتكلمين ، وذكره ابن الصلاح وصححه واختاره ، ولكنه لم يعلم كثرة القائلين به ‏ليتقوى بهم ، وإنما قاله بموجب الحجة الصحيحة وظن من اعترض عليه من المشايخ الذين لهم علم ودين ، وليس لهم ‏بهذا الباب خبرة تامة : أن هذا الذي قاله أبو عمرو بن الصلاح انفرد به عن الجمهور ! وعذرهم أنهم يرجعون في ‏هذه المسائل إلى ما يجدونه من كلام ابن الحاجب ، وإن ارتفعوا درجة صعدوا إلى السيف الآمدي ، وإلى ابن ‏الخطيب ، فإن علا سندهم صعدوا إلى الغزالي والجويني والباقلاني . ( قال ) : وجميع أهل الحديث ‏
ما ذكره الشيخ أبو عمرو ، والحجة على قول الجمهور : أن تلقي الأمة للخبر تصديقاً وعملاً ، إجماع منهم والأمة ‏لا تجتمع على ضلالة ، كما لو اجتمعت على موجب عموم ، أو مطلق أو اسم حقيقة ، أو على موجب قياس ، ‏فإنها لا تجتمع على خطأ وإن كان الواحد منهم لو جرد النظر إليه لم يؤمن عليه الخطأ ، فإن العصمة تثبت بالنسبة ‏الاجماعية ، كما أن خبر التواتر يجوز الخطأ والكذب على واحد واحد من المخبرين بمفرده ، ولا يجوز على المجموع ‏، والأمة معصومة من الخطأ في روايتها ورأيها ، ( قال : ) والآحاد في هذا الباب قد تكون ظنوناً بشروطها ، فإذا ‏قويت صارت علوماً ، وإذا وضعت صارت أوهاماً وخيالات فاسدة . (قال : )‏
‏ وأعلم أن جمهور أحاديث البخاري ومسلم من هذا الباب كما ذكره الشيخ أبو عمرو ، ومن قبله العلماء ‏كالحافظ أبي طاهر السلفي وغيره ، فإن ما تلقاه أهل الحديث وعلماؤه بالقبول والتصديق فهو محصل للعلم ، مفيد ‏لليقين ، ولا عبرة بمن عداهم من المتكلمين والأصوليين ، فإن الإعتبار في الإجماع ‏
على كل أمر من الأمور الدينية بأهل العلم به دون غيرهم ، كما لم يعتبر في الإجماع على الأحكام الشرعية ‏
إلا العلماء بها ، دون المتكلمين والنحاة والأطباء ، وكذلك لا يعتبر في الإجماع على صدق الحديث وعدم صدقه إلا ‏أهل العلم بالحديث وطرقه وعلله ، وهم علماء الحديث ، العالمون بأحوال نبيهم ، الضابطون لأقواله وأفعاله ، ‏المعتنون بها أشد من عناية المقلدين لأقوال متبوعيهم ، فكما أن العلم بالتواتر ينقسم إلى عام وخاص ، فيتواتر عند ‏الخاصة ما لا يكون معلوماً لغيرهم ، فضلاً أن يتواتر عندهم ، فأهل الحديث لشدة عنايتهم بسنة نبيهم ، وضبطهم ‏لأقواله وأفعاله وأحواله يعلمون من ذلك علماً لا يشكون فيه ‏
مما لا شعور لغيرهم به البتة " .‏

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:37 AM
* فساد قياس الخبر الشرعي على الأخبار الأخرى في إفادة العلم :‏

‏ قال ابن القيم رحمه الله تعالى (2/368) :‏
‏ " وإنما أتى منكر إفادة خبر الواحد العلم من جهة القياس الفاسد فإنه قاس المخبر عن رسول الله صلى الله عليه و ‏سلم بشرع عام للأمة ، أو بصفة من صفات الرب تعالى على خبر الشاهد على قضية معينة ، ويا بعد ‏
ما بينهما ! فإن المخبر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم لو قدر أنه كذب عمداً أو خطأ ن ولم يظهر ما يدل ‏على كذبه لزم من ذلك إضلال الخلق ، إذ الكلام في الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول ، وعملت بموجبه ، وأثبت به ‏صفات الرب وأفعاله ، فإن ما يجب قبوله شرعاً من الأخبار ‏
لا يكون باطلا في نفس الأمر ، لاسيما إذا قبلته الأمة كلهم وهكذا يجب أن يقال في كل دليل يجب اتباعه شرعاً ، ‏لا يكون إلا حقاً ، فيكون مدلوله ثابتاً في نفس الأمر ، هذا فيما يخبر به عن شرع الرب تعالى وأسمائه وصفاته ، ‏بخلاف الشهادة المعينة على مشهود عليه معين ، فهذه قد لا يكون مقتضاها ثابتاً في نفس الأمر .‏
‏ وسر المسألة أنه لا يجوز أن يكون الخبر الذي تعبد الله به الأمة وتعرف به إليهم على لسان رسوله صلى الله عليه ‏و سلم في إثبات أسمائه وصفاته كذباً وباطلاً في نفس الأمر ، فإنه من حجج الله على عباده ، وحجج الله ‏
لا تكون كذباً وباطلا ، بل لا تكون إلا حقاً في نفس الأمر ، ولا يجوز أن تتكافأ أدلة الحق والباطل ، ‏
ولا يجوز أن يكون الكذب على الله وشرعه ودينه مشتبهاً بالوحي الذي أنزله على رسوله ، وتعبد به خلقه ، بحيث ‏لا يتميز هذا عن هذا ، فإن الفرق بين الحق والباطل ، والصدق والكذب ، ووحي الشيطان ، ووحي الملك عن الله ‏، أظهر من أن يشبه أحدهما بالآخر ، ألا وقد جعل الله على الحق نوراً كنور الشمس يظهر للبصائر المستنيرة ، ‏وألبس الباطل ظلمة كظلمة الليل .‏
‏ وليس بمستنكر أن يشتبه الليل بالنهار على أعمى البصر ، كما يشتبه الحق بالباطل على أعمى البصيرة ، قال ‏معاذ بن جبل في قضيته (!) " تلق الحق مما قاله ، فإن على الحق نوراً " ولكن لما أظلمت القلوب ، وعميت البصائر ‏بالإعراض عما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم ، وازدادت الظلمة باكتفائها بآراء الرجال التبس عليها الحق ‏بالباطل ، فجوزت على أحاديثه صلى الله عليه و سلم الصحيحة التي رواها أعدل الأمة وأصدقها أن تكون كذباً ، ‏وجوزت على الأحاديث الباطلة المكذوبة المختلقة التي توافق أهواءها أن تكون صدقاً فاحتجت بها ! قال ‏‏(2/379) : ‏
‏ وإنما المتكلمون أهل ظلم وجهل، يقيسون خبر الصديق والفاروق وأبي بن كعب بأخبار آحاد الناس، مع ظهور ‏الفرق المبين بين المخبرين ، فمن أظلم ممن سوى بين خبر الواحد من الصحابة وخبر الواحد من الناس في عدم إفادة ‏العلم ؟ وهذا بمنزلة من سوى بينهم في العلم والدين والفضل . قال (2/379) :‏

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:38 AM
* سبب ادعائهم ( عدم إفادة حديث الآحاد العلم ) هو جهلهم بالسنة :‏

‏ فإذا قالوا : أخباره صلى الله عليه و سلم وأحاديثه الصحيحة لا تفيد العلم ، فهم مخبرون عن أنفسهم أنهم لم ‏يستفيدوا منها العلم ، فهم صادقون فيما يخبرون به عن أنفسهم ، كاذبون في إخبارهم أنها لا تفيد العلم لأهل ‏الحديث والسنة . (وقال 2/432) إذ لم يحصل لهم من الطرق التي استفاد بها العلم أهل السنة ما حصل لهم ، ‏فقولهم : لم نستفد بها العلم لم يلزم منه النفي العام على ذلك ، ( وهذا ) بمنزلة الاستدلال على أن الواجد للشيء ‏العالم به غير واجد له ، ولا عالم به ! فهو كمن يجد من نفسه وجعاً أو لذة أو حباً أو بغضاً ، فينتصب له من ‏يستدل على أنه غير وجع ولا متألم ولا محب ولا مبغض ، ويكثر له من الشبه التي غايتها أني لم أجد ما وجدته ، ‏ولو كان حقاً لاشتركت أنا وأنت فيه ! وهذا عين الباطل ، ‏
وما أحسن ما قيل :‏
أقول للائم المهدى ملامته ذق الهوى فإن استطعت الملام لم
‏ فيقال له : اصرف عنايتك إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم واحرص عليه ، وتتبعه واجمعه ، و ( الزم ‏‏) معرفة أحوال نقلته وسيرتهم ، وأعرض عما سواه ، واجعله غاية طلبك ، ونهاية قصدك ، بل احرص عليه حرص ‏أتباع المذاهب على معرفة مذاهب أئمتهم ، بحيث حصل لهم العلم الضروري بأنها مذاهبهم وأقوالهم ، ولو أنكر ‏ذلك عليهم منكر لسخروا منه ، وحينئذ تعلم : هل تفيد أخبار رسول الله صلى الله عليه و سلم العلم أو لا تفيده ، ‏فأما مع إعراضك عنها ، وعن طلبها فهي لا تفيدك علماً ، ولو قلت : لا تفيدك أيضاً ظناً لكنت مخبراً بحصتك ‏ونصيبك منها ! " .‏

أحمد سعد الدين
17-12-2004, 11:39 AM
مثالان على موقف بعض الفقهاء من الحديث وجهلهم بالسنة :‏

‏ أقول : وهذه حقيقة يلمسها كل مشتغل بعلم الحديث متتبع لطرقه وألفاظه ، مطلع على موقف بعض الفقهاء ، من ‏بعض رواياته وأضرب على ذلك مثلين اثنين ، أحدهما قديم ، والآخر حديث :‏
‏ الأول : قوله صلى الله عليه و سلم : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ‏‎‎‏ فهو مع كونه صحيحاً مخرجاً في ‏‏"الصحيحين" فقد رده الحنفية بدعوى أنه مخالف لظاهر القرآن ، وهو قوله تعالى : ‏‎‎فاقرأوا ما تيسر منه‎‎‏ فتأولوه ‏لكونه حديث آحاد بزعمهم ، مع أن أمير المؤمنين في الحديث وهو الإمام البخاري صرح في مطلع كتابه "جزء القراءة" ‏بأنه حديث متواتر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ! ‏
‏ ترى ألم يكن من الواجب على هؤلاء أن يستفيدوا من علم هذا الإمام المختص بالحديث ، ويغيروا رأيهم فيه أنه ‏آحاد ، ويضموه إلى الآية ويخصصوها به ؟ هذا مع العلم بأن الآية الكريمة المذكورة هي في موضوع صلاة الليل وليست ‏في موضوع القراءة المفروضة في الصلاة !‏
‏ والآخر : حديث نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان ، وهو مروي في "الصحيحين" أيضاً ، فقد سئلت عنه منذ ‏سنين مشيخة الأزهر ، فأجاب أحدهم في مجلة "الرسالة" بأنه حديث آحاد ، وأن مدار طرقه على وهب بن منبه وكعب ‏الأحبار .‏
‏ والحقيقة التي يشهد بها أهل الاختصاص والمعرفة بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه حديث متواتر ، وقد ‏كنت تتبعت أنا شخصياً طرقه إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، فرأيته قد رواه عنه عليه الصلاة والسلام نحو أربعين ‏صحابياً ، أسانيد عشرين منهم على الأقل صحيحة ، وبعضها له عند بعضهم أكثر من طريق واحد صحيح في ‏‏"الصحيحين" و"السنن" و"المسانيد" و"المعاجم" وغيرها من كتب السنة .‏
‏ ومن الغريب أن كل هذه الطرق ليس فيها ذكر مطلقاً لوهب وكعب ! ! وقد كنت كتبت خلاصة للتتبع المشار إليه ‏في صفحتين أرسلتهما إلى "الرسالة" يؤمئذ ، راجياً أن تنشرهما خدمة للعلم ، ولكن ‏
لم يكتب لهما النشر ! ‏
‏ فهذان المثالان من مئات الأمثلة تبين لنا أن الحديث النبوي لم ينل من أهل العلم العناية الواجبة عليهم على اعتبار أنه ‏الأصل الثاني للشريعة الإسلامية ، الذي بدونه لا يمكن أبداً أن يفهم الأصل الأول فهماً صحيحاً كما أراده الله تبارك ‏وتعالى ، فوقعوا بسبب ذلك في هذا الجهل الفاضح بأحاديث النبي صلى الله عليه و سلم ، وهذا الإنحراف المكشوف عن ‏التصديق بها ، وهي قطعاً مما جاء به عليه السلام ، والله تعالى يقول : ‏
‎‎وما آتاكم الرسول فخذوه..‏‎ ‎فأخذوا بعضه وتركوا بعضه !‏‎‎فما جزاء من يفعل ذلك إلا ..‏‎ ‎‏.‏
‏ والخلاصة أنه يجب على المسلم أن يؤمن بكل حديث ثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، عند أهل العلم به ‏سواء كان في العقائد أو الأحكام وسواء أكان متواتراً أم آحاداً ، وسواء أكان الآحاد عنده يفيد القطع واليقين ، أو ‏الظن الغالب على ما سبق بيانه ، فالواجب في كل ذلك الإيمان به والتسليم له ، وبذلك يكون قد حقق في نفسه ‏الاستجابة المأمور بها في قول الله تبارك وتعالى : ‏‎‎يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ، ‏واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ، وأنه إليه تحشرون‎‎‏ وغيرها من الآيات التي سبق ذكرها في مطلع هذه الكلمة ‏التي أرجو الله تعالى أن ينفع بها ويجعلها خالصة لوجهه ، ناصرة لكتابه ، خادمة لسنة نبيه صلى الله عليه و سلم تسليماً .‏

أم سلمى
20-06-2007, 12:35 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بحث قيم
جزاكم الله خيرا وجعله فى ميزان حسناتكم
وفى ميزان حسنات محدث العصر رحمه الله
بارك الله فيكم

أبو عمير
25-06-2007, 09:23 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا كتاب مكمل للكتاب السابق، عنوانه " منزلة السنة في الإسلام " ، وهو أيضا لمحدث العصر محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله:

http://www.alalbany.net/click/go.php?id=37

[ اضغط بالزر الأيمن من الفأرة ثم على " save target as " ]